Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٦٠٦ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنْ شِئْتُمْ أَنْبَأْتُكُمْ مَا أَوَّلُ مَا يَقُولُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا أَوَّلُ مَا يَقُولُونَ لَهُ، قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي؟ يَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبَّنَا. فَيَقُولُ: لِمَ؟ فَيَقُولُونَ: رَجَوْنَا عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ. فَيَقُولُ: قَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ مَغْفِرَتِي» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
١٦٠٦ - (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنْ شِئْتُمْ أَنْبَأَتْكُمْ) أَخْبَرَتْكُمْ، وَعَلَّقَهُ بِمَشِيئَتِهِمْ لِأَنَّهُ مِمَّا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ، وَلِحَثِّهِمْ عَلَى التَّفَرُّغِ لِسَمَاعِهِ. (مَا أَوَّلُ مَا يَقُولُ اللَّهُ) مَا الْأُولَى اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَالثَّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ. (لِلْمُؤْمِنِينَ) بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ أَوْ رَسُولٍ. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ مَا يَقُولُونَ) أَيِ: الْمُؤْمِنُونَ. (لَهُ؟)
стр. 2347
أَيِ: اللَّهِ تَعَالَى. (قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ) ، وَهَذَا تَوْطِئَةٌ لِلتَّهَيُّؤِ بِالْإِصْغَاءِ لِلْكَلَامِ ; لِيَحْصُلَ الْإِدْرَاكُ عَلَى الْوَجْهِ التَّامِّ. (قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ هَلْ أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي؟) مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ الْمَصِيرَ إِلَى دَارِ الْآخِرَةِ أَوْ بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَفِي الثَّانِي نَظَرٌ. (فَيَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبَّنَا) اسْتِعْطَافًا لِمَزِيدِ عَطَائِهِ وَرِضْوَانِهُ. (فَيَقُولُ: لِمَ؟) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: لِأَيِّ سَهْوٍ أَذْنَبْتُمْ؟ وَالصَّحِيحُ لِمَ أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي؟ . (فَيَقُولُونَ؟ رَجَوْنَا عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ) وَفِيهِ أَنَّ مِنْ حَسَّنَ الظَّنَّ بِاللَّهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ الِاسْتِفْهَامِ مَعَ عِلْمِهِ تَعَالَى بِبَوَاطِنِهِمْ إِعْلَامُ السَّامِعِينَ بِسَبَبِ مَحَبَّتِهِمْ لِلِقَائِهِ عَلَى حَدِّ: ﴿أَوْ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] أَوِ الْمُرَادُ زِيَادَةُ الِانْبِسَاطِ وَالتَّلَذُّذِ بِهِمْ لِسَمَاعِ كَلَامِ الرَّبِّ عَلَى الْبِسَاطِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧] ، فَيَقُولُ: (قَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ) لِي تَثَبَّتْتُ، فَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: " «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ وَاثِلَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: «إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ» . رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَحَبَّةَ لِقَائِهِ تَعَالَى عَلَامَةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِقَاءَهُ ; لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِهَذِهِ فَإِنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمَةٌ، وَكَذَا حُكْمُ الْكَرَاهَةِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى عَدَمِ الرِّضَا، فَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] ، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] . (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ) وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ. قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَذَا فِي التَّصْحِيحِ.
стр. 2348
١٦٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٦٠٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» ) وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: قَاطِعِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ: كَاسِرِهَا قَالَ مِيرَكُ: صَحَّحَ الشَّارِحُ الطِّيبِيُّ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ حَيْثُ قَالَ: شَبَّهَ اللَّذَّاتِ الْفَانِيَةَ، وَالشَّهَوَاتِ الْعَاجِلَةَ، ثُمَّ زَوَالَهَا بِبِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ يَنْهَدِمُ بِصَدَمَاتٍ هَائِلَةٍ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُنْهَمِكَ فِيهَا بِذِكْرِ الْهَادِمِ لِئَلَّا يَسْتَمِرَّ عَلَى الرُّكُونِ إِلَيْهَا يَشْتَغِلُ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِرَارِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ. (وَأَنْشَدَ) زَيْنُ الْعَابِدِينَ:
فَيَا عَامِرَ الدُّنْيَا وَيَا سَاعِيًا لَهَا ... وَيَا آمِنًا مِنْ أَنْ تَدُورَ الدَّوَائِرُ
أَتَدْرِي بِمَاذَا لَوْ غَفَلْتَ تُخَاطِرُ ... فَلَا ذَاكَ مَوْفُورٌ وَلَا ذَاكَ غَامِرُ.
اهـ كَلَامُهُ. لَكِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمَهَمَّاتِ: الْهَاذِمُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، هُوَ الْقَاطِعُ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَقَدْ صَرَّحَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ بِأَنَّ الرَّاوِيَةَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَتْلِ وَحْشِيٍّ لِحَمْزَةَ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: هَادِمٌ يُرْوَى بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: دَافِعُهَا أَوْ مُخَرِّبُهَا وَبِالْمُعْجَمَةِ أَيْ: قَاطِعُهَا، وَاخْتَارَ بَعْضٌ مِنْ مَشَايِخِنَا وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُصَحِّحِ الْخِطَابَ غَيْرُهُ وَجَعَلَ الْأَوَّلَ مِنْ غَلَطِ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الْمَوْتِ) بِالْجَرِّ عَطْفُ بَيَانٍ، وَبِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هُوَ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي يَعْنِي اذْكُرُوهُ وَلَا تَنْسَوْهُ حَتَّى لَا تَغْفُلُوا عَنِ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَتْرُكُوا تَهْيِئَةَ زَادِ الْآخِرَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) وَزَادَ: فَإِنَّهُ لَا يُذْكَرُ فِي كَثِيرٍ إِلَّا قَلَّلَهُ وَلَا فِي قَلِيلٍ إِلَّا كَثَّرَهُ. (وَابْنُ مَاجَهْ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، زَادَ: فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فِي ضَيْقٍ إِلَّا وَسِعَهُ، وَلَا ذَكَرَهُ فِي سِعَةٍ إِلَّا ضَيَّقَهَا عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ مِيرَكُ وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَيْضًا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ وَأَحْزَمُ النَّاسِ؟ فَقَالَ: " أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وَاسْتِعْدَادًا لِلْمَوْتِ، أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَةِ الْآخِرَةِ.»
стр. 2349
١٦٠٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) : «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ) (لِأَصْحَابِهِ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ. قَالُوا: إِنَّا نَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) » . (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
ــ
١٦٠٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) وَفِي نُسْخَةٍ: قَالَ: إِنَّ. (نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمِ) قِيلَ: (ذَاتَ) مُقْحَمٌ، وَقِيلَ: صِفَةٌ لِمُدَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ كَذَاتِ زَيْدٍ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ بِإِرَادَةِ مُطْلَقِ الزَّمَانِ. ( «لِأَصْحَابِهِ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» ) أَيِ: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ. ( «قَالُوا: إِنَّا نَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ» ) لَمْ يَقُولُوا: حَقَّ الْحَيَاءِ اعْتِرَافًا بِالْعَجْزِ عَنْهُ. (يَا نَبِيَّ اللَّهِ) يَعْنِي وَأَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ. (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ: عَلَى تَوْفِيقِنَا بِهِ. (قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ) أَيْ: لَيْسَ حَقَّ الْحَيَاءِ) أَنْ تَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَحْيِي وَكَانَ الْقِيَاسُ ذَلِكُمْ وَكَأَنَّهُ نَزَّلَهُمْ مَنْزِلَةَ الْمُفْرَدِ فِيمَا يَنْبَغِي لَهُمْ مِنَ التَّعَاضُدِ وَالِاتِّحَادِ وَلَكِنْ. ( «مَنِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَا» ) أَصْلُهُ الْهَمْزَةُ وَلَكِنْ خَفَّفَ الْهَمْزَةَ بِحَذْفِهَا وَقْفًا وَهُوَ الْمُنَاسِبُ هُنَا رِعَايَةً لِلسَّجْعِ. (فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ) أَيْ: عَنِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ خِدْمَةِ اللَّهِ بِأَنْ لَا يَسْجُدَ لِصَنَمٍ أَوْ لِأَحَدٍ تَعْظِيمًا لَهُ وَلَا يُصَلِّيَ لِلرِّيَاءِ، وَلَا يَخْضَعَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَا يَرْفَعَهُ تَكَبُّرًا. (وَمَا وَعَى) أَيْ: «وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، جَمْعُهُ الرَّأْسَ مِنَ اللِّسَانِ وَالْعَيْنِ وَالْأُذُنِ عَمَّا لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ. ( «وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ» ) أَيْ: أَكْلَ الْحَرَامِ. (وَمَا حَوَى) أَيْ: مَا اتَّصَلَ اجْتِمَاعُهُ بِهِ مِنَ الْفَرْجِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَالْقَلْبِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ مُتَّصِلَةٌ بِالْجَوْفِ، وَحِفْظُهَا بِأَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهَا فِي الْمَعَاصِي بَلْ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: لَيْسَ حَقُّ الْحَيَاةِ مِنَ اللَّهِ مَا تَحْسَبُونَهُ بَلْ أَنْ يَحْفَظَ نَفْسَهُ بِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ، وَقَوْلُهُ: عَمَّا لَا يَرْضَاهُ فَلْيَحْفَظْ رَأْسَهُ وَمَا وَعَاهُ مِنَ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَاللِّسَانِ وَالْبَطْنِ، وَمَا حَوَى أَيْ: لَا يَجْمَعُ فِيهِ إِلَّا الْحَلَالَ. ( «وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى» ) بِكَسْرِ الْبَاءِ مِنْ بَلَى الشَّيْءُ إِذَا صَارَ خَلِقًا مُتَفَتِّتًا يَعْنِي وَلْيَذْكُرْ صَيْرُورَتَهُ فِي الْقَبْرِ عِظَامًا بَالِيَةً. ( «وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا» ) فَإِنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ حَتَّى لِلْأَقْوِيَاءِ. (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ: جَمِيعَ مَا ذُكِرَ. ( «فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ الْأَكَابِرِ: إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، قُلْتُ: وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «أَنَّهُ ﷺ أَبْصَرَ جَمَاعَةً يَحْفِرُونَ قَبْرًا فَبَكَى حَتَّى بَلَّ التُّرَابَ بِدُمُوعِهِ، وَقَالَ إِخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا» .
стр. 2350
١٦٠٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
١٦٠٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ» ) لِأَنَّهُ وَسِيلَةُ السَّعَادَاتِ الْأَبَدِيَّةِ، وَذَرِيعَةُ الْوُصُولِ إِلَى مَحْضَرِ الْقُدْسِ، وَمَحْفَلِ الْأُنْسِ فَالنَّظَرُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى غَايَتِهِ، مُعْرِضٌ عَنْ بِدَايَتِهِ مِنَ الْفَنَاءِ وَالزَّوَالِ وَالتَّمَزُّقِ وَالِاضْمِحْلَالِ، أَوْ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِرُوحِ الرُّوحِ، وَالْقَالَبُ إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَفَصِ وَفِي النِّهَايَةِ التُّحْفَةُ طُرْفَةُ الْفَاكِهَةِ، وَقَدْ تُفْتَحُ الْحَاءُ ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْفَاكِهَةِ مِنَ الْأَلْطَافِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: أَصْلُهَا وَحْفَةٌ فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ تَاءً ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْقَامُوسِ التُّحْفَةُ بِالضَّمِّ الطُّرْفَةُ جَمْعُ تُحَفٍ وَقَدْ أَتْحَفَهُ تُحْفَةً أَوْ أَصْلُهَا وَحْفَةً. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْمُنْذِرِيِّ.
стр. 2351
١٦١٠ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
ــ
١٦١٠ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ» ) قِيلَ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْمَوْتِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَامَةُ الْخَيْرِ عِنْدَ الْمَوْتِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي يَشْتَدُّ الْمَوْتُ عَلَى الْمُؤْمِنِ بِحَيْثُ يَعْرَقُ جَبِينُهُ مِنَ الشِّدَّةِ لِتَمْحِيصِ ذُنُوبِهِ أَوْ لِتَزِيدَ دَرَجَتُهُ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُكَابِدُهُ مِنْ شِدَّةِ السِّيَاقِ الَّتِي يَعْرَقُ دُونَهَا الْجَبِينُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ كَدِّ الْمُؤْمِنِ فِي طَلَبِ الْحَلَالِ وَتَضْيِيقِهِ عَلَى نَفْسِهُ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَسَنٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ. (وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ.
стр. 2352
١٦١١ - (وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ الْأَسَفِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ «أَخْذَةُ الْأَسَفِ لِلْكَافِرِ، وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِ» ) .
ــ
١٦١١ - (وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بِالتَّصْغِيرِ فِي النُّسْخَةِ الْمُصَحَّحَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: عَبْدِ اللَّهِ. (ابْنِ خَالِدٍ) وَكَتَبَ مِيرَكُ فِي هَامِشِ كِتَابِهِ صَوَابُهُ عَبِيدُ بْنُ خَالِدٍ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدٍ السُّلَمِيَّ الْمُهَاجِرِيَّ، سَكَنَ الْكُوفَةَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينِ، وَفِي الْمَعْنَى: عَبِيدُ بْنُ خَالِدٍ عَلَى الصَّوَابِ وَقِيلَ: هُوَ عَبْدَةُ بْنُ خَالِدٍ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْتُ الْفُجْأَةِ) بِضَمِّ الْفَاءِ مَدًّا وَفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْجِيمِ قَصْرًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ مَصْدَرُ فَجَأَهُ الْأَمْرُ إِذَا جَاءَ بَغْتَةً، وَقَدْ جَاءَ مِنْهُ فِعْلٌ بِالْفَتْحِ. وَفِي النِّهَايَةِ: فَجَأَهُ الْأَمْرُ فُجَاءَةً بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ وَفَجْأَةً بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ الْجِيمِ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ فَجَأَ مُفَاجَأَةً إِذَا جَاءَهُ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ سَبَبٍ. وَفِي الْقَامُوسِ: فَجَأَهُ كَسَمِعَهُ وَمَنَعَهُ فَجَأَ وَفُجَاءَةً هَجَمَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ: بِضَمِّ الْفَاءِ مَعَ الْقَصْرِ فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي اللُّغَةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلرِّوَايَةِ ثُمَّ الْمَوْتُ شَامِلٌ لِلْقَتْلِ أَيْضًا إِلَّا الشَّهَادَةَ. (أَخْذَةُ الْأَسَفِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَرُوِيَ بِكَسْرِهَا وَالْقَامُوسُ الْأَسَفُ مُحَرَّكَةً أَشَدُّ الْحُزْنِ أَسِفَ كَ فَرِحَ وَعَلَيْهِ غَضَبٌ، «وَسُئِلَ ﷺ عَنْ مَوْتِ الْفُجْأَةِ فَقَالَ: " رَاحَةُ الْمُؤْمِنِ وَأَخْذَةُ أَسَفٍ لِلْكَافِرِ» . وَيُرْوَى أَسِفٌ كَ (كَتِفٍ) أَيْ: أَخْذَةُ سُخْطِ أَوْ سَاخِطًا اهـ.
فِي الْفَائِقِ أَيْ: أَخْذَةُ سُخْطٍ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] أَيْ: أَغْضَبُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ; لِأَنَّ الْغَضْبَانَ لَا يَخْلُو عَنْ حُزْنٍ وَلَهَفٍ فَقِيلَ لَهُ: آسِفٌ حَتَّى كَثُرَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي مَوْضِعٍ لَا مَجَالَ فِيهِ لِلْحُزْنِ، وَهَذَا بِالْإِضَافَةِ فِيهِ بِمَعْنًى مِنْ نَحْوِ خَاتَمِ فِضَّةٍ. قَالَ الزَّيْنُ: لِأَنَّ اسْمَ الْغَصْبِ يَقَعُ عَلَى الْأَخْذَةِ وُقُوعَ اسْمِ الْفِضَّةِ عَلَى الْخَاتَمِ. قَالُوا: رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الْأَسِفُ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا، فَالْكَسْرُ الْغَضْبَانُ، وَالْفَتْحُ الْغَضَبُ أَيْ: مَوْتُ الْفُجْأَةِ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ غَضَبِ اللَّهِ فَلَا يَتْرُكُهُ لِيَسْتَعِدَّ لِمَعَادِهِ بِالتَّوْبَةِ، وَإِعْدَادِ زَادِ الْآخِرَةِ وَلَمْ يُمْرِضْهُ لِيَكُونَ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] وَهُوَ خَاصٌّ بِالْكُفَّارِ لِمَا رُوِيَ: أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «مَوْتُ الْفُجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، وَأَخْذَةُ أَسَفٍ لِلْكَافِرِ» . وَقَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ: رُوِيَ آسِفٌ بِوَزْنِ فَاعِلٍ، وَهُوَ الْغَضْبَانُ كَذَا ذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ فَقَالَ: عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ مَرَّةً عَنْ عُبَيْدٍ يَعْنِي وَقَفَهُ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَحَدِيثُ عُبَيْدٍ رِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، وَالْوَقْفُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ فَإِنَّ مِثْلَهُ لَا يُؤْخَذُ بِالرَّأْيِ، كَيْفَ وَقَدْ أَسْنَدَهُ الرَّاوِي مَرَّةً؛ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ أَخْذَةُ أَسَفٍ) وَفِي صَحِيحِهِ أَخْذَةُ الْأَسَفِ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا. (لِلْكَافِرِ وَرَحْمَةٌ) بِالرَّفْعِ. (لِلْمُؤْمِنِ)
стр. 2353
١٦١٢ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: أَرْجُو اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
١٦١٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ) أَيْ: فِي سَكَرَاتِهِ. (فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟) أَيْ: أَطَيِّبًا أَمْ مَغْمُومًا؟ قَالَهُ الزَّيْنُ: وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ أَوْ نَفْسَكَ فِي التَّنْقَالِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ، أَرَاجِيًا رَحْمَةَ اللَّهِ أَوْ خَائِفًا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ؟ . (قَالَ: أَرْجُو اللَّهَ) أَيْ: أَجِدُنِي أَرْجُو رَحْمَتَهُ. (يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنِّي) أَيْ: مَعَ هَذَا. (أَخَافَ ذُنُوبِي) قَالَ الطِّيبِيُّ: عَلَّقَ الرَّجَاءَ بِاللَّهِ وَالْخَوْفَ بِالذَّنْبِ وَأَشَارَ بِالْفِعْلِيَّةِ إِلَى أَنَّ الرَّجَاءَ حَدَثَ عِنْدَ السِّيَاقِ، وَبِالِاسْمِيَّةِ وَالتَّأْكِيدِ إِلَى أَنَّ خَوْفَهُ كَانَ مُسْتَمِرًّا مُحَقَّقًا. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَجْتَمِعَانِ) بِالتَّذْكِيرِ. أَيِ: الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ عَلَى مَا فِي الْمَفَاتِيحِ وَغَيْرِهِ، وَبِالتَّأْنِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ: أَيْ: هَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ. (فِي قَلْبِ عَبْدٍ) أَيْ: مِنْ عِبَادِ اللَّهِ. (فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ) أَيْ: فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَهُوَ زَمَانُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَمِثْلُهُ كَانَ زَمَانٌ يُشْرِفُ عَلَى الْمَوْتِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا: كَوَقْتِ الْمُبَارَزَةِ، وَزَمَانِ الْقِصَاصِ وَنَحْوِهِمَا، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى الْقَوْلِ بِزِيَادَةِ الْمِثْلِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مِثْلُ زَائِدَةٌ، وَالْمَوْطِنُ إِمَّا مَكَانٌ أَوْ زَمَانٌ كَمَقْتَلِ الْحُسَيْنِ ﵁ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: إِمَّا مَكَانٌ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ كَمَا لَا يَخْفَى ثُمَّ مِنَ الْغَرِيبِ جَعْلُ ابْنِ حَجَرٍ مِثْلَ هَذَا الْمَوْطِنِ كَمِثْلِكَ لَا يَبْخَلُ وَكَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَالْحَالُ أَنَّ الْمِثْلَ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ غَيْرُ زَائِدٍ ; لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ بِقَوْلِهِ: مِثْلُكَ لَا يَبْخَلُ فَأَنْتَ أَوْلَى بِأَنْ لَا تَبْخَلَ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ النَّفْيُ بِالطَّرِيقِ الْبُرْهَانِيِّ كَمَا هُوَ أَحَدُ الْأَجْوِبَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وَهُوَ مَسْلَكٌ دَقِيقٌ، وَبِالتَّأْوِيلِ حَقِيقٌ، وَقَدْ حَرَّرْنَاهُ مَعَ سَائِرِ الْأَجْوِبَةِ فِي الْمَوَاضِعِ اللَّائِقَةِ بِهِ. (إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو) أَيْ: مِنَ الرَّحْمَةِ. (وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ) أَيْ: مِنَ الْعُقُوبَةِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قَالَ مِيرَكُ: عَنِ الْمُنْذِرِيِّ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَيْضًا.
стр. 2354
١٦١٣ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ ; فَإِنَّ هَوْلَ الْمُطَّلَعِ شَدِيدٌ، وَإِنَّ مِنَ السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمْرُ الْعَبْدِ وَيَرْزُقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٦١٣ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ» ) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ. (فَإِنَّ هَوْلَ الْمُطَّلَعِ) بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَفَتْحٍ اسْمُ مَكَانِ الِاطِّلَاعِ أَوْ زَمَانِهِ، أَوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا يَلْقَاهُ الْمَرِيضُ عِنْدَ النَّزْعِ وَيُشْرِفُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ. (شَدِيدٌ، وَإِنَّ مِنَ السَّعَادَةِ) أَيِ: الْعُظْمَى. (أَنْ يَطُولَ عُمُرُ الْعَبْدِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَيُسَكَّنُ. (وَيَرْزُقُهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ) أَيِ: الرُّجُوعَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَدَوَامَ الْحُضُورِ بِالْعِصْمَةِ أَوَّلًا أَوْ بِالتَّوْبَةِ آخِرًا فِي النِّهَايَةِ الْمُطَّلَعُ مَكَانُ الِاطِّلَاعِ مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ يُقَالُ: مُطَّلَعُ هَذَا الْجَبَلِ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا أَيْ: مَأْتَاهُ وَمَصْعَدُهُ يُرِيدُ لَهُ مَا يُشْرِفُ عَلَيْهِ مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَشَدَائِدِهِ، فَشَبَّهَهُ بِالْمُطَّلَعِ الَّذِي يُشْرِفُ عَلَيْهِ مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ أَقُولُ عَلَّلَ النَّهْيَ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ أَوَّلًا بِشِدَّةِ الْمُطَّلَعِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَمَنَّاهُ قِلَّةَ صَبْرٍ وَضَجَرٍ فَإِذَا جَاءَ مُتَمَنَّاهُ يَزْدَادُ ضَجَرًا عَلَى ضَجَرٍ فَيَسْتَحِقُّ مَزِيدَ سُخْطٍ، وَثَانِيًا بِحُصُولِ السَّعَادَةِ فِي طُولِ الْعُمْرِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا خُلِقَ لِاكْتِسَابِ السَّعَادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ، وَرَأْسُ مَالِهِ الْعُمْرُ، وَهَلْ رَأَيْتَ تَاجِرًا يُضَيِّعُ رَأْسَ مَالِهِ؟ ! فَإِذًا بِمَ يَرْبَحُ؟ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ مِيرَكُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْمُطَّلَعِ زَمَانَ اطِّلَاعِ مَلَكِ الْمَوْتِ، أَوِ الْمُنْكَرِ وَالنَّكِيرِ، أَوْ زَمَانَ اطِّلَاعِ اللَّهِ تَعَالَى بِصِفَةِ الْغَضَبِ فِي الْقِيَامَةِ، أَوْ زَمَانَ الِاطِّلَاعِ عَلَى أُمُورٍ تَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَوْتِ، وَلَعَلَّهُ أَوْجَهُ وَأَقْرَبُ، وَبِالْمَقَامِ أَنْسَبُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) قَالَ مِيرَكُ: بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا.
стр. 2355
١٦١٤ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «جَلَسْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَّرَنَا وَرَقَّقَنَا فَبَكَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ، فَقَالَ يَا لَيْتَنِي مِتُّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يَا سَعْدُ، أَعِنْدِي تَتَمَنَّى الْمَوْتَ " فَرَدَّدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: " يَا سَعْدُ، إِنْ كُنْتَ خُلِقْتَ لِلْجَنَّةِ فَمَا طَالَ عُمْرُكَ وَحَسُنَ مِنْ عَمَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٦١٤ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -) ﷺ أَيْ: مُتَوَجِّهِينَ إِلَيْهِ. (فَذَكَّرَنَا) بِالتَّشْدِيدِ أَيِ: الْعَوَاقِبَ أَوْ وَعَظَنَا. (وَرَقَّقَنَا) أَيْ: زَهَّدَنَا فِي الدُّنْيَا، وَرَغَّبَنَا فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: رَقَّقَ أَفْئِدَتَنَا بِالتَّذْكِيرِ. (فَبَكَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي مِتُّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا أَيْ: فِي الصِّغَرِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ مُطْلَقًا حَتَّى أَسْتَرِيحَ مِمَّا اقْتَرَفْتُ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ ( ﷺ يَا سَعْدُ، أَعِنْدِي) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ لِلْإِنْكَارِ. (تَتَمَنَّى الْمَوْتَ؟) يَعْنِي لِتَمَنِّيهِ بَعْدِي وَجْهٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا مَعَ وُجُودِي فَكَيْفَ يُطْلَبُ الْعَدَمُ؟ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَتَمَنَّى الْمَوْتَ وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ تَمَنِّيهِ ; لِمَا فِيهِ مِنَ النَّقْصِ وَعَدَمِ الرِّضَا، وَفِيهِ أَنَّ تَمَنِّيَهُ لَمْ يَكُنْ مُبَيِّنًا عَلَى عَدَمِ الرِّضَا مِنْهُ ﵁ بَلْ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نُقْصَانٍ فِي دِينِهِ، وَهُوَ مُسْتَثْنًى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعُلَمَاءُ. (فَرَدَّدَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (ذَلِكَ) أَيْ: يَا سَعْدُ إِلَخْ. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) لِتَأْكِيدِ الْإِنْكَارِ، أَوْ لِحَمْلِهِ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ. (ثُمَّ قَالَ: يَا سَعْدُ، إِنْ كُنْتَ) أَيْ لَا وَجْهَ لِتَمَنِّي الْمَوْتِ فَإِنَّكَ إِنْ كُنْتَ. (خُلِقْتَ لِلْجَنَّةِ فَمَا طَالَ عُمْرُكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْوَقْتُ مُقَدَّرٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ أَيِ: الزَّمَانُ الَّذِي طَالَ فِيهِ عُمْرُكَ اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً. (وَحَسُنَ مِنْ عَمَلِكَ) وَفِي نُسْخَةٍ بِحَذْفِ مِنْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ زَائِدَةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ أَيْ: حَسُنَ بَعْضُ عَمَلِكَ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ بَيَانِيَّةً مِنْ ضَمِيرِ حَسُنَ. (فَهُوَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ طُولِ الْعُمْرِ وَحُسْنِ الْعَمَلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْخَبَرِ لِتَضَمُّنِ الْمُبْتَدَأِ مَعْنَى الشَّرْطِ. (خَيْرٌ لَكَ) وَحُذِفَ الشِّقُّ الْآخَرُ مِنَ التَّرْدِيدِ، وَهُوَ وَإِنْ كُنْتَ خُلِقْتَ لِلنَّارِ فَلَا خَيْرَ فِي مَوْتِكَ، وَلَا يَحْسُنُ الْإِسْرَاعُ إِلَيْهِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي الْحَذْفِ مِنَ اللُّطْفِ، وَالْجُمْلَةُ جَزَاءٌ لِقَوْلِهِ: إِنْ كُنْتَ خُلِقْتَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قِيلَ هُوَ مِنَ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ فَكَيْفَ قَالَ: إِنْ كُنْتَ، أُجِيبُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّعْلِيلُ لَا الشَّكُّ أَيْ: كَيْفَ تَتَمَنَّى الْمَوْتَ عِنْدِي وَأَنَا بَشَّرْتُكَ بِالْجَنَّةِ؟ أَيْ: لَا تَتَمَنَّ لِأَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَكُلَّمَا طَالَ عُمْرُكَ زَادَتْ دَرَجَتُكَ، وَنَظِيرُهُ فِي التَّعْلِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] فَقِيلَ لَهُ: الشَّهَادَةُ خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَبْتَ، وَهِيَ إِمَّا تَحْصُلُ بِالْجِهَادِ وَيُعَضِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «عَنْ سَعْدٍ: أَنَّهُ قَالَ: أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي قَالَ ﷺ : " إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ لَكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ» اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ التَّرْدِيدَ فَرْضِيٌّ، وَتَقْدِيرِيٌّ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّ الْبِشَارَةَ تَكُونُ مُقَيَّدَةً بِالِاسْتِمْرَارِ عَلَى حَالٍ وَقْتَ الْبِشَارَةِ ; وَلِهَذَا مَا أَزَالَتْ عَنْهُمُ الْخَوْفَ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَسَبْقِ عَذَابِ النَّارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَعَ جَوَازِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَعَ لَهُ قَبْلَ الْبِشَارَةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 2356
١٦١٥ - وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرَّبٍ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعًا ; فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَتَمَنَّ) أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ) لَتَمَنَّيْتُهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَمْلِكُ دِرْهَمًا، وَإِنَّ فِي جَانِبِ بَيْتِيَ الْآنَ لَأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِكَفَنِهِ فَلَمَّا رَآهُ بَكَى وَقَالَ: لَكِنَّ حَمْزَةَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إِلَّا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، إِذَا جُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ قَلَصَتْ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَإِذَا جُعِلَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ قَلَصَتْ عَنْ رَأْسِهِ، حَتَّى مُدَّتْ عَلَى رَأْسِهِ وَجُعِلَ عَلَى قَدَمَيْهِ الْإِذْخِرُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ أُتِيَ بِكَفَنِهِ إِلَى آخِرِهِ.
ــ
١٦١٥ - (وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرَّبٍ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ التَّضْرِيبِ الْعَبْدِيِّ الْكُوفِيِّ، تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ سَمِعَ عَلِيًّا وَابْنَ مَسْعُودٍ وَغَيْرَهُمَا، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ) بِالتَّشْدِيدِ أَيِ: ابْنِ الْأَرَتِّ بِتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ، تَمِيمِيٌّ سُبِيَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَبِيعَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ حَالَفَ بَنِي زُهْرَةَ، وَأَسْلَمَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ فَعُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا لِذَلِكَ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَمَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ مُنْصَرَفَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - مِنْ صِفِّينَ فَمَرَّ بِقَبْرِهِ فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ خَبَّابًا ; أَسْلَمَ رَاغِبًا، وَهَاجَرَ طَائِعًا، وَعَاشَ مُجَاهِدًا، وَابْتُلِيَ فِي جِسْمِهِ أَحْوَالًا، وَلَنْ يُضَيِّعَ اللَّهُ أَجَرَهُ. (وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعًا) أَيْ: فِي سَبْعِ مَوَاضِعَ مِنْ بَدَنِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْكَيُّ عِلَاجٌ مَعْرُوفٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرَاضِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْكَيِّ فَقِيلَ: النَّهْيُ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الشِّفَاءَ مِنْهُ، وَأَمَّا إِذَا اعْتُقِدَ أَنَّهُ سَبَبٌ وَأَنَّ الشَّافِيَ هُوَ اللَّهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ مِنْ قِبَلِ التَّوَكُّلِ وَهُوَ دَرَجَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْجَوَازِ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ «لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ
стр. 2357
يَتَوَكَّلُونَ» . (فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَتَمَنَّ بِصِيغَةِ النَّهْيِ. (أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ أَيْ: لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ. (لِتَمَنِّيهِ) أَيْ: لِأَسْتَرِيحَ مِنْ شِدَّةِ الْمَرَضِ الَّذِي مِنْ شَأْنِ الْجِبِلَّةِ الْبَشَرِيَّةِ أَنْ تَنْفِرَ مِنْهُ وَلَا تَصْبِرَ عَلَيْهِ. (وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَمْلِكُ دِرْهَمًا) كَأَكْثَرِ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّ الْفُتُوحَاتِ الْعَظِيمَةَ لَمْ تَقَعْ إِلَى بَعْدُ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ لَمَّا افْتَتَحَ أَفْرِيقِيَّةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بَلَغَ سَهْمُ الْفَارِسِ فِيهِ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَاوُ قَسَمِيَّةٌ، وَاللَّامُ جَوَابُ الْقَسَمِ، أَقُولُ: لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ كَوْنِهَا قَسَمِيَّةٌ. قَالَ الْقَاضِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عُلِّمْتُمْ﴾ [البقرة: ٦٥] اللَّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ قَالَهُ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا فِي حَاشِيَتِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ لِلِابْتِدَاءِ، وَقَالَ عِصَامُ الدِّينِ: لَعَلَّ قَوْلَ الْبَيْضَاوِيِّ سَهْوٌ مِنَ النَّاسِخِ، وَالصَّوَابُ وَاللَّامُ بِتَقْدِيرِ الْقَسَمِ أَيْ: وَاللَّهِ، لَقَدْ عُلِّمْتُمْ ; إِذِ اللَّامُ الْمُوَطِّئَةُ مَا تُدْخِلُ شَرْطًا نَازَعَهُ الْقَسَمُ فِي جَزَائِهِ جَوَابًا اهـ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١٥] يُقَدَّرُ لِذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ الْقَسَمُ، وَمِمَّا يُحْتَمَلُ جَوَابُ الْقَسَمِ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ تُقَدَّرَ الْوَاوُ عَاطِفَةً عَلَى ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ، فَإِنَّهُ وَمَا قَبْلَهُ أَجْوِبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨] وَهَذَا مُرَادُ ابْنِ عَطِيَّةَ مِنْ قَوْلِهِ: هُوَ قَسَمٌ وَالْوَاوُ تَقْتَضِيهِ أَيْ: هُوَ جَوَابُ قَسَمٍ، وَالْوَاوُ هِيَ الْمُحَصِّلَةُ لِذَلِكَ لِأَنَّهَا عَطَفَتْ وَتَوَهَّمَ أَبُو حَيَّانَ عَلَيْهِ مَالَا يُتَوَهَّمُ عَلَى صِغَارِ الطَّلَبَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاوَ جَوَابُ قَسَمٍ فَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ حَذْفُ الْمَجْرُورِ، وَبَقَاءُ الْجَارِّ وَحَذْفُ الْقَسَمِ مَعَ كَوْنِ الْجَوَابِ مَنْفِيًّا بِأَنْ. (وَإِنَّ فِي جَانِبِ بَيْتِي) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهَا. (الْآنَ لَأَرْبَعِينَ) اللَّامُ زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. (أَلْفَ دِرْهَمٍ قَالَ) أَيْ: حَارِثَةُ. (ثُمَّ أُتِيَ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ. (بِكَفَنِهِ فَلَمَّا رَآهُ) أَيْ: مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْحُسْنِ وَالْبَهَاءِ. (بَكَى) قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ اضْطُرَّ إِلَى تَمَنِّي الْمَوْتِ، إِمَّا مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ اكْتَوَى بِسَبَبِهِ، أَوْ غِنًى خَافَ مِنْهُ، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِالْجُمْلَةِ الْقَسَمِيَّةِ، وَبَيَّنَ فِيهَا تَغَيُّرَ حَالَتَيْهِ حَالَةِ صُحْبَتِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَحَالَتِهِ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَاسَ حَالَهُ فِي جَوْدَةِ الْكَفَنِ عَلَى حَالِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ تَكْفِينِهِ. (وَقَالَ: لَكِنَّ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَلَكِنْ. (حَمْزَةَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إِلَّا بُرْدَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ. (مَلْحَاءُ) أَيْ: فِيهَا خُطُوطٌ بِيضٌ وَسُودٌ. (إِذَا جُعِلَتْ) أَيِ: الْبُرْدَةُ. (عَلَى رَأْسِهِ قَلَصَتْ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: قَصُرَتْ وَانْكَشَفَتْ. (عَنْ قَدَمَيْهِ وَإِذَا جُعِلَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ قَلَصَتْ) أَيِ: اجْتَمَعَتْ وَانْضَمَّتْ، وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِيمَا يَكُونُ إِلَى فَوْقٍ. (عَنْ رَأْسِهِ حَتَّى مُدَّتْ) أَيْ: وُضِعَتْ مَمْدُودَةً. (عَلَى رَأْسِهِ، وَجُعِلَ عَلَى قَدَمِهِ الْإِذْخِرُ) وَهُوَ حَشِيشَةٌ طَيِّبَةُ الرَّائِحَةِ يُسْقَفُ بِهَا الْبُيُوتُ فَوْقَ الْخَشَبِ، وَهَمْزَتُهَا زَائِدَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ لَكِنْ تَسْتَدْعِي الْمُخَالَفَةَ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى فَأَيْنَ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَهُمَا؟ قُلْتُ: الْمَعْنَى إِنْ تَرَكْتُ مُتَابَعَةَ أُولَئِكَ السَّادَةِ الْكِرَامِ، وَمَا اقْتَفَيْتُ أَثَرَهُمْ حَيْثُ هَيَّأْتُ لِكَفَنِي مِثْلَ هَذَا الثَّوْبِ، لَكِنَّ حَمْزَةَ سَارَ بِسَيْرِهِمْ فَمَا وَجَدَ مَا يُوَارِيهِ حَيْثُ جُعِلَ عَلَى قَدَمَيْهِ الْإِذْخِرُ اهـ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، حَيْثُ تَأَسَّفَ سَعْدٌ مَعَ كَمَالِ سَعَادَتِهِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا فَخْرَ إِلَّا فِي الْفَقْرِ وَالِاكْتِفَاءِ بِالْقُوتِ وَالسُّتْرَةِ بِالْأَمْرِ الضَّرُورِيِّ لَا غَيْرَ وَإِنَّ خِلَافَ ذَلِكَ كَحَالَتِهِ الْآنَ غَيْرُ كَامِلٍ عِنْدَهُمْ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَّا أَنَّهُ) أَيِ: التِّرْمِذِيُّ. (لَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ أُتِيَ بِكَفَنِهِ إِلَى آخِرِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ والْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
стр. 2358
[بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ]
стр. 2359
بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٦١٦ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، " «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
(بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ)
أَيْ: عَلَامَتُهُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٦١٦ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ) أَيْ: ذَكِّرُوا مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مِنْكُمْ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ أَوْ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ، بِأَنْ تَتَلَفَّظُوا بِهَا أَوْ بِهِمَا عِنْدَهُ لَا أَنْ تَأْمُرُوهُ بِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: مَنْ قَرُبَ مِنْكُمْ مِنَ الْمَوْتِ سَمَّاهُ بِاعْتِبَارِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ مَجَازًا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ ﵊: " «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» ، وَسَيَجِيءُ ذِكْرُ فَائِدَةِ التَّخْصِيصِ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَسُورَةِ يس بُعَيْدَ هَذَا اهـ. قِيلَ: وَيُمْكِنُ الْأَمْرُ بِقِرَاءَةِ يس بَعْدَ الْمَوْتِ. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَكَذَا التَّلْقِينُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا بَعْدَ الدَّفْنِ، فَإِنَّ إِطْلَاقَ التَّلْقِينِ عَلَيْهِ أَحَقُّ مِنَ الْمُحْتَضَرِ ; لِأَنَّهُ فِي الْمُحْتَضَرِ لَا يَخْلُو عَنِ الْمَجَازِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الدَّفْنِ، وَلَا بَأْسَ إِطْلَاقُ كِلَيْهِمَا نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَقَوْلُهُ: إِطْلَاقُ التَّلْقِينِ إِلَخْ فِيهِ أَنَّ التَّلْقِينَ الْمُتَعَارَفَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي السَّلَفِ بَلْ هُوَ أَمْرٌ حَادِثٌ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵊ مَعَ أَنَّ التَّلْقِينَ اللُّغَوِيَّ حَقِيقَةٌ فِي الْمُحْتَضَرِ مَجَازٌ فِي الْمَيِّتِ، وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ أَقْرَبُ إِلَى السَّمَاعِ، وَأَوْجَبُ إِلَى الِانْتِفَاعِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» أَرَادَ بِهِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ لَا أَنَّ الْمَيِّتَ يُقْرَأُ عَلَيْهِ كَذَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي شَرْحِ الصُّدُورِ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «افْتَحُوا عَلَى صِبْيَانِكُمْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ بِلَا إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلَقِّنُوهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ; فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ أَوَّلُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ مَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ وَاحِدٌ» ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: غَرِيبٌ كَذَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِلسُّيُوطِيِّ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ثُمَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ هَذَا التَّلْقِينُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ جَمْعٌ بَلْ نَقَلَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.
стр. 2360
١٦١٧ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ أَوِ الْمَيِّتَ فَقُولُوا: خَيْرًا ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٦١٧ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ أَوِ الْمَيِّتَ» ) أَيِ: الْحُكْمِيَّ فَأَوْ لِلشَّكِّ، أَوِ الْحَقِيقِيَّ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَلَا وَجْهَ لِمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهَا لِلشَّكِّ، وَالْمُرَادُ مِنَ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ. (فَقُولُوا خَيْرًا) أَيْ: لِلْمَرِيضِ اشْفِهِ، وَلِلْمَيِّتِ اغْفِرْ لَهُ ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ أَوْ لَكُمْ بِالْخَيْرِ، أَوْ قُولُوا لِلْمُحْتَضَرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ; فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا يُقَالُ لَهُ اخْتَارَهُ ابْنُ حَجَرٍ لَكِنْ لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: يَقُولُونَ آمِينَ. (عَلَى مَا تَقُولُونَ) أَيْ: مِنَ الدُّعَاءِ خَيْرًا أَوْ شَرًّا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: مِنَ الْأَدْعِيَةِ الصَّالِحَةِ فَعَلَيْهِ تَرْغِيبٌ وَعَلَى الْأَوَّلِ زِيَادَةُ تَرْهِيبٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَكَذَا الْأَرْبَعَةُ.
стр. 2361
١٦١٨ - وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَوَّلُ بَيْتِ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٦١٨ - (وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ) بِالتَّأْنِيثِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّذْكِيرِ. (مُصِيبَةٌ) عَظِيمَةٌ أَوْ صَغِيرَةٌ مِنْ أَمْرٍ مَكْرُوهٍ. (فَيَقُولُ: مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ إِنَّا) بَدَلٌ مِنْ مَا أَيْ: إِنَّ ذَوَاتَنَا وَجَمِيعَ مَا يُنْسَبُ إِلَيْنَا. (لِلَّهِ) مِلْكًا وَخَلْقًا. (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: أَيْنَ الْأَمْرُ فِي الْآيَةِ؟ قُلْتُ: لَمَّا أَمَرَهُ بِالْبِشَارَةِ وَأَطْلَقَهَا لِيَعُمَّ كُلَّ مُبَشَّرٍ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْخِطَابِ لِيَعُمَّ كُلَّ أَحَدٍ، نَبَّهَ عَلَى تَفْخِيمِ الْأَمْرِ، وَتَعْظِيمِ شَأْنِ هَذَا الْقَوْلِ، فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى كَوْنِ الْقَوْلِ مَطْلُوبًا وَلَيْسَ الْأَمْرُ إِلَّا طَلَبَ الْفِعْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّا لِلَّهِ تَسْلِيمٌ وَإِقْرَارٌ، بِأَنَّهُ وَمَا يَمْلِكُهُ وَمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ عَارِيَةٌ مُسْتَرَدَّةٌ، وَمِنْهُ الْبَدْءُ وَإِلَيْهِ الرُّجُوعُ وَالْمُنْتَهَى، وَإِذَا وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ وَصَبَرَ عَلَى مَا
стр. 2362
أَصَابَهُ، سَهُلَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيبَةُ، وَأَمَّا التَّلَفُّظُ بِذَلِكَ مَعَ الْجَزَعِ فَقَبِيحٌ، وَسُخْطٌ لِلْقَضَاءِ اهـ. وَالْأَقْرَبُ أَنَّ كُلَّ مَا مَدَحَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ خَصْلَةٍ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرُ بِهَا كَمَا أَنَّ الْمَذْمُومَةَ فِيهِ تَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: التَّلَفُّظُ بِذَلِكَ مَعَ الْجَزَعِ قَبِيحٌ فَمَرْدُودٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ خَلْطِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ بِالْعَمَلِ السُّوءِ كَالِاسْتِغْفَارِ مَعَ الْإِصْرَارِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢] . (اللَّهُمَّ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وَفِيهِ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الْآيَةِ مُطْلَقُ الدُّعَاءِ، وَفِي الْحَدِيثِ الدُّعَاءُ الْخَاصُّ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ مَحْذُوفٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُحْتَمَلُ بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمَ ﷺ أَنْ يُعَلِّمَ أَمَتَهُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ كُلَّهُ بِخُصُوصِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكَلُّفِ مَا ذَكَرَ فِيهِمَا اهـ. وَالِاحْتِمَالُ مُسَلَّمٌ وَالظَّاهِرُ مَمْنُوعٌ. (آجِرْنِي) بِسُكُونِ الْهَمْزِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَبِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْجِيمِ. (فِي مُصِيبَتِي) الظَّاهِرُ أَنَّ فِي بِمَعْنَى بَاءِ السَّبَبِيَّةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّهَا بِمَعْنَى مَعَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨] فَغَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا لَا يَخْفَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَجَرَهُ يُؤْجِرُهُ إِذَا أَثَابَهُ وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ، وَكَذَلِكَ آجَرَهُ يَأْجُرُهُ اهـ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا يَعْنِي مُجَرَّدَهُ بِالْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْقَامُوسِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الزَّيْنُ: آجَرَهُ اللَّهُ يَأْجُرُهُ وَيَأْجِرُهُ أَثَابَهُ وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ لَكِنَّ الْكَسْرَ مَعَ الْقَصْرِ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي النُّسَخِ. قَالَ مِيرَكُ: رُوِيَ بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْجِيمِ، وَبِالْقَصْرِ وَضَمِّهَا، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ مَقْصُورٌ لَا يُمَدُّ وَمَعْنَى أَجَرَهُ اللَّهُ أَعْطَاهُ أَجْرَهُ وَجَزَاءَ صَبْرِهِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ بِهَمْزِ الْوَصْلِ. قُلْتُ: هَذَا سَهْوٌ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْهَمْزَةَ الْمَوْجُودَةَ إِنَّمَا هِيَ فَاءُ الْفِعْلِ، وَهَمْزَةُ الْوَصْلِ سَقَطَتْ فِي الدَّرْجِ. (وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا) أَيِ: اجْعَلْ لِي خَلَفًا مِمَّا فَاتَ عَنِّي فِي هَذِهِ الْمُصِيبَةِ. (إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا) قَالَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ يُقَالُ: لِمَنْ ذَهَبَ مَا لَا يُتَوَقَّعُ حُصُولُ مِثْلِهِ بِأَنْ ذَهَبَ وَالِدُهُ خَلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْهُ بِغَيْرِ أَلْفٍ أَيْ: كَانَ اللَّهُ خَلِيفَةً مِنْهُ عَلَيْكَ، وَيُقَالُ لِمَنْ ذَهَبَ لَهُ مَالٌ أَوْ وَلَدٌ أَوْ مَا يُتَوَقَّعُ حُصُولُ مِثْلِهِ: أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ، أَيْ: رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ مِثْلَهُ. (فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ) تَعْنِي زَوْجَهَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ عَلَى الْأَصَحِّ لِانْتِفَاضِ جُرْحِهِ الَّذِي جُرِحَ بِأُحُدٍ، وَهُوَ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، أَسْلَمَ بَعْدَ عَشْرَةِ أَنْفُسٍ. (قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟) قَالَ الطِّيبِيُّ: تَعْجَبُ مِنْ تَنْزِيلِ قَوْلِهِ ﷺ : إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا عَلَى مُصِيبَتِهَا فِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْمَغَازِي فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ ثُمَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ بِالظَّعِينَةِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ أَخَا النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَابْنَ عَمَّتِهِ، اسْتِعْظَامًا لِأَبِي سَلَمَةَ اهـ. يَعْنِي عَلَى زَعْمِهَا. (أَوَّلُ بَيْتٍ) اسْتِئْنَافٌ فِيهِ بَيَانٌ لِلتَّعَجُّبِ وَتَعْلِيلٌ لَهُ، وَالتَّقْدِيرُ فَإِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ أَيْ: أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتٍ. (هَاجَرَ) أَيْ: مَعَ عِيَالِهِ. (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - بِنَاءً عَلَى الْمُتَابَعَةِ. (ثُمَّ أَنِّي قُلْتُهَا) أَيْ: كَلِمَةَ الِاسْتِرْجَاعِ، وَالدُّعَاءَ الْمَذْكُورَ بَعْدَهَا. (فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - أَيْ: بِأَنْ جَعَلَنِي زَوْجَتَهُ، وَكَانَ عِوَضَ خَيْرٍ لِي مِنْ زَوْجِي أَبِي سَلَمَةَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، قَالَهُ مِيرَكُ.
стр. 2363
١٦١٩ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرَهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ ; فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ: " لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ ; فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ": ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٦١٩ - (وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. (قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرَهُ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَفَتْحِ الرَّاءِ إِذَا نَظَرَ إِلَى شَيْءٍ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِ طَرْفُهُ، وَضَمُّ الشِّينِ مِنْهُ غَيْرُ مُخْتَارٍ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: شَقَّ بَصَرُهُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَضَمِّ الرَّاءِ أَيْ: بَقِيَ بَصَرُهُ مَفْتُوحًا هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَالشِّينُ مَفْتُوحَةٌ بِلَا خِلَافٍ نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: أَنَّهُ يُقَالُ: شَقَّ بَصَرُ الْمَيِّتِ وَلَا يُقَالُ: شَقَّ الْمَيِّتُ بَصَرَهُ، وَهُوَ الَّذِي حَضَرَهُ الْمَوْتُ، وَصَارَ يَنْظُرُ إِلَى الشَّيْءِ وَلَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِ طَرْفُهُ، ذَكَرَهُ
стр. 2364
الْجَزَرِيُّ وَكَذَا صَاحِبُ الْقَامُوسِ. (فَأَغْمَضَهُ) أَيْ: غَمَّضَ عَيْنَيْهِ ﷺ لِئَلَّا يَقْبُحَ مَنْظَرُهُ، وَالْإِغْمَاضُ بِمَعْنَى التَّغْمِيضِ وَالتَّغْطِيَةِ. (ثُمَّ قَالَ ﷺ : " إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: عِلَّةٌ لِلْإِغْمَاضِ ; لِأَنَّ الرُّوحَ إِذَا فَارَقَ. (تَبِعَهُ الْبَصَرُ) أَيْ: فِي الذِّهَابِ فَلَمْ يَبْقَ لِانْفِتَاحِ بَصَرِهِ فَائِدَةٌ أَوْ عِلَّةٌ لِلشَّقِّ أَيِ: الْمُحْتَضَرُ يَتَمَثَّلُ لَهُ الْمَلَكُ الْمُتَوَلِّي لِرُوحِهِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهِ شَزْرًا وَلَا يَرْتَدُّ طَرْفُهُ حَتَّى تُفَارِقَهُ الرُّوحُ، أَوْ تَضْمَحِلَّ بَقَايَا قُوَى الْبَصَرِ، وَيَبْقَى الْحَصْرُ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ، وَيُعَضِّدُهُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخُصَ بَصَرُهُ ". قَالُوا: بَلَى. قَالَ: " فَذَلِكَ حَتَّى يَتْبَعَ بَصَرُهُ نَفْسَهُ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُ الْغِطَاءَ سَاعَتَئِذٍ حَتَّى يُبْصِرَ، قُلْتُ: يُؤَيِّدُهُ: ﴿فَكَشْفنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] . (فَضَجَّ) بِالْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: رَفَعَ الصَّوْتَ بِالْبُكَاءِ، وَصَاحَ بِالنَّاسِ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ: (لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ) وَفِي رِوَايَةٍ نُسْكِتُهُمْ، بِالنُّونِ وَالتَّاءِ، فَقَالَ: إِلَخْ قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ: لَا تَقُولُوا شَرًّا وَوَائِلًا أَوِ الْوَيْلَ لِي، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: أَنَّهُمْ إِذَا تَكَلَّمُوا فِي حَقِّ الْمَيِّتِ بِمَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى يُرْجِعَ تَبِعَتَهُ إِلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُمْ دَعَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِشَرٍّ وَيَكُونُ الْمَدَى كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أَيْ: بَعْضُكُمْ بَعْضًا اهـ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ) أَيْ: فِي دُعَائِكُمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. (ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْأُولَى أَيِ: الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ سَابِقًا وَالْهِجْرَةِ إِلَى خَيْرِ الْأَنَامِ. (وَاخْلُفْهُ) بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ وَضَمِّ اللَّامِ مِنْ خَلَفَ يَخْلُفُ إِذَا قَامَ مَقَامَ غَيْرِهِ بَعْدَهُ فِي رِعَايَةِ أَمْرِهِ، وَحِفْظِ مَصَالِحِهِ أَيْ: كُنْ خَلَفًا أَوْ خَلِيفَةً لَهُ. (فِي عَقِبِهِ) بِكَسْرِ الْقَافِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: فِي أَوْلَادِهِ وَإِلَّا ظَهَرَ مَنْ يَعْقُبُهُ وَيَتَأَخَّرُ عَنْهُ مِنْ وَلَدٍ وَغَيْرِهِ، وَلِذَا أَبْدَلَ عَنْ عَقِبِهِ لِقَوْلِهِ: (فِي الْغَابِرِينَ) بِإِعَادَةِ الْجَارِّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ: الْبَاقِينَ فِي الْأَحْيَاءِ مِنَ النَّاسِ) ، فَقَوْلُهُ فِي الْغَابِرِينَ حَالٌ مِنْ عَقِبِهِ، أَيْ: أَوْقِعْ خِلَافَتَكَ فِي عَقِبِهِ كَائِنِينَ فِي جُمْلَةِ الْبَاقِينَ مِنَ النَّاسِ. (وَاغْفِرْ لَنَا) يَصِحُّ أَنَّهَا لِتَعْظِيمِ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ وَلَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ الْأُمَّةِ. (وَلَهُ) أَيْ: أَبِي سَلَمَةَ خُصُوصًا، وَكَرَّرَ ذِكْرَهُ تَأْكِيدًا. (يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَفْسِحْ لَهُ) أَيْ: وَسِّعْ. (فِي قَبْرِهِ) دُعَاءٌ بِعَدَمِ الضَّغْطَةِ. (وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ) أَيْ: فِي قَبْرِهِ، أَرَادَ بِهِ دَفْعَ الظُّلْمَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْأَخْصَرُ أَنَّهُ كَانَ يُجْمِلُ وَيَقُولُ: رَوَى الْأَحَادِيثَ الْأَرْبَعَةَ مُسْلِمٌ.
стр. 2365
١٦٢٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدَةٍ حِبَرَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٦٢٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَكَذَا قَوْلُهُ: (سُجِّيَ) أَيْ: غُطِّيَ وَسُتِرَ. (بِبُرْدَةٍ حِبَرَةٍ) بِالْإِضَافَةِ وَتَرْكِهَا، وَالْحِبَرَةُ بِوَزْنِ الْعِنَبَةِ بُرْدٌ يَمَانٍ كَذَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَفِي الْغَرِيبَيْنِ الْحِبَرُ مِنَ الْبُرُودِ مَا كَانَ مُوشًّى مُخَطَّطًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: إِلَّا أَنَّ مُسْلِمًا قَالَ: بِثَوْبِ حِبَرَةٍ وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
стр. 2366
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٦٢١ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
١٦٢١ - (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ) بِرَفْعِ آخِرِهِ وَقِيلَ بِنَصْبِهِ. (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) مَحَلُّهُ النَّصْبُ أَوِ الرَّفْعُ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ أَوِ الِاسْمِيَّةِ. قَالَ مِيرَكُ: الْمُرَادُ بِهِ قَرِينَتُهُ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عَلَمٍ لِكَلِمَةِ الْإِيمَانِ كَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي الْخَاتِمَةِ دَخَلَ الْجَنَّةَ) قَوْلُهُ: الْمُرَادُ مَعَ قَرِينَتِهِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عِلْمِ الظَّاهِرِ، أَوْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عِلْمٍ فَيَجُوزُ الِاكْتِفَاءُ بِهِ لَفْظًا وَإِنْ كَانَ يُرَادُ قَرِينَتُهُ مَعْنًى، وَهُوَ ظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ. (دَخَلَ الْجَنَّةَ) أَمَّا قَبْلَ الْعَذَابِ
стр. 2367
دُخُولًا، أَوْ بَعْدَ أَنْ عُذِّبَ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِ، وَالْأَوَّلُ الْأَظْهَرُ لِيَتَمَيَّزَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ آخِرُ كَلَامِهِمْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَثِيرٌ مِنَ الْمُخَالِفِينَ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَتَكَلَّمُونَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ فَلَابُّدَ مِنْ ذِكْرِ قَرِينَتِهَا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. قُلْتُ: إِنَّ الْقَرِينَةَ صُدُورُهُ عَنْ صَدْرِ الرِّسَالَةِ اهـ. وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُهُ فَالْأَوْجَهُ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْقَرِينَةِ فِي مُتَجَدِّدِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْمَشْحُونُ قَلْبُهُ بِمَحَبَّةِ سَيِّدِ الْأَنَامِ، وَاعْتِرَافِهِ بِنَبُّوتِهِ ﵊ فَيُكْتَفَى عَنْهُ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ الْمُتَضَمِّنِ لِلنُّبُوَّةِ وَالْبَعْثِ وَغَيْرِهَا فِي آخِرِ الْكَلَامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ. مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: الْمُرَادُ بِهِ الشَّهَادَتَانِ، وَأَنَّهُ عَلَمٌ لَهُمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَلَامَ شَامِلٌ لِلِّسَانِيِّ وَالنَّفْسَانِيِّ لِرِوَايَةِ وَهُوَ يَعْلَمُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَمْعَ أَفْضَلُ، وَالْمُرَادُ عَلَى الْقَلْبِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ.
стр. 2368
١٦٢٢ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اقْرَءُوا سُورَةَ يس عَلَى مَوْتَاكُمْ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٦٢٢ - (وَعَنْ مَعْقِلٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْقَافِ. (بْنِ يَسَارٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اقْرَءُوا سُورَةَ يس عَلَى مَوْتَاكُمْ» ) أَيِ: الَّذِينَ حَضَرَهُمُ الْمَوْتُ، وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي قِرَاءَتِهَا أَنْ يَسْتَأْنِسَ الْمُحْتَضَرُ بِمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَأَحْوَالِ الْقِيَامَةِ وَالْبَعْثِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَيِّتِ الَّذِي حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَكَأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الْأَمْوَاتِ، وَأَنْ يُرَادَ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ أَوْ دُونَ مَدْفَنِهِ. قَالَ الْإِمَامُ فِي التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ: الْأَمْرُ بِقِرَاءَةِ يس عَلَى مَنْ شَارَفَ الْمَوْتَ مَعَ وُرُودِ قَوْلِهِ ﵊: «لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبٌ، وَقَلْبُ الْقُرْآنِ " يس» إِيذَانًا بِأَنَّ اللِّسَانَ حِينَئِذٍ ضَعِيفُ الْقُوَّةِ، وَسَاقِطُ الْمِنَّةِ، لَكِنَّ الْقَلْبَ أَقْبَلَ عَلَى اللَّهِ بِكُلِّيَّتِهِ فَيَقْرَأُ عَلَيْهِ مَا يَزْدَادُ قُوَّةً قَلْبُهُ وَيَسْتَمِدُّ تَصْدِيقَهُ بِالْأُصُولِ فَهُوَ إِذَنْ عَمَلُهُ وَمَهَامُّهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ - وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - أَنَّ السُّورَةَ الْكَرِيمَةَ إِلَى خَاتِمَتِهَا مَشْحُونَةٌ بِتَقْرِيرِ أُمَّهَاتِ الْأُصُولِ، وَجَمِيعِ الْمَسَائِلِ الْمُعْتَبَرَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْعُلَمَاءُ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَكَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ، وَأَحْوَالِ الْأُمَمِ، وَإِثْبَاتِ الْقَدَرِ، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِثْبَاتِ التَّوْحِيدِ، وَنَفْيِ الضِّدِّ وَالنِّدِّ وَأَمَارَاتِ السَّاعَةِ، وَبَيَانِ الْإِعَادَةِ وَالْحَشْرِ وَحُضُورِ الْعَرَصَاتِ وَالْحِسَابِ، وَالْجَزَاءِ وَالْمَرْجِعِ وَالْمَآبِ، فَحَقُّهَا أَنْ تُقْرَأَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُقْرَأُ عِنْدَ رَأْسِهِ سُورَةُ " يس " إِلَّا هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ» اهـ. وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ أَيْضًا «يس قَلْبُ الْقُرْآنِ، لَا يَقْرَؤُهَا عَبْدٌ يُرِيدُ الدَّارَ الْآخِرَةَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ; فَاقْرَءُوهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ» . قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْمُرَادُ بِهِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُقْرَأُ عِنْدَهُ يس إِلَّا هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ، وَخَالَفَهُ بَعْضُ مُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ فَأَخَذَ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ، فَقَالَ: بَلْ يُقْرَأُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُوَ مُسَجًّى، وَذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى أَنَّهُ يُقْرَأُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ ابْنُ عَدِيٍّ وَغَيْرُهُ: «مَنْ زَارَ قَبْرَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَقَرَأَ عِنْدَهُمَا يس غُفِرَ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا» .
стр. 2369
١٦٢٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ وَهُوَ يَبْكِي حَتَّى سَالَ دُمُوعُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى وَجْهِ عُثْمَانَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٦٢٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَ) بِالتَّشْدِيدِ. (عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، أَخٌ رَضَّاعِيٌّ لَهُ ﵊ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ حَرَّمَ الْخَمْرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ فِي شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَلَمَّا دُفِنَ قَالَ: نِعْمَ السَّلَفُ هُوَ لَنَا، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَكَانَ عَابِدًا مُجْتَهِدًا مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ. (وَهُوَ مَيِّتٌ) حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ. (وَهُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ . (يَبْكِي حَتَّى سَالَ دُمُوعُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى وَجْهِ عُثْمَانَ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ تَقْبِيلَ الْمُسْلِمِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْبُكَاءَ عَلَيْهِ جَائِزٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَقَالَ التِّرْمِذِيٌّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ) .
стр. 2370
١٦٢٤ - وَعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مَيِّتٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٦٢٤ - (وَعَنْهَا) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ. (قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مَيِّتٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ مِيرَكُ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَا مَاتَ، فَالْأَوْلَى إِيرَادُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ اهـ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا عِنْدَ أَحْمَدَ: أَنَّهُ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ فَحَدَرَ فَاهُ فَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَانَبِيَّاهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَحَدَرَ فَاهُ وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاصَفِيَّاهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَحَدَرَ فَاهُ، وَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ، وَقَالَ وَاخَلِيلَاهُ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَوَضَعَ فَاهُ عَلَى جَبِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يُقَبِّلُهُ وَيَبْكِي وَيَقُولُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، كَذَا فِي الْمَوَاهِبِ.
стр. 2371
١٦٢٥ - وَعَنْ حُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ: «أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ مَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَرَى طَلْحَةَ إِلَّا قَدْ حَدَثَ بِهِ الْمَوْتُ فَآذِنُونِي بِهِ وَعَجِّلُوا، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٦٢٥ - (وَعَنْ حُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ. (أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الْأَنْصَارِيُّ الَّذِي قَالَ النَّبِيَّ ﷺ : لَمَّا مَاتَ وَصَلَّى عَلَيْهِ " «اللَّهُمَّ الْقَ طَلْحَةَ وَأَنْتَ تَضْحَكُ إِلَيْهِ وَيَضْحَكُ إِلَيْكَ» " عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ، رَوَى عَنْهُ حُصَيْنُ بْنُ وَحْوَحٍ. (مَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَالَ: إِنِّي لَا أُرَى) بِضَمِّ الْهَمْزِ أَيْ: لَا أَظُنُّ. (طَلْحَةَ إِلَّا قَدْ حَدَثَ) أَيْ: ظَهَرَ. (بِهِ الْمَوْتُ فَآذِنُونِي) بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الذَّالِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الذَّالِ أَيْ: أَعْلِمُونِي. (بِهِ) أَيْ: بِمَوْتِهِ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ وَعَجِّلُوا) أَيْ: غُسْلَهُ وَتَجْهِيزَهُ وَتَكْفِينَهُ وَدَفْنَهُ. (فَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ) أَيْ: جُثَّتُهُ. (أَنْ تُحْبَسَ) أَيْ: تُقَامَ وَتُوقَفَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَصْفٌ مُنَاسِبٌ لِلْحُكْمِ بِعَدَمِ الْحَبْسِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ عَزِيزٌ مُكَرَّمٌ فَإِذَا اسْتَحَالَ جِيفَةً وَنَتِنًا اسْتَقْذَرَهُ النُّفُوسُ وَتَنْبُو عَنْهُ الطِّبَاعُ ; فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْرِعَ فِيمَا يُوَارِيهُ فَيَسْتَمِرُّ عَلَى عِزَّتِهِ فَذِكْرُ الْجِيفَةِ هُنَا كَذِكْرِ السَّوْأَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيه﴾ [المائدة: ٣١] السَّوْأَةُ الْفَضِيحَةُ لِقُبْحِهَا قَالَ مِيرَكُ: لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: جِيفَةُ مُسْلِمٍ دَلِيلٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ كَمَا زَعَمَ. (بَيْنَ ظَهَرَانَيْ أَهْلِهِ) أَيْ: بَيْنَ أَهْلِهِ وَالظَّهْرُ مُقْحَمٌ، وَالْعَرَبُ تَضَعُ الِاثْنَيْنِ مَقَامَ الْجَمْعِ، قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْأَزْهَارِ: يُقَالُ: هُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ أَيْ: أَقَامَ بَيْنَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِظْهَارِ أَوِ الِاسْتِنَادِ إِلَيْهِمْ، كَأَنَّهُ بَيْنَ ظَهْرَيْهِمْ ظَهْرٌ مِنْهُمْ قُدَّامَهُ، وَظَهْرٌ وَرَاءَهُ فَهُوَ بِهِمْ مَكْفُوفٌ مِنْ جَانِبِهِ أَوْ مِنْ جَوَانِبِهِ، إِذَا قِيلَ: بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَاسْتُعْمِلَ فِي الْإِقَامَةِ بَيْنَ الْقَوْمِ مُطْلَقًا، وَالْأَلِفُ وَالنُّونُ زَائِدَتَانِ أَيْ: لَا تَتْرُكُوا الْمَيِّتَ زَمَانًا طَوِيلًا لِئَلَّا يَنْتُنَ وَيَزِيدَ حُزْنُ أَهْلِهِ عَلَيْهِ اهـ. وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ الْمَعْنَوِيِّ ظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ: وَالتَّثْنِيَةُ فِيهِ لَفْظِيَّةٌ فَقَطْ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ.
стр. 2372
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٦٢٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِلْأَحْيَاءِ قَالَ: أَجْوَدُ وَأَجْوَدُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٦٢٦ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ) أَيِ: ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، وُلِدَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ بِهَا، كَانَ جَوَادًا ظَرِيفًا، عَفِيفًا حَلِيمًا، يُسَمَّى بَحْرُ الْجُودِ، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ فِي الْإِسْلَامِ أَسْخَى مِنْهُ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ) أَيِ: الْمُشْرِفِينَ عَلَى الْمَوْتِ. (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ) أَيِ: الَّذِي لَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ. (الْكَرِيمُ) أَيِ: الَّذِي أَعْطَى قَبْلَ الْمَسْأَلَةِ. (سُبْحَانَ اللَّهِ) أَيْ: مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ مَا خَطَرَ بِبَالِكَ فَإِنَّهُ وَرَاءَ ذَلِكَ. (رَبِّ الْعَرْشِ) إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ لِتَنَزُّهِهِ عَنِ الْمَكَانِ. (الْعَظِيمِ) صِفَةٌ لِلْمُضَافِ أَوِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَالثَّانِي أَبْلَغُ،
стр. 2373
وَوَصْفُهُ بِالْعَظَمَةِ ; لِأَنَّهُ أَكْبَرُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَمُحِيطٌ بِالْمُكَوِّنَاتِ. (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَيْ: عَلَى الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ. (رَبِّ الْعَالَمِينَ) أَيْ: خَالِقُهُمْ وَمُرَبِّيهِمْ. (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ) أَيْ: ذَلِكَ التَّلْقِينُ. (لِلْأَحْيَاءِ) أَيْ: لِلْأَصِحَّاءِ أَيَحْسُنُ أَمْ لَا. (قَالَ: أَجْوَدُ وَأَجْوَدُ) أَيْ: أَحْسَنُ كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّكْرَارُ لِلِاسْتِمْرَارِ أَيْ: جَوْدَةٌ مَضْمُومَةٌ إِلَى جَوْدَةٍ، وَهَذَا مَعْنَى الْوَاوِ فِيهِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «كَلِمَاتٍ مَنْ قَالَهُنَّ عِنْدَ وَفَاتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.»
стр. 2374
١٦٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمَيِّتُ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا قَالُوا: اخْرُجِي حَمِيدَةً أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخْرُجِي وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَلَا تَزَالُ يُقَالُ لَهَا: ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُفْتَحَ لَهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانٌ. فَيُقَالُ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ، ادْخُلِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَلَا تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السُّوءُ قَالَ: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، اخْرُجِي ذَمِيمَةً، وَأَبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ، وَآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ، فَمَا تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ إِلَى السَّمَاءِ فَيُفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: فُلَانٌ. فَيُقَالُ: لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيثَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، ارْجِعِي ذَمِيمَةً فَإِنَّهَا لَا تُفْتَحُ لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ; فَتُرْسَلُ مِنَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٦٢٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْمَيِّتُ) أَيْ: جِنْسُهُ وَالْمُرَادُ مَنْ قَرُبَ مَوْتُهُ. (تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ) أَيْ: مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ أَوْ مَلَائِكَةُ الْعُقُوبَةِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ اجْتِمَاعُ الطَّائِفَتَيْنِ لِإِبْهَامِ جِنْسِ الْمَيِّتِ ثُمَّ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالصَّلَاحِ وَالْفُجُورِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَيْهِ. (فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا) أَيْ: مُؤْمِنًا أَوْ قَائِمًا بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَالْفَاسِقُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، كَمَا هُوَ دَأْبُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِيَكُونَ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَشْيَةِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: أَنَّ مُقَابَلَتَهُ بِالْكَافِرِ تُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْكَافِرِ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا هُوَ الرَّجُلُ السُّوءُ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَابِلًا لِلصَّالِحِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ وَجْهُ الْعُدُولِ عَنْ. (مُؤْمِنًا) إِلَى. (صَالِحًا) وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالرَّجُلِ السُّوءِ الْكَافِرَ ; لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْفَاسِقَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ [هود: ١٠٨] الْآيَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ. (قَالُوا) أَيْ: مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ. (اخْرُجِي) أَيْ: مِنْ جَسَدِكِ الطَّيِّبِ فَارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً. (أَيَّتُهَا النَّفْسُ) أَيِ: الرُّوحُ. (الطَّيِّبَةُ) أَيِ: اعْتِقَادًا أَوْ أَخْلَاقًا، أَوِ الْمُطَمْئِنَّةُ بِذِكْرِ اللَّهِ، الْآمِنَةُ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ النَّفْسِ وَالرُّوحِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الصُّوفِيَّةُ فَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ ; لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ بِالنَّفْسِ عَنْ مَظْهَرِ الشَّرِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] وَبِالرُّوحِ عَنْ مَظْهَرِ الْخَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] . (كَانَتْ) اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِلتَّعْلِيلِ (فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ) أَيْ: أَعْمَالًا أَوْ بِالِاسْتِسْلَامِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَالِانْقِيَادِ لِحُكْمِ اللَّهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ كُنْتِ لِيُطَابِقَ النِّدَاءَ وَاخْرُجِي لَكِنِ اعْتَبَرَ اللَّامَ الْمَوْصُولَةَ أَيَ: النَّفْسَ الَّتِي طَابَتْ كَائِنَةً فِي الْجَسَدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرَى لِلنَّفْسِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا لَيْسَ نَفْسًا مُعَيَّنَةً بَلِ الْجِنْسُ مُطْلَقًا اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ مُنَاقَشَةٌ ; لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ لَمْ تَكُنْ مَوْصُولَةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالنَّفْسُ مُعَيَّنَةٌ عِنْدَ النِّدَاءِ وَحِينَ الْخِطَابِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ إِخْبَارِهِ ﵊ لَمْ تَكُنْ مُعَيَّنَةً، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَكَانَتْ جَوَابًا عَمَّا يُقَلِّلُ مِنْ سَبَبِ طِيبِهَا، فَيُقَالُ: سَبَبُهُ أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ السَّالِمِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ بَلِ الصَّوَابُ قَلْبُهُ فَإِنَّ طِيبَ الرُّوحِ سَبَبٌ لِطِيبِ الْقَالَبِ لَا عَكْسُهُ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ﵊ بِقَوْلِهِ: " «إِذَا صَلُحَ الْقَلْبُ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» " الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ مَعْدِنُ التَّكْلِيفِ، وَمَنْبَعُ الْخِطَابِ فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ فِي الْأُخْرَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: (اخْرُجِي) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ يُوصَفُ بِالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَالصُّعُودِ وَالنُّزُولِ، وَهُوَ خِطَابٌ ثَانٍ، أَوْ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: (حَمِيدَةً) أَيْ: مَحْمُودَةً جَمِيلَةً، أَوْ حَامِدَةً شَاكِرَةً. (وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: رَاحَةٍ. (وَرَيْحَانٍ) أَيْ: رِزْقٍ أَوْ مَشْمُومٍ وَالتَّنْوِينُ فِيهَا لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّكْثِيرِ. (وَرَبٍّ) أَيْ: وَبِمُلَاقَاةِ رَبٍّ. (غَيْرِ غَضْبَانَ) بِعَدَمِ الِانْصِرَافِ وَفِي نُسْخَةٍ: بِالِانْصِرَافِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عَدَلَ إِلَيْهِ عَنْ رَاضٍ رِعَايَةً لِلْفَاصِلَةِ أَيِ: السَّجْعِ، وَفِيهِ أَنَّهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ أَبْلَغُ مِمَّا عَدَلَ عَنْهُ فَالْعَدْلُ عَنْهُ أَنْ لَا عُدُولَ
стр. 2375
فَتَأَمَّلْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: رَوْحٌ أَيِ: اسْتِرَاحَةٌ، وَلَوْ رُوِيَ بِالضَّمِّ كَانَ بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ ; لِأَنَّهَا كَالرُّوحِ لِلْمَرْحُومِ. قُلْتُ: قَدْ جَاءَ الْفَتْحُ أَيْضًا بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] ، وَقِيلَ: الْبَقَاءُ أَيْ: هَذَانِ لَهُ مَعًا، وَهُوَ الْخُلُودُ وَالرِّزْقُ، وَقَوْلُهُ: وَرَبٍّ. هَذَا مُقَرِّرٌ لِلْأَوَّلِ عَلَى الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] وَنَحْوُهُ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ - ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ الرُّوحَ بِضَمِّ الرَّاءِ بِمُخَالِفٍ لِلرِّوَايَةِ. (فَلَا تَزَالُ) أَيِ: النَّفْسُ. (يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ) أَيْ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبِشَارَةِ زِيَادَةً فِي سُرُورِهَا بِسَمَاعِهَا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهَا. (حَتَّى تَخْرُجَ) أَيْ: بِطَيِّبَةٍ. (ثُمَّ يُعْرَجُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ. (بِهَا إِلَى السَّمَاءِ) أَيِ: الدُّنْيَا. (فَيُفْتَحُ لَهَا) أَيْ: بَعْدَ الِاسْتِفْتَاحِ أَوْ قَبْلَهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: تَطْلُبُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ مَعَهَا أَنْ يُفْتَحَ لَهَا فَلَا وَجْهَ لَهُ فَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ فَيُسْتَفْتَحُ مَكَانَ يُفْتَحُ. (فَيُقَالُ) أَيْ: يَقُولُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ. (مَنْ هَذَا فَيَقُولُونَ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَيُقَالُ: أَيْ: يَقُولُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ الَّذِينَ مَعَهُ: (فُلَانٌ) أَيْ: هَذَا فُلَانٌ أَيْ: رُوحُهُ. (فَيُقَالُ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ) وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَعَ كَوْنِهِمْ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ يَعْرِفُونَ كُلَّ إِنْسَانٍ بِاسْمِهِ وَعَمَلِهِ اهـ. وَلَا يَخْفَى خَطَؤُهُ ; إِذِ الْعُلْوِيُّونَ مَا اطَّلَعُوا عَلَى اسْمِهِ إِلَّا بِالسُّؤَالِ مِنْ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ، وَقَامُوا بِصُعُودِ رُوحِهِ، وَفَتْحِ بَابِ سَمَائِهِ عَلَى طِيبِ عَمَلِهِ. (ادْخُلِي) أَيْ: فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَا أَوْ فِي عِبَادِي أَيْ: مَحَلِّ أَرْوَاحِهِمْ. (حَمِيدَةً) أَيْ: مَحْمُودَةً أَوْ حَامِدَةً. (وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَلَا تَزَالُ) أَيْ: هِيَ. (يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَمْرِ بِالدُّخُولِ وَالْبِشَارَةِ بِالصُّعُودِ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ. (حَتَّى تَنْتَهِيَ) أَيْ: تَصِلَ. (إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ) أَيْ: أَمْرُهُ وَحُكْمُهُ أَيْ: ظُهُورُ مُلْكِهِ وَهُوَ الْعَرْشُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: رَحْمتُهُ بِمَعْنَى الْجَنَّةِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَزَادَ الطِّيبِيُّ فَقَالَ: وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧] فَيُطَابِقُ فِي حَدِيثِ الْآيَتَيْنِ، وَهُمَا: (وَادْخُلِي جَنَّتِي) ، (وَجَنَّةَ نَعِيمٍ) ، قُلْنَا: مَا فِي دُخُولِهَا الْجَنَّةَ الَّتِي هِيَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ، كَمَا فِي حَدِيثِ وُصُولِهَا إِلَى الْفَلَكِ الْأَطْلَسِ، وَالْمَقَامِ الْأَقْدَسِ، وَيُنَاسِبُهُ مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ، مَعَ أَنَّ كَوْنَ الْجَنَّةِ فِي سَمَاءٍ بِعَيْنِهَا، لَا يُعْرَفُ لَهُ خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ بَلْ قَالَ تَعَالَى: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
(فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ) بِالرَّفْعِ وَقِيلَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ أَوْ نَاقِصَّةٌ. (السُّوءُ) بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا صِفَةُ الرَّجُلِ، وَأَمَّا تَجْوِيزُ ابْنِ حَجَرٍ رَفْعَ الْأَوَّلِ وَنَصْبَ الثَّانِي فَمُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ ثُمَّ قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ أَيْ: فَإِذَا وَجَدَ أَيْ: وَجَدَهُ أَعْنِي الْكَافِرَ أَوِ الْفَاسِقَ غَيْرَ صَحِيحٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَشُكُّ أَنَّ الْأَوْصَافَ الْآتِيَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ عَادَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بَيَانُ حَالِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالسُّكُوتِ عَنْ حَالِ الْفَاجِرِ لُطْفًا وَرَحْمَةً لِيَكُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ. (قَالَ) أَيْ: مَلَكُ الْمَوْتِ أَوْ رَئِيسُ مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَيُطَابِقُ مَا سَبَقَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ. (اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ) أَيِ: اعْتِقَادًا أَوْ أَحْوَالًا. (كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ) أَيْ: أَعْمَالًا. (اخْرُجِي ذَمِيمَةً) أَيْ: مَذْمُومَةً. (وَأَبْشِرِي) قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتِعَارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] أَوْ عَلَى الْمُشَاكَلَةِ وَالِازْدِوَاجِ، وَحَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ مُقَابِلٌ لِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ. (بِحَمِيمٍ) أَيْ: مَاءٍ حَارٍّ غَايَةَ الْحَرَارَةِ. (وَغَسَّاقٍ) بِتَخْفِيفٍ وَتَشْدِيدٍ مَا يَغْسِقُ أَيْ: يَسِيلُ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ، وَقِيلَ: الْبَارِدُ الْمُنْتِنُ، قِيلَ: لَوْ قَطَرَتْ فِي الْمَشْرِقِ لَنَتَّنَتْ أَهْلَ الْمَغْرِبِ، وَعَنِ الْحَسَنِ: الْغَسَّاقُ عَذَابٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ. (وَآخَرَ) أَيْ: بِعَذَابٍ آخَرَ وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: وَبِأَنْوَاعٍ أُخَرَ مِنَ الْعَذَابِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: وَضُرُوبٌ أُخَرُ مَذُوقَةٌ وَيَصِحُّ فَتْحُ أَوَّلِهِ وَنَوْعٌ آخَرُ فَفِيهِ مُسَامَحَةٌ ; لِأَنَّ حَقَّهُ أَنْ يَقُولَ: بِمَدِّ أَوَّلِهِ ثُمَّ جَعْلُهُ الْجَمْعَ أَصْلًا، وَتَجْوِيزُ الْمُفْرَدِ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْأُصُولُ الْمُعْتَمَدَةُ وَالنُّسَخُ الْمُصَحَّحَةُ. (مِنْ شَكْلِهِ) أَيْ: مِثْلُ مَا ذُكِرَ فِي الْحَرَارَةِ وَالْمَرَارَةِ. (أَزْوَاجٍ) بِالْجَرِّ أَيْ: أَصْنَافٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: وَأُخَرُ أَيْ: مَذُوقَاتٌ أُخَرُ مِثْلُ الْغَسَّاقِ فِي الشِّدَّةِ وَالْفَظَاعَةِ أَزْوَاجٌ أَجْنَاسٌ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا وَجْهَ لِإِرْجَاعِهِ الضَّمِيرَ إِلَى الْغَسَّاقِ وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَقْرَبَ مَذْكُورٍ، فَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ إِفْرَادَ
стр. 2376
الضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ قَالَ: وَآخَرَ فِي مَحَلِّ الْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى حَمِيمٍ. قُلْتُ: لَيْسَ فِي مَحَلِّ الْجَرِّ بَلْ مَجْرُورٌ بِالْفَتْحَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ. قَالَ: وَأَزْوَاجٌ صِفَةٌ لِآخَرَ، وَإِنْ كَانَ مُفْرَدًا ; لِأَنَّهُ فِي تَأْوِيلِ الضُّرُوبِ وَالْأَصْنَافِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: مَعِي جِيَاعًا اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي تَأْوِيلِ النَّوْعِ وَالصِّنْفِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو فِي الْآيَةِ أُخَرُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ. (فَمَا تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ) بِالْكَرَاهَةِ (ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ) أَيْ: إِظْهَارٌ لِلْمَذَلَّةِ وَالْإِهَانَةِ (فَيُفْتَحُ لَهَا) أَيْ: يُسْتَفْتَحُ لَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] . (فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: فُلَانٌ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَعْرِفُونَهُمْ بِمُجَرَّدِ اسْمِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ فُلَانًا كِنَايَةٌ عَمَّا يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَيُعْرَفُ بِهِ جَمِيعُ رَسْمِهِ وَأَمْرِهِ. (فَيُقَالُ: لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيثَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ ارْجِعِي ذَمِيمَةً) أَيْ: مَذْمُومَةً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الْخَلْقِ. (فَإِنَّهَا) أَيِ: الْقِصَّةَ. (لَا تُفْتَحُ) بِالتَّأْنِيثِ وَتُذَكَّرُ وَبِالتَّخْفِيفِ وَتُشَدَّدُ (لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَتُرْسَلُ) أَيْ: تُرَدُّ وَسَيَأْتِي أَنَّهَا تُطْرَحُ. (مِنَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَصِيرُ) أَيْ: تَرْجِعُ. (إِلَى الْقَبْرِ) وَتَكُونُ دَائِمًا مَحْبُوسَةً فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ بِخِلَافِ رُوحِ الْمُؤْمِنِ ; فَإِنَّهَا تَسِيرُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَتَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَلَهَا تَعَلُّقٌ بِجَسَدِهِ أَيْضًا تَعَلُّقًا كُلِّيًّا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي قَبْرِهِ وَيُصَلِّي، وَيَتَنَعَّمُ وَيَنَامُ كَنَوْمِ الْعَرُوسِ، وَيَنْظُرُ إِلَى مَنَازِلِهِ فِي الْجَنَّةِ بِحَسَبِ مُقَامِهِ وَمَرْتَبَتِهِ، فَأَمْرُ الرُّوحِ وَأَحْوَالُ الْبَرْزَخِ وَالْآخِرَةِ كُلُّهَا عَلَى خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، فَلَا يُشْكِلُ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى الْمُؤْمِنِ بِالْآيَاتِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) قَالَ مِيرَكُ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
стр. 2377
١٦٢٨ - وَعَنْهُ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا. قَالَ حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ الْمِسْكَ. قَالَ: وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ، وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تُعَمِّرِينَهُ ; فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ.
قَالَ: وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ قَالَ حَمَّادٌ: وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا، وَذَكَرَ لَعْنًا، وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ، فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ ﷺ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَى أَنْفِهِ هَكَذَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٦٢٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا» ) هَذَا تَفْصِيلٌ لِلْمُجْمَلِ السَّابِقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا الْكَرِيمَانِ الْكَاتِبَانِ، وَلَا يُنَافِي الْجَمْعَ فِيمَا مَرَّ، أَمَّا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ فَالِاحْتِمَالُ أَنَّ الْحَاضِرِينَ جَمْعٌ وَالْمُفَوَّضُ إِلَيْهِ مِنْهُمْ ذَلِكَ اثْنَانِ وَالْبَقِيَّةُ أَوِ الْكُلُّ يَقُولُونَ لِرُوحِهِ: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ، أَوِ الْقَائِلُ وَاحِدٌ، وَنُسِبَ إِلَى الْكُلِّ مَجَازًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ [هود: ٦٥] وَكَقَوْلِهِمْ: قَتَلَهُ بَنُو فُلَانٍ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الْبَرَاءِ الْآتِي. (قَالَ حَمَّادٌ) وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ، أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا دُونَ الْحَدِيثِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ رَاوِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (فَذَكَرَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوِ الصَّحَابِيُّ وَهُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ نِسْيَانَ رَاوِيهِ لَفْظَ النُّبُوَّةِ فِي هَذَا دُونَ مَعْنَاهُ فَذَكَرَهُ بِسِيَاقٍ يُشْعِرُ بِذَلِكَ. (مِنْ طِيبِ رِيحِهَا) أَيْ: أَوْصَافًا عَظِيمَةً مِنْ طِيبِ رِيحِهَا. (وَذَكَرَ) أَيْ: وَمِنْ أَنْوَاعِ ذَلِكَ. (الْمِسْكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: وَذَكَرَ الْمِسْكَ، لَكِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ كَالتَّشْبِيهِ أَوِ الِاسْتِعَارَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ اهـ. وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: وَذَكَرَ أَنَّ طِيبَ رِيحِهَا أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. (قَالَ:) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ) أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ أَيْ: كُلُّ سَمَاءٍ. (رُوحٌ طَيِّبَةٌ) مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ: هُوَ أَوْ هِيَ، وَقَوْلُهُ: (جَاءَتْ) يَعْنِي الْآنَ. (مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: مِنْ جِهَتِهَا صِفَةٌ ثَانِيَةٌ. (صَلَّى اللَّهُ) أَيْ: أَنْزَلَ الرَّحْمَةَ. (عَلَيْكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي عَلَيْكَ الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ فِي قَوْلِهِ: جَاءَتْ إِلَى الْخِطَابِ، وَفَائِدَتُهُ مَزِيدُ اخْتِصَاصٍ لَهَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا، قُلْتُ: وَلِمَزِيدِ التَّلَذُّذِ بِخِطَابِهِمْ إِيَّاهَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَرَاهَةُ الصَّلَاةِ اسْتِقْلَالًا عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ مَحَلُّهَا إِنْ صَدَرَتْ مِنْ غَيْرِهِمْ لَا مِنْهُمْ لِقَوْلِ الْعُلَمَاءِ فِي صَلَاتِهِ ﵊ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ مِنْ تَبَرُّعِ صَاحِبِ الْحَقِّ بِهِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وَلِقَوْلِهِ : " ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٣] . (وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ يَعْنِي عَلَى ظَاهِرِكِ وَبَاطِنِكِ، وَتَقْدِيمُ الْبَاطِنِ لِأَنَّهُ أَهَمُّ، وَالنَّظَرُ إِلَيْه أَتَمُّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتِعَارَةٌ، شَبَّهَ
стр. 2378
تَدْبِيرَهَا الْبَدَنَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ بِعِمَارَةِ مَنْ يَتَوَلَّى مَدِينَةً وَيُعَمِّرُهَا بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ. (فَيُنْطَلَقُ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، وَفِي رِوَايَةٍ فَيَنْطَلِقُونَ. (بِهِ إِلَى رَبِّهِ) أَيْ: إِلَى مَوْضِعِ حُكْمِهِ، أَوْ عَرْشِ رَبِّهِ، وَمَقَامِ قُرْبِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآتِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. (ثُمَّ يَقُولُ) أَيِ: الرَّبُّ سُبْحَانَهُ. (انْطَلِقُوا بِهِ) أَيِ: الْآنَ، أَيْ: لِيَكُونَ مُسْتَقِرًّا فِي الْجَنَّةِ أَوْ عِنْدَهَا. (إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ) ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُ بِحُكْمِ الْأَزَلِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَجَلِ هُنَا مُدَّةُ الْبَرْزَخِ. قَالَ) الطِّيبِيُّ: يُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَجَلَيْنِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] أَيْ: أَجَلُ الْمَوْتِ وَأَجَلُ الْقِيَامَةِ. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ . (وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ. قَالَ حَمَّادٌ: وَذَكَرَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ أَوِ الصَّحَابِيُّ. (مِنْ نَتْنِهَا) بِسُكُونِ التَّاءِ أَيْ: عَفَنِهَا. (وَذَكَرَ لَعْنًا) أَيْ: مَعَ النَّتَنِ، فَإِنَّ الْبُعْدَ مِنْ لَوَازِمِ النَّتَنِ. (وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ) مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ. (رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ) أَيْ: قَارَبَتِ السَّمَاءَ. (مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَكَرَ هَاهُنَا يُقَالُ، وَفِي الْأَوَّلِ يَقُولُ رِعَايَةً لِحُسْنِ الْأَدَبِ حَيْثُ نَسَبَ الرَّحْمَةَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَلَمْ يَنْسِبْ إِلَيْهِ الْغَضَبَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] . (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَدَّ رَسُولُ ﷺ رَيْطَةً) وَهِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ، كُلُّ مُلَاءَةٍ عَلَى طَاقَةٍ وَاحِدَةٍ لَيْسَتْ لُفْقَتَيْنِ أَيْ: طَرَفُ رَيْطَةٍ. (كَانَتْ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى بَدَنِهِ ﵊. (عَلَى أَنْفِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِرَدَّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ ﵊ كُوشِفَ بِرُوحِ الْكَافِرِ، وَشَمَّ مِنْ نَتَنِ رِيحِ رُوحِهِ. (هَكَذَا) أَيْ: كَفِعْلِي هَذَا، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى أَنْفِهِ بِكَيْفِيَّةٍ خَاصَّةٍ، صَدَرَتْ مِنْهُ ﵊. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمْثِيلٌ أَيْ: فِيهَا مِنَ النَّتَنِ وَالْقُبْحِ مَا لَوْ ظَهَرَ لِأَحَدِكُمْ لَغَطَّى أَنْفَهُ عَنْهُ كَذَلِكَ اهـ. وَهُوَ خُرُوجٌ عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ لِغَيْرِ بَاعِثٍ نَقْلِيٍّ أَوْ عَقْلِيٍّ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2379
١٦٢٩ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ أَتَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَبْوَابَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الْأَرْضِ! فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدُمُ عَلَيْهِ فَيَسْأَلُونَهُ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: قَدْ مَاتَ أَمَا أَتَاكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: قَدْ ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطٌ عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ إِلَى بَابِ الْأَرْضِ فَيَقُولُونَ: مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ؟ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
١٦٢٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَفِي رِوَايَةٍ إِذَا قُبِضَ. (أَتَتْ) أَيْ: جَاءَتْهُ. (مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ) وَلَعَلَّ رُوحَهُ تُلَفُّ فِيهَا، وَتُرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ، وَالْكَفَنُ الدُّنْيَوِيُّ يَصْحَبُ الْجَسَدَ الصُّورِيَّ. (فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي) أَيْ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ. (رَاضِيَةً) عَنِ اللَّهِ سَابِقًا بِثَوَابِ اللَّهِ لَاحِقًا. (مَرْضِيًّا عَنْكِ) أَيْ: أَوَّلًا وَآخِرًا. (إِلَى رَوْحِ اللَّهِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: رَحْمَتِهِ أَوْ رَاحَةٍ مِنْهُ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] . (وَرَيْحَانٍ) أَيْ: رِزْقٍ كَرِيمٍ، أَوْ مَشْمُومٍ عَظِيمٍ. (وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ) أَيْ: رَءُوفٍ رَحِيمٍ. (فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْكَافُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: تَخْرُجُ خُرُوجًا مِثْلَ رِيحِ مِسْكٍ بِفَتْقِ فَأْرَتِهَا، وَهُوَ قَدْ فَاقَ سَائِرَ أَرْوَاحِ الْمِسْكِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَتَخْرُجُ حَالَ كَوْنِهَا مِثْلَ أَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ، وَدَعْوَتُهُ أَنَّهُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ أَوْضَحُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ فَغَيْرُ وَاضِحٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ أَوْضَحَ. (حَتَّى إِنَّهُ) أَيِ: الْمُؤْمِنَ أَوْ رُوحَهُ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ أَوْ بِدُونِهِ فَإِنَّهُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَالْمَعْنَى حَتَّى إِنَّهُ مِنْ طِيبِ رُوحِهِ وَعَظَمَةِ رِيحِهِ. (يُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) أَيْ: يَصْعَدُونَ بِهِ مَنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ تَكْرِيمًا، وَتَعْظِيمًا، وَتَشْرِيفًا، لَا كَسَلًا وَتَعَبًا وَتَكْلِيفًا، وَلِذَا تَنَاوَبُوهُ وَإِلَّا فَأَحَدُهُمْ لَا يَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهِ. (حَتَّى يَأْتُوا) وَفِي رِوَايَةٍ فَيَشْتُمُونَهُ وَفِي رِوَايَةٍ فَيَشْتُمُونَهُ حَتَّى يَأْتُوا. (بِهِ أَبْوَابَ السَّمَاءِ) أَيْ: بَابًا بَعْدَ بَابٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: بَابَ السَّمَاءِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: إِلَى أَنْ يَأْتُوا بِهِ، وَهُوَ غَايَةٌ لِلْمُنَاوَلَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: غَايَةٌ لِـ يَخْرُجُ فَخُرُوجٌ عَنِ الظَّاهِرِ بِالْغَايَةِ. (فَيَقُولُونَ) أَيْ: بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ لِبَعْضِ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ عَلَى جِهَةِ التَّعَجُّبِ مِنْ غَايَةِ عَظَمَةِ طِيبِهِ. (مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الْأَرْضِ!) أَيْ: وَصَلَتْ إِلَيْكُمُ الْآنَ مِنْهَا. (فَيَأْتُونَ) وَفِي رِوَايَةٍ: كُلَّمَا أَتَوْا سَمَاءً، قَالُوا ذَلِكَ حَتَّى يَأْتُوا أَيِ: الْمَلَائِكَةُ الْأَوَّلُونَ أَوِ الْمُسْتَقْبِلُونَ.
стр. 2380
السَّائِلُونَ. (بِهِ) أَيْ: بِرُوحِهِ. (أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ) مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: إِلَى مَقَرِّ أَرْوَاحِهِمْ فِي عِلِّيِّينَ أَوْ فِي الْجَنَّةِ، أَوْ عَلَى بَابِهَا، أَوْ تَحْتَ الْعَرْشِ بِحَسَبِ مَنْزِلَتِهِ. (فَلَهُمْ) الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وَالضَّمِيرُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَوْ لِأَرْوَاحِهِمْ. (أَشَدُّ فَرَحًا) وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَهُمْ أَفْرَحُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اللَّامُ لَامُ الِابْتِدَاءِ مُؤَكِّدَةً نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] وَهُمْ مُبْتَدَأٌ، وَأَشَدُّ خَبَرُهُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ جَارَّةً أَيْ: لَهُمْ فَرَحٌ أَشَدُّ فَرَحًا ; فَيَكُونُ الْفَرَحُ فَرَحًا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ. (بِهِ) أَيْ: بِقُدُومِهِ. (مِنْ أَحَدِكُمْ) أَيْ: مِنْ فَرَحِهِ. (بِغَائِبِهِ) أَيِ: الْمَخْصُوصِ بِهِ. (يَقْدَمُ عَلَيْهِ) أَيْ: حَالَ قُدُومِهِ. (فَيَسْأَلُونَهُ) أَيْ: بَعْضُ أَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ) . (مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟) أَيْ: كَيْفَ حَالُهُ وَشَأْنُهُ؟ أَيْ: فِي الطَّاعَةِ لِيَفْرَحُوا بِهِ وَيَدْعُوا لَهُ بِالِاسْتِقَامَةِ أَوْ فِي الْمَعْصِيَةِ لِيَحْزَنُوا عَلَيْهِ، وَيَسْتَغْفِرُوا لَهُ. (مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟) تَأْكِيدٌ، أَوِ الْمُرَادُ شَخْصٌ آخَرُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. (فَيَقُولُونَ) أَيْ: بَعْضٌ آخَرُ مِنَ الْأَرْوَاحِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَيَقُولُ: أَيْ: بَعْضُهُمْ أَوْ أَحَدُهُمْ. (دَعُوهُ) أَيِ: اتْرُكُوهُ. (الْآنَ) وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى يَسْتَرِيحَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: دَعُوا الْقَادِمَ فَإِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِتَعَبِ الدُّنْيَا. (فَإِنَّهُ) أَيِ: الْقَادِمُ. (فِي غَمِّ الدُّنْيَا) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا فَكَانَ زَائِدَةٌ، أَوْ ضَمِيرُ فَإِنَّهُ لِلشَّأْنِ، وَكَانَ أَيِ: الْقَادِمُ فِي غَمِّ الدُّنْيَا إِلَى الْآنَ مَا اسْتَرَاحَ مِنْ هَمِّهَا. (فَيَقُولُ) أَيِ: الْقَادِمُ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ، وَالْجُمْلَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا مُعْتَرِضَةٌ. (قَدْ مَاتَ) أَيْ: فُلَانٌ الْمَسْئُولُ، أَوْ فُلَانٌ الثَّانِي، وَهُوَ الْأَقْرَبُ. (أَمَا أَتَاكُمْ) أَيْ: أَمَا جَاءَكُمْ. (فَيَقُولُونَ) وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِذَا قَالَ لَهُمْ: مَا أَتَاكُمْ فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ. يَقُولُونَ أَيْ: أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ: (قَدْ ذُهِبَ بِهِ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الْفَاءِ كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا
أَيْ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتَ: إِنَّهُ مَاتَ وَلَمْ يَلْحَقْ بِنَا فَقَدْ ذُهِبَ بِهِ اهـ.
وَهُوَ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ بِلَفْظِ أَوَمَا أُوتِيَ عَلَيْكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَوَقَدْ هَلَكَ. فَيَقُولُ: أَيْ وَاللَّهِ، فَيَقُولُونَ: نَرَاهُ قَدْ ذُهِبَ بِهِ. (إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ) أَيِ: النَّارِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩] لِأَنَّهَا مَأْوَى الْمُجْرِمِ، وَمَقَرُّهُ كَمَا أَنَّ الْأُمَّ لِلْوَلَدِ كَذَلِكَ ; وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا زِيدَ فِي رِوَايَةِ: فَبِئْسَتِ الْأُمُّ الْمُرَبِّيَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأُمُّ الْمَصِيرُ، أُطْلِقَ عَلَى الْمَأْوَى عَلَى التَّشْبِيهِ ; لِأَنَّ الْأُمَّ مَأْوَى الْوَلَدِ وَمَقَرُّهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وَالْهَاوِيَةُ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَأَمَّا فِي الْآيَةِ فَخَبَرٌ لِأُمِّهُ وَهِيَ مِنْ أَسْمَاءِ النَّارِ، كَأَنَّهَا النَّارُ الْعَمِيقَةُ تُهْوِي أَهْلَ النَّارِ فِيهَا مَهْوًى بَعِيدًا. (وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ. (أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ) الْجَوْهَرِيُّ الْمِسْحُ بِالْكَسْرِ الْبِلَاسُ. (فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً) أَيْ: كَارِهَةً غَيْرَ رَاضِيَةٍ عَنِ اللَّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا. (مَسْخُوطًا) أَيْ: مَغْضُوبًا. (عَلَيْكِ) أَيْ: أَزَلًا وَأَبَدًا. (إِلَى عَذَابِ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ اخْرُجِي. (عَزَّ) أَيْ: غَلَبَ كَلِمُهُ وَأَمْرُهُ. (وَجَلَّ) أَيْ: قَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ. (فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ حَتَّى يَأْتُونَ) بِإِثْبَاتِ النُّونِ وَرَفْعِهِ عَلَى حِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ عَلَى حَدِّ: (وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ) فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: حَتَّى أَتَوْا يَعْنِي بِهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (بَابَ الْأَرْضِ) وَفِي نُسْخَةٍ: إِلَى بَابِ الْأَرْضِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى بَابِ الْأَرْضِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: بَابَ سَمَاءِ الْأَرْضِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ السَّابِقُ، ثُمَّ عُرِجَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْبَابِ بَابُ الْأَرْضِ فَيُرَدُّ إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ لِمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي هَذَا الْبَابِ. (فَيَقُولُونَ) أَيْ: مَلَائِكَةُ الْأَرْضِ. (مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ حَتَّى!) وَفِي رِوَايَةٍ: كُلَّمَا أَتَوْا عَلَى أَرْضٍ قَالُوا ذَلِكَ ; فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ حَتَّى غَايَةً لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَوْ لِسَيْرِهِمُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ. (يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ) وَمَحَلُّهَا سِجِّينٌ، وَهُوَ مَوْضِعُ جَهَنَّمَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِنَحْوِهِ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: وَالْحَاكِمُ والْبَيْهَقِيُّ اهـ. وَالرِّوَايَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا هِيَ لَفْظُ الْحَاكِمِ.
стр. 2381
١٦٣٠ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمَّا يُلْحَدْ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ ﵇ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ. قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنَ السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ يَعْنِي بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ يَقُولُونَ: فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ : اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ ; فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى. قَالَ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ. يَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ يَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا فَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ. قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ. فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ وَيَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ. فَيَقُولُ: رَبِّ، أَقِمِ السَّاعَةَ، رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي. قَالَ: وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمُ الْمُسُوحُ فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ. قَالَ: فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا وَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدْعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَتَخْرُجَ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ يَقُولُونَ: فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] فَيَقُولُ اللَّهُ : اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ، فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ يَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي. فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ وَافْتَتِحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ حَرُّهَا وَسَمُومُهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ. فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ، فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ» . وَفِي رِوَايَةٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ: «إِذَا خَرَجَ رُوحُهُ صَلَّى عَلَيْهِ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلَّا وَهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ يُعْرَجَ بِرُوحِهِ مِنْ قِبَلِهِمْ، وَتُنْزَعُ نَفْسُهُ يَعْنِي الْكَافِرَ مَعَ الْعُرُوقِ فَيَلْعَنُهُ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلَّا وَهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ لَا يُعْرِجَ رُوحَهُ مِنْ قِبَلِهِمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٦٣٠ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتُكْسَرُ. (مِنَ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا) أَيْ: وَصَلْنَا. (إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمَّا يُلْحَدْ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ قَبْلَ أَنْ يُلْحَدَ، وَلَمَّا بِمَعْنَى لَمْ، وَفِيهِ تَوَقُّعٌ. (فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وَفِي رِوَايَةٍ وَكَأَنَّ. (عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: كِنَايَةٌ عَنْ إِطْرَاقِهِمْ رُءُوسَهُمْ، وَسُكُوتِهِمْ، وَعَدَمِ الْتِفَاتِهِمْ يَمِينًا وَشِمَالًا. قَالَ مِيرَكُ: وَالطَّيْرَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ كَأَنَّ أَيْ عَلَى رَأْسِ كُلِّ وَاحِدٍ الطَّيْرُ يُرِيدُ صَيْدَهُ فَلَا يَتَحَرَّكُ، وَهَذِهِ كَانَتْ صِفَةَ مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَسْكُتُونَ فَلَا يَتَكَلَّمُونَ وَالطَّيْرُ لَا يَسْقُطُ إِلَّا عَلَى سَاكِنٍ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَوْلُهُمْ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرَ إِذَا سَكَنُوا مِنْ هَيْبَتِهِ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْغُرَابَ إِذَا وَقَعَ عَلَى رَأْسِ الْبَعِيرِ فَيَلْتَقِطُ مِنْهُ الْحَمْلَةَ وَالْحَمْلَتَيْنِ، فَلَا يُحَرِّكُ الْبَعِيرُ رَأْسَهُ لِئَلَّا يَنْفُرَ عَنْهُ الْغُرَابُ. (وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ) بِضَمِّ الْكَافِ. (بِهِ فِي الْأَرْضِ) أَيْ: يُؤَثِّرُ بِطَرَفِ الْعُودِ الْأَرْضَ فِعْلَ الْمُتَفَكِّرِ الْمَهْمُومِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ) ظَرْفٌ لِقَالَ. (أَوْ ثَلَاثًا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي. (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ) أَيْ: إِدْبَارٍ. (مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ) أَيِ: اتِّصَالٍ بِهَا. (نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، بِيضُ الْوُجُوهِ) إِظْهَارًا لِلِّطُفِ وَالْعِنَايَةِ، أَوِ انْعِكَاسًا مِنْ أَنْوَارِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ. (كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ) أَيْ: وَجْهَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالشَّمْسِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَخْبَرَ بِهَا عَنِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ فِي الْأَصْلِ فَقَوْلٌ مَنْطِقِيٌّ لَا حَقِيقَةَ لَهُ. (مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ) أَيْ: مِنْ حَرِيرِهَا. (وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ) أَيْ: مِسْكِهَا وَعَنْبَرِهَا وَعَبِيرِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَنُوطُ مَا يُخْلَطُ مِنَ الطِّيبِ لِأَكْفَانِ الْمَوْتَى وَأَجْسَادِهِمْ. (حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ) أَيْ: قَرِيبًا مِنْهُ مَعَ كَمَالِ الْأَدَبِ، يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَ الرُّوحِ مِنْهُ. (ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ ﵇) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ. (حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا يُنَافِي ظَاهِرُهُ مَا مَرَّ أَنَّ الْقَائِلَ غَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ أَنَّهُ وَمَلَائِكَةٌ أُخَرُ بِهَا يَقُولُونَ ذَلِكَ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ مَا مَرَّ أَنَّ الْقَائِلَ غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا مَرَّ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَقُولُونَ وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَائِلَ رَئِيسُهُمْ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ سَابِقًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ لَاحِقًا. ( «أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ» ) وَفِي رِوَايَةٍ. (الْمُطْمَئِنَّةُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا، أَيْ: لَيْسَ أَمَامَكِ إِلَّا الْمَغْفِرَةُ وَالرِّضْوَانُ وَفِيهِمَا إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةِ دَفْعِ الْعَذَابِ، وَكَمَالِ الثَّوَابِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ إِلَى مَحَلِّهِمَا وَهُوَ الْجَنَّةُ فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (فَتَخْرُجُ) أَيْ: رُوحُهُ. (تَسِيلُ) حَالٌ. (كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ) أَيْ: كَسَيَلَانِ الْقَطْرَةِ فِي السُّهُولَةِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَنِ الرُّوحِ أَنَّهَا جِسْمٌ لَطِيفٌ سَارَ فِي الْبَدَنِ كَسَرَيَانِ مَاءِ الْوَرْدِ فِي الْوَرْدِ. (مِنَ السِّقَاءِ) أَيِ: الْقِرْبَةِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ غَيْرَ ذَلِكَ أَيْ: مِنَ الشَّدَّةِ، وَالْحَاصِلُ أَنْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ اضْطِرَابِ الْجَسَدِ وَسَهُولَةِ خُرُوجِ الرُّوحِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الْأَوَّلُ سَبَبًا لِلثَّانِي كَمَا أَنَّ رِيَاضَةَ النَّفْسِ، وَتَضْعِيفَ الْبَدَنِ عِنْدَ السَّادَةِ الصَّفِيَّةِ الصُّوفِيَّةِ مُوجِبٌ لِقُوَّةِ الرُّوحِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالْمَعْرِفَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا مَرَّ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ عِنْدَ النَّزْعِ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا قَبْلَ خُرُوجِ الرُّوحِ فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ ; لِأَنَّ حَالَةَ النَّزْعِ هُوَ وَقْتُ خُرُوجِ الرُّوحِ، فَبَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَاقُضٌ بَيِّنٌ. (فَيَأْخُذُهَا) أَيْ: مَلَكُ الْمَوْتِ. (فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ: لَمْ يَتْرُكُوهَا. (فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ) أَدَبًا مَعَهُ أَوِ اشْتِيَاقًا إِلَيْهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ إِذَا قَبَضَ رُوحَ
стр. 2382
الْعَبْدِ سَلَّمَهَا إِلَى أَعْوَانِهِ الَّذِينَ مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ. (حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ) مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ. (وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ) أَيِ: الْجَنِّيِّ. (وَيَخْرُجُ) بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ. (مِنْهَا) أَيْ: مِنَ الرُّوحِ رِيحٌ أَوْ شَيْءٌ. (كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ) أَيْ: مِثْلِ أَطْيَبِهَا فَالْكَافُ مَثَلِيَّةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ هُوَ فَاعِلُ يَخْرُجُ، أَيْ: يَخْرُجُ مِنْهَا رَائِحَةٌ كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ. (وُجِدَتْ) أَيْ: تِلْكَ النَّفْحَةُ. (عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ) أَيْ: جَمِيعِهَا مُنْذُ خُلِقَتِ الدُّنْيَا إِلَى فَنَائِهَا. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ . (فَيَصْعَدُونَ) أَيْ: أَعْوَانُ مَلَكِ الْمَوْتِ، أَوْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ. (بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ يَعْنِي بِهَا) هَذَا مِنْ كَلَامِ الصَّحَابِيِّ أَوِ الرَّاوِي، وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي رِوَايَةِ السُّيُوطِيِّ. (عَلَى مَلَأٍ) أَيْ: جَمْعٍ عَظِيمٍ. (مِنَ الْمَلَائِكَةِ) أَيِ: الَّذِينَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. (إِلَّا قَالُوا) أَيِ: الْمَلَأُ. (مَا هَذَا الرَّوْحُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيِ: الرِّيحُ وَضَمِّهَا. (الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ) أَيْ: مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ. (فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ) أَيْ: رُوحُهُ أَوْ رَوْحُهُ. (بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ) أَيْ: أَلْقَابِهِ وَأَوْصَافِهِ. (الَّتِي كَانُوا) أَيْ: أَهْلُ الدُّنْيَا. (يُسَمُّونَهُ) أَيْ: يَذْكُرُونَهُ. (بِهَا) أَيْ: بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ. (فِي الدُّنْيَا حَتَّى) لَا يَزَالُ الْمَلَائِكَةُ يَسْأَلُونَ وَيُجَابُونَ كَذَلِكَ حَتَّى (يَنْتَهُوا بِهَا) أَيْ: بِتِلْكَ الرُّوحِ. (إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أُنِّثَ بِاعْتِبَارِ النِّسْبَةِ، وَذُكِّرَ بِاعْتِبَارِ الشَّخْصِ اهـ.
الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَفِي الْقَامُوسِ الرُّوحُ بِالضَّمِّ مَا بِهِ حَيَاةُ الْأَنْفُسِ وَيُؤَنَّثُ. (فَتُفْتَحُ) بِالتَّأْنِيثِ أَيِ: السَّمَاءُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُذكَّرَ فَالْجَارُّ نَائِبُ الْفَاعِلِ. (لَهُمْ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أُفْرِدَ الضَّمِيرُ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالِاسْتِفْتَاحِ، ثُمَّ جُمِعَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَهُ بَلْ يَسْتَمِرُّونَ مَعَهُ اهـ. وَهُوَ خُلَاصَةُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِيرَ لَهُمْ لِلْمُسْتَفْتِحِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ قَوْلُهُ لَهُ عِلَّةً وَصِلَةً لِلْفِعْلِ، وَلَا دَخْلَ لَهُ فِي الْمَقْصُودِ ; فَالْمُطَابَقَةُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرَةٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ التَّغْلِيبُ فَيُرَاعَى الِاسْتِخْدَامُ حِينَئِذٍ فِي قَوْلِهِ. (فَيُشَيِّعُهُ) أَيْ: يَسْتَقْبِلُهُ وَيَصْحَبُهُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي السَّمَاءِ (مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا) أَيْ: تَقْرُبُهَا وَتَدْنُو مِنْهَا وَهَكَذَا. (حَتَّى يُنْتَهَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَالْجَارُّ نَائِبُ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ لَفْظُ بِهِ سَاقِطٌ، وَيَنْتَهِي بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ. (إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ) أَيِ: الْجَنَّةِ إِذْ هِيَ مُجَاوِرَةٌ لَهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا نِهَايَةُ السَّمَاوَاتِ الْعُلَا، وَالِاقْتِرَابُ إِلَى عَرْشِ الرَّحْمَنِ أَيْ: سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. (فَيَقُولُ اللَّهُ : اكْتُبُوا) أَيْ: أَثْبِتُوا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيِ اكْتُبُوا الْآنَ، وَإِنْ كُتِبَ فِي سَابِقِ الزَّمَانِ فَمُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ صَحِيحٍ وَنَقْلٍ صَرِيحٍ. (كِتَابَ عَبْدِي) بِالْإِضَافَةِ لِلتَّشْرِيفِ ; وَلِذَا قَالَ فِي الْكَافِرِ: اكْتُبُوا كِتَابَهُ أَيِ: اجْعَلُوا كِتَابَةَ عَبْدِي بِكِتَابَةِ اسْمِهِ. (فِي عِلِّيِّينَ) أَيْ: فِي دَفْتَرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَدِيوَانِ الْمُقَرَّبِينَ، وَقِيلَ: هُوَ مَوْضِعٌ فِيهِ كِتَابُ الْأَبْرَارِ، فَالْمُرَادُ بِكِتَابِ الْعَبْدِ صَحِيفَةُ أَعْمَالِهِ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: أَيْ: فِي كِتَابِ عَبْدِي يَعْنِي أَنَّهُ فِي عِلِّيِّينَ، أَوْ فِي عَوَالٍ، أَوْ غُرَفٍ مِنَ الْجَنَّةِ مَآلًا، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي عِلِّيِّينَ، وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ فِي سِجِّينٍ، وَلِكُلِّ رُوحٍ بِجَسَدِهَا اتِّصَالٌ مَعْنَوِيٌّ لَا يُشْبِهُ الِاتِّصَالَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، بَلْ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِهِ حَالُ النَّائِمِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَشَدَّ مِنْ حَالِ النَّائِمِ اتِّصَالًا، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَا وَرَدَ أَنَّ مَقَرَّهَا فِي عِلِّيِّينَ أَوْ سِجِّينٍ وَبَيْنَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا عِنْدَ أَفَنِيَةِ قُبُورِهَا. قَالَ: وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ مَأْذُونٌ لَهَا فِي التَّصَرُّفِ، وَتَأْوِي إِلَى مَحَلِّهَا مِنْ عِلِّيِّينَ أَوْ سِجِّينٍ. قَالَ: وَإِذَا نُقِلَ الْمَيِّتُ مِنْ قَبْرٍ إِلَى قَبْرٍ فَالِاتِّصَالُ الْمَذْكُورُ مُسْتَمِرٌّ وَكَذَا لَوْ تَفَرَّقَتِ الْأَجْزَاءُ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الرُّوحُ مِنْ سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ الَّذِي كَلَمْحِ الْبَصَرِ، مَا يَقْتَضِي عُرُوجَهَا مِنَ الْقَبْرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي أَدْنَى لَحْظَةٍ، وَشَاهِدُ ذَلِكَ رُوحُ النَّائِمِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رُوحَ النَّائِمِ تَصْعَدُ حَتَّى تَخْتَرِقَ الطِّبَاقَ، وَتَسْجُدُ لِلَّهِ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ ثُمَّ تُرَدُّ إِلَى جَسَدِهِ فِي أَيْسَرِ زَمَانٍ؛ انْتَهَى، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: اكْتُبُوا كِتَابَ مَقَرِّ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ. (وَأَعِيدُوهُ) الْآنَ (إِلَى الْأَرْضِ) أَيْ: لِيَتَعَلَّقَ بِالْبَدَنِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ وَيَتَهَيَّأَ لِجَوَابِ السُّؤَالِ (فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ) أَيْ: أَجْسَادَ بَنِي آدَمَ. (وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ) أَيْ: أَجْسَادَهُمْ وَأَرْوَاحَهُمْ.
стр. 2383
(وَمِنْهَا أُخْرِجْهُمْ) أَيْ: كُمَّلًا. (تَارَّةً) أَيْ مَرَّةً. (أُخْرَى قَالَ:) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَلَعَلَّ إِعَادَةَ قَالَ لِطُولِ الْكَلَامِ أَوْ لِفَصْلِهِ بِكَلَامِ غَيْرِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيمَا نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْمَوَاضِعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. (فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ عَوْدَ الرُّوحِ إِلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ بَدَنِهِ، فَلَا الْتِفَاتَ إِلَى قَوْلِ الْبَعْضِ بِأَنَّ الْعَوْدَ إِنَّمَا يَكُونُ إِلَى الْبَعْضِ، وَلَا إِلَى قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ إِلَى نِصْفِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مِنْ قِبَلِ الْعَقْلِ بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى صِحَّةِ النَّقْلِ. (يَأْتِيهِ مَلَكَانِ) أَيِ: الْمُنْكَرُ وَالنَّكِيرُ لَكِنْ فِي صُورَةِ مُبَشِّرٍ وَبَشِيرٍ. (فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولُونَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينَيَ الْإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ) ؟ أَيْ: أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا ﷺ وَفِي الْعِبَارَةِ فِتْنَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، وَامْتِحَانٌ لِلْمُوقِنِ حَيْثُ أَتَيَا بِصِيغَةِ الْجَهَالَةِ، وَلَمْ يُذَكِّرَاهُ بِصِفَةِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَلَعَلَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ النَّاسِ إِذْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُمَا قَالَا لَهُ: وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ (فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ) وَفِي رِوَايَةٍ: مُحَمَّدٌ نَبِيٌّ. (فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟) أَيْ: بِمَا قُلْتَ: أَوْ مَا سَبَبُ عِلْمِكَ بِرِسَالَتِهِ، أَوْ مَا سَبَبُ إِقْرَارِكَ، أَمُجَرَّدُ التَّقْلِيدِ فِي التَّصْدِيقِ، أَوِ الْبُرْهَانُ وَالتَّحْقِيقُ؟ (فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ) أَيْ: بِالْكِتَابِ، أَوْ بِالرَّسُولِ، أَوْ بِمَا فِيهِ، وَعَلِمْتُ جَمِيعَ مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَعَانِيهِ (وَصَدَّقْتُ) أَيْ: تَصْدِيقًا قَلْبِيًّا، وَمَا اكْتَفَيْتُ بِالْإِيمَانِ اللِّسَانِيِّ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجْرٍ أَوْ تَأْكِيدٌ لِمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ عِنْدَ أَرْبَابِ التَّأْيِيدِ. (فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ) أَيْ: عَلَى لِسَانِ الْحَقِّ (أَنْ صَدَقَ عَبْدِي) أَنْ تَفْسِيرِيَّةٌ ; لِأَنَّ فِي النِّدَاءِ مَعْنَى الْقَوْلِ، وَجَعْلُهَا مَصْدَرِيَّةً يُخِلُّ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِأَنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ بِصِدْقِ عَبْدِي. (فَأَفْرِشُوهُ) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ أَيْ: أَعْطُوهُ فِرَاشًا أَوْ أَفْرِشُوا لَهُ فِرَاشًا، فَالْهَمْزَةُ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ، فَفِي الْقَامُوسِ أَفْرَشَ فُلَانًا بِسَاطًا بَسَطَهُ لَهُ كَفَرَشَهُ فَرْشًا، وَفَرَّشَهُ تَفْرِيشًا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: أَفْرِشُوا قَبْرَهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِمَا فِي الْقَامُوسِ أَيْضًا فَرَشَهُ فَرْشًا وَفِرَاشًا أَيْ: بَسَطَهُ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمَفْرُوشَ لَا يَكُونُ إِلَّا الْبِسَاطَ، وَالْقَبْرُ لَيْسَ إِلَّا مَفْرُوشًا فِيهِ، وَأَمَّا الْمُسْتَعْمَلُ فِي لِسَانِ أَهْلِ الزَّمَانِ مِنَ الْعَرَبِ أَفْرَشَوا الْبَيْتَ فَاتِّسَاعٌ فِي الْكَلَامِ، وَقَوْلُهُمُ الْمَيِّتُ مَفْرُوشٌ أَيْ: مَفْرُوشٌ فِيهِ. (مِنَ الْجَنَّةِ) أَيْ: مِنْ فُرُشِهَا. (وَأَلْبِسُوهُ) بِهَمْزَةِ الْقَطْعِ أَيِ: (اكْسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ) أَيْ: مِنْ ثِيَابِهَا. (وَافْتَحُوا لَهُ) أَيْ: لِأَجْلِهِ. (بَابًا) أَيْ: مِنَ الْقَبْرِ. (إِلَى الْجَنَّةِ) أَيْ: جِهَتِهَا، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ مِنَ الْجَنَّةِ فَمِنْ سَهْوِ الْقَلَمِ. (قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا) بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: نَسِيمِهَا. (وَطِيبِهَا) أَيْ: رَائِحَتِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: رَوْحُهَا مَرَّ بَيَانُهُ فَمُوهِمٌ جَوَازَ ضَمِّ الرَّاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: (وَطِيبِهَا) تَأْكِيدٌ، فَغَفْلَةٌ عَنِ التَّحْقِيقِ الثَّابِتِ بِالتَّأْيِيدِ. (فَيُفْسَحُ) بِالتَّخْفِيفِ وَتُشَدَّدُ أَيْ: يُوَسَّعُ (لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ) وَهُوَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْبَصَرِ الْمُرَتَّبِ عَلَى اخْتِلَافِ الْبَصِيرَةِ. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ . (وَيَأْتِيهِ) أَيِ: الْمُؤْمِنَ. (رَجُلٌ) أَيْ: شَيْءٌ عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ. (حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ) كِنَايَةٌ عَنْ حُسْنِ عَمَلِهِ وَخُلُقِهِ، (فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ) أَيْ: بِمَا يَجْعَلُكَ مَسْرُورًا، يَعْنِي بِمَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ بِبَالِ بَشَرٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] وَأَمَّا تَقْدِيرُ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ: يَسُرُّكَ رَبُّكَ فَغَفْلَةٌ عَنْ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى تَقْدِيرِ " بِهِ " أَيْضًا، وَإِذَا صَحَّ الْكَلَامُ بِلَا تَقْدِيرٍ فَلَا يُقَدَّرُ، وَالنِّسْبَةُ الْمَجَازِيَّةُ غَيْرُ عَزِيزَةٍ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ.﴾ [البقرة: ٦٩] (هَذَا) أَيُ: الْوَقْتُ. (يَوْمُكَ) أَيْ: زَمَانُكَ الْمَحْمُودُ. (الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ) أَيْ: بِهِ فِي الدُّنْيَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] . (فَيَقُولُ) أَيِ: الْمُؤْمِنُ. (لَهُ مَنْ أَنْتَ) حَيْثُ أَنَّسْتَ الْغَرِيبَ، وَبَشَّرْتَ بِالْخَيْرِ الْعَجِيبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا سَرَّهُ بِالْبِشَارَةِ قَالَ لَهُ: إِنِّي لَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ حَتَّى أُجَازِيَكَ بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ: مَنْ أَنْتَ؟ مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى الْمَدْحِ مُجْمَلًا وَفِيهِ نَظَرٌ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ بِمَعُونَةِ الْمَقَامِ
стр. 2384
وَقَرِينَةُ الْحَالَةِ ثُمَّ قَالَ: وَالْفَاءُ فِي. (فَوَجْهُكَ) لِتَعْقِيبِ الْبَيَانِ بِالْمُجْمَلِ عَلَى عَكْسِ قَوْلِ الشَّقِيِّ لِلْمَلَكِ: مَنْ أَنْتَ؟ (الْوَجْهُ) أَيْ: وَجْهُكَ هُوَ الْكَامِلُ فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ وَالنِّهَايَةِ فِي الْكَمَالِ، وَحَقٌّ لِمِثْلِ هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَجِيءَ بِالْخَيْرِ وَيُبَشِّرَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْبِشَارَةِ وَقَوْلُهُ: (يَجِيءُ بِالْخَيْرِ) جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ، وَقِيلَ: الْمَوْصُولُ مُقَدَّرٌ أَيْ: وَجْهُكَ الَّذِي يَجِيءُ بِالْخَيْرِ. (فَيَقُولُ) أَيِ: الْمُصَوَّرَةُ بِصُورَةِ الرَّجُلِ. (أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ) . فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ، رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ التَّكْرَارُ لِلْإِلْحَاحِ فِي الدُّعَاءِ. (حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي) أَيْ: مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَالْخَدَمِ. (وَمَالِي) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا مَوْصُولَةً أَيْ: مَالِي مِنَ الْقُصُورِ وَالْبَسَاتِينِ وَغَيْرِهَا مِنْ حُسْنِ الْمَالِ، وَمِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَالِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ أَقَارِبُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَبِمَالِي مَا يَشْمَلُ الْحُورَ وَالْقُصُورَ. قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: يَعْنِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَبِ إِحْيَائِهِ لِكَيْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَيَزِيدَ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَزِيدَ ثَوَابًا وَيُرْفَعَ فِي دَرَجَاتِهِ اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَفِيهِ أَنَّ حَمْلَ السَّاعَةِ عَلَى غَيْرِ الْقِيَامَةِ فِي غَايَةٍ مِنَ الْغَرَابَةِ. وَقَالَ مِيرَكُ: الْأَصْوَبُ أَنْ يُقَالَ: طَلَبَ إِقَامَةَ الْقِيَامَةِ لِكَيْ يَصِلَ إِلَى مَا أُعِدَّ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالدَّرَجَاتِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْكَافِرِ حِكَايَةً عَنْهُ رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ لِكَيْ يَهْرَبَ بِهِ عَمَّا يُعَدُّ لَهُ مِنَ الْعِقَابِ. (قَالَ) يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي النُّسَخِ كُلِّهَا، وَفِي الرِّوَايَاتِ جَمِيعِهَا ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْقِصَّةِ الثَّانِيَةِ. (وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ) أَيْ: مِنْ مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ. (سُودُ الْوُجُوهِ) إِظْهَارًا لِلْغَضَبِ بِمَا يُنَاسِبُ عِلْمَهُ، أَوِ انْعِكَاسًا مِنْ قِبَلِهِ. (مَعَهُمُ الْمُسُوحُ) جَمْعُ الْمِسْحِ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ اللِّبَاسُ الْخَشِنُ. (فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ انْتِظَارًا لِخُرُوجِ رُوحِهِ. (ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ) أَيْ: خَبِيثَةُ الْخِصَالِ غَيْرُ مَرَضِيَّةِ الْأَعْمَالِ. (اخْرُجِي فِي سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ) أَيْ: إِلَى آثَارِ غَضَبِ اللَّهِ مِنْ أَنْوَاعِ عِقَابِهِ. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ . (فَتَفَرَّقُ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّائَيْنِ أَيِ: الرُّوحُ. (فِي جَسَدِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: كَرَاهَةَ الْخُرُوجِ إِلَى مَا يُسَخِّنُ عَيْنَهُ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، كَمَا أَنَّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ تَخْرُجُ وَتَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنَ السِّقَاءِ فَرَحًا إِلَى مَا تَمُرُّ بِهِ عَيْنُهُ مِنَ الْكَرَامَةِ اهـ. وَتَسْخِيرُ الْعَيْنِ كِنَايَةٌ عَنِ الْجَوْهَرِ كَمَا أَنَّ قُرَّةَ الْعَيْنِ عِبَارَةٌ عَنِ السُّرُورِ، وَلِذَا قَالُوا: دَمْعُ الْحُزْنِ وَدَمْعُ الْفَرَحِ بَارِدٌ. (فَيَنْتَزِعُهَا) أَيْ: مَلَكُ الْمَوْتِ يَسْتَخْرِجُ رُوحَهُ بِعُنْفٍ وَشَدَّةٍ وَمُعَالَجَةٍ. (كَمَا يُنْزَعُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةٍ كَمَا يُنْتَزَعُ. (السَّفُّودُ) كَتَنُّورٍ أَيِ: الشَّوْكُ أَوِ الْحَدِيدُ الَّتِي يُشْوَى بِهَا اللَّحْمُ. (مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ نَزْعَ رُوحِ الْكَافِرِ مِنْ أَقْصَى عُرُوقِهِ بِحَيْثُ يَصْحَبُهُ الْعُرُوقُ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: وَتُنْزَعُ نَفْسُهُ مَعَ الْعُرُوقِ نَزْعَ السَّفُّودِ وَهُوَ الْحَدِيدُ الَّتِي يُشْوَى بِهَا اللَّحْمُ فَيَبْقَى مَعَهَا بَقِيَّةٌ مِنَ الْمَحْرُوقِ، فَيَسْتَصْحِبُ عِنْدَ الْجَذْبِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الصُّوفِ مَعَ قُوَّةٍ وَشِدَّةٍ وَبِعَكْسِهِ شَبَّهَ خُرُوجَ رُوحِ الْمُؤْمِنِ مِنْ جَسَدِهِ بِتَرْشِيحِ الْمَاءِ وَسَيَلَانِهِ مِنَ الْقِرْبَةِ الْمَمْلُوءَةِ مَاءً مَعَ سُهُولَةٍ وَلُطْفٍ. (فَيَأْخُذُهَا) أَيْ: مَلَكُ الْمَوْتِ. (فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدْعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ) أَيْ: مُبَادَرَةً إِلَى الْأَمْرِ. (حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ وَيَخْرُجَ) بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ. (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ رُوحِ الْكَافِرِ عِنْدَ خُرُوجِهَا مِنْ جَسَدِهِ. (كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَيَصْعَدُونَ بِهَا) افْتِضَاحًا لَهَا، وَإِظْهَارًا لِرَدَاءَتِهَا. (فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ فَيَقُولُونَ: فُلَانٌ ابْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ) أَيْ: يَذْكُرُونَهُ بِأَشْنَعِ أَوْصَافِهِ. (الَّتِي كَانَ يُسَمَّى) وَفِي نُسْخَةٍ: كَانُوا أَيْ: أَهْلُ السَّمَاءِ يُسَمُّونَ أَيْ: يُسَمُّونَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ السَّيِّدِ بِفَتْحِ الْمِيمِ فَالضَّمِيرَانِ إِلَى الْكَافِرِ. (بِهَا) أَيْ: بِتِلْكَ
стр. 2385
الْأَسْمَاءِ. (فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) أَيِ: الْقُرْبَى. (فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيِ: اسْتِشْهَادًا عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ [الأعراف: ٤٠] . (لَا تُفَتَّحُ) بِالتَّأْنِيثِ مَعَ التَّشْدِيدِ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ، وَمَعَ التَّخْفِيفِ قِرَاءَةُ الْبَصْرِيِّ، وَبِالتَّذْكِيرِ وَالتَّخْفِيفِ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ. (لَهُمْ) أَيْ: لِلْكُفَّارِ. (أَبْوَابُ السَّمَاءِ) أَيْ: شَيْءٌ مِنْهَا. ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ﴾ [الأعراف: ٤٠] أَيْ: يَدْخُلَ. ﴿الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] أَيْ: خَرْقَهُ وَثَقْبَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: سَمُّ الْإِبْرَةِ مَثَلٌ فِي ضِيقِ الْمَسْلَكِ وَالْجَمَلُ مَثَلٌ فِي عِظَمِ الْجِرْمِ فَهُوَ تَعْلِيقٌ بِالْمُحَالِ اهـ.
وَذَلِكَ بِأَنَّ دُخُولَ الْجِرْمِ الْعَظِيمِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى عَظَمَتِهِ فِي ذَلِكَ الْخَرْقِ الضَّيِّقِ جِدًّا مَعَ بَقَائِهِ عَلَى ضِيقِهِ مُحَالٌ عَقْلًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَكَذَلِكَ دُخُولُهُمُ الْجَنَّةَ مُحَالٌ لِذَلِكَ اهـ.
وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ دُخُولَهُمُ الْجَنَّةَ لَيْسَ مُحَالًا لِذَاتِهِ إِنَّمَا هُوَ مُحَالٌ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَلَا يَدْخُلُ الْكَافِرُ الْجَنَّةَ أَبَدًا، وَأَمَّا الْعَقْلُ فَيُجَوِّزُهُ لَوْلَا النَّقْلُ، نَعَمِ الْعَقْلُ الْكَامِلُ أَيْضًا، لَا يُجَوِّزُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَلِذَا ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الْكُفَّارَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] الْآيَةَ، وَبِقَوْلِهِ ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] . (فَيَقُولُ اللَّهُ : اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ) قِيلَ: هُوَ مَوْضِعٌ فِيهِ كِتَابُ الْفُجَّارِ مِنْ قَعْرِ النَّارِ (فِي الْأَرْضِ) حَالٌ لَازِمَةٌ أَوْ بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ بَدَلَ كُلٍّ مِنْ بَعْضٍ. (السُّفْلَى) أَيِ: السَّابِعَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَحَلِّ جَهَنَّمَ وَهُوَ الْأَشْهَرُ مِنْ خِلَافٍ طَوِيلٍ فِيهِ، لَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ الْجَامِعِينَ بَيْنَ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ: لَمْ يَصِحَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ فَيَنْبَغِي لَنَا الْإِمْسَاكُ عَنْهُ. (فَتُطْرَحُ) أَيْ: تُرْمَى. (رُوحُهُ) طَرْحًا أَيْ: رَمْيًا شَدِيدًا. (ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيِ: اعْتِضَادٌ لِلْمُبَالَغَةِ.: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي﴾ [الحج: ٣١] أَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ فِي التَّمْثِيلِ أَيْ: تَرْمِي. ﴿بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] أَيْ: بَعِيدٌ أَوْ عَمِيقٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ أَيْ: هَوَتْ بِهِ فِي بَعْضِ الْمَطَارِحِ الْبَعِيدَةِ وَهَذَا اسْتِشْهَادٌ مُجَرَّدٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : فِي سِجِّينٍ، فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى فَتَطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا لَا أَنَّهُ بَيَانٌ لِحَالِ الْكَافِرِ حِينَئِذٍ ; لِأَنَّهُ شَبَّهَ فِي الْآيَةِ مَنْ يُشْرِكُ بِاللَّهِ بِالسَّاقِطِ مِنَ السَّمَاءِ، وَالْأَهْوَاءَ الَّتِي تُوَزِّعُ أَفْكَارَهُ بِالطَّيْرِ الْمُخْتَطِفَةِ، وَالشَّيْطَانَ الَّذِي يُغْوِيهِ وَيَطْرَحُ بِهِ فِي وَادِي الضَّلَالَةِ بِالرِّيحِ الَّذِي هُوَ يَهْوِي بِمَا عُصِفَ بِهِ فِي بَعْضِ الْمُهَاوِي الْمُتْلِفَةِ. (فَتُعَادُ رُوحُهُ) فِي جَسَدِهِ. (وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ) بِسُكُونِ الْهَاءِ الْأَخِيرَةِ فِيهِمَا، وَهُوَ كَلَامُ الْمَبْهُوتِ الْمُتَحَيِّرِ فِي الْجَوَابِ، وَلِذَا صَرَّحَ وَقَالَ: (لَا أَدْرِي. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ) : أَيْ: لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ. (مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ) ؟ أَيْ: أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ. (فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ) أَيْ: كَذَبَ فِي نَفْيِ الدِّرَايَةِ عَنْهُ مُطْلَقًا، بَلْ عَرَفَ اللَّهَ وَأَشْرَكَ بِهِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الدِّينُ، وَمَا تَدَيَّنَ بِهِ، وَظَهَرَتْ رِسَالَةُ النَّبِيِّ بِالْمُعْجِزَاتِ عِنْدَهُ، وَمَا أَطَاعَهُ، أَوِ الْكَذِبُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَعْنَى: لَا أَدْرِي لَمْ يَكُنْ لِي قَابِلِيَّةُ دِرَايَةٍ بِالْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ وَهَذَا كَذِبٌ مَحْضٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ تَرَكُوا هَذَا الْعِلْمَ بِاخْتِيَارِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ) وَفِي رِوَايَةِ السُّيُوطِيِّ: وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ. (وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا) أَيْ: يَأْتِيهِ بَعْضُ حَرِّهَا فِي قَبْرِهِ، وَأَمَّا تَمَامُهُ فَفِي الْآخِرَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٧] وَقَالَ : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَيَأْتِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَتَقْدِيرٌ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيرٍ وَتَقْرِيرٍ. (وَسَمُومِهَا) أَيْ: شِدَّةِ حَرَارَتِهَا، وَظَاهِرُ الْمُقَابَلَةِ أَنَّ سَمُومَهَا مَمْزُوجٌ بِالنَّتَنِ وَالْعُفُونَةِ. (وَيُضَيَّقُ) بِالتَّشْدِيدِ. (عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ) أَيْ: فِي قَبْرِهِ وَفِي بَدَنِهِ. (أَضْلَاعُهُ)
следующие страницы →