Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
١٥٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: " رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٢٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ) أَيْ: خِصَالٌ كُلُّهُنَّ فُرُوضُ كِفَايَةٍ. (رَدُّ السَّلَامِ) أَيْ: جَوَابُهُ، وَأَمَّا السَّلَامُ فَسُنَّةٌ، وَهُوَ سُنَّةٌ أَفْضَلُ مِنَ الْفَرْضِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالتَّسَبُّبِ لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ. (وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ) : وَيُسْتَثْنَى مِنْهُمَا أَهْلُ الْبِدَعِ. (وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ) لِلْمُعَاوَنَةِ، وَقِيلَ لِلضِّيَافَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْصِيَةٌ. (وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ) : بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَيُرْوَى بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ: جَوَابُهُ: بِيَرْحَمُكَ اللَّهُ إِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فِي النِّهَايَةِ: التَّشْمِيتُ بِالشِّينِ وَالسِّينِ الدُّعَاءُ لِلْعَاطِسِ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَالْمُعْجَمَةُ أَعْلَاهُمَا، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الشَّوَامِتِ، وَهِيَ الْقَوَائِمُ، كَأَنَّهُ دَعَا لِلْعَاطِسِ بِالثَّبَاتِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَبْعَدَكَ اللَّهُ عَنِ الشَّمَاتَةِ بِكَ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذِهِ كُلُّهَا فِي حَقِّ الْإِسْلَامِ يَسْتَوِي فِيهَا جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ غَيْرَ أَنْ يَخُصَّ الْبَرَّ بِالْبَشَاشَةِ وَالْمُسَاءَلَةِ وَالْمُصَافَحَةِ دُونَ الْفَاجِرِ الْمُظْهِرِ لِفُجُورِهِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: إِذَا دَعَا الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ إِلَى الضِّيَافَةِ وَالْمُعَاوَنَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ طَاعَتُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مَا يَتَضَرَّرُ بِهِ فِي دِينِهِ مِنَ الْمَلَاهِي وَمَفَارِشِ الْحَرِيرِ، وَرَدُّ السَّلَامِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَأَمَّا تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ فَسُنَّةٌ إِذَا كَانَ لَهُ مُتَعَهِّدٌ، وَإِلَّا فَوَاجِبٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْطِفَ السُّنَّةَ عَلَى الْوَاجِبِ إِنْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ كَمَا يُقَالُ: صُمْ رَمَضَانَ وَسِتَّةً مِنْ شَوَّالٍ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ عَنِ الْوُجُوبِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2242
١٥٢٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ " قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٥٢٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ) أَيْ: خِصَالٌ. (قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ) أَيِ: ابْتِدَاءً وَجَوَابًا. (وَإِذَا دَعَاكَ) أَيْ: لِلْإِعَانَةِ وَالدَّعْوَةِ. (فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ) أَيْ: طَلَبَ مِنْكَ النَّصِيحَةَ. (فَانْصَحْ لَهُ) : وَالنَّصِيحَةُ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: النُّصْحُ تَحَرِّي فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ فِيهِ إِصْلَاحُ صَاحِبِهِ. (وَإِذَا عَطَسَ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ وَيُكْسَرُ. (فَحَمِدَ اللَّهَ) أَيْ: عَلَى نِعْمَتِهِ ; لِأَنَّ الْعُطَاسَ حَيْثُ لَا عَارِضَ مِنْ زُكَامٍ وَنَحْوِهِ إِنَّمَا
стр. 2243
يَنْشَأُ عَنْ خِفَّةِ الْبَدَنِ، وَخُلُوِّهِ عَنِ الْأَخْلَاطِ الْمُثْقِلَةِ لَهُ عَنِ الطَّاعَةِ، بِخِلَافِ التَّثَاؤُبِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَنْشَأُ عَنْ ضِدِّ ذَلِكَ ; وَلِذَا قَالَ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ» . (فَشَمِّتْهُ) أَيْ: قُلْ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. (وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ) : وَلَوْ مَرَّةً، وَمَا اشْتُهِرَ فِي مَكَّةَ أَنَّ بَعْضَ الْأَيَّامِ لَا يُعَادُ الْمَرِيضُ فِيهَا فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَيُبْطِلُهُ مَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعِبَادَةُ وَنَحْوُهَا، وَزَعَمَ أَنَّ السَّبْتَ لَا يُعَادُ فِيهِ مِمَّا أَدْخَلَهُ يَهُودِيٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ مَلِكًا فَأَمَرَهُ بِالْمَجِيءِ إِلَيْهِ يَوْمَ سَبْتِهِ فَخَشِيَ مِنْ قَطْعِهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ دُخُولَ الطَّبِيبِ عَلَى الْمَرِيضِ يَوْمَ السَّبْتِ لَا يَصْلُحُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: تُسْتَحَبُّ فِي الشِّتَاءِ لَيْلًا، وَفِي الصَّيْفِ نَهَارًا غَرِيبٌ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعِيَادَةِ حُصُولُ التَّسَلِّي وَالِاشْتِغَالِ بِالْأَصْحَابِ وَالْأَحْبَابِ حَالَةَ التَّخَلِّي، فَإِنَّ لِقَاءَ الْخَلِيلِ شِفَاءُ الْعَلِيلِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّوَجُّهِ إِلَى الْجَنَابِ الْعَلِيِّ، وَالتَّضَرُّعِ بِالدُّعَاءِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ، وَلَمَّا كَانَ لَيْلُ الشِّتَاءِ وَنَهَارُ الصَّيْفِ طَوِيلًا نَاسَبَ أَنْ يَشْغَلُوهُ عَمَّا فِيهِ مِنَ الْأَلَمِ، وَيُخَفِّفُوا عَنْهُ حِمْلَ السَّقَمِ بِالْحُضُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالتَّأَنُّسِ بِالْكَلَامِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّنْفِيسِ لَدَيْهِ. وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ مَنِ ابْتُلِيَ بِهِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ. (وَإِذَا مَاتَ تَبِعْتَهُ) أَيْ: جِنَازَتَهُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَلِلدَّفْنِ أكْمَلُ. قَالَ السَّيِّدُ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يُنَاقِضُ الْأَوَّلَ فِي الْعَدَدِ، فَإِنَّ هَذَا زَائِدٌ وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخَمْسَ مُقَدَّمٌ فِي الصُّدُورِ، وَمَنْ قَالَ لِفُلَانٍ: عَلَى خَمْسَةِ دَرَاهِمَ أَوْ كَانَتْ سِتَّةً كَانَ صَادِقًا، لَوْ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى لِفُلَانٍ: عَلَى سِتَّةِ دَرَاهِمَ كَانَ أَيْضًا صَادِقًا، وَالْأَمْرُ لِلتَّسْلِيمِ، وَالْعِيَادَةُ لِلنَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، وَلَامُ فَانْصَحُ لَهُ زَائِدَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ لَمْ يُسْتَحَبَّ التَّشْمِيتُ، وَلِذَلِكَ قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، كَذَا قَالَهُ فِي الْأَزْهَارِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2244
١٥٢٦ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ. أَمَرَنَا: بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَنَهَانَا عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ، وَعَنِ الْحَرِيرِ، والْإِسْتَبْرَقِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ وَالْقَسِّيِّ» ، وَآنِيَةِ الْفِضَّةِ - وَفِي رِوَايَةٍ: - وَعَنِ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ ; فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْ فِيهَا فِي الْآخِرَةِ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٢٦ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، أَمَرَنَا: بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ) أَيِ: الْحَالِفِ يَعْنِي: جَعْلَهُ بَارًّا، صَادِقًا فِي قَسَمِهِ، أَوْ جَعْلَ يَمِينِهِ صَادِقَةً، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَحَدٌ عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى تَصْدِيقِ يَمِينِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْصِيَةٌ، كَمَا لَوْ أَقْسَمَ أَنْ لَا يُفَارِقَكَ حَتَّى تَفْعَلَ كَذَا، وَأَنْتَ تَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ، فَافْعَلْ كَيْلَا يَحْنَثَ. وَقِيلَ: هُوَ إِبْرَارُهُ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهِ، لَتَفْعَلَنَّ، كَذَا قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: هُوَ تَصْدِيقُ مَنْ أَقْسَمَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ مَا سَأَلَهُ الْمُلْتَمِسُ، وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ يُقَالُ: بَرَّ وَأَبَرَّ الْقَسَمَ إِذَا صَدَّقَهُ. (وَنَصْرُ الْمَظْلُومِ) : قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هُوَ وَاجِبٌ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْفِعْلِ وَبِكَفِّهِ عَنِ الظُّلْمِ.
(وَنَهَانَا عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَيُكْسَرُ، أَيْ: عَنْ لُبْسِهِ. (وَعَنِ الْحَرِيرِ) أَيِ: الثَّوْبِ الْمَنْسُوجِ مِنَ الْإِبْرَيْسَمِ اللِّينِ. (وَالْإِسْتَبْرَقِ) : الْمَنْسُوجِ مِنَ الْغَلِيظِ. (وَالدِّيبَاجِ) : الرَّقِيقِ، وَقِيلَ: الْحَرِيرُ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْإِبْرَيْسَمِ وَغَيْرِهِ مَعَ غَلَبَةِ الْإِبْرَيْسَمِ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْأَنْوَاعُ وَالتَّفْصِيلُ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ. (وَالْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ) : بِالْيَاءِ، الْوِطَاءُ عَلَى السَّرْجِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهَا مَا كَانَتْ مِنْ مَرَاكِبِ الْعَجَمِ مِنْ دِيبَاجٍ أَوْ حَرِيرٍ، وَلَعَلَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْحَمْرَاءِ كَذَلِكَ، لَكِنْ مَا كَانَ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ دِيبَاجٍ فَحَرَامٌ عَلَى أَيِّ لَوْنٍ كَانَ وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا، وَكَانَتْ حَمْرَاءَ فَمَكْرُوهٌ لِرُعُونَتِهَا، كَذَا حَرَّرَهُ السَّيِّدُ، وَقِيلَ: الْمِيثَرَةُ مَا غَشِيَتِ السُّرُوجَ تُتَّخَذُ مِنَ الْحَرِيرِ، وَقِيلَ: هِيَ سُرُوجٌ مِنَ الدِّيبَاجِ، وَهِيَ وِسَادَةٌ تُجْعَلُ أَوْ تُوضَعُ فِي السَّرْجِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ إِنْ كَانَ مِنَ الْحَرِيرِ فِي النِّهَايَةِ: الْمِيثَرَةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ مِفْعَلَةٌ مِنَ الْوَثَارِ، يُقَالُ: وَثَرَ وَثَارَةً فَهُوَ وَثِيرٌ أَيْ: وَطِئٌ لَيِّنٌ، وَأَصْلُهَا مِوْثَرَةٌ فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِكَسْرَةِ الْمِيمِ، وَهِيَ مِنْ مَرَاكِبِ الْعَجَمِ تُعْمَلُ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ دِيبَاجٍ، وَتُتَّخَذُ كَالْفِرَاشِ الصَّغِيرِ، وَتُحْشَى بِقُطْنٍ أَوْ صُوفٍ يَجْعَلُهَا الرَّاكِبُ تَحْتَهُ عَلَى الرِّحَالِ وَالسُّرُوجِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَصَفَهَا بِالْحَمْرَاءِ ; لِأَنَّهَا كَانَتِ الْأَغْلَبَ فِي مَرَاكِبِ الْأَعَاجِمِ، يَتَّخِذُونَهَا
стр. 2245
رُعُونَةً. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: إِنْ كَانَتِ الْمِيثَرَةُ مِنْ دِيبَاجٍ فَحَرَامٌ، وَإِلَّا فَالْحَمْرَاءُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ مِيثَرَةِ الْأُرْجُوَانِ. وَقَالَ الْقَاضِي: تَوْصِيفُهَا بِالْحُمْرَةِ لِأَنَّهَا كَانَتِ الْأَغْلَبَ فِي مَرَاكِبِ الْأَعَاجِمِ، يَتَّخِذُونَهَا رُعُونَةً. (وَالْقَسِّيِّ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ وَالْيَاءِ. فِي الْفَائِقِ: الْقَسِّيُّ ضَرْبٌ مِنْ ثِيَابٍ كِتَّانٍ مَخْلُوطٍ بِحَرِيرٍ يُؤْتَى بِهِ مِنْ مِصْرَ، نُسِبَ إِلَى قَرْيَةٍ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ يُقَالُ لَهَا: الْقَسُّ، وَقِيلَ الْقَسُّ: الْقَزُّ، وَهِيَ رَدِيءُ الْحَرِيرِ، أُبْدِلَتِ الزَّايُ: سِينًا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالنَّهْيُ إِمَّا لِغَلَبَةِ الْحَرِيرِ، أَوْ لِكَوْنِهَا ثِيَابًا حَمْرَاءَ.
قَالَ مِيرَكُ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ؟ قُلْتَ: الْحَرِيرُ اسْمٌ عَامٌّ، وَالدِّيبَاجُ نَوْعٌ مِنْهُ، وَالْإِسْتَبْرَقُ نَوْعٌ مِنَ الدِّيبَاجِ، والْقَسِّيُّ مَا يُخَالِطُهُ الْحَرِيرُ أَوْ رَدِيءُ الْحَرِيرِ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ بَيَانًا لِاهْتِمَامٍ بِحُكْمِهِ، وَدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ تَخْصِيصَهُ بِاسْمٍ مُسْتَقِلٍّ يُنَافِي دُخُولَهُ تَحْتَ الْحُكْمِ الْعَامِّ، وَالْإِشْعَارِ بِأَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ غَيْرُ الْحَرِيرِ نَظَرًا إِلَى الْعُرْفِ، وَكَوْنُهَا ذَوَاتُ أَسْمَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ مُقْتَضِيَةً لِاخْتِلَافِ مُسَمَّيَاتِهَا. (وَآنِيَةِ الْفِضَّةِ) : وَالَّذِي أَوْلَى، مَعَ أَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهَذِهِ الْخِصَالُ مُخْتَلِفَةُ الْمَرَاتِبِ فِي حُكْمِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَالْوُجُوبِ، فَتَحْرِيمُ خَاتَمِ الذَّهَبِ وَمَا ذُكِرَ عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ خَاصٌّ لِلرِّجَالِ، وَتَحْرِيمُ آنِيَةِ الْفِضَّةِ عَامٌّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ; لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ السَّرَفِ وَالْمَخِيلَةِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَنِ الشُّرْبِ) : بِضَمِّ الشِّينِ وَبِفَتْحٍ وَفِي مَعْنَاهُ الْأَكْلُ. (فِي الْفِضَّةِ) : وَالذَّهَبِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. (فَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ. (مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا) أَيْ: ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ. (لَمْ يَشْرَبْ فِيهَا فِي الْآخِرَةِ) : قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ: مَنِ اعْتَقَدَ حِلَّهَا وَمَاتَ عَلَيْهِ) ; فَإِنَّهُ كَافِرٌ، وَحُكْمُ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ خِلَافُ ذَلِكَ: فَإِنَّهُ ذَنْبٌ صَغِيرٌ غَلُظَ وَشُدِّدَ لِلرَّدِّ وَالِارْتِدَاعِ اهـ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: لَمْ يَشْرَبْ فِيهَا كِنَايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ عَنْ كَوْنِهِ جَهَنَّمِيًّا ; فَإِنَّ الشُّرْبَ مِنْ أَوَانِي الْفِضَّةِ مِنْ دَأْبِ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَوَارِيرَ قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥] ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا دَأْبُهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَكُونُ جَهَنَّمِيًّا، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَشْرَبْ فِي الْآخِرَةِ مُدَّةَ عَذَابِهِ، أَوْ وَقْتَ وُقُوفِهِ وَحِسَابِهِ، أَوْ فِي الْجَنَّةِ مُدَّةً يَنْسَى مُدَّةَ شَرَابِهِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا صَحَّ فِي الْحَرِيرِ: " مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ " وَفِي الْخَمْرِ: " مَنْ شَرِبَهَا فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ " قِيلَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ آنِيَةً وَلُبَاسًا وَشَرَابًا غَيْرَ مَا ذُكِرَ لِمَنْ حَرَّمَهُ، وَيَكُونُ نَقْصًا فِي مَرْتَبَتِهِ لَا عِقَابًا فِي حَقِّهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ مِيرَكُ: وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَقَالَ مُسْلِمٌ: " «وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ» ". وَهُوَ يَحْتَمِلُ السَّلَامَ، وَرَدَّهُ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 2246
١٥٢٧ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٥٢٧ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ» ) : مِنَ ابْتِدَاءِ شُرُوعِ الْعِيَادَةِ. (فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ) : بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ: فِي رَوْضَتِهَا، أَوْ فِي الْتِقَاطِ فَوَاكِهِ الْجَنَّةِ وَمُجْتَنَاهَا. فِي النِّهَايَةِ: خَرَفَ الثَّمَرَةَ جَنَاهَا، وَالْخُرْفَةُ: اسْمُ مَا يُخْرَفُ مِنَ النَّخِيلِ حِينَ يُدْرِكُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: " «عَائِدُ الْمَرِيضِ عَلَى مَخَارِفِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ» ) وَالْمَخَارِفُ: جَمْعُ مَخْرَفٍ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ الْحَائِطُ مِنَ النَّخِيلِ، يَعْنِي أَنَّ الْعَائِدَ فِيمَا يُحْرِزُهُ مِنَ الثَّوَابِ كَأَنَّهُ عَلَى نَخِيلِ الْجَنَّةِ يَخْرِفُ ثِمَارَهَا. قَالَ الْقَاضِي: الْخُرْفَةُ مَا يُجْتَنَى مِنَ الثِّمَارِ، وَقَدْ تَجُوزُ بِهَا الْبُسْتَانُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَحَلُّهَا وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِهَا بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَلَى مَخَارِفِ الْجَنَّةِ أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُضَافِ أَيْ: فِي مَوَاضِعِ خُرْفَتِهَا. (حَتَّى يَرْجِعَ ": قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: شُبِّهَ مَا يَحُوزُهُ عَائِدُ الْمَرِيضِ مِنَ الثَّوَابِ بِمَا يَحُوزُ الْمُخْتَرِفُ مِنَ الثِّمَارِ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُ بِسَعْيِهِ إِلَيْهِ يَسْتَوْجِبُ الْجَنَّةَ وَمَخَارِفَهَا بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 2247
١٥٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي. قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ ! قَالَ: أَمَّا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي. قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ ! قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي. قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ ! قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٥٢٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : عَلَى لِسَانِ مَلَكٍ أَوْ بِلَا وَاسِطَةٍ بِالْوَحْيِ الْعَامِّ، أَوْ بِالْإِلْهَامِ فِي قُلُوبِ الْأَنَامِ، أَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ مُعَاتِبًا لِابْنِ آدَمَ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ بِمَا قَصَّرَ فِي حَقِّ أَوْلِيَائِهِ بِالْأَفْضَالِ. ( «يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي» ) : أَرَادَ بِهِ مَرِضَ عَبْدُهُ، وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِذَلِكَ الْعَبْدِ، فَنَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ ذَاتِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ عَادَ مَرِيضًا لِلَّهِ فَكَأَنَّهُ زَارَ اللَّهَ. ( «قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ» ؟ !) : حَالٌ مُقَرِّرَةٌ لِجِهَةِ الْإِشْكَالِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ. (كَيْفَ) أَيِ: الْمَرَضُ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْمَرِيضِ الْعَاجِزِ، وَأَنْتَ الْقَاهِرُ الْقَوِيُّ الْمَالِكُ. فَإِنْ قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: كَيْفَ تَمْرَضُ مَكَانَ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ ! قُلْنَا: عَدَلَ عَنْهُ مُعْتَذِرًا إِلَى مَا عُوتِبَ عَلَيْهِ. وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ الْمَرَضِ. ( «قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي» ) أَيْ: لَوَجَدْتَ رِضَائِي (عِنْدَهُ؟) : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ لِلْعَجْزِ وَالِانْكِسَارِ عِنْدَهُ تَعَالَى مِقْدَارًا وَاعْتِبَارًا، كَمَا رُوِيَ: أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ لِأَجْلِي. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْعِبَارَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِيَادَةَ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنَ الْإِطْعَامِ وَالْإِسْقَاءِ الْآتِيَيْنِ، حَيْثُ خَصَّ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ: وَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ فَإِنَّ فِيهِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْرَبُ إِلَى الْمُنْكَسِرِ الْمِسْكِينِ اهـ.
وَقِيلَ: الْعَجْزُ وَالِانْكِسَارُ أَلْصَقُ وَأَلْزَمُ هُنَاكَ. وَالْعِيَادَةُ أَفْضَلُ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَإِنْ كَانَتَا فِي الصُّورَةِ وَاحِدَةً، فَالْعِيَادَةُ أَزْيَدُ إِمَّا بِنُقْطَةٍ وَهِيَ دَرَجَةٌ، أَوْ بِثَمَانِ مَرَاتِبَ. فَإِنَّ الْبَاءَ اثْنَانِ وَالْيَاءَ عَشْرَةٌ، هَذَا وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حَدِيثِ: " لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ " إِلَخْ، وَقَدْ قِيلَ: لَمْ يَرِدْ فِي الثَّوَابِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا. (يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ) أَيْ: طَلَبْتُ مِنْكَ الطَّعَامَ. (فَلَمْ تُطْعِمْنِي؟ . قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ !) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّكَ تُطْعِمُ وَلَا تُطْعَمُ، وَأَنْتَ غَنِيٌّ قَوِيٌّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا الْعَاجِزُ يَحْتَاجُ إِلَى الْإِنْفَاقِ. (قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ. ( «اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ» ) أَيْ: ثَوَابَ إِطْعَامِهِ. (عِنْدِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ) أَيْ: طَلَبْتُ مِنْكَ الْمَاءَ. (فَلَمْ تَسْقِنِي) : بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ فِي أَوَّلِهِ. (قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ) : بِالْوَجْهَيْنِ. (وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ !) أَيْ: مُرَبِّيهِمْ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ فَضْلًا عَنِ الطَّعَامِ وَالْمَاءِ. (قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِيهِ، أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ. (إِنَّكَ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: " أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ " بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ. (لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ) : بِلَا لَامٍ هُنَا إِشَارَةٌ إِلَى جَوَازِ حَذْفِهَا. (ذَلِكَ عِنْدِي؟) : فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِالْكَائِنَاتِ يَسْتَوِي فِي عِلْمِهِ الْجُزْئِيَّاتُ وَالْكُلِّيَّاتُ، وَأَنَّهُ مُبْتَلٍ عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الرِّيَاضَاتِ، لِيَكُونَ كَفَّارَةً لِلذُّنُوبِ، وَرَفْعًا لِلدَّرَجَاتِ الْعَالِيَاتِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2248
١٥٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ يَعُودُهُ قَالَ: " لَا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ".
فقال لَهُ: " «لَا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ". قَالَ: كَلَّا، بَلْ حُمَّى تَفُورُ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ الْقُبُورَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَعَمْ إِذًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٥٢٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ) أَيْ: وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ. (يَعُودُهُ) : فِيهِ كَمَالُ تَوَاضُعِهِ ﵊ الْمُتَضَمِّنِ لِرَأْفَتِهِ، وَرَحْمَتِهِ، وَتَعْلِيمٌ لِأُمَّتِهِ. (وَكَانَ) أَيْ: مِنْ عَادَتِهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: " لَا بَأْسَ) : بِالْهَمْزِ وَإِبْدَالِهِ. (طَهُورٌ) " أَيْ: لَا مَشَقَّةَ وَلَا تَعَبَ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا الْمَرَضِ بِالْحَقِيقَةِ ; لِأَنَّهُ مُطَهِّرُكَ مِنَ الذُّنُوبِ. (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) : لِلتَّبَرُّكِ أَوْ لِلتَّفْوِيضِ أَوْ لِلتَّعْلِيقِ، فَإِنَّ
стр. 2249
كَوْنَهُ طَهُورًا مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِهِ صَبُورًا شَكُورًا. (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (لَهُ) أَيْ: لِلْأَعْرَابِيِّ. (لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ " قَالَ) أَيِ: الْأَعْرَابِيُّ مِنْ جَفَاوَتِهِ، وَعَدَمِ فَطَانَتِهِ. (كَلَّا) أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتَ، أَوْ لَا تَقُلْ هَذَا فَإِنَّ قَوْلَهُ: كَلَّا مُحْتَمِلٌ لِلْكُفْرِ وَعَدَمِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ كَوْنُهُ أَعْرَابِيًّا جِلْفًا، فَلَمْ يَقْصِدْ حَقِيقَةَ الرَّدِّ وَالتَّكْذِيبِ، وَلَا بَلَغَ حَدَّ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ. (بَلْ حُمَّى تَفُورُ) أَيْ: تَغْلِي فِي بَدَنٍ كَغَلْيِ الْقُدُورِ. (عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ) أَيْ: بِعَقْلٍ قَصِيرٍ أَيِسَ مِنْ قُدْرَةِ الْقَدِيرِ. (تُزِيرُهُ الْقُبُورَ) أَيْ: تَحْمِلُهُ الْحُمَّى عَلَى زِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَتَجْعَلُهُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ. (فَقَالَ النَّبِيُّ -) ﷺ أَيْ: غَضَبًا عَلَيْهِ. (فَنَعَمْ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا. (إِذًا) وَفِي نُسْخَةٍ " إِذَنْ " أَيْ: إِذَنْ هَذَا الْمَرَضُ لَيْسَ بِمُطَهِّرِكَ كَمَا قُلْتَ، أَوْ ضَخْمٌ إِذَا أَبَيْتَ إِلَّا الْيَأْسَ وَكُفْرَانَ النِّعْمَةِ، فَنَعَمْ إِذًا يَحْصُلُ لَكَ مَا قُلْتَ إِذْ لَيْسَ جَزَاءُ كُفْرَانِ النِّعْمَةَ إِلَّا حِرْمَانَهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ مُرَتَّبَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ، وَنَعَمْ تَقْرِيرٌ لِمَا قَالَ: يَعْنِي: أَرْشَدْتُكَ بِقَوْلِي: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّ الْحُمَّى تُطَهِّرُكَ مِنْ ذُنُوبِكَ ; فَاصْبِرْ وَاشْكُرِ اللَّهَ تَعَالَى، فَأَبَيْتَ إِلَّا الْيَأْسَ وَالْكُفْرَانَ، فَكَانَ كَمَا زَعَمْتَ، وَمَا اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ، بَلْ رَدَدْتَ نِعْمَةَ اللَّهِ وَأَنْتَ مُسَجَّعٌ بِهِ قَالَهُ غَضَبًا عَلَيْهِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
стр. 2250
١٥٣٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ، مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءٌ لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٣٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشْتَكَى) أَيْ: مَرِضَ (مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ) أَيِ: النَّبِيُّ ذَلِكَ الْمَرِيضَ. (بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ) أَيْ: دَاعِيًا. (أَذْهِبِ الْبَاسَ) أَيْ: أَزِلْ شِدَّةَ الْمَرَضِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: اللَّهُمَّ أَذْهِبِ الْبَاسَ، وَهُوَ بِإِبْدَالِ الْهَمْزِ هُنَا مُرَاعَاةً لِلسَّجْعِ فِي قَوْلِهِ ". (رَبَّ النَّاسِ) : نَصْبًا بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْعَسْقَلَانِيَّ قَالَ: الْبَاسُ بِغَيْرِ هَمْزٍ لِلِازْدِوَاجِ، فَإِنَّ أَصْلَهُ الْهَمْزَةُ. (وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي) : وَلَمْ يَقُلْ: وَأَنْتَ الْمُمْرِضُ أَدَبًا، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وَلَمَّا لَمْ يَفْهَمْ كُلُّ أَحَدٍ هَذَا الْمَعْنَى صَرَّحَ الصِّدِّيقُ هَذَا الْمَعْنَى. وَقَالَ: الَّذِي أَمْرَضَنِي يَشْفِينِي) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ بِالْوَاوِ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِحَذْفِهَا، وَالضَّمِيرُ فِي اشْفِهِ لِلْعَلِيلِ أَوْ هِيَ هَاءُ السَّكْتِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ فِي ذَلِكَ مَا يُوهِمُ نَقْصًا، وَالثَّانِي: أَنَّ لَهُ أَصْلًا فِي الْقُرْآنِ، وَهَذَا فِي ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] . ( «وَلَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ» ) : هَذَا مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: أَنْتَ الشَّافِي. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ قَوْلُهُ: لَا شِفَاءَ بِالْمَدِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ لَنَا أَوَّلُهُ. وَقَوْلُهُ: إِلَّا شِفَاؤُكَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ مَوْضِعِ لَا شِفَاءَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، لَا شَافِيَ إِلَّا أَنْتَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَا يَقَعُ مِنَ الدَّوَاءِ وَالتَّدَاوِي لَا يَنْجَعُ إِنْ لَمْ يُصَادِفْ تَقْدِيرَ اللَّهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: لَا شِفَاءَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْحَصْرِ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: أَنْتَ الشَّافِي ; لِأَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ إِذَا كَانَ مُعَرَّفًا بِاللَّامِ أَفَادَ الْحَصْرَ ; لِأَنَّ تَدْبِيرَ الطَّبِيبِ، وَدَفْعِ الدَّوَاءِ لَا يَنْجَعُ فِي الْمَرِيضِ إِذَا لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ الشِّفَاءَ، وَقَوْلُهُ: ( «شِفَاءٌ لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» ) : تَكْمِيلٌ لِقَوْلِهِ: اشْفِ. وَالْجُمْلَتَانِ مُعْتَرِضَتَانِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ، وَقَوْلُهُ: لَا يُغَادِرُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: لَا يَتْرُكُ، وَسَقَمًا بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمٍّ وَسُكُونٍ مَرَضًا، وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّقْلِيلِ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَوْلُهُ: (شِفَاءً) مَنْصُوبٌ بِقَوْلِهِ: اشْفِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ أَيْ: هَذَا أَوْ هُوَ، وَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ الشِّفَاءُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ. فَيَخْلُفُهُ مَرَضٌ آخَرُ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ مَثَلًا، فَكَانَ يَدْعُو بِالشِّفَاءِ الْمُطْلَقِ لَا بِمُطْلَقِ الشِّفَاءِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
) .
стр. 2251
١٥٣١ - وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ «إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُصْبُعِهِ: " بِسْمِ اللَّهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٣١ - (وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ. (قَالَتْ: كَانَ) : إِمَّا زَائِدَةٌ أَوْ فِيهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ. (إِذَا اشْتَكَى) أَيْ: شَكَا (الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيِ: الْعُضْوَ. (مِنْهُ) : الضَّمِيرُ إِلَى
стр. 2252
الْإِنْسَانِ أَيْ: مِنْ جَسَدِهِ. (أَوْ كَانَتْ بِهِ) أَيْ: بِالْإِنْسَانِ. (قَرْحَةٌ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّهَا، مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَعْضَاءِ مِثْلُ الدُّمَّلِ. (أَوْ جُرْحٌ) : بِالضَّمِّ كَالْجِرَاحَةِ بِالسَّيْفِ وَغَيْرِهِ. (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُصْبُعِهِ) أَيْ: أَشَارَ بِهَا قَائِلًا. (بِسْمِ اللَّهِ) أَيْ: أَتَبَرَّكُ بِهِ. (تُرْبَةُ أَرْضِنَا) أَيْ: هَذِهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا مَمْزُوجَةٌ. (بِرِيقَةِ بَعْضِنَا) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتْفُلُ عِنْدَ الرُّقْيَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الرُّقَى مِنْ كُلِّ الْآلَامِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَمْرًا فَاشِيًا مَعْلُومًا بَيْنَهُمْ. قَالَ: وَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَبَّابَتَهُ، وَوَضْعُهَا عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّقَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِأَرْضِهَا جُمْلَةُ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: أَرْضُ الْمَدِينَةِ خَاصَّةً لِبَرَكَتِهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُ مِنْ رِيقِ نَفْسِهِ، عَلَى إِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَى التُّرَابِ، فَيَعْلَقُ بِهَا مِنْهُ، فَيَمْسَحُ بِهَا عَلَى الْمَوْضِعِ الْجَرِيحِ وَالْعَلِيلِ، وَيَتَلَفَّظُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي حَالِ الْمَسْحِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الرُّقْيَةِ مَا لَمْ تَشْتَمِلْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ كَالسِّحْرِ. وَكَلِمَةِ الْكُفْرِ اهـ.
وَمِنَ الْمَحْذُورِ أَنْ تَشْتَمِلَ عَلَى كَلَامٍ غَيْرِ عَرَبِيٍّ أَوْ عَرَبِيٍّ لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ، وَلَمْ يَرِدْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ ; لِاحْتِمَالِ اشْتِمَالِهِ عَلَى كُفْرٍ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الَّذِي يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ صَنِيعِهِ ذَلِكَ، وَمِنْ قَوْلِهِ هَذَا أَنَّ تُرْبَةَ أَرْضِنَا إِشَارَةٌ إِلَى فِطْرَةِ آدَمَ ﵊ وَرِيقَةُ بَعْضِنَا إِشَارَةٌ إِلَى النُّطْفَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا الْإِنْسَانُ فَكَأَنَّهُ يَتَضَرَّعُ بِلِسَانِ الْحَالِ، وَيُعَرِّضُ بِفَحْوَى الْمَقَالِ: إِنَّكَ اخْتَرَعْتَ الْأَصْلَ الْأَوَّلَ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ أَبْدَعْتَ بَنِيهِ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، فَهَيِّنٌ عَلَيْكَ أَنْ تَشْفِيَ مَنْ كَانَ هَذَا شَأْنَهُ، وَتَمُنَّ بِالْعَافِيَةِ عَلَى مَنِ اسْتَوَى فِي مِلْكِكَ حَيَاتُهُ وَمَمَاتُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: قَدْ شَهِدَتِ الْمَبَاحِثُ الطِّبِّيَّةُ عَلَى أَنَّ الرِّيقَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي النُّضْجِ، وَتَبْدِيلُ الْمِزَاجِ، وَلِتُرَابِ الْوَطَنِ تَأْثِيرٌ فِي حِفْظِ الْمِزَاجِ الْأَصْلِيِّ، وَدَفْعِ نِكَايَةِ الْمَضَرَّاتِ ; وَلِذَا ذُكِرَ فِي تَيْسِيرِ الْمُسَافِرِينَ: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَصْحِبَ الْمُسَافِرُ تُرَابَ أَرْضِهِ إِنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِصْحَابِ مَائِهِ، حَتَّى إِذَا وَرَدَ مَاءً غَيْرَ مَا اعْتَادَهُ جَعَلَ شَيْئًا مِنْهُ فِي سِقَائِهِ، وَشَرِبَ الْمَاءَ مِنْهَا ; لِيَأْمَنَ مِنْ تَغَيُّرِ مِزَاجِهِ، ثُمَّ إِنَّ الرُّقَى وَالْعَزَائِمَ لَهَا آثَارٌ عَجِيبَةٌ تَتَقَاعَدُ الْعُقُولُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى كُنْهِهَا اهـ.
وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ، وَكُلُّ إِنَاءٍ يَرْشَحُ بِمَا فِيهِ، وَقَوْلُهُ: بِأُصْبُعِهِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ فَاعِلٍ قَالَ، وَتُرْبَةُ أَرْضِنَا: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هَذِهِ، وَالْبَاءُ فِي (بِرِيقَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وَهُوَ خَبَرٌ ثَانٍ أَوْ حَالٌ، وَالْعَامِلُ مِنَ الْإِشَارَةِ، أَيْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُشِيرًا بِأُصْبُعِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، هَذِهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا مَعْجُونَةٌ بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، قُلْنَا بِهَذَا الْقَوْلِ، أَوْ صَنَعْنَا هَذَا الصَّنِيعَ. (لِيُشْفَى سَقِيمُنَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا بِسْمِ اللَّهِ مَقُولُ الْقَوْلِ صَرِيحًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِسْمِ اللَّهِ حَالًا أُخْرَى مُتَدَاخِلَةً أَوْ مُتَرَادِفَةً عَلَى تَقْدِيرِ: قَالَ مُتَبَرِّكًا: بِسْمِ اللَّهِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَقُولًا، وَالْمَقُولُ الصَّرِيحُ قَوْلُهُ: تُرْبَةُ أَرْضِنَا، وَإِضَافَةُ تُرْبَةِ أَرْضِنَا وَرِيقَةِ بَعْضِنَا، تَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَأَنَّ تِلْكَ التُّرْبَةَ وَالرِّيقَةَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ شَرِيفٍ، بَلْ بِذِي نَفْسِ شَرِيفَةٍ قُدْسِيَّةٍ طَاهِرَةٍ عَنِ الْأَوْزَارِ ﷺ اهـ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْجَمَاعَةِ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ: وَرِيقَةُ بَعْضِنَا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ مُزِجَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: ضَبْطُ لِيُشْفَى بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وسَقِيمُنَا بِالرَّفْعِ وَيُفْتَحُ أَوَّلُهُ عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ مُقَدَّرٌ، سَقِيمَنَا بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. (بِإِذْنِ رَبِّنَا) أَيْ: بِأَمْرِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، سَوَاءٌ كَانَ بِسَبَبِ دُعَاءٍ، أَوْ دَوَاءٍ، أَوْ بِغَيْرِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ: بِإِذْنِ رَبِّنَا. فِي رِوَايَةِ لَهُ: بِإِذْنِ اللَّهِ. قُلْتَ: وَلِهَذَا نُسِبَ الْحَدِيثُ فِي الْحِصْنِ إِلَى مُسْلِمٍ فَقَطْ.
стр. 2253
١٥٣٢ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ، فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، كُنْتُ أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفِثُ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ » - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَتْ: «كَانَ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ» .
ــ
١٥٣٢ - (وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ. (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَكَى) أَيْ: مَرِضَ وَهُوَ لَازِمٌ، وَقَدْ يَأْتِي مُتَعَدِّيًا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وَجَعًا (نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ) فِي النِّهَايَةِ: النَّفْثُ بِالْفَمِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِالنَّفْخِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنَ التَّفْلِ ; لِأَنَّ التَّفْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الرِّيقِ. (بِالْمُعَوِّذَاتِ) : بِكَسْرِ الْوَاوِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيْ:
стр. 2254
قَرَأَهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَنَفَثَ الرِّيقَ عَلَى بَدَنِهِ، وَأَرَادَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَكُلَّ آيَةٍ تُشْبِهُهُمَا مِثْلُ: وَإِنْ يَكَادُ، وَإِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، أَوْ أَطْلَقَ الْجَمْعَ عَلَى التَّثْنِيَةِ مَجَازًا، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، فَيَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، أَوِ الْجَمْعُ بِاعْتِبَارِ الْآيَاتِ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَوْ هُمَا وَالْإِخْلَاصُ عَلَى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقِيلَ: الْكَافِرُونَ أَيْضًا. (وَمَسَحَ) أَيْ: عَلَيْهِ وَعَلَى أَعْضَائِهِ. (بِيَدِهِ) : قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: كَيْفَ يَنْفِثُ؟ قَالَ: يَنْفِثُ عَلَى يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَجَسَدَهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي عَنْهُ رَاجِعٌ إِلَى ذَلِكَ النَّفْثِ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حَالٌ، أَيْ: نَفَثَ عَلَى بَعْضِ جَسَدِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ مُتَجَاوِزًا عَنْ ذَلِكَ النَّفْثِ إِلَى سَائِرِ أَعْضَائِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الرُّقْيَةَ وَالنَّفْثَ بِكَلَامِ اللَّهِ سُنَّةٌ. (فَلَمَّا اشْتَكَى) أَيْ: شَكَا (وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ كُنْتُ أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفِثُ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ ) قِيلَ: لَعَلَّهُ تَرَكَ ﵊ النَّفْثَ بِهِمَا عَلَى نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ ; لِعِلْمِهِ أَنَّهُ آخِرُ مَرَضِهِ اهـ. وَفِيهِ مَا فِيهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَتْ: كَانَ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ) : لَمْ يَذْكُرِ الْمَسْحَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ وَتَرَكْتُ ذِكْرَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ النَّفْثِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُهُ أَحْيَانًا اكْتِفَاءً بِالنَّفْثِ، وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ، وَالْجَمْعُ أَفْضَلُ.
стр. 2255
١٥٣٣ - «وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ﵁: أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ " قَالَ: فَفَعَلْتُ. فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٥٣٣ - ( «وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ» ) أَيْ: فِي بَدَنِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ نَدْبُ شِكَايَةِ مَا بِالْإِنْسَانِ لِمَنْ يَتَبَرَّكُ بِهِ رَجَاءً لِبَرَكَةِ دُعَائِهِ. (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ضَعْ) : أَمْرٌ مِنَ الْوَضْعِ. (يَدَكَ عَلَى الَّذِي) أَيْ: عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَأْلَمُ، أَيْ: يُوجِعُ. (مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ) أَيْ: بِغَلَبَتِهِ وَعَظَمَتِهِ. (وَقُدْرَتِهِ) أَيْ: بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. (مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ) أَيْ: مِنَ الْوَجَعِ. (وَأُحَاذِرُ) أَيْ: أَخَافُ وَأَحْتَرِزُ، وَهُوَ مُبَالَغَةُ أَحْذَرُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: تَعَوَّذَ مِنْ وَجَعٍ هُوَ فِيهِ وَمِمَّا يُتَوَقَّعُ حُصُولُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الْحَزَنِ وَالْخَوْفِ، فَإِنَّ الْحَذَرَ هُوَ الِاحْتِرَازُ عَنْ مَخُوفٍ. (قَالَ) أَيْ: عُثْمَانُ. (فَفَعَلْتُ) أَيْ: مَا قَالَ لِي. (فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي) أَيْ: مِنَ الْوَجَعِ وَالْحَزَنِ بِبَرَكَةِ صِدْقِ التَّوَجُّعِ وَالِامْتِثَالِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَالْأَرْبَعَةُ.
стр. 2256
١٥٣٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: «أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٥٣٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ جِبْرِيلَ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا. (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ) أَيْ: لِلزِّيَارَةِ أَوْ لِلْعِيَادَةِ. (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَشْتَكَيْتَ؟) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَحَذْفِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ، وَقِيلَ بِالْمَدِّ عَلَى إِثْبَاتِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَإِبْدَالِهَا أَلِفًا، وَقِيلَ بِحَذْفِ الِاسْتِفْهَامِ فَقَالَ (: " نَعَمْ) : وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: الِاسْتِفْهَامُ الْمُقَدَّرُ فِيهِ لِلتَّقْرِيرِ، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلتَّقْرِيرِ لَمَا احْتَاجَ إِلَى جَوَابٍ، ثُمَّ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِتْيَانِ جِبْرِيلَ إِلَيْهِ اطِّلَاعُهُ عَلَى مَا لَدَيْهِ ﵊ (قَالَ) أَيْ: جِبْرِيلُ. (بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ مَأْخُوذٌ مِنَ الرُّقْيَةِ. (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ) : بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ عَنْهُ. (مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ) أَيْ: خَبِيثَةٍ. (أَوْ عَيْنٍ) : بِالتَّنْوِينِ فِيهِمَا، وَقِيلَ بِالْإِضَافَةِ. (حَاسِدٍ) : وَأَوْ تَحْتَمِلُ الشَّكَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لِلتَّنْوِيعِ، قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّفْسِ
стр. 2257
نَفْسَ الْآدَمِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْعَيْنُ ; فَإِنَّ النَّفْسَ تُطْلَقُ عَلَى الْعَيْنِ، يُقَالُ: رَجُلٌ مَنْفُوسٌ إِذَا كَانَ يُصِيبُهُ النَّاسُ بِعَيْنِهِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ عَيْنِ حَاسِدٍ مِنْ بَابِ التَّوْكِيدِ بِلَفْظٍ مُخْتَلِفٍ، أَوْ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ. ( «اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ» ) : كَرَّرَهُ لِلْمُبَالَغَةِ، وَبَدَأَ بِهِ وَخَتَمَ بِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَا نَافِعَ إِلَّا هُوَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، أَقُولُ: وَزَادَ فِي الْحِصْنِ: التِّرْمِذِيُّ.
стр. 2258
١٥٣٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ: " أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ "، وَيَقُولُ: " إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ " الْمَصَابِيحِ ": " بِهِمَا " عَلَى لَفْظِ الثَّنْيَةِ.
ــ
١٥٣٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ: " أُعِيذُكُمَا) أَيْ: بِهَذَا اللَّفْظِ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ وَبَيَانٌ لِيُعَوِّذَ. (بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْكَلِمَةُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ تَقَعُ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الْكَلَامِ اسْمًا كَانَ أَوْ فِعْلًا أَوْ حَرْفًا، وَتَقَعُ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْمَبْسُوطَةِ وَعَلَى الْمَعَانِي الْمَجْمُوعَةِ، وَالْكَلِمَاتُ هَاهُنَا مَحْمُولَةٌ عَلَى أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَكُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ ; لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِهَا، وَوَصْفُهَا بِالتَّامَّةِ لِخُلُوِّهَا عَنِ النَّوَاقِضِ وَالْعَوَارِضِ، بِخِلَافِ كَلِمَاتِ النَّاسِ فَإِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي كَلَامِهِمْ عَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِهِمْ فِي الْعِلْمِ وَاللَّهْجَةِ وَأَسَالِيبِ الْقَوْلِ، فَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ يُوجَدُ فَوْقَهُ آخَرُ، إِمَّا فِي مَعْنًى أَوْ فِي مَعَانٍ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ إِنَّ أَحَدَهُمْ قَلَّمَا يَسْلَمُ مِنْ مُعَارَضَةٍ أَوْ خَطَأٍ أَوْ نِسْيَانٍ، أَوِ الْعَجْزِ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي يُرَادُ، وَأَعْظَمُ النَّقَائِصِ الَّتِي هِيَ مُقْتَرِنَةٌ بِهَا أَنَّهَا كَلِمَاتٌ مَخْلُوقَةٌ تَكَلَّمَ بِهَا مَخْلُوقٌ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْأَدَوَاتِ وَالْجَوَارِحِ، وَهَذِهِ نَقِيصَةٌ لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا كَلَامٌ مَخْلُوقٌ، وَكَلِمَاتُ اللَّهِ تَعَالَى مُتَعَالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ الْقَوَادِحِ، فَهِيَ لَا يَسَعُهَا نَقْصٌ، وَلَا يَعْتَرِيهَا اخْتِلَالٌ، وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِهَا عَلَى الْقَائِلِينَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ مَخْلُوقَةً لَمْ يَعُذْ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذْ لَا تَجُوزُ الِاسْتِعَاذَةُ بِمَخْلُوقٍ. (مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ) أَيْ: جِنٍّ وَإِنْسٍ. (وَهَامَّةٍ) أَيْ: مِنْ شَرِّهِمَا، وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ كُلُّ دَابَّةٍ ذَاتِ سُمٍّ يَقْتُلُ، وَالْجَمْعُ الْهَوَامُّ، وَأَمَّا مَا لَهُ سُمٌّ وَلَا يَقْتُلُ فَهُوَ السَّامَّةُ كَالْعَقْرَبِ وَالزُّنْبُورِ، وَقَدْ يَقَعُ الْهَوَامُّ عَلَى مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ مُطْلَقًا كَالْحَشَرَاتِ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ عَنِ النِّهَايَةِ. (وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ: جَامِعَةٍ لِلشَّرِّ عَلَى الْمَعْيُونِ، مِنْ لَمَّهُ إِذَا جَمَعَهُ، أَوْ تَكُونُ بِمَعْنَى مُلِمَّةٍ أَيْ: مُنْزِلَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ فِي الصِّحَاحِ: الْعَيْنُ اللَّامَّةُ هِيَ الَّتِي تُصِيبُ بِسُوءٍ، وَاللَّمَمُ طَرَفٌ مِنَ الْجُنُونِ، وَلَامَّةٌ أَيْ: ذَاتُ لَمَمٍ، وَأَصْلُهَا مِنْ أَلَمَّتْ بِالشَّيْءِ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ، وَقِيلَ: لَامَّةٌ لِازْدِوَاجِ هَامَّةٍ، وَالْأَصْلُ مُلِمَّةٌ ; لِأَنَّهَا فَاعِلُ أَلْمَمَتْ اهـ.
قِيلَ: وَجْهُ إِصَابَةِ الْعَيْنِ أَنَّ الْخَاطِرَ إِذَا نَظَرَ إِلَى شَيْءٍ وَاسْتَحْسَنَهُ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَوِيَّةِ صُنْعِهِ، قَدْ يُحْدِثُ اللَّهُ فِي الْمَنْظُورِ عَلَيْهِ بِجِنَايَةِ نَظَرِهِ عَلَى غَفْلَةٍ ابْتِلَاءً لِعِبَادِهِ لِيَقُولَ الْمُحِقُّ: إِلَيْهِ مِنَ اللَّهِ، وَغَيْرُهُ مِنْ غَيْرِهِ. (وَيَقُولُ: " إِنَّ أَبَاكُمَا) : أَرَادَ بِهِ الْجَدَّ الْأَعْلَى، وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ ﵊. (كَانَ يُعَوِّذُ بِهِمَا) أَيْ: بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ. (إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) : وَلَدَيْهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْحَسَنَيْنِ ﵄ مَنْبَعُ ذُرِّيَّتِهِ ﵊ كَمَا أَنَّ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ مَعْدِنُ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵊ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ. " بِهِمَا " عَلَى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ سَهْوٌ مِنَ النَّاسِخِ اهـ. إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ كَلِمَاتِ اللَّهِ مَجَازًا مِنْ مَعْلُومَاتِ اللَّهِ، وَمِمَّا تَكَلَّمَ بِهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، أَوِ الْأُولَى جُمْلَةُ الْمُسْتَعَاذِ بِهِ، وَالثَّانِيَةُ جُمْلَةُ الْمُسْتَعَاذِ مِنْهُ.
стр. 2259
١٥٣٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٥٣٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا) : تَنْوِيهٌ لِلتَّنْوِيعِ وَالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ حَالٌ عَنْهُ، أَيْ: خَيْرًا مُلْتَبِسًا بِهِ. (يُصِبْ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ، وَقِيلَ: عَلَى الْمَعْلُومِ، وَقَوْلُهُ: (مِنْهُ) بِمَعْنَى لِأَجْلِهِ، وَضَمِيرُهُ عَائِدٌ إِلَى الْخَيْرِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: رُوِيَ: مَجْهُولًا؛ أَيْ: يَصِيرُ ذَا مُصِيبَةٍ، وَهِيَ اسْمٌ لِكُلِّ
стр. 2260
مَكْرُوهٍ، وَمَعْلُومًا أَيْ: يَجْعَلُهُ ذَا مُصِيبَةٍ لِيُطَهِّرَهُ بِهَا مِنَ الذُّنُوبِ، وَلِيَرْفَعَ بِهَا دَرَجَتَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطُوهُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَتْحُ أَحْسَنُ لِلْأَدَبِ كَمَا قَالَ: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وَقَالَ مِيرَكُ: يُصِبْ مَجْزُومٌ ; لِأَنَّهُ جَوَابُ الشَّرْطِ أَيْ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا أَوْصَلَ إِلَيْهِ مُصِيبَةً، فَمِنْ لِلتَّعْدِيَةِ يُقَالُ: أَصَابَ زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو أَيْ: أَوْصَلَ إِلَيْهِ مُصِيبَةً. قَالَ الْقَاضِي: الْمَعْنَى مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا أَوْصَلَ إِلَيْهِ مُصِيبَةً لِيُطَهِّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَلِرَفْعِ دَرَجَتِهِ، وَالْمُصِيبَةُ اسْمٌ لِكُلِّ مَكْرُوهٍ يُصِيبُ أَحَدًا. وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ أَيْ: نِيلَ بِالْمَصَائِبِ مِنَ اللَّهِ. وَقَالَ الْفَائِقُ أَيْ: يَنَلْ مِنْهُ بِالْمَصَائِبِ، فَالضَّمِيرُ لِمَنْ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: يَبْتَلِيهِ بِالْمَصَائِبِ فَهُوَ حَاصِلُ الْمَعْنَى. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 2261
١٥٣٧ - وَعَنْهُ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حُزْنٍ، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا خَطَايَاهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٣٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أَيِ: الْخِدْرِيِّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ. (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ) : " مَا " نَافِيَةٌ، وَمِنْ زَائِدَةٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ فِي قَوْلِهِ. (مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ فِيهِمَا، وَالْأَوَّلُ التَّعَبُ، وَالْأَلَمُ الَّذِي يُصِيبُ الْبَدَنَ مِنْ جِرَاحَةٍ وَغَيْرِهَا، وَالثَّانِي الْأَلَمُ اللَّازِمُ، وَالسَّقَمُ الدَّائِمُ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ النِّهَايَةِ. (وَلَا هَمٍّ، وَلَا حُزْنٍ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ: وَبِفَتْحِهِمَا. (وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ) : لَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ فِي كُلِّهَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْأَذَى كُلُّ مَا لَا يُلَائِمُ النَّفْسَ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْكُلِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَا يَتَأَذَّى الْإِنْسَانُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٨] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: " «كُلُّ مُؤْذٍ فِي النَّارِ» "، وَالْهَمُّ الَّذِي يُهِمُّ الرَّجُلَ أَيْ: يُذِيبُهُ، مِنْ هَمَمْتُ الشَّحْمَ إِذَا أَذَبْتُهُ، وَالْحَزَنُ هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُ فِي الْقَلْبِ خُشُونَةٌ يُقَالُ: مَكَانُ حُزْنٍ أَيْ: خَشِنٌ، فَالْهَمُّ أَخَصُّ، وَالْغَمُّ هُوَ الْحَزَنُ الَّذِي يَغُمُّ الرَّجُلَ أَيْ: يُصِيرُهُ بِحَيْثُ يَقْرُبُ أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ، فَالْهَمُّ وَالْحَزَنُ مَا يُصِيبُ الْقَلْبَ مِنَ الْأَلَمِ بِفَوْتِ مَحْبُوبٍ، إِلَّا أَنَّ الْغَمَّ أَشَدُّهَا، وَالْحَزَنَ أَسْهَلُهَا، وَقِيلَ: الْهَمُّ يَخْتَصُّ بِمَا هُوَ آتٍ، وَالْحَزَنُ بِمَا فَاتَ. قَالَ مِيرَكُ: رَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ وَكِيعًا قَالَ: لَمْ يُسْمَعْ فِي الْهَمِّ أَنْ يَكُونَ كَفَّارَةً إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
وَمِنْ غَرَائِبِ فُرُوعِ الشَّافِعِيَّةِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ قَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا اشْتَدَّ الْهَمُّ بِإِنْسَانٍ كَانَ عُذْرًا لَهُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ ; لِأَنَّهُ أَشَدُّ كَثِيرًا مِنْ أَعْذَارِهَا الْوَارِدَةِ فِي السُّنَّةِ كَالرِّيحِ وَالْمَطَرِ اهـ. وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدٌ كَمَا لَا يَخْفَى مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ ﵊: " «أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ» ". وَلِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ ﵊ كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ. (حَتَّى الشَّوْكَةُ) : بِالرَّفْعِ، حَتَّى ابْتِدَائِيَّةٌ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَ الشَّوْكَةِ خَبَرُهَا، وَبِالْجَرِّ، فَحَتَّى عَاطِفَةٌ، أَوْ بِمَعْنَى " إِلَى " مِمَّا بَعْدَهَا حَالٌ.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: سِتٌّ يَجِدُ الشَّوْكَةَ. (يُشَاكُهَا) : الْكَشَّافِ: شَكَّتِ الرَّجُلَ شَوْكَةٌ أُدْخِلَتْ فِي جَسَدِهِ شَوْكَةٌ وَشِيكَ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ يُشَاكُ شَوْكًا اهـ. قِيلَ: فِيهِ ضَمِيرُ الْمُسْلِمِ أُقِيمَ مَقَامَ فَاعِلِهِ، وَهَا ضَمِيرُ الشَّوْكَةِ أَيْ: حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُ الْمُسْلِمُ تِلْكَ الشَّوْكَةَ أَيْ: تُجْرَحُ أَعْضَاؤُهُ بِشَوْكَةٍ، وَالشَّوْكَةُ هَاهُنَا الْمَرَّةُ مِنْ شَاكَهُ، وَلَوْ أَرَادَ وَاحِدَةَ النَّبَاتِ لَقَالَ: يُشَاكُ بِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا الْمَرَّةُ مِنَ الْمَصْدَرِ جَعَلَهَا غَايَةً لِلْمُعَانَةِ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الطِّيبِيِّ، وَتَابَعَهُ ابْنُ حَجَرٍ: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي يُشَاكُ مَفْعُولُهُ الثَّانِي. (إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا) أَيْ: بِمُقَابَلَتِهَا أَوْ بِسَبَبِهَا. (مِنْ خَطَايَاهُ) أَيْ: بَعْضِهَا، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ الْمُقَدَّرَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِيهِ تَنْبِيهُ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّ السَّالِكَ إِنْ عَجَزَ عَنْ مَرْتَبَةِ الرِّضَا، وَهِيَ التَّلَذُّذُ بِحَلَاوَةِ الْبَلَاءِ أَنْ لَا يَفُوتَهُ تَجَرُّعُ مَرَارَةِ الصَّبْرِ فِي حُبِّ الْمَوْلَى، فَإِنَّهُ وَرَدَ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابُ.
стр. 2262
١٥٣٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ ". قَالَ: فَقُلْتُ: ذَلِكَ لِأَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ فَقَالَ: " أَجَلْ ". ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٣٨ - ( «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ» ) : الْوَعَكُ: حَرَارَةُ الْحُمَّى وَأَلَمُهَا، وَقَدْ وَعَكَهُ الْمَرَضُ وَعْكًا، وَوَعْكَةً فَهُوَ مَوْعُوكٌ أَيِ: اشْتَدَّ بِهِ. (فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي) : صِحَاحٌ: مَسِسْتُ الشَّيْءَ بِالْكَسْرِ أَمَسِّهُ هِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ: مَسَسْتُ بِالْفَتْحِ أَمَسُّهُ بِالضَّمِّ. ( «فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا» ) : بِسُكُونِ الْعَيْنِ. (شَدِيدًا) : وَهُوَ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنَ حَجَرٍ: كَأَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ جَوَابَ مَا انْقَدَحَ عِنْدَهُ مِنْ أَنَّ الْبَلَايَا سَبَبٌ لِتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ، وَهُوَ ﷺ لَا ذَنْبَ لَهُ فَغَيْرُ مُطَابِقٍ لِقَوْلِ الرَّاوِي. فَقُلْتُ: لِأَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ وَمُعَارِضٌ لِكَلَامِ نَفْسِهِ هُنَاكَ أَنَّهُ جَوَابٌ لِمَا انْقَدَحَ عِنْدَهُ، بِأَنَّ الْمَصَائِبَ قَدْ تَكُونُ لِمُجَرَّدِ رَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَمَعَ هَذَا غَيْرُ مُطَابِقٍ لِجَوَابِهِ ﵊ أَيْضًا كَمَا قَالَ الرَّاوِي. - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَجَلْ) أَيْ: نَعَمْ، فَإِنَّهُ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِ الرَّاوِي: وَعْكًا شَدِيدًا مَعَ زِيَادَةِ تَحْرِيرٍ بِقَوْلِهِ: (إِنِّي أُوعَكُ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يَأْخُذُنِي الْوَعْكُ. (كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ) : يَعْنِي مِثْلَ أَلَمِ وَعْكِ رَجُلَيْنِ. (مِنْكُمْ " قَالَ) أَيْ: عَبْدُ اللَّهِ. (فَقُلْتُ: ذَلِكَ) أَيْ: وَعَكُ رَجُلَيْنِ (لِأَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْثِيرَ. (فَقَالَ: " أَجَلْ) أَيْ: نَعَمْ. (ثُمَّ قَالَ) أَيْ: ﷺ ( «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِبْهُ أَذًى» ) أَيْ: مَا يُؤْذِيهِ وَيُتْعِبُهُ. (مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ) أَيْ: فَمَا دُونَهُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا تَتَأَذَّى بِهِ النَّفْسُ. ( «إِلَّا حَطَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ حَالَ الْمَرِيضِ وَإِصَابَةَ الْمَرَضِ جَسَدَهُ، ثُمَّ مَحْوَ السَّيِّئَاتِ عَنْهُ سَرِيعًا بِحَالَةِ الشَّجَرَةِ وَهُبُوبِ الرِّيَاحِ الْخَرِيفِيَّةِ، وَتَنَاثُرِ الْأَوْرَاقِ مِنْهَا، فَهُوَ تَشْبِيهٌ تَمْثِيلِيٌّ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ الْإِزَالَةُ الْكُلِّيَّةُ عَلَى سَبِيلِ السُّرْعَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ ; لِأَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ لَا يَخْلُو عَنْ كَوْنِهِ مُتَأَذِّيًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مَحْمُومٌ، فَوَضَعْتُ يَدَيَّ مِنْ فَوْقِ الْقَطِيفَةِ فَوَجَدْتُ حَرَارَةَ الْحُمَّى فَوْقَ الْقَطِيفَةِ. فَقُلْتُ: مَا أَشَدَّ حُمَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: " إِنَّا كَذَلِكَ مَعْشَرَ الْأَنْبيَاءِ يُضَاعَفُ عَلَيْنَا الْوَجَعُ لِيُضَاعَفَ لَنَا الْأَجْرُ ". قُلْتُ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: " الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ» . " وَفِي رِوَايَةٍ: " «النَّبِيُّ لِيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ إِلَّا الْعَبَاءَةَ فَيَجُوبُهَا فَيَلْبَسُهَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالْقَمْلِ حَتَّى يَقْتُلَهُ الْقَمْلُ، وَكَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعَطَايَا إِلَيْكُمْ»
".
стр. 2263
١٥٣٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا الْوَجَعُ عَلَيْهِ أَشَدُّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٣٩ - ( «وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا الْوَجَعُ» ) : بِالرَّفْعِ. (عَلَيْهِ أَشَدُّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ: مِنْ وَجَعِهِ ﷺ . قَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَجَعُ مُبْتَدَأٌ، وَأَشَدُّ: خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ بِمَنْزِلَةِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَمِنْ زَائِدَةٌ أَيْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ وَجَعًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اهـ. وَلَعَلَّهُ كَانَ فِي نُسْخَتِهِ: مِنْ أَحَدٍ بَدَلُ أَحَدٍ، إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مِنْ فِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَائِدَةً، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ وَجَعًا مِنَ الْوَجَعِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ» ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
стр. 2264
١٥٤٠ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي، فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ » -. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٥٤٠ - (وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ. (قَالَتْ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي) : بِكَسْرِ الْقَافِ فِيهِمَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْحَاقِنَةُ الْوَهْدَةُ الْمُنْخَفِضَةُ بَيْنَ التُّرْقُوَتَيْنِ، وَالذَّاقِنَةُ الذَّقْنُ، وَقِيلَ: طَرَفُ الْحُلْقُومِ، وَقِيلَ: مَا يَنَالُهُ الذَّقْنُ مِنَ الصَّدْرِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تُوُفِّيَ مُسْنَدًا إِلَيَّ. (فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ) أَيْ: كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ شِدَّةَ الْمَوْتِ تَكُونُ لِكَثْرَةِ الذُّنُوبِ، وَلَمَّا رَأَيْتُ شِدَّةَ وَفَاتِهِ عَلِمْتُ أَنَّ شِدَّةَ الْمَوْتِ لَيْسَتْ مِنَ الْمُنْذِرَاتِ بِسُوءِ الْعَاقِبَةِ، بَلْ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ، وَإِنَّ هَوْنَ الْمَوْتِ لَيْسَ مِنَ الْمَكْرُمَاتِ وَإِلَّا لَكَانَ هُوَ أَوْلَى بِهِ ﷺ . (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 2265
١٥٤١ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفَيِّئُهَا الرِّيَاحُ، تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى، حَتَّى يَأْتِيَ أَجَلُهُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ الَّتِي لَا يُصِيبُهَا شَيْءٌ، حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٤١ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَثَلُ الْمُؤْمِنِ) أَيِ: الْكَامِلِ أَوْ مُطْلَقًا. (كَمَثَلِ الْخَامَةِ) : بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ. فِي النِّهَايَةِ: الْخَامَةُ الْغُصْنَةُ اللَّيِّنَةُ. (مِنَ الزَّرْعِ) وَأَلِفُهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الْوَاوِ، وَقِيلَ: الْخَامَةُ الْغُصْنَةُ الرَّطْبَةُ مِنَ النَّبَاتِ لَمْ يَشْتَدَّ بَعْدُ، وَقِيلَ: مَا لَهَا سَاقٌ وَاحِدٌ، وَقَالَ الْقَاضِي: أَيْ: طَاقَةٌ مِنَ الزَّرْعِ فَهُوَ صِفَةٌ لِخَامَةٍ، وَقَوْلُهُ. (تُفَيِّئُهَا الرِّيَاحُ) صِفَةٌ أُخْرَى اهـ. وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهَمْزَةٍ بَعْدَهَا أَيْ: تُمِيلُهَا يَمِينًا وَشِمَالًا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ الرِّيحَ إِذَا هَبَّتْ شَمَالًا مَالَتِ الْخَامَةُ إِلَى الْجَنُوبِ، وَإِذَا هَبَّتْ جَنُوبًا فَيَأْتِ فِي جَانِبِ الشَّمَالِ، وَقِيلَ: فَيَأَتِ الشَّجَرَةُ أَلْقَتْ فَيْأَهَا، فَالرِّيحُ إِذَا أَمَالَتْهُ إِلَى جَانِبٍ أُلْقِيَ ظِلُّهَا عَلَيْهِ، فَهُوَ عَلَى حَدٍّ. ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] . (تَصْرَعُهَا) : بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهُ أَيْ: تُسْقِطُهَا. (مَرَّةً) : فِي النِّهَايَةِ أَيْ: تُمِيلُهَا وَتَرْمِيهَا مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ. (وَتَعْدِلُهَا) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، وَبِضَمِّ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ: تُقِيمُهَا. (أُخْرَى) أَيْ: تَارَّةً أُخْرَى، يَعْنِي يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشَقَّةِ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَالْمَرَضِ وَغَيْرِهَا. (حَتَّى يَأْتِيَهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: حَتَّى يَأْتِيَ. (أَجَلُهُ) أَيْ: يَمُوتَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَخْلُو مِنْ عِلَّةٍ أَوْ قِلَّةٍ أَوْ ذِلَّةٍ، كَمَا رُوِيَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَةِ السَّعَادَةِ قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ. يَعْنِي بِشَرْطِ الصَّبْرِ وَالرِّضَا وَالشُّكْرِ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا. " «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ الْخَامَةِ تَحْمَرُّ مَرَّةً وَتَصْفَرُّ أُخْرَى» . (وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ) أَيِ: الْحَقِيقِيِّ أَوِ الْحُكْمِيِّ. (كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا زَايٌ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي ضَبْطِهَا وَالْمَنْقُولُ فِي رِوَايَتِهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا فَتْحُ الرَّاءِ، وَهُوَ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ يُشْبِهُ الصَّنَوْبَرَ وَلَيْسَ بِهِ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَأَكْثَرُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ بِالسُّكُونِ، شَجَرُ الصَّنَوْبَرِ، وَالصَّنَوْبَرُ ثَمَرَتُهُ، وَهُوَ شَجَرٌ صُلْبٌ شَدِيدٌ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ الرَّاءِ الشَّجَرَةُ وَبِالسُّكُونِ الصَّنَوْبَرُ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ الرَّاءِ شَجَرَةُ الْأَرْزَنِ، وَفِي النِّهَايَةِ الْأَرْزَةُ بِسُكُونٍ، وَقِيلَ فَتْحُهَا، وَقِيلَ بِوَزْنِ فَاعِلَةٍ، وَأَنْكَرَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ شَجَرَةُ الْأَرْزَنِ وَهُوَ خَشَبٌ مَعْرُوفٌ، وَقِيلَ: هُوَ الصَّنَوْبَرُ. وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَسَوَّى بَعْضٌ بَيْنَ الْفَتْحِ وَالسُّكُونِ، وَقَالَ: هِيَ شَجَرَةُ الْأَرْزَنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ هُنَا اهـ. فَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَرْزَنِ مِنَ الدُّخْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْأَرْزَنُ وَيُضَمُّ شَجَرُ الصَّنَوْبَرِ، كَالْأَرْزَةِ، أَوِ الْعَرْعَرِ وَبِالتَّحْرِيكِ شَجَرُ الْأَرْزَنِ وَهُوَ شَجَرٌ صُلْبٌ. (الْمُجْذِيَةُ) قَالَ مِيرَكُ: بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَيَاءٍ آخِرَ الْحُرُوفِ مُخَفَّفَةٍ، وَهِيَ الثَّابِتَةُ الْقَائِمَةُ. (الَّتِي لَا يُصِيبُهَا شَيْءٌ) أَيْ: مِنَ الْمَيَلَانِ بِاخْتِلَافِ الرِّيَاحِ. (وَحَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا) قَالَ مِيرَكُ: بِالنُّونِ وَالْجِيمِ - الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ بَعْدَ الْأَلِفِ. قَالَ الطِّيبِيُّ أَيِ: انْقِطَاعُهَا وَانْقِلَاعُهَا، وَهُوَ مُطَاوِعٌ مِنْ جَعَفَ. (مَرَّةً وَاحِدَةً) : فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَالْفَاسِقُ يُقِلُّ لَهُمُ الْأَمْرَاضَ وَالْمَصَائِبَ لِئَلَّا يَحْصُلَ لَهُمْ كَفَارَّةٌ وَلَا ثَوَابٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 2266
١٥٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُمِيلُهُ، وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزَةِ لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٤٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لَا تَزَالُ الرِّيحُ» ) : اللَّامُ لِلْجِنْسِ. (تُمِيلُهُ) : بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّخْفِيفِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى مَا وَرَدَ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مَا مَرِضَتْ قَطُّ. فَقَالَ ﷺ : " طَلِّقْهَا ; فَإِنَّهَا لَا خَيْرَ فِيهَا» ) : وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنْهُ ﵊: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى الدُّنْيَا أَنْ تَمَرَّرِي وَتَكَدَّرِي عَلَى أَوْلِيَائِي حَتَّى يُحِبُّوا لِقَائِي» ". وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: " «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» ". ( «وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ» ) الْجُمْلَتَانِ لِوَجْهِ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّشْبِيهُ إِمَّا تَمْثِيلِيٌّ وَإِمَّا مُفَرِّقٌ فَيُقَدَّرُ لِلْمُشَبَّهِ مَعَانٍ بِإِزَاءِ مَا لِلْمُشَبَّهِ بِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ يَنْبَغِي أَنْ يَرَى نَفْسَهُ عَارِيَةً مَعْزُولَةً عَنِ اسْتِعْمَالِ اللَّذَّاتِ مَعْرُوضَةً لِلْحَوَادِثِ. ( «وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزَةِ» ) : بِسُكُونِ الرَّاءِ وَتُفْتَحُ. (لَا تَهْتَزُّ) أَيْ: لَا تَتَحَرَّكُ. (حَتَّى تُسْتَحْصَدَ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ: يَدْخُلُ وَقْتُ حَصَادِهَا فَتُقْطَعُ اهـ. فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ يَقِلُّ بَلَاؤُهُ فِي الدُّنْيَا لِئَلَّا يَخِفَّ عَذَابُهُ الْعُقْبَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى سُوءِ الْخَاتِمَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ وَلِمُسْلِمٍ.
стр. 2267
١٥٤٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ فَقَالَ: مَا لَكِ تُزَفْزِفِينَ؟ ! " قَالَتِ: الْحُمَّى - لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا - قَالَ: " لَا تَسُبِّي الْحُمَّى ; فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٥٤٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ فَقَالَ: " مَا لَكِ تُزَفْزِفِينَ» ؟ !) ": بِالزَّايَيْنِ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ، فَإِنَّهُ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالرَّاءَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَفْرَفَ الطَّائِرُ بِجَنَاحَيْهِ إِذَا بَسَطَهُمَا عِنْدَ السُّقُوطِ عَلَى شَيْءٍ، وَالْمَعْنَى مَا لَكِ تَرْتَعِدِينَ، وَيُرْوَى بِالزَّايِ: مِنَ الزَّفْزَفَةِ وَهِيَ الِارْتِعَادُ مِنَ الْبَرْدِ، وَالْمَعْنَى مَا سَبَبُ هَذَا الِارْتِعَادِ الشَّدِيدِ؟ . (قَالَتِ: الْحُمَّى) أَيِ: النَّوْعُ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْبَلْغَمِ وَالصَّفْرَاءِ الْمُوجِبُ لِانْزِعَاجِ الْبَدَنِ وَشِدَّةِ تَحَرُّكِهِ. (لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَالْجُمْلَةُ تَتَضَمَّنُ الْجَوَابَ أَوْ تَقْدِيرُهُ تَأْخُذُنِي الْحُمَّى، أَوِ الْحُمَّى مَعِي، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ دُعَائِيَّةٌ. (فَقَالَ: " لَا تَسُبِّي الْحُمَّى) أَيْ: بِجَمِيعِ أَقْسَامِهَا. (فَإِنَّهَا تُذْهِبُ) أَيْ: تَمْحُو وَتُكَفِّرُ وَتُزِيلُ. (خَطَايَا بَنِي آدَمَ) أَيْ: مِمَّا يَقْبَلُ التَّكْفِيرَ. (كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ) : بِالْكَسْرِ. (خَبَثَ الْحَدِيدِ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: وَسَخَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كِيرُ الْحَدَّادِ، وَهُوَ الْمَبْنِيُّ مِنَ الطِّينِ، وَقِيلَ: الزِّقُّ الَّذِي يَنْفُخُ بِهِ النَّارَ وَالْمَبْنِيُّ الْكُورُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي " كَشْفِ الْغُمَّى فِي أَخْبَارَ الْحُمَّى "، عَنِ الْحَسَنِ مَرْفُوعًا قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ لَيُكَفِّرُ عَنِ الْمُؤْمِنِ خَطَايَاهُ كُلَّهَا بِحُمَّى لَيْلَةٍ» ". قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: هَذَا مِنْ جَيِّدِ الْحَدِيثِ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: حُمَّى لَيْلَةٍ كَفَّارَةُ سَنَةٍ ". وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: «الْحُمَّى كِيرٌ مِنْ جَهَنَّمَ، وَهِيَ نَصِيبُ الْمُؤْمِنِ مِنَ النَّارِ» ". وَفِي حَدِيثٍ " «إِنَّ الْحُمَّى حُمَّى أُمَّتِي مِنْ جَهَنَّمَ» "، «وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا جَزَاءُ الْحُمَّى؟ قَالَ: تَجْرِي الْحَسَنَاتُ عَلَى صَاحِبِهَا مَا اخْتَلَجَ عَلَيْهِ قَدَمٌ أَوْ ضَرَبَ عَلَيْهِ عِرْقٌ» " قَالَ أُبَيُّ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُمَّى لَا تَمْنَعُنِي خُرُوجًا فِي سَبِيلِكَ، وَلَا خُرُوجًا إِلَى بَيْتِكَ، وَمَسْجِدِ نَبِيِّكَ. قَالَ الرَّاوِي: فَلَمْ يَمْشِ أُبَيٌّ قَطُّ إِلَّا وَبِهِ حُمَّى.
стр. 2268
١٥٤٤ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ بِمِثْلِ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٥٤٤ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ) وَفِي مَعْنَاهُ: إِذَا كَبُرَ وَقَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةٍ. (أَوْ سَافَرَ) أَيْ: وَفَاتَ مِنْهُ بِذَلِكَ نَفْلٌ. (كُتِبَ لَهُ بِمِثْلِ مَا كَانَ يَعْمَلُ) أَيْ: مِنَ النَّوَافِلِ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ كَهِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] . (مُقِيمًا صَحِيحًا) : شَابًّا قَوِيًّا، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ لَا يُكْتَبُ لَهُ ثَوَابُهَا، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِمْ قَوْلُهُ ﷺ حَيْثُ أَخْبَرَ عَنْ أَقْوَامٍ تَخَلَّفُوا عَنْهُ فِي الْمَدِينَةِ لِعَدَمِ مُؤْنَةِ السَّفَرِ، أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُمْ أَجْرُ الْغَزْوِ وَالسَّفَرِ مَعَهُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَقَالَ مِيرَكُ: وَأَبُو دَاوُدَ.
стр. 2269
١٥٤٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٤٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» ) أَيْ: حُكْمًا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: شَهَادَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ الْأُصُولَ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَالطَّاعُونَ قُرُوحٌ تَخْرُجُ مَعَ لَهِيبٍ فِي الْآبَاطِ، وَالْأَصَابِعِ وَسَائِرِ الْبَدَنِ، يَسْوَدُّ مَا حَوْلَهَا، أَوْ يَخْضَرُّ، أَوْ يَحْمَرُّ، وَأَمَّا الْوَبَاءُ فَقِيلَ هُوَ الطَّاعُونُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَرَضٌ يَكْثُرُ فِي أَنَّهُ مَرَضٌ يَكْثُرُ فِي النَّاسِ وَيَكُونُ نَوْعًا وَاحِدًا ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الطَّاعُونُ هُوَ الْمَرَضُ الْعَامُّ وَالْوَبَاءُ الَّذِي يَفْسَدُ بِهِ الْهَوَاءُ، فَتَفْسَدُ بِهِ الْأَمْزِجَةُ وَالْأَبْدَانُ، وَقِيلَ: الطَّاعُونُ هُوَ الْمَوْتُ بِالْوَبَاءِ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَالْوَبَاءُ: الْمَوْتُ الْعَامُّ وَالْمَرَضُ الْعَامُّ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: " «فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ فَمَا الطَّاعُونُ؟ قَالَ: " وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْجِنِّ، وَفِي كُلٍّ شَهَادَةٌ» ". (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2270
١٥٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٤٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الشُّهَدَاءُ) أَيْ: فِي الْجُمْلَةِ. (خَمْسَةٌ) : وَهُوَ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنَى فَاعِلٍ ; لِأَنَّهُ يَشْهَدُ مَقَامَهُ قَبْل مَوْتِهِ، أَوْ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَشْهَدُهُ أَيْ: تَحْضُرُهُ مُبَشِّرَةً لَهُ. (الْمَطْعُونُ) أَيِ: الَّذِي ضَرَبَهُ الطَّاعُونُ وَمَاتَ بِهِ. (وَالْمَبْطُونُ) أَيِ: الَّذِي يَمُوتُ بِمَرَضِ الْبَطْنِ كَالِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: مَنْ مَاتَ بِوَجَعِ الْبَطْنِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اخْتُلِفَ هَلِ الْمُرَادُ بِالْبَطْنِ الِاسْتِسْقَاءُ أَوِ الْإِسْهَالُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ. (وَالْغَرِيقُ) أَيِ: الَّذِي يَمُوتُ مِنَ الْغَرَقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ. مِمَّنْ رَكِبَ الْبَحْرَ رُكُوبًا غَيْرَ مُحَرَّمٍ. (وَصَاحِبُ الْهَدَمِ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَتُسَكَّنُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْهَدَمُ مَا يُهْدَمُ بِهِ مِنْ جَوَانِبِ الْبِئْرِ فَيَسْقُطُ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيِ: الَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدَمِ وَهُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ مَا يُهْدَمُ بِهِ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْهَدَمُ بِالتَّحْرِيكِ الْبِنَاءُ الْمَهْدُومُ فَعَلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَبِالسُّكُونِ الْفِعْلُ نَفْسُهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: بِسُكُونِ الدَّالِ وَيُفْتَحُ، لَكِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ اسْمًا لِلْمَهْدُومِ، وَيَصِحُّ إِرَادَتُهُ هُنَا إِلَّا أَنَّهُ مُوهِمٌ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِأَنَّ الْفَتْحَ أَكْثَرُ وَهْمًا، بَلْ فِي التَّحْقِيقِ لَا يَصِحُّ إِرَادَةُ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ ; وَلِذَا اخْتَارَ الشُّرَّاحُ الْفَتْحَ. (وَالشَّهِيدُ) أَيِ: الْمَقْتُولُ. (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) : قَالَ الرَّاغِبُ: سُمِّيَ شَهِيدًا لِحُضُورِ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَهُ، إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠] ، أَوْ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ هَذِهِ الْحَالَةَ مَا أَعَدَّ لَهُمْ، أَوْ لِأَنَّهُمْ تَشْهَدُ أَرْوَاحُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّرَقِّي مِنَ الشَّهِيدِ الْحُكْمِيِّ إِلَى الْحَقِيقِيِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشُّهَدَاءَ الْحُكْمِيَّةَ كَثِيرَةٌ، وَرَدَتْ فِي أَحَادِيثَ شَهِيرَةٍ، جَمَعَهَا السُّيُوطِيُّ فِي كُرَّاسَةٍ سَمَّاهَا: (أَبْوَابُ السَّعَادَةِ فِي أَسْبَابِ الشَّهَادَةِ) مِنْهَا: مَا ذُكِرَ، وَمِنْهَا: صَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ، وَالْحَرِيقُ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ أَيْ: فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ، وَقِيلَ: تَمُوتُ بِكْرًا، وَمِنْهَا: الْمَرْأَةُ فِي حَمْلِهَا إِلَى وَضْعِهَا إِلَى فِصَالِهَا، وَمِنْهَا: صَاحِبُ السُّلِّ أَيِ: الدَّقُّ، وَالْغَرِيبُ، وَالْمُسَافِرُ، وَالْمَصْرُوعُ عَنْ دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُرَابِطُ، وَالْمُتَرَدِّي، وَمَنْ تَأْكُلُهُ السِّبَاعُ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ وَأَهْلِهِ، أَوْ دِينِهِ، أَوْ دَمِهِ، أَوْ مَظْلَمَتِهِ. وَمِنْهَا: الْمَيِّتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمَرْعُوبُ عَلَى فِرَاشِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَعَنْ عَلِيَّ ﵁: مَنْ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ ظُلْمًا فَمَاتَ فِي السَّجْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ ضُرِبَ فَمَاتَ فِي الضِّرْسِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَمُوتُ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «الْحُمَّى شَهَادَةٌ» ".
وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الشُّهَدَاءِ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ؟ قَالَ: " رَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ بِمَعْرُوفٍ وَنَهَاهُ عَنْ مُنْكَرٍ فَقَتَلَهُ» ". وَعَنْ أَبِي مُوسَى: مَنْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ، أَوْ لَدْغَتْهُ هَامَّةٌ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ عَشِقَ فَعَفَّ، فَكَتَمَ فَمَاتَ، فَهُوَ شَهِيدٌ. وَعَنْهُ ﵊: «الْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ الَّذِي يُصِيبُهُ الْقَيْءُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ» ". وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْغَيْرَةَ عَلَى النِّسَاءِ، وَالْجِهَادَ عَلَى الرِّجَالِ، فَمَنْ صَبَرَ مِنْهُنَّ كَانَ لَهَا أَجْرُ شَهِيدٍ» ". وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ قَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي الْمَوْتِ وَفِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَ شَهِيدٍ» . " وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ صَلَّى الضُّحَى، وَصَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ، وَلَمْ يَتْرُكِ الْوَتْرَ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ، كُتِبَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ» " وَمِنْهَا: التَّمَسُّكُ بِالسُّنَّةِ عِنْدَ فَسَادِ الْأُمَّةِ. وَمِنْهَا: مَنْ مَاتَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْمُؤَذِّنُ الْمُحْتَسِبُ، وَمَنْ عَاشَ مُدَارِيًّا وَمَنْ جَلَبَ طَعَامًا إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ سَعَى عَلَى امْرَأَتِهِ، وَوَلَدِهِ، وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ، فَكُلُّ مَنْ كَثُرَ أَسْبَابُ شَهَادَتِهِ زِيدَ لَهُ فِي فَتْحِ أَبْوَابِ سَعَادَتِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 2271
١٥٤٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَنِي: " أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ".
ــ
١٥٤٧ - ( «وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ» ) أَيْ: مَا الْحِكْمَةُ فِيهِ؟ (فَأَخْبَرَنِي " أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) أَيْ: مِنْ عِبَادِهِ الْكَافِرِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ. (وَأَنَّ اللَّهَ ": بِفَتْحِ
стр. 2272
الْهَمْزَةِ عَلَى الْعَطْفِ، وَبِكَسْرِهَا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. (جَعَلَهُ رَحْمَةً) أَيْ: سَبَبَ زِيَادَةِ رَحْمَةٍ. (لِلْمُؤْمِنِينَ) أَيِ: الصَّابِرِينَ عَلَيْهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْكَافِرِينَ بِدَلِيلِ وَأَنَّ اللَّهَ إِلَخْ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ. (لَيْسَ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: جَعَلَهُ رَحْمَةً. (مِنْ أَحَدٍ) : مِنْ زَائِدَةٌ، أَيْ: لَيْسَ أَحَدٌ. (يَقَعُ الطَّاعُونُ) : صِفَةَ أَحَدٍ، وَالرَّاجِعُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: يَقَعُ فِي بَلَدِهِ. (فَيَمْكُثُ) أَيْ: ذَلِكَ الْأَحَدُ. (فِي بَلَدِهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفٌ عَلَى يَقَعُ، وَكَذَا وَيَعْلَمُ اهـ. فَكَانَ فِي نُسْخَتِهِ وَيَعْلَمُ بِالْوَاوِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْأُصُولُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: عَطْفٌ عَلَى يَمْكُثُ بِحَذْفِ حَرْفِ الْعَطْفِ، فَهُوَ غَيْرُ مُرْضٍ. (صَابِرًا مُحْتَسِبًا) : حَالَانِ مِنْ فَاعِلِ يَمْكُثُ أَيْ: يَصْبِرُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْخُرُوجِ مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ، طَالِبًا لِثَوَابِهِ لَا غَيْرَ، كَحِفْظِ مَالِهِ أَوْ غَرَضٍ آخَرَ. (يَعْلَمُ) : حَالٌ آخَرُ، أَوْ بَدَلٌ مِنْ يَمْكُثُ. (أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ) أَيْ: مِنَ الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ. (إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ) : خَبَرُ لَيْسَ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 2273
١٥٤٨ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٤٨ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) أَيِ: ابْنِ حَارِثَةَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " «الطَّاعُونُ رِجْزٌ» ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: عَذَابٌ. (أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُمُ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: (ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا فَخَالَفُوا. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ١٦٢] . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطَّاعُونَ، فَمَاتَ مِنْهُمْ فِي سَاعَةٍ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا مِنْ شُيُوخِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ، وَأَرَادَ بِالْبَابِ بَابَ الْقُبَّةِ الَّتِي يُصَلِّي إِلَيْهَا مُوسَى ﵇ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي. فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَاءُ الْأُولَى مُتَعَلِّقَةٌ بِسَمِعْتُمْ عَلَى تَضْمِينِ أُخْبِرْتُمْ، وَبِأَرْضٍ حَالٌ أَيْ: وَاقِعًا فِي أَرْضٍ. (فَلَا تُقْدِمُوا عَلَيْهِ) : بِضَمِّ التَّاءِ مِنَ الْإِقْدَامِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالدَّالِ. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الْمَحْفُوظُ ضَمُّ التَّاءِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَتَحَ التَّاءَ بَعْضُ الرُّوَاةِ وَضَمُّ الدَّالِ مِنْ قَوْلِهِمْ: قَدِمَ يَقْدُمُ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَتَحَ الدَّالَ مِنْ قَوْلِهِمْ: قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ يَقْدَمُ قُدُومًا، وَالْمَحْفُوظُ عِنْدَ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ ضَمُّ التَّاءِ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَقْدَمَ عَلَى الْأَمْرِ إِقْدَامًا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: لَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵊ لَمَّا بَلَغَ الْحِجْرَ دِيَارَ ثَمُودَ الْمُعَذَّبِينَ فِيهَا مَنَعَ أَصْحَابَهُ الدُّخُولَ فِيهَا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﵊: " «إِذَا مَرَرْتُمْ بِأَرْضِ قَوْمٍ مُعَذَّبِينَ فَأَسْرِعُوا لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ» ". (وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَإِنَّ الْعَذَابَ لَا يَدْفَعُهُ الْفِرَارُ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُهُ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ: أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ فَلَا بَأْسَ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الطَّاعُونُ لَمَّا كَانَ عَذَابًا نَهَى عَنِ الْإِقْدَامِ ; فَإِنَّهُ تَهَوُّرٌ وَإِقْدَامٌ عَلَى الْخَطَرِ، وَالْعَقْلُ يَمْنَعُهُ، وَنَهَى عَنِ الْفِرَارِ أَيْضًا ; فَإِنَّ الثَّبَاتَ فِيهِ تَسْلِيمٌ لِمَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ اخْتِيَارٌ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِ الْمَرْضَى وَالْمَوْتَى لَوْ تَحَوَّلَ الْأَصِحَّاءُ عَنْهُمْ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ اسْتِقْبَالِ الْبَلَاءِ، فَإِنَّهُ تَهَوُّرٌ، وَعَنِ الْفِرَارِ فَإِنَّهُ فِرَارٌ مِنَ الْقَدَرِ وَلَا يَنْفَعُهُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَأْدِيبٌ وَتَعْلِيمٌ، وَالْآخَرُ تَفْوِيضٌ وَتَسْلِيمٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 2274
١٥٤٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «قَالَ اللَّهُ : إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ ثُمَّ صَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ» " يُرِيدُ عَيْنَيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٥٤٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ» ) أَيْ: بِفَقْدِ بَصَرِ عَيْنَيَهِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَا بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا أَحَبَّ عِنْدَ الْإِنْسَانِ فِي حَوَاسِّهِ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ السَّمْعُ
стр. 2275
أَفْضَلَ مِنَ الْبَصَرِ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ فَوَائِدَ السَّمْعِ غَالِبُهَا أُخْرَوِيٌّ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ إِدْرَاكِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْعُلُومِ، وَفَوَائِدُ الْبَصَرِ غَالِبُهَا دُنْيَوِيٌّ. (ثُمَّ صَبَرَ) : هِيَ لِتَرَاخِي الرُّتْبَةِ. (عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا) أَيْ: بَدَلَهُمَا، أَوْ مِنْ أَجْلِ فَقْدِهِمَا. (الْجَنَّةَ) أَيْ: دُخُولَهُ مَعَ النَّاجِينَ، أَوْ مَنَازِلَ مَخْصُوصَةً فِيهَا. (يُرِيدُ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ بِحَبِيبَتَيْهِ. (عَيْنَيْهِ) : وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ مِنْ أَنَسٍ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عِنْدَ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ: إِنَّ فَقْدَ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ فِيهِ الْجَنَّةُ، وَفَضْلُ اللَّهِ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي لِمَنِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ أَنْ يَتَأَسَّى بِأَحْوَالِ الْأَكَابِرِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمْ هَذَا الْبَلَاءُ، فَصَبَرُوا عَلَيْهِ وَرَضَوْا بِهِ، بَلْ عَدُّوهُ نِعْمَةً، وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا ابْتُلِيَ بِهِ حَبْرُ الْأُمَّةِ، وَتُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنْشَدَ:
إِنْ يُذْهِبِ اللَّهُ مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُمَا ... فَفِي لِسَانِي وَقَلْبِي لِلْهُدَى نُورُ
стр. 2276
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٥٥٠ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٥٥٠ - (عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً» ) : الْغُدْوَةُ: بِضَمِّ الْغَيْنِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْغُدْوَةِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَوَّلُ النَّهَارِ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ. (إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ: دَعَا لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ. (سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ) أَيْ: يَغْرُبَ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: أَيْ: حَتَّى يَنْتَهِيَ الْمَسَاءُ، وَانْتِهَاؤُهُ بِانْتِهَاءِ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَنَسَبَ الْقَوْلَ إِلَى ثَعْلَبٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ. (وَإِنْ عَادَهُ) : نَافِيَةٌ بِدَلَالَةِ إِلَّا، وَلِمُقَابَلَتِهَا مَا. (عَشِيَّةً) أَيْ: مَا بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ أَوَّلَ اللَّيْلِ. (إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ) أَيْ: لِلْعَائِدِ فِي كِلَا الْوَقْتَيْنِ. (خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ) أَيْ: بُسْتَانٌ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الثَّمَرُ الْمُجْتَنَى، أَوْ مَخْرُوفٌ مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. (وَأَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 2277
١٥٥١ - «وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٥٥١ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: عَادَنِيَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَيُسَكَّنُ. (النَّبِيُّ ﷺ مِنْ وَجَعٍ) أَيْ: مِنْ رَمَدٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ قَالَهُ مِيرَكُ. (كَانَ بِعَيْنَيَّ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِتَخْفِيفِهَا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ. قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: فِيهِ بَيَانُ اسْتِحْبَابِ الْعِيَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَرَضُ مَخُوفًا كَالصُّدَاعِ، وَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَإِنَّ ذَلِكَ عِيَادَةٌ حَتَّى يَحُوزَ بِذَلِكَ أَجْرَ الْعِيَادَةِ، وَيَحْنَثُ بِهِ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ. أَقُولُ: وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْعِيَادَةَ فِي الرَّمَدِ وَوَجَعِ الضِّرْسِ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَالْحَدِيثُ يَرُدُّهُ، وَلَا أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَيَسَّرَ لَهُمُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ، مَعَ أَنَّ السُّنَّةَ خِلَافُهُ! نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ فَقَالَ: بَابُ الْعِيَادَةِ مِنَ الرَّمَدِ، ثُمَّ أَسْنَدَ الْحَدِيثَ، وَاللَّهُ الْهَادِي، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
أَقُولُ: يُحْمَلُ قَوْلُهُ خِلَافَ السُّنَّةِ عَلَى السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَلَا يُرَدُّ الْحَدِيثُ إِذْ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ مِنْهُ ﷺ بِأَنَّهُ عِيَادَةٌ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً، وَإِنَّمَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: عَلَى زَعْمِ أَنَّهُ عِيَادَةٌ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُشَابِهٌ بِالْعِيَادَةِ فَأَطْلَقَهُ مَجَازًا، مَعَ
стр. 2278
أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ والطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا: " «ثَلَاثَةٌ لَيْسَ لَهُمْ عِيَادَةٌ: الْعَيْنُ، وَالرَّمَدُ، وَالضِّرْسُ» ". وَإِنْ صَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ، ثُمَّ مَبْنَى الْإِيمَانِ وَحِنْثِهِ عِنْدَنَا عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ لَا عَلَى اللُّغَةِ وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، وَتَرْجَمَةُ أَبِي دَاوُدَ: لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ. قَالَ فِي شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ. وَمِنَ السُّنَّةِ أَيِ: الْمُؤَكَّدَةِ أَنْ يَعُودَ أَخَاهُ فِيمَا اعْتَرَاهُ أَيْ: أَصَابَهُ مِنَ الْمَرَضِ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَمْرَاضٍ: صَاحِبِ الرَّمَدِ، وَالضِّرْسِ، وَالدُّمَّلِ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَبِتَقْيِيدِنَا السُّنَّةَ بِالْمُؤَكَّدَةِ يَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ فِي الْمَصَابِيحِ مِنْ «أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنَيَّ» ; فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مِنَ السُّنَنِ الْغَيْرِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَخُلَاصَةُ الْكَلَامِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِيهَا الْعِيَادَةُ، لَا أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا اهـ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ بِعِلَّةٍ فَعِيَادَتُهُ سُّنَّةٌ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
стр. 2279
١٥٥٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُحْتَسِبًا، بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سِتِّينَ خَرِيفًا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٥٥٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) أَيْ: أَتَى بِهِ كَامِلًا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: أَتَى بِهِ صَحِيحًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ صَحِيحًا لَا يُقَالُ لَهُ فِي الشَّرْعِ: إِنَّهُ تَوَضَّأَ. (وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ) : وَلَعَلَّ الْأَمْرَ بِالطَّهَارَةِ لِلْعِيَادَةِ ; لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بِنُقْطَةِ زِيَادَةٍ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى رِعَايَةِ صَاحِبِ الْعِيَادَةِ، فَيَكُونُ جَامِعًا بَيْنَ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ فِي الْعِبَادَةِ ; لِأَنَّهُ إِذَا دَعَا عَلَى الطَّهَارَةِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْإِجَابَةِ. وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي الْوُضُوءِ هُنَا أَنَّ الْعِيَادَةَ عِبَادَةٌ، وَأَدَاءُ الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَكْمَلِ أَفْضَلُ، هَذَا وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْوُضُوءُ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، ثُمَّ قَالَ: وَالِاعْتِذَارُ عَمَّهُمْ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا هَذَا الْحَدِيثَ بَعِيدًا مَعَ كَوْنِ السُّنَّةِ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ. أَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! يَسْتَبْعِدُ أَنَّ فُقَهَاءَ الشَّافِعِيَّةِ لَمْ يَرَوْا مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَيُجَوِّزُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الصِّحَاحَ مَا بَلَغَتْ مِثْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحَدِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ أُصُولًا وَفُرُوعًا، وَلَكِنْ كَمَا وَرَدَ: " حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ ". (مُحْتَسِبًا) أَيْ: طَالِبًا لِلثَّوَابِ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ مِنَ الْأَسْبَابِ. (بُوعِدَ) : مَاضٍ مَجْهُولٌ مِنَ الْمُبَاعَدَةِ، وَالْمُفَاعَلَةُ لِلْمُبَالَغَةِ. (مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سِتِّينَ خَرِيفًا) أَيْ: سَنَةً. كَمَا فِي رِوَايَةٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ إِطْلَاقًا لِلْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ: قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَتِ الْعَرَبُ يُؤَرِّخُونَ أَعْوَامَهُمْ بِالْخَرِيفِ ; لِأَنَّهُ كَانَ أَوَانَ جِدَادِهِمْ وَقِطَافِهِمْ وَإِدْرَاكِ غَلَّاتِهِمْ إِلَى أَنْ أَرَّخَ عُمَرُ ﵁ بِسَنَةِ الْهِجْرَةِ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ مَعَ اعْتِرَاضِهِ عَلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ بِمَا رَدَدْنَاهُ عَلَيْهِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْخَرِيفَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ كَأَمِيرٍ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ بَيْنَ الْقَيْظِ وَالشِّتَاءِ تُخْتَرَفُ فِيهِ الثِّمَارُ، وَأَرَّخَ الْكُتَّابُ وَقْتَهُ فَقَوْلُهُ: كَانُوا يُؤَرِّخُونَ أَعْوَامَهُمْ بِالْخَرِيفِ، مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْخَرِيفَ آخِرَ سَنَتِهِمْ، أَوْ أَوَّلَهَا لِمَا عَلَّلَهُ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُطْلِقُونَ الْخَرِيفَ عَلَى الْعَامِ جَمِيعًا لِمَا تَقَدَّمَ، وَمَا الدَّخْلُ فِيهِ لِتَارِيخِ عُمَرَ ﵁ بِالْهِجْرَةِ، فَإِنَّ سَبَبَهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يُؤَرِّخُونَ لِمَعْرِفَةِ مُضِيِّ مُدَّةِ السِّنِينَ بِأَمْرٍ غَرِيبٍ كَانَ يَقَعُ فِي سَنَةٍ مِنَ السِّنِينِ كَعَامِ الْفِيلِ، فَغَيَّرَهُ ﵁ وَجَعَلَ اعْتِبَارَ التَّارِيخِ مِنْ سَنَةِ الْهِجْرَةِ، وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى تَارِيخِ يَوْمِنَا هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 2280
١٥٥٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا فَيَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا شُفِيَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَضَرَ أَجَلُهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٥٥٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ مُسْلِمٍ) : " مَا " لِلنَّفْيِ وَ " مِنْ " زَائِدَةٌ. (يَعُودُ مُسْلِمًا) أَيْ: يَزُورُهُ فِي مَرَضِهِ. (فَيَقُولُ) أَيِ: الْعَائِدُ. (سَبْعَ مَرَّاتٍ) : لَعَلَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى السَّبْعَةِ الْأَعْضَاءِ. (أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ) أَيْ: فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ. (رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) : فَإِنَّهُ أَعْظَمُ مَخْلُوقَاتِهِ، وَمُحِيطٌ بِمُكَوِّنَاتِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِنَصْبِ الْعَظِيمِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ الرَّبِّ. (أَنْ يَشْفِيَكَ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَفْعُولٌ ثَانٍ. (إِلَّا شُفِيَ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ: ذَلِكَ الْمُسْلِمُ الْمَرِيضُ سَرِيعًا، وَالْحَصْرُ غَالِبِيٌّ، أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى شُرُوطٍ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهَا. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَضَرَ أَجَلُهُ) أَيْ: فَيُهَوِّنُ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَوْتَ، وَيَحْصُلُ لَهُ شِفَاءُ الْبَاطِنِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
следующие страницы →