← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

١١٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ [وَأَبُو دَاوُدَ] . ــ ١١٧٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا "، أَيْ: شَخْصًا، وَالْجُمْلَةُ دُعَاءٌ أَوْ إِخْبَارٌ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي، مَعَ أَنَّ دَعْوَتَهُ مُسْتَجَابَةٌ لَا تَتَخَلَّفُ، فَدُعَاؤُهُ فِي مَعْنَى الْإِخْبَارِ مُتَضَمِّنٌ لِلْبِشَارَةِ (" صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا ") : وَالْمُرَادُ سُنَّةُ الْعَصْرِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَهَى مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ [وَأَبُو دَاوُدَ] ) : قَالَ مِيرَكُ: وَحَسَّنَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِمَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَحَّحَاهُ وَإِنْ أَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ. (وَأَبُو دَاوُدَ) .

стр. 1752

١١٧١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ١١٧١ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ) : وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ نَظَرٌ ; إِذْ لَفْظُ الْحَدِيثِ يَأْبَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالتَّسْلِيمِ فِيهِ لِلتَّحَلُّلِ مِنَ الصَّلَاةِ، فَيُسَنُّ لِلْمُسَلِّمِ مِنْهَا أَنْ يَنْوِيَ بِقَوْلِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ وَخَلْفِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمُؤْمِنِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. اهـ. لَكِنَّ مَا تَقَدَّمَ أَنْسَبُ إِلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا صَلَّى أَرْبَعًا أَنْ يَكُونَ بِتَسْلِيمَةٍ أَوْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، وَالْخِلَافُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ، وَلِاخْتِلَافِ الْآثَارِ خَيَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالْقَدُورِيُّ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ أَوْ رَكْعَتَيْنِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَسَنٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، نَقَلَهُ مِيرَكُ.

стр. 1753

١١٧٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١١٧٢ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ عَلِيٍّ (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ» ) ، أَيْ: أَحْيَانًا فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَرْبَعِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

стр. 1754

١١٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ ; عُدِلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ابْنِ أَبِي خَثْعَمٍ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَضَعَّفَهُ جِدًّا. ــ ١١٧٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ ") ، أَيْ: فَرْضِهِ (" سِتَّ رَكَعَاتٍ ") : الْمَفْهُومُ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الرَّاتِبَتَيْنِ دَاخِلَتَانِ فِي السِّتِّ، وَكَذَا فِي الْعِشْرِينَ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي. قَالَهُ

стр. 1755

الطِّيبِيُّ، فَيُصَلِّي الْمُؤَكَّدَتَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ، وَفِي الْبَاقِي بِالْخِيَارِ. (" لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ ") ، أَيْ: فِي أَثْنَاءِ أَدَائِهِنَّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِذَا سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ (" بِسُوءٍ ") ، أَيْ: بِكَلَامٍ سَيِّئٍ أَوْ بِمَا يُوجِبُ سُوءًا (" عُدِلْنَ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَقِيلَ بِالْمَعْلُومِ (" لَهُ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ: عَدَلْتُ فُلَانًا بِفُلَانٍ: إِذَا سَوَّيْتَ بَيْنَهُمَا (" بِعِبَادَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا مِنْ بَابِ الْحَثِّ وَالتَّحْرِيضِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُفَضَّلَ مَا لَا يُعْرَفُ عَلَى مَا يُعْرَفُ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ؛ حَثًّا وَتَحْرِيضًا، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ: ثَوَابُ الْقَلِيلِ مُضَعَّفًا أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ الْكَثِيرِ غَيْرَ مُضَعَّفٍ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَعَلَّ الْقَلِيلَ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَالْحَالِ يُضَاعَفُ عَلَى الْكَثِيرِ فِي غَيْرِهِمَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الصَّلَاةُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ. (وَقَالَ) ، أَيِ التِّرْمِذِيُّ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ابْنِ أَبِي خَثْعَمٍ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ) ، أَيِ الْبُخَارِيَّ (يَقُولُ: هُوَ) ، أَيْ: عُمَرُ (مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَضَعَّفَهُ) ، أَيِ الْبُخَارِيُّ (جِدًّا) ، أَيْ تَضْعِيفًا قَوِيًّا، قَالَ مِيرَكُ نَاقِلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: وَالْعَجَبُ مِنْ مُحْيِي السُّنَّةِ كَيْفَ سَكَتَ عَلَيْهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَدِيثِ؟ قُلْتُ: يُنَافِيهِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، مَعَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، قَالَ مِيرَكُ: وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يُصَلِّي بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَقَالَ: رَأَيْتُ حَبِيبِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ» ، وَقَالَ: " مَنْ «صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» ". حَدِيثٌ غَرِيبٌ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الثَّلَاثَةِ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ صَالِحُ بْنُ قَطَنٍ الْبُخَارِيُّ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَصَالِحٌ هَذَا لَا يَحْضُرُنِي الْآنَ فِيهِ جَرْحٌ وَلَا تَعْدِيلٌ.

стр. 1756

١١٧٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ عِشْرِينَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ١١٧٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ ") ، أَيْ: بَعْدَ فَرْضِهِ (" عِشْرِينَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا ") ، أَيْ عَظِيمًا مُشْتَمِلًا عَلَى أَنْوَاعِ النِّعَمِ. (" فِي الْجَنَّةِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ مُنْقَطِعًا بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ فَقَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَذَكَرَهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُتَّصِلًا مِنْ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَدَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَيَعْقُوبُ كَذَّبَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهَا حَدِيثٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُصَلِّيهَا عِشْرِينَ وَيَقُولُ: " «هَذِهِ صَلَاةُ الْأَوَّلِينَ فَمَنْ صَلَّاهَا غُفِرَ لَهُ» ". وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يُصَلُّونَهَا، قَالَ جَمْعٌ: وَرُوِيَتْ أَرْبَعًا، وَرُوِيَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ وَأَكْثَرُهَا عِشْرُونَ. وَرُوِيَ فِيهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ذَكَرَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ مِنْهَا جُمْلَةً.

стр. 1757

١١٧٥ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ قَطُّ فَدَخَلَ عَلَيَّ، إِلَّا صَلَّى أَرْبَعَ أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١١٧٥ - (وَعَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ قَطُّ فَدَخَلَ عَلَيَّ) ، أَيْ: فِي نَوْبَتِي (إِلَّا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) ، أَيْ: رَكْعَتَانِ مُؤَكَّدَةٌ بِتَسْلِيمَةٍ وَرَكْعَتَانِ مُسْتَحَبَّةٌ، (أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ) : يُحْتَمَلُ الشَّكُّ وَالتَّنْوِيعُ. فَرَكْعَتَانِ نَافِلَةٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 1758

١١٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَ ﴿وَأَدْبَارِ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ١١٧٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَنَصْبِ الرَّاءِ عَلَى الْحِكَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ - وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٨ - ٤٩] وَجَوَّزَ الرَّفْعَ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (" الرَّكْعَتَانِ فِي الْفَجْرِ ") ، أَيْ: فَرْضُهُ، وَالْإِدْبَارُ وَالدُّبُورُ الذَّهَابُ يَعْنِي: عَقِيبَ ذَهَابِ النُّجُومِ، وَهُوَ سُنَّةُ الصُّبْحِ. ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠] : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا قِرَاءَتَانِ مُتَوَاتِرَتَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ - وَمِنَ اللَّيِلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩ - ٤٠] قَالَ الطِّيبِيُّ: صَلَاةُ أَدْبَارِ السُّجُودِ. وَأَدْبَارُ نَصْبُهُ بِسَبِّحْ فِي التَّنْزِيلِ أَوْقَعَهُ مُضَافًا فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْحِكَايَةِ. اهـ. وَالْمُرَادُ بِالسُّجُودِ فَرِيضَةُ الْمَغْرِبِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَطْلَقَ السُّجُودَ وَأَرَادَ بِهِ الصَّلَاةَ إِطْلَاقًا لِلْجُزْءِ الْأَعْظَمِ عَلَى الْكُلِّ. انْتَهَى. وَفِي جَعْلِهِ جُزْءًا أَعْظَمَ نَظَرٌ، وَيَجُوزُ رَفْعُ (أَدْبَارَ السُّجُودِ) عَلَى الِابْتِدَائِيَّةِ، وَخَبَرُهُ (" الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ غَرِيبٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.

стр. 1759

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١١٧٧ - عَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " أَرْبَعُ [رَكَعَاتٍ] قَبْلَ الظُّهْرِ، بَعْدَ الزَّوَالِ، تُحْسَبُ بِمِثْلِهِنَّ فِي صَلَاةِ السَّحَرِ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يُسَبِّحُ اللَّهَ تِلْكَ السَّاعَةَ "، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] » رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١١٧٧ - (عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " أَرْبَعٌ ") ، أَيْ: مِنَ الرَّكَعَاتِ. (" قَبْلَ الظُّهْرِ، بَعْدَ الزَّوَالِ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: قَبْلَ الظُّهْرِ صِفَةٌ لِأَرْبَعٍ، وَخَبَرُهُ (" تُحْسَبُ بِمِثْلِهِنَّ ") ، أَيِ: الْكَائِنُ (" فِي صَلَاةِ السَّحَرِ ") ، أَيْ: تُوَازِي أَرْبَعًا فِي الْفَجْرِ مِنَ السُّنَّةِ وَالْفَرِيضَةِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصَلِّي، أَيْ: بَعْدَ الزَّوَالِ سَائِرَ الْكَائِنَاتِ فِي الْخُضُوعِ وَالدُّخُورِ لِبَارِئِهَا، فَإِنَّ الشَّمْسَ أَعْلَى وَأَعْظَمُ مَنْظُورٍ فِي الْكَائِنَاتِ، وَعِنْدَ زَوَالِهَا يَظْهَرُ هُبُوطُهَا وَانْحِطَاطُهَا، وَسَائِرُ مَا يَتَفَيَّأُ بِهَا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ. انْتَهَى. يَعْنِي: وَوَقْتَ الصُّبْحِ مُقَدِّمَةُ طُلُوعِهَا، وَبِهَذَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، وَطَرِيقُ الْمُلَاءَمَةِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، قَالَ مَيْرَ بَادٍ شَاهْ: لَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْعُدُولِ عَنِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ حَمْلُ السَّحَرِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَتَشْبِيهُ هَذِهِ الْأَرْبَعِ بِأَرْبَعٍ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَّا بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْمُشَبَّهِ بِهِ مَشْهُودًا بِمَزِيدِ الْفَضْلِ. انْتَهَى. يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعُدُولَ إِنَّمَا هُوَ لِيَكُونَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى ; إِذْ لَيْسَ التَّهَجُّدُ أَفْضَلَ مِنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ، وَالْأَظْهَرُ حَمْلُ السَّحَرَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَيُوَجَّهُ كَوْنُ الْمُشَبَّهِ بِهِ أَقْوَى بِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهِ أَشَقُّ وَأَتْعَبُ وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ فَهُوَ أَوْلَى وَأَحْسَنُ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ تَعْدِلُ فِي الْفَضْلِ أَرْبَعًا مُمَاثِلَةً لَهُنَّ مِنْ جُمْلَةِ صَلَاةِ السَّحَرِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْفَضْلِ الْأَعْظَمِ، ثُمَّ قَالَ ﷺ كَالدَّلِيلِ عَلَى الْمُدَّعَى. (" وَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يُسَبِّحُ اللَّهَ ") ، أَيْ: يُنَزِّهُهُ عَنِ الزَّوَالِ ; لِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالْكَمَالِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ (" تِلْكَ السَّاعَةَ ") : بِالنَّصْبِ، أَيْ حِينَ زَوَالِ الشَّمْسِ عَنْ كَمَالِ صُعُودِهَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: يُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا خَاصًّا تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] الْمُقْتَضِي لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَالتَّسْبِيحُ فِي الْآيَتَيْنِ بِلِسَانِ الْقَالِ وَالْحَالِ. (ثُمَّ قَرَأَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ ، أَوْ عُمَرُ ﴿يَتَفَيَّأُ﴾ [النحل: ٤٨] بِالتَّذْكِيرِ، وَأَنَّثَهُ الْبَصْرِيُّ، أَيْ: يَتَمَيَّلُ وَيَدُورُ وَيَرْجِعُ ﴿ظِلَالُهُ﴾ [النحل: ٤٨] ، أَيْ ظِلَالُ كُلِّ شَيْءٍ ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ [النحل: ٤٨] : أُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ ﴿وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] : فِيهِ تَفَنُّنٌ، أَيْ: يَمِينُ كُلِّ شَيْءٍ وَشَمَالِهِ ﴿سُجَّدًا﴾ [النحل: ٤٨] ، أَيْ: سَاجِدِينَ مُنْقَادِينَ ﴿لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨] : حَالٌ ﴿وَهُمْ﴾ [النحل: ٤٨] ، أَيِ: الْخَلْقُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَا مِنْ شَيْءٍ، وَفِيهِ تَغْلِيبُ الْعُقَلَاءِ ﴿دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] ، أَيْ: صَاغِرُونَ أَذِلَّاءُ خَاضِعُونَ، حَالٌ أُخْرَى مُتَدَاخِلَةٌ أَوْ مُتَرَادِفَةٌ، وَهِيَ أَوْلَى لِحُصُولِهَا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ.

стр. 1760

قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَوَلَمْ يَرَوْا، أَيْ بِالْغَيْبَةِ وَالْخِطَابِ، إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ، أَيْ: مِنَ الْأَجْرَامِ الَّتِي لَهَا ظِلَالٌ مُتَفَيِّئَةٌ عَنْ أَيْمَانِهَا وَشَمَائِلِهَا، كَيْفَ تَنْقَادُ لِلَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ فِيمَا سَخَّرَهَا مِنَ التَّفَيُّؤِ، وَالْأَجْرَامُ فِي أَنْفُسِهَا دَاخِرَةٌ أَيْضًا مُنْقَادَةٌ صَاغِرَةٌ، وَالشَّمْسُ وَإِنْ كَانَتْ أَعْظَمَ وَأَعْلَى مَنْظُورٍ فِي هَذَا الْعَالَمِ إِلَّا أَنَّهَا عِنْدَ الزَّوَالِ يَظْهَرُ هُبُوطُهَا وَانْحِطَاطُهَا، وَأَنَّهَا آيِلَةٌ إِلَى الْفَنَاءِ وَالذَّهَابِ، وَلِذَا قَالَ سَيِّدُ الْمُوَحِّدِينَ: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] ، فَأَشَارَ ﵇ أَنَّ الْمُصَلِّيَ حِينَئِذٍ مُوَافِقٌ لِسَائِرِ الْكَائِنَاتِ فِي الْخُضُوعِ لِخَالِقِهَا، فَهُوَ وَقْتُ خُضُوعٍ وَافْتِقَارٍ، فَسَاوَى وَقْتَ السَّحَرِ الَّذِي هُوَ وَقْتُ تَجَلِّي الْحَقِّ وَغَفْلَةِ الْخَلْقِ وَمَحَلِّ اسْتِغْفَارٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، أَيْ (وَ) رَوَاهُ (الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 1761

١١٧٨ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، قَالَتْ: وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ. ــ ١١٧٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَالَ النَّوَوِيُّ: تَعْنِي بَعْدَ وُفُودِ قَوْمِ عَبْدِ الْقَيْسِ (رَكْعَتَيْنِ) : قَضَاءً أَوَّلًا، ثُمَّ اسْتِمْرَارًا ثَانِيًا (بَعْدَ الْعَصْرِ) :. وَلَعَلَّهُ ﵇ كَانَ نَاذِرًا، أَوْ هُوَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﵇ كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَوَافَقَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَمِنْ ثَمَّ عَزَّرَ عُمَرُ ﵁ مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْعَصْرِ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. (عِنْدِي) ، أَيْ: فِي بَيْتِي (قَطُّ) ، أَيْ: أَبَدًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَتْ: وَالَّذِي) : قَسَمٌ (ذَهَبَ بِهِ) ، أَيْ: تَوَفَّاهُ (مَا تَرَكَهُمَا) ، أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ) .

стр. 1762

١١٧٩ - وَعَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ عَنِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ. فَقَالَ: «كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ الْأَيْدِيَ عَلَى صَلَاةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ. وَكُنَّا نُصْلِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ. فَقُلْتُ لَهُ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١١٧٩ - (وَعَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ) : بِضَمَّتَيْنِ، وَأَمَّا الْحَبُّ الْهِنْدِيُّ فَهُوَ بِضَمَّتَيْنِ وَكَسْرَتَيْنِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ. (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ. فَقَالَ: كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ الْأَيْدِيَ عَلَى صَلَاةٍ) ، أَيْ: نَافِلَةٍ (بَعْدَ الْعَصْرِ) ، أَيْ، أَيْدِي مَنْ عَقَدَ الصَّلَاةَ وَأَحْرَمَ بِالتَّكْبِيرِ، أَيْ: يَمْنَعُهُمْ مِنْهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّهُ ﵁ مَا وَقَفَ عَلَى قَوْلِ عَائِشَةَ، قُلْتُ: هَذَا مِنْ عَدَمِ وُقُوفِ الْقَائِلِ عَلَى كَمَالِ اطَّلَاعِ عُمَرَ، وَإِنَّمَا كَانَ عُذْرُ مَنْ يُصَلِّي عَدَمَ الْاطَّلَاعِ عَلَى التَّخْصِيصِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَكَذَا قَوْلُ أَنَسٍ. (وَكُنَّا نُصْلِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ) : مُخَالِفٌ لَهُ، أَيْ: لِعُمَرَ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ لَمْ يَرَوْا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَكَفَى بِهِمْ قُدْوَةً. (فَقُلْتُ) قَوْلُ الْمُخْتَارِ الرَّاوِي (لَهُ) ، أَيْ: لِأَنَسٍ (أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ لَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يَنْهَ مَنْ صَلَّى. انْتَهَى. وَفِيهِ تَقْرِيرٌ مِنْهُ ﵇ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْمَنْعِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِهِ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: ثُمَّ الثَّابِتُ بَعْدَ هَذَا نَفْيُ الْمَنْدُوبِيَّةِ، أَمَّا ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ فَلَا، إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ آخَرُ، وَمَا ذُكِرَ مِنَ اسْتِلْزَامِ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ، فَقَدْ قَدَّمْنَا عَنِ الْقِنْيَةِ اسْتِثْنَاءَ الْقَلِيلِ، وَالرَّكْعَتَانِ لَا تَزِيدُ عَلَى الْقَلِيلِ إِذَا تَجَوَّزَ فِيهِمَا. انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ عَدَمُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، ﵇. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1763

١١٨٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كُنَّا بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ، ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١١٨٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ، ابْتَدَرُوا) : يُحْتَمَلُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَوِ التَّابِعِينَ، أَيْ: تَسَابَقُوا (السَّوَارِيَ) : بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ جَمْعُ سَارِيَةٍ، أَيِ: الْإِسْطِوَانَاتُ الْفَاصِلَةُ وَمُرَاعَاةً لِلسُّتْرَةِ أَيْضًا، وَقَوْلُ الطِّيبِيِّ: بِالتَّشْدِيدِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، لَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَجْهٌ، فَفِي الْقَامُوسِ: السَّارِيَةُ: السَّحَابُ تَسْرِي لَيْلًا جَمْعُهُ سَوَارٍ، وَالْإِسْطِوَانَةُ. ذَكَرَهُ فِي مَادَّةِ (سَ رَ يَ) وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِالتَّخْفِيفِ ; لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ تَحْتَ الْقَاعِدَةِ، وَهِيَ أَنَّ فَاعِلَةً اسْمًا أَوْ صِفَةً تُجْمَعُ عَلَى فَوَاعِلَ كَالْجَوَارِي. وَلَا تَتَوَهَّمْ أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْعَوَارِي جَمْعِ عَارِيَةٍ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْقَامُوسِ ذَكَرَهَا فِي مَادَّةِ (عَ وَرَ) وَجَوَّزَ التَّشْدِيدَ وَالتَّخْفِيفَ فِي الْجَمْعِ وَالْمُفْرَدِ، فَيَاؤُهُ لِلنِّسْبَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ (عَوَارِيُّ) بِالتَّشْدِيدِ، كَأَنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْعَارِ، لِأَنَّ طَلَبَهَا عَارٌ. انْتَهَى. وَعَلَى تَقْدِيرِ خِفَّتِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَخْفِيفًا لِلنِّسْبَةِ، وَأَنْ يَكُونَ جَمْعَ عَارِيَةٍ مِنَ الْعُرَى، فَحِينَئِذٍ سُمِّيَ بِهَا ; لِأَنَّهَا عَارِيَةٌ عَنِ الْمِلْكِ حِينَ الِاسْتِعَارَةِ، وَالْمَعْنَى وَقَفَ كُلُّ مَنْ سَبَقَ خَلْفَ أُسْطُوَانَةٍ. (فَرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ) : بِكَسْرِ هَمْزَةٍ إِنَّ وَجُوِّزَ فَتْحُهَا (لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: (حَتَّى) عَاطِفَةٌ لِمَا بَعْدَهَا عَلَى جُمْلَةِ ابْتَدَرُوا، (فَيَحْسِبُ) : بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا، أَيْ: فَيَظُنُّ (أَنَّ الصَّلَاةَ) ، أَيِ: الَّتِي هِيَ فَرْضُ الْمَغْرِبِ (قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهَا) أَيْ: تِلْكَ الصَّلَاةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ. وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (يُصَلِّيهِمَا) : بِالتَّثْنِيَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي يَقِفُ كُلُّ وَاحِدٍ خَلْفَ سَارِيَةٍ يُصَلِّي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى إِثْبَاتِ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ. انْتَهَى. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا كَانَ نَادِرًا ; لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يُعَجِّلُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ إِجْمَاعًا، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ، بَلْ خُرُوجُهُ عَنْ وَقْتِهِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، فَلَعَلَّهُ وَقَعَ هَذَا عَنْ بَعْضٍ فِي وَقْتٍ فَهِمُوا تَأْخِيرَهُ ﵇ لِعُذْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَوْ كَانَتَا أَوَّلًا ثُمَّ تُرِكَتَا عَلَى مَا قِيلَ، وَعَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1764

١١٨١ - «وَعَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: أَتَيْتُ عُقْبَةَ الْجُهَنِيَّ، فَقُلْتُ: أَلَا أُعَجِّبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ؟ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ. فَقَالَ عُقْبَةُ: إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الْآنَ؟ قَالَ: الشُّغْلُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ١١٨١ - (وَعَنْ مَرْثَدٍ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالثَّاءِ (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَيْتُ عُقْبَةَ الْجُهَنِيَّ) : نِسْبَةً إِلَى جُهَيْنَةَ، قَبِيلَةٌ (فَقُلْتُ: أَلَا أُعَجِّبُكَ) : بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: أَلَا أُوقِعُكَ فِي التَّعَجُّبِ (مِنْ أَبِي تَمِيمٍ) ، أَيْ: مِنْ فِعْلِهِ، قَالَ مِيرَكُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي الْأَسْحَمِ بِمُهْمَلَتَيْنِ، الْجَيْشَانِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ، تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ ثِقَةٌ مُخَضْرَمٌ، أَسْلَمَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، ثُمَّ قَدِمَ فِي زَمَنِ عُمَرَ فَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَسَكَنَهَا، قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ. وَقَدْ عَدَّهُ جَمَاعَةٌ فِي الصَّحَابَةِ لِهَذَا الْإِدْرَاكِ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ. (يَرْكَعُ) أَيْ: يُصَلِّي (رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ؟ فَقَالَ عُقْبَةُ: إِنَّا) أَيْ: مَعْشَرَ الصَّحَابَةِ يَعْنِي بَعْضَهُمْ (كُنَّا نَفْعَلُهُ) ، أَيْ: أَحْيَانًا (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ) ، أَيْ: فِي زَمَانِهِ ﷺ . قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الْآنَ؟) ، أَيْ: عَنْهَا (قَالَ: الشُّغْلُ) : بِضَمِّ الشِّينِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ وَضَمِّهَا، أَيْ: شُغْلُ الدُّنْيَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى إِبَاحَتِهَا، وَإِلَّا فَالشُّغْلُ لَا يَمْنَعُ التَّابِعِيَّ عَنِ السُّنَّةِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 1765

١١٨٢ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى مَسْجِدَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَصَلَّى فِيهِ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا قَضَوْا صَلَاتَهُمْ رَآهُمْ يُسَبِّحُونَ بَعْدَهَا، فَقَالَ: " هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوتِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ: قَامَ نَاسٌ يَتَنَفَّلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ» ". ــ ١١٨٢ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْجِيمِ (قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى مَسْجِدَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ) : طَائِفَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ (فَصَلَّى فِيهِ الْمَغْرِبَ) ، أَيْ: فَرْضَهُ أَوْ سُنَّتَهُ (فَلَمَّا قَضَوْا) ، أَيْ: بَعْضُ الْقَوْمِ (صَلَاتَهُمْ رَآهُمْ يُسَبِّحُونَ) ، أَيْ: يُصَلُّونَ نَافِلَةً بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ. (بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ (فَقَالَ: " هَذِهِ ") ، أَيِ: النَّوَافِلُ (" صَلَاةُ الْبُيُوتِ ") : بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا، أَيِ الْأَفْضَلُ كَوْنُهَا فِيهَا ; لِأَنَّهَا أَبْعَدُ مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَقْرَبُ إِلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّهُ فِيهِ حَظٌّ لِلْبُيُوتِ مِنَ الْبَرَكَةِ فِي الْقُوتِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إِلَى بَيْتِهِ بِخِلَافِ الْمُعْتَكِفِ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا فِيهِ وَلَا كَرَاهَةَ بِالِاتِّفَاقِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ: قَامَ نَاسٌ يَتَنَفَّلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ» ") : إِرْشَادًا لِمَا هُوَ الْأَفْضَلُ.

стр. 1766

١١٨٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، حَتَّى يَتَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١١٨٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ) ، أَيْ: أَحْيَانًا لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصَ. (حَتَّى يَتَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُمَا فِيهِ لِعُذْرٍ مَنَعَهُ مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ هَذَا مِنْ أَعْذَارِ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ. قُلْتُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ وَقْتِ الِاعْتِكَافِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُمَا فِي الْبَيْتِ، وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلِمَ بِذَلِكَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 1767

١١٨٤ - وَعَنْ مَكْحُولٍ، يَبْلُغُ بِهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: " «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، رُفِعَتْ صَلَاتُهُ فِي عِلِّيِّينَ» ". مُرْسَلًا. ــ ١١٨٤ - (وَعَنْ مَكْحُولٍ، يَبْلُغُ بِهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ بِالْحَدِيثِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . اهـ. فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ، وَأَسْقَطَ مِنَ السَّنَدِ ذِكْرَ الصَّحَابِيِّ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَرْوِي: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ ") ، أَيْ: فَرْضِهِ أَوْ سُنَّتِهِ (" قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ ") ، أَيْ: بِكَلَامِ الدُّنْيَا (" رَكْعَتَيْنِ ") : يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا سُنَّتَا الْبَعْدِيَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا مِنْ سُنَّةِ وَقْتِ الْغَفْلَةِ (وَفِي رِوَايَةٍ: " أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ") : يُحْتَمَلُ أَنَّ مِنْهَا رَكْعَتَيْنِ سُنَّتَهَا الْبَعْدِيَّةَ، وَرَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الْغَفْلَةِ، وَأَنَّ الْكُلَّ مِنْ صَلَاةِ الْغَفْلَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُمَا بِصَلَاةِ الْأَوَّابِينَ، كَمَا وَرَدَ. فَكَأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِطَوَافِ الْغَفْلَةِ فِي رَمَضَانَ (" رُفِعَتْ صَلَاتُهُ ") ، أَيْ: نَافِلَتُهُ، أَوْ مَعَ فَرِيضَتِهِ، (" فِي عِلِّيِّينَ ") : كِنَايَةً عَنْ غَايَةِ قَبُولِهَا وَعَظِيمِ ثَوَابِهَا. فِي الْقَامُوسِ: عِلِّيُّونَ جَمْعُ عِلِّيٍّ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، تَصْعَدُ إِلَيْهِ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ. اهـ. أَيْ: وَأَعْمَالُهُمْ. (مُرْسَلًا) ، أَيْ: يُبَلِّغُ بِهِ حَالَ كَوْنِ الْحَدِيثِ مُرْسَلًا ; لِأَنَّ مَكْحُولًا تَابِعِيٌّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْإِرْسَالُ هُنَا لَا يَضُرُّ ; لِأَنَّ الْمُرْسَلَ كَالضَّعِيفِ الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ يُعْمَلُ بِهِمَا فِي الْفَضَائِلِ. اهـ. وَهَذَا فِي مَذْهَبِهِ، وَإِلَّا فَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

стр. 1768

١١٨٥ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، نَحْوَهُ، وَزَادَ: فَكَانَ يَقُولُ: " «عَجِّلُوا الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّهُمَا تُرْفَعَانِ مَعَ الْمَكْتُوبَةِ» ". رَوَاهُمَا رَزِينٌ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الزِّيَادَةَ عَنْهُ نَحْوَهَا فِي: " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ١١٨٥ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ) ، أَيْ: مَرْوِيٌّ عَنْهُ (نَحْوُهُ) ، أَيْ: نَحْوُ حَدِيثِ مَكْحُولٍ بِمَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ. (وَزَادَ) ، أَيْ: حُذَيْفَةُ (فَكَانَ يَقُولُ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (" عَجِّلُوا الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ") ، أَيْ: بِالتَّخْفِيفِ فِيهِمَا أَوْ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِمَا، وَلَا مَانِعَ مِنَ الْجَمْعِ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا سُنَّتُهُ بِلَا خِلَافٍ (" فَإِنَّهُمَا تُرْفَعَانِ مَعَ الْمَكْتُوبَةِ ") ، أَيْ: مَعَ مَلَائِكَةِ النَّهَارِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ تَابِعَةٌ لِلْفَرْضِ وَمُكَمِّلَةٌ لَهَا وَقْتَ الْعَرْضِ. (رَوَاهُمَا رَزِينٌ) قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ: وَلَمْ أَرَهُمَا فِي الْأُصُولِ. (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الزِّيَادَةَ) ، أَيِ: الْمَذْكُورَةَ (عَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ حُذَيْفَةَ (نَحْوَهَا) : بَدَلٌ، أَيْ: رُوِيَ نَحْوَ زِيَادَةِ رَزِينٍ عَنْهُ، (فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : فَتَتَقَوَّى بِذَلِكَ رِوَايَةُ رَزِينٍ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، لَكِنْ إِنَّمَا يَتِمُّ هَذَا لَوْ عَدَّ شُعَبَ الْإِيمَانِ مِنَ الْأُصُولِ.

стр. 1769

١١٨٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: إِنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي، فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ، إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَنْ لَا نُوصِلَ بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١١٨٦ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: إِنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ) ، أَيْ: عَمْرًا (إِلَى السَّائِبِ) : ﵁ (يَسْأَلُهُ) ، أَيْ: يَسْأَلُ عَمْرٌو السَّائِبَ (عَنْ شَيْءٍ رَآهُ) ، أَيْ: ذَلِكَ الشَّيْءُ (مِنْهُ) ، أَيْ: مِنَ السَّائِبِ

стр. 1770

(مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ، أَيِ: السَّائِبُ: وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعًا. (نَعَمْ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: نَعَمْ حَرْفُ إِيجَابٍ وَتَقْرِيرٍ لَمَّا سَأَلَهُ نَافِعٌ مِنْ قَوْلِهِ: هَلْ رَأَى مِنْكَ مُعَاوِيَةُ شَيْئًا فِي الصَّلَاةِ فَأَنْكَرَ عَلَيْكَ؟ وَالْمَذْكُورُ مَعْنَاهُ: (صَلَّيْتُ مَعَهُ) ، أَيْ: مَعَ مُعَاوِيَةَ (الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ) : مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ فِي الْجَامِعِ مَقْصُورٌ لِلسَّلَاطِينِ، (فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي) ، أَيِ: الَّذِي صَلَّيْتُ فِيهِ الْجُمُعَةَ (فَصَلَّيْتُ) ، أَيْ: سُنَّةَ الْجُمُعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ (فَلَمَّا دَخَلَ) ، أَيْ: مُعَاوِيَةُ بَيْتَهُ (أَرْسَلَ إِلَيَّ) : لِئَلَّا تَكُونَ النَّصِيحَةُ عَلَى وَجْهِ الْفَضِيحَةِ، (فَقَالَ: لَا تَعُدْ) : مِنَ الْعَوْدِ (لِمَا فَعَلْتَ) : مِنْ إِتْيَانِ السُّنَّةِ فِي مَكَانِ فِعْلِ الْجُمُعَةِ بِلَا فَصْلٍ. (إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ) : هِيَ مِثَالٌ إِذْ غَيْرُهَا كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي مِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذِكْرَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ لِلتَّأْكِيدِ الزَّائِدِ فِي حَقِّهَا، لَا سِيَّمَا وَيُوهِمُ أَنَّهُ يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَأَنَّهُ الظُّهْرُ، وَهَذَا فِي مُجْتَمَعِ الْعَامِّ سَبَبٌ لِلْإِيهَامِ. (فَلَا تَصِلْهَا) : مِنَ الْوَصْلِ، أَيْ لَا تُوصِلْهَا (بِصَلَاةٍ) ، أَيْ: نَافِلَةٍ أَوْ قَضَاءٍ (حَتَّى تَكَلَّمَ) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ: حَتَّى تُكَلِّمَ مِنَ التَّكْلِيمِ، أَيْ: أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، فَإِنَّ بِهِ يَحْصُلُ الْفَصْلُ لَا بِالتَّكَلُّمِ بِذِكْرِ اللَّهِ. (أَوْ تَخْرُجَ) ، أَيْ: حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ تَتَأَخَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، (فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ) ، أَيْ: بِمَا تَقَدَّمَ وَبَيَانُهُ (أَنْ لَا نُوصِلَ) ، أَيِ: الْجُمُعَةَ أَوْ صَلَاةً، أَيْ: صَلَاةً مِنَ الْمَكْتُوبَاتِ. (بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ) : وَالْمَقْصُودُ بِهِمَا الْفَصْلُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِئَلَّا يُوهِمَ الْوَصْلَ، فَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ وَالنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1771

١١٨٧ - وَعَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُصَلِّي أَرْبَعًا. وَإِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ صَلَّى الْجُمُعَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١١٨٧ - (وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ تَقَدَّمَ) ، أَيْ: مِنْ مَكَانٍ صَلَّى فِيهِ (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) : فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ التَّكَلُّمِ فِي قَوْلِ مُعَاوِيَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخُرُوجِ ; إِذْ بِهِ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْفَصْلِ. (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ) : لِتَكْثِيرِ شُهُودِ الْبُقَعِ الشَّرِيفَةِ (فَيُصَلِّي أَرْبَعًا) : وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ سِتٌّ وَإِنْ كَانَ يَقُولُ مَعَ غَيْرِهِ: إِنَّ تَقْدِيمَ الْأَرْبَعِ أَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ سُنَّةٌ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ. (وَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ صَلَّى الْجُمُعَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ مُعَاوِيَةَ: أَوْ تَخْرُجَ؟ قُلْتُ: لَيْسَ بِمَنْزِلَتِهِ، بَلْ عَلَى مِنْوَالِهِ وَحَقِيقَتِهِ. (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ: فِي بَيْتِهِ، وَلَعَلَّهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. (وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ) : هَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَتَمْيِيزًا لَهَا عَنْ غَيْرِهَا. اهـ. وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ إِنَّمَا كَانَ مِنْهُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْفَرَائِضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْفَصْلَ مُسْتَحَبٌّ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا اخْتِصَاصُ مَكَّةَ بِمَا فَعَلَ دُونَ الْمَدِينَةِ، فَتَعْظِيمٌ لَهَا لِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِيهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَلَيْسَ بِنَسْخٍ، وَإِلَّا لَمَا فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . تَمَّ كَلَامُهُ، وَهُوَ غَرِيبٌ وَتَفْرِيعٌ عَجِيبٌ ; لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ بِلَا نِزَاعٍ، حَتَّى يُقَالَ فِيهِ بِنَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَحْتَاجُ بِالِاسْتِدْلَالِ بِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ كَانَ بِمُجَرَّدِ اتِّبَاعٍ لَهُ ﷺ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ (فَقِيلَ لَهُ) ، أَيْ: فِي الْحِكْمَةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ فِي الْحَرَمَيْنِ الْمُعَظَّمَيْنِ، (فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ) : يَعْنِي: وَأَنَا أَفْعَلُهُ تَبَعًا لَهُ، وَلَعَلَّهُ ﵇ صَلَّى السُّنَنَ فِي مَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ لِبُعْدِ بَيْتِهِ، وَصَلَّى فِي الْمَدِينَةِ فِي بَيْتِهِ لِقُرْبِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . (وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، قَالَ) ، أَيِ: الرَّاوِي (رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ: أَوَّلًا (ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعًا) ، أَيْ: زَادَ رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لَمَّا وَصَلَهُ الْأَثَرُ، وَتَحَقَّقَ عِنْدَهُ الْخَبَرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: صَلَّى بَعْدَمَا ذَكَرَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ أَرْبَعًا، أَيْ: صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ.

стр. 1772

[بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ]

стр. 1773

[٣١] بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١١٨٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ. فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ، فَيَخْرُجُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [٣١] بَابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ أَيْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنَ التَّهَجُّدِ وَغَيْرِهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١١٨٨ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي) ، أَيْ: غَالِبًا (فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ) : وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَ بَعْدَ نَوْمٍ أَمْ لَا. (إِحْدَى عَشْرَةَ) : بِسُكُونِ الشِّينِ وَتُكْسَرُ (رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) وَيُؤَيِّدُهُ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى. (وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ) ، أَيْ: مَضْمُومَةٍ إِلَى الشَّفْعِ الَّذِي قَبْلَهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ أَنَّ أَقَلَّ الْوَتْرِ رَكْعَةٌ فَرْدَةٌ، وَالتَّسْلِيمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَبِهِمَا قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ. (فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ) : قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِسَجْدَةٍ فَرْدَةٍ لِغَيْرِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ الْفَاءُ فِي (فَيَسْجُدُ) دَاعِيَةٌ إِلَى هَذَا، لَكِنَّ قَوْلَهُ (مِنْ ذَلِكَ) لَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: (مِنْ) ابْتِدَائِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِالْفِعْلِ، أَيْ: فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ جِهَةِ مَا صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ الْمَذْكُورُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ سَجْدَةَ شُكْرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَاءَ لِتَفْصِيلِ الْمُجْمَلِ يَعْنِي فَيَسْجُدُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ سَجَدَاتِ تِلْكَ الرَّكَعَاتِ طَوِيلَةً. (قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً) . اهـ. وَنِسْبَةُ ابْنِ حَجَرٍ كَلَامَ الشَّارِحِ إِلَى نَفْسِهِ، وَقَوْلَ الْقَاضِي إِلَى الشَّارِحِ وَالطَّعْنُ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا هُوَ صَرِيحٌ، وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ: قَدِ اخْتَلَفَ الْآرَاءُ فِي جَوَازِ السَّجْدَةِ الْمُنْفَرِدَةِ مِنْ غَيْرِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ حَرَامٌ كَالتَّقَرُّبِ بِرُكُوعٍ مُفْرَدٍ وَنَحْوِهِ، وَالثَّانِي يَجُوزُ، قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ: سَوَاءٌ فِي هَذَا الْخِلَافُ فِي تَحْرِيمِ السَّجْدَةِ مَا يُفْعَلُ بَيْنَ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا، وَلَيْسَ هَذَا مَا يَفْعَلُ كَثِيرُونَ مِنَ الْجَهَلَةِ السَّجْدَةَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَشَايِخِ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ قَطْعًا بِكُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ إِلَى الْقِبْلَةِ أَوْ إِلَى غَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ قَصَدَ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ غَفَلَ عَنْهُ، وَ (مِنْ) فِي (مِنْ ذَلِكَ) لِلتَّبْعِيضِ، وَالْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ، وَمَعْنَاهُ قَدْ كَانَ بَعْضُ سَجَدَاتِهِ طَوِيلًا بِقَدْرِ مَا يَقْرَأُ أَحَدٌ خَمْسِينَ آيَةً (قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ) ، أَيْ: وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ بَعْدُ، (فَإِذَا سَكَتَ) : بِالتَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْبَاءِ (الْمُؤَذِّنُ) ، أَيْ: فَرَغَ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هَكَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الْمُعْتَمَدَةِ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ، وَرُوِيَ: (سَكَبَ) بِالْمُوَحَّدَةِ، وَمَعْنَاهُ صَبَّ الْأَذَانَ، وَالرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ تَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: يَجُوزُ فِيهِ التَّاءُ الْمُثَنَّاةُ مِنْ فَوْقٍ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَلَكِنْ قَيَّدُوهُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، كَذَا فِي الْفَائِقِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وَالنِّهَايَةِ لِلْجَزَرِيِّ، وَقَالَا: أَرَادَتْ عَائِشَةُ إِذَا أَذَّنَ فَاسْتَعَارَتِ السَّكْبَ لِلْإِفَاضَةِ فِي الْكَلَامِ، كَمَا يُقَالُ: أَفْرَغَ فِي أُذُنِي حَدِيثًا، أَيْ: أَلْقَى وَصَبَّ، وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: كَمَا يُقَالُ هَضَبَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَخَذَ فِي الْخُطَّةِ، وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ (مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ) ، أَيْ: مِنْ أَذَانِهَا (وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّبَيُّنَ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَذَانِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِذَلِكَ التَّبَيُّنِ فَائِدَةٌ، قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّبَيُّنِ الْإِسْفَارُ، فَيُفِيدُ أَنَّ الْإِسْفَارَ مُسْتَحَبٌّ حَتَّى فِي حَقِّ السُّنَّةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ ذَكَرَ نَظِيرَ مَا ذَكَرْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَأَفَادَ الْحَدِيثُ نَدْبَ التَّغْلِيسِ بِالْأَذَانِ، وَحِكْمَتُهُ اتِّسَاعُ الْوَقْتِ لِيَتِمَّ تَهَيُّؤُ النَّاسِ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُ الشَّارِحِ مُشْكِلٌ، كَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْإِشْكَالِ وُقُوعَ الْأَذَانِ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَهُوَ لَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْأَذَانَ فِي الْغَلَسِ، وَالسُّنَّةَ بَعْدَ التَّبَيُّنِ الْكُلِّيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَيُرَدُّ قَوْلُ مَنْ سَلَّمَ لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ (سَكَتَ) لَيْسَ بِالْفَوْقِيَّةِ بَلْ بِالْمُوَحَّدَةِ. اهـ. وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَبَيَانُهُ فِي كَلَامِنَا صَرِيحٌ (قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) : هُمَا سُنَّةُ الْفَجْرِ (خَفِيفَتَيْنِ) : يَقْرَأُ فِيهِمَا (الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصَ) (ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) ، أَيْ: لِلِاسْتِرَاحَةِ عَنْ تَعَبِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ فَرْضَهُ عَلَى نَشَاطٍ، كَذَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. اهـ. وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ، فَلَا وَجْهَ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي السُّنَّةَ فِي الْبَيْتِ وَالْفَرْضَ فِي الْمَسْجِدِ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بِحْثٍ. (حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ) ، أَيْ: يَسْتَأْذِنُهُ فِيهَا ; لِأَنَّهَا مَنُوطَةٌ بِنَظَرِ الْإِمَامِ (فَيَخْرُجُ) ، أَيْ: لِلصَّلَاةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، أَيْ: بِمَجْمُوعِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذَا السِّيَاقِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.

стр. 1774

١١٨٩ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي ; وَإِلَّا اضْطَجَعَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١١٨٩ - (وَعَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ) : الْمُرَادُ بِهِمَا سُنَّةُ الْفَجْرِ، (فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّرْطُ مَعَ الْجَزَاءِ جَزَاءُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَزَاءُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ مَحْذُوفًا، وَالْفَاءُ تَفْصِيلِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى إِذَا صَلَّاهُمَا أَتَانِي فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ أَكُنْ مُسْتَيْقِظَةً (اضْطَجَعَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ سُنَّةِ الصُّبْحِ، وَبَيْنَ الْفَرِيضَةِ جَائِزٌ، وَعَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ مَعَ الْأَهْلِ سُنَّةٌ. اهـ. يَعْنِي مَنْ قَالَ: إِنَّ الْكَلَامَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْفَرْضِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ أَوْ ثَوَابَهَا فَقَوْلُهُ: بَاطِلٌ، نَعَمْ كَلَامُهُ ﵇ لَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْآخِرَةِ، وَأَمَّا كَلَامُ الدُّنْيَا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى دَائِمًا، فَضْلًا عَمَّا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ; لِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي وَضْعِ السُّنَّةِ أَنْ يَتَهَيَّأَ لِكَمَالِ الْحَالَةِ وَطَرْدِ الْغَفْلَةِ، فَيَدْخُلُ فِي الْفَرِيضَةِ عَلَى كَمَالِ الْحُضُورِ وَاللَّذَّةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1775

١١٩٠ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١١٩٠ - (وَعَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ) ، أَيْ: سُنَّتَهُ (اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) ، أَيْ: مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، أَخَذَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِكُلِّ أَحَدٍ - الْمُتَهَجِّدِ وَغَيْرِهِ - أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ سُنَّةِ الصُّبْحِ وَفَرْضِهِ، بِضَجْعَةٍ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَلَا يَتْرُكُ الِاضْطِجَاعَ مَا أَمْكَنَهُ، بَلْ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِهِمَا، أَنَّهُ ﵇ أَمَرَ بِذَلِكَ، وَأَنَّ الْمَشْيَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ، وَفِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ حَيْثُ يَقَعُ مَوْقِعَهُ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ أَيْضًا يُجْزِئُهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْفَصْلُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّجْعَةَ كَانَتْ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَتَحْصِيلِ النَّشَاطِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ، وَلِذَا وَرَدَ: كَلِّمِينِي يَا حُمَيْرَاءُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ كَانَ الِاضْطِجَاعُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّهُ بِدْعَةٌ، وَكَذَا قَوْلُ مَالِكٍ: إِنَّهُ بِدَعَةٌ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ: إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ حَدِيثٌ، وَحَمْلُ ابْنِ حَجَرٍ كَلَامَهُمْ عَلَى عَدَمِ بُلُوغِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِلَيْهِمْ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ وَنِهَايَةٍ مِنَ السُّقُوطِ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا قَوْلُ عَائِشَةَ: لَمْ يَكُنْ ﵇ يَضْطَجِعُ لِسُنَّةٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَدْأَبُ فَيَسْتَرِيحُ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَزْمٍ حَيْثُ قَالَ بِوُجُوبِهِ، وَفَسَادِ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِتَرْكِهِ، فَإِنَّهُ مُصَادِمٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنَّهُ ﵇ كَثِيرًا مَا تَرَكَهُ إِمَّا لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِلَى الِاسْتِرَاحَةِ، أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ.

стр. 1776

١١٩١ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الْوَتْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١١٩١ - (وَعَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) ، أَيْ: آخِرِهِ (ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا) ، أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهَا (الْوَتْرُ) ، أَيْ: ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَ الْكُلِّ، وَقَدْ صَرَّحَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهَا: ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، وَفِي مُسْلِمٍ: ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ. (وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا أَلْحَقَ الْوَتْرَ وَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بِالتَّهَجُّدِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُصَلِّي الْوَتْرَ آخِرَ اللَّيْلِ، وَيَبْقَى مُسْتَيْقِظًا إِلَى الْفَجْرِ، وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ، أَيْ سُنَّةُ الْفَجْرِ مُتَّصِلًا بِتَهَجُّدِهِ وَوَتْرِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: أَقُولُ: بَلْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 1777

١١٩٢ - وَعَنْ مَسْرُوقٍ ﵁، قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ، فَقَالَتْ: سَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، سِوَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ١١٩٢ - (وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ، فَقَالَتْ: سَبْعٌ) ، أَيْ: مَرَّةً (وَتِسْعٌ) ، أَيْ: أُخْرَى (وَإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) ، أَيْ: كُلٌّ مَعَ ثَلَاثِ الْوَتْرِ (سِوَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ) ، أَيْ: غَيْرَ سُنَّةِ الْفَجْرِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَجَاءَ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّهُ كَانَ ﵇ يُوتِرُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَلَمَّا كَبُرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَفْتَتِحُ صَلَاةَ اللَّيْلِ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، كَذَا قِيلَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى عَدِّ رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ مِنْ جُمْلَتِهَا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ رَكَعَاتِ تَهَجُّدِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَالثَّلَاثُ وَتْرٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ ﵇ إِذَا غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ وَنَامَ عَنْ تَهَجُّدِهِ صَلَّى بِالنَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً.

стр. 1778

١١٩٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١١٩٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ) ، أَيِ: التَّهَجُّدَ (افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) : قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: الْمُرَادُ بِهِمَا رَكْعَتَا الْوُضُوءِ، وَيُسْتَحَبُّ فِيهِمَا التَّخْفِيفُ ; لِوُرُودِ الرِّوَايَاتِ بِتَخْفِيفِهِمَا قَوْلًا وَعَمَلًا. اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ التَّهَجُّدِ يَقُومَانِ مَقَامَ تَحِيَّةِ الْوُضُوءِ ; لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ لَهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ، فَيَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَمْرًا يَشْرَعُ فِيهِ قَلِيلًا لِيَتَدَرَّجَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لِيَحْصُلَ بِهِمَا نَشَاطُ الصَّلَاةِ وَيَعْتَادَ بِهِمَا، ثُمَّ يَزِيدُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1779

١١٩٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَحِ الصَّلَاةَ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١١٩٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا قَامَ ") ، أَيْ: مِنَ النَّوْمِ (" أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ ") ، أَيْ: بَعْضِهِ (" فَلْيَفْتَتِحْ ") : وَفِي نُسْخَةٍ: فَلْيَفْتَحِ (" الصَّلَاةَ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ") : إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ يَكُونُ أَوَّلًا بِالتَّخْفِيفِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1780

١١٩٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ أَوْ بَعْضُهُ قَعَدَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْقِرْبَةِ فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ صَبَّ فِي الْجَفْنَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا حَسَنًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ، لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ، فَقَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ وَتَوَضَّأْتُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَتَتَامَّتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، فَآذَنَهُ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَكَانَ فِي دُعَائِهِ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا» " - وَزَادَ بَعْضُهُمْ - " «وَفِي لِسَانِي نُورًا» " وَذُكِرَ: " «وَعَصَبِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَشِعَرِي وَبَشَرِي» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: " «وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا» ". وَفِي أُخْرَى لِمُسْلِمٍ: " «اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا» ". ــ ١١٩٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِتُّ) : مِنَ الْبَيْتُوتَةِ (عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ) : وَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ (لَيْلَةً وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا) ، أَيْ: فِي نَوْبَتِهَا (فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً) : وَفِيهِ أَنَّ التَّحَدُّثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ إِذَا كَانَ مِنْ كَلَامِ الْآخِرَةِ، أَوْ مِنْ بَابِ الْمَوْعِظَةِ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ حُسْنِ الْعِشْرَةِ. (ثُمَّ رَقَدَ) ، أَيْ: نَامَ. فِي الشَّمَائِلِ: قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، أَيِ: الْمِخَدَّةِ أَوِ الْفِرَاشِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طُولِهَا (فَلَمَّا كَانَ) ، أَيْ: بَقِيَ (ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ) : صِفَةُ ثُلُثٍ، أَيْ: جَمْعِيُّهُ (أَوْ بَعْضُهُ) ، أَيْ: بَعْضُ الثُّلُثِ، أَيْ: أَقَلُّ مِنْهُ (قَعَدَ) ، أَيْ: قَامَ مِنَ النَّوْمِ (فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ) : يَتَفَكَّرُ فِي عَجَائِبِ الْمَلَكُوتِ وَيَسْتَغْرِقُ فِي عَالَمِ الْجَبَرُوتِ (فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ، أَيْ: فِي خِلْقَتِهِمَا أَوْ فِي الْخَلْقِ الْكَائِنِ فِيهِمَا ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ، أَيْ: طُولًا وَقِصَرًا وَظُلْمَةً وَنُورًا وَحَرًّا وَبَرْدًا ﴿لَآيَاتٍ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ، أَيْ: دَلَالَاتٌ وَاضِحَاتٌ وَبَيِّنَاتٌ لَائِحَاتٌ ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ، أَيْ: لِأَرْبَابِ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ، عَلَى الْمِلَّةِ الْقَوِيمَةِ، وَالطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ الْكَرِيمَةِ ; وَلِذَا قَالَ ﵇: " «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَلَمْ يَتَفَكَّرْ» ". (حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ) : فَإِنَّ فِيهَا لَطَائِفَ عَظِيمَةً، وَعَوَارِفَ جَسِيمَةً لِمَنْ تَأَمَّلَ فِي مَبَانِيهَا، وَتَبَيَّنَ لَهُ بَعْضُ مَعَانِيهَا. (ثُمَّ قَامَ) ، أَيْ: قَصَدَ (إِلَى الْقِرْبَةِ فَأَطْلَقَ) ، أَيْ: حَلَّ (شِنَاقَهَا) : بِكَسْرِ الشِّينِ خَيْطَهَا الَّذِي يُشَدُّ بِهِ فَمُهَا، أَوِ السَّيْرَ الَّذِي تُعَلَّقُ بِهِ الْقِرْبَةُ (ثُمَّ صَبَّ) ، أَيْ: أَرَاقَ الْمَاءَ مِنْهَا (فِي الْجَفْنَةِ) ، أَيِ: الْقَصْعَةِ، وَهِيَ قَدَحٌ كَبِيرٌ، (ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا حَسَنًا) ، أَيْ: مُسْتَحْسَنًا (بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ) ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ، يَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ حَسَنٌ، وَقِيلَ، أَيْ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. (لَمْ يُكْثِرْ) ، أَيْ: صَبَّ الْمَاءِ وَهُوَ صِفَةٌ أُخْرَى لِوُضُوءٍ أَوْ بَيَانٌ لِلْوُضُوءِ الْحَسَنِ، وَهُوَ إِيمَاءٌ إِلَى عَدَمِ الْإِفْرَاطِ (وَقَدْ أَبْلَغَ) ، أَيْ: أَسْبَغَ الْمَاءَ إِلَى مَحَالِّهِ الْمَفْرُوضَةِ إِشَارَةً إِلَى عَدَمِ التَّفْرِيطِ، (فَقَامَ فَصَلَّى) ، أَيْ: فَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ (فَقُمْتُ) ، أَيْ: نَهَضْتُ عَنِ النَّوْمِ أَوْ إِلَى الْقِرْبَةِ (وَتَوَضَّأْتُ) ، أَيْ: نَحْوَ وُضُوئِهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، (فَقُمْتُ) ، أَيْ: لِلصَّلَاةِ مَعَهُ تَعَلُّمًا وَتَبَرُّكًا (عَنْ يَسَارِهِ) : لِعَدَمِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ كَانَ

стр. 1781

صَغِيرًا وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، (فَأَخَذَ بِأُذُنِي) : وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ: فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَضَعَهَا أَوَّلًا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مَسْكِ الْأُذُنِ أَوْ لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ إِلَّا عَلَيْهِ، أَوْ لِيُنْزِلَ بَرَكَتَهَا بِهِ لِيَعِيَ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ ﵇ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَغَيْرِهِ. (فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " عَنْ " هُنَا. بِمَعْنَى الْجَانِبِ، أَيْ أَدَارَنِي عَنْ جَانِبِ يَسَارِهِ إِلَى جَانِبِ يَمِينِهِ. اهـ. وَفِي الشَّمَائِلِ بَدَلَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَفَتَلَهَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفَتَلَهَا إِمَّا لِيُنَبِّهَهُ عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، أَوْ لِيَزْدَادَ تَيَقُّظُهُ لِحِفْظِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ، أَوْ لِيُزِيلَ مَا عِنْدَهُ مِنَ النُّعَاسِ لِرِوَايَةِ: فَجَعَلْتُ إِذْ غَفَيْتُ يَأْخُذُ شَحْمَةَ أُذُنِي، (فَتَتَامَّتْ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ صَارَتْ تَامَّةً، تَفَاعَلَ مِنْ تَمَّ وَهُوَ لَا يَجِيءُ إِلَّا لَازِمًا. اهـ. أَيْ: تَمَّتْ وَتَكَامَلَتْ (صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) : وَفِي الشَّمَائِلِ: فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: يَعْنِي سِتَّ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَوْتَرَ، أَيْ: جَعَلَ الشَّفْعَ الْأَخِيرَ مُنْضَمًّا إِلَى الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَصَارَ وَتْرًا أَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآتِي لِمُسْلِمٍ عَنْهُ. (ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ) ، أَيْ: تَنَفَّسَ بِصَوْتٍ حَتَّى يُسْمَعَ مِنْهُ صَوْتُ النَّفْخِ بِالْفَمِ، كَمَا يُسْمَعُ مِنَ النَّائِمِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: نَفَخَ مِنْ أَنْفِهِ، وَمِنْ ثَمَّ عُبِّرَ عَنْهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِالْغَطِيطِ، وَهُوَ صَوْتُ الْأَنْفِ الْمُسَمَّى بِالْخَطِيطِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْمَمْدُودُ مِنَ الصَّوْتِ، وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى، وَهُوَ صَوْتٌ يُسْمَعُ مِنْ تَرَدُّدِ النَّفَسِ أَوِ النَّفْخِ عِنْدَ الْخَفْقَةِ، أَيْ تَحْرِيكِ الرَّأْسِ. اهـ كَلَامُهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَوْتُ الْأَنْفِ، فَفِي النِّهَايَةِ: الْغَطِيطُ: الصَّوْتُ الَّذِي يَخْرُجُ مَعَ نَفَسِ النَّائِمِ وَهُوَ تَرْدِيدُهُ حَيْثُ لَا يَجِدُ مُسَاغًا، وَقَالَ: وَالْخَطِيطُ قَرِيبٌ مِنَ الْغَطِيطِ وَهُوَ صَوْتُ النَّائِمِ، وَفِي الْقَامُوسِ: غَطَّ النَّائِمُ غَطِيطًا: صَاتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (وَكَانَ) ، أَيْ: مِنْ عَادَتِهِ (إِذَا نَامَ نَفَخَ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ بَيَانُ أَنَّ نَفْخَهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِأَمْرٍ عَارِضٍ، بَلْ كَانَ جِبِلِّيًّا نَاشِئًا عَنْ عَبَالَةِ الْبَدَنِ، أَيْ: ضَخَامَتِهِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، نَعَمْ تِلْكَ الْعَبَالَةُ حَصَلَتْ لَهُ ﵇ فِي آخِرِ عُمُرِهِ لَمَّا آتَاهُ اللَّهُ جَمِيعَ سُؤْلِهِ، وَأَرَاحَهُ مِنْ غَيِّ أَمَّتِهِ، كَانَ حِكْمَتُهَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَعُلَمَاءِ الْبَاطِنِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ مَا هَذَا السِّمَنُ: كُلَّمَا تَذَكَّرْتُ كَثْرَةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وَمَا اخْتَصَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِمَّا لَمْ يُؤْتِهِ لِغَيْرِهِمُ ازْدَدْتُ سِمَنًا، وَيَقُولُ الثَّانِي: كُلَّمَا تَذَكَّرْتُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَأَنَّهُ أَهَّلَنِي لِمَا تَرَوْنَ زَادَ سِمَنِي. اهـ. فَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ السَّمِينَ، وَفِي رِوَايَةٍ يَبْغَضُ السَّمِينَ، فَإِنَّ مَحِلَّهُ إِذَا كَانَ عَنْ غَفْلَةٍ أَوْ نَشَأَ عَنْ تَنْعِيمٍ وَكَثْرَةِ أَكْلِ لَحْمٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ (يَبْغَضُ اللَّحَّامِينَ) (فَآذَنَهُ) : بِالْمَدِّ، أَيْ أَعْلَمَهُ (بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: وَإِنَّمَا لَمْ يَتَوَضَّأْ وَقَدْ نَامَ حَتَّى نَفَخَ ; لِأَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ الطُّهْرَ بِنَفْسِهِ، بَلْ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الْخَارِجِ، وَلَمَّا كَانَ قَلْبُهُ ﵇ يَقْظَانَ لَا يَنَامُ وَلَمْ يَكُنْ نَوْمُهُ مَظِنَّةً فِي حَقِّهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ، وَلَعَلَّهُ أَحَسَّ بِتَيَقُّظِ قَلْبِهِ بَقَاءَ طُهْرِهِ، وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ ﵇. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَيَقَظَةُ قَلْبِهِ تَمْنَعُهُ مِنَ الْحَدَثِ وَمَا مَنَعَ النَّوْمُ قَلْبَهُ لِيَعِيَ الْوَحْيَ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي الْمَنَامِ. اهـ. فَالْوُضُوءُ الْأَوَّلُ إِمَّا لِنَقْضِ آخَرَ، أَوْ لِتَجْدِيدٍ وَتَنْشِيطٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَكَانَ فِي دُعَائِهِ) ، أَيْ: فِي جُمْلَةِ دُعَائِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَوْ دُعَائِهِ حِينَ خُرُوجِهِ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْمَسْجِدِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ، وَإِذَا خَرَجَ لِلصَّلَاةِ، أَيْ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، قَالَ: (" «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا» ") : قِيلَ: هُوَ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الشَّيْءُ وَيَظْهَرُ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: النُّورَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ، أَيْ: نُورًا عَظِيمًا، وَقَدَّمَ الْقَلْبَ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَلِكِ الْمَالِكِ. (" «وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي عَيْنِي نُورًا» ") ; لِأَنَّهُمَا آلَتَا الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ. (" «وَعَنْ يَمِينِي نُورًا،

стр. 1782

وَعَنْ يَسَارِي نُورًا» ) ، أَيْ: فِي جَانِبِي، أَوْ فِي جَارِحَتِي، قَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِالنُّورِ ضِيَاءَ الْحَقِّ، يَعْنِي اسْتَعْمِلْ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ مِنِّي فِي الْحَقِّ، وَاجْعَلْ تَصَرُّفِي وَتَقَلُّبِي فِيهِمَا عَلَى سَبِيلِ الصَّوَابِ. (" وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي ") ، أَيْ: قُدَّامِي (" نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا ") : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي إِيرَادِ عَدَمِ حَرْفِ الْجَرِّ فِي هَذِهِ الْجَوَانِبِ إِشَارَةٌ إِلَى تَمَامِ الْإِنَارَةِ وَإِحَاطَتِهَا ; إِذِ الْإِنْسَانُ يُحِيطُ بِهِ ظُلُمَاتُ الْبَشَرِيَّةِ، وَلَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهَا إِلَّا بِالْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذِهِ الْأَنْوَارُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، فَيَكُونُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ نُورًا يَسْتَضِيءُ بِهِ مِنْ ظُلُمَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ هُوَ وَمَنْ يَتْبَعُهُ أَوْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ، قَالَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هِيَ مُسْتَعَارَةٌ لِلْعِلْمِ وَالْهِدَايَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] ، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] ، قُلْتُ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ لَا مَنْعَ، ثُمَّ قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ فِي مَعْنَاهُ أَنَّ النُّورَ يُظْهِرُ مَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِهِ، فَنُورُ السَّمْعِ مُظْهِرٌ لِلْمَسْمُوعَاتِ، وَنُورُ الْبَصَرِ كَاشِفٌ لِلْمُبْصَرَاتِ، وَنُورُ الْقَلْبِ كَاشِفٌ عَنِ الْمَعْلُومَاتِ، وَنُورُ الْجَوَارِحِ مَا يَبْدُو عَلَيْهَا مِنْ أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى طَلَبِ النُّورِ لِلْأَعْضَاءِ عُضْوًا عُضْوًا أَنْ يَتَحَلَّى كُلُّ عُضْوٍ بِأَنْوَارِ الْمَعْرِفَةِ وَالطَّاعَةِ، وَيَتَعَرَّى عَنْ ظُلْمَةِ الْجَهَالَةِ وَالضَّلَالَةِ، فَإِنَّ ظُلُمَاتِ الْجُمْلَةِ مُحِيطَةٌ بِالْإِنْسَانِ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ، وَالشَّيْطَانُ يَأْتِيهِ مِنَ الْجِهَاتِ السِّتِّ بِالْوَسَاوِسِ وَالشُّبُهَاتِ، أَيِ: الْمُشَبَّهَاتُ بِالظُّلُمَاتِ فَرَفْعُ كُلِّ ظُلْمَةٍ بِنُورٍ، قَالَ: وَلَا مُخَلِّصَ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْوَارٍ تَسْتَأْصِلُ شَأْفَةَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَفِيهِ إِرْشَادٌ لِلْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْقَلْبَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ بِـ (فِي) الظَّرْفِيَّةِ ; لِأَنَّ الْقَلْبَ مَقَرُّ الْفِكْرِ فِي آلَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْبَصَرَ مَسَارِحُ النَّظَرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ الْمَنْصُوبَةِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ، وَالسَّمْعَ مَحَطُّ آيَاتِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، وَالْيَمِينَ وَالشَّمَالَ خُصَّا بِـ (عَنْ) لِلْإِيذَانِ بِتَجَاوُزِ الْأَنْوَارِ عَنْ قَلْبِهِ وَبَصَرِهِ وَسَمْعِهِ إِلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَعُزِلَتْ فَوْقَ وَتَحْتَ وَأَمَامَ وَخَلْفَ مِنَ الْجَارَّةِ لِتَشْمَلَ اسْتِنَارَتَهُ وَإِنَارَتَهُ مَعًا مِنَ اللَّهِ وَالْخَلْقِ، ثُمَّ أَجْمَلَ بِقَوْلِهِ: (" وَاجْعَلْ لِي نُورًا ") : فَذْلَكَةً لِذَلِكَ. اهـ. أَيْ: إِجْمَالًا لِذَلِكَ التَّفْصِيلِ، وَفَذْلَكَةُ الشَّيْءِ: جَمْعُهُ. مَأْخُوذٌ مِنْ فَذْلَكَ وَهُوَ مَصْنُوعٌ كَالْبَسْمَلَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِهِ نُورًا عَظِيمًا جَامِعًا لِلْأَنْوَارِ كُلِّهَا. اهـ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ وَالْحَاكِمِ: " وَاجْعَلْنِي نُورًا " وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْكُلِّ. (وَزَادَ بَعْضُهُمْ) ، أَيْ: بَعْضُ الرُّوَاةِ بَعْدَمَا ذَكَرَ (" وَفِي لِسَانِي نُورًا ") : خُصَّ بِالذِّكْرِ لِيَخُصَّ بِالذِّكْرِ (وَذَكَرَ) أَيِ: الرَّاوِي. قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَظْهَرُ: وَذَكَرَ، أَيْ ذَلِكَ الْبَعْضُ. يَعْنِي فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: (" وَعَصَبِي ") لِأَنَّ بِهِ قَوَامَ الْبَدَنِ، (" وَلَحْمِي ") لِأَنَّ بِهِ نُمُوَّهُ وَزِيَادَتَهُ، (" وَدَمِي ") لِأَنَّ بِهِ حَيَاتَهُ، (" وَشَعَرِي ") ; لِأَنَّ بِهِ جَمَالَهُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا، (" وَبَشَرِي ") ، أَيْ: جِلْدِي ; لِأَنَّهُ الَّذِي امْتَازَ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ بَدَنِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَلَفْظُهُ عَلَى مَا فِي الْحِصْنِ: وَفِي عَصَبِي نُورًا، وَفِي لَحْمِي نُورًا، وَفِي دَمِي نُورًا، وَفِي شَعَرِي نُورًا، وَفِي بَشَرِي نُورًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: وَفِي لِسَانِي نُورًا مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ الْحِصْنِ. (- وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا -) أَيْ: لِلشَّيْخَيْنِ (" «وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا وَأَعْظِمْ لِي نُورًا» ") : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَيِ: اجْعَلْ نُورِي عَظِيمًا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَسْنَدَهَا الْجَزَرِيُّ إِلَى مُسْلِمٍ فَقَطْ وَجَعَلَهَا مُصَدَّرَةً بِقَوْلِهِ: وَفِي لِسَانِي نُورًا. (" وَفِي أُخْرَى لِمُسْلِمٍ: " «اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا» ") : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا.

стр. 1783

١١٩٦ - وَعَنْهُ أَنَّهُ «رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَيْقَظَ، فَتَسَوَّكَ، وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١١٩٦ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (" أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا مَعْنَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا حِكَايَةَ لَفْظِهِ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ قَالَ: رَقَدْتُ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، وَرَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، (فَاسْتَيْقَظَ) ، أَيِ: اسْتَنْبَهَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ النَّوْمِ، زَادَ فِي الشَّمَائِلِ: فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ، أَيْ أَثَرَهُ مِمَّا يَعْتَرِي الْوَجْهَ مِنَ الْفُتُورِ عَنْ وَجْهِهِ (فَتَسَوَّكَ، وَتَوَضَّأَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ تَجْدِيدًا لِلْوُضُوءِ لِعَدَمِ بُطْلَانِهِ بِنَوْمِهِ. اهـ. وَالْجَزْمُ بِالتَّجْدِيدِ غَيْرُ سَدِيدٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِنَاقِضٍ آخَرَ، (وَهُوَ يَقُولُ) ، أَيْ: يَقْرَأُ، وَهُوَ يُنَاقِضُ الْحَدِيثَ السَّابِقَ بِظَاهِرِهِ حَيْثُ قَالَ: فَقَرَأَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ. إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِرَاءَةِ أَوِ الْوَاقِعَةِ، أَوْ تُحْمَلُ (ثُمَّ) ثَمَّةَ عَلَى أَنَّهَا لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ أَوْ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] أَيِ: الْعُلْوِيَّاتِ وَالسُّفْلِيَّاتِ (حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) ، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَادَةِ. (ثُمَّ انْصَرَفَ) ، أَيْ: عَنِ الصَّلَاةِ (فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ) : وَتَحَقَّقَ مِنْهُ النَّوْمُ (ثُمَّ) ، أَيْ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ (فَعَلَ ذَلِكَ) ، أَيِ: الْمَذْكُورَ مِنْ قَوْلِهِ: فَتَسَوَّكَ إِلَى قَوْلِهِ: حَتَّى نَفَخَ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: بَدَلٌ مِنْ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، أَيْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي سِتِّ رَكَعَاتٍ. اهـ. وَقِيلَ: مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَعْنِي، أَوْ بَيَانٌ لِثَلَاثٍ وَكَذَلِكَ (كُلَّ ذَلِكَ) : بِالنَّصْبِ بَيَانٌ لَهُ أَيْضًا، أَيْ: كُلَّ مَرَّةٍ مِنَ الْمَرَّاتِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولَ (يَسْتَاكُ) : وَقَالَ الطِّيبِيُّ: كُلُّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِيَسْتَاكُ، أَيْ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ وَيُصَلِّي، وَ (ثُمَّ) فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَرَاخِي الْإِخْبَارِ تَقْدِيرًا وَتَأْكِيدًا لَا لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ مِنْهُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ (وَيَتَوَضَّأُ) : قِيلَ: لِلتَّجْدِيدِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَوْ لِإِحْسَاسِ الْحَدَثِ هُنَا وَبَقَاءِ الْوُضُوءِ ثَمَّةَ. اهـ. وَالظَّاهِرُ تَعَدُّدُ الْوَاقِعَةِ لِاخْتِلَافِ الْحَالَاتِ وَالْمُخَالَفَةِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، إِلَّا أَنْ تُحْمَلَ الرَّكَعَاتُ عَلَى الصَّلَوَاتِ، (وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ) : فِيهِ تَكْرِيرُ السِّوَاكِ وَالْقِرَاءَةِ كُلَّمَا قَامَ مِنَ النَّوْمِ وَإِنْ قَصُرَ، (ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّكَعَاتِ السِّتَّ كَانَتْ تَهَجُّدَهُ، وَأَنَّ الْوَتْرَ ثَلَاثٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ. اهـ. وَلَا يُخَالِفُهُ الشَّافِعِيُّ، بَلْ يُكْرَهُ عِنْدَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَةٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1784

١١٩٧ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «لَأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، [ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ: ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، هَكَذَا فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " وَأَفْرَادِهِ مِنْ كِتَابِ " الْحُمَيْدِيِّ "، وَ " مُوَطَّأِ مَالِكٍ "، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " وَ " جَامِعِ الْأُصُولِ ". ــ ١١٩٧ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) : الْمَدَنِيِّ صَحَابِيٍّ مَشْهُورٍ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (أَنَّهُ قَالَ: لَأَرْمُقَنَّ) : بِضَمِّ الْمِيمِ، أَيْ ; لَأَنْظُرَنَّ وَأَتَأَمَّلَنَّ وَأَحْفَظَنَّ وَأَرْقُبَنَّ (صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَعَدَلَ هَاهُنَا عَنِ الْمَاضِي فِي الْمُضَارِعِ اسْتِحْضَارًا لِتِلْكَ الْحَالَةِ لِتَقَرُّرِهَا فِي ذِهْنِ السَّامِعِ. اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ قَبْلَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ نَهَارًا، ثُمَّ رَمَقَهُ فَصَلَّى إِلَخْ. وَحِينَئِذٍ فَالْمُضَارِعُ عَلَى حَالِهِ. اهـ. وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرِ تَقْدِيرَاتٍ كَثِيرَةٍ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَوْلُهُ: (اللَّيْلَةَ) ، أَيْ: فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ حَتَّى أَرَى كَمْ يُصَلِّي، وَلَعَلَّهُ ﷺ كَانَ خَارِجًا عَنِ الْحُجُرَاتِ، وَفِي الشَّمَائِلِ: فَتَوَسَّدْتُ عَتَبَتَهُ أَوْ فُسْطَاطَهُ، وَهُوَ الْخَيْمَةُ الْعَظِيمَةُ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ تَوَسُّدِ الْفُسْطَاطِ تَوَسُّدَ عَتَبَتِهِ فَيَكُونُ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي، (فَصَلَّى) : ﷺ (رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) ، أَيِ: ابْتِدَاءً (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ) : التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِكُلِّ طَوِيلَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَرَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِرَادَةً لِغَايَةِ الطُّولِ، ثُمَّ تَنَزَّلَ شَيْئًا فَشَيْئًا يَعْنِي قَوْلَهُ:

стр. 1785

(ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ) ، أَيْ: أَقَلُّ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ (قَبْلَهُمَا، ثُمَّ) : ثَانِيًا (صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا) : وَالْقَبْلِيَّةُ إِضَافِيَّةٌ (ثُمَّ) : ثَالِثًا (صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ) رَابِعًا (صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرْبَعُ مَرَّاتٍ، فَعَلَى هَذَا لَا تَدْخُلُ الرَّكْعَتَانِ الْخَفِيفَتَانِ تَحْتَ مَا أَجْمَلَهُ بِقَوْلِهِ: فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، أَوْ يَكُونُ الْوَتْرُ رَكْعَةً وَاحِدَةً، وَلَعَلَّ نَاسِخَ الْمَصَابِيحِ لَمَّا رَأَى الْمُجْمَلَ جَعَلَ الْخَفِيفَتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُفَصَّلِ، فَكَتَبَ قَوْلَهُ: ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْوَتْرَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ حَمَلَ قَوْلَهُ (ثُمَّ أَوْتَرَ) عَلَى ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ مِنَ الْبَيْنِ، (ثُمَّ أَوْتَرَ) : قَالَ الْمُظْهِرُ هُنَا: الْوَتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ ; لِأَنَّهُ عَدَّ مَا قَبْلُ عَشْرَ رَكَعَاتٍ لِقَوْلِهِ: رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، فَهَذِهِ سِتُّ رَكَعَاتٍ أُخَرُ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا فِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ لَا بِثَلَاثٍ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ (فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ ; لِأَنَّهُ صَلَّى عَشْرًا فِي خَمْسِ دُفُعَاتٍ، يَعْنِي مَا عَدَا الْخَفِيفَتَيْنِ، أَوْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمَصَابِيحُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ الْمُصَنِّفُ: (قَوْلُهُ) أَيْ: قَوْلُ زَيْدٍ (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) : بِالنَّصْبِ، أَيْ: وَقَعَ قَوْلُ هَذَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ قَوْلِهِ: (هَكَذَا) ، أَيْ: أَرْبَعُ مَرَّاتٍ (فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ) ، أَيْ: مَتْنِهِ (وَأَفْرَادِهِ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَقِيلَ بِالْكَسْرِ، أَيْ: وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ (مِنْ كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) : الْجَامِعِ بَيْنَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، (وَمُوَطَّأِ مَالِكٍ) ، أَيْ: فِي مُوَطَّئِهِ (وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ) ، أَيْ: لِابْنِ الْأَثِيرِ، وَحَقُّهُ التَّقَدُّمُ عَلَى الْمُوَطَّأِ، وَكَذَا فِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَمَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْبَغَوِيِّ حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي الْمَصَابِيحِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

стр. 1786

١١٩٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَقُلَ كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١١٩٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنَ التَّبْدِينِ وَهُوَ الْكِبَرُ وَالضَّعْفُ، أَيْ: مَسَّهُ الْكِبَرُ وَأَسَنَّ، وَيُرْوَى بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ كَثُرَ لَحْمُهُ. قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قِيلَ: لَمْ يُوصَفْ ﵇ بِالسِّمَنِ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ ثَقُلَ عَنِ الْحَرَكَةِ وَضَعُفَ عَنْهَا ثِقَلَ الرَّجُلِ الْبَادِنِ، قُلْتُ: وَلِذَا عَطَفَ عَلَيْهِ (وَثَقُلَ) ، أَيْ: بَدَنُهُ عَطْفَ تَفْسِيرٍ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي قَوْلِهِ بَدَّنَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ مُخَفَّفًا بِضَمِّ الدَّالِّ مِنْ قَوْلِهِمْ بَدَنَ يَبْدُنَ بِدَانَةً، وَبَدَنَ بِفَتْحِ الدَّالِ يَبْدَنَ بَدَنًا وَهُوَ السِّمَنُ وَالِاكْتِنَازُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ بِفَتْحِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِهَا مِنَ التَّبْدِينِ وَهُوَ السِّنُّ وَالْكِبَرُ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الَّتِي يَرْتَضِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِالرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوصَفْ بِالسِّمَنِ فِيمَا يُوصَفُ بِهِ. نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثَقُلَ، أَيْ: ضَعُفَ لِكِبَرِ سِنِّهِ وَكَثْرَةِ لَحْمِهِ، كَمَا فِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ، فَذِكْرُ كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ فِي رِوَايَةٍ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ ; لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ لَهُ سَبَبَانِ يَجُوزُ ذِكْرُهُمَا وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ. اهـ. وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى ; لِأَنَّهُ قَلَّ مَنْ كَبُرَ سِنُّهُ وَكَثُرَ لَحْمُهُ مَعَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْحَبْرَ السَّمِينَ» "، وَأَمَّا رِوَايَةُ كَثُرَ لَحْمُهُ، فَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اسْتِرْخَاءِ لَحْمِ بَدَنِهِ كَمَا يَقْتَضِيهِ كِبَرُ سِنِّهِ. (كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ) ، أَيِ: النَّافِلَةُ (جَالِسًا) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ خَصَائِصِهِ ﵇ أَنَّ ثَوَابَ تَطَوُّعِهِ جَالِسًا كَهُوَ قَائِمًا ; لِأَنَّ الْكَسَلَ الْمُقْتَضِيَ لِكَوْنِ أَجْرِ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَجْرِ الْقَائِمِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ مَأْمُونٌ فِي حَقِّهِ ﵇. اهـ. وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ صَلَّى جَالِسًا ضَرُورَةً فَرْضًا أَوْ نَفْلًا يَكُونُ ثَوَابُهُ كَامِلًا، فَلَا يُعَدُ مِثْلُ هَذَا مِنَ الْخَصَائِصِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِطْلَاقُ، سَوَاءٌ جُلُوسُهُ يَكُونُ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَلَمْ يَقُلِ الْبُخَارِيُّ: أَكْثَرُ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا. اهـ. فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ تَبَايُنٌ فَتَأَمَّلْ.

стр. 1787

١١٩٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ، عَلَى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ آخِرُهُنَّ (حم الدُّخَانُ) وَ (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ) » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١١٩٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ) : جَمْعُ النَّظِيرَةِ وَهِيَ الْمِثْلُ وَالشَّبَهُ، أَيِ: السُّوَرُ الْمُمَاثِلَةُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ (الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرِنُ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا، أَيْ: يَجْمَعُ (بَيْنَهُنَّ) ، أَيْ: بَيْنَ سُورَتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي رَكْعَةٍ (فَذَكَرَ) ، أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ، عَلَى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ) ، أَيْ: جَمْعِهِ (سُورَتَيْنِ) ، أَيْ: كُلُّ سُورَتَيْنِ مِنَ الْعِشْرِينَ (فِي رَكْعَةٍ آخِرُهُنَّ) ، أَيْ: آخِرُ الْعِشْرِينَ مُبْتَدَأٌ يَعْنِي آخِرَ الثِّنْتَيْنِ مِنَ الْعِشْرِينَ (حم الدُّخَانِ) : يُحْتَمَلُ الْحَرَكَاتُ الثَّلَاثُ فِي حم، وَالْفَتْحُ أَظْهَرُ، وَكَذَلِكَ فِي الدُّخَانِ وَالْجَرُّ أَشْهَرُ، (وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَفِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ لِلشَّيْخِ الْجَزَرِيِّ رَوَى أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ قَالَا: أَتَى ابْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، وَنَثْرًا كَنَثْرِ الدَّقَلِ، لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ النَّظَائِرَ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ (الرَّحْمَنُ وَالنَّجْمُ) فِي رَكْعَةٍ، (وَاقْتَرَبَتْ وَالْحَاقَّةُ) فِي رَكْعَةٍ، (وَالطُّورُ وَالذَّارِيَاتُ) فِي رَكْعَةٍ، (وَإِذَا وَقَعَتْ وَالنُّونُ) فِي رَكْعَةٍ، (وَسَأَلَ سَائِلٌ وَالنَّازِعَاتُ) فِي رَكْعَةٍ، (وَوَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ وَعَبَسَ) فِي رَكْعَةٍ، (وَالْمُدَّثِّرُ وَالْمُزَّمِّلُ) فِي رَكْعَةٍ، (وَهَلْ أَتَى وَلَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) فِي رَكْعَةٍ، (وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَالْمُرْسَلَاتُ) فِي رَكْعَةٍ، (وَالدُّخَانُ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) فِي رَكْعَةٍ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا تَأْلِيفُ ابْنِ مَسْعُودٍ. اهـ. وَهَكَذَا فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ تَسْمِيَتُهَا، لَكِنْ بِنَقْصٍ وَمُخَالَفَةٍ فِي التَّرْتِيبِ، وَآخِرُ الْحَدِيثِ يُنَافِي ظَاهِرَ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ التَّقْدِيرُ آخِرُهُنَّ، أَيْ: آخِرُ الْعِشْرِينَ حم الدُّخَانِ، وَنَظِيرَتُهَا إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَنَظِيرَتُهَا وَالْمُرْسَلَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْجَزَرِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي تَرْتِيبِ السُّوَرِ، هَلْ هُوَ تَوْقِيفٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَوْ بَعْضُهُ تَوْقِيفٌ وَبَعْضُهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ؟ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ مُرَتَّبًا هَكَذَا، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُقْرَأُ إِلَّا هَكَذَا كَمَا هُوَ مُرَتَّبٌ الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ لِلصِّغَارِ أَنْ يَقْرَءُوا مِنْ أَسْفَلَ لِضَرُورَةِ التَّعْلِيمِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ غَيْرَ مُرَتَّبٍ فَهُوَ غَيْرُ الْأَوْلَى، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَلَوْ قَرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ سُورَةَ النَّاسِ فَمَاذَا يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعِيدُهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَبْدَأُ مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ، أَيْ إِلَى الْمُفْلِحُونَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّ الْإِفَادَةَ أَوْلَى مِنَ الْإِعَادَةِ. قَالَ: وَالْهَذُّ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ: الْإِسْرَاعُ، يُرِيدُ سَرْدَ الْقِرَاءَةِ وَالْعَجَلَةَ فِيهَا، وَالنَّثْرُ بِالْمُثَلَّثَةِ: الرَّمْيُ، وَالدَّقَلُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ: رَدِيءُ التَّمْرِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَرْمِي جُمَلَهُ وَلَا يَتَأَنَّى بِهِ لِيَنْتَقِيَ مِنْهُ شَيْئًا. اهـ. قَالَ عِيَاضٌ: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ: أَنَّ قِيَامَهُ ﷺ كَانَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً بِالْوَتْرِ، وَأَنَّ هَذَا قَدْرُ قِرَاءَتِهِ غَالِبًا وَتَطْوِيلُهُ بِسَبَبِ التَّدَبُّرِ، وَتَطْوِيلُ الْأَرْكَانِ وَقِرَاءَتُهُ الْبَقَرَةَ وَالنِّسَاءَ نَادِرٌ، وَإِنْكَارُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الرَّجُلِ لِيَحُضَّهُ عَلَى التَّأَمُّلِ لَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِرَاءَةُ الْمُفَصَّلِ فِي رَكْعَةٍ.

стр. 1788

الْفَصْلُ الثَّانِي ١٢٠٠ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَكَانَ يَقُولُ: " اللَّهُ أَكْبَرُ " " ذُو الْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ "، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ. ثُمَّ رَكَعَ، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ "، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَكَانَ قِيَامُهُ نَحْوًا مِنْ رُكُوعِهِ، يَقُولُ: " لِرَبِّيَ الْحَمْدُ ". ثُمَّ سَجَدَ، فَكَانَ سُجُودُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، فَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ". ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَكَانَ يَقْعُدُ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَحْوًا مِنْ سُجُودِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: " رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي ". فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَرَأَ فِيهِنَّ (الْبَقَرَةَ) وَ (آلَ عِمْرَانَ) وَ (النِّسَاءَ) وَ (الْمَائِدَةَ) أَوِ (الْأَنْعَامَ) ،» شَكَّ شُعْبَةُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ١٢٠٠ - (عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ، رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَكَانَ) : الْفَاءُ لِلتَّفْصِيلِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ (يَقُولُ) ، أَيْ بَعْدَ النِّيَّةِ الْقَلْبِيَّةِ (" اللَّهُ أَكْبَرُ ") ، أَيْ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، أَيْ أَعْظَمُ، وَتَفْسِيرُهُمْ إِيَّاهُ بِالْكَبِيرِ ضَعِيفٌ، كَذَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُعْرَفَ كُنْهُ كِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَإِنَّمَا قُدِّرَ لَهُ ذَلِكَ، وَأُوِّلَ لِأَنَّ أَفْعَلَ فُعْلَى يَلْزَمُهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، أَوِ الْإِضَافَةُ كَالْأَكْبَرِ وَأَكْبَرِ الْقَوْمُ. كَذَا فِي النِّهَايَةِ. (ثَلَاثًا " ذُو الْمَلَكُوتِ ") ، أَيْ: صَاحِبُ الْمُلْكِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَالصِّيغَةُ لِلْمُبَالَغَةِ، (" وَالْجَبَرُوتِ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلُوتٌ مِنَ الْجَبْرِ: الْقَهْرِ، وَالْجَبَّارُ: الَّذِي يَقْهَرُ الْعِبَادَ عَلَى مَا أَرَادَ، وَقِيلَ: هُوَ الْعَالِي فَوْقَ خَلْقِهِ، (" وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ ") ، أَيْ: غَايَةِ الْكِبْرِيَاءِ، وَنِهَايَةِ الْعَظَمَةِ وَالْبَهَاءِ، وَلِذَا قِيلَ: لَا يُوصَفُ بِهِمَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَمَعْنَاهُمَا التَّرَفُّعُ عَنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ مَعَ انْقِيَادِهِمْ لَهُ، وَقِيلَ: عِبَارَةٌ عَنْ كَمَالِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، قَالَ: الْكِبْرِيَاءُ: التَّرَفُّعُ وَالتَّنَزُّهُ عَنْ كُلِّ نَقْصِ، وَالْعَظَمَةُ: تَجَاوُزُ الْقَدْرِ عَنِ الْإِحَاطَةِ، وَالتَّحْقِيقُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لِلْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ فِي الصَّحِيحِ: (الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظْمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا قَصَمْتُهُ) ، أَيْ: كَسَرْتُهُ وَأَهْلَكْتُهُ. (ثُمَّ اسْتَفْتَحَ) ، أَيْ: قَرَأَ الثَّنَاءَ فَإِنَّهُ يُسَمَّى دُعَاءَ الِاسْتِفْتَاحِ، أَوِ اسْتَفْتَحَ بِالْقِرَاءَةِ، أَيْ بَدَأَ بِهَا مِنْ غَيْرِ الْإِتْيَانِ بِالثَّنَاءِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ بَعْدَ الثَّنَاءِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ، وَحَمْلًا عَلَى أَكْمَلِ الْحَالَاتِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ يَقُولُهُ فِي صَلَاتِهِ فِي مَحَلِّ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ ثُمَّ اسْتَفْتَحَ. (فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ) ، أَيْ: كُلَّهَا، وَيُحْتَمَلُ بَعْضُهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، كَمَا فِي الْأَزْهَارِ، أَوِ الْفَاتِحَةَ وَفَاتِحَةَ الْبَقَرَةِ مَعَهَا، كَمَا قِيلَ. وَإِنَّمَا حُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. (ثُمَّ رَكَعَ، فَكَانَ رُكُوعُهُ) ، أَيْ: طُولُهُ (نَحْوًا) ، أَيْ: قَرِيبًا (مِنْ قِيَامِهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَالْمُرَادُ أَنَّ رُكُوعَهُ مُتَجَاوِزٌ عَنِ الْمَعْهُودِ كَالْقِيَامِ، (فَكَانَ يَقُولُ) : حِكَايَةُ الْمَاضِيَةِ اسْتِحْضَارًا. قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ (فِي رُكُوعِهِ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ") : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَيُسَكَّنُ (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَكَانَ قِيَامُهُ) بَعْدَ الرُّكُوعِ، أَيِ: اعْتِدَالُهُ (نَحْوًا) ، أَيْ: قَرِيبًا (مِنْ رُكُوعِهِ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي نُسَخٍ مِنْ قِيَامِهِ، وَفِيهِ تَطْوِيلُ الِاعْتِدَالِ، مَعَ أَنَّهُ رُكْنٌ قَصِيرٌ عِنْدَنَا، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ طَوِيلٌ، بَلْ جَزَمَ بِهِ جَزْمَ الْمَذْهَبِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ. اهـ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: " «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» ". اهـ. وَفِيهِ أَنَّ مَا نَسَبَ الشَّيْخُ إِلَى بَعْضِ النُّسَخِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ الْمُصَحَّحَةِ. (يَقُولُ) ، أَيْ: بَعْدَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ: (" لِرَبِّيَ الْحَمْدُ " ثُمَّ سَجَدَ، فَكَانَ سُجُودُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ) ، أَيْ: لِلْقِرَاءَةِ، قَالَهُ عِصَامُ الدِّينِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَكُونَ سُجُودُهُ أَقَلَّ مِنْ رُكُوعِهِ، وَالْأَظْهَرُ: الْأَقْرَبُ مِنْ قِيَامِهِ مِنَ الرُّكُوعِ لِلِاعْتِدَالِ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ، أَيْ: مِنِ اعْتِدَالِهِ (فَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ". ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَكَانَ يَقْعُدُ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَحْوًا مِنْ سُجُودِهِ) ، أَيْ: سُجُودِهِ الْأَوَّلِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ مَا مَرَّ فِي الِاعْتِدَالِ (وَكَانَ يَقُولُ) ، أَيْ: فِي جُلُوسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: (" رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي ") : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ قَوْلُهُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي مَرَّتَيْنِ لِتَكْرَارِهِ كَرَّتَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إِكْثَارَهُ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ السَّابِقَةِ، (فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَرَأَ فِيهِنَّ) ، أَيْ: فِي الرَّكَعَاتِ الْأَرْبَعِ (الْبَقَرَةَ، وَآلَ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءَ، وَالْمَائِدَةَ، أَوِ الْأَنْعَامَ، شَكَّ شُعْبَةُ) ، أَيْ: رَاوِي الْحَدِيثِ، وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ مَرْضَاةً لِلتَّرْتِيبِ الْمُقَرَّرِ، مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي جَمِيعِ السُّورِ تَوْقِيفِيٌّ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْآنَ مَصَاحِفُ الزَّمَانِ، كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْإِتْقَانِ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَنْبَسٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَبُو حَمْزَةَ عِنْدَنَا طَلْحَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَبُو حَمْزَةَ عِنْدَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَزِيدَ. اهـ. وَقَوْلُ النَّسَائِيِّ أَصَحُّ، وَهُوَ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، وَالرَّجُلُ الْمُبْهَمُ هُوَ صِلَةُ بْنُ زُفَرَ الْعَنْبَسِيُّ الْكُوفِيُّ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ. وَمُسْلِمٌ.

стр. 1789

١٢٠١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٢٠١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ ") : قَامَ بِهِ، أَيْ أَتَى بِهِ، يَعْنِي: مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ فِي صَلَاتِهِ عَلَى التَّدَبُّرِ وَالتَّأَنِّي كَذَا قِيلَ، وَفِي الْأَزْهَارِ يُحْتَمُلُ مَنْ قَامَ وَقَرَأَ وَإِنْ لَمْ يُصِلِّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: أَخَذَهَا بِقُوَّةٍ وَعَزْمٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ يَقْرَؤُهَا فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الْفَاتِحَةِ. اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَقَلُّ مَرَاتِبِ الصَّلَاةِ، وَهِيَ تَحْصُلُ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ وَثَلَاثُ آيَاتٍ بَعْدَهَا، فَتِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ. (" لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ ") ، أَيْ: لَمْ يُثْبَتِ اسْمُهُ فِي صَحِيفَةِ الْغَافِلِينَ. (" «وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ» ") ، أَيِ الْمُوَاظِبِينَ عَلَى الطَّاعَةِ أَوِ الْمُطَوِّلِينِ الْقِيَامَ فِي الْعِبَادَةِ. وَالْقُنُوتُ: الطَّاعَةُ وَالْقِيَامُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: مِنَ الَّذِينَ قَامُوا بِأَمْرِ اللَّهِ وَلَزِمُوا طَاعَتَهُ وَخَضَعُوا لَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَهَا مَزَايَا وَفَضَائِلُ، وَأَعْلَاهَا أَنْ تَكُونَ فِي الصَّلَاةِ، لَا سِيَّمَا فِي اللَّيْلِ، قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] وَمِنْ ثَمَّ أَوْرَدَ مُحْيِي السُّنَّةِ الْحَدِيثَ فِي بَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَحَاصِلُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ لَا بِصَلَاةٍ وَلَا بِلَيْلٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَدْنَى مَرَاتِبِهِ، وَيَدُلَّ عَلَيْهِ جَزَاءُ الشَّرْطِيَّةِ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ: " لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ "، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي مَحَلِّ الْأَكْمَلِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَتَفْسِيرِي (قَامَ يُصَلِّي) فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِلِاسْتِعْمَالِ الشَّرْعِيِّ. فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ لَا يُعْرُفُ فِي الشَّرْعِ تَفْسِيرُ (قَامَ يُصَلِّي) وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَفَاتَهُ أَنَّ الْحَدِيثَ مَسُوقٌ فِي بَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ. فَغَرِيبٌ؛ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْوُرُودِ مِنْهُ ﵇ فِيهِ، وَبَيْنَ إِيرَادِ غَيْرِهِ فِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَهَذَا التَّفْسِيرُ يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ مَقْصُودَ الْحَدِيثِ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ قِرَاءَتِهَا وَلَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ قِرَاءَتُهُ ذَلِكَ فِي خُصُوصِ الصَّلَاةِ - فَمَرْدُودٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ الْمُتَبَادِرِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ قَيْدٍ، وَإِنْ كَانَ الْقَيْدُ يُفِيدُ زِيَادَةَ الْفَضِيلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (" وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ ") : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: مِنَ الْمُلْكِ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ أَلْفُ آيَةٍ. (" كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ ") ، أَيْ: مِنَ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الْأَجْرِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَنَاطِيرِ، وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ. يَعْنِي مِنَ الَّذِينَ بَلَغُوا فِي حِيَازَةِ الْمَثُوبَاتِ مَبْلَغَ الْمُقَنْطِرِينَ فِي حِيَازَةِ الْأَمْوَالِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَا نَجِدُ الْعَرَبَ تَعْرِفُ وَزْنَ الْقِنْطَارِ، وَمَا نُقِلَ عَنِ الْعَرَبِ الْمِقْدَارُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، قِيلَ: أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ، فَإِذَا قَالُوا: قَنَاطِيرُ مُقَنْطَرَةٌ فَهِيَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقِيلَ الْقِنْطَارُ: مِلْءُ جِلْدِ الثَّوْرِ ذَهَبًا، وَقِيلَ: هُوَ جُمْلَةٌ كَثِيرَةٌ مَجْهُولَةٌ مِنَ الْمَالِ. قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ سَبْعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَقَالَ مِيرَكُ: وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «الْقِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ أُوقِيَّةً، وَالْأُوقِيَّةُ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» ". رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ نَقَلَهُ الْمُنْذِرِيُّ. وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: الْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ، وَالْأُوقِيَّةُ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَذَا رَوَاهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ، وَأَقُولُ: وَرُوِيَ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ وَلَفْظُهُ: " «مَنْ قَرَأَ أَلْفَ آيَةٍ فِي لَيْلَةٍ أَصْبَحَ لَهُ قِنْطَارٌ، وَالْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ، وَالْوُقِيَّةُ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَخَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» ". أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ قَامَ بِمِائَتَيْ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَوْلُهُ: مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ، أَيْ: مِمَّنْ كُتِبَ لَهُ قِنْطَارٌ مِنَ الْأَجْرِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.

стр. 1790

١٢٠٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ يَرْفَعُ طَوْرًا وَيَخْفِضُ طَوْرًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٢٠٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ) : فِي الْأَزْهَارِ يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ، وَيُحْتَمَلُ فِي غَيْرِهَا أَيْضًا، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وَهُوَ: مُخْتَلِفَةٌ. (يَرْفَعُ) ، أَيْ صَوْتَهَ رَفْعًا مُتَوَسِّطًا (طَوْرًا) ، أَيْ مَرَّةً أَوْ حَالَةً إِنْ كَانَ خَالِيًا (وَيَخْفِضُ طَوْرًا) : إِنْ كَانَ هُنَاكَ نَائِمٌ أَوْ بِحَسَبِ حَالِهِ الْمُنَاسِبِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: (يَرْفَعُ) خَبَرُ (كَانَ) وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، أَيْ يَرْفَعُ ﵇ فِيهَا طَوْرًا صَوْتَهُ، وَإِنْ رُوِيَ مَجْهُولًا كَانَ ظَاهِرًا، يَعْنِي: كُلًّا مِنَ الْفِعْلَيْنِ لَوْ كَانَ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ كَانَتْ خَبَرِيَّتُهُ ظَاهِرَةً، وَمَا احْتَاجَا إِلَى تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ نَقَلَهُ مِيرَكُ.
следующие страницы →