Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
١٥٧٨ - وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: هَنِيئًا لَهُ، مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَيْحَكَ، وَمَا يُدْرِيكَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ فَكَفَّرَ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ» " رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا.
ــ
١٥٧٨ - (وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا جَاءَهُ الْمَوْتُ) أَيْ: فَجْأَةً. (فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ) ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: هَنِيئًا لَهُ: مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ. (مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ) : اسْتِئْنَافٌ مُمْتَدٌّ لِمُوجِبِ التَّهْنِئَةِ، وَالْوَاوُ حَالِيَّةٌ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَيْحَكَ) فِي النِّهَايَةِ: وَيْحَ كَلِمَةُ تَرَحُّمٍ وَتَوَجُّعٍ، أَيْ: لَا تَمْدَحْ عَدَمَ الْمَرَضِ، وَإِنَّمَا تَرَحَّمْ عَلَيْهِ لِعُذْرِهِ فِي ظَنِّهِ أَنَّ عَدَمَ الْمَرَضِ مَكْرُمَةٌ. (مَا يُدْرِيكَ) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكَ أَنَّ فَقْدَ الْمَرَضِ مَكْرُمَةٌ؟ (لَوْ أَنَّ اللَّهَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: " لَوْ " لِلتَّمَنِّي ; لَأَنَّ الِامْتِنَاعِيَّةَ لَا تُجَابُ بِالْفَاءِ أَيْ: لَا تَقُلْ هَنِيئًا لَهُ، لَيْتَ أَنَّ اللَّهَ. (ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ) وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ لَوِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ. (فَكَفَّرَ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ) : وَعَلَى الْأَوَّلِ مَا يُدْرِيكَ مُعْتَرِضَةٌ، وَعَلَى الثَّانِي مُتَّصِلَةٌ بِمَا بَعْدَهَا. (رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا) : لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ تَابِعِيٌّ، وَكَانَ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، عَالِمًا وَرِعًا، صَالِحًا زَاهِدًا، مَشْهُورًا بِالْفِقْهِ وَالدِّينِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ.
стр. 2312
١٥٧٩ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ) ، وَالصُّنَابِحِيِّ) ﵄: أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى رَجُلٍ مَرِيضٍ يَعُودَانِهِ، فَقَالَا لَهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟) قَالَ: أَصْبَحْتُ بِنِعْمَةٍ) . قَالَ شَدَّادٌ: أَبْشِرْ بِكَفَّارَاتِ السَّيِّئَاتِ) ، وَحَطِّ الْخَطَايَا) ; فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إِذَا أَنَا ابْتَلَيْتُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنًا، فَحَمِدَنِي عَلَى مَا ابْتَلَيْتُهُ، فَإِنَّهُ يَقُومُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا، وَيَقُولُ الرَّبُّ ﵎: أَنَا قَيَّدْتُ عَبْدِي وَابْتَلَيْتُهُ، فَأَجْرُوا لَهُ مَا كُنْتُمْ تُجْرُونَ لَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٥٧٩ - (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ: هُوَ ابْنُ أَخِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ. قَالَ عِبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ: كَانَ شَدَّادٌ مِمَّنْ أُوتِيَ الْعِلْمَ وَالْحُكْمَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ. (وَالصُّنَابِحِيِّ: بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، مَنْسُوبٌ إِلَى صُنَابِحِ بْنِ زَاهِرٍ، بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّ الصُّنَابِحِيَّ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّابِعِيُّ، لَا عَبْدَ اللَّهِ الصَّحَابِيَّ قَالَ: وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الصَّحَابَةِ، والصُّنَابِحِيُّ قَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. (أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى رَجُلٍ مَرِيضٍ يَعُودَانِهِ، فَقَالَا لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ : فِيهِ أَنَّ الْعِيَادَةَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَفْضَلُ (قَالَ: أَصْبَحْتُ بِنِعْمَةٍ أَيْ: مَصْحُوبًا بِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وَهِيَ نِعْمَةُ الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ لِلْقَضَاءِ. (قَالَ شَدَّادٌ: أَبْشِرْ بِكَفَّارَاتِ السَّيِّئَاتِ أَيِ: الْمَعَاصِي. (وَحَطِّ الْخَطَايَا أَيْ: وَضْعِ التَّقْصِيرَاتِ فِي الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ. (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إِذَا أَنَا) : فَائِدَتُهُ تَقَدُّمُ الْحُكْمِ، وَبَيَانُ مَزِيدِ الِاعْتِنَاءِ بِهِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَرْضَى بِهِ لِعِظَمِ فَائِدَتِهِ. (ابْتَلَيْتُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنًا) : نَعْتٌ أَوْ حَالٌ. (فَحَمِدَنِي عَلَى مَا ابْتَلَيْتُهُ) أَيْ: مَا بِهِ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ وَجَعٍ. (فَإِنَّهُ يَقُومُ مِنْ مَضْجَعِهِ) أَيْ: مَرْقَدِهِ. (ذَلِكَ) أَيِ: الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَالْمُرَادُ مِنْ مَرَضِهِ سُمِّيَ بِاسْمِ مُلَازِمِهِ غَالِبًا، وَهُوَ مُتَجَرِّدٌ بَاطِنًا عَنْ ذُنُوبِهِ. (كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَفِي نُسَخٍ بِالْجَرِّ أَيْ: كَتَجَرُّدِهِ ظَاهِرًا فِي وَقْتِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. (مِنَ الْخَطَايَا) : قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَرَضَ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِذَا حَمِدَ الْمَرِيضُ عَلَى ابْتِلَائِهِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ رَخَّصَ ذَلِكَ بِالصَّغَائِرِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ قَوْلِهِ: كَفَّارَاتٌ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ فَحَمَلُوا الْمُطْلَقَاتِ الْوَارِدَةَ فِي التَّكْفِيرِ عَلَى الْمُقَيَّدِ. (وَيَقُولُ الرَّبُّ ﵎: أَنَا قَيَّدْتُ عَبْدِي) أَيْ: حَبَسْتُهُ بِالْمَرَضِ. (وَابْتَلَيْتُهُ) أَيِ: امْتَحَنْتُهُ لِيَظْهَرَ مِنْهُ الشُّكْرُ أَوِ الْكُفْرُ. (فَأَجْرُوا لَهُ) : أَمْرٌ مِنَ الْإِجْرَاءِ. (مَا كُنْتُمْ تُجْرُونَ لَهُ) أَيْ: مِنْ كِتَابَةِ الْأَعْمَالِ. (وَهُوَ صَحِيحٌ) : حَالٌ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) قَالَ مِيرَكُ: عَنِ الْمُنْذِرِيِّ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ.
стр. 2313
١٥٨٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرُهَا مِنَ الْعَمَلِ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْحَزَنِ لِيُكَفِّرَهَا عَنْهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٥٨٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرُهَا مِنَ الْعَمَلِ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْحُزْنِ» ) أَيْ: بِأَسْبَابِهِ، وَهُوَ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَبِفَتْحَتَيْنِ. (لِيُكَفِّرَهَا) أَيِ: الذُّنُوبَ. (عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الْعَبْدِ بِسَبَبِ الْحَزَنِ، وَقَدْ رُوِيَ: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) قَالَ مِيرَكُ: وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا لَيْثَ بْنَ سُلَيْمٍ.
стр. 2314
١٥٨١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ عَادَ مَرِيضًا، لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ الرَّحْمَةَ) حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ اغْتَمَسْ فِيهَا» ". رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ.
ــ
١٥٨١ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ عَادَ مَرِيضًا، لَمْ يَزَلْ. يَخُوضُ الرَّحْمَةَ» أَيْ: يَدْخُلُ فِيهَا مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ بِنِيَّةِ الْعِبَادَةِ. (حَتَّى يَجْلِسَ) : أَيْ: عِنْدَهُ. (فَإِذَا جَلَسَ اغْتَمَسْ) أَيْ: غَاصَ، وَفِي رِوَايَةٍ: " اسْتَغْرَقَ فِيهَا " قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ الرَّحْمَةَ بِالْمَاءِ إِمَّا فِي الطَّهَارَةِ، أَوْ فِي الشُّيُوعِ وَالشُّمُولِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ) أَيْ: بَلَاغًا. (وَأَحْمَدُ) أَيْ: مُسْنَدًا وَرُوَاتُهُ رُوَاةُ الصَّحِيحِ، وَالْبَزَّارُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ عَادَ مَرِيضًا خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ، فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ اسْتَنْقَعَ فِيهَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، والطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ، وَرَوَاهُ فِيهِمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَزَادَ: " وَإِذَا قَامَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَا يَزَالُ يَخُوضُ فِيهَا حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ حَيْثُ خَرَجَ " وَإِسْنَادُهُ إِلَى الْحَسَنِ أَقْرَبُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا فَإِنَّمَا يَخُوضُ الرَّحْمَةَ، فَإِذَا قَعَدَ عِنْدَ الْمَرِيضِ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ ". قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لِلصَّحِيحِ الَّذِي يَعُودُ الْمَرِيضَ، فَمَا لِلْمَرِيضِ؟ قَالَ: " تَحُطُّ عَنْ ذُنُوبِهِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، والطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَزَادَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» " كَذَا حَرَّرَهُ مِيرَكُ.
стр. 2315
١٥٨٢ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى، فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ، فَلْيَسْتَنْقِعْ فِي نَهْرٍ جَارٍ وَلْيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ، فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ، وَصَدِّقْ رَسُولَكَ. بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلْيَنْغَمِسْ فِيهِ ثَلَاثَ غَمْسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي ثَلَاثٍ فَخَمْسٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي خَمْسٍ فَسَبْعٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي سَبْعٍ فَتِسْعٍ، فَإِنَّهَا لَا تَكَادَ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّهِ » " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
١٥٨٢ - وَعَنْ ثَوْبَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى " أَيْ: أَخَذَتْهُ. ( «فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ» ) أَيْ: لِشِدَّةِ مَا يَلْقَى الْمَرِيضُ فِيهَا مِنَ الْحَرَارَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: جَوَابُ إِذَا فَلْيَعْلَمْ أَنَّهَا كَذَلِكَ. (فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ) أَيِ: الْبَارِدُ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فَلْيُطْفِئْهَا، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ الْحُمَّى. مُعْتَرِضَةٌ. (فَلْيَسْتَنْقِعْ فِي نَهْرٍ جَارٍ) : بَيَانٌ لِلْإِطْفَاءِ. (وَلْيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيُفْتَحُ: قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ: مَا أَشَدَّ جِرْيَةَ هَذَا الْمَاءِ بِالْكَسْرِ، وَلَعَلَّ هَذَا خَاصٌّ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْحُمَّى الصَّفْرَاوِيِّ الَّتِي يَأْلَفُهَا أَهْلُ الْحِجَازِ، فَإِنَّ مِنَ الْحُمَّى مَا يَكَادُ مَعَهَا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ قَاتِلًا، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمَرِيضِ إِطْفَاؤُهَا بِالْمَاءِ إِلَّا بَعْدَ مُشَاوَرَةِ طَبِيبٍ حَاذِقٍ ثِقَةٍ. (فَيَقُولُ) أَيْ: حَالَ الِاسْتِقْبَالِ. (بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ، وَصَدِّقْ رَسُولَكَ) أَيِ: اجْعَلْ قَوْلَهُ هَذَا صَادِقًا بِأَنْ تَشْفِيَنِي، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) : ظَرْفٌ لِ (لْيَسْتَنْقِعْ) ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلْيَنْغَمِسْ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَلْيَغْمِسْ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ. (فِيهِ) أَيْ: فِي النَّهْرِ أَوْ فِي مَائِهِ. (ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ. (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: (وَلْيَنْغَمِسْ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: (فَلْيَسْتَنْقِعْ) جِيءَ بِهِ لِتَعَلُّقِ الْمَرَّاتِ. (فَإِذَا لَمْ يَبْرَأْ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ. (فِي ثَلَاثٍ) أَيْ: ثَلَاثِ غَمَسَاتٍ، أَوْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. (فَخَمْسٌ) : بِالرَّفْعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: فَالْأَيَّامُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَنْغَمِسَ فِيهَا خَمْسٌ أَوْ فَالْمَرَّاتُ اهـ. وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ فَفِي خَمْسٍ (فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي خَمْسٍ فَسَبْعٍ) : بِالْوَجْهَيْنِ (فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي سَبْعٍ فَتِسْعٍ) : كَذَلِكَ (فَإِنَّهَا) أَيِ: الْحُمَّى (لَا تَكَادُ) أَيْ: تَقْرُبُ. (تُجَاوِزُ تِسْعًا) أَيْ: بَعْدَ هَذَا الْعَمَلِ. (بِإِذْنِ اللَّهِ -) أَيْ: بِإِرَادَتِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ لَهَا بِالذَّهَابِ وَعَدَمِ الْعَوْدِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 2316
قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَابْنُ السُّنِّيِّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ ثُمَّ قَالَ: وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ السُّنِّيِّ وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: كُنْتُ أَدْفَعُ النَّاسَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَاحْتَبَسْتُ عَنْهُ أَيَّامًا فَقَالَ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْتُ: الْحُمَّى. فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ، أَوْ بِمَاءِ زَمْزَمَ» ". الْمَشْهُورُ ضَبْطُ (ابْرُدُوهَا) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَالرَّاءُ مَضْمُومَةٌ أَيْ: أَسْكِنُوا حَرَارَتَهَا، وَحُكِيَ كَسْرُ الرَّاءِ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ أَبْرَدَ الشَّيْءَ إِذَا عَالَجَهُ فَصَيَّرَهُ بَارِدًا. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: إِنَّهَا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَائِشَةَ: فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «الْحُمَّى كِيرٌ مِنْ كِيرِ جَهَنَّمَ فَنَحُّوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ» ". وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ «عَنْ فَاطِمَةَ قَالَتْ، أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نِسَاءٍ - نَعُودُهُ، فَإِذَا نَعُودُهُ، فَإِذَا سِقَاءٌ مُعَلَّقَةٌ يَقْطُرُ مَاؤُهَا عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ مَا يَجِدُهُ مِنَ الْحُمَّى، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْكَ. فَقَالَ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمُ» اهـ.
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَرَاتِبَ فِي كُلِّ مَقَامٍ ثَلَاثَةٌ: الْأَعْلَى، وَالْوَسَطُ، وَالْأَدْنَى، وَعَلَيْهِ مَدَارُ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِاغْتِسَالُ لِلْمَحْمُومِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، فَيَكُونُ مِنَ الْخَوَاصِّ الَّتِي اطَّلَعَ عَلَيْهَا ﷺ ، وَيَضْمَحِلُّ عِنْدَ ذَلِكَ جَمِيعُ كَلَامِ أَهْلِ الطِّبِّ حَيْثُ يَقُولُونَ: إِنَّ اغْتِسَالَ الْمَحْمُومِ بِالْمَاءِ خَطَرٌ يُقَرِّبُهُ مِنَ الْهَلَاكِ ; لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الْمَسَامَّ، وَيُحْقَنُ بِالْبَخَارِ الْمُتَخَلِّلِ، وَيَعْكِسُ الْحَرَارَةَ إِلَى دَاخِلِ الْجِسْمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّلَفِ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِبَعْضِ الْحُمَّيَاتِ دُونَ بَعْضٍ، وَلِبَعْضِ الْأَمَاكِنِ دُونَ بَعْضٍ، وَلِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ دُونَ بَعْضٍ، وَهَذَا أَوْجَهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: إِذَا كَانَتِ الْقُوَى قَوِيَّةً، وَالْحُمَّى حَارَةً، وَالنُّضْجُ بَيِّنَ وَلَا وَرَمَ فِي الْجَوْفِ وَلَا فَتْقَ، فَإِنَّ الْمَاءَ الْبَارِدَ يَنْفَعُ شُرْبُهُ، فَإِنْ كَانَ الْعَلِيلُ خَصْبَ الْبَدَنِ وَالزَّمَانِ حَارًّا، وَكَانَ مُعْتَادًا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْبَارِدِ اغْتِسَالًا، فَلْيُؤْذَنْ لَهُ، وَقَدْ نَزَّلَ ابْنُ الْقَيِّمِ حَدِيثَ ثَوْبَانَ عَلَى هَذِهِ الْقُيُودِ فَقَالَ: هَذِهِ الصِّفَةُ تَنْفَعُ فِي فَصْلِ الصَّيْفِ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ فِي الْحُمَّى الْعَرَضِيَّةِ، أَوِ الْغِبِّ الْخَالِصَةِ الَّتِي لَا وَرَمَ مَعَهَا، وَلَا شَيْءَ مِنَ الْأَعْرَاضِ الرَّدِيئَةِ وَالْمَوَادِّ الْفَاسِدَةِ، فَيُطْفِئُهَا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الْمَاءَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَبْرَدُ مَا يَكُونُ لِبُعْدِهِ عَنْ مُلَاقَاةِ الشَّمْسِ، وَوُفُورِ الْقُوَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، لِكَوْنِهِ عَقِبَ النَّوْمِ وَالسُّكُونِ وَبَرْدِ الْهَوَاءِ. قَالَ: وَالْأَيَّامُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا هِيَ الَّتِي تَقَعُ بِحَرَّانِ الْأَمْرَاضِ الْحَارَّةِ غَالِبًا، لَا سِيَّمَا الْبِلَادُ الْحَارَّةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: غَلِطَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى الْعِلْمِ، فَانْغَمَسَ فِي الْمَاءِ لَمَّا أَصَابَتْهُ الْحُمَّى، فَاحْتَقَنَتِ الْحَرَارَةُ فِي بَاطِنِ بَدَنِهِ، فَأَصَابَتْهُ عِلَّةٌ صَعْبَةٌ كَادَتْ تُهْلِكُهُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِلَّتِهِ قَالَ قَوْلًا سَيِّئًا لَا يَحْسُنُ ذِكْرُهُ، وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ جَهْلُهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ.
стр. 2317
١٥٨٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «ذُكِرَتِ الْحُمَّى عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَبَّهَا رَجُلٌ ; فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا تَسُبَّهَا فَإِنَّهَا تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٥٨٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ذُكِرَتِ الْحُمَّى) : عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: وُصِفَتْ شِدَّتُهَا. (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَبَّهَا رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا تَسُبَّهَا) : بِفَتْحِ الْبَاءِ وَبِضَمِّهَا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ الْفَتْحُ فِي نَحْوِ رُدَّهَا بِلَا خِلَافٍ. قَالَ النَّيْسَابُورِيُّ فِي شَرْحِ الشَّافِيَةِ: لِأَنَّ الْهَاءَ لِخَفَائِهَا كَالْعَدَمِ، فَكَأَنَّ الْأَلِفَ وَاقِعَةٌ بَعْدَ الدَّالِ اهـ. فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الضَّمِّ أَنَّ " لَا " نَافِيَةٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ. (فَإِنَّهَا تَنْفِي الذُّنُوبَ) : وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ تَمْحُو. (كَمَا تَنْفِي النَّارُ) أَيْ: تُخْرِجُ. (خَبَثَ الْحَدِيدِ) كِنَايَةٌ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَمْحِيصِهَا مِنَ الذُّنُوبِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 2318
١٥٨٤ - وَعَنْهُ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَ مَرِيضًا فَقَالَ: " أَبْشِرْ ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا لِتَكَوُنَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، والْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
١٥٨٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَ مَرِيضًا فَقَالَ: " أَبْشِرْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: هِيَ» ) أَيِ: الْحُمَّى كَمَا يُفِيدُهُ السِّيَاقُ. (نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي إِضَافَةِ النَّارِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا لُطْفٌ وَرَحْمَةٌ، وَلِذَلِكَ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: عَبْدِي، وَوَصَفَهُ بِالْمُؤْمِنِ، وَقَوْلُهُ: أُسَلِّطُهَا خَبَرٌ أَوِ اسْتِئْنَافٌ. (فِي الدُّنْيَا) : خَبَرٌ آخَرُ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِأُسَلِّطُهَا. (لِتَكُونَ) أَيِ: الْحُمَّى. (حَظَّهُ) أَيْ: نَصِيبَهُ بَدَلًا. (مِنَ النَّارِ) : مِمَّا اقْتَرَفَ مِنَ الذُّنُوبِ الْمَجْعُولَةِ لَهُ. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا نَصِيبُهُ مِنَ الْحَتْمِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَعِنْدِي أَنَّ الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ، والْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قَالَ: الْحُمَّى فِي الدُّنْيَا حَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْوُرُودِ فِي الْآخِرَةِ. وَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ مَرْفُوعًا: «إِنَّ لِكُلِّ آدَمِيٍّ حَظًّا مِنَ النَّارِ، وَحَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنْهَا الْحُمَّى تُحْرِقُ جِلْدَهُ، وَلَا تُحْرِقُ جَوْفَهُ وَهِيَ حَظُّهُ مِنْهَا» اهـ. نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الْمُؤْمِنُ بِالْكَامِلِ، لِئَلَّا يَشْكُلَ بِأَنَّ بَعْضَ الْعُصَاةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُعَذَّبُونَ بِالنَّارِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، والْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَرَوَاهُ هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ.
стр. 2319
١٥٨٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ الرَّبَّ يَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا أُخْرِجُ أَحَدًا مِنَ الدُّنْيَا أُرِيدُ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ، حَتَّى أَسْتَوْفِيَ كُلَّ خَطِيئَةٍ فِي عُنُقِهِ بِسَقَمٍ فِي بَدَنِهِ، وَإِقْتَارٍ فِي رِزْقِهِ» . رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
١٥٨٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الرَّبَّ يَقُولُ: وَعِزَّتِي) أَيْ: غَلَبَتِي وَقُوَّتِي. (وَجَلَالِي) أَيْ: عَظَمَتِي وَقُدْرَتِي. (لَا أُخْرِجُ أَحَدًا مِنَ الدُّنْيَا أُرِيدُ أَغْفِرُ لَهُ) : بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: أُرِيدُ أَنْ أَغْفِرَ، فَحَذَفَ أَنْ، وَالْجُمْلَةُ إِمَّا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ أُخْرِجُ أَوْ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ. (حَتَّى أَسْتَوْفِيَ كُلَّ خَطِيئَةٍ) أَيْ: جَزَاءَ كُلِّ سَيِّئَةٍ اقْتَرَفَهَا، وَكَنَّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (فِي عُنُقِهِ) : بِضَمَّتَيْنِ: فِي ذِمَّتِهِ، حَيْثُ لَمْ يَتُبْ عَنْهَا أَيْ: كُلِّ خَطِيئَةٍ بَاقِيَةٍ. (بِسَقَمٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ وَضَمٍّ وَسُكُونٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَوفِيَ، وَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ، فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى تَضْمِينِ مَعْنَى اسْتِبْدَالٍ، كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَجَرٍ. (فِي بَدَنِهِ) إِشَارَةً إِلَى سَلَامَةِ دِينِهِ. (وَإِقْتَارٍ) أَيْ: تَضْيِيقٍ (فِي رِزْقِهِ) أَيْ: نَفَقَتِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي كَوْنِ الْفُقَرَاءِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسمِائَةِ عَامٍ. قَالَ مِيرَكُ: الْإِقْتَارُ التَّضْيِيقُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الرِّزْقِ يُقَالُ: أَقْتَرَ اللَّهُ رِزْقَهُ أَيْ: ضَيَّقَهُ وَقَلَّلَهُ، وَقَدْ أَقْتَرَ الرَّجُلُ فَهُوَ مُقْتِرٍ، وَقَتَّرَ فَهُوَ مَقْتُورٌ. كَذَا فِي الطِّيبِيُّ، فَعَلَى هَذَا الْإِقْتَارُ مُسْتَعْمَلٌ فِي جُزْءِ مَعْنَاهُ عَلَى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ اهـ. وَالنُّكْتَةُ دَفْعُ تَوَهُّمِ أَنْ يَكُونَ التَّضْيِيقُ فِي صَدْرِهِ ; لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ مَشْرُوحُ الصَّدْرِ، وَبِهِ يَحْصُلُ لَهُ غِنَى الْقَلْبِ الْمُقْتَضِي لِاخْتِيَارِ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى، وَلِلشُّكْرِ عَلَى الْمِحْنَةِ مَا لَمْ يَشْكُرْ غَيْرَهُ عَلَى الْمِنْحَةِ. (رَوَاهُ رَزِينٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَلَمْ أَرَهُ فِي الْأُصُولِ.
стр. 2320
١٥٨٦ - وَعَنْ شَقِيقٍ ﵁ قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فَعُدْنَاهُ فَجَعَلَ يَبْكِي، فَعُوتِبَ. فَقَالَ: إِنِّي لَا أَبْكِي لِأَجْلِ الْمَرَضِ ; لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الْمَرَضُ كَفَّارَةٌ» " وَإِنَّمَا أَبْكِي لِأَنَّهُ أَصَابَنِي. عَلَى حَالِ فَتْرَةٍ، وَلَمْ يُصِبْنِي فِي حَالِ اجْتِهَادٍ لِأَنَّهُ يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِنَ الْأَجْرِ إِذَا مَرِضَ مَا كَانَ يُكْتَبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْرَضَ ; فَمَنَعَهُ مِنْهُ الْمَرَضُ. رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
١٥٨٦ - (وَعَنْ شَقِيقٍ) : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ. (قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ) أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ. (فَعُدْنَاهُ فَجَعَلَ) أَيْ: شَرَعَ. (يَبْكِي، فَعُوتِبَ) أَيْ: فِي الْبُكَاءِ ; فَإِنَّهُ مُشْعِرٌ بِالْجَزَعِ مِنَ الْمَرَضِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَكَابِرِ. (فَقَالَ: إِنِّي لَا أَبْكِي لِأَجْلِ الْمَرَضِ ; لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الْمَرَضُ كَفَّارَةٌ» ". وَإِنَّمَا أَبْكِي لِأَنَّهُ) أَيْ: لِأَجْلِ أَنَّهُ. (أَصَابَنِي) أَيِ: الْمَرَضُ. وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَيَصِحُّ كَسْرُ أَنَّ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ. (عَلَى حَالِ فَتْرَةٍ) أَيْ: ضَعْفٍ فِي الْعِبَادَةِ. (وَلَمْ يُصِبْنِي فِي حَالِ اجْتِهَادٍ) أَيْ: فِي الطَّاعَةِ الْبَدَنِيَّةِ
стр. 2321
فَلَوْ وَقَعَتِ الْإِصَابَةُ حَالَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ لَكَانَتْ سَبَبًا لِلزِّيَادَةِ. (لِأَنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ. (يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ مِنَ الْأَجْرِ إِذَا مَرِضَ مَا كَانَ) أَيْ: مِثْلُ جَمِيعِ مَا كَانَ مِنَ الْأَعْمَالِ. (يُكْتَبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْرَضَ فَمَنَعَهُ مِنْهُ الْمَرَضُ) أَيْ: لَا مَانِعَ آخَرَ مِنَ الشُّغْلِ وَالْكِبَرِ. (رَوَاهُ رَزِينٌ) .
стр. 2322
١٥٨٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَعُودُ مَرِيضًا إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ» ) . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، والْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
١٥٨٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَعُودُ مَرِيضًا إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثِ» ) أَيْ: مُضِيِّ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَعَلَيْهِ الْبَغَوِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْعِيَادَةُ لَا تَتَقَيَّدُ بِزَمَانٍ ; لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﵊: ( «عُودُوا الْمَرِيضَ» ) . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ - يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ - فَضَعِيفٌ جِدًّا، تَفَرَّدَ بِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ، وَوَجَدْتُ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَفِيهِ أَيْضًا رَاوٍ مَتْرُوكٌ، كَذَا ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ مَوْضُوعٌ كَمَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ وَغَيْرُهُ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ، أَوْ مُخْتَصٌّ بِسَنَدٍ خَاصٍّ لَهُ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الطُّرُقِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَهُ أَصْلٌ. وَقَدْ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي جَامِعِهِ الصَّغِيرِ.
وَفِي الْمَقَاصِدِ: عِيَادَةُ الْمَرِيضِ بَعْدَ ثَلَاثٍ؛ لَهُ طُرُقٌ ضِعَافٌ يَتَقَوَّى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَلِهَذَا أَخَذَ بِمَضْمُونِهَا جَمَاعَةٌ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ يَسْأَلُ عَنْ أَحْوَالِ مَنْ يَغِيبُ عَنْهُ إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَبَعْدَ الْعِلْمِ بِمَا كَانَ يَعُودُهُ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَمْ يُظْهِرُوا الْمَرَضَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَدْ ذُكِرَ فِي شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " «إِذَا اشْتَكَى عَبْدِي، وَأَظْهَرَ ذَلِكَ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَدْ شَكَانِي» ) فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَرِيضٍ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى مَرَضِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِحَيْثُ لَا يُظْهِرُهُ قَبْلَهَا اهـ.
أَوْ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى زَمَانِ الِاسْتِحْبَابِ، أَوْ جَوَازِ التَّأْخِيرِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، رَجَاءَ أَنْ يَتَعَافَى، وَأَمَّا الْمَخْصُوصُونَ وَالْمُتَمَرِّضُونَ، فَلَهُمْ) حُكْمٌ آخَرُ، وَلِذَا تُسْتَحَبُّ الْعِيَادَةُ غِبًّا إِذَا كَانَ صَحِيحَ الْعَقْلِ، فَإِذَا غُلِبَ وَخِيفَ عَلَيْهِ يَتَعَهَّدُهُ كُلَّ يَوْمٍ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، والْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الْمَرَضِ وَالْكَفَّارَاتِ. وَفِي سَنَدِهِ مَتْرُوكٌ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعِيفٌ.
стр. 2323
١٥٨٨ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا دَخَلْنَا عَلَى مَرِيضٍ فَمُرْهُ يَدْعُو لَكَ، فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٥٨٨ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا دَخَلْتَ عَلَى مَرِيضٍ فَمُرْهُ يَدْعُو لَكَ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: مُرْهُ يَدْعُو لَكَ ; لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنِ الذُّنُوبِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَيَصِحُّ جَزْمُهُ عَلَى لُغَةِ مَنْ لَا يَحْذِفُ حَرْفَ الْعِلَّةِ لِلْجَازِمِ جَوَابًا لِلْأَمْرِ الْوَاصِلِ إِلَيْهِ عَنْهُ ﵊ عَلَى حَدِّ: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] عَلَى أَحَدِ الْأَعَارِيبِ فِيهِ فَبَعِيدٌ جِدًّا، لِعَدَمِ ظُهُورِ السَّبَبِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّفَ بَعْضُهُمْ فِي الْآيَةِ لَهَا لِصَرَاحَةِ الْجَزْمِ، وَأَمَّا أَنَّهُ يَتَكَلَّفُ الْجَزْمَ لِيَتَكَلَّفَ السَّبَبَ النَّاشِئَ عَنْ تَكَلُّفِهِ السَّبَبَ الْعَادِيَّ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ. (فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ) : لِأَنَّهُ أَشْبَهَهُمْ فِي التَّنَقِّي مِنَ الذُّنُوبِ، أَوْ فِي دَوَامِ الذِّكْرِ.
стр. 2324
١٥٨٩ - «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ تَخْفِيفُ الْجُلُوسِ، وَقِلَّةُ الصَّخَبِ فِي الْعِيَادَةِ عِنْدَ الْمَرِيضِ.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا كَثُرَ لَغَطُهُمْ وَاخْتِلَافُهُمْ، قُومُوا عَنِّي» . رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
١٥٨٩ - ( «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ تَخْفِيفُ الْجُلُوسِ، وَقِلَّةُ الصَّخَبِ» ) ، بِفَتْحَتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي أَيْ: رَفْعُ الصَّوْتِ. (فِي الْعِيَادَةِ عِنْدَ الْمَرِيضِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: اضْطِرَابُ الْأَصْوَاتِ لِلْخِصَامِ مَنْهِيٌّ مِنْ أَصْلِهِ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ
стр. 2325
الْمَرِيضِ فَالْقِلَّةُ بِمَعْنَى الْعَدَمِ. (قَالَ أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ كَذَا فِي أَصْلِ الْعَفِيفِ، وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا كَثُرَ لَغَطُهُمْ وَاخْتِلَافُهُمْ فِي النِّهَايَةِ: اللَّغَطُ صَوْتٌ وَضَجَّةٌ لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ. (قُومُوا عَنِّي قَالَ الطِّيبِيُّ: وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ وَفَاتِهِ، رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ لَمَّا احْتُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ". فَقَالَ عُمَرُ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَسُولُ اللَّهِ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُكُمْ كِتَابُ اللَّهِ. فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَالِاخْتِلَافَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُومُوا عَنِّي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَأَنَّهُ ﵊ لَمَّا أَرَادَ الْكِتَابَةَ فَوَقَعَ الْخِلَافُ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي عَدَمِهَا فَتَرَكَهَا اخْتِيَارًا مِنْهُ، كَيْفَ وَهُوَ ﵊ لَوْ صَمَّمَ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عُمَرَ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَنْطِقَ بِبِنْتِ شَفَةٍ، وَلَقَدْ بَقِيَ حَيًّا بَعْدَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَيْسَ عِنْدَهُ عُمَرُ لَا غَيْرُهُ، بَلْ أَهْلُ الْبَيْتِ: كَعَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ، فَلَوْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي الْكِتَابَةِ بِالْخِلَافَةِ أَوْ غَيْرِهَا لَفَعَلَ، عَلَى أَنَّهُ اكْتَفَى بِالْخِلَافَةِ بِمَا كَانَ أَنْ يَكُونَ نَصًّا جَلِيًّا، وَهُوَ تَقْدِيمُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ لِلْإِمَامَةِ بِالنَّاسِ أَيَّامَ مَرَضِهِ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - لَمَّا خَطَبَ لِمُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ - رَضِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ صَلِّ بِالنَّاسِ، وَأَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ يَنْظُرُنِي وَيُبْصِرُ مَكَانِي، وَنِسْبَةُ عَلِيٍّ ﵁ فَارِسِ الْإِسْلَامِ إِلَى التَّقِيَّةِ جَهْلٌ بِعِظَمِ مَكَانَتِهِ، وَأَنَّهُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: لَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَلَقَدْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: إِنْ شِئْتُ لَمَلَأْتُهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ خَيْلًا وَرِجَالًا ; فَأَغْلَظَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ سَبًّا وَزَجْرًا ; إِعْلَامًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الْخَلِيفَةُ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِي حَقِيَّةِ خِلَافَتِهِ. (رَوَاهُ رَزِينٌ.
стр. 2326
١٥٩٠ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْعِيَادَةُ فَوَاقُ نَاقَةٍ» " وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا: «أَفْضَلُ الْعِيَادَةِ سُرْعَةُ الْقِيَامِ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ اهـ.
ــ
١٥٩٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «الْعِيَادَةُ فَوَاقُ نَاقَةٍ» " بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا، وَبِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، أَيْ: أَفْضَلُ زَمَانِ الْعِيَادَةِ مِقْدَارُ فَوَاقِهَا، وَهُوَ قَدْرُ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ ; لِأَنَّهَا تُحْلَبُ ثُمَّ تُتْرَكُ سُوَيْعَةً يَرْضَعُهَا الْفَصِيلُ لِتَدِرَّ، ثُمَّ تُحْلَبُ، يُقَالُ: مَا أَقَامَ عِنْدَهُ إِلَّا فَوَاقًا. (وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا أَيْ: بِحَذْفِ الصَّحَابِيِّ، وَإِسْنَادِ الْحَدِيثِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ( «أَفْضَلُ الْعِيَادَةِ سُرْعَةُ الْقِيَامِ» قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: أَفْضَلُ مَا يَفْعَلُهُ الْعَائِدُ فِي الْعِيَادَةِ أَنْ يَقُومَ سَرِيعًا. قَالَ مِيرَكُ: وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: أَفْضَلُ الْعِيَادَةِ عِيَادَةٌ فِيهَا سُرْعَةُ الْقِيَامِ. وَفِي شَرْحِ الشَّرْعِ قِيلَ: نِعْمَ الْعَادَةُ التَّخْفِيفُ فِي الْعِيَادَةِ، وَقِيلَ: الْعِيَادَةُ لَحْظَةٌ وَلَفْظَةٌ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: عُدْنَا السَّرِيَّ السَّقَطِيَّ مَرَضَ مَوْتِهِ فَأَطَلْنَا الْجُلُوسَ عِنْدَهُ، وَكَانَ لَهُ وَجَعُ بَطْنٍ، ثُمَّ قُلْنَا لَهُ: ادْعُ لَنَا حَتَّى نَخْرُجَ مِنْ عِنْدِكَ. قَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُمْ كَيْفَ يَعُودُونَ الْمَرْضَى. وَرُوِيَ: أَنَّهُ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى مَرِيضٍ فَأَطَالَ الْجُلُوسَ، فَقَالَ الْمَرِيضُ: لَقَدْ تَأَذَّيْنَا مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْنَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَقُومُ وَأُغْلِقُ الْبَابَ. قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ مِنْ خَارِجٍ؛ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَكْتَفِ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْكِنَايَاتِ، بَلْ سَلَكَ طَرِيقَ التَّصْرِيحِ حَيْثُ رُوِيَ: أَنَّهُ دَخَلَ ثَقِيلٌ عَلَى مَرِيضٍ فَأَطَالَ الْجُلُوسَ، ثُمَّ قَالَ: مَا تَشْتَكِي. قَالَ: قُعُودُكَ عِنْدِي. وَرُوِيَ: أَنَّهُ دَخَلَ قَوْمٌ عَلَى مَرِيضٍ فَأَطَالُوا الْقُعُودَ، وَقَالُوا: أَوْصِنَا. فَقَالَ: أُوصِيكُمْ أَنْ لَا تُطِيلُوا الْجُلُوسَ إِذَا عُدْتُمْ مَرِيضًا، هَذَا وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا ظُنَّ أَنَّ الْمَرِيضَ يُؤْثِرُ التَّطْوِيلَ لِنَحْوِ صَدَاقَةٍ، أَوْ تَبَرُّكٍ، أَوْ قِيَامٍ بِمَا يُصْلِحُهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
стр. 2327
١٥٩١ - ١٥٩٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَادَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ: مَا تَشْتَهِي قَالَ أشْتَهِي خُبْزَ بُرٍّ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَنْ كَانَ عِنْدَهُ خُبْزُ بُرٍّ فَلْيَبْعَثْ إِلَى أَخِيهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِذَا اشْتَهَى مَرِيضُ أَحَدِكُمْ شَيْئًا فَلْيُطْعِمْهُ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٥٩١ - ١٥٩٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَادَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ: مَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: أَشْتَهِي خُبْزَ بُرٍّ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَنْ كَانَ عِنْدَهُ خُبْزُ بُرٍّ فَلْيَبْعَثْ» ) . أَيْ: بِهِ. (إِلَى أَخِيهِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ضِيقِ عَيْشِهِ ﵊ وَفَقْرِ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ ﵃ فَفِي الشَّمَائِلِ «عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: «مَا كَانَ يَفْضَلُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُبْزُ
стр. 2328
الشَّعِيرِ» ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبِيتُ اللَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا هُوَ وَأَهْلُهُ لَا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ» . ( «ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ: إِذَا اشْتَهَى مَرِيضُ أَحَدِكُمْ شَيْئًا فَلْيُطْعِمْهُ» ) أَيْ: فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ شِفَاءً كَمَا شُوهِدَ فِي كَثِيرٍ، حَيْثُ صَدَقَتْ شَهْوَةُ الْمَرِيضِ لَهُ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِنْ مَأْلُوفِهِ الَّذِي انْقَطَعَ عَنْهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا إِمَّا بِنَاءً عَلَى التَّوَكُّلِ، وَأَنَّهُ هُوَ الشَّافِي، أَوْ أَنَّ الْمَرِيضَ قَدْ شَارَفَ الْمَوْتَ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 2329
١٥٩٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ وُلِدَ بِهَا ; فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ. قَالُوا: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٥٩٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ. (قَالَ: تُوُفِّيَ) أَيْ: مَاتَ. (رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ وُلِدَ بِهَا) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: مِنْ أَهْلِهَا، وَفِيهِ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَظَاهِرُهُ تَخْصِيصُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ عُمُومِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَنَّ الْمَوْتَ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ، مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَفْضَلِيَّةِ الْمُجَاوَرَةِ فِيهِمَا. ( «فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ. قَالُوا: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: إِلَى مَوْضِعِ قَطْعِ أَجَلِهِ، وَسُمِّيَ الْأَثَرُ أَجَلًا ; لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْعُمْرَ، قَالَ زُهَيْرٌ:
وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَجَلٌ ... لَا يَنْتَهِي الْعُمْرُ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَثَرُ
وَأَصْلُهُ مِنْ أَثَرِ مِشْيَتِهِ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ لَا يَبْقَى لِأَقْدَامِهِ أَثَرٌ، قَالَ مِيرَكُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِمُنْقَطَعِ أَثَرِهِ مَحَلَّ قَطْعِ خُطُوَاتِهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُنْقَطَعُ أَثَرِهِ هُوَ قَبْرُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ. (فِي الْجَنَّةِ) مُتَعَلِّقٌ بِقِيسَ، يَعْنِي مَنْ مَاتَ فِي الْغُرْبَةِ يُفْسَحُ فِي قَبْرِهِ، وَيُفْتَحُ لَهُ مَا بَيْنَ قَبْرِهِ وَمَوْلِدِهِ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 2330
١٥٩٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَوْتُ الْغُرْبَةِ شَهَادَةٌ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٥٩٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَوْتُ غُرْبَةٍ شَهَادَةٌ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) . قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ «مَوْتِ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «مَنْ مَاتَ غَرِيبًا، مَاتَ شَهِيدًا» ، وَفِي حَدِيثٍ: «الْغَرِيبُ شَهِيدٌ» .
стр. 2331
١٥٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ مَاتَ مَرِيضًا مَاتَ شَهِيدًا، أَوْ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَغُدِيَ، وَرِيحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، والْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
١٥٩٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ مَاتَ مَرِيضًا مَاتَ شَهِيدًا، أَوْ وُقِيَ» ) أَيْ: حُفِظَ. (فِتْنَةَ الْقَبْرِ) أَيْ: عَذَابَهُ، هَكَذَا وَقَعَ مَرِيضًا فِي النُّسَخِ الْمَقْرُوءَةِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُغَيَّرَةِ غَرِيبًا بَدَلَ مَرِيضًا، لَكِنْ وَقَعَ فِي صَحِيحِ ابْنِ مَاجَهْ: مُرَابِطًا مَاتَ شَهِيدًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَنِزَاعُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِيهِ وَقَوْلُهُ صَوَابُهُ مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا مَرْدُودٌ، وَكَذَا قَوْلُ غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ الْمَرِيضُ بِوَجَعِ الْبَطْنِ لِيُوَافِقَ الْأَحَادِيثَ الْمَارَّةَ فِي الْمَبْطُونِ، وَوَجْهُ رَدِّ هَذَا أَنَّ فِيهِ تَخْصِيصًا بِالْوَهْمِ ; إِذْ لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ حَتَّى يُدَّعَى تَعَارُضٌ أَوْ تَخْصِيصٌ، وَإِنَّمَا حَدِيثُ الْمَبْطُونِ خَاصٌّ، وَحَدِيثُ «مَنْ مَاتَ مَرِيضًا مَاتَ شَهِيدًا» عَامٌّ، ثُمَّ ذَكَرَ: أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ قَالَ: هَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَمْرَاضِ، لَكِنْ يُقَيَّدُ بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ «مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ لَمْ يُعَذَّبْ فِي قَبْرِهِ» . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِسْقَاءُ، وَقِيلَ: الْإِسْهَالُ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَمُوتُ حَاضِرَ الْعَقْلِ، عَارِفًا بِاللَّهِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِعَادَةِ السُّؤَالِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنْ يَمُوتُ بِسَائِرِ الْأَمْرَاضِ، فَإِنَّهُمْ تَغِيبُ عُقُولُهُمْ. قُلْتُ: لَا حَاجَةَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا التَّقْيِيدِ ; فَإِنَّ الْحَدِيثَ غَلَطَ فِيهِ الرَّاوِي بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا، لَا مَنْ مَاتَ مَرِيضًا، وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ لِأَجْلِ ذَلِكَ اهـ.
стр. 2332
فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ مَرْدُودٌ. (وَغُدِيَ) بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ مِنَ الْغُدْوَةِ. (وَرِيحَ) مِنَ الرَّوَاحِ. (عَلَيْهِ) حَالٌ. (بِرِزْقِهِ) نَائِبُ الْفَاعِلِ أَيْ: جِيءَ لَهُ بِرِزْقِهِ حَالَ كَوْنِهِ نَازِلًا عَلَيْهِ. (مِنَ الْجَنَّةِ) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ، وَقَوْلُهُ : ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] ، فَإِنَّ الْغُدْوَةَ وَالْبُكْرَةَ أَوَّلُ النَّهَارِ، وَالرَّوَاحَ وَالْعَشِيَّ آخِرُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الدَّوَامُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلْوَقْتَيْنِ الْمَخْصُوصَيْنِ رِزْقٌ خَاصٌّ لَهُمْ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالرِّزْقِ هُنَا حَقِيقَتُهُ لِعَدَمِ اسْتِحَالَتِهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ أَنَّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ رُوحُهُ فِي خِيَامٍ أَوْ قَنَادِيلَ وَأَجْوَافِ طُيُورٍ خُضْرٍ، وَنَحْوِهَا خَارِجَهَا أَوْ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رُوحُهُ عَلَى شَكْلِ طَائِرٍ تَعَلَّقَ فِي شَجَرِهَا، وَتَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا كَيْفَ شَاءَتْ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، والْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 2333
١٥٩٦ - وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِلَى رَبِّنَا فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنَ الطَّاعُونِ، فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُنَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا. وَيَقُولُ الْمُتَوَفَّوْنَ: إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مِتْنَا. فَيَقُولُ رَبُّنَا: انْظُرُوا إِلَى جِرَاحِهِمْ فَإِنْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَتُهُمْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ، فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ) .
ــ
١٥٩٦ - (وَعَنِ الْعِرْبَاضِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ. (بْنِ سَارِيَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَخْتَصِمُ) بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ. (الشُّهَدَاءُ) أَيِ: الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَطَالَ ابْنُ حَجَرٍ هُنَا بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ. (وَالْمُتَوَفَّوْنَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ. (عَلَى فُرُشِهِمْ) أَعَمُّ مِنَ الشُّهَدَاءِ الْحُكْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. (إِلَى رَبِّنَا) حَالٌ مِنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أَيْ مُنْتَهُونَ وَمُتَوَجِّهُونَ وَمُتَحَاكِمُونَ إِلَى رَبِّنَا فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ) مُتَعَلِّقٌ بِيَخْتَصِمُ. (مِنَ الطَّاعُونِ) أَيْ: بِسَبَبِهِ. (فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ) بَيَانُ الِاخْتِصَامِ. (إِخْوَانُنَا) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ هُوَ هُمْ، أَيِ: الْمَطْعُونُونَ إِخْوَانُنَا فِي أَشْبَاهِنَا فَيَكُونُونَ مَعَنَا قِي مَقَامِنَا. (قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا) بَيَانُ الْمُشَاكَةِ وَبُرْهَانُ الْمُنَاسَبَةِ. (وَيَقُولُ الْمُتَوَفَّوْنَ) أَيْ: عَلَى فُرُشِهِمْ. (إِخْوَانُنَا) أَيْ: هُمْ أَمْثَالُنَا. (مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مِتْنَا) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا. (فَيَقُولُ رَبُّنَا) وَفِي نُسْخَةٍ: ﵎. (انْظُرُوا) أَيْ تَأَمَّلُوا لِيَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْحُكْمُ وَأَبْصِرُوا إِلَى جِرَاحَتِهِمْ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيُفْتَحُ الْخِطَابُ لِلْمَلَائِكَةِ أَوْ لِلْفَرِيقَيْنِ الْمُخْتَصِمَيْنِ. (فَإِنْ أَشْبَهَتْ جِرَاحُهُمْ) جَمْعُ جِرَاحَةٍ بِالْكَسْرِ. (جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ ; فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ) يَعْنِي مُلْحَقٌ بِهِمْ فِي ثَوَابِهِمْ. (وَمَعَهُمْ) أَيْ: فِي حَشْرِهِمْ وَمَقَامِهِمْ، وَإِنْ لَمْ تُشْبِهْ فَإِنَّهُمْ مِنَ الْمَيِّتِينَ عَلَى فُرُشِهِمْ. (فَإِذَا) أَيْ: فَنَظَرُوا فَإِذَا. (جِرَاحُهُمْ) أَيْ: جِرَاحُ الْمَطْعُونِينَ. (قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ) أَيْ: جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ لِقُوَّةِ الْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارِ حَتَّى فِي دَارِ الْقَرَارِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ بِالطَّاعُونِ فَيَقُولُ أَصْحَابُ الطَّاعُونِ: نَحْنُ شُهَدَاءُ. فَيُقَالُ: انْظُرُوا فَإِنْ كَانَتْ جِرَاحُهُمْ كَجِرَاحِ الشُّهَدَاءِ تَسِيلُ دَمًا كَرِيحِ الْمِسْكِ فَهُمْ شُهَدَاءُ، فَيَجِدُونَهُمْ» . كَذَلِكَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ.
стр. 2334
١٥٩٧ - وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ، وَالصَّابِرُ فِيهِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ» . (رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٥٩٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ ﷺ قَالَ: «الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ» ) قِيلَ: شُبِّهَ بِهِ فِي إِبْطَالِ أَجْرِ الشَّهَادَةِ لَا فِي أَنَّهُ كَبِيرَةٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: شُبِّهَ بِهِ فِي ارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ، وَالزَّحْفُ الْجَيْشُ الدَّهْمُ الَّذِي لِكَثْرَتِهِ كَأَنَّهُ يَزْحَفُ أَيْ: يَدِبُّ دَبِيبًا مِنْ زَحَفَ الصَّبِيُّ إِذَا دَبَّ عَلَى اسْتِهِ قَلِيلًا سُمِّيَ بِالْمَصْدَرِ. (وَالصَّابِرُ فِيهِ) أَيْ: فِي الطَّاعُونِ. (لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ) سَوَاءٌ مَاتَ بِهِ أَوْ لَا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ والطَّبَرَانِيُّ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْمُنْذِرِيِّ.
стр. 2335
[بَابُ تَمَنِّي الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ]
стр. 2336
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(بَابُ تَمَنِّي الْمَوْتِ وَذِكْرِهِ)
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
١٥٩٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ) ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
(بَابُ تَمَنِّي الْمَوْتِ
أَيْ: حُكْمِ تَمَنِّيهِ. (وَذِكْرِهِ) أَيْ: فَضْلُ ذِكْرِ الْمَوْتِ.
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
١٥٩٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ» ) نَهْيٌ فِي صُورَةِ النَّفْيِ مُبَالَغَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْيَاءُ فِي قَوْلِهِ لَا يَتَمَنَّى مُثْبَتَةٌ فِي رَسْمِ الْخَطِّ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، فَلَعَلَّهُ نَهْيٌ وَرَدَ عَلَى صِيغَةِ الْخَبَرِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ لَا يَتَمَنَّى فَأُجْرِيَ مُجْرَى الصَّحِيحِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ بِالرَّفْعِ كَمَا هُوَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، فَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَفِيهِ أَنَّهُ سَهْوُ قَلَمٍ وَصَوَابُهُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَمَقُولُهُ كَ ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] أَيْ: عَلَى قَوْلِ وَأَمَّا قَوْلُهُ كَالزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً بِالرَّفْعِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ بِنُونِ التَّأْكِيدِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِدُونِهَا وَدُونَ الْيَاءِ وَبِالْيَاءِ أَيْضًا، نَهْيًا عَلَى صِيغَةِ الْخَبَرِ أَيْ: لَا يَتَّمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ ; وَهَذَا لِأَنَّ الْحَيَاةَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَطَلَبُ زَوَالِ الْحَيَاةِ عَدَمُ الرِّضَا بِالْحُكْمِ اهـ. وَالنَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَبْلَغُ لِإِفَادَتِهِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ انْتِفَاءَ ذَلِكَ عَنْهُ وَعَدَمَ وُقُوعِهِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ لِمَا نَهَى عَنْهُ يَنْتَهِي، فَأَخْبَرَ عَنْهُ بِالنَّفْيِ، وَأَمَّا مَا قِيلَ: مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ عَلَى الْإِخْبَارِ الْمَحْضِ لَكَانَ أَوْلَى فَغَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ جِهَةِ إِيهَامِ الْخُلْفِ فِي الْخَبَرِ ; إِذْ كَثِيرًا مَا وُجِدَ التَّمَنِّي وَغَيْرُهُ ; وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَصْلُحُ اسْتِدْلَالُ الْأَئِمَّةِ بِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: النَّهْيُ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُقَيَّدُ لِمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ» . وَقَوْلُهُ ﵊: " «وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» ". فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ تَمَنِّي الْمَوْتِ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّبَرُّمِ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُكْرَهُ التَّمَنِّي لِخَوْفِ فَسَادٍ فِي دِينِهِ. (إِمَّا مُحْسِنًا) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، أَصْلُهُ أَنَّ مَا فَأُدْغِمَتْ، وَمَا زَائِدَةٌ عِوَضًا عَنِ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ أَيْ: إِنْ كَانَ مُحْسِنًا. وَقَالَ الْمَالِكِيُّ: تَقْدِيرُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُحْسِنًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسِيئًا، فَحَذَفَ يَكُونُ مَعَ اسْمِهَا مَرَّتَيْنِ، وَأَبْقَى الْخَبَرَ وَأَكْثَرُ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ إِنَّ، وَلَوْ قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ كَقَوْلِهِ: " النَّاسُ مَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ ". (فَلَعَلَّهُ) جَوَابُ إِنِ الشَّرْطِيَّةِ. (أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا) وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: " «طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ» ". وَفِي لَفْظِ: " «خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا، وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمَالًا» ". وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَالثَّانِي رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِلَفْظِ: " «خِيَارُكُمْ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ» ". فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مُلَفَّقٌ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لَعَلَّ هُنَا بِمَعْنَى عَسَى. وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ: الرِّوَايَةُ الْمُعْتَدُّ بِهَا كَسْرُ الْهَمْزَةِ فِي إِمَّا، وَنَصْبُ مُحْسِنًا، وَرُوِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَرَفْعِ مُحْسِنٍ بِكَوْنِهِ صِفَةً لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَمَا بَعْدَهُ خَبَرُهُ. (وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ) أَيْ: يَسْتَرْضِيَ يَعْنِي يَطْلُبُ رِضَا اللَّهِ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ. قَالَ الْقَاضِي: الِاسْتِعْتَابُ طَلَبُ الْعُتْبَى، وَهُوَ الْإِرْضَاءُ. وَقِيلَ: هُوَ الْإِرْضَاءُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 2337
١٥٩٩ - وَعَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ ; إِنَّهُ إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ أَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٥٩٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ» ) أَيْ: بِقَلْبِهِ. (وَلَا يَدَعُ) أَيْ: بِاللِّسَانِ. (بِهِ) أَيْ: بِالْمَوْتِ. (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَوْلُهُ " لَا يَدْعُ " فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِحَذْفِ الْوَاوِ عَلَى أَنَّهُ) نَهْيٌ. قَالَ الزَّيْنُ: وَجْهُ صِحَّةِ عَطْفِهِ عَلَى النَّفْيِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْأَوَّلَ نَهْيٌ عَلَى بَابِهِ، وَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ لُغَتَيْ حَذْفِ حَرْفِ الْعِلَّةِ وَإِثْبَاتِهِ. (إِنَّهُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ وَهُوَ اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: يَصِحُّ فَتْحُهَا تَعْلِيلًا، وَكَسْرُهَا اسْتِئْنَافًا، فَمَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ ضَبْطِ لَفْظِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ. (إِذَا مَاتَ) أَيْ: أَحَدُكُمْ. (انْقَطَعَ أَمَلُهُ) أَيْ: رَجَاؤُهُ مِنْ زِيَادَةِ الْخَيْرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: بِالْهَمْزَةِ فِي الْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِالْعَيْنِ اهـ. وَاعْتِرَاضٌ عَلَى الْبَغَوِيِّ، فَلَا يَصِحُّ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ عَمَلُهُ. ثُمَّ قَوْلُهُ مُتَقَارِبَانِ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ ; فَإِنَّمَا مُتَبَايِنَانِ. (وَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمُرُهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: طُولُ عُمُرِهِ. (إِلَّا خَيْرًا) لِصَبْرِهِ عَلَى الْبَلَاءِ، وَشُكْرِهِ عَلَى النَّعْمَاءِ، وَرِضَاهُ بِالْقَضَاءِ، وَامْتِثَالِهِ أَمْرَ الْمَوْلَى فِي دَارِ الْبَلْوَى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2338
١٦٠٠ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ) أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٦٠٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ» بِضَمِّ الضَّادِ وَتُفْتَحُ أَيْ: مِنْ أَجْلِ ضَرَرٍ مَالِيٍّ أَوْ بَدَنِيٍّ. (أَصَابَهُ) فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْجَزَعِ فِي الْبَلَاءِ، وَعَدَمِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ. (فَإِنْ كَانَ) أَيْ: أَحَدُكُمْ. (لَا بُدَّ) أَيْ: أَلْبَتَّةَ وَلَا مَحَالَةَ، وَلَا فِرَاقَ. (فَاعِلًا) أَيْ: مُرِيدًا أَنْ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ فَلَا يَطْلُبِ الْمَوْتَ مُطْلَقًا، بَلْ لِيُقَيِّدَهُ تَفْوِيضًا وَتَسْلِيمًا. (فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ) مُدَّةَ بَقَائِهَا. (خَيْرًا لِي) أَيْ: مِنَ الْمَوْتِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الطَّاعَةُ غَالِبَةً عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَالْأَزْمِنَةُ خَالِيَةً عَنِ الْفِتْنَةِ وَالْمِحْنَةِ. (وَتَوَفَّنِي) أَيْ: أَمِتْنِي. (إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: إِذَا كَانَ الْوَفَاةَ أَيِ: الْمَمَاتُ. (خَيْرًا لِي) أَيْ: مِنَ الْحَيَاةِ بِأَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ عَكْسَ مَا تَقَدَّمَ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ زِيَادَةٌ: «وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَدْ أَفْتَى النَّوَوِيُّ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِخَوْفِ فِتْنَةٍ دِينِيَّةٍ، بَلْ قَالَ: إِنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَغَيْرِهِمَا. وَكَذَا يُنْدَبُ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ; لِأَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، بَلْ صَحَّ عَنْ مُعَاذٍ: أَنَّهُ تَمَنَّاهُ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ وَلَوْ بِنَحْوِ طَاعُونٍ. وَفِي مُسْلِمٍ: «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ» . وَيُنْدَبُ أَيْضًا تَمَنِّي الْمَوْتِ بِبَلَدٍ شَرِيفٍ لِمَا فِي الْبُخَارِيُّ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي بِبَلَدِ رَسُولِكَ. فَقَالَتْ بِنْتُهُ حَفْصَةُ: أَنَّى يَكُونُ هَذَا؟ فَقَالَ: يَأْتِي بِهِ اللَّهُ إِذَا شَاءَ أَيْ: وَقَدْ فَعَلَ فَإِنَّ قَاتِلَهُ كَافِرٌ مَجُوسِيٌّ.
стр. 2339
١٦٠١ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ ". فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ: إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ: " لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حَضَرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌأَكْرَهُ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٦٠١ - (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ قَالَ الْأَشْرَفُ: الْحُبُّ هُنَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالثِّقَةُ بِوَعْدِهِ، دُونَ مَا يَقْتَضِيهِ حُكْمُ الْجِبِلَّةِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ الْمَصِيرُ إِلَى دَارِ الْآخِرَةِ، وَطَلَبُ مَا عِنْدَ اللَّهِ. (أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ) ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَيْسَ الْغَرَضُ بِلِقَاءِ الْمَوْتِ ; لِأَنَّ كُلًّا يَكْرَهُهُ، فَمَنْ تَرَكَ الدُّنْيَا وَأَبْغَضَهَا أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وَمَنْ آثَرَهَا وَرَكَنَ إِلَيْهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ ; لِأَنَّهُ يَصِلُ إِلَيْهِ بِالْمَوْتِ، وَالْمَوْتُ دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَوْتَ غَيْرُ اللِّقَاءِ لَكِنَّهُ مُعْتَرِضٌ دُونَ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ فَيَجِبُ أَنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ، وَيَتَحَمَّلَ مَشَاقَّهُ ; لِيَصِلَ بَعْدَهُ بِالْفَوْرِ إِلَى اللِّقَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَرَى فِي الدَّلِيلِ الْيَقَظَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَا قَبْلَهُ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ. (فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (إِنَّا) أَيْ: كُلُّنَا مَعْشَرَ بَنِي آدَمَ. (لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ) أَيْ: بِحَسَبِ الطَّبْعِ، وَخَوْفًا مِمَّا بَعْدَهُ. (قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَفِي نُسْخَةٌ بِفَتْحِهَا، أَيْ: فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَنْتِ يَا عَائِشَةُ، إِذْ لَيْسَ كَرَاهَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتَ لِخَوْفِ شِدَّتِهِ كَرَاهَةَ لِقَاءِ اللَّهِ، بَلْ تِلْكَ الْكَرَاهَةُ هِيَ كَرَاهَةُ الْمَوْتِ الْإِيثَارُ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، وَالرُّكُونُ إِلَى الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ. (وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ) بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ. (إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ) أَيْ: عَلَامَتُهُ، أَوْ وَقْتُهُ، أَوْ مَلَائِكَتُهُ. (بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا. (وَكَرَامَتِهِ) قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠] الْآيَاتِ الثَّلَاثِ. (فَلَيْسَ شَيْءٌ) أَيْ: مِنَ الدُّنْيَا زِينَتُهَا حِينَئِذٍ. (أَحَبُّ إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى الْمُؤْمِنِ. (مِمَّا أَمَامَهُ) أَيْ: قُدَّامَهُ مِنَ الْمَنْزِلَةِ وَالْكَرَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ. (فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ) أَيْ: بِالضَّرُورَةِ، أَيْ: طَمَعًا لِلْحُسْنَى وَزِيَادَةً. (وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ) بِالْمَحَبَّةِ السَّابِقَةِ الْأَزَلِيَّةِ الَّتِي أَوْجَبَتْ مَحَبَّةَ الْعَبْدِ لَهُ تَعَالَى كَمَا قَالَ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] . (وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْ: حَضَرَهُ الْمَوْتُ، أَوْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، وَأَنْوَاعُهُ، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ الْبَنَّاءِ لِلْمَجْهُولِ هُنَا زِيَادَةُ التَّهْوِيلِ بِحَذْفِ الْفَاعِلِ ; لِيَشْمَلَ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ وَغَيْرَهُ. (بُشِّرَ) فِيهِ تَهَكُّمٌ نَحْوُ ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] ، أَوْ مُشَاكَلَةٌ لِلْمُقَابَلَةِ، أَوْ أُرِيدَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ أَيْ: أَخْبِرْ. (بِعَذَابِ اللَّهِ) لَهُ فِي الْقَبْرِ. (وَعُقُوبَتِهِ) وَهِيَ أَشَدُّ الْعَذَابِ فِي النَّارِ. وَأَبْعَدُ
стр. 2340
ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: إِطْنَابٌ لِمَزِيدِ التَّهْوِيلِ، أَوِ الْمُرَادُ بِأَحَدِهِمَا الْغَضَبُ، وَبِالْآخَرِ الْعَذَابُ. (فَلَيْسَ شَيْءٌ) أَيْ: يَوْمَئِذٍ. (أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ) أَيْ: قُدَّامَهُ. (فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَعْنَاهُ يَبْعُدُ عَنْ رَحْمَتِهِ وَمَزِيدِ نِعْمَتِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: الْقِطْعَةُ الْأُولَى مِنَ الْحَدِيثِ إِلَى قَوْلِهِ: " كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَرَوَاهَا التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا، وَمِنْ قَوْلِهِ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ إِلَخْ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ، نَعَمْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ " فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ: " لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ» " فَذِكْرُهُ بِأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ حَتَّى يَحْسُنَ فِي آخِرِهِ قَوْلُهُ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 2341
١٦٠٢ - وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ: «وَالْمَوْتَ قَبْلَ لِقَاءِ اللَّهِ» .
ــ
١٦٠٢ - (وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ: " «وَالْمَوْتَ قَبْلَ لِقَاءِ اللَّهِ» ) يَعْنِي لَا تُمْكِنُ رُؤْيَةُ اللَّهِ قَبْلَ الْمَوْتِ بَلْ بَعْدَهُ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ الْمَوْتَ ; لِأَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى لِقَائِهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ قَبْلَهُ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللِّقَاءَ غَيْرُ الْمَوْتِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنْ أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ: وَالْمَوْتُ قَبْلَ ذَلِكَ أَيْ: قَبْلَ اللِّقَاءِ فَهُوَ خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ.
стр. 2342
١٦٠٣ - وَعَنِ ابْنِ قَتَادَةَ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ أَوْ مُسْتَرَاحٌ مِنْهُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ؟ وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ، وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ، وَالدَّوَابُّ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٦٠٣ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرَّ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ. (عَلَيْهِ بِجِنَازَةِ) قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ: الْكَسْرُ أَفْصَحُ. (فَقَالَ: " مُسْتَرِيحٌ) أَيْ: هُوَ مُسْتَرِيحٌ. (أَوْ مُسْتَرَاحٌ مِنْهُ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، أَوْ لِلتَّرْدِيدِ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ حَجْرٍ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْ: لَا يَخْلُو الْمَيِّتُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ فَعَلَى الْأَوَّلِ، يُرَادُ بِالْمَيِّتِ الْجِنْسُ اسْتِطْرَادًا، وَعَلَى الثَّانِي الْحَاضِرُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتَرَاحَ الرَّجُلُ وَأَرَاحَ إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ بَعْدَ الْإِعْيَاءِ. ( «فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ؟ وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ» ) ؟ أَيْ: مَا مَعْنَاهَا أَوْ مَا بِمَعْنَى مَنْ. (فَقَالَ: " الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ) أَيْ: يَجِدُ الرَّاحَةَ بِالْمَوْتِ. (مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا) أَيْ: تَعَبِهَا بِالْأَعْمَالِ التَّكْلِيفِيَّةِ وَالْأَحْوَالِ الْكَوْنِيَّةِ التَّقْدِيرِيَّةِ. (وَأَذَاهَا) أَيْ: مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، أَوْ أَذَى أَهْلِهَا. (إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ) أَيْ: ذَاهِبًا وَاصِلًا إِلَيْهَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ مَسْرُوقٌ: مَا غَبَطْتُ شَيْئًا بِشَيْءٍ كَمُؤْمِنٍ فِي لَحْدِهِ ; أَمِنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَاسْتَرَاحَ مِنَ الدُّنْيَا. قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أُحِبُّ الْمَوْتَ اشْتِيَاقًا إِلَى رَبِّي، وَأُحِبُّ الْمَرَضَ تَكْفِيرًا لِخَطِيئَتِي، وَأُحِبُّ الْفَقْرَ تَوَاضُعًا لِرَبِّي. (وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ) وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْكَافِرِ. (يَسْتَرِيحُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ شَرِّهِ. (الْعِبَادُ) مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ حِينَ فَعَلَ مُنْكَرًا إِنْ مَنَعُوهُ آذَاهُمْ وَعَادَاهُمْ إِنْ سَكَتُوا عَنْهُ، أَضَرَّ بِدِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. (وَالْبِلَادُ) مِنَ الْعِمَارَاتِ وَالْفَلَوَاتِ. (وَالشَّجَرُ) أَيِ: النَّبَاتَاتُ. (وَالدَّوَابُّ) أَيِ: الْحَيَوَانَاتُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتَرَاحَ الْبِلَادُ وَالْأَشْجَارُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِفَقْدِهِ يُرْسِلُ السَّمَاءَ مِدْرَارًا، وَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَا حَبَسَ لِشُؤْمِهِ الْأَمْطَارَ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: «أَنَّ الْحُبَارَى لَتَمُوتُ هَزَلًا بِذَنْبِ ابْنِ آدَمَ» ، وَخَصَّ الْحُبَارَى ; لِأَنَّهُ أَبْعَدُ الطَّيْرِ نُجْعَةً أَيْ: طَلَبًا لِلرِّزْقِ، وَإِنَّمَا تُذْبَحُ بِالْبَصْرَةِ، وَتُوجَدُ فِي حَوْصَلَتِهَا الْحَبَّةُ الْخَضْرَاءِ، وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ وَبَيْنَ مَنَابِتِهَا مَسِيرَةُ أَيَّامٍ، وَجَاءَ أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ تَلْعَنُ الْمُذْنِبِينَ بِسَبَبِ حَبْسِ الْقَطْرِ عَنْهَا بِذُنُوبِهِمْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
стр. 2343
١٦٠٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٦٠٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي) وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَأَخْذُ الْمَنْكِبِ لِلِاهْتِمَامِ وَالتَّنْبِيهِ. (فَقَالَ: " «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ» ) أَيْ: لَا تَمِلْ إِلَيْهَا ; فَإِنَّكَ مُسَافِرٌ عَنْهَا إِلَى الْآخِرَةِ ; فَلَا تَتَّخِذْهَا وَطَنًا، وَلَا تَأْلَفْ مُسْتَلْزَمَاتِهَا، وَاعْتَزِلْ عَنِ النَّاسِ وَمُخَالَتَطِهِمْ ; فَإِنَّكَ تُفَارِقُهُمْ، وَأَلْزِمْ يَدَكَ اللَّازِمَ، وَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِطُولِ الْبَقَاءِ فِيهَا، وَلَا تَتَعَلَّقْ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرِيبُ فِي غَيْرِ وَطَنِهِ، وَلَا تَشْتَغِلْ فِيهَا بِمَا لَا يَشْتَغِلُ بِهِ الْغَرِيبُ الَّذِي يُرِيدُ الذِّهَابَ إِلَى أَهْلِهِ وَوَطَنِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ «حُبِّ الْوَطَنِ مِنَ الْإِيمَانِ» فَمَوْضُوعٌ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ
стр. 2344
صَحِيحًا، لَا سِيَّمَا إِذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَطَنِ الْجَنَّةُ، فَإِنَّهَا الْمَسْكَنُ الْأَوَّلُ. (أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) أَوْ فِيهِ لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى بَلْ، شَبَّهَ ﷺ النَّاسِكَ السَّالِكَ بِالْغَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَسْكَنٌ يَأْوِيهِ، ثُمَّ تَرَقَّى وَأَضْرَبَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ " لِأَنَّ الْغَرِيبَ قَدْ يَسْكُنُ فِي بِلَادِ الْغُرْبَةِ، وَيُقِيمُ فِيهَا بِخِلَافِ عَابِرِ السَّبِيلِ الْقَاصِدِ لِلْبَلَدِ الشَّاسِعِ. (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ) مُخَاطَبَةً لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ. (إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ) أَيْ: لِيَكُنِ الْمَوْتُ فِي إِمْسَائِكَ وَإِصْبَاحِكَ نُصْبَ عَيْنِكَ، مُقَصِّرًا لِلْأَمَلِ، مُبَادِرًا لِلْعَمَلِ، غَيْرَ مُؤَخِّرِ عَمَلَ اللَّيْلِ إِلَى النَّهَارِ، وَعَمَلَ النَّهَارِ إِلَى اللَّيْلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، لَكِنْ ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ مَرْفُوعًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " «وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ» اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: " وَعُدَّ مِنْ كَلَامِهِ مَوْقُوفًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ السُّيُوطِيَّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ: " «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَزَادَ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ: " وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ. (وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: عُمْرُكَ لَا يَخْلُو مِنْ صِحَّةٍ وَمَرَضٍ، فَفِي الصِّحَّةِ سَيْرُكَ الْقَصْدُ، بَلْ لَا تَقْنَعْ بِهِ وَزِدْ عَلَيْهِ مَا عَسَى أَنْ يَحْصُلَ لَكَ الْفُتُورُ عَنْهُ، بِسَبَبِ الْمَرَضِ وَفِي قَوْلِهِ: (وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ) إِشَارَةٌ إِلَى أَخْذِ نَصِيبِ الْمَوْتِ، وَمَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الْفُتُورِ مِنَ السُّقْمِ يَعْنِي لَا تَقْعُدُ فِي الْمَرَضِ عَنِ السَّيْرِ كُلَّ الْقُعُودِ، بَلْ مَا أَمْكَنَكَ مِنْهُ فَاجْتَهِدْ فِيهِ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 2345
١٦٠٥ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ: " لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٦٠٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) يُفِيدُ كَمَالَ ضَبْطِ الرَّاوِي وَإِحْكَامِ الْمَرْوِيِّ. (يَقُولُ: " «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» ) أَيْ: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَهِيَ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ، بِأَنْ يُغْفَرَ لَهُ، فَالنَّهْيُ وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ عَنِ الْمَوْتِ، وَلَيْسَ إِلَيْهِ ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ لَكِنْ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ حَالَةٍ يَنْقَطِعُ عِنْدَهَا الرَّجَاءُ لِسُوءِ الْعَمَلِ كَيْلَا يُصَادِفَهُ الْمَوْتُ عَلَيْهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِحُسْنِ الظَّنِّ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَأْمِيلِ الْعَفْوِ، وَتَحْقِيقِ الرَّجَاءِ فِي رَوْحِ اللَّهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلَا يَظُنَّ بِيَ إِلَّا خَيْرًا» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» ". قَالَ النَّوَوِيُّ: قَدْ تَتَبَّعْتُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ فِي الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَوَجَدْتُ أَحَادِيثَ الرَّجَاءِ أَضْعَافَ أَحَادِيثِ الْخَوْفِ مَعَ ظُهُورِ الرَّجَاءِ فِيهَا قُلْتُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَهُوَ سَبَقَتْ أَوْ غَلَبَتْ رَحْمَتِي عَلَى غَضَبِي لَكَفَى دَلِيلًا عَلَى تَرْجِيحِ الرَّجَاءِ وَيُعَضِّدُهُ آيَةُ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] بَلْ هُوَ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ فِي عَالَمِ الْوُجُودِ مِنْ غَلَبَةِ آثَارِ الرَّجَاءِ عَلَى آثَارِ الْخَوْفِ، وَاتَّفَقَ الصُّوفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ عَلَى وَجْهِ الرَّجَاءِ أَفْضَلُ مِنَ الطَّاعَةِ عَلَى طَرِيقِ الْخَوْفِ، وَأَنَّ الْأَوَّلَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ، وَالثَّانِي طَاعَةُ الْعَبِيدِ، وَلِذَا قَالَ ﵊: " «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» ". قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: أَحْسِنُوا أَعْمَالَكُمُ الْآنَ حَتَّى يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِاللَّهِ عِنْدَ الْمَوْتِ ; فَإِنَّ مَنْ سَاءَ عَمَلُهُ قَبْلَ الْمَوْتِ يَسُوءُ ظَنُّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ كَالْجَنَاحَيْنِ لِلسَّائِرِ إِلَى اللَّهِ لَكِنْ فِي الصِّحَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَغْلِبَ الْخَوْفُ لِيَجْتَهِدَ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَإِذَا جَاءَ الْمَوْتُ وَانْقَطَعَ الْعَمَلُ يَنْبَغِي أَنْ يَغْلِبَ الرَّجَاءُ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ ; لِأَنَّ الْوِفَادَةَ حِينَئِذٍ إِلَى مَلِكٍ كَرِيمٍ رءُوفٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2346
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٦٠٦ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنْ شِئْتُمْ أَنْبَأْتُكُمْ مَا أَوَّلُ مَا يَقُولُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا أَوَّلُ مَا يَقُولُونَ لَهُ، قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: هَلْ أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي؟ يَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبَّنَا. فَيَقُولُ: لِمَ؟ فَيَقُولُونَ: رَجَوْنَا عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ. فَيَقُولُ: قَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ مَغْفِرَتِي» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
١٦٠٦ - (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنْ شِئْتُمْ أَنْبَأَتْكُمْ) أَخْبَرَتْكُمْ، وَعَلَّقَهُ بِمَشِيئَتِهِمْ لِأَنَّهُ مِمَّا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ، وَلِحَثِّهِمْ عَلَى التَّفَرُّغِ لِسَمَاعِهِ. (مَا أَوَّلُ مَا يَقُولُ اللَّهُ) مَا الْأُولَى اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَالثَّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ. (لِلْمُؤْمِنِينَ) بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ أَوْ رَسُولٍ. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ مَا يَقُولُونَ) أَيِ: الْمُؤْمِنُونَ. (لَهُ؟)
стр. 2347
أَيِ: اللَّهِ تَعَالَى. (قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ) ، وَهَذَا تَوْطِئَةٌ لِلتَّهَيُّؤِ بِالْإِصْغَاءِ لِلْكَلَامِ ; لِيَحْصُلَ الْإِدْرَاكُ عَلَى الْوَجْهِ التَّامِّ. (قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ هَلْ أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي؟) مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ الْمَصِيرَ إِلَى دَارِ الْآخِرَةِ أَوْ بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَالَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَفِي الثَّانِي نَظَرٌ. (فَيَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبَّنَا) اسْتِعْطَافًا لِمَزِيدِ عَطَائِهِ وَرِضْوَانِهُ. (فَيَقُولُ: لِمَ؟) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: لِأَيِّ سَهْوٍ أَذْنَبْتُمْ؟ وَالصَّحِيحُ لِمَ أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي؟ . (فَيَقُولُونَ؟ رَجَوْنَا عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ) وَفِيهِ أَنَّ مِنْ حَسَّنَ الظَّنَّ بِاللَّهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ الِاسْتِفْهَامِ مَعَ عِلْمِهِ تَعَالَى بِبَوَاطِنِهِمْ إِعْلَامُ السَّامِعِينَ بِسَبَبِ مَحَبَّتِهِمْ لِلِقَائِهِ عَلَى حَدِّ: ﴿أَوْ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] أَوِ الْمُرَادُ زِيَادَةُ الِانْبِسَاطِ وَالتَّلَذُّذِ بِهِمْ لِسَمَاعِ كَلَامِ الرَّبِّ عَلَى الْبِسَاطِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧] ، فَيَقُولُ: (قَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ) لِي تَثَبَّتْتُ، فَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: " «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ وَاثِلَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: «إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ لِقَائِي كَرِهْتُ لِقَاءَهُ» . رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ مَحَبَّةَ لِقَائِهِ تَعَالَى عَلَامَةُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِقَاءَهُ ; لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِهَذِهِ فَإِنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمَةٌ، وَكَذَا حُكْمُ الْكَرَاهَةِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى عَدَمِ الرِّضَا، فَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] ، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] . (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ) وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ. قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَذَا فِي التَّصْحِيحِ.
стр. 2348
١٦٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٦٠٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» ) وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: قَاطِعِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ: كَاسِرِهَا قَالَ مِيرَكُ: صَحَّحَ الشَّارِحُ الطِّيبِيُّ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ حَيْثُ قَالَ: شَبَّهَ اللَّذَّاتِ الْفَانِيَةَ، وَالشَّهَوَاتِ الْعَاجِلَةَ، ثُمَّ زَوَالَهَا بِبِنَاءٍ مُرْتَفِعٍ يَنْهَدِمُ بِصَدَمَاتٍ هَائِلَةٍ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُنْهَمِكَ فِيهَا بِذِكْرِ الْهَادِمِ لِئَلَّا يَسْتَمِرَّ عَلَى الرُّكُونِ إِلَيْهَا يَشْتَغِلُ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْفِرَارِ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ. (وَأَنْشَدَ) زَيْنُ الْعَابِدِينَ:
فَيَا عَامِرَ الدُّنْيَا وَيَا سَاعِيًا لَهَا ... وَيَا آمِنًا مِنْ أَنْ تَدُورَ الدَّوَائِرُ
أَتَدْرِي بِمَاذَا لَوْ غَفَلْتَ تُخَاطِرُ ... فَلَا ذَاكَ مَوْفُورٌ وَلَا ذَاكَ غَامِرُ.
اهـ كَلَامُهُ. لَكِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمَهَمَّاتِ: الْهَاذِمُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، هُوَ الْقَاطِعُ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَقَدْ صَرَّحَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ الْأُنُفِ بِأَنَّ الرَّاوِيَةَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَتْلِ وَحْشِيٍّ لِحَمْزَةَ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: هَادِمٌ يُرْوَى بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: دَافِعُهَا أَوْ مُخَرِّبُهَا وَبِالْمُعْجَمَةِ أَيْ: قَاطِعُهَا، وَاخْتَارَ بَعْضٌ مِنْ مَشَايِخِنَا وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُصَحِّحِ الْخِطَابَ غَيْرُهُ وَجَعَلَ الْأَوَّلَ مِنْ غَلَطِ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الْمَوْتِ) بِالْجَرِّ عَطْفُ بَيَانٍ، وَبِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هُوَ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي يَعْنِي اذْكُرُوهُ وَلَا تَنْسَوْهُ حَتَّى لَا تَغْفُلُوا عَنِ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَتْرُكُوا تَهْيِئَةَ زَادِ الْآخِرَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) وَزَادَ: فَإِنَّهُ لَا يُذْكَرُ فِي كَثِيرٍ إِلَّا قَلَّلَهُ وَلَا فِي قَلِيلٍ إِلَّا كَثَّرَهُ. (وَابْنُ مَاجَهْ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، زَادَ: فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فِي ضَيْقٍ إِلَّا وَسِعَهُ، وَلَا ذَكَرَهُ فِي سِعَةٍ إِلَّا ضَيَّقَهَا عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ مِيرَكُ وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَيْضًا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ وَأَحْزَمُ النَّاسِ؟ فَقَالَ: " أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وَاسْتِعْدَادًا لِلْمَوْتِ، أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَةِ الْآخِرَةِ.»
стр. 2349
١٦٠٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) : «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ) (لِأَصْحَابِهِ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ. قَالُوا: إِنَّا نَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) » . (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
ــ
١٦٠٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) وَفِي نُسْخَةٍ: قَالَ: إِنَّ. (نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمِ) قِيلَ: (ذَاتَ) مُقْحَمٌ، وَقِيلَ: صِفَةٌ لِمُدَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ كَذَاتِ زَيْدٍ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ بِإِرَادَةِ مُطْلَقِ الزَّمَانِ. ( «لِأَصْحَابِهِ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» ) أَيِ: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ. ( «قَالُوا: إِنَّا نَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ» ) لَمْ يَقُولُوا: حَقَّ الْحَيَاءِ اعْتِرَافًا بِالْعَجْزِ عَنْهُ. (يَا نَبِيَّ اللَّهِ) يَعْنِي وَأَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ. (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ: عَلَى تَوْفِيقِنَا بِهِ. (قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ) أَيْ: لَيْسَ حَقَّ الْحَيَاءِ) أَنْ تَقُولُوا: إِنَّا نَسْتَحْيِي وَكَانَ الْقِيَاسُ ذَلِكُمْ وَكَأَنَّهُ نَزَّلَهُمْ مَنْزِلَةَ الْمُفْرَدِ فِيمَا يَنْبَغِي لَهُمْ مِنَ التَّعَاضُدِ وَالِاتِّحَادِ وَلَكِنْ. ( «مَنِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَا» ) أَصْلُهُ الْهَمْزَةُ وَلَكِنْ خَفَّفَ الْهَمْزَةَ بِحَذْفِهَا وَقْفًا وَهُوَ الْمُنَاسِبُ هُنَا رِعَايَةً لِلسَّجْعِ. (فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ) أَيْ: عَنِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ خِدْمَةِ اللَّهِ بِأَنْ لَا يَسْجُدَ لِصَنَمٍ أَوْ لِأَحَدٍ تَعْظِيمًا لَهُ وَلَا يُصَلِّيَ لِلرِّيَاءِ، وَلَا يَخْضَعَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَا يَرْفَعَهُ تَكَبُّرًا. (وَمَا وَعَى) أَيْ: «وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، جَمْعُهُ الرَّأْسَ مِنَ اللِّسَانِ وَالْعَيْنِ وَالْأُذُنِ عَمَّا لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ. ( «وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ» ) أَيْ: أَكْلَ الْحَرَامِ. (وَمَا حَوَى) أَيْ: مَا اتَّصَلَ اجْتِمَاعُهُ بِهِ مِنَ الْفَرْجِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَالْقَلْبِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ مُتَّصِلَةٌ بِالْجَوْفِ، وَحِفْظُهَا بِأَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهَا فِي الْمَعَاصِي بَلْ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: لَيْسَ حَقُّ الْحَيَاةِ مِنَ اللَّهِ مَا تَحْسَبُونَهُ بَلْ أَنْ يَحْفَظَ نَفْسَهُ بِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ، وَقَوْلُهُ: عَمَّا لَا يَرْضَاهُ فَلْيَحْفَظْ رَأْسَهُ وَمَا وَعَاهُ مِنَ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَاللِّسَانِ وَالْبَطْنِ، وَمَا حَوَى أَيْ: لَا يَجْمَعُ فِيهِ إِلَّا الْحَلَالَ. ( «وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى» ) بِكَسْرِ الْبَاءِ مِنْ بَلَى الشَّيْءُ إِذَا صَارَ خَلِقًا مُتَفَتِّتًا يَعْنِي وَلْيَذْكُرْ صَيْرُورَتَهُ فِي الْقَبْرِ عِظَامًا بَالِيَةً. ( «وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا» ) فَإِنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ حَتَّى لِلْأَقْوِيَاءِ. (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ: جَمِيعَ مَا ذُكِرَ. ( «فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ الْأَكَابِرِ: إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ، قُلْتُ: وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «أَنَّهُ ﷺ أَبْصَرَ جَمَاعَةً يَحْفِرُونَ قَبْرًا فَبَكَى حَتَّى بَلَّ التُّرَابَ بِدُمُوعِهِ، وَقَالَ إِخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا» .
стр. 2350
١٦٠٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
١٦٠٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ» ) لِأَنَّهُ وَسِيلَةُ السَّعَادَاتِ الْأَبَدِيَّةِ، وَذَرِيعَةُ الْوُصُولِ إِلَى مَحْضَرِ الْقُدْسِ، وَمَحْفَلِ الْأُنْسِ فَالنَّظَرُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى غَايَتِهِ، مُعْرِضٌ عَنْ بِدَايَتِهِ مِنَ الْفَنَاءِ وَالزَّوَالِ وَالتَّمَزُّقِ وَالِاضْمِحْلَالِ، أَوْ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِرُوحِ الرُّوحِ، وَالْقَالَبُ إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَفَصِ وَفِي النِّهَايَةِ التُّحْفَةُ طُرْفَةُ الْفَاكِهَةِ، وَقَدْ تُفْتَحُ الْحَاءُ ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْفَاكِهَةِ مِنَ الْأَلْطَافِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: أَصْلُهَا وَحْفَةٌ فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ تَاءً ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْقَامُوسِ التُّحْفَةُ بِالضَّمِّ الطُّرْفَةُ جَمْعُ تُحَفٍ وَقَدْ أَتْحَفَهُ تُحْفَةً أَوْ أَصْلُهَا وَحْفَةً. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْمُنْذِرِيِّ.
следующие страницы →