Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
١٠٥٥ - «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ يَقُولُ: " أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٠٥٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ أَذَّنَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، قِيلَ عِبَارَةُ الْبُخَارِيِّ هُنَا عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ (بِالصَّلَاةِ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: لِلصَّلَاةِ (فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ) : وَفِي بَابِ الْأَذَانِ: (أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ) يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ أَذَّنَ صِيغَةُ الْمَعْرُوفِ اهـ. وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَذَّنَ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ بِالتَّأْذِينِ (ثُمَّ قَالَ) أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِ الْأَذَانِ (أَلَا) : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (صَلُّوا فِي الرِّحَالِ) أَيْ فِي الْبُيُوتِ وَالْمَنَازِلِ، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيِ: الدُّورُ وَالْمَسَاكِنُ، رَحْلُ الرَّجُلِ مَنْزِلُهُ وَمَسْكَنُهُ. (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ) أَيْ: وَقَعَتْ (لَيْلَةٌ) : بِالرَّفْعِ (ذَاتُ بَرْدٍ) : صِفَتُهَا أَيْ: صَاحِبَةُ بَرْدٍ شَدِيدٍ (وَمَطَرٍ) أَيْ كَثِيرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ زِيَادَةُ وَرِيحٍ (يَقُولُ: " أَلَا صَلُّوا) : أَمْرُ إِبَاحَةٍ (فِي الرِّحَالِ) : لِلْعُذْرِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنِ الْجَمَاعَةِ فِي طِينٍ وَرَدْغَةٍ، أَيْ: وَحْلٍ كَثِيرٍ؟ فَقَالَ: لَا أُحِبُّ تَرْكَهَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْمُوَطَّأِ: الْحَدِيثُ رُخْصَةٌ يَعْنِي قَوْلَهُ ﵇: " «إِذَا ابْتَلَّتِ النِّعَالُ فَالصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ» ". (مُتَّفَقٌ عَلْيِهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُوَافِقُهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمُطِرْنَا، فَقَالَ: " لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ فِي رَحْلِهِ» "، وَصَحَّ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَصَابَنَا مَطَرٌ قَلِيلٌ لَمْ يَبُلَّ أَسْفَلَ نِعَالِنَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» .
стр. 1612
١٠٥٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَأُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ» ". وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَأْتِيهَا حِينَ يَفْرُغُ مِنْهُ، وَإِنَّهُ لِيَسْمَعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٠٥٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقِيلَ: مَا يُؤْكَلُ بَعْدَ الزَّوَالِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ مِثَالٌ، وَالْمُرَادُ طَعَامٌ تَتُوقُ نَفْسُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَشَاءً (وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَأُوا بِالْعَشَاءِ) أَيْ: بِأَكْلِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (وَلَا يَعْجَلْ) أَيْ: أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ) : عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، أَيْ: مِنَ الْعَشَاءِ بِالْفَتْحِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ ; حَيْثُ قَالُوا: إِنَّمَا يَأْكُلُ لُقَيْمَاتٍ تَكْسِرُ سَوْرَتَهُ، وَالَّذِي صَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنْ يُكْمِلَ حَاجَتَهُ مِنَ الْأَكْلِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ فَابْدَأُوا أَنْتُمْ بِالْعَشَاءِ. وَلَا يَعْجَلْ هُوَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، فَالْأَمْرُ بِالْجَمْعِ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ وَبِالْأَفْرَادِ إِلَى الْأَحَدِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
قُلْتُ: هَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ فَابْدَأُوا بِالْعِشَاءِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ ; وَالنُّسَخُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى الْفَتْحِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِطَابَ لِإِفَادَةِ عُمُومِ الْحُكْمِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِأَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الْمُوَافَقَةُ مَعَهُ، ثُمَّ أَدَاءُ الصَّلَاةِ جَمَاعَةً لِيَنَالَ الْفَضِيلَةَ، قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: وَهَذَا إِذَا كَانَ جَائِعًا وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إِلَى الْأَكْلِ وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ، وَمَا أَحْسَنَ مَا رَوَيْنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لِأَنْ يَكُونَ أَكْلِي كُلُّهُ صَلَاةً أَحَبُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ صَلَاتِي كُلُّهَا أَكْلًا. (وَكَانَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَكَانَ (ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ) أَيْ طَعَامُ أَحَدِ الْعَشَاءَيْنِ بِقَرِينَةِ سَمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ (وَتُقَامُ) : بِالتَّأْنِيثِ وَيَذْكُرُ (الصَّلَاةَ) أَيْ: جَمَاعَةً (فَلَا يَأْتِيهَا) أَيِ: الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ (حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ أَكْلِهِ (وَإِنَّهُ) أَيْ: مِنْ قُرْبِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ) : وَالْجُمْلَةُ حَالِيَةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 1613
١٠٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٥٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَا صَلَاةَ) أَيْ: كَامِلَةً (بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، أَيْ: بِحُضُورِ طَعَامٍ يُرِيدُ أَكْلَهُ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُتَيَسِّرَ حُضُورُهُ عَنْ قُرْبٍ كَالْحَاضِرِ. (وَلَا هُوَ) أَيْ: مُرِيدُ الصَّلَاةِ (يُدَافِعُهُ) أَيْ: يُطَالِبُهُ وَيَدْفَعُ حُضُورَ صَلَاتِهِ (الْأَخْبَثَانِ) أَيِ: الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ، وَفِي مَعْنَاهُ الرِّيحُ وَالْقَيْءُ وَالْمَذْيُ، وَقِيلَ: (هُوَ) عَائِدٌ إِلَى الشَّخْصِ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ، وَيُدَافِعُهُ حَالٌ تَقْدِيرُهُ: وَلَا الشَّخْصُ مُصَلٍّ صَلَاةً كَامِلَةً حَالَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: " وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ " فَالْوَاوُ: لِلْحَالِ مِنْ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: وَلَا صَلَاةَ كَامِلَةٌ حَاصِلَةٌ، وَالشَّخْصُ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ، أَيْ: مُقَارِنَةٌ لِمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ (وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ) عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَالْجُمْلَةُ وَقَعَتْ حَالًا بِلَا " وَاوٍ " وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: وَلَا صَلَاةَ حَاصِلَةٌ لِلْمُصَلِّي فِي حَالٍ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ عَنْهَا، فَاسْمُ لَا الثَّانِيَةِ وَخَبَرُهَا مَحْذُوفَانِ، وَقَوْلُهُ: (هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ) حَالٌ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ النِّهَايَةِ: " «لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ» "، إِذْ لَا صَلَاةَ حِينَ هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ، وَالْمُدَافَعَةُ إِمَّا عَلَى حَقِيقَتِهَا، أَيْ: يَدْفَعُهُ الْأَخْبَثَانِ عَنْهَا وَهُوَ يَدْفَعُهُمَا، وَإِمَّا بِمَعْنَى الدَّفْعِ مُبَالَغَةً، قَالَ النَّوَوِيُّ: كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ الَّذِي يُرِيدُ أَكْلَهُ لِمَا فِيهِ مِنِ اشْتِغَالِ الْقَلْبِ وَذَهَابِ كَمَالِ الْخُشُوعِ، وَكَذَلِكَ كَرَاهَتُهَا مَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ، فَلَوْ تَضَيَّقَ اشْتَغَلَ بِالصَّلَاةِ عَلَى حَالِهِ حُرْمَةً لِلْوَقْتِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْهُ أَخَذَ أَكْثَرُ أَئِمَّتِنَا كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ مَعَ مُدَافَعَةِ وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ.
وَقَالَ جَمْعٌ مِنْهُمْ: وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ وَفَسَادِ الصَّلَاةِ إِنْ أَدَّى إِلَى ذَهَابِ خُشُوعِهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: " «لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ» "، وَحَمَلَهُ الْأَوَّلُونَ عَلَى مَا إِذَا اشْتَدَّ بِهِ الْحَالُ، وَظَنَّ أَنْ يَضُرَّهُ فَحَبْسُهُ حِينَئِذٍ حَرَامٌ.
стр. 1614
١٠٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٥٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أَيْ: نَادَى الْمُؤَذِّنُ بِالْإِقَامَةِ، وَفِيهِ إِقَامَةُ الْمُسَبَّبِ مَقَامَ السَّبَبِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (فَلَا صَلَاةَ) أَيْ: كَامِلَةٌ (إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ) : بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ بِالنَّصْبِ، أَيْ تِلْكَ الْمَكْتُوبَةُ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَى إِطْلَاقِهَا لِيَشْمَلَ الْفَائِتَةَ لِصَاحِبِ التَّرْتِيبِ، قَالَ الْمُظْهِرُ، أَيْ: إِذَا أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ سُنَّةَ الْفَجْرِ، بَلْ يُوَافِقُ الْإِمَامَ فِي الْفَرْضِيَّةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ عَلِمَ الْمُصَلِّي أَنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِسُنَّةِ الْفَجْرِ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةِ صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: سُنَّةُ الْفَجْرِ مَخْصُوصَةٌ مِنْ هَذَا بِقَوْلِهِ ﵇: " «صَلُّوهَا وَإِنْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ» ". فَقُلْنَا: يُصَلِّي سُنَّةَ الْفَجْرِ مَا لَمْ يَخْشَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَتْرُكُهَا حِينَ خَشِيَ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ اهـ. وَحَدِيثُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: " «لَا تَدَعُوهَا وَإِنْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ» ".
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: سُنَّةُ الْفَجْرِ أَقْوَى السُّنَنِ، حَتَّى رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ صَلَّاهَا قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَا يَجُوزُ، وَقَالُوا: الْعَالِمُ إِذَا صَارَ مَرْجِعًا لِلْفَتْوَى جَازَ لَهُ تَرْكُ سَائِرِ السُّنَنِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَّا سُنَّةَ الْفَجْرِ ; لِأَنَّهَا أَقْوَى السُّنَنِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ ارْتَكَبَ، وَالْأَرْجَحُ فَضِيلَةُ الْفَرْضِ بِجَمَاعَةٍ أَعْظَمُ مِنْ فَضِيلَةِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ; لِأَنَّهَا تَفْضُلُ الْفَرْضَ مُنْفَرِدًا بِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، لَا تَبْلُغُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ ضِعْفًا وَاحِدًا مِنْهَا ; لِأَنَّهَا أَضْعَافُ الْفَرْضِ، وَالْوَعِيدُ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ أَلْزَمُ مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ يَرْجُو إِدْرَاكَهُ فِي التَّشَهُّدِ، قِيلَ: هُوَ كَإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ عِنْدَهَا، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ: لَا اعْتِبَارَ بِهِ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ، وَالْوَجْهُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى صَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ هُنَا، وَمَا رُوِيَ عَنِ الْفَقِيهِ إِسْمَاعِيلَ الزَّاهِدِ: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَشْرَعَ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَقْطَعَهُمَا، فَيَجِبُ الْقَضَاءُ فَيَتَمَكَّنُ مِنَ الْقَضَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، دَفَعَهُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ بِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالشُّرُوعِ لَيْسَ أَقْوَى مِمَّا وَجَبَ بِالنَّذْرِ، وَنَصُّ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَنْذُورَ لَا يُؤَدَّى بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ الطُّلُوعِ، وَأَيْضًا هُوَ شُرُوعٌ فِي الْعِبَادَةِ بِقَصْدِ الْإِفْسَادِ، فَإِنْ قِيلَ: لِيُؤَدِّيَهَا مَرَّةً أُخْرَى. قُلْنَا: إِبْطَالُ الْعَمَلِ قَصْدًا مَنْهِيٌّ، وَدَرْءُ الْمَفْسَدَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1615
١٠٥٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعَنَّهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٠٥٩ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَإِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ) أَيْ: زَوْجَهَا فِي الذَّهَابِ (إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعَنَّهَا) : بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ الْمُؤَكِّدَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: النَّهْيُ عَنْ مَنْعِهِنَّ عَنِ الْخُرُوجِ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَبِهِ قَالَ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي تَحْقِيقِهِ، وَالزَّرْكَشِيِّ فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ، أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ فِي خُرُوجِهِنَّ اخْتِلَاطٌ بِالرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ طَرِيقِهِ، أَوْ قَوِيَتْ خَشْيَةُ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِنَّ لِتَزَيُّنِهِنَّ وَتَبَرُّجِهِنَّ حُرِّمَ عَلَيْهِنَّ الْخُرُوجُ، وَعَلَى الْحَلِيلِ الْإِذْنُ لَهُنَّ، وَوَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ مَنْعُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ الْمُظْهِرُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِهِنَّ إِلَى الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ، لَكِنْ فِي زَمَانِنَا مَكْرُوهٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِلْفِتْنَةِ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الشَّيْخَيْنِ، عَنْ عَائِشَةَ: لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخَبَرُ الْبَيْهَقِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: نَهَى النِّسَاءَ عَنِ الْخُرُوجِ إِلَّا عَجُوزًا فِي مَنْقَلِهَا، أَيْ: ثِيَابِ بَذْلَتِهَا، وَأَصْلُ الْمَنْقَلِ بِفَتْحِ الْمِيمِ فِي الْأَشْهَرِ الْخُفُّ، وَقِيلَ: الْخُفُّ الْخَلَقُ ; وَهَذَا مِنَ الصَّحَابِيِّ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ فَيُخَصُّ بِهِ عُمُومُ النَّفْيِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ: " «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» " عَلَى أَنَّ أَبَا دَاوُدَ عَقَّبَهُ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ( «وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ ثَفِلَاتٌ غَيْرُ عَطِرَاتٍ» ) وَثَفِلَاتٌ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ تَارِكَاتٌ لِلطِّيبِ، وَخَبَرُ مُسْلِمٍ: " «إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ» ". (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 1616
١٠٦٠ - وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄، قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ ; فَلَا تَمَسَّ طِيبًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٦٠ - (وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ» "، أَيْ أَرَادَتْ حُضُورَ الْمَسْجِدِ (فَلَا تَمَسَّ) : بِالْفَتْحِ (طِيبًا) : لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِزِيَادَةِ الْفِتْنَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1617
١٠٦١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا ; فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٦١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: النَّبِيُّ ﷺ : "، أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا) : بِالْفَتْحِ مَا يُتَبَخَّرُ بِهِ وَيُتَعَطَّرُ كَالسَّحُورِ وَالْفَطُورِ، (فَلَا تَشْهَدْ) أَيْ: لَا تَحْضُرْ (مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ) : احْتِرَازٌ مِنَ الْمَغْرِبِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا خُصَّتْ بِالنَّهْيِ لِأَنَّهَا وَقْتُ الظُّلْمَةِ وَخُلُوُّ الطَّرِيقِ، وَالْعِطْرُ يُهَيِّجُ الشَّهْوَةَ، فَلَا تَأْمَنُ الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ كَمَالِ الْفِتْنَةِ، بِخِلَافِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ، فَإِنَّهُمَا وَقْتٌ فَاضِحٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَسَّ الطِّيبِ يَمْنَعُ الْمَرْأَةَ مِنْ حُضُورِ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1618
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٠٦٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَلَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٠٦٢ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ) أَيْ: لِلصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ (وَبُيُوتُهُنَّ) أَيْ: عِبَادَتُهُنَّ فِيهَا (خَيْرٌ لَهُنَّ) : مُطْلَقًا، وَيُسْتَثْنَى طَوَافُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، أَوْ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَلَمْ يُضَعِّفْهُ هُوَ وَلَا الْمُنْذِرِيُّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
стр. 1619
١٠٦٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٠٦٣ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) : وَفِي نُسْخَةٍ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا) أَيِ الدَّاخِلَانِيُّ لِكَمَالِ سَتْرِهَا (أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا) أَيْ: صَحْنِ الدَّارِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِالْحُجْرَةِ مَا تَكُونُ أَبْوَابُ الْبُيُوتِ إِلَيْهَا، وَهِيَ أَدْنَى حَالًا مِنَ الْبَيْتِ، (وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَتُفْتَحُ وَتُكْسَرُ مَعَ فَتْحِ الدَّالِ فِي الْكُلِّ، وَهُوَ الْبَيْتُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَكُونُ دَاخِلَ الْبَيْتِ الْكَبِيرِ يُحْفَظُ فِيهِ الْأَمْتِعَةُ النَّفِيسَةُ، مِنَ الْخُدَعِ، وَهُوَ إِخْفَاءُ الشَّيْءِ، أَيْ: فِي خِزَانَتِهَا (أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا) : لِأَنَّ مَبْنَى أَمْرِهَا عَلَى التَّسَتُّرِ، وَلِذَا قِيلَ: نِعْمَ الصِّهْرُ الْقَبْرُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
стр. 1620
١٠٦٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ حِبِّي أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ امْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِلْمَسْجِدِ حَتَّى تَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِنَ الْجَنَابَةِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ.
ــ
١٠٦٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ حِبِّي) : بِكَسْرِ الْحَاءِ، أَيْ مَحْبُوبِي (أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: " لَا تُقْبَلُ) أَيْ: قَبُولًا كَامِلًا (صَلَاةُ امْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِلْمَسْجِدِ) أَيْ: لِلْخُرُوجِ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: لِهَذَا الْمَسْجِدِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِشَارَةٌ إِلَى جِنْسِ الْمَسْجِدِ لَا إِلَى مَسْجِدٍ مَخْصُوصٍ (حَتَّى تَغْتَسِلَ غُسْلَهَا) أَيْ: مِثْلَ غُسْلِهَا (مِنَ الْجَنَابَةِ) : بِأَنْ تَعُمَّ جَمِيعَ بَدَنِهَا بِالْمَاءِ إِنْ كَانَتْ طَيَّبَتْ جَمِيعَ بَدَنِهَا لِيَزُولَ عَنْهَا الطِّيبُ، وَأَمَّا إِذَا أَصَابَ مَوْضِعًا مَخْصُوصًا فَتَغْسِلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، وَإِنْ طَيَّبَتْ ثِيَابَهَا تُبَدِّلُ تِلْكَ الثِّيَابَ أَوْ تُزِيلُهُ، وَهَذَا إِذَا أَرَادَتِ الْخُرُوجَ وَإِلَّا فَلَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا مُبَالَغَةٌ فِي الزَّجْرِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُهَيِّجُ الرَّغَبَاتِ وَيَفْتَحُ بَابَ الْفِتَنِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَفِي إِسْنَادِهِ عَاصِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ: وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ (وَرَوَى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ) .
стр. 1621
١٠٦٥ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ ; «وَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ، فَهِيَ كَذَا وَكَذَا " يَعْنِي زَانِيَةً» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ.
ــ
١٠٦٥ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كُلُّ عَيْنٍ) أَيْ: نَظَرَتْ إِلَى أَجْنَبِيَّةٍ عَنْ شَهْوَةٍ (زَانِيَةٌ) : لِأَنَّ زِنَاهَا النَّظَرُ، أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الزِّنَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ كُلُّ عَيْنٍ مَرْكُوزٌ فِيهَا قُوَّةُ التَّطَلُّعِ إِلَى الصُّوَرِ الْحَسَنَةِ، لَا سِيَّمَا إِنْ صَحِبَهَا مِنَ الطِّيبِ وَنَحْوِهِ مَا يَزِيدُ هَيَجَانَهَا مِمَّا يُفْضِي إِلَى الزِّنَا غَالِبًا مَا لَمْ تُسْتَأْصَلْ تِلْكَ الْقُوَّةُ مِنْ أَصْلِهَا مِنَ النَّفْسِ بِرِيَاضَةٍ، أَوْ مُجَاهَدَةٍ أَوْ بِجَذْبَةٍ وَعِنَايَةٍ، (وَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ) أَيْ: تَطَيَّبَتْ أَوْ تَبَخَّرَتْ (فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ) أَيْ: الَّذِي فِيهِ الرِّجَالُ الْمُسْتَلْزِمِ عَادَةً بُرُوزَهَا عَلَيْهِمْ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمَسْجِدِ، فِي نُسْخَةٍ: بِالْمَسْجِدِ (فَهِيَ كَذَا وَكَذَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: كِنَايَةٌ عَنِ الْعَدَدِ يَعْنِي عَدَّ عَلَيْهَا خِصَالًا ذَمِيمَةً تَسْتَلْزِمُ الزِّنَا. (يَعْنِي زَانِيَةً) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ يَعْنِي، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ يَعْنِي هِيَ زَانِيَةٌ ; لِأَنَّهَا قَدْ هَيَّجَتْ شَهْوَةَ الرِّجَالِ بِعِطْرِهَا وَحَمَلَتْهُمْ عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهَا فَقَدْ زَنَى بِعَيْنِهِ، وَيَحْصُلُ لَهَا إِثْمٌ بِأَنْ حَمَلَتْهُ عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهَا وَشَوَّشَتْ قَلْبَهُ، فَإِذَا هِيَ سَبَبُ زِنَاهُ بِالْعَيْنِ، فَتَكُونُ هِيَ أَيْضًا زَانِيَةً أَوْ كَأَنَّهَا هِيَ زَانِيَةٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِيهِ تَشْدِيدٌ وَمُبَالَغَةٌ فِي مَنْعِ النِّسْوَةِ عَنْ خُرُوجِهِنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ إِذَا تَعَطَّرْنَ، وَإِلَّا فَبَعْضُ الْأَعْيُنِ قَدْ عَصَمَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الزِّنَا بِالنَّظَرِ إِلَيْهِنَّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ. (وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ) .
стр. 1622
١٠٦٦ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا الصُّبْحَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: " أَشَاهِدٌ فُلَانٌ؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: " أَشَاهِدٌ فُلَانٌ؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: " إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَيْتُمُوهَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الرُّكَبِ، وَإِنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ، وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيلَتُهُ لَابْتَدَرْتُمُوهُ، وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتَهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
١٠٦٦ - (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: مُلْتَبِسًا بِنَا أَوْ أَمَّنَا فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أَوْ جَعَلَنَا مُصَلِّينَ خَلْفَهُ (يَوْمًا، أَيْ: مِنَ الْأَيَّامِ (الصُّبْحَ) أَيْ: صَلَاتَهُ (فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: " أَشَاهِدٌ) أَيْ: أَحَاضِرٌ صَلَاتَنَا هَذِهِ (فُلَانٌ؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: " أَشَاهِدٌ فُلَانٌ "؟) أَيْ: آخَرُ (قَالُوا: لَا، قَالَ: " إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ) أَيْ: صَلَاةَ الصُّبْحِ وَمُقَابِلَتَهَا بِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ، يَعْنِي الصُّبْحَ وَالْعِشَاءَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَشَارَ إِلَى الْعِشَاءِ لِحُضُورِهَا بِالْقُوَّةِ ; لِأَنَّ الصُّبْحَ مُذَكِّرَةٌ بِهَا نَظَرًا إِلَى أَنَّ هَذِهِ مُبْتَدَأُ النَّوْمِ وَتِلْكَ مُنْتَهَاهُ اهـ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِهَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فَرْضُ الصُّبْحِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، أَوْ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ مِنَ السُّنَّةِ وَالْفَجْرِ (أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ) : لِغَلَبَةِ الْكَسَلِ فِيهِمَا، وَلِقِلَّةِ تَحْصِيلِ الرِّيَاءِ لَهُمَا (وَلَوْ تَعْلَمُونَ) : أَنْتُمْ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ (مَا فِيهِمَا) : مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ الزَّائِدِ ; لِأَنَّ الْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ، وَفِي الْعُدُولِ عَنِ الْغَيْبَةِ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَغْلِيبًا (لَأَتَيْتُمُوهَا وَلَوْ حَبْوًا) أَيْ: زَحْفًا وَمَشْيًا (عَلَى الرُّكَبِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: حَبْوًا خَبَرُ كَانَ الْمَحْذُوفَةِ، أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْإِتْيَانُ حَبْوًا وَهُوَ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ أَوْ إِسْتِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَلَوْ أَتَيْتُمُوهُمَا حَبْوًا، أَيْ حَابِينَ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةً (وَإِنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ) أَيْ: فِي الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبُعْدِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ) : وَقَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ فِي قُرْبِهِمْ مِنَ الْإِمَامِ بِصَفِّ الْمَلَائِكَةِ فِي قُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرُ إِنَّ، وَالْمُتَعَلِّقُ كَائِنٌ أَوْ مُقَاسٌ، (وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيلَتُهُ) أَيْ: الصَّفُّ الْأَوَّلُ (لَابْتَدَرْتُمُوهُ) أَيْ: سَبَقْتُمْ إِلَيْهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي قَوْلِهِ: " وَلَوْ تَعْلَمُونَ " فِيهِمَا مُبَالَغَةٌ مِنْ حَيْثُ عَدَلَ مِنَ الْمَاضِي إِلَى الْمُضَارِعِ إِشْعَارًا بِالِاسْتِمْرَارِ، ذَكَرَ أَوَّلًا فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ تَنَزَّلَ مِنْهُ إِلَى بَيَانِ فَضِيلَةِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ إِلَى بَيَانِ كَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ) : إِلَخْ. لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا تَرَقٍّ لَا تَنَزُّلٌ (أَزْكَى) أَيْ: أَكْثَرُ ثَوَابًا (مِنْ صِلَاتِهِ وَحْدَهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنَ الزَّكَاةِ بِمَعْنَى النُّمُوِّ، أَوِ الشَّخْصُ آمِنٌ مِنْ رِجْسِ الشَّيْطَانِ وَتَسْوِيلِهِ مِنَ الزَّكَاةِ بِمَعْنَى الطَّهَارَةِ. (وَصَلَاتَهُ) : بِالنَّصْبِ أَوْ بِالرَّفْعِ (مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى) أَيْ: أَفْضَلُ (مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ) أَيِ: الْوَاحِدِ (وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " مَا " هَذِهِ مَوْصُولَةٌ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَيْهَا وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الصَّلَاةِ، أَيْ: الصَّلَاةُ الَّتِي كَثُرَ الْمُصَلُّونَ فِيهَا فَهُوَ أَحَبُّ، وَتَذْكِيرُ (هُوَ) بِاعْتِبَارِ لَفْظِ مَا، انْتَهَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَكُلُّ مَوْضِعٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ كَثُرَ فِيهِ الْمُصَلُّونَ، فَذَلِكَ الْمَوْضِعُ أَفْضَلُ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: الصَّلَاةُ فِي الْجَامِعِ أَفْضَلُ، ثُمَّ فِي مَسْجِدِ الْحَيِّ، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ حِينَ يُنَادَى بِهِنَّ» . (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ، قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، أَيْضًا.
стр. 1623
١٠٦٧ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ، إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ. فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
١٠٦٧ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ) أَيْ: رِجَالٍ ; لِأَنَّ جَمَاعَةَ النِّسَاءِ وَإِمَامُهُنَّ مِنْهُنَّ مَكْرُوهَةٌ وَتَقْيِيدُهُ بِالثَّلَاثَةِ الْمُفِيدُ مَا فَوْقَهُمْ بِالْأَوْلَى نَظَرًا إِلَى أَقَلِّ أَهْلِ الْقَرْيَةِ غَالِبًا، وَلِأَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ، وَأَنَّهُ أَكْمَلُ صُوَرِ الْجَمَاعَةِ وَإِنْ كَانَ يُتَصَوَّرُ بِاثْنَيْنِ. (فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ) أَيْ: بَادِيَةٍ، وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ سُنَّةٌ لِلْمُسَافِرِينَ، أَيْضًا، لَكِنَّ حَالَ نُزُولِهِمْ لِلْحَرَجِ فِي حَالِ سَيْرِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ بِشَرْطِ سُكْنَاهُمْ بِهَا وَإِلَّا لَمْ تَلْزَمْهُمُ الْجَمَاعَةُ عِنْدَنَا. (لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ) أَيْ: الْجَمَاعَةُ كَمَا فِي رِوَايَةِ (إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ) أَيْ: اسْتَوْلَى وَغَلَبَ (عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ) : فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّ تَرْكَ أَمْرِ الشَّرِيعَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ مُتَابَعَةٌ لِلشَّيْطَانِ، (فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ) أَيْ: الْزَمْهَا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ بَعِيدٌ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَيَسْتَوْلِي عَلَى مَنْ فَارَقَهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَقَوْلُهُ: فَعَلَيْكَ مِنَ الْخِطَابِ الْعَامِّ تَفْخِيمًا لِلْأَمْرِ وَالْفَاءُ مُسَبَّبَةٌ عَنْ قَوْلِهِ: قَدِ اسْتَحْوَذَ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: (فَإِنَّمَا) : مُسَبَّبَةٌ عَنِ الْجَمِيعِ يَعْنِي: إِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْحَالَةَ فَاعْرِفْ مِثَالَهُ فِي الشَّاهِدِ فَإِنَّمَا (يَأْكُلُ) : وَفِي رِوَايَةٍ: يَأْخُذُ (الذِّئْبُ) : بِالْهَمْزِ وَالْيَاءِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، أَيِ: الشَّيْطَانُ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ كَمَا لَا يَخْفَى (الْقَاصِيَةَ) أَيِ: الشَّاةَ الْبَعِيدَةَ عَنِ الْأَغْنَامِ لِبُعْدِهَا عَنْ رَاعِيهَا، فَإِنَّ عَيْنَ الرَّاعِي تَحْمِي الْغَنَمَ الْمُجْتَمِعَةَ، وَلِذَا قَالَ ﷺ " «يَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ» "، أَيْ: نُصْرَتُهُ، وَنَظَرُ عِنَايَتِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ (وَالنَّسَائِيُّ) .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَمَّا إِفْتَاءُ الْغَزَالِيِّ فِيمَنْ يَتَحَقَّقُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَخْشَعُ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ مُنْفَرِدًا دُونَ مَا إِذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ لِتَشَتُّتِ هَمِّهِ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْجَمْعُ يَمْنَعُهُ الْخُشُوعَ فِي أَكْثَرِ صَلَاتِهِ فَالِانْفِرَادُ لَهُ أَوْلَى فَرَدُّوهُ، وَإِنْ تَبِعَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ الْمُخْتَارَ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ أَوْلَى كَمَا هُوَ ظَاهِرُ السُّنَّةِ وَبِأَنَّ فِي ذَلِكَ فَتْحُ بَابٍ عَظِيمٍ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ فِي بَرَكَةِ الْجَمَاعَةِ مَا يُلِمُّ شَعَثَ التَّفْرِقَةِ.
стр. 1624
١٠٦٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِي فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنِ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ ". قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: " خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
١٠٦٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ) أَيْ: نِدَاءَ الْمُؤَذِّنِ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ (فَلَمْ يَمْنَعْهُ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ حَذْفٌ اعْتِمَادًا عَلَى الْمَعْنَى، أَيْ: فَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ (مِنِ اتِّبَاعِهِ) : بِحُضُورِ الْمَسْجِدِ لِلْجَمَاعَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: مِنْ إِتْيَانِهِ إِلَى الْجَمَاعَةِ الَّتِي دُعِيَ إِلَيْهَا، وَالتَّقْيِيدُ بِسَمَاعِ النِّدَاءِ وَبِالْجَمَاعَةِ الَّتِي يَسْمَعُ مُؤَذِّنَهَا جَرَى عَلَى الْغَالِبِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يَذْهَبُ إِلَى الْجَمَاعَةِ الَّتِي يَسْمَعُ مُؤَذِّنَهَا، وَإِلَّا فَلَوْ ذَهَبَ لِجَمَاعَةٍ لَمْ يَسْمَعْ مُؤَذِّنَهَا فَقَدْ أَتَى بِالْفَرْضِ، وَلَوْ لَمْ يَسْمَعِ الْمُؤَذِّنَ وَلَا عُذْرَ لَهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْفَرْضُ ; إِذْ عَدَمُ سَمَاعِهِ الْمُؤَذِّنَ لَيْسَ مِنَ الْأَعْذَارِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ لَزِمَهُ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ الْمَجِيءِ إِلَيْهَا (عُذْرٌ) أَيْ: نَوْعٌ مِنَ الْأَعْذَارِ. (قَالُوا) أَيْ: لِابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ ذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ (وَمَا الْعُذْرُ؟) أَيِ: الَّذِي عَنَاهُ ﵇ (قَالَ) أَيْ: ابْنُ عَبَّاسٍ (خَوْفٌ) أَيْ: هُوَ خَشْيَةٌ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عِرْضِهِ، أَوْ مَالِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَوْ خَوْفُ ظُلْمَةٍ، أَوْ غَرِيمٍ وَكَانَ مُفْلِسًا، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مِنَ الْأَعْذَارِ الْمَطَرُ، وَالْبَرْدُ الشَّدِيدُ، وَحُضُورُ الطَّعَامِ، وَمُدَافَعَةُ الْخَبَثِ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّ السِّمَنَ الْمُفْرِطَ عُذْرٌ (أَوْ مَرَضٌ) أَيْ: يُبِيحُ لَهُ التَّيَمُّمَ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ (لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ) أَيْ: قَبُولًا
стр. 1625
كَامِلًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: " مَنْ سَمِعَ " مُبْتَدَأٌ، وَ " لَمْ تُقْبَلْ " خَبَرُهُ، يَعْنِي وَقَعَ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ مُعْتَرِضَيْنِ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ (الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى) قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَكِتَابِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: صَلَّاهَا، وَكَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ لَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ لِأَحَدٍ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَدِيثِ الَّذِي سَبَقَ. وَلِقَوْلِهِ ﵇ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ: (فَأَجِبْ) قَالَ الْحَسَنُ: إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فِي الْجَمَاعَةِ شَفَقَةً عَلَيْهِ لَمْ يُطِعْهَا، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا طَاعَةَ لِلْوَالِدِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ ; سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي حَدِيثِ الْكُهَّانِ وَالْعَرَّافِ: مَعْنَى عَدَمِ قَبُولِ الصَّلَاةِ أَنْ لَا ثَوَابَ لَهُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَةً فِي سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْهُ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ تُسْقِطُ الْفَرْضَ وَلَا ثَوَابَ فِيهَا اهـ. وَكَذَا الْحَجُّ بِمَالٍ حَرَامٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو خَبَّابٍ يَحْيَى بْنُ أَبِي حَيَّةَ الْكَلْبِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، قَالَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ أَيْضًا لَكِنْ بِلَفْظِ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذِرَ» ، قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
стр. 1626
١٠٦٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلَاءِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ.
ــ
١٠٦٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ) أَيِ: احْتِيَاجُهُ (فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلَاءِ) : وَجَازَ لَهُ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ لِهَذَا الْعُذْرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. (وَرَوَى مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ) أَيْ: بِمَعْنَاهُ.
стр. 1627
١٠٧٠ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ثَلَاثٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ: لَا يَؤُمَّنَّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَانَهُمْ، وَلَا يَنْظُرْ فِي قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَانَهُمْ. وَلَا يُصَلِّ وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ.
ــ
١٠٧٠ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ) : هُوَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ثَلَاثٌ) أَيْ: خِصَالٌ (لَا يَحِلُّ) أَيْ: لَا يَجُوزُ (لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ) : جَمْعًا وَفَرْدًا (لَا يَؤُمَّنَّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصَّ) : بِالنَّصْبِ (نَفْسَهُ) : مَفْعُولُهُ (بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ) أَيْ: دُونَ مُشَارَكَتِهِمْ فِي دُعَائِهِ وَلَوْ مَرَّةً (فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَانَهُمْ، وَلَا يَنْظُرْ) : بِالْجَزْمِ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ (فِي قَعْرِ بَيْتٍ) أَيْ: دَاخِلَ مَكَانٍ مَسْتُورٍ لِلْغَيْرِ (قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ) : بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، أَيْ: أَهْلَهُ، وَقِيلَ: لِلْمَفْعُولِ وَعَلَى الْأَوَّلِ يُقَدَّرُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: احْتِرَازًا عَنْ أَنْ يَقَعَ نَظَرُهُ عَلَى الْعَوْرَةِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: ذَلِكَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (فَقَدْ خَانَهُمْ) : وَفِي الْمَصَابِيحِ: فَقَدْ دَخَلَ، أَيْ: فَكَأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ حَتَّى أَثِمَ. (وَلَا يُصَلِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَلَا يُصَلِّي بِالنَّفْيِ (وَهُوَ حَقِنٌ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، أَيْ: وَهُوَ يُؤْذِيهِ الْبَوْلُ أَوِ الْغَائِطُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَاقِنُ الَّذِي حَبَسَ بَوْلَهُ، وَالْحَاقِبُ هُوَ الْحَابِسُ لِلْغَائِطِ، وَقِيلَ: الْحَازِقُ هُوَ الْحَابِسُ لِلرِّيحِ (حَتَّى يَتَخَفَّفَ) أَيْ: يُزِيلَ مَا يُؤْذِيهِ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَانَ نَفْسَهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي قَوْلِهِ: فَقَدْ خَانَهُمْ أَوَّلًا نَسَبَ الْخِيَانَةَ إِلَى الْإِمَامِ ; لِأَنَّ شَرْعِيَّةَ الْجَمَاعَةِ لِيُفِيضَ كُلٌّ مِنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ الْخَيْرَ عَلَى صَاحِبِهِ بِبَرَكَةِ قُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ خَصَّ نَفْسَهُ فَقَدْ خَانَ صَاحِبَهُ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا خُصَّ الْإِمَامُ بِالْخِيَانَةِ، فَإِنَّهُ صَاحِبُ الدُّعَاءِ وَإِلَّا فَقَدَ تَكُونُ الْخِيَانَةُ مِنْ جَانِبِ الْمَأْمُومِ، قَالَ: وَشَرْعِيَّةُ الِاسْتِئْذَانِ لِئَلَّا يَهْجُمَ قَاصِدٌ عَلَى عَوْرَاتِ الْبَيْتِ، فَالنَّظَرُ فِي قَعْرِ الْبَيْتِ خِيَانَةٌ، وَالصَّلَاةُ مُنَاجَاةٌ وَتَقَرُّبٌ إِلَى اللَّهِ ، وَاشْتِغَالٌ عَنِ الْغَيْرِ، وَالْحَاقِنُ كَأَنَّهُ يَخُونُ نَفْسَهُ فِي حَقِّهَا، وَلَعَلَّ تَوْسِيطَ الِاسْتِئْذَانِ بَيْنَ حَالَتَيِ الصَّلَاةِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ مُرَاعَاةِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْعِبَادِ، وَخَصَّ الِاسْتِئْذَانَ، أَيْ: مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لِأَنَّ مَنْ رَاعَى هَذِهِ الدَّقِيقَةَ فَهُوَ بِمُرَاعَاةِ مَا فَوْقَهَا أَحْرَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ (وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الْجُمْلَةَ الْأُولَى فَقَطْ.
стр. 1628
١٠٧١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُؤَخِّرُوا الصَّلَاةَ لِطَعَامٍ وَلَا لِغَيْرِهِ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
١٠٧١ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تُؤَخِّرُوا الصَّلَاةَ) أَيْ: عَنْ وَقْتِهَا (لِطَعَامٍ وَلَا لِغَيْرِهِ) : كَالْحَقِنِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ، أَيْ لَا تُؤَخِّرُوهَا عَنْ وَقْتِهَا، وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵇: " إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ " الْحَدِيثَ، فَلَا مُنَافَاةَ. قِيلَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى، لَا تُؤَخِّرُوا الصَّلَاةَ لِغَرَضِ الطَّعَامِ، لَكِنْ إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ أَخِّرُوهَا لِلطَّعَامِ، قُدِّمَتْ لِلِاشْتِغَالِ بِهَا تَبْجِيلًا لَهَا، وَأُخِّرَتْ تَفْرِيغًا لِلْقَلْبِ عَنِ الْغَيْرِ تَعْظِيمًا لَهَا، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْأُمُورِ بِالذَّاتِ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ بَعْضَ الْأُمُورِ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا لِتَحْصِيلِ كَمَالِهَا إِذَا وَسِعَ الْوَقْتُ، وَأَمَّا عِنْدُ ضِيقِ الزَّمَانِ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهَا، فَيَكُونُ فِي تَقْدِيمِ الْأُمُورِ وَتَأْخِيرِهَا تَقْدِيمٌ لِأَمْرِ الصَّلَاةِ تَبْجِيلًا لَهَا، قَالَ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ عَلَى إِحْضَارِ الطَّعَامِ وَالْمُلَابَسَةِ بِغَيْرِهِ قَبْلَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ، أَيْ: لَا تَتَعَرَّضُوا لِمَا إِنْ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ تُؤَخِّرُوهَا لِأَجْلِهِ ; مِنْ إِحْضَارِ الطَّعَامِ وَالِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا، وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْإِحْضَارِ، بَلْ تَوَقَانُ النَّفْسِ وَاضْطِرَابُهَا إِلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَهُوَ أَمْرٌ اضْطِرَارِيٌّ غَيْرُ اخْتِيَارِيٍّ، كَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ، عَلَى مَا إِذَا كَانَ مُتَمَاسِكًا فِي نَفْسِهِ لَا يُزْعِجُهُ الْجُوعُ، أَوْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا يَخَافُ فَوْتَهُ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ. (رَوَاهُ) أَيِ الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ.
стр. 1629
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٠٧٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَّا مُنَافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ، أَوْ مَرِيضٌ ; إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ. حَتَّى يَأْتِيَ الصَّلَاةَ وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى غَدًا مُسْلِمًا ; فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ ; إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٠٧٢ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا) أَيْ: مَعْشَرَ الصَّحَابَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ اتِّحَادَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ إِنَّمَا يَسُوغُ فِي أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، وَأَنَّهَا مِنْ دَاخِلِ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ مَحْذُوفٌ هَاهُنَا وَسَدَّ قَوْلُهُ: (وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاةِ) أَيْ: بِالْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَوْ لِوَصْفِ الدَّوَامِ، وَهُوَ حَالٌّ مَسَدَّهُ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَكِنْ فِي كَوْنِ اتِّحَادِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ هُنَا بَحْثٌ ; إِذِ الْمُرَادُ بِالْفَاعِلِ الْمُتَكَلِّمُ وَحْدَهُ، وَبِالْمَفْعُولِ هُوَ وَغَيْرُهُ. (إِلَّا مُنَافِقٌ) : قَالَ الشَّمَنِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُنَافِقِ هَاهُنَا مَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ، وَإِلَّا لَكَانَتِ الْجَمَاعَةُ فَرِيضَةً ; لِأَنَّ مَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ كَافِرٌ، وَلَكَانَ آخِرُ الْكَلَامِ مُنَاقِضًا لِأَوَّلِهِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ النِّفَاقَ سَبَبُ التَّخَلُّفِ لَا عَكْسُهُ، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ لَا فَرِيضَةٌ لِلدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ، وَأَنَّ الْمُنَاقَضَةَ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ. (قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَعَ عِلْمِ نِفَاقِهِ يُقِرُّ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ: لِمَصْلَحَةِ أَنْ لَا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ عَلَى أَنَّ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَرُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ النِّفَاقَ فِي أَحَدٍ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَظُنُّونَهُ، فَالْعِلْمُ بِمَعْنَى الظَّنِّ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يَعْنِي أَنَّ وَصْفَ النِّفَاقِ يَتَسَبَّبُ عَنِ التَّخَلُّفِ لَا إِخْبَارِ أَنَّ الْوَاقِعَ أَنَّ التَّخَلُّفُ لَا يَقَعُ إِلَّا مِنْ مُنَافِقٍ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَخَلَّفُ كَسَلًا مَعَ صِحَّةِ الْإِسْلَامِ، وَيَقِينِ التَّوْحِيدِ، وَعَدَمِ النِّفَاقِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ إِنَّمَا يُفِيدُ أَنَّ الْوَاقِعَ إِذْ ذَاكَ أَنْ لَا يَقَعَ التَّخَلُّفُ إِلَّا مِنْ مُنَافِقٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى صِحَّةِ مَا سَبَقَ تَأْوِيلُهُ فِي الَّذِينَ هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَحْرِيقِ بُيُوتِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُنَافِقِينَ. (أَوْ مَرِيضٌ) أَيْ: مَرِيضٌ كَامِلٌ فِي مَرَضِهِ (إِنْ كَانَ) : إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ (الْمَرِيضُ) أَيْ: خَفِيفُ الْمَرَضِ أَوْ قَوِيُّهُ، لَكِنْ لِحِرْصِهِ عَلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ) أَيْ: يَتَوَكَّأُ عَلَيْهِمَا لِشِدَّةِ مَا بِهِ
стр. 1630
قُوَّةِ الْمَرَضِ وَضَعْفِ الْبَدَنِ (حَتَّى يَأْتِيَ الصَّلَاةَ، وَقَالَ) أَيْ: ابْنُ مَسْعُودٍ (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى) : بِضَمِّ السِّينِ، وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، أَيْ: طَرِيقُ الْهُدَى وَالصَّوَابِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى الصَّلَاةَ) أَيْ: بِالْجَمَاعَةِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ السِّيَاقِ (فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ) : لِأَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ إِلَّا لِإِمَامٍ فِيهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كِلَاهُمَا قَيْدٌ غَالِبِيٌّ، أَوْ شَرْطٌ لِلْأَكْمَلِ لِسُقُوطِ طَلَبِ الْجَمَاعَةِ يَفْعَلُهَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ مِنَ الْمَدَارِسِ وَغَيْرِهَا، وَفِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ اهـ.
وَقَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ مِنَ الْمَدَارِسِ فِيهِ نَظَرٌ، حَتَّى عَلَى الْقَوْلِ بِالْكِفَايَةِ فِي مَذْهَبِهِ. (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ) أَيْ: ابْنُ مَسْعُودٍ (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا ;) أَيْ: كَامِلًا (فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) أَيْ: مَعَ الْجَمَاعَةِ (حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ) : مِنَ الْمَسَاجِدِ، وَيُوجَدُ لَهُنَّ إِمَامٌ مُعَيَّنٌ، أَوْ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، (وَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ) أَيِ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِالْجَمَاعَةِ (مِنْ سُنَنِ الْهُدَى) : بَلْ هِيَ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: " «الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ» ". (وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) : يَعْنِي: وَلَوْ جَمَاعَةً (كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: تَحْقِيرٌ لِلْمُتَخَلِّفِ وَتَبْعِيدٌ مِنْ مَظَانِّ الزُّلْفَى (فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ) وَفِي نُسْخَةٍ: سُنَنَ نَبِيِّكُمْ (وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّنَّةِ الْعَزِيمَةُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَتَسْمِيَتُهَا سُنَّةٌ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، لَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْقَائِلِينَ بِالسُّنِّيَّةِ ; إِذْ لَا تُنَافِي الْوُجُوبَ فِي خُصُوصِ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ ; لِأَنَّ سُنَنَ الْهُدَى أَعَمُّ مِنَ الْوَاجِبِ لُغَةً كَصَلَاةِ الْعِيدِ، وَقَوْلُهُ: لَضَلَلْتُمْ يُعْطِي الْوُجُوبَ ظَاهِرًا، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنْهُ: لَكَفَرْتُمْ. وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْهُ ﵊ قَالَ: " «الْجَفَاءُ كُلُّ الْجَفَاءِ الْكُفْرُ، وَالنِّفَاقُ مَنْ سَمِعَ مُنَادِيَ اللَّهِ يُنَادِي إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يُجِيبُهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، فَيُفِيدُ الْوَعِيدُ مِنْهُ ﵇ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ لِهَذَا الْوَاجِبِ سُنَّةٌ لِكَوْنِهِ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ أَيِ الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُفِيدُ تَعْلِيقَ الْوُجُوبِ بِسَمَاعِ النِّدَاءِ، وَيَتَوَقَّفُ الْوَعِيدُ فِي حَدِيثِ التَّحْرِيقِ عَلَى كَوْنِهِ لِتَرْكِ الْحُضُورِ دَائِمًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ " لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ " وَقَوْلِهِ الْآخَرِ: يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ، كَمَا يُعْطِهِ ظَاهِرُ إِسْنَادِهِ بِالْمُضَارِعِ فِي مِثْلِهِ نَحْوَ: بَنُو فُلَانٍ يَأْكُلُونَ الْبُرَّ، أَيْ: عَادَتُهُمْ. (وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ) : بِوُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ (فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ) : بِضَمِّ الطَّاءِ، أَيْ: يَأْتِي بِوَاجِبَاتِهِ وَمُكَمِّلَاتِهِ. (ثُمَّ يَعْمِدُ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ، أَيْ يَتَوَجَّهُ وَيَقْصِدُ (إِلَى مَسْجِدٍ) وَفِي نُسْخَةٍ: الْمَسْجِدِ (مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ) أَيْ: مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ (إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ أَوْ ضَمِّهَا (يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَرَفَعَهُ، وَهُوَ أَنْسَبُ بِالسَّابِقِ وَاللَّاحِقِ (وَحَطَّ) أَيْ: وَضَعَ وَمَحَا (عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا) أَيْ: نَحْنُ مُعَاشِرَ الصَّحَابَةِ أَوْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ (وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا) أَيْ: عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ (إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ) أَيْ: ظَاهِرُهُ (وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ) أَيِ: الْمَرِيضُ (يُؤْتَى بِهِ) : إِلَى الصَّلَاةِ (يُهَادَى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: يَمْشِي وَيَتَمَايَلُ (بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) : مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا مِنْ ضَعْفِهِ وَتَمَايُلِهِ، مِنْ تَهَادَتِ الْمَرْأَةُ فِي مِشْيَتِهَا: إِذَا تَمَايَلَتْ (حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 1631
١٠٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " «لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، أَقَمْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ، وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي يُحْرِقُونَ مَا فِي الْبُيُوتِ بِالنَّارِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٠٧٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ) أَيِ: الصِّغَارِ، وَفِي مَعْنَاهَا أَصْحَابُ الْأَعْذَارِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: (مِنْ) بَيَانُ " مَا " إِمَّا لِإِرَادَةِ الْوَصْفِيَّةِ وَبَيَانِ أَنَّ النِّسَاءَ وَالذُّرِّيَّةَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يَعْقِلُ، وَأَنَّهُ مِمَّا لَا يَلْزَمُهُ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْبُيُوتَ مُحْتَوِيَةٌ عَلَيْهِمَا وَعَلَى الْأَمْتِعَةِ وَالْأَثَاثِ، فَخُصَّتَا بِالذِّكْرِ لِلِاعْتِنَاءِ اهـ. وَيَرُدُّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَخِيرِ آخِرُ الْحَدِيثِ: يُحْرِقُونَ مَا فِي الْبُيُوتِ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: مَا فِي الْبُيُوتِ. بِمَعْنَى " مَنْ " وَالْمُرَادُ الْمُتَخَلِّفُ. (أَقَمْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ "، أَيْ: أَمَرْتُ بِإِقَامَةِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ لِلْجَمَاعَةِ، وَتَخْصِيصُهَا لِكَثْرَةِ تَخَلُّفِ الْمُتَخَلِّفِينَ فِيهَا. (وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي) : وَفِي رِوَايَةٍ: فِتْيَتِي، أَيْ: غِلْمَانِي وَخَدَمِي، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ أَقْوِيَاءُ أَصْحَابِي (يُحَرِّقُونَ) : بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ (مَا فِي الْبُيُوتِ) : فِيهِ تَغْلِيبُ غَيْرِ ذَوِي الْعُقُولِ، أَوْ تَنْزِيلُهُمْ مَنْزِلَتَهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنْ ذَوِي الْعُقُولِ لَمَا تَخَلَّفُوا (بِالنَّارِ) : فِيهِ تَأْكِيدٌ وَوَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 1632
١٠٧٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كُنْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَلَا يَخْرُجْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُصَلِّيَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٠٧٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: بِأَمْرٍ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (إِذَا كُنْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَنُودِيَ) أَيْ: أُذِّنَ أَوْ أُقِيمَ (بِالصَّلَاةِ فَلَا يَخْرُجْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُصَلِّيَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وَقَوْلُهُ: إِذَا كُنْتُمْ إِلَخْ. مَقُولٌ لِلْقَوْلِ، وَهُوَ حَالٌ بَيَانٌ لِلْمَحْذُوفِ، وَالْمَعْنَى أُمِرْنَا أَنْ لَا نَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ إِذَا كُنَّا فِيهِ وَسَمِعْنَا الْأَذَانَ حَتَّى نُصَلِّيَ " قَائِلًا إِذَا كُنْتُمْ " اهـ.
وَفِيهِ تَكَلُّفٌ بَلْ تَعَسُّفٌ، لَكِنْ يُوَضِّحُهُ كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا نَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ سَمَاعِ أَذَانِهِ، لَكِنْ لَيْسَ بِصِيغَةِ أَمْرٍ بَلْ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِذَا كُنْتُمْ إِلَخْ، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: يُكْرَهُ لَهُ الْخُرُوجُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ صَلَّى وَلَيْسَ مِمَّنْ يَنْتَظِمُ بِهِ جَمَاعَةٌ أُخْرَى، مِمَّنْ كَانَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَفِيهِ قَيْدٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَسْجِدَ حَيِّهِ، أَوْ قَدْ صَلَّوْا فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ، فَإِنْ لَمْ يُصَلُّوا فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَخْرُجَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 1633
١٠٧٥ - وَعَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَمَا أُذِّنَ فِيهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدَ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٧٥ - (وَعَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَمَا أُذِّنَ فِيهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدَ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: وَأَمَّا مَنْ ثَبَتَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ فِيهِ فَقَدْ أَطَاعَ أَبَا الْقَاسِمِ، يَعْنِي: أَمَّا التَّفْصِيلِيَّةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِشَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَحْمَدُ وَزَادَ: ثُمَّ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كُنْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَلَا يَخْرُجْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُصَلِّيَ» " وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ رَجُلٌ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِلْعَصْرِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدَ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ، وَمِثْلُ هَذَا مَوْقُوفٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ فِيهِ، وَفِي نَظَائِرِهِ: مُسْنَدٌ، كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ وَقَالَ: لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ.
стр. 1634
١٠٧٦ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَدْرَكَهُ الْأَذَانُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ، فَهُوَ مُنَافِقٌ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٠٧٦ - (وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) : غَيْرُ مُنْصَرِفٍ مِنَ الْعِفَّةِ وَقِيلَ: مُنْصَرِفٌ مِنَ الْعُفُونَةِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَدْرَكَهُ الْأَذَانُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ، لَمْ يَخْرُجْ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ (لِحَاجَةٍ، وَهُوَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ (لَا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا، أَيِ: الرُّجُوعَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (فَهُوَ مُنَافِقٌ) أَيْ: عَاصٍ، أَوْ فَهُوَ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ كَالْمُنَافِقِ فَهُوَ جَوَابٌ أَوْ خَبَرُ " مَنْ ". (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 1635
١٠٧٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
١٠٧٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ) أَيِ: الْأَذَانَ لِلْمَكْتُوبَةِ (فَلَمْ يُجِبْهُ) : بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَالْأَصْلُ هُوَ الثَّانِي (فَلَا صَلَاةَ) : كَامِلَةٌ أَوْ مَقْبُولَةٌ (لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ) : اسْتِثْنَاءٌ مِنْ عَدَمِ الْإِجَابَةِ. (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ فِي كِتَابِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا.
стр. 1636
١٠٧٨ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ﵁، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ، وَأَنَا ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ رُخْصَةٍ؟ قَالَ: " هَلْ تَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَحَيَّهَلَا ". وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
١٠٧٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ) : مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ أَحْيَانًا (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ) :
أَيِ: الْمُؤْذِيَاتِ مِنَ الْعَقَارِبِ وَالْحَيَّاتِ (وَالسِّبَاعِ) : كَالذِّئَابِ أَوِ الْكِلَابِ، (وَأَنَا ضَرِيرُ الْبَصَرِ) أَيْ أَعْمَى (فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ رُخْصَةٍ؟) أَيْ: فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ. (قَالَ: " هَلْ تَسْمَعُ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: هَلْ تَسْمَعُ (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؟) أَيِ: الْأَذَانَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا خُصَّ اللَّفْظَانِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ مَعْنَى الطَّلَبِ (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَحَيَّهَلَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: كَلِمَةُ حَثٍّ وَاسْتِعْجَالٍ وُضِعَتْ مَوْضِعَ أَجِبْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَآثَرَهَا لِأَنَّ أَحْسَنَ الْجَوَابِ مَا كَانَ مُشْتَقًّا مِنَ السُّؤَالِ وَمُنْتَزَعًا مِنْهُ. (وَلَمْ يُرَخِّصْ) : بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَقِيلَ لِلْمَفْعُولِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 1637
١٠٧٩ - وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ﵂، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهُوَ مُغْضَبٌ، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٠٧٩ - (وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ) : هِيَ زَوْجَةُ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَاسْمُهَا خَيْرَةُ (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهُوَ مُغْضَبٌ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟) : مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ (قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ شَيْئًا) أَيْ: مِنَ الْأَشْيَاءِ (إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَعَ جَوَابًا لِقَوْلِهَا: مَا أَغْضَبَكَ، عَلَى مَعْنَى رَأَيْتُ مَا أَغْضَبَنِي مِنَ الْأَمْرِ الْمُنْكَرِ غَيْرِ الْمَعْرُوفِ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهُوَ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ مُتَكَلِّفًا، أَيْ: شَيْئًا فِي نِهَايَةِ الْجَلَالَةِ وَالْعَظَمَةِ وَكَثْرَةِ الثَّوَابِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا، أَيْ وَالْآنَ قَدْ تَهَاوَنُوا فِي ذَلِكَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَغْضَبَتْنِي الْأُمُورُ الْمُنْكَرَةُ الْمُحْدَثَةُ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ; لِأَنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أَمْرِهِمُ الْبَاقِي عَلَى الْجَادَّةِ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا، فَيَكُونُ الْجَوَابُ مَحْذُوفًا وَالْمَذْكُورُ دَلِيلُ الْجَوَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: قَوْلُهُ: مِنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، كَذَا وَقَعَ فِي نُسَخِ الْمِشْكَاةِ، وَالَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ عِنْدَ أَكْثَرِ رُوَاتِهِ: مَا أَعْرِفُ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ شَيْئًا، وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنِ بَطَّالٍ حَيْثُ قَالَ: مِنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ شَيْئًا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ إِلَّا الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، وَكَرِيمَةَ: مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي الْوَقْتِ: مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا رَاءٌ وَاحِدُ الْأُمُورِ، وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَمُسْتَخْرَجَيِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ، هَكَذَا سَاقَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ، هَكَذَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْبُخَارِيِّ، قَالَ: وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ: مَا أَعْرِفُ فِيهِمْ، أَيْ فِي أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ، وَكَانَ لَفْظُ فِيهِمْ لِمَا حُذِفَ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ صَحَّفَ بَعْضُ النَّقَلَةِ أَمْرَ بِأُمَّةٍ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ فِي أَنَّهُمْ إِلَى الْأُمَّةِ اهـ كَلَامُ الشَّيْخِ وَلَمْ أَجِدْهُ فِي الْبُخَارِيِّ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1638
١٠٨٠ - وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَدَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَإِنَّ عُمَرَ غَدَا إِلَى السُّوقِ، وَمَسْكَنُ سُلَيْمَانَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ، فَمَرَّ عَلَى الشِّفَاءِ أُمِّ سُلَيْمَانَ، فَقَالَ لَهَا: لَمْ أَرَ سُلَيْمَانَ فِي الصُّبْحِ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَاتَ يُصَلِّي فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: لَأَنْ أَشْهَدَ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةً. رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
١٠٨٠ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَدَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ) أَيْ: مَا وَجَدَهُ (فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَإِنَّ عُمَرَ غَدَا) أَيْ: ذَهَبَ (إِلَى السُّوقِ، وَمَسْكَنُ سُلَيْمَانَ) : مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ) : وَالْجُمْلَةُ حَالِيَةٌ مُعْتَرِضَةٌ (فَمَرَّ) أَيْ: عُمَرُ (عَلَى الشِّفَاءِ) : مَمْدُودًا لَقَبٌ أَوِ اسْمٌ (أُمِّ سُلَيْمَانَ) : بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (فَقَالَ لَهَا: لَمْ أَرَ سُلَيْمَانَ فِي الصُّبْحِ) أَيْ: فِي صَلَاتِهِ بِالْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ (فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَاتَ) أَيْ: سَهِرَ (يُصَلِّي) : فِي اللَّيْلِ (فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ) أَيْ: بِالنَّوْمِ آخِرَ اللَّيْلِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَصْلُ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ فَأُسْنِدَ إِلَى مَكَانِهِ مَجَازًا. (فَقَالَ عُمَرُ: لَأَنْ أَشْهَدَ) أَيْ: أَحْضُرَ (صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةً) أَيْ: مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ بِالنَّوَافِلِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا أَطَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَقَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ جَمَاعَةَ الصُّبْحِ آكَدُ مِنْ جَمَاعَةِ غَيْرِهَا، وَكَانَ عُمَرُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ: " «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ كَأَنَّمَا قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ» ". ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: " «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ نِصْفِ لَيْلَةٍ، وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ» "، وَأَوْقَعَ الْمُعَارَضَةَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ رِوَايَةَ التِّرْمِذِيِّ تَفْسِيرٌ، وَبَيَانٌ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ، أَوِ الْأَوَّلُ لِلْمُبَالَغَةِ فَإِنَّ الْقِيَامَ مِنَ النَّوْمِ أَصْعَبُ مِنْ دَفْعِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي نُسْخَةٍ: لَيْلَتَهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى ضَمِيرِ الصُّبْحِ، قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: كَذَا فِي نُسْخَةِ الطِّيبِيِّ، وَعَلَيْهَا شَرْحُهُ حَيْثُ قَالَ: أَضَافَ اللَّيْلَ إِلَى الصُّبْحِ ; لِأَنَّ الْمُوَازَنَةَ وَقَعَتْ بَيْنَ ذَلِكَ الصُّبْحِ وَلَيْلِهِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ) .
стр. 1639
١٠٨١ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٠٨١ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: اثْنَانِ مُبْتَدَأٌ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَخَصَّصَ بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْلٍ، فَإِنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وَالْمَعْنَى اثْنَانِ وَمَا يَزِيدُ عَلَيْهِمَا عَلَى التَّعَاقُبِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ يُعَدُّ جَمَاعَةً نَحْوَ قَوْلِكَ: الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ: " «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا ثُمَّ أَقِيمَا فَلْيَؤُمُّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» ".
стр. 1640
١٠٨٢ - وَعَنْ بِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ حُظُوظَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ» ". فَقَالَ بِلَالٌ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ; وَتَقُولُ أَنْتَ: لَنَمْنَعُهُنَّ.
ــ
١٠٨٢ - (وَعَنْ بِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ حُظُوظَهُنَّ) أَيْ: ثَوَابَهُنَّ الْحَاصِلَ لَهُنَّ بِحُضُورِهِنَّ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا (مِنَ الْمَسَاجِدِ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ (فَقَالَ بِلَالٌ) : فِيهِ تَجْرِيدٌ أَوِ الْتِفَاتٌ ; إِذْ أَصْلُهُ فَقُلْتُ: (وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ) أَيْ: لِمَا ظَهَرَ مِنَ الْفِتَنِ وَحَدَثَ مِنَ الْفَسَادِ فِي الزَّمَنِ، (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ) أَيْ: أَبُوهُ (أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: فَتُعَارِضُ هَذَا النَّصَّ بِرَأْيِكَ (وَتَقُولُ أَنْتَ: لَنَمْنَعُهُنَّ! !) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُعَاتَبَةَ لِمَا فِي ظَاهِرِ الْمُقَابَلَةِ بِالْمُعَارَضَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُكَافَحَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنَ الْمُخَالَفَةِ، وَلِهَذَا تَبِعَهُ الْعُلَمَاءُ فِي مَنْعِ خُرُوجِ النِّسَاءِ، فَفِي الْهِدَايَةِ: وَلَا يَنْوِي الْإِمَامُ النِّسَاءَ فِي زَمَانِنَا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لِأَنَّهُنَّ مَمْنُوعَاتٌ مِنْ حُضُورِ الْجَمَاعَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الْمُظْهِرِ أَنَّ خُرُوجَهُنَّ إِلَى الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ فِي زَمَانِنَا مَكْرُوهٌ.
стр. 1641
١٠٨٣ - وَفِي رِوَايَةِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا مَا سَمِعْتُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ! رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٨٣ - (وَفِي رِوَايَةِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَيْ عَبْدِ اللَّهِ (قَالَ) أَيْ سَالِمٌ (فَأَقْبَلَ) أَيْ: أَبُوهُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى بِلَالٍ (يَسُبُّهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَسَبَّهُ (سَبًّا مَا سَمِعْتُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ) : وَنَظِيرُهُ مَا وَقَعَ لِأَبِي يُوسُفَ حِينَ رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُحِبُّ الدُّبَّاءَ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا مَا أُحِبُّهُ فَسَلَّ السَّيْفَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ: جَدِّدِ الْإِيمَانَ وَإِلَّا لَأَقْتُلَنَّكَ. (وَقَالَ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ لِبِلَالٍ (أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ بِعَدَمِ مَنْعِهِنَّ (وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ!) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي أَنَا آتِيكَ بِالنَّصِّ الْقَاطِعِ، وَأَنْتَ تَتَلَقَّاهُ بِالرَّأْيِ، كَأَنَّ بِلَالًا لَمَّا اجْتَهَدَ وَرَأَى مِنَ النِّسَاءِ وَمَا فِي خُرُوجِهِنَّ إِلَى الْمَسَاجِدِ مِنَ الْمُنْكَرِ أَقْسَمَ عَلَى مَنْعِهِنَّ، فَرَدَّهُ أَبُوهُ بِأَنَّ النَّصَّ لَا يُعَارَضُ بِالرَّأْيِ، وَالرِّوَايَةُ الْأَخِيرَةُ أَبْلَغُ لِسَبِّهِ إِيَّاهُ سَبًّا بَلِيغًا، وَهَذَا دَلِيلٌ قَوِيٌّ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1642
١٠٨٤ - وَعَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلٌ أَهْلَهُ أَنْ يَأْتُوا الْمَسَاجِدَ» ". فَقَالَ ابْنٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: فَإِنَّا نَمْنَعُهُنَّ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتَقُولُ هَذَا؟ ! قَالَ: فَمَا كَلَّمَهُ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى مَاتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٠٨٤ - (وَعَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلٌ أَهْلَهُ) أَيْ: نِسَاءَهُ (أَنْ يَأْتُوا الْمَسَاجِدَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَكَرَ ضَمِيرَ النِّسَاءِ تَعْظِيمًا لَهُنَّ حَيْثُ قَصَدْنَ السُّلُوكَ مَسْلَكَ الرِّجَالِ الرُّكَّعِ وَالسُّجُودِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] .
وَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَإِنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ
(فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) : وَهُوَ بِلَالٌ (فَإِنَّا نَمْنَعُهُنَّ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتَقُولُ هَذَا؟ قَالَ) أَيْ: مُجَاهِدٌ (فَمَا كَلَّمَهُ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى مَاتَ) أَيْ: عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: عَجِبْتُ مِمَّنْ يَتَسَمَّى بِالسُّنِّيِّ إِذَا سَمِعَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَهُ رَأْيٌ رَجَّحَ رَأْيَهُ عَلَيْهَا، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُبْتَدِعِ، أَمَا سَمِعَ: " «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» "، وَهَا هُوَ ابْنُ عُمَرَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهَا كَيْفَ غَضِبَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَهَجَرَ فَلْذَةَ كَبِدِهِ لِتِلْكَ الْهَنَةِ عِبْرَةً لِأُولِي الْأَلْبَابِ.
قُلْتُ: يُشَمُّ مِنْ كَلَامِ الطِّيبِيِّ رَائِحَةُ الْكِنَايَةِ الِاعْتِرَاضِيَّةِ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ الرَّأْيَ عَلَى الْحَدِيثِ، وَلِذَا يُسَمَّوْنَ أَصْحَابَ الرَّأْيِ، وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُمْ إِنَّمَا سُمُّوا بِذَلِكَ لِدِقَّةِ رَأْيِهِمْ وَحَذَاقَةِ عَقْلِهِمْ، وَلِذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ النَّاسِ عِيَالُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْفِقْهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: إِنَّ جَمِيعَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ إِمَامِهِمْ أَنَّ ضَعِيفَ الْحَدِيثِ أَوْلَى عِنْدَهُ مِنَ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ
стр. 1643
ذَكَرَهُ السَّخَاوِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْمَنَاقِبِ الْحِسَانِ: اعْلَمْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَفْهَمَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِذَلِكَ تَنْقِيصُهُمْ وَلَا نِسْبَتُهُمْ إِلَى أَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ رَأْيَهُمْ عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِهِ ; لِأَنَّهُمْ بُرَآءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ أَوَّلًا يَأْخُذُ بِمَا فِي الْقُرْآنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِالسُّنَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِقَوْلِ الصَّحَابَةِ، فَإِنِ اخْتَلَفُوا أَخَذَ بِمَا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ قَوْلًا لَمْ يَأْخُذْ بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، بَلْ يَجْتَهِدُ كَمَا اجْتَهَدُوا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْهُ: إِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، وَإِذَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ اخْتَرْنَا، وَإِذَا جَاءَ عَنِ التَّابِعِينَ زَاحَمْنَاهُمْ، وَعَنْهُ أَيْضًا: وَاعَجَبًا لِلنَّاسِ، يَقُولُونَ: أُفْتِي بِالرَّأْيِ، مَا أُفْتِي إِلَّا بِالْأَثَرِ، وَعَنْهُ أَيْضًا: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ بِرَأْيِهِ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا مَعَ سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلَا مَعَ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَأَمَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَنَتَخَيَّرُ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ أَقْرَبَهُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى السُّنَّةِ وَنَجْتَهِدُ، وَمَا جَاوَزَ ذَلِكَ فَالِاجْتِهَادُ بِالرَّأْيِ لِمَنْ عَرَفَ الِاخْتِلَافَ، وَلِدِقَّةِ قِيَاسَاتِ مَذْهَبِهِ كَانَ الْمُزَنِيُّ يُكْثِرُ النَّظَرَ فِي كَلَامِهِمْ، حَتَّى حَمَلَ ابْنَ أُخْتِهِ الْإِمَامَ الطَّحَاوِيَّ عَلَى أَنِ انْتَقَلَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الطَّحَاوِيُّ نَفْسُهُ اهـ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: اعْلَمْ أَنَّهُ صَحَّ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: " «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» "، وَقَوْلُهُ: " «إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعَنَّهَا» ". وَالْعُلَمَاءُ خَصُّوهُ بِأُمُورٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا وَمَقِيسَةٍ، فَمِنَ الْأَوَّلِ مَا صَحَّ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: "، «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ» " وَكَوْنُهُ لَيْلًا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ فِي مُسْلِمٍ " «لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَسَاجِدِ إِلَّا بِاللَّيْلِ» " وَمِنَ الثَّانِي، حُسْنُ الْمَلَابِسِ، وَمُزَاحَمَةُ الرِّجَالِ ; لِأَنَّ إِخْرَاجَ الطِّيبِ لِتَحْرِيكِ الدَّاعِيَةِ، فَلَمَّا فُقِدَ الْآنَ مِنْهُنَّ هَذَا ; لِأَنَّهُنَّ يَتَكَلَّفْنَ لِلْخُرُوجِ مَا لَمْ يَكُنَّ عَلَيْهِ فِي الْمَنْزِلِ مُنِعْنَ مُطْلَقًا، لَا يُقَالُ هَذَا حِينَئِذٍ نَسْخٌ بِالتَّعْلِيلِ ; لِأَنَّا نَقُولُ الْمَنْعُ حِينَئِذٍ ثَبَتَ بِالْعُمُومَاتِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْفِتَنِ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الْإِطْلَاقِ بِشَرْطٍ، فَيَزُولُ بِزَوَالِهِ كَانْتِهَاءِ الْحَاكِمِ بِانْتِهَاءِ عِلَّتِهِ.
وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ فِي الصَّحِيحِ: لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى مَا أَحْدَثَتِ النِّسَاءُ بَعْدَهُ، لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، عَلَى أَنَّ فِيهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِسَنَدِهِ فِي التَّمْهِيدِ، عَنْ عَائِشَةَ تَرْفَعُهُ: " «أَيُّهَا النَّاسُ انْهُوا نِسَاءَكُمْ عَنْ لُبْسِ الزِّينَةِ وَالتَّبَخْتُرِ فِي الْمَسَاجِدِ، فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى لَبِسَ نِسَاؤُهُمُ الزِّينَةَ وَتَبَخْتَرْنَ فِي الْمَسَاجِدِ» "، وَبِالنَّظَرِ إِلَى التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ مُنِعَتْ غَيْرُ الْمُتَزَيِّنَةِ، أَيْضًا لِغَلَبَةِ الْفُسَّاقِ لَيْلًا، وَإِنْ كَانَ النَّصُّ يُبِيحُهُ ; لِأَنَّ الْفُسَّاقَ فِي زَمَانِنَا كَثُرَ انْتِشَارُهُمْ وَتَعَرُّضُهُمْ بِاللَّيْلِ، بِخِلَافِ الصُّبْحِ فَإِنَّ الْغَالِبَ نَوْمُهُمْ فِي وَقْتِهِ، بَلْ عَمَّمَ الْمُتَأَخِّرُونَ الْمَنْعَ لِلْعَجَائِزِ وَالشَّوَابِّ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ اهـ. كَلَامُ الْمُحَقِّقِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 1644
[بَابُ تَسْوِيَةِ الصَّفِّ]
стр. 1645
[٢٤] بَابُ تَسْوِيَةِ الصَّفِّ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٠٨٥ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ، حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: " عِبَادَ اللَّهِ! لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
[٢٤] بَابُ تَسْوِيَةِ الصَّفِّ
أَيْ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: الصُّفُوفِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ الْجِنْسُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٠٨٥ - (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) : أَسْلَمَ صَغِيرًا، وَلِأَبَوَيْهِ صُحْبَةٌ، مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَهُ ثَمَانِ سِنِينَ وَسَبْعَةُ أَشْهُرٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا) أَيْ: بِيَدِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ (حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا) أَيْ: بِالصُّفُوفِ أَوْ بِالتَّسْوِيَةِ (الْقِدَاحَ) : جَمْعُ الْقِدْحِ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَهُوَ السَّهْمُ قَبْلَ أَنْ يُرَاشَ وَيُرَكَّبَ نَصْلُهُ، وَضُرِبَ الْمَثَلُ لَهُ لِلْمُتَسَاوِيَيْنِ أَبْلَغَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْقِدْحَ لَا يَصْلُحُ لِمَا يُرَادُ مِنْهُ إِلَّا بَعْدَ الِانْتِهَاءِ فِي الِاسْتِوَاءِ، وَإِنَّمَا جُمِعَ مَعَ الْغُنْيَةِ عَنْهُ بِالْمُفْرَدِ لِمَكَانِ الصُّفُوفِ، أَيْ: يُسَوِّي كُلَّ صَفٍّ عَلَى حِدَةٍ كَمَا يُسَوِّي الصَّانِعُ كُلَّ قِدْحٍ عَلَى حِدَتِهِ، هَذَا كَلَامُ الطِّيبِيِّ، وَابْنِ الْمَلَكِ، وَابْنِ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْجَمْعَ مُتَعَيِّنٌ لِمَكَانِ إِفْرَادِ الصَّفِّ لَا الصُّفُوفِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قِيلَ رُوعِيَ قَوْلُهُ يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ نُكْتَةً ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ كَأَنَّمَا يُسَوِّيهَا بِالْقِدَاحِ، وَالْبَاءُ لِلْآلَةِ كَمَا فِي: كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ، فَعَكَسَ وَجَعَلَ الصُّفُوفَ هِيَ الَّتِي يُسَوَّى بِهَا الْقِدَاحُ مُبَالَغَةً فِي الِاسْتِوَاءِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَلَا يَظْهَرُ مَعْنَى كَوْنِ الْبَاءِ لِلْآلَةِ عَلَى جَعْلِ الضَّمِيرِ إِلَى الصُّفُوفِ كَمَا فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ ضَمِيرَ (بِهَا) رَاجِعٌ إِلَى التَّسْوِيَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنَ الْفِعْلِ، أَوِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الصُّفُوفِ، وَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ، أَيْ: مُشَبَّهًا بِهَا، وَالْعَكْسُ لِلْمُبَالَغَةِ. (حَتَّى رَأَى) أَيْ: عَلِمَ (أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا) أَيْ: فَهِمْنَا التَّسْوِيَةَ (عَنْهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ لَمْ يَبْرَحْ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى اسْتَوَيْنَا اسْتِوَاءً إِرَادَةً مِنَّا وَتَعَلَّقْنَاهُ مِنْ فِعْلِهِ (ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا) أَيْ إِلَى الْمَسْجِدِ (فَقَامَ) أَيْ: فِي مَقَامِ الْإِمَامَةِ (حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ) أَيْ: قَارَبَ أَنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ (فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا) : بِالْيَاءِ، أَيْ: ظَاهِرًا خَارِجًا (صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ) أَيْ: مِنْ صُدُورِ أَهْلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ (فَقَالَ: " عِبَادَ اللَّهِ!) : بِالنَّصْبِ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ لِكَمَالِ قُرْبِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَمْ يَنْهَهُ بِخُصُوصِهِ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ الْكَرِيمَةِ مُبَالَغَةً فِي السَّتْرِ، (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ) : قَالَ الْقَاضِي: اللَّامُ هِيَ الَّتِي يُتَلَقَّى بِهَا الْقَسَمُ، وَلِكَوْنِهِ فِي مَعْرِضِ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ أَكَّدَهُ بِالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ. (أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ) .
قَالَ الْقَاضِي: أَوْ لِلْعَطْفِ رَدَّدَ بَيْنَ تَسْوِيَتِهِمُ الصُّفُوفَ وَمَا هُوَ كَاللَّازِمِ، وَهُوَ اخْتِلَافُ الْوُجُوهِ لِنَقِيضِهَا، فَإِنْ تَقَدَّمَ الْخَارِجُ صَدْرُهُ عَنِ الصَّفِّ تَفَرَّقَ عَلَى الدَّاخِلِ، وَذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى وُقُوعِ الضَّغِينَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَإِيقَاعُ الْمُخَالَفَةِ كِنَايَةٌ عَنِ الْمَهَارَةِ وَالْمُعَادَاةِ، يَعْنِي: فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُهُمْ، وَاخْتِلَافُ الْقُلُوبِ يُفْضِي إِلَى اخْتِلَافِ الْوُجُودِ بِإِعْرَاضِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: بَيَّنَ وُجُوهَ قُلُوبِكُمْ بِأَنْ يَرْفَعَ التَّأَلُّفَ وَالتَّحَابَّ.
قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي: أَدَبُ الظَّاهِرِ عَلَامَةُ أَدَبِ الْبَاطِنِ، فَإِنْ لَمْ تُطِيعُوا أَمْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي الظَّاهِرِ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلِ، فَيُورِثُ كُدُورَةً، فَيَسْرِي ذَلِكَ إِلَى ظَاهِرِكُمْ، فَيَقَعُ بَيْنَكُمْ عَدَاوَةٌ بِحَيْثُ يُعْرِضُ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَقِيلَ: مَعْنَى مُخَالَفَةِ الْوُجُوهِ تَحَوُّلُهَا إِلَى الْإِدْبَارِ، أَوْ تَغَيُّرُ صُوَرِهَا إِلَى صُوَرٍ أُخْرَى، فَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى التَّهْدِيدِ، أَوْ يَكُونُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُخَالَفَةَ قَدْ تُؤَدِّي إِلَى هَذِهِ الْحَالَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 1646
١٠٨٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: " أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا ; فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: " «أَتِمُّوا الصُّفُوفَ ; فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي» ".
ــ
١٠٨٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أَيْ فُعِلَتْ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ، وَوَقَعَ خَطَأٌ فِي نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ بِوَضْعِ الصُّفُوفِ مَقَامَ الصَّلَاةِ، فَتَكَلَّفَ فِي تَوْجِيهِ الْحَدِيثِ إِلَى آخِرِهِ بِمَا لَا وَجْهَ لَهُ. (فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ) : قِيلَ: إِنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ وَلَيْسَ بِالسَّدِيدِ، أَيِ: الْتَفَتَ إِلَيْنَا (فَقَالَ: " أَقِيمُوا) أَيْ: عَدِّلُوا وَأَتِمُّوا (صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا) أَيْ: تَضَامُّوا وَتَلَاصَقُوا حَتَّى تَتَّصِلَ مَنَاكِبُكُمْ، وَلَا يَكُونَ بَيْنَكُمْ فُرَجٌ، مِنْ رَصَّ الْبِنَاءَ: أَلْصَقَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] فَالْمُشَابَهَةُ مَطْلُوبَةٌ، وَلَوْ كَانَتِ الْآيَةُ فِي الْغُزَاةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ الْإِمَامَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ فَيَأْمُرُهُمْ بِتَسْوِيَةِ النَّاسِ. اهـ.
يَعْنِي إِذَا رَأَى خَلَلًا فِي الصَّفِّ ; وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي الْأَمْرِ. (فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) أَيْ: بِالْمُكَاشَفَةِ، وَلَا يَلْزَمُ دَوَامُهَا لِيُنَافِيَهُ خَبَرُ: لَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي، فَيُخَصُّ هَذَا بِحَالَةِ الصَّلَاةِ وَعِلْمِهِ بِالْمُصَلِّينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: " أَتِمُّوا الصُّفُوفَ) أَيِ: الْأَوَّلَ (فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي) .
стр. 1647
١٠٨٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٠٨٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ» "، أَيْ: مِنْ إِتْمَامِهَا وَإِكْمَالِهَا، أَوْ مِنْ جُمْلَةِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] وَهِيَ تَعْدِيلُ أَرْكَانِهَا، وَحِفْظُهَا مِنْ أَنْ يَقَعَ زَيْغٌ فِي فَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَآدَابِهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) إِلَّا أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: (مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ) أَيْ: كَمَالِهَا.
стр. 1648
١٠٨٨ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ " اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» "، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٨٨ - (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا) أَيْ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى أَعْطَافِنَا حَتَّى لَا نَتَقَدَّمَ وَلَا نَتَأَخَّرَ (فِي الصَّلَاةِ) أَيْ: فِي حَالِ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ (وَيَقُولُ) أَيْ: حَالَ تَسْوِيَةِ الْمَنَاكِبِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ (اسْتَوُوا) أَيْ: ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (وَلَا تَخْتَلِفُوا) أَيْ: بِالْأَبْدَانِ (فَتَخْتَلِفَ) : بِالتَّأْنِيثِ، وَقِيلَ: بِالتَّذْكِيرِ (قُلُوبُكُمْ) أَيْ: أَهْوِيَتُهَا وَإِرَادَتُهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَيَخْتَلِفَ بِالنَّصْبِ، أَيْ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ، وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ الْقَلْبَ تَابِعٌ لِلْأَعْضَاءِ، فَإِذَا اخْتَلَفَتِ اخْتَلَفَ، وَإِذَا اخْتَلَفَ فَسَدَ فَفَسَدَتِ الْأَعْضَاءُ لِأَنَّهُ رَئِيسُهَا. قُلْتُ: الْقَلْبُ مَلَكٌ مُطَاعٌ وَرَئِيسٌ مُتَّبَعٌ، وَالْأَعْضَاءُ كُلُّهَا تَبَعٌ لَهُ، فَإِذَا صَلَحَ الْمَتْبُوعُ صَلَحَ التَّبَعُ، وَإِذَا اسْتَقَامَ الْمَلِكُ اسْتَقَامَتِ الرَّعِيَّةُ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: " «أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» ". فَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْأَعْضَاءِ تَعَلُّقًا عَجِيبًا، وَتَأْثِيرًا غَرِيبًا بِحَيْثُ أَنَّهُ يَسْرِي مُخَالَفَةُ كُلٍّ إِلَى الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الْقَلْبُ مَدَارَ الْأَمْرِ إِلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ تَبْرِيدَ الظَّاهِرِ يُؤَثِّرُ فِي الْبَاطِنِ، وَكَذَا: بِالْعَكْسِ، وَهُوَ أَقْوَى. (لِيَلِنِي مِنْكُمْ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ قَبْلَ النُّونِ، وَيَجُوزُ إِثْبَاتُ الْيَاءِ مَعَ تَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى التَّأْكِيدِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: " لِيَلِيَنِي " قَالَ شَارِحُهُ: الرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَهُوَ شَاذٌّ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْوَلْيِ بِمَعْنَى الْقُرْبِ، وَاللَّامُ لِلْأَمْرِ فَيَجِبُ حَذْفُ الْيَاءِ لِلْجَزْمِ. قِيلَ: لَعَلَّهُ سَهْوٌ مِنَ الْكَاتِبِ، أَوْ كُتِبَ بِالْيَاءِ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، ثُمَّ قُرِئَ كَذَا. أَقُولُ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مِنْ إِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ، كَمَا قِيلَ فِي: لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَّعِي، أَوْ تَنْبِيهٌ عَلَى
стр. 1649
الْأَصْلِ كَقِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرُ) أَوْ أَنَّهُ لُغَةٌ فِي أَنَّ سُكُونَهُ تَقْدِيرِيٌّ (أُولُو الْأَحْلَامِ) : جَمْعُ حِلْمٍ بِالْكَسْرِ كَأَنَّهُ مِنَ الْحِلْمِ وَالسُّكُونِ وَالْوَقَارِ وَالْأَنَاةِ وَالتَّثَبُّتِ فِي الْأُمُورِ، وَضَبْطِ النَّفْسِ عَنْ هَيَجَانِ الْغَضَبِ، وَيُرَادُ بِهِ الْعَقْلُ ; لِأَنَّهَا مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْلِ وَشِعَارِ الْعُقَلَاءِ، وَقِيلَ: أُولُو الْأَحْلَامِ: الْبَالِغُونَ، وَالْحُلْمُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالْبُلُوغُ وَأَصْلُهُ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ. (وَالنُّهَى) : بِضَمِّ النُّونِ جَمْعُ نُهْيَةٍ، وَهُوَ الْعَقْلُ النَّاهِي عَنِ الْقَبَائِحِ، أَيْ: لِيَدْنُ مِنِّي الْبَالِغُونَ الْعُقَلَاءُ لِشَرَفِهِمْ وَمَزِيدِ تَفَطُّنِهِمْ وَتَيَقُّظِهِمْ وَضَبْطِهِمْ لِصَلَاتِهِ، وَإِنْ حَدَثَ بِهِ عَارِضٌ يَخْلُفُوهُ فِي الْإِمَامَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَمَرَ بِتَقَدُّمِ الْعُقَلَاءِ ذَوِي الْأَخْطَارِ وَالْعِرْفَانِ لِيَحْفَظُوا صَلَاتَهُ، وَيَضْبِطُوا الْأَحْكَامَ وَالسُّنَنَ، فَيُبَلِّغُوا مَنْ بَعْدَهُمْ، وَفِي ذَلِكَ مَعَ الْإِفْصَاحِ عَنْ جَلَالَةِ شَأْنِهِ حَثٌّ لَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْفَضِيلَةِ، وَإِرْشَادٌ لِمَنْ قَصَرَ حَالُهُمْ عَنِ الْمُسَاهَمَةِ مَعَهُمْ فِي الْمَنْزِلَةِ إِلَى تَحَرِّي مَا يُزَاحِمُهُمْ فِيهَا. (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) : كَالْمُرَاهِقِينَ، أَوِ الَّذِينَ يَقْرَبُونَ الْأَوَّلِينَ فِي النُّهَى وَالْحِلْمِ، (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) : كَالصِّبْيَانِ الْمُمَيِّزِينَ، أَوِ الَّذِينَ هُمْ أَنْزَلُ مَرْتَبَةً مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ حِلْمًا وَعَقْلًا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ هَلُمَّ جَرًّا، فَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَالنِّسَاءِ، فَإِنَّ نَوْعَ الذَّكَرِ أَشْرَفُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمُ الْخَنَاثَى، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْتِيبِ الصُّفُوفِ.
(قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ) : أَيِ الْمَذْكُورُ (فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا خِطَابٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ هَيَّجُوا الْفِتَنَ، وَأَرَادَ أَنَّ سَبَبَ هَذَا الِاخْتِلَافِ وَالْفِتَنِ عَدَمُ تَسْوِيَةِ صُفُوفِكُمْ اهـ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَشَدَّ أَصْلُ الْفِعْلِ وَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1650
١٠٨٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " ثَلَاثًا " وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٠٨٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لِيَلِنِي) : بِحَذْفِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ بِلَا خِلَافٍ (مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى) : رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَلِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ لِيَحْفَظُوا عَنْهُ، (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، " ثَلَاثًا) أَيْ: كَرَّرَ ثُمَّ وَمَا بَعْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ (وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الْأَسْوَاقِ) : جَمْعُ هَيْشَةٍ، وَهِيَ رَفْعُ الْأَصْوَاتِ، نَهَاهُمْ عَنْهَا ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ حُضُورٌ بَيْنَ يَدَيِ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا فِيهَا عَلَى السُّكُوتِ وَآدَابِ الْعُبُودِيَّةِ، وَقِيلَ: هِيَ الِاخْتِلَاطُ، وَالْمَعْنَى لَا تَكُونُوا مُخْتَلِطِينَ اخْتِلَاطَ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ فَلَا يَتَمَيَّزُ أَصْحَابُ الْأَحْلَامِ وَالْعُقُولِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَا يَتَمَيَّزُ الصِّبْيَانُ وَالْإِنَاثُ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْأَنْسَبُ بِالْمَقَامِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: قُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِأُمُورِ الْأَسْوَاقِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُكُمْ عَنْ أَنْ تَلُونِي. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
следующие страницы →