Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
١٧١٢ - وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّاهُ، اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ، لَا مُشْرِفَةٍ وَلَا لَاطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٧١٢ - (وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) أَيِ: ابْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁. (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْتُ: يَا أُمَّاهْ) بِسُكُونِ الْهَاءِ، وَهِيَ عَمَّتُهُ، لَكِنْ قَالَ يَا أُمَّاهْ ; لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ، أَوْ لِكَوْنِهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. (اكْشِفِي لِي) أَيْ: أَظْهِرِي وَارْفَعِي السِّتَارَةَ. (عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ) وَفِي نُسْخَةٍ: رَسُولِ اللَّهِ. ﷺ وَصَاحِبَيْهِ) أَيْ: ضَجِيعَيْهِ، وَهُمَا الْعُمَرَانِ الْقَمَرَانِ الْمُنَوِّرَانِ، بِجَنْبِ الْبَدْرِ الْمُنِيرِ، أَوْ شَمْسِ الظَّهِيرِ. (فَكَشَفَتْ لِي) لِأَجْلِي أَوْ لِرُؤْيَتِهِ. (عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ) أَيْ: مُرْتَفِعَةٍ غَايَةَ الِارْتِفَاعِ، وَقِيلَ: أَيْ: عَالِيَةٍ أَكْثَرَ مِنْ شِبْرٍ (وَلَا لَاطِئَةٍ) بِالْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ أَيْ: مُسْتَوِيَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، يُقَالُ: لَطَأَ بِالْأَرْضِ أَيْ: لَصِقَ بِهَا. (مَبْطُوحَةٍ) صِفَةٌ لِقُبُورٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: مُسَوَّاةٍ مَبْسُوطَةٍ عَلَى الْأَرْضِ اهـ.
وَفِيهِ أَنْ تَكُونَ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى لَاطِئَةٍ، وَتَقَدَّمَ نَفْيُهَا، وَالصَّوَابُ مَعْنَاهَا مُلْقَاةٌ فِيهَا الْبَطْحَاءُ، فَفِي الْقَامُوسِ: تَبْطِيحُ الْمَسْجِدِ إِلْقَاءُ الْحَصَى فِيهِ، وَفِي النِّهَايَةِ: بَطْحُ الْمَكَانِ تَسْوِيَتُهُ، وَبَطَحَ " الْمَسْجِدَ أَلْقَى فِيهِ الْبَطْحَاءَ، وَهُوَ الْحَصَى الصِّغَارُ، اهـ. وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ لِلشَّافِعِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى التَّسْطِيحِ، وَبَطَلَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقُبُورَ الثَّلَاثَةَ مُسَطَّحَةٌ لَا مُسَنَّمَةٌ، وَأَنَّ ابْنَ حِبَّانَ صَحَّحَ أَنَّ قَبْرَهُ ﷺ مُرْتَفِعٌ شِبْرًا، قُلْتُ: كَوْنُهُ مُرْتَفِعًا شِبْرًا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ مُسَنَّمًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَصْرِيحُ سُفْيَانَ: أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا. (بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ) أَيْ: بِرَمْلِ الْعَرْصَةِ، وَهِيَ مَوْضِعٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَرْصَةُ جَمْعُهَا عَرَصَاتٌ، وَهِيَ كُلُّ مَوْضِعٍ
стр. 2487
وَاسِعٍ لَا بِنَاءَ فِيهِ، وَالْبَطْحَاءُ مَسِيلٌ وَاسِعٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْحَصَى لِإِضَافَتِهَا إِلَى الْعَرْصَةِ، وَقَوْلُهُ. (الْحَمْرَاءِ) صِفَةٌ لِلْبَطْحَاءِ أَوِ الْعَرْصَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: كَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُرْتَفِعَةٍ، وَلَا مُنْخَفِضَةٍ، لَاصِقَةٍ بِالْأَرْضِ مَبْسُوطَةٍ مُسَوَّاةٍ، وَالْبَطْحُ أَنْ يُجْعَلَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ مُسَطَّحًا، حَتَّى يُسَوَّى وَيَذْهَبَ التَّفَاوُتُ. قَالَ السَّيِّدُ: وَفِيهِ بَحْثٌ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مَا قُلْنَا، أَوَّلًا أَوْ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْقُبُورِ صُورَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ عَنِ الْأَرْضِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ الْخِلَافَ لِي أَنَّهَا مُسَنَّمَاتٌ أَوْ مُرَبَّعَاتٌ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مِنَ ابْنِ الْهُمَامِ عَلَى تَحْقِيقِ الْمَقَامِ، ثُمَّ قَالَ السَّيِّدُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ أَلْقَى فِيهَا بَطْحَاءَ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ السَّيِّدُ: قِيلَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقِيلَ: حَسَنٌ.
стр. 2488
١٧١٣ - «وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمْ يُلْحَدْ بَعْدُ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَجَلَسْنَا مَعَهُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ.
ــ
١٧١٣ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ) أَيْ: فَوَصَلْنَا. (وَلَمَّا) أَيْ: لَمْ. (يَلْحَدْ بَعْدُ) أَيْ: لَمْ يَفْرَغْ مِنْ حَفْرِ اللَّحْدِ بَعْدَ مَجِيئِنَا. (فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : " «أَشْرَفُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ» ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (وَجَلَسْنَا مَعَهُ) أَيْ: حَوْلَهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، حَتَّى يُلْحَدَ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: وَأَمَّا عِنْدَ زِيَارَةِ الْمَيِّتِ فَيَجْلِسُ أَوْ يَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ، هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ. (وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ) إِشَارَةً إِلَى الْإِطْرَاقِ قَالَ السَّيِّدُ: قَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا فِي بَابِ: مَا يُقَالُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْهُ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ ذُهِلَ عَنْ إِيرَادِ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ، فَأَوْرَدَهُ هُنَاكَ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ مَا أَوْرَدَهُ مُطَوَّلًا فِيهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا هَذِهِ الْجُمْلَةُ، وَأَيْضًا أَوْرَدَهُ بِأَلْفَاظٍ أُخَرَ يَحْصُلُ بِهَا الْمُغَايَرَةُ بِلَا تَكْرَارٍ حَقِيقَةً.
стр. 2489
١٧١٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» " رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٧١٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ ﷺ : قَالَ " «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» " يَعْنِي فِي الْإِثْمِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُهَانُ مَيِّتًا، كَمَا لَا يُهَانُ حَيًّا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يَتَأَلَّمُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ لَازَمِهِ أَنَّهُ يَسْتَلِذُّ بِمَا يَسْتَلِذُّ بِهِ الْحَيُّ اهـ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَذَى الْمُؤْمِنِ فِي مَوْتِهِ كَأَذَاهُ فِي حَيَاتِهِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ. (وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: سَنَدُهُ حَسَنٌ.
стр. 2490
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٧١٥ - «عَنْ أَنَسٍ قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُدْفَنُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا. قَالَ: فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا، فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٧١٥ - (عَنْ أَنَسٍ: قَالَ: شَهِدْنَا) أَيْ: حَضَرْنَا. (بِنْتَ رَسُولِ ﷺ أَيْ: أُمَّ كُلْثُومٍ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. (تُدْفَنُ) فِي حَالِ دَفْنِهَا. (وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ. (عَلَى الْقَبْرِ) أَيْ: شَفِيرِهِ. (فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ) تَسِيلَانِ دَمْعًا. (فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟) مِنْ زَائِدَةٌ. (لَمْ يُقَارِفْ) فِي النِّهَايَةِ: قَارَفَ الذَّنْبَ إِذَا أَتَاهُ، وَلَاصَقَهُ، وَقَارَفَ امْرَأَتَهُ إِذَا جَامَعَهَا، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ: لَمْ يُقَارِفْ أَيْ: لَمْ يُذْنِبْ ذَنْبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الْجِمَاعُ فَكُنِّيَ عَنْهُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ:
стр. 2491
(اللَّيْلَةَ) أَيِ: الْبَارِحَةَ بِقَرِينَةِ السُّؤَالِ، نَقَلَ مِيرَكُ: قَالَ الرَّاوِي: يَعْنِي لَمْ يُقَارِفِ الذَّنْبَ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ ذُنُوبًا كَسَبَهَا، وَقَارَفَ فُلَانٌ الشَّيْءَ إِذَا دَنَاهُ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ قِرَافٍ أَيْ: خِلَاطٍ وَجِمَاعٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَارَبْتَهُ، فَقَدْ قَارَفْتَهُ. قِيلَ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ عُثْمَانَ وَكَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي تُوُفِّيَتْ، هَلْ خَالَطَ امْرَأَتَهُ أَيِ: الْأُخْرَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ؟ فَلَمْ يَقُلْ عُثْمَانُ لَمْ أُقَارِفْ أَنَا) ، كَذَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْحَافِظِ إِسْمَاعِيلَ الْأَصْفَهَانِيِّ، وَضَعْفُهُ ظَاهِرٌ. (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَارَفَةِ الْجِمَاعُ، وَإِنْ كَانَتِ الْحِكْمَةُ مَجْهُولَةً عِنْدَنَا فَإِنَّ الْجَزْمَ بِعَدَمِ مُقَارَفَةِ الذَّنْبِ مُسْتَبْعَدٌ مِنَ الْأَكَابِرِ. (قَالَ: فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا) فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا الظَّاهِرِ لِأَنْ يَدْفِنَهَا فِيهِ فَيَكُونَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ، أَوْ إِشَارَةً إِلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نُزُولُهُ الْمُسَاعَدَةَ، وَالْمُحَرَّمُ دَفْنَهَا. قَالَ أَبُو الْهُمَامِ: لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنَ النِّسَاءِ الْقَبْرَ، وَلَا يُخْرِجُهُنَّ إِلَّا الرِّجَالُ ; لِأَنَّ مَسَّ الْأَجْنَبِيِّ لَهَا بِحَائِلٍ عِنْدَ الضَّرُورَةِ جَائِزٌ فِي حَيَاتِهَا فَكَذَا بَعْدَ مَوْتِهَا، فَإِذَا مَاتَتْ وَلَا مَحْرَمَ دَفَنَهَا أَهْلُ الصَّلَاحِ مِنْ مَشَايِخِ جِيرَانِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَالشَّبَابُ الصُّلَحَاءُ، أَمَّا إِنْ كَانَ لَهَا مَحْرَمٌ وَلَوْ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ نَزَلَ، وَأَلْحَدَهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَا يُشْكِلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمَحَارِمَ وَالزَّوْجَ أَوْلَى مِنْ صَالِحِ الْأَجَانِبِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ﷺ وَعُثْمَانَ كَانَ لَهُمَا عُذْرٌ مَنَعَهُمَا نُزُولَ الْقَبْرِ، نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنَ الْخَبَرِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ثَمَّةَ صُلَحَاءُ وَأَحَدُهُمْ بَعِيدُ الْعَهْدِ بِالْجِمَاعِ قُدِّمَ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ: أَنَّ رُقْيَةَ لَمَّا مَاتَتْ قَالَ ﷺ : " لَا يَدْخُلُ الْقَبْرَ رَجُلٌ قَارَفَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَدْخُلْ عُثْمَانُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَظَاهِرُهُ مَعَ مَا مَرَّ أَنَّ عُثْمَانَ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فِي كُلٍّ مِنْ زَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي حَدِيثِ الْأَصْلِ أَنَّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ فَيُحْمَلُ الْمُجْمَلُ عَلَى الْمُبَيَّنِ، وَأَمَّا تَعْلِيلُهُ بِأَنَّهُ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى جِمَاعِ عُثْمَانَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَكَنَّى عَنْ مَنْعِهِ بِقَوْلِهِ: أَيُّكُمْ لَمْ يُقَارِفْ؟ فَسَكَتَ فَصَدَقَ ﷺ مَا بَلَغَهُ فَأَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ لَمَّا نَفَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَتَوَلَّى إِدْخَالَهَا، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ دُخُولِ الْقَبْرِ لِأَنَّهُ لِفَرْطِ شَهْوَتِهِ قَارَفَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَخَشِيَ ﷺ إِنْ نَزَلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ شَيْئًا فَيَذْهَلَ مِنَ الْإِتْيَانِ بِكَمَالِ الْمَنْدُوبَاتِ الَّتِي تُفْعَلُ بِالْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ، فَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ مُنَافٍ ; لِأَنْ يَقَعَ مُتَعَدِّدًا مِنْ عُثْمَانَ ﵁ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 2492
١٧١٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ لِابْنِهِ وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٧١٦ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ لِابْنِهِ) أَيْ: عَبْدِ اللَّهِ. (وَهُوَ) أَيْ: عَمْرٌو. (فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ) أَيْ: صَدَدِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: السِّيَاقُ النَّزْعُ وَأَصْلُهُ السِّوَاقُ. (إِذَا أَنَا مُتُّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا. (فَلَا تَصْحَبْنِي) أَيْ: لَا تَتْرُكْ أَنْ يَكُونَ مَعَ جَنَازَتِي. (نَائِحَةٌ) أَيْ: صَائِحَةٌ بِالْبُكَاءِ، وَنَادِبَةٌ بِالنِّدَاءِ ; فَإِنَّهُ يُؤْذِي الْمَيِّتَ وَالْحَيَّ، وَشَغَلَ الْمُشَيِّعَ عَنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ، وَفَنَاءِ الدُّنْيَا، وَفَكَّرَ مُقَصِّرَهُمْ فِي أَمْرِ الْعُقْبَى. (وَلَا نَارٌ) أَيْ: لِلْمُبَاهَاةِ وَالرِّيَاءِ، كَمَا كَانَ عَادَةُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَبَقِيَتْ إِلَى الْآنَ فِي مَكَّةَ مِنْهَا بَقِيَّةٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلِأَنَّهَا مِنَ التَّفَاؤُلِ الْقَبِيحِ، وَفِيهِ أَنَّهَا سَبَبٌ لِلتَّفَاؤُلِ الْقَبِيحِ، لَا أَنَّهَا بَعْضُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. (فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي) أَيْ: أَرَدْتُمْ دَفْنِي. (فَشُنُّوا) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ: صُبُّوا وَكُبُّوا. (عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا) فِي النِّهَايَةِ: الشَّنُّ الصَّبُّ، بِسُهُولَةٍ (ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي) لَعَلَّهُ دُعَاءٌ بِالتَّثْبِيتِ وَغَيْرِهِ. (قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ) أَيْ: بَعِيرٌ وَهُوَ مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمُذَكَّرُ، فَيَجُوزُ تَذْكِيرُ يُنْحَرُ وَتَأْنِيثُهُ. (وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ أَيْ: بِدُعَائِكُمْ وَأَذْكَارِكُمْ وَقِرَاءَتِكُمْ، وَاسْتِغْفَارِكُمْ، وَقَدْ وَرَدَ فِي خَبَرِ أَبِي دَاوُدَ: أَنَّهُ «كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الرَّجُلِ يَقِفُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ لِأَخِيكُمْ، وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، وَفِي رِوَايَةٍ التَّثَبُّتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: وَبِهَذَا الْخَبَرِ وَقَوْلِ عُمَرَ اعْتَضَدَ حَدِيثُ التَّلْقِينِ الْمَشْهُورِ، فَمِنْ ثَمَّ عَمِلُوا بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، فَيَقُولُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إِنَّ التَّلْقِينَ بِدْعَةٌ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، اهـ. وَهُوَ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ لِأَنَّ الْمُعْتَضِدَ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْمُعْتَضِدِ وَلَيْسَ هُنَا كَذَلِكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْفَضَائِلِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَضِدْ إِجْمَاعًا كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ: مَحَلُّهُ الْفَضَائِلُ الثَّابِتَةُ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ لَقِّنُوا فَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ. (وَأَعْلَمَ) مِنْ غَيْرِ وَحْشَةٍ. (مَاذَا أُرَاجِعُ) أَيْ: أُجَاوِبُ بِهِ. (رُسُلَ رَبِّي) أَيْ: سُؤَالَ الْمَلَكَيْنِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ
) .
стр. 2493
١٧١٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ، وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَلْيُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ فَاتِحَةُ الْبَقَرَةِ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ الْبَقَرَةِ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَقَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٧١٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ» ) أَيْ: لَا تُؤَخِّرُوا دَفْنَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يُسْتَحْسَنُ الْإِسْرَاعُ بِتَجْهِيزِهِ كُلِّهِ مِنْ حِينِ يَمُوتُ. (وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ) وَهُوَ تَأْكِيدٌ وَإِشَارَةٌ إِلَى سُنَّةِ الْإِسْرَاعِ فِي الْجَنَازَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: دُونَ الْخَبَبِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْعَدْوِ دُونَ الْعَنَقِ، وَالْعَنَقُ: خَطْوٌ فَسِيحٌ، فَيَمْشُونَ بِهِ مَا دُونَ الْعَنَقِ، وَلَوْ مَشَوْا بِهِ الْخَبَبَ كُرِهَ، لِأَنَّهُ ازْدِرَاءٌ بِالْمَيِّتِ، أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمَشْيِ مَعَ الْجَنَازَةِ فَقَالَ: مَا دُونَ الْخَبَبِ،» وَهُوَ مُضَعَّفٌ. وَأَخْرَجَ السِّتَّةُ قَالَ ﷺ : «أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ غَيْرَ صَالِحَةٍ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . (وَلْيُقْرَأْ) بِالتَّذْكِيرِ وَيُؤَنَّثُ، وَبِسُكُونِ اللَّامِ وَيُكْسَرُ. (عِنْدَ رَأْسِهِ فَاتِحَةَ الْبَقَرَةِ) أَيْ: إِلَى الْمُفْلِحُونَ. (وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ) وَفِي نُسْخَةٍ خَاتِمَةِ. (الْبَقَرَةِ) أَيْ: مِنْ. (آمَنَ الرَّسُولُ) إِلَخْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ تَخْصِيصَ فَاتِحَتِهَا لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَدْحِ كِتَابِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ هَدًى لِلْمُتَّقِينَ، الْمَوْصُوفِينَ بِالْخِلَالِ الْحَمِيدَةِ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَخَاتِمَتِهَا لِاحْتِوَائِهَا عَلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَإِظْهَارِ الِاسْتِكَانَةِ، وَطَلَبِ الْغُفْرَانِ وَالرَّحْمَةِ، وَالتَّوَلِّي إِلَى كَنَفِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِمَايَتِهِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَقَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى ابْنِ عُمَرَ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرُوزِيُّ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: إِذَا دَخَلْتُمُ الْمَقَابِرَ فَاقْرَءُوا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَاجْعَلُوا ثَوَابَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ، فَإِنَّهُ يَصِلُ إِلَيْهِمْ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلزَّائِرِ الِاعْتِبَارُ، وَلِلْمَزُورِ الِانْتِفَاعُ بِدُعَائِهِ اهـ. وَفِي الْإِحْيَاءِ لِلْغَزَالِيِّ: وَالْعَاقِبَةِ لِعَبْدِ الْحَقِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نَحْوُهُ، وَأَخْرَجَ الْخَلَّالُ فِي الْجَامِعِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا مَاتَ لَهُمُ الْمَيِّتُ اخْتَلَفُوا إِلَى قَبْرِهِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَأَخْرَجَ أَبُو مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي فَضَائِلِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ وَقَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهُ لِلْأَمْوَاتِ، أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ الْأَمْوَاتِ» ، وَأَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ: سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّنْجَانِيُّ فِي مَوَائِدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ ثُمَّ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَأَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ. ثُمَّ قَالَ: إِنِّي جَعَلْتُ ثَوَابَ مَا قَرَأْتُ مِنْ كَلَامِكَ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، كَانُوا شُفَعَاءَ لَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى» ، وَأَخْرَجَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْأَنْصَارِيُّ فِي مَشْيَخَتِهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: قَالَ حَمَّادٌ الْمَكِّيُّ: خَرَجْتُ لَيْلَةً إِلَى مَقَابِرِ مَكَّةَ فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى قَبْرٍ فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ أَهْلَ الْمَقَابِرِ حَلَقَةً حَلَقَةً، فَقُلْتُ: قَامَتِ الْقِيَامَةُ قَالُوا: لَا، وَلَكِنْ رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِنَا قَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لَنَا فَنَحْنُ نَقْتَسِمُهُ مُنْذُ سَنَةٍ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الْعَزِيزِ صَاحِبُ الْخِلَالِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ يس خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ» ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: حَدِيثُ اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عِنْدَ الْمَيِّتِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ قَبْرِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي شَرْحِ الصُّدُورِ، ثُمَّ قَالَ: اخْتُلِفَ فِي وُصُولِ ثَوَابِ الْقُرْآنِ لِلْمَيِّتِ، فَجُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْوُصُولِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ مُسْتَدِلًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنِ الْآيَةِ بِأَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] الْآيَةَ أَدْخَلَ الْأَبْنَاءَ الْجَنَّةَ بِصَلَاحِ الْآبَاءِ، الثَّانِي: أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ لَهَا مَا سَعَتْ، وَمَا سُعِيَ لَهَا قَالَهُ عِكْرِمَةُ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِنْسَانِ هُنَا الْكَافِرُ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلَهُ مَا سَعَى وَسُعِيَ لَهُ قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ. الرَّابِعُ: لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى مِنْ طَرِيقِ الْعَدْلِ، فَأَمَّا مِنْ بَابِ الْفَضْلِ فَجَائِزٌ أَنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ مَا شَاءَ قَالَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ. الْخَامِسُ: أَنَّ اللَّامَ فِي الْإِنْسَانِ بِمَعْنَى عَلَى أَيْ: لَيْسَ عَلَى الْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الْوُصُولِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعِتْقِ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ فِي نَقْلِ الثَّوَابِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَنْ
стр. 2494
حَجٍّ أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ وَقْفٍ أَوْ دُعَاءٍ، أَوْ قِرَاءَةٍ، وَبِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً فَمَجْمُوعُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لِذَلِكَ أَصْلًا، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا زَالُوا فِي كُلِّ مِصْرٍ وَعَصْرٍ يَجْتَمِعُونَ وَيَقْرَءُونَ لِمَوْتَاهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ فِي جُزْءٍ أَلَّفَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ فَجَازَ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: اسْتُحِبَّ لِزَائِرِ الْقُبُورِ أَنْ يَقْرَأَ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَدْعُوَ لَهُمْ عَقِبَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَزَادَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَإِنْ خَتَمُوا الْقُرْآنَ عَلَى الْقَبْرِ كَانَ أَفْضَلَ.
стр. 2495
١٧١٨ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِالْحُبْشِيِّ وَهُوَ مَوْضِعٌ فَحُمِلَ إِلَى مَكَّةَ فَدُفِنَ بِهَا، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ أَتَتْ قَبْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ: وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ، لَوْ حَضَرْتُكَ مَا دُفِنْتَ إِلَّا حَيْثُ مُتَّ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٧١٨ - (وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بِالتَّصْغِيرِ. (قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) أَيِ: الصِّدِّيقُ. (بِالْحُبْشِيِّ) فِي النِّهَايَةِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْبَاءِ، وَكَسْرِ الشِّينِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، مَوْضِعٌ) قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: جَبَلٌ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ. (وَهُوَ مَوْضِعُ تَفْسِيرٍ مِنَ الرَّاوِي يَحْتَمِلُ الْقَوْلَيْنِ. (فَحُمِلَ) أَيْ: نُقِلَ. (إِلَى مَكَّةَ فَدُفِنَ بِهَا، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ) أَيْ: مَكَّةَ. (أَتَتْ قَبْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) أَيْ: أَخِيهَا. (فَقَالَتْ) أَيْ: مُنْشِدَةً مُشِيرَةً إِلَى أَنَّ طُولَ الِاجْتِمَاعِ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ زَوَالِهِ يَكُونُ كَأَقْصَرِ زَمَنٍ وَأَسْرَعِهِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْفَانِي جَمِيعُهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وَلِذَا قِيلَ: الدُّنْيَا سَاعَةٌ فَاجْعَلْهَا طَاعَةً. (وَكُنَّا) أَيْ: إِنَّا وَإِيَّاكَ حَالَ حَيَاتِكَ مُتَقَارِبَيْنِ، وَمُتَصَاحِبَيْنِ وَمُتَحَابَّيْنِ. (كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّصْغِيرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَجَذِيمَةُ هَذَا كَانَ مَلِكًا بِالْعِرَاقِ وَالْجَزِيرَةِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ الْعَرَبَ، وَهُوَ صَاحِبُ الزَّبَّاءِ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: الزَّبَّاءُ مَلِكَةُ الْجَزِيرَةِ، وَتُعَدُّ مِنْ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ أَيْ: كَنَدِيمِيْهِ وَجَلِيسَيْهِ وَأَنِيسَيْهِ، قِيلَ: نَدْمَانَاهُ الْفَرْقَدَانِ. (حِقْبَةً) بِكَسْرٍ أَيْ: مُدَّةً لَا وَقْتَ لَهَا. (مِنَ الدَّهْرِ) أَيِ: الزَّمَانِ. (حَتَّى قِيلَ) : أَيْ: إِلَى أَنْ قَالَ النَّاسُ: إِنَّهُمَا (لَنْ يَتَصَدَّعَا) أَيْ: لَنْ يَتَفَرَّقَا) أَبَدًا، تَوَهَّمَا أَنَّ طُولَ ذَلِكَ الِاجْتِمَاعِ يَدُومُ. (فَلَمَّا تَفَرَّقَا أَيْ: بِالْمَوْتِ. (كَأَنِّي وَمَالِكٌ) هُوَ أَخُو الشَّاعِرِ الْمَيِّتِ (لِطُولِ اجْتِمَاعٍ) أَيْ: عِنْدَهُ. (لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً) أَيْ: سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ. (مَعًا) أَيْ: مُجْتَمَعَيْنِ لِمَا تَقَرَّرُ أَنَّ الْفَانِيَ إِذَا انْقَطَعَ صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] وَقِيلَ: اللَّامُ فِي طُولٍ بِمَعْنَى مَعَ أَوْ بَعْدَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكَ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وَمِنْهُ: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، أَيْ: بَعْدَهَا، قَالَ الشَّمَنِيُّ فِي شَرْحِ الْمُغْنِي: وَهَذَا الْبَيْتُ لِتَمِيمِ بْنِ نُوَيْرَةَ، يَرْثِي أَخَاهُ مَالِكًا، الَّذِي قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. (ثُمَّ قَالَتْ) أَيْ: عَائِشَةُ. (وَاللَّهِ لَوْ حَضَرْتُكَ) أَيْ: وَقْتَ الدَّفْنِ، وَقَالَ مِيرَكُ: أَيْ: حَضَرْتُ وَفَاتَكَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَدَفْنَكَ. (مَا دُفِنْتَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ. (إِلَّا حَيْثُ مُتَّ) أَيْ: مَنَعْتُكَ أَنْ تُنْقَلَ، وَقَدْ نُقِلَ بَحْثُ النَّقْلِ فِيمَا سَبَقَ، وَكَأَنَّهَا ﵂ ذَهَبَتْ إِلَى مَنْعِ النَّقْلِ مُطْلَقًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا أَنَّ كُلَّ مَنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ لَا يُمِيتُ اللَّهُ إِيَّاهُ فِي مَكَّةَ اهـ. وَهُوَ تَعْلِيلٌ غَرِيبٌ. (وَلَوْ شَهِدْتُكَ) أَيْ: حَضَرْتُ وَفَاتَكَ. (مَا زُرْتُكَ) أَيْ: ثَانِيًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «لَعَنَ زَوَّارَتِ الْقُبُورِ» . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَذَا قِيلَ، وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ إِنْ كَانَتْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ بِنَسْخِ ذَلِكَ، قُلْتُ: النَّاسِخُ قَوْلُهُ: " «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا» "، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الرُّخْصَةُ إِنَّمَا هِيَ الرِّجَالُ، فَلَعَلَّهَا ذَهَبَتْ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهَا مَا جَوَّزَتْ خُرُوجَ نِسَاءٍ إِلَى الْمَسَاجِدِ مَعَ تَجْوِيزِهِ ﷺ مُعَلِّلَةً بِأَنَّهُ ﷺ لَوْ عَلِمَ فَسَادَ نِسَاءِ الزَّمَانِ لَمَنَعَهُنَّ مِنَ الْخُرُوجِ ; لِأَنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كُنَّ مُعْتَدَّاتٍ أَبَدًا، فَلَا يَجُوزُ خُرُوجُهُنَّ مِنَ الْبَيْتِ إِلَّا لِحَاجَةٍ، كَالْحَجِّ أَوْ مُجَرَّدِ الزِّيَارَةِ، لَيْسَ كَذَلِكَ، وَفِيهِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 2496
١٧١٩ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: «سَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَعْدًا، وَرَشَّ عَلَى قَبْرِهِ مَاءً» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٧١٩ - (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: سَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَعْدًا) هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الضَّرُورَةِ أَوِ الْجَوَازِ. (وَرَشَّ) أَيْ: أَمَرَ بِالرَّشِّ. (عَلَى قَبْرِهِ مَاءً، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 2497
١٧٢٠ - «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٧٢٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَحَثَى عَلَيْهِ أَيْ: رَمَى عَلَى قَبْرِهِ بِالتُّرَابِ. (مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، وَهُوَ مِنْ بَابِ إِعَانَةِ الْخَيْرَاتِ وَلَوْ بِبَعْضِ الْفِعْلَاتِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
) .
стр. 2498
١٧٢١ - «وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئًا عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: " لَا تُؤْذِ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ، أَوْ لَا تُؤْذِهِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٧٢١ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ: (قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئًا عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: لَا تُؤْذِ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ) أَيْ: لَا تُهِنْهُ. (أَوْ لَا تُؤْذِهِ) أَيْ: بِالضَّمِيرِ مَوْضِعَ الظَّاهِرِ، وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 2499
[بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ]
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
١٧٢٢ - عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ، وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(بَابُ الْبُكَاءِ) بِالْمَدِّ عَلَى الْأَفْصَحِ أَيْ: جَوَازِهِ. (عَلَى الْمَيِّتِ) أَيْ: بِدُونِ نِيَاحَةٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٧٢٢ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ) اسْمُهُ الْبَرَاءُ، وَاسْمُ أُمِّ سَيْفٍ زَوْجَتِهِ خَوْلَةُ بَنْتُ الْمُنْذِرِ، أَنْصَارِيَّةٌ، كَذَا فِي التَّخْرِيجِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّهَا رَيَّانُ مُرْضِعَةٌ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ النَّبِيِّ ﷺ (الْقَيْنِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْيَاءِ أَيِ: الْحَدَّادِ. (وَكَانَ) أَيْ: أَبُو سَيْفٍ. (ظِئْرًا) بِكَسْرِ الظَّاءِ مَهْمُوزٍ، وَيَجُوزُ إِبْدَالُهُ وَهُوَ الْمُرْضِعَةُ (لِإِبْرَاهِيمَ) وَمَعْنَاهُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ زَوْجَ مُرْضِعَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَصَاحِبَ لَبَنِهَا، تُوُفِّي إِبْرَاهِيمُ وَلَهُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا كَذَا فِي التَّخْرِيجِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقِيلَ: الظِّئْرُ: الْمُرَبِّي وَالْمُرْضِعُ، يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْعَطْفُ، وَسُمِّيَ زَوْجُ الْمُرْضِعَةِ ظِئْرًا ; لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْهُ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِي الْعَطْفِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الظِّئْرُ الْمُرْضِعَةُ غَيْرَ وَلَدِهَا، وَيُقَالُ لِلذَّكَرِ أَيْضًا. (فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ) أَيْ: وَضَعَ أَنْفَهُ فِي وَجْهِهِ عَلَى وَجْهِهِ كَمَنْ يَشُمُّ رَائِحَةً، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ الْأَطْفَالِ وَالتَّرَحُّمَ بِهِمْ نِسْبَةٌ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، رَوَى: أَنَّهُ «قَالَ رَجُلٌ لِي: عَشَرَةُ صِبْيَانٍ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَقَالَ ﷺ : (" لَا أَمْلِكُ لَكَ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ» ) أَيْ: بِأَيَّامٍ. (وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ) أَيْ: يَمُوتُ، وَقِيلَ: يَتَحَرَّكُ وَيَتَرَدَّدُ فِي الْفِرَاشِ لِكَوْنِهِ فِي النَّزْعِ. (فَجَعَلَتْ) أَيْ: صَارَتْ. (عَيْنَا رَسُولِ ﷺ تَذْرِفَانِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَ سُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: تُسِيلَانِ دَمْعًا، فِي النِّهَايَةِ: ذَرَفَتِ الْعَيْنُ
стр. 2500
إِذَا جَرَى دَمْعُهَا. (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: وَأَنْتَ) عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيِ: النَّاسُ يَبْكُونَ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَبْكِي كَمَا نَبْكِي! قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَنْتَ تَفْعَلُ كَذَا، وَتَنْفَجِعُ لِلْمَصَائِبِ كَالنَّاسِ، اسْتَغْرَبَ مِنْهُ ذَلِكَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْعَجْزِ عِنْدَ مُقَاوَمَةِ الْمُصِيبَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا، وَأَجَابَ بِأَنَّ الْحَالَةَ الَّتِي تُشَاهِدُهَا رِقَّةٌ وَرَحْمَةٌ عَلَى الْمَقْبُوضِ، لَا مَا تَوَهَّمْتَ مِنْ قِلَّةِ الصَّبْرِ. (فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا) أَيِ: الدَّمْعَةُ أَوِ الْحَالَةُ الَّتِي تُشَاهِدُهَا. (رَحْمَةٌ) أَيْ: أَثَرُ رَحْمَةٍ. (ثُمَّ أَتْبَعَهَا) أَيْ: تِلْكَ الْمَرَّةَ مِنَ الْبُكَاءِ. (بِأُخْرَى) أَيْ: بِمَرَّةٍ أُخْرَى وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: أَتْبَعَ الدَّمْعَةَ الْأُولَى بِدَمْعَةٍ أُخْرَى، أَوْ أَتْبَعَ الْكَلِمَةَ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ: إِنَّهَا رَحْمَةٌ بِكَلِمَةٍ أُخْرَى. (فَقَالَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ) بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ. (يَحْزَنُ) بِفَتْحِ الزَّايِ:، وَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ ضَمِّ الزَّايِ فَخَطَأٌ فَاحِشٌ، فَإِنَّهُ بِالضَّمِّ مُتَعَدٍّ، وَبِالْفَتْحِ لَازِمٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مِنْ شَأْنِهِمَا ذَلِكَ، وَلَا يُمْنَعَانِ مِمَّا خُلِقَا لَهُمَا، خُصُوصًا إِذَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الرَّحْمَةِ، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمَثُوبَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: إِنَّهَا رَحْمَةٌ كَلِمَةً مُجْمَلَةً، فَعَقَّبَهَا بِالتَّفْصِيلِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَيَنْصُرُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، أَيْ: هَذِهِ الدَّمْعَةُ الَّتِي تَرَاهَا فِي الْعَيْنِ أَثَرُ رَحْمَةٍ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ. (وَلَا نَقُولُ) أَيْ: مَعَ ذَلِكَ. (إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا) وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ رَبِّنَا. (وَإِنَّا لِفِرَاقِكَ) أَيْ: بِسَبَبِ مُفَارَقَتِكَ إِيَّانَا. (يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ) أَيْ: طَبْعًا وَشَرْعًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْزَنْ فَمِنْ قَسَاوَةِ قَلْبِهِ، وَمَنْ لَمْ يَدْمَعْ فَمِنْ قِلَّةِ رَحْمَتِهِ، فَهَذَا الْحَالُ أَكْمَلُ عِنْدَ أَرْبَابِ الْكَمَالِ، مِنْ حَالِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ مِنَ الْمَشَايِخِ فَضَحِكَ، فَإِنَّ الْعَدْلَ أَنْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ سَنَدُهَا حَسَنٌ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَبْكِي أَوَلَمْ تَنْهَ عَنِ الْبُكَاءِ؟ ! فَقَالَ: لَا وَلَكِنِّي نَهَيْتُ عَنِ النَّوْحِ» .
стр. 2501
١٧٢٣ - «وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى ; فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا ; فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، فَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٧٢٣ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ: زَيْنَبُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَصَوَّبَهُ غَيْرُهُ. (إِلَيْهِ) ﵊. (إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ) أَيْ: قَرُبَ قَبْضُهُ وَمَوْتُهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: دَخَلَ فِي حَالَةِ الْقَبْضِ وَمُعَالَجَةِ النَّزْعِ، وَفِي النِّهَايَةِ قُبِضَ الْمَرِيضُ إِذَا تُوُفِّيَ، وَإِذَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ، ثُمَّ قِيلَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ عَاشَ حَتَّى نَاهَزَ الْحُلُمَ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ لَهُ صَبِيٌّ عُرْفًا، بَلْ لُغَةً، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْوَضْعَ اللُّغَوِيَّ يَكْفِي هُنَا، وَقِيلَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ أُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ، كَمَا ثَبَتَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ. (فَأْتِنَا) أَيْ: احْضَرْنَا. (فَأَرْسَلَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا. (يَقْرَأُ السَّلَامَ) عَلَيْهَا. (وَيَقُولُ) تَسْلِيَةً لَهَا. (إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ) وَوَقَعَ فِي الْحِصْنِ: وَلِلَّهِ، وَهُوَ مَعَ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ خِلَافُ مَا فِي الْأُصُولِ. (مَا أَعْطَى) مَا: فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ التَّقْدِيرُ: لِلَّهِ الْأَخْذُ وَالْإِعْطَاءُ، وَعَلَى الثَّانِي لِلَّهِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ، وَلَهُ مَا أَعْطَى مِنْهُمْ، أَوْ مَا هُوَ أَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي تَقَدُّمِ الْمَجَازِ إِشَارَةٌ إِلَى الِاخْتِصَاصِ بِالْمَلِكِ الْجَبَّارِ، وَقَدَّمَ الْأَخْذَ عَلَى الْإِعْطَاءِ مَعَ أَنَّ الْأَخْذَ مُتَأَخِّرٌ فِي الْوَاقِعِ لِمَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَأْخُذَهُ هُوَ الَّذِي كَانَ أَعْطَاهُ، فَإِنْ أَخَذَهُ أَخَذَ مَا هُوَ لَهُ، فَلَا يَنْبَغِي الْجَزَعُ ; لِأَنَّ مَنْ يُسْتَوْدَعُ الْأَمَانَةَ لَا يَنْبَغِي لَهُ الْجَزَعُ إِذَا اسْتُعِيدَتْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْإِعْطَاءِ إِعْطَاءَ الْحَيَاةِ لِمَنْ بَقِيَ بَعْدَ الْمَيِّتِ، وَثَوَابَهُمْ عَلَى الْمُصِيبَةِ، أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. (وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى) قَالَ مِيرَكُ: أَيْ: كُلٌّ مِنَ الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ، أَوْ مِنَ الْأَنْفُسِ، أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ جُمْلَةٌ ابْتِدَائِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ كُلٌّ مِنَ الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ عِنْدَ اللَّهِ مُقَدَّرٌ مُؤَجَّلٌ. قَالَ مِيرَكُ: وَيَجُوزُ فِي كُلٍّ النَّصْبُ عَطْفًا عَلَى أَنْ، فَيَنْسَحِبُ التَّأْكِيدُ عَلَيْهِ أَيْضًا، أَقُولُ: لَكِنْ لَا يُسَاعِدُهُ الرَّسْمُ، وَالرِّوَايَةُ. قَالَ: وَمَعْنَى الْعِنْدِيَّةِ الْعِلْمُ، فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْمُلَازَمَةِ، وَالْأَجَلُ يُطْلَقُ عَلَى الْحَدِّ الْأَخِيرِ عَلَى مَجْمُوعِ الْعُمُرِ. (فَلْتَصْبِرْ) أَيْ: هِيَ. (وَلْتَحْتَسِبْ) أَيْ: تَطْلُبِ الْأَجْرَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا لِلْغَائِبِ الْمُؤَنَّثِ، أَوِ الْحَاضِرِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: (فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا) فَعَلَى هَذَا الْمُبَلِّغُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا تَلَفَّظَ بِهِ فِي الْغَيْبَةِ اهـ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الصَّبْرَ يُورِثُ الثَّوَابَ، وَالْجَزَعَ يُفَوِّتُهُ عَنِ الْمُصَابِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي التَّعْزِيَةِ، وَلِذَا قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ: فَإِذَا عَزَّى أَحَدًا
стр. 2502
يُسَلِّمُ وَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ إِلَخْ.
قَالَ: «وَكَتَبَ ﷺ إِلَى مُعَاذٍ يُعَزِّيهِ فِي ابْنٍ لَهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فَأَعْظَمَ اللَّهُ لَكَ الْأَجْرَ، وَأَلْهَمَكَ الصَّبْرَ، وَرَزَقَنَا وَإِيَّاكَ الشُّكْرَ، فَإِنَّ أَنْفُسَنَا وَأَمْوَالَنَا، وَأَهْلِينَا وَأَوْلَادَنَا مِنْ مَوَاهِبِ اللَّهِ ، الْهَنِيئَةِ، وَعَوَارِيهِ الْمُسْتَوْدَعَةِ، مَتَّعَ بِهَا إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ، وَيَقْبِضُهَا لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ افْتَرَضَ عَلَيْنَا الشُّكْرَ إِذَا أَعْطَى، وَالصَّبْرَ إِذَا ابْتَلَى، فَكَانَ ابْنُكَ مِنْ مَوَاهِبِ اللَّهِ الْهَنِيئَةِ، وَعَوَارِيهِ الْمُسْتَوْدَعَةِ، مَتَّعَكَ بِهِ فِي غِبْطَةٍ وَسُرُورٍ، وَقَبَضَهُ مِنْكَ لِأَجْرٍ كَثِيرٍ، الصَّلَاةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْهُدَى إِنِ احْتَسَبْتَ فَاصْبِرْ، وَلَا يُحْبِطْ جَزَعُكَ أَجْرَكَ؛ فَتَنْدَمَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَزَعَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَلَا يَدْفَعُ حُزْنًا، وَمَا هُوَ نَازِلٌ فَكَانَ وَالسَّلَامُ» ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ الْحَاكِمُ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَمِنَ الْأُمُورِ الْغَرِيبَةِ وَالْقَضَايَا الْعَجِيبَةِ أَنَّهُ أَثْنَاءَ كِتَابَتِي هَذَا الْكِتَابَ وَقَعَ مِنْ قَضَاءِ رَبِّ الْأَرْبَابِ أَنْ مَاتَ لِي ابْنٌ اسْمُهُ حَسَنٌ، وَفِي الصُّورَةِ وَالسِّيرَةِ حَاوِي الْفَوَاضِلِ، وَجَامِعُ الْفَضَائِلِ، حَسَّنَ اللَّهُ مَثْوَاهُ، وَزَيَّنَ مَضْجَعَهُ وَمَأْوَاهُ، فَحَصَلَ لِي بِهَذَا الْحَدِيثِ تَعْزِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَتَسْلِيَةٌ شَامِلَةٌ، وَنَرْجُو مِنَ اللَّهِ حُسْنَ الْخَاتِمَةِ مَعَ الْإِنَابَةِ التَّامَّةِ. (فَأَرْسَلَتْ) أَيِ: ابْنَتُهُ. (إِلَيْهِ) أَيْ: مَرَّةً أُخْرَى. (تُقْسِمُ عَلَيْهِ) أَيْ: تَحْلِفُ عَلَيْهِ. (لَيَأْتِيَنَّهَا) بِالنُّونِ الْمُؤَكَّدَةِ، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) كُبَرَاءُ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَاؤُهُمْ. (وَرِجَالٌ) أَيْ: آخَرُونَ مِمَّنْ هُمْ دُونَهُمْ. (فَرُفِعَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ. (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّبِيُّ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ رُفِعَ الصَّبِيُّ عَلَى يَدِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ وَضَعَهُ أَحَدٌ فِي حِجْرِهِ ﷺ . (وَنَفْسُهُ) أَيْ: رُوحُهُ. (تَتَقَعْقَعُ) أَيْ: تَضْطَرِبُ وَتَتَحَرَّكُ، وَلَا تَثْبُتُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. (فَفَاضَتْ) سَالَتْ. (عَيْنَاهُ) وَالنِّسْبَةُ مَجَازِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى نَزَلَ الدَّمْعُ مِنْ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (فَقَالَ سَعْدٌ) أَيِ: الْمَذْكُورُ. (يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟) الْبُكَاءُ أَيْ: مِنْكَ. (فَقَالَ: هَذِهِ) أَيِ: الدَّمْعَةُ. (رَحْمَةٌ) أَيْ: أَثَرٌ مِنْ آثَارِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيِ: التَّبْكِيَةُ مِنْ رِقَّةِ الْقَلْبِ. (جَعَلَهَا) أَيْ: خَلَقَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ. (فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ) قَالَ مِيرَكُ: ظَنَّ سَعْدٌ أَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْبُكَاءِ حَرَامٌ، وَأَنَّهُ ﷺ نُسِّيَ، فَأَعْلَمَهُ ﷺ أَنَّ مُجَرَّدَ الْبُكَاءِ وَدَمْعَ الْعَيْنِ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَلَا مَكْرُوهٍ، بَلْ هُوَ رَحْمَةٌ وَفَضِيلَةٌ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ النَّوْحُ وَالنَّدْبُ، وَشَقُّ الْجُيُوبِ، وَضَرْبُ الْخُدُودِ. (فَإِنَّمَا) وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ. (يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) جَمْعُ رَحِيمٍ بِمَعْنَى الرَّاحِمِ، أَيْ: وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ مَنِ اتَّصَفَ بِأَخْلَاقِهِ، وَيَرْحَمُ عِبَادَهُ، وَ (مِنْ) فِي: مِنْ عِبَادِهِ بَيَانِيَّةٌ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَهُوَ الرُّحَمَاءُ قَدَّمَهَا إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا يَكُونُ أَوْقَعَ اهـ كَلَامُ الطِّيبِيِّ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ (مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ، أَيْ: إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ جُمْلَةِ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ، فَمَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ اهـ. وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ مَشْهُورٍ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَأَرْبَابُ الْمَالِ مُتَخَلِّقُونَ بِأَخْلَاقِ ذِي الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ، مُتَّصِفُونَ بِالرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ الشَّامِلَةِ، وَالرَّحْمَةِ الْخَاصَّةِ الْفَاضِلَةِ.
стр. 2503
١٧٢٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوًى لَهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَاشِيَةٍ، فَقَالَ: قَدْ قَضَى. قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بَكَوْا. فَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ، أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٧٢٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: اشْتَكَى) أَيْ: مَرِضَ. (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوًى) مَصْدَرٌ أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ أَيْ: مَرَضًا. (لَهُ) أَيْ: حَاصِلًا لَهُ. (فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ) حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ أَيْ: يَقْصِدُ عِيَادَتَهُ. (مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) مِنْ أَجِلَّاءِ أَصْحَابِهِ. (فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ) أَيْ: صَادَفَهُ. (فِي غَاشِيَةٍ) أَي) : شِدَّةٍ مِنَ الْمَرَضِ، أَوْ فِي غَشَيَانِ وَإِغْمَاءٍ مِنْ غَايَةِ الْمَرَضِ، حَتَّى ظُنَّ أَنَّهُ مَاتَ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْغَاشِيَةُ الدَّاهِيَةُ مِنْ شَرٍّ أَوْ مَكْرُوهٍ، أَوْ مَرَضٍ، الْمُرَادُ بِهَا هَهُنَا مَا كَانَ يَتَغَشَّاهُ مِنْ كَرْبِ الْوَجَعِ الَّذِي بِهِ لَا حَالُ الْمَوْتِ ; لِأَنَّهُ بَرِئَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَعَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
стр. 2504
عَنْهُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ بِالْغَاشِيَةِ الْقَوْمُ الْحُضُورُ عِنْدَهُ الَّذِينَ هُمْ غَاشِيَتُهُ، أَيْ: يَغْشَوْنَهُ لِلْخِدْمَةِ، أَوِ الزِّيَارَةِ قَالَ مِيرَكُ: كَذَا نَقَلَهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْغَاشِيَةِ الثَّوْبَ الَّذِي يُلْقَى عَلَى الْمَرِيضِ أَوِ الْمَيِّتِ، وَلِذَا سَأَلَ ﷺ قَدْ قَضَى. (قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْ: رَحْمَةٌ عَلَيْهِ، وَتَذَكَّرُوا لِمَا صَدَرَ لَهُ مِنَ الْخِدْمَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ. (فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بَكَوْا) وَفِي نِسْبَةِ الْبُكَاءِ إِلَى الرُّؤْيَةِ الْمِلْكُ: إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الدَّمْعَةُ. (فَقَالَ) تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ. (أَلَا تَسْمَعُونَ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ أَوَمَا سَمِعْتُمْ أَوْ مَا عَلِمْتُمُ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنْ لَا تَسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ. (إِنَّ اللَّهَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْتِئْنَافٌ، أَوْ بَيَانٌ لِلْمَقُولِ الْمُقَدَّرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ. (لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ) بَلْ يُثَابُ بِهِمَا إِذَا كَانَا عَلَى جِهَةِ الرَّحْمَةِ. (وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا) أَيْ: إِذَا قَالَ: مَا لَا يُرْضِي الرَّبَّ، بِأَنْ قَالَ شَرًّا مِنَ الْجَزَعِ وَالنِّيَاحَةِ. (وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ) يَعْنِي الْمُرَادَ بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ هُنَا اللِّسَانُ الَّذِي يُضَرُّ بِهِ الْإِنْسَانُ. (أَوْ يُرْحَمُ) أَيْ: بِهَذَا إِنْ قَالَ خَيْرًا، بِأَنِ اسْتَرْجَعَ مَثَلًا، أَوِ اسْتَغْفَرَ أَوْ تَرَحَّمَ، وَمَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ مِنْ جَوَازِ الْبُكَاءِ وَلَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ نَوْحٍ، وَرَفْعِ صَوْتٍ، نَقَلَ جَمَاعَةٌ فِيهِ الْإِجْمَالَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: فَإِذَا وَجَبَتْ لَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ، فِي الْأَذْكَارِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْبُكَاءَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَكْرُوهٌ لِهَذَا الْخَبَرِ، بَلْ قَالَ جَمَاعَةٌ إِنَّهُ يُفِيدُ تَحْرِيمَهُ اهـ. وَيَرُدُّهُ مَا رَوَى مُسْلِمٌ: أَنَّهُ « ﷺ زَارَ قَبْرَ ابْنِهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ» ، وَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ: أَنَّهُ بَكَى عَلَى قَبْرِ بِنْتٍ لَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ نَهْيُهُنَّ عَلَى بُكَاءٍ خَاصٍّ لَهُنَّ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْمَفْهُومِ، وَلَعَلَّ فَائِدَةَ الْقَيْدِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْبُكَاءَ بِالدَّمْعِ لَيْسَ أَمْرًا اخْتِيَارِيًّا، وَلَا يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ بِالْأُمُورِ الْجِبِلِّيَّةِ الِاضْطِرَارِيَّةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الْقَوَاعِدِ الدِّينِيَّةِ. ( «وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ» ) أَيْ: مَعَ رَفْعِ الصَّوْتِ. (عَلَيْهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي رِوَايَةٍ: بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: بِبُكَاءِ الْحَيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ مَا نِيحَ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ يُبْكَ عَلَيْهِ يُعَذَّبْ، وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ وَنَسَبَتْهُمَا إِلَى النِّسْيَانِ وَالِاشْتِبَاهِ عَلَيْهِمَا، وَأَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] قَالَتْ: وَإِنَّمَا «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي يَهُودِيَّةٍ: إِنَّهَا تُعَذَّبُ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهَا،» تَعْنِي تُعَذَّبُ بِكُفْرِهَا فِي حَالِ بُكَاءِ أَهْلِهَا، لَا بِسَبَبِ الْبُكَاءِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْوَعِيدَ فِي حَقِّ مَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ، وَيُنَاحَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَنُفِّذَتْ وَصِيتُهُ، فَهَذَا يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَنَوْحِهِمْ ; لِأَنَّهُ تَسَبَّبَهُ، وَأَمَّا مَنْ بَكَوْا عَلَيْهِ وَنَاحُوا مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ فَلَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا إِذَا أَوْصَى بِالْبُكَاءِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمَيِّتِ الْمُشْرِفَ عَلَى الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ الْحَالُ بِبُكَائِهِمْ وَصُرَاخِهِمْ وَجَزَعِهِمْ عِنْدَهُ، وَقِيلَ: هَذَا فِي بَعْضِ الْأَمْوَاتِ: كَأَنْ يُعَذَّبُ فِي زَمَانِ بُكَائِهِمْ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ لِمَا فِي رِوَايَةٍ: «يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ» ، وَفِي أُخْرَى: الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ إِذَا قَالَتِ النَّائِحَةُ: وَاعَضُدَاهُ، وَا نَاصِرَاهُ، وَاكَاسِيَاهُ، جَبَذَا الْمَيِّتَ، وَقِيلَ: لَهُ أَنْتَ عَضُدَاهَا؟ ! أَنْتَ نَاصِرُهَا؟ ! أَنْتَ كَاسِيهَا؟ ! اهـ. وَهَذَا صَرِيحٌ أَنَّهُ إِنَّمَا يُعَذَّبُ إِذَا كَانَ أَوْصَى أَوْ كَانَ بِفِعْلِهِمْ يَرْضَى ; وَلِهَذَا أَوْجَبَ دَاوُدُ وَمَنْ تَبِعَهُ الْوَصِيَّةَ بِتَرْكِ الْبُكَاءِ، وَالنَّوْحِ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا يَظْهَرُ وَجْهُ قُوَّةِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَوَجْهُ ضَعْفِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَا قَالَتْهُ أَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا بِدَلِيلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥] ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا كُلُّهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبُكَاءِ هُنَا الْبُكَاءُ بِصَوْتٍ وَنِيَاحَةٍ وَلَا بِمُجَرَّدِ الدَّمْعَةِ، وَسَيَأْتِي أَقْوَالٌ أُخَرُ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2505
١٧٢٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٧٢٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ مِنَّا) أَيْ: مِنْ أَهْلِ سُنَّتِنَا وَطَرِيقَتِنَا، أَوْ لَيْسَ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا، وَالْمُرَادُ الْوَعِيدُ وَالتَّغْلِيظُ الشَّدِيدُ. (مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ) جَمَعَهُ لِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ فَإِنَّهُ مِنْ مُفْرَدِ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ الْمَعْنَى. (وَشَقَّ الْجُيُوبَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَبِكَسْرٍ، وَفِي مَعْنَاهُ طَرْحُ الْعِمَامَةِ، وَضَرْبُ الرَّأْسِ عَلَى الْجِدَارِ، وَقَطْعُ الشَّعْرِ. (وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ: بِدُعَائِهِمْ يَعْنِي: قَالَ عِنْدَ الْبُكَاءِ مَا لَا يَجُوزُ شَرْعًا، مِمَّا يَقُولُ بِهِ الْجَاهِلِيَّةُ، كَالدُّعَاءِ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَكَوَاكَهْفَاهُ، وَاجَبَلَاهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 2506
١٧٢٦ - وَعَنِ ابْنِ بُرْدَةَ قَالَ: «أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسِي الْأَشْعَرِيِّ ; فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ: أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي وَكَانَ يُحَدِّثُهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ، وَصَلَقَ، وَخَرَقَ» ؟ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ.
ــ
١٧٢٦ - (وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ) أَيْ: عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بْنِ قَيْسٍ: أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، أَحَدِ التَّابِعِينَ الْمَشْهُورِينَ الْمُكْثِرِينَ، سَمِعَ أَبَاهُ وَعَلِيًّا وَغَيْرَهُمَا، كَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ بَعْدَ شُرَيْحٍ، فَعَزَلَهُ الْحَجَّاجُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ; فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ أَيْ: شَرَعَتْ، وَجَعَلَتْ، وَصَارَتْ (تَصِيحُ بِرَنَّةٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ صَوْتٌ مَعَ الْبُكَاءِ فِيهِ تَرْجِيعٌ. (ثُمَّ أَفَاقَ) أَيْ: أَبُو مُوسَى. (فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي) أَيْ: مَا حَدَّثْتُكِ. (وَكَانَ يُحَدِّثُهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَكَانَ يُحَدِّثُهَا حَالٌ، وَالْعَامِلُ قَالَ، وَمَفْعُولُ أَلَمْ تَعْلَمِي مَقُولُ الْقَوْلِ، أَيْ: أَلَمْ تَعْلَمِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ فَتَنَازَعَا مِنْهُ. (مِمَّنْ حَلَقَ) أَيْ: شَعْرَهُ أَوْ رَأْسَهُ لِأَجْلِ الْمُصِيبَةِ. (وَصَلَقَ) وَفِي الْمَصَابِيحِ بِالسِّينِ، وَهُوَ لُغَةٌ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، أَيْ: رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ وَالْمَرَحِ، أَوْ قَالَ مَا لَا يَجُوزُ شَرْعًا، وَقِيلَ: الصَّلْقُ: اللَّطْمُ وَالْخَدْشُ. (وَخَرَقَ) بِالتَّخْفِيفِ أَيْ: قَطَعَ ثَوْبَهُ بِالْمُصِيبَةِ، وَكَانَ الْجَمِيعُ مِنْ صَنِيعِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ مِنْ صَنِيعِ النِّسَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَكَانَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ إِذَا مَاتَ لِأَحَدِهِمْ قَرِيبٌ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ، كَمَا أَنَّ عَادَةَ بَعْضِ الْعَجَمِ قَطْعُ بَعْضِ شَعْرِ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الَّتِي تَحْلِقُ وَجْهَهَا لِلزِّينَةِ، قُلْتُ: هَذَا الْأَخِيرُ بَعِيدٌ مِنَ الْمَقَامِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ.
стр. 2507
١٧٢٧ - وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ.
وَقَالَ: النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٧٢٧ - (وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعٌ) أَيْ: خِصَالٌ أَرْبَعٌ كَائِنَةٌ. (فِي أُمَّتِي) حَالَ كَوْنِهِنَّ. (مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ: مِنْ أُمُورِهِمْ وَخِصَالِهِمُ الْمُعْتَادَةِ، طُبِعَ عَلَيْهِنَّ كَثِيرٌ مِنَ الْأُمَّةِ. (لَا يَتْرُكُونَهُنَّ) أَيْ: غَالِبًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ تَدُومُ فِي الْأُمَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ بِأَسْرِهِمْ تَرْكَهَمْ لِغَيْرِهَا مِنْ سُنَنِ الْجَاهِلِيَّةِ ; فَإِنَّهُنَّ إِنْ يَتْرُكْهُنَّ طَائِفَةٌ جَاءَهُنَّ آخَرُونَ. (الْفَخْرُ) أَيِ: الِافْتِخَارُ. (فِي الْأَحْسَابِ) أَيْ: فِي شَأْنِهَا وَسَبَبِهَا، وَالْحَسَبُ مَا يَعُدُّهُ الرَّجُلُ مِنَ الْخِصَالِ الَّتِي تَكُونُ فِيهِ: كَالشَّجَاعَةِ وَالْفَصَاحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: الْحَسَبُ مَا يَعُدُّهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِهِ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الْحَسَبُ وَالْكَرَمُ يَكُونَانِ فِي الرَّجُلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِآبَائِهِ شَرَفٌ، وَالشَّرَفُ وَالْمَجْدُ لَا يَكُونَانِ إِلَّا الْآبَاءَ، فِي الْفَائِقِ الْفَخْرُ تَعْدَادُ الرَّجُلِ مِنْ مَآثِرِهِ، وَمَآثِرِ آبَائِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: مَنْ فَاتَ حَسَبُهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِحَسَبِ أَبِيهِ، أَيِ: التَّفَاخُرُ وَالتَّكَبُّرُ وَالتَّعْظِيمُ بِعَدِّ مَنَاقِبِهِ، وَمَآثِرِ آبَائِهِ، وَتَفْضِيلِ الرَّجُلِ نَفْسَهُ عَلَى غَيْرِهِ لِيُحَقِّرَهُ لَا يَجُوزُ. (وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ) أَيْ: إِدْخَالُ الْعَيْبِ فِي أَنْسَابِ النَّاسِ، وَالْمَعْنَى تَحْقِيرُ الرَّجُلِ آبَاءَ غَيْرِهِ، وَتَفْضِيلُ آبَائِهِ عَلَى آبَاءِ غَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ الْمَظْهَرُ اللَّهُمَّ إِلَّا بِالْإِسْلَامِ، وَالْكُفْرِ، قُلْتُ: إِلَّا إِذَا أَرَادَ أَذَى مُسْلِمٍ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُكَنَّى بِالطَّعْنِ فِي أَنْسَابِ الْغَيْرِ عَنِ الْفَخْرِ بِنَسَبِ نَفْسِهِ، فَيَجْتَمِعُ لَهُ الْحَسَبُ وَالنَّسَبُ، وَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الطَّعْنِ فِي نَسَبِ نَفْسِهِ اهـ. فِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ ; وَمَحَلُّ الْأَوَّلِ إِذَا كَانَ مُرَادُهُ أَذَى غَيْرِهِ بِالتَّصْرِيحِ أَوِ الْكِنَايَةِ، أَوْ يَكُونُ إِثْبَاتُهُ كَذَّابًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ رَبِّهِ، وَمَحَلُّ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ نَسِيبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَيَطْعَنُ، فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي وَعِيدِ: لَعَنَ اللَّهُ الْخَارِجَ عَنَّا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، وَالدَّاخِلَ فِينَا مِنْ غَيْرِ نَسَبٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ بَعْضُ قَوْمِهِ يَدَيِ الشَّرَفِ مَثَلًا بِالزُّورِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْعَنَ فِي نَسَبِ نَفْسِهِ حِينَئِذٍ، لِيُظْهِرَ الْحَقَّ وَيُذْهِبَ الْبَاطِلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَالِاسْتِسْقَاءُ) أَيْ: طَلَبُ السُّقْيَا. (بِالنُّجُومِ) أَيْ: بِسَبَبِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: طَلَبُ السُّقْيَا أَيْ: تَوَقُّعُ الْأَمْطَارِ عَنْ وُقُوعِ النُّجُومِ فِي الْأَنْوَاءِ، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا اهـ. وَالْمَعْنَى أَنَّ اعْتِقَادَ الرَّجُلِ نُزُولَ الْمَطَرِ بِظُهُورِ نَجْمِ كَذَا حَرَامٌ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُقَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى. (وَالنِّيَاحَةُ)
стр. 2508
بِالرَّفْعِ وَهِيَ الرَّابِعَةُ، وَهُوَ قَوْلُ: وَا وَيْلَاهُ، وَا حَسْرَتَاهُ، وَالنُّدْبَةُ عِنْدَ شَمَائِلِ الْمَيِّتِ، مِثْلَ وَا شُجَاعَاهُ، وَا أَسَدَاهُ، وَا جَبَلَاهُ. (وَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (النَّائِحَةُ) أَيِ: الَّتِي صَنْعَتُهَا النِّيَاحَةُ. (وَإِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا) أَيْ: قَبْلَ حُضُورِ مَوْتِهَا. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِهِ لِيُعْلَمَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّوْبَةِ أَنْ يَتُوبَ وَهُوَ يَأْمُلُ الْبَقَاءَ، وَيَتَمَكَّنُ مَنْ تَأَتِّي الْعَمَلِ الَّذِي يَتُوبُ عَلَيْهِ، وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ.﴾ [النساء: ١٨] الْآيَةَ اهـ. وَبِهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا: أَنَّ تَوْبَةَ الْيَأْسِ مِنَ الْكَافِرِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَمِنَ الْمُؤْمِنِ مَقْبُولَةٌ كَرَامَةً لِإِيمَانِهِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ إِطْلَاقُ قَوْلِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. (تُقَامُ) مَجْهُولٌ مِنَ الْإِقَامَةِ. (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بَيْنَ أَهْلِ النَّارِ وَأَهْلِ الْمَوْقِفِ لِلْفَضِيحَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: تُحْشَرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تُقَامُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ بَيْنَ أَهْلِ النَّارِ وَأَهْلِ الْوَقْفِ، جَزَاءً عَلَى قِيَامِهَا فِي الْمَنَاحَةِ، وَهُوَ الْأَمْثَلُ. (وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ) أَيْ: قَمِيصٌ مَطْلِيٌّ. (مِنْ قَطِرَانٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الطَّاءِ، طِلَاءٌ يُطْلَى بِهِ، وَقِيلَ: دُهْنٌ يُدْهَنُ بِهِ الْجَمَلُ الْأَجْرَبُ، وَمَا ضَبَطْنَاهُ هُوَ الْمَحْفُوظُ فِي الْحَدِيثِ، وَعَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فِي الْآيَةِ أَيْضًا إِلَّا مَا شَذَّ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْقَطِرَانُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَكَظَرِبَانِ: عُصَارَةُ الْأَبْهَلِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَسُكُونِهَا فَقَاصِرٌ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْقَطِرَانُ مَا يَنْحَلِبُ مِنْ شَجَرٍ يُسَمَّى الْأَبْهَلَ فَيُطْبَخُ، وَيُدْهَنُ بِهِ الْإِبِلُ الْجَرْبَاءُ، فَيَحْرِقُ الْجَرَبَ بِحَرَارَتِهِ وَحِدَّتِهِ الْجِلْدَ، وَقَدْ تَبْلُغُ حَرَارَتُهُ الْجَوْفَ. (وَدِرْعٌ) عَطْفٌ عَلَى سِرْبَالٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: دِرْعُ الْحَدِيدِ يُؤَنَّثُ، وَدِرْعُ الْمَرْأَةِ قَمِيصُهَا، السِّرْبَالُ الْقَمِيصُ مُطْلَقًا. (مِنْ جَرَبٍ) أَيْ: مِنْ أَجْلِ جَرَبٍ كَائِنٍ بِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يُسَلَّطُ عَلَى أَعْضَائِهَا الْجَرَبُ وَالْحِكَّةُ، بِحَيْثُ يُغَطِّي جِلْدَهَا تَغْطِيَةَ الدِّرْعِ، فَتُطْلَى مَوَاقِعُهُ بِالْقَطِرَانِ، لِتُدَاوَى فَيَكُونُ الدَّوَاءُ، أَدْوَى مِنَ الدَّاءِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى لَذْعِ الْقَطِرَانِ، وَإِسْرَاعِ النَّارِ فِي الْجُلُودِ، وَاللَّوْنِ الْوَحْشِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: خُصَّتْ بِدِرْعٍ مِنَ الْجَرَبِ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَجْرَحُ بِكَلِمَاتِهَا الْمُحْرِقَةِ قُلُوبَ ذَوَاتِ الْمُصِيبَاتِ، وَتَحُكُّ بِهَا بَوَاطِنَهُنَّ ; فَعُوقِبَتْ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى بِمَا يُمَاثِلُهُ فِي الصُّورَةِ، وَخُصَّتْ أَيْضًا بِسَرَابِيلَ مِنْ قَطِرَانٍ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ الثِّيَابَ السُّودَ فِي الْمَآتِمِ، فَأَلْبَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى السَّرَابِيلَ لِتَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهَا، فَإِنْ قُلْتَ: ذَكَرَ الْخِلَالَ الْأَرْبَعَ وَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهَا الْوَعِيدَ سِوَى النِّيَاحَةِ، فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ؟ قُلْتُ: النِّيَاحَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالنِّسَاءِ، وَهُنَّ لَا يَنْزَجِرْنَ مِنْ هِجْرَانِهِنَّ انْزِجَارَ الرِّجَالِ، فَاحْتَجْنَ إِلَى مَزِيدِ الْوَعِيدِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ قَوْلِ: النَّائِحَةُ إِلَخْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَخَذَ أَئِمَّتُنَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَحْرِيمَ النَّوْحِ، وَتَعْدِيدَ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ، بِنَحْوِ وَاكَهْفَاهُ مَعَ رَفْعِ الصَّوْتِ وَالْبُكَاءِ، وَتَحْرِيمِ ضَرْبِ الْخَدِّ، وَشَقِّ الْجَيْبِ، وَنَشْرِ الشَّعْرِ وَحَلْقِهِ وَنَتْفِهِ، وَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ، وَإِلْقَاءِ التُّرَابِ عَلَى الرَّأْسِ، وَالدُّعَاءِ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ: وَالضَّابِطُ أَنَّهُ يَحْرُمُ كُلُّ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُ إِظْهَارَ جَزَعٍ يُنَافِي الِانْقِيَادَ وَالتَّسْلِيمَ لِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالُوا: وَمِنْ ذَلِكَ تَغْيِيرُ الزِّيِّ، وَلِبْسُ غَيْرِ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِلُبْسِهِ، أَيْ: وَإِنِ اعْتِيدَ لُبْسُهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ.
стр. 2509
١٧٢٨ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي. قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ﷺ . فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ. فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ ": إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٧٢٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي) أَيْ: بِرَفْعِ صَوْتٍ. (عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ) هَذَا تَوْطِئَةٌ لِمَا بَعْدَهُ، أَيْ: خَافِي عِقَابَهُ أَوْ مُخَالَفَتَهُ بِتَرْكِ النِّيَاحَةِ. (وَاصْبِرِي) حَتَّى تُؤْجَرِي. (قَالَتْ) أَيْ: جَاهِلَةً بِمَنْ يُخَاطِبُهَا، وَظَانَّةً أَنَّهُ مِنْ آحَادِ النَّاسِ، وَغَافِلَةً عَمَّا قِيلَ: انْظُرْ إِلَى مَا قَالَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ. (إِلَيْكَ) اسْمُ فِعْلٍ أَيِ: ابْعِدْ وَتَنَحَّ. (عَنِّي) وَلَا تَلُمْنِي، وَمَا أَبْعَدَ تَقْدِيرَ ابْنِ حَجَرٍ وَتَقْرِيرَهُ وَتَحْرِيرَهُ، حَيْثُ قَالَ: أَيْ تَبَاعَدْ عَنِّي لِأَمْرَيْنِ: كُونِي امْرَأَةً وَأَنْتَ ذَكَرٌ أَجْنَبِيٌّ، وَكَوْنُ حَالِكَ لَيْسَ كَحَالِي. (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ: لَمْ تُبْتَلَ. (بِمُصِيبَتِي) أَيْ: بِعَيْنِهَا أَوْ بِمِثْلِهَا عَلَى زَعْمِهَا. (وَلَمْ تَعْرِفْهُ) النَّبِيَّ أَوْ وَلَمْ تَعْرِفْهُ أَنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ (فَقِيلَ لَهَا) : أَيْ: بَعْدَ مَا ذَهَبَ ﷺ . (إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ فَنَدِمَتْ) عَلَى مَا جَاوَبَتْ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ . (فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ بَابِهِ. (بَوَّابِينَ) كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُلُوكِ الْجَبَابِرَةِ. (فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ) أَيْ: فَلَا تَأْخُذْ عَلَيَّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهَا لَمَّا سَمِعَتْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَوَهَّمَتْ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُلُوكِ، فَقَالَتِ اعْتَذَرًا: لَمْ أَعْرِفْكَ. (فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ) أَيِ: الْكَامِلُ الْمَرْضِيُّ الْمُثَابُ عَلَيْهِ. (عِنْدَ الصَّدْمَةِ) أَيِ: الْحَمْلَةِ. (الْأُولَى) وَابْتِدَاءِ الْمُصِيبَةِ، وَأَوَّلِ لُحُوقِ الْمَشَقَّةِ، وَإِلَّا فَكُلُّ أَحَدٍ يَصْبِرُ بَعْدَهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذْ هُنَاكَ سَوْرَةُ الْمُصِيبَةِ فَيُثَابُ عَلَى الصَّبْرِ، وَبَعْدَهَا تَنْكَسِرُ السَّوْرَةُ، وَيَتَسَلَّى الْمُصَابُ بَعْضَ التَّسَلِّي، فَيَصِيرُ الصَّبْرُ طَبْعًا، فَلَا يُثَابُ عَلَيْهَا) اهـ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَصِرِ الصَّبْرُ طَبْعًا ثُمَّ تُذْكَرُ الْمُصِيبَةُ ثُمَّ صَبَرَ وَلَوْ طَالَ الْعَهْدُ فَيُثَابُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ، وَلَكِنَّ الدَّرَجَةَ الْأَعْلَى عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
стр. 2510
١٧٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيَلِجُ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٧٢٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا. (فَيَلِجَ) بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ. (النَّارَ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: لَا يَدْخُلُهَا، وَالْمَعْنَى هُنَا نَفْيُ الِاجْتِمَاعِ، لَا اعْتِبَارُ السَّبَبِيَّةِ، وَقَالَ الْأَشْرَفُ: إِنَّمَا تَنْصِبُ الْفَاءُ الْفِعْلَ الْمُضَارِعَ إِذَا كَانَ بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا سَبَبِيَّةٌ، وَلَا سَبَبِيَّةَ هُنَا، إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْتُ الْأَوْلَادِ وَلَا عَدَمُهُ سَبَبًا لِوُلُوجِ أَبِيهِمُ النَّارَ فَيُحْمَلُ الْفَاءُ عَلَى مَعْنَى وَاوِ الْجَمَاعَةِ، أَيْ: لَا يَجْتَمِعُ هَذَانِ: مَوْتُ ثَلَاثَةِ أَوْلَادٍ وَوُلُوجُ النَّارِ. (إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ) وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: فَيَلِجُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ بِالنَّصْبِ فَلَا مَحِيدَ عَنْ ذَلِكَ، وَالرَّفْعُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوجَدُ وُلُوجٌ عَقِبَ مَوْتِ الْأَوْلَادِ، إِلَّا مِقْدَارًا يَسِيرًا، وَمَعْنَى فَاءِ التَّعْقِيبِ كَمَعْنَى الْمَاضِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] فِي أَنَّ مَا سَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْكَائِنِ، وَأَنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ كَالْوَاقِعِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: السَّبَبِيَّةُ لَيْسَتْ مُمْتَنِعَةً بَلْ صَحِيحَةٌ، وَزَعْمُ امْتِنَاعِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى النَّظَرِ لِمُطْلَقِ الْوُلُوجِ، وَهُوَ غَفْلَةٌ مِنْ أَنَّ مَا بَعْدَهَا لَيْسَ مُطْلَقَةً بَلِ الْوُلُوجُ الْمُقَيَّدُ بِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى تَحِلَّةِ الْقَسَمِ، وَذَلِكَ مُسَبَّبٌ عَنْ مَوْتِهِمْ بِلَا شَكَّ، فَاتَّضَحَ الْإِتْيَانُ بِالْفَاءِ، وَعَجِيبٌ مِنَ الشَّارِحِ كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ) ذَلِكَ؟ ! وَقَوْلُ الطِّيبِيِّ: إِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ بِالنَّصْبِ فَلَا مَحِيدَ عَنْ ذَلِكَ أَعْجَبُ اهـ. وَالصَّوَابُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ قَيْدًا، بَلِ اسْتِدْرَاكٌ لِئَلَّا يُنَافِيَ الْحُكْمُ الْحَدِيثِيُّ الْمَعْنَى الْقُرْآنِيَّ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ أَمْرًا مَقْضِيًّا وَمَعْلُومًا دِينًا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي، فَفِيهِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ وَإِشَارَةٌ صَحِيحَةٌ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ قَيْدًا لِلْحَكَمِ أَصْلًا وَفَصْلًا، وَإِنْ كَانُوا مِنَ الْعَجَمِ، وَالْمُعْتَرِضُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَرَبِ نَسَبًا وَأَصْلًا فِي النِّهَايَةِ: أَرَادَ التَّحِلَّةَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] الْآيَةَ. وَقَالَ مِيرَكُ: نَقْلًا عَنِ التَّخْرِيجِ: الْوُرُودُ هُوَ الْعُبُورُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَهُوَ جِسْرٌ مَنْصُوبٌ عَلَى جَهَنَّمَ، عَافَانَا اللَّهُ مِنْهَا اهـ. فِي النِّهَايَةِ: أَيْ: لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ لُحُوقِ ضَرَرٍ اهـ. فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا التَّحِلَّةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ مَصْدَرٌ كَالتَّحْلِيلِ، وَتَحْلِيلُ الْقَسَمِ جَعْلُهُ صِدْقًا، فَمَعْنَى: إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ قِيلَ: إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا يُبِرُّ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمَهُ، فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] يَعْنِي لَا يَدْخُلُ النَّارَ لَكِنْ يَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ لُحُوقِ ضَرَرٍ مِنْهَا بِهِ، وَقِيلَ: إِلَّا زَمَانًا يَسِيرًا يُمْكِنُ فِيهِ تَحِلَّةُ الْقَسَمِ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهِ، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ مَثَلًا لِكُلِّ شَيْءٍ يَقِلُّ وَقْتُهُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: فَعَلْتُهُ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ أَيْ: لَمْ أَفْعَلْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا حَلَلْتُ بِهِ يَمِينِي، وَلَمْ أُبَالِغْ اهـ. وَفِي الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ: وَهُوَ أَنَّهُ لَا قَسَمَ فِي الْآيَةِ ظَاهِرًا، وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِمَّا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] أَيْ: حَتَّمَهُ وَقَضَى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ وَعَدَ بِهِ وَعْدًا مُؤَكَّدًا لَا يُمْكِنُ خُلْفُهُ، وَقِيلَ: أَقْسَمَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الْقَسَمُ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ مُضْمَرٌ، أَيْ: وَاللَّهِ، مَا مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى مَا يَتَعْلَّقُ بِهِ الْمَقَامُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ السَّابِقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرُنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨] الْآيَةَ، ثُمَّ رَأَيْتُ التُّورِبِشْتِيَّ قَالَ: قِيلَ: الْقَسَمُ مُضْمَرٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] أَيْ: وَإِنْ مِنْكُمْ وَاللَّهِ، إِلَّا وَارِدُهَا، وَقِيلَ: مَوْضِعُ الْقَسَمِ مَرْدُودٌ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرُنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم: ٦٨] . قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْقَسَمِ مَا دَلَّ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتِّ مِنَ الْكَلَامِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] تَذْيِيلٌ، وَتَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَسَمِ، بَلْ هُوَ أَبْلَغُ لِمَجِيءِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَلَفْظُ كَانَ وَعَلَى تَأْكِيدِ الْحَتْمِ بِالْمُقْتَضَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 2511
١٧٣٠ - وَعَنْهُ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنِسْوَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: لَا يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَحْتَسِبُهُ إِلَّا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوِ اثْنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَوْ اثْنَانِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: ثَلَاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ.
ــ
١٧٣٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنِسْوَةٍ) اسْمُ جَمْعٍ. (مِنَ الْأَنْصَارِ) أَيْ: مِنْ نِسَائِهِمْ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ كَمَالُ اسْتِحْضَارِ الْقَضِيَّةِ لَا أَنَّ هُنَاكَ خُصُوصِيَّةً. (لَا يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ) بِفَتْحَتَيْنِ اسْمُ جِنْسٍ وَيُضَمُّ الْوَاوُ وَيُسَكَّنُ اللَّامُ. (فَتَحْتَسِبُهُ) بِالرَّفْعِ، لَا غَيْرَ أَيْ: تَطْلُبُ إِحْدَاكُنَّ بِمَوْتِهِ ثَوَابًا عِنْدَ اللَّهِ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ، وَتَعْتَدُّهُ فِيمَا يُدَّخَرُ لَهَا فِي الْآخِرَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: فَتَصْبِرُ رَاجِيَةً لِرَحْمَةِ اللَّهِ وَغُفْرَانِهِ، وَلَيْسَ هَذِهِ الْفَاءَ كَمَا فَيَلِجُ بَلْ هِيَ لِلتَّسَبُّبِ بِالْمَوْتِ، وَحَرْفُ النَّفْيِ مُنْصَبٌّ عَلَى السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ مَعًا. (إِلَّا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ) أَيْ: دُخُولَهُ أَوَّلِيًّا، وَهُوَ لَا
стр. 2512
يُنَافِي الْوُلُوجَ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ. (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوِ اثْنَانِ) عَطْفٌ تَلْقِينِيٌّ أَيْ: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَقُولَ أَوِ اثْنَانِ) . (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَوِ اثْنَانِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا عَلَى حَدِّ: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] قَالَ: وَمَنْ كَفَرَ اهـ. وَالْمِثَالُ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَخَطَأٌ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، بَيَانُ الْأُولَى أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ كَفَرَ لَهَا عَطْفٌ عَلَى مَنْ آمَنَ أَيْ: وَأَرْزُقُ مَنْ كَفَرَ، أَوْ مُبْتَدَأٌ تَضَمَّنَ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَبَيَانُ الثَّانِيَةِ أَنَّ التَّلْقِينَ وَالْعَرْضَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ النَّازِلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَالِي دُونَ الْعَكْسِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُتَعَالِي. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا) أَيْ: لِلشَّيْخَيْنِ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ قَبْلَ الذِّكْرِ، إِلَّا أَنَّهُ عُلِمَ بِقَرِينَةِ مُسْلِمٍ، فَإِنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ غَالِبًا. (ثَلَاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ) يَعْنِي فِي اللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ ثَلَاثَةٌ مُطْلَقٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: ثَلَاثَةٌ مُقَيَّدُ الْوَصْفِ. قَالَ مِيرَكُ: حَقَّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا قَالَ: أَصْلُ الْحَدِيثِ مَرْوِيٌّ فِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا لَكِنْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ انْتَهَى.
وَفِيهِ أَنَّهُ حَيْثُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ: وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَيْفَ يَقُولُ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي النِّهَايَةِ؟ ! أَيْ: لَمْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ الرِّجَالِ حَتَّى يَجْرِيَ عَلَيْهِمُ الْقَلَمُ، فَيُكْتَبَ عَلَيْهِمِ الْحِنْثُ وَالْإِثْمُ انْتَهَى، وَفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْحِنْثَ بِالْبُلُوغِ، وَبَعْضُهُمْ بِالذَّنْبِ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيِ: الْحَدَّ الَّذِي يُكْتَبُ عَلَيْهِمِ الْحِنْثُ أَيِ: الذَّنْبُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ لَيْسَ احْتِرَازِيًّا، بَلْ أَكْمَلِيًّا ; فَإِنَّ شَفَاعَتَهُمْ أَرْجَى، وَالصَّبْرَ عَلَيْهِمْ أَقْوَى.
стр. 2513
١٧٣١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَقُولُ اللَّهُ: مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الْجَنَّةَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٧٣١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ اللَّهُ: مَا لِعَبْدِي) أَيْ: لَيْسَ لِعَبْدِي. (الْمُؤْمِنُ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهَ» ) أَيْ: مُخْتَارَهُ وَمَحْبُوبَهُ مِنَ الْوَلَدِ أَوِ الْوَالِدِ أَوْ غَيْرِهِمَا. فِي النِّهَايَةِ: صَفِيُّ الرَّجُلِ: الَّذِي يُصَافِيهِ الْوُدَّ، وَيُخْلِصُهُ لَهُ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَوْ مَفْعُولٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ وَلَدٌ لَا يَكُونُ لَهُ غَيْرُهُ، قُلْتُ: أَوْ مِثْلُهُ. (مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا) ظَاهِرُهُ إِفَادَةُ الْعُمُومِ لَا تُفِيدُ خُصُوصَ الْوَلَدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِأَهْلِ الدُّنْيَا لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ الصَّفِيَّ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ كَانَ جَزَاؤُهُ وَرَاءَ الْآخِرَةِ، وَهُوَ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَرِضْوَانُ اللَّهِ أَكْبَرُ انْتَهَى، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَجَعَلَهُ بَيَانًا لِلْوَاقِعِ. (ثُمَّ احْتَسَبَهُ) أَيْ: صَبَرَ عَلَيْهِ طَالِبًا لِلثَّوَابِ، وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ لِلصُّنْعِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مَنْ قَبَضْتُ، أَيِ: احْتَسَبَ قَبْضَ صَفِيِّهِ، وَمَوْتِ حَبِيبِهِ، أَيْ: طَلَبَ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ بِالصَّبْرِ الْجَمِيلِ عَلَى مُفَارَقَةِ الْخَلِيلِ، وَبِالرِّضَا عَلَى قَضَاءِ الرَّبِّ الْجَلِيلِ. (إِلَّا الْجَنَّةَ) بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ أَيْ: مَا لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الثَّوَابَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَالِاثْنَيْنِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْوَاحِدِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ.
стр. 2514
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
١٧٣٢ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّائِحَةَ، وَالْمُسْتَمِعَةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٧٣٢ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّائِحَةَ) يُقَالُ: نَاحَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الْمَيِّتِ إِذَا نَدَبَتْهُ أَيْ: بَكَتْ عَلَيْهِ وَعَدَّدَتْ مَحَاسِنَهُ، وَقِيلَ: النَّوْحُ بُكَاءٌ مَعَ صَوْتٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا الَّتِي تَنُوحُ عَلَى الْمَيِّتِ أَوْ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا ; فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي الْحَدِيثِ، وَأَمَّا الَّتِي تَنُوحُ عَلَى مَعْصِيَتِهَا فَذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَخَصَّ النَّائِحَةَ ; لِأَنَّ النَّوْحَ يَكُونُ مِنَ السَّنَاءِ غَالِبًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ التَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ: مَنْ يُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَحْيَانًا فَلَا يُخِلُّ بِعَدَالَتِهِ كَمَا فِي الْكَذِبِ وَنَحْوِهِ، فَلَا يَكُونُ مَحَلَّ اللَّعْنِ الْمُشْعِرِ بِأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ. (وَالْمُسْتَمِعَةَ) أَيِ: الَّتِي تَقْصِدُ السَّمَاعَ وَيُعْجِبُهَا، كَمَا أَنَّ الْمُسْتَمِعَ وَالْمُغْتَابَ شَرِيكَانِ فِي الْوِزْرِ، وَالْمُسْتَمِعُ وَالْقَارِئُ مُشْتَرِكَانِ فِي الْأَجْرِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَالثَّلَاثَةُ ضُعَفَاءُ.
стр. 2515
١٧٣٣ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «عَجَبٌ لِلْمُؤْمِنِ! إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ وَشَكَرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ حَمِدَ اللَّهَ وَصَبَرَ، وَالْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ أَمْرِهِ حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِهِ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
١٧٣٣ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَجَبٌ) أَيْ: غَرِيبٌ، وَشَأْنٌ عَجِيبٌ. (لِلْمُؤْمِنِ) أَيِ: الْكَامِلِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ طُوبَى لَهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَصْلُهُ أَعْجَبُ عَجَبًا، فَعُدِلَ مِنَ النَّصْبِ إِلَى الرَّفْعِ لِلثَّبَاتِ كَقَوْلِكَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، قِيلَ: وَمِنْ ثَمَّ كَانَ سَلَامُ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩] أَبْلَغُ مِنْ سَلَامِ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ الْعَجَبَ بِقَوْلِهِ: (إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللَّهَ) أَيْ: أَثْنَى عَلَيْهِ بِأَوْصَافِ الْجَمَالِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ. (وَشَكَرَ) عَلَى نِعْمَةِ الْخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ. (وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ) أَيْ: بَلِيَّةٌ وَمِحْنَةٌ. (حَمِدَ اللَّهَ) بِأَوْصَافِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْجَلَالِ. (وَصَبَرَ) عَلَى حُكْمِ رَبِّهِ الْمُتَعَالِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ نِصْفُهُ صَبْرٌ وَنِصْفُهُ شُكْرٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] وَفِي تَقْدِيمِ الشُّكْرِ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ عَلَى كَثْرَةِ النَّعِيمِ وَسَبْقَتِهَا، وَفِي تَقَدُّمِ الصَّبْرِ فِي الْآيَةِ إِيمَاءٌ إِلَى قُوَّةِ احْتِيَاجِ الْعَبْدِ إِلَى الصَّبْرِ ; فَإِنَّهُ عَلَى أَنْوَاعٍ ثَلَاثَةٍ: صَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ، وَصَبْرٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَصَبْرٌ فِي الْمُصِيبَةِ، وَفِي إِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ نُكْتَةٌ خَفِيَّةٌ، رَمَزَ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِيَدِ اللَّهِ، يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَالتَّسْلِيمُ أَسْلَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَوْلُهُ: إِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ حَمِدَ اللَّهَ عِنْدَهَا لِعِلْمِهِ بِمَا يُثَابُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ الْعَظِيمِ، وَالثَّوَابُ نِعْمَةٌ، فَحَمْدُ اللَّهِ لِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَمْدَ مَحْمُودٌ عِنْدَ النِّعْمَةِ، وَعِنْدَ الْمُصِيبَةِ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: مَعْنَاهُ حَمِدَهُ عَلَى سَائِرِ نِعَمِهِ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي الْحَالَتَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] أَوْ حَمِدَ عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَةَ لَيْسَتْ فِي دِينِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَا وَقَعَ أَكْبَرُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا: وَكَمْ لِلَّهِ مِنْ لُطْفٍ خَفِيٍّ يَدِقُّ خَفَاهُ عَنْ فَهْمِ الذَّكِيِّ
قَالَ الْمُظْهِرُ: وَتَحَقُّقُ الْحَمْدِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِسَبَبِهَا ثَوَابٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ نِعْمَةٌ تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ عَلَيْهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَوْضِيحُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ: فَإِنْ مُسَّ بِالنَّعْمَاءِ عَمَّ سُرُورُهَا وَإِنْ مُسَّ بِالضَّرَّاءِ أَعْقَبَهُ الْأَجْرُ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْحَمْدِ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] اهـ. وَمَا أَبْعَدَ ابْنَ حَجَرٍ عَنِ التَّحْقِيقِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّهُ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْمُرَادِفِ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الشُّكْرَ أَخَصُّ مِنَ الْحَمْدِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا. (فَالْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ) بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ فِيهَا أَيِ: الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ يُثَابُ. (فِي كُلِّ أَمْرِهِ) أَيْ: شَأْنِهِ مِنَ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ وَغَيْرِهِمَا، حَتَّى فِي أُمُورِ الْمُبَاحِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ هُنَا الْخَيْرُ، فَالْمُبَاحُ يَنْقَلِبُ خَيْرًا بِالنِّيَّةِ وَالْقَصْدِ. ( «حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِهِ» ) أَيْ: فَمِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ جَزَاءُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، يَعْنِي إِذَا أَصَابَتْهُ نِعْمَةٌ فَحَمِدَ أُجِرَ، وَإِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَصَبَرَ أُجِرَ، فَهُوَ مَأْجُورٌ فِي كُلِّ أُمُورِهِ، حَتَّى فِي الشَّهْوَانِيَّةِ بِبَرَكَةِ إِيمَانِهِ، وَإِذَا قَصَدَ بِالنَّوْمِ زَوَالَ التَّعَبِ لِلْقِيَامِ إِلَى الْعِبَادَةِ عَنْ نَشَاطٍ كَانَ النَّوْمُ طَاعَةً، وَعَلَى هَذَا الْأَكْلُ وَجَمِيعُ الْمُبَاحَاتِ، قُلْتُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : ( «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ) وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: نَوْمُ الْعَالِمِ عِبَادَةٌ. وَقَوْلُهُ آخَرِينَ: نَوْمُ الظَّالِمِ عِبَادَةٌ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، يَرْفَعُهُ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ فِي عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ: كَيْفَ يَكُونُ مِنْ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ ثِقَةٌ؟ ! اهـ. أَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَنْصَفَ، وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يُخَرِّجُ حَدِيثَهُ فِي كُتُبِهِمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَالَهِ، تَمَّ كَلَامُ مَيْرَكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ قَتْلَهُ وَلَعَلَّ حُضُورَهُ مَعَ الْعَسْكَرِ كَانَ بِإِكْرَاهٍ، أَوْ رُبَّمَا حَسُنَ حَالُهُ وَطَابَ مَآلُهُ، وَمَنِ الَّذِي يَسْلَمُ مِنْ صُدُورِ مَعْصِيَةٍ عَنْهُ، وَمِنْ ظُهُورِ ذِلَّةٍ مِنْهُ؟ فَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ أَشْكَلَ الْأَمْرُ عَلَى ذَوِي الْأَلْبَابِ، لَا سِيَّمَا وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ صِحَّتُهُ، مَبْنًى وَمَعْنًى، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مِنَ الْأَحْكَامِ دِينًا وَلَا دُنْيَا حَتَّى يُتَفَحَّصَ عَنِ الرُّوَاةِ، وَلَا يُقْبَلَ إِلَّا مِنَ الثِّقَاتِ، وَإِذَا أَغْمَضُوا عَنِ الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ إِذَا كَانَ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَحْوَالِ، مَعَ أَنَّ رِجَالَ الصَّحِيحَيْنِ قَدْ يُوجَدُ فِيهِمْ مَنْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ خَارِجِيٌّ أَوْ رَافِضِيٌّ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَوْا فِي صِحَّةِ الرِّوَايَةِ مَنْ يَعْتَقِدُ حَلَّ الْكَذِبِ لِنُصْرَةِ مَقَالَتِهِ.
стр. 2516
١٧٣٤ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَهُ بَابَانِ بَابٌ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ، وَبَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ، فَإِذَا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] » رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٧٣٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَهُ) مُخْتَصٌّ بِهِ. (بَابَانِ) أَيْ: مِنَ السَّمَاءِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ. (بَابٌ يَصْعَدُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَيُضَمُّ أَيْ: يَطْلُعُ وَيُرْفَعُ. (مِنْهُ عَمَلُهُ) أَيِ: الصَّالِحُ أَيْ: إِلَى مُسْتَقَرِّ الْأَعْمَالِ، وَهُوَ مَحَلُّ كِتَابَتِهَا فِي السَّمَاءِ بَعْدَ كِتَابَتِهَا فِي الْأَرْضِ، وَفِي إِطْلَاقِهِ الْعَمَلَ إِشْعَارٌ بِأَنَّ عَمَلَهُ كُلَّهُ صَالِحٌ. (وَبَابٌ يَنْزِلُ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ. (مِنْهُ رِزْقُهُ) أَيِ: الْحِسِّيُّ أَوِ الْمَعْنَوِيُّ إِلَى مُسْتَقَرِّ الْأَرْزَاقِ مِنَ الْأَرْضِ. (فَإِذَا مَاتَ بَكَيَا) أَيِ: الْبَابَانِ. (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى فِرَاقِهِ ; لِأَنَّهُ انْقَطَعَ خَيْرُهُ مِنْهُمَا، بِخِلَافِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُمَا يَتَأَذَّيَانِ بِشَرِّهِ، فَلَا يَبْكِيَانِ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ، أَنَّ لِلْأَشْيَاءِ كُلِّهَا عِلْمًا بِاللَّهِ، وَلَهَا تَسْبِيحٌ، وَلَهَا خَشْيَةٌ، وَغَيْرُهَا، وَقِيلَ: أَيْ: بَكَى عَلَيْهِ أَهْلُهُمَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْكَشَّافُ هَذَا تَمْثِيلٌ، وَتَخَيُّلُ مُبَالَغَةٍ فِي فُقْدَانِ مَنْ دَرَجَ وَانْقَطَعَ خَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ بُكَاءِ مُصَلَّى الْمُؤْمِنِ وَآثَارِهِ فِي الْأَرْضِ، وَمَصَاعِدِ عَمَلِهِ، وَمَهَابِطِ رِزْقِهِ فِي السَّمَاءِ، تَمْثِيلٌ وَنَفْيُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] تَهَكُّمٌ بِهِمْ وَبِحَالِهِمُ الْمُنَافِيَةِ لِحَالِ مَنْ يَعْظُمُ فَقْدُهُ، فَيُقَالُ فِيهِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ اهـ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، وَلَا وَجْهَ لِلْعُدُولِ لِمُجَرَّدِ مُخَالَفَتِهِ ظَاهِرَ الْعُقُولِ. (فَذَلِكَ) أَيْ: مَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَوْ مِصْدَاقُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى الْكُفَّارِ. (السَّمَاءُ) أَيْ: بَابُهَا. (وَالْأَرْضُ) أَيْ: مَكَانُهَا الْمُخْتَصُّ بِهِ لِعَدَمِ طُلُوعِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ إِلَى السَّمَاءِ وَالظَّهْرِ، وَالْعَمَلِ السَّيِّئِ فِي مَكَانِهِ مِنَ الْأَرْضِ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ عَلَى خِلَافِهِمْ بِبُكَائِهِمَا عَلَيْهِمْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
) .
стр. 2517
١٧٣٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانِ مِنْ أُمَّتِي أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهِمَا الْجَنَّةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ مَنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ يَا مُوَفَّقَةُ، فَقَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ فَأَنَا فَرَطُ أُمَّتِي، لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِي» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
١٧٣٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانِ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: وَلَدَانِ لَمْ يَبْلُغَا أَوَانَ الْحُلُمِ بَلْ مَاتَا قَبْلَهُ. (مِنْ أُمَّتِي) بَيَانٌ لِمَنْ يُقَالُ: فَرَطٌ إِذَا تَقَدَّمَ، وَسِيقَ فَهُوَ فَارِطٌ وَفَرَطٌ وَالْفَرَطُ هُنَا الْوَلَدُ الَّذِي مَاتَ قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ يَتَقَدَّمُ وَيَتَهَيَّأُ لِوَالِدَيْهِ نُزُلًا وَمَنْزِلًا فِي الْجَنَّةِ) كَمَا يَتَقَدَّمُ فُرَّاطُ الْقَافِلَةِ إِلَى الْمَنَازِلِ فَيُعِدُّونَ لَهُمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ وَالْمَرْعَى وَغَيْرِهِمَا. (أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهِمَا الْجَنَّةَ أَيْ: مَعَ النَّاجِينَ أَوَّلًا بِالصَّبْرِ عَلَيْهِمَا، أَوْ بِالشَّفَاعَةِ مِنْهُمَا، لِمَا وَرَدَ لَا يَزَالُ السِّقْطُ مُحْبَنْطِئًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَقُولَ اللَّهُ: خُذْ بِيَدَيْ أَبَوَيْكَ وَأَدْخِلْهُمَا الْجَنَّةَ، وَالْمُحْبَنْطِئُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ: الْمُتَغَضِّبُ الْمُسْتَبْطِئُ لِلشَّيْءِ، وَقِيلَ: الْمُمْتَنِعُ امْتِنَاعَ طَلَبٍ لَا امْتِنَاعَ إِبَاءٍ. ( «فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ» ؟) أَيْ: فَمَا حُكْمُهُ؟ أَوْ فَهَلْ لَهُ هَذَا الثَّوَابُ؟ ( «قَالَ: وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ» ) أَيْ: فَكَذَلِكَ. (يَا مُوَفَّقَةُ) أَيْ: فِي الْخَيِّرَاتِ، وَلِلْأَسْئِلَةِ الْوَاقِعَةِ مَوْقِعَهَا شَفَقَةً عَلَى الْأُمَّةِ. ( «فَقَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ؟» ) أَيْ: فَمَا حَالُهُ؟ ( «قَالَ: فَأَنَا فَرَطُ أُمَّتِي» ) أَيْ: سَابِقُهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ بِالشَّفَاعَةِ سَائِقُهُمْ بَلْ أَنَا أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ فَرَطٍ، فَإِنَّ الْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ. (لَنْ يُصَابُوا) أَيْ: أُمَّتِي. (بِمِثْلِي) أَيْ: بِمِثْلِ مُصِيبَتِي لَهُمْ، فَإِنَّ مُصِيبَتِي أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ سَائِرِ الْمَصَائِبِ، فَأَكُونُ أَنَا فَرَطَهُمْ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ رَآهُ فَالْمُصِيبَةُ ظَاهِرَةٌ، وَقَدْ أَنْشَدَتِ الزَّهْرَاءُ ﵂:
مَاذَا عَلَى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدَ ... أَنْ لَا يَشُمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا
صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبُ لَوْ أَنَّهَا ... صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ صِرْنَ لَيَالِيَا
وَأَمَّا بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ فَالْمُصِيبَةُ الْعُظْمَى وَالْمِحْنَةُ الْكُبْرَى حَيْثُ مَا كَانَ لَهُمْ إِلَّا مَرَارَةُ الْفَقْدِ مِنْ غَيْرِ حَلَاوَةِ الْوَجْدِ، وَلِهَذَا بِمَوْتِهِ ﷺ يُتَسَلَّى عَنْ مَوْتِ كُلِّ مَحْبُوبٍ، وَفَقْدِ كُلِّ مَطْلُوبٍ، وَنِعْمَ مَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ:
стр. 2518
وَلَوْ كَانَ فِي الدُّنْيَا بَقَاءٌ لِسَاكِنٍ ... لَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ فِيهَا مُخَلَّدًا
وَمَا أَحَدٌ يَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ سَالِمًا ... وَسَهْمُ الْمَنَايَا قَدْ أَصَابَ
مُحَمَّدَا
وَقَدْ عَزَّانَا اللَّهُ قَبْلَ ارْتِحَالِهِ، وَمَغِيبِ شَمْسِ جَمَالِهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] تَلْوِيحًا، وَبِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] تَصْرِيحًا، وَهَذَا مِنْ قَضَائِهِ الْمَحْتُومِ، وَقَدَرِهِ الْمَقْسُومِ، فَمَوْتُهُ ﷺ مُصِيبَةٌ عَامَّةٌ، وَمِحْنَةٌ تَامَّةٌ، أَفْزَعَتِ الْفُؤَادَ، وَقَطَعَتِ الْأَكْبَادَ، وَأَوْحَشَتِ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ، سَوَاءً الْحَاضِرُ وَالْبَادِ، فَنَحْنُ بِقَضَائِهِ رَاضُونَ وَقَائِلُونَ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ
) .
стр. 2519
١٧٣٦ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ. فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٧٣٦ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ» ) أَيِ: الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ. ( «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ» ) أَيْ: مَلَكِ الْمَوْتِ وَأَعْوَانِهِ. (قَبَضْتُمْ) عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ نَظِيرَ تَجَاهُلِ الْعَارِفِ بِالْمَرَامِ. (وَلَدَ عَبْدِي) أَيْ: رُوحَهُ. (فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ) ثَانِيًا إِظْهَارًا لِكَمَالِ الرَّحْمَةِ، كَمَا أَنَّ الْوَالِدَ الْعَطُوفَ يَسْأَلُ الْفَصَّادَ هَلْ قَصَدْتَ وَلَدِي؟ مَعَ أَنَّهُ بِأَمْرِهِ وَرِضَاهُ. ( «قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ» ) ؟ قِيلَ: سُمِّيَ الْوَلَدُ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ لِأَنَّهُ نَتِيجَةُ الْأَبِ، كَالثَّمَرَةِ لِلشَّجَرَةِ. ( «فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي» ) ؟ أَيْ: مِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَزَعِهِ وَصَبْرِهِ، وَكُفْرِهِ وَشُكْرِهِ. (فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ) أَيْ: حَتَّى عَلَى الْبَلِيَّةِ الَّتِي مِنْ عِنْدِكَ. (وَاسْتَرْجَعَ) أَيْ: أَظْهَرَ رُجُوعَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ إِلَى أَمْرِكَ بِقَضَائِكَ وَقَدَرِكَ، وَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ بَعْضَنَا سَابِقُونَ وَالْبَاقُونَ لَاحِقُونَ. (فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي) أَيْ: هَذَا. (بَيْتًا) أَيْ: عَظِيمًا. (فِي الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْبَيْتَ. (بَيْتَ الْحَمْدِ) أَضَافَ الْبَيْتَ إِلَى الْحَمْدِ الَّذِي قَالَهُ عِنْدَ الْمُصْبِيَةِ لِأَنَّهُ جَزَاءُ ذَلِكَ الْحَمْدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَجَعَ السُّؤَالُ إِلَى تَنْبِيهِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ التَّفْضِيلِ عَلَى عَبْدِهِ الْحَاضِرِ لِأَجْلِ تَصَبُّرِهِ عَلَى الْمَصَائِبِ، أَوْ عِنْدَ تَشَكِّيهِ، بَلْ إِعْدَادُهُ إِيَّاهَا مِنْ جُمْلَةِ النَّعْمَاءِ الَّتِي تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ عَلَيْهَا، ثُمَّ اسْتِرْجَاعُهُ، وَأَنَّ نَفْسَهُ مِلْكُ اللَّهِ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ فِي الْعَاقِبَةِ. قَالَ: أَوَّلًا وَلَدُ عَبْدِي أَيْ: فَرْعُ شَجَرَتِهِ، ثُمَّ تَرَقَّى إِلَى ثَمَرَةِ فُؤَادِهِ، أَيْ: نَقَاوَةِ خُلَاصَتِهِ، فَإِنَّ خُلَاصَةَ الْإِنْسَانِ الْفُؤَادُ، وَالْفُؤَادُ إِنَّمَا يُعْتَدُّ بِهِ لِمَا هُوَ مَكَانُ اللَّطِيفَةِ الَّتِي خُلِقَ لَهَا، وَبِهَا شَرَفُهُ وَكَرَامَتُهُ، فَحَقِيقٌ لِمَنْ فَقَدَ مِثْلَ النِّعْمَةِ الْخَطِيرَةِ، وَتَلَقَّاهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ الْحَمْدِ أَنْ يَكُونَ مَحْمُودًا حَتَّى الْمَكَانَ الَّذِي يَسْكُنُ فِيهِ ; فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بَيْتَ الْحَمْدِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ.
стр. 2520
١٧٣٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ الرَّاوِي، وَقَالَ: وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْقُوفًا.
ــ
١٧٣٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ عَزَّى مُصَابًا) أَيْ: وَلَوْ بِغَيْرِ مَوْتٍ بِالْمَأْتِيِّ لَدَيْهِ، أَوْ بِالْكِتَابَةِ إِلَيْهِ بِمَا يُهَوِّنُ الْمُصِيبَةَ عَلَيْهِ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى الصَّبْرِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ، أَوْ بِالدُّعَاءِ لَهُ بِنَحْوِ: أَعْظَمَ اللَّهُ لَكَ الْأَجْرَ، وَأَلْهَمَكَ الصَّبْرَ، وَرَزَقَكَ الشُّكْرَ. (فَلَهُ) أَيْ: لِلْمُعَزِّي. (مِثْلُ أَجْرِهِ) أَيْ: نَحْوُ الْمُصَابِ عَلَى صَبْرِهِ ; لِأَنَّ «الدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: إِنَّ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْعَزَاءِ بِالْمَدِّ وَهُوَ الصَّبْرُ فَلَهُ لِأَجْلِ هَذِهِ التَّعْزِيَةِ ثَوَابٌ مِثْلُ ثَوَابِ الْمُصَابِ، لِأَجْلِ صَبْرِهِ فِي الْمُصِيبَةِ، وَقِيلَ: التَّعْزِيَةُ التَّأَسِّي وَالتَّصَبُّرُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، بِأَنْ يَقُولَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَيَقُولُ الْمُعَزِّي: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ بِالْمَدِّ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ الرَّاوِي) بِسُكُونِ الْيَاءِ. (وَقَالَ) أَيِ: التِّرْمِذِيُّ. (وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ) بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ الْوَاوِ. (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْقُوفًا) أَيْ: عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، لَكِنْ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ، وَيُعَضِّدُهُ خَبَرُ ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إِلَّا كَسَاهُ اللَّهُ مَنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَقَوْلُهُ: قُومُوا إِلَى أَخِينَا نُعَزِّيهِ.
стр. 2521
١٧٣٨ - وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَنْ عَزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرُدًا مِنَ الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
١٧٣٨ - (وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ عَزَّى ثَكْلَى) الثَّكْلُ فُقْدَانُ الْوَلَدِ، وَالرَّجُلُ ثَكْلَانُ أَيْ: مَنْ عَزَّى الْمَرْأَةَ الَّتِي مَاتَ وَلَدُهَا، أَيِ: الَّتِي لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ. (كُسِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ. (بُرُدًا) أَيْ: أُلْبِسَ ثَوْبًا عَظِيمًا. (فِي الْجَنَّةِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ كَذَا فِي مَبْدَأِ التِّرْمِذِيِّ.
стр. 2522
١٧٣٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٧٣٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ) أَيِ: ابْنِ أَبِي طَالِبٍ. (قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعِيُّ جَعْفَرٍ) بِف) تْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ: خَبَرُ مَوْتِهِ بِمُؤْتَةَ، وَهِيَ مَوْقِعٌ عِنْدَ تَبُوكَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، قِيلَ: النَّعْيُ وَالنَّعِيُّ الْإِخْبَارُ بِالْمَوْتِ، وَالنَّعْيُ أَيْضًا النَّاعِي، وَفِي الْقَامُوسِ: نَعَاهُ لَهُ نَعْوًا وَنَعْيًا أَخْبَرَهُ بِمَوْتِهِ، وَالنَّعِيُّ كَغَنِيٍّ النَّاعِي وَالْمَنْعِيُّ. (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ: لِأَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ. (اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا) أَيْ: يَتَقَوَّتُونَ بِهِ يُسَمَّى الْآنَ بِمَكَّةَ، رَفَعَهُ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَلَا يَفْعَلُونَهُ إِلَّا بَعْدَ الدَّفْنِ عِنْدَ دُخُولِ اللَّيْلِ. (فَقَدْ أَتَاهُمْ) أَيْ: مِنْ مَوْتِ جَعْفَرٍ. (مَا يَشْغَلُهُمْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْغَيْنِ وَقِيلَ: بِضَمِّ الْأَوَّلِ وَكَسْرِ الثَّالِثِ) ، الْقَامُوسُ: شَغَلَهُ كَمَنَعَهُ شَغْلًا وَيُضَمُّ، وَأَشْغَلَهُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ أَوْ قَلِيلَةٌ، أَوْ رَدِيئَةٌ، وَالْمَعْنَى جَاءَهُمْ مَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْحُزْنِ عَنْ تَهْيِئَةِ الطَّعَامِ لِأَنْفُسِهِمْ، فَيَحْصُلُ لَهُمُ الضَّرَرُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ اهـ. وَالْمُرَادُ طَعَامٌ يُشْبِعُهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْحُزْنَ الشَّاغِلَ عَنْ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ لَا يَسْتَمِرُّ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ، وَقِيلَ: يُحْمَلُ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُدَّةَ التَّعْزِيَةِ، ثُمَّ إِذَا صُنِعَ لَهُمْ مَا ذَكَرَ مِنْ أَنْ يُلِحَّ عَلَيْهِمْ فِي الْأَكْلِ لِئَلَّا يَضْعُفُوا بِتَرْكِهِ اسْتِحْيَاءً، أَوْ لِفَرْطِ جَزَعٍ، وَاصْطِنَاعُهُ مِنْ بَعِيدٍ أَوْ قَرِيبٍ لِلنَّائِحَاتِ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ ; لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَاصْطِنَاعُ أَهْلِ الْبَيْتِ لَهُ لِأَجْلِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، بَلْ صَحَّ عَنْ جَرِيرٍ ﵁: كُنَّا نَعُدُّهُ مِنَ النِّيَاحَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ، قُلْتُ: وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ أَوِ الْغَائِبِ، وَإِلَّا فَهُوَ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ. (وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
стр. 2523
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٧٤٠ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٧٤٠ - (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ) مَجْهُولُ نَاحَ. (فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: بِسَبَبِ النِّيَاحَةِ، أَوْ مَوْصُولَةٌ فَالْبَاءُ لِلْآلَةِ أَيْ: بِمَا نِيحَ بِهِ عَلَيْهِ مِثْلُ: وَاجَبَلَاهُ كَمَا سَيَأْتِي. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
) .
стр. 2524
١٧٤١ - «وَعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَذُكِرَ لَهَا: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ تَقُولُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٧٤١ - (وَعَنْ عَمْرَةَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ. (بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَذُكِرَ لَهَا) : أَيْ: لِعَائِشَةَ. (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ تَقُولُ) حَالٌ مِنْ عَائِشَةَ، قِيلَ: مَفْعُولٌ ثَانٍ لَسَمِعْتُ، وَمَا بَيْنَهُمَا جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وَجَوَّزَ الطِّيبِيُّ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ. (يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهَذَا مِنَ الْآدَابِ الْحَسَنَةِ الْمَأْخ) وذَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فَمَنِ اسْتَغْرَبَ مِنْ غَيْرِهِ شَيْئًا
стр. 2525
يَنْبَغِي أَنْ يُوَطِّئَ وَيُمَهِّدَ لَهُ بِالدُّعَاءِ إِقَامَةً لِعُذْرِهِ فِيمَا وَقَعَ مِنْهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ، وَمِنْ ثَمَّ زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيَانًا وَاعْتِذَارًا بِقَوْلِهَا. (مَا بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ أَوْ لِلِافْتِتَاحِ، يُؤْتَى بِهَا لِمُجَرَّدِ مَوْرِدِهِ الْخَاصِّ. (أَوْ أَخْطَأَ) فِي إِرَادَتِهِ الْعَامَّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَكِنَّهُ نَسِيَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَأَتَى بِغَيْرِهِ وَأَخْطَأَ مِنْهُ، إِلَى غَيْرِهِ اهـ. وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى مَعَ عَدَمِ مُلَاءَمَتِهِ بِقَوْلِهَا: (إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا فَقَالَ: إِنَّهُمْ) أَيِ: الْيَهُودُ (لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا) أَيِ: الْيَهُودِيَّةَ. (لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا) أَيْ: لِكُفْرِهَا أَوْ بِالْبُكَاءِ عَلَيْهَا) ، وَفِي مَعْنَاهَا كُلُّ كَافِرٍ وَفَاجِرٍ يُعَذَّبُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ وَارِدٌ لَوْ لَمْ يُسْمَعِ الْحَدِيثُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْرِدِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَبِرِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْهُ، وَعَنْ غَيْرِهِ غَيْرِ مُقَيَّدَةٍ بَلْ مُطْلَقَةٌ، دَخَلَ هَذَا الْخُصُوصُ تَحْتَ ذَلِكَ الْعُمُومِ، فَلَا مُنَافَاةَ وَلَا مُعَارَضَةَ، فَيَكُونُ اعْتِرَاضُهَا بِحَسَبِ اجْتِهَادِهَا. قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: اخْتَلَفُوا فِي تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ: فَقِيلَ: إِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ بِذَلِكَ فَيُعَذَّبُ بِسَبَبِهِ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ، وَقِيلَ: هَذَا الْقَوْلُ فِي حَقِّ مَيِّتٍ خَاصٍّ كَانَ يَهُودِيًّا، كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَذْكُرُونَ فِي بُكَائِهِمْ وَنَوْحِهِمْ مِنْ أَخْبَارِهِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَا يَكُونُ مَذْمُومًا شَرْعًا، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا يَقَعُ فِي الْبُكَاءِ مِنَ الْأَلْفَاظِ. قَالَ: وَعِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعَذَابِ هُوَ الْأَلَمَ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ إِذَا سَمِعَهُمْ يَبْكُونَ، أَوْ بَلَغَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ تَأَلُّمٌ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رُوِّينَا: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَاتَ لَهَا وَلَدٌ فَوَجَدَتْ عَلَيْهِ وَجْدًا شَدِيدًا، ثُمَّ رَحَلَتْ فِي بَعْضِ مَقَاصِدِهَا إِلَى الْمَغْرِبِ، فَحَضَرَ يَوْمُ الْعِيدِ وَعَادَتُهَا فِي بَلَدِهَا أَنْ تَخْرُجَ كُلَّ يَوْمِ عِيدٍ إِلَى الْمَقَابِرِ تَبْكِي عَلَى وَلَدِهَا، فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ فِي بَلَدِهَا خَرَجَتْ إِلَى مَقَابِرِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ، فَفَعَلَتْ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ، وَأَكْثَرَتِ الْبُكَاءَ وَالْوَيْلَ ثُمَّ نَامَتْ، فَرَأَتْ أَهْلَ الْمَقْبَرَةِ قَدْ هَاجُوا يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، هَلْ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ عِنْدَنَا وَلَدٌ؟ ! فَقَالُوا: لَا. فَقَالُوا: كَيْفَ جَاءَتْ عِنْدَنَا تُؤْذِينَا بِبُكَائِهَا؟ ! ثُمَّ ذَهَبُوا وَضَرَبُوهَا ضَرْبًا وَجِيعًا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَتْ وَجَدَتْ أَلَمَ ذَلِكَ الضَّرْبِ، فَلَا شَكَّ أَنَّ أَرْوَاحَ الْأَمْوَاتِ تَأْلَمُ مِنَ الْمُؤْذِيَاتِ، وَتَفْرَحُ مِنَ اللَّذَّاتِ فِي الْبَرْزَخِ، كَمَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ أَحْوَالَ الْأَحْيَاءِ، وَمَا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ شِدَّةٍ وَرَخَاءٍ، وَوَرَدَ أَنَّهُمْ يَفْتَخِرُونَ بِالزِّيَارَاتِ، وَيَأْلَمُونَ بِانْقِطَاعِهَا، وَلَمَّا كَانَ الْبُكَاءُ، وَالْعَوِيلُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ تَتَأَذَّى بِهِ الْأَرْوَاحُ وَتَنْقَبِضُ، كَانَ كَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّعْذِيبِ الْمَنْفِيِّ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ عَائِشَةُ مُسْتَدِلَّةً بِالْآيَةِ هُوَ عَذَابُ الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَأَقُولُ: لَا شَكَّ فِي تَأَذِّي الْأَرْوَاحِ بِمَا تَتَأَذَّى بِهِ الْأَشْبَاحُ، وَهُوَ مَحْمَلٌ حَسَنٌ، وَتَأْوِيلٌ مُسْتَحْسَنٌ، لَوْلَا أَنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ تَقْيِيدِ الْعِقَابِ بِقَوْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الرِّوَايَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
следующие страницы →