← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

[٤٠] بَابُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ ١٣٢٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: " يَا عَبَّاسُ! يَا عَمَّاهُ! أَلَا أُعْطِيكَ؟ أَلَا أَمْنَحُكَ؟ أَلَا أُخْبِرُكَ؟ أَلَا أَفْعَلُ بِكَ؟ عَشْرَ خِصَالٍ إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ، غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ، خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ، صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ: أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ، قُلْتَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ تَرْكَعُ، فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَهْوِي سَاجِدًا، فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمْرِكَ مَرَّةً» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ ". [٤٠] بَابُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ أَيْ: هَذَا مَبْحَثُهَا أَوْ بَيَانُهَا. ١٣٢٨ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ : وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ، وَحَذْفِ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: (يَا عَبَّاسُ) : طَلَبًا لِمَزِيدِ إِقْبَالِهِ (يَا عَمَّاهُ) : إِشَارَةٌ إِلَى مَزِيدِ اسْتِحْقَاقِهِ، وَهُوَ مُنَادَى مُضَافٌ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، فَقُلِبَتْ يَاؤُهُ أَلِفًا، وَأُلْحِقَتْ بِهَاءِ السَّكْتِ، كَيَاغُلَامَاهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (أَلَا أُعْطِيكَ؟) : أَلَا لِلتَّنْبِيهِ، أَوِ الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَأَجَابَ بِغَيْرِ جَوَابٍ لِظُهُورِ الصَّوَابِ. (أَلَا أَمْنَحُكَ؟) ، أَيْ: أَلَا أُعْطِيكَ مِنْحَةً، وَالْمُرَادُ بِالْمِنْحَةِ الدَّلَالَةُ عَلَى فِعْلِ مَا تُفِيدُهُ الْخِصَالُ الْعَشْرُ، وَهُوَ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِنَ الْأَوَّلِ، وَفِي الْمُغْرِبِ الْمَنْحُ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ شَاةً أَوْ نَاقَةً لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا، ثُمَّ يَرُدَّهَا إِذَا ذَهَبَ دَرُّهَا هَذَا أَصْلُهُ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى قِيلَ فِي كُلِّ عَطَاءٍ. (أَلَا أُخْبِرُكَ؟) : وَفِي الْحِصْنِ: أَلَا أَحْبُوكَ؟ يُقَالُ: حَبَاهُ كَذَا وَبِكَذَا إِذَا أَعْطَاهُ، وَالْحِبَاءُ الْعَطِيَّةُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. (أَلَا أَفْعَلُ بِكَ؟) : وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: بِاللَّامِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِالْبَاءِ، وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: أَلَا أَفْعَلُ بِكَ أَنَّهُ قَالَ: غَيْرُ وَاحِدٍ، كَذَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَالصَّوَابُ: أَلَا أَفْعَلُ لَكَ؟ اهـ وَفِيمَا قَالُوهُ نَظَرٌ، وَلَا صَوَابَ فِي ذَلِكَ، بَلِ الَّذِي فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ هُوَ الْبَاءُ، فَهُوَ غَفْلَةٌ عَنْ تَحْقِيقِ مَا قَالُوهُ بِسَبَبِ التَّحْرِيفِ وَالتَّصْحِيفِ الَّذِي وَقَعَ فِي أَصْلِهِ مِنْ نُسْخَةِ الْمِشْكَاةِ، كَمَا تَشْهَدُ عَلَيْهِ الْمَوَاضِعُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَإِنَّمَا أَضَافَ ﵊ فِعْلَ الْخِصَالِ إِلَى نَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ الْبَاعِثُ عَلَيْهَا، وَالْهَادِي إِلَيْهَا، وَكَرَّرَ أَلْفَاظًا مُتَقَارِبَةَ الْمَعْنَى تَقْرِيرًا لِلتَّأْكِيدِ، وَتَأْيِيدًا لِلتَّشْوِيقِ، وَتَوْطِئَةً لِلِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ الصَّلَاةِ. (عَشْرَ خِصَالٍ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِلْأَفْعَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّنَازُعِ، وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ هِيَ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْخَصْلَةُ هِيَ الْخَلَّةُ وَهِيَ الِاخْتِلَالُ الْعَارِضُ لِلنَّفْسِ، إِمَّا لِشَهْوَتِهَا الشَّيْءَ، أَوْ لِحَاجَتِهَا إِلَيْهِ، فَالْخَصْلَةُ كَمَا تُقَالُ لِلْمَعَانِي الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ تُقَالُ أَيْضًا لِمَا تَقَعُ حَاجَتُهُ إِلَيْهِ، أَيْ: عَشَرَةُ أَنْوَاعِ ذُنُوبِكَ، وَالْخِصَالُ الْعَشْرُ مُنْحَصِرَةٌ فِي قَوْلِهِ: أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَقَدْ زَادَهَا إِيضَاحًا بِقَوْلِهِ: عَشْرَ خِصَالٍ بَعْدَ حَصْرِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، أَيْ: هَذِهِ عَشْرُ خِصَالٍ، فَقَدْ سَقَطَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، أَيْ: فِي الْمَصَابِيحِ شَيْءٌ مِنْ مَوْضِعَيْنِ، الْأَوَّلُ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ سَقَطَ مِنْهُ (قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ) ، وَالثَّانِي بَعْدَ قَوْلِهِ: (وَعَلَانِيَتَهُ) سَقَطَ مِنْهُ عَشْرُ خِصَالٍ، فَالْحَدِيثُ عَلَى مَا هُوَ فِي الْمَصَابِيحِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، كَذَا حَقَّقَهُ التُّورِبِشْتِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ: فَمَنْ نَصَبَ عَشْرًا فَالْمَعْنَى خُذْهَا أَوْ دُونَكَ عَشْرَ خِصَالٍ، وَقِيلَ: عِدَّهَا، قِيلَ: وَمَعْنَى الْأَخِيرَةِ أَلَا أُصَيِّرُكَ ذَا عَشْرِ خِصَالٍ، أَوْ أَلَا آمُرُكَ بِمَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ أَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَهُ تَصِيرُ ذَا عَشْرِ خِصَالٍ يُغْفَرُ بِهَا ذَنْبُكَ، وَفُهِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّفْعَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَقَالَ مِيرَكُ: مَنْصُوبٌ عَلَى تَنَازُعِ الْأَفْعَالِ قَبْلَهَا، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: مُكَفِّرَ عَشْرِ خِصَالٍ يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ: (إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ) ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُضَافُ مُقَدَّرًا وُجِّهَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ اهـ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى إِذَا فَعَلْتَ مَا أُعَلِّمُكَ. (غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ) : ثُمَّ قَالَ مِيرَكُ: فَالْخِصَالُ الْعَشْرُ هِيَ الْأَقْسَامُ الْعَشْرَةُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَمِنْ أَجْلِ خُلُوِّ أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ مِنْ قَدِيمِهِ وَحَدِيثِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِالْعَشْرِ الْخِصَالِ التَّسْبِيحَاتُ وَالتَّحْمِيدَاتُ وَالتَّهْلِيلَاتُ وَالتَّكْبِيرَاتُ، فَإِنَّهَا سِوَى الْقِيَامِ عَشْرٌ عَشْرٌ اهـ. فَفِيهِ تَغْلِيبٌ (أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) : بِالنَّصْبِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ، أَيْ: مَبْدَأَهُ وَمُنْتَهَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنَ الذَّنْبِ مَا لَا يُوَاقِعُهُ الْإِنْسَانُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى مِنْهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ كُلَّ ذَنَبٍ كَانَ أَوْ هُوَ كَائِنٌ. (قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ) ، أَيْ: جَدِيدَهُ كَمَا فِي أَصْلِ الْأَصِيلِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِثْبَاتُهُمَا أَشْهَرُ مِنْ إِسْقَاطِهِمَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ اهـ.

стр. 1962

وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ التُّورِبِشْتِيُّ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (خَطَأَهُ) : بِفُتْحَتَيْنِ وَهَمْزَةٍ (وَعَمْدَهُ) : قِيلَ: يُشْكِلُ بِأَنَّ الْخَطَأَ لَا إِثْمَ فِيهِ، لِقَوْلِهِ ﵊: " «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ) . فَكَيْفَ يُجْعَلُ مِنْ جُمْلَةِ الذَّنْبِ؟ وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالذَّنْبِ مَا فِيهِ نَقْصٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِثْمٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مَغْفِرَةُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْخَطَأِ مِنْ نَحْوِ الْإِتْلَافِ مِنْ ثُبُوتِ بَدَلِهَا فِي الذِّمَّةِ، وَمَعْنَى الْمَغْفِرَةِ حِينَئِذٍ إِرْضَاءُ الْخُصُومِ، وَفَكُّ النَّفْسِ عَنْ مَقَامِهَا الْكَرِيمِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﵇: [" «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مَرْهُونَةٌ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ» "] . (صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالضَّمِيرُ فِي هَذِهِ كُلِّهَا عَائِدٌ إِلَى قَوْلِهِ: ذَنْبَكَ، وَسَقَطَ مِنَ الْمِشْكَاةِ هُنَا لَفْظُ عَشْرِ خِصَالٍ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَصْلِ عَلَى مَا يَشْهَدُ بِهِ الْحِصْنُ وَغَيْرُهُ. قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: فَإِنْ قُلْتَ: أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مَا يَلِيهِ، وَكَذَا بَاقِيهِ فَمَا الْحَاجَةُ إِلَى تَعَدُّدِ أَنْوَاعِ الذُّنُوبِ؟ قُلْتُ: ذَكَرَهُ قَطْعًا لِوَهْمِ أَنَّ ذَلِكَ الْأَوَّلَ وَالْآخِرَ رُبَّمَا يَكُونُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَعَلَى هَذَا فِي أَقْرَانِهِ، وَأَيْضًا فِي التَّنْصِيصِ عَلَى الْأَقْسَامِ حَثٌّ لِلْمُخَاطَبِ عَلَى الْمَحْثُوثِ عَلَيْهِ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ، ثُمَّ كُلٌّ مِنَ الْأَقْسَامِ أَعَمُّ مِمَّا يَلِيه مِنْ وَجْهٍ ; إِذِ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ قَدْ يَكُونُ قَدِيمًا، وَقَدْ يَكُونُ حَدِيثًا، وَالْقَدِيمُ وَالْحَدِيثُ قَدْ يَكُونُ خَطَأً وَقَدْ يَكُونُ عَمْدًا، وَالْخَطَأُ وَالْعَمْدُ قَدْ يَكُونُ صَغِيرًا وَقَدْ يَكُونُ كَبِيرًا، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ قَدْ يَكُونُ سِرًّا وَقَدْ يَكُونُ عَلَنًا، وَعَلَى هَذَا مِنَ الْجَانِبِ الْأَسْفَلِ، فَإِنَّ السِّرَّ وَالْعَلَانِيَةَ قَدْ يَكُونُ صَغِيرًا إِلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ. (أَنْ تُصَلِّيَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: " أَنْ " مُفَسِّرَةٌ لِأَنَّ التَّعْلِيمَ فِي مَعْنَى الْقَوْلِ، أَوْ هِيَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالْمُقَدَّرُ عَائِدٌ إِلَى ذَلِكَ، أَيْ: هُوَ يَعْنِي الْمَأْمُورَ بِهِ أَنْ تُصَلِّيَ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ هِيَ، وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْخِصَالِ الْعَشْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ تُصَلِّي بِنِيَّةِ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ، وَلَوْ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ فِيمَا يَظْهَرُ، قُلْتُ: هَذَا مِمَّا لَمْ يَظْهَرْ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، مَانِعَةٌ مِنْ إِرَادَةِ الْإِطْلَاقِ الْمَفْهُومِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، قَاضِيَةٌ عَلَيْهِ، وَالشَّافِعِيَّةُ اسْتَثْنَوْا الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ مُقَدَّمٌ، وَهَذِهِ لَيْسَ لَهَا سَبَبٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَظَهَرَ بُطْلَانُ مَا ظَهَرَ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِتَسْلِيمٍ وَاحِدٍ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا (تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً) : وَسَيَأْتِي مَا وَرَدَ فِي تَعْيِينِهَا وَتَعْيِينِ أَفْضَلِ أَوْقَاتِ صَلَاتِهَا، وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا أَرْبَعًا مِنَ الْمُسَبِّحَاتِ: الْحَدِيدِ، وَالْحَشْرِ، وَالصَّفِّ، وَالْجُمُعَةِ، وَالتَّغَابُنِ لِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَهَا فِي الِاسْمِ، (فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ) ، أَيْ: قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ. (وَأَنْتَ قَائِمٌ، قُلْتَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ) : زَادَ الْغَزَالِيُّ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. (خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً) : بِسُكُونِ الشِّينِ وَتُكْسَرُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَا صَرَّحَ بِهِ هَذَا السِّيَاقُ أَنَّ التَّسْبِيحَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ أَخَذَ بِهِ أَئِمَّتُنَا، وَأَمَّا مَا كَانَ يَفْعَلُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ مِنْ جَعْلِهِ الْخَمْسَ عَشْرَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَبَعْدَ الْقِرَاءَةِ عَشْرًا، وَلَا يُسَبِّحُ فِي الِاعْتِدَالِ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: لَكِنْ جَلَالَتُهُ تَقْتَضِي التَّوَقُّفَ عَنْ مُخَالَفَتِهِ، وَوَافَقَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ، فَجَعَلَ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ عَشْرًا، لَكِنَّهُ أَسْقَطَ فِي مُقَابَلَتِهَا مَا يُقَالُ فِي جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِشْرِينَ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَذَا وَرَدَ فِي أَثَرٍ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. (ثُمَّ تَرْكَعُ، فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا) ، أَيْ: بَعْدَ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، كَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. (ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَتَقُولُهَا عَشْرًا) ، أَيْ بَعْدَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ، (ثُمَّ تَهْوِي) : فِي الصِّحَاحِ: هَوَى بِالْفَتْحِ يَهْوِي بِالْكَسْرِ هُوِيًّا إِذَا سَقَطَ إِلَى أَسْفَلَ، (سَاجِدًا) : حَالٌ (فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا) :

стр. 1963

أَيْ بَعْدَ تَسْبِيحِ السُّجُودِ، (ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ، فَتَقُولُهَا عَشْرًا) : مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ دُعَاءٍ عِنْدَنَا، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَقُولَهَا بَعْدَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَنَحْوِهِ. (ثُمَّ تَسْجُدُ) ، أَيْ ثَانِيًا (فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ) ، أَيْ: مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (فَتَقُولُهَا عَشْرًا) ، أَيْ: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ عَلَى مَا فِي الْحِصْنِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ وَجِلْسَةَ التَّشَهُّدِ، (فَذَلِكَ) ، أَيْ: مَجْمُوعُ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّسْبِيحَاتِ (خَمْسٌ وَسَبْعُونَ) ، أَيْ: مَرَّةً عَلَى مَا فِي الْحِصْنِ (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) ، أَيْ: ثَابِتَةٌ فِيهَا (تَفْعَلُ ذَلِكَ) ، أَيْ: مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الرَّكْعَةِ (فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ) ، أَيْ: فِي مَجْمُوعِهَا بِلَا مُخَالَفَةٍ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّلَاثِ فَتَصِيرُ ثَلَاثَمِائَةِ تَسْبِيحَةٍ (إِنِ اسْتَطَعْتَ) : اسْتِئْنَافٌ، أَيْ: إِنْ قَدَرْتَ (أَنْ تُصَلِّيَهَا) ، أَيْ: هَذِهِ الصَّلَاةَ (فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) ، أَيْ: فِي كُلِّ يَوْمٍ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ، أَوْ مَعَ وُجُودِهَا لِعَائِقٍ، (فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَتُسَكَّنُ، أَيْ: فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ، وَالتَّعْبِيرُ بِهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ (مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) : لِمَا تَقَدَّمَ (فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمُرِكَ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَتُسَكَّنُ (مَرَّةً ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَيْضًا (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ اهـ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى مَا فِي الْحِصْنِ.

стр. 1964

١٣٢٩ - وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ نَحْوَهُ. ــ ١٣٢٩ - (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ نَحْوَهُ) : وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ غَيْرُ حَدِيثٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ كَثِيرُ شَيْءٍ، قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ صَلَاةَ التَّسْبِيحِ، وَذَكَرُوا الْفَضْلَ فِيهَا، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِمَّنْ رَوَاهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ، وَالْخَطِيبُ، وَالْآجُرِّيُّ، وَأَبُو سَعِيدٍ السَّمْعَانِيُّ، وَأَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ، اخْتَلَفَ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ فِي تَصْحِيحِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ وَحَسَّنَهُ جَمَاعَةٌ اهـ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ " حَسَنٌ "، وَقَدْ أَسَاءَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ بِذِكْرِهِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَصَحُّ شَيْءٍ وَرَدَ فِي فَضَائِلِ السُّوَرِ فَضْلُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَأَصَحُّ شَيْءٍ وَرَدَ فِي فَضَائِلِ الصَّلَوَاتِ فَضْلُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: صَلَاةُ التَّسْبِيحِ مُرَغَّبٌ فِيهَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَادَهَا فِي كُلِّ حِينٍ، وَلَا يَتَغَافَلُ عَنْهَا قَالَ: وَيَبْدَأُ فِي الرُّكُوعِ بِسُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا، وَفِي السُّجُودِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا، ثُمَّ يُسَبِّحُ التَّسْبِيحَاتِ الْمَذْكُورَةَ، وَقِيلَ لَهُ: إِنْ سَهَا فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ هَلْ يُسَبِّحُ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ عَشْرًا عَشْرًا؟ قَالَ: لَا إِنَّمَا هِيَ ثَلَاثُمِائَةِ تَسْبِيحَةٍ.

стр. 1965

قُلْتُ: وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِنْ سَهَا وَنَقَّصَ عَدَدًا مِنْ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ يَأْتِي بِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ تَكْمِلَةً لِلْعَدَدِ الْمَطْلُوبِ. وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ صَلَّاهَا لَيْلًا فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ صَلَّاهَا نَهَارًا فَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُسَلِّمْ، غَيْرَ أَنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي يَقُولُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ يُؤَدِّي إِلَى جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكُ يُسَبِّحُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ عَشْرًا، وَالْبَاقِي كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ، قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ السُّبْكِيُّ: وَجَلَالَةُ ابْنِ الْمُبَارَكِ تَمْنَعُ مِنْ مُخَالَفَتِهِ، وَإِنَّمَا أُحِبُّ الْعَمَلَ بِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّسْبِيحِ بَعْدَ السَّجْدَتَيْنِ الْفَصْلُ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالْقِيَامِ، فَإِنَّ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ حِينَئِذٍ مَشْرُوعَةٌ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَيَنْبَغِي لِلْمُتَعَبِّدِ أَنْ يَعْمَلَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَارَةً، وَيَعْمَلَ بِحَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أُخْرَى، وَأَنْ يَفْعَلَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَنْ يَقْرَأَ فِيهَا تَارَةً بِالزَّلْزَلَةِ، وَالْعَادِيَاتِ، وَالْفَتْحِ، وَالْإِخْلَاصِ، وَتَارَةً بِ (أَلْهَاكُمُ، وَالْعَصْرِ، وَالْكَافِرُونَ، وَالْإِخْلَاصِ) وَأَنْ يَكُونَ دُعَاؤُهُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ قَبْلَ السَّلَامِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيَدْعُو لِحَاجَتِهِ، فَفِي كُلِّ شَيْءٍ ذَكَرْتُهُ وَرَدَتْ سُنَّةٌ، أَمَّا كَوْنُهَا بَعْدَ الزَّوَالِ فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنْ رَجُلٍ لَهُ صُحْبَةٌ يَرْوِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " ائْتِنِي غَدًا أَحْبُوكَ وَأُثِيبُكَ وَأُعْطِيكَ " حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ يُعْطِينِي عَطِيَّةً، أَيْ حِسِّيَّةً، وَالْحَالُ أَنَّهَا مَعْنَوِيَّةٌ، قَالَ: " إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَقُمْ فَصَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ " فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ: " ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَاسْتَوِ جَالِسًا وَلَا تَقُمْ حَتَّى تُسَبِّحَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرَ عَشْرًا، وَتُهَلِّلَ عَشْرًا، ثُمَّ تَصْنَعُ ذَلِكَ فِي الْأَرْبَعِ الرَّكَعَاتِ فَإِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَعْظَمَ أَهْلِ الْأَرْضِ ذَنْبًا غُفِرَ لَكَ ". قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُصَلِّيَهَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ؟ قَالَ: صَلِّهَا مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: إِنَّهُ يَقُولُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ: بِسُبْحَانِكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، ثُمَّ يُسَبِّحُ خَمْسَ عَشْرَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَعَشْرًا بَعْدَهَا، وَالْبَاقِي عَشْرًا عَشْرًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ قَاعِدًا، وَهَذَا هُوَ الْأَحْسَنُ وَهُوَ اخْتِيَارُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ زَادَ بَعْدَ التَّسْبِيحِ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَحَسُنٌ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ اللُّمْعَةِ فِي رَغَائِبِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِابْنِ أَبِي الصَّيْفِ الْيَمَنِيِّ، نَزِيلِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ: يُسْتَحَبُّ صَلَاةُ التَّسْبِيحِ عِنْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ التَّكَاثُرَ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَالْعَصْرِ، وَفِي الثَّالِثَةِ الْكَافِرُونَ، وَفِي الرَّابِعَةِ الْإِخْلَاصَ، فَإِذَا كَمُلَتِ الثَّلَاثُمِائَةِ تَسْبِيحَةٍ قَالَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ التَّشَهُّدِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ تَوْفِيقَ أَهْلِ الْهُدَى، وَأَعْمَالَ أَهْلِ الْيَقِينِ، وَمُنَاصَحَةَ أَهْلِ التَّوْبَةِ، وَعَزْمَ أَهْلِ الصَّبْرِ، وَحَذَرَ أَهْلِ الْخَشْيَةِ، وَتَعَبُّدَ أَهْلِ الْوَرَعِ، وَعِرْفَانَ أَهْلِ الْعِلْمِ، حَتَّى أَخَافَكَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مَخَافَةً تَحْجِزُنِي عَنْ مَعَاصِيكَ، وَحَتَّى أَعْمَلَ بِطَاعَتِكَ عَمَلًا أَسْتَحِقُّ بِهِ الرِّضَا، وَحَتَّى أُنَاصِحَكَ فِي التَّوْبَةِ خَوْفًا مِنْكَ، وَحَتَّى أُخْلِصَ لَكَ النَّصِيحَةَ حُبًّا لَكَ، وَحَتَّى أَتَوَكَّلَ عَلَيْكَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا حُسْنَ ظَنٍّ بِكَ، سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ، رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَالْأَقْرَبُ مِنْ الِاعْتِدَالِ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُصَلِّيَهَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَهَذَا الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا عِنْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ اهـ. كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْمَرْحُومُ قُطْبُ الدِّينِ الْمُفْتِي بِالْحَرَمِ الْأَمِينِ فِي رِسَالَتِهِ أَدْعِيَةِ الْحَجِّ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ فِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ، عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَقُولُ بَعْدَ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ قَبْلَ السَّلَامِ وَلَفْظُهُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ تَوْفِيقَ أَهْلِ الْهُدَى، وَأَعْمَالَ أَهْلِ الْيَقِينِ، وَمُنَاصَحَةَ أَهْلِ التَّوْبَةِ، وَعَزْمَ أَهْلِ الصَّبْرِ، وَجِدَّ أَهْلِ الْخَشْيَةِ، وَطَلَبَ أَهْلِ الرَّغْبَةِ، وَتَعَبُّدَ أَهْلِ الْوَرَعِ، وَعِرْفَانَ أَهْلِ الْعِلْمِ، حَتَّى أَخَافَكَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مَخَافَةً تَحْجِزُنِي عَنْ مَعَاصِيكَ، وَحَتَّى أَعْمَلَ بِطَاعَتِكَ عَمَلًا أَسْتَحِقُّ بِهِ رِضَاكَ، وَحَتَّى أُنَاصِحَكَ بِالتَّوْبَةِ خَوْفًا مِنْكَ، وَحَتَّى أُخْلِصَ لَكَ النَّصِيحَةَ حَيَاءً مِنْكَ، وَحَتَّى أَتَوَكَّلَ عَلَيْكَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا حُسْنَ ظَنٍّ بِكَ سُبْحَانَ خَالِقِ النَّارِ اهـ. وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا قَبْلَهُ بِاعْتِبَارِ حُسْنِ سَنَدِهِ كَمَا لَا يَخْفَى.

стр. 1966

١٣٣٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُّ ﵎: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَيُكَمَّلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٣٣٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى نِيَابَةِ الْفَاعِلِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ) ، أَيْ: طَاعَاتِهِ (صَلَاتُهُ) ، أَيِ: الْفَرِيضَةُ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﵊ " أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الدِّمَاءُ " أَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالثَّانِي مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ اهـ. أَوِ الْأَوَّلَ مِنْ تَرْكِ الْعِبَادَاتِ، وَالثَّانِي مِنْ فِعْلِ السَّيِّئَاتِ. (فَإِنْ صَلُحَتْ) : بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: صَلَاحُهَا بِأَدَائِهَا صَحِيحَةً اهـ. أَوْ بِوُقُوعِهَا مَقْبُولَةً. (فَقَدْ أَفْلَحَ) ، أَيْ: فَازَ بِمَقْصُودِهِ (وَأَنْجَحَ) ، أَيْ: ظَفَرَ بِمَطْلُوبِهِ، فَيَكُونُ فِيهِ تَأْكِيدٌ، أَوْ فَازَ بِمَعْنَى خُلِّصَ مِنَ الْعِقَابِ، وَأَنْجَحَ، أَيْ حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ، (وَإِنْ فَسَدَتْ) : بِأَنْ لَمْ تُؤَدَّ أَوْ أُدِّيَتْ غَيْرَ صَحِيحَةٍ، أَوْ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ، (فَقَدْ خَابَ) : بِحِرْمَانِ الْمَثُوبَةِ (وَخَسِرَ) : بِوُقُوعِ الْعُقُوبَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَى خَابَ نَدِمَ وَخَسِرَ، أَيْ صَارَ مَحْرُومًا مِنَ الْفَوْزِ وَالْخَلَاصِ قَبْلَ الْعَذَابِ. (فَإِنِ انْتَقَصَ) : بِمَعْنَى نَقَصَ اللَّازِمِ (مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ) ، أَيْ: مِنَ الْفَرَائِضِ (قَالَ الرَّبُّ ﵎ : مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ (انْظُرُوا) : يَا مَلَائِكَتِي (هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطُوِّعٍ؟) : فِي صَحِيفَتِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُمْ، أَيْ: سُنَّةٍ أَوْ نَافِلَةٍ مِنْ صَلَاةٍ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنَ السِّيَاقِ قَبْلَ الْفَرْضِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَعْلَمِ الْعَبْدُ نُقْصَانَ فَرْضِهِ حَتَّى يَقْضِيَهُ، (فَيُكَمَّلُ) : بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَبِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ (بِهَا) ، أَيْ: بِنَافِلَتِهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: بِالتَّطَوُّعِ وَتَأْنِيثِ الضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ النَّافِلَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ نَصْبُ " فَيُكَمَّلُ " عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى جَوَابًا لِلِاسْتِفْهَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَحْمَدَ: " فَكَمِّلُوا بِهَا فَرِيضَتَهُ "، وَإِنَّمَا أُنِّثَ ضَمِيرُ التَّطَوُّعِ فِي بِهَا نَظَرًا إِلَى الصَّلَاةِ. (مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ) ، أَيْ: مِقْدَارُهُ، (ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ) : مِنَ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا (عَلَى ذَلِكَ) ، أَيْ: إِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْمَفْرُوضِ يُكَمَّلُ لَهُ بِالتَّطَوُّعِ. (وَفِي رِوَايَةٍ: " ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ) : يَعْنِي: الْأَعْمَالَ الْمَالِيَّةَ مِثْلَ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ عَلَى السَّوِيَّةِ، (ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ) ، أَيْ: سَائِرُ الْأَعْمَالِ مِنَ الْجِنَايَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ (عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ) : مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْحَسَنَاتِ، فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ، فَمَنْ كَانَ حَقٌّ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَيُدْفَعُ إِلَى صَاحِبِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

стр. 1967

١٣٣١ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ. ــ ١٣٣١ - (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ) : وَقَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَآخَرُونَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَمَّا خَبَرُ: لَا تُقْبَلُ نَافِلَةُ الْمُصَلِّي حَتَّى يُؤَدِّيَ الْفَرِيضَةَ فَضَعِيفٌ.

стр. 1968

١٣٣٢ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَذِنَ اللَّهُ لَعَبْدٍ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا، وَإِنَّ الْبِرَّ لَيُذَرُّ عَلَى رَأْسِ الْعَبْدِ مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ، وَمَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ "، يَعْنِي الْقُرْآنَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ١٣٣٢ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا أَذِنَ اللَّهُ) : مِنْ أَذِنْتُ الشَّيْءَ أَصْغَيْتُ لَهُ، وَالْمُرَادُ هُنَا غَايَةُ الْإِصْغَاءِ، وَهِيَ الْإِقْبَالُ بِاللُّطْفِ وَالرَّحْمَةِ وَالرِّضَا، أَيْ: مَا قَبِلَ (لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ) ، أَيْ: مِنَ الْعِبَادَاتِ (أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا) : يَعْنِي: أَفْضَلَ الْعِبَادَاتِ الصَّلَاةَ، كَمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ: الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ، أَيْ: خَيْرٌ مِنْ كُلِّ مَا وَضَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ لِيَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ، وَفِي قَوْلِهِ: (أَذِنَ) الْمُفَسَّرُ (بِأَقْبَلَ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ فِي مُنَاجَاتِهِ مَعَ رَبِّهِ مُقْبِلًا عَلَى اللَّهِ بِكُلِّيَّتِهِ وَلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ وَقَالَبِهِ. (وَإِنَّ الْبِرَّ لَيُذَرُّ) : بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: يُنْثَرُ وَيُفَرَّقُ مِنْ قَوْلِهِمْ: ذَرَرْتُ الْحَبَّ وَالْمِلْحَ، أَيْ: فَرَّقْتُهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَيُدَرُّ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّهَا، أَيْ: لَيُنَزَّلُ وَهُوَ مَشَاكِلٌ لِلصَّوَابِ، لَكِنَّهُ تَصْحِيفٌ، وَالرِّوَايَةُ هُوَ الْأَوَّلُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ هُوَ الرِّوَايَةَ أَنْسَبُ مِنَ الدَّرِّ بِالْمُهْمَلَةِ ; لِأَنَّهُ أَشْمَلُ مِنْهُ لِاخْتِصَاصِ الدَّرِّ، أَيِ: الصَّبُّ بِالْمَائِعِ وَعُمُومِ الذَّرِّ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الدَّرُّ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ تَصْحِيفٌ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى مُشَاكِلٌ إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ لَمْ تُسَاعِدْهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ ; لِأَنَّ الْأَنْسَبَ بِالْمَقَامِ تَخْرِيجُهُ عَلَى التَّشْبِيهِ بِمَلِكٍ كَرِيمٍ أَرَادَ الْإِحْسَانَ إِلَى عَبْدٍ أَحْسَنَ خِدْمَتَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ، فَاللَّائِقُ بِهِ أَنْ يَكُونَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ بِنَثْرِ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ عَلَى رَأْسِهِ إِعْظَامًا لَهُ، وَإِشْهَارًا لِمَرْتَبَتِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ ذِكْرُ الرَّأْسِ فِي قَوْلِهِ: (عَلَى رَأْسِ الْعَبْدِ) ، أَيْ: يُنَزِّلُ الرَّحْمَةَ وَالثَّوَابَ الَّذِي هُوَ أَثَرُ الْبِرِّ عَلَى الْمُصَلِّي، (مَا دَامَ فِي صِلَاتِهِ، وَمَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ) ، أَيْ: مَا طَلَبَ الْعِبَادُ شَيْئًا مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ (إِلَى اللَّهِ) ، أَيْ: مِنَ الْأَذْكَارِ الَّتِي لَمْ تُخَصَّ وَحْدَهَا بِزَمَنٍ أَوْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْ مُطْلَقِ الْقُرْبَانِ (بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ) ، أَيْ: ظَهَرَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَرَائِعِهِ وَمِنْ أَحْكَامِهِ، وَقِيلَ: مَا خَرَجَ مِنْ كِتَابِهِ الْمُبِينِ وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَقِيلَ: مِنْ عِلْمِهِ الْكَامِلِ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْعَبْدِ، وَمَعْنَى خُرُوجِهِ مِنْهُ ظُهُورُهُ عَلَى لِسَانِهِ مِمَّا هُوَ مَحْفُوظٌ فِي صَدْرِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَعْنَى قَوْلِ السَّلَفِ: كَلَامُ اللَّهِ خَرَجَ مِنْهُ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ، أَيْ: بِهِ أَمَرَ وَنَهَى، ثُمَّ يُحَاسِبُ عَمَّا وَقَعَ فِي ذَلِكَ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ، أَوْ أَنْزَلَهُ حُجَّةً لِلْخَلْقِ، وَعَلَيْهِمْ لِيُكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا، ثُمَّ مَآلُ تَبَيُّنِ حَقِيقَتِهِ وَظُهُورِ صِدْقِ مَا نَطَقَ بِهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا يَقُولُ: يَا رَبَّ الْقُرْآنِ، قَالَ: مِهْ، أَمَا عَلِمَتْ أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْهُ، أَيْ إِنَّهُ صِفَتُهُ الْقَدِيمَةُ الْقَائِمَةُ بِذَاتِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِالرُّبُوبِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِحُدُوثِهِ وَانْفِصَالِهِ عَنِ الذَّاتِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ. (يَعْنِي الْقُرْآنَ) : وَهَذَا تَفْسِيرُ بَعْضِ الرُّوَاةِ لَا الصَّحَابِيِّ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ أَبُو النَّصْرِ، وَقِيلَ: مَا خَرَجَ مِنَ الْعَبْدِ وَهُوَ مَا هُوَ مَتْلُوٌّ عَلَى لِسَانِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ هَذَا التَّفْسِيرَ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُفَسِّرَ مَنْ هُوَ، وَالْحَدِيثُ نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ، وَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ أَبُو نَصْرٍ: يَعْنِي الْقُرْآنَ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَتَسَامَحُ فِيهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابِيِّ، فَيُجْعَلُ مِنْ مَتْنِ الْحَدِيثِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) .

стр. 1969

[بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ]

стр. 1970

[٤١] بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ الفصلُ الْأَوَّلُ ١٣٣٣ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [٤١] بَابُ صَلَاةِ السَّفَرِ السَّفَرُ لُغَةً: قَطْعُ الْمَسَافَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ قَطْعٍ تَتَغَيَّرُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِنْ جَوَازِ الْإِفْطَارِ وَقَصْرِ الرُّبَاعِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ شَرْعًا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ أَنْ يَقْصِدَ مَسَافَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ وَلَيَالِيهَا بِسَيْرٍ وَسَطٍ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ: هُوَ مَسِيرَةُ مَرْحَلَتَيْنِ بِسَيْرِ الْأَثْقَالِ، وَذَلِكَ يَوْمَانِ أَوْ يَوْمٌ وَلَيْلَةٍ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا أَرْبَعَ بُرَدٍ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُقَصِّرُ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ، وَقَالَ دَاوُدُ: يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١٣٣٣ - (عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا) ، أَيْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَرَادَ فِيهِ الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ لِلْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، (وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) : وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمَشْهُورُ الْآنَ بِبِئْرِ عَلِيٍّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذُو الْحُلَيْفَةِ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ لِلْمُهْمِلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُسَمِّيهَا الْعَوَامُّ أَبْيَارِ عَلِيٍّ لِزَعْمِهِمْ أَنَّهُ قَاتَلَ فِي بِئْرِهَا الْجَانَّ، وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ. (رَكْعَتَيْنِ) ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي السَّفَرِ. أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إِلَّا بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ بُنْيَانَ الْبَلَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يُقَصِّرُ إِذَا كَانَ مِنَ الْمَصَرِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَقَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ: إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَصِّرَ مِنْ مَنْزِلِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا لَوْ جَاوَزَنَا هَذَا الْخُصَّ لَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاحْتَجَّ بِهِ الظَّاهِرِيَّةُ عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُمْ ; لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ قَاصِدًا مَكَّةَ، لَا أَنَّ ذَا الْحُلَيْفَةِ غَايَةُ سَفَرِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ.

стр. 1971

١٣٣٤ - وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ ﵁ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ بِمِنًا، رَكْعَتَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٣٣٤ - (وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا) : بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ: بِالنَّصْبِ، فَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ نَحْنُ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَمَعْنَاهُ الْجَمْعُ ; لِأَنَّ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ يَكُونُ جَمْعًا. (قَطُّ) : ظَرْفٌ بِمَعْنَى الدَّهْرِ، وَالزَّمَانُ مُتَعَلِّقٌ بَكُنَّا. قَالَ الْأَشْرَفُ: قَطُّ مُخْتَصٌّ بِالْمَاضِي الْمَنْفِيِّ، وَلَا مَنْفِيَّ هُنَا، فَتَقْدِيرُهُ مَا كُنَّا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا آمَنُهُ قَطُّ. (وَآمَنُهُ) : عَطْفٌ عَلَى (أَكْثَرُ) وَقَطُّ مُقَدَّرٌ هَاهُنَا، وَالضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى مَا كُنَّا، وَالْوَاوُ فِي " وَنَحْنُ " لِلْحَالِ الْمُعْتَرِضَةِ بَيْنَ صَلَّى وَمَعْمُولِهِ، وَهُوَ (بِمِنًا) : بِالِانْصِرَافِ، وَفِي نُسْخَةٍ " بِمِنَى " غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْ قَصَدَ إِلَى الْبُقْعَةِ لَا يَنْصَرِفُ، وَيُكْتَبُ بِالْيَاءِ وَإِنْ قَصَدَ بِالْمَوْضِعِ يَنْصَرِفُ وَيُكْتَبُ بِالْأَلْفِ وَالْأَغْلَبُ تَذْكِيرُهُ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يُمْنَى فِيهِ مِنَ الدِّمَاءِ، أَيْ: يُرَاقُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ تَعَالَى يَمُنُّ فِيهَا عَلَى عِبَادِهِ بِالْمَغْفِرَةِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْمِنَحِ، وَالْقِيلُ لَا يُلَائِمُ مَادَّةَ الِاشْتِقَاقِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ جِبْرِيلَ لِمَا أَرَادَ مُفَارَقَةَ آدَمَ قَالَ لَهُ: تَمَنَّ قَالَ: أَتَمَنَّى الْجَنَّةَ، أَوْ لِتَقْدِيرِ اللَّهِ فِيهِ الشَّعَائِرَ مِنْ مِنًى، أَيْ: قَدَّرَ، وَالْمَعْنَى صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْحَالِ أَنَّا بِمَنًا. (رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَكْثَرُ أَكْوَانِنَا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ عَدَدًا، وَأَكْثَرُ أَكْوَانِنَا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ أَمْنًا، وَإِسْنَادُ الْأَمْنِ إِلَى الْأَوْقَاتِ مَجَازٌ كَذَا، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ شَارِحٌ: ضَمِيرُ آمَنُهُ عَائِدٌ إِلَى " مَا " إِنْ كَانَتْ مَوْصُوفَةً تَقْدِيرُهُ: وَنَحْنُ حِينَئِذٍ أَكْثَرُ عَدَدٍ كُنَّا قَبْلَ إِيَّاهُ، وَآمَنُ عَدَدٍ كُنَّا قَبْلَ إِيَّاهُ، وَإِلَى الْمَصْدَرِ الْمُقَدَّرِ إِنْ كَانَ " مَا " مَصْدَرِيَّةً، أَيْ: وَنَحْنُ أَكْثَرُ كوْنٍ، أَيْ وُجُودٍ، وَآمَنُ كَوْنٍ مَا كُنَّا قَبْلُ، وَجِيءَ بِ (قَطُّ) لِاشْتِمَالِهِ عَلَى النَّفْيِ، أَيْ: مَا كُنَّا قَبْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ مِثْلَ ذَلِكَ الْعَدَدِ وَمِثْلَ ذَلِكَ الْأَمْنِ قَطُّ، وَفِي الْمَفَاتِيحِ: وَرُوِيَ: أَمَنَةٌ جَمْعُ آمِنٍ كَطَلَبَةٍ وَطَالِبٍ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ بِمَعْنَى كَثِيرٍ، " وَمَا " نَافِيَةٌ، وَخَبَرُ كُنَّا مَحْذُوفٌ، أَيْ: وَنَحْنُ كَثِيرُونَ مَا كُنَّا مِثْلَ ذَلِكَ قَطُّ وَنَحْنُ أَمَنَةٌ. وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ " مَا " نَافِيَةٌ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ، أَوْ أَكْثَرَ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ كَانَ، وَيَجُوزُ إِعْمَالٌ مَا فِيمَا قَبْلَهَا إِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى لَيْسَ، وَالتَّقْدِيرُ: وَنَحْنُ مَا كُنَّا قَطُّ فِي وَقْتٍ أَكْثَرَ مِنَّا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَلَا آمَنَ مِنَّا فِيهِ مِنَ الْأَمَانِ، قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ آمَنُهُ فِعْلًا مَاضِيًا، وَضَمِيرُ الْفَاعِلِ مُضَافًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، أَيِ: آمَنَ اللَّهُ نَبِيَّهَ حِينَئِذٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَقُولُ هَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ (أَكْثَرَ) خَبَرَ كَانَ ; إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَعْطِفَ وَآمَنُهُ عَلَى أَكْثَرَ وَهُوَ تَعَسُّفٌ جَدًّا، وَالْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلُ. أَعْلَمُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ رُخْصَةٌ أَوْ عَزِيمَةٌ؟ فَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الثَّانِي، وَغَيْرُهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَحُكِيَ عَنْ دَاوُدَ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي سَفَرٍ وَاجِبٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ يُخْتَصُّ بِالْخَوْفِ، وَلَا تَجُوزُ الرُّخَصُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُعَارِضُهُ تَقْيِيدُ الْقَصْرِ فِي الْآيَةِ بِالْكُفَّارِ ; لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ مِنْ أَحْوَالِ الْمُسَافِرِينَ حَالَ نُزُولِهَا فِي الْخَوْفِ مِنَ الْكُفَّارِ، فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، وَفِي هَذَا غَايَةُ الْفَخَامَةِ لَهُ ﷺ ; حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي الْآيَةِ لَيْسَ قَيْدَ تَوْسِعَةٍ عَلَى الْأُمَّةِ وَإِعْلَامًا بِأَنَّ فِعْلَهُ مَنْسُوبٌ إِلَى رَبِّهِ ; لِأَنَّهُ خَبَرُهُ فِي خَلْقِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: سَفَرُ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ سَوَاءٌ فِي الرُّخَصِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، قَالَهُ مِيرَكُ.

стр. 1972

١٣٣٥ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، قَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى، فَقَالَ: " «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٣٣٥ - (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) : مُصَغَّرًا قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَشَهِدَ حُنَيْنًا، وَالطَّائِفَ، وَتَبُوكَ. (قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا﴾ [النساء: ١٠١] ، أَيْ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١] ، أَيْ سَافَرْتُمْ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النساء: ١٠١] ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ) ، أَيْ: وَذَهَبَ الْخَوْفُ فَمَا وَجْهُ الْقَصْرِ؟ (قَالَ عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ) : أَنْتَ (مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى، فَقَالَ: " صَدَقَةٌ) ، أَيْ: قَصْرُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ صَدَقَةٌ، قَالَ: ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ رُخْصَةٌ لَا وَاجِبٌ، وَإِلَّا لَمْ يُسَمَّ (صَدَقَةٌ) ، قَلْتُ: الصَّدَقَةُ أَعَمُّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] (تَصَدَّقَ اللَّهُ) ، أَيْ: تَفَضَّلَ (بِهَا عَلَيْكُمْ) ، أَيْ: تَوْسِعَةً وَرَحْمَةً (فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ) ، أَيْ: سَوَاءٌ حَصَلَ الْخَوْفُ أَمْ لَا. وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْآيَةِ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] ; لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْأَغْلَبِ، فَحِينَئِذٍ لَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْقَصْرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ خَوَّفَ وَأَمَرَ، فَاقْبَلُوا ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ، فَيُؤَيِّدُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ وَالْإِتْمَامُ إِسَاءَةٌ. وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيُّ: أَكْثَرُهُمْ عَلَى وُجُوبِ الْقَصْرِ، وَرَدُّ ابْنِ حَجَرٍ عَلَيْهِ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ.

стр. 1973

١٣٣٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَّى مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قِيلَ لَهُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: " أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٣٣٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ) ، أَيْ: مُتَوَجِّهِينَ (إِلَى مَكَّةَ) ، أَيْ: لِحِجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ. (فَكَانَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: بِالْوَاوِ (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ فِي الرُّبَاعِيَّةِ (حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ) ، أَيْ: حَتَّى قَصَّرَ فِي مَكَّةَ أَيْضًا (قِيلَ لَهُ: أَقَمْتُمْ) ، أَيْ تَوَقَّفْتُمْ (بِمَكَّةَ شَيْئًا؟) ، أَيْ: مِنَ الْأَيَّامِ. (قَالَ: " أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا) : قَالَ الْمُظْهِرُ، أَيْ عَشْرَ لَيَالٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ مِنَ اللَّيَالِي، أَوْ مِنَ الْأَيَّامِ، وَحُذِفَتِ التَّاءُ ; لِأَنَّ الْمَعْدُودَ إِذَا حُذِفَ جَازَ حَذْفُهَا وَإِثْبَاتُهَا اهـ. وَالْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ يُنَافِي مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ إِذَا أَقَامَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ يَجِبُ الْإِتْمَامُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقَصِّرُ مَا لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمَا قَالَا: إِذَا قَدِمْتَ بَلْدَةً وَأَنْتَ مُسَافِرٌ، وَفِي نَفْسِكَ أَنْ تُقِيمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً فَأَكْمِلِ الصَّلَاةَ بِهَا، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي مَتَى تُظْعِنُ فَاقْصُرْهَا، قَالَ: وَالْأَثَرُ فِي مَثَلِهِ كَالْخَبَرِ ; لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي الْمُقَدَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدِهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: ارْتَجَّ عَلَيْنَا الثَّلْجُ، وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فِي غَزَاةٍ، فَكُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ بِبَعْضِ بِلَادِ فَارِسَ سِنِينَ، فَكَانَ لَا يَجْمَعُ وَلَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ. وَأُخْرِجَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِالشَّامِ شَهْرَيْنِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ قَوْلُهُ: بِهَا أَطْلَقَهُ عَلَى مَا يُنْسَبُ إِلَيْهَا إِذْ لَمْ يَقُمِ الْعَشْرَ الَّتِي أَقَامَهَا لِحِجَّةِ الْوَدَاعِ بِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُ دَخَلَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَرَجَ مِنْهَا صَبِيحَةَ الْخَمِيسِ، فَأَقَامَ بِمِنًى وَالْجُمُعَةُ بِنَمِرَةَ وَعَرَفَاتٍ، ثُمَّ عَادَ السَّبْتَ بِمِنًى لِقَضَاءِ نُسُكِهِ، ثُمَّ بِمَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، ثُمَّ بِمِنًى يَوْمُهُ فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّتَهُ، وَالْأَحَدُ وَالِاثْنَيْنُ وَالثُّلَاثَاءُ إِلَى الزَّوَالِ ثُمَّ نَفَرَ، فَنَزَلَ بِالْمُحَصَّبِ وَطَافَ فِي لَيْلَتِهِ لِلْوَدَاعِ، ثُمَّ رَحَلَ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلْتُفَرَّقْ إِقَامَتُهُ قَصْرٌ فِي الْكُلِّ، وَبِهَذَا أَخَذْنَا أَنَّ لِلْمُسَافِرِ إِذَا دَخَلَ مَحَلًّا أَنْ يُقَصِّرَ فِيهِ مَا لَمْ يَصِلْ وَطَنَهُ أَوْ يَنْوِ إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ غَيْرَ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، أَوْ يُقِيمُهَا. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا، وَكَانَ يَحْرُمُ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ وَمُسَاكَنَةُ الْكُفَّارِ كَمَا رَوَيَاهُ أَيْضًا، فَالْإِذْنُ فِي الثَّلَاثَةِ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ حُكْمِ السَّفَرِ فِيهَا بِخِلَافِ الْأَرْبَعَةِ، وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ مَنَعَ أَهْلَ الذِّمَّةِ الْإِقَامَةَ بِالْحِجَازِ، ثُمَّ أَذِنَ لِتَاجِرِهِمْ أَنْ يُقِيمَ ثَلَاثًا، وَفِي مَعْنَاهَا مَا فَوْقَهَا وَدُونَ الْأَرْبَعَةِ هـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِي مَأْخَذِ الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الْخَفَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، قَالَهُ مِيرَكُ.

стр. 1974

١٣٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سَافَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَفَرًا، فَأَقَامَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَنَحْنُ نُصَلِّي فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَكَّةَ، تِسْعَةَ عَشَرَ، رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا أَقَمْنَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ١٣٣٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَافَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَفرًا، فَأَقَامَ) ، أَيْ: لَبِثَ النَّبِيُّ (تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا) : لِشُغْلٍ عَلَى عَزْمِ الْخُرُوجِ (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) : وَبِهَذَا جَوَّزَ الشَّافِعِيُّ الْقَصْرَ إِلَى تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمُعْتَمَدُ إِلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا اهـ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُنَافِي قَوْلَهُمُ الْمُعْتَمَدَ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ أَنَّهُ إِذَا زَادَ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) : اسْتِنْبَاطًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ (فَنَحْنُ نُصَلِّي فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَكَّةَ، تِسْعَةَ عَشَرَ) ، أَيْ يَوْمًا (رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا أَقَمْنَا) ، أَيْ: مَكَثْنَا (أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَدَدِ السَّابِقِ الْإِقَامَةُ فِيهِ لَا السَّيْرُ، يَعْنِي: نَحْنُ إِذَا أَقَمْنَا فِي مَنْزِلٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَإِذَا أَقَمْنَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ نُصَلِّي أَرْبَعًا، وَلَعَلَّ يَوْمَ النُّزُولِ وَالرَّحِيلِ دَاخِلٌ فِيهَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَالُوا: هَذَا مَذْهَبٌ تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالَّذِي قَالَهُ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ أَقَامَ التِّسْعَةَ عَشَرَ لِكَوْنِهِ كَانَ مُحَاصِرًا لِلطَّائِفِ، أَوْ حَرْبِ هَوَازِنَ يَنْتَظِرُ الْفَتْحَ كُلَّ سَاعَةٍ، ثُمَّ يَرْحَلُ، فَلَمْ يَكُنْ مُقِيمًا حَقِيقَةً لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ تَوَقُّفِهِ الْخُرُوجَ مَتَى انْقَضَتْ حَاجَتُهُ، وَهِيَ الْفَتْحُ، وَمِنْهُ وَمِنْ خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ، وَلَهُ شَوَاهِدُ تُجْبِرُ مَا فِي سَنَدِهِ مِنَ الضَّعْفِ أَنَّهُ ﵊ أَقَامَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِمَكَّةَ.

стр. 1975

١٣٣٨ - «وَعَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَاءَ رَحْلَهُ، وَجَلَسَ، فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا، فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ، قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا أَتْمَمْتُ صَلَاتِي، صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٣٣٨ - (وَعَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، ﵁ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ) ، أَيْ: رَافَقْتُهُ (فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَاءَ رَحْلَهُ) ، أَيْ: مَسْكَنَهُ، وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ مِنَ الْأَثَاثِ (وَجَلَسَ فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا) : جَمْعُ قَائِمٍ، أَيْ: قَائِمِينَ لِلصَّلَاةِ، (فَقَالَ) : إِنْكَارًا (مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ) ، أَيْ: يَتَنَفَّلُونَ، وَقِيلَ: يُصَلُّونَ السُّبْحَةَ وَهِيَ صَلَاةُ الضُّحَى (قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا) ، أَيْ مُصَلَّيًا النَّافِلَةَ فِي السَّفَرِ (أَتْمَمْتُ صَلَاتِي) ، أَيِ: الْمَكْتُوبَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنْ لَا يُتَنَفَّلَ فِي السَّفَرِ. (صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ) ، أَيْ: وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ (وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، ﵃، كَذَلِكَ) ، أَيْ: كَانُوا لَا يَزِيدُونَ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَهَذِهِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الْقَصْرِ تُؤَيِّدُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنِ اخْتَارَ أَنْ لَا يُتَطَوَّعَ فِي السَّفَرِ لَا لِلرُّخْصَةِ، كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضٌ، يَعْنِي: لِأَنَّ الرُّخْصَةَ فِي تَرْكِ النَّفْلِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِهِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ الرَّوَاتِبِ فِي حَدِيثِهِ الْآتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 1976

١٣٣٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْن [صَلَاةِ] الظُّهْرِ وَالْعَصْر إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ١٣٣٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ» ) ، أَيْ: جَمْعَ تَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ (إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ) ، أَيْ: جَنَاحِ سَفَرٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَقْحَمَ (ظَهْرِ) تَأْكِيدًا، وَقِيلَ جَعَلَ لِلسَّيْرِ ظَهْرًا ; لِأَنَّ السَّائِرَ مَا دَامَ عَلَى سَيْرِهِ فَكَأَنَّهُ رَاكِبٌ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى تَارَةً يَنْوِي تَأْخِيرَ الظُّهْرِ لِيُصَلِّيَهَا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ، وَتَارَةً يُقَدِّمُ الْعَصْرُ إِلَى وَقْتِ الظُّهْرِ، وَيُؤَدِّيهَا بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ، وَالْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ عِنْدَنَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهِ وَالْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ. (وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) ، أَيْ: كَذَلِكَ، وَبُسِطَ هَذَا الْمَبْحَثُ فِي مُشْكِلِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ.

стр. 1977

١٣٤٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٣٤٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ) ، أَيْ: ظَهْرِ دَابَّتِهِ (حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ) : قِيلَ: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى حَيْثُ، أَوْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَالْعَائِدُ إِلَى حَيْثُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: إِلَيْهِ (يُومِئُ) : بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مَنْ أَوْمَأَ، وَيُبْدَلُ، أَيْ يُشِيرُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يُصَلِّي، وَكَذَا عَلَى رَاحِلَتِهِ (إِيمَاءً) ، أَيْ: بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (صَلَاةَ اللَّيْلِ) : مَفْعُولُ يُصَلِّي (إِلَّا الْفَرَائِضَ) : مُسْتَثْنَى مِنْ (صَلَاةَ اللَّيْلِ) قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَيَعْنِي أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَالْأَتَمُّ أَنْ يُجْعَلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا، فَإِنَّ الْفَرَائِضَ كُلَّهَا لَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا عَلَى الدَّابَّةِ إِلَّا لِعُذْرٍ. (وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْوِتْرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا يَتَمَشَّى إِذَا اتَّحَدَ مَعْنَى الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَالْوَجْهُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُحَكَّمَ الْوِتْرُ، وَيُؤَكَّدَ، ثُمَّ أُكِّدَ مِنْ بَعْدُ وَلَمْ يُرَخَّصْ فِي تَرْكِهِ وَقَالَ: ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَيُوتِرُ بِالْأَرْضِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 1978

الْفَصْلُ الثَّانِي ١٣٤١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كُلَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَصَرَ الصَّلَاةَ وَأَتَمَّ» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ". ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ١٣٤١ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُلَّ) : بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ (ذَلِكَ) : إِشَارَةٌ إِلَى مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ مِنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ سَائِلٍ عَنْهُمَا، وَكُلَّ مَفْعُولُ قَوْلِهِ: (قَدْ فَعَلَ) : أَوْ مُبْتَدَأٌ عَلَى حَذْفِ الْعَائِدِ، أَيْ: كُلُّ ذَلِكَ فَعَلَهُ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِشَارَةُ إِلَى أَمْرٍ مُبْهَمٍ لَهُ شَأْنٌ لَا يُدَرَى إِلَّا بِتَفْسِيرِهِ، وَهُوَ قَوْلُهَا: (قَصَرَ الصَّلَاةَ وَأَتَمَّ) ، أَيْ: قَصَرَ الرُّبَاعِيَّةَ فِي السَّفَرِ وَأَتَمَّهَا، وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْإِتْمَامِ عَلَى مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ فِي السَّفَرِ، أَوْ مَعْنَى الْإِتْمَامِ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْوَضْعِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُنْقِصْهُ لِمَا وَرَدَ: أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَبَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا فِي السَّفَرِ، وَزِيدَتْ فِي الْحَضَرِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، فَيَكُونُ عَطْفَ تَفْسِيرٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَبِهَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى جَوَازِ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ فِي السَّفَرِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الْإِتْمَامُ بَلْ يَأْثَمُ. (رَوَاهُ) ، أَيْ: صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ. وَفِي سَنَدِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى اهـ. فَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لَا يَتِمُّ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ حَدِيثُ النَّسَائِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَحَسَّنَ إِسْنَادَهُ، وَالْبَيْهَقِيِّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عُمْرَةِ رَمَضَانَ، فَأَفْطَرَ وَصُمْتُ، وَقَصَّرَ وَأَتْمَمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَصَّرْتَ وَأَتْمَمْتُ وَأَفْطَرْتَ وَصُمْتُ، قَالَ: " أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ " وَمَا عَابَ عَلَيَّ» ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عُمْرَةُ رَمَضَانَ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ عُمْرَةَ رَمَضَانَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ إِلَّا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كُلُّهُنَّ فِي الْقِعْدَةِ، نَعَمْ أَعْمَالُ الْعُمْرَةِ الَّتِي مَعَ حِجَّتِهِ كَانَتْ فِي الْحِجَّةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ مُعَارَضٌ بِمَا هُوَ أَصَحُّ مِنْ خَبَرِهَا أَيْضًا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ لَهَا " أَحْسَنْتِ "، أَيْ: فَعَلْتِ فِعْلًا جَائِزًا إِذْ لَا يَحْسُنُ حَمْلُهُ عَلَى الْإِحْسَانِ الْمُخَالِفِ لِفِعْلِهِ الَّذِي هُوَ الْقَصْرُ الْأَفْضَلُ مِنَ الْإِتْمَامِ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْهَا، كَانَ ﵊ يُقَصِّرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ وَيُفْطِرُ وَيَصُومُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ الدَّرَاقُطْنِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، فَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ الْإِتْمَامُ فِي السَّفَرِ، أَوْ فِعْلُهُ أَحْيَانًا بِالْبَيَانِ الْجَوَازُ، أَوْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لِقَصْرِهِ ﵊ فِي سَفَرِهِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ اتِّفَاقًا، كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.

стр. 1979

١٣٤٢ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، قَالَ: «غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، يَقُولُ: " يَا أَهْلَ الْبَلَدِ! صَلُّوا أَرْبَعًا، فَإِنَّا سَفْرٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٣٤٢ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ، فَأَقَامَ) ، أَيْ: مَكَثَ (بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) ، أَيْ: لِبَعْضِ أَشْغَالِهِ وَهُوَ عَلَى عَزْمِ السَّفَرِ (لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ) : فِي الرُّبَاعِيَّةِ (يَقُولُ) ، أَيْ: بَعْدَ تَسْلِيمِهِ خِطَابًا لِلْمُقْتَدِينَ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ: (يَا أَهْلَ الْبَلَدِ: صَلُّوا أَرْبَعًا) ، أَيْ: أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، (فَإِنَّا) ، أَيْ: فَإِنِّي وَأَصْحَابِي (سَفْرٌ) : بِسُكُونِ الْفَاءِ جَمْعُ سَافِرٍ كَرَكْبٍ وَصَحْبٍ، أَيْ: مُسَافِرُونَ، وَمِنَ اللَّطَائِفِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ صَلَّى بِمَكَّةَ إِمَامًا وَقَالَ بَعْدَ السَّلَامِ: أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنِّي مُسَافِرٌ، فَقَالَ بَعْضُ السُّفَهَاءِ: نَحْنُ نَعْرِفُ هَذِهِ الْمُسَألَةَ أَحْسَنَ مِنْكُمْ، فَضَحِكَ الْإِمَامُ وَقَالَ: لَوْ عَرَفْتَ لَمَا تَكَلَّمْتَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ هِيَ الْفَصِيحَةُ لِدَلَالَتِهَا عَلَى مَحْذُوفٍ هُوَ سَبَبٌ لِمَا بَعْدَ الْفَاءِ، أَيْ: صَلُّوا أَرْبَعًا وَلَا تَقْتَدُوا بِنَا فَإِنَّا سَفْرٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَانْفَجَرَتْ) ، أَيْ: فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

стр. 1980

١٣٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي الْحَضَرِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي السَّفَرِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا شَيْئًا، وَالْمَغْرِبُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ سَوَاءٌ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ، وَلَا يَنْقُصُ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ، وَهِيَ وِتْرُ النَّهَارِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ١٣٤٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ) ، أَيْ: صَلَاتَهُ (فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ: فَرْضًا (وَبَعْدَهَا) ، أَيْ: بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ (رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ: سُنَّةَ الظُّهْرِ. (وَفِي رِوَايَةٍ) ، أَيْ: عَنْهُ (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي الْحَضَرِ الظُّهْرَ) ، أَيْ: فَرْضَهُ (أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي السَّفَرِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ: فَرْضَهُ (وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ: فَرْضًا (وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا شَيْئًا) : لِلْكَرَاهَةِ بَعْدَهَا (وَالْمَغْرِبُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ سَوَاءٌ) : حَالٌ، أَيْ: مُسْتَوَيَا عَدَدِهَا فِيهِمَا وَقَوْلُهُ: (ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ) : بَيَانٌ لَهَا، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، (وَلَا يَنْقُصُ) : عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، أَيْ: شَيْئًا مِنْهَا، وَقِيلَ: لِلْمَفْعُولِ ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ لَازِمٌ، أَيْ: الْمَغْرِبُ. (فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ) ; لِأَنَّ الْقَصْرَ مُنْحَصِرٌ فِي الرُّبَاعِيَّةِ. (وَهِيَ وِتْرُ النَّهَارِ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، كَالتَّعْلِيلِ لِعَدَمِ جَوَازِ النُّقْصَانِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّ وِتْرَ اللَّيْلِ ثَلَاثٌ بِتَسْلِيمٍ لَا يَنْقُصُ، وَفِي جَعْلِ الْمَغْرِبِ وِتْرِ النَّهَارِ تَوَسُّعٌ لِقُرْبِهِ إِلَيْهِ. (وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالرَّوَاتِبِ فِي السَّفَرِ إِتْيَانُهَا فِي الْحَضَرِ اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُصَلِّي بِهَا فِي الْمَنْزِلِ، وَيَتْرُكُهَا إِذَا كَانَ فِي الطَّرِيقِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: مَا رَوَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى حَدِيثًا أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْ هَذَا.

стр. 1981

١٣٤٤ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ ; جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ. حتّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ، وَفِي الْمَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ، إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ١٣٤٤ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) : غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّامِ. (إِذَا زَاغَتْ) ، أَيْ: مَالَتْ (الشَّمْسُ) ، أَيْ: عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ إِلَى جَانِبِ الْمَغْرِبِ أَرَادَ بِهِ الزَّوَالَ، (قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ) : ظَرْفٌ لِمَا قَبْلَهُ أَوْ مَا بَعْدَهُ (جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) ، أَيْ: فِي الْمَنْزِلِ بِأَنْ أَخَّرَ الظَّهْرَ إِلَى آخَرِ وَقَتِهِ، وَعَجَّلَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ، (وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ) ، أَيْ: تَزُولَ (أَخَرَّ الظُّهْرَ) ، أَيْ: إِلَى

стр. 1982

آخَرِ وَقْتِهِ (حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ) ، أَيْ لِقُرْبِهِ، وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، (وَفِي الْمَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ) ، أَيْ: يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) ، أَيْ: فِي الْمَنْزِلِ كَمَا سَبَقَ، (وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ) : وَفِي تُفِيدُ النُّزُولَ لِلْعِشَاءِ إِشَارَةً إِلَى مَا قُلْنَا: (ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي تَقْدِيمِ الْوَقْتِ حَدِيثٌ قَائِمٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، فَهَذَا شَهَادَةٌ بِضَعْفِ الْحَدِيثِ، وَعَدَمِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَبَطَلَ بِهِ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي هِيَ نَصٌّ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا فِي جَوَازِ جَمْعَيِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَنَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً لِغَيْرِ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ فِعْلِهَا فِيهِ مِنْهُ ﵊ وَكَأَنَّهُ تَرَكَ جَمْعَ عَرَفَةَ لِشُهْرَتِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ فِي ثُبُوتِ الْمُعَارِضِ يَتَرَجَّحُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ بِزِيَادَةِ الرَّاوِي، وَبِأَنَّهُ أَحْفَظُ.

стр. 1983

١٣٤٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِنَاقَتِهِ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٣٤٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ) ، أَيْ: خَرَجَ مِنَ الْمِصْرِ مُسَافِرًا كَانَ أَوْ مُقِيمًا فِي الْكِفَايَةِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ السَّفَرُ الشَّرْعِيُّ، وَأَمَّا فِي الْمِصْرِ فَجَوَّزَهُ أَبُو يُوسُفَ وَكَرِهَهُ مُحَمَّدٌ. (وَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ) ، أَيْ: يَتَنَفَّلَ رَاكِبًا وَالدَّابَّةُ تَسِيرُ بِنَفْسِهَا،، أَوْ يَسُوقُهَا بِرِجْلٍ وَاحِدَةٍ عَلَى مَا فِي الْخُلَاصَةِ. (اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِنَاقَتِهِ، فَكَبَّرَ) ، أَيْ: لِلِاسْتِفْتَاحِ عَقِبَ الِاسْتِقْبَالِ، فَإِنَّهُمَا مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، فِي الْمُحِيطِ: مِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ التَّوَجُّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ عِنْدَ التَّحْرِيمَةِ، يَعْنِي بِشَرْطِ كَوْنِهَا سَهْلَةً وَزِمَامَهَا بِيَدِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُنَا لَمْ يَأْخُذُوا بِهِ، هَذَا فِي النَّفْلِ، وَأَمَّا فِي الْفَرْضِ فَقَدِ اشْتَرَطَ التَّوَجُّهَ إِلَيْهَا عِنْدَ التَّحْرِيمَةِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ: أَنَّ الْفَرْضَ عَلَى الدَّابَّةِ يَجُوزُ عِنْدَ الْعُذْرِ، وَمِنَ الْأَعْذَارِ: الْمَطَرُ وَالْخَوْفُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ، وَالْعَجُزُ عَنِ الرُّكُوبِ لِلضَّعْفِ، أَوْ جُمُوحُ الدَّابَّةِ وَلَا مُعَيَّنَ، كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِمَوْلَانَا أَبِي الْمَكَارِمِ. (ثُمَّ صَلَّى) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ شَرْطٌ لَا رُكْنٌ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَطْفِ الْمُغَايِرَةُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ ثُمَّ اسْتَمَرَّ فِي صَلَاتِهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ثُمَّ هَاهُنَا لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ، وَلِمَا كَانَ الِاهْتِمَامُ بِالتَّكْبِيرِ أَشَدَّ لِكَوْنِهِ مُقَارِنًا لِلنِّيَّةِ خُصَّ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ. (حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ) ، أَيْ: ذَهَبَ بِهِ مَرْكُوبُهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَأَحْمَدُ، قَالَهُ مِيرَكُ.

стр. 1984

١٣٤٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٣٤٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَجِئْتُ) ، أَيْ: إِلَيْهِ (وَهُوَ يُصَلِّي) : حَالٌ (عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ) : ظَرْفٌ، أَيْ: يُصَلِّي إِلَى جَانِبِ الْمَشْرِقِ، أَوْ حَالٌ، أَيْ: مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الْمَشْرِقِ، أَوْ كَانَتْ مُتَوَجِّهَةً إِلَى جَانِبِ الْمَشْرِقِ، (وَيَجْعَلُ السُّجُودَ) ، أَيْ إِيمَاءَهُ إِلَيْهِ (أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ) ، أَيْ: أَسْفَلَ مِنْ إِيمَائِهِ إِلَى الرُّكُوعِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَبَاقِي الْأَرْبَعَةِ، وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.

стр. 1985

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١٣٤٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنًا رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ صَدَرًا مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١٣٤٧ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًا) ، أَيْ: فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ (رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ: فِي الْفَرَائِضِ الرُّبَاعِيَّةِ (وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ) ، أَيْ: كَذَلِكَ (وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ) : كَذَلِكَ (وَعُثْمَانُ) : كَذَلِكَ (صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ) ، أَيْ: زَمَانًا أَوَّلًا مِنْهَا نَحْوَ سِتِّ سِنِينَ (ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ) ، أَيْ: بَعْدَ مُضِيِّ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنْ خِلَافَتِهِ (أَرْبَعًا) ; لِأَنَّهُ تَأَهَّلَ بِمَكَّةَ عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ أَنَّهُ صَلَّى بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَأَهَّلْتُ بِمَكَّةَ مُنْذُ قَدِمْتُ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ» ". ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَفِي إِنْكَارِ النَّاسِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَكُنْ يُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ، وَأَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِلْإِنْكَارِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ جَائِزٌ، فَمَدْفُوعٌ فَإِنَّ الْمُبَيِّنَ لِلْجَوَازِ لَيْسَ إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَفِي وُقُوعِ هَذَا مِنْ عُثْمَانَ مُتَكَرِّرًا مَعَ عَدَمِ إِنْكَارِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ أَظْهَرُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَمُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ نَشَأَ مِنْ قِلَّةِ إِطْلَاعِهِ. (فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ عُثْمَانُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إِمَامًا يُتِمُّ (صَلَّى أَرْبَعًا) ; لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ الْمُقْتَدِي أَنْ يَتْبَعَ إِمَامَهُ قَصَرَ أَوْ أَتَمَّ. (وَإِذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ) ; لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ، وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ وَأَحْوَطُ بِلَا خِلَافٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 1986

١٣٤٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى، قَالَ الزُّهْرِيُّ: قُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٣٤٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ: أَوَّلًا بِمَكَّةَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، (ثُمَّ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا) ، أَيْ: فِي الْحَضَرِ، (وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى) : فَلَوْ أَتَمَّهَا يَكُونُ مُسِيئًا عِنْدَنَا، وَتَكُونُ الرَّكْعَتَانِ نَفْلًا، وَلَوْ لَمْ يَقْعُدْ فِي الْقَعْدَةِ الْأَوْلَى الَّتِي هِيَ الْأَخِيرَةُ حُكْمًا بَطَلَ فَرْضُهُ، ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ يُوَافِقُ قَوْلَهَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ، تَعْنِي: وِتْرَ النَّهَارِ عَلَى حَالِهِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَعْنَاهُ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا، فَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ رَكْعَتَانِ تَحَتُّمًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى جَوَازِ الْإِتْمَامِ تَمَّ كَلَامُهُ. وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ النُّقْصَانِ إِذْ لَمْ يُعْهَدُ فِي الشَّرْعِ فَرْضٌ مَحْدُودٌ لِمَنْ أَرَادَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ احْتِيَاجِهِ إِلَى دَلِيلٍ مُثْبِتٍ، وَلِظُهُورِ بُطْلَانِهِ مَا الْتَفَّتْ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ الْآتِيَةِ. (قَالَ الزُّهْرِيُّ: قُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تتِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِمَا، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُمَا رَأَيَا الْقَصْرَ جَائِزًا وَالْإِتْمَامَ جَائِزًا، فَأَخَذَا بِأَحَدِ الْجَائِزَيْنِ وَهُوَ الْإِتْمَامُ، وَفِيهِ أَنَّهُ كَيْفَ تَرَى هَذَا مَعَ تَيَقُّنِهَا بِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَأَوَّلُ عُثْمَانِ بِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْإِتْمَامَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْبَيَانِ، فَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا، وَقِيلَ: لِأَنَّ عُثْمَانَ نَوَى الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْحَجِّ فَأَبْطَلُوهُ بِأَنَّ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ حَرَامٌ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَقِيلَ: لِعُثْمَانَ أَرْضٌ بِمِنًى فَأَبْطَلُوهُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْإِقَامَةَ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّعْلِيلُ الصَّرِيحُ فَمَا عَدَاهُ مِن الِاحْتِمَالِ غَيْرَ صَحِيحٍ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الصَّحِيحُ أَنَّهُمَا كَانَا يَرَيَانِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا قَصَرَ ; لِأَنَّهُ أَخَذَ بِالْأَيْسَرِ عَلَى الْأُمَّةِ، فَأَخَذَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالشِّدَّةِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: سَبَبُ إِتْمَامِ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْقَصْرَ مُخْتَصًّا بِمَنْ كَانَ شَاخِصًا سَائِرًا، وَأَمَّا مَنْ أَقَامَ بِمَكَانٍ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ فَلَهُ حُكْمُ الْمُقِيمِ فَيُتِمُّ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: حَدَثَ لَهَا تَرَدُّدٌ أَوْ ظَنٌّ فِي جَعْلِهَا رَكْعَتَيْنِ لِلْمُسَافِرِ مُقَيَّدٌ بِحَرَجِهِ بِالْإِتْمَامِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا، فَقُلْتُ لَهَا: لَوْ صَلَّيْتِ رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي إِنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ، وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ: أَنَّهَا تَأَوَّلَتْ، أَيْ: تَأَوَّلَتْ أَنَّ الْإِسْقَاطَ مَعَ الْحَرَجِ، لَا أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالتَّرْكِ مَعَ بَقَاءِ الِافْتِرَاضِ فِي الْمُخَيَّرِ فِي أَدَائِهِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ اهـ. فَالْكَافُ لِلتَّنْظِيرِ لَا لِلتَّمْثِيلِ فَتَأَمَّلْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 1987

١٣٤٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٣٤٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ) ، أَيِ: الرُّبَاعِيَّةُ (عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] (فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ) : هَذَا دَلِيلٌ صَرِيحٌ لِمَذْهَبِنَا، وَالْأَجْوِبَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ حَجَرٍ مَرْدُودَةً، وَمَا نُقِلَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى فِي السَّفَرِ، وَأَنَّ عَائِشَةَ أَتَمَّتْ بِحَضْرَتِهِ، وَأَقَرَّهَا عَلَيْهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِلَّا كَانَ ارْتَفِعَ الْخِلَافُ. (وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً) ، أَيْ: مَعَ كُلِّ طَائِفَةٍ كَمَا فِي آيَةِ الْخَوْفِ فِي الثُّنَائِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوِ الْحِكَمِيَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَخَذَ بِظَاهِرِهِ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْجُمْهُورُ: إِنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ كَصَلَاةِ الْأَمْنِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ رَكْعَةٌ مَعَ الْإِمَامِ، وَرَكْعَةٌ أُخْرَى يَأْتِي بِهَا مُنْفَرِدًا كَمَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَصْحَابُهُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ اهـ. وَأَمَّا فِي الرُّبَاعِيَّةِ الْحَضَرِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ مُطْلَقًا، فَيُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي الْبَاقِي وَحْدَهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، أَيْ: عَنْهُ مَوْقُوفًا، وَهُوَ مَرْفُوعٌ حُكْمًا.

стр. 1988

١٣٥٠ - وَعَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَا: «سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، وَالْوِتْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ١٣٥٠ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) : ﵃ (قَالَا: سَنَّ) ، أَيْ: شَرَعَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ) ، أَيْ: ثَبَتَ عَلَى لِسَانِهِ، وَإِلَّا فَالْقَصْرُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُ بَيَّنَ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَا فِي الْكِتَابِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ: بَيَّنَ أَنَّهَا كَذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَ الْقَصْرَ فَمَرْدُودٌ، لِعَدَمِ دَلِيلٍ مُخَصَّصٍ وَلِقَوْلِهِ: (وَهُمَا) ، أَيْ: الرَّكْعَتَانِ (تَمَامٌ) ، أَيْ: تَمَامُ الْمَفْرُوضِ (غَيْرُ قَصْرٍ) ، أَيْ: غَيْرُ نُقْصَانٍ عَنْ أَصْلِ الْفَرْضِ، فَإِطْلَاقُ الْقَصْرِ فِي الْآيَةِ مَجَازٌ أَوْ إِضَافِيٌّ، وَأَمَّا بَعْدُ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ تَمَامٌ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّوَابِ، فَثَوَابُ الْقَصْرِ يُقَارِبُ ثَوَابَ الْإِتْمَامِ اهـ. وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِمْ: الْقَصْرُ أَفْضَلُ فِي السَّفَرِ، مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا هُوَ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ لَا فِي تَفَاوُتِ الْمُثَوَّبَاتِ. (وَالْوِتْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ) ، أَيْ: مَشْرُوعٌ بِالسُّنَّةِ أَيْضًا، أَوْ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيَّيْنِ، لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، فَتَرْدِيدُ ابْنِ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَّهُ مَرْفُوعٌ مَدْفُوعٌ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 1989

١٣٥١ - وَعَنْ مَالِكٍ ﵁، بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْصُرُ فِي الصَّلَاةِ فِي مِثْلِ مَا يَكُونُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَفَى مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ، وَفَى مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ، قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ. رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ ". ــ ١٣٥١ - (وَعَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ) ، أَيْ: مَالِكًا مِنْ غَيْرِ إِسْنَادٍ (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، فِي مِثْلِ مَا يَكُونُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ) : وَهُوَ مِنْ أَحَدِ طَرِيقَيْهِ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ. (وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَهُمَا مَرْحَلَتَانِ. (وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِّ، وَهُوَ بَلَدٌ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ شَاقَّتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. (قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ) ، أَيْ: أَقَلُّ مَا بَيْنَ مَا ذُكِرَ (أَرْبَعَةُ بُرُدٍ) : بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ بَرِيدٍ، وَهُوَ فَرْسَخَانِ، أَوْ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: فِي النِّهَايَةِ: هِيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالِ، وَالْمِيلُ أَرْبَعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (رَوَاهُ) ، أَيْ مَالِكٌ (فِي الْمُوَطَّأِ) ، أَيْ: عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ وَهَذَا كَمَا تَرَى غَيْرُ مُلَائِمٍ، فَكَانَ عَلَى الْمُؤَلِّفِ أَنْ يَقُولَ: وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. . . . . . إِلَخْ. ثُمَّ يَقُولُ: رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بَلَاغًا. ثُمَّ يَقُولُ: قَالَ وَذَلِكَ. . . . إِلَخْ. عَلَى طِبْقِ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ حَيْثُ يَبْدَأُ بِالصَّحَابِيِّ وَيَخْتِمُ بِالْمُخَرِّجِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُوَافِقُهُ مَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سُئِلَ أَتُقْصَرُ الصَّلَاةُ إِلَى عَرَفَةَ، أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ إِلَى عُسْفَانَ وَإِلَى جُدَّةَ وَإِلَى الطَّائِفِ، وَمَا صَحَّ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ.

стр. 1990

قُلْتُ: لَوْ كَانَ تَوْقِيفًا لَظَهَرَ وَنُقِلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اجْتِهَادٌ مِنْهُمَا، وَأَمَّا قَوْلُ اللَّيْثِ: هَذَا هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَفَحُّصِ مُرَادِهِ بِالنَّاسِ، وَمَا أَبْعَدَ قَوْلَ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِ: إِنَّهُ إِجْمَاعٌ قَبْلَ حُدُوثِ الْخِلَافِ اهـ. لِأَنَّ مَنْ لَهُ أَدْنَى مَلَكَةٍ فِي الْفِقْهِ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَيَدُلُّ عَلَى الْقَصْرِ لِمَسَافَةِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ ﵊ قَالَ: " «يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَقْصُرُوا فِي أَدْنَى أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ» " فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْقَصْرَ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَهِيَ تُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَأُجِيب: بِضَعْفِ الْحَدِيثِ لِضَعْفِ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ، فَبَقِيَ قَصْرُ الْأَقَلِّ بِلَا دَلِيلٍ اهـ. وَلْيَكُنْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَحَرَّرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، أَنَّهُ ﵊ قَالَ: " يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ "، فَعَمَّ بِالرُّخْصَةِ وَهِيَ مَسْحُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ الْجِنْسَ، أَيْ: جِنْسَ الْمُسَافِرِينَ ; لِأَنَّ اللَّامَ فِي الْمُسَافِرِ لِلِاسْتِغْرَاقِ لِعَدَمِ الْمَعْهُودِ الْمُعَيَّنِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ عُمُومِ الرُّخْصَةِ الْجِنْسُ، حَتَّى إِنَّهُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ مُسَافِرٍ مِنْ مَسْحِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عُمُومِ التَّقْدِيرِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِكُلِّ مُسَافِرٍ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مُسَافِرٍ يَمْسَحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَوْ كَانَ السَّفَرُ الشَّرْعِيُّ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَثَبَتَ مُسَافِرٌ لَا يُمْكِنُهُ الْمَسْحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَدْ كَانَ كُلُّ مُسَافِرٍ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الرُّخْصَةَ كَانَتْ مُنْتَفِيَةً بِيَقِينٍ، فَلَا تَثْبُتُ إِلَّا بِيَقِينٍ مَا هُوَ سَفَرٌ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ فِيمَا عَيَّنَّاهُ إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَكْثَرَ مِنْهُ اهـ. وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ، أَوْ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَرَدُّ ابْنِ حَجَرٍ عَلَى ابْنِ الْهُمَامِ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَصْحَابُنَا مَا أَخَذُوا بِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ: " «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» "، فِي هَذَا الْبَابِ لِمُعَارَضَتِهِ لِخَبَرِهِمَا أَيْضًا: لَا تُسَافِرُ يَوْمَيْنِ، بَلْ لِمُسْلِمٍ يَوْمًا بَلْ صَحَّ بَرِيدًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ يُسَمَّى سَفَرًا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَتِ الظَّاهِرِيَّةُ: يُقْصُرُ فِي قَصِيرِهِ كَأَنْ خَرَجَ لِبُسْتَانِهِ، وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ الْقَصْرِ فِي الْقَصِيرِ إِذَا كَانَ فِي الْخَوْفِ، لَكِنْ عَلَّقَ فِي الْأُمِّ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ أَنَّهُ ﵊ قَصَرَ بِذِي قَرَد، لَكِنْ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ وَاقِعَةُ حَالٍ تَحْتَمِلُ أَنَّ مَقْصِدَهُ ﵊ كَانَ أَبْعَد، وَعَرَضَ لَهُ رُجُوعٌ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1991

١٣٥٢ - وَعَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ١٣٥٢ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ) : ابْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (قَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ) : لَعَلَّهُمَا شُكْرَ الْوُضُوءِ، أَو الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ. (إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ) ، أَيْ: زَاغَتْ وَمَالَتْ (فِي الظُّهْرِ) : ظَرْفٌ لِتَرَكَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 1992

١٣٥٣ - وَعَنْ نَافِعٍ ﵁ قَالَ: «إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ. ــ ١٣٥٣ - (وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ) : لَعَلَّ تَنَفُّلَهُ كَانَ رَوَاتِبَ، أَوْ كَانَ يَتَنَفَّلُ فِي وَقْتِ الْوُسْعِ مَعَ عِلْمِهِ بِجَوَازِ التَّرْكِ، فَيُحْمَلُ إِنْكَارُهُ السَّابِقُ عَلَى النَّفْلِ الْمُجَرَّدِ فِي الْوَقْتِ الْمُضَيَّقِ، أَوْ فِي الْمُوَسَّعِ عَلَى زَعْمِ الِالْتِزَامِ الْوَظَائِفِ حَتَّى حَالَةَ السَّفَرِ، مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَكْتُبُ لِلْمُسَافِرِ ثَوَابَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي الْحَضَرِ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَكَذَا الْمَرِيضِ، وَالشَّيْخِ الضَّعِيفِ، وَإِلَّا فَالصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ وَمَنْعُهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى - عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] (رَوَاهُ مَالِكٌ) ، أَيْ فِي الْمُوَطَّأِ، وَفِيهِ مُسَامَحَةٌ أَيْضًا إِذْ لَيْسَ بَيْنَ مَالِكٍ وَنَافِعٍ إِسْنَادٌ، حَتَّى يُقَالَ: رَوَاهُ مَالِكٌ.

стр. 1993

[بَابُ الْجُمُعَةِ]

стр. 1994

[٤٢] بَابُ الْجُمُعَةِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١٣٥٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكُتَّابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذَا فِي يَوْمِهِمُ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْهِمْ - يَعْنِي الْجُمُعَةَ - فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، وَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، قَالَ: " نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ " وَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَى آخِرِهِ. ــ [٤٢] بَابُ الْجُمُعَةِ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْمِيمِ هِيَ اللُّغَةُ الْفُصْحَى، وَتُخَفَّفُ الْمِيمُ بِالْإِسْكَانِ، أَيِ الْيَوْمُ الْمَجْمُوعُ فِيهِ ; لِأَنَّ فُعْلَةً بِالسُّكُونِ لِلْمَفْعُولِ كَهُمْزَةٍ، وَبِفَتْحِهَا بِمَعْنَى فَاعِلٍ، أَيِ الْيَوْمُ الْجَامِعُ، فَتَاؤُهَا لِلْمُبَالَغَةِ كَضُحْكَةٍ لِلْمُكْثِرِ مِنْ ذَلِكَ لَا لِلتَّأْنِيثِ، وَإِلَّا لَمَا وُصِفَ بِهَا الْيَوْمُ، قِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ خَلْقَ آدَمَ جُمِعَ فِيهَا، وَقِيلَ: لِاجْتِمَاعِهِ بِحَوَّاءَ فِي الْأَرْضِ فِي يَوْمِهَا، وَقِيلَ: لِمَا جُمِعَ فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَحُكِيَ كَسْرُ الْمِيمِ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا وَهَمٌ مِنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ الْفَتْحُ، فَفِي الْقَامُوسِ، الْجُمُعَةُ بِضَمَّةٍ وَبِضَمَّتَيْنِ وَكَهُمزَةٍ اهـ. وَالضَّمُّ وَالْفَتْحُ قِرَاءَتَانِ شَاذَّتَانِ أَيْضًا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَحَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْفَتْحَ، وَحَكَى الْكَسْرَ وَهُوَ فِي صَدَدِ الِاسْتِيعَابِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَهَمٌ، نَعَمْ لَوْ حَكَى الثَّلَاثَةَ ثُمَّ قَالَ: وَحُكِيَ الْكَسْرُ لَاحْتَمَلَ وُقُوعُهُ، مَعَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الْكُتُبِ الصَّرْفِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْوَزْنَ لَيْسَ مِنَ الْأَوْزَانِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا وَإِسْكَانِهَا حَكَاهُ الْفَرَّاءُ، وَجْهُ الْفَتْحِ أَنَّهَا مَجْمَعُ النَّاسِ وَيَكْثُرُونَ فِيهَا، كَمَا يُقَالُ: ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] وَكَانَتْ تُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْعَرُوبَةِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١٣٥٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نَحْنُ) ، أَيْ: أَنَا وَأُمَّتِي (الْآخِرُونَ) : فِي الدُّنْيَا وُجُودًا (السَّابِقُونَ) : شُهُودًا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : أَوْ آخِرُ أُمَمِ الْأَنْبِيَاءِ فِي الدُّنْيَا السَّابِقُونَ عَلَيْهِمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ فِي الْعُقْبَى، وَقَالَ مِيرَكُ، أَيْ نَحْنُ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ بَعْثًا أَوْ خُرُوجًا فِي الدُّنْيَا، السَّابِقُونَ فَضْلًا عَلَيْهِمْ فِي الْأُخْرَى، فَإِنَّ أُمَّتَهُ تُحْشَرُ قَبْلَ سَائِرِ الْأُمَمِ وَتَمُرُّ عَلَى الصِّرَاطِ أَوَّلًا، وَيُقْضَى لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى. (بَيْدَ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، أَيْ: غَيْرَ (أَنَّهُمْ) ، أَيْ: غَيْرُنَا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُتَدَيِّنِينَ بِأَدْيَانِ الْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ، أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ، أَوْ مَعَ أَنَّهُمْ، أَوْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ، قَالَ الْمَالِكِيُّ: الْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّهُ بِمَعْنَى لَكِنْ. (أُوتُوا) ، أَيْ: أُعْطُوا (الْكِتَابَ) : الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ (مِنْ قَبْلِنَا) ، أَيْ فِي الدُّنْيَا (وَأُوتِينَاهُ) ، أَيِ الْكِتَابَ (مِنْ بَعْدِهِمْ) : فَإِنَّا وَإِيَّاهُمْ مُتَسَاوِيَةُ الْأَقْدَامِ فِي إِنْزَالِ الْكِتَابِ، وَالتَّقَدُّمِ الزَّمَانِيِّ لَا يُوجِبُ فَضْلًا وَلَا شَرَفًا، فَهَذَا رَدٌّ وَمَنْعٌ لِفَضْلِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثُمَّ إِنَّهُ مِنْ بَابِ: " وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ "، أَيْ: نَحْنُ السَّابِقُونَ بِمَا مَنَحَنَا مِنَ الْكِمَالَاتِ غَيْرَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَتَأَخَّرَ كِتَابُنَا مِنْ صِفَاتِ الْمَدْحِ وَالْكَمَالِ ; لِأَنَّهُ نَاسِخٌ لِكِتَابِهِمْ وَمُعْلِمٌ لِفَضَائِحِهِمْ، فَهُوَ السَّابِقُ فَضْلًا وَإِنْ سَبَقَ وُجُودًا، قَالَ الْمَوْلَوِيُّ الرُّومِيُّ: وَمِنْ بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ أَنْ جَعَلَهُمْ عِبْرَةً لَنَا، وَفَضَائِحَهُمْ نَصَائِحَنَا، وَتَعْذِيبَهُمْ تَأْدِيبَنَا، وَلَمْ يَجْعَلِ الْأَمْرَ مُنْعَكِسًا، وَالْحَالَ مُلْتَبِسًا، وَأَيْضًا فَنَحْنُ بِالتَّأْخِيرِ تَخَلَّصْنَا عَنْ الِانْتِظَارِ الْكَثِيرِ، فَفَضْلُهُ تَعَالَى عَلَيْنَا كَبِيرٌ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ. (ثُمَّ) : أَتَى بِهَا إِشْعَارًا بِأَنَّ مَا قَبْلَهَا كَالتَّوْطِئَةِ وَالتَّأْسِيسِ لِمَا بَعْدَهَا. (هَذَا) ، أَيْ: هَذَا الْيَوْمُ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ (يَوْمِهِمْ) : الْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، فَإِنَّهُ (الَّذِي فَرَضَ عَلَيْهِمْ) : أَوَّلًا اسْتِخْرَاجَهُ بِأَفْكَارِهِمْ وَتَعْيِينَهُ بِاجْتِهَادِهِمْ، (يَعْنِي الْجُمُعَةِ) ، أَيْ: مُجْمَلًا تَفْسِيرٌ لِلرَّاوِي لِهَذَا يَوْمِهِمْ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: " يَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ "، أَيْ: يُرِيدُ

стр. 1995

النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا الْيَوْمِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. (فَاخْتَلَفُوا) ، أَيْ: أَهْلُ الْكِتَابِ (فِيهِ) ، أَيْ فِي تَعْيِينِهِ لِلطَّاعَةِ وَقَبُولِهِ لِلْعِبَادَةِ وَضَلُّوا عَنْهُ، وَأَمَّا نَحْنُ بِحَمْدِهِ (فَهَدَانَا اللَّه لَهُ) ، أَيْ: لِهَذَا الْيَوْمِ وَقَبُوِلِهِ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى سَبْقِنَا الْمَعْنَوِيِّ كَمَا أَنَّ فِي قَوْلِهِ السَّابِقِ: بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مَنْ قَبِلْنَا إِشْعَارًا إِلَى سَبْقِهِمُ الْحِسِّيِّ وَإِيمَاءً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] ، وَهَذَا كُلُّهُ بِبَرَكَةِ وَجُودِهِ ﷺ . قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَئِمَّتِنَا، أَيْ فَرَضَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَجْتَمِعُوا يَوْمًا وَيُعَظِّمُوا فِيهِ خَالِقَهُمْ بِالطَّاعَةِ، لَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ، بَلْ أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَخْرِجُوهُ بِأَفْكَارِهِمْ، وَيُعَيِّنُوهُ بِاجْتِهَادِهِمْ، وَأَوْجَبَ عَلَى كُلِّ قَبِيلٍ أَنْ يَتْبَعَ مَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ صَوَابًا كَانَ أَوْ خَطَأً كَمَا فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: يَوْمُ السَّبْتِ ; لِأَنَّهُ يَوْمُ فَرَاغٍ وَقَطْعِ عَمَلٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَغَ عَنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْقَطِعَ النَّاسُ عَنْ أَعْمَالِهِمْ، وَيَتَفَرَّغُوا لِعِبَادَةِ مَوْلَاهُمْ، وَزَعَمَتِ النَّصَارَى: أَنَّ الْمُرَادَ يَوْمُ الْأَحَدِ ; لِأَنَّهُ يَوْمُ بَدْءِ الْخَلْقِ الْمُوجِبِ لِلشُّكْرِ وَالْعِبَادَةِ، فَهَدَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ، وَوَفَّقَهُمْ لِلْإِصَابَةِ حَتَّى عَيَّنُوا الْجُمُعَةَ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسَانَ لِلْعِبَادَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وَكَانَ خَلْقُ الْإِنْسَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَكَانَتِ الْعِبَادَةُ فِيهِ لِفَضْلِهِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ تَعَالَى فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ أَوْجَدَ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَفِي الْجُمُعَةِ أَوْجَدَ نَفْسَ الْإِنْسَانِ، وَالشُّكْرُ عَلَى نِعْمَةِ الْوُجُودِ أَهَمُّ وَأَحْرَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَعَالَى نَصَّ لَنَا عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ وَفَّقَنَا لِلْإِصَابَةِ لِمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: جُمِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْجُمُعَةُ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: إِنَّ لِلْيَهُودِ يَوْمًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ كُلَّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَلِلنَّصَارَى مِثْلُ ذَلِكَ، فَلْنَجْعَلْ يَوْمًا لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنُصَلِّي وَنَشْكُرُ فِيهِ، فَجَعَلُوهُ يَوْمَ الْعَرُوبَةِ، وَاجْتَمَعُوا إِلَى سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، فَصَلَّى بِهِمْ يَوْمَئِذٍ رَكْعَتَيْنِ، وَذَكَّرَهُمْ فَسَمَّوْهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] اهـ. وَالْحَدِيثُ، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا - وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مُطْلَقًا - لَكِنْ مَعَ هَذَا لَهُ شَاهِدٌ حَسَنٌ، بَلْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى بِنَا الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ سَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى الْيَهُودِ يَوْمَ الْجُمْعَةَ فَأَبَوْا وَقَالُوا: يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا يَوْمَ السَّبْتِ، فَجَعَلَهُ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ مَا قَالَ شَارِحٌ: إِنَّا اجْتَهَدْنَا فَأَصَبْنَاهُ وَهُمُ اجْتَهَدُوا فَأَخْطَأُوهُ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَأَنَّ مَعْنَاهُ: فَهَدَانَا اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا ﷺ حَيْثُ تَوَلَّى تَعْيِينَهُ لَنَا، وَلَمْ يَكِلْهُ إِلَى اجْتِهَادِنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ إِلَيْنَا لَوُفِّقْنَا لِإِصَابَتِهِ بِبِرْكَتِهِ ﵊ فَهُوَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلنُّقُولِ الصَّرِيحَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِلسِّيَاقِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُبْقِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَزِيدَ مَزِيَّةٍ عَلَى الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مُسْتَثْنَوْنَ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الشُّمُنِّيُّ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَقَامَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَأَسَّسَ مَسْجِدَهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ، فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَصَلَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا ﵊ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] (وَالنَّاسُ) ، أَيْ: أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ كُنِّيَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ لِكَثْرَتِهِمْ (لَنَا) : مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَبَعٌ) قُدِّمَ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ، أَوْ مُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ، وَاللَّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ مُشِيرَةٌ إِلَى النَّفْعِ (فِيهِ) ، أَيْ: فِي اخْتِيَارِ هَذَا الْيَوْمِ لِلْعِبَادَةِ (تَبَعٌ) : فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا هُدُوا لِمَا يَعْقُبُهُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ مَبْدَأَ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، وَأَوَّلَ أَيَّامِهِ كَانَ الْمُتَعَبِّدُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ مَتْبُوعًا، وَالْمُتَعَبِّدُ فِي الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ تَابِعًا، كَذَا حَقَّقَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ بِتَوَالِيهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اعْتِبَارِ الْأُسْبُوعِ، لَا شَكَّ فِي تَقْدِيمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ

стр. 1996

وُجُودًا فَضْلًا عَنِ الرُّتْبَةِ، وَبَيَانُهُ قَوْلُهُ ﵊: (الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ) ، أَيْ: نَحْنُ اخْتَرْنَا الْجُمُعَةَ، وَالْيَهُودُ بَعْدَهَا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ يَوْمِ الْيَهُودِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ السَّبْقَ الْمَعْنَوِيَّ لَنَا يَعْنِي: أَنَّهُمْ مَعَ التَّقَدُّمِ الْخَارِجِيِّ اخْتَارُوا التَّأَخُّرَ عَنَّا، وَتَرَكُوا لَنَا التَّقَدُّمَ عَلَيْهِمْ، ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٩] . وَخَطَرَ لِي نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ وَحِكْمَةٌ شَرِيفَةٌ وَهِيَ أَنَّ زِيَادَةَ " لَا " فِي " لِئَلَّا " لِئَلَّا يَنْسِبَ إِلَيْهِمُ الْعِلْمَ أَصْلًا، وَكَانَ هَذَا الْإِلْهَامُ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﵊ فِي حَالِ وُصُولِ كِتَابَتِي هَذَا الْمَقَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدَ الْأَيَّامِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَالنَّاسُ تَبَعٌ أَنْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَإِنْ أُخِّرَ فِي الْوُجُودِ وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهُوَ سَابِقٌ فِي الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ غَيْرُ مُؤَخَّرٍ عَنْهُمَا، بَلْ وَاسِطَةُ عِقْدٍ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْأَحَدِ، وَمُتَقَدِّمٌ عَلَى السَّبْتِ، كَمَا فُهِمَ مِنْ قَضِيَّةِ عِلَلِهِمْ، وَكَأَنَّهُ وَهَمٌ، وَاعْتُبِرَ تَأَخُّرُ الْجُمُعَةِ عَنْهُمَا بِاعْتِبَارِ دَوْرِ الْأُسْبُوعِ بِحَسَبِ مُتَعَارَفٍ الْآنَ، وَغَفَلَ عَنْ تَرْتِيبِ الْوُجُودِ الْأَصْلِيِّ فِي سَابِقِ الزَّمَانِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ تَبَعٌ غَدًا بِالدَّلِيلِ السَّابِقِ، قَالَ الْمَالِكِيُّ: وَقَعَ ظَرْفُ الزَّمَانِ خَبَرًا عَنِ الْجَنَّةِ، فَيُقَدِّرُ مَعْنَى قَبْلَ الْعَيْنَيْنِ، أَيْ: تَعْبُدُ الْيَهُودُ غَدًا اهـ. وَلَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، فَالْوَجْهُ هُوَ الَّذِي نَحْنُ اخْتَرْنَاهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْيَهُودُ يُعَظِّمُونَ أَوْ قَالُوا: يَوْمُنَا يَكُونُ غَدًا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ اهـ. فَأَنْتَ مُخْتَارٌ فِي قَبُولِ مَا هُوَ أَوْلَى بِالِاخْتِيَارِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، قَالَ: (نَحْنُ الْآخِرُونَ) ، أَيْ خِلْقَةً (الْأَوَّلُونَ) : حَيَاةً وَرُتْبَةً (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : وَالْعِبْرَةُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَوَاقِفِهِ، (وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) : يَعْنِي نَبِيَّنَا قَبْلَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأُمَّتَهُ قَبْلَ سَائِرِ الْأُمَمِ اعْتِبَارًا لِلسَّبْقِ الْمَعْنَوِيَّ، لَا الْوُجُودِ الْحِسِّيِّ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ لَمَّا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى بَابِهِ وَأَرَادُوا الِاجْتِمَاعَ بِجِنَابَةٍ مِنْهُمْ: الْعَبَّاسُ، وَأَبُو سُفْيَانَ، وَبِلَالٌ، وَغَيْرُهُمْ، وَأَعْلَمُهُ الْخَادِمُ بِحُضُورِهِمْ أَذَنَ لِبِلَالٍ أَنْ يَدْخُلَ، فَدَخَلَ فِي قَلْبِ أَبِي سُفْيَانَ بَعْضُ الْحَمِيَّةِ، وَقَالَ لِلْعَبَّاسِ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ مَوْلًى عَلَيْنَا مُعَاشِرِ أَكَابِرِ الْعَرَبِ؟ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: الذَّنْبُ لَنَا فَإِنَّا تَأَخَّرْنَا فِي دُخُولِ الْإِسْلَامِ، وَتَقَدَّمَ بِلَالٌ مُعَانَدَةً وَمُخَالَفَةً لِقَبُولِ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ - أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ - فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢] ، وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] الْآيَةَ. (بَيْدَ أَنَّهُمْ ". وَذَكَرَ) ، أَيْ مُسْلِمٌ (نَحْوَهُ) ، أَيْ: مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (إِلَى آخِرِهِ) : يَعْنِي الْخِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ بِوَضْعِ الْأَوَّلُونَ مَوْضِعَ السَّابِقُونَ، وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا نَقْلًا بِالْمَعْنَى وَبِزِيَادَةٍ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ.

стр. 1997

١٣٥٥ - وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْهُ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ.» ــ ١٣٥٥ - (وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْهُ) ، أَيْ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَعَنْ حُذَيْفَةَ) : عَطْفٌ عَلَى عَنْهُ، أَيْ: عَنْهُمَا جَمِيعًا (قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: " نَحْنُ الْآخَرُونَ) ، أَيْ: الَّذِينَ تَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فِي حَالِ كَوْنِنَا وَإِيَّاهُمْ (مَنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، أَيْ: مَنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ فِي السَّبْقِ لَهُمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: اللَّامُ فِي الْآخَرِينَ مَوْصُولَةٌ، وَمَنْ أَهْلِ الدُّنْيَا حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الصِّلَةِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ خَبَرٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الضَّمِيرِ أَوْ هُوَ صِفَةٌ، وَالْمَوْصُوفُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: نَحْنُ النَّاسُ الْآخِرُونَ الْمَوْجُودُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا. (الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: صِفَةُ الْآخَرُونَ، أَيِ: الَّذِينَ يُقْضَى لَهُمْ قَبْلَ النَّاسِ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَوَّلًا، كَأَنَّهُ قِيلَ: الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ اهـ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقَدُّمِ رُتْبَتِهِمْ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ مِنْ مَوَاقِفِ الْقِيَامَةِ، وَفِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْحُكُومَةِ، وَفِي قَوْلِهِ لَهُمْ إِيمَاءٌ إِلَى كَمَالِ الِاعْتِنَاءِ بِهِمْ وَبِشَأْنِهِمْ، وَإِيمَاءٌ إِلَى إِظْهَارِ رِفْعَةِ مَكَانَتِهِمْ وَعُلُوِّ مَكَانِهِمْ، فَكَأَنَّ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ تَبَعٌ لَهُمْ، بَلْ خُلِقُوا لِأَجْلِهِمْ حَشَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى مَعَهُمْ.

стр. 1998

١٣٥٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٣٥٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى مَا سَكَنَ فِيهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ١٣] ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: خَيْرُ يَوْمٍ ظَهَرَ بِظُهُورِ الشَّمْسِ إِذِ الْيَوْمُ لُغَةً مِنْ طُلُوعِهَا إِلَى غُرُوبِهَا، وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَوْمِ هُنَا النَّهَارُ الشَّرْعِيُّ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ عَلَى لِسَانِ الشَّارِعِ، وَلِمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: إِنَّ سَاعَتَهَا بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ، ثُمَّ وَجَّهَهُ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ قَصْدِ الشَّارِحِ فِي مُعَالَجَةِ تَصْحِيحِ " عَلَى " لِيَكُونَ عَلَى بَابِهِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ " عَلَى " لِلظَّرْفِيَّةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ [القصص: ١٥] كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ، وَتَبِعَهُ الْمُغْنِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ: طَلَعَتْ فِيهِ. (الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ) : الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ جِنْسِ الْعَالَمِ وَزَادَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: وَحَوَّاءُ. (وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ) : أَوَّلًا لِلْفَضْلِ السَّابِقِ (وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا) : لِتَلَاحُقِ اللَّاحِقِ وَظُهُورِ حَالِ أَوْلَادِهِ مِنَ الْمُبْطِلِ وَالْمُحِقِّ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْإِخْرَاجُ مِنْهَا لِمَا كَانَ لِلْخِلَافَةِ فِي الْأَرْضِ، وَإِنْزَالُ الْكُتُبِ الشَّرِيفَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ يَصْلُحُ دَلَالَةً لِفَضِيلَةِ هَذَا الْيَوْمِ اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ إِخْرَاجَهُ مَا كَانَ لِلْإِهَانَةِ، بَلْ لِمَنْصِبِ الْخِلَافَةِ فَهُوَ لِلْإِكْمَالِ لَا لِلْإِذْلَالِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ لِمَا وَقَعَ مِنْهُ الْجَرِيمَةُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمَوْصُوفِ بِالْعَظَمَةِ اسْتَحَقَّ الْإِخْرَاجَ مِنْ عُلُوِّ الْمَرْتَبَةِ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ، وَإِيمَاءٌ نَبِيهٍ إِلَى تَعْظِيمِ هَذَا الْيَوْمِ بِالْمُحَافَظَةِ عَنِ السَّيِّئَةِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى تَحْصِيلِ الْحَسَنَةِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ خَلْقَهُ وَإِدْخَالَهُ كَانَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ خُلِقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ أُمْهِلَ إِلَى يَوْمِ جُمُعَةٍ أُخْرَى، فَأُدْخِلُ فِيهِ الْجَنَّةَ، وَكَذَا الِاحْتِمَالُ فِي يَوْمِ الْإِخْرَاجِ، قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: لَمَّا كَانَ الْخُرُوجُ لِتَكْثِيرِ النَّسْلِ وَبَثِّ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَرَضِينَ وَإِظْهَارِ الصَّلَاةِ الَّتِي خَلَقَ الْخَلْقَ لِأَجْلِهَا، وَمَا أُقِيمَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا لَهَا، وَكَانَ لَا يَسْتَتِبُّ ذَلِكَ إِلَّا بِخُرُوجِهِ مِنْهَا، فَكَانَ أَحْرَى بِالْفَضْلِ مِنِ اسْتِمْرَارِهِ فِيهَا. وَقَالَ عِيَاضٌ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْقَضَايَا الْمَعْدُودَةَ لَيْسَتْ لِذِكْرِ فَضِيلَتِهِ ; لِأَنَّ إِخْرَاجَ آدَمَ وَقِيَامَ السَّاعَةِ لَا يُعَدُّ فَضِيلَةً، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ، وَمَا سَيَقَعُ لِيَتَأَهَّبَ فِيهِ الْعَبْدُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِنَيْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَدَفْعِ نَقْمِهِ اهـ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِهِ وَقَوْلِ مَا بَعْدَهُ ; لِأَنَّهُ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَالشَّارِحُ أَوَّلُ وَالتَّأْوِيلُ إِنَّمَا يَكُونُ خِلَافَ الظَّاهِرِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ قَوْلَ عِيَاضٍ بِكَلَامِ الشَّارِحِ مَرْدُودٌ، مَعَ أَنَّ كَلَامَهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِمَّا صَرَّحَ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ، أَنَّهُ ﵊ جَعَلَ هَذَا الْإِخْرَاجَ وَقِيَامَ السَّاعَةِ مِنْ جُمْلَةِ خِلَالِ الْخَيْرِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ عِيَاضًا مَا عَدَّهُ مِنْ خِصَالِ الشَّرِّ وَلَمْ يَنْفِ كَوْنَهُ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ، وَإِنَّمَا نَفَى عَدَّهُ فَضِيلَةً عَلَى مِنْوَالِ بَقِيَّةِ مَا ذُكِرَ مَعَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ) ، أَيِ: الْقِيَامَةُ وَهِيَ مَا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ، (إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ) . وَهُوَ الْمَجْمَعُ الْأَعْظَمُ وَالْمَوْقِفُ الْأَفْخَمُ، وَالْمَظْهَرُ لِمَنْ هُوَ بَيْنَ الْخَلَائِقِ أَفْضَلُ وَأَكْرَمُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَجْهُ عَدِّهِ أَنَّهُ يُوصِّلُ أَرْبَابَ الْكَمَالِ إِلَى مَا أُعِدِّ لَهُمْ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، قُلْتُ: وَلِمَا يَرَوْا أَعْدَاءَهُمْ فِي الْحَمِيمِ وَالْجَحِيمِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَفْضَلُ الْأَيَّامِ قِيلَ عَرَفَةُ، وَقِيلَ: الْجُمُعَةُ هَذَا إِذَا أُطْلِقَ، وَأَمَّا إِذَا قِيلَ: أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ فَهُوَ عَرَفَةُ، وَأَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ فَهُوَ الْجُمُعَةِ تَمَّ كَلَامُهُ. وَإِذَا وَافَقَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ يَكُونُ أَفْضَلَ الْأَيَّامِ مُطْلَقًا، فَيَكُونُ الْعَمَلُ فِيهِ أَفْضَلَ وَأَبَرَّ، وَمِنْهُ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: الْجُمُعَةُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " «الْجُمُعَةُ حَجُّ الْمَسَاكِينِ» " وَفِي رِوَايَةٍ: " حَجُّ الْفُقَرَاءِ ". (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 1999

١٣٥٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ: قَالَ: " وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ ". وَفِي رِوَايَةِ لَهُمَا، قَالَ: " «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» ". ــ ١٣٥٧ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً) ، أَيْ شَرِيفَةً عَظِيمَةً، وَالْحِكْمَةُ فِي إِخْفَائِهَا لِيَشْتَغِلَ النَّاسُ بِالْعِبَادَةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ نَهَارِهَا، رَجَاءَ أَنْ يُوَافِقَ دُعَاؤُهُمْ وَعِبَادَتُهُمْ إِيَّاهَا (لَا يُوَافِقُهَا) ، أَيْ: لَا يُصَادِفُهَا (مُسْلِمٌ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: عَبْدٌ مُسْلِمٌ (يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا) ، أَيْ: بِلِسَانِ الْحَالِ أَوْ بِلِسَانِ الْقَالِ (خَيْرًا) ، أَيْ: يَلِيقُ السُّؤَالُ فِيهِ (إِلَّا أَعْطَاهُ) ، أَيْ: ذَلِكَ الْمُسْلِمَ (إِيَّاهُ) ، أَيْ: ذَلِكَ الْخَيْرُ يَعْنِي: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَهُ لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهُ لَهُ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَزَادَ مُسْلِمٌ: قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ : (وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ) : وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: خَفِيفَةٌ وَإِشَارَةُ يَدِهِ إِلَى الْقِلَّةِ فِي حَدِيثٍ بَيَانٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُمْتَدَّةً كَلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَلَا يُنَافِي خَبَرًا صَحَّ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَا عَشَرَ سَاعَةً فِيهَا سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ هُنَا كَلَامًا طَوِيلًا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّعَارُضِ وَالتَّنَاقُضِ فَتَأَمَّلْ. (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا) ، أَيْ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، (قَالَ: " إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً) : قَالَ الْجَزَرِيُّ: وَهِيَ أَرْجَى أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ (لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ قَائِمٌ) ، أَيْ: مُلَازِمٌ مُوَاظِبٌ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَهُوَ قَائِمٌ، وَحَمَلُوهُ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِهِ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، أَوْ لِيُلَائِمَ عُمُومَ قَوْلِهِ: (يُصَلِّي) : أَوِ الْمُرَادُ لَهُ يَدْعُو وَيَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَإِنَّمَا أَوَّلْنَا هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ لِيَتَوَافِقَ جَمِيعَ الرِّوَايَاتِ. (يَسْأَلُ اللَّهُ خَيْرًا) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْمُبَاحَ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُبَاحَ لَا يُوصَفُ بِخَيْرٍ وَلَا بِشَرٍّ، غَايَتَهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ تَعَالَى يُعْطِي الْخَيْرَ فَلَا يَمْنَعُ الْمُبَاحَ (إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: قَائِمٌ يُصَلِّي. . . . . إِلَخْ. كُلُّهَا صِفَاتٌ لِمُسْلِمٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي حَالًا لِاتِّصَافِهِ بِقَائِمٍ وَيَسْأَلُ إِمَّا حَالٌ مُتَرَادِفَةٌ أَوْ مُتَدَاخِلَةٌ. زَادَ النَّوَوِيُّ: إِذْ مَعْنَى يُصَلِّي يَدْعُو.

стр. 2000

١٣٥٨ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، قَالَ: «سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ: " هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٣٥٨ - (وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ) ، أَيْ فِي بَيَانِ وَقْتِهَا. (هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ) ، أَيْ: بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْجُلُوسِ عَقِبَ صُعُودِ الْإِمَامِ الْمِنْبَرَ. (إِلَى أَنْ تُقْضَى) : بِالتَّأْنِيثِ وَيُذَكَّرُ (الصَّلَاةُ) ، أَيْ يُفْرَغُ مِنْهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ وَبَيْنَ أَنْ يَقْضِيَ، إِلَّا أَنَّهُ أَتَى بِإِلَى لِيُبَيِّنَ أَنَّ جَمِيعَ الزَّمَانِ الْمُبْتَدَأِ مِنَ الْجُلُوسِ إِلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ تِلْكَ السُّوَيْعَةُ، وَإِلَى هَذِهِ نَظِيرُهُ " مِنْ " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] ، فَدَلَّتْ عَلَى اسْتِيعَابِ الْحِجَابِ لِلْمَسَافَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ وَلَوْلَاهَا لَمْ يُفْهَمْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، ذَكَرَهُ فِي الْحِصْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ حِينِ تُقَامُ الصَّلَاةُ إِلَى السَّلَامِ مِنْهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزْنِيِّ. وَرَوَى الشَّيْخَانِ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: " «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» ". وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا، وَقِيلَ: بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَقِيلَ: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقِيلَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَذَهَبَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ إِلَى أَنَّهَا بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ بِيَسِيرٍ إِلَى ذِرَاعٍ. رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْهُ، قَالَهُ مِيرَكُ. وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقِيلَ: مِنِ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ، وَهَذَا مُخْتَارُ
следующие страницы →