Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
١٣٠٦ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٣٠٦ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَطَّلِعُ) : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ، أَيْ يَتَجَلَّى عَلَى خَلْقِهِ بِمَظْهَرِ الرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ وَالْإِكْرَامِ الْوَاسِعِ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: بِمَعْنَى يَنْزِلُ، وَقَدْ مَرَّ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ، أَيْ يَنْظُرُ نَظَرَ الرَّحْمَةِ السَّابِقَةِ وَالْمَغْفِرَةِ الْبَالِغَةِ (فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ) : الْمُتَّصِفِ بِذَنْبِهِ الْمُعْتَرِفِ بِتَقْصِيرِهِ وَعَيْبِهِ (إِلَّا لِمُشْرِكٍ) ، أَيْ: كَافِرٍ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنَ الْكُفْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (أَوْ) : لِلتَّنْوِيعِ (مُشَاحِنٍ) ، أَيْ: مُبَاغِضٍ وَمُعَادٍ لِأَحَدٍ، لَا لِأَجْلِ الدِّينِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَعَالَى يُسَامِحُ عِبَادَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَنْ حُقُوقِهِ إِلَّا الْكُفْرَ بِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ عَبِيدِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّحْنَاءُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ إِلَّا لِلدِّينِ، وَلَا يَأْمَنُ أَحَدُهُمْ أَذَى صَاحِبِهِ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْقَتْلِ، وَرُبَّمَا يَنْتَهِي إِلَى الْكُفْرِ إِذْ كَثِيرًا مَا يُحْمَلُ عَلَى اسْتِبَاحَةِ دَمِ الْعَدُوِّ وَمَالِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قُرِنَ الْمُشَاحِنُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِقَاتِلِ النَّفْسِ، وَكِلَاهُمَا تَهْدِيدٌ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي مُوسَى.
стр. 1927
١٣٠٧ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَفِي رِوَايَةٍ: " إِلَّا اثْنَيْنِ: مُشَاحِنٌ وَقَاتِلُ نَفْسٍ ".
ــ
١٣٠٧ - (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَفِي رِوَايَتِهِ) ، أَيْ: رِوَايَةِ أَحْمَدَ (إِلَّا اثْنَيْنِ: مُشَاحِنٌ) : بِالرَّفْعِ، أَيْ هُمَا مُشَاحِنٌ (وَقَاتِلُ نَفْسٍ) ، أَيْ: تَعَمُّدًا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَجُوزُ جَرُّهُمَا عَلَى الْبَدَلِيةِ.
стр. 1928
١٣٠٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا، وَصُومُوا يَوْمَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٣٠٨ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ فَقُومُوا فِيهَا، وَإِذَا ذَهَبَ إِلَى وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ أَنْ يُقَالَ لَيْلَةُ النِّصْفِ، فَأَنَّثَ الضَّمِيرَ اعْتِبَارًا لِلنِّصْفِ ; لِأَنَّهَا عَيْنُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنْ يَقَعَ الْقِيَامُ فِي جَمِيعِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّيْلِ مِنْ أَجْزَاءِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْقِيَامِ فِيهَا، وَحَسَنَةٌ أَيْضًا مُقَابَلَةُ قَوْلِهِ: (وَصُومُوا يَوْمَهَا) ، أَيْ: فِي نَهَارِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِكَمَالِهِ، وَيُعَاضِدُ قَوْلَهُ: (فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ) ، أَيْ: يَتَجَلَّى بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ تَجَلِّيًا عَامًّا لَا يَخْتَصُّ بِأَرْبَابِ الْخُصُوصِ، وَلَا بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ (فِيهِ) ، أَيْ: فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ (لِغُرُوبِ الشَّمْسِ) ، أَيْ: أَوَّلِ وَقْتِ غُرُوبِهَا (إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) : مُتَعَلِّقٌ بِيَنْزِلُ بِتَضْمِينِ نَاظِرٍ، انْظُرِ الْعِنَايَةَ إِلَى جِهَةِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَبْوَابِ فُتُوحَاتِ أَرْبَابِ الدُّنْيَا، وَقِبْلَةِ دُعَائِهِمْ، وَمَصْعَدِ أَعْمَالِهِمْ، وَمُرْتَقَى أَرْوَاحِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَوْلُهُ لَيْلَهَا يَعْنِي بَعْضَهَا إِذْ بَعْضُ اللَّيْلِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَيْلٌ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ السَّابِقُ: كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا، قُلْتُ: الْبَعْضِيَّةُ مُسْتَفَادَةٌ مِنَ التَّنْكِيرِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] لَا أَنَّ اللَّيْلَ يُطْلَقُ، وَيُرَادُ بِهِ الْبَعْضُ خُصُوصًا مَعَ الْإِضَافَةِ ثُمَّ قَالَ: أَوْ جَوْفَهَا، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَيْلُ اللَّيْلِ، وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُمْ أُرِيدَ بِهِ التَّأْكِيدُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧] ، وَالْجَوْفِيَّةُ غَيْرُ مُسْتَفَادَةٍ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَبِهَذَا يُسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِ الشَّارِحِ اهـ.
وَأَنْتَ عَرَفْتَ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ (فَيَقُولُ) ، أَيْ: تَعَالَى رَبُّنَا أَوْ مُنَادِيهِ حِكَايَةً عَنْهُ (أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ وَالْعَرْضِ (مِنْ) : زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْرَاقِ وَحُذِفَتْ مِمَّا بَعْدَهُ لِلِاكْتِفَاءِ (مِنْ مُسْتَغْفِرٍ) : يَسْتَغْفِرُ (فَأَغْفِرَ لَهُ) : بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ الْعَرْضِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ: (أَلَا مُسْتَرْزِقٌ) : بِالرَّفْعِ (فَأَرْزُقَهُ) : بِالنَّصْبِ (أَلَا مُبْتَلًى) ، أَيْ: مُسْتَعِفٌّ يَطْلُبُ الْعَافِيَةَ وَهُوَ مُقَدَّرٌ لِظُهُورِهِ، (فَأُعَافِيَهُ؟) : وَلَا يُشْكِلُ وُجُودُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُبْتَلِينَ يَسْأَلُونَ الْعَافِيَةَ وَلَا يُجَابُونَ، لِعَدَمِ اسْتِجْمَاعِهِمْ لِشُرُوطِ الدُّعَاءِ (أَلَا كَذَا) : مِنْ طَالِبٍ عَطَاءً فَأُعْطِيَهُ (أَلَا كَذَا؟) : مِنْ دَافِعِ بَلَاءٍ فَأَدْفَعَهُ (حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
وَعَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ، كَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا، أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا أَشْقِيَاءَ فَامْحُهُ وَاكْتُبْنَا سُعَدَاءَ، وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا سُعَدَاءَ فَأَثْبِتْنَا، فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ، وَهَذَا الدُّعَاءُ قَدْ نُقِلَ فِي الْحَدِيثِ قِرَاءَتُهُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ بِقَوِيٍّ كَذَا فِي تَفْسِيرِ السَّيِّدِ مُعِينِ الدِّينِ الصَّفَوِيِّ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابَةِ الْأُولَى الْكِتَابَةُ الْمُعَلَّقَةُ ; إِذِ الْحِكْمَةُ لَا تَتَبَدَّلُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الَّلَآلِي: إِنَّ مِائَةَ رَكْعَةٍ فِي نِصْفِ شَعْبَانَ بِالْإِخْلَاصِ عَشْرَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَعَ طُولِ فَضْلِهِ لِلدَّيْلَمِيِّ وَغَيْرِهِ مَوْضُوعٌ.
وَفِي بَعْضِ الرَّسَائِلِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: وَمِمَّا أُحْدِثَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ الصَّلَاةُ الْأَلْفِيَّةُ مِائَةَ رَكْعَةٍ بِالْإِخْلَاصِ عَشْرًا عَشْرًا بِالْجَمَاعَةِ، وَاهْتَمُّوا بِهَا أَكْثَرَ مِنَ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ، لَمْ يَأْتِ بِهَا خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ إِلَّا ضَعِيفٌ أَوْ مَوْضُوعٌ، وَلَا تَغْتَرَّ بِذِكْرِ صَاحِبِ الْقُوتِ وَالْإِحْيَاءِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ لِلْعَوَامِّ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ افْتِتَانٌ عَظِيمٌ، حَتَّى الْتُزِمَ بِسَبَبِهَا كَثْرَةُ الْوَقِيدِ، وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الْفُسُوقِ وَانْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ مَا يُغْنِي عَنْ وَصْفِهِ حَتَّى خَشِيَ الْأَوْلِيَاءُ مِنَ الْخَسْفِ،
стр. 1929
وَهَرَبُوا فِيهَا إِلَى الْبَرَارِي. وَأَوَّلُ حُدُوثِ هَذِهِ الصَّلَاةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ قَالَ: وَقَدْ جَعَلَهَا جَهَلَةُ أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ مَعَ صَلَاةِ الرَّغَائِبِ وَنَحْوِهِمَا شَبَكَةً لِجَمْعِ الْعَوَامِّ، وَطَلَبًا لِرِيَاسَةِ التَّقَدُّمِ، وَتَحْصِيلِ الْحُطَامِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَقَامَ اللَّهُ أَئِمَّةَ الْهُدَى فِي سَعْيِ إِبْطَالِهَا، فَتَلَاشَى أَمْرُهَا، وَتَكَامَلَ إِبْطَالُهَا فِي الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ فِي أَوَائِلِ سِنِي الْمِائَةِ الثَّامِنَةِ، قُلْتُ: يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْخَبَرِ الضَّعِيفِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرُوهُ لِمَا يُقَارِنُهُ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى - عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] وَالْعَجَبُ مِنِ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ نَازَعَ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ، وَمَالَ إِلَى نَدْبِ تِلْكَ الصَّلَاةِ الْمَرْوِيَّةِ بَعْدَ مُوَافَقَتِهِ لَهُ أَوَّلًا أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ رِوَايَتُهَا وَلَا ذِكْرُهَا، إِلَّا مَعَ بَيَانِ حَالِهَا، قِيلَ: وَأَوَّلُ حُدُوثِ الْوَقِيدِ مِنَ الْبَرَامِكَةِ كَانُوا عَبْدَةَ النَّارِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا أَدْخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ مَا يُمَوِّهُونَ أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الدِّينِ، وَمَقْصُودُهُمْ عِبَادَةُ النِّيرَانِ، حَيْثُ رَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى تِلْكَ النِّيرَانِ، وَلَمْ يَأْتِ فِي الشَّرْعِ اسْتِحْبَابُ زِيَادَةِ الْوَقِيدِ عَلَى الْحَاجَةِ فِي مَوْضِعٍ، وَمَا يَفْعَلُهُ عَوَامُّ الْحُجَّاجِ مِنَ الْوَقِيدِ بِجَبَلِ عَرَفَاتٍ وَبِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَبِمِنًى، فَهُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الطَّرْسُوسِيُّ الِاجْتِمَاعَ لَيْلَةَ الْخَتْمِ فِي التَّرَاوِيحِ وَنَصْبَ الْمَنَابِرِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ، قُلْتُ: ﵀ مَا أَفْطَنَهُ، وَقَدِ ابْتُلِيَ بِهِ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، حَتَّى فِي لَيَالِي الْخَتْمِ يَحْصُلُ اجْتِمَاعٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّغَارِ وَالْعَبِيدِ مَا لَا يَحْصُلُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْكُسُوفِ وَالْعِيدِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ الْعَدِيدُ، وَمُنْكَرَاتُ الْجَدِيدِ، وَيَسْتَقْبِلُونَ النَّارَ، وَيَسْتَدْبِرُونَ بَيْتَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ، وَيَقِفُونَ عَلَى هَيْئَةِ عَبدَةِ النِّيرَانِ فِي نَفْسِ الْمَطَافِ، حَتَّى يَضِيقَ عَلَى الطَّائِفِينَ الْمَكَانُ وَيُشَوِّشُونَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الذَّاكِرِينَ وَالْمُصَلِّينَ وَقُرَّاءِ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالْغُفْرَانَ وَالرِّضْوَانَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
стр. 1930
[بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٣٠٩ - عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ﵂، قَالَتْ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَاغْتَسَلَ، وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. وَقَالَتْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَذَلِكَ ضُحًى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٣٨] بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ وَقْتُ الضُّحَى، وَهُوَ صَدْرُ النَّهَارِ حِينَ تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ وَتُلْقِي شُعَاعَهَا اهـ. قِيلَ: التَّقْدِيرُ صَلَاةُ وَقْتِ الضُّحَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ إِضَافَةَ الصَّلَاةِ إِلَى الضُّحَى بِمَعْنَى " فِي " كَصَلَاةِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ النَّهَارِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْقَوْلِ بِحَذْفِ الْمُضَافِ، وَقِيلَ: مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمُسَبَّبِ إِلَى السَّبَبِ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَقَالَ مِيرَكُ: الضَّحْوَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ارْتِفَاعُ النَّهَارِ، وَالضُّحَى بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ شُرُوقُهُ، وَبِهِ سُمِّيَ صَلَاةُ الضُّحَى، وَالضَّحَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ هُوَ إِذَا عَلَتِ الشَّمْسُ إِلَى زَيْغِ الشَّمْسِ فَمَا بَعْدَهُ، وَقِيلَ: وَقْتُ الضُّحَى عِنْدَ مُضِيِّ رُبُعِ الْيَوْمِ إِلَى قُبَيْلِ الزَّوَالِ، وَقِيلَ: هَذَا وَقْتُهُ الْمُتَعَارَفُ، وَأَمَّا وَقْتُهُ فَوَقْتُ صَلَاةِ الْإِشْرَاقِ، وَقِيلَ: الْإِشْرَاقُ أَوَّلُ الضُّحَى.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٣٠٩ - (عَنْ أُمِّ هَانِئٍ) : بِهَمْزَةٍ بَعْدَ النُّونِ بِلَا خِلَافٍ عَلَى مَا فِي التَّهْذِيبِ، وَاسْمُهَا فَاخِتَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ أُخْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄، (قَالَتْ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَاغْتَسَلَ، وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ» ) ، أَيْ: بِتَسْلِيمَتَيْنِ، أَوْ بِأَرْبَعٍ، (فَلَمْ أَرَ صَلَاةً) ، أَيْ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً كَمَا فِي الشَّمَائِلِ (قَطُّ) ، أَيْ: أَبَدًا.
стр. 1931
(أَخَفَّ مِنْهَا) : وَذَلِكَ بِتَرْكِ قِرَاءَتِهِ السُّورَةَ الطَّوِيلَةَ وَالْأَذْكَارَ الْكَثِيرَةَ. (غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ) ، أَيْ: كَانَ يُتِمُّ كَمَا فِي الشَّمَائِلِ. (الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: نَصَبَ غَيْرَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِالِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ; لِأَنَّهُ ﵊ خَفَّفَ سَائِرَ الْأَرْكَانِ مِنَ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالتَّشَهُّدِ وَلَمْ يُخَفِّفْ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقَالَ مُنْلَا حَنَفِيُّ: مَنْصُوبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمٍ نَشَأَ مِنْ قَوْلِهِمْ مَا رَأَيْتُهُ إِلَخْ. وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَالتَّخْصِيصُ بِهِمَا ; لِأَنَّهُ كَثِيرًا مَا يَقَعُ التَّسَاهُلُ فِيهِمَا، وَمِنْهُ يُعْلَمُ ضَعْفُ مَا قِيلَ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِالِاعْتِنَاءِ إِلَخْ اهـ. وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
(وَقَالَتْ) ، أَيْ أُمُّ هَانِئٍ (فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَذَلِكَ ضُحًى) ، أَيْ: مَا فَعَلَهُ ﵊ صَلَاةَ ضُحًى، أَوْ ذَلِكَ الْوَقْتُ وَقْتُ ضُحًى، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا صَحَّ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ مَعَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَالسُّبْحَةُ بِالضَّمِّ الصَّلَاةُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 1932
١٣١٠ - وَعَنْ مُعَاذَةَ ﵂، قَالَتْ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ: كَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى؟ قَالَتْ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٣١٠ - (وَعَنْ مُعَاذَةَ) : بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيَّةِ الصَّهْبَاءِ الْبَصْرِيَّةِ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: كَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: كَمْ رَكْعَةً وَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِقَوْلِهِ: (يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى؟ قَالَتْ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) ، أَيْ: لَا يَنْقُصُ عَنْ أَرْبَعٍ، فِي الْإِحْيَاءِ: يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا وَالشَّمْسِ، وَاللَّيْلِ، وَالضُّحَى، وَالِانْشِرَاحِ (وَيَزِيدُ) : عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ وَهُوَ مَقُولٌ لِلْقَوْلِ، أَيْ: يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ (مَا شَاءَ اللَّهُ) : قَالَ الْمُظْهِرُ، أَيْ يَزِيدُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ، وَلَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، قَالَ السُّيُوطِيُّ: أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ الْأَسْوَدَ كَمْ أُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: كَمْ شِئْتَ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ شَدَّادٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى مِائَةَ رَكْعَةٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 1933
١٣١١ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٣١١ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ) : بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، أَيْ: عِظَامِ الْأَصَابِعِ وَالْمُرَادُ بِهَا الْعِظَامُ كُلُّهَا، فِي النِّهَايَةِ: السُّلَامَى جَمْعُ السُّلَامِيَّةِ وَهِيَ الْأُنْمُلَةُ مِنْ أَنَامِلِ الْأَصَابِعِ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ وَجَمْعُهُ سَوَاءٌ، وَيُجْمَعُ عَلَى سُلَامَيَاتٍ، وَهِيَ الَّتِي بَيْنَ كُلِّ مَفْصِلَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الْإِنْسَانِ. (صَدَقَةٌ) : وَ " عَلَى " هُنَا لِلتَّأْكِيدِ، نَدَبَ التَّصَدُّقَ بِمَعْنَى الْوُجُوبِ الْمُصْطَلَحِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْمُ يُصْبِحُ إِمَّا صَدَقَةٌ، أَيْ: تُصْبِحُ الصَّدَقَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ سُلَامَى، وَإِمَّا مِنْ أَحَدِكُمْ عَلَى تَجْوِيزِ زِيَادَةِ " مِنْ " وَالظَّرْفُ خَبَرُهُ، وَصَدَقَةٌ: فَاعِلُ الظَّرْفِ، أَيْ: يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ صَدَقَةً، وَإِمَّا ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ بَعْدَهَا مُفَسِّرَةٌ لَهُ، قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي أَنَّ كُلَّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِ ابْنِ آدَمَ يُصْبِحُ سَلِيمًا عَنِ الْآفَاتِ بَاقِيًا عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي تَتِمُّ بِهَا مَنَافِعُهُ، فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ شُكْرًا لِمَنْ صَوَّرَهُ وَوَقَاهُ عَمَّا يُغَيِّرُهُ وَيُؤْذِيهِ اهـ.
وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ ﵊: " فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مِفْصَلًا " تَارَةً ذَكَرَ الْعِظَامَ ; لِأَنَّهَا بِهَا قِوَامُ الْبَدَنِ، وَتَارَةً ذَكَرَ الْمَفَاصِلَ ; لِأَنَّ بِهَا يَتَيَسَّرُ الْقَبْضُ وَالْبَسْطُ وَالتَّرَدُّدُ وَالنُّهُوضُ إِلَى الْحَاجَاتِ، (فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ تَفْصِيلِيَّةٌ، تَرَكَ تَعْدِيدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَفَاصِلِ لِلِاسْتِغْنَاءِ بِذِكْرِ تَعْدِيدِ مَا ذَكَرَ مِنَ التَّسْبِيحِ وَغَيْرِهِ اهـ. أَوْ ; لِأَنَّ تَعْدِيدَ الْمَفَاصِلِ يَجُرُّ إِلَى الْإِطَالَةِ، وَفِي تَرْكِهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]
стр. 1934
الْمَقْصُودُ مَا بِهِ الْقِيَامٌ بِشُكْرِهَا عَلَى أَنْ جَعْلَ لَهُ مَا يَكُونُ بِهِ مُتَمَكِّنًا عَلَى الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَلَيْسَ الصَّدَقَةُ بِالْمَالِ فَقَطْ، بَلْ كُلُّ خَيْرٍ صَدَقَةٌ. (وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ) : وَكَذَا سَائِرُ الْأَذْكَارِ، وَبَاقِي الْعِبَادَاتِ صَدَقَاتٌ عَلَى نَفْسِ الذَّاكِرِ، وَخَيْرَاتٌ وَمَبَرَّاتٌ عَلَيْهِ. (وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ) ; لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُمَا رَاجِعَةٌ إِلَيْهِ وَإِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَعَلَّ تَرْكَ ذِكْرِ (كُلُّ) هُنَا اسْتِغْنَاءٌ بِذِكْرِهِ أَوَّلًا.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ لِلْإِشَارَةِ إِلَى نُدْرَةِ وُقُوعِهِمَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهُمَا لَا سِيَّمَا مِنَ الْمُعْتَزِلِ عَنِ النَّاسِ اهـ. وَلِظُهُورِ الْكُلِّيَّةِ فِيهِمَا ; لِأَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَفِي تَرْكِ ذِكْرِ الصَّدَقَةِ الْحَقِيقِيَّةِ تَسْلِيَةٌ لِلْفُقَرَاءِ وَالْعَاجِزِينَ عَنِ الْخَيْرَاتِ الْمَالِيَّةِ. (وَيُجْزِئُ) : بِالتَّذْكِيرِ أَوِ التَّأْنِيثِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطْنَاهُ بِالضَّمِّ، أَيْ ضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِجْزَاءِ، وَبِالْفَتْحِ مِنْ جَزَى يَجْزِي، أَيْ يَكْفِي (مِنْ ذَلِكَ) : هِيَ بِمَعْنَى " عَنْ "، أَيْ: يَكْفِي عَمَّا ذَكَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَى السُّلَامَى مِنَ الصَّدَقَاتِ (رَكْعَتَانِ) ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَمَلٌ بِجَمِيعِ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ، فَيَقُومُ كُلُّ عُضْوٍ بِشُكْرِهِ، وَلِاشْتِمَالِ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّدَقَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ فِيهَا أَمْرًا لِلنَّفْسِ بِالْخَيْرِ وَنَهْيًا لَهَا عَنْ تَرْكِ الشُّكْرِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى) ، أَيْ مِنْ صَلَاةِ الضُّحَى، أَوْ فِي وَقْتِ الضُّحَى، فَيَنْبَغِي الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِمَا، وَلِذَا كَرِهَ جَمَاعَةٌ تَرَكَهَا، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إِلَى نَهْيِ الْبُتَيْرَاءِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِهِمَا بِالْإِجْزَاءِ أَنَّهُ وَقْتُ غَفْلَةِ أَكْثَرِ النَّاسِ عَنِ الطَّاعَةِ، وَالْقِيَامِ بِحَقِّ الْعُبُودِيَّةِ، وَلِذَا فُسِّرَ الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ فِي الْآيَةِ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ، وَالْوِتْرُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، لِكَوْنِهِمَا وَقْتَ الِاسْتِرَاحَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1935
١٣١٢ - ( «وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁، أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى) : فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٣١٢ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى) ، أَيْ: عِنْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ شَيْئًا يَسِيرًا (فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ زَائِدَةٌ، أَيْ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الضُّحَى، أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ قَوْلُهُ: لَقَدْ عَلِمُوا، أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ إِيقَاعَ صَلَاتِهِمْ فِي بَعْضِ وَقْتِ الضُّحَى، أَيْ: أَوَّلِهِ، وَلَمْ يَصْبِرُوا إِلَى الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، أَيْ: كَيْفَ يُصَلُّونَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ أَفْضَلُ؟ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ابْتِدَائِيَّةً، أَيْ صَلَاةُ مُبْتَدَأٍ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى إِنْكَارَ إِنْشَاءِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الضُّحَى، وَجَوَّزَ ابْنُ حَجَرٍ أَنْ تَكُونَ بَيَانِيَّةً لِمُقَدَّرٍ، أَيْ صَلَاةً هِيَ الضُّحَى، وَعِنْدِي أَنَّ الِابْتِدَائِيَّةَ أَظْهَرُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا لِلْعِلَّةِ. (قَالَ: " صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ) : الْأَوَّابُ: الْكَثِيرُ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْأَوْبِ وَهُوَ الرُّجُوعُ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَقِيلَ: هُوَ الْمُطِيعُ، وَقِيلَ: هُوَ الْمُسَبِّحُ، وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ عَلَى أَنَّ التَّوَّابَ هُوَ الرَّجَّاعُ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَالْأَوَّابُ هُوَ الرَّجَّاعُ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الْغَفْلَةِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ لَا يُحَافِظُ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى إِلَّا أَوَّابٌ وَهِيَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ. (حِينَ تَرْمَضُ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْمِيمِ، أَيْ: تَحْتَرِقُ (الْفِصَالُ) : جَمْعُ الْفَصِيلِ وَلَدُ النَّاقَةِ إِذَا فُصِلَ عَنْ أُمِّهِ يَعْنِي: أَخْفَاهَا مِنْ شِدَّةِ حَرِّ النَّهَارِ، وَقِيلَ ; لِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ زَمَانُ الِاسْتِرَاحَةِ، فَإِذَا تَرَكَهَا وَاشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ اسْتَحَقَّ الثَّنَاءَ الْجَمِيلَ وَالْجَزَاءَ الْجَزِيلَ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الرَّمْضَاءُ شِدَّةُ وَقْعِ حَرِّ الشَّمْسِ عَلَى الرَّمْلِ وَغَيْرِهِ إِلَى حِينِ يَجِدُ الْفَصِيلُ حَرَّ الشَّمْسِ، فَيَبْرُكُ مِنْ حِدَّةِ حَرِّ الشَّمْسِ وَإِحْرَاقِهَا أَخْفَافَهَا، فَذَلِكَ حِينُ صَلَاةِ الضُّحَى، وَهِيَ عِنْدَ مُضِيِّ رُبُعِ النَّهَارِ، وَإِنَّمَا أَضَافَهَا إِلَى الْأَوَّابِينَ لِمَيْلِ النَّفْسِ فِيهِ إِلَى الدَّعَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، فَالِاشْتِغَالُ فِيهِ بِالصَّلَاةِ أَوْبٌ مِنْ مُرَادِ النَّفْسِ إِلَى مَرْضَاةِ الرَّبِّ، قِيلَ: قَالَهُ ﵊ حِينَ دَخَلَ مَسْجِدَ قُبَاءٍ، وَوَجَدَ أَهْلَهُ يُصَلُّونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَوَّلَهُ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ، وَآخِرُهُ قُرْبَ الِاسْتِوَاءِ، وَأَفْضَلُهُ أَوْسَطُهُ وَهُوَ رُبُعُ النَّهَارِ، لِئَلَّا يَخْلُو كُلُّ رُبُعٍ مِنَ النَّهَارِ عَنِ الصَّلَاةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 1936
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٣١٣ - عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي ذَرٍّ ﵄ قَالَا: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عَنِ اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: يَا ابْنَ آدَمَ! ارْكَعْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ; أَكْفِكَ آخِرَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الفصلُ الثَّانِي
١٣١٣ - (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي ذَرٍّ ﵄، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " عَنِ اللَّهِ) : هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقُولِ أَوِ التَّقْدِيرُ نَاقِلًا أَوْ قَائِلًا: عَنِ اللَّهِ (تَبَارَكَ) ، أَيْ: كَثُرَ خَيْرُهُ وَبَرَكَتُهُ (وَتَعَالَى) ، أَيْ: عَلَا مَجْدُهُ وَعَظَمَتُهُ (أَنَّهُ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْكَسْرِ (قَالَ: يَا ابْنَ آدَمَ! ارْكَعْ) ، أَيْ: صَلِّ (لِي) ، أَيْ: خَالِصًا لِوَجْهِي (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ) : قِيلَ: الْمُرَادُ صَلَاةُ الضُّحَى، وَقِيلَ: صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ، وَقِيلَ: سُنَّةُ الصُّبْحِ وَفَرْضُهُ ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ فَرْضِ النَّهَارِ الشَّرْعِيِّ (أَكْفِكَ) ، أَيْ: مُهِمَّاتِكَ (آخِرَهُ) ، أَيْ: إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: أَكْفِكَ شُغْلَكَ وَحَوَائِجَكَ، وَأَدْفَعُ عَنْكَ مَا تَكْرَهُهُ بَعْدَ صَلَاتِكَ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، وَالْمَعْنَى فَرِّغْ بَالَكَ بِعِبَادَتِي فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، أُفَرِّغْ بَالَكَ فِي آخِرِهِ بِقَضَاءِ حَوَائِجِكَ اهـ.
وَهُوَ مَعْنَى مَنْ كَانَ لِلَّهِ كَانَ اللَّهُ لَهُ، وَقَدْ وَرَدَ: مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا؛ هَمَّ الدِّينِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ صَاحِبُ تَخْرِيجِ الْمَصَابِيحِ: حَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذِهِ الرَّكَعَاتِ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى، وَلِهَذَا أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ الضُّحَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقَعُ النَّهَارُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ عَلَى مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا. نَقَلَهُ مِيرَكُ: لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى عُرْفِ الْحُكَمَاءِ وَالْمُنَجِّمِينَ، وَأَمَّا عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ فَهُوَ مِنْ طُلُوعِ الصُّبْحِ إِلَى الْمَغْرِبِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الضَّحْوَةِ وَمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ أَوَّلُ النَّهَارِ، فَمِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ فِي قَوْلِهِ: مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، أَيْ: عَنْهُمَا، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ اهـ. وَفِي سَنَدِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَفِيهِ مَقَالٌ، قَالَهُ مِيرَكُ. وَفِي الشَّمَائِلِ بِلَفْظِ: ابْنُ آدَمَ. بِدُونِ حَرْفِ النِّدَاءِ.
стр. 1937
١٣١٤ - وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ الْغَطَفَانِيِّ، وَأَحْمَدُ عَنْهُمْ.
ــ
١٣١٤ - (وَرَوَاهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَأَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ غَلَطٌ لِاخْتِلَافِ الرَّاوِي (أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا (عَنْ نُعَيْمٍ) : مُصَغَّرًا (ابْنِ هَمَّارٍ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالزَّايِ، قَالَ مِيرَكُ: وَالْأَكْثَرُ أَنَّ اسْمَ أَبِيهِ هَمَّارٌ، وَيُقَالُ هَبَّارٌ بِالْمُوَحَّدَةِ وَهَدَّارٌ وَخَمَّارٌ وَهَمَّامٌ وَحِمَازٌ وَهِمَارٌ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ. (الْغَطَفَانِيِّ) : مَنْسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةِ غَطَفَانَ بِحَرَكَتَيْنِ، (وَأَحْمَدُ عَنْهُمْ) ، أَيْ: يَرْوِي أَحْمَدُ عَنِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ: عَنِ الثَّلَاثَةِ الْأَوَّلِينَ وَنُعَيْمٍ وَهْمٌ وَصَوَابُهُ عَنِ الْأَوَّلِينَ، فَإِنَّ الْمَجْمُوعَ ثَلَاثَةٌ.
стр. 1938
١٣١٥ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مَفْصِلًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ بِصَدَقَةٍ "، قَالُوا: وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: " النُّخَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ تَدْفِنُهَا، وَالشَّيْءُ تُنَحِّيهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ; فَرَكْعَتَا الضُّحَى تُجْزِئُكَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٣١٥ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مَفْصِلًا» ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ، قِيلَ: نِصْفُهَا سَاكِنَاتٌ، وَنِصْفُهَا مُتَحَرِّكَاتٌ، فَإِنْ تَحَرَّكَتْ سَاكِنَةٌ أَوْ سَكَنَتْ مُتَحَرِّكَةٌ لَاخْتَلَّ نِظَامُهُ، وَتَعَذَّرَ قِيَامُهُ، وَتَنَغَّصَ عَيْشُهُ وَقِوَامُهُ. (فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ بِصَدَقَةٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُجُوبِ فِي حَدِيثِ يُصْبِحُ قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ اهـ. وَهُوَ بِمَعْنَى اللُّزُومِ وَالتَّأْكِيدِ لَا الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ، إِذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ رَكْعَتَيِ الضُّحَى وَسَائِرِ الصَّدَقَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنْ كَانَ الشُّكْرُ عَلَى نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا وَاجِبًا شَرْعًا وَعَقْلًا. (قَالُوا: وَمَنْ يُطِيقُ ذَاكَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: ذَلِكَ، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَاتِ، فَكَأَنَّهُمْ حَمَلُوا الصَّدَقَةَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ مِنَ الْخَيْرَاتِ الْمَالِيَّةِ، أَيْ: لَا يُطِيقُ كُلُّ أَحَدٍ ذَلِكَ. (يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟) ; لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ فُقَرَاءُ (قَالَ: " النُّخَاعَةُ) : بِضَمِّ النُّونِ، أَيِ: النُّخَاعَةُ الَّتِي تَرَاهَا (فِي الْمَسْجِدِ) ، أَيْ: تَكُونُ فِيهِ (تَدْفِنُهَا) ، أَيْ، أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ
стр. 1939
خِطَابًا عَامًا عَدْلَ عَنْ صِيغَةِ الْجَمْعِ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ الِاخْتِصَاصُ بِالصَّحَابَةِ، أَيْ: دَفْنُهَا صَدَقَةٌ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (وَالشَّيْءُ) : بِالرَّفْعِ، أَيِ الْمُؤْذِي لِلْمَارَّةِ مِنْ شَوْكٍ أَوْ حَجَرٍ (تُنَحِّيهِ) : بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: تُبْعِدُهُ (عَنِ الطَّرِيقِ) ، أَيْ: تَنْحِيَةُ ذَلِكَ صَدَقَةٌ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: مَنْ يَدْفِنُ النُّخَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى الْخِطَابِ الْعَامِّ اهْتِمَامًا بِشَأْنِ هَذِهِ الْخِلَالِ، وَإِنَّ كُلَّ مَنْ شَأْنُهُ أَنْ يُخَاطَبَ بِخِطَابٍ يَنْبَغِي أَنْ يَهْتَمَّ بِهَا. وَرَدَّهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ النُّخَامَةُ مِنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ دَفْنَهَا حِينَئِذٍ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، كَمَا فَعَلَهُ ﵊ وَحَثَّ عَلَيْهِ، أَمَّا نُخَامَتُهُ هُوَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ دَفْنُهَا ; لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ حَرَامًا بِفِعْلِهَا، فَلَزِمَهُ قَطْعُهُ بِدَفْنِهَا الَّذِي جَعَلَهُ الشَّارِعُ كَفَّارَةً لِذَلِكَ اهـ.
وَيُدْفَعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً أَوْ سُنَّةً، أَمَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ، وَقَدْ أُقِيمَا مَقَامَ الصَّدَقَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ) ، أَيْ: شَيْئًا مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّدَقَةِ عُرْفًا أَوْ شَرْعًا يَبْلُغُ عَدَدَ الثَّلَاثِمِائَةِ وَالسِّتِّينَ (فَرَكْعَتَا الضُّحَى) ، أَيْ: صَلَاتُهُ (تُجْزِئُكَ) ، أَيْ: تَكْفِيكَ عَنْ جَمِيعِهَا، وَأَفْرَدَ الْخَبَرَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى، أَيْ: فَصَلَاةُ الضُّحَى تُجْزِئُكَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، قَالَ مِيرَكُ: وَفِي سَنَدِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ الذَّهَبِيُّ: ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَقَوَّاهُ غَيْرُهُ اهـ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّهُ خَلَقَ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَفْصِلًا، فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ، وَحَمِدَ اللَّهَ، وَهَلَّلَ اللَّهَ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً، أَوْ عَظْمًا، أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَدَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثِمِائَةِ فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ» "، أَيْ: أَبْعَدَهَا.
قُلْتُ:
وَكَمْ لِلَّهِ مِنْ لُطْفٍ خَفِيِّ ... يَدِقُّ خَفَاهُ عَنْ فَهْمٍ ذَكِيِّ
وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِابْنِ آدَمَ الْمُلُوحَةَ فِي الْعَيْنَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا شَحْمَتَانِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَذَابَتَا، وَجَعَلَ الْمَرَارَةَ فِي الْأُذُنَيْنِ حِجَابًا مِنَ الدَّوَابِّ، مَا دَخَلَتِ الرَّأْسَ دَابَّةٌ إِلَّا الْتَمَسَتِ الْوُصُولَ إِلَى الدِّمَاغِ، فَإِذَا ذَاقَتِ الْمَرَارَةَ الْتَمَسَتِ الْخُرُوجَ، وَجَعَلَ الْحَرَارَةَ فِي الْمَنْخَرَيْنِ لِيَسْتَنْشِقَ بِهَا الرِّيحَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ ; لَأَنْتَنَ الدِّمَاغُ، وَجَعَلَ الْعُذُوبَةَ فِي الشَّفَتَيْنِ يَجِدُ بِهَا طَعْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَيَسْمَعُ النَّاسُ حَلَاوَةَ مَنْطِقِهِ» ". ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي عِلْمِ التَّشْرِيحِ مِنَ الْعُلُومِ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ.
стр. 1940
١٣١٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ; بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا مَنْ ذَهَبٍ فِي الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
ــ
١٣١٦ - ( «وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً» ) ، أَيْ: جُمْلَةً أَوْ مُفَرَّقَةً (بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ فِي الْجَنَّةِ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) ، أَيْ: إِسْنَادُهُ (لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ.
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ مَرْفُوعًا " «إِنْ صَلَّيْتَ الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَإِنْ صَلَّيْتَهَا أَرْبَعًا كُتِبْتَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، وَإِنْ صَلَّيْتَهَا سِتًّا كُتِبْتَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَإِنْ صَلَّيْتَهَا ثَمَانِيًا كُتِبْتَ مِنَ الْفَائِزِينَ، وَإِنْ صَلَّيْتَهَا عَشْرًا لَمْ يُكْتَبْ لَكَ الْيَوْمَ ذَنْبٌ، وَإِنْ صَلَّيْتَهَا ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ.
وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ: يَا عَمَّاهُ أَوْصِنِي، قَالَ: سَأَلْتَنِي كَمَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ: " «إِنْ صَلَّيْتَ الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ تُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ» " إِلَخْ، قَالَ الْبَزَّارُ: وَلَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، كَذَا قَالَ ﵀.
وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: " «وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا كُتِبَ مِنَ الْعَابِدِينَ، وَمَنْ صَلَّى سِتًّا كُفِيَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَمَنْ صَلَّى ثَمَانِيًا كَتَبَهُ اللَّهُ مِنَ الْقَانِتِينَ» ". وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنْ طُرُقٍ، وَهَذَا أَحْسَنُ أَسَانِيدِهِ، وَنَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْمُنْذِرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ أَنَّ الثَّمَانَ أَفْضَلُهَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهَا ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ كَثِيرُونَ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ غَرِيبٌ.
стр. 1941
١٣١٧ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيِ الضُّحَى، لَا يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٣١٧ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهْنِيِّ) : مَنْسُوبٌ إِلَى قَبِيلَةِ جُهَيْنَةَ مُصَغَّرًا. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ قَعَدَ) ، أَيْ: اسْتَمَرَّ (فِي مُصَلَّاهُ) : مِنَ الْمَسْجِدِ أَوِ الْبَيْتِ مُشْتَغِلًا بِالذِّكْرِ أَوِ الْفِكْرِ، أَوْ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ، أَوْ مُسْتَفِيدًا، أَوْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ (حِينَ يَنْصَرِفُ) ، أَيْ: يُسَلِّمُ (مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ) ، أَيْ: إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ (رَكْعَتَيِ الضُّحَى) ، أَيْ: بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَارْتِفَاعِهَا (لَا يَقُولُ) ، أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُمَا (إِلَّا خَيْرًا) : وَهُوَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ، وَاكْتَفَى بِالْقَوْلِ عَنِ الْفِعْلِ. (غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ) ، أَيْ: الصَّغَائِرُ، وَيَحْتَمِلُ الْكَبَائِرُ (وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهْنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، وَسَهْلٌ ضَعِيفٌ، وَالرَّاوِي عَنْهُ زَبَّانُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ بَعْدَ الْأَلْفِ نُونٌ ضَعِيفٌ أَيْضًا، مَعَ صَلَاحِهِ وَعِبَادَتِهِ، قَالَهُ مِيرَكُ. وَيُعْمَلُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَقَدْ صَحَّ فِي نَحْوِ ذَلِكَ أَنَّهُ كَحَجَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ، وَهُوَ مُقَارِنٌ لِمَا هُنَا وَقَدْ وَرَدَ: " «مِنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» " اتِّفَاقًا.
стр. 1942
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٣١٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ حَافَظَ عَلَى شُفْعَةِ الضُّحَى ; غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٣١٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ حَافَظَ) ، أَيْ: وَاظَبَ وَدَاوَمَ (عَلَى شُفْعَةِ الضُّحَى) : يُرْوَى بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ كَالْغَرْفَةِ وَالْغُرْفَةِ، أَيْ: رَكْعَتَيِ الضُّحَى مِنَ الشَّفْعِ بِمُنَى الزَّوْجِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. (غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ) : قِيلَ: إِنَّمَا خَصَّ الْكَثْرَةَ بِزَبَدِ الْبَحْرِ لِاشْتِهَارِهِ بِالْكَثْرَةِ عِنْدَ الْمُخَاطِبِينَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عَبَّرَ هُنَا بِمَثَلٍ، وَفِيمَا سَبَقَ بِأَكْثَرَ ; لِأَنَّ عَمَلَ ذَلِكَ أَشُقُّ، فَكَانَتِ الزِّيَادَةُ بِهِ أَحَقَّ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ الْمَذْكُورَةَ أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ الْقُعُودِ الْمَسْطُورِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمُدَاوَمَةُ فِيهِ أَيْضًا مُعْتَبِرَة أَوْ يُضَمُّ إِلَيْهِ أَدَاءُ الصَّلَاةِ الْفَرِيضَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ نَهَّاسِ بْنِ قَهْمٍ اهـ. وَنَهَّاسٌ ضَعِيفٌ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
стр. 1943
١٣١٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ تَقُولُ: لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتُهَا. رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
١٣١٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي الضُّحَى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ) : لَعَلَّهُ تَأَسِّيًا بِمَا صَدَرَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ عَامَ الْفَتْحِ، (ثُمَّ تَقُولُ) ، أَيْ: حَثًّا عَلَى الْمُحَافَظَةِ وَالْمُدَاوَمَةِ، (لَوْ نُشِرَ) ، أَيْ: أُحْيِيَ (لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتُهَا) ، أَيْ: مَا تَرَكْتُ هَذِهِ اللَّذَّةَ بِتِلْكَ اللَّذَّةِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ بِالْمُحَالِ مُبَالَغَةً، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَعْنَاهُ لَوْ خُصِّصْتُ بِإِحْيَاءِ أَبَوَيَّ الَّذِي لَا أَلَذَّ مِنْهُ مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا، وَقِيلَ لِي: اتْرُكِي لَذَّةَ فِعْلِهَا فِي مُقَابَلَةِ تِلْكَ اللَّذَّةِ مَا تَرَكْتُ ذَلِكَ، إِيثَارًا لِلَّذَّةِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَإِنْ دَعَا الطَّبْعُ الْجَبَلِيُّ إِلَى تَقَدُّمِ تِلْكَ اللَّذَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، أَوِ الْمَعْنَى مَا تَرَكْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ اشْتِغَالًا بِالتَّرْحِيبِ بِهِمَا، وَالْقِيَامِ بِخِدْمَتِهِمَا، فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ نِهَايَةِ الْمُوَاظَبَةِ، وَغَايَةِ الْمُحَافَظَةِ بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُهَا قَاطِعٌ عَنْهَا. (رَوَاهُ مَالِكٌ) .
стр. 1944
وَقَدْ جَاءَتْ عَنْ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ أَشْيَاءُ مُخْتَلِفَةٌ فَفِي التِّرْمِذِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ «قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ» بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ ثُمَّ هَاءِ ضَمِيرٍ، وَقَوْلُ شَارِحٍ أَنَّهَا تَاءُ تَأْنِيثٍ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ هُوَ الْأَوَّلُ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: مِنْ سَفَرِهِ، فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَقْيِيدُ النَّفْيِ بِغَيْرِ الْمَجِيءِ مِنْ مَغِيبِهِ، وَتُقَدِّمُ رِوَايَةُ مُعَاذَةَ عَنْهَا الْإِثْبَاتَ مُطْلَقًا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْهَا بِلَفْظِ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَبِّحُ سُبْحَةَ الضُّحَى، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا، فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ نَفْيُ رُؤْيَتِهَا مُطْلَقًا، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَجَمَاعَةٌ إِلَى تَرْجِيحِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ دُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ، وَرِوَايَةُ مُعَاذَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْهَا مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَقَالُوا: إِنَّ عَدَمَ رُؤْيَتِهَا ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْوُقُوعِ، فَيُقَدَّمُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ الْإِثْبَاتُ، وَذَهَبَ الْآخَرُونَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا: مَا رَأَيْتُهُ سَبَّحَهَا، أَيْ دَاوَمَ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهَا: وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا، أَيْ: عَلَى الدَّوَامِ، وَكَذَا قَوْلُهَا: وَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ شَيْئًا يَعْنِي الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا، قَالَ: وَفِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَتْ: وَإِنْ كَانَ لِيَدَعُ الْعَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضُ عَلَيْهِمُ اهـ.
وَحَكَى الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ قَوْلِهَا: مَا كَانَ يُصَلِّي إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ، وَقَوْلِهَا: كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا إِلَخْ. أَنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى صِلَاتِهِ إِيَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَالثَّانِي عَلَى الْبَيْتِ قَالَ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُهَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهَا: مَا رَأَيْتُهُ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ صِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَقَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: قَوْلُهُ مَا صَلَّاهَا مَعْنَاهُ مَا رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهَا: كَانَ يُصَلِّيهَا أَنَّهَا أَخْبَرَتْ فِي الْإِنْكَارِ عَنْ مُشَاهَدَتِهَا، وَفِي الْإِثْبَاتِ عَنْ غَيْرِهَا، وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ أَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ نَفَتْ صَلَاةَ الضُّحَى الْمَعْهُودَةَ مِنْ هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَوَقْتٍ مَخْصُوصٍ: وَأَنَّهُ ﵊ إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّيهَا إِذْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ لَا بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، كَمَا قَالَتْ: أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ، نَقَلُهُ مِيرَكُ، عَنِ الشَّيْخِ، وَقَدْ عَدَّ السُّيُوطِيُّ بِضْعًا وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا مِمَّنْ يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى.
стр. 1945
١٣٢٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ: لَا يَدَعُهَا، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٣٢٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى) : أَيْ: أَيَّامًا (حَتَّى نَقُولَ) : بِالنُّونِ (لَا يَدَعُهَا) ، أَيْ: لَا يَتْرُكُهَا أَبَدًا (وَيَدَعُهَا) ، أَيْ: أَحْيَانًا (حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا) : وَكَانَ ذَلِكَ بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْأَوْقَاتِ مِنَ الْعَمَلِ بِالرُّخْصَةِ وَالْعَزِيمَاتِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ عَنْهُ ﵊ فِي صَلَاةِ التَّهَجُّدِ وَصَوْمِ النَّفْلِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَيَّدَ التَّرْكُ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الْعَدَدِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّ الضُّحَى كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لَا فِي كُلِّ يَوْمٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 1946
١٣٢١ - وَعَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: تُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَالنَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: لَا إِخَالُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٣٢١ - (وَعَنْ مُوَرِّقٍ) : بِالتَّشْدِيدِ اسْمُ فَاعِلٍ (الْعِجْلِيِّ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ نِسْبَةً إِلَى بَنِي عِجْلٍ قَبِيلَةً. (قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: تُصَلِّي الضُّحَى؟) : بِحَذْفِ أَدَاةِ الِاسْتِفْهَامِ. (قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَعَمَرُ؟) ، أَيْ: كَانَ يُصَلِّيهَا؟ (قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟) ، أَيْ: كَانَ يُصَلِّيهَا؟ (قَالَ: لَا) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَانَ حِكْمَةُ تَقْدِيمِ عُمَرَ، مَعَ أَنَّ الصِّدِّيقَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَعْلَمُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَطَّلِعُ مِنْ حَالِ أَبِيهِ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِ غَيْرِهِ. قُلْتُ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهَا لِلتَّرَقِّي لِقَوْلِهِ: (قُلْتُ: فَالنَّبِيُّ ﷺ : كَانَ يُصَلِّيهَا (قَالَ: لَا إِخَالُهُ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الْأَفْصَحُ، وَقَدْ تُفْتَحُ وَهُوَ الْقِيَاسُ، أَيْ: لَا أَظُنُّهُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. كَرِهَ بَعْضُهُمْ صَلَاةَ الضُّحَى، رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ رَأَى نَاسًا يُصَلُّونَ الضُّحَى، فَقَالَ: أَمَّا إِنَّهُمْ يُصَلُّونَ صَلَاةً مَا صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ النَّوَوِيُّ: الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ فِي نَفْيِ صَلَاةِ الضُّحَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِثْبَاتُهَا فِي حَدِيثِ غَيْرِهَا، هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِفَضْلِهَا، وَيَتْرُكُهَا فِي بَعْضِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ، وَيُشْبِهَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
стр. 1947
وَالسَّلَامُ لَمْ يَحْضُرْ عِنْدَهَا وَقْتَ الضُّحَى إِلَّا نَادِرًا، وَيُصَلِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ عِنْدَ نِسَائِهِ، وَلَهَا يَوْمٌ مِنْ تِسْعَةِ أَيَّامٍ، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ صَحَّ قَوْلُهَا مَا رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهَا، أَوْ نَقُولُ مَعْنَاهُ مَا رَأَيْتُهُ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: صَلَاةُ الضُّحَى بِدْعَةٌ، فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهَا فِي الْمَسْجِدِ وَالتَّظَاهُرَ بِهَا بِدَعَةٌ ; لِأَنَّ أَصْلَهَا أَنْ تُصَلَّى فِي الْبُيُوتِ، أَوْ نَقُولُ إِنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَبْلُغْهُ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَمْرَهُ بِذَلِكَ، أَوْ يُقَالُ الْمُوَاظَبَةُ بِدْعَةٌ ; لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُوَاظِبْ خَشْيَةَ الِافْتِرَاضِ اهـ. مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
قَالَ مُنْلَا حَنَفِي: وَلَا شَكَّ أَنَّهُ ارْتَفَعَ بَعْدَهُ ﵊ خَوْفَ تَوَهُّمِ أَنْ تَكُونَ فَرْضًا، فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا مُسْتَحَبَّةٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ.
стр. 1948
[بَابُ التَّطَوُّعِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٣٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: " يَا بِلَالُ! حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ "، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٣٩] بَابُ التَّطَوُّعِ
أَيْ: سَائِرُ أَنْوَاعِ التَّطَوُّعِ مِنَ الصَّلَوَاتِ الثَّابِتَةِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . مِنْ شُكْرِ الْوُضُوءِ، وَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ، وَالتَّوْبَةِ، وَالْحَاجَةِ، وَمِنْهَا صَلَاةُ التَّسْبِيحِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٣٢٢ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بِمَعْنَى عَقِبَ أَوْ قُبَيْلَ، وَتَحْتَمِلُ الصَّلَاةُ فَرْضَهُ وَسُنَّتَهُ. (يَا بِلَالُ! حَدِّثْنِي) ، أَيْ: أَخْبِرْنِي (بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ) ، أَيْ: اخْتَرَعْتَهُ (فِي الْإِسْلَامِ) : قِيلَ: أَضَافَ الرَّجَاءَ إِلَى الْعَمَلِ ; لِأَنَّهُ سَبَبُهُ، أَوْ هُوَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فَإِنَّ الْعَمَلَ مَرْجُوٌّ بِهِ الثَّوَابُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْفَاعِلِ، أَيْ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يَكُونُ رَجَاؤُكَ بِثَوَابِهِ أَكْثَرَ اهـ. وَفِي كَلَامِهِ مُسَامِحَتَانِ: الْأُولَى قَوْلُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْفَاعِلِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَالْأُخْرَى أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ مَعْنَى الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ. (فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ) ، أَيْ: صَوْتَهُمَا عِنْدَ مَشْيِكَ فِيهِمَا، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ: صَوْتَ مَشْيِكَ فِيهِمَا ; لِأَنَّ الْمَشْيَ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ لَيْسَ لَهُ صَوْتٌ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ، وَأَصْلُهُ السَّيْرُ اللَّيِّنُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الصَّوْتُ اللَّيِّنُ الْمُلَائِمُ النَّاشِئُ مِنَ السَّيْرِ، وَلَعَلَّهُ سُمِّيَ الدُّفُّ دُفًّا لِذَلِكَ. (بَيْنَ يَدِيَّ) : وَهَذَا مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْخَادِمِ عَلَى الْمَخْدُومِ وَحِكْمَةُ سَمَاعِهِ لِدَفِّهِمَا أَنَّهُمَا آلَةُ الْمَشْيِ، وَالِاجْتِهَادُ الْمُوَصِّلُ لِلْمَقْصِدِ وَالْمُرَادِ، كَذَا قِيلَ، وَلَعَلَّ فِي صُورَةِ التَّقْدِيمِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا خَالِصًا، وَلِذَا خُصَّ مِنْ بَيْنِ عُمُومِ الْخُدَّامِ بِسَمَاعِ دَفَّ نَعْلَيْهِ الْمُشِيرِ إِلَى خِدْمَتِهِ، وَصُحْبَتِهِ لَهُ ﵇ فِي الدَّارَيْنِ وَمُرَافَقَتِهِ. (فِي الْجَنَّةِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا أَمْرٌ كُوشِفَ بِهِ ﵊ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ فِي نَوْمِهِ، أَوْ يَقَظَتِهِ، أَوْ بَيْنَ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ، أَوْ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَمَشْيهِ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ عَلَى سَبِيلِ الْخِدْمَةِ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِتَقَدُّمِ بَعْضِ الْخَدَمِ بَيْنَ يَدِيِّ مَخْدُومِهِ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَهُ ﵊ بِمَا رَآهُ لِيَطِيبَ قَلْبُهُ وَيُدَاوِمَ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ وَلِتَرْغِيبِ السَّامِعِينَ إِلَيْهِ.
(قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا) ، أَيْ: خَاصًّا مِنْ لَدُنِّي (أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي) : بِالْفَتْحِ، أَيْ: مِنْ أَنِّي، وَقِيلَ بِالْكَسْرِ جُمْلَةً مُسْتَأْنِفَةً جَوَابَ لِمَ سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ؟ فَقَالَ: أَنِّي (لَمْ أَتَطَهَّرْ) : وَلَا يَخْفَى بَعْدَهُ (طُهُورًا) : بِضَمِّ الطَّاءِ، أَيْ: طَهَارَةٌ وَهِيَ شَامِلَةٌ لِلْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ وَالتَّيَمُّمِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ وَقَالَ: بِفَتْحِ الطَّاءِ، أَيْ وُضُوءً. (فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ) : كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: أَوْ نَهَارٍ، وَعَكْسِ ابْنِ حَجَرٍ. (إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي) ، أَيْ: قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِي مِنَ النَّوَافِلِ (أَنْ أُصَلِيَّ) : وَقِيلَ: وَجَبَ وَاللَّامُ بِمَعْنَى " عَلَى " وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ ; لِأَنَّهَا بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَلِلدِّرَايَةِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ إِنَّمَا هِيَ الصَّلَاةُ الْمَخْصُوصَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى شُكْرُ الْوُضُوءِ، قِيلَ: فِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُصَرِّحَةَ بِالْحُرْمَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى هَذَا الْمُحْتَمَلِ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْفَوْرِيَّةِ، بَلِ الْبُعْدِيَّةِ بِشَرْطِ بَقَاءِ تِلْكَ الطَّهَارَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ أُمُورًا مُتَعَدِّدَةً غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ الْكُلَّ فَحَفِظَ بَعْضُ الرُّوَاةِ هَذَا، وَبَعْضُهُمْ ذَاكَ، أَوْ تَكُونُ الْوَاقِعَةُ مُكَرَّرَةً، فَذَكَرَ هَذَا فِي مَرَّةٍ، وَذَاكَ فِي أُخْرَى.
стр. 1949
١٣٢٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: " إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّك تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ ولا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنَّ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي، وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي، وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقَدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ "، قَالَ: " وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٣٢٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ) ، أَيْ: طَلَبَ تَيَسُّرِ الْخَيْرِ فِي الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْفِعْلِ، أَوِ التَّرْكِ مِنَ الْخَيْرِ وَهُوَ ضِدُّ الشَّرِّ. (فِي الْأُمُورِ) ، أَيْ: الَّتِي نُرِيدُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهَا مُبَاحَةً كَانَتْ أَوْ عِبَادَةً، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِيقَاعِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْلِ فِعْلِهَا. (كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِهَذَا الدُّعَاءِ (يَقُولُ) : بَدَلٌ أَوْ حَالٌ (إِذَا هَمَّ) ، أَيْ: قَصَدَ (أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ) ، أَيْ: مِنْ نِكَاحٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُرِيدُ فِعْلَهُ أَوْ تَرْكَهُ، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: الْوَارِدُ عَلَى الْقَلْبِ عَلَى مَرَاتِبَ: الْهِمَّةُ، ثُمَّ اللَّمَّةُ، ثُمَّ الْخَطِرَةُ، ثُمَّ النِّيَّةُ، ثُمَّ الْإِرَادَةُ، ثُمَّ الْعَزِيمَةُ، فَالثَّلَاثَةُ الْأَوَّلُ لَا يُؤَاخِذُ بِهَا بِخِلَافِ الثَّلَاثِ الْأَخِيرَةِ فَقَوْلُهُ: إِذَا هَمَّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ، فَيَسْتَخِيرُ، فَيَظْهَرُ لَهُ بِبَرَكَةِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ مَا هُوَ الْخَيْرُ، بِخِلَافٍ مَا إِذَا تَمَكَّنَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ وَقَوِيَتْ عَزِيمَتُهُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَيْهِ مَيْلٌ وَحُبٌّ، فَيَخْشَى أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ وَجْهُ الْأَرْشَدِيَّةِ لِغَلَبَةِ مَيْلِهِ إِلَيْهِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْهَمِّ الْعَزِيمَةَ ; لِأَنَّ الْخَوَاطِرَ لَا تُثْبِتُ فَلَا يَسْتَخِيرُ إِلَّا عَلَى مَا يَقْصِدُ التَّصْمِيمَ عَلَى فِعْلِهِ، وَإِلَّا لَوِ اسْتَخَارَ فِي كُلِّ خَاطِرٍ لَاسْتَخَارَ فِيمَا لَا يَعْبَأُ بِهِ فَتَضِيعُ عَلَيْهِ أَوْقَاتُهُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ " إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَمْرًا ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. (فَلْيَرْكَعْ) ، أَيْ: لِيُصَلِّ أَمْرُ نَدْبٍ (رَكْعَتَيْنِ) : بِنِيَّةِ الِاسْتِخَارَةِ، وَهُمَا أَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى (الْكَافِرُونَ) : وَفِي الثَّانِيَةِ (الْإِخْلَاصِ) : وَقِيلَ فِي الْأُولَى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ - مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ - وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٨ - ٦٩] وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] (مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ) : بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ، وَنَظِيرُهُ: تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَشُكْرُ الْوُضُوءِ، قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تُجْزِئُ الْفَرِيضَةُ وَمَا عُيِّنَ وَقْتًا فَتَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمْعٌ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا فِي غَيْرِ الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ. (ثُمَّ لْيَقُلْ) ، أَيْ: بَعْدَ الصَّلَاةِ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ) ، أَيْ: أَطْلُبُ أَصْلَحَ الْأَمْرَيْنِ (بِعِلْمِكَ) ، أَيْ: بِسَبَبِ عِلْمِكَ، وَالْمَعْنَى أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَشْرَحَ صَدْرِي لِخَيْرِ الْأَمْرَيْنِ بِسَبَبِ عِلْمِكَ بِكَيْفِيَّاتِ الْأُمُورِ، وَجُزْئِيَّاتِهَا، وَكُلِّيَّاتِهَا ; إِذْ لَا يُحِيطُ بِخَيْرِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا مَنْ هُوَ كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَاءُ فِيهِ، وَفِي قَوْلِهِ: (وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ) : إِمَّا لِلِاسْتِعَانَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] ، أَيْ: أَطْلُبُ خَيْرَكَ مُسْتَعِينًا بِعِلْمِكَ فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِيمَ خَيْرُكَ، وَأَطْلُبُ مِنْكَ الْقُدْرَةَ فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ، وَإِمَّا لِلِاسْتِعْطَافِ، أَيْ بِحَقِّ عِلْمِكَ الشَّامِلِ وَقُدْرَتِكِ الْكَامِلَةِ اهـ.
وَنَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ١٧] الْآيَةَ. وَقِيلَ: أَيْ أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تُقَدِّرَ لِي الْخَيْرَ بِمَعْنَى تُظْهِرَ لِي تَقْدِيرُكَ الْخَيْرَ بِسَبَبِ قُدْرَتِكَ عَلَيْهِ. (وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ) ، أَيْ: تَعْيِينُ الْخَيْرِ وَتَبْيِينُهُ وَتَقْدِيرُهُ وَتَيْسِيرُهُ، وَإِعْطَاءُ الْقُدْرَةِ لِي عَلَيْهِ، (فَإِنَّكَ تَقْدِرُ) : بِالْقُدْرَةِ الْكَامِلَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُمْكِنٍ تَعَلَّقَتْ بِهِ إِرَادَتُكَ، (وَلَا أَقْدِرُ) : عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِقُدْرَتِكَ وَحَوْلِكَ وَقُوَّتكَ، (وَتَعْلَمُ) : بِالْعِلْمِ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، كُلِّيهَا
стр. 1950
وَجُزْئِيهَا، مُمْكِنِهَا وَغَيْرِهَا، (وَلَا أَعْلَمَ) : شَيْئًا مِنْهَا إِلَّا بِإِعْلَامِكَ وَإِلْهَامِكَ (وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) : بِضَمِّ الْغَيْنِ وَكَسْرِهَا، وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْبُرْهَانِ، أَيْ: أَنْتَ كَثِيرُ الْعِلْمِ بِمَا يَغِيبُ عَنِ السَّوِيِّ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، فَضْلًا عَنِ الْأُمُورِ الْحَاضِرَةِ، وَالْأَشْيَاءِ الظَّاهِرَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهَذَا الْكَلَامُ تَذْيِيلٌ وَتَتْمِيمٌ وَتَكْمِيلٌ مَعَ إِطْنَابٍ وَتَأْكِيدٍ لِمَا قَبْلَهُ، وَمَقَامُ الدُّعَاءِ خَلِيقٌ بِذَلِكَ لِمَا وَرَدَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ تَشْوِيشِ النَّشْرِ الْإِشَارَةُ بِتَقْدِيمِ الْعِلْمِ أَوَّلًا إِلَى عُمُومِهِ، وَبِتَقْدِيمِ الْقُدْرَةِ ثَانِيًا إِلَى أَنَّهَا الْأَنْسَبُ بِالْمَطْلُوبِ الَّذِي هُوَ الْإِقْدَارُ عَلَى فِعْلِ خَيْرِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى أَنَّ مَقَامَ الْعِلْمِ خَتَمَ بِأَخِيرِهِ بِجُمْلَةِ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، وَتَرَكَ: وَأَنْتَ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ) ، أَيْ: إِنْ كَانَ فِي عِلْمِكَ (أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ) ، أَيْ: الَّذِي يُرِيدُهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ أَوْ يُضْمِرُ فِي بَاطِنِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ، فَأَوْقَعَ الْكَلَامَ مَوْقِعَ الشَّكِّ عَلَى مَعْنَى التَّفْوِيضِ إِلَيْهِ.: وَالرِّضَا بِعِلْمِهِ فِيهِ، وَهَذَا النَّوْعُ يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْبَلَاغَةِ (تَجَاهُلَ الْعَارِفِ) ، وَ (مَزْجَ الشَّكِّ بِالْيَقِينِ) ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّكَّ فِي أَنَّ الْعِلْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ، لَا فِي أَصْلِ الْعِلْمِ اهـ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَنَتَوَقَّفُ فِي جَوَازِ الْأَوَّلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. (خَيْرٌ لِي) أَيِ الْأَمْرُ الَّذِي عَزَمْتُ عَلَيْهِ أَصْلَحُ (فِي دِينِي) ، أَيْ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِدِينِي أَوَّلًا وَآخِرًا (وَمَعَاشِي) : فِي الصِّحَاحِ: الْعَيْشُ الْحَيَاةُ، وَقَدْ عَاشَ الرَّجُلُ مَعَاشًا وَمَعِيشًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وَأَنْ يَكُونَ اسْمًا مِثْلَ مَعَابٍ وَمَعِيبٍ، قَالَ مِيرَكُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَعَاشِ الْحَيَاةَ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا يُعَاشُ فِيهِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عِنْد الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ: فِي دِينِي وَفِي دُنْيَايَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي الْكَبِيرِ: فِي دُنْيَايَ وَآخِرَتِي. (وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: فِي دِينِي إِلَخْ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي مِفْتَاحِ الْحِصْنِ: " أَوْ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلتَّخْيِيرِ، أَيْ: أَنْتَ مُخَيَّرٌ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ: عَاجَلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، أَوْ قُلْتَ مَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي.
قَالَ الطَّيِّبِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكَّ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: عَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: عَاجَلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَوْمُ حَيْثُ قَالُوا هِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: خَيْرٌ فِي دِينِهِ دُونَ دُنْيَاهُ وَهُوَ مَقْصُودُ الْإِبْدَالِ، وَخَيْرٌ فِي دُنْيَاهُ فَقَطْ وَهُوَ حَظٌّ حَقِيرٌ، وَخَيْرٌ فِي الْعَاجِلِ دُونَ الْآجِلِ وَبِالْعَكْسِ وَهُوَ أَوْلَى، وَالْجَمْعُ أَفْضَلُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ فِي أَنَّهُ ﵊ قَالَ: فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ بَدَلَ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، وَلَفْظُ " فِي " الْمُعَادَةِ فِي قَوْلِهِ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي، رُبَّمَا يُؤَكِّدُ هَذَا، وَعَاجِلُ الْأَمْرِ يَشْمَلُ الدِّينِيَّ وَالدُّنْيَوِيَّ، وَالْآجِلُ يَشْمَلُهُمَا وَالْعَاقِبَةَ. (فَاقْدُرْهُ) : بِضَمِّ الدَّالِّ وَيُكْسَرُ (لِي) ، أَيْ: اجْعَلْهُ مَقْدُورًا لِي أَوْ هَيِّئْهُ وَنَجِّزْهُ لِي، فِي النِّهَايَةِ: قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْقَدْرِ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا قَضَاهُ اللَّهُ وَحَكَمَ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَدَرَ يَقْدِرُ قَدْرًا، وَقَدْ تُسَكَّنُ دَالُهُ، وَمِنْهُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي تُقَدَّرُ فِيهَا الْأَرْزَاقُ وَتُقْضَى، وَمِنْهُ حَدِيثُ الِاسْتِخَارَةِ: فَاقْدُرْهُ لِي، قَالَ مِيرَكُ: رُوِيَ بِضَمِّ الدَّالِّ وَكَسْرِهَا، وَمَعْنَاهُ أَدْخِلْهُ تَحْتَ قُدْرَتِي، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: (وَيَسِّرْهُ لِي) : طَلَبَ التَّيْسِيرِ بَعْدَ التَّقْدِيرِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ التَّقْدِيرِ التَّيْسِيرُ فَيَكُونُ وَيَسِّرْهُ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا اهـ. وَلَا يَخْفَى بَعْدَهُ ; لِأَنَّ الْأَقْدَارَ أَعَمُّ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " فَوَفِّقْهُ وَسَهِّلْهُ "، وَقَالَ ابْنُ الْمُعَلَّى فِي مَنْسِكِهِ: تَنْبِيهٌ، قَالَ شِهَابُ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِهِ الْقَوَاعِدِ: مِنَ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الْمُرَتَّبِ عَلَى اسْتِئْنَافِ الْمَشِيئَةِ، كَمَنْ يَقُولُ: اقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ ; لِأَنَّ الدُّعَاءَ بِوَضْعِهِ اللُّغَوِيِّ، إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُسْتَقْبَلَ دُونَ الْمَاضِي ; لِأَنَّهُ طَلَبٌ، وَالطَّلَبُ فِي الْمَاضِي مَحَالٌ، فَيَكُونُ مُقْتَضَى هَذَا الدُّعَاءِ أَنْ يَقَعَ تَقْدِيرُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمَانِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ التَّقْدِيرِ، أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْبَدَاءِ، بَلْ وَقَعَ جَمِيعُهُ فِي الْأَزَلِ، فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ يَقْتَضِي مَذْهَبَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا قَضَاءَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أَنُفٌ، كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْخَوَارِجِ وَهُوَ فِسْقٌ بِإِجْمَاعٍ.
فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ وَرَدَ الدُّعَاءُ بِلَفْظِ: اقْدُرْ فِي حَدِيثِ الِاسْتِخَارَةِ فَقَالَ فِيهِ: " وَاقَدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ "، قُلْتُ: يَتَعَيَّنُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ التَّقْدِيرَ أُرِيدَ بِهِ هَاهُنَا التَّيْسِيرُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، فَالدَّاعِي إِذَا أَرَادَ هَذَا الْمَجَازَ جَازَ، وَإِنَّمَا يُحْرَمُ الْإِطْلَاقُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ. (ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ) ، أَيْ: أُكْثِرِ الْخَيْرَ وَالْبَرَكَةَ فِيمَا أَقْدَرْتَنِي عَلَيْهِ وَيَسَّرْتَهُ لِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ثُمَّ
стр. 1951
لِلرُّتْبَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَحِكْمَةُ ثُمَّ أَنَّ فِي الْحُصُولِ بَعْدَ السُّؤَالِ نَوْعُ تَرَاخٍ غَالِبًا اهـ. وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ ; إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَصْحُوبًا بِالْبَرَكَةِ مِنْ أَوَّلِ الْوَهْلَةِ كَانَ مُضْمَحِلًّا، نَعَمْ ظُهُورُ الْبَرَكَةِ قَدْ يَكُونُ مُتَرَاخِيًا مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَعَلَى تَسْلِيمِ صِحَّةِ مَا قَالَ فِي الْخَارِجِ مَثَلًا، فَهُوَ لَا يُنَاسِبُ مَقَامَ الطَّلَبِ وَالدُّعَاءِ أَصْلًا.
(وَإِنَّ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ) ، أَيْ: الْمَذْكُورَ أَوِ الْمُضْمَرَ، فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ (شَرٌّ لِي) ، أَيْ: غَيْرُ صَالِحٍ (فِي دِينِي، وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةِ أَمْرِي) ، أَيْ: مَعَادِي (أَوْ قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ بَدَلُ مَا تَقَدَّمَ، أَوْ قَالَ الْمُسْتَخِيرُ بَدَلَهُ (فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ) : " فَأَوْ " عَلَى الْأَوَّلِ لِلشَّكِّ وَعَلَى الثَّانِي لِلتَّخْيِيرِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا كَمَا قِيلَ: وَإِنْ جَمَعَ بِأَنْ حَذَفَ، قَالَ: لِيَكُونَ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ فَلَا بَأْسَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَرْوِيَّ فِي سَائِرِ أَحَادِيثِ الِاسْتِخَارَةِ انْحَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ. (فَاصْرِفْهُ عَنِّي) ، أَيْ: بِالْبُعْدِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَبِعَدَمِ إِعْطَاءِ الْقُدْرَةِ لِي عَلَيْهِ وَبِالتَّعْوِيقِ وَالتَّعْسِيرِ فِيهِ. (وَاصْرِفْنِي عَنْهُ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: فَاصْرِفْهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَصْرُوفًا عَنْهُ إِلَّا وَيَكُونُ هُوَ مَصْرُوفًا عَنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ: فَاصْرِفْهُ عَنِّي لَا تَقْدِرْنِي عَلَيْهِ، وَبِقَوْلِهِ: اصْرِفْنِي عَنْهُ اصْرِفْ خَاطِرِي عَنْهُ، حَتَّى لَا يَكُونَ سَبَبَ اشْتِغَالِ الْبَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ.
(وَاقَدِرْ لِيَ الْخَيْرَ) ، أَيْ: يَسِّرْهُ لِي وَاجْعَلْهُ مَقْدُورًا لِفِعْلِي. (حَيْثُ كَانَ) ، أَيِ: الْخَيْرُ مِنْ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: حَيْثُ كُنْتُ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ: وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ خَيْرًا فَوَفِّقْنِي لِلْخَيْرِ حَيْثُ كَانَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: " وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ خَيْرًا لِي فَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كَانَ "، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: "، أَيْنَمَا كَانَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ". (ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ) ، أَيْ: بِالْخَيْرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: بِقَضَائِكَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيِ اجْعَلْنِي رَاضِيًا بِخَيْرِكَ الْمَقْدُورِ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا قُدِّرَ لَهُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ فَرَآهُ شَرًّا، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: " ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ " مِنَ التَّرْضِيَةِ، وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ رَاضِيًا وَأَرْضَيْتُ وَرَضِيتُ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنًى، قَالَ مِيرَكُ وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ. (قَالَ) ، أَيِ: الرَّاوِي وَهُوَ جَابِرٌ أَوْ غَيْرُهُ (وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) ، أَيْ: عِنْدَ قَوْلِهِ هَذَا الْأَمْرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ إِمَّا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَقُلْ، أَيْ: فَلْيَقُلْ هَذَا مُسَمِّيًا، أَوْ عَطْفٌ عَلَى لِيَقُلْ عَلَى التَّأْوِيلِ ; لِأَنَّهُ أَيْ: يُسَمَّى فِي مَعْنَى الْأَمْرِ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ لَفْظِ النُّبُوَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ الْأُصُولُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِيهَا، وَأَيْضًا لَا يُشْتَرَطُ فِي إِبْرَازِ الْأَمْرِ وَتَعْيِينِهِ التَّسْمِيَةُ وَالْإِظْهَارُ، بَلْ يَكْفِي فِي تَبْيِينِهِ النِّيَّةُ وَالْإِضْمَارُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَسْرَارِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَلْتُ: وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ: فَإِنْ كَانَ زَوَاجًا فَلْيَكْتُمُ الْخِطْبَةَ، أَيْ: بِالْكَسْرِ، ثُمَّ لْيَتَوَضَّأْ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ لْيُصَلِّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ لْيَحْمَدِ اللَّهَ وَيُمَجِّدْهُ، ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعَلُّمُ وَلَا أَعْلَمَ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، فَإِنْ رَأَيْتَ، أَيْ عَلِمْتَ أَنَّ فِي فُلَانَةٍ وَيُسَمِّيهَا، أَيْ يَذْكُرُهَا بِاسْمِهَا، أَيْ: فِي لِسَانِهِ أَوْ قَلْبِهِ خَيْرًا لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَآخِرَتِي فَاقْدُرْهَا لِي، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا خَيْرًا لِي مِنْهَا فِي دِينِي وَآخِرَتِي فَاقْدُرْهَا لِي اهـ.
وَفِي تَرْكِ الدُّنْيَا فِي الْفِقْرَةِ الْأَخِيرَةِ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى، وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ وَلَفْظُهُ: " «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ كَثْرَةُ اسْتِخَارَتِهِ اللَّهَ وَرِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ وَسُخْطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ» "، وَلَفْظُ الْحَاكِمِ: " مِنْ «سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ كَثْرَةُ اسْتِخَارَتِهِ اللَّهَ، وَمِنْ شِقْوَتِهِ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ» "، وَفِي الصِّحَاحِ: الشِّقْوَةُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ لُغَةً الشَّقَاوَةُ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ، وَلَا عَالٍ مَنِ اقْتَصَدَ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ ﵁، قِيلَ: وَيَمْضِي بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ لِمَا يَنْشَرِحُ لَهُ صَدْرُهُ انْشِرَاحًا خَالِيًا عَنْ هَوَى النَّفْسِ، فَإِنْ لَمْ يَنْشَرِحْ لِشَيْءٍ، فَالَّذِي يُظْهِرُ أَنَّهُ يُكَرِّرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ الْخَيْرُ، قِيلَ: إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَجَلَةً فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ خِرْ لِي بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَاخْتَرْ لِي وَاجْعَلْ لِيَ الْخَيَرَةَ بِفَتْحِ الْيَاءِ فِيهِ، أَوِ اللَّهُمَّ خِرْ لِي وَاخْتَرْ لِي، وَلَا تَكِلُنِي إِلَى اخْتِيَارِي، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ هَذِهِ الِاسْتِخَارَةُ الْمَنْظُومَةُ.
يَا خَائِرًا لِعَبِيدِهِ لَا تَتْرُكَّنَ أَحَدًا سُدَى خِرْ لِي إِلَيْكَ طَرِيقَةً بِيَدَيْكَ أَسْبَابُ الْهُدَى وَمِنَ الدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِصَالِحِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ» .
стр. 1952
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٣٢٤ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ - وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ ; إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ لَمْ يَذْكُرِ الْآيَةَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٣٢٤ - (عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ - وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ : وَهَذَا مِنْ بَابِ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ، كَرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ذَلِكَ وَعَكْسَهُ، وَرِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَسَيَأْتِي وَجْهُ قَوْلِهِ: وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيَّنَ بِهَا عَلِيٌّ ﵁ جَلَالَةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَمُبَالَغَتَهُ فِي الصِّدْقِ، حَتَّى سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صِدِّيقًا. (قَالَ) ، أَيْ: أَبُو بَكْرٍ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا مِنْ رَجُلٍ) ، أَيْ: أَوِ امْرَأَةٍ، وَمِنْ زَائِدَةٌ لِزِيَادَةِ إِفَادَةِ الِاسْتِغْرَاقِ (يُذْنِبُ ذَنْبًا) ، أَيْ: أَيُّ ذَنْبٍ كَانَ (ثُمَّ يَقُومُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: ثُمَّ لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِلتَّرَاخِي الزَّمَانِيِّ، يَعْنِي وَلَوْ تَأَخَّرَ الْقِيَامُ بِالتَّوْبَةِ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ ; لِأَنَّ التَّعْقِيبَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَالْإِتْيَانُ بِثُمَّ لِلرَّجَاءِ، وَالْمَعْنَى ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ مِنْ نَوْمِ الْغَفْلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ [سبأ: ٤٦] (فَيَتَطَهَّرُ) ، أَيْ: فَيَتَوَضَّأُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ. وَالْغَسْلُ أَفْضَلُ، وَبِالْمَاءِ الْبَارِدِ أَكْمَلُ، كَذَا قِيلَ، وَلَعَلَّ مَأْخَذَهُ قَوْلُهُ ﵊: " «اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» "، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَبْرِيدِ الْقَلْبِ عَنْ حَرَارَةِ هَوَى النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(ثُمَّ يُصَلِّي) : وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّيِّ: رَكْعَتَيْنِ، أَيْ: بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَالْإِخْلَاصِ، أَوْ بِالْآيَةِ الْآتِيَةِ، وَبِآيَةِ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] (ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) ، أَيْ: لِذَلِكَ الذَّنْبِ كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّيِّ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِغْفَارِ التَّوْبَةُ بِالْمُدَاوَمَةِ وَالْإِقْلَاعِ وَالْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهِ أَبَدًا، وَأَنْ يَتَدَارَكَ الْحُقُوقَ إِنْ كَانَتْ هُنَاكَ، وَثُمَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ التَّعْقِيبِي (إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ) : وَفِي الْحِصْنِ: إِلَّا غَفَرَ لَهُ، أَيْ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا، بَلْ وَبُدِّلَتْ سَيِّئَاتُهُ حَسَنَاتٌ عَلَى مَا يَشْهَدُ لَهُ آيَةُ الْفَرْقَانِ وَنِهَايَةِ الْغُفْرَانِ (ثُمَّ قَرَأَ) ، أَيْ: النَّبِيُّ ﷺ اسْتِشْهَادًا وَاعْتِضَادًا، أَوْ قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ تَصْدِيقًا وَتَوْفِيقًا (وَالَّذِينَ) : عَطْفٌ عَلَى الْمُتَّقِينَ لِبَيَانِ أَنَّ الْجَنَّةَ كَمَا أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ أُعِدْتَ لِلتَّائِبِينَ، أَوْ هُوَ مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ سَيَأْتِي وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنْ لَا يُفْصَلَ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْعَطْفُ تَفْسِيرِيًّا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وَهُمُ الَّذِينَ ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: ١٣٥] ، أَيْ: فَعِلَةٌ مُتَزَايِدَةٌ فِي الْقُبْحِ ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] : بِالصَّغَائِرِ كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالنَّظَرِ الْحَرَامِ وَالْكَذِبِ، وَالْغَيْبَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: أَيُّ ذَنْبٍ كَانَ مِمَّا يُؤَاخَذُونَ بِهِ اهـ. فَيَكُونُ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ. ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] ، أَيْ: ذَكَرُوا عِقَابَهُ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ وَعِيدَهُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَعْنَاهُ: صَلُّوا، لَكِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَالْمَعْنَى ذَكَرُوا اللَّهَ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الذِّكْرِ مِنْ ذِكْرِ الْعِقَابِ، أَوْ تَذْكُرِّ الْحِجَابَ، أَوْ تَعْظِيمَ رَبِّ الْأَرْبَابِ، أَوْ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ، أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ بِالصَّلَاةِ الَّتِي تَجْمَعُهَا (فَاسْتَغْفَرُوا) ، أَيْ: طَلَبُوا الْمَغْفِرَةَ مَعَ وُجُودِ التَّوْبَةِ وَالنَّدَامَةِ، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الِاسْتِقَامَةِ (لِذُنُوبِهِمْ) : اللَّامُ مَعْدِيَّةٌ أَوْ تَعْلِيلِيَّةٌ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْآيَةَ اهـ. وَتَمَامُهَا: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] أَيْ: لَا يَغْفِرُهَا (إِلَّا اللَّهَ) ، أَيِ: الْمَوْصُوفَ بِصِفَةِ الْغَفُورِ وَالْغَفَّارِ، فَالْأُولَى مُبَالَغَةٌ لِكَثْرَةِ الذُّنُوبِ، وَالثَّانِيَةُ لِكَثْرَةِ الْمُذْنِبِينَ، فَالِاسْتِفْهَامُ بِمَعْنَى النَّفْيِ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ، (وَلَمْ يُصِرُّوا) ، أَيْ: لَمْ يَدِيمُوا وَلَمْ
стр. 1953
يَسْتَمِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا مِنَ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغَائِرِ يُعَدُ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَمَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ زَلَّةٌ صَدَرَ عَنْهُمْ تَوْبَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊: " «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ. وَهُمْ يَعْلَمُونَ حَالَ مَنْ يُصِرُّوا، أَيْ: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ عَالِمَيْنِ بِهِ.
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَوْ يَعْلَمُونَ جَزَاءَ الْإِصْرَارِ أَوْ ثَوَابَ الِاسْتِغْفَارِ، أَوْ صِفَةَ رَبِّهِمُ الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي " ثَلَاثًا. " فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» ". رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ، قِيلَ: فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ قَدْ يُطْلِقُ الْأَمْرَ لِلتَّلَطُّفِ ; وَإِظْهَارِ الْعِنَايَةِ وَالرَّحْمَةِ، كَمَا تَقُولُ لِمَنْ تُرَاقِبُهُ وَتَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ وَهُوَ يُبَاعِدُ وَيُقَصِّرُ فِي حَقِّكَ: افْعَلْ مَا شِئْتَ فَلَسْتُ أُعْرِضُ عَنْكَ، وَلَا أَتْرُكُ وِدَادَكَ، وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ بِهَذَا الْمَعْنَى، أَيْ: إِنْ فَعَلَتْ أَضْعَافَ مَا كُنْتَ تَفْعَلُ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَ عَنْهُ غَفَرْتُ لَكَ فَإِنِّي أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا مَا دُمْتَ عَنْهَا مُسْتَغْفِرًا إِيَّاهَا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ إِذَا كَانَ بِالْوَصْفِ السَّابِقِ، كَمَا يَتَبَادَرُ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِالْمَعْصِيَةِ وَالتَّوْبَةِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ فَتَأَمَّلْ، وَخَبَرُ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ هُوَ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦] . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
قَالَ مِيرَكُ: مِنْ طَرِيقِ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَسْمَاءِ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ رَجِلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا يَنْفَعُنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ، وَإِذَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ - وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ.
قُلْتُ: وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الصِّدِّيقَ ﵁ كَانَ مُلْتَزِمًا أَنْ لَا يَرْوِيَ إِلَّا إِذَا كَانَ مَحْفُوظُهُ بِالْمَبْنَى دُونَ الْمَرْوِيِّ بِالْمَعْنَى، بِخِلَافِ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ، وَلِذَا قَلَّتْ رِوَايَتُهُ كَأَبِي حَنِيفَةَ تَبَعًا لَهُ فِي هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ، فَهَذَا وَجْهٌ لِقَوْلِهِ: وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ إِلَخْ.
قَالَ مِيرَكُ: وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَمُعَاذٍ، وَوَاثِلَةٍ، وَأَبِي الْيُسْرِ، وَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو، انْتَهَى.
أَقُولُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ مُسَدَّدٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةَ بِمِثْلِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْمِشْكَاةِ لَمْ يَقِفْ عَلَى مَوْضِعِ إِيرَادِهِ فِي سُنَنِهِ، فَتَرَكَ ذِكْرَهُ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ كَمَا قَالَهُ الْمَقْدِسِيُّ فِي السِّلَاحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ) : وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ إِلَّا أَنَّهُ (لَمْ يَذْكُرِ الْآيَةَ) .
стр. 1954
وَذَكَرَ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: " «وَإِذَا أَخْطَأَ أَوْ أَذْنَبَ، فَأَحَبَّ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ فَلْيَمُدَّ يَدَيْهِ إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ مِنْهَا لَا أَرْجِعُ إِلَيْهَا أَبَدًا، فَإِنَّهُ يَغْفِرُ لَهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ فِي عَمَلِهِ ذَلِكَ» ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ: إِذَا أَرَدْتَ التَّوْبَةَ تَغَسَّلْ وَاغْسِلْ ثِيَابَكَ، وَصَلِّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكَ، ثُمَّ ضَعْ وَجْهَكَ عَلَى الْأَرْضِ فِي مَكَانٍ خَالٍ لَا يَرَاكَ إِلَّا اللَّهُ ، ثُمَّ اجْعَلِ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِكَ، وَمَرِّغْ وَجْهَكَ الَّذِي هُوَ أَعَزُّ أَعْضَائِكَ فِي التُّرَابِ بِدَمْعٍ جَارٍ، وَقَلْبٍ حَزِينٍ، وَصَوْتٍ عَالٍ، وَاذْكُرْ ذُنُوبَكَ وَاحِدًا وَاحِدًا مَا أَمْكَنَكَ، وَلُمْ نَفْسَكَ الْعَاصِيَةَ عَلَيْهَا وَوَبِّخْهَا، وَقُلْ: أَمَا تَسْتَحِينَ يَا نَفْسُ؟ أَمَا آنَ لَكِ أَنْ تَتُوبِي وَتَرْجِعِي؟ أَلَكِ طَاقَةٌ بِعَذَابِ اللَّهِ؟ أَلَكِ حَاجِزٌ عَنْ سَخَطِ اللَّهِ؟ وَاذْكُرْ مِنْ هَذَا كَثِيرًا مَعَ الْبُكَاءِ، وَارْفَعْ يَدَيْكَ إِلَى الرَّبِّ الرَّحِيمِ، وَقُلْ: يَا إِلَهِي عَبْدُكَ الْآبِقُ رَجَعَ إِلَى بَابِكَ، عَبْدُكَ الْعَاصِي رَجَعَ إِلَى الصُّلْحِ، عَبْدُكَ الْمُذْنِبُ أَتَاكَ بِالْعُذْرِ، فَاعْفُ عَنِّي بِجُودِكَ وَتَقَبَلْنِي بِفَضْلِكَ، وَانْظُرْ إِلَيَّ بِرَحْمَتِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَاعْصِمْنِي فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْأَجَلِ، فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ بِيَدِكَ وَأَنْتَ بِنَا رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
стр. 1955
١٣٢٥ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٣٢٥ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ) : بِالْبَاءِ، أَيْ: أَهَمَّهُ، وَيُرْوَى بِالنُّونِ، أَيْ: أَغَمَّهُ (أَمْرٌ) ، أَيْ: أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ نَزَلَ بِهِ غَمٌّ، قَالَ فِي تَيْسِيرِ الْوُصُولِ: حَزَبَهُ بِالْبَاءِ وَالنُّونِ، أَيْ نَزَلَ بِهِ، وَأَوْقَعَهُ فِي الْحُزْنِ اهـ. وَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ. (صَلَّى) ، أَيْ: تَسْهِيلًا لِلْأَمْرِ وَامْتِثَالًا لِلْأَمْرِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] ، أَيْ: بِالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَايَا وَالِالْتِجَاءِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَهَذِهِ الصَّلَاةُ يَنْبَغِي أَنْ تُسَمَّى بِصَلَاةِ الْحَاجَاتِ ; لِأَنَّهَا غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِكَيْفِيَّةٍ مِنَ الْكَيْفِيَّاتِ وَلَا مُخْتَصَّةٌ بِوَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ.
стр. 1956
١٣٢٦ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: «أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ: " بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ إِلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي "، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَذَّنْتُ قَطُّ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهُ وَرَأَيْتُ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " بِهِمَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٣٢٦ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ: ذَاتَ يَوْمٍ (فَدَعَا بِلَالًا) ، أَيْ: بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ كَمَا مَرَّ (فَقَالَ: " بِمَا) : وَفِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ: " بِمَ " (سَبَقْتَنِي) ، أَيْ: خُدَّامِي، أَوْ قُدَّامِي (إِلَى الْجَنَّةِ؟) : وَمَا وَجْهُ تَخْصِيصِكَ بِالْخِدْمَةِ بَيْنَ يَدِي حِينَ دُخُولِ الْجَنَّةِ؟ إِذْ دَرَجَاتُ الْجَنَّةِ عَلَى وَفْقِ زِيَادَاتِ الطَّاعَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ، أَيْ: بِأَيِّ عَمَلٍ يُوجِبُ دُخُولَ الْجَنَّةِ سَبَقْتَ وَأَقْدَمْتَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ آمُرَكَ وَأَدْعُوَكَ إِلَيْهِ؟ جُعِلَ السَّبَبُ فِيمَا يُوجِبُ دُخُولَ الْجَنَّةِ كَالسَّبْقِ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، يَعْنِي جَعَلَ السَّبْقَ فِي السَّبَبِ كَالسَّبْقِ فِي الْمُسَبِّبِ، ثُمَّ رَشَّحَهُ عَلَيْهِ بِأَنْ رُتِّبَ عَلَيْهِ سَمَاعُ الْخَشْخَشَةِ أَمَامَهُ، وَهِيَ سَمَاعُ حَرَكَتِهِ أَوْ دَفِيفِ النَّعْلِ بَيْنَ يَدَيْهِ حَيْثُ قَالَ: (مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ) : يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ رَأَى بِلَالًا كَذَلِكَ مَرَّاتٍ، وَلَعَلَّ إِحْدَاهَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَالثَّانِيَةَ فِي الْمَنَامِ، وَالثَّالِثَةَ فِي عَالَمِ الْكَشْفِ (إِلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ) ، أَيْ: حَرَكَةً لَهَا صَوْتٌ كَصَوْتِ السِّلَاحِ (أَمَامِي) ، أَيْ: قُدَّامِي، وَلَا يَجُوزُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ إِذْ لَيْسَ لِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَسْبِقَهُ ﵊ فَكَيْفَ لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ؟ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَذَّنْتُ) ، أَيْ: مَا
стр. 1957
أَرَدْتُ التَّأْذِينَ (قَطُّ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ) : نَفْلًا قَبْلَ الْأَذَانِ، وَالْأَظْهَرُ مَا أَذَّنْتُ إِلَّا صَلَّيْتُ قَبْلَ الْإِقَامَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ قَابِلٌ لِاسْتِثْنَاءِ الْمَغْرِبِ ; إِذْ مَا مِنْ عَامٍّ إِلَّا وَخُصَّ، وَإِنْ خُصَّ هَذَا الْعَامُّ أَيْضًا، (وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ) ، أَيْ: حَقِيقِيٌّ أَوْ حُكْمِيٌّ. (قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ حُدُوثِ ذَلِكَ الْحَدَثِ، وَفِي إِيثَارِ (عِنْدَهُ) عَلَى بَعْدِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى مُدَاوَمَةِ الطَّهَارَةِ. (وَرَأَيْتُ) : عَطْفٌ عَلَى تَوَضَّأُتُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: ظَنَنْتُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: اعْتَقَدْتُ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الرَّأْيِ، أَيِ اخْتَرْتُ. (أَنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنِ) : شُكْرًا لَهُ تَعَالَى عَلَى إِزَالَةِ الْأَذِيَّةِ وَتَوْفِيقِ الطَّهَارَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كِنَايَةٌ عَنْ مُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِمَا اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَعَلَهُمَا نَذْرًا عَلَى نَفْسِهِ.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " بِهِمَا) ، أَيْ: بِهِمَا نِلْتَ مَا نِلْتَ أَوْ عَلَيْكَ بِهِمَا، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا قِيلَ بِهَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ دَخَلْتَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِيرَ التَّثْنِيَةِ رَاجِعٌ إِلَى الْقَرِيبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُمَا دَوَامُ الطَّهَارَةِ وَتَمَامُهَا بِأَدَاءِ شُكْرِ الْوُضُوءِ، فَيُوَافِقُ الْحَدِيثَ السَّابِقَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الصَّلَاةِ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ، وَالصَّلَاةِ بَعْدَ كُلِّ طَهَارَةٍ، أَوْ إِلَى الصَّلَاةِ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ، وَمَجْمُوعِ دَوَامِ الْوُضُوءِ، وَشُكْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.
стр. 1958
١٣٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى اللَّهِ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيَحْسُنِ الْوُضُوءَ ثُمَّ لْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لْيُثْنِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًى إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
١٣٢٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ) ، أَيْ: دِينِيَّةٌ أَوْ دُنْيَوِيَّةٌ (إِلَى اللَّهِ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ) : وَفِي الْحِصْنِ: وُضُوءَهُ (ثُمَّ لْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ) : بِكَسْرِ اللَّامِ، وَتُسَكَّنُ، (ثُمَّ لْيُثْنِ) : مِنَ الْإِثْنَاءِ (عَلَى اللَّهِ ، وَلْيُصَلِّ) : بِالْوَجْهَيْنِ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : وَالْأَصَحُّ الْأَفْضَلُ لَفْظُ صَلَاةِ التَّشَهُّدِ (ثُمَّ لْيَقُلْ) : وَفِي الْحِصْنِ: وَلْيَقُلْ، أَيْ عَوْدًا لِلثَّنَاءِ عَلَى الْبَدْءِ، (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ) : الَّذِي لَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ (الْكَرِيمُ) : الَّذِي يُعْطِي بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَبِدُونِ الْمِنَّةِ. (سُبْحَانَ اللَّهِ) : وَمَا أَحْسَنَ مَوْقِعَ تَقْدِيمِ التَّنْزِيهِ عَلَى (رَبِّ الْعَرْشِ) ، أَيْ: الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْمُكَوِّنَاتِ، وَالْإِضَافَةُ تَشْرِيفِيَّةٌ لِتَنَزُّهِهِ تَعَالَى عَنْ الِاحْتِيَاجِ إِلَى شَيْءٍ، وَعَنْ جَمِيعِ سِمَاتِ الْحُدُوثِ مِنْ الِاسْتِوَاءِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَالْجِهَةِ وَالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَاخْتُلِفَ فِي كَوْنِ (الْعَظِيمِ) : صِفَةٌ لِلرَّبِّ أَوِ الْعَرْشِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ " نَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِرَفْعِ الْعَظِيمِ، عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِلرَّبِّ، وَالَّذِي ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِلْعَرْشِ، وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] ، وَ ﴿رَبِّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] بِالْجَرِّ، وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا، وَجَاءَ ذَلِكَ أَيْضًا، أَيْ: شَاذًّا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَنِيِّ، وَأُعْرِبَ بِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعَ الرَّفْعِ نَعْتًا لِلْعَرْشِ، عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قُطِعَ عَمَّا قَبْلَهُ لِلْمَدْحِ، وَرُجِّحَ لِحُصُولِ تَوَافَقِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَرَجَّحَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ الْأَوَّلَ ; لِأَنَّ وَصْفَ الرَّبِّ بِالْعَظِيمِ أَوْلَى مِنْ وَصْفِ الْعَرْشِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ وَصْفَ مَا يُضَافُ لِلْعَظِيمِ بِالْعَظِيمِ أَقْوَى فِي تَعْظِيمِ الْعَظِيمِ، وَقَدْ نَعَتَ الْهُدْهُدُ عَرْشَ بِلْقِيسَ بِأَنَّهُ عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ. وَبَيْنَ الْعَرْشَيْنِ بَوْنٌ عَظِيمٌ، وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ فِي الْمَقَامِ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْعَجْزِ، فَإِنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا يَعْجِزُ عَنْ إِعْطَاءِ مَسْئُولِ عَبْدِهِ الْمُتَوَجِّهِ إِلَى رَبِّهِ الْكَرِيمِ. (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، أَيْ: مَالِكِهِمْ وَخَالِقِهِمْ، وَمُرَبِّيهِمْ وَمُصْلِحِ أُمُورِهِمْ، وَمُعْطِي حَاجَاتِهِمْ، وَمُجِيبِ دَعَوَاتِهِمْ، وَفِي الْحِصْنِ بِدُونِ الْعَاطِفِ،
стр. 1959
وَخَتَمَ الثَّنَاءَ بِمَا هُوَ مِنْ مَجَامِعِهِ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ مِنْ أَفْضَلِ صِيَغِ الْحَمْدِ لِافْتِتَاحِ الْقُرْآنِ بِهِ إِشَارَةً إِلَى التَّفَاؤُلِ بِزَوَالِ النِّقْمَةِ وَحُصُولِ النِّعْمَةِ، وَإِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ حَامِدٌ لَهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَرَاضٍ عَنْهُ بِكُلِّ فِعَالٍ. (أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ: أَسْبَابَهَا، وَمَا فِي نُسْخَةِ جَلَالٍ مِنْ فَتْحِ الْجِيمِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: جَمْعُ مُوجِبَةٍ وَهِيَ الْكَلِمَةُ الْمُوجِبَةُ لِقَائِلِهَا الْجَنَّةَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي الْأَفْعَالَ وَالْأَقْوَالَ وَالصِّفَاتَ الَّتِي تَحْصُلُ رَحْمَتُكَ بِسَبَبِهَا. (وَعَزَائِمَ مغْفِرَتِكَ) ، أَيْ: مُؤَكِّدَاتِهَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: أَعْمَالًا تَتَعَزَّمُ وَتَتَأَكَّدُ بِهَا مَغْفِرَتُكَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: جَمْعُ عَزِيمَةٍ وَهِيَ الْخَصْلَةُ الَّتِي يَعْزِمُهَا الرَّجُلُ، يَعْنِي الْخِصَالَ الَّتِي تَحْصُلُ مَغْفِرَتُكَ بِسَبَبِهَا، أَيْ: أَسْأَلُكَ أَنْ تُعْطِيَ نَصِيبًا وَافِرًا مِنْهُمَا. (وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ) ، أَيْ: طَاعَةٍ وَعِبَادَةٍ فَإِنَّهُمَا غَنِيمَةٌ مَأْخُوذَةٌ بِغَلَبَةِ دَوَاعِي عَسْكَرِ الرُّوحِ عَلَى جُنْدِ النَّفْسِ، فَإِنَّ الْحَرْبَ قَائِمٌ بَيْنَهُمَا عَلَى الدَّوَامِ، وَلِهَذَا يُسَمَّى الْجِهَادَ الْأَكْبَرَ ; لِأَنَّ أَعْدَى عَدِوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ. (وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ) ، أَيْ: الْخَلَاصَ مِنْ كُلِّ مَا يَجْرَحُ دِينَ السَّالِكِ. (لَا تَدَعْ) ، أَيْ: لَا تَتْرُكْ (لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ) ، أَيْ: إِلَّا مَوْصُوفًا بِوَصْفِ الْغُفْرَانِ، فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ وَفِيمَا يَلِيه مُفَرَّغٌ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ (وَلَا هَمًّا) ، أَيْ: غَمًّا (إِلَّا فَرَّجْتَهُ) : بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفُّ، أَيْ: أَزَلْتَهُ وَكَشَفْتَهُ (وَلَا حَاجَةً هِيَ) : تِلْكَ الْحَاجَةُ (لَكَ رِضًا) ، أَيْ: بِهَا، يَعْنِي مُرْضِيَةً (إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، انْتَهَى. نَقَلَهُ مِيرَكُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَنْدُبُ تَحَرِّي غَدَاةَ السَّبْتِ لِحَاجَتِهِ لِقَوْلِهِ ﵊: " «مَنْ غَدَا يَوْمَ السَّبْتِ فِي طَلَبِ حَاجَةٍ يَحِلُّ طَلَبُهَا فَأَنَا ضَامِنٌ لِقَضَائِهَا» ". وَذَكَرَ «الْجَزَرِيُّ» فِي الْحِصْنِ: صَلَاةُ حِفْظِ الْقُرْآنِ تَخْصِيصًا مِنْ بَيْنِ حَاجَاتِ الْإِنْسَانِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُلْحِقَهَا بِهَا هُنَا، قَالَ: وَمَنْ أَرَادَ حِفْظَ الْقُرْآنِ فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقُومَ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخَرِ فَلْيَقُمْ، فَإِنَّهَا سَاعَةٌ مَشْهُودَةٌ، وَالدُّعَاءُ فِيهَا مُسْتَجَابٌ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَفِي وَسَطِهَا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَفِي أَوَّلِهَا، فَيُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ يس، وَفِي الثَّانِيَةِ الْفَاتِحَةَ وَحم الدُّخَانِ، وَفِي الثَّالِثَةِ الْفَاتِحَةَ وَالم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَفِي الرَّابِعَةِ الْفَاتِحَةَ وَتَبَارَكَ الْمُلْكِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ التَّشَهُّدِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَلِيُحْسِنِ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَلِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ، وَيَسْتَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَلِإِخْوَانِهِ الَّذِينَ سَبَقُوهُ بِالْإِيمَانِ، ثُمَّ لْيَقُلْ فِي آخِرِ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي بِتَرْكِ الْمَعَاصِي أَبَدًا مَا أَبْقَيْتَنِي، وَارْحَمْنِي أَنْ أَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْنِينِي، وَارْزُقْنِي حُسْنَ النَّظَرِ فِيمَا يُرْضِيكَ عَنِّي، اللَّهُمَّ بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَالْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرَامُ - أَيْ: لَا تُدْرَكْ - أَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ يَا رَحْمَانُ بِجَلَالِكَ وَنُورِ وَجْهِكَ - أَيْ: ذَاتِكَ - أَنْ تُلْزِمَ قَلْبِي حِفْظَ كِتَابِكَ، كَمَا عَلَّمْتَنِي، وَارْزُقْنِي أَنْ أَتْلُوَهُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يُرْضِيكَ عَنِّي، اللَّهُمَّ بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَالْعِزَّةِ الَّتِي لَا تُرَامُ، أَسْأَلُكَ يَا اللَّهُ يَا رَحْمَانُ بِجَلَالِكَ وَنُورِ وَجْهِكِ أَنْ تُنَوِّرَ بِكِتَابِكَ بَصَرِي، وَأَنْ تُطْلِقَ بِهِ لِسَانِي، وَأَنْ تُفَرِّجَ بِهِ عَنْ قَلْبِي، وَأَنْ تَشْرَحَ بِهِ صَدْرِي، وَأَنْ تَسْتَعْمِلَ - وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَأَنْ تَغْسِلَ - بِهِ بَدَنِي، فَإِنَّهُ لَا يُعِينُنِي عَلَى الْحَقِّ غَيْرُكَ، وَلَا يُؤْتِيهِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا يُجَابُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا أَخْطَأَ مُؤْمِنًا قَطُّ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا.
стр. 1960
[بَابُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ]
стр. 1961
[٤٠] بَابُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ
١٣٢٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: " يَا عَبَّاسُ! يَا عَمَّاهُ! أَلَا أُعْطِيكَ؟ أَلَا أَمْنَحُكَ؟ أَلَا أُخْبِرُكَ؟ أَلَا أَفْعَلُ بِكَ؟ عَشْرَ خِصَالٍ إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ، غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ، خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ، صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ: أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ، قُلْتَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ تَرْكَعُ، فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَهْوِي سَاجِدًا، فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمْرِكَ مَرَّةً» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ ".
[٤٠]
بَابُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ
أَيْ: هَذَا مَبْحَثُهَا أَوْ بَيَانُهَا.
١٣٢٨ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ : وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ، وَحَذْفِ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: (يَا عَبَّاسُ) : طَلَبًا لِمَزِيدِ إِقْبَالِهِ (يَا عَمَّاهُ) : إِشَارَةٌ إِلَى مَزِيدِ اسْتِحْقَاقِهِ، وَهُوَ مُنَادَى مُضَافٌ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، فَقُلِبَتْ يَاؤُهُ أَلِفًا، وَأُلْحِقَتْ بِهَاءِ السَّكْتِ، كَيَاغُلَامَاهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (أَلَا أُعْطِيكَ؟) : أَلَا لِلتَّنْبِيهِ، أَوِ الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَأَجَابَ بِغَيْرِ جَوَابٍ لِظُهُورِ الصَّوَابِ. (أَلَا أَمْنَحُكَ؟) ، أَيْ: أَلَا أُعْطِيكَ مِنْحَةً، وَالْمُرَادُ بِالْمِنْحَةِ الدَّلَالَةُ عَلَى فِعْلِ مَا تُفِيدُهُ الْخِصَالُ الْعَشْرُ، وَهُوَ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِنَ الْأَوَّلِ، وَفِي الْمُغْرِبِ الْمَنْحُ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ شَاةً أَوْ نَاقَةً لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا، ثُمَّ يَرُدَّهَا إِذَا ذَهَبَ دَرُّهَا هَذَا أَصْلُهُ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى قِيلَ فِي كُلِّ عَطَاءٍ. (أَلَا أُخْبِرُكَ؟) : وَفِي الْحِصْنِ: أَلَا أَحْبُوكَ؟ يُقَالُ: حَبَاهُ كَذَا وَبِكَذَا إِذَا أَعْطَاهُ، وَالْحِبَاءُ الْعَطِيَّةُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. (أَلَا أَفْعَلُ بِكَ؟) : وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: بِاللَّامِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِالْبَاءِ، وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: أَلَا أَفْعَلُ بِكَ أَنَّهُ قَالَ: غَيْرُ وَاحِدٍ، كَذَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَالصَّوَابُ: أَلَا أَفْعَلُ لَكَ؟ اهـ
وَفِيمَا قَالُوهُ نَظَرٌ، وَلَا صَوَابَ فِي ذَلِكَ، بَلِ الَّذِي فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ هُوَ الْبَاءُ، فَهُوَ غَفْلَةٌ عَنْ تَحْقِيقِ مَا قَالُوهُ بِسَبَبِ التَّحْرِيفِ وَالتَّصْحِيفِ الَّذِي وَقَعَ فِي أَصْلِهِ مِنْ نُسْخَةِ الْمِشْكَاةِ، كَمَا تَشْهَدُ عَلَيْهِ الْمَوَاضِعُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَإِنَّمَا أَضَافَ ﵊ فِعْلَ الْخِصَالِ إِلَى نَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ الْبَاعِثُ عَلَيْهَا، وَالْهَادِي إِلَيْهَا، وَكَرَّرَ أَلْفَاظًا مُتَقَارِبَةَ الْمَعْنَى تَقْرِيرًا لِلتَّأْكِيدِ، وَتَأْيِيدًا لِلتَّشْوِيقِ، وَتَوْطِئَةً لِلِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ الصَّلَاةِ. (عَشْرَ خِصَالٍ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِلْأَفْعَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّنَازُعِ، وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ هِيَ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْخَصْلَةُ هِيَ الْخَلَّةُ وَهِيَ الِاخْتِلَالُ الْعَارِضُ لِلنَّفْسِ، إِمَّا لِشَهْوَتِهَا الشَّيْءَ، أَوْ لِحَاجَتِهَا إِلَيْهِ، فَالْخَصْلَةُ كَمَا تُقَالُ لِلْمَعَانِي الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ تُقَالُ أَيْضًا لِمَا تَقَعُ حَاجَتُهُ إِلَيْهِ، أَيْ: عَشَرَةُ أَنْوَاعِ ذُنُوبِكَ، وَالْخِصَالُ الْعَشْرُ مُنْحَصِرَةٌ فِي قَوْلِهِ: أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَقَدْ زَادَهَا إِيضَاحًا بِقَوْلِهِ: عَشْرَ خِصَالٍ بَعْدَ حَصْرِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، أَيْ: هَذِهِ عَشْرُ خِصَالٍ، فَقَدْ سَقَطَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، أَيْ: فِي الْمَصَابِيحِ شَيْءٌ مِنْ مَوْضِعَيْنِ، الْأَوَّلُ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ سَقَطَ مِنْهُ (قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ) ، وَالثَّانِي بَعْدَ قَوْلِهِ: (وَعَلَانِيَتَهُ) سَقَطَ مِنْهُ عَشْرُ خِصَالٍ، فَالْحَدِيثُ عَلَى مَا هُوَ فِي الْمَصَابِيحِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، كَذَا حَقَّقَهُ التُّورِبِشْتِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ: فَمَنْ نَصَبَ عَشْرًا فَالْمَعْنَى خُذْهَا أَوْ دُونَكَ عَشْرَ خِصَالٍ، وَقِيلَ: عِدَّهَا، قِيلَ: وَمَعْنَى الْأَخِيرَةِ أَلَا أُصَيِّرُكَ ذَا عَشْرِ خِصَالٍ، أَوْ أَلَا آمُرُكَ بِمَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ أَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَهُ تَصِيرُ ذَا عَشْرِ خِصَالٍ يُغْفَرُ بِهَا ذَنْبُكَ، وَفُهِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّفْعَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَقَالَ مِيرَكُ: مَنْصُوبٌ عَلَى تَنَازُعِ الْأَفْعَالِ قَبْلَهَا، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: مُكَفِّرَ عَشْرِ خِصَالٍ يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ: (إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ) ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُضَافُ مُقَدَّرًا وُجِّهَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ اهـ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى إِذَا فَعَلْتَ مَا أُعَلِّمُكَ. (غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ) : ثُمَّ قَالَ مِيرَكُ: فَالْخِصَالُ الْعَشْرُ هِيَ الْأَقْسَامُ الْعَشْرَةُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَمِنْ أَجْلِ خُلُوِّ أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ مِنْ قَدِيمِهِ وَحَدِيثِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِالْعَشْرِ الْخِصَالِ التَّسْبِيحَاتُ وَالتَّحْمِيدَاتُ وَالتَّهْلِيلَاتُ وَالتَّكْبِيرَاتُ، فَإِنَّهَا سِوَى الْقِيَامِ عَشْرٌ عَشْرٌ اهـ. فَفِيهِ تَغْلِيبٌ (أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) : بِالنَّصْبِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ، أَيْ: مَبْدَأَهُ وَمُنْتَهَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنَ الذَّنْبِ مَا لَا يُوَاقِعُهُ الْإِنْسَانُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى مِنْهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ كُلَّ ذَنَبٍ كَانَ أَوْ هُوَ كَائِنٌ. (قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ) ، أَيْ: جَدِيدَهُ كَمَا فِي أَصْلِ الْأَصِيلِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِثْبَاتُهُمَا أَشْهَرُ مِنْ إِسْقَاطِهِمَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ اهـ.
стр. 1962
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ التُّورِبِشْتِيُّ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (خَطَأَهُ) : بِفُتْحَتَيْنِ وَهَمْزَةٍ (وَعَمْدَهُ) : قِيلَ: يُشْكِلُ بِأَنَّ الْخَطَأَ لَا إِثْمَ فِيهِ، لِقَوْلِهِ ﵊: " «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ) . فَكَيْفَ يُجْعَلُ مِنْ جُمْلَةِ الذَّنْبِ؟ وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالذَّنْبِ مَا فِيهِ نَقْصٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِثْمٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مَغْفِرَةُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْخَطَأِ مِنْ نَحْوِ الْإِتْلَافِ مِنْ ثُبُوتِ بَدَلِهَا فِي الذِّمَّةِ، وَمَعْنَى الْمَغْفِرَةِ حِينَئِذٍ إِرْضَاءُ الْخُصُومِ، وَفَكُّ النَّفْسِ عَنْ مَقَامِهَا الْكَرِيمِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﵇: [" «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مَرْهُونَةٌ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ» "] . (صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالضَّمِيرُ فِي هَذِهِ كُلِّهَا عَائِدٌ إِلَى قَوْلِهِ: ذَنْبَكَ، وَسَقَطَ مِنَ الْمِشْكَاةِ هُنَا لَفْظُ عَشْرِ خِصَالٍ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَصْلِ عَلَى مَا يَشْهَدُ بِهِ الْحِصْنُ وَغَيْرُهُ.
قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: فَإِنْ قُلْتَ: أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مَا يَلِيهِ، وَكَذَا بَاقِيهِ فَمَا الْحَاجَةُ إِلَى تَعَدُّدِ أَنْوَاعِ الذُّنُوبِ؟ قُلْتُ: ذَكَرَهُ قَطْعًا لِوَهْمِ أَنَّ ذَلِكَ الْأَوَّلَ وَالْآخِرَ رُبَّمَا يَكُونُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَعَلَى هَذَا فِي أَقْرَانِهِ، وَأَيْضًا فِي التَّنْصِيصِ عَلَى الْأَقْسَامِ حَثٌّ لِلْمُخَاطَبِ عَلَى الْمَحْثُوثِ عَلَيْهِ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ، ثُمَّ كُلٌّ مِنَ الْأَقْسَامِ أَعَمُّ مِمَّا يَلِيه مِنْ وَجْهٍ ; إِذِ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ قَدْ يَكُونُ قَدِيمًا، وَقَدْ يَكُونُ حَدِيثًا، وَالْقَدِيمُ وَالْحَدِيثُ قَدْ يَكُونُ خَطَأً وَقَدْ يَكُونُ عَمْدًا، وَالْخَطَأُ وَالْعَمْدُ قَدْ يَكُونُ صَغِيرًا وَقَدْ يَكُونُ كَبِيرًا، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ قَدْ يَكُونُ سِرًّا وَقَدْ يَكُونُ عَلَنًا، وَعَلَى هَذَا مِنَ الْجَانِبِ الْأَسْفَلِ، فَإِنَّ السِّرَّ وَالْعَلَانِيَةَ قَدْ يَكُونُ صَغِيرًا إِلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ. (أَنْ تُصَلِّيَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " أَنْ " مُفَسِّرَةٌ لِأَنَّ التَّعْلِيمَ فِي مَعْنَى الْقَوْلِ، أَوْ هِيَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالْمُقَدَّرُ عَائِدٌ إِلَى ذَلِكَ، أَيْ: هُوَ يَعْنِي الْمَأْمُورَ بِهِ أَنْ تُصَلِّيَ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ هِيَ، وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْخِصَالِ الْعَشْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ تُصَلِّي بِنِيَّةِ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ، وَلَوْ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ فِيمَا يَظْهَرُ، قُلْتُ: هَذَا مِمَّا لَمْ يَظْهَرْ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، مَانِعَةٌ مِنْ إِرَادَةِ الْإِطْلَاقِ الْمَفْهُومِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، قَاضِيَةٌ عَلَيْهِ، وَالشَّافِعِيَّةُ اسْتَثْنَوْا الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ مُقَدَّمٌ، وَهَذِهِ لَيْسَ لَهَا سَبَبٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَظَهَرَ بُطْلَانُ مَا ظَهَرَ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِتَسْلِيمٍ وَاحِدٍ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا (تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً) : وَسَيَأْتِي مَا وَرَدَ فِي تَعْيِينِهَا وَتَعْيِينِ أَفْضَلِ أَوْقَاتِ صَلَاتِهَا، وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا أَرْبَعًا مِنَ الْمُسَبِّحَاتِ: الْحَدِيدِ، وَالْحَشْرِ، وَالصَّفِّ، وَالْجُمُعَةِ، وَالتَّغَابُنِ لِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَهَا فِي الِاسْمِ، (فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ) ، أَيْ: قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ. (وَأَنْتَ قَائِمٌ، قُلْتَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ) : زَادَ الْغَزَالِيُّ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. (خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً) : بِسُكُونِ الشِّينِ وَتُكْسَرُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَا صَرَّحَ بِهِ هَذَا السِّيَاقُ أَنَّ التَّسْبِيحَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ أَخَذَ بِهِ أَئِمَّتُنَا، وَأَمَّا مَا كَانَ يَفْعَلُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ مِنْ جَعْلِهِ الْخَمْسَ عَشْرَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَبَعْدَ الْقِرَاءَةِ عَشْرًا، وَلَا يُسَبِّحُ فِي الِاعْتِدَالِ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: لَكِنْ جَلَالَتُهُ تَقْتَضِي التَّوَقُّفَ عَنْ مُخَالَفَتِهِ، وَوَافَقَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ، فَجَعَلَ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ عَشْرًا، لَكِنَّهُ أَسْقَطَ فِي مُقَابَلَتِهَا مَا يُقَالُ فِي جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِشْرِينَ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَذَا وَرَدَ فِي أَثَرٍ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. (ثُمَّ تَرْكَعُ، فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا) ، أَيْ: بَعْدَ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. (ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَتَقُولُهَا عَشْرًا) ، أَيْ بَعْدَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ، (ثُمَّ تَهْوِي) : فِي الصِّحَاحِ: هَوَى بِالْفَتْحِ يَهْوِي بِالْكَسْرِ هُوِيًّا إِذَا سَقَطَ إِلَى أَسْفَلَ، (سَاجِدًا) : حَالٌ (فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا) :
стр. 1963
أَيْ بَعْدَ تَسْبِيحِ السُّجُودِ، (ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ، فَتَقُولُهَا عَشْرًا) : مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ دُعَاءٍ عِنْدَنَا، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَقُولَهَا بَعْدَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَنَحْوِهِ. (ثُمَّ تَسْجُدُ) ، أَيْ ثَانِيًا (فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ) ، أَيْ: مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (فَتَقُولُهَا عَشْرًا) ، أَيْ: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ عَلَى مَا فِي الْحِصْنِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ وَجِلْسَةَ التَّشَهُّدِ، (فَذَلِكَ) ، أَيْ: مَجْمُوعُ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّسْبِيحَاتِ (خَمْسٌ وَسَبْعُونَ) ، أَيْ: مَرَّةً عَلَى مَا فِي الْحِصْنِ (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) ، أَيْ: ثَابِتَةٌ فِيهَا (تَفْعَلُ ذَلِكَ) ، أَيْ: مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الرَّكْعَةِ (فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ) ، أَيْ: فِي مَجْمُوعِهَا بِلَا مُخَالَفَةٍ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّلَاثِ فَتَصِيرُ ثَلَاثَمِائَةِ تَسْبِيحَةٍ (إِنِ اسْتَطَعْتَ) : اسْتِئْنَافٌ، أَيْ: إِنْ قَدَرْتَ (أَنْ تُصَلِّيَهَا) ، أَيْ: هَذِهِ الصَّلَاةَ (فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) ، أَيْ: فِي كُلِّ يَوْمٍ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ، أَوْ مَعَ وُجُودِهَا لِعَائِقٍ، (فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَتُسَكَّنُ، أَيْ: فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ، وَالتَّعْبِيرُ بِهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ (مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) : لِمَا تَقَدَّمَ (فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمُرِكَ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَتُسَكَّنُ (مَرَّةً ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَيْضًا (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ اهـ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى مَا فِي الْحِصْنِ.
стр. 1964
١٣٢٩ - وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ نَحْوَهُ.
ــ
١٣٢٩ - (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ نَحْوَهُ) : وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ غَيْرُ حَدِيثٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ كَثِيرُ شَيْءٍ، قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ صَلَاةَ التَّسْبِيحِ، وَذَكَرُوا الْفَضْلَ فِيهَا، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِمَّنْ رَوَاهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ، وَالْخَطِيبُ، وَالْآجُرِّيُّ، وَأَبُو سَعِيدٍ السَّمْعَانِيُّ، وَأَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ، اخْتَلَفَ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ فِي تَصْحِيحِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ وَحَسَّنَهُ جَمَاعَةٌ اهـ.
وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ " حَسَنٌ "، وَقَدْ أَسَاءَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ بِذِكْرِهِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَصَحُّ شَيْءٍ وَرَدَ فِي فَضَائِلِ السُّوَرِ فَضْلُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَأَصَحُّ شَيْءٍ وَرَدَ فِي فَضَائِلِ الصَّلَوَاتِ فَضْلُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: صَلَاةُ التَّسْبِيحِ مُرَغَّبٌ فِيهَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَادَهَا فِي كُلِّ حِينٍ، وَلَا يَتَغَافَلُ عَنْهَا قَالَ: وَيَبْدَأُ فِي الرُّكُوعِ بِسُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا، وَفِي السُّجُودِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا، ثُمَّ يُسَبِّحُ التَّسْبِيحَاتِ الْمَذْكُورَةَ، وَقِيلَ لَهُ: إِنْ سَهَا فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ هَلْ يُسَبِّحُ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ عَشْرًا عَشْرًا؟ قَالَ: لَا إِنَّمَا هِيَ ثَلَاثُمِائَةِ تَسْبِيحَةٍ.
стр. 1965
قُلْتُ: وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِنْ سَهَا وَنَقَّصَ عَدَدًا مِنْ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ يَأْتِي بِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ تَكْمِلَةً لِلْعَدَدِ الْمَطْلُوبِ.
وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ صَلَّاهَا لَيْلًا فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ صَلَّاهَا نَهَارًا فَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُسَلِّمْ، غَيْرَ أَنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي يَقُولُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ يُؤَدِّي إِلَى جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكُ يُسَبِّحُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ عَشْرًا، وَالْبَاقِي كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ، قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ السُّبْكِيُّ: وَجَلَالَةُ ابْنِ الْمُبَارَكِ تَمْنَعُ مِنْ مُخَالَفَتِهِ، وَإِنَّمَا أُحِبُّ الْعَمَلَ بِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّسْبِيحِ بَعْدَ السَّجْدَتَيْنِ الْفَصْلُ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالْقِيَامِ، فَإِنَّ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ حِينَئِذٍ مَشْرُوعَةٌ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَيَنْبَغِي لِلْمُتَعَبِّدِ أَنْ يَعْمَلَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَارَةً، وَيَعْمَلَ بِحَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أُخْرَى، وَأَنْ يَفْعَلَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَنْ يَقْرَأَ فِيهَا تَارَةً بِالزَّلْزَلَةِ، وَالْعَادِيَاتِ، وَالْفَتْحِ، وَالْإِخْلَاصِ، وَتَارَةً بِ (أَلْهَاكُمُ، وَالْعَصْرِ، وَالْكَافِرُونَ، وَالْإِخْلَاصِ) وَأَنْ يَكُونَ دُعَاؤُهُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ قَبْلَ السَّلَامِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيَدْعُو لِحَاجَتِهِ، فَفِي كُلِّ شَيْءٍ ذَكَرْتُهُ وَرَدَتْ سُنَّةٌ، أَمَّا كَوْنُهَا بَعْدَ الزَّوَالِ فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنْ رَجُلٍ لَهُ صُحْبَةٌ يَرْوِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " ائْتِنِي غَدًا أَحْبُوكَ وَأُثِيبُكَ وَأُعْطِيكَ " حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ يُعْطِينِي عَطِيَّةً، أَيْ حِسِّيَّةً، وَالْحَالُ أَنَّهَا مَعْنَوِيَّةٌ، قَالَ: " إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَقُمْ فَصَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ " فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ: " ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَاسْتَوِ جَالِسًا وَلَا تَقُمْ حَتَّى تُسَبِّحَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرَ عَشْرًا، وَتُهَلِّلَ عَشْرًا، ثُمَّ تَصْنَعُ ذَلِكَ فِي الْأَرْبَعِ الرَّكَعَاتِ فَإِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَعْظَمَ أَهْلِ الْأَرْضِ ذَنْبًا غُفِرَ لَكَ ".
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُصَلِّيَهَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ؟ قَالَ: صَلِّهَا مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: إِنَّهُ يَقُولُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ: بِسُبْحَانِكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، ثُمَّ يُسَبِّحُ خَمْسَ عَشْرَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَعَشْرًا بَعْدَهَا، وَالْبَاقِي عَشْرًا عَشْرًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ قَاعِدًا، وَهَذَا هُوَ الْأَحْسَنُ وَهُوَ اخْتِيَارُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ زَادَ بَعْدَ التَّسْبِيحِ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَحَسُنٌ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.
وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ اللُّمْعَةِ فِي رَغَائِبِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِابْنِ أَبِي الصَّيْفِ الْيَمَنِيِّ، نَزِيلِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ: يُسْتَحَبُّ صَلَاةُ التَّسْبِيحِ عِنْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ التَّكَاثُرَ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَالْعَصْرِ، وَفِي الثَّالِثَةِ الْكَافِرُونَ، وَفِي الرَّابِعَةِ الْإِخْلَاصَ، فَإِذَا كَمُلَتِ الثَّلَاثُمِائَةِ تَسْبِيحَةٍ قَالَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ التَّشَهُّدِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ تَوْفِيقَ أَهْلِ الْهُدَى، وَأَعْمَالَ أَهْلِ الْيَقِينِ، وَمُنَاصَحَةَ أَهْلِ التَّوْبَةِ، وَعَزْمَ أَهْلِ الصَّبْرِ، وَحَذَرَ أَهْلِ الْخَشْيَةِ، وَتَعَبُّدَ أَهْلِ الْوَرَعِ، وَعِرْفَانَ أَهْلِ الْعِلْمِ، حَتَّى أَخَافَكَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مَخَافَةً تَحْجِزُنِي عَنْ مَعَاصِيكَ، وَحَتَّى أَعْمَلَ بِطَاعَتِكَ عَمَلًا أَسْتَحِقُّ بِهِ الرِّضَا، وَحَتَّى أُنَاصِحَكَ فِي التَّوْبَةِ خَوْفًا مِنْكَ، وَحَتَّى أُخْلِصَ لَكَ النَّصِيحَةَ حُبًّا لَكَ، وَحَتَّى أَتَوَكَّلَ عَلَيْكَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا حُسْنَ ظَنٍّ بِكَ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ، رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَالْأَقْرَبُ مِنْ الِاعْتِدَالِ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُصَلِّيَهَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَهَذَا الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا عِنْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ اهـ. كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْمَرْحُومُ قُطْبُ الدِّينِ الْمُفْتِي بِالْحَرَمِ الْأَمِينِ فِي رِسَالَتِهِ أَدْعِيَةِ الْحَجِّ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ فِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ، عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَقُولُ بَعْدَ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ قَبْلَ السَّلَامِ وَلَفْظُهُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ تَوْفِيقَ أَهْلِ الْهُدَى، وَأَعْمَالَ أَهْلِ الْيَقِينِ، وَمُنَاصَحَةَ أَهْلِ التَّوْبَةِ، وَعَزْمَ أَهْلِ الصَّبْرِ، وَجِدَّ أَهْلِ الْخَشْيَةِ، وَطَلَبَ أَهْلِ الرَّغْبَةِ، وَتَعَبُّدَ أَهْلِ الْوَرَعِ، وَعِرْفَانَ أَهْلِ الْعِلْمِ، حَتَّى أَخَافَكَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مَخَافَةً تَحْجِزُنِي عَنْ مَعَاصِيكَ، وَحَتَّى أَعْمَلَ بِطَاعَتِكَ عَمَلًا أَسْتَحِقُّ بِهِ رِضَاكَ، وَحَتَّى أُنَاصِحَكَ بِالتَّوْبَةِ خَوْفًا مِنْكَ، وَحَتَّى أُخْلِصَ لَكَ النَّصِيحَةَ حَيَاءً مِنْكَ، وَحَتَّى أَتَوَكَّلَ عَلَيْكَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا حُسْنَ ظَنٍّ بِكَ سُبْحَانَ خَالِقِ النَّارِ اهـ. وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا قَبْلَهُ بِاعْتِبَارِ حُسْنِ سَنَدِهِ كَمَا لَا يَخْفَى.
следующие страницы →