Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
١٦٨٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجَنَازَةِ ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٦٨٢ - (وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا) أَمْرَ نَدْبٍ أَوْ وُجُوبٍ. (بِالْقِيَامِ فِي الْجَنَازَةِ) أَيْ: فِي حَالِ رُؤْيَتِهَا وَقَبْلَ دَفْنِهَا، وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي النَّسْخِ لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا. (ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَنَا) تَأْيِيدًا لِلْفِعْلِ بِالْقَوْلِ. (بِالْجُلُوسِ) وَظَاهِرُهُ كَرَاهَةُ الْقِيَامِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقِيلَ الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 2452
١٦٨٣ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: «إِنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فَقَامَ الْحَسَنُ وَلَمْ يَقُمِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ الْحَسَنُ: أَلَيْسَ قَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ؟ ! قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ جَلَسَ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
١٦٨٣ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) بِعَدَمِ الِانْصِرَافِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ الْمَزِيدَتَيْنِ مُطْلَقًا. (قَالَ: إِنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ فَقَامَ الْحَسَنُ) لِعَدَمِ بُلُوغِهِ النَّسْخَ، أَوْ حَمْلِ النَّسْخِ عَلَى الْوُجُوبِ، وَجَوَّزَ الِاسْتِحْبَابَ. (وَلَمْ يَقُمِ ابْنُ عَبَّاسٍ) عَمَلًا بِالنَّسْخِ، وَحَمْلًا لِلْأَمْرِ بِالْجُلُوسِ فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَى النَّدْبِ أَوْ عَلَى الْإِبَاحَةِ. « (فَقَالَ الْحَسَنُ: أَلَيْسَ قَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ؟ !) أَيْ: فَكَيْفَ وَهَذَا جَنَازَةُ مُسْلِمٍ؟ ! . (قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ جَلَسَ) أَيْ: قَالَ: نَعَمْ. قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلًا ثُمَّ جَلَسَ) » أَيْ: ثَانِيًا يَعْنِي الْفِعْلَ الثَّانِيَ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ، سِيَّمَا وَقَدْ أَكَّدَهُ بِالْأَمْرِ بِالْجُلُوسِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُتَعَيِّنٌ لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ الطِّيبِيِّ: الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ (ثُمَّ جَلَسَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَيْ: فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ، لَكِنْ كَانَ جُلُوسُهُ مُتَأَخِّرًا فَيَكُونُ كَمَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ اهـ. إِذْ مُقْتَضَى مُقَابَلَةِ الظَّاهِرِ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ جَلَسَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ سِيرِينَ، وَالضَّمِيرُ لِلْحَسَنِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ لِعَدَمِ حُصُولِ الْجَوَابِ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بَلْ يَكُونُ مُصَادَفَةً وَمُوَافَقَةً، وَحِينَئِذٍ لَيْسَ لِقَوْلِهِ: ثُمَّ جَلَسَ فَائِدَةٌ، وَلَوْ جُعِلَ الضَّمِيرُ فِيهِ: جَلَسَ لِابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّهُ أَقْرَبُ لَكَانَ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِنَّمَا قَالَ الْحَسَنُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ، وَلِذَا أَنْكَرَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ تَرْكَهُ لِلْقِيَامِ، لَكِنْ لَمَّا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ تَرَكَ الْإِنْكَارَ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْكُمَّلِ، أَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُمْ إِلَّا مَحْضَ ظُهُورِ الْحَقِّ، أَوْ تَذَّكَّرَ كَلَامَ وَالِدِهِ ﵁ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
стр. 2453
١٦٨٤ - وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ جَالِسًا فَمُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَامَ النَّاسُ حَتَّى جَاوَزَتِ الْجَنَازَةُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا مُرَّ بِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى طَرِيقِهَا جَالِسًا وَكَرِهَ أَنْ تَعْلُوَ رَأْسَهُ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ فَقَامَ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
١٦٨٤ - (وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أَيِ: الْبَاقِرِ. (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ: عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ. (أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ جَالِسًا فَمُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَامَ النَّاسُ) أَيْ: بَعْضُهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّسْخُ، أَوْ كَانُوا قَائِلِينَ بِالِاسْتِحْبَابِ أَوِ الْجَوَازِ. (حَتَّى جَاوَزَتْ) أَيْ: تَعَدَّتِ. (الْجَنَازَةُ) مِنْ مُقَابَلَتِهِمْ. ( «فَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا مُرَّ بِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى طَرِيقِهَا جَالِسًا وَكَرِهَ أَنْ تَعْلُوَ رَأْسَهُ جَنَازَةُ الْيَهُودِيِّ» ) إِيمَاءً إِلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ. (فَقَامَ) أَيْ: عَنِ الطَّرِيقِ لِهَذَا، وَهَذَا إِنْكَارٌ مِنْهُ ﵁ عَلَى قِيَامِ النَّاسِ لِلْجَنَازَةِ، عَكْسَ مَا سَبَقَ مِنْهُ مِنَ الْإِنْكَارِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى عَدَمِ الْقِيَامِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُتَأَخِّرٌ فَيَكُونُ بَعْدَ تَفَحُّصِهِ الْمَسْأَلَةَ وَتَقَرُّرِهَا عِنْدَهُ أَنَّ قِيَامَهُ ﷺ إِنَّمَا كَانَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ ; لِأَنَّهُ اخْتَلَفَتْ عِلَلُ الْقِيَامِ فَجُعِلَتْ تَارَةً لِلْفَزَعِ، وَأُخْرَى كَرَامَةً لِلْمَلَائِكَةِ، وَأُخْرَى كَرَاهِيَةَ رِفْعَةِ جَنَازَةِ الْيَهُودِيِّ عَلَى رَأْسِهِ ﷺ ، وَالْأُخْرَى لَمْ تَعْتَبِرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْمَقَامَاتِ، وَيُمْكِنُ جَمْعُ الْعِلَلِ بِمَعْلُولٍ وَاحِدٍ، إِذِ الْعَمَلُ بِالنِّيَّاتِ، أَوْ كَانَ إِنْكَارُهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَإِنْكَارُهُ عَلَى النَّاسِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى الطَّرِيقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
стр. 2454
١٦٨٥ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِذَا مَرَّتْ بِكَ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ فَقُومُوا لَهَا، فَلَسْتُمْ لَهَا تَقُومُونَ، إِنَّمَا تَقُومُونَ لِمَنْ مَعَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٦٨٥ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا مَرَّتْ بِكَ) أَيُّهَا الصَّالِحُ لِلْخِطَابِ. (جَنَازَةُ يَهُودِيِّ) قُدِّمَ لِتَقَدُّمِ مِلَّتِهِمْ، أَوْ لِلتَّرَقِّي وَهُوَ الْأَظْهَرُ. (أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ) . (أَوْ) فِيهِمَا لِلتَّنْوِيعِ. (فَقُومُوا لَهَا) إِفْرَادُ الْخِطَابِ أَوَّلًا وَالْجَمْعُ ثَانِيًا إِشَارَةٌ إِلَى تَعْظِيمِ أَبِي مُوسَى، وَعُمُومِ الْحُكْمِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلَّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] الْآيَةَ أَوِ الْجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، أَوْ كَافُ الْخِطَابِ لِإِرَادَةِ عُمُومِ الْمُخَاطَبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٢] . (فَلَسْتُمْ لَهَا تَقُومُونَ) أَيْ: فِي الْحَقِيقَةِ. (إِنَّمَا تَقُومُونَ لِمَنْ مَعَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ) أَيْ: مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ، أَوْ مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ، قَدْ يُقَالُ: هَذَا مُشْكِلٌ ; لِأَنَّهُ أَثَبَتَ الْقِيَامَ لَهَا ثُمَّ نَفَاهُ عَنْهَا، وَقَدْ يُجَابُ أَنَّهُ أَثْبَتَهُ لَهَا بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ، وَنَفَاهُ عَنْهَا بِاعْتِبَارِ بَاطِنِ الْأَمْرِ، وَالْحَقِيقَةُ وَإِنْكَارُ الْبَلِيغِ عَلَى رِعَايَةِ الِاعْتِبَارَاتِ وَالْحَيْثِيَّاتِ سَائِغٌ، شَائِعٌ، وَمِنْهُ قَضِيَّةُ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَاجِبٌ، وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ، مَعَ أَنَّ الْكُفْرَ مِنْ جُمْلَةِ الْقَضَاءِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] هَذَا وَلَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ مِنْ تَعْلِيلِ الْقِيَامِ ; لِأَنَّهُ لِكَوْنِ الْمَوْتِ فَزَعًا تَارَةً، وَأُخْرَى بِكَرَاهَةِ رَفْعِ جَنَازَةِ يَهُودِيَّةٍ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأُخْرَى لَمْ تَعْتَبِرْ شَيْئًا مِنَ الْعِلَلِ، لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ الْوَاحِدِ عِلَلٌ مُتَعَدِّدَةٌ فَيُذْكَرُ فِي كُلِّ مَقَامٍ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 2455
١٦٨٦ - وَعَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ فَقِيلَ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ فَقَالَ: " إِنَّمَا قُمْتُ لِلْمَلَائِكَةِ» ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
стр. 2456
١٦٨٧ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَوْجَبَ» " فَكَانَ مَالِكٌ إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجَنَازَةِ جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَتَقَالَّ النَّاسَ عَلَيْهَا جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ أَوْجَبَ» . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ.
ــ
١٦٨٧ - (وَعَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ) بِالتَّصْغِيرِ. (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَوْجَبَ» ) أَيْ: ذَلِكَ الْفِعْلُ عَلَى اللَّهِ) تَعَالَى مَغْفِرَتَهُ، وَعْدًا مِنْهُ وَفَضْلًا، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَالتَّعَجُّبُ بِالْإِيجَابِ نَظَرًا لِكَوْنِ وَعْدِ اللَّهِ لَا يُخْلَفُ، فَهُوَ وَاجِبٌ لِغَيْرِهِ، صَحِيحُ زِيَادَةٍ لِلتَّطْمِيعِ فِي
стр. 2457
حُسْنِ الرَّجَاءِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧] ثُمَّ هُوَ خَبَرُ مَا، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَعَمُّ عَامِّ الْأَحْوَالِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى مَعْنَى تَأْثِيرِ الثَّنَا بِالْمَغْفِرَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ بَحْثٌ إِذِ الْفَرْقُ بَيْنَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءِ وَاضِحٌ. (فَكَانَ مَالِكٌ) أَيِ: ابْنُ هُبَيْرَةَ. (إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجَنَازَةِ) أَيْ: عَدَّهُمْ قَلِيلًا. (جَزَّأَهُمْ) بِالشَّدِيدِ أَيْ فَرَّقَهُمْ، وَجَعَلَ الْقَوْمَ الَّذِينَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا صَفًّا وَاحِدًا. (ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ) وَفِي جَعْلِهِ صُفُوفًا إِشَارَةٌ إِلَى كَرَاهَةِ الِانْفِرَادِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ: ذَكَرَ الْكَرْمَانِيُّ أَنَّ أَفْضَلَ الصُّفُوفِ فِي صَلَاةِ الْجَنَازَةِ آخِرُهَا، وَفِي غَيْرِهَا أَوَّلُهَا، إِظْهَارًا لِلتَّوَاضُعِ، وَلِتَكُونَ شَفَاعَتُهُ أَدْعَى إِلَى الْقَبُولِ، وَلَا يَدْعُو لِلْمَيِّتِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجَنَازَةِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الزِّيَادَةَ فِي صَلَاةِ الْجَنَازَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ) بِالْإِضَافَةِ. (قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ إِذَا صَلَّى) أَيْ: أَرَادَ الصَّلَاةَ. (عَلَى جَنَازَةٍ فَتَقَالَّ النَّاسَ عَلَيْهَا) أَيِ: الْمُنْتَظَرِينَ، تَفَاعَلَ مِنَ الْقِلَّةِ، أَيْ: رَآهُمْ قَلِيلًا، وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِ النَّاسِ أَيْ: صَارَ النَّاسُ قَلِيلًا. (جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ) أَيْ: قَسَّمَهُمْ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ، أَيْ: شُيُوخًا، وَكُهُولًا، وَشَبَابًا، أَوْ فُضَلَاءَ، وَطَلَبَةَ الْعِلْمِ، وَالْعَامَّةَ. (ثُمَّ قَالَ) أَيِ: اسْتِدْلَالًا لِفِعْلِهِ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ) وَأَقَلُّ الصَّفِّ أَنْ يَكُونَ اثْنَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ. (أَوْجَبَ) أَيِ: اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَاتِهِ بِمُقْتَضَى وَعْدِهِ مَغْفِرَةَ ذَنْبِ عَبْدِهِ. (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ) أَيْ: مَعْنَاهُ.
стр. 2458
١٦٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ: " اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأَنْتَ هَدَيْتَهَا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا، جِئْنَا شُفَعَاءَ فَاغْفِرْ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٦٨٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا) أَيْ: سَيِّدُهَا وَمَالِكُهَا، وَمُرَبِّيهَا وَمُصْلِحُهَا. (وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا) ابْتِدَاءً. (وَأَنْتَ هَدَيْتَهَا إِلَى الْإِسْلَامِ) الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْإِيمَانِ انْتِهَاءً. (وَأَنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا) أَيْ: أَمَرْتَ بِقَبْضِ رُوحِهَا، وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: نِسْبَةُ الْقَبْضِ إِلَى اللَّهِ حَقِيقِيَّةً، حَيْثُ قَالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] أَوِ النِّسْبَةُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ مَجَازِيَّةٌ، حَيْثُ قَالَ : ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] . (وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ أَيْ: بَاطِنِهَا وَظَاهِرِهَا حَتَّى مِنْهَا. (جِئْنَا) أَيْ: حَضَرْنَا. (شُفَعَاءَ) أَيْ: بَيْنَ يَدَيْكَ دَاعِينَ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ. (فَاغْفِرْ لَهُ) فَإِنَّكَ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، وَقَاضِي الْحَاجَاتِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، إِلَّا أَنَّ لَفْظَهُ: فَاغْفِرْ لَهَا.
стр. 2459
١٦٨٩ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى صَبِيٍّ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
١٦٨٩ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَيُكْسَرُ، وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ التَّابِعِينَ. (قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى صَبِيٍّ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ) أَيْ: أَبَدًا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: صِفَةٌ كَاشِفَةٌ، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِ بَالِغٍ عَمَلٌ بِغَيْرِ ذَنْبٍ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي نَفْيِ الْخَطِيئَةِ عَنْهُ وَلَوْ صُورَةً. (فَسَمِعْتُهُ) أَيْ: أَبَا هُرَيْرَةَ. (يَقُولُ) أَيْ: فِي صِلَاتِهِ. (اللَّهُمَّ أَعِذْهُ) أَيْ: أَجِرْهُ. (مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) قَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ اعْتَقَدَ شَيْئًا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ أَمْرٌ عَامٌّ لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَأَنَّ الْفِتْنَةَ تَسْقُطُ مِنَ الصَّغِيرِ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: عَذَابُ الْقَبْرِ غَيْرُ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَلَوْ عَذَّبَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَجْمَعِينَ كَانَ غَيْرَ ظَالِمٍ لَهُمْ، يَعْنِي لَا يُطْلَبُ لَهُ دَلِيلٌ مِنَ الْعَمَلِ ; لِأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ هُنَا الْعُقُوبَةَ، وَلَا السُّؤَالَ بَلْ مُجَرَّدُ أَلْأَلَمِ بِالْغَمِّ وَالْحَسْرَةِ، وَالْوَحْشَةِ وَالضَّغْطَةِ، وَذَلِكَ يَعُمُّ الْأَطْفَالَ وَغَيْرَهُمْ، كَذَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُوَطَّأِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ) .
стр. 2460
١٦٩٠ - وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا قَالَ: يَقْرَأُ الْحَسَنُ عَلَى الطِّفْلِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا، وَفَرَطًا وَذُخْرًا وَأَجْرًا.
ــ
١٦٩٠ - (وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا) أَيْ: بِلَا إِسْنَادٍ فِي الطِّيبِيِّ قَالَ) : فِي الْإِرْشَادِ: وَالتَّعْلِيقُ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا حُذِفَ مِنْ مُبْتَدَأٍ إِسْنَادُهُ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ، وَاسْتَعْمَلَهُ بَعْضُهُمْ فِي حَذْفِ كُلِّ الْإِسْنَادِ، كَمَا هُنَا، مِثَالُهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَذَا. (قَالَ أَيِ: الْبُخَارِيُّ نَقْلًا عَنِ الْحَسَنِ. (يَقْرَأُ الْحَسَنُ) أَيْ: كَانَ يَقْرَأُ. (عَلَى الطِّفْلِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ) أَيْ: بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى مَقَامَ الثَّنَاءِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَأْوِيلِهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لِلشَّافِعِيِّ ; فَإِنَّ الْحَسَنَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَغَايَتُهُ الْمُوَافَقَةُ. (وَيَقُولُ) أَيْ: بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ. (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ) أَيِ: الطِّفْلَ. (لَنَا سَلَفًا) بِفَتْحَتَيْنِ فِي النِّهَايَةِ: قِيلَ: هُوَ مِنْ سَلَفِ الْمَالِ، كَأَنَّهُ قَدْ أَسْلَفَهُ وَجَعَلَهُ ثَمَنًا لِلْأَجْرِ، وَالثَّوَابِ الَّذِي يُجَازَى عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: سَلَفُ الْإِنْسَانِ مِنْ تَقَدُّمِهِ بِالْمَوْتِ مِنْ آبَائِهِ وَذَوِي قَرَابَتِهِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنَ التَّابِعِينَ السَّلَفَ الصَّالِحَ. (وَفَرَطًا) فِي النِّهَايَةِ أَجْرًا يَتَقَدَّمُنَا، وَفِي الصِّحَاحِ: الْفَرَطُ بِالتَّحْرِيكِ هُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الْقَوْمَ الْوَارِدَةَ فَيُهَيِّئُ الْأَرْسَاتِ وَالدِّلَاءَ، وَيَرِدُ الْحِيَاضَ وَيَسْتَقِي لَهُمْ. (وَذُخْرًا) بِضَمِّ الذَّالِ وَسُكُونِ الْخَاءِ أَيْ: ذَخِيرَةً. (وَأَجْرًا) أَيْ: ثَوَابًا جَزِيلًا. قَالَ مِيرَكُ: عِبَارَةُ الْبُخَارِيِّ هَكَذَا، وَقَالَ الْحَسَنُ: يَقْرَأُ أَيِ: الْمُصَلِّي عَلَى الطِّفْلِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَسَلَفًا وَأَجْرًا اهـ. فَعَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ إِلَخْ، ثُمَّ يَقُولُ: فِي آخِرِهِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ تَعْلِيقًا، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمُخْرِجِينَ لَا مِنْ جُمْلَةِ الرُّوَاةِ الَّذِينَ الْتَزَمَ الْمُصَنِّفُ ذِكْرَهُمْ، وَأَيْضًا يُفْهَمُ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْحَسَنَ كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ وَمِنْ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ يُفْهَمُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ، وَبَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ فَرْقٌ ظَاهِرٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ لَفْظَةَ ذُخْرًا لَيْسَتْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ كَمَا تَرَى مَعَ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا أَيْضًا تَأَمَّلْ، وَلَعَلَّ فِي نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ مِنَ الْبُخَارِيِّ: وَكَانَ الْحَسَنُ يَقْرَأُ عَلَى الطِّفْلِ وَصُحِّفَ قَالَ بِكَانَ فَوَقَعَ فِيمَا وَقَعَ.
стр. 2461
١٦٩١ - وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «الطِّفْلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يَرِثُ، وَلَا يُوَرَّثُ، حَتَّى يَسْتَهِلَّ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: وَلَا يُوَرَّثُ.
ــ
١٦٩١ - (وَعَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ الطِّفْلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يَرِثُ وَلَا يُوَرَّثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ» ) فِي النِّهَايَةِ: اسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ تَصْوِيتُهُ عِنْدَ وِلَادَتِهِ، وَهَذَا مِثَالٌ، وَالْمَدَارُ عَلَى مَا يُعْلَمُ بِهِ حَيَاتُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ الْهُمَامِ مَا يَنْفَعُكَ فِي هَذَا الْمَقَامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، إِلَّا أَنَّهُ) أَيِ: ابْنَ مَاجَهْ. (لَمْ يَذْكُرْ وَلَا يُوَرَّثُ) وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: إِنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَفْظُهُ: إِذَا اسْتَهَلَّ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَوَرِثَ، لَكِنِ اعْتَرَضَ عَلَى تَصْحِيحِهِمَا لَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ.
стр. 2462
١٦٩٢ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: " «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ فَوْقَ شَيْءٍ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ، يَعْنِي أَسْفَلَ مِنْهُ» . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُجْتَبَى فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ.
ــ
١٦٩٢ - (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) وَهُوَ عُقْبَةُ بْنُ بَدْرٍ الْبَصْرِيُّ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ، وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ شَهِدَهَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُومَ) أَيْ: مِنْ أَنْ يَقِفَ. (الْإِمَامُ فَوْقَ شَيْءٍ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ) أَيْ: خَلْفَ ذَلِكَ الشَّيْءِ. (يَعْنِي أَسْفَلَ مِنْهُ) وَيُعْلَمُ النَّهْيُ مِنَ الْعَكْسِ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى. (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُجْتَبَى) اسْمٌ لِكِتَابٍ لَهُ. (فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ) فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى وَجْهِ مُنَاسَبَةِ ذِكْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ مَعَ أَنَّ الْأَنْسَبَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ. قَالَ ابْنُ هَمَّامٍ: وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ وَالْمَيِّتُ عَلَى دَابَّةٍ، أَوْ أَيْدِي النَّاسِ، لِأَنَّهُ كَالْإِمَامِ، وَاخْتِلَافُ الْمَكَانِ مَانِعٌ مِنَ الِاقْتِدَاءِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَشَرْطُ صِحَّتِهَا إِسْلَامُ الْمَيِّتِ وَطَهَارَتُهُ، وَوَضْعُهُ أَمَامَ الْمُصَلِّي، فَلِهَذَا الْقَيْدِ لَا تَجُوزُ عَلَى غَائِبٍ وَلَا حَاضِرٍ عَلَى دَابَّةٍ وَغَيْرِهَا، وَلَا مَوْضُوعٍ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ الْمُصَلِّي، وَهُوَ كَالْإِمَامِ مِنْ وَجْهٍ.
стр. 2463
[بَابُ دَفْنِ الْمَيِّتِ]
стр. 2464
(بَابُ دَفْنِ الْمَيِّتِ)
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
١٦٩٣ - «عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ: أَلْحِدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَى اللَّبِنِ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
بَابٌ فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٦٩٣ - (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ) أَيْ: مَاتَ. (أَلْحِدُوا) بِكَسْرِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَبِقَطْعِهَا وَكَسْرِ الْحَاءِ. (لِي) أَيْ: لِأَجْلِي. (لَحْدًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مِنْ بَابِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ عَلَى تَجْرِيدٍ فِي الْفِعْلِ، أَيِ: اجْعَلُوا لِي لَحْدًا. فِي النِّهَايَةِ: اللَّحْدُ الشَّقُّ الَّذِي يُعْمَلُ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ، لِوَضْعِ الْمَيِّتِ، لِأَنَّهُ قَدْ أُمِيلَ عَنْ وَسَطِ الْقَبْرِ إِلَى جَانِبِهِ، يُقَالُ: لَحَدْتُ وَأَلْحَدْتُ، وَأَصْلُ الْإِلْحَادِ الْمَيْلُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْحَدُوا هُوَ بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْحَاءِ، وَيَجُوزُ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ اللَّحْدِ، وَنَصْبُ اللَّبِنِ فَإِنَّهُ فُعِلَ ذَلِكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ نَقَلُوا أَنَّ عَدَدَ لَبِنَاتِهِ تِسْعٌ اهـ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَوْعٌ مِنَ الْإِعْجَازِ لَهُ، أَوْ صِنْفٌ مِنَ الْكَرَامَةِ لِلصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ أَمَرَهُمْ بِاللَّحْدِ لَهُ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّ أَيَّ الْحَفَّارِينَ مِنْ صَاحِبِ اللَّحْدِ وَالشَّقِّ، فَالْعَمَلُ لَهُ، وَاخْتَارَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ اللَّحْدَ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ قَالَ ﷺ : " اللَّحْدُ لَنَا، ثُمَّ قَوْلُهُ: لَحْدًا بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْأَوَّلَ مُتَعَيِّنٌ فِي الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ، وَأَمَّا الْمَعْنَى الِاسْمِيُّ فَمُشْتَرَكٌ فِيهِمَا، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ، حَيْثُ قَالَ: اللَّحْدُ وَيُضَمُّ: الشَّقُّ يَكُونُ فِي عُرْضِ الْقَبْرِ، وَلَحَدَ الْقَبْرَ كَمَنَعَ، وَأَلْحَدَهُ عَمِلَ لَهُ لَحْدًا، وَالْمَيِّتَ دَفَنَهُ. (وَانْصِبُوا) بِكَسْرِ الصَّادِ أَيْ: أَقِيمُوا. (عَلَيَّ أَيْ: فَوْقِي. (اللَّبِنَ بِكَسْرِ الْبَاءِ، فِي الْقَامُوسِ: اللَّبِنُ كَكَتِفٍ الْمَضْرُوبُ مِنَ الطِّينِ مُرَبَّعًا لِلْبِنَاءِ، وَيُقَالُ فِيهِ بِالْكَسْرِ وَبِكَسْرَتَيْنِ. (نَصْبًا) أَيْ: نَصْبًا مَرْصُوصًا عَلَى) وَجْهِ الْعَادَةِ. (كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ) أَيْ: بِقَبْرِهِ. ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ ﷺ أُلْحِدَ، وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُ أُلْحِدَ وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ) نَصْبًا، وَرُفِعَ قَبْرُهُ مِنَ الْأَرْضِ نَحْوَ شِبْرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا اللَّحْدُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ ضَرُورَةً مِنْ رَخْوِ الْأَرْضِ فَيُخَافُ أَنْ يَنْهَارَ اللَّحْدُ فَيُصَارُ إِلَى الشَّقِّ، بَلْ ذُكِرَ لِي أَنَّ بَعْضَ الْأَرَضِينَ مِنَ الرِّمَالِ يَسْكُنُهَا بَعْضُ الْأَعْرَابِ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا الشَّقُّ أَيْضًا، بَلْ يُوضَعُ الْمَيِّتُ وَيُهَالُ عَلَيْهِ نَفْسُهُ.
стр. 2465
١٦٩٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٦٩٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ» ) فِي النِّهَايَةِ: الْقَطِيفَةُ هِيَ كِسَاءٌ لَهُ خَمْلٌ وَهُوَ الْمُهَدَّبُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: «تَعِسَ عَبْدُ الْقَطِيفَةِ» ، أَيِ: الَّذِي يَعْمَلُ لَهَا، وَيَهْتَمُّ بِتَحْصِيلِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذِهِ الْقَطِيفَةُ أَلْقَاهَا شُقْرَانُ مَوْلًى مِنْ مَوَالِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: كَرِهْتُ أَنْ يَلْبَسَهَا أَحَدٌ بَعْدَهُ ﷺ ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ وَضْعِ الْقَطِيفَةِ وَالْمِخَدَّةِ وَنَحْوِهِمَا تَحْتَ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ خَوَاصِّهِ ﷺ فَلَا يَحْسُنُ فِي غَيْرِهِ اهـ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ نَقْلًا عَنْ وَكِيعٍ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ كَمَا فَارَقَ أَهْلَ الدُّنْيَا فِي بَعْضِ أَحْكَامِ حَيَاتِهِ فَارَقَهُمْ فِي بَعْضِ أَحْكَامِ مَمَاتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ، وَحَقَّ لِجَسَدٍ عَصَمَهُ اللَّهُ عَنِ الْبِلَى وَالِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُفْرَشَ لَهُ فِي قَبْرِهِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يُفْرَشُ لِلْحَيِّ لَهُ لَمْ يَزَلْ عَنْهُ ﷺ بِحُكْمِ الْمَوْتِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي غَيْرِهِ عَلَى هَذَا النَّمَطِ اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَنَازَعَ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ فَقَصْدُ شُقْرَانَ بِوَضْعِهَا دَفَعَ ذَلِكَ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، وَقَالَ الشَّيْخُ الْعِرَاقِيُّ فِي أَلْفِيَّتِهِ فِي السِّيرَةِ: وَفُرِشَتْ فِي قَبْرِهِ قَطِيفَةٌ وَقِيلَ أُخْرِجَتْ، وَهَذَا أَثْبَتُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ: إِنَّهَا أُخْرِجَتْ قَبْلَ إِهَالَةِ التُّرَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2466
١٦٩٥ - وَعَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ: أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٦٩٥ - (وَعَنْ سُفْيَانَ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ، كُوفِيٌّ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ. (التَّمَّارُ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الَّذِي يَبِيعُ التَّمْرَ. (أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا) بِتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَنْ يُجْعَلَ كَهَيْئَةِ السَّنَامِ، وَهُوَ خِلَافُ تَسْطِيحِهِ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الْمُسَنَّمُ الْمُحَدَّبُ كَهَيْئَةِ السَّنَامِ، خِلَافَ الْمُسَطَّحِ، وَهُوَ الْمُرَبَّعُ، قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: احْتَجَّ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ التَّسْنِيمَ فِي شَكْلِ الْقُبُورِ أَفْضَلُ مِنَ التَّسْطِيحِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّسْطِيحُ أَفْضَلُ ; لِأَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ قَالَ: رَأَيْتُ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مَبْطُوحَةً بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ، أَيْ: مَبْسُوطَةً بِالرِّمَالِ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مُسَطَّحًا، وَرُوِيَ: «أَنَّهُ ﷺ سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِهِ، وَرَشَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ» . قَالَ السَّيِّدُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُيِّرَ عَمَّا كَانَ فِي الْقَدِيمِ، وَجُعِلَ مُسَنَّمًا ; لِأَنَّ جِدَارَهُ سَقَطَ فِي زَمَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: وَقِيلَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَلَا يُظَنُّ بِهِمْ هَذَا الظَّنُّ، وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِابْنِ الْهُمَامِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: حَدَّثَنَا شَيْخٌ لَنَا يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَرْبِيعِ الْقُبُورِ، وَتَجْصِيصِهَا، وَرَوَى ابْنُ الْحَسَنِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَبْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ نَاشِزَةً مِنَ الْأَرْضِ، وَعَلَيْهَا فَلَقٌ مِنْ مُدَرٍ أَبْيَضَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، وَلَفْظُهُ عَنْ سُفْيَانَ: دَخَلْتُ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَبْرُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُسَنَّمَةً، وَمَا عُورِضَ بِهِ مِمَّا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّتُ اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ، لَا مُشْرِفَةٍ، وَلَا لَاطِئَةٍ، مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ، لَيْسَ مُعَارِضًا لِهَذَا، حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى الْجَمْعُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَأَيْضًا ظَهَرَ أَنَّ الْقَاسِمَ أَرَادَ أَنَّهَا مُسَنَّمَةٌ بِرَاوِيَةِ أَبِي حَفْصِ بْنِ شَاهِينَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ ثَلَاثَةً كُلَّهُمْ لَهُ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبٌ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ: مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، وَسَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَسَأَلْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبِرُونِي عَنْ قُبُورِ آبَائِكُمْ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَكُلُّهُمْ قَالُوا: إِنَّهَا مُسَنَّمَةٌ اهـ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَذْهَبَنَا أَنَّ التَّسْطِيحَ صَارَ شِعَارَ الرَّوَافِضِ، وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوا مِنْ أَمْرِ عَلِيٍّ تَسْوِيَةَ الْمُشْرِفِ فِي الْخَبَرِ الْآتِي، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لَا عَلَى التَّسْطِيحِ كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا عَلَى التَّسْنِيمِ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ، بَلْ فِيهِ مُبَالَغَةٌ لِلزَّجْرِ عَلَى الْبِنَاءِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ تَسْوِيَتُهُ بِالْأَرْضِ حَقِيقَةً، إِذِ السُّنَّةُ أَنْ يُعْلَمَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُرْفَعَ شِبْرًا كَقَبْرِهِ ﷺ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
стр. 2467
١٦٩٦ - وَعَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: «قَالَ لِي عَلِيٌّ أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٦٩٦ - (وَعَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ. (الْأَسَدِيِّ) بِفَتْحِ السِّينِ وَيُسَكَّنُ. (قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: أَلَا أَبْعَثُكَ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ لِلتَّخْضِيضِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا لِلتَّنْبِيهِ. (عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ) أَيْ: أَرْسَلَنِي إِلَى تَغْيِيرِهِ، وَلِذَا عُدِّيَ بِعَلَى. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ: أَلَا أُرْسِلُكَ لِلْأَمْرِ الَّذِي أَرْسَلَنِي لَهُ. (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا ذَكَرَ تَعْدِيَتَهُ بِحَرْفِ عَلَى لِمَا فِي الْبَعْثِ مِنْ مَعْنَى الِاسْتِعْلَاءِ وَالتَّأْمِيرِ، أَيْ: هَلَّا أَجْعَلُكَ أَمِيرًا عَلَى ذَلِكَ كَمَا أَمَّرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَنْ لَا تَدَعَ) أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ، وَلَا نَافِيَةٌ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ أَنْ لَا تَدَعَ وَقِيلَ أَنْ تَفْسِيرِيَّةٌ وَلَا نَاهِيَةٌ أَيْ: لَا تَتْرُكْ. (تِمْثَالًا) أَيْ: صُورَةً. (إِلَّا طَمَسْتَهُ) أَيْ: مَحَوْتَهُ وَأَبْطَلْتَهُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ، فِي الْأَزْهَارِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: التَّصْوِيرُ حَرَامٌ، وَالْمَحْوُ وَاجِبٌ، حَيْثُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ فِي مُشَاهَدَتِهِ. (وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا) هُوَ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ حَتَّى ارْتَفَعَ دُونَ الَّذِي أُعْلِمَ عَلَيْهِ بِالرَّمْلِ وَالْحَصْبَاءِ، أَوْ مَحْسُومَةٌ بِالْحِجَارَةِ لِيُعْرَفَ وَلَا يُوطَأَ. (إِلَّا سَوَّيْتَهُ) فِي الْأَزْهَارِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُرْفَعَ الْقَبْرُ قَدْرَ شِبْرٍ، وَيُكْرَهُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ الْهَدْمُ، فَفِي قَدْرِهِ خِلَافٌ، قِيلَ إِلَى الْأَرْضِ تَغْلِيظًا، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى اللَّفْظِ، أَيْ: لَفْظِ الْحَدِيثِ مِنَ التَّسْوِيَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ تَعْلِيَةِ الْقُبُورِ بِالْبِنَاءِ الْعَالِي، وَلَيْسَ مُرَادُنَا ذَلِكَ بِتَسْنِيمِ الْقَبْرِ بَلْ بِقَدْرِ مَا يَبْدُو مِنَ الْأَرْضِ، وَيَتَمَيَّزُ عَنْهَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 2468
١٦٩٧ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٦٩٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» ) قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: النَّهْيُ عَنْ تَجْصِيصِ الْقُبُورِ لِلْكَرَاهَةِ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْبِنَاءَ بِذَلِكَ وَتَجْصِيصَ وَجْهِهِ، وَالنَّهْيُ فِي الْبِنَاءِ لِلْكَرَاهَةِ إِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ، وَلِلْحُرْمَةِ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسْبَلَةِ، وَيَجِبُ الْهَدْمُ وَإِنْ كَانَ مَسْجِدًا، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ بِالْحِجَارَةِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا، وَالْآخَرُ: أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهَا خِبَاءٌ وَنَحْوُهُ، وَكِلَاهُمَا مَنْهِيٌّ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ، قُلْتُ: فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْخَيْمَةُ لِفَائِدَةٍ مِثْلَ أَنْ يَقْعُدَ الْقُرَّاءُ تَحْتَهَا فَلَا تَكُونُ مَنْهِيَّةً. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَاخْتُلِفَ فِي إِجْلَاسِ الْقَارِئِينَ لِيَقْرَءُوا عِنْدَ الْقَبْرِ، وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ اهـ. ثُمَّ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَلِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَيْ: كَانُوا يُظَلِّلُونَ عَلَى الْمَيِّتِ إِلَى سَنَةٍ. قَالَ: وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: انْزَعْهُ يَا غُلَامُ، وَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: وَلِإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَقَدْ أَبَاحَ السَّلَفُ الْبِنَاءَ عَلَى قَبْرِ الْمَشَايِخِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمَشْهُورِينَ لِيَزُورَهُمُ النَّاسُ، وَيَسْتَرِيحُوا بِالْجُلُوسِ فِيهِ اهـ.
(وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ كَالْفِعْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ، قِيلَ لِلتَّغَوُّطِ، وَالْحَدِيثِ قِيلَ لِلْإِحْدَادِ وَهُوَ أَنْ يُلَازِمَ الْقَبْرَ وَلَا يَرْجِعَ عَنْهُ، وَقِيلَ مُطْلَقًا، لِأَنَّ فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِحَقِّ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَحُرْمَتِهِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ مِنَ الْقُعُودِ هُوَ الْجُلُوسُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ بِحَقِّ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ لِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ «عَنْ عُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ قَالَ: رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: يَا صَاحِبَ الْقَبْرِ انْزِلْ مِنْ عَلَى الْقَبْرِ، لَا تُؤْذِي صَاحِبَ الْقَبْرِ، وَلَا يُؤْذِيكَ» ، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْوَطْءِ عَلَى الْقَبْرِ قَالَ: كَمَا أَكْرَهُ أَذَى الْمُؤْمِنِ فِي حَيَاتِهِ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَذَاهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2469
١٦٩٨ - وَعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٦٩٨ - (وَعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ. (الْغَنَوِيِّ) بِفَتْحَتَيْنِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ» ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَكَرِهَ الْجُلُوسَ عَلَى الْقَبْرِ وَوَطْأَهُ وَحِينَئِذٍ فَمَا يَصْنَعُهُ النَّاسُ مِمَّنْ دُفِنَتْ أَقَارِبُهُ ثُمَّ دُفِنَتْ حَوَالَيْهِ مِنْ وَطْءِ تِلْكَ الْقُبُورِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى قَبْرِ قَرِيبِهِ مَكْرُوهٌ، وَيُكْرَهَ النَّوْمُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ، بَلْ أَوْلَى، وَيُكْرَهُ كُلُّ مَا لَمْ يُعْهَدْ مِنَ السُّنَّةِ، وَالْمَعْهُودُ مِنْهَا لَيْسَ إِلَّا زِيَارَتَهَا وَالدُّعَاءَ عِنْدَهَا قَائِمًا، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْبَقِيعِ، وَيَقُولُ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، أَسَأَلُ اللَّهَ لِي وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» . (وَلَا تُصَلُّوا) أَيْ: مُسْتَقْبِلِينَ. (إِلَيْهَا) لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ الْبَالِغِ، لِأَنَّهُ مِنْ مَرْتَبَةِ الْمَعْبُودِ فَجَمَعَ بَيْنَ الِاسْتِحْقَاقِ الْعَظِيمِ وَالتَّعْظِيمِ الْبَلِيغِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَوْ كَانَ هَذَا التَّعْظِيمُ حَقِيقَةً لِلْقَبْرِ أَوْ لِصَاحِبِهِ لَكَفَرَ الْمُعَظِّمُ، فَالتَّشَبُّهُ بِهِ مَكْرُوهٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، وَفِي مَعْنَاهُ، بَلْ أَوْلَى مِنْهُ الْجَنَازَةُ الْمَوْضُوعَةُ، وَهُوَ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ حَيْثُ يَضَعُونَ الْجَنَازَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُونَ إِلَيْهَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: مُسْتَقْبِلِينَ إِلَيْهَا وَعِنْدَهَا فَغَيْرُ ظَاهِرٍ مِنَ الْحَدِيثِ، بَلْ مُنَافٍ لِمَفْهُومِ. (إِلَيْهَا) فَتَأَمَّلْ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
стр. 2470
١٦٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٦٩٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ» ) أَيْ: مِنَ النَّارِ. (فَتُحْرِقَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ. (ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ) بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ: تَصِلُ. (إِلَى جِلْدِهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: جُعِلَ الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ، وَسَرَايَةُ مَضَرَّتِهِ إِلَى قَلْبِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِمَنْزِلَةِ سَرَايَةِ النَّارِ مِنَ الثَّوْبِ إِلَى الْجِلْدِ. (خَيْرٌ لَهُ) أَيْ: أَحْسَنُ لَهُ وَأَهْوَنُ. (مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرِ) الظَّاهِرِ عُمُومُهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: لِمُسْلِمٍ، وَلَوْ جَوَّزَ أَنْ يُخْتَصَّ فَمُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ مُخَصِّصٍ، مَعَ أَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِمَا سَيَأْتِي مِنْ كَلَامِهِ، فَإِنَّ الْمَيِّتَ تُدْرِكُ رُوحُهُ مَا يُفْعَلُ بِهِ فَيُحِسُّ، وَيَتَأَذَّى كَمَا يَتَأَذَّى الْحَيُّ اهـ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجُزْءَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الرُّوحُ لَا يَبْلَى، لَا سِيَّمَا عَجَبُ الذَّنَبِ، كَمَا صَحَّ فِي الْأَحَادِيثِ فِي الْأَزْهَارِ، نَقْلًا
стр. 2471
عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا فِيهِ التَّغْلِيظُ عَلَى الْجُلُوسِ لِلْحَدَثِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، وَمَا لَا تَغْلِيظَ فِيهِ عَلَى الْجُلُوسِ الْمُطْلَقِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، وَالِاتِّكَاءُ وَالِاسْتِنَادُ كَالْجُلُوسِ الْمُطْلَقِ نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَظَاهِرُهُ حُرْمَةُ الْقُعُودِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ الِاتِّكَاءُ وَالِاسْتِنَادُ وَدَوْسُهُ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَصْحَابِ، لَكِنْ مَا عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ كَرَاهَةُ ذَلِكَ تَنْزِيهًا، وَغَلَطٌ مَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَإِنِ انْتَصَرَ لَهُ بَعْضُهُمْ، بِأَنَّهُ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ لِلْخَبَرِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَاوِيَ الْحَدِيثِ، وَتَفْسِيرُ رَاوِيهِ مُقَدَّمٌ عَلَى تَفْسِيرِ غَيْرِهِ، وَقَدْ فَسَّرَ فِي الْحَدِيثِ الْقُعُودَ لِلْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، عَلَى أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَاهُ فِي مُسْنَدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِلَفْظِ: مَنْ جَلَسَ عَلَى قَبْرٍ يَبُولُ عَلَيْهِ أَوْ يَتَغَوَّطُ، وَهَذَا حَرَامٌ إِجْمَاعًا، فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، قَالَ: وَلَا يُكْرَهُ دَوْسُهُ لِحَاجَةٍ كَحَفْرٍ، أَوْ قِرَاءَةٍ عَلَيْهِ، أَوْ زِيَارَةٍ، وَلَوْ لِأَجْنَبِيٍّ لِلِاتِّبَاعِ، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلِأَنَّهُ مَعَ الْحَاجَةِ لَيْسَ فِيهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ، بِخِلَافِهِ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ الْبِلَى، أَمَّا بَعْدَهُ فَلَا حُرْمَةَ، وَلَا كَرَاهَةَ مُطْلَقًا لِعَدَمِ احْتِرَامِهِ أَيْضًا اهـ. وَفِي اعْتِبَارِ الْحَاجَةِ لِغَيْرِ الْحَفْرِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، وَكَذَا فِي تَقْيِيدِهِ بِمَا قَبْلَ الْبِلَى لِمُعَارَضَتِهِ ظَاهِرَ النُّصُوصِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 2472
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
١٧٠٠ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ، وَالْآخَرُ لَا يَلْحَدُ، فَقَالُوا: أَيُّهُمَا جَاءَ أَوَّلًا عَمِلَ عَمَلَهُ، فَجَاءَ الَّذِي يَلْحَدُ، فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٧٠٠ - (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانِ) أَيْ: حَفَّارَانِ لِلْقُبُورِ. (أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْحَاءِ أَيْ: يَحْفُرُ اللَّحْدَ، وَهُوَ أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ. (وَالْآخَرُ لَا يَلْحَدُ) بَلْ يَفْعَلُ الشَّقَّ، وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ، وَكَانَ يَفْعَلُ الضَّرِيحَ، وَهُوَ شَقٌّ فِي وَسَطِ الْقَبْرِ. (فَقَالُوا) أَيِ: اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ . (أَيُّهُمَا جَاءَ أَوَّلًا) بِالتَّنْوِينِ مَنْصُوبَةً، وَفِي نُسْخَةٍ: أَوَّلُ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ، قِيلَ الرِّوَايَةُ فِي أَوَّلُ بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ كَقَبْلُ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ وَالنَّصْبُ. (عَمِلَ عَمَلَهُ) أَيْ: مِنَ اللَّحْدِ أَوِ الشَّقِّ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ . (فَجَاءَ الَّذِي يَلْحَدُ) أَيْ: قَبْلَ الْآخَرِ كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ اخْتِيَارِهِ لِمُخْتَارِهِ ﷺ . (فَلَحَدَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: لِقَبْرِهِ، أَوْ لَحَدَ قَبْرَهُ لِأَجْلِهِ. (رَوَاهُ) أَيْ: صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) قَالَ السَّيِّدُ: ظَاهِرُهُ الْإِرْسَالُ ; لِأَنَّ عُرْوَةَ تَابِعِيٌّ يَرْوِي عَنْ عَائِشَةَ خَالَتِهِ، وَغَيْرِهَا، وَقَدْ قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُسْنَدًا إِلَى عَائِشَةَ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ فِي ابْنِ مَاجَهْ، وَإِلَّا لَمْ يَقُلْ رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ تَأَمَّلْ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ غَيْرَ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فَلِهَذَا لَمْ يُنْسَبْ إِلَيْهِ.
стр. 2473
١٧٠١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٧٠١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» ) قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ تَبَعًا لِلتُّورِبَشِتِيِّ: أَيِ: اللَّحْدُ آثَرُ وَأَوْلَى لَنَا، وَالشَّقُّ آثَرُ وَأَوْلَى لِغَيْرِنَا، أَيْ: هُوَ اخْتِيَارُ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَفِي ذَلِكَ بَيَانُ فَضِيلَةِ اللَّحْدِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنِ الشَّقِّ، لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِ فِي الدِّينِ وَالْأَمَانَةِ كَانَ يَصْنَعُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنْهِيًّا لَمَا قَالَتِ الصَّحَابَةُ أَيُّهُمَا جَاءَ أَوَّلًا عَمِلَ عَمَلَهُ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يُضْطَرُّ إِلَيْهِ لِرَخَاوَةِ الْأَرْضِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنَّهُ ﷺ عَنَى بِضَمِيرِ الْجَمْعِ نَفْسَهُ، أَيْ: أُوثِرُ لِيَ اللَّحْدَ، وَهُوَ إِخْبَارٌ عَنِ الْكَائِنِ، فَيَكُونُ مُعْجِزَةً اهـ. قَالَ السَّيِّدُ: هَذَا التَّوْجِيهُ بَعِيدٌ جِدًّا لِقَوْلِهِ ﷺ : الشَّقُّ لِغَيْرِنَا، تَأَمَّلْ وَجْهَ التَّأَمُّلِ أَنْ يُقَالَ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَالشَّقُّ اخْتِيرَ لِغَيْرِنَا، مِمَّنْ كَانَ قَبْلَنَا، وَالْأَظْهَرُ أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ لِلْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْغَيْرِ، وَالْمَعْنَى: اللَّحْدُ اخْتِيرَ لِي وَلِمَنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْدِي وَقَبْلِي، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ قَبْلَنَا أَوْ مَنْ بَعْدَنَا، أَوِ اللَّحْدُ لَنَا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ، وَالشَّقُّ جَائِزٌ لِغَيْرِنَا، وَهُوَ أَوْجَهُ مِنَ التَّوْجِيهِ السَّابِقِ، لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ كَرَاهَةَ الشَّقِّ، حَيْثُ قَالُوا: الشَّقُّ اخْتِيَارُ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) قَالَ السَّيِّدُ: وَقَالَ غَرِيبٌ. (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) أَيْ: كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
стр. 2474
١٧٠٢ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
ــ
١٧٠٢ - (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ: الْبَجَلِيِّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ضَعِيفٌ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ ابْنَ السَّكَنِ رَوَاهُ فِي صَحَاحِهِ.
стр. 2475
١٧٠٣ - وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: احْفُرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَحْسِنُوا.
ــ
١٧٠٣ - (وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ) أَيِ: ابْنِ أُمَيَّةَ ابْنِ الْخَشْخَاشِ النَّجَّارِيِّ الْأَنْصَارِيِّ، كَانَ يُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ شِهَابًا، فَغَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَهُ فَسَمَّاهُ هِشَامًا، وَاسْتُشْهِدَ أَبُوهُ عَامِرٌ يَوْمَ أُحُدٍ) ، وَسَكَنَ هِشَامٌ الْبَصْرَةَ وَمَاتَ فِيهَا، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ أَيْ: وَقْتَ انْتِهَاءِ غَزْوَتِهِ عِنْدَ إِرَادَةِ دَفْنِ الشُّهَدَاءِ. (احْفُرُوا) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ، وَأَخَذَ مِنْهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَمَنَعُوا الدَّفْنَ فِي الْفَسَاقِيِّ، وَبَيَّنُوا أَنَّ فِيهِ مَفَاسِدَ فَلْيُجْتَنَبْ مَا أَمْكَنَ. (وَأَوْسِعُوا) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ. (وَأَعْمِقُوا) كَذَلِكَ، وَفِي الْقَامُوسِ: أَعْمَقَ الْبِئْرَ جَعَلَهَا عَمِيقَةً. قَالَ الْمُظْهِرُ أَيِ: اجْعَلُوا عُمْقَهُ قَدْرَ قَامَةِ رَجُلٍ إِذَا مَدَّ يَدَهُ، إِلَى رُءُوسِ أَصَابِعِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاعْمِقُوا بِالْمُهْمَلَةِ، وَقِيلَ بِالْمُعْجَمَةِ مِنَ التَّغْمِيقِ، قُلْتُ: مَا قِيلَ لَا يَصِحُّ هُنَا لِمُخَالَفَتِهِ لِلرِّوَايَةِ، وَالدِّرَايَةِ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِمَا ضُبِطَ فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، وَلِوُجُودِ الْهَمْزَةِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْقَامُوسِ ذَكَرَ أَنَّ الْغَمَقَ مُحَرِّكَةً رُكُوبُ النَّدَى الْأَرْضَ، غَمَقَتِ الْأَرْضُ مُثَلَّثَةً فَهِيَ غَمِقَةٌ، كَفَرِحَةٍ ذَاتُ نَدًى، أَوْ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمِيَاهِ، وَفِي النِّهَايَةِ: أَرْضٌ غَمِقَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمِيَاهِ وَالْبُرُوزِ. (وَأَحْسِنُوا) أَيْ: أَحْسِنُوا إِلَى الْمَيِّتِ فِي الدَّفْنِ قَالَهُ فِي الْأَزْهَارِ، وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ تَبَعًا لِلْمُظْهِرِ: أَيِ: اجْعَلُوا الْقَبْرَ حَسَنًا بِتَسْوِيَةِ قَعْرِهِ ارْتِفَاعًا وَانْخِفَاضًا، وَتَنْقِيَتِهِ مِنَ التُّرَابِ وَالْقَذَاةِ، وَغَيْرِهِمَا.
(وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ لَا بِالنَّقْلِ كَمَا يُتَوَهَّمُ، وَقَوْلُهُمْ: كُلُّ سِرٍّ جَاوَزَ الِاثْنَيْنِ شَاعَ مَنْسُوبٌ إِلَى اللَّحْنِ. (وَالثَّلَاثَةَ) بِالنَّصْبِ أَيْ: مِنَ الْأَمْوَاتِ. (فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ) قَالَ السَّيِّدُ: الْأَمْرُ فِيهِ لِلْإِبَاحَةِ ضَرُورَةً، وَلَا يَجُوزُ بِدُونِهَا اهـ. وَالْأَمْرُ فِي الْأَوَّلِ لِلْوُجُوبِ وَفِي الْبَاقِي لِلنَّدْبِ. (وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا) أَيْ: إِلَى جِدَارِ اللَّحْدِ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فِي الْأَزْهَارِ: الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ، وَفِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى تَعْظِيمِ الْمُعَظَّمِ عِلْمًا وَعَمَلًا، قُلْتُ: حَيًّا وَمَيِّتًا، فَيَكُونُ دَائِمًا إِمَامًا وَأَمَامًا،. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ كَمَا تَكُونُ عَلَى مَيِّتٍ وَاحِدٍ تَكُونُ عَلَى أَكْثَرَ، فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْجَنَائِزُ إِنْ شَاءَ اسْتَأْنَفَ لِكُلِّ مَيِّتٍ صَلَاةً، وَإِنْ شَاءَ وَضَعَ الْكُلَّ، وَصَلَّى عَلَيْهِمْ صَلَاةً وَاحِدَةً، وَهُوَ فِي كَيْفِيَّةِ وَضْعِهِمْ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ وَضَعَهُمْ بِالطُّولِ سَطْرًا وَاحِدًا وَيَقِفُ عِنْدَ أَفْضَلِهِمْ، وَإِنْ شَاءَ وَضَعَهُمْ وَاحِدًا وَرَاءَ وَاحِدٍ، إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَتَرْتِيبُهُمْ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِمَامِ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَلْفَهُ، حَالَ الْحَيَاةِ، فَيُقَرِّبُ مِنْهُ الْأَفْضَلَ فَالْأَفْضَلَ، وَيُبْعِدُ عَنْهُ الْمَفْضُولَ فَالْمَفْضُولَ، وَكُلُّ مَنْ بَعُدَ مِنْهُ كَانَ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَقْرَبَ. قَالَ: وَلَوِ اجْتَمَعُوا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَوَضَعَهُمْ عَلَى عَكْسِ هَذَا فَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ إِلَى الْقِبْلَةِ كَمَا فَعَلَ ﷺ فِي قَتْلَى أُحُدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَقْرَبِيَّةَ هُنَا عَلَى بَابِهَا وَأَمَّا قِيَاسُ ابْنِ حَجَرٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى حَدِيثِ الْإِمَامَةِ فَفَاسِدٌ، لِأَنَّ هُنَاكَ صَارِفَيْنِ عَنْ ظَاهِرِهِ، أَوَّلُهُمَا تَقْدِيمُ الصِّدِّيقِ فِي الْإِمَامَةِ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ : أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ، وَثَانِيهُمَا تَعْلِيلُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ الْأَفْقَهَ بِمَسَائِلِ الصَّلَاةِ أَوْلَى لِكَثْرَةِ احْتِيَاجِ الْإِمَامِ بِهَا فِي شَرَائِطِهَا، وَالْقِرَاءَةُ رُكْنٌ وَاحِدٌ مِنْ أَرْكَانِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ. (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ إِلَى آخِرِهِ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَحْسِنُوا) .
стр. 2476
١٧٠٤ - «وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ جَاءَتْ عَمَّتِي بِأَبِي لِتَدْفِنَهُ فِي مَقَابِرِنَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : رُدُّوا الْقَتْلَى إِلَى مَضَاجِعِهِمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَلَفْظُهُ لِلتِّرْمِذِيِّ.
ــ
١٧٠٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ جَاءَتْ عَمَّتِي) فِي الْأَزْهَارِ نَقْلًا عَنِ الْغَوَامِضِ عَمَّةُ جَابِرٍ هَذِهِ فَاطِمَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيِّ ذَكَرَهُ السَّيِّدُ. (بِأَبِي) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ. (لِتَدْفِنَهُ فِي مَقَابِرِنَا) أَيْ: فِي الْمَدِينَةِ. (فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : رُدُّوا الْقَتْلَى) جَمْعُ الْقَتِيلِ وَهُوَ الْمَقْتُولُ أَيِ: الشُّهَدَاءُ. (إِلَى مَضَاجِعِهِمْ) أَيْ: مَقَاتِلهِمْ، وَالْمَعْنَى: لَا تَنْقُلُوا الشُّهَدَاءَ مِنْ مَقْتَلِهِمْ بَلِ ادْفِنُوهُمْ حَيْثُ قُتِلُوا، وَكَذَا مَنْ مَاتَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُنْقَلُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، قَالَهُ فِي بَعْضِ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ فِي الْأَزْهَارِ: الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " رُدُّوا الْقَتْلَى لِلْوُجُوبِ، وَذَلِكَ أَنَّ نَقْلَ الْمَيِّتِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ يَغْلُبُ فِيهِ التَّغَيُّرُ حَرَامٌ، وَكَانَ ذَلِكَ زَجْرًا عَنِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ وَالْإِقْدَامِ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَظْهَرُ دَلِيلٍ وَأَقْوَى حُجَّةٍ فِي تَحْرِيمِ النَّقْلِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ نَقَلَهُ السَّيِّدُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَهْيَ النَّقْلِ مُخْتَصٌّ بِالشُّهَدَاءِ، لِأَنَّهُ نُقِلَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ مِنْ قَصْرِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِحُضُورِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرُوا كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ عَلَى نَقْلِهِمْ، بَعْدَ دَفْنِهِمْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَيُؤَيِّدُهُ لَفْظُ مَضَاجِعِهِمْ، وَلَعَلَّ وَجْهُ تَخَصُّصِ الشُّهَدَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وَفِيهِ حِكْمَةٌ أُخْرَى: وَهُوَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ حَيَاةً وَمَوْتًا، وَبَعْثًا وَحَشْرًا، وَيُتَبَرَّكُ النَّاسُ بِالزِّيَارَةِ إِلَى مَشَاهِدِهِمْ وَيَكُونُ وَسِيلَةً إِلَى زِيَارَةِ جَبَلِ أُحُدٍ، حَيْثُ قَالَ ﷺ : " «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» . قَالَ الْمُظْهِرُ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُنْقَلُ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: هَذَا كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ، أَيِ ابْتِدَاءِ أُحُدٍ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا، لَمَّا رُوِيَ أَنَّ جَابِرًا جَاءَ بِأَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي قُتِلَ بِأُحُدٍ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إِلَى الْبَقِيعِ وَدَفَنَهُ بِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَعَلَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إِلَى النَّقْلِ نُقِلَ، وَإِلَّا فَلَا، لِمَا رُوِّينَا عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَعْصَعَةَ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّيْنِ كَانَا قَدْ حَفَرَ السَّيْلُ قَبْرَهُمَا، وَكَانَ قَبْرُهُمَا مِمَّا يَلِي السَّيْلَ، وَكَانَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَهُمَا مِمَّنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَحُفِرَ عَنْهُمَا لِيُغَيَّرَا مِنْ مَكَانِهِمَا، فَوُجِدَا لَمْ يَتَغَيَّرَا، كَأَنَّمَا مَاتَا بِالْأَمْسِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ جُرِحَ وَيَدُهُ عَلَى جُرْحِهِ فَدُفِنَ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَأُمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ ثُمَّ أُرْسِلَتْ فَرَجَعَتْ كَمَا كَانَتْ، وَكَانَ بَيْنَ أُحُدٍ وَبَيْنَ الْحَفْرِ عَنْهُمَا سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْقَوْلُ، لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِجَابِرٍ أَنَّهُ يَنْقُلُ النَّهْيَ عَنْ أَنْ يُنْقَلَ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا يُنْبَشُ بَعْدَ إِهَالَةِ التُّرَابِ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَلَا قَصِيرَةٍ، إِلَّا لِعُذْرٍ. قَالَ فِي التَّجْنِيسِ: وَالْعُذْرُ أَنْ يَظْهَرَ أَنَّ الْأَرْضَ مَغْصُوبَةٌ، أَوْ يَأْخُذَهَا شَفِيعٌ، وَلِذَا لَمْ يُحَوَّلْ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ دُفِنُوا بِأَرْضِ الْحَرْبِ، إِذْ لَا عُذْرَ، وَمِنَ الْأَعْذَارِ أَنْ يَسْقُطَ فِي اللَّحْدِ مَالٌ ثَوْبٌ، أَوْ دِرْهَمٌ لِأَحَدٍ، وَاتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْمَشَايِخِ فِي امْرَأَةٍ دُفِنَ ابْنُهَا وَهِيَ غَائِبَةٌ فِي غَيْرِ بَلَدِهَا فَلَمْ تَصْبِرْ فَأَرَادَتْ نَقْلَهُ أَنَّهُ لَا يَسَعُهَا ذَلِكَ لِتَجْوِيزِ شَوَاذِّ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَلَمْ نَعْلَمْ خِلَافًا بَيْنَ الْمَشَايِخِ فِي أَنَّهُ لَا يُنْبَشُ، وَقَدْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ، أَوْ بِلَا صَلَاةٍ فَلَمْ يُبِيحُوهُ لِتَدَارُكِ فَرْضٍ لَحِقَهُ يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنْهُ، أَمَّا إِذَا أَرَادُوا نَقْلَهُ قَبْلَ الدَّفْنِ أَوْ تَسْوِيَةِ اللَّبِنِ فَلَا بَأْسَ بِنَقْلِهِ نَحْوَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ. قَالَ فِي التَّجْنِيسِ: لِأَنَّ الْمَسَافَةَ إِلَى الْمَقَابِرِ قَدْ تَبْلُغُ هَذَا الْمِقْدَارَ، وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَقْلَهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ مَكْرُوهٌ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْفَنَ كُلٌّ فِي مَقْبَرَةِ الْبَلْدَةِ الَّتِي مَاتَ بِهَا، وَنُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ حِينَ زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ مَاتَ بِالشَّامِ، وَحُمِلَ مِنْهَا: وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ فِيكَ إِلَيَّ مَا نَقَلْتُكَ، وَلَدَفَنْتُكَ حَيْثُ مُتَّ، ثُمَّ قَالَ فِي التَّجْنِيسِ: فِي النَّقْلِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ لَا إِثْمَ، لِمَا نُقِلَ أَنَّ يَعْقُوبَ ﷺ مَاتَ بِمِصْرَ، وَنُقِلَ عَنْهُ إِلَى الشَّامِ، وَمُوسَى ﷺ نَقَلَ تَابُوتَ يُوسُفَ ﷺ بَعْدَ مَا أَتَى عَلَيْهِ زَمَانٌ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ لِيَكُونَ مَعَ آبَائِهِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَلَمْ تَتَوَفَّرْ فِي شُرُوطِ كَوْنِهِ شَرْعًا لَنَا إِلَّا انْهُ نُقِلَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي ضَيْعَةٍ عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَحُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ إِلَيْهَا اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ
стр. 2477
نُقِلَ حِينَ مَوْتِهِ لَا بَعْدَ دَفْنِهِ فَلَا دَخْلَ لَهُ فِي الْقَضِيَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ نَقْلُ يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ عَنْ عُذْرٍ أَيْضًا، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْإِثْمِ وَالْكَرَاهَةِ، إِذِ الْكَرَاهَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى إِلَّا لِعَارِضٍ. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَذُكِرَ أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي بَلَدِهِ يُكْرَهُ نَقْلُهُ إِلَى أُخْرَى، لِأَنَّهُ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ، بِمَا فِيهِ تَأْخِيرُ دَفْنِهِ، وَكَفَى بِذَلِكَ كَرَاهَةً، قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ مِنْ نَقْلِهُ إِلَى أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ أَوْ إِلَى قُرْبِ قَبْرِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، أَوِ الْأَوْلِيَاءِ، أَوْ لِيَزُورَهُ أَقَارِبُهُ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا كَرَاهَةَ إِلَّا مَا نُصَّ عَلَيْهِ مِنْ شُهَدَاءِ أُحُدٍ، أَوْ مَنْ فِي مَعْنَاهُمْ، مِنْ مُطْلَقِ الشُّهَدَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَلَفْظُهُ) : أَيْ: لَفْظُ الْحَدِيثِ، وَالْمُرَادُ هَذَا اللَّفْظُ. (التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ، وَقَدْ صَحَّحَهُ عَنْ جَابِرٍ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُرَدُّوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَكَانُوا نُقِلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يُرَدُّ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: أَمْرُهُ بِرَدِّهِمْ كَانَ أَوَّلًا، وَأَمَّا بَعْدُ فَلَا لِمَا رُوِيَ أَنَّ جَابِرًا جَاءَ بِأَبِيهِ إِلَى الْبَقِيعِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهَرٍ اهـ. وَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّ هَذَا الْجَمْعَ مَقْبُولٌ بَلْ مُتَعَيَّنٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ.
стр. 2478
١٧٠٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «سُلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.
ــ
١٧٠٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُلٌّ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِي النِّهَايَةِ هُوَ إِخْرَاجُ الشَّيْءِ بِتَأَنٍّ وَتَدْرِيجٍ، أَيْ: جُرَّ بِلُطْفٍ. (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: فِي الْقَبْرِ. (مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ: مِنْ جِهَةِ رَأْسِهِ، وَجَانِبِهِ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَيْهِ ﷺ وَلَا وَجْهَ لِجَعْلِهِ إِلَى الْمَيِّتِ كَمَا فَعَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) أَيْ: عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى شَائِبَةٍ مِنَ الضَّعْفِ، لِقَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ: وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَصْحِيحٍ، لِأَنَّهُ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ حَسَنٌ فَكَيْفَ يَكُونُ صَحِيحًا؟ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُسَلُّ سَلًّا. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هُوَ بِأَنْ يُوضَعَ فِي السَّرِيرِ فِي مُؤَخَّرِ الْقَبْرِ، حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الْمَيِّتِ بِإِزَاءِ مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ مِنَ الْقَبْرِ، ثُمَّ يُدْخَلُ رَأْسُ الْمَيِّتِ الْقَبْرَ، وَيُسَلُّ كَذَلِكَ، أَوْ تُكَوَّرُ رِجْلَاهُ مَوْضِعَ رَأْسِهِ وَيُسَلُّ كَذَلِكَ، وَقَدْ قِيلَ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَالْمَرْوِيُّ لِلشَّافِعِيِّ الْأَوَّلُ قَالَ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، وَقَالَ: أَخْبَرَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَرَبِيعَةَ، وَأَبِي النَّضْرِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَإِسْنَادُ أَبِي دَاوُدَ صَحِيحٌ، وَهُوَ مَا أُخْرِجَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ: أَوْصَانِي الْحَارِثُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ وَهُوَ الْخَطْمِيُّ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ، وَقَالَ: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ، وَرُوِيَ خِلَافُهُ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ النَّخَعِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُدْخِلَ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَلَمْ يُسَلَّ سَلًّا، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّهُ ﷺ أُخِذَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَاسْتُقْبِلَ اسْتِقْبَالًا، وَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إِلَى مَا دُفِعَ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ الْأَوَّلُ مِنْ أَنَّ سَلَّهُ لِلضَّرُورَةِ وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: تَعَارَضَ مَا رَوَيْنَاهُ فَتَسَاقَطَ، وَلَوْ تَرَجَّحَ الْأَوَّلُ كَانَ لِلضَّرُورَةِ كَمَا قُلْنَا، وَغَايَةُ فِعْلِ غَيْرِهِ أَنَّهُ فِعْلُ صَحَابِيٍّ، ظَنَّ السُّنَّةَ ذَلِكَ، وَقَدْ وَجَدْنَا التَّشْرِيعَ الْمَنْقُولَ عَنْهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ خِلَافَهُ، وَكَذَا بَعْدَ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، مِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: أَنَّ عَلِيًّا كَبَّرَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُكَفَّفِ أَرْبَعًا، وَأَدْخَلَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ، وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ وَلِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَأَدْخَلَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ، فَالْأَوْلَى الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ.
стр. 2479
١٧٠٦ - وَعَنْهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا فَأُسْرِجَ لَهُ بِسِرَاجٍ فَأَخَذَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ إِنْ كُنْتَ لَأَوَّاهًا تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
ــ
١٧٠٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ قَبْرًا) أَيْ: قَبْرَ مَيِّتٍ لِيَدْفِنَهُ. (لَيْلًا) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَفْنَ الْمَيِّتِ لَيْلًا لَا يُكْرَهُ. (فَأُسْرِجَ) مَاضٍ مَجْهُولٌ. (لَهُ) أَيْ: لِلْمَيِّتِ، أَوْ لِلنَّبِيِّ ﷺ . (بِسِرَاجٍ) أُقِيمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، أَيْ: أُسْرِجَ عَلَى طَرَفِ الْقَبْرِ لِيُضِيءَ. (فَأَخَذَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ الْمَيِّتَ. (مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ) فِي الْأَزْهَارِ: احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يُوضَعُ فِي عُرْضِ الْقَبْرِ فِي جَانِبِ الْقِبْلَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ مُؤَخَّرُ الْجَنَازَةِ إِلَى مُؤَخَّرِ الْقَبْرِ، وَرَأْسُهُ إِلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُدْخَلُ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَكْثَرُونَ: يُسَلُّ مِنْ قِبَلِ الرَّأْسِ بِأَنْ يُوضَعَ رَأْسُ الْجَنَازَةِ عَلَى مُؤَخَّرِ الْقَبْرِ، ثُمَّ يُدْخَلَ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ لِلْإِجْمَاعِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، قُلْتُ: لَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْإِجْمَاعِ اتِّفَاقَ حَفَّارِي بَلَدِهِ أَوْ أَهْلِ مَذْهَبِهِ. (وَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ. (رَحِمَكَ اللَّهُ) دُعَاءٌ أَوْ إِخْبَارٌ. (إِنْ كُنْتَ) إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَلِذَلِكَ دَخَلَتْ عَلَى فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الْمُبْتَدَأِ، وَلَزِمَهَا اللَّامُ الْفَارِقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّافِيَةِ، أَيْ: إِنَّكَ كُنْتَ. (لَأَوَّاهًا) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ: كَثِيرَ التَّأَوُّهِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، أَوْ كَثِيرَ التَّضَرُّعِ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ، أَوْ كَثِيرَ الْبُكَاءِ مِنْ خَوْفٍ، أَوْ كَثِيرَ الدُّعَاءِ لِطَلَبِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فِي النِّهَايَةِ الْأَوَّاهُ الْمُتَأَوِّهُ الْمُتَضَرِّعُ، وَقِيلَ هُوَ كَثِيرُ الْبُكَاءِ، أَوِ الْكَثِيرُ الدُّعَاءِ. (تَلَّاءً) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: كَثِيرَ التِّلَاوَةِ أَوْ كَثِيرَ الْمُتَابَعَةِ. (لِلْقُرْآنِ) وَالْمَعْنَى يَسْتَحِقُّ بِهِمَا الرَّحْمَةَ الْكَامِلَةَ، وَالْمَغْفِرَةَ الشَّامِلَةَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى كَوْنِ الْمِنْهَالِ بْنِ خَلِيفَةَ فِي إِسْنَادِهِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ اهـ. مَعَ أَنَّ فِيهِ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَأَةَ، وَمِنْهَالَ بْنَ خَلِيفَةَ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِمَا، وَذَلِكَ يَحُطُّ الْحَدِيثَ عَنْ دَرَجَةِ الصَّحِيحِ، لَا الْحَسَنِ اهـ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ: إِنَّ الرَّجُلَ الْمَقْبُورَ كَانَ عَبْدَ اللَّهِ ذَا الْبِجَادَيْنِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ، وَفِي الْقَامُوسِ الْبِجَادُ، كَكِتَابٍ: كِسَاءٌ مُخَطَّطٌ، وَفِيهِ عَبْدُ اللَّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ دَلِيلُ النَّبِيِّ ﷺ اهـ. وَقَدْ ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ حَدِيثَ ذِي الْبِجَادَيْنِ بِطُرُقٍ، ثُمَّ قَالَ: فَهَذِهِ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ تَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحَدِيثِ، وَبِهِ يَتَبَيَّنُ ضَعْفُ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ: وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى تَحْسِينِ التِّرْمِذِيِّ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ مَا اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ: مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِدْخَالُهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ ; لِأَنَّ شَقَّ قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ كَانَ لَاصِقًا بِالْجِدَارِ الْقِبْلِيِّ، وَلَحْدَهُ تَحْتَ الْجِدَارِ، فَلَا مَوْضِعَ هُنَاكَ يُوضَعُ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ تَعَلُّقُ أَبِي حَنِيفَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قُلْتُ: مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالدَّلِيلِ إِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سَلَّهُ ﷺ بِمَا كَانَ لِلضَّرُورَةِ، فَتَأَمَّلْ، وَأَنْصِفْ، وَلَا تَتَّبِعِ الْمُتَعَسِّفَ قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَغَالِبُ طُرُقِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: وَاللَّهِ فَكَأَنِّي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قَبْرِ عَبْدِ اللَّهِ ذِي الْبِجَادَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، يَقُولُ: أَدْنِيَا مِنِّي أَخَاكُمَا، وَأَخَذَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ، حَتَّى أَسْنَدَهُ فِي لَحْدِهِ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ ﷺ وَوَلَّاهُمَا الْعَمَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ دَفْنِهِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ رَافِعًا يَدَيْهِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَمْسَيْتُ عَنْهُ رَاضِيًا فَارْضَ عَنْهُ» ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلًا، فَوَاللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَلَوْ وَدِدْتُ أَنِّي مَكَانَهُ.
стр. 2480
١٧٠٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَدْخَلَ الْمَيِّتَ الْقَبْرَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الثَّانِيَةَ.
ــ
١٧٠٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أُدْخِلَ) رُوِيَ مَجْهُولًا وَمَعْلُومًا. (الْمَيِّتُ) بِالرَّفْعِ أَوِ النَّصْبِ. (الْقَبْرَ) مَفْعُولٌ ثَانٍ. (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ عَمَلًا أَوْ تَعْلِيمًا. (بِسْمِ اللَّهِ) أَيْ: وَضَعْتُهُ أَوْ وُضِعَ أَوْ أُدْخِلُهُ. (وَبِاللَّهِ) أَيْ: بِأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ، أَوْ بِعَوْنِهِ وَقُدْرَتِهِ. (وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ: عَلَى طَرِيقَتِهِ الْجَامِعَةِ الشَّامِلَةِ، وَدِينِهِ وَشَرِيعَتِهِ الْكَامِلَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: أَدْخُلُ رُوِيَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَى نَاسٌ نَارًا فِي الْمَقْبَرَةِ فَأَتَوْهَا، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْقَبْرِ وَهُوَ يَقُولُ: نَاوِلُونِي صَاحِبَكُمْ، فَإِذَا هُوَ بِالرَّجُلِ الَّذِي يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ. قَالَ مِيرَكُ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْمَعْلُومِ يَحْتَمِلُ الدَّوَامَ أَيْضًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْمَجْهُولِ يَحْتَمِلُ عَدَمَهُ أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى. أَقُولُ: وَفِيهِ أَنَّ إِدْخَالَهُ ﷺ الْمَيِّتَ بِنَفْسِهِ الْأَشْرَفِ لَمْ يَكُنْ دَائِمًا بَلْ كَانَ نَادِرًا، لَكِنَّ قَوْلَهُ: بِسْمِ اللَّهِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ دَائِمًا مَعَ إِدْخَالِهِ وَإِدْخَالِ غَيْرِهِ تَأَمَّلْ. (وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ: شَرِيعَتِهِ وَطَرِيقَتِهِ، فَهِيَ بِمَعْنَى الْأَوْلَى مِنْهُ ﷺ . (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. (وَابْنُ مَاجَهْ) أَيْ: كُلُّهُمُ الرِّوَايَتَيْنِ. (وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الثَّانِيَةَ) أَيِ: الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا قَالَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى ابْنُ مَاجَهْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، زَادَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ بِسْمِ اللَّهِ: وَبِاللَّهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَلَفْظُهُ: «إِذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي قُبُورِهِمْ فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» ، وَصَحَّحَهُ، وَفِيهِ طُرُقٌ عَدِيدَةٌ.
стр. 2481
١٧٠٨ - وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا ": «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَثَى عَلَى الْمَيِّتِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، وَأَنَّهُ رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ، وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءَ» " رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: رَشَّ.
ــ
١٧٠٨ - (وَعَنْ جَعْفَرٍ) أَيِ: الصَّادِقِ. (بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِيهِ) أَيْ: مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ. (مُرْسَلًا) لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ ﷺ وَحُذِفَ الصَّحَابِيُّ، وَالْغَالِبُ رِوَايَتُهُ عَنْ جَابِرٍ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَثَى) كَرَمَى، أَيْ: قَبَضَ التُّرَابَ وَرَمَاهُ. (عَلَى الْمَيِّتِ) الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ. (ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ) أَيْ: حَفَنَاتٍ، وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: أَنَّهُ يَقُولُ: مَعَ الْأُولَى. (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ) وَمَعَ الثَّانِيَةِ. (وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) وَمَعَ الثَّالِثَةِ. (وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) . (بِيَدَيْهِ جَمِيعًا) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَالسُّنَّةُ لِمَنْ حَضَرَ الْمَيِّتَ عَلَى رَأْسِ الْقَبْرِ أَنْ يَحْثِيَ التُّرَابَ، وَيَرْمِيَهُ فِي الْقَبْرِ بَعْدَ نَصْبِ اللَّبِنِ، وَفِي التَّحْبِيرِ لِلْقُشَيْرِيِّ قِيلَ لِبَعْضِهِمْ فِي الْمَنَامِ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: وُزِنَتْ حَسَنَاتِي فَرَجَحَتِ السَّيِّئَاتُ عَلَى الْحَسَنَاتِ فَسَقَطْتُ عَلَى صُرَّةٍ فِي كِفَّةِ الْحَسَنَاتِ فَرَجَحَتْ، فَحُلَّتِ الصُّرَّةُ، فَإِذَا فِيهَا كَفُّ تُرَابٍ أَلْقَيْتُهُ فِي قَبْرِ مُسْلِمٍ، ذَكَرَهُ فِي الْمَوَاهِبِ. (وَأَنَّهُ) أَيِ: النَّبِيَّ ﷺ . (رَشَّ) أَيِ: الْمَاءَ. (عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَيُسَنُّ حَيْثُ لَا مَطَرَ رَشُّ الْقَبْرِ بِمَاءٍ بَارِدٍ، وَطَاهِرٍ طَهُورٍ تَفَاؤُلًا، بِأَنَّ اللَّهَ يُبَرِّدُ مَضْجَعَهُ. (وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءَ) وَهِيَ بِالْمَدِّ الْحَصَى الصِّغَارُ قَالَ: فَفِي الْقَامُوسِ الْحَصْبَاءُ الْحَصَى، وَالْحَصَى صِغَارُ الْحِجَارَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْحَصْبَاءُ الصِّغَارُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَضْعَ الْحَصَا عَلَيْهِ سُنَّةٌ، لِئَلَّا يَنْبِشَهُ سَبُعٌ، وَلِيَكُونَ عَلَامَةً لَهُ اهـ.
وَفِي الْعِلَّةِ الْأُولَى بَحْثٌ. (رَوَاهُ) أَيْ: صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) وَرَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ. (رَشَّ) قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، عَنْ أَبِيهِ الْبَاقِرِ مُرْسَلًا فِي حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا إِلَى جَمِيعًا، وَالْآخَرُ: أَنَّهُ رَشَّ، وَقَدَّمَ حَدِيثَ الرَّشِّ عَلَى حَدِيثِ حَثَى، وَذَكَرَ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَنَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَحَثَى بِيَدَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ» ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ مِيرَكُ: كَذَا فِي التَّصْحِيحِ، وَهُوَ خِلَالَ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فَتَأَمَّلْ اهـ.
وَرَوَى الْبَزَّارُ أَنَّهُ أَمَرَ بِالرَّشِّ فِي قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ فِي قَبْرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَدَلِيلُ الْحَثْيِ جَيِّدٌ، وَدَلِيلُ وَضْعِ الْحَصَى ضَعِيفٌ، وَمَعَ ذَلِكَ يُعْمَلُ بِهِ فَيُسَنُّ وَضْعُهَا عَلَى الْقَبْرِ اهـ. وَفِيهِ إِشْكَالَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ حَدِيثَ الْحَثْيِ وَالرَّشِّ وَاحِدٌ، وَحَدِيثَ الرَّشِّ بِانْفِرَادِهِ ضَعِيفٌ، وَثَانِيهُمَا أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُقَرَّرَةَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ لَا يُعْمَلُ بِهِ إِلَّا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ.
стр. 2482
١٧٠٩ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٧٠٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ) بِالتَّذَكِيرِ وَتُؤَنَّثُ. (الْقُبُورُ) قِيلَ: لَعَلَّ وُرُودَ النَّهْيِ لِأَنَّهُ نَوْعُ زِينَةٍ، وَلِذَلِكَ رَخَّصَ بَعْضُهُمُ التَّطْيِينَ، مِنْهُمُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ أَنْ يُطَيِّنَ الْقَبْرُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا) قَالَ الْمُظْهِرُ: يُكْرَهُ كِتَابَةُ اسْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْقُرْآنِ عَلَى الْقَبْرِ، لِئَلَّا يُهَانَ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ، وَيُدَاسَ بِالِانْهِدَامِ، وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: وَكَذَا يُكْرَهُ كِتَابَةُ اسْمِ اللَّهِ وَالْقُرْآنِ عَلَى جِدَارِ الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَخَذَ أَئِمَّتُنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ الْكِتَابَةُ عَلَى الْقَبْرِ سَوَاءٌ اسْمُ صَاحِبِهِ أَوْ غَيْرُهُ فِي لَوْحٍ عِنْدَ رَأْسِهِ، أَوْ غَيْرِهِ، قِيلَ: وَيُسَنُّ كِتَابَةُ اسْمِ الْمَيِّتِ لَا سِيَّمَا الصَّالِحُ لِيُعْرَفَ عِنْدَ تَقَادُمِ الزَّمَانِ ; لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْكِتَابَةِ مَنْسُوخٌ كَمَا قَالَهُ الْحَاكِمُ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّائِدِ عَلَى مَا يُعْرَفُ بِهِ حَالُ الْمَيِّتِ اهـ. وَفِي قَوْلِهِ: يُسَنُّ مَحَلُّ بَحْثٍ، وَالصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَجُوزُ. (وَأَنْ تُوطَأَ) أَيْ: بِالْأَرْجُلِ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ، قَالَ فِي الْأَزْهَارِ: النَّهْيُ عَنِ التَّجْصِيصِ وَالْكِتَابَةِ وَالْوَطْءِ الْكَرَاهِيَةُ، وَالْوَطْءُ لِحَاجَةٍ كَزِيَارَةٍ، وَدَفْنِ مَيِّتٍ لَا يُكْرَهُ نَقَلَهُ السَّيِّدُ، وَفِي وَطْئِهِ لِلزِّيَارَةِ مَحَلُّ بَحْثٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَابِرٍ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.
стр. 2483
١٧١٠ - وَعَنْهُ قَالَ: " «رُشَّ قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ الَّذِي رَشَّ الْمَاءَ عَلَى قَبْرِهِ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ، بِقِرْبَةٍ بَدَأَ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى رِجْلَيْهِ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.
ــ
١٧١٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ. (قَالَ: رُشَّ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ. (قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِنْزَالِ الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْعَوَاطِفِ الرَّبَّانِيَّةِ، كَمَا وَرَدَ بِالطَّرَاوَةِ وَعَدَمِ الدُّرُوسِ. قَالَ مِيرَكُ: وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنَّ الْقَبْرَ إِذَا رُشَّ بِالْمَاءِ كَانَ أَكْثَرَ بَقَاءً وَأَبْعَدَ عَنِ التَّنَاثُرِ وَالِانْدِرَاسِ، قُلْتُ: هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ حِسِّيٌّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعِبَارَةِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنَ الْإِشَارَةِ فَهُوَ فِي غَايَةِ اللَّطَافَةِ، وَنِهَايَةٍ مِنَ الشَّرَافَةِ، وَنَظِيرُهُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُرِيدِينَ بَنَى بَيْتًا ثُمَّ ضَيَّفَ شَيْخَهُ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: لِأَيِّ شَيْءٍ فَتَحْتَ الطَّاقَةَ؟ قَالَ: لِدُخُولِ الْهَوَاءِ، وَشُمُولِ الضِّيَاءِ، فَقَالَ: هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ حَاصِلٌ لَا مَحَالَةَ، لَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَقْصِدَ بِالْأَصَالَةِ سَمَاعَ الْأَذَانِ، وَيَكُونُ الْبَاقِي تَبَعًا لَهُ. (وَكَانَ الَّذِي رَشَّ الْمَاءَ عَلَى قَبْرِهِ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ) بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ. (بِقِرْبَةٍ بَدَأَ) أَيِ: ابْتَدَأَ فِي الرَّشِّ. (مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ) لِشَرَفِهِ وَاسْتَمَرَّ. (حَتَّى انْتَهَى إِلَى رِجْلَيْهِ) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَرَّةٌ، وَيُحْتَمَلُ مِرَارًا. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ) وَفِي وَجْهِ رِوَايَتِهِ فِي الدَّلَائِلِ خَطَأٌ.
стр. 2484
١٧١١ - وَعَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ: «لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ، فَدُفِنَ، أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا أَنْ يَأْتِهِ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهَا فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ. قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا، ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: أُعَلِّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٧١١ - (وَعَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ قُرَشِيٌّ، أَسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. قَالَ مِيرَكُ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، لَمْ يَنْسُبِ الْمُطَّلِبُ رَاوِيَهُ، وَكَذَا فِي الْمَصَابِيحِ وَقَعَ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَالْمُصَنِّفُ جَعَلَهُ مَنْسُوبًا إِلَى أَبِي دَاوُدَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ: وَالسُّلَمِيُّ فِي تَخْرِيجِهِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيِّ، وَهُوَ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ يَرْوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَفِي الْحَدِيثِ إِرْسَالٌ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ، حَيْثُ قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . إِلَى آخِرِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى خَطَأِ الْمُصَنِّفِ مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا كَثِيرٌ عَنْ يَزِيدَ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ قَالَ: «لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ دُفِنَ بِالْبَقِيعِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ فَوُضِعَ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: هَذَا عَلَامَةُ قَبْرِهِ، يُدْفَنُ إِلَيْهِ يَعْنِي مَنْ مَاتَ بَعْدَهُ» اهـ.
(قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ. (أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ) كَأَنَّهُ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْعَاطِفِ أَيْ: وَأَخْرَجَ جَنَازَتَهُ. (فَدُفِنَ) وَقَوْلُهُ: (أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ جَوَابُ لَمَّا كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ جَوَابَ لَمَّا هُوَ أُخْرِجَ، لِوُقُوعِهِ فِي مَحَلِّهِ، وَأَمَرَ حُذِفَ عَاطِفُهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَاشِيَةِ السَّابِقَةِ لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . (رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ) أَيْ: كَبِيرٍ لِوَضْعِ الْعَلَامَةِ وَفِي رِوَايَةٍ: بِصَخْرَةٍ. (فَلَمْ يَسْتَطِعْ) أَيْ: ذَلِكَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ. (حَمْلَهَا) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ عَلَى تَأْوِيلِ الصَّخْرَةِ. (فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَسَرَ) أَيْ: كَشَفَ وَأَبْعَدَ كُمَّهُ. (عَنْ ذِرَاعَيْهِ) أَيْ: سَاعِدَيْهِ، وَفِي النِّهَايَةِ أَخْرَجَهَا عَنْ كُمَّيْهِ اهـ. وَهُوَ حَاصِلُ الْمَعْنَى.
وَفِي الْأَزْهَارِ فِيهِ أَنَّ حَسْرَ الذِّرَاعِ لِحَاجَةٍ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَلَا تَرْكُ أَدَبٍ بِمَرْأَى النَّاسِ، إِذْ فِيهِ صِيَانَةُ الثَّوْبِ عَنِ الْأَدْنَاسِ. (قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَسَرَ» ) أَيْ: كَشَفَ الثَّوْبَ عَنْهُمَا. (ثُمَّ حَمَلَهَا أَيْ: وَحْدَهُ. (فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ) أَيْ: رَأَسِ قَبْرِ عُثْمَانَ. (وَقَالَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . (أُعَلِّمُ) مُضَارِعُ مُتَكَلِّمٍ مِنَ الْإِعْلَامِ. (بِهَا) أَيْ: أُعَلِّمُ النَّاسَ بِهَذِهِ الْحِجَارَةِ. (قَبْرَ أَخِي) وَأَجْعَلُ الصَّخْرَةَ عَلَامَةً لِقَبْرِ أَخِي، وَسَمَّاهُ أَخًا تَشْرِيفًا لَهُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ قُرَشِيًّا، أَوْ لِأَنَّهُ أَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، قِيلَ: إِنَّهُ أَسْلَمُ بَعْدَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَهَاجَرَ مَرَّتَيْنِ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَوَّلُ
стр. 2485
مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ. (وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ) أَيْ: إِلَى قُرْبِهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: أُضَمُّ إِلَيْهِ فِي الدَّفْنِ. (مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي) فِي الْأَزْهَارِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ عَلَّامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ «أُعَلِّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي» ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْمَعَ الْأَقَارِبُ فِي مَوْضِعٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ «وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» ، وَكَانَ عُثْمَانُ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ دُفِنَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ ابْنُهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: سَمَّاهُ أَخَاهُ لِقَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ كَانَ قُرَشِيًّا، وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبٍ الْقُرَشِيُّ الْجُمَحِيُّ، وَكَانَ مِمَّنْ حَرَّمَ الْخَمْرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ: لَا أَشْرَبُ مَا يُضْحِكُ بِيَ مَنْ هُوَ دُونِي، وَقَالَ السُّلَمِيُّ: وَكَانَ عُثْمَانُ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَهُوَ أَوَّلُ دَفْنٍ بِالْبَقِيعِ، وَمَنْ هَاجَرَ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ النَّبِيِّ ﷺ إِبْرَاهِيمُ بْنُ النَّبِيِّ ﷺ «وَقَالَ ﷺ لِزَيْنَبَ بِنْتِهِ بَعْدَ أَنْ مَاتَتِ الْحَقِي بِسَلَفِنَا الصَّالِحِ: عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ» ، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ «قَالَ ﷺ فِي إِبْرَاهِيمَ وَأُخْتِهِ زَيْنَبَ لَمَّا تُوُفِّيَا: الْحَقَا بِسَلَفِنَا الصَّالِحِ: عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ» فَغَيْرُ مَحْفُوظٍ بِالنِّسْبَةِ لِإِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ بَعْضُ مُتَقَدِّمِي أَئِمَّتِنَا: وَيُسَنُّ وَضْعُ أُخْرَى عِنْدَ رِجْلِهِ ; لِأَنَّهُ ﷺ وَضَعَ حَجَرَيْنِ عَلَى قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَرَدَ بِأَنَّ الْمَحْفُوظَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ حَجَرٌ وَاحِدٌ كَمَا تَقَرَّرَ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّ الْحَجَرَ وَاحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ، فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ التَّعَدُّدَ، مَعَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُقَرِّرَةَ التَّعَارُضَ عَلَى تَسْلِيمِ ثُبُوتِ الْوَاحِدِ أَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَأَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَفِي إِسْنَادِهِ كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ مَوْلَى الْأَسْلَمِيِّينَ، تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ اهـ. فَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: مِنْ أَنَّ سَنَدَهُ جَيِّدٌ مُحْتَاجٌ إِلَى الِانْتِقَادِ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ النُّقَّادُ.
стр. 2486
١٧١٢ - وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّاهُ، اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ، لَا مُشْرِفَةٍ وَلَا لَاطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٧١٢ - (وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أَيِ: ابْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁. (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْتُ: يَا أُمَّاهْ) بِسُكُونِ الْهَاءِ، وَهِيَ عَمَّتُهُ، لَكِنْ قَالَ يَا أُمَّاهْ ; لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ، أَوْ لِكَوْنِهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. (اكْشِفِي لِي) أَيْ: أَظْهِرِي وَارْفَعِي السِّتَارَةَ. (عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ) وَفِي نُسْخَةٍ: رَسُولِ اللَّهِ. ﷺ وَصَاحِبَيْهِ) أَيْ: ضَجِيعَيْهِ، وَهُمَا الْعُمَرَانِ الْقَمَرَانِ الْمُنَوِّرَانِ، بِجَنْبِ الْبَدْرِ الْمُنِيرِ، أَوْ شَمْسِ الظَّهِيرِ. (فَكَشَفَتْ لِي) لِأَجْلِي أَوْ لِرُؤْيَتِهِ. (عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ) أَيْ: مُرْتَفِعَةٍ غَايَةَ الِارْتِفَاعِ، وَقِيلَ: أَيْ: عَالِيَةٍ أَكْثَرَ مِنْ شِبْرٍ (وَلَا لَاطِئَةٍ) بِالْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ أَيْ: مُسْتَوِيَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، يُقَالُ: لَطَأَ بِالْأَرْضِ أَيْ: لَصِقَ بِهَا. (مَبْطُوحَةٍ) صِفَةٌ لِقُبُورٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: مُسَوَّاةٍ مَبْسُوطَةٍ عَلَى الْأَرْضِ اهـ.
وَفِيهِ أَنْ تَكُونَ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى لَاطِئَةٍ، وَتَقَدَّمَ نَفْيُهَا، وَالصَّوَابُ مَعْنَاهَا مُلْقَاةٌ فِيهَا الْبَطْحَاءُ، فَفِي الْقَامُوسِ: تَبْطِيحُ الْمَسْجِدِ إِلْقَاءُ الْحَصَى فِيهِ، وَفِي النِّهَايَةِ: بَطْحُ الْمَكَانِ تَسْوِيَتُهُ، وَبَطَحَ " الْمَسْجِدَ أَلْقَى فِيهِ الْبَطْحَاءَ، وَهُوَ الْحَصَى الصِّغَارُ، اهـ. وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ لِلشَّافِعِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى التَّسْطِيحِ، وَبَطَلَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقُبُورَ الثَّلَاثَةَ مُسَطَّحَةٌ لَا مُسَنَّمَةٌ، وَأَنَّ ابْنَ حِبَّانَ صَحَّحَ أَنَّ قَبْرَهُ ﷺ مُرْتَفِعٌ شِبْرًا، قُلْتُ: كَوْنُهُ مُرْتَفِعًا شِبْرًا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ مُسَنَّمًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَصْرِيحُ سُفْيَانَ: أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا. (بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ) أَيْ: بِرَمْلِ الْعَرْصَةِ، وَهِيَ مَوْضِعٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَرْصَةُ جَمْعُهَا عَرَصَاتٌ، وَهِيَ كُلُّ مَوْضِعٍ
стр. 2487
وَاسِعٍ لَا بِنَاءَ فِيهِ، وَالْبَطْحَاءُ مَسِيلٌ وَاسِعٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْحَصَى لِإِضَافَتِهَا إِلَى الْعَرْصَةِ، وَقَوْلُهُ. (الْحَمْرَاءِ) صِفَةٌ لِلْبَطْحَاءِ أَوِ الْعَرْصَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: كَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُرْتَفِعَةٍ، وَلَا مُنْخَفِضَةٍ، لَاصِقَةٍ بِالْأَرْضِ مَبْسُوطَةٍ مُسَوَّاةٍ، وَالْبَطْحُ أَنْ يُجْعَلَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ مُسَطَّحًا، حَتَّى يُسَوَّى وَيَذْهَبَ التَّفَاوُتُ. قَالَ السَّيِّدُ: وَفِيهِ بَحْثٌ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مَا قُلْنَا، أَوَّلًا أَوْ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْقُبُورِ صُورَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ عَنِ الْأَرْضِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ الْخِلَافَ لِي أَنَّهَا مُسَنَّمَاتٌ أَوْ مُرَبَّعَاتٌ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مِنَ ابْنِ الْهُمَامِ عَلَى تَحْقِيقِ الْمَقَامِ، ثُمَّ قَالَ السَّيِّدُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ أَلْقَى فِيهَا بَطْحَاءَ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ السَّيِّدُ: قِيلَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقِيلَ: حَسَنٌ.
стр. 2488
١٧١٣ - «وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمْ يُلْحَدْ بَعْدُ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَجَلَسْنَا مَعَهُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ.
ــ
١٧١٣ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ) أَيْ: فَوَصَلْنَا. (وَلَمَّا) أَيْ: لَمْ. (يَلْحَدْ بَعْدُ) أَيْ: لَمْ يَفْرَغْ مِنْ حَفْرِ اللَّحْدِ بَعْدَ مَجِيئِنَا. (فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : " «أَشْرَفُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ» ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (وَجَلَسْنَا مَعَهُ) أَيْ: حَوْلَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، حَتَّى يُلْحَدَ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: وَأَمَّا عِنْدَ زِيَارَةِ الْمَيِّتِ فَيَجْلِسُ أَوْ يَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ، هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ. (وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ) إِشَارَةً إِلَى الْإِطْرَاقِ قَالَ السَّيِّدُ: قَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا فِي بَابِ: مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْهُ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ ذُهِلَ عَنْ إِيرَادِ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ، فَأَوْرَدَهُ هُنَاكَ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ مَا أَوْرَدَهُ مُطَوَّلًا فِيهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا هَذِهِ الْجُمْلَةُ، وَأَيْضًا أَوْرَدَهُ بِأَلْفَاظٍ أُخَرَ يَحْصُلُ بِهَا الْمُغَايَرَةُ بِلَا تَكْرَارٍ حَقِيقَةً.
стр. 2489
١٧١٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» " رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٧١٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ ﷺ : قَالَ " «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» " يَعْنِي فِي الْإِثْمِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُهَانُ مَيِّتًا، كَمَا لَا يُهَانُ حَيًّا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يَتَأَلَّمُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ لَازَمِهِ أَنَّهُ يَسْتَلِذُّ بِمَا يَسْتَلِذُّ بِهِ الْحَيُّ اهـ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَذَى الْمُؤْمِنِ فِي مَوْتِهِ كَأَذَاهُ فِي حَيَاتِهِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ. (وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: سَنَدُهُ حَسَنٌ.
стр. 2490
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٧١٥ - «عَنْ أَنَسٍ قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُدْفَنُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا. قَالَ: فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا، فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٧١٥ - (عَنْ أَنَسٍ: قَالَ: شَهِدْنَا) أَيْ: حَضَرْنَا. (بِنْتَ رَسُولِ ﷺ أَيْ: أُمَّ كُلْثُومٍ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. (تُدْفَنُ) فِي حَالِ دَفْنِهَا. (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ. (عَلَى الْقَبْرِ) أَيْ: شَفِيرِهِ. (فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ) تَسِيلَانِ دَمْعًا. (فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟) مِنْ زَائِدَةٌ. (لَمْ يُقَارِفْ) فِي النِّهَايَةِ: قَارَفَ الذَّنْبَ إِذَا أَتَاهُ، وَلَاصَقَهُ، وَقَارَفَ امْرَأَتَهُ إِذَا جَامَعَهَا، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ: لَمْ يُقَارِفْ أَيْ: لَمْ يُذْنِبْ ذَنْبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الْجِمَاعُ فَكُنِّيَ عَنْهُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ:
следующие страницы →