← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

الْفَصْلُ الثَّانِي ١٥٥٠ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ١٥٥٠ - (عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً» ) : الْغُدْوَةُ: بِضَمِّ الْغَيْنِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْغُدْوَةِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَوَّلُ النَّهَارِ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ. (إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ: دَعَا لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ. (سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ) أَيْ: يَغْرُبَ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: أَيْ: حَتَّى يَنْتَهِيَ الْمَسَاءُ، وَانْتِهَاؤُهُ بِانْتِهَاءِ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَنَسَبَ الْقَوْلَ إِلَى ثَعْلَبٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ. (وَإِنْ عَادَهُ) : نَافِيَةٌ بِدَلَالَةِ إِلَّا، وَلِمُقَابَلَتِهَا مَا. (عَشِيَّةً) أَيْ: مَا بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ أَوَّلَ اللَّيْلِ. (إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ) أَيْ: لِلْعَائِدِ فِي كِلَا الْوَقْتَيْنِ. (خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ) أَيْ: بُسْتَانٌ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الثَّمَرُ الْمُجْتَنَى، أَوْ مَخْرُوفٌ مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. (وَأَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 2277

١٥٥١ - «وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ١٥٥١ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: عَادَنِيَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَيُسَكَّنُ. (النَّبِيُّ ﷺ مِنْ وَجَعٍ) أَيْ: مِنْ رَمَدٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ قَالَهُ مِيرَكُ. (كَانَ بِعَيْنَيَّ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِتَخْفِيفِهَا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ. قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: فِيهِ بَيَانُ اسْتِحْبَابِ الْعِيَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَرَضُ مَخُوفًا كَالصُّدَاعِ، وَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَإِنَّ ذَلِكَ عِيَادَةٌ حَتَّى يَحُوزَ بِذَلِكَ أَجْرَ الْعِيَادَةِ، وَيَحْنَثُ بِهِ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ. أَقُولُ: وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْعِيَادَةَ فِي الرَّمَدِ وَوَجَعِ الضِّرْسِ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَالْحَدِيثُ يَرُدُّهُ، وَلَا أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَيَسَّرَ لَهُمُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ، مَعَ أَنَّ السُّنَّةَ خِلَافُهُ! نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ فَقَالَ: بَابُ الْعِيَادَةِ مِنَ الرَّمَدِ، ثُمَّ أَسْنَدَ الْحَدِيثَ، وَاللَّهُ الْهَادِي، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. أَقُولُ: يُحْمَلُ قَوْلُهُ خِلَافَ السُّنَّةِ عَلَى السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَلَا يُرَدُّ الْحَدِيثُ إِذْ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ مِنْهُ ﷺ بِأَنَّهُ عِيَادَةٌ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً، وَإِنَّمَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: عَلَى زَعْمِ أَنَّهُ عِيَادَةٌ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُشَابِهٌ بِالْعِيَادَةِ فَأَطْلَقَهُ مَجَازًا، مَعَ

стр. 2278

أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ والطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا: " «ثَلَاثَةٌ لَيْسَ لَهُمْ عِيَادَةٌ: الْعَيْنُ، وَالرَّمَدُ، وَالضِّرْسُ» ". وَإِنْ صَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ، ثُمَّ مَبْنَى الْإِيمَانِ وَحِنْثِهِ عِنْدَنَا عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ لَا عَلَى اللُّغَةِ وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، وَتَرْجَمَةُ أَبِي دَاوُدَ: لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ. قَالَ فِي شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ. وَمِنَ السُّنَّةِ أَيِ: الْمُؤَكَّدَةِ أَنْ يَعُودَ أَخَاهُ فِيمَا اعْتَرَاهُ أَيْ: أَصَابَهُ مِنَ الْمَرَضِ إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَمْرَاضٍ: صَاحِبِ الرَّمَدِ، وَالضِّرْسِ، وَالدُّمَّلِ. قَالَ الشَّارِحُ: وَبِتَقْيِيدِنَا السُّنَّةَ بِالْمُؤَكَّدَةِ يَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ فِي الْمَصَابِيحِ مِنْ «أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنَيَّ» ; فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مِنَ السُّنَنِ الْغَيْرِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَخُلَاصَةُ الْكَلَامِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِيهَا الْعِيَادَةُ، لَا أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا اهـ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ بِعِلَّةٍ فَعِيَادَتُهُ سُّنَّةٌ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.

стр. 2279

١٥٥٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُحْتَسِبًا، بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سِتِّينَ خَرِيفًا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٥٥٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) أَيْ: أَتَى بِهِ كَامِلًا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: أَتَى بِهِ صَحِيحًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ صَحِيحًا لَا يُقَالُ لَهُ فِي الشَّرْعِ: إِنَّهُ تَوَضَّأَ. (وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ) : وَلَعَلَّ الْأَمْرَ بِالطَّهَارَةِ لِلْعِيَادَةِ ; لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بِنُقْطَةِ زِيَادَةٍ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى رِعَايَةِ صَاحِبِ الْعِيَادَةِ، فَيَكُونُ جَامِعًا بَيْنَ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ فِي الْعِبَادَةِ ; لِأَنَّهُ إِذَا دَعَا عَلَى الطَّهَارَةِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْإِجَابَةِ. وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي الْوُضُوءِ هُنَا أَنَّ الْعِيَادَةَ عِبَادَةٌ، وَأَدَاءُ الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَكْمَلِ أَفْضَلُ، هَذَا وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْوُضُوءُ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، ثُمَّ قَالَ: وَالِاعْتِذَارُ عَمَّهُمْ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا هَذَا الْحَدِيثَ بَعِيدًا مَعَ كَوْنِ السُّنَّةِ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ. أَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! يَسْتَبْعِدُ أَنَّ فُقَهَاءَ الشَّافِعِيَّةِ لَمْ يَرَوْا مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَيُجَوِّزُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الصِّحَاحَ مَا بَلَغَتْ مِثْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحَدِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ أُصُولًا وَفُرُوعًا، وَلَكِنْ كَمَا وَرَدَ: " حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ ". (مُحْتَسِبًا) أَيْ: طَالِبًا لِلثَّوَابِ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ مِنَ الْأَسْبَابِ. (بُوعِدَ) : مَاضٍ مَجْهُولٌ مِنَ الْمُبَاعَدَةِ، وَالْمُفَاعَلَةُ لِلْمُبَالَغَةِ. (مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سِتِّينَ خَرِيفًا) أَيْ: سَنَةً. كَمَا فِي رِوَايَةٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ إِطْلَاقًا لِلْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ: قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَتِ الْعَرَبُ يُؤَرِّخُونَ أَعْوَامَهُمْ بِالْخَرِيفِ ; لِأَنَّهُ كَانَ أَوَانَ جِدَادِهِمْ وَقِطَافِهِمْ وَإِدْرَاكِ غَلَّاتِهِمْ إِلَى أَنْ أَرَّخَ عُمَرُ ﵁ بِسَنَةِ الْهِجْرَةِ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ مَعَ اعْتِرَاضِهِ عَلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ بِمَا رَدَدْنَاهُ عَلَيْهِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْخَرِيفَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ كَأَمِيرٍ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ بَيْنَ الْقَيْظِ وَالشِّتَاءِ تُخْتَرَفُ فِيهِ الثِّمَارُ، وَأَرَّخَ الْكُتَّابُ وَقْتَهُ فَقَوْلُهُ: كَانُوا يُؤَرِّخُونَ أَعْوَامَهُمْ بِالْخَرِيفِ، مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْخَرِيفَ آخِرَ سَنَتِهِمْ، أَوْ أَوَّلَهَا لِمَا عَلَّلَهُ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُطْلِقُونَ الْخَرِيفَ عَلَى الْعَامِ جَمِيعًا لِمَا تَقَدَّمَ، وَمَا الدَّخْلُ فِيهِ لِتَارِيخِ عُمَرَ ﵁ بِالْهِجْرَةِ، فَإِنَّ سَبَبَهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يُؤَرِّخُونَ لِمَعْرِفَةِ مُضِيِّ مُدَّةِ السِّنِينَ بِأَمْرٍ غَرِيبٍ كَانَ يَقَعُ فِي سَنَةٍ مِنَ السِّنِينِ كَعَامِ الْفِيلِ، فَغَيَّرَهُ ﵁ وَجَعَلَ اعْتِبَارَ التَّارِيخِ مِنْ سَنَةِ الْهِجْرَةِ، وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى تَارِيخِ يَوْمِنَا هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 2280

١٥٥٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا فَيَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا شُفِيَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَضَرَ أَجَلُهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ١٥٥٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ مُسْلِمٍ) : " مَا " لِلنَّفْيِ وَ " مِنْ " زَائِدَةٌ. (يَعُودُ مُسْلِمًا) أَيْ: يَزُورُهُ فِي مَرَضِهِ. (فَيَقُولُ) أَيِ: الْعَائِدُ. (سَبْعَ مَرَّاتٍ) : لَعَلَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى السَّبْعَةِ الْأَعْضَاءِ. (أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ) أَيْ: فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ. (رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) : فَإِنَّهُ أَعْظَمُ مَخْلُوقَاتِهِ، وَمُحِيطٌ بِمُكَوِّنَاتِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِنَصْبِ الْعَظِيمِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ الرَّبِّ. (أَنْ يَشْفِيَكَ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَفْعُولٌ ثَانٍ. (إِلَّا شُفِيَ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ: ذَلِكَ الْمُسْلِمُ الْمَرِيضُ سَرِيعًا، وَالْحَصْرُ غَالِبِيٌّ، أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى شُرُوطٍ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهَا. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَضَرَ أَجَلُهُ) أَيْ: فَيُهَوِّنُ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَوْتَ، وَيَحْصُلُ لَهُ شِفَاءُ الْبَاطِنِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.

стр. 2281

١٥٥٤ - وَعَنْهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْحُمَّى وَمِنَ الْأَوْجَاعِ كُلِّهَا أَنْ يَقُولُوا: " بِسْمِ الْكَبِيرِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، مِنْ شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ نَعَّارٍ، وَمِنْ شَرِّ حَرِّ النَّارِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ يَضْعُفُ فِي الْحَدِيثِ. ــ ١٥٥٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْحُمَّى) أَيْ: مِنْ أَجْلِهَا. (وَمِنَ الْأَوْجَاعِ كُلِّهَا أَنْ يَقُولُوا) أَيِ: الْمَرْضَى أَوْ عُوَّادُهُمْ " بِسْمِ اللَّهِ الْكَبِيرِ) أَيْ: شَأْنُهُ وَالْعَلِيُّ بُرْهَانُهُ. (أَعُوذُ بِاللَّهِ) : هَذَا لَفْظُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ، وَفِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ: نَعُوذُ بِاللَّهِ. (الْعَظِيمِ مِنْ شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ) : بِالتَّنْوِينِ. (نَعَّارٍ) أَيْ: فَوَّارِ الدَّمِ، يُقَالُ: نَعَرَ الْعِرْقُ، يَنْعَرُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا إِذَا فَارَ مِنْهُ الدَّمُ، اسْتَعَاذَ لِأَنَّهُ إِذَا غَلَبَ لَمْ يُمْهِلْ، وَقِيلَ: سَائِلُ الدَّمِ، وَقِيلَ: مُضْطَرِبٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: نَعَرَ الْعِرْقُ بِالدَّمِ إِذَا ارْتَفَعَ وَعَلَا وَجُرِحَ، نَعَّارٌ وَنَعُورٌ إِذَا صَوَّتَ دَمُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ اهـ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَيُرْوَى " عِرْقٌ نَعَّارٌ ". (وَمِنْ شَرِّ حَرِّ النَّارِ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ يَضْعُفُ فِي الْحَدِيثِ) : قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ مَتْرُوكٌ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، والْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ، وَلِعَدَمِ اطِّلَاعِ ابْنِ حَجَرٍ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: يُسَنُّ ذِكْرُ ذَلِكَ لِلْعَائِدِ ; لِأَنَّ الضَّعِيفَ حُجَّةٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا.

стр. 2282

١٥٥٥ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنِ اشْتَكَى مِنْكُمْ شَيْئًا أَوِ اشْتَكَاهُ أَخٌ لَهُ، فَلْيَقُلْ: رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ، فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ، اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ، عَلَى هَذَا الْوَجَعِ فَيَبْرَأُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٥٥٥ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنِ اشْتَكَى) أَيْ: شَكَا. (مِنْكُمْ شَيْئًا) أَيْ: مِنَ الْوَجَعِ. (أَوِ اشْتَكَاهُ) : الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى. (شَيْئًا) . (أَخٌ لَهُ، فَلْيَقُلْ) أَيِ: الْمُشْتَكِي أَوْ أَخُوهُ الْعَائِدُ. (رَبُّنَا اللَّهُ) : قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: فِي النُّسَخِ بِالرَّفْعِ، وَفِي شَرْحٍ قَالَ: إِنَّهُ بِالنَّصْبِ، وَاللَّهُ بَدَلٌ مِنْهُ. (الَّذِي) : صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ. (فِي السَّمَاءِ) أَيْ: رَحْمَتُهُ، أَوْ أَمْرُهُ، أَوْ مُلْكُهُ الْعَظِيمُ، أَوِ الَّذِي مَعْبُودٌ فِي السَّمَاءِ كَمَا أَنَّهُ مَعْبُودٌ فِي الْأَرْضِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] ، وَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ظَاهِرِهِ الْمُوهِمِ لِلْمَكَانِ وَالْجِهَةِ. (تَقَدَّسَ اسْمُكَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: أَسْمَاؤُكَ أَيْ: تَطَهَّرْتَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَبُّنَا: مُبْتَدَأٌ، اللَّهُ: خَبَرُهُ، الَّذِي: صِفَةٌ مَادِحَةٌ عِبَارَةٌ عَنْ مُجَرَّدِ الْعُلُوِّ وَالرِّفْعَةِ ; لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْمَكَانِ، وَمِنْ ثَمَّةَ نَزَّهَ اسْمَهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ ; فَيَلْزَمُ مِنْهُ تَقْدِيسُ الْمُسَمَّى بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. (أَمْرُكَ) أَيْ: مُطَاعٌ. (فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] أَيْ: مَا أَمَرَ بِهِ فِيهَا وَدَبَّرَهَا مِنْ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّيِّرَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. (كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ) : " مَا " كَافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ لِدُخُولِ الْكَافِ عَلَى الْجُمْلَةِ. فِي الْفَائِقِ: الْأَمْرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَكِنَّ الرَّحْمَةَ شَأْنُهَا أَنْ تَخُصَّ بِالسَّمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ، لِأَنَّهَا مَكَانُ الطَّيِّبِينَ الْمَعْصُومِينَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلِذَلِكَ أَتَى بِالْفَاءِ الْجَزَائِيَّةِ، بِالتَّقْدِيرِ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ. (فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ) أَيْ: فِي أَهْلِهَا. (اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَتُفْتَحُ أَيْ: ذَنْبَنَا. (وَخَطَايَانَا) أَيْ: كَبَائِرَنَا وَصَغَائِرَنَا، وَعَمْدَنَا وَخَطَأَنَا. (أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ) أَيْ: مُحِبُّهُمْ وَمُتَوَلِّي أَمْرِهِمْ، وَالْإِضَافَةُ تَشْرِيفِيَّةٌ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُطَهَّرُونَ مِنَ الشِّرْكِ، أَوِ الْمُتَّقُونَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ الْأَفْعَالَ الدَّنِيَّةَ، وَالْأَقْوَالَ الرِّدِيَّةَ. (أَنْزِلْ رَحْمَةً) أَيْ: عَظِيمَةً. (مِنْ رَحْمَتِكَ) أَيِ: الْوَاسِعَةِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا إِلَى آخِرِهِ تَقْرِيرٌ لِلْمَعْنَى السَّابِقِ. (وَشِفَاءً) أَيْ: عَظِيمًا. (مِنْ شِفَائِكَ) أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهِ وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ. (عَلَى هَذَا الْوَجَعِ) : بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اللَّامُ فِي الْوَجَعِ لِلْعَهْدِ، وَهُوَ مَا يَعْرِفُهُ

стр. 2283

كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ الْوَجَعَ مَا هُوَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُشَارَ بِهِ إِلَى. (شَيْئًا) ، فَالْجِيمُ مَفْتُوحٌ، وَإِلَى مَنْ فِي مَنِ اشْتَكَى، فَالْجِيمُ مَكْسُورٌ. وَقَالَ مِيرَكُ: ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَهُوَ مَنْ بِهِ وَجَعٌ. أَيْ: بِفَتْحِ الْجِيمِ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الْفَتْحُ هُوَ الرِّوَايَةُ. (فَيَبْرَأُ) : بِالرَّفْعِ أَيْ: فَهُوَ يَتَعَافَى، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَيَبْرَأُ جَوَابٌ لِيَقُلْ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْأُصُولِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ اهـ. لَكِنَّ الْحَاكِمَ رَوَاهُ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ.

стр. 2284

١٥٥٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا، أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى جِنَازَةٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٥٥٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأْ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ فِي أَوَّلِهِ، وَبِالْهَمْزَةِ فِي آخِرِهِ مَجْزُومًا، أَيْ: يَجْرَحْ. (لَكَ عَدُوًّا) أَيِ: الْكُفَّارَ، أَوْ إِبْلِيسَ وَجُنُودَهُ، وَيُكْثِرْ فِيهِمُ النِّكَايَةَ بِالْإِيلَامِ، وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَالْإِلْزَامِ بِالْجَزْمِ، وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ: فَهُوَ يَنْكَأُ مِنَ النَّكْءِ بِالْهَمْزَةِ مِنْ حَدِّ: مَنَعَ، وَمَعْنَاهُ الْخَدْشُ، وَيُمْكِنُ مِنَ النِّكَايَةِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيِ: التَّأْثِيرُ بِالْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، لَكِنَّ الرَّسْمَ لَا يُسَاعِدُ الْأَخِيرَ، وَفِي الصِّحَاحِ: نَكَأْتُ الْقُرْحَةَ أَنْكَأُهَا نَكْأً إِذَا قَشَرْتَهَا، وَفِي النِّهَايَةِ: نَكَيْتُ فِي الْعَدُوِّ أَنْكِي نِكَايَةٍ فَأَنَا نَاكٍ إِذَا أَكْثَرْتَ فِيهِمُ الْجِرَاحَ وَالْقَتْلَ فَوَهِمُوا لِذَلِكَ، وَقَدْ يُهْمَزُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: (يَنْكَأْ) مَجْزُومٌ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ أَيْ: فَإِنَّهُ يَنْكَأُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِالرَّفْعِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ: يَغْزُو فِي سَبِيلِكَ. (أَوْ يَمْشِي) : بِالرَّفْعِ أَيْ: أَوْ هُوَ يَمْشِي. قَالَ مِيرَكُ: وَكَذَا وَرَدَ بِالْيَاءِ، وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ يَنْكَأُ بِالرَّفْعِ ظَاهِرٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْجَزْمِ فَهُوَ وَارِدٌ عَلَى قِرَاءَةِ: مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرُ. (لَكَ) أَيْ: لِأَمْرِكَ وَابْتِغَاءِ وَجْهِكَ. (إِلَى جِنَازَةٍ) اتِّبَاعُهَا لِلصَّلَاةِ لِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ إِلَى صَلَاةٍ، وَهَذَا تَوَسُّعٌ شَائِعٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ وَلَعَلَّهُ جَمَعَ بَيْنَ النِّكَايَةِ وَتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ كَدَحَ فِي إِنْزَالِ الْعِقَابِ عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ، وَالثَّانِي سَعَى فِي إِيصَالِ الرَّحْمَةِ إِلَى وَلِيِّ اللَّهِ اهـ. أَوْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَرَضِ إِمَّا كَفَّارَةُ الذُّنُوبِ وَرَفْعُ الدَّرَجَاتِ، أَوْ تَذْكِيرٌ بِالْمَوْتِ وَالْآخِرَةِ وَالْعِقَابِ، وَهُمَا حَاصِلَانِ لَهُ بِالْعَمَلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.

стр. 2285

١٥٥٧ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، «عَنْ أُمَيَّةَ: أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ، وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] "، فَقَالَتْ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: " هَذِهِ مُعَاتَبَةُ اللَّهِ الْعَبْدَ بِمَا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى وَالنَّكْبَةِ، حَتَّى الْبِضَاعَةِ يَضَعُهَا فِي يَدِ قَمِيصِهِ، فَيَفْقِدُهَا، فَيَفْزَعُ لَهَا، حَتَّى إِنَّ الْعَبْدَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ، كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الْأَحْمَرُ مِنَ الْكِيرِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ١٥٥٧ - (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمَيَّةَ) : بِالتَّصْغِيرِ قَالَ السَّيِّدُ: اسْمُ امْرَأَةِ وَالِدِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، وَلَيْسَ بِأُمِّهِ، قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ، فَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أُمِّهِ خَطَأٌ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُسَامَحَةِ أَوِ الْمَجَازِ. (أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ : إِنْ تُبْدُوا: كَذَا بِلَا وَاوٍ قَبْلَ إِنْ أَيْ: إِنْ تُظْهِرُوا: ﴿مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] أَيْ: فِي قُلُوبِكُمْ مِنَ السُّوءِ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] أَيْ: تُضْمِرُوهُ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَيْهِ إِذْ لَا عِبْرَةَ بِخُطُورِ الْخَوَاطِرِ. ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] أَيْ: يِجَازِيكُمْ بِسِرِّكُمْ وَعَلَنِكُمْ، أَوْ يُخْبِرُكُمْ بِمَا أَسْرَرْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ. (وَعَنْ قَوْلِهِ) أَيْ: تَعَالَى: (مَنْ يَعْمَلُ) أَيْ: ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. (سُوءً) أَيْ: صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا. (يُجْزَ بِهِ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا أَوِ الْعُقْبَى إِلَّا مَا شَاءَ مَنْ شَاءَ. (فَقَالَتْ) أَيْ: عَائِشَةُ. (مَا سَأَلَنِي عَنْهَا) أَيْ: عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -) ﷺ أَيْ: عَنْهَا. (فَقَالَ: " هَذِهِ) إِشَارَةٌ إِلَى مَفْهُومِ الْآيَتَيْنِ

стр. 2286

الْمَسْئُولِ عَنْهُمَا أَيْ: مُحَاسَبَةِ الْعِبَادِ أَوْ مُجَازَاتِهِمْ بِمَا يُبْدُونَ وَمَا يَخَافُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ. (مُعَاتَبَةُ اللَّهِ الْعَبْدَ) أَيْ: مُؤَاخَذَتُهُ الْعَبْدَ بِمَا اقْتَرَفَ مِنَ الذَّنْبِ. (بِمَا يُصِيبُهُ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ صِلَةُ مُعَاتَبَةٍ، وَيَصِحُّ كَوْنُ الْبَاءِ سَبَبِيَّةً. (مِنَ الْحُمَّى) : وَغَيْرُهَا مُؤَاخَذَةُ الْمُعَاتِبِ، وَإِنَّمَا خُصَّتِ الْحُمَّى بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهَا مِنْ أَشَدِّ الْأَمْرَاضِ وَأَخْطَرِهَا. قَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ: الْعِتَابُ أَنْ يُظْهِرَ أَحَدُ الْخَلِيلَيْنِ مِنْ نَفْسِهِ الْغَضَبَ عَلَى خَلِيلِهِ لِسُوءِ أَدَبٍ ظَهَرَ مِنْهُ، مَعَ أَنَّ فِي قَلْبِهِ مَحَبَّتَهُ، يَعْنِي: لَيْسَ مَعْنَى الْآيَةِ أَنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَلْ مَعْنَاهَا أَنَّهُ يُلْحِقُهُمْ بِالْجُوعِ، وَالْعَطَشِ، وَالْمَرَضِ، وَالْحَزَنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَكَارِهِ، حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا صَارُوا مُطَهَّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهَا فُهِمَتْ أَنَّ هَذِهِ مُؤَاخَذَةُ عِقَابٍ أُخْرَوِيٍّ ; فَأَجَابَهَا بِأَنَّهَا مُؤَاخَذَةُ عِتَابٍ فِي الدُّنْيَا عِنَايَةً وَرَحْمَةً اهـ. وَلِذَلِكَ لَمَّا شَقَّتِ الْآيَةُ الْأُولَى عَلَى الصَّحَابَةِ وَأَزْعَجَتْهُمْ نَزَلَ عَقِبَهَا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] كَمَا أَنَّهُ لَمَّا شَقَّ عَلَيْهِمْ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وَتَفْسِيرُهُ ﵊ لَهَا «بِأَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَيُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ» ; نَزَلَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وَوَقَعَ فِي الْمَصَابِيحِ: هَذِهِ مُعَاقَبَةُ اللَّهِ بِالْقَافِ. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: إِشَارَةٌ إِلَى مَفْهُومِ الْآيَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا. وَيُرْوَى: مُعَاتَبَةُ اللَّهِ مِنَ الْعِتَابِ أَيْ: يُؤَاخِذُ اللَّهُ مَعَهُ أَخْذَ الْعَاتِبِ. قَالَ شَارِحُ الرِّوَايَةِ: الْأُولَى فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَهِيَ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ فِي الْحَدِيثِ وَلَا مَعْنَى لَهَا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرُوِيَ: مُتَابَعَةُ اللَّهِ، وَمَعْنَاهَا صَحِيحٌ خِلَافًا لِمَنْ نَازَعَ فِيهِ، وَأَطَالَ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ وتَحْرِيفٌ لِعَدَمِ اسْتِنَادِهِ إِلَى أَصْلٍ أَصْلًا، ثُمَّ جَعَلَهُ بِمَعْنَى تَبِعَهُ أَيْ: طَالَبَهُ تَبِعَتَهُ غَايَةً مِنَ الْبُعْدِ، وَأَعْرَبَ حَيْثُ قَالَ: وَمِنْ ذَلِكَ خَبَرٌ: اتَّبَعُوا الْقُرْآنَ، أَيِ: اقْتَدَوْا بِهِ. (وَالنَّكْبَةُ) : بِفَتْحِ النُّونِ أَيِ: الْمِحْنَةُ، وَمَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنْ حَوَادِثِ الدَّهْرِ. (حَتَّى الْبِضَاعَةِ) : بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا، وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَهِيَ بِالْكَسْرِ طَائِفَةٌ مِنْ مَالِ الرِّجَالِ. (يَضَعُهَا فِي يَدِ قَمِيصِهِ) أَيْ: كُمِّهِ، سُمِّيَ بِاسْمِ مَا يُحْمَلُ فِيهِ. (فَيَفْقِدُهَا) أَيْ: يَتَفَقَّدُهَا وَيَطْلُبُهَا، فَلَمْ يَجِدْهَا لِسُقُوطِهَا، أَوْ أَخْذِ سَارِقٍ لَهَا مِنْهُ. (فَيَفْزَعُ لَهَا) أَيْ: يَحْزَنُ لِضَيَاعِ الْبِضَاعَةِ فَيَكُونُ كَفَّارَةً كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي إِذَا وَضَعَ بِضَاعَةً فِي كُمِّهِ، وَوَهِمَ أَنَّهَا غَابَتْ فَطَلَبَهَا وَفَزِعَ كَفَّرَتْ عَنْهُ ذُنُوبَهُ، وَفِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ مَا لَا يَخْفَى. (حَتَّى) أَيْ: وَلَا يَزَالُ يُكَرِّرُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحْوَالَ، حَتَّى " (إِنَّ الْعَبْدَ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ، وَأَظْهَرَ الْعَبْدَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ إِظْهَارًا لِكَمَالِ الْعُبُودِيَّةِ الْمُقْتَضِي لِلصَّبْرِ وَالرِّضَا بِأَحْكَامِ الرُّبُوبِيَّةِ. (كَمَا يَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ) : بِسَبَبِ الِابْتِلَاءِ بِالْبَلَاءِ. (كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ) بِالْكَسْرِ أَيِ: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَا دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ، فَإِذَا ضُرِبَا كَانَا عَيْنًا. (الْأَحْمَرُ) أَيِ: الذَّهَبُ يُشْوَى فِي النَّارِ تَشْوِيَةً بَالِغَةً. (مِنَ الْكِيرِ) : بِكَسْرِ الْكَافِ مُتَعَلِّقٌ بِيَخْرُجُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 2287

١٥٥٨ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا إِلَّا بِذَنَبٍ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ، وَقَرَأَ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ٩٨ - ١٥٥٨ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّ النَّبِيَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( ﷺ قَالَ: " لَا يُصِيبُ عَبْدًا) : التَّنْوِينُ لِلتَّنْكِيرِ. (نَكْبَةٌ) أَيْ: مِحْنَةٌ وَأَذًى، وَالتَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ لَا لِلْجِنْسِ، لِيَصِحَّ تَرَتُّبُ مَا بَعْدَهَا عَلَيْهَا بِالْفَاءِ، وَهُوَ. (فَمَا فَوْقَهَا) أَيِ: فِي الْعِظَمِ. (أَوْ دُونَهَا) : فِي الْمِقْدَارِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَمَا فَوْقَهَا) فِي الْعِظَمِ أَوْ دُونَهَا فِي الْحَقَارَةِ، وَيَصِحُّ عَكْسُهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّهُ خِلَافُ مَعْرُوفِ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] مَمْنُوعٌ ; لِأَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ فَوْقَهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى فَمَا فَوْقَهَا فِي الْكِبَرِ كَالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ: فَمَا دُونَهَا، كَمَا يُقَالُ:

стр. 2288

فُلَانٌ جَاهِلٌ، فَيُقَالُ: وَفَوْقَ ذَلِكَ، أَيْ: وَأَجْهَلُ. قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ، لَكِنَّ مُخْتَارَ الْكَشَّافِ وَالْبَيْضَاوِيِّ: أَنَّ مَعْنَاهُ مَا زَادَ عَلَيْهَا فِي الْجَنَّةِ كَالذُّبَابِ، أَوْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي جُعِلَتْ فِيهِ مَثَلًا، وَهُوَ الصِّغَرُ وَالْحَقَارَةُ كَجَنَاحِهَا. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَنَظِيرُهُ فِي الِاحْتِمَالَيْنِ مَا رُوِيَ: أَنَّ رَجُلًا بِمِنًى خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسْطَاطٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكَ بِشَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ» ". فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا تَجَاوَزَ الشَّوْكَةَ فِي الْأَلَمِ كَالْخُرُورِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فِي الْقِلَّةِ كَمَخَبَّةٍ ; لِقَوْلِهِ ﵊: " «مَا أَصَابَ الْمُؤْمِنَ مِنْ مَكْرُوهٍ فَهُوَ لِخَطَايَاهُ حَتَّى نَخْبَةِ النَّمْلَةِ» " اهـ. وَهِيَ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أَيْ: قَرْصَتُهَا، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ. (إِلَّا بِذَنْبٍ) أَيْ: يَصْدُرُ مِنَ الْعَبْدِ. (وَمَا يَعْفُو اللَّهُ) : " مَا " مَوْصُولَةٌ أَيِ: الَّذِي يَغْفِرُهُ وَيَمْحُوهُ. (عَنْهُ أَكْثَرُ) : مِمَّا يُجَازِيهِ. قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ: أَيْ: لَا تُصِيبُ الْعَبْدَ فِي الدُّنْيَا مُصِيبَةٌ إِلَّا بِسَبَبِ ذَنْبٍ صَدَرَ مِنْهُ، تَكُونُ تِلْكَ الْمُصِيبَةُ الَّتِي لَحِقَتْهُ فِي الدُّنْيَا كَفَّارَةٌ لِذَنْبِهِ، وَالَّذِي يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يُجَازِيَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَكْثَرُ وَأَحْرَى مِنْ ذَلِكَ، فَانْظُرْ إِلَى حُسْنِ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ. (وَقَرَأَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] : مَا: شَرْطِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنَى الشَّرْطِ. ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ [الشورى: ٣٠] أَيْ: مِنْ مَرَضٍ، وَشِدَّةٍ، وَهَلَاكٍ، وَتَلَفٍ فِي أَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَهَذَا يَخْتَصُّ بِالْمُذْنِبِينَ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَإِنَّمَا تُصِيبُهُمْ لِرَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ. ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] : الرِّوَايَةُ بِالْفَاءِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِحَذْفِهَا فِي الْآيَةِ أَيْ: بِذُنُوبٍ كَسَبَتْهَا أَنْفُسُكُمْ، فَمَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أَيْ: بِكَسْبِكُمُ الْآثَامَ، وَانْتِسَابُ الِاكْتِسَابِ إِلَى الْأَيْدِي ; لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَعْمَالِ تُزَاوَلُ بِهَا، وَالْمَعْنَى: مَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ. (وَيَعْفُو) أَيْ: فَضْلًا مِنْهُ تَعَالَى: (عَنْ كَثِيرٍ) أَيْ: كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ، أَوْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُذْنِبِينَ وَتُكْتَبُ الْأَلِفُ بَعْدِ وَاوِ يَعْفُ، مَعَ أَنَّهُ مُفْرَدٌ عَلَى الرَّسْمِ الْقُرْآنِيِّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 2289

١٥٥٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ مِنَ الْعِبَادَةِ، ثُمَّ مَرِضَ، قِيلَ لِلْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِهِ: اكْتُبْ لَهُ مِثْلَ عَمَلِهِ إِذَا كَانَ طَلِيقًا حَتَّى أُطْلِقَهُ، أَوْ أَكْفِتَهُ إِلَيَّ» ". ــ ١٥٥٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ» ) أَيْ: عَلَى جِهَةِ الْمُتَابَعَةِ الشَّرْعِيَّةِ " مِنَ الْعِبَادَةِ " أَيْ: نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهَا مِنَ النَّوَافِلِ بَعْدَ قِيَامِهِ بِالْفَرَائِضِ. (ثُمَّ مَرِضَ) : وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تِلْكَ الْعِبَادَةِ. (قِيلَ) أَيْ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا مَرَّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هُنَا: حَتَّى أَطْلَقَهُ. (لِلْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِهِ) أَيْ: صَاحِبِ الْحَسَنَاتِ. ( «كُتِبَ لَهُ مِثْلُ عَمَلِهِ إِذَا كَانَ طَلِيقًا» ) أَيْ: مُطْلَقًا مِنَ الْمَرَضِ الَّذِي عَرَضَ لَهُ غَيْرَ مُقَيِّدٍ بِهِ مَنْ أَطْلَقَهُ إِذَا رَفَعَ عَنْهُ الْقَيْدَ، أَيْ: إِذَا كَانَ صَحِيحًا لَمْ يُقَيِّدْهُ الْمَرَضُ عَنِ الْعَمَلِ، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ. (حَتَّى أُطْلِقَهُ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: أَكْتُبُ إِلَى حِينِ أَرْفَعُ عَنْهُ قَيْدَ الْمَرَضِ. (أَوْ أَكْفِتَهُ) : بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ: أَقْبِضَهُ. (إِلَيَّ) : فِي النِّهَايَةِ: أَيْ: أَضُمُّهُ إِلَى الْقَبْرِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَرْضِ: كِفَاتٌ. قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ: أُمِيتُهُ. قِيلَ: الْكَفْتُ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، وَهُنَا مَجَازٌ عَنِ الْمَوْتِ. قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا عَاصِمٌ الْقَارِّيُّ، رَوَى لَهُ الْأَرْبَعَةُ، وَأَخْرَجَ لَهُ الشَّيْخَانِ مُتَابَعَةً.

стр. 2290

١٥٦٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُ بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ، قِيلَ لِلْمَلَكِ: اكْتُبْ لَهُ صَالِحَ عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، فَإِنْ شَفَاهُ غَسَّلَهُ وَطَهَّرَهُ، وَإِنْ قَبَضَهُ غَفَرَ لَهُ وَرَحِمَهُ» . " رَوَاهُمَا فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ". ــ ١٥٦٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُ بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ قَالَ) أَيِ: اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي نُسْخَةٍ: قِيلَ: (لِلْمَلَكِ) : الْمُوَكَّلِ أَيْ: صَاحِبِ يَمِينِهِ. (اكْتُبْ لَهُ صَالِحَ عَمَلِهِ) أَيْ: مِثْلَهُ. (الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ) : وَالظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ نَفْسُ الْعَمَلِ، وَقِيلَ: ثَوَابُهُ، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ ; فَإِنَّهُ يَشْمَلُ التَّضَاعُفَ. (فَإِنْ شَفَاهُ) أَيِ: اللَّهُ . (غَسَّلَهُ) : بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ أَيْ: نَظَّفَهُ. (وَطَهَّرَهُ) : مِنَ الذُّنُوبِ ; لِأَنَّ الْمَرَضَ كَفَّرَهَا، وَالْوَاوُ تَفْسِيرِيَّةٌ، أَوْ تَأْكِيدِيَّةٌ، أَوْ تَنْوِيعِيَّةٌ. (وَإِنْ قَبَضَهُ) أَيْ: أَمَرَ بِقَبْضِهِ وَأَمَاتَهُ. (غَفَرَ لَهُ) : مِنَ السَّيِّئَاتِ. (وَرَحِمَهُ) : بِقَبُولِ الْحَسَنَاتِ، أَوْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِزِيَادَةِ الْمَثُوبَاتِ. (رَوَاهُمَا) أَيْ: رَوَى صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ. (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) قَالَ مِيرَكُ: وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ كَمَا يُفْهَمُ مِنَ التَّخْرِيجِ وَالتَّصْحِيحِ.

стр. 2291

١٥٦١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الشَّهَادَةُ سَبْعٌ، سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ " وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ» " رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ١٥٦١ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ التَّاءِ، كُنْيَتُهُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا وَجَمِيعَ الْمَشَاهِدِ بَعْدَهَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " الشَّهَادَةُ) أَيِ: الْحُكْمِيَّةُ. (سَبْعٌ) : بَلْ أَكْثَرُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ. (سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ: غَيْرِ الشَّهَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ. ( «الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ إِلَى آخِرِهِ بَيَانٌ لِلسَّبْعِ بِحُسْنِ الْمَعْنَى. ( «وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ» ) : إِذَا كَانَ سَفَرُهُ طَاعَةً. ( «وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ» ) : وَهِيَ قُرْحَةٌ أَوْ قُرُوحٌ تُصِيبُ الْإِنْسَانَ دَاخِلَ جَنْبِهِ، ثُمَّ تُفْتَحُ وَيَسْكُنُ الْوَجَعُ، وَذَلِكَ وَقْتُ الْهَلَاكِ، وَمِنْ عَلَامَاتِهَا الْوَجَعُ تَحْتَ الْأَضْلَاعِ، وَضِيقُ النَّفَسِ مَعَ مُلَازَمَةِ الْحُمَّى وَالسُّعَالِ، وَهِيَ فِي النِّسَاءِ أَكْثَرُ. (وَالْمَبْطُونُ) : مِنْ إِسْهَالٍ، أَوِ اسْتِسْقَاءٍ، أَوْ وَجَعِ بَطْنٍ. (شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ " أَيِ: الْمُحْرَقُ، وَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ بِالْحَرْقِ. شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدَمِ) : بِفَتْحِ الدَّالِ وَيُسَكَّنُ. (شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَيُكْسَرُ وَسُكُونِ الْمِيمِ. (شَهِيدٌ) : فِي النِّهَايَةِ: أَيْ: تَمُوتُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ، وَقِيلَ: تَمُوتُ بِكْرًا، وَالْجُمْعُ بِالضَّمِّ بِمَعْنَى الْمَجْمُوعِ، كَالذُّخْرِ بِمَعْنَى الْمَذْخُورِ، وَكَسَرَ الْكِسَائِيُّ الْجِيمَ أَيْ: مَاتَتْ مَعَ شَيْءٍ مَجْمُوعٍ فِيهَا غَيْرِ مُنْفَصِلٍ عَنْهَا مِنْ حَمْلٍ أَوْ بَكَارَةٍ أَوْ غَيْرِ مَطْمُوثَةٍ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الْجُمْعُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهِا، وَالرِّوَايَةُ بِالضَّمِّ أَيْ: تَمُوتُ وَوَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا، وَقِيلَ: هُوَ الطَّلْقُ، وَقِيلَ: بِأَنْ تَمُوتَ بِالْوِلَادَةِ، وَقِيلَ، بِسَبَبِ بَقَاءِ الْمَشِيمَةِ فِي جَوْفِهَا، وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالْخَلَاصِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ مِنْ زَوْجِهَا أَيْ: مَاتَتْ بِكْرًا يَفْتَضُّهَا زَوْجُهَا. (رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ الشَّيْخَانِ بِلَا خِلَافٍ.

стр. 2292

١٥٦٢ - وَعَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: " الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ هُوِّنَ عَلَيْهِ، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ مَا لَهُ ذَنْبٌ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ــ ١٥٦٢ - (وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ) أَيْ: أَكْثَرُ أَوْ أَصْعَبُ بَلَاءً؟ أَيْ: مِحْنَةً وَمُصِيبَةً. (قَالَ: " الْأَنْبِيَاءُ) أَيْ: هُمْ أَشَدُّ فِي الِابْتِلَاءِ ; لِأَنَّهُمْ يَتَلَذَّذُونَ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَتَلَذَّذُ غَيْرُهُمْ بِالنَّعْمَاءِ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يُبْتَلَوْا لَتُوُهِّمَ فِيهِمُ الْأُلُوهِيَّةُ، وَلِيُتَوَهَّنَ عَلَى الْأُمَّةِ الصَّبْرُ عَلَى الْبَلِيَّةِ. (ثُمَّ الْأَمْثَلُ) أَيِ: الْأَشْبَهُ بِهِمْ، أَوِ الْأَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ. (فَالْأَمْثَلُ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيِ: الْأَشْرَفُ فَالْأَشْرَفُ، وَالْأَعْلَى فَالْأَعْلَى رُتْبَةً وَمَنْزِلَةً

стр. 2293

يَعْنِي: مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ بَلَاؤُهُ أَشَدُّ لِيَكُونَ ثَوَابُهُ أَكْثَرَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: ثُمَّ فِيهِ لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ، وَالْفَاءُ لِلتَّعَاقُبِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَالِي تَنَزُّلًا مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ، وَاللَّامُ فِي الْأَنْبِيَاءِ لِلْجِنْسِ اهـ. كَوْنُهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ، إِذْ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهُمْ مِنْ عَظِيمِ مِحْنَةٍ، وَجَسِيمِ بَلِيَّةٍ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ زَمَنِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ( «يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ» ) أَيْ: مِقْدَارِهِ ضَعْفًا وَقُوَّةً، وَنَقْصًا وَكَمَالًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَاللَّامُ فِي الرَّجُلِ لِلِاسْتِغْرَاقِ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُتَوَالِيَةِ اهـ. وَيَصِحُّ كَوْنُهَا لِلْجِنْسِ، بَلْ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ. (فَإِنْ كَانَ) : تَفْصِيلٌ لِلِابْتِلَاءِ وَقَدْرِهِ. (فِي دِينِهِ صُلْبًا) : خَبَرُ كَانَ أَيْ: شَدِيدًا، وَاسْمُهُ ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إِلَى الرَّجُلِ، وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَبَرِ. (اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ أَيْ: كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً. (وَإِنْ كَانَ) أَيْ: هُوَ. (فِي دِينِهِ رِقَّةٌ) : الْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رِقَّةٌ اسْمَ كَانَ أَيْ: ضَعُفٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: جَعَلَ الصَّلَاةَ صِفَةً لَهُ، وَالرِّقَّةَ صِفَةً لَهُ، وَالرِّقَّةُ صِفَةٌ لِدِينِهِ مُبَالَغَةٌ وَعَلَى الْأَصْلِ اهـ. وَكَأَنَّ الْأَصْلَ فِي الصُّلْبِ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْجُثَثِ، وَفِي الرِّقَّةِ أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي الْمَعَانِي، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ. (هُوِّنَ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ سُهِّلَ وَقُلِّلَ. (عَلَيْهِ) أَيِ: الْبَلَاءُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِيَكُونَ ثَوَابُهُ أَقَلَّ. أَقُولُ: بَلْ رَحْمَةً عَلَيْهِ وَلُطْفًا بِهِ، فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَلَوْلَا التَّخْفِيفُ فِي بَلَائِهِ لَخُشِيَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ مِنَ ابْتِلَائِهِ ; وَلِذَا قَالَ ﷺ : " «كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا» ". (فَمَا زَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ الْمُبْتَلَى قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى اسْمِ كَانَ الْأَوَّلِ. (كَذَلِكَ) أَيْ: أَبَدًا يُصِيبُ الصَّالِحَ الْبَلَاءُ، وَيُغْفَرُ ذَنْبُهُ بِإِصَابَتِهِ إِيَّاهُ. (حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ) : كِنَايَةٌ عَنْ خَلَاصِهِ مِنَ الذُّنُوبِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ مَحْبُوسًا، ثُمَّ أُطْلِقَ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ. (مَا لَهُ) أَيْ: عَلَيْهِ. (ذَنْبٌ) : يَخْتَصُّ بِهِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ شَفِيعًا لِغَيْرِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) .

стр. 2294

١٥٦٣ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا أَغْبِطُ أَحَدًا بِهَوْنِ مَوْتٍ بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ١٥٦٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا أَغْبِطُ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ. يُقَالُ: غَبَطْتُ الرَّجُلَ أَغْبِطُهُ إِذَا اشْتَهَيْتَ أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مَا لَهُ، وَأَنْ يَدُومَ عَلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ أَيْ: مَا أَحْسُدُ. (أَحَدًا) : وَلَا أَتَمَنَّى وَلَا أَفْرَحُ لِأَحَدٍ. (بِهَوْنِ مَوْتٍ) : الْهَوْنُ: بِالْفَتْحِ: الرِّفْقُ وَاللِّينُ أَيْ: بِسَهُولَةِ مَوْتٍ. (بَعْدَ الَّذِي) أَيْ: بَعْدَ الْحَالِ الَّذِي. (رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الْحَدِيثِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 2295

١٥٦٤ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْمَوْتِ، وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ، وَهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى مُنْكَرَاتِ الْمَوْتِ، أَوْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ١٥٦٤ - (وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ. (قَالَتْ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْمَوْتِ» ) أَيْ: مَشْغُولٌ أَوْ مُلْتَبِسٌ بِهِ، وَالْأَحْوَالُ بَعْدَهَا مُتَدَاخِلَاتٌ. (وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ، وَهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ) أَيْ: بِالْمَاءِ تَبْرِيدًا لِحَرَارَةِ الْمَوْتِ، أَوْ دَفْعًا لِلْغَشَيَانِ وَكَرْبِهِ، أَوْ تَنْظِيفًا لِوَجْهِهِ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إِلَى رَبِّهِ، أَوْ إِظْهَارًا لِعَجْزِهِ وَتَبْرِئَتِهِ مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. (ثُمَّ يَقُولُ: " «اللَّهُمَّ أَعَنِّي عَلَى مُنْكَرَاتِ الْمَوْتِ» ) أَيْ: عَلَى دَفْعِهَا عَنِّي. (أَوْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ) أَيْ: شَدَائِدِهِ، جَمْعُ سَكْرَةٍ بِسُكُونِ الْكَافِ، وَهِيَ شِدَّةُ الْمَوْتِ، وَقِيلَ: السُّكْرُ حَالَةٌ تَعْرِضُ بَيْنَ الْمَرْءِ

стр. 2296

وَعَقْلِهِ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ فِي الشَّرَابِ، وَقَدْ يَعْتَرِي مِنَ الْغَضَبِ وَالْعِشْقِ، وَلَوْ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا، وَقَدْ يَحْصُلُ مِنَ الْخَوْفِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] ، أَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: صَحَّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُغْمَى عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ مِنْ شِدَّةِ الْمَرَضِ، فَاللَّائِقُ بِمَقَامِهِ الْعَلِيِّ، وَحَالِهِ الْجَلِيِّ أَنْ يُحْمَلَ الْإِغْمَاءُ عَلَى مَعْنَى الْغَيْبَةِ بِالشُّهُودِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَعَلَى مَعْنَى الْغَمَاءِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الْبَقَاءُ، بِنَاءً عَلَى مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ السَّادَةُ الصُّوفِيَّةُ الصَّفِيَّةُ، وَالطَّائِفَةُ الْبَهِيَّةُ السُّنِّيَّةُ. قِيلَ: أَوْ لِلشَّكِّ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ حَجَرٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ، وَيُرَادُ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْمَوْتِ مَا يَقَعُ مِنْ تَقْصِيرٍ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِنَ الْمَرِيضِ، أَوْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ وَخَطَرَاتِهِ وَتَزْيِينِ خَطَرَاتِهِ، وَمِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ شَدَائِدُهُ الَّتِي لَا يُطِيقُهَا الْمُحْتَضِرُ فَيَمُوتُ فَزَعًا جَزَعًا، وَالْمَطْلُوبُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ إِلَّا أَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَمُسْلِمٌ مُحْسِنٌ لِلظَّنِّ بِرَبِّهِ، وَفِي هَذَا تَعْلِيمٌ مِنْهُ ﵊ لِأُمَّتِهِ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا عَلَى مِلَّتِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.

стр. 2297

١٥٦٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ١٥٦٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ) أَيْ: قَضَى وَقَدَّرَ. (بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ) أَيْ: كُلَّهُ، وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى. (عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ أَيِ: الِابْتِلَاءَ بِالْمَكَارِهِ. (فِي الدُّنْيَا) لِأَنَّ عَذَابَ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى. (وَإِذَا أَرَادَ) أَيِ: اللَّهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ. (بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ) أَيْ: أَخَّرَ. (عَنْهُ) مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ. (بِذَنْبِهِ) أَيْ: بِسَبَبِهِ. (حَتَّى يُوَافِيَهُ) أَيْ: يُجَازِيَهُ جَزَاءً وَافِيًا. (بِهِ) أَيْ: بِذَنْبِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَنْصُوصُ إِلَى الْعَبْدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْكَسَ اهـ. وَلَعَلَّ الْمُوَافَاةَ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى الْمُلَاقَاةِ. قَالَ: وَالْمَعْنَى لَا يُجَازِيهِ بِذَنْبِهِ حَتَّى يَجِيءَ فِي الْآخِرَةِ مُتَوَافِرَ الذُّنُوبِ وَافِيهَا ; فَيَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنَ الْعِقَابِ. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: إِنْ لَمْ يَعْفُ عَنْهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْهُ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، قَالَ الذَّهَبِيُّ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ.

стр. 2298

١٥٦٦ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ، مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ١٥٦٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ عُظْمَ الْجَزَاءِ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الظَّاءِ، وَقِيلَ بِكَسْرٍ ثُمَّ فَتْحٍ أَيْ: عَظَمَةُ الْأَجْرِ وَكَثْرَةُ الثَّوَابِ مَقْرُونٌ. (مَعَ عُظْمِ الْبَلَاءِ) : كَيْفِيَّةً وَكَمِّيَّةً، جَزَاءً وِفَاقًا، وَأَجْرًا طِبَاقًا. (وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ) أَيْ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحِبَّ. (قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ) : فَإِنَّ الْبَلَاءَ لِلْوُلَاةِ، وَالِابْتِلَاءَ لِلْأَوْلِيَاءِ. (فَمَنْ رَضِيَ) أَيْ: بِالْبَلَاءِ. (فَلَهُ الرِّضَا) أَيْ: فَلْيَعْلَمْ أَنَّ لَهُ الرِّضَا مِنَ الْمَوْلَى، أَوْ فَيَحْصُلُ لَهُ الرِّضَا فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، قِيلَ: رِضَا الْعَبْدِ مَحْفُوفٌ بِرِضَاءَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى سَابِقًا وَلَاحِقًا، وَأَنَا أَقُولُ: إِنَّمَا اللَّاحِقُ أَثَرُ السَّابِقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَقَائِقِ. (وَمَنْ سَخِطَ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيْ: كَرِهَ بَلَاءَ اللَّهِ، وَفَزِعَ وَلَمْ يَرْضَ بِقَضَائِهِ. (فَلَهُ السَّخَطُ) : مِنَ اللَّهِ أَوَّلًا وَالْغَضَبُ عَلَيْهِ آخِرًا. وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّضَا وَالسَّخَطَ حَالَانِ مُتَعَلِّقَانِ بِالْقَلْبِ، فَكَثِيرٌ مِمَّنْ لَهُ أَنِينٌ مِنْ وَجَعٍ وَشِدَّةِ مَرَضٍ وَقَلْبُهُ مَشْحُونٌ مِنَ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ. هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ جَمِيعًا، وَحَذَفَ ذِكْرَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ لِدَلَالَةِ التَّفْصِيلِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْفَاءَ فِي فَمَنْ تَفْصِيلِيَّةٌ، وَالتَّفْصِيلُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْمُفَصَّلِ ; لِأَنَّ الْمُفَصَّلَ يَشْتَمِلُ عَلَى فَرِيقٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَهْلُ الْمَحَبَّةِ، وَالتَّفْصِيلُ عَلَى فَرِيقَيْنِ: أَهْلِ الرِّضَا، وَأَهْلِ السَّخَطِ. قَالَ مِيرَكُ: أَقُولُ: وَلِلْحَدِيثِ مَحْمَلٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ نُزُولَ الْبَلَاءِ عَلَامَةُ الْمَحَبَّةِ فَمَنْ رَضِيَ بِالْبَلَاءِ صَارَ مَحْبُوبًا حَقِيقِيًّا لَهُ تَعَالَى، وَمَنْ سَخِطَ صَارَ مَسْخُوطًا عَلَيْهِ، تَأَمَّلْ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: فَهُمْ مِنْهُ أَنَّ رِضَا اللَّهِ مَسْبُوقٌ بِرِضَاءِ الْعَبْدِ، وَمُحَالٌ أَنْ يَرْضَى الْعَبْدُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا بَعْدَ رِضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] وَمُحَالٌ أَنْ يَحْصُلَ رِضَاءُ اللَّهِ، وَلَا يَحْصُلُ رِضَا الْعَبْدِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ - ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] . فَعَنِ اللَّهِ الرِّضَا أَزَلًا وَأَبَدًا، سَابِقًا وَلَاحِقًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: بِسَنَدِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. (وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 2299

١٥٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوِ الْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى مَالِكٌ نَحْوَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ــ ١٥٦٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ» ) أَيْ: يَنْزِلُ بِالْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ. (أَوِ الْمُؤْمِنَةِ) : أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَوَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ بِالْوَاوِ فَقَالَ: الْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " بِدَلِيلِ إِفْرَادِ الضَّمِيرِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ " فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ ": بِفَتْحِ الْوَاوِ وَاللَّامِ وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: أَوْلَادِهِ " حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ " أَيْ: يَمُوتَ. (وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ) : بِالْهَمْزِ وَالْإِدْغَامِ أَيْ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ ; لِأَنَّهَا قَدْ زَالَتْ بِسَبَبِ الْبَلَاءِ؟ . (رَوَاهُ، التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى مَالِكٌ نَحْوَهُ) أَيْ: بِمَعْنَاهُ. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .

стр. 2300

١٥٦٨ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ، أَوْ فِي مَالِهِ، أَوْ فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ يُبَلِّغُهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ١٥٦٨ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَقَدْ سمَّاهُ ابْنُ مَنْدَهْ اللَّجْلَاجَ بْنَ حَكِيمٍ، وَفِي التَّقْرِيبِ وَالِدُ مُحَمَّدٍ مَجْهُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ. أَخْرَجَ لَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَمْ يُسَمِّ أَبَاهُ، لَكِنْ سَمَّاهُ ابْنُ مَنْدَهْ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ " أَيْ: فِي عِلْمِ اللَّهِ، أَوْ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ. (مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ) أَيْ: مَرْتَبَةٌ عَالِيَةٌ فِي الْجَنَّةِ. (لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ) : لِعَجْزِهِ عَنِ الْعَمَلِ الْمُوصِلِ إِلَيْهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّاعَاتِ سَبَبٌ لِلدَّرَجَاتِ. قِيلَ: وَدُخُولُ الْجَنَّةِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِيمَانِ الْعَبْدِ، وَالْخُلُودُ بِالنِّيَّةِ، (ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ، أَوْ فِي مَالِهِ، أَوْ فِي وَلَدِهِ) أَوْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلتَّنْوِيعِ بِاعْتِبَارِ الْأَوْقَاتِ، أَوْ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ. (ثُمَّ صَبَّرَهُ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: رَزَقَهُ الصَّبْرَ. (عَلَى ذَلِكَ) مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] . (حَتَّى يُبَلِّغَهُ) : اللَّهُ بِالتَّشْدِيدِ، وَقِيلَ بِالتَّخْفِيفِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: حَتَّى هَذَا إِمَّا لِلْغَايَةِ، وَإِمَّا بِمَعْنَى " كَيْ "، وَالْمَعْنَى حَتَّى يُوَصِّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى. (الْمَنْزِلَةَ) أَيِ: الْمَرْتَبَةَ الْعُلْيَا. (الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ) أَيْ: إِرَادَتُهَا. (مِنَ اللَّهِ) تَعَالَى شَأْنُهُ، وَتَوَالَى إِحْسَانُهُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) .

стр. 2301

١٥٦٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مُثِّلَ ابْنُ آدَمَ وَإِلَى جَنْبِهِ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ مَنِيَّةً، إِنْ أَخْطَأَتْهُ الْمَنَايَا وَقَعَ فِي الْهَرَمِ حَتَّى يَمُوتَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ١٥٦٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِخِّيرٍ) : بِكَسْرِ الشِّينِ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُثِّلَ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ: صُوِّرَ وَخُلِقَ. (ابْنُ آدَمَ) : وَقِيلَ: مَثَلُ ابْنِ آدَمَ بِفَتْحَتَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمُثَلَّثَةِ، وَيُرِيدُ بِهِ صِفَتَهُ وَحَالَهُ الْعَجِيبَةَ الشَّأْنِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ بِالْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهُ، أَيِ: الظَّرْفُ، وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ مُرْتَفِعٌ بِهِ أَيْ: حَالُ ابْنِ آدَمَ أَنَّ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ مَنِيَّةً مُتَوَجِّهَةً إِلَى نَحْوِهِ، مُنْتَهِيَةً إِلَى جَانِبِهِ، وَقِيلَ: خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: مَثَلُ ابْنِ آدَمَ مَثَلُ الَّذِي يَكُونُ إِلَى جَنْبِهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ مَنِيَّةً، وَلَعَلَّ الْحَذْفَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ. (وَإِلَى جَنْبِهِ) : الْوَاوُ لِلْحَالِ أَيْ: بِقُرْبِهِ. (تِسْعٌ) : وَفِي الْمَصَابِيحِ: تِسْعَةٌ. (وَتِسْعُونَ) أَرَادَ بِهِ الْكَثْرَةَ دُونَ الْحَصْرِ. (مَنِيَّةً) : بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: بَلِيَّةً مُهْلِكَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَيْ: سَبَبُ مَوْتٍ. (إِنْ أَخْطَأَتْهُ الْمَنَايَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَنَايَا جَمْعُ مَنِيَّةٍ وَهِيَ الْمَوْتُ ; لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الْمُنَى، وَهُوَ التَّقْدِيرُ سَمَّى كُلَّ بَلِيَّةٍ مِنَ الْبَلَايَا مَنِيَّةً ; لِأَنَّهَا طَلَائِعُهَا وَمُقَدِّمَاتُهَا اهـ. أَيْ: إِنْ جَاوَزَتْهُ فَرْضًا أَسْبَابُ الْمَنِيَّةِ مِنَ الْأَمْرَاضِ، وَالْجُوعِ، وَالْغَرَقِ، وَالْحَرْقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. (وَقَعَ فِي الْهَرَمِ) أَيْ: فِي مَجْمَعِ الْمَنَايَا وَمَنْبَعِ الْبَلَايَا. (حَتَّى يَمُوتَ) : مِنْ جُمْلَةِ الْبَرَايَا. قَالَ بَعْضُهُمْ: يُرِيدُ أَنَّ أَصْلَ خَلْقِهِ الْإِنْسَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا تُفَارِقَهُ الْمَصَائِبُ وَالْبَلَايَا وَالْأَمْرَاضُ وَالْأَدْوَاءُ، كَمَا قِيلَ: الْبَرَايَا أَهْدَافُ الْبَلَايَا، وَكَمَا قَالَ صَاحِبُ الْحِكَمِ ابْنُ عَطَاءٍ: مَا دُمْتَ فِي هَذِهِ الدَّارِ لَا تَسْتَغْرِبْ وُقُوعَ الْأَكْدَارِ، فَإِنْ أَخْطَأَتْهُ تِلْكَ النَّوَائِبُ عَلَى سَبِيلِ النُّدْرَةِ أَدْرَكَهُ مِنَ الْأَدْوَاءِ الدَّاءُ الَّذِي لَا دَوَاءَ لَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ صَابِرًا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، رَاضِيًا بِمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَضَاهُ، فَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ. ( «مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي، وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي، فَلْيَلْتَمِسْ رَبًّا سِوَائِي» ) . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَزَادَ مِيرَكُ: حَسَنٌ.

стр. 2302

١٥٧٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ، لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ١٥٧٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -: (يَوَدُّ) أَيْ: يَتَمَنَّى. (أَهْلُ الْعَافِيَةِ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : ظَرْفُ يَوَدُّ. (حِينَ يُعْطَى) : عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. (أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ) : مَفْعُولٌ ثَانٍ أَيْ: كَثِيرًا، أَوْ بِلَا حِسَابٍ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] . (لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ) : بِالتَّخْفِيفِ، وَيُحْتَمَلُ التَّشْدِيدُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّأْكِيدِ أَيْ: قُطِّعَتْ. (فِي الدُّنْيَا) : قِطْعَةً قِطْعَةً. (بِالْمَقَارِيضِ) : جَمْعُ الْمِقْرَاضِ ; لِيَجِدُوا ثَوَابًا كَمَا وَجَدَ أَهْلُ الْبَلَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْوُدُّ مَحَبَّةُ الشَّيْءِ، وَتَمَنِّي كَوْنِهِ لَهُ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالتَّمَنِّي، وَفِي الْحَدِيثِ هُوَ مِنَ الْمَوَدَّةِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى التَّمَنِّي، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ أَنَّ إِلَخْ، نَزَلَ مَنْزِلَةَ مَفْعُولِ يَوَدُّ، كَأَنَّهُ قِيلَ: يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ مَا يُلَازِمُ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ مُقْرَضَةً فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ الثَّوَابُ الْمُعْطَى. قَالَ مِيرَكُ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَفْعُولَ يَوَدُّ الثَّوَابُ عَلَى طَرِيقِ التَّنَازُعِ، وَقَوْلُهُ: لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ: حَالٌ أَيْ: مُتَمَنِّينَ أَنَّ جُلُودَهُمْ إِلَخْ، أَوْ قَائِلِينَ: لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ، عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ تَكَلُّفٌ، بَلْ تَعَسُّفٌ، وَالظَّاهِرُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي جَوَابِ الْإِشْكَالِ الْوَارِدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] ، وَهُوَ أَنَّ لَوْ إِنَّمَا دَخَلَتْ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: تَوَدُّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ بَيْنَهَا. وَأُجِيبُ: أَيْضًا بِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ بِمُرَادِفِهِ نَحْوِ: (فِجَاجًا) . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَالْحَدِيثُ حَسَنٌ.

стр. 2303

١٥٧١ - وَعَنْ عَامِرٍ الرَّامِ ﵁ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَسْقَامَ، فَقَالَ: " «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَهُ السَّقَمُ، ثُمَّ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ ثُمَّ أُعْفِيَ، كَانَ كَالْبَعِيرِ إِذَا عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ، فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوهُ، وَلِمَ أَرْسَلُوهُ " فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْأَسْقَامُ؟ وَاللَّهِ مَا مَرِضْتُ قَطُّ. فَقَالَ: " قُمْ عَنَّا فَلَسْتَ مِنَّا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٥٧١ - (وَعَنْ عَامِرٍ الرَّامِ) : بِحَذْفِ الْيَاءِ تَخْفِيفًا كَمَا فِي الْمُتَعَالِ ; لِأَنَّهُ كَانَ حَسَنَ الرَّمْيِ، قَوِيَّ السَّاعِدِ، قَالَ مِيرَكُ: وَيُقَالُ الزَّامِّيُّ، صَحَابِيٌّ، رَوَى لَهُ أَبُو دَاوُدَ وَحْدَهُ، كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: عَامِرٌ الرَّاوِي صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثٌ يُرْوَى بِإِسْنَادٍ مَجْهُولٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الرَّامِ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى الرَّامِي، وَيُقَالُ عَامِرُ بْنُ الرَّامِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَيُذْكَرُ فِيمَنْ لَهُ رُؤْيَةٌ وَرِوَايَةٌ. (قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَسْقَامَ) أَيِ: الْأَمْرَاضَ، أَوْ ثَوَابَهَا. (فَقَالَ: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَهُ السَّقَمُ) : بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ. (ثُمَّ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ السَّقَمِ. (كَانَ) أَيِ: السَّقَمُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ الصَّبْرُ عَلَيْهِ. (كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَمَوْعِظَةً لَهُ) أَيْ: تَنْبِيهًا لِلْمُؤْمِنِ فَيَتُوبَ وَيَتَّقِيَ. (فِيمَا يَسْتَقْبِلُ) : مِنَ الزَّمَانِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: إِذَا مَرِضَ الْمُؤْمِنُ، ثُمَّ عُوفِيَ تَنَبَّهَ وَعَلِمَ أَنَّ مَرَضَهُ كَانَ مُسَبَّبًا عَنِ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ فَيَنْدَمُ، وَلَا يُقْدِمُ عَلَى مَا مَضَى فَيَكُونُ كَفَّارَةً لَهَا. (وَإِنَّ الْمُنَافِقَ) : وَفِي مَعْنَاهُ الْفَاسِقُ الْمُصِرُّ. (إِذَا مَرِضَ ثُمَّ أُعْفِيَ) : بِمَعْنَى عُوفِيَ، وَالِاسْمُ مِنْهُ الْعَافِيَةُ. (كَانَ) أَيِ: الْمُنَافِقُ فِي غَفْلَتِهِ. (كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ) أَيْ: شَدُّوهُ وَقَيَّدُوهُ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمَرَضِ اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ. (ثُمَّ أَرْسَلُوهُ) أَيْ: أَطْلَقُوهُ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْعَافِيَةِ. (فَلَمْ يَدْرِ) أَيْ: لَمْ) يَعْلَمْ. (لِمَ أَيْ: لِأَيِّ سَبَبٍ. (عَقَلُوهُ، وَلِمَ أَرْسَلُوهُ؟) يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقَ لَا يَتَّعِظُ وَلَا يَتُوبُ، فَلَا يُفِيدُ مَرَضُهُ لَا فِيمَا مَضَى، وَلَا فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، فَأُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ. (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْأَسْقَامُ؟) : قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ: عَرِّفْنَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْأَسْقَامِ، وَمَا الْأَسْقَامُ؟ . (وَاللَّهِ مَا مَرِضْتُ قَطُّ. فَقَالَ " قُمْ) أَيْ: تَنَحَّ وَابْعُدْ. (عَنَّا فَلَسْتَ مِنَّا) أَيْ: لَسْتَ مِنْ أَهْلِ طَرِيقَتِنَا، حَيْثُ لَمْ تُبْتَلْ بِبَلِيَّتِنَا، وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ ﵊ قَالَ: " «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا ; لَوْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ بِهِ خَيْرًا لَطَهَّرَ بِهِ جَسَدَهُ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْعِفْرِيتَ النِّفْرِيتَ، الَّذِي لَا يُرْزَأُ فِي وَلَدِهِ، وَلَا يُصَابُ فِي مَالِهِ» . (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَفِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ.

стр. 2304

١٥٧٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَيُطَيِّبُ بِنَفْسِهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ١٥٧٢ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ» ) أَيْ: أَذْهِبُوا حُزْنَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَجَلِهِ، بِأَنْ تَقُولُوا: لَا بَأْسَ طَهُورٌ، أَوْ يُطَوِّلُ اللَّهُ عُمْرَكَ وَيَشْفِيكَ وَيُعَافِيكَ، أَوْ وَسِّعُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ فَيُنَفَّسُ عَنْهُ الْكَرْبُ، وَالتَّنَفُّسُ: التَّفْرِيجُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: طَمِّعُوهُ فِي طُولِ عُمْرِهِ، وَاللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ. (فَإِنَّ ذَلِكَ) أَيْ: تَنْفِيسَكُمْ لَهُ (لَا يَرُدُّ شَيْئًا) أَيْ: مِنَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ بِتَنْفِيسِكُمْ. (وَيُطِيبُ) : بِالتَّخْفِيفِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّشْدِيدِ. (بِنَفْسِهِ) أَيْ: فَيُخَفِّفُ مَا يَجِدُهُ مِنَ الْكَرْبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُجْعَلَ الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَفَاعِلُ يُطِيبُ ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إِلَى اسْمِ إِنَّ، وَيُسَاعِدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ الْمَصَابِيحِ، وَيُطَيِّبُ نَفْسَهُ. قِيلَ لِهَارُونِ الرَّشِيدِ وَهُوَ عَلِيلٌ: هَوِّنْ عَلَيْكَ، وَطَيِّبْ نَفْسَكَ ; فَإِنَّ الصِّحَّةَ لَا تَمْنَعُ مِنَ الْفَنَاءِ، وَالْعِلَّةُ لَا تَمْنَعُ مِنَ الْبَقَاءِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ طَيَّبَ نَفْسِي، وَرَوَّحَتْ قَلْبِي. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قِيلَ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَرِيضِ الِاسْتِيَاكُ إِذَا قَرُبَ نَزْعُهُ، وَحَدِيثُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عِنْدَ مَوْتِهِ ﷺ وَقِيلَ: إِنَّهُ يُسَهِّلُ نَزْعَ الرُّوحِ، وَكَذَا التَّطَيُّبِ لِأَجْلِ الْمَلَائِكَةِ، وَجَاءَ فِعْلُهُ عَنْ سَلْمَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَكَذَا لُبْسُ الثِّيَابِ النَّظِيفَةِ، وَجَاءَ عَنْ فَاطِمَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَكَذَا الصَّلَاةُ لِقِصَّةِ خُبَيْبٍ، وَكَذَا الِاغْتِسَالُ. وَجَاءَ عَنْ فَاطِمَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ -.

стр. 2305

١٥٧٣ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَمَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ لَمْ يُعَذَّبْ فِي قَبْرِهِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ١٥٧٣ - (وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ) : بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ) : إِسْنَادُهُ مَجَازِيٌّ، أَيْ: مَنْ مَاتَ مِنْ وَجِعِ بَطْنِهِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْإِسْهَالَ، وَالِاسْتِسْقَاءَ، وَالنِّفَاسَ، وَقِيلَ: مَنْ حَفِظَ بَطْنَهُ مِنَ الْحَرَامِ وَالشُّبَهِ، فَكَأَنَّهُ قَتَلَهُ بَطْنُهُ. (لَمْ يُعَذَّبْ فِي قَبْرِهِ) : لِأَنَّهُ لِشِدَّتِهِ كَانَ كَفَّارَةً لِسَيِّئَتِهِ، وَصَحَّ فِي مُسْلِمٍ: «إِنَّ الشَّهِيدَ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ» ، أَيْ: إِلَّا حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَيَقُولُ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.

стр. 2306

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١٥٧٤ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: " أَسْلِمْ ". فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ; فَأَسْلَمَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١٥٧٤ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ) أَيْ: وَلَدٌ. (يَهُودِيٌّ) : قِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ الْقُدُّوسِ. (يَخْدُمُ النَّبِيَّ -) ﷺ : بِضَمِّ الدَّالِ وَيُكْسَرُ. (فَمَرِضَ، فَآتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ) : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ عِيَادَةِ الذِّمِّيِّ. فِي الْخِزَانَةِ: لَا بَأْسَ بِعِيَادَةِ الْيَهُودِيِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي عِيَادَةِ الْمَجُوسِيِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي عِيَادَةِ الْفَاسِقِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، (فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ) : وَهُوَ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْعِيَادَةِ. (فَقَالَ لَهُ: " أَسْلِمْ " فَنَظَرَ) أَيِ: الْوَلَدُ. (إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ) أَيْ: أَبُوهُ. (عِنْدَهُ) قَالَ مِيرَكُ: عَنِ الشَّيْخِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ: وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ. (فَقَالَ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ; فَأَسْلَمَ) : فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الشَّيْخِ. (فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ. (يَقُولُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ) أَيْ: خَلَّصَهُ وَنَجَّاهُ. (مِنَ النَّارِ) أَيْ: لَوْ مَاتَ كَافِرًا، قَالَ مِيرَكُ عَنِ الشَّيْخِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: أَنْقَذَنِي مِنَ النَّارِ اهـ. فَيَكُونُ ضَمِيرُ هُوَ يَقُولُ رَاجِعًا إِلَى

стр. 2307

الْغُلَامِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ أَنْقَذَ بِي بِالْبَاءِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنْقَذَهُ اللَّهُ بِسَبَبِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ يَقُولُ بِصِحَّةِ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: هُوَ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي غَيْرِ الْبَالِغِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْبَالِغُ، فَلَا دَلِيلَ فِي الْحَدِيثِ لِصِحَّةِ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا صَحَّ إِسْلَامُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - وَهُوَ صَبِيٌّ لِمَا ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ: أَنَّ الْإِسْلَامَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ كَانَ مَنُوطًا بِالتَّمْيِيزِ. أَقُولُ: فَمَا دَلِيلُ النَّسْخِ بَعْدَهَا مِنَ الْحَدِيثِ، أَوِ الْكَلَامِ، أَوْ إِجْمَاعِ الْأَعْلَامِ؟ ثُمَّ قَالَ عَلَى: إِنَّ قَوْلَهُ: أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ، صَرِيحٌ فِي بُلُوغِهِ إِذِ الْأَصَحُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ أَطْفَالَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْجَنَّةِ، وَقَوْلُهُ ﵊: وَهُمْ مِنْ آبَائِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ، فَلَمَّا أَعْلَمَهُ أَخْبَرَ بِهِ اهـ. وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَرِيحٍ فِي الْمُدَّعَى، فَإِنَّ مَسْأَلَةَ الْأَطْفَالِ خِلَافِيَّةٌ، وَقَدْ تَوَقَّفَ فِيهَا الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَأَيْضًا لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَعَ بَعْدَ تَقَرُّرِ أَنَّ الْأَطْفَالَ فِي الْجَنَّةِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِيَّاهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ، فَالْمُرَادُ أَنْقَذَهُ اللَّهُ بِي وَبِسَبَبِي لَا بِسَبَبٍ آخَرَ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ زِيَادَةُ رِفْعَةِ دَرَجَتِهِ ﵊ فِي تَكْثِيرِ أُمَّتِهِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: " مِنَ النَّارِ " الْكُفْرُ الْمُسَمَّى نَارًا ; لِأَنَّهُ سَبَبُهَا، أَوْ يَؤُولُ إِلَيْهَا، وَأَيْضًا بَوْنٌ بَيْنَ مَا يَكُونُ الشَّخْصُ مُؤْمِنًا مُسْتَقِلًّا فِي الْجَنَّةِ فِي الْمَرْتَبَةِ اللَّائِقَةِ بِهِ مَخْدُومًا مُعَظَّمًا، وَبَيْنَ مَا يَكُونُ فِيهَا تَابِعًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ خَادِمًا لِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «إِنَّ أَطْفَالَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْجَنَّةِ» " مَا يَمْنَعُ سَبْقَ عَذَابِهِمْ فِي النَّارِ. وَالْمَسْأَلَةُ غَيْرُ صَافِيَةٍ، وَالْأَدِلَّةُ غَيْرُ شَافِيَةٍ، وَلِذَا تَحَيَّرَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ، وَتَوَقَّفَ فِيهَا إِمَامُ الْفُقَهَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْأَشْيَاءِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

стр. 2308

١٥٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ عَادَ مَرِيضًا نَادَى مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ١٥٧٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ عَادَ مَرِيضًا) أَيْ: مُحْتَسِبًا. (نَادَى مُنَادٍ) أَيْ: مَلَكٌ. (مِنَ السَّمَاءِ: طِبْتَ) : دُعَاءٌ لَهُ بِطِيبِ عَيْشِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى. (وَطَابَ مَمْشَاكَ) : مَصْدَرٌ أَوْ مَكَانٌ أَوْ زَمَانٌ مُبَالَغَةً. قَالَ الطِّيبِيُّ: كِنَايَةٌ عَنْ سَيْرِهِ وَسُلُوكِهِ طَرِيقَ الْآخِرَةِ بِالتَّعَرِّي عَنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ، وَالتَّحَلِّي بِمَكَارِمِهَا. (وَتَبَوَّأْتَ) أَيْ: تَهَيَّأْتَ. (مِنَ الْجَنَّةِ) أَيْ: مِنْ مَنَازِلِهَا الْعَالِيَةِ. (مَنْزِلًا) أَيْ: مَنْزِلَةً عَظِيمَةً وَمَرْتَبَةً جَسِيمَةً بِمَا فَعَلْتَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: دُعَاءٌ لَهُ بِطِيبِ الْعَيْشِ فِي الْأُخْرَى، كَمَا أَنَّ طِبْتَ دُعَاءٌ لَهُ بِطِيبِ الْعَيْشِ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا أُخْرِجَتِ الْأَدْعِيَةُ فِي صُورَةِ الْأَخْبَارِ، إِظْهَارًا لِلْحِرْصِ عَلَى عِيَادَةِ الْأَخْيَارِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) قَالَ مِيرَكُ: وَاللَّفْظُ لَهُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.

стр. 2309

١٥٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «إِنَّ عَلِيًّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . ــ ١٥٧٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ عَلِيًّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي وَجَعِهِ) أَيْ: فِي زَمَنِ مَرَضِهِ. (الَّذِي تُوُفِّيَ) أَيْ: قُبِضَ رُوحُهُ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ) ؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ أَيْ: مَقْرُونًا بِحَمْدِهِ، أَوْ مُلْتَبِسًا بِمُوجَبِ حَمْدِهِ وَشُكْرِهِ. (بَارِئًا) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْبُرْءِ، خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ أَصْبَحَ، وَالْمَعْنَى قَرِيبًا مِنَ الْبُرْءِ بِحَسَبِ ظَنِّهِ، أَوْ لِلتَّفَاؤُلِ، أَوْ بَارِئًا مِنْ كُلِّ مَا يَعْتَرِي الْمَرِيضَ مِنَ الْقَلَقِ وَالْغَفْلَةِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 2310

١٥٧٧ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ. فَادْعُ اللَّهَ لِي، فَقَالَ: " إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكَ ". فَقَالَتْ: أَصْبِرُ. فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٥٧٧ - (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ. (قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ. (امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ) : قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: إِنَّ اسْمَهَا شُعَيْرَةُ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا، وَفِي بَعْضِهَا بِالْقَافِ بَدَلُ الْعَيْنِ، وَفِي أُخْرَى بِالْكَافِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا مَاشِطَةُ خَدِيجَةَ. (أَتَتِ النَّبِيَّ -) ﷺ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ لِكَوْنِهَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنِّي أُصْرَعُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: الصَّرَعُ عِلَّةٌ تَمْنَعُ الْأَعْضَاءَ الرَّئِيسَةَ عَنِ انْفِعَالِهَا مَنْعًا غَيْرَ تَامٍّ، وَسَبَبُهُ رِيحٌ غَلِيظٌ يَحْتَبِسُ فِي مَنَافِذِ الدِّمَاغِ، أَوْ بُخَارٌ رَدِيءٌ يَرْتَفِعُ إِلَيْهِ مِنْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، وَقَدْ يَتْبَعُهُ تَشَنُّجٌ فِي الْأَعْضَاءِ، فَلَا يَبْقَى مَعَهُ الشَّخْصُ مُنْتَصِبًا، بَلْ يَسْقُطُ وَيَقْذِفُ بِالزَّبَدِ لِغِلَظِ الرُّطُوبَةِ، وَقَدْ يَكُونُ الصَّرَعُ مِنَ الْجِنِّ، وَلَا يَقَعُ إِلَّا مِنَ النُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ مِنْهُمْ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَطِبَّاءِ. (وَإِنَّى أَتَكَشَّفُ) : بِمُثَنَّاةٍ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ التَّكَشُّفِ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَبِالنُّونِ السَّاكِنَةِ مُخَفَّفًا مِنَ الِانْكِشَافِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا خَشِيَتْ أَنْ تَظْهَرَ عَوْرَتُهَا وَهِيَ لَا تَشْعُرُ. (فَادْعُ اللَّهَ لِي) أَيْ: بِالْعَافِيَةِ التَّامَّةِ. (فَقَالَ: " إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ) : فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى جَوَازِ تَرْكِ الدَّوَاءِ بِالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ، وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ، بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّ إِدَامَةَ الصَّبْرِ مَعَ الْمَرَضِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَافِيَةِ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ الْأَفْرَادِ مِمَّنْ لَا يُعَطِّلُهُ الْمَرَضُ عَمَّا هُوَ بِصَدَدِهِ عَنْ نَفْعِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ تَرْكَ التَّدَاوِي أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ يُسَنُّ التَّدَاوِي لِخَبَرِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ «قَالُوا: أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: " تَدَاوَوْا ; فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ الْهَرَمِ» " وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ إِذْ فِيهِ مُبَاشَرَةُ الْأَسْبَابِ مَعَ شُهُودِ خَالِقِهَا ; وَلِأَنَّهُ ﷺ فَعَلَهُ، وَهُوَ سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ تَرَكَ التَّدَاوِي تَوَكُّلًا كَمَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَضِيلَةً. (وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكَ " فَقَالَتْ: أَصْبِرُ) أَيْ: عَلَى الصَّرَعِ. (فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا اللَّهَ لَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2311

١٥٧٨ - وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: هَنِيئًا لَهُ، مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَيْحَكَ، وَمَا يُدْرِيكَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ فَكَفَّرَ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ» " رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. ــ ١٥٧٨ - (وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا جَاءَهُ الْمَوْتُ) أَيْ: فَجْأَةً. (فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ) ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: هَنِيئًا لَهُ: مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. (مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ) : اسْتِئْنَافٌ مُمْتَدٌّ لِمُوجِبِ التَّهْنِئَةِ، وَالْوَاوُ حَالِيَّةٌ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَيْحَكَ) فِي النِّهَايَةِ: وَيْحَ كَلِمَةُ تَرَحُّمٍ وَتَوَجُّعٍ، أَيْ: لَا تَمْدَحْ عَدَمَ الْمَرَضِ، وَإِنَّمَا تَرَحَّمْ عَلَيْهِ لِعُذْرِهِ فِي ظَنِّهِ أَنَّ عَدَمَ الْمَرَضِ مَكْرُمَةٌ. (مَا يُدْرِيكَ) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكَ أَنَّ فَقْدَ الْمَرَضِ مَكْرُمَةٌ؟ (لَوْ أَنَّ اللَّهَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: " لَوْ " لِلتَّمَنِّي ; لَأَنَّ الِامْتِنَاعِيَّةَ لَا تُجَابُ بِالْفَاءِ أَيْ: لَا تَقُلْ هَنِيئًا لَهُ، لَيْتَ أَنَّ اللَّهَ. (ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ) وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ لَوِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ. (فَكَفَّرَ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ) : وَعَلَى الْأَوَّلِ مَا يُدْرِيكَ مُعْتَرِضَةٌ، وَعَلَى الثَّانِي مُتَّصِلَةٌ بِمَا بَعْدَهَا. (رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا) : لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ تَابِعِيٌّ، وَكَانَ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، عَالِمًا وَرِعًا، صَالِحًا زَاهِدًا، مَشْهُورًا بِالْفِقْهِ وَالدِّينِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ.

стр. 2312

١٥٧٩ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ) ، وَالصُّنَابِحِيِّ) ﵄: أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى رَجُلٍ مَرِيضٍ يَعُودَانِهِ، فَقَالَا لَهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟) قَالَ: أَصْبَحْتُ بِنِعْمَةٍ) . قَالَ شَدَّادٌ: أَبْشِرْ بِكَفَّارَاتِ السَّيِّئَاتِ) ، وَحَطِّ الْخَطَايَا) ; فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إِذَا أَنَا ابْتَلَيْتُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنًا، فَحَمِدَنِي عَلَى مَا ابْتَلَيْتُهُ، فَإِنَّهُ يَقُومُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا، وَيَقُولُ الرَّبُّ ﵎: أَنَا قَيَّدْتُ عَبْدِي وَابْتَلَيْتُهُ، فَأَجْرُوا لَهُ مَا كُنْتُمْ تُجْرُونَ لَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ١٥٧٩ - (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ: هُوَ ابْنُ أَخِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ. قَالَ عِبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ: كَانَ شَدَّادٌ مِمَّنْ أُوتِيَ الْعِلْمَ وَالْحُكْمَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ. (وَالصُّنَابِحِيِّ: بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، مَنْسُوبٌ إِلَى صُنَابِحِ بْنِ زَاهِرٍ، بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّ الصُّنَابِحِيَّ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّابِعِيُّ، لَا عَبْدَ اللَّهِ الصَّحَابِيَّ قَالَ: وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الصَّحَابَةِ، والصُّنَابِحِيُّ قَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. (أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى رَجُلٍ مَرِيضٍ يَعُودَانِهِ، فَقَالَا لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ : فِيهِ أَنَّ الْعِيَادَةَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَفْضَلُ (قَالَ: أَصْبَحْتُ بِنِعْمَةٍ أَيْ: مَصْحُوبًا بِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وَهِيَ نِعْمَةُ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ لِلْقَضَاءِ. (قَالَ شَدَّادٌ: أَبْشِرْ بِكَفَّارَاتِ السَّيِّئَاتِ أَيِ: الْمَعَاصِي. (وَحَطِّ الْخَطَايَا أَيْ: وَضْعِ التَّقْصِيرَاتِ فِي الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ. (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إِذَا أَنَا) : فَائِدَتُهُ تَقَدُّمُ الْحُكْمِ، وَبَيَانُ مَزِيدِ الِاعْتِنَاءِ بِهِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَرْضَى بِهِ لِعِظَمِ فَائِدَتِهِ. (ابْتَلَيْتُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنًا) : نَعْتٌ أَوْ حَالٌ. (فَحَمِدَنِي عَلَى مَا ابْتَلَيْتُهُ) أَيْ: مَا بِهِ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ وَجَعٍ. (فَإِنَّهُ يَقُومُ مِنْ مَضْجَعِهِ) أَيْ: مَرْقَدِهِ. (ذَلِكَ) أَيِ: الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَالْمُرَادُ مِنْ مَرَضِهِ سُمِّيَ بِاسْمِ مُلَازِمِهِ غَالِبًا، وَهُوَ مُتَجَرِّدٌ بَاطِنًا عَنْ ذُنُوبِهِ. (كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَفِي نُسَخٍ بِالْجَرِّ أَيْ: كَتَجَرُّدِهِ ظَاهِرًا فِي وَقْتِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. (مِنَ الْخَطَايَا) : قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَرَضَ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِذَا حَمِدَ الْمَرِيضُ عَلَى ابْتِلَائِهِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ رَخَّصَ ذَلِكَ بِالصَّغَائِرِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ قَوْلِهِ: كَفَّارَاتٌ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ فَحَمَلُوا الْمُطْلَقَاتِ الْوَارِدَةَ فِي التَّكْفِيرِ عَلَى الْمُقَيَّدِ. (وَيَقُولُ الرَّبُّ ﵎: أَنَا قَيَّدْتُ عَبْدِي) أَيْ: حَبَسْتُهُ بِالْمَرَضِ. (وَابْتَلَيْتُهُ) أَيِ: امْتَحَنْتُهُ لِيَظْهَرَ مِنْهُ الشُّكْرُ أَوِ الْكُفْرُ. (فَأَجْرُوا لَهُ) : أَمْرٌ مِنَ الْإِجْرَاءِ. (مَا كُنْتُمْ تُجْرُونَ لَهُ) أَيْ: مِنْ كِتَابَةِ الْأَعْمَالِ. (وَهُوَ صَحِيحٌ) : حَالٌ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) قَالَ مِيرَكُ: عَنِ الْمُنْذِرِيِّ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ.

стр. 2313

١٥٨٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرُهَا مِنَ الْعَمَلِ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْحَزَنِ لِيُكَفِّرَهَا عَنْهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ١٥٨٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرُهَا مِنَ الْعَمَلِ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْحُزْنِ» ) أَيْ: بِأَسْبَابِهِ، وَهُوَ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَبِفَتْحَتَيْنِ. (لِيُكَفِّرَهَا) أَيِ: الذُّنُوبَ. (عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الْعَبْدِ بِسَبَبِ الْحَزَنِ، وَقَدْ رُوِيَ: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) قَالَ مِيرَكُ: وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا لَيْثَ بْنَ سُلَيْمٍ.

стр. 2314

١٥٨١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ عَادَ مَرِيضًا، لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ الرَّحْمَةَ) حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ اغْتَمَسْ فِيهَا» ". رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ. ــ ١٥٨١ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ عَادَ مَرِيضًا، لَمْ يَزَلْ. يَخُوضُ الرَّحْمَةَ» أَيْ: يَدْخُلُ فِيهَا مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ بِنِيَّةِ الْعِبَادَةِ. (حَتَّى يَجْلِسَ) : أَيْ: عِنْدَهُ. (فَإِذَا جَلَسَ اغْتَمَسْ) أَيْ: غَاصَ، وَفِي رِوَايَةٍ: " اسْتَغْرَقَ فِيهَا " قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ الرَّحْمَةَ بِالْمَاءِ إِمَّا فِي الطَّهَارَةِ، أَوْ فِي الشُّيُوعِ وَالشُّمُولِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ) أَيْ: بَلَاغًا. (وَأَحْمَدُ) أَيْ: مُسْنَدًا وَرُوَاتُهُ رُوَاةُ الصَّحِيحِ، وَالْبَزَّارُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ عَادَ مَرِيضًا خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ، فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ اسْتَنْقَعَ فِيهَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، والطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَرَوَاهُ فِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَزَادَ: " وَإِذَا قَامَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَا يَزَالُ يَخُوضُ فِيهَا حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ حَيْثُ خَرَجَ " وَإِسْنَادُهُ إِلَى الْحَسَنِ أَقْرَبُ. وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا فَإِنَّمَا يَخُوضُ الرَّحْمَةَ، فَإِذَا قَعَدَ عِنْدَ الْمَرِيضِ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ ". قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لِلصَّحِيحِ الَّذِي يَعُودُ الْمَرِيضَ، فَمَا لِلْمَرِيضِ؟ قَالَ: " تَحُطُّ عَنْ ذُنُوبِهِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، والطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَزَادَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» " كَذَا حَرَّرَهُ مِيرَكُ.

стр. 2315

١٥٨٢ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى، فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ، فَلْيَسْتَنْقِعْ فِي نَهْرٍ جَارٍ وَلْيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ، فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ، وَصَدِّقْ رَسُولَكَ. بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلْيَنْغَمِسْ فِيهِ ثَلَاثَ غَمْسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي ثَلَاثٍ فَخَمْسٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي خَمْسٍ فَسَبْعٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي سَبْعٍ فَتِسْعٍ، فَإِنَّهَا لَا تَكَادَ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّهِ » " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ١٥٨٢ - وَعَنْ ثَوْبَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى " أَيْ: أَخَذَتْهُ. ( «فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ» ) أَيْ: لِشِدَّةِ مَا يَلْقَى الْمَرِيضُ فِيهَا مِنَ الْحَرَارَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: جَوَابُ إِذَا فَلْيَعْلَمْ أَنَّهَا كَذَلِكَ. (فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ) أَيِ: الْبَارِدُ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فَلْيُطْفِئْهَا، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ الْحُمَّى. مُعْتَرِضَةٌ. (فَلْيَسْتَنْقِعْ فِي نَهْرٍ جَارٍ) : بَيَانٌ لِلْإِطْفَاءِ. (وَلْيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيُفْتَحُ: قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ: مَا أَشَدَّ جِرْيَةَ هَذَا الْمَاءِ بِالْكَسْرِ، وَلَعَلَّ هَذَا خَاصٌّ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْحُمَّى الصَّفْرَاوِيِّ الَّتِي يَأْلَفُهَا أَهْلُ الْحِجَازِ، فَإِنَّ مِنَ الْحُمَّى مَا يَكَادُ مَعَهَا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ قَاتِلًا، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمَرِيضِ إِطْفَاؤُهَا بِالْمَاءِ إِلَّا بَعْدَ مُشَاوَرَةِ طَبِيبٍ حَاذِقٍ ثِقَةٍ. (فَيَقُولُ) أَيْ: حَالَ الِاسْتِقْبَالِ. (بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ، وَصَدِّقْ رَسُولَكَ) أَيِ: اجْعَلْ قَوْلَهُ هَذَا صَادِقًا بِأَنْ تَشْفِيَنِي، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) : ظَرْفٌ لِ (لْيَسْتَنْقِعْ) ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلْيَنْغَمِسْ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَلْيَغْمِسْ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ. (فِيهِ) أَيْ: فِي النَّهْرِ أَوْ فِي مَائِهِ. (ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ. (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: (وَلْيَنْغَمِسْ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: (فَلْيَسْتَنْقِعْ) جِيءَ بِهِ لِتَعَلُّقِ الْمَرَّاتِ. (فَإِذَا لَمْ يَبْرَأْ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ. (فِي ثَلَاثٍ) أَيْ: ثَلَاثِ غَمَسَاتٍ، أَوْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. (فَخَمْسٌ) : بِالرَّفْعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: فَالْأَيَّامُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَنْغَمِسَ فِيهَا خَمْسٌ أَوْ فَالْمَرَّاتُ اهـ. وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ فَفِي خَمْسٍ (فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي خَمْسٍ فَسَبْعٍ) : بِالْوَجْهَيْنِ (فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي سَبْعٍ فَتِسْعٍ) : كَذَلِكَ (فَإِنَّهَا) أَيِ: الْحُمَّى (لَا تَكَادُ) أَيْ: تَقْرُبُ. (تُجَاوِزُ تِسْعًا) أَيْ: بَعْدَ هَذَا الْعَمَلِ. (بِإِذْنِ اللَّهِ -) أَيْ: بِإِرَادَتِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ لَهَا بِالذَّهَابِ وَعَدَمِ الْعَوْدِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
следующие страницы →