Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
١٠٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رِضَى اللَّهُ عَنْهُمَا، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٠٣٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ» ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ إِنْ صَحَّ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ حُجَّةٌ لِمَا صَحَّ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] وَفِي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ مُتَأَخِّرٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ يَرْوُونَهَا فِيهِ فَالْإِثْبَاتُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ، وَلِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَرْوِي فِي الصِّحَاحِ «أَنَّهُ ﵇ سَجَدَ بِالنَّجْمِ» ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ فِي الصِّحَاحِ أَقْوَى مِنَ الْمَرْوِيِّ فِي الْحِسَانِ.
قُلْتُ: عَلَى فَرْضِ أَنَّهُ حَسَنٌ، وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ بِهِ الِاحْتِجَاجُ، لَكِنْ وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ لِلْخَصْمِ أَنْ يَحْمِلَ سُجُودَهُ فِي النَّجْمِ عَلَى مَا قَبْلَ تَحَوُّلِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَالْمُعْتَمَدُ قَالَهُ التُّورِبِشْتِيُّ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَفِي سَنَدِهِ أَبُو قُدَامَةَ الْبَصْرِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ لَا جَرَمَ! .
قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ، قُلْتُ: مَعَ كَوْنِهِ ضَعِيفًا مُنَافٍ لِلْمُثَبَتِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ إِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ سَجَدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الِانْشِقَاقِ، وَ (اقْرَأْ) ، وَهُمَا مِنَ الْمُفَصَّلِ عَلَى أَنَّ التَّرْكَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا.
стр. 1577
١٠٣٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ: " سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ــ
١٠٣٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ) : حِكَايَةً لِلْوَاقِعِ لَا لِلتَّقْيِيدِ بِهِ (" سَجَدَ وَجْهِي ") : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهَا، وَالنِّسْبَةُ مَجَازِيَّةٌ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ (" لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ ") : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَيْ: فَتَحَهُمَا وَأَعْطَاهُمَا الْإِدْرَاكَ، وَأَثْبَتَ لَهُمَا الْإِمْدَادَ بَعْدَ الْإِيجَادِ (" بِحَوْلِهِ ") : أَيْ: بِصَرْفِهِ الْآفَاتِ عَنْهُمَا (" وَقُوَّتِهِ ") : أَيْ: وَقُدْرَتِهُ بِالثَّبَاتِ وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهِمَا، قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: وَيَقُولُ فِي السَّجْدَةِ مَا يَقُولُ فِي سَجْدَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ أَوْلِيَائِهِ وَقَالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا - وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨] وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مَا صُحِّحَ عَلَى عُمُومِهِ، فَإِنْ كَانَتِ السَّجْدَةُ فِي الصَّلَاةِ فَيَقُولُ فِيهَا مَا يُقَالُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ فَرِيضَةً قَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، أَوْ نَفْلًا قَالَ: مَا شَاءَ مِمَّا وَرَدَ، كَسَجَدَ وَجْهِي، وَقَوْلِ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي إِلَخْ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ قَالَ كُلَّ مَا أُثِرَ مِنْ ذَلِكَ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: زَادَ الْبَيْهَقِيُّ: بَعْدَ " خَلَقَهُ " وَ " صَوَّرَهُ "، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ بَعْدَ: " وَقُوَّتِهِ " فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ") .
стр. 1578
١٠٣٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ وَأَنَا نَائِمٌ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فَسَجَدْتُ، فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ سَجْدَةً ثُمَّ سَجَدَ، فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ مِثْلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ» ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
١٠٣٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) : قَالَ مِيرَكُ: هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ مِنْ رِوَايَتِهِ، وَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قَالَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ، (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ) : أَيْ: أَبْصَرْتُ ذَاتِي الْبَارِحَةَ (وَأَنَا نَائِمٌ) : حَالٌ فَاعِلٌ أَوْ مَفْعُولٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَأَى هُنَا قَلْبِيَّةٌ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّحَدَ فَاعِلُهَا وَمَفْعُولُهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَوَاصِّ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يُنَاسِبُ الرُّؤْيَا، وَلِذَا عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فَسَجَدْتُ) : يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ السَّجْدَةُ صَلَاتِيَّةً، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ، وَأَنَّ الْآيَةَ آيَةُ (ص) ، (فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا) : أَيِ: الشَّجَرَةَ (تَقُولُ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي) : أَيِ: أَثْبِتْ لِأَجْلِي (بِهَا) : أَيْ: بِسَبَبِ هَذِهِ السَّجْدَةِ أَوْ بِمُقَابَلَتِهَا، وَالضَّمِيرُ لِلسَّجْدَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ سَجَدْتُ (عِنْدَكَ) : ظَرْفٌ لِـ " اكْتُبْ " أَيْ: حَيْثُ لَا يَتَبَدَّلُ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْ فَضْلِكَ (أَجْرًا) : أَيْ: عَظِيمًا (وَضَعْ) : أَيْ: حُطَّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (عَنِّي بِهَا وِزْرًا) ، أَيْ: ذَنْبًا ثَقِيلًا جَسِيمًا (وَاجْعَلْهَا لِي) : أَيْ: بِاعْتِبَارِ ثَوَابِهَا (عِنْدَكَ ذُخْرًا) : أَيْ: كَنْزًا ضَخِيمًا، قِيلَ: ذُخْرًا بِمَعْنَى: أَجْرًا، وَكُرِّرَ لِأَنَّ مَقَامَ الدُّعَاءِ يُنَاسِبُ الْإِطْنَابَ، وَقِيلَ: الْأَوَّلُ طَلَبُ كِتَابَةِ الْأَجْرِ، وَهَذَا طَلَبُ بَقَائِهِ سَالِمًا مِنْ مُحْبِطٍ أَوْ مُبْطِلٍ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ، (وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ) : عَبْدًا كَرِيمًا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ سَجْدَةَ (ص) لِلتِّلَاوَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: هُوَ مُسَلَّمٌ لَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا سَجْدَةُ شُكْرٍ مَدْفُوعٍ بِعَدَمِ التَّنَافِي بَيْنَ كَوْنِهَا سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ وَسَجْدَةَ شُكْرٍ؛ لِمَا قَرَّرْنَا فِيمَا سَبَقَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَجُوزُ كَوْنُ الْقَائِلِ مَلَكًا، وَيَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِيهَا نُطْقًا، كَمَا فِي شَجَرَةِ مُوسَى ﵊ قُلْتُ: حَالَةُ الرُّؤْيَا خَيَالِيَّةٌ مُحْتَاجَةٌ إِلَى التَّعْبِيرِ، وَلَيْسَتْ مُحَقَّقَةً لِتَحْتَاجَ إِلَى التَّأْوِيلِ.
стр. 1579
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ سَجْدَةً) ، أَيْ: آيَةَ سَجْدَةٍ مَعَ مَا قَبْلَهَا أَوْ مَا بَعْدَهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا آيَةُ (ص) ، أَوْ سُورَةُ سَجْدَةٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَصَدَهَا لِيُبَيِّنَ مَشْرُوعِيَّةَ مَا سَمِعَهُ أَبُو سَعِيدٍ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْقَوْلِ، وَأَنْ يَكُونَ وَقَعَتْ قِرَاءَتُهُ اتِّفَاقًا، فَبَيَّنَ مَشْرُوعِيَّةَ ذَلِكَ فِيهَا، قُلْتُ: الِاحْتِمَالُ الثَّانِي بَعِيدٌ، وَيُعَارِضُ الْأَوَّلَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ لَا يُنْدَبُ وَلَا يُكْرَهُ قِرَاءَةُ آيَةِ سَجْدَةٍ لِيَسْجُدَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، (ثُمَّ سَجَدَ، فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ سَجْدَةً ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: (مِثْلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا الدُّعَاءُ مَسْنُونٌ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ لِقِرَاءَتِهِ ﵇.
قُلْتُ: لَا سِيَّمَا فِي سَجْدَةِ (ص) ، وَلَعَلَّهُ ﵇ أَوَّلَ الشَّجَرَةَ بِذَاتِهِ الْأَقْدَسِ، وَالصَّحَابِيُّ مُقْتَدٍ بِهِ، وَأَنَّ الْمُقْتَدَى بِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ لِيُقْتَدَى بِهِ، وَلَمَّا كَانَ نَقْلُ الصَّحَابِيِّ رُؤْيَاهُ إِلَيْهِ سَبَبًا لِسُجُودِهِ ﵇ رَأَى أَنَّهُ سَجَدَ فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ، هَذَا مِمَّا خَطَرَ بِالْبَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ مِيرَكُ: وَلَفْظُهُ: " اللَّهُمَّ احْطُطْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاكْتُبْ لِي بِهَا أَجْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا "، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ عَلَى تَصْحِيحِهِ، (إِلَّا أَنَّهُ) ، أَيِ: ابْنُ مَاجَهْ (لَمْ يَذْكُرْ: وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَكِنْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَحَسَّنَهُ غَيْرُهُ، وَبِفَرْضِ ضَعْفِهِ يُعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ مِنَ الْفَضَائِلِ، قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْغَرَابَةَ لَا تُنَافِي الصِّحَّةَ وَالْحُسْنَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ غَرِيبًا كَوْنُهُ ضَعِيفًا.
стр. 1580
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٠٣٧ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ: وَالنَّجْمِ، فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ، غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا مِنْ قُرَيْشٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى - أَوْ تُرَابٍ - فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٠٣٧ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ وَالنَّجْمِ) ، أَيْ: سُورَةَ (وَالنَّجْمِ) ، إِلَى آخِرِهَا (فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ: مَنْ كَانَ حَاضِرًا قِرَاءَتَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، حَتَّى شَاعَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ أَسْلَمُوا، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَأَمَّا مَا يَرْوِيهِ الْإِخْبَارِيُّونَ وَالْمُفَسِّرُونَ، أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ مَا جَرَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى آلِهَتِهِمْ فِي سُورَةِ النَّجْمِ فَبَاطِلٌ، لَا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ ; لِأَنَّ مَدْحَ إِلَاهٍ غَيْرِ اللَّهِ كُفْرٌ، فَلَا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا يَقُولُهُ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ، وَلَا يَصِحُّ تَسْلِيطُ الشَّيْطَانِ عَلَى ذَلِكَ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَدْ سَبَقَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ، وَأَنَّ الْعَسْقَلَانِيَّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَطَالَ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَأَنَّ لَهَا طُرُقًا صَحِيحَةً وَطُرُقًا أُخَرَ كَثِيرَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا أَصْلًا، قَالَ: وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ إِلَّا تَأْوِيلُهَا، وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرَتِّلُ تِلَاوَتَهُ، فَأَلْقَى الشَّيْطَانُ ذَلِكَ فِي سَكْتَةٍ مِنْ سَكَتَاتِهِ، وَلَمْ يَفْطِنْ لَهَا وَسَمِعَهَا غَيْرُهُ فَأَشَاعَهَا، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَهُوَ - أَيْ نَقْلُ الْقِصَّةِ وَسَبْقُ لِسَانِهِ سَهْوًا - مَرْدُودٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِنْ صَحَّ فَابْتِلَاءٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ الثَّابِتُ عَلَى الْإِيمَانِ عَنِ الْمُتَزَلْزِلِ فِيهِ.
стр. 1581
وَقَالَ فِي التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّهُ قَدْ رُدَّ بِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْوُثُوقِ عَلَى الْقُرْآنِ، وَلَا يُدْفَعُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ; لِأَنَّهُ أَيْضًا يَحْتَمِلُهُ أَيْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ أَيْضًا مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ، قُلْتُ: مَا يَكُونُ الِابْتِلَاءُ إِلَّا مَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، (غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا) : أَيْ: كَبِيرَ السِّنِّ (مِنْ قُرَيْشٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصَى) ، أَيْ: حِجَارَةٍ صِغَارٍ (- أَوْ تُرَابٍ - فَرَفَعَهُ) : أَيْ: كَفَّهُ (إِلَى جَبْهَتِهِ) : وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَرَجَعَهُ أَيْ: رَفَعَهُ؛ تَصْحِيفٌ وَتَحْرِيفٌ، (وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا) : فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ السُّجُودِ التَّوَاضُعُ وَالِانْقِيَادُ وَالْمَذَلَّةُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعِبَادِ، وَوَضْعُ أَشْرَفِ الْأَعْضَاءِ فِي أَخَسِّ الْأَشْيَاءِ رُجُوعًا إِلَى أَصْلِهِ مِنَ الْفَنَاءِ، وَهَذَا لِمَا فِي رَأْسِهِ مِنْ تَوَهُّمِ الْكِبْرِيَاءِ وَعَدَمِ وُصُولِهِ إِلَى مَقَامِ الْأَصْفِيَاءِ، (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) : أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ) : أَيْ: بَعْدَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ (قُتِلَ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ يَوْمَ بَدْرٍ (كَافِرًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ مَنْ سَجَدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَسْلَمُوا، قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ) ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؟ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ، وَقِيلَ: سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَقِيلَ: أَبُو لَهَبٍ، قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْعَسْقَلَانِيِّ: وَلَعَلَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَرَهُ أَوْ خَصَّ وَاحِدًا بِذِكْرِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِأَخْذِ الْكَفِّ مِنَ التُّرَابِ دُونَ غَيْرِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: " فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: إِنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ مُشْرِكًا، قَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، وَأَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مُشْرِكًا، وَهُمَا ابْنَا خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحِ الْجُمْحَانِ ".
стр. 1582
١٠٣٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄، قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي (ص) ، وَقَالَ: " سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا» "، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
١٠٣٨ - ( «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي (ص) » : أَيْ: فِي سُورَتِهَا مَكَانَ سَجْدَتِهَا وَهُوَ (حُسْنُ مَآبٍ) عَلَى الصَّوَابِ، (وَقَالَ: " «سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا» ") : لِلِاقْتِدَاءِ بِالْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ شُكْرًا مِنَّا عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، فَالنِّعْمَةُ عَلَى أَحَدِهِمْ نِعْمَةٌ عَلَى الْكُلِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا كَانَ ﵇ مَأْمُورًا بِالِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِ الْأَنْبِيَاءِ السَّالِفَةِ لِيَسْتَكْمِلَ بِجَمِيعِ فَضَائِلِهِمْ، وَهِيَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الشُّكْرُ بِذَلِكَ، قُلْتُ: لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ شُكْرًا أَنْ لَا يَكُونَ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ، لِأَنَّهَا لَا شَكَّ أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِقِرَاءَةِ تِلْكَ الْآيَةِ أَوْ سَمَاعِهَا، وَتَقَعُ السَّجْدَةُ عِنْدَ ثُبُوتِهِمَا، وَهَذَا مَعْنَى: سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، سَوَاءٌ يَكُونُ السَّبَبُ فِيهَا أَمْرًا أَوْ شُكْرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهَمَّامِ: غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ بَيَّنَ السَّبَبَ فِي حَقِّ دَاوُدَ، وَالسَّبَبَ فِي حَقِّنَا، وَكَوْنُهُ لِلشُّكْرِ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ، فَكُلُّ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ إِنَّمَا وَجَبَتْ شُكْرًا لِتَوَالِي النِّعَمِ اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ «أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: " أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» " (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ بَلْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّ رِجَالَهُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَضَحَ «أَنَّهُ ﵇ قَرَأَ (ص) عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأَهَا فِي يَوْمٍ آخَرَ، فَلَمَّا رَآهُمْ تَهَيَّئُوا لِلسُّجُودِ قَالَ: " إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَهَيَّأْتُمْ لِلسُّجُودِ " فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ» ، وَمِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا تُطْلَبُ لِلشُّكْرِ عَلَى قَبُولِ تَوْبَةِ دَاوُدَ لَا لِلتِّلَاوَةِ، وَإِنَّمَا التِّلَاوَةُ سَبَبٌ لِتَذَكُّرِ قَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ سَجْدَةَ الشُّكْرِ تَخْتَصُّ عِنْدَهُ بِهُجُومِ نِعْمَةٍ أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ.
قُلْتُ: حَدِيثُ قِرَاءَتِهِ (ص) عَلَى الْمِنْبَرِ يُوَافِقُ حَدِيثَ قِرَاءَتِهِ (النَّحْلَ) ، بَلْ آكَدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ فِي النَّحْلِ ثَانِيًا، وَقَوْلُهُ: " إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ " بَيَانٌ لِسَبَبِ السُّجُودِ، فَإِنَّ بَقِيَّةَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ إِمَّا أَمْرٌ بِهَا، أَوْ ذَمٌّ عَنْ إِبَائِهَا، أَوْ مَدْحٌ لِفَاعِلِيهَا، فَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ السَّجْدَةَ إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ، يَعْنِي: أَنَّهُ مَمْدُوحٌ بِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ نَتْبَعَهُ فِيهَا، بَلْ هِيَ آكَدُ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ حَيْثِيَّةِ الْمُتَابَعَةِ الْوَارِدَةِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِسِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ.
стр. 1583
[بَابُ أَوْقَاتِ النَّهْيِ]
стр. 1584
[٢٢]- بَابُ أَوْقَاتِ النَّهْيِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٠٣٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا ".
وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: " إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ وَلَا تَحَيَّنُوا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
بَابُ أَوْقَاتِ النَّهْيِ
مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَنْهِيِّ، أَيِ: الْأَوْقَاتُ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا نَهْيَ حُرْمَةٍ أَوْ كَرَاهَةٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٠٣٩ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا يَتَحَرَّى ") : نَفْيٌ مَعْنَاهُ نَهْيٌ أَيْ: لَا يَقْصِدُ (" أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي ") : بِالنَّصْبِ جَوَابًا (" عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ") ، أَيْ: لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فِعْلًا لِيَكُونَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الصَّلَاةِ فِي زَمَانِ الْكَرَاهَةِ، فَالْفِعْلُ الْمُعَلَّلُ مَنْهِيٌّ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَيَجُوزُ الرَّفْعُ مِنْ جِهَةِ النَّحْوِ، أَيْ: فَهُوَ يُصَلِّي، قُلْتُ: وَهُوَ بِالرَّفْعِ فِي نُسْخَةٍ، (" وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا ") : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُقَالُ فُلَانٌ يَتَحَرَّى الْأَمْرَ، أَيْ: يَتَوَخَّاهُ وَيَقْصِدُهُ، وَيَتَحَرَّى فُلَانٌ إِذَا طَلَبَ مَا هُوَ الْأَحْرَى، وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ، أَيْ: لَا يَقْصِدُ الْوَقْتَ الَّذِي تَطْلُعُ الشَّمْسُ فِيهِ أَوْ تَغْرُبْ، فَيُصَلِّي فِيهِ أَوْ لَا يُصَلِّي فِي هَذَا الْوَقْتِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ عَمِلَ بِالْأَحْرَى، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ وَأَبْلَغُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: " إِذَا طَلَعَ ") ، أَيْ: ظَهَرَ (" حَاجِبُ الشَّمْسِ ") ، أَيْ: طَرْفُهَا أَوْ قُرْصُهَا الَّذِي يَبْدُو أَوَّلًا مُسْتَعَارٌ مِنْ حَاجِبِ الْوَجْهِ، وَقِيلَ: النَّيَازِكُ الَّتِي تَبْدُو إِذَا حَانَ طُلُوعُهَا، (" فَدَعُوا ") ، أَيِ: اتْرُكُوا (" الصَّلَاةَ ") ، أَيْ: مُطْلَقًا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، سَوَاءٌ يَكُونُ لَهَا سَبَبٌ أَوْ لَا (" حَتَّى تَبْرُزَ ") ، أَيْ: تَخْرُجَ وَتَظْهَرَ كُلُّهَا أَوْ تَرْتَفِعُ قَدْرَ رُمْحٍ (" «وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ» ") ، أَيِ: الشُّرُوعَ فِيهَا إِلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ (" حَتَّى تَغِيبَ ") ، أَيْ: تَغْرُبَ بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُنْهَى فِيهِ عَنِ الْفَرْضِ، لَكِنْ يُكْرَهُ النَّفْلُ قَبْلَ أَدَاءِ الْمَغْرِبِ عِنْدَنَا، (" وَلَا تَحَيَّنُوا ") : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ: أَيْ: لَا تَتَقَرَّبُوا (" بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا ") : مِنْ حَانَ إِذَا قَرُبَ، أَوْ لَا تَجْعَلُوا ذَلِكَ الْوَقْتَ حِينًا لِلصَّلَاةِ بِصَلَاتِكُمْ فِيهِ، مِنْ تَحَيَّنَ بِمَعْنَى حَيَّنَ الشَّيْءَ: إِذَا جَعَلَ لَهُ حِينًا، وَيُقَالُ: تَحَيُّنَ الْوَارِشِ وَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُ بَيْتَ النَّاسِ بِغَيْرِ عَزِيمَةٍ إِذَا انْتَظَرَ وَقْتَ الْأَكْلِ لِيَدْخُلَ، وَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى: لَا تَنْتَظِرُوا بِصَلَاتِكُمْ حِينَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا حِينَ غُرُوبِهَا (" فَإِنَّهَا تَطْلُعُ ") : بِضَمِّ اللَّامِ (" بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ ") ، أَيْ: جَانِبَيْ رَأْسِهِ لِأَنَّهُ يَنْتَصِبُ قَائِمًا فِي وَجْهِ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا لِيَكُونَ شُرُوقُهَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ، فَيَكُونُ قِبْلَةً لِمَنْ سَجَدَ لِلشَّمْسِ، فَنَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِئَلَّا يُتَشَبَّهَ بِهِمْ فِي الْعِبَادَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَإِنَّهَا تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيَيْنِ، وَقَوْلُهُ: تَطْلُعُ أَيْ وَتَغْرُبْ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 1585
١٠٤٠ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، ﵁، قَالَ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٤٠ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ) ، أَيْ: أَوْقَاتٍ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ) : وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَنَا (أَوْ نَقْبُرُ) : عَلَى وَزْنِ نَنْصُرُ، أَيْ: نَدْفِنُ (فِيهِنَّ مَوْتَانَا) : يُقَالُ: قَبَرْتُهُ إِذَا دَفَنْتُهُ، وَأَقْبَرْتُهُ إِذَا جَعَلْتُ لَهُ قَبْرًا يُوَارَى فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَقْبَرَهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ،
стр. 1586
فَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، مَعْنَى أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا، الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ مِنْهُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ ; لِأَنَّ الدَّفْنَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى كَرَاهَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَرَى جَوَازَهَا أَيَّ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ اهـ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ، أَنَّهُ يَكْرَهُ الدَّفْنَ فِي أَوْقَاتِ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ مَا لَمْ يَتَحَرَّهُ فِيهَا وَإِلَّا حَرُمَ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةَ يَحْرُمُ فِيهَا الْفَرَائِضُ وَالنَّوَافِلُ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ إِلَّا إِذَا حَضَرَتِ الْجِنَازَةَ أَوْ تُلِيَتْ آيَةُ السَّجْدَةِ حِينَئِذٍ، فَإِنَّهُمَا لَا يُكْرَهَانِ لَكِنَّ الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُمَا إِلَى خُرُوجِ الْأَوْقَاتِ، (حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً) : أَيْ: طَالِعَةً ظَاهِرَةً وَهُوَ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أَوْ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، (حَتَّى تَرْتَفِعَ) : بَدَلٌ وَبَيَانٌ، وَالْمُرَادُ: تَرْتَفِعُ كَرُمْحٍ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ، لِمَا سَيَأْتِي، كَذَا قِيلَ، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى نُسْخَةِ: حِينَ تَرْتَفِعُ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَايَةٌ (وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ) : وَهِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ نِصْفَ النَّهَارِ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قِيَامُ الشَّمْسِ: وَقْتُ الزَّوَالِ؛ مِنْ " قَامَ " إِذَا وَقَفَ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: حِينَ تَسْتَوِي الشَّمْسُ وَتَصِلُ إِلَى خَطِّ نِصْفِ النَّهَارِ، مِنْ " قَامَ " إِذَا اعْتَدَلَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَقْتُ الظُّهْرِ تَكُونُ الشَّمْسُ وَاقِفَةً عَنِ السَّيْرِ، وَتَثْبُتُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ لَحْظَةً ثُمَّ تَسِيرُ، وَقِيلَ: يُظَنُّ أَنَّهَا وَاقِفَةٌ، قُلْتُ: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّمْسُ إِذَا بَلَغَتْ وَسَطَ السَّمَاءِ أَبْطَأَتْ حَرَكَةُ الظِّلِّ إِلَى أَنْ تَزُولَ، فَيُتَخَيَّلُ لِلنَّاظِرِ الْمُتَأَمِّلِ أَنَّهَا وَقَفَتْ وَهِيَ سَائِرَةٌ، قُلْتُ: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ: حِينَ لَا يَبْقَى لِلْقَائِمِ فِي الظَّهِيرَةِ ظِلٌّ فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الظَّهِيرَةُ: هِيَ نِصْفُ النَّهَارِ، وَقَائِمُهَا إِمَّا الظِّلُّ، وَقِيَامُهُ وُقُوفُهُ؛ مِنْ " قَامَتْ بِهِ دَابَّتُهُ ": وَقَفَتْ، وَالْمُرَادُ بِوُقُوفِهِ بُطْءُ حَرَكَتِهِ النَّاشِئُ عَنْ بُطْءِ حَرَكَةِ الشَّمْسِ حِينَئِذٍ بِاعْتِبَارِ مَا يَظْهَرُ لِلنَّاظِرِ بِبَادِئِ الرَّأْيِ، وَإِلَّا فَهِيَ سَائِرَةٌ عَلَى حَالِهَا، وَإِمَّا لِلْقَائِمِ فِيهَا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَمِيلُ لَهُ ظِلٌّ إِلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَلَا إِلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ كِنَايَةٌ عَنْ وَقْتِ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ، (حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ) ، أَيْ: مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَتَزُولُ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَمَيْلُهَا هَذَا: هُوَ الزَّوَالُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَوَقْتُ الِاسْتِوَاءِ الْمَذْكُورُ وَإِنْ كَانَ وَقْتًا ضَيِّقًا لَا يَسَعُ صَلَاةً إِلَّا أَنَّهُ يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ، فَيُحَرَّمُ تَعَمُّدُ التَّحْرِيمِ فِيهِ، (وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ) : أَيْ: تُضَيَّفُ بِمَعْنَى تَمِيلُ (لِلْغُرُوبِ) : وَتَشْرَعُ فِيهِ (حَتَّى تَغْرُبَ) : وَأَصْلُ الضَّيْفِ: الْمَيْلُ، سُمِّيَ الضَّيْفُ بِهِ لِمَيْلِهِ إِلَى مَنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْحَدِيثُ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي تَخْصِيصِ الْفَرَائِضِ اهـ.
وَفِيهِ كَلَامٌ سَيَأْتِي، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.
стр. 1587
١٠٤١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٠٤١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ ") : أَيْ: بَعْدَ صَلَاتِهِ (" حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ ") : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: كَرُمْحٍ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ، وَهُوَ قَدْرُ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ تَقْرِيبًا، وَإِلَّا فَالْمَسَافَةُ طَوِيلَةٌ لِمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ: حَتَّى تَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ، (" وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ ") : أَيْ: بَعْدَ صَلَاتِهِ (" حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ ") ، أَيْ: بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا النَّهْيُ لِمَنْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 1588
-
стр. 1589
١٠٤٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﵁ قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: " صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلَعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ ; فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ ; فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ; فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ " قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَالْوُضُوءُ حَدِّثْنِي عَنْهُ قَالَ: " مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيُمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَسْتَنْثِرُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ; إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيِهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٤٢ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ) : بِالتَّحْرِيكِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، قِيلَ: كَانَ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، وَقَالَ لَهُ ﵇: " إِذَا سَمِعْتَ أَنِّي قَدْ خَرَجْتَ فَاتْبَعْنِي " فَجَاءَ بَعْدَ خَيْبَرَ، وَمِنْ قِصَّتِهِ أَنَّهُ أَقْبَلَ إِلَى مَكَّةَ وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُسْتَخْفٍ إِيمَانَهُ مِنْ قَوْمِهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى قَوْمِهِ مُتَرَصِّدًا حَتَّى سَمِعَ أَنَّهُ ﵇ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَارْتَحَلَ إِلَيْهَا، (قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ) ، أَيْ: عَلَى قَصْدِ اللُّحُوقِ بِهِ ﷺ وَفِيهِ وَضْعُ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، (فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ) ، أَيْ: عَنْ وَقْتِهَا الْجَائِزَةِ فِيهِ بِدَلِيلِ الْجَوَابِ، (فَقَالَ: " صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ") ، أَيْ: سُنَّتَهُ وَفَرْضَهُ (" ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ ") : مِنَ الْإِقْصَارِ، وَهُوَ: الْكَفُّ عَنِ الشَّيْءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. (" حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ ") : قِيلَ: تَنْكِيرُهُ لِلتَّحْقِيرِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: " بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ "، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَكَذَا فِي الْأُصُولِ بِلَا أَلِفٍ وَلَامٍ، وَفِي بَعْضِ أُصُولِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَرْنَيِ الشَّيْطَانِ: أَحْزَابُهُ وَأَتْبَاعُهُ، وَقِيلَ: قُوَّتُهُ وَغَلَبَتُهُ وَانْتِشَارُ الْفَسَادِ، وَقِيلَ: الْقَرْنَانِ نَاصِيَتَا الرَّأْسِ وَهَذَا هُوَ الْأَقْوَى يَعْنِي: أَنَّهُ يُدْنِي رَأْسَهُ إِلَى الشَّمْسِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، فَيَكُونُ السَّاجِدُ لَهَا مِنَ الْكُفَّارِ كَالسَّاجِدِينَ لَهُ فِي الصُّورَةِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، (" وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ") ، أَيِ: الَّذِينَ يَعْبُدُونَهَا (" ثُمَّ صَلِّ ") ، أَيْ: صَلَاةَ الْإِشْرَاقِ فَإِنَّهَا مَبْدَأُ الضُّحَى، أَوْ صَلَاةُ الضُّحَى فَإِنَّهَا مُنْتَهِيَةٌ إِلَى قُرْبِ الِاسْتِوَاءِ أَوْ صَلِّ مَا شِئْتَ، (" فَإِنَّ الصَّلَاةَ ") ، أَيْ: بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، أَوْ إِنَّ الصَّلَاةَ الْمَشْرُوعَةَ (" مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ ") ، أَيْ: يَحْضُرُهَا الْمَلَائِكَةُ لِيَكْتُبُوا أَجْرَهَا وَيَشْهَدُوا بِهَا لِمَنْ صَلَّاهَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ: " مَشْهُودَةٌ مَكْتُوبَةٌ "، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: يَحْضُرُهَا أَهْلُ الطَّاعَةِ مِنْ سُكَّانِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَلَى الْمَعْنَيَيْنِ؛ فَمَحْضُورَةٌ: تَفْسِيرُ مَشْهُودَةٌ وَتَأْكِيدٌ لَهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ مَشْهُودَةٌ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَمَحْضُورَةٌ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي، أَوِ الْأُولَى بِمَعْنَى الشَّهَادَةِ، وَالثَّانِيَةُ بِمَعْنَى الْحُضُورِ لِلتَّبَرُّكِ، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ وَفِيهِ بَيَانٌ لِفَضِيلَةِ صَلَاةِ الضُّحَى، (" حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ") ، أَيْ: حَتَّى يَرْتَفِعَ الظِّلُّ مَعَ الرُّمْحِ، أَوْ فِي الرُّمْحِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ يَرْتَفِعُ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، أَيْ: بِارْتِفَاعِ الرُّمْحِ مِنَ الِاسْتِقْلَالِ بِمَعْنَى الِارْتِفَاعِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي لَمْ يَبْقَ ظِلُّ الرُّمْحِ، وَهَذَا بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَحَوَالَيْهِمَا فِي أَطْوَلِ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى عِنْدَ الزَّوَالِ ظِلٌّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، بَلْ يَرْتَفِعُ عَنْهَا، ثُمَّ إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ مِنْ جَانِبِ الْمَشْرِقِ إِلَى جَانِبِ الْمَغْرِبِ، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ يَقَعُ الظِّلُّ عَلَى الْأَرْضِ، وَقِيلَ: مِنَ الْقِلَّةِ يُقَالُ: اسْتَقَلَّهُ إِذَا رَآهُ قَلِيلًا، أَيْ: حَتَّى يَقِلَّ الظِّلُّ الْكَائِنُ بِالرُّمْحِ أَدْنَى غَايَةِ الْقِلَّةِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِظِلِّ الزَّوَالِ اهـ.
وَرُوِيَ: حَتَّى يَسْتَقِلَّ الرُّمْحُ بِالظِّلِّ، أَيْ: يَرْفَعُ الرُّمْحَ ظِلَّهُ، فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ هُوَ مَجَازٌ عَنْ عَدَمِ بَقَاءِ ظِلِّ الرُّمْحِ عَلَى الْأَرْضِ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي وَقْتِ الِاسْتِوَاءِ، وَتَخْصِيصُ الرُّمْحِ بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا إِذَا أَرَادُوا مَعْرِفَةَ الْوَقْتِ رَكَزُوا رِمَاحَهُمْ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ نَظَرُوا إِلَى ظِلِّهَا.
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ: " حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ "، أَيْ: يَقُومَ مُقَابِلَهُ فِي جِهَةِ الشَّمَالِ لَيْسَ مَائِلًا إِلَى الْمَغْرِبِ، وَلَا إِلَى الْمَشْرِقِ وَهُوَ حَالَةُ الِاسْتِوَاءِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَذَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِيهِ تَحْرِيفٌ وَصَوَابُهُ: " حَتَّى يَسْتَقِلَّ الرُّمْحُ بِالظِّلِّ "، وَوَافَقَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَقَالَ: يَسْتَقِلُّ الرُّمْحُ بِالظِّلِّ: يَبْلُغُ ظِلُّ الرُّمْحِ الْمَغْرُوزِ فِي الْأَرْضِ أَدْنَى غَايَةِ الْقِلَّةِ وَالنَّقْصِ، فَقَوْلُهُ: يَسْتَقِلُّ مِنَ الْقِلَّةِ لَا مِنَ الْإِقْلَالِ وَالِاسْتِقْلَالِ الَّذِي بِمَعْنَى الِارْتِفَاعِ وَالِاسْتِبْدَادِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: كَيْفَ تَرُدُّ نُسَخَ الْمَصَابِيحِ مَعَ مُوَافَقَتِهَا بَعْضَ نُسَخِ مُسْلِمٍ، وَكِتَابَ الْحُمَيْدِيِّ؟ ! وَلَهَا مَحَامِلُ مِنْهَا: أَنْ يَرْتَفِعَ الظِّلُّ مَعَهُ وَلَا يَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ قَوْلِهِمْ: اسْتَقَلَّتِ السَّمَاءُ: ارْتَفَعَتْ، وَمِنْهَا: أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ أَيْ يُعْلَمُ قِلَّةُ الظِّلِّ بِوَاسِطَةِ ظِلِّ الرُّمْحِ، وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ: عُرِضَتِ النَّاقَةُ عَلَى الْحَوْضِ اهـ.
стр. 1590
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ فِي تَجْوِيزِهِ الصَّلَاةَ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ مُطْلَقًا مُسْتَدِلًّا بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَرَى النَّاسَ يُصَلُّونَ حِينَئِذٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، قُلْتُ: تَحَقُّقُ صَلَاتِهِمْ فِي خُصُوصِ تِلْكَ السَّاعَةِ يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقٍ وَتَدْقِيقٍ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ لَا يَنْهَضُ لَهُ ; لِأَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُسْتَثْنَى كَمَا يَأْتِي اهـ.
وَسَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنِ الِاسْتِثْنَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (" ثُمَّ أَقْصِرْ ") : بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَبِكَسْرِ الصَّادِ، أَيْ: كُفَّ وَامْتَنِعْ (" عَنِ الصَّلَاةِ ") : مُطْلَقًا (" فَإِنَّ حِينَئِذٍ ") ، أَيْ: حِينَ يَسْتَقِلُّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ (" تُسَجَّرُ ") : بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ مَجْهُولًا، أَيْ: تُعْقَدُ (" جَهَنَّمُ ") : مِنْ تَسَجَّرَ التَّنُّورَ: إِذَا أَوْقَدَهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: تُمْلَأُ نِيرَانُ جَهَنَّمَ وَتُوقَدُ، وَلَعَلَّ تَسَجُّرَهَا حِينَئِذٍ لِمُقَارَنَةِ الشَّيْطَانِ الشَّمْسَ وَتَهْيِئَةِ عُبَّادِ الشَّمْسِ أَنْ يَسْجُدُوا لَهَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاسْمُ " إِنَّ " أَنِ الْمَصْدَرِيَّةُ الْمُقَدَّرَةُ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] أَوْ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَمَا قِيلَ أَنَّهُ لَا يُحْذَفُ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ التَّعْظِيمُ، وَهُوَ يَفُوتُ بِحَذْفِهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ سَبَبَ دَلَالَتِهِ عَلَى التَّعْظِيمِ إِبْهَامُهُ، وَحَذْفُهُ أَدَلُّ عَلَى الْإِبْهَامِ، وَمِنْ ثَمَّ حُذِفَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧] (" فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ ") ، أَيْ: رَجَعَ بَعْدَ ذَهَابِهِ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، فَهَذَا وَقْتُ الظُّهْرِ، وَالْفَيْءُ: مَا نَسَخَ الشَّمْسَ وَذَلِكَ بِالْعَشِيِّ، وَالظِّلُّ مَا نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ وَذَلِكَ بِالْغُدْوَةِ، (" فَصَلِّ ") : أَيْ: أَيُّ صَلَاةٍ تُرِيدُهَا (" فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ ") : صِفَةٌ كَاشِفَةٌ أَوْ ثَانِيَةٌ (" حَتَّى تُصَلِّيَ ") : أَيْ: أَنْتَ (" الْعَصْرَ ") ، أَيْ: فَرْضَهُ (" ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ") : أَيْ: يَقْرُبَ غُرُوبُ الشَّمْسِ، فَيَصِيرُ الْمَعْنَى حِينَ تَغْرُبُ، فَيُنَاسِبُ قَرِينَهُ الْمُتَقَدِّمَ حِينَ تَطْلُعُ وَيُلَائِمُ تَعْلِيلَهُ بِقَوْلِهِ ": فَإِنَّهَا تَغْرُبُ. . " إِلَخْ.
وَلَعَلَّ الْعُدُولَ لَيُفْهَمُ مِنْ أَحَدِ الْعِبَارَتَيْنِ وَقْتَ الطُّلُوعِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ وَقْتُ الْغُرُوبِ، وَمِنَ الْعِبَارَةِ الْأُخْرَى مَا بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْغُرُوبِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالطُّلُوعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (" فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ ") : وَتَنْكِيرُهُ لِمَا مَرَّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالتَّعْرِيفِ (" وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ") : فَلَا يُشَابِهُ أَهْلَ النَّارِ فِي عِبَادَتِهِمْ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا، وَأَمَّا مَا بَيْنَ فَرْضِ الصُّبْحِ وَحِينَ الطُّلُوعِ، وَبَيْنَ فَرْضِ الْعَصْرِ وَزَمَانِ الْغُرُوبِ، فَوَقْتٌ مَكْرُوهٌ لِلنَّوَافِلِ فَقَطْ عِنْدَنَا، قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ وُرُودِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ أُعْطِيَ حُكْمَهُ، كَتَحْرِيمِ فَرْجِ الْحَائِضِ، وَمَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَأَيْضًا فَعُبَّادُ الشَّمْسِ رُبَّمَا تَهَيَّئُوا لِتَعْظِيمِهَا مِنْ أَوَّلِ ذَيْنِكَ الْوَقْتَيْنِ، فَيَرْصُدُونَهَا مُرَاقِبِينَ لَهَا إِلَى أَنْ تَظْهَرَ فَيَخِرُّوا لَهَا سُجَّدًا، فَلَوْ أُبِيحَ التَّنَفُّلَ فِي ذَيْنِكَ الْوَقْتَيْنِ لَكَانَ فِيهِ أَيْضًا تَشَبُّهٌ بِهِمْ أَوْ إِيهَامُهُ أَوِ التَّسَبُّبُ إِلَيْهِ، وَكَذَا بَيْنَ طُلُوعِ الصُّبْحِ وَأَدَاءِ فَرْضِهِ مَا عَدَا سُنَّتِهِ.
(قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَالْوُضُوءُ) : بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ بِالنَّصْبِ (حَدِّثْنِي عَنْهُ) ، أَيْ: أَخْبِرْنِي عَنْ فَضْلِهِ، (قَالَ: " مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ ") : بِالتَّشْدِيدِ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ، وَقِيلَ: عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (" وَضُوءَهُ ") : بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيِ: الْمَاءَ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ، (" فَيُمَضْمَضُ ") ، أَيْ: بَعْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ، وَالتَّسْمِيَةِ، وَالنِّيَّةِ، (" وَيَسْتَنْشِقُ ") ، أَيْ: يُدْخِلُ الْمَاءَ فِي الْأَنْفِ (" فَيَسْتَنْثِرُ ") ، أَيْ: يُخْرِجُ مَا فِي الْخَيْشُومِ مِنَ الْأَوْسَاخِ (" إِلَّا خَرَّتْ ") : اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: إِلَّا خَرَّتْ خَبَرُ " مَا " وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُقَدَّرٌ، أَيْ: مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ كَائِنٌ عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يُنَزَّلُ سَائِرُ الِاسْتِثْنَاءَاتِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّفْيِ فِيهَا لِكَوْنِهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ بِوَاسِطَةِ ثُمَّ الْعَاطِفَةِ،
стр. 1591
أَيْ: سَقَطَتْ، (" خَطَايَا وَجْهِهِ ") : مِنَ الصَّغَائِرِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطْنَاهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جَمِيعِ الرُّوَاةِ إِلَّا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ فَإِنَّهُ رَوَاهُ بِالْجِيمِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، أَيْ: جَرَتْ مَعَ مَاءِ الْوُضُوءِ، وَذَهَبَتْ ذُنُوبُ وَجْهِهِ، (" وَفِيهِ ") ، أَيْ: خَطَايَا فَمِهِ مِنْ جِهَةِ الْكَلَامِ، وَمِنْ طَرِيقِ الطَّعَامِ، (" وَخَيَاشِيمِهِ ") ، أَيْ: أَنْفِهِ جَمْعُ خَيْشُومٍ، وَهُوَ بَاطِنُ الْأَنْفِ مِنْ جِهَةِ رَائِحَةِ طِيبٍ مُحَرَّمٍ عَلَى جِهَةِ الْقَصْدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَطْفَ " فِيهِ " وَمَا بَعْدَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ تَفْسِيرِيٌّ لِقَوْلِهِ: (" ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ ") ، أَيْ: كُلَّهُ أَوْ بَاقِيَهُ (" كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ") : إِشَارَةً إِلَى أَنَّ غَسْلَهُ فَرْضٌ بِأَمْرِهِ تَعَالَى عَزَّ قَائِلًا: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَإِنَّهُمَا سُنَّتَانِ بِأَمْرِهِ ﵇ أَوْ بِمَعْنَى كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِهِ وَلِذَا قَالَ ﵇ عِنْدَ إِرَادَةِ السَّعْيِ " ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ "، (" إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ ") : مِنْ ذُنُوبِ عَيْنَيْهِ (" مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ ") ، أَيْ: مَوْضِعُهَا (" مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ") ، أَيْ: مُنْضَمَّتَيْنِ إِلَيْهِمَا، أَوْ إِلَى مَعْنَى " مَعَ " خِلَافًا لِزُفَرَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَهُ، وَفِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الشِّيعَةِ حَيْثُ انْعَكَسَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ، وَانْقَلَبَ الرَّأْيُ لَدَيْهِمْ، فَيَغْسِلُونَ الْيَدَيْنِ مِنَ الْمِرْفَقَيْنِ إِلَى الْأَصَابِعِ (" إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ ") : وَهِيَ كَثِيرَةٌ (" مِنْ أَنَامِلِهِ ") : وَهِيَ رُءُوسُ أَصَابِعِهِ (" مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ ") : ظَاهِرُهُ الِاسْتِيعَابُ إِمَّا بِطْرِيقِ الْفَرْضِيَّةِ وَإِمَّا عَلَى طَرِيقِ السُّنِّيَّةِ، (" إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ ") : وَمِنْهَا خَطَايَا الْأُذُنَيْنِ، وَلِذَا يُمْسَحَانِ بِمَائِهِ عِنْدَنَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (" مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ ") : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا نَظَرًا إِلَى الْأَصْلِ، أَوِ التَّغْلِيبِ، (" مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ") : كَمَا مَرَّ (" إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ ") : شَرْطِيَّةٌ (" هُوَ ") ، أَيِ: الرَّجُلُ وَرَافِعُهُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ (" قَامَ ") : وَلِحَذْفِهِ بَرَزَ ضَمِيرُهُ الْمَسْتَكِنُّ فِيهِ، أَيْ: فَإِنْ قَامَ بَعْدَ فَرَاغِ الْوُضُوءِ (" فَصَلَّى فَحَمِدَ ") : وَفِي نُسْخَةٍ: وَحَمِدَ، أَيْ: وَشَكَرَ (" اللَّهَ ") ، أَيْ: بَعْدَ الصَّلَاةِ (" وَأَثْنَى عَلَيْهِ ") ، أَيْ: ذَكَرَ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَقِيلَ: فَائِدَتُهُ الْإِعْلَامُ بِأَنَّ لَفْظَ الْحَمْدِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ (" وَمَجَّدَهُ ") ، أَيْ: عَظَّمَهُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، فَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَوْ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَجَعَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ وَالْإِطْنَابِ (" بِالَّذِي ") ، أَيْ: بِالتَّحْمِيدِ الَّذِي (" هُوَ لَهُ أَهْلٌ ") ، أَيْ: مِمَّا يَلِيقُ بِعَظَمَةِ جَمَالِهِ وَجَلَالَةِ جَلَالِهِ وَبَهَاءِ كَمَالِهِ، وَقُدِّمَ الْجَارُّ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ وَالِاهْتِمَامِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: ضَمِيرُ " هُوَ " عَائِدٌ إِلَى الْمَوْصُولِ، وَضَمِيرُ " لَهُ " إِلَى اللَّهِ، (" وَفَرَّغَ قَلْبَهُ ") ، أَيْ: جَعَلَهُ حَاضِرًا لِلَّهِ وَغَائِبًا عَمَّا سِوَاهُ، أَيْ: فِي صَلَاتِهِ وَحَالَةِ مُنَاجَاتِهِ (" لِلَّهِ ") ، أَيْ: لَا لِغَيْرِهِ حَتَّى الثَّوَابِ ; لِأَنَّ رَبْطَ الْقَصْدِ بِهِ يُنَافِي مَقَامَ الْكَمَالِ الْمُشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (" إِلَّا انْصَرَفَ ") : قِيلَ: " هُوَ " فِي قَوْلِهِ " فَإِنْ هُوَ " فَاعِلٌ مَحْذُوفٌ وَعَائِدٌ إِلَى الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ تَقْدِيرُهُ: إِنْ قَامَ الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَلَيْسَ إِلَّا انْصَرَفَ، (" مِنْ خَطِيئَتِهِ ") : وَقِيلَ: الْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ " إِنْ " فِيهِ نَافِيَةٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجَوَابُ " إِنْ " فَلَا يَنْصَرِفْ خَارِجًا مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا انْصَرَفَ خَارِجًا مِنْ خَطِيئَتِهِ، أَيْ: صَغَائِرِهِ فَيَصِيرُ مُتَطَهِّرًا مِنْهَا (" كَهَيْئَتِهِ ") ، أَيْ: كَصِفَتِهِ (" يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ") : بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ: " كَهَيْئَةِ يَوْمَ " بِالْإِضَافَةِ مَعَ تَنْوِينِ " يَوْمَ " وَفَتْحِهِ عَلَى الْبِنَاءِ، وَظَاهِرُهُ غُفْرَانُ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ إِلَّا أَنَّ الصَّغَائِرَ مُحَقَّقَةٌ وَالْكَبَائِرَ بِالْمَشِيئَةِ مُقَيَّدَةٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: " فَإِنْ هُوَ قَامَ " إِنْ شَرْطِيَّةٌ، وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ بَعْدَهَا فَاعِلُ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، أَيْ: لَا يَنْصَرِفُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا مِنْ خَطِيئَتِهِ. . . . إِلَخْ، وَجَازَ تَقْدِيرُ النَّفْيِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وَأَمَّا مَذْهَبُ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَيَجُوزُ فِي الْإِثْبَاتِ نَحْوَ: قَرَأْتُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1592
-
стр. 1593
١٠٤٣ - وَعَنْ كُرَيْبٍ «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ، ﵃، أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالُوا اقْرَأْ ﵍، وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي، فَقَالَتْ سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهُمَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا، ثُمَّ دَخَلَ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ، فَقُلْتُ: قُولِي لَهُ: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ [الرَّكْعَتَيْنِ] وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا؟ قَالَ: " يَا ابْنَةَ أَبِي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٠٤٣ - (وَعَنْ كُرَيْبٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ كُرَيْبُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) : يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (وَالْمِسْوَرَ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ (" بْنِ مَخْرَمَةَ ") : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ (وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ) ، أَيِ: ابْنَ عَوْفٍ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، (أَرْسَلُوهُ) ، أَيْ: كُرَيْبًا (إِلَى عَائِشَةَ فَقَالُوا: اقْرَأْ) : وَفِي نُسْخَةٍ: أَقْرِئْ: مِنَ الْإِقْرَاءِ ﵍ : فِي الْقَامُوسِ، قَرَأَ ﵇: أَبْلَغَهُ كَأَقْرَأَهُ، أَوْ لَا يُقَالُ أَقْرَأَ إِلَّا إِذَا كَانَ السَّلَامُ مَكْتُوبًا (وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ) ، أَيِ: اللَّتَيْنِ كَانَ يُصَلِّيهِمَا النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَقَدْ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَعْنِي: الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ ﵇ يُصَلِّيهِمَا، وَيَنْهَى عَنْهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ مَا الَّذِي اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ عَلَيْهِمَا فِيهِ؟ (قَالَ) ، أَيْ: كُرَيْبٌ (فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي) ، أَيْ: بِتَبْلِيغِهِ مِنَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ إِلَيْهَا، قَالَتْ: (سَلْ أُمُّ سَلَمَةَ) ، أَيْ: لِأَنَّهَا صَاحِبَةُ الْوَاقِعَةِ فَهِيَ أَعْلَمُ بِهَا مِنْ غَيْرِهَا، وَفِي هَذَا عَظِيمُ النُّصْحِ وَالْإِنْصَافِ وَالتَّوَاضُعِ مِنْ عَائِشَةَ، لِأَنَّهَا مَعَ كَوْنِهَا أَفْضَلَ وَأَعْلَمَ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَلَتِ الْأَمْرَ إِلَيْهَا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا مِنَ الْعِلْمِ مَا لَيْسَ عِنْدَ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ عَنِ الْإِفْتَاءِ إِلَّا إِذَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ، (فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ) : وَهَذَا مِنْ حُسْنِ أَدَبِهِ (فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ) ، أَيْ: عَلَى الْمِنْوَالِ السَّابِقِ فَجِئْتُ إِلَيْهَا فَسَأَلْتُهَا؟ (فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهُمَا) ، أَيْ: عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، تَعْنِي فِي ضِمْنِ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ، أَوْ وَقَعَ النَّهْيُ بِالْخُصُوصِ عَنْهُمَا، (ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا ثُمَّ دَخَلَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ أَوْ بَيْتَهُ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا رَأَتْهُ صَلَّاهُمَا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ، أَوْ فِي صُفَّةِ الدَّارِ ثُمَّ دَخَلْتُ الْبَيْتَ، (فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ، فَقُلْتُ) ، أَيْ: لَهَا (قُولِي لَهُ: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ) ، أَيِ: الرَّكْعَتَيْنِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، (وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا) ، أَيْ: فَمَا السِّرُّ فِيهِمَا؟ (قَالَ) : أَيْ لِلْجَارِيَةِ بِأَنْ تَقُولَ لَهَا فِي جَوَابِهَا أَوْ مُخَاطِبًا لَهَا: (" يَا ابْنَةَ أَبِي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ ") : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ أَنَّ تَعْلِيمَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّوَافِلِ حَتَّى رَوَاتِبِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ الْأَشْرَفُ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّوَافِلَ الْمُؤَقَّتَةَ تُقْضَى كَمَا تُقْضَى الْفَرَائِضُ، وَعَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ لَا تُكْرَهُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، (" فَهُمَا هَاتَانِ ") ، أَيِ: الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ صَلَّيْتُهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ هُمَا رَكْعَتَا الظُّهْرِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَضَاءَ السُّنَّةِ سُنَّةٌ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ، أَنَّ هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﵇ لِعُمُومِ النَّهْيِ لِلْغَيْرِ، وَلِأَنَّهُ وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهِمَا دَائِمًا وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ بِسَنَدِهِ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ وَزَادَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَنَقْضِيهَا إِذَا فَاتَتْنَا؟ قَالَ: " لَا "، اهـ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: وَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِي أَنِّي إِذَا عَمِلْتُ عَمَلًا دَاوَمْتُ عَلَيْهِ، فَمِنْ ثَمَّ فَعَلْتُهُمَا وَنَهَيْتُ غَيْرِي عَنْهُمَا اهـ، لَكِنْ خَالَفَ كَلَامَهُ حَيْثُ قَالَ: وَمِنْ هَذَا أَخَذَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ ذَاتَ السَّبَبِ لَا تُكْرَهُ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ حَيْثُ لَا تَحَرِّيَ اهـ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ، فَلَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
стр. 1594
قَالَ الْقَاضِي: اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى الطُّلُوعِ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ، فَذَهَبَ دَاوُدُ إِلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ فِيهَا مُطْلَقًا، رُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا نَهْيَهُ ﵇ أَوْ حَمَلُوهُ عَلَى التَّنْزِيهِ دُونَ التَّحْرِيمِ، وَخَالَفَهُمُ الْأَكْثَرُونَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ فِيهَا فِعْلُ صَلَاةٍ لَا سَبَبَ لَهَا، أَمَّا الَّذِي لَهُ سَبَبٌ كَالْمَنْذُورَةِ وَقَضَاءِ الْفَائِتَةِ فَجَائِزٌ لِحَدِيثِ كُرَيْبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاسْتَثْنَى أَيْضًا مَكَّةَ، وَاسْتِوَاءَ الْجُمُعَةِ، لِحَدِيثَيْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْرُمُ فِعْلُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، سِوَى عَصْرِ يَوْمِهِ عِنْدَ الِاصْفِرَارِ، وَيَحْرُمُ الْمَنْذُورَةُ، وَالنَّافِلَةُ بَعْدَ الصَّلَاتَيْنِ دُونَ الْمَكْتُوبَةِ الْفَائِتَةِ، وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَحْرُمُ فِيهَا النَّوَافِلُ دُونَ الْفَرَائِضِ، وَوَافَقَهُ أَحْمَدُ، غَيْرَ أَنَّهُ جَوَّزَ فِيهَا رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَزَادَ مُسْلِمٌ: وَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّيهِمَا حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا.
стр. 1595
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٠٤٤ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو، ﵁، قَالَ: «رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَلَاةَ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ "، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، فَصَلَّيْتُهُمَا الْآنَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » - رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، وَقَالَ: إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ ; لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو، وَفِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " " وَنُسَخِ الْمَصَابِيحِ " عَنْ قَيْسِ بْنِ قَهْدٍ نَحْوَهُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٠٤٤ - (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) : مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، كَذَا فِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ تَمِيمِيٌّ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، (عَنْ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو) : وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا) : سَيَأْتِي فِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَيْسٌ (يُصَلِّي بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) ، أَيْ: بَعْدَ فَرْضِ الصُّبْحِ (رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَلَاةَ الصُّبْحِ ") : بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ أَيِ: افْعَلُوا أَوِ الْزَمُوا أَوِ اجْعَلُوا أَوْ صَلُّوا صَلَاةَ الصُّبْحِ (" رَكْعَتَيْنِ ") : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: " رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ " لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الزِّيَادَةِ، إِذِ التَّقْدِيرُ: رَكْعَتَيْنِ سُنَّةً، وَرَكْعَتَيْنِ فَرِيضَةً، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: " رَكْعَتَيْنِ " مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أَتُصَلِّي بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ وَلَيْسَ بَعْدَهَا صَلَاةٌ؟ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: أَيْ أَتُصَلِّي صَلَاةَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا صَلَاةَ بَعْدَهَا؟ فَالِاسْتِفْهَامُ الْمُقَدَّمُ لِلْإِنْكَارِ، وَرَكْعَتَيْنِ الثَّانِي تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ، أَيْ: هَذِهِ صَلَاةُ الصُّبْحِ صَلَّيْتَهَا، فَكَيْفَ تُصَلِّي بَعْدَهَا اهـ؟ .
وَلَا يَخْفَى مَا فِي كَلَامِهِمَا مِنَ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَسُّفِ، (فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا) ، أَيْ: قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: قَبْلَهُمَا، أَيْ: قَبْلَ رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ، (فَصَلَّيْتُهُمَا الْآنَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فَاعْتَذَرَ الرَّجُلُ بِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْفَرْضِ وَتَرَكَ النَّافِلَةَ، وَحِينَئِذٍ أَتَى بِهَا، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدٍ، قُلْتُ مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا تُقْضَى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، قَالَ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ: لَا قَضَاءَ بَعْدَ الْفَوْتِ، يَعْنِي انْفِرَادًا، وَأَمَّا إِذَا فَاتَ فَرْضُ الصُّبْحِ فَإِنَّ السُّنَّةَ تُقْضَى تَبَعًا لَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَالسُّنَّةُ الْقَبْلِيَّةُ فِي الظُّهْرِ أَيْضًا تُقْضَى بَعْدَهُ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ، أَوْ قَبْلَهُمَا عَلَى خِلَافٍ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ، مَعَ أَنَّ تَقْدِيمَ الرَّكْعَتَيْنِ أَصَحُّ لِحَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَهُوَ مُخْتَارُ ابْنِ الْهَمَّامِ، (فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: سُكُوتُهُ يَدُلُّ عَلَى قَضَاءِ سُنَّةِ الصُّبْحِ بَعْدَ فَرْضِهِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا قَبْلَهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، قُلْتُ؟ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ، وَيُقَالُ: قَيْسُ بْنُ قَهْدٍ الْأَنْصَارِيُّ رَفَعَهُ.
стр. 1596
(وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، وَقَالَ: إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ ; لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو) : قَالَ: وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فَرَأَى قَيْسًا فَهُوَ مُرْسَلٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، (وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَنُسَخِ الْمَصَابِيحِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ قَهْدٍ) : بِالْقَافِ وَالدَّالِ، قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: بِفَتْحِ الْقَافِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَاءِ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: قَيْسُ بْنُ قَهْدٍ بِفَتْحِ قَافٍ وَسُكُونِ هَاءٍ فَدَالٌ مُهْمَلَةٌ، وَقِيلَ قَيْسُ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَهْدٍ، وَقِيلَ: بِفَاءٍ إِذْ لَا يُعْرَفُ بِقَافٍ إِلَّا قَيْسُ بْنُ قَهْدٍ، (نَحْوَهُ) : بِالنَّصْبِ، أَيْ: رَوَى نَحْوَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ إِلَى الِاخْتِلَافِ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ قَيْسُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةِ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ، وَقِيلَ: هُوَ قَيْسُ بْنُ قَهْدٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ أَيْضًا اهـ.
وَنَقَلَ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، أَنَّ قَيْسَ بْنَ قَهْدٍ بِالْقَافِ الْمَفْتُوحَةِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ، وَقَيْسَ بْنَ عَمْرٍو كِلَاهُمَا مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَقِيلَ: هُمَا وَاحِدٌ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَيُغْنِي عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇: (" «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ» ") ، فَإِنَّهُ صَادِقٌ بِصَلَاتِهِمَا بَعْدَ الصُّبْحِ وَقَبْلَهُ "، اهـ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ مِنَ السُّنَنِ الْقَبْلِيَّةِ، قَالَ: وَأَمَّا أَخْذُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ دُخُولَ الْكَرَاهَةِ بِأَوَّلِ وَقْتِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، فَيُعَارِضُهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ السَّابِقُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ لِتَصْرِيحِهِ فِيهِ بِتَقْيِيدِ النَّهْيِ بِمَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، بَلْ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ قَبْلَ فِعْلِ الْعَصْرِ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ مَمْنُوعٌ، بَلْ سَهْوٌ، وَالْمُعْظَمُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ عَلَى التَّقْيِيدِ بِمَا فِي الْحَدِيثِ، وَمَيْلُ جَمْعٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا إِلَى تَرْجِيحِ الْإِطْلَاقِ - ضَعِيفٌ اهـ، وَنِسْبَةُ الْمَسْأَلَةِ إِلَى الثَّلَاثَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ فِي مَذْهَبِنَا تُكْرَهُ النَّوَافِلُ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ لَا سُنَّتُهُ، وَتُكْرَهُ بَعْدَهُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْعَصْرُ فَلَا تُكْرَهُ النَّوَافِلُ إِلَّا بَعْدَ صَلَاتِهِ لَا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ.
стр. 1597
١٠٤٥ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «يَا بَنِي عَبْدَ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَصَلَّى آيَةً سَاعَةَ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
١٠٤٥ - (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ ابْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيُّ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: خَصَّهُمْ بِالْخِطَابِ دُونَ سَائِرِ قُرَيْشٍ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَمْرِ وَالْخِلَافَةَ سَتَئُولُ إِلَيْهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ رُؤَسَاءُ مَكَّةَ، وَفِيهِمْ كَانَتِ السِّدَانَةُ، وَالْحِجَابَةُ، وَاللِّوَاءُ، وَالسِّقَايَةُ، وَالرِّفَادَةُ، (" لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ ") : لَعَلَّهُمْ كَانُوا يَمْنَعُونَ بَعْضَ النَّاسِ عَنِ الطَّوَافِ أَحْيَانًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّقْيِيدُ بِالطَّوَافِ لَيْسَ بِتَقْيِيدٍ مَانِعٍ، بَلْ أَحَدًا طَافَ بِمَنْزِلَةِ أَحَدٍ أُدْخِلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ; لِأَنَّ كُلَّ مَنْ دَخْلَهُ فَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ غَالِبًا فَهُوَ كِنَايَةٌ، (" وَصَلَّى ") ، أَيْ: صَلَاةَ الطَّوَافِ أَوْ مُطْلَقًا وَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّقْيِيدِ بِغَيْرِ الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ إِذْ سَبَقَ النَّهْيُ؛ أَوِ الصَّلَاةُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، (" أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ ") : قَالَ الْمُظْهِرُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ بِمَكَّةَ لِشَرَفِهَا، لِيَنَالَ النَّاسُ مِنْ فَضْلِهَا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: حُكْمُهَا حُكْمُ سَائِرِ الْبِلَادِ فِي الْكَرَاهَةِ يَعْنِي لِعُمُومِ الْعِلَّةِ وَشُمُولِهَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: " وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ "
стр. 1598
فِي الْأَوْقَاتِ الْغَيْرِ الْمَكْرُوهَةِ تَوْفِيقًا بَيْنَ النُّصُوصِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَالَ الْمُؤَلِّفُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَصَابِيحِ بَعْدَ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ مِنْ قَوْلِهِ " مَنْ وُلِّيَ مِنْكُمْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا " لَمْ أَجِدْهُ فِي التِّرْمِذِيِّ، وَلَا فِي أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ.
стр. 1599
١٠٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.
ــ
١٠٤٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: ظَرْفٌ لِلصَّلَاةِ عَلَى تَأْوِيلِ أَنْ يُصَلِّيَ (حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) : مُسْتَثْنًى مِنَ الْكَرَاهَةِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ النَّفْلِ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَكْرُوهَةٌ، قُلْتُ: وَقَدْ وَافَقَ أَبُو يُوسُفَ الشَّافِعِيَّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَدِيثَ مَا ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، بَلْ عِنْدَ الْخَصْمِ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ ; أَوْ ثَبَتَ، وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَاوِمَ الْأَحَادِيثَ الصِّحَاحَ الدَّالَّةَ عَلَى النَّهْيِ الْمُطْلَقِ فَيُخَصِّصُهَا وَيُقَيِّدُهَا، (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) : عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِهِ، وَإِبْرَاهِيمُ هَذَا هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْأَسْلَمِيُّ، رَوَى عَنْهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ حَسَنَ الرَّأْيِ فِيهِ، وَرَوَى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
стр. 1600
١٠٤٧ - وَعَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: " إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: أَبُو الْخَلِيلِ لَمْ يَلْقَ أَبَا قَتَادَةَ.
ــ
١٠٤٧ - (وَعَنْ أَبِي الْخَلِيلِ) : اسْمُهُ: صَالِحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ) : قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: قَوْلُهُ: حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، كَذَا فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا، وَلَيْسَ فِي أَبِي دَاوُدَ، وَلَا فِي الْمَصَابِيحِ، (إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ ") : مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا، أَيْ: تُوقَدُ (" إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ أَرَادَ الْإِبْرَادَ بِالظُّهْرِ؟ لِقَوْلِهِ: " أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ "، وَلَعَلَّ تَسَجُّرَ جَهَنَّمَ حِينَئِذٍ لِمُقَارَنَةِ الشَّمْسِ وَتَهْيِئَتِهَا ; لِأَنْ تَسْجُدَ لَهَا عَبَدَةُ الشَّمْسِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَوْلُهُ: " تُسَجَّرُ جَهَنَّمُ "، وَقَوْلُهُ: " بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ " وَأَمْثَالِهِمَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ، أَكْثَرُهُمَا تَفَرَّدَ الشَّارِعُ بِمَعْنَاهَا وَيَجِبُ عَلَيْنَا التَّصْدِيقُ بِهَا، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَهُ مِيرَكُ، (وَقَالَ) : أَيْ أَبُو دَاوُدَ (أَبُو الْخَلِيلِ) : مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (لَمْ يَلْقَ أَبَا قَتَادَةَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَمُجَاهِدٌ أَكْبَرُ مِنْ أَبِي الْخَلِيلِ؛ انْتَهَى كَلَامُ أَبِي دَاوُدَ.
قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ بِطْرِيقٍ مُنْقَطِعٍ، فَإِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى هَذِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمَصَابِيحِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: (لَكِنَّهُ اعْتَضَدَ بِمَجِيئِهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مَوْصُولًا) ، غَيْرُ مَعْقُولٍ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ طَرِيقٍ مَوْصُولٍ.
стр. 1601
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٠٤٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا» ". وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٠٤٨ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ) : بِمَضْمُومَةٍ وَخِفَّةِ نُونٍ وَبِمُوَحَّدَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ نِسْبَةً إِلَى صُنَابِحِ بْنِ زَاهِرٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الصَّوَابُ عِنْدِي، أَنَّ الصُّنَابِحِيَّ هَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّابِعِيُّ، لَا عَبْدُ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا) : هَذَا زَائِدٌ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ فِي الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ، وَبِهِ يَظْهَرُ النَّهْيُ عَنْ حِكْمَةِ النَّهْيِ عَنْ إِلْحَاقِ هَذَا بِهِمَا. (فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ) : بِأَنِ اصْفَرَّتْ وَقَرُبَتْ مِنْ سُقُوطِ طَرَفِهَا بِالْأَرْضِ (قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا "، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ) : حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ: (فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ) : نَهْيَ تَحْرِيمٍ. (رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 1602
١٠٤٩ - وَعَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُخَمَّصِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: " إِنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ» ". وَالشَّاهِدُ: النَّجْمُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ
ــ
١٠٤٩ - (وَعَنْ أَبِي بَصْرَةَ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (الْغِفَارِيُّ) : بِكَسْرِ الْغَيْنِ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ أَبِي ذَرٍّ (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمُخَمَّصِ) : بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ جَمِيعًا، وَقِيلَ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا فِي آخِرِهَا صَادٌ مُهْمَلَةٌ، اسْمُ طَرِيقٍ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْمُنْذِرِيِّ. (صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَقَالَ) أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا (إِنَّ هَذِهِ) أَيْ: صَلَاةُ الْعَصْرِ (صَلَاةٌ عُرِضَتْ) أَيْ: بِالْمُحَافَظَةِ (عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أَيْ: مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (فَضَيَّعُوهَا) أَيْ: مَا قَامُوا بِحَقِّهَا، وَمَا حَافَظُوا عَلَى مُرَاعَاتِهَا، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَاحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] أَيْ: الْعَصْرُ عَلَى الصَّحِيحُ خُصَّتْ بِالْمُحَافَظَةِ، (فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ) : إِحْدَاهُمَا لِلْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا خِلَافًا لِمَنْ قَبْلَهُمْ، وَثَانِيَتُهُمَا: أَجْرُ عَمَلِهِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ أَجْرٌ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَأَجْرٌ لِتَرْكِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِالزَّهَادَةِ، فَإِنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ كَانَ زَمَانَ سُوقِهِمْ وَأَوَانَ شُغْلِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَرَّةٌ لِفَضْلِهَا لِأَنَّهَا الْوُسْطَى، وَمَرَّةٌ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَمُشَارَكَةُ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ لَهَا فِي هَذَا لَا تُؤَثِّرُ فِي تَخْصِيصِهَا بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ (وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا بِذَاتِهَا غَيْرُ مَمْنُوعَةٍ، وَلَوْ كَانَ حِينَ الْغُرُوبِ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. (حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ) أَيْ: يَدُلُّ الدَّلِيلُ عَلَى دُخُولِ اللَّيْلِ (وَالشَّاهِدُ: النَّجْمُ) أَيْ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ ظُهُورُهُ ; إِذْ بِغَيْبَةِ الشَّمْسِ يَظْهَرُ نُورُهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
стр. 1603
٣ -
стр. 1604
١٠٥٠ - «وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁، قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً، لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهِمَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا. يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٠٥٠ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً) أَيْ: رَكْعَتَيْنِ ; فَإِنَّهُمَا أَقَلُّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا. (لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهِمَا) أَيْ: مُطْلَقًا ; أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهِمَا فِي الْبَيْتِ لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِهِ. (وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا) أَيْ: نَهْيًا عَامًّا (يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ مُعَاوِيَةُ بِهِمَا (الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ) : قَالَ الطَّحَاوِيُّ: فَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَوَاتِرَةً بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَمِلَ بِذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَ ذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى يَنْصَرِفَ مِنْ صِلَاتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَكَانَ ضَرْبُهُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعًا عَلَى أَنَّ الْمُتَقَرِّرَ بَعْدَهُ ﵇ عَدَمُ جَوَازِهِمَا، ثُمَّ قَالَ: وَالْعُذْرُ أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَهُمَا أَنَّهُ ﵊ فَعَلَهُمَا جَبْرًا لِمَا فَاتَهُ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، أَوْ قَبْلَ الْعَصْرِ حِينَ شُغِلَ عَنْهُمَا، وَكَانَ ﵇ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ ; فَدَاوَمَ عَلَيْهِمَا، وَكَانَ يَنْهَى غَيْرَهُ عَنْهُمَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 1605
١٠٥١ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: وَقَدْ صَعِدَ عَلَى دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ: مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا جُنْدُبٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ إِلَّا بِمَكَّةَ، إِلَّا بِمَكَّةَ، إِلَّا بِمَكَّةَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَزِينٌ
ــ
١٠٥١ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ) أَيْ: أَبُو ذَرٍّ (وَقَدْ صَعِدَ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ (قَالَ) أَيْ طَلَعَ أَبُو ذَرٍّ (عَلَى دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ) : الدَّرَجَةُ بِفَتْحَتَيْنِ هِيَ الْآنَ خَشَبٌ يُلْصَقُ لِبَابِ الْكَعْبَةِ لِيَرْقَى فِيهِ إِلَيْهَا مَنْ يُرِيدُ دُخُولَهَا، فَإِذَا قُفِلَتْ حُوِّلَ لِمَحَلٍّ آخَرَ قَرِيبٍ مِنَ الطَّوَافِ بِجَنْبِ زَمْزَمَ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ كَذَلِكَ، وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ بِكَيْفِيَّةٍ أُخْرَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالدَّرَجَةِ عَتَبَةَ الْكَعْبَةِ. (مَنْ عَرَفَنِي) أَيْ: بِاسْمِي (فَقَدْ عَرَفَنِي) : بِوَصْفِي أَيْ صَدَّقَ لَهْجَتِي، إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ ﵇ فِي حَقِّهِ: " «مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ» ". (وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا جُنْدُبٌ) : بِضَمِّ الدَّالِ وَيُفْتَحُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: اتِّحَادُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لِلْإِشْعَارِ بِشُهْرَةِ صِدْقِ لَهْجَتِهِ، وَالشَّرْطِيَّةُ الثَّانِيَةُ تَسْتَدْعِي مُقَدَّرًا أَيْ: وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَلْيَعْلَمْ أَنِّي جُنْدُبٌ. (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ) أَيْ: بَعْدَ فَرْضِ الصُّبْحِ (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ) أَيْ: فَرْضُهُ (حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ إِلَّا بِمَكَّةَ، إِلَّا بِمَكَّةَ، إِلَّا بِمَكَّةَ) : ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِلتَّأْكِيدِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْمَرَّتَانِ الْأَخِيرَتَانِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇، أَوْ مِنْ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَزِينٌ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ مَعْلُولٌ بِأَرْبَعَةِ أُمُورٍ: انْقِطَاعِ مَا بَيْنَ مُجَاهِدٍ وَأَبِي ذَرٍّ، فَإِنَّهُ الَّذِي يَرْوِيهِ عَنْهُ ; وَضَعْفِ ابْنِ الْمُؤَمَّلِ، وَضَعْفِ حُمَيْدٍ مَوْلَى عَفْرَاءَ، وَاضْطِرَابِ سَنَدِهِ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَأُدْخِلَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ بَيْنَ حُمَيْدٍ هَذَا وَبَيْنَ مُجَاهِدٍ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ فَأَسْقَطَهُ مِنَ الْبَيْنِ، انْتَهَى. وَاعْتَرَفَ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ، لَكِنْ قَالَ: إِنَّهُ مُؤَيَّدٌ بِحَدِيثِ: (يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ) وَفِيهِ أَنَّ حَدِيثَهُمْ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَمْنَعُونَ النَّاسَ عَنِ الطَّوَافِ وَالصَّلَاةِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَلَى حَسَبِ أَغْرَاضِهِمُ الْفَاسِدَةِ ; فَسَدَّ هَذَا الْبَابَ عَلَيْهِمْ، وَأَطْلَقَ الْحُكْمَ مِنْ جِهَتِهِمْ وَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مَكْرُوهَةً لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْهَا، وَلِذَا أَضَافَ الْحُكْمَ إِلَيْهِمْ، وَخَصَّهُمْ بِالْخِطَابِ عَلَى وَجْهِ الْعِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 1606
[بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا]
стр. 1607
[٢٣] بَابُ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٠٥٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[٢٣] بَابُ الْجَمَاعَةِ
أَيْ: أَحْكَامُهَا وَآدَابُهَا. (وَفَضْلُهَا) أَيْ: زِيَادَةُ ثَوَابِهَا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٠٥٢ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ) أَيْ: تَزِيدُ فِي الثَّوَابِ (صَلَاةَ الْفَذِّ) : بِتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: الْفَرْدِ، بِمَعْنَى الْمُنْفَرِدِ، أَيْ: عَلَى صَلَاةِ الْوَاحِدِ الَّذِي تَرَكَ الْجَمَاعَةَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ فَذَّ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَيْ: انْفَرَدَ وَشَذَّ عَنْهُمْ، انْتَهَى. فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْوَاحِدَ إِذَا صَلَّى مُنْفَرِدًا بِعُذْرٍ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ. (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: " «أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» "، انْتَهَى. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطَا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَلَا فَرْضَ عَيْنٍ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِمَنْ صَلَّى فَذًّا دَرَجَةٌ كَذَا قَالُوا، وَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ هَذَا عَلَى الْمَعْذُورِ، أَوْ يَقُولَ: الْمُرَادُ بِهِ التَّرْغِيبُ فِي الْجَمَاعَةِ وَالْفَرْضِيَّةِ ; أَوِ الشَّرْطِيَّةُ لَهَا دَلِيلٌ آخَرُ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ذَكَرَ هَاهُنَا سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ أَنْ نَقُولَ: عَرَفْنَا مِنْ تَفَاوُتِ الْفَضْلِ أَنَّ الزَّائِدَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ النَّاقِصِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَزِيدُ عِبَادَهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَا يُنْقِصُهُمْ مِنَ الْمَوْعِدِ شَيْئًا، فَإِنَّهُ ﷺ بَشَّرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوَّلًا بِمِقْدَارٍ مِنْ فَضْلِهِ، ثُمَّ رَأَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَمُنُّ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ، فَبَشَّرَهُمْ بِهِ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا وَجْهُ قَصْرِ الْفَضِيلَةِ عَلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ تَارَةً وَعَلَى سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أُخْرَى، فَمَرْجِعُهُ إِلَى الْعُلُومِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي لَا يُدْرِكُهَا الْعُقَلَاءُ إِجْمَالًا، فَضْلًا عَنِ التَّفْصِيلِ، وَلَعَلَّ الْفَائِدَةَ فِيمَا كَشَفَ بِهِ حَضْرَةُ النُّبُوَّةِ هِيَ اجْتِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إِظْهَارِ شِعَارِ الْإِسْلَامِ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ، الْأَوَّلُ: أَنْ ذِكْرَ الْقَلِيلِ لَا يَنْفِي الْكَثِيرَ وَمَفْهُومَ اللَّقَبِ بَاطِلٌ، وَالثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُصَلِّي وَالصَّلَاةِ، فَلِبَعْضِهِمْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ، وَلِبَعْضِهِمْ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ، بِحَسَبِ كَمَالِ الصَّلَاةِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى قِيَامِهَا، وَالْخُشُوعِ فِيهَا، وَشَرَفِ الْبُقْعَةِ، وَالْإِمَامِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ بِمُجَرَّدِ الْجَمَاعَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا ذُكِرَ، فَإِنَّ بَعْضَ الْبُقَعِ يَزِيدُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، وَالدَّرَجَاتُ بَيْنَ الْمُصَلِّينَ وَالصَّلَوَاتِ مُتَبَايِنَةٌ بَعِيدَةٌ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ ; وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ عَلَى سُنِّيَّةِ الْجَمَاعَةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَنَا، وَرَجَّحَهُ كَثِيرُونَ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ لِلْخَبَرِ الْآتِي:
مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَخْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَا يَقْنَعُ بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَتْرُكُ دَرَجَاتٍ كَثِيرَةً إِلَّا غَيْرُ مُصَدِّقٍ لَهُ بِذَلِكَ، أَوْ سَفِيهٌ لَا يَهْتَدِي لِطَرِيقِ التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ السَّبْعَةَ وَالْعِشْرِينَ تَحْصُلُ فِي جَمَاعَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مُضَاعَفَةً فِي مِائَةِ أَلْفِ أَلْفِ صَلَاةٍ الْحَاصِلَةِ لِلْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا، وَصَحَّ حَدِيثُ: " «الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً» "، وَصَحَّ أَيْضًا: " «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَإِذَا صَلَّاهَا بِأَرْضٍ فَلَاةٍ فَأَتَمَّ وُضُوءَهَا وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ صِلَاتُهُ خَمْسِينَ دَرَجَةً» "، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: " «أَنَّ مَنْ بِالْفَلَاةِ إِنْ أَقَامَ صَلَّى مَعَهُ مَلَكَاهُ، وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ مَا لَا يُرَى طَرَفَاهُ» "، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: " «صَلَّتْ مَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ مَلَكٍ، وَأَرْبَعَةُ آلَافِ أَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ» "، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: صَلَّى وَرَاءَهُ أَمْثَالُ الْجِبَالِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
стр. 1608
١٠٥٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ.
ــ
١٠٥٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَالَّذِي نَفْسِي) أَيْ: ذَاتِي أَوْ رُوحِي، يَعْنِي إِيجَادَهَا وَإِمْدَادَهَا (بِيَدِهِ) أَيْ: بِقَبْضَةِ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ (لَقَدْ هَمَمْتُ) أَيْ: قَصَدْتُ وَأَرَدْتُ (أَنْ آمُرَ) أَيْ: بَعْضَ الْخَدَمِ لِمَا فِي رِوَايَةِ " فِتْيَتِي " (بِحَطَبٍ) أَيْ: يُجْمَعُ حَطَبٌ عَظِيمٌ (فَيُحْطَبُ) : بِالرَّفْعِ وَيُنْصَبُ، وَفِي الْمَصَابِيحِ، فَيُحْتَطَبُ، أَيْ: فَيُجْمَعُ الْحَطَبُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ: حَطَبْتُ الْحَطَبَ وَاحْتَطَبْتُهُ أَيْ: جَمَعْتُهُ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: فَيُحْطَبُ كَذَا وَجَدْنَاهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَالْجَمْعِ لِلْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَشُعَبِ الْإِيمَانِ (ثُمَّ آمُرَ) : بِالنَّصْبِ (بِالصَّلَاةِ) أَيِ الْعِشَاءِ لِمَا يَقْتَضِيهِ آخِرُ الْحَدِيثِ، وَالتَّصْرِيحُ بِهِ الْآتِي فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ، وَيَحْتَمِلُ بَقَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ إِنْ تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ، (فَيُؤَذَّنَ) : بِالرَّفْعِ وَيُنْصَبُ (لَهَا، ثُمَّ آمُرَ) : بِالنَّصْبِ (رَجُلًا) : فِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ اسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ وَانْصِرَافِهِ لِعُذْرٍ (فَيَؤُمَّ) : بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ (النَّاسَ) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي الْجَمَاعَةِ لَا فِي الْجُمُعَةِ، وَإِنْ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ بِهِمَا وَهُمَا صَحِيحَتَانِ. (ثُمَّ أُخَالِفَ) : بِالنَّصْبِ، أَيْ: أَذْهَبَ (إِلَى رِجَالٍ) أَيْ آتِيهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: أُخَالِفُ مَا أَظْهَرْتُ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَاشْتِغَالِ بَعْضِ النَّاسِ، وَأَقْصِدُ إِلَى بُيُوتِ مَنْ أَمَرْتُهُمْ بِالْخُرُوجِ عَنْهَا لِلصَّلَاةِ، فَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْهَا فَأُحَرِّقُهَا عَلَيْهِمْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مِنْ خَالَفْتُ إِلَى كَذَا إِذَا قَصَدْتَهُ وَأَنْتَ مُوَلِّ عَنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] . (وَفِي رِوَايَةٍ: " لَا يَشْهَدُونَ) أَيْ: لَا يَحْضُرُونَ (الصَّلَاةَ) : مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: " لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ " بَلْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْمَصَابِيحِ جَعَلَ الرِّوَايَتَيْنِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَفِي رِوَايَةٍ: " «يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ» "، فَيَكُونُ الْوَعِيدُ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَا عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ (فَأُحَرِّقَ) : بِالتَّشْدِيدِ (عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ) : بِضَمِّ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا. قِيلَ: هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُ عَامًّا فِي جَمِيعِ النَّاسِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْمُنَافِقُونَ فِي زَمَانِهِ، نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي إِذْ مَا كَانَ أَحَدٌ يَتَخَلَّفُ عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي زَمَانِهِ ﵇ إِلَّا مُنَافِقٌ ظَاهِرُ النِّفَاقِ، أَوِ الشَّاكُّ فِي دِينِهِ، قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعُقُوبَةَ كَانَتْ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ بِإِحْرَاقِ الْمَالِ، وَقِيلَ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْعِ الْعُقُوبَةِ بِالتَّحْرِيقِ فِي غَيْرِ الْمُتَخَلِّفَةِ عَنِ الصَّلَاةِ وَالْغَالِّ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِ تَحْرِيقِ مَتَاعِهِمَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا دَلِيلَ فِيهِ لِوُجُوبِ الْجَمَاعَةِ عَيْنًا، الَّذِي قَالَ بِهِ أَحْمَدُ وَدَاوُدُ ; لِأَنَّهُ وَارِدٌ فِي قَوْمٍ مُنَافِقِينَ. اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَيُؤَيِّدُ التَّعْمِيمَ قَوْلُهُ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) : تَأْكِيدٌ لِقَسَمٍ سَابِقٍ، أَوِ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ لَاحِقٍ (لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ) أَيِ: الَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ مَعَ فَضِيلَتِهَا فِي الدُّنْيَا وَثَوَابِهَا فِي الْعُقْبَى (أَنَّهُ يَجِدُ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ (عَرْقًا) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، أَيْ: عَظْمًا عَلَيْهِ لَحْمٌ (سَمِينًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَرْقُ بِالسُّكُونِ الْعَظْمُ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ اللَّحْمُ، أَيْ: مُعْظَمُهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَصْدَرُ عَرَقْتُ الْعَظْمَ إِذَا أَكَلْتَهُ، أَوْ أَخَذْتَ أَكْثَرَ مَا عَلَيْهِ مِنَ اللَّحْمِ، وَوَصَفَهُ بِالسَّمِينِ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُ أَكْثَرُ اللَّحْمِ، وَهُوَ يَكُونُ فِي نَفْسِهِ سَمِينًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قُيِّدَ بِهِ لِأَنَّ الْعَظْمَ السَّمِينَ فِيهِ دُسُومَةٌ قَدْ يُرْغَبُ فِي مَضْغِهِ لِأَجْلِهَا. (أَوْ مِرْمَاتَيْنِ) : بِكَسْرِ مِيمِهِ وَتُفْتَحُ: ظِلْفُ الشَّاةِ، وَ " أَوْ " بِمَعْنَى " بَلْ ". وَقِيلَ: لَحْمُ مَا بَيْنَ ظِلْفَيْهَا لِأَنَّهُ مِمَّا يُرْمَى، وَقِيلَ: هِيَ الْعَظْمُ الَّذِي لَا لَحْمَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بِكَسْرِ الْمِيمِ: السَّهْمُ الصَّغِيرُ الَّذِي يُتَعَلَّمُ الرَّمْيُ بِهِ، أَوْ يُرْمَى بِهِ فِي السَّبْقِ، وَهُوَ أَحْقَرُ السِّهَامِ وَأَرْذَلُهَا. (حَسَنَتَيْنِ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ جَيِّدَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنَّمَا وَصَفَهُمَا بِالْحَسَنَتَيْنِ لِيَكُونَ مُشْعِرًا بِبَقَاءِ الرَّغْبَةِ فِيهِمَا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْحُسْنُ وَالْحَسَنُ: الْعَظْمُ الَّذِي فِي الْمِرْفَقِ مِمَّا يَلِي الْبَطْنَ، وَالْقُبْحُ وَالْقَبِيحُ: الْعَظْمُ الَّذِي فِي
стр. 1609
الْمِرْفَقِ مِمَّا يَلِي الْكَتِفَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: حَسَنَتَيْنِ بَدَلٌ مِنْ: الْمِرْمَاتَيْنِ إِذَا أُرِيدَ بِهِمَا الْعَظْمُ الَّذِي لَا لَحْمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِمَا السَّهْمَانِ الصَّغِيرَانِ، فَالْحَسَنَتَيْنِ بِمَعْنَى الْجَيِّدَتَيْنِ صِفَةٌ لِمِرْمَاتَيْنِ. (لَشَهِدَ الْعِشَاءَ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَالْمُرَادُ التَّوْبِيخُ، أَيْ: لَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنْ لَوْ حَضَرَ وَقْتَ الْعِشَاءِ أَوْ صَلَاةَ الْعِشَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِشَاءِ الصَّلَاةُ لَحَصَلَ لَهُ حَظٌّ دُنْيَوِيٌّ لَحَضَرَهَا، وَإِنْ كَانَ خَسِيسًا صَغِيرًا، وَمَا يَحْضُرُ الصَّلَاةَ وَمَا رُتِّبَ عَلَيْهَا مِنَ الثَّوَابِ.
قَالَ الْقَاضِي: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ، وَظَاهِرُ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ. قُلْتُ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كِفَايَةً لَمَا اسْتَحَقَّ بَعْضُ التَّارِكِينَ التَّعْذِيبَ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَكَانَ الْقَائِلُ بِالْكِفَايَةِ يَقُولُ: الْمَقْصُودُ مِنَ الِافْتِرَاضِ إِظْهَارُ الشِّعَارِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ; إِذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهَا كَانَتْ تُقَامُ عَلَى عَهْدِهِ فِي مَسْجِدِهِ ﵇، وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ فِي الْمُتَخَلِّفِينَ مَا قَالَ، وَهَمَّ بِتَحْرِيقِهِمْ، وَلَمْ يَصْدُرْ مِثْلُهُ عَنْهُ فِيمَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْجَنَائِزِ مَعَ إِقَامَتِهَا بِغَيْرِهِمْ.
قَالَ الْقَاضِي: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ. قُلْتُ: وَفِيهِ بَحْثٌ، قَالَ: وَلِقَوْلِهِ ﵇: " «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ أَوْ بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا وَقَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ» "، أَيْ: الشَّاةَ الْبَعِيدَةَ مِنَ الرَّاعِي. وَاسْتِحْوَاذُ الشَّيْطَانِ وَهُوَ غَلَبَتُهُ إِنَّمَا يَكُونُ بِمَا يَكُونُ مَعْصِيَةً، كَتَرْكِ الْوَاجِبِ دُونَ السُّنَّةِ. قُلْتُ: الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ، أَوْ وَاجِبٌ عَلَى مُخْتَارِ مَذْهَبِنَا، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالثَّلَاثَةِ لِأَنَّهَا أَقَلُّ كَمَالِ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، قَالَ: وَذَهَبَ الْبَاقُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ ; وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَتَمَسَّكُوا بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ، أَيْ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنَ الْبَابِ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ أَكْثَرَ مِنْ ثُبُوتِ صِحَّةِ مَا فِي الْبَيْتِ وَالسُّوقِ فِي الْجُمْلَةِ بِلَا جَمَاعَةٍ، وَلَا شَكَّ فِيهِ إِذَا فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ، فَالْمَعْنَى: صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ مُقْتَضَاهُ الصِّحَّةَ مُطْلَقًا بِلَا جَمَاعَةٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَى سُنِّيَّتِهَا، لِجَوَازِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ تَرْكُهَا مُؤَثِّمًا لَا مُفْسِدًا، قَالَ: وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ التَّحْرِيقَ لِاسْتِهَانَتِهِمْ وَعَدَمِ مُبَالَاتِهِمْ بِهَا إِلَّا بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ، قُلْتُ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّرْكِ، وَلِمُشَابَهَتِهِمْ بِالْمُنَافِقِينَ وَالشَّاكِّينَ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ، وَدَاوُدُ: إِنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ: بِوُجُوبِهَا وَاشْتِرَاطِهَا فِي الصِّحَّةِ اهـ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَحَاصِلُ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَدَاوُدَ، وَعَطَاءٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَغَيْرِهِمَا: مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، وَقِيلَ: عَلَى الْكِفَايَةِ، وَفِي الْغَايَةِ قَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَفِي الْمُفِيدِ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ; وَتَسْمِيَتُهَا سُنَّةٌ لِوُجُوبِهَا بِالسُّنَّةِ، وَفِي الْبَدَائِعِ: تَجِبُ عَلَى الْعُقَلَاءِ، الْبَالِغِينَ، الْأَحْرَارِ، الْقَادِرِينَ عَلَى الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ، وَإِذَا فَاتَتْهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ فِي الْمَسَاجِدِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنِ أَصْحَابِنَا، بَلْ إِنْ أَتَى مَسْجِدًا آخَرَ لِلْجَمَاعَةِ فَحَسَنٌ، وَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ مُنْفَرِدًا فَحَسَنٌ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ يَجْمَعُ بِأَهْلِهِ أَحْيَانًا هَلْ يَنَالُ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ؟ فَقَالَ: لَا، وَيَكُونُ بِدْعَةً وَمَكْرُوهًا بِلَا عُذْرٍ، فَمِنَ الْأَعْذَارِ: الْمَرَضُ الَّذِي يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَكَوْنُهُ مَقْطُوعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ، أَوْ مَفْلُوجًا، أَوْ مُسْتَخْفِيًا مِنَ السُّلْطَانِ أَوْ مِنْ غَرِيمٍ وَهُوَ مُعْسِرٌ، أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ كَالشَّيْخِ الْعَاجِزِ وَغَيْرِهِ. وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ: وَالْأَعْمَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اتِّفَاقٌ، وَالْخِلَافُ فِي الْجُمُعَةِ لَا الْجَمَاعَةِ، فَفِي الدِّرَايَةِ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَى الْأَعْمَى، وَبِالْمَطَرِ، وَالطِّينِ، وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ، وَالظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ فِي الصُّبْحِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ) .
стр. 1610
١٠٥٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: " هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَأَجِبْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٥٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى) : هُوَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ) أَيْ: عَبْدٌ أَوْ خَادِمٌ (يَقُودُنِي) أَيْ: يُمْسِكُنِي وَيَأْتِي مَعِي (إِلَى الْمَسْجِدِ) : لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْ: طَلَبَ مِنْهُ (أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ) أَيْ: فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ (فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ) : إِمَّا جَمَاعَةً أَوْ مُنْفَرِدًا (فَرَخَّصَ لَهُ) أَيْ: رَخَّصَ أَوَّلًا (فَلَمَّا وَلَّى) أَيْ: رَجَعَ وَأَدْبَرَ (دَعَاهُ، فَقَالَ: " هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ) أَيِ: الْإِعْلَامَ وَالتَّأْذِينَ (بِالصَّلَاةِ؟) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَأَجِبْ) أَيْ: فَأْتِ الْجَمَاعَةَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ، وَقِيلَ: حَثٌّ وَمُبَالَغَةٌ فِي الْأَفْضَلِ الْأَلْيَقِ بِحَالِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ فُضَلَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، رَخَّصَ أَوَّلًا ; ثُمَّ رَدَّهُ ; إِمَّا بِوَحْيٍ أَوْ بِتَغْيِيرِ اجْتِهَادٍ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَطْلَقَ لَهُ الْجَوَابَ، ثُمَّ قَيَّدَهُ بِقَيْدِ عَدَمِ السَّمَاعِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا لَمْ يُرَخِّصْ لَهُ مَعَ عَدَمِ وُجْدَانِهِ قَائِدًا لِعِلْمِهِ بِقُدْرَتِهِ عَلَى الْحُضُورِ بِلَا قَائِدٍ ; أَوْ لِلتَّأْكِيدِ فِي الْجَمَاعَةِ، قَالَ: وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو ثَوْرٍ عَلَى وُجُوبِ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَا رُوِيَ «عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي ضَرِيرٌ شَاسِعُ الدَّارِ أَيْ بَعِيدُهَا، وَلِي قَائِدٌ لَا يُلَائِمُنِي، فَهَلْ تَجِدُ لِي رُخْصَةً أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ قَالَ: " أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " مَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، وَغَيْرُهُمْ، وَمَعْنَاهُ لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً تُحَصِّلُ لَكَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِهَا، لَا الْإِيجَابُ عَلَى الْأَعْمَى، فَإِنَّهُ ﵇ رَخَّصَ لِعِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ فِي تَرْكِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْعَيْنِ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ، وَلِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّهُ ﵇ رَخَّصَ لِعِتْبَانِ حَيْثُ شَكَا بَصَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ مَا ادَّعَى أَحَدٌ أَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ مَعَ وُجُودِ الْعُذْرِ أَيْضًا فَتَدَبَّرْ، وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا " «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» "، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثَانِ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُمَا ضَعِيفَانِ " «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ» ، " «وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْجَمَاعَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تُقْبَلْ صَلَاتُهُ» "، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ أَئِمَّتُنَا بِفَرْضِيَّتِهِ بَلْ بِوُجُوبِهِ ; لِأَنَّ الدَّلِيلَ ظَنِّيٌّ.
стр. 1611
١٠٥٥ - «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ يَقُولُ: " أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٠٥٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ أَذَّنَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، قِيلَ عِبَارَةُ الْبُخَارِيِّ هُنَا عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ (بِالصَّلَاةِ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: لِلصَّلَاةِ (فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ) : وَفِي بَابِ الْأَذَانِ: (أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ) يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ أَذَّنَ صِيغَةُ الْمَعْرُوفِ اهـ. وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَذَّنَ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ بِالتَّأْذِينِ (ثُمَّ قَالَ) أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِ الْأَذَانِ (أَلَا) : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (صَلُّوا فِي الرِّحَالِ) أَيْ فِي الْبُيُوتِ وَالْمَنَازِلِ، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيِ: الدُّورُ وَالْمَسَاكِنُ، رَحْلُ الرَّجُلِ مَنْزِلُهُ وَمَسْكَنُهُ. (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ) أَيْ: وَقَعَتْ (لَيْلَةٌ) : بِالرَّفْعِ (ذَاتُ بَرْدٍ) : صِفَتُهَا أَيْ: صَاحِبَةُ بَرْدٍ شَدِيدٍ (وَمَطَرٍ) أَيْ كَثِيرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ زِيَادَةُ وَرِيحٍ (يَقُولُ: " أَلَا صَلُّوا) : أَمْرُ إِبَاحَةٍ (فِي الرِّحَالِ) : لِلْعُذْرِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي طِينٍ وَرَدْغَةٍ، أَيْ: وَحْلٍ كَثِيرٍ؟ فَقَالَ: لَا أُحِبُّ تَرْكَهَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْمُوَطَّأِ: الْحَدِيثُ رُخْصَةٌ يَعْنِي قَوْلَهُ ﵇: " «إِذَا ابْتَلَّتِ النِّعَالُ فَالصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ» ". (مُتَّفَقٌ عَلْيِهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُوَافِقُهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمُطِرْنَا، فَقَالَ: " لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ فِي رَحْلِهِ» "، وَصَحَّ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَصَابَنَا مَطَرٌ قَلِيلٌ لَمْ يَبُلَّ أَسْفَلَ نِعَالِنَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» .
стр. 1612
١٠٥٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَأُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ» ". وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَأْتِيهَا حِينَ يَفْرُغُ مِنْهُ، وَإِنَّهُ لِيَسْمَعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٠٥٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقِيلَ: مَا يُؤْكَلُ بَعْدَ الزَّوَالِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ مِثَالٌ، وَالْمُرَادُ طَعَامٌ تَتُوقُ نَفْسُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَشَاءً (وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَأُوا بِالْعَشَاءِ) أَيْ: بِأَكْلِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (وَلَا يَعْجَلْ) أَيْ: أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ) : عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، أَيْ: مِنَ الْعَشَاءِ بِالْفَتْحِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ ; حَيْثُ قَالُوا: إِنَّمَا يَأْكُلُ لُقَيْمَاتٍ تَكْسِرُ سَوْرَتَهُ، وَالَّذِي صَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنْ يُكْمِلَ حَاجَتَهُ مِنَ الْأَكْلِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ فَابْدَأُوا أَنْتُمْ بِالْعَشَاءِ. وَلَا يَعْجَلْ هُوَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، فَالْأَمْرُ بِالْجَمْعِ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ وَبِالْأَفْرَادِ إِلَى الْأَحَدِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
قُلْتُ: هَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ فَابْدَأُوا بِالْعِشَاءِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ ; وَالنُّسَخُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى الْفَتْحِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِطَابَ لِإِفَادَةِ عُمُومِ الْحُكْمِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِأَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الْمُوَافَقَةُ مَعَهُ، ثُمَّ أَدَاءُ الصَّلَاةِ جَمَاعَةً لِيَنَالَ الْفَضِيلَةَ، قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: وَهَذَا إِذَا كَانَ جَائِعًا وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إِلَى الْأَكْلِ وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ، وَمَا أَحْسَنَ مَا رَوَيْنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لِأَنْ يَكُونَ أَكْلِي كُلُّهُ صَلَاةً أَحَبُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ صَلَاتِي كُلُّهَا أَكْلًا. (وَكَانَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَكَانَ (ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ) أَيْ طَعَامُ أَحَدِ الْعَشَاءَيْنِ بِقَرِينَةِ سَمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ (وَتُقَامُ) : بِالتَّأْنِيثِ وَيَذْكُرُ (الصَّلَاةَ) أَيْ: جَمَاعَةً (فَلَا يَأْتِيهَا) أَيِ: الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ أَكْلِهِ (وَإِنَّهُ) أَيْ: مِنْ قُرْبِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ) : وَالْجُمْلَةُ حَالِيَةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 1613
١٠٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٥٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَا صَلَاةَ) أَيْ: كَامِلَةً (بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، أَيْ: بِحُضُورِ طَعَامٍ يُرِيدُ أَكْلَهُ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُتَيَسِّرَ حُضُورُهُ عَنْ قُرْبٍ كَالْحَاضِرِ. (وَلَا هُوَ) أَيْ: مُرِيدُ الصَّلَاةِ (يُدَافِعُهُ) أَيْ: يُطَالِبُهُ وَيَدْفَعُ حُضُورَ صَلَاتِهِ (الْأَخْبَثَانِ) أَيِ: الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ، وَفِي مَعْنَاهُ الرِّيحُ وَالْقَيْءُ وَالْمَذْيُ، وَقِيلَ: (هُوَ) عَائِدٌ إِلَى الشَّخْصِ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ، وَيُدَافِعُهُ حَالٌ تَقْدِيرُهُ: وَلَا الشَّخْصُ مُصَلٍّ صَلَاةً كَامِلَةً حَالَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: " وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ " فَالْوَاوُ: لِلْحَالِ مِنْ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: وَلَا صَلَاةَ كَامِلَةٌ حَاصِلَةٌ، وَالشَّخْصُ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ، أَيْ: مُقَارِنَةٌ لِمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ (وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ) عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَالْجُمْلَةُ وَقَعَتْ حَالًا بِلَا " وَاوٍ " وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: وَلَا صَلَاةَ حَاصِلَةٌ لِلْمُصَلِّي فِي حَالٍ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ عَنْهَا، فَاسْمُ لَا الثَّانِيَةِ وَخَبَرُهَا مَحْذُوفَانِ، وَقَوْلُهُ: (هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ) حَالٌ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ النِّهَايَةِ: " «لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ» "، إِذْ لَا صَلَاةَ حِينَ هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ، وَالْمُدَافَعَةُ إِمَّا عَلَى حَقِيقَتِهَا، أَيْ: يَدْفَعُهُ الْأَخْبَثَانِ عَنْهَا وَهُوَ يَدْفَعُهُمَا، وَإِمَّا بِمَعْنَى الدَّفْعِ مُبَالَغَةً، قَالَ النَّوَوِيُّ: كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ الَّذِي يُرِيدُ أَكْلَهُ لِمَا فِيهِ مِنِ اشْتِغَالِ الْقَلْبِ وَذَهَابِ كَمَالِ الْخُشُوعِ، وَكَذَلِكَ كَرَاهَتُهَا مَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ، فَلَوْ تَضَيَّقَ اشْتَغَلَ بِالصَّلَاةِ عَلَى حَالِهِ حُرْمَةً لِلْوَقْتِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْهُ أَخَذَ أَكْثَرُ أَئِمَّتِنَا كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ مَعَ مُدَافَعَةِ وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ.
وَقَالَ جَمْعٌ مِنْهُمْ: وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ وَفَسَادِ الصَّلَاةِ إِنْ أَدَّى إِلَى ذَهَابِ خُشُوعِهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: " «لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ» "، وَحَمَلَهُ الْأَوَّلُونَ عَلَى مَا إِذَا اشْتَدَّ بِهِ الْحَالُ، وَظَنَّ أَنْ يَضُرَّهُ فَحَبْسُهُ حِينَئِذٍ حَرَامٌ.
стр. 1614
١٠٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٥٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أَيْ: نَادَى الْمُؤَذِّنُ بِالْإِقَامَةِ، وَفِيهِ إِقَامَةُ الْمُسَبَّبِ مَقَامَ السَّبَبِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (فَلَا صَلَاةَ) أَيْ: كَامِلَةٌ (إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ) : بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ بِالنَّصْبِ، أَيْ تِلْكَ الْمَكْتُوبَةُ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَى إِطْلَاقِهَا لِيَشْمَلَ الْفَائِتَةَ لِصَاحِبِ التَّرْتِيبِ، قَالَ الْمُظْهِرُ، أَيْ: إِذَا أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ سُنَّةَ الْفَجْرِ، بَلْ يُوَافِقُ الْإِمَامَ فِي الْفَرْضِيَّةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ عَلِمَ الْمُصَلِّي أَنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِسُنَّةِ الْفَجْرِ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةِ صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: سُنَّةُ الْفَجْرِ مَخْصُوصَةٌ مِنْ هَذَا بِقَوْلِهِ ﵇: " «صَلُّوهَا وَإِنْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ» ". فَقُلْنَا: يُصَلِّي سُنَّةَ الْفَجْرِ مَا لَمْ يَخْشَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَتْرُكُهَا حِينَ خَشِيَ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ اهـ. وَحَدِيثُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: " «لَا تَدَعُوهَا وَإِنْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ» ".
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: سُنَّةُ الْفَجْرِ أَقْوَى السُّنَنِ، حَتَّى رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ صَلَّاهَا قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَا يَجُوزُ، وَقَالُوا: الْعَالِمُ إِذَا صَارَ مَرْجِعًا لِلْفَتْوَى جَازَ لَهُ تَرْكُ سَائِرِ السُّنَنِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَّا سُنَّةَ الْفَجْرِ ; لِأَنَّهَا أَقْوَى السُّنَنِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ ارْتَكَبَ، وَالْأَرْجَحُ فَضِيلَةُ الْفَرْضِ بِجَمَاعَةٍ أَعْظَمُ مِنْ فَضِيلَةِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ; لِأَنَّهَا تَفْضُلُ الْفَرْضَ مُنْفَرِدًا بِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، لَا تَبْلُغُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ ضِعْفًا وَاحِدًا مِنْهَا ; لِأَنَّهَا أَضْعَافُ الْفَرْضِ، وَالْوَعِيدُ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ أَلْزَمُ مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ يَرْجُو إِدْرَاكَهُ فِي التَّشَهُّدِ، قِيلَ: هُوَ كَإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ عِنْدَهَا، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ: لَا اعْتِبَارَ بِهِ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ، وَالْوَجْهُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى صَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ هُنَا، وَمَا رُوِيَ عَنِ الْفَقِيهِ إِسْمَاعِيلَ الزَّاهِدِ: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَشْرَعَ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَقْطَعَهُمَا، فَيَجِبُ الْقَضَاءُ فَيَتَمَكَّنُ مِنَ الْقَضَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، دَفَعَهُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ بِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالشُّرُوعِ لَيْسَ أَقْوَى مِمَّا وَجَبَ بِالنَّذْرِ، وَنَصُّ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَنْذُورَ لَا يُؤَدَّى بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ الطُّلُوعِ، وَأَيْضًا هُوَ شُرُوعٌ فِي الْعِبَادَةِ بِقَصْدِ الْإِفْسَادِ، فَإِنْ قِيلَ: لِيُؤَدِّيَهَا مَرَّةً أُخْرَى. قُلْنَا: إِبْطَالُ الْعَمَلِ قَصْدًا مَنْهِيٌّ، وَدَرْءُ الْمَفْسَدَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1615
١٠٥٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعَنَّهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٠٥٩ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَإِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ) أَيْ: زَوْجَهَا فِي الذَّهَابِ (إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعَنَّهَا) : بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ الْمُؤَكِّدَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: النَّهْيُ عَنْ مَنْعِهِنَّ عَنِ الْخُرُوجِ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَبِهِ قَالَ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي تَحْقِيقِهِ، وَالزَّرْكَشِيِّ فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ، أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ فِي خُرُوجِهِنَّ اخْتِلَاطٌ بِالرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ طَرِيقِهِ، أَوْ قَوِيَتْ خَشْيَةُ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِنَّ لِتَزَيُّنِهِنَّ وَتَبَرُّجِهِنَّ حُرِّمَ عَلَيْهِنَّ الْخُرُوجُ، وَعَلَى الْحَلِيلِ الْإِذْنُ لَهُنَّ، وَوَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ مَنْعُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ الْمُظْهِرُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِهِنَّ إِلَى الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ، لَكِنْ فِي زَمَانِنَا مَكْرُوهٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِلْفِتْنَةِ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الشَّيْخَيْنِ، عَنْ عَائِشَةَ: لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخَبَرُ الْبَيْهَقِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: نَهَى النِّسَاءَ عَنِ الْخُرُوجِ إِلَّا عَجُوزًا فِي مَنْقَلِهَا، أَيْ: ثِيَابِ بَذْلَتِهَا، وَأَصْلُ الْمَنْقَلِ بِفَتْحِ الْمِيمِ فِي الْأَشْهَرِ الْخُفُّ، وَقِيلَ: الْخُفُّ الْخَلَقُ ; وَهَذَا مِنَ الصَّحَابِيِّ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ فَيُخَصُّ بِهِ عُمُومُ النَّفْيِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ: " «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» " عَلَى أَنَّ أَبَا دَاوُدَ عَقَّبَهُ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ( «وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ ثَفِلَاتٌ غَيْرُ عَطِرَاتٍ» ) وَثَفِلَاتٌ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ تَارِكَاتٌ لِلطِّيبِ، وَخَبَرُ مُسْلِمٍ: " «إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ» ". (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
следующие страницы →