← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

١٧٣٨ - وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَنْ عَزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرُدًا مِنَ الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ١٧٣٨ - (وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ عَزَّى ثَكْلَى) الثَّكْلُ فُقْدَانُ الْوَلَدِ، وَالرَّجُلُ ثَكْلَانُ أَيْ: مَنْ عَزَّى الْمَرْأَةَ الَّتِي مَاتَ وَلَدُهَا، أَيِ: الَّتِي لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ. (كُسِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ. (بُرُدًا) أَيْ: أُلْبِسَ ثَوْبًا عَظِيمًا. (فِي الْجَنَّةِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ كَذَا فِي مَبْدَأِ التِّرْمِذِيِّ.

стр. 2522

١٧٣٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ١٧٣٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ) أَيِ: ابْنِ أَبِي طَالِبٍ. (قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعِيُّ جَعْفَرٍ) بِف) تْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ: خَبَرُ مَوْتِهِ بِمُؤْتَةَ، وَهِيَ مَوْقِعٌ عِنْدَ تَبُوكَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، قِيلَ: النَّعْيُ وَالنَّعِيُّ الْإِخْبَارُ بِالْمَوْتِ، وَالنَّعْيُ أَيْضًا النَّاعِي، وَفِي الْقَامُوسِ: نَعَاهُ لَهُ نَعْوًا وَنَعْيًا أَخْبَرَهُ بِمَوْتِهِ، وَالنَّعِيُّ كَغَنِيٍّ النَّاعِي وَالْمَنْعِيُّ. (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ: لِأَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ. (اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا) أَيْ: يَتَقَوَّتُونَ بِهِ يُسَمَّى الْآنَ بِمَكَّةَ، رَفَعَهُ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَلَا يَفْعَلُونَهُ إِلَّا بَعْدَ الدَّفْنِ عِنْدَ دُخُولِ اللَّيْلِ. (فَقَدْ أَتَاهُمْ) أَيْ: مِنْ مَوْتِ جَعْفَرٍ. (مَا يَشْغَلُهُمْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْغَيْنِ وَقِيلَ: بِضَمِّ الْأَوَّلِ وَكَسْرِ الثَّالِثِ) ، الْقَامُوسُ: شَغَلَهُ كَمَنَعَهُ شَغْلًا وَيُضَمُّ، وَأَشْغَلَهُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ أَوْ قَلِيلَةٌ، أَوْ رَدِيئَةٌ، وَالْمَعْنَى جَاءَهُمْ مَا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْحُزْنِ عَنْ تَهْيِئَةِ الطَّعَامِ لِأَنْفُسِهِمْ، فَيَحْصُلُ لَهُمُ الضَّرَرُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ اهـ. وَالْمُرَادُ طَعَامٌ يُشْبِعُهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْحُزْنَ الشَّاغِلَ عَنْ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ لَا يَسْتَمِرُّ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ، وَقِيلَ: يُحْمَلُ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُدَّةَ التَّعْزِيَةِ، ثُمَّ إِذَا صُنِعَ لَهُمْ مَا ذَكَرَ مِنْ أَنْ يُلِحَّ عَلَيْهِمْ فِي الْأَكْلِ لِئَلَّا يَضْعُفُوا بِتَرْكِهِ اسْتِحْيَاءً، أَوْ لِفَرْطِ جَزَعٍ، وَاصْطِنَاعُهُ مِنْ بَعِيدٍ أَوْ قَرِيبٍ لِلنَّائِحَاتِ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ ; لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَاصْطِنَاعُ أَهْلِ الْبَيْتِ لَهُ لِأَجْلِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، بَلْ صَحَّ عَنْ جَرِيرٍ ﵁: كُنَّا نَعُدُّهُ مِنَ النِّيَاحَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ، قُلْتُ: وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ أَوِ الْغَائِبِ، وَإِلَّا فَهُوَ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ. (وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

стр. 2523

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ١٧٤٠ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١٧٤٠ - (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ) مَجْهُولُ نَاحَ. (فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ: بِسَبَبِ النِّيَاحَةِ، أَوْ مَوْصُولَةٌ فَالْبَاءُ لِلْآلَةِ أَيْ: بِمَا نِيحَ بِهِ عَلَيْهِ مِثْلُ: وَاجَبَلَاهُ كَمَا سَيَأْتِي. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ) .

стр. 2524

١٧٤١ - «وَعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَذُكِرَ لَهَا: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ تَقُولُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٧٤١ - (وَعَنْ عَمْرَةَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ. (بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَذُكِرَ لَهَا) : أَيْ: لِعَائِشَةَ. (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ تَقُولُ) حَالٌ مِنْ عَائِشَةَ، قِيلَ: مَفْعُولٌ ثَانٍ لَسَمِعْتُ، وَمَا بَيْنَهُمَا جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وَجَوَّزَ الطِّيبِيُّ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ. (يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهَذَا مِنَ الْآدَابِ الْحَسَنَةِ الْمَأْخ) وذَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فَمَنِ اسْتَغْرَبَ مِنْ غَيْرِهِ شَيْئًا

стр. 2525

يَنْبَغِي أَنْ يُوَطِّئَ وَيُمَهِّدَ لَهُ بِالدُّعَاءِ إِقَامَةً لِعُذْرِهِ فِيمَا وَقَعَ مِنْهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ، وَمِنْ ثَمَّ زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيَانًا وَاعْتِذَارًا بِقَوْلِهَا. (مَا بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ أَوْ لِلِافْتِتَاحِ، يُؤْتَى بِهَا لِمُجَرَّدِ مَوْرِدِهِ الْخَاصِّ. (أَوْ أَخْطَأَ) فِي إِرَادَتِهِ الْعَامَّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَكِنَّهُ نَسِيَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَأَتَى بِغَيْرِهِ وَأَخْطَأَ مِنْهُ، إِلَى غَيْرِهِ اهـ. وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى مَعَ عَدَمِ مُلَاءَمَتِهِ بِقَوْلِهَا: (إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا فَقَالَ: إِنَّهُمْ) أَيِ: الْيَهُودُ (لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا) أَيِ: الْيَهُودِيَّةَ. (لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا) أَيْ: لِكُفْرِهَا أَوْ بِالْبُكَاءِ عَلَيْهَا) ، وَفِي مَعْنَاهَا كُلُّ كَافِرٍ وَفَاجِرٍ يُعَذَّبُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ وَارِدٌ لَوْ لَمْ يُسْمَعِ الْحَدِيثُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْرِدِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَبِرِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْهُ، وَعَنْ غَيْرِهِ غَيْرِ مُقَيَّدَةٍ بَلْ مُطْلَقَةٌ، دَخَلَ هَذَا الْخُصُوصُ تَحْتَ ذَلِكَ الْعُمُومِ، فَلَا مُنَافَاةَ وَلَا مُعَارَضَةَ، فَيَكُونُ اعْتِرَاضُهَا بِحَسَبِ اجْتِهَادِهَا. قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: اخْتَلَفُوا فِي تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ: فَقِيلَ: إِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ بِذَلِكَ فَيُعَذَّبُ بِسَبَبِهِ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ، وَقِيلَ: هَذَا الْقَوْلُ فِي حَقِّ مَيِّتٍ خَاصٍّ كَانَ يَهُودِيًّا، كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَذْكُرُونَ فِي بُكَائِهِمْ وَنَوْحِهِمْ مِنْ أَخْبَارِهِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَا يَكُونُ مَذْمُومًا شَرْعًا، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا يَقَعُ فِي الْبُكَاءِ مِنَ الْأَلْفَاظِ. قَالَ: وَعِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعَذَابِ هُوَ الْأَلَمَ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ إِذَا سَمِعَهُمْ يَبْكُونَ، أَوْ بَلَغَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ تَأَلُّمٌ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رُوِّينَا: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَاتَ لَهَا وَلَدٌ فَوَجَدَتْ عَلَيْهِ وَجْدًا شَدِيدًا، ثُمَّ رَحَلَتْ فِي بَعْضِ مَقَاصِدِهَا إِلَى الْمَغْرِبِ، فَحَضَرَ يَوْمُ الْعِيدِ وَعَادَتُهَا فِي بَلَدِهَا أَنْ تَخْرُجَ كُلَّ يَوْمِ عِيدٍ إِلَى الْمَقَابِرِ تَبْكِي عَلَى وَلَدِهَا، فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ فِي بَلَدِهَا خَرَجَتْ إِلَى مَقَابِرِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ، فَفَعَلَتْ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ، وَأَكْثَرَتِ الْبُكَاءَ وَالْوَيْلَ ثُمَّ نَامَتْ، فَرَأَتْ أَهْلَ الْمَقْبَرَةِ قَدْ هَاجُوا يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، هَلْ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ عِنْدَنَا وَلَدٌ؟ ! فَقَالُوا: لَا. فَقَالُوا: كَيْفَ جَاءَتْ عِنْدَنَا تُؤْذِينَا بِبُكَائِهَا؟ ! ثُمَّ ذَهَبُوا وَضَرَبُوهَا ضَرْبًا وَجِيعًا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَتْ وَجَدَتْ أَلَمَ ذَلِكَ الضَّرْبِ، فَلَا شَكَّ أَنَّ أَرْوَاحَ الْأَمْوَاتِ تَأْلَمُ مِنَ الْمُؤْذِيَاتِ، وَتَفْرَحُ مِنَ اللَّذَّاتِ فِي الْبَرْزَخِ، كَمَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ أَحْوَالَ الْأَحْيَاءِ، وَمَا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ شِدَّةٍ وَرَخَاءٍ، وَوَرَدَ أَنَّهُمْ يَفْتَخِرُونَ بِالزِّيَارَاتِ، وَيَأْلَمُونَ بِانْقِطَاعِهَا، وَلَمَّا كَانَ الْبُكَاءُ، وَالْعَوِيلُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ تَتَأَذَّى بِهِ الْأَرْوَاحُ وَتَنْقَبِضُ، كَانَ كَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّعْذِيبِ الْمَنْفِيِّ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ عَائِشَةُ مُسْتَدِلَّةً بِالْآيَةِ هُوَ عَذَابُ الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَأَقُولُ: لَا شَكَّ فِي تَأَذِّي الْأَرْوَاحِ بِمَا تَتَأَذَّى بِهِ الْأَشْبَاحُ، وَهُوَ مَحْمَلٌ حَسَنٌ، وَتَأْوِيلٌ مُسْتَحْسَنٌ، لَوْلَا أَنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ تَقْيِيدِ الْعِقَابِ بِقَوْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الرِّوَايَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 2526

١٧٤٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتْ بِنْتٌ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِمَكَّةَ، فَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لِعُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ مُوَاجِهُهُ، أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ ; فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ ثُمَّ حَدَّثَ، فَقَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، فَإِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ صُهَيْبٌ. قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أَنْ أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي، يَقُولُ: وَا أَخَاهُ، وَا صَاحِبَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " إِنَّ «الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» ؟ ! " فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ، لَا وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ» ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ " ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللَّهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى قَالَ ابْنُ مُلَيْكَةَ: فَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ شَيْئًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٧٤٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بِالتَّصْغِيرِ. (قَالَ: تُوُفِّيَتْ بِنْتٌ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) قِيلَ: إِنَّهُ مِنْ مُنْصَرَفٍ. (بِمَكَّةَ فَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا) أَيْ: لِنَحْضُرَ صَلَاتَهَا وَدَفْنَهَا. (وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ) أَيْ: وَقَدْ حَضَرَاهَا أَيْضًا. (فَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا) . قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: وَإِنِّي لَجَالِسٍ لِيَكُونَ حَالًا، وَالْعَامِلُ حَضَرَ، وَالْفَاءُ تَسْتَدْعِي الِاتِّصَالَ بِقَوْلِهِ: فَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، وَقَالَ مِيرَكُ: وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ بِالْوَاوِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ تَبَعًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الطِّيبِيِّ: قَوْلُهُ فَإِنَّى جَالِسٌ عَطْفٌ عَلَى فَجِئْنَا اهـ. وَلَا يَخْفَى عَدَمُ ظُهُورِ اتِّصَالِهِ بِقَوْلِهِ: فَجِئْنَا

стр. 2527

لِنَشْهَدَهَا أَيْضًا، وَإِلَّا لَكَانَ الْأَمْرُ سَهْلًا بِأَنْ يُقَالَ: جُمْلَةُ وَحَضَرَهَا اعْتِرَاضِيَّةٌ بَيْنَهُمَا، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْفَاءَ دَخَلَتْ عَلَى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: فَبَعْدَ حُضُورِهَا إِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا إِشْعَارًا بِكَمَالِ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْهُمَا. (فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ. (مُوَاجِهُهُ) أَيْ: مُقَابِلَ ابْنِ عُثْمَانَ. (أَلَا تَنْهَى) أَيْ: أَهْلَكَ. (عَنِ الْبُكَاءِ) أَيْ: بِالصِّيَاحِ وَالنِّيَاحِ. (فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) أَيْ: مُعْتَرِضًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ بِأَنَّ عَائِشَةَ خَالَفَتْهُ كَأَبِيهِ، وَأَنَّ الْبُكَاءَ قَدْ يَكُونُ ضَرُورِيًّا وَهُوَ لَا يُكَلِّفُ بِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّ الثَّانِيَ خَارِجٌ عَنِ الْمَبْحَثِ إِجْمَاعًا، وَخِلَافُ عَائِشَةَ غَيْرُ مَذْكُورٍ هُنَا، وَأَبُوهُ مُوَافِقٌ لَهُ إِمَّا فِي الْكُلِّ أَوْ فِي الْبَعْضِ لِقَوْلِهِ: (قَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ) أَيِ: الْعُمُومَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِصَوْتٍ أَوْ نُدْبَةٍ عِنْدَ الْمُشْرِفِ عَلَى الْمَوْتِ، أَوْ يَرْوِي أَيْ: بَعْضَ ذَلِكَ الْكَلَامِ ; لِأَنَّ فِي رِوَايَتِهِ بِبَعْضَ بُكَاءِ أَهْلِهِ كَمَا سَيَأْتِي. (ثُمَّ حَدَّثَ) أَيْ: رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَا سَمِعَهُ مِنْ عُمَرَ ﵁. (فَقَالَ: صَدَرْتُ) أَيْ: رَجَعْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ سَائِرًا. (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ. (فَإِذَا هُوَ) أَيْ: عُمَرُ. (بِرَكْبٍ) أَيْ: جَمَاعَةٍ مِنَ الرُّكْبَانِ. (تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ) بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الْمِيمِ: نَوْعُ شَجَرٍ. (فَقَالَ) أَيْ: عُمَرُ لِي. (اذْهَبْ فَانْظُرْ) أَيْ: تَحَقَّقْ. (مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟) أَيْ: كَبِيرُهُمْ أَوْ أَمِيرُهُمْ. (فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ صُهَيْبٌ) أَيْ: وَمَنْ مَعَهُ. (قَالَ) أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ. (فَأَخْبَرْتُهُ) أَيْ: عُمَرَ بِهِ أَوْ بِالْخَبَرِ. (فَقَالَ: ادْعُهُ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا أَيِ: اطْلُبْ صُهَيْبًا. (فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ) : أَيْ: لِصُهَيْبٍ. (ارْتَحِلْ) أَيْ: مِنْ مَكَانِكَ. (فَالْحَقْ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيِ: اتْبَعْ. (أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ: أَمْرَهُ أَوِ الِاجْتِمَاعَ بِهِ، وَهَذَا تَوْطِئَةٌ لِلْمُصَاحِبَةِ الْخُصُوصِيَّةِ الْخَاصَّةِ، وَالْمُؤَاخَاةِ السَّالِفَةِ بَيْنَ عُمَرَ وَصُهَيْبٍ ; فَإِنَّهُ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: (فَلَمَّا أَنْ) زَائِدَةٌ. (أُصِيبَ عُمَرُ) أَيْ: جُرِحَ فِي الْمِحْرَابِ، وَنُقِلَ إِلَى بَيْتِهِ مَعَ الْأَصْحَابِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الْمَدِينَةَ بِقَلِيلٍ بِضَرْبِ ذَلِكَ الْمَجُوسِيِّ لَهُ بِخِنْجَرِهِ، ضَرَبَاتٍ مُتَعَدِّدَةً، وَهُوَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الصُّبُحَ، فَسَقَطَ وَحُمِلَ إِلَى بَيْتِهِ، وَضَرَبَ بِهِ كَثِيرِينَ وَهُوَ يَشُقُّ الصُّفُوفَ حَتَّى أُلْقِيَ عَلَيْهِ بُرْنُسٌ خَشْيَةً مِنْ خِنْجَرِهِ الْمَسْلُولِ بِيَدِهِ، لِكُلِّ مَنْ وَالَاهُ، فَلَمَّا أَحَسَّ اللَّعِينُ بِذَلِكَ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَكَمَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الصَّلَاةَ لِلنَّاسِ وَدَخَلَ النَّاسُ عَلَى عُمَرَ يَتَعَرَّفُونَ الْخَبَرَ. (دَخَلَ) أَيْ: عَلَيْهِ. (صُهَيْبٌ يَبْكِي) حَالٌ. (يَقُولُ) بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ يَبْكِي. (وَا أَخَاهُ وَا صَاحِبَاهُ) لَيْسَ فِي هَذَا نَوْحٌ نَظِيرَ مَا صَدَرَ عَنْ فَاطِمَةَ ﵂ مِنْ قَوْلِهَا وَا أَبَتَاهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أَبَتَاهُ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ شَرْطَ النَّوْحِ أَنْ يَقْتَرِنَ بِرَفْعِ صَوْتٍ. (فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَتُبْكِي عَلَيَّ) أَيْ: بِالصَّوْتِ وَالنُّدْبَةِ. (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْمَيِّتَ) أَيْ: مُطْلَقًا أَوِ الْمُشْرِفَ عَلَى الْمَوْتِ (لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) أَقُولُ: هَذَا أَحْسَنُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنْوَاعِ رِوَايَاتِهِ ; لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ تَأْوِيلَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ إِيرَادِ عُمَرَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْبَعْضِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ النُّدْبَةِ، وَطَرِيقَةُ النَّوْحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ حُكْمًا أَوْ حَقِيقَةً، فَإِنَّهُ قَابِلٌ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبَعْضِ مَا يَكُونُ عَنْ وَصِيَّتِهِ، أَوْ مِنْ نَحْوِ يَهُودِيَّةٍ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: وَهُمُ الَّذِينَ أَوْصَاهُمْ دُونَ مَا لَمْ يُوصِيهِمْ، وَهَذَا لَا يُنَافِي رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ ; لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا أَوْصَاهُمْ كُلَّهُمْ، فَمَآلُ الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُ وَمِنْ أَبِيهِ مَقَالُ اللَّفْظِ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الْحَمْلَ الْمَفْهُومَ مُخَالِفٌ لِمَا فَهِمَ عُمَرُ ﵁ مِنَ الْعُمُومِ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْمَيِّتِ أَعَمُّ مِنْ أَقَارِبِهِ وَأَصْحَابِهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَى فَهْمِ عُمَرَ ﵁ فَالْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَيِّتِ الْمُحْتَضِرُ، وَبِالْعَذَابِ تَشْوِيشُ خَاطِرِهِ مِمَّنْ حَوْلَهُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، مِنَ الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ فِي مُرَاقَبَةِ

стр. 2528

الْأَحْوَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَلِذَا قَالَ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ: لَيْتَنِي كَنْتُ أَخْرَسَ إِلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، إِذِ الْمُنَاسِبُ حِينَئِذٍ الدُّعَاءُ وَالذِّكْرُ تَهْوِينًا أَوْ تَلْقِينًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ﵁ ذَكَرْتُ ذَلِكَ) أَيِ: الْكَلَامَ أَوِ الْحَدِيثَ (لِعَائِشَةَ) ﵂. (فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ سَهْوٌ يَحْتَاجُ إِلَى عَفْوٍ، وَفِيهِ مِنَ الْآدَابِ الْحَسَنَةِ عَلَى مِنْوَالِ قَوْلِهِ تَعَالَى. (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتَغْرَبْتُ مِنْ عُمَرَ ذَلِكَ الْقَوْلَ، فَجَعَلَتْ قَوْلَهَا: يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ تَمْهِيدًا وَدَفْعًا لِمَا يُوجِبُ مِنْ نِسْبَتِهِ إِلَى الْخَطَأِ. (لَا) أَيْ: لَيْسَ كَذَلِكَ. (وَاللَّهِ، مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الْمَيِّتَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتُفْتَحُ. (لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) أَيْ: مُطْلَقًا، وَلَا مُقَيَّدًا بِالْبَعْضِ، وَهَذَا النَّفْيُ الْمُؤَكَّدُ بِالْقَسَمِ مِنْهَا بِنَاءً عَلَى ظَنِّهَا أَوْ زَعْمِهَا، أَوْ مُقَيَّدٌ بِسَمَاعِهَا، وَإِلَّا فَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَكَيْفَ وَالْحَدِيثُ رُوِيَ مَنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ بِأَلْفَاظٍ صَرِيحَةٍ؟ ! مَعَ أَنَّهُ بِعُمُومِهِ لَا يُنَافِي مَا قَالَتْ بِخُصُوصِهِ. (وَلَكِنْ) أَيِ: الَّذِي حَدَّثَ بِهِ جُمْلَةَ " إِنَّ اللَّهَ. . . " إِلَخْ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَلَكِنْ قَالَ: ( «إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» ) فِيهِ أَنَّ النَّفْيَ مِنْهَا ﵂ هُنَا مُنَاقِضٌ لِمَا قَالَتْ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهَا أَوَّلًا. (حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ) بِسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: كَافِيكُمُ الْقُرْآنُ فِي تَأْيِيدِ مَا ذَهَبْتُ مِنَ الْخَبَرِ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] الْجُمْلَةُ بَدَلُ كُلٍّ أَوْ بَعْضٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هُوَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْوِزْرُ وَالْوَقْرُ أَخَوَانِ، وَزَرَ الشَّيْءَ إِذَا حَمَلَهُ، وَالْوَازِرَةُ صِفَةُ النَّفْسِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا تَحْمِلُ إِلَّا وِزْرَهَا، لَا تُؤْخَذُ نَفْسٌ بِذَنْبِ نَفْسٍ كَمَا تَأْخُذُ جَبَّارَةُ الدُّنْيَا الْوَلِيَّ بِالْوَلِيِّ، وَالْجَارَّ بِالْجَرِّ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْآيَةَ بِظَاهِرِهَا يُنَافِي مَا ذَكَرَتْ مِنْ: أَنَّ الْكَافِرَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ) أَيْ: عِنْدَ قَوْلِ عَائِشَةَ، أَوْ عِنْدَ نَقْلِهِ عَنْهَا مُؤَيِّدًا لَهَا، وَمِصْدَاقًا لِكَلَامِهَا. (وَاللَّهُ) بِالرَّفْعِ مَعَ الْوَاوِ، وَهُوَ حَاصِلُ مَعْنَى الْآيَةِ بِلَفْظِ ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] قَالَ مِيرَكُ: أَيْ: أَنَّ الْعَبْرَةَ لَا يَمْلِكُهَا ابْنُ آدَمَ، وَلَا تَسَبُّبَ لَهُ فِيهَا، فَكَيْفَ يُعَاقَبُ عَلَيْهَا؟ ! فَضْلًا عَنِ الْمَيِّتِ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَحَاصِلُهُ جَوَازُ عُمُومِ الْبُكَاءِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، مَعَ مُنَاقَضَتِهِ لِمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] مِنْ أَنَّ الصَّغِيرَةَ التَّبَسُّمُ، وَالْكَبِيرَةَ الْقَهْقَهَةُ، عَلَى مَا نَقَلَ عَنْهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَعَالِمِ، ثُمَّ قَالَ مِيرَكُ: قَدَّرَ الدَّاوُدِيُّ مَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ أَذِنَ فِي الْجَمِيلِ مِنَ الْبُكَاءِ، فَلَا يُعَذِّبُ بِمَا أَذِنَ فِيهِ اهـ. وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْبَحْثِ كَمَا لَا يَخْفَى، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الطِّيبِيُّ: غَرَضُهُ تَقْرِيرٌ لِنَفْيِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ: مِنْ أَنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْأَهْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ بُكَاءَ الْإِنْسَانِ وَضَحِكَهُ، وَحُزْنَهُ وَسُرُورَهُ مِنَ اللَّهِ يُظْهِرُهَا فِيهِ، فَلَا أَثَرَ لَهَا فِي ذَلِكَ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الْكُلَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَلْقًا، وَمِنَ الْعَبْدِ كَسْبًا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ، وَالشَّرْعُ قَدِ اعْتَبَرَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَثَرِ كَسَائِرِ أَفْعَالِ الْبَشَرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الضَّحِكَ وَالتَّبَسُّمَ فِي وَجْهِ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِ عَلَى وَجْهِ السُّخْرِيَةِ مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَكَذَلِكَ الْحُزْنُ وَالسُّرُورُ تَارَةً يَكُونَانِ مِنَ الْأَحْوَالِ السُّنِّيَّةِ يُثَابُ الشَّخْصُ بِهِمَا، وَتَارَةً مِنَ الْأَفْعَالِ الدَّنِيَّةِ يُعَاقَبُ عَلَيْهِمَا، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي عِلْمِ الْأَخْلَاقِ وَالتَّصَوُّفِ، وَزُبْدَتُهُ فِي الْإِحْيَاءِ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ لَمْ يُؤْثَرْ ذَلِكَ قِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ وَقَدْ أُثِرَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ؟ ! قُلْتُ: لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ الْكَامِلَ لَا يَرْضَى بِالْمَعْصِيَةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ صَدَرَتْ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْكَافِرِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَتِ الصِّدِّيقَةُ ﵂: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ، أَيْ: كَافِيكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْقُرْآنِ هَذَا الْآيَةُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] إِنَّهَا فِي شَأْنِكُمْ، وَمَا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ فِي شَأْنِ الْكُفَّارِ، أَقُولُ: لَا دَلَالَةَ لِقَوْلِهَا عَلَى هَذَا الْمُدَّعِي، مَعَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ أَلْفَاظِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فِي الْمَعْنَى لَا لِخُصُوصِ الْأَسْبَابِ فِي الْمَبْنَى، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجَعَلَ الْخِلَافَ بَيْنَ عَائِشَةَ وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ لَفْظِيًّا، مَعَ أَنَّ لَهُمْ أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةَ الْمَبَانِي وَلَا يُمْكِنُ حِينَئِذٍ جَمْعُهَا فِي وَاحِدٍ مِنَ الْمَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: وَاعْتَذَرَ بِأَنَّ الْفَارُوقَ ﵁ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْخَوْفَ، فَقَالَ ذَلِكَ لِسُوءِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ، وَالصِّدِّيقَةُ ﵂ كَانَتْ فِي مَقَامِ الرَّجَاءِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَتْ ذَلِكَ، وَلِكُلٍّ وَجْهٌ هُوَ مُوَلِّيهَا اهـ. وَهَذَا بِإِشَارَاتِ الصُّوفِيَّةِ أَشْبَهُ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَا صَدَرَ عَنْ مِشْكَاةِ صَدْرِ النُّبُوَّةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ شَيْئًا) أَيْ: شَيْءٌ مِنَ

стр. 2529

الْقَوْلِ أَوْ شَيْئًا آخَرَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: فَعِنْدَ ذَلِكَ سَكَتَ ابْنُ عُمَرَ وَأَذْعَنَ، قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِي السُّكُوتِ عَلَى الْإِذْعَانِ بَلْ تَرْكُ الْمُجَادَلَةِ كَمَا هُوَ شَأْنُ أَرْبَابِ الْعِرْفَانِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ أَسِيرُ الدَّلِيلِ وَأَنَّ لَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ أَنْ يُخَطِّئَ غَيْرَهُ، وَأَنْ يَحْلِفَ عَلَى خَطَئِهِ وَإِنْ كَانَ أَجَلَّ مِنْهُ وَأَوْسَعَ عِلْمًا، إِذْ عُمَرُ كَذَلِكَ مَعَ عَائِشَةَ ﵂ اهـ. وَفِيهِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ وَنَقْلٌ صَحِيحٌ يَصْلُحُ لِلرَّدِّ عَلَى بَعْضِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى فِقْهِ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا الْمُعْتَرِضِينَ عَلَيْنَا مِمَّنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَضِيضِ التَّقْلِيدِ، وَلَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْ قَيْدِ التَّقْيِيدِ، وَلَمْ يَبْرُزْ فِي مَيْدَانِ التَّحْقِيقِ، وَالتَّأْيِيدِ عِنْدَ اعْتِرَاضِنَا عَلَى ابْنِ حَجَرٍ: إِذَا وَقَعَ لَهُ كَلَامٌ غَيْرُ سَدِيدٍ ; لِأَنَّ مِثْلَكَ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ، مُفْتِي الْأَنَامِ ابْنِ حَجَرٍ: الَّذِي هُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ الْعِلْمِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ.

стр. 2530

١٧٤٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ تَعْنِي شَقَّ الْبَابِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ لَمْ يُطِعْنَهُ فَقَالَ: انْهَهُنَّ، فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ قَالَ: وَاللَّهِ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَزَعَمْتُ أَنَّهُ قَالَ: فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ، فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٧٤٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ) أَيْ: زَيْدٍ. (وَجَعْفَرٍ) أَيِ: ابْنِ أَبِي طَالِبٍ. (وَابْنِ رَوَاحَةَ) أَيْ: جَاءَ خَبَرُ شَهَادَتِهِمْ. (جَلَسَ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ. (يُعْرَفُ فِيهِ) أَيْ: فِي وَجْهِهِ الْوَجِيهِ. (الْحُزْنُ) أَيْ: أَثَرُهُ، وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَبِفَتْحِهِمَا: هُمْ قُوتُ الْمُحِبِّينَ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أَيْ: حَزِينًا بِمُقْتَضَى الْأَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ جُلُوسَهُ كَانَ لِلْعَزَاءِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يَجُوزُ الْجُلُوسُ لِلْمُصِيبَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَيُكْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ اهـ. فَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ كَانَ جُلُوسُهُ فِي الْمَسْجِدِ اتِّفَاقِيًّا. (وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ) أَيْ: مِنْ ذِي صَيْرٍ أَيْ: شَقٍّ لَهُ كَلَابِنٍ وَتَامِرٍ، وَلِذَا قِيلَ: (تَعْنِي) أَيْ: تُرِيدُ عَائِشَةُ بِصَائِرِ الْبَابِ) . (شَقُّ الْبَابِ بِفَتْحِ الشِّينِ أَيْ: خَرْقُهُ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِلرَّاوِي عَنْهَا. (فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ. (إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ) أَيْ: أَهْلَ جَعْفَرٍ. (وَذَكَرَ) أَيِ: الرَّجُلُ. (بُكَاءَهُنَّ) الْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الْحَالِيَّةِ، سَادَّةٌ مَسَدَّ الْخَبَرِيَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مِنَ الْمُسْتَتِرِ فِي: فَقَالَ، وَحَذَفَتْ ﵂ خَبَرَ إِنَّ مِنَ الْقَوْلِ الْمَحْكِيِّ عَنْ نِسَاءِ جَعْفَرٍ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ قَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ فَعَلْنَ كَذَا وَكَذَا بِمَا حَظَرَهُ الشَّرْعُ مِنَ الْبُكَاءِ الشَّنِيعِ، وَالنَّوْحِ الْفَظِيعِ. (فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ) أَيِ: الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ. (لَمْ يُطِعْنَهُ) أَيْ: فِي تَرْكِ الْبُكَاءِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: حِكَايَةٌ لِمَعْنَى قَوْلِ الرَّجُلِ أَيْ: فَذَهَبَ وَنَهَاهُنَّ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: نَهَيْتُهُنَّ فَلَمْ يُطِعْنَنِي، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ: وَاللَّهِ، غَلَبْنَنَا. (فَقَالَ: انْهَهُنَّ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَكْسُورَةٍ، وَفَتْحِ الْهَاءِ أَمْرٌ مِنَ النَّهْيِ، أَيِ: امْنَعْهُنَّ مِنَ الْبُكَاءِ. (فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ) أَيْ: فَذَهَبَ إِلَيْهِنَّ وَنَهَاهُنَّ وَلَمْ يُطِعْنَهُ أَيْضًا، فَأَتَاهُ الْمَرَّةَ الثَّالِثَةَ. (قَالَ: وَاللَّهِ) ، غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ هُنَّ أَغْلَبُ. (فَزَعَمَتْ) بِالْغِيبَةِ أَيْ: قَالَتْ عَمْرَةُ: فَزَعَمَتْ عَائِشَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنِّي ظَنَّتْ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَخْبَرَتْ قَالَ النَّوَوِيُّ الزَّعْمُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ الْمُحَقَّقِ وَعَلَى الْكَذِبِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، وَيُنَزَّلُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ اهـ. وَظَنِّي أَنَّهُ مِنْهَا بِمَعْنَى الظَّنِّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ بِالتَّكَلُّمِ أَيْ: قَالَتْ عَائِشَةُ فَزَعَمْتُ أَيْ: ظَنَنْتُ. (أَنَّهُ ﷺ قَالَ: فَاحْثُ) بِضَمِّ الثَّاءِ أَمْرٌ مِنَ الْحَثْيِ وَهُوَ الرَّمْيُ. (فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ) فِي النِّهَايَةِ احْثُوا التُّرَابَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ، كِنَايَةً عَنِ الْخَيْبَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْحَقِيقَةُ اهـ. فَيَكُونُ الْمُرَادُ إِذَا كُنْتُمْ قَادِرِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ هَهُنَا كِنَايَةٌ عَنْ تَرْكِهِنَّ عَلَى حَالِهِنَّ لِعَدَمِ نَفْعِ النَّصِيحَةِ بِهِنَّ مِنْ حَالِ ضَجَرِهِنَّ فِي جَزَعِهِنَّ. (فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ) فِي النِّهَايَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: قَالَتْ عَائِشَةُ لِلرِّجُلِ: أَذَلَّكَ اللَّهُ فَإِنَّكَ آذَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا كَفَفْتَهُنَّ عَنِ الْبُكَاءِ اهـ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهَا ﵂: (لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فِي الزَّجْرِ، وَإِلَّا فَقَدَ قَامَ بِالْأَمْرِ حَيْثُ نَهَاهُنَّ عَنِ الضَّجَرِ، وَمَا أَبْعَدَ قَوْلَ ابْنِ حَجَرٍ: حَيْثُ صَرَفَ الْأَمْرَ إِلَى الْحَثْيِ فِي أَفْوَاهِهِنَّ. (وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: تَعَبِ الْخَاطِرِ مِنْ سَمَاعِ ارْتِكَابِهِنَّ الْكَبَائِرَ أَوِ الصَّغَائِرَ، وَعَدَمِ انْزِجَارِهِنِّ بِالزَّوَاجِرِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2531

١٧٤٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: غَرِيبٌ وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ، لَأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ، إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخُلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ، وَكَفَفْتُ عَنِ الْبُكَاءِ، فَلَمْ أَبْكِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٧٤٤ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. (قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ) أَيْ: زَوْجُهَا الْأَوَّلُ. (قُلْتُ: غَرِيبٌ) أَيْ: هُوَ مَيِّتٌ فِي بِلَادِ الْغُرْبَةِ) ، لِأَنَّهُ كَانَ مَكِّيًّا مِنْ أَصْحَابِ الْهِجْرَةِ. (وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ بِالْإِضَافَةِ وَهُوَ تَأْكِيدٌ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا غَرِيبًا أَيْ: لَيْسَ لَهُ أَحَدٌ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَهُوَ إِمَّا مَجَازٌ أَوْ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. (لَأَبْكِيَنَّهُ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ: وَاللَّهِ، لَأَبْكِيَنَّ عَلَيْهِ. (بُكَاءً) أَيْ: شَدِيدًا. (يُتَحَدَّثُ عَنْهُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهِ، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ لِكَمَالِ شِدَّتِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا مِنْهَا كَانَ قَبْلَ عِلْمِهَا بِتَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ. (فَكُنْتُ تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ) أَيْ: بِالْقَصْدِ وَالْعَزِيمَةِ، وَتَهْيِئَةِ أَسْبَابِ الْحُزْنِ مِنَ الثِّيَابِ السُّودِ وَغَيْرِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: قُلْتُ: أَيْ: قُلْتُ عَقِيبَ مَا تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْقَوْلِ إِلَّا مَعَ الْوَاوِ لِيَكُونَ حَالًا اهـ. وَغَفَلَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ ذَلِكَ التَّحْقِيقِ فَقَالَ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى قُلْتُ، أَيْ: عَقِبَ قَوْلِي ذَلِكَ وَقَعَ مِنْ تَمَامِ التَّهَيُّؤِ. (إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ) ظَرْفٌ لِتَهَيَّأْتُ وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ: حَيْثُ قَالَ: ظَرْفٌ لَقُلْتُ أَيْ: جَاءَتْنِي مِنْ قُبَالَتِي امْرَأَةٌ. (تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي) أَيْ: تُسَاعِدَنِي فِي الْبُكَاءِ وَمُعَاوَنَتِي فِي النِّدَاءِ. (فَاسْتَقْبَلَهَا) أَيْ: تِلْكَ الْمَرْأَةَ. (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: بَعْدَ عِلْمِهِ مِمَّا هِيَ قَاصِدَةٌ لَهُ. (فَقَالَ: أَتُرِيدِينَ) أَيْ: أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ بِإِعَانَتِكِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ. (أَنْ تُدْخِلِي الشَّيطَّانَ) أَيْ: أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِدُخُولِ الشَّيْطَانِ. (بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ) أَيِ: الشَّيْطَانَ. (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ، وَأَبْعَدَهُ مِنْ إِغْوَاءِ أَهْلِهِ. (مَرَّتَيْنِ) قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَرَّةِ الْأُولَى يَوْمُ دُخُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ يَوْمَ خُرُوجِهِ مِنَ الدُّنْيَا مُسْلِمًا، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ التَّكْرِيرُ أَيْ: أَخْرَجَهُ اللَّهُ إِخْرَاجًا بَعْدَ إِخْرَاجٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي وَجْدِهِ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أَيْ: مَرَّةٌ بَعْدَ مَرَّةٍ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَقُولُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَرَّةِ الْأُولَى يَوْمُ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَبِالْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ يَوْمُ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَإِنَّهُ مِنْ ذَوِي الْهِجْرَتَيْنِ أَقُولُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرَّتَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بَقَالَ، أَيْ: أَعَادَ هَذَا الْكَلَامَ لِكَمَالِ الِاهْتِمَامِ مَرَّتَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَكَفَفْتُ) عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ: فَانْزَجَرْتُ وَمَنَعْتُ نَفْسِي. (عَنِ الْبُكَاءِ فَلَمْ أَبْكِ) أَيِ: الْبُكَاءَ الْمَذْمُومَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْلُومِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ ) .

стр. 2532

١٧٤٥ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي: وَا جَبَلَاهُ، وَا كَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي أَنْتَ كَذَلِكَ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ١٧٤٥ - (وَعَنِ النُّعْمَانِ) بِضَمِّ النُّونِ. (بْنِ بَشِيرٍ) صَحَابِيَّانِ. (قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحةَ) هُوَ مِنَ النُّقَبَاءِ، وَالصَّحَابَةِ الْأَجِلَّاءِ. (فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي وَا جَبَلَاهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ، وَالْقَوْلُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: قَائِلَةً: وَا جَبَلَاهُ، تَوْطِئَةً لَهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لِسَانًا عَرَبِيًّا) . (وَا كَذَا وَا كَذَا) كِنَايَتَانِ عَنْ نَحْوِ سَيِّدَاهُ وَسَنَدَاهُ. (تُعَدِّدُ عَلَيْهِ) أَيْ: بِأَوْصَافِهِ الْجَمِيلَةِ بَدَلٌ مِنْ تَبْكِي، أَوْ بَيَانٌ لَهُ. (فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ مَا قُلْتِ: شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي) اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ. (كَذَلِكَ) أَيْ: أَنْتَ، وَفِي نُسْخَةٍ: كَذَاكَ بِلَا لَامٍ، أَيْ: لَمَّا قُلْتِ: وَا جَبَلَاهُ قِيلَ: أَنْتَ جَبَلٌ أَيْ: كَهْفٌ، يَلْجَئُونَ إِلَيْكَ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ يَنْصُرُ مَذْهَبَ عُمَرَ ﵁ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ: بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَخَذَ بِظَاهِرِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُؤَوَّلٌ بِمَا قَدَّمْتُهُ، وَتِلْكَ التَّأْوِيلَاتُ لَا يَأْتِي مِنْهَا شَيْءٌ هُنَا، فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْتُهُ، قُلْتُ: سَيَأْتِي فِي كَلَامِ السُّيُوطِيِّ مَا يَقُولُ الطِّيبِيُّ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ تَوْبِيخِهِ بِهَذَا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ وَلَا أَمَرَ؟ قُلْتُ: إِخْبَارُهُ بِذَلِكَ حَتَّى يَنْزَجِرَ النِّسَاءُ عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ اهـ. وَلَا يَخْفَى عَدَمُ صَلَاحِيَتِهِ لِلْجَوَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (زَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ أَيْ: أُخْتُهُ مِنْ جِنْسِ هَذَا الْبُكَاءِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 2533

١٧٤٦ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ فَيَقُولُ: وَا جَبَلَاهُ، وَا سَيِّدَاهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ إِلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَلْهَزَانِهِ، وَيَقُولَانِ: أَهَكَذَا كُنْتَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ. ــ ١٧٤٦ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا مِنْ مَيِّتٍ) أَيْ: حَقِيقِيٍّ أَوْ مُشْرِفٍ عَلَى الْمَوْتِ (يَمُوتُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ أَوْ تَضِلُّ الضَّالَّةُ فِي الْمَشَارِفِ، لِلْمَوْتِ وَالْمَرِيضِ، وَالضَّلَالِ مَيِّتًا، وَمَرِيضًا وَضَالَّةً، وَهَذِهِ الْحَالَةُ هِيَ الْحَالَةُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحةَ اهـ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ: بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ. (فَيَقُومُ) أَيْ: فَيَشْرَعُ. (بَاكِيهِمْ فَيَقُولُ: وَا جَبَلَاهُ، وَا سَيِّدَاهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ) نَحْوَ سَنَدَاهُ وَمُعْتَمِدًا. (إِلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَلْهَزَانِهِ) بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ: يَضْرِبَانِهِ وَيَدْفَعَانِهِ، وَفِي النِّهَايَةِ: اللَّهْزُ الضَّرْبُ بِجَمْعِ الْيَدِ فِي الصَّدْرِ، يُقَالُ: لَهَزَهُ بِالرُّمْحِ أَيْ: طَعَنَهُ فِي الصَّدْرِ. (وَيَقُولَانِ: أَهَكَذَا كُنْتَ) ؟ أَيْ: تَوْبِيخًا وَتَقْرِيعًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي شَرْحِ الصُّدُورِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ أَحَادِيثَ: إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ رَأْيُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ، الثَّانِي: لَا مُطْلَقًا، الثَّالِثُ: أَنَّ الْبَاءَ لِلْحَالِ أَيْ: أَنَّهُ يُعَذَّبُ حَالَ بُكَائِهِمْ عَلَيْهِ وَالتَّعْذِيبُ عَلَيْهِ مِنْ ذَنْبٍ لَا بِسَبَبِ الْبُكَاءِ، الرَّابِعُ: أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْكَافِرِ، وَالْقَوْلَانِ عَنْ عَائِشَةَ، الْخَامِسُ: أَنَّهُ خَاصٌّ. مِمَّنْ كَانَ النَّوْحُ سُنَّتَهُ وَطَرِيقَتَهُ، وَعَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ، السَّادِسُ: أَنَّهُ فِيمَنْ أَوْصَى بِهِ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: إِذَا مُتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَتَ مَعْبَدِ. السَّابِعُ: أَنَّهُ فِيمَنْ لَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِ فَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ وَاجِبَةً، إِذَا عَلِمَ أَنَّ مِنْ شَأْنِ أَهْلِهِ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، الثَّامِنُ: أَنَّ التَّعْذِيبَ بِالصِّفَاتِ الَّتِي يَبْكُونَ بِهَا عَلَيْهِ وَهِيَ مَذْمُومَةٌ شَرْعًا كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: يَا مُرَمِّلَ النِّسْوَانِ، يَا مُيَتِّمَ الْأَوْلَادِ، يَا مُخَرِّبَ الدُّورِ، التَّاسِعُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْذِيبِ تَوْبِيخُ الْمَلَائِكَةِ لَهُ بِمَا يَنْدُبُ بِهِ أَهْلُهُ، الْعَاشِرُ: مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ وَلَفْظُهُ أَنَّ " «الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِالنِّيَاحَةِ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ» " اهـ. وَتَقَدَّمَ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَذَابِ تَأَلُّمُ الْمَيِّتِ بِسَبَبِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ مَذْمُومٍ، كَمَا يَتَأَلَّمُ بِسَائِرِ الْمَعَاصِي الصَّادِرَةِ عَنْهُمْ، وَيَفْرَحُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْكَائِنَةِ مِنْهُمْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا كَانَ لَهُ تَسَبُّبٌ فِي هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ بِتَقْصِيرٍ فِي الْوَصِيَّةِ، أَوْ رَضِيَ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ، فَالْعَذَابُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَإِلَّا فَمَحْمُولٌ عَلَى تَأَلُّمِهِ سَواءً عِنْدَ نَزْعِهِ أَوْ مَوْتِهِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْكَافِرُ وَالْمُؤْمِنُ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ فِي هَذِهِ الْبَلِيَّةِ الْكُبْرَى.

стр. 2534

١٧٤٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «مَاتَ مَيِّتٌ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ يَنْهَاهُنَّ وَيَطْرُدُهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعْهُنَّ يَا عُمَرُ ; فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ وَالْقَلْبَ مُصَابٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ» . ــ ١٧٤٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَاتَ مَيِّتٌ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي. (فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ يَبْكِينَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَيِّتِ فَقَامَ عُمَرُ يَنْهَاهُنَّ) أَيِ: الْأَقَارِبَ. (وَيَطْرُدُهُنَّ) أَيِ: الْأَجَانِبَ بِضَرْبِهِنَّ كَمَا سَيَأْتِي. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعْهُنَّ) أَيِ: اتْرُكْهُنَّ. (يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَةٌ) أَيْ: بِالطَّبْعِ، وَقَدْ وَافَقَهُ الشَّرْعُ. (وَالْقَلْبَ) بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ. (مُصَابٌ) أَيْ: أَصَابَهُ الْمُصِيبَةُ، فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَتَقَلَّبَ إِلَى الْحُزْنِ، كَمَا أَنَّهُ يَنْقَلِبُ عِنْدَ حُصُولِ النِّعْمَةِ إِلَى الْفَرَحِ، فَهُوَ السَّبَبُ فِي بُكَاءِ الْعَيْنِ وَضَحِكِهَا. (وَالْعَهْدَ) أَيْ: زَمَانَ الْمُصِيبَةِ (قَرِيبٌ) أَيْ: مِنْهُنَّ فَالصَّبْرُ صَعْبٌ عَلَيْهِنَّ، وَلِذَا قَالَ ﷺ : الصَّبْرُ أَيِ: الْكَامِلُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَعَكَسَ فِيهِ التَّرْتِيبَ الطَّبِيعِيَّ ; لِأَنَّ قُرْبَ الْعَهْدِ يُورِثُ شِدَّةَ الْحُزْنِ لِلْقَلْبِ، وَهِيَ تُورِثُ دَمْعَ الْعَيْنِ، إِيثَارًا لِذِكْرِ مَا يَظْهَرُ، وَيُعْلَمُ عَلَى مَا يَخْفَى، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ بُكَاءَهُنَّ كَانَ بِصَوْتٍ، لَكِنْ لَا يَرْفَعُهُ، فَنَهَاهُنَّ عُمَرُ سَدًّا لِبَابِ الذَّرِيعَةِ، حَتَّى لَا يَنْجَرَّ إِلَى النِّيَاحَةِ الْمَذْمُومَةِ، لَا سِيَّمَا فِي الْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَأَمَرَهُ بِتَرْكِهِنَّ، وَأَظْهَرَ عُذْرًا لَهُنَّ فِي أَفْعَالِهِنَّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَنْعُ عُمَرَ لِضُرِّهِنَّ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآتِي، فَمَنْعُهُ ظَاهِرٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُنَّ إِلَّا مُجَرَّدُ الْبُكَاءِ، فَمَنَعَهُنَّ مِنْهُ عُمَرُ كَأَنَّهُ لِلتَّمَسُّكِ فِيهِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 2535

فَإِذَا وَجَبَتْ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ، فَأَمَرَهُ ﷺ بِالْإِمْسَاكِ عَنْهُنَّ، وَذَكَرَ لَهُ عُذْرَهُنَّ الدَّالَّ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ لَا غَلَبَةَ، أَمَّا مَعَ غَلَبَةِ الْحُزْنِ فَلَا كَرَاهَةَ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ مُجَرَّدَ الْبُكَاءِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ إِجْمَاعًا، وَقَدْ صَدَرَ الْبُكَاءُ عَنْهُ ﷺ عِنْدَ مَوْتِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ، حَيْثُ قَالَ: " «الْعَيْنُ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبُ يَحْزَنُ» " فَالنَّهْيُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْبُكَاءِ الْمَذْمُومِ، وَلَا اعْتِبَارَ لَا بِالْمَفْهُومِ مِنَ الظَّرْفِ الَّذِي وَقَعَ قَيْدًا اتِّفَاقِيًّا، أَوْ غَالِبِيًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ تَقْرِيرٍ وَمَزِيَّةُ تَحْرِيرِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ مِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَيُقَوِّيهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) كَذَا فِي نُسْخَةٍ. (وَالنَّسَائِيُّ ) .

стр. 2536

١٧٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَكَتِ النِّسَاءُ، وَجَعَلَ عُمَرُ يَضْرِبُهُنَّ بِسَوْطِهِ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَهْلًا، ثُمَّ قَالَ: إِيَّاكُنَّ وَنَعِيقَ الشَّيْطَانِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ مَهْمَا كَانَ مِنَ الْعَيْنِ وَمِنَ الْقَلْبِ فَمِنَ اللَّهِ وَمِنَ الرَّحْمَةِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْيَدِ وَمِنَ اللِّسَانِ فَمِنَ الشَّيْطَانِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ١٧٤٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَكَتِ النِّسَاءُ، وَجَعَلَ عُمَرُ يَضْرِبُهُنَّ بِسَوْطِهِ، فَأَخَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ) أَيْ: عَنْهُنَّ. (بِيَدِهِ) وَفِيهِ إِشْعَارٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الضَّرْبُ عَلَى النِّيَاحَةِ، بَلْ يَنْبَغِي النَّصِيحَةُ ; وَلِذَا أَخَّرَهُ. (وَقَالَ: مَهْلًا) بِسُكُونِ الْهَاءِ، أَيْ: أَمْهِلْهُنَّ مَهْلًا، أَوْ أَعْطِهِنَّ مَهْلًا. قَالَ السَّيِّدُ: مَهْلًا مَصْدَرٌ عَامِلُهُ مَحْذُوفٌ كَذَا فِي الطِّيبِيِّ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: إِذَا سِرْتُمْ إِلَى الْعَدُوِّ فَمَهْلًا مَهْلًا، فَإِذَا وَقَعَتِ الْعَيْنُ عَلَى الْعَيْنِ فَمَهْلًا مَهْلًا، السَّاكِنُ الرِّفْقَ، وَالْمُتَحَرِّكُ التَّقَدُّمَ، أَيْ: إِذَا سِرْتُمْ فَتَأَنَّوْا، وَإِذَا لَقِيتُمْ فَاحْمِلُوا. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمَهَلُ بِالتَّحْرِيكِ التُّؤَدَةُ وَالتَّبَاطُؤُ، يُقَالُ: مَهَّلْتُهُ وَأَمْهَلْتُهُ، أَيْ: سَكَّنْتُهُ وَأَخَّرْتُهُ، وَمَهْلًا يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ، وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْمَهْلُ وَيُحَرَّكُ، وَالْمُهْلَةُ بِالضَّمِّ: السَّكِينَةُ وَالرِّفْقُ اهـ. وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُهْلَ فِيهِ لُغَتَانِ، السُّكُونُ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْقَامُوسِ بِقَوْلِهِ: وَيُحَرَّكُ، وَكَانَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ اقْتَصَرَ عَلَى السُّكُونِ نَظَرًا إِلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ، فَاقْتِصَارُ ابْنِ حَجَرٍ عَلَى التَّحْرِيكِ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ. (يَا عُمَرُ) وَالْمَعْنَى: لَا تُبَادِرْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُنَّ الْحُكْمُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] (ثُمَّ قَالَ: إِيَّاكُنَّ وَنَعِيقَ الشَّيْطَانِ) أَيْ: صِيَاحَهُ بِالنِّيَاحَةِ، وَأُضِيفَ إِلَيْهِ لِحَمْلِهِ مِنْ نَعَقَ الرَّاعِي بِغَنَمِهِ دَعَاهَا لِتَعُودَ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] . (ثُمَّ قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ مُبَيِّنًا لَهُ أَتَمَّ الْبَيَانَ. (إِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ. (مَهْمَا كَانَ) فِي الْقَامُوسِ: مَهْمَا بَسِيطٌ لَا مُرَكَّبٌ مِنْ (مَهْ) وَ (مَا) لَا مِنْ (مَا مَا) خِلَافًا لِزَاعِمِيهِمَا اهـ. وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهَا اسْمُ شَرْطٍ، أَوْ حَرْفُ شَرْطٍ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَقَامِ ظَرْفٌ لِفِعْلِ الشَّرْطِ، أَيْ: مَهْمَا كَانَ الْبُكَاءُ. (مِنَ الْعَيْنِ) أَيْ: مِنَ الدَّمْعِ. (وَمِنَ الْقَلْبِ) أَيْ: مِنَ الْحُزْنِ مِنَ اللَّهِ أَيْ: مَحْمُودٌ مَرْضِيٌّ مِنْ جِهَتِهِ، وَصَادِرٌ مِنْ خِلْقَتِهِ. (وَمِنَ الرَّحْمَةِ) أَيْ: وَنَاشِئٌ مِنْ رَحْمَةِ صَاحِبِهِ. (وَمَا كَانَ) مَا شَرْطِيَّةٌ أَيْضًا. (مِنَ الْيَدِ) كَالضَّرْبِ عَلَى الْخَدِّ، وَقَطْعِ الثَّوْبِ، وَنَتْفِ الشَّعْرِ. (وَمِنَ اللِّسَانِ) أَيْ: بِطَرِيقِ الصِّيَاحِ، وَعَلَى وَجْهِ النِّيَاحِ، أَوْ يَقُولُ مِمَّا لَا يَرْضَى بِهِ الرَّبُّ. (فَمِنَ الشَّيْطَانِ) أَيْ: مِنْ إِغْوَائِهِ أَوْ بِرِضَائِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مَهْمَا) حَرْفُ الشَّرْطِ تَقُولُ: مَهْمَا تَفْعَلْ أَفْعَلْ، قِيلَ: إِنَّ أَصْلَهَا. (مَا مَا فَقُلِبَتِ الْأَلِفُ الْأُولَى هَاءً، وَمَحَلُّهُ رَفْعٌ بِمَعْنَى أَيُّمَا شَيْءٍ كَانَ مِنَ الْعَيْنِ فَمِنَ اللَّهِ، فَإِنْ قُلْتَ: نِسْبَةُ الدَّمْعِ إِلَى الْعَيْنِ، وَالْقَوْلِ إِلَى اللِّسَانِ، وَالضَّرْبِ بِالْيَدِ، إِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْكَسْبِ فَالْكُلُّ يَصِحُّ مِنَ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ طَرِيقِ التَّقْدِيرِ فَمِنَ اللَّهِ، فَمَا وَجْهُ اخْتِصَاصِ الْبُكَاءِ بِاللَّهِ؟ قُلْتُ: الْغَالِبُ فِي الْبُكَاءِ أَنْ يَكُونَ مَحْمُودًا، فَالْأَدَبُ أَنْ يُسْنَدَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ قَوْلِ الْخَنَا، وَالضَّرْبِ بِالْيَدِ عَنِ الْمُصِيبَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَذْمُومٌ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ. قَالَ مِيرَكُ: وَلَعَلَّ إِسْنَادَ الْبُكَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَجْلِ أَنَّ اللَّهَ رَاضٍ بِهِ، وَلَا يُؤَاخِذُ بِهِ بِخِلَافِ مَا صَدَرَ مِنَ اللِّسَانِ وَالْيَدِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ رَاضٍ بِهِمَا، وَالرَّحْمَنَ يُؤَاخِذُ بِهِمَا، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِسْنَادُ مَا صَدَرَ مِنْهُمَا لِلْعَبْدِ حَتَّى يُقَالَ: إِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْكَسْبِ فَالْكُلُّ مِنَ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ التَّقْدِيرِ فَالْكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَأَمَّلْ اهـ. وَهِيَ مُنَاقَشَةٌ لَطِيفَةٌ، وَمُجَادَلَةٌ شَرِيفَةٌ، وَبَيَانُهَا أَنَّ تَرْدِيدَ الطِّيبِيِّ لَيْسَ عَلَى الطَّرِيقِ الْعُرْفِيِّ، فَإِنَّهُ لَا مِرْيَةَ أَنَّ الْكُلَّ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوَّلًا، وَبِكَسْبِ الْعَبْدِ ثَانِيًا، فَمَحَلُّ السُّؤَالِ، وَمَوْرِدُ الْإِشْكَالِ أَنَّهُ كَيْفَ نُسِبَ بَعْضُهَا إِلَى الرَّحْمَنِ، وَبَعْضُهَا إِلَى الشَّيْطَانِ، فَيُجَابُ أَنَّ بَعْضَهَا مُبَاحٌ أَوْ مَحْمُودٌ، فَيُنْسَبُ إِلَى اللَّهِ لِإِبَاحَتِهِ بِهِ، أَوْ لِرِضَاهُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ، وَبَعْضُهَا مَعْصِيَةٌ فَيُنْسَبُ إِلَى الشَّيْطَانِ، حَيْثُ تَسَبَّبَ بِالْإِغْوَاءِ، وَحَصَلَ لَهُ بِهِ الرِّضَا، فَيَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ الْعَذَابَ، هَذَا وَقَدْ يُقَالُ: دَمْعُ الْعَيْنِ، وَحُزْنُ الْقَلْبِ، لَيْسَا مِنَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، فَلَا إِشْكَالَ فِي نِسْبَتِهِمَا إِلَى الصِّفَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَقَائِقِ الْحَدِيثِيَّةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ ) .

стр. 2537

١٧٤٩ - وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا قَالَ: لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵃ ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ الْقُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رَفَعَتْ، فَسَمِعَتْ صَائِحًا يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟ فَأَجَابَهُ آخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا. ــ ١٧٤٩ - (وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا) أَيْ: بِلَا إِسْنَادٍ. (قَالَ: لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵃ ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ الْقُبَّةَ) أَيِ: الْخَيْمَةَ. (عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً) الظَّاهِرُ أَنَّهُ لِاجْتِمَاعِ الْأَحْبَابِ لِلذِّكْرِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَحُضُورِ الْأَصْحَابِ لِلدُّعَاءِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَأَمَّا جَعْلُ فِعْلِهَا عَلَى الْعَبَثِ الْمَكْرُوهِ كَمَا فَعَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ فَغَيْرُ لَائِقٍ بِصَنِيعِ أَهْلِ الْبَيْتِ. (ثُمَّ رَفَعَتْ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ: أَمَرَتِ الْمَرْأَةُ بِرَفْعِهَا، وَيَجُوزُ كَوْنُهُ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: رُفِعَتِ الْخَيْمَةُ. (فَسَمِعَتْ) أَيِ: الْمَرْأَةُ. (صَائِحًا) أَيْ: هَاتِفًا غَيْبِيًّا. (يَقُولُ: أَلَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ. (هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟ فَأَجَابَهُ آخَرُ: بَلْ يَئِسُوا) وَالظَّاهِرُ سَئِمُوا، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي صُورَةِ الْيَأْسِ قَالَ: يَئِسُوا. (فَانْقَلَبُوا) أَيْ: رَجَعُوا، قَالَ السُّيُوطِيُّ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ سَوَادِ بْنِ مُصْعَبٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَخَوَيْنِ كَانَا جَارَيْنِ لَهُ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَجِدُ بِصِحَابِهِ وَجْدًا، لَا يُرَى مِثْلُهُ فَخَرَجَ الْأَكْبَرُ إِلَى أَصْفَهَانَ فَمَاتَ الْأَصْغَرُ، فَاخْتَلَفَ إِلَى قَبْرِهِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ مِنْ خَلْفِهِ يَوْمًا: يَا أَيُّهَا الْبَاكِي عَلَى غَيْرِهِ ... نَفْسَكَ أَصْلِحْهَا وَلَا تَبْكِهِ إِنَّ الَّذِي تَبْكِي عَلَى أَثَرِهِ ... تُوشِكُ أَنْ تَسْلُكَ فِي سِلْكِهِ قَالَ: فَالْتَفَتَ فَلَمْ يَرَ خَلْفَهُ أَحَدًا، فَاقْشَعَرَّ وَحُمَّ فَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا ثَلَاثًا حَتَّى مَاتَ، فَدُفِنَ إِلَى جَنْبِهِ اهـ. وَكَانَ مِنْ حَقِّ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ مَنْ يَرْوِيهِ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ أَوَّلًا، وَيَنْسُبَ الْحَدِيثَ إِلَيْهِ مُعَنْعَنًا، ثُمَّ يَقُولَ بَعْدَ تَمَامِ الْحَدِيثِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.

стр. 2538

١٧٥٠ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَبِي بَرْزَةَ، قَالَا: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَنَازَةٍ فَرَأَى قَوْمًا قَدْ طَرَحُوا أَرْدَيْتَهُمْ يَمْشُونَ فِي قُمُصٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَبِفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ تَأْخُذُونَ، أَوْ بِصَنِيعِ الْجَاهِلِيَّةِ تَشَبَّهُونَ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَدْعُوَ عَلَيْكُمْ دَعْوَةً تَرْجِعُونَ فِي غَيْرِ صُوَرِكُمْ، قَالَ: فَأَخَذُوا أَرْدِيَتِهِمْ، وَلَمْ يَعُودَا لِذَلِكَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ١٧٥٠ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَبِي بَرْزَةَ قَالَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَنَازَةٍ، فَرَأَى قَوْمًا) أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ. (قَدْ طَرَحُوا أَرْدِيَتَهُمْ) أَيْ: وَضَعُوهَا مِنْ أَكْتَافِهِمْ. (يَمْشُونَ) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ طَرَحُوا، أَوْ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِقَوْمًا (فِي قُمُصٍ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ قَمِيصٍ، يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الشِّعَارَ الْمَعْرُوفَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ هُوَ الرِّدَاءُ فَوْقَ الْقَمِيصِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مُتَدَاخِلَةٌ لِأَنَّ يَمْشُونَ حَالٌ مِنَ الْوَاوِ فِي طَرَحُوا، أَوْ هُوَ مِنَ الْوَاوِ فِي يَمْشُونَ. وَقَالَ السَّيِّدُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَحْوَالًا مُتَرَادِفَةً مِنْ مَفْعُولِ رَأَى، فَإِنَّ قَوْلَهُ: قَدْ طَرَحُوا حَالٌ مِنْهُ، وَيَمْشُونَ حَالٌ أُخْرَى اهـ. وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ قَوْمًا نَكِرَةٌ، وَشَرْطُ ذِي الْحَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْرِفَةً، أَوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً فَلَا يَبْقَى مُسَوِّغٌ هُنَا حِينَئِذٍ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَبِفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ: مِنْ تَغْيِيرِ الزِّيِّ الْمَأْلُوفِ عِنْدَ الْمَوْتِ (تَأْخُذُونَ) الْهَمْزَةُ لِلْإِنْكَارِ، وَمَحَلُّهُ الْفِعْلُ، وَقَدَّمَ الْجَارَّ لِبَيَانِ مَحَطِّ الْإِنْكَارِ. (أَوْ بِصَنِيعِ الْجَاهِلِيَّةِ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ لِلشَّكِّ. (تَشَبَّهُونَ) أَيْ: تَتَشَبَّهُونَ فَحَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ (لَقَدْ هَمَمْتُ) وَفِي نُسْخَةٍ: قَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَيْ: قَصَدْتُ. (أَنْ أَدْعُوَ عَلَيْكُمْ) أَيْ: بِالْمَضَرَّةِ. (دَعْوَةً) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ. (تَرْجِعُونَ) عَلَى بِنَائِهِ لِلْفَاعِلِ وَقِيلَ: لِلْمَفْعُولِ أَيْ: تَصِيرُونَ أَوْ تُرَدُّونَ بِتِلْكَ الدَّعْوَةِ (فِي غَيْرِ صُوَرِكُمْ) أَيْ: بِالْمَسْخِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى تَضْمِينِ الرُّجُوعِ مَعْنَى صَارَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الصَّيْرُورَةَ هِيَ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ فَلَا تَضْمِينَ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: ضُمِّنَ الرُّجُوعُ مَعْنَى الْعَوْدِ فَعُدِّيَ بِفِي، ثُمَّ ضُمِّنَ الْعَوْدُ مَعْنَى التَّصْيِيرِ كَمَا فِي الْآيَةِ، فَإِنَّ الْعَوْدَ حَقِيقَةٌ لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَتَأَمَّلْ فِي الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ مَزَلَّةُ الْأَقْدَامِ، وَمَعْثَرَةُ الْأَقْدَامِ. قَالَ: أَوْ تُحْمَلُ الصُّورَةُ عَلَى الصِّفَةِ وَالْحَالَةِ أَيْ: تَرْجِعُونَ إِلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ، كَمَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ اهـ. وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ التَّقَابُلِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ إِلَّا بِأَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ أَنَّ فِي بِمَعْنَى إِلَى، لَكِنْ لَا دَخْلَ لِلصُّورَةِ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى الصِّفَةِ أَوَّلًا بِهَذَا الْقَوْلِ، بَلْ هُوَ قَوْلٌ مُقَابَلٌ فِيمَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَسْخَ هَلْ هُوَ صُورِيٌّ أَوْ مَعْنَوِيٌّ؟ قَالَ مِيرَكُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَرْجِعُونَ إِلَى بُيُوتِكُمْ فِي غَيْرِ

стр. 2539

صُوَرِكُمْ، وَفِي غَيْرِ صُوَرِكُمْ حَالٌ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْوَجْهَيْنِ اهـ. وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ، وَتَقْدِيرٌ مُسْتَحْسَنٌ. (قَالَ) أَيِ: الرَّاوِي وَفِيهِ إِيهَامٌ، فَإِنَّ الرَّاوِيَ اثْنَانِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَيُحْتَمَلُ قَالَ الرَّاوِي الشَّامِلُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا. (فَأَخَذُوا أَرْدِيَتَهُمْ وَلَمْ يَعُودُوا) أَيْ: لَمْ يَرْجِعُوا بَعْدَ ذَلِكَ. (لِذَلِكَ) أَيْ: إِلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، أَوْ لَمْ يَرْجِعُوا فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْقَوْلِ الصَّادِرِ مِنْهُ ﷺ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِذَا وَرَدَ فِي مِثْلِ أَدْنَى تَغْيِيرٍ مِنْ مَوْضِعِ الرِّدَاءِ عَنِ الْمَنْكِبِ هَذَا الْوَعِيدُ الْبَلِيغُ، فَكَيْفَ مَا يُشَاهَدُ مِنَ الْأُمُورِ الشَّنِيعَةِ؟ ! قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْمُتَرَسِّمُونَ بِرُسُومِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ إِذَا مَاتَ لَهُمْ مَيِّتٌ تَرَكُوا الْمَنَادِيلَ الَّتِي عَلَى أَكْتَافِهِمُ الْمُنَزَّلَةَ فِي الْأَصْلِ مَنْزِلَةَ الْأَرْدِيَةِ الْمَأْلُوفَةِ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَكَمَا أَنَّ أُولَئِكَ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ، فَهَؤُلَاءِ يَسْتَحِقُّونَهُ عَلَى تَرْكِ مَنَادِيلِهِمُ الْمُنَزَّلَةِ الْأَرْدِيَةِ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: لُبْسُ الرِّدَاءِ سُنَّةٌ بِخِلَافِ الْمِنْدِيلِ عَلَى الْكَتِفِ، فَإِنَّهُ إِمَّا مُبَاحٌ أَوْ بِدْعَةٌ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: إِنَّهُ مَكْرُوهٌ، فَوَضْعُهُ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ، مَعَ أَنَّ لِأَهْلِ مَكَّةَ مَحْمَلًا آخَرَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الصَّوَابِ: وَهُوَ جَعْلُهُمْ هَذَا عَلَامَةً تُبَيِّنُ الْمُصَابَ، وَأَيْضًا عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَى تَعْزِيَتِهِمْ إِيَّاهُ، لَا يُمْكِنُ بَقَاءُ الْمِنْدِيلِ عَلَى كَتِفِهِ الْبَتَّةَ، فَإِنَّهُ يَنْطَرِحُ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الزِّحَامِ، وَقَدْ وَقَعَ لِي بِالْخُصُوصِ فِي تَعْزِيَةِ وَلَدِي وَثَمَرَةِ كَبِدِي بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَأَخَذْتُهُ مِنْ كَتِفِي، وَنَاوَلْتُهُ لِبَعْضِ الْخُدَّامِ، فَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 2540

١٧٥١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُتْبَعَ جَنَازَةٌ مَعَهَا رَانَّةٌ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ١٧٥١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُتْبَعَ) بِالتَّخْفِيفِ وَتَشْدِيدٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ: تُشَيَّعُ. (جَنَازَةٌ مَعَهَا رَانَّةٌ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ نَائِحَةٌ صَائِحَةٌ، وَفِي مَعْنَاهَا إِذَا كَانَ مَعَهَا أَمْرٌ آخَرُ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ، وَهَذَا أَصْلٌ أَصِيلٌ فِي عَدَمِ الْحُضُورِ عِنْدَ مَجْلِسٍ فِيهِ الْمَحْظُورُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 2541

١٧٥٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: مَاتَ ابْنٌ لِي فَوَجَدْتُ عَلَيْهِ هَلْ سَمِعْتَ مِنْ خَلِيلِكَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ شَيْئًا يَطَيِّبُ بِأَنْفُسِنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قَالَ: نَعَمْ. سَمِعْتُهُ ﷺ قَالَ: «صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ، يَلْقَى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ فَيَأْخُذُهُ بِنَاحِيَةِ ثَوْبِهِ، فَلَا يُفَارِقُهُ " حَتَّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ، وَاللَّفْظُ لَهُ. ــ ١٧٥٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ) أَيْ: لِأَبِي هُرَيْرَةَ. (مَاتَ ابْنٌ لِي) أَيْ: صَغِيرٌ. (فَوَجَدْتُ) أَيْ: حَزِنْتُ. (عَلَيْهِ) حُزْنًا شَدِيدًا. (هَلْ سَمِعْتَ مِنْ خَلِيلِكَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَسَلَامُهُ. (شَيْئًا يَطِيبُ بِأَنْفُسِنَا؟) بِالتَّخْفِيفِ مَعَ فَتْحِ أَوَّلِهِ، فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَبِالتَّشْدِيدِ فَالْبَاءُ لِلتَّأْكِيدِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَعْنِي زِيَادَةَ الْبَاءِ فِي الْمَفْعُولِ أَمْرٌ مُطَّرِدٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُغْنِي وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ عِنْدَ مَنْ يَرَى زِيَادَتَهَا فِي الْإِثْبَاتِ كَالْأَخْفَشِ فَوَهْمٌ مِنْهُ، لِانْتِقَالِهِ مِنَ الْبَاءِ إِلَى مِنْ أَيْ: يُسَلِّيهَا. (عَنْ مَوْتَانَا) أَيْ: مِنَ الصِّغَارِ. (قَالَ: نَعَمْ. سَمِعْتُهُ ﷺ قَالَ: صِغَارُهُمْ) أَيْ: صِغَارُ الْمُسْلِمِينَ. (دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ) فِي النِّهَايَةِ: جَمْعُ دُعْمُوصٍ، وَهِيَ دُوَيْبَّةٌ تَغُوصُ فِي الْمَاءِ، وَتَكُونُ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ، وَالدُّعْمُوصُ أَيْضًا الدَّخَّالُ فِي الْأُمُورِ الدَّخُولُ عَلَى الْحُرَمِ، وَلَا يُحْتَجَبُ مِنْهُمْ. (يَلْقَى أَحَدُهُمْ) أَيْ: أَحَدُ الصِّغَارِ. (أَبَاهُ) أَيْ: فَكَيْفَ أُمُّهُ؟ ! وَلَعَلَّ الِاقْتِصَارَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمُقْتَضَى الْمَقَامِ، أَوْ مِنْهُ ﷺ اكْتِفَاءً بِالدَّلِيلِ الْبُرْهَانِيِّ عَلَى الْمُرَامِ. (فَيَأْخُذُ بِنَاحِيَةِ ثَوْبِهِ) أَيْ: بِطَرَفِهِ. (فَلَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ) الْجَنَّةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ أَيْ: لِأَحْمَدَ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لِهَذَا ذَكَرَ أَحْمَدَ لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ بَعْدَ الشَّيْخَيْنِ أَحَدًا مِنَ الْمُخَرِّجِينَ لِظُهُورِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ إِذَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

стр. 2542

١٧٥٣ - «وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا، نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَقَالَ: اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَاجْتَمَعْنَ فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلَاثَةٌ إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوِ اثْنَيْنِ؟ فَأَعَادَتْهُ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ١٧٥٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ) أَيْ: فَازُوا وَظَفِرُوا بِهِ، وَنَحْنُ مَحْرُومَاتٌ مِنَ اغْتِنَامِهِ وَاكْتِسَابِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: أَخَذُوا نَصِيبًا، وَفَازُوا مِنْ مَوَاعِظِكَ. (فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ) بِسُكُونِ الْفَاءِ أَيْ: مِنْ أَجْلِ انْتِفَاعِ ذَاتِكَ، وَبَرَكَاتِ كَلِمَاتِكَ يَوْمًا، وَلَوْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الْفَاءِ لَكَانَ وَجْهًا وَجِيهًا، وَعَلَى الْمَقْصُودِ تَنْبِيهًا نَبِيهًا، وَالْمَعْنَى: اجْعَلْ لَنَا مِنْ أَجْلِ سَمَاعِ أَحَادِيثِكَ النَّفْسِيَّةِ، وَأَقَاوِيلِكَ الْأَنِيسَةِ. (يَوْمًا) أَيْ: وَقْتًا مِنَ الْأَوْقَاتِ، أَوْ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً، أَوْ يَوْمًا لَا أَقَلَّ مِنْهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: يَوْمًا أَيْ: نَصِيبًا، إِطْلَاقًا لِلْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ، وَمِنْ نَفْسِكَ حَالٌ مِنْ يَوْمًا، وَمِنِ ابْتِدَائِيَّةٌ أَيِ: اجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ مَا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ. (نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ) أَقُولُ: يُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِمَا قَبْلَهُ، أَوْ بِمَا بَعْدَهُ، أَوْ يَتَنَازَعَانِ فِيهِ. قَالَ مِيرَكُ: قَوْلُهُ: نَأْتِيكَ فِيهِ آبَ مِنْ حَمْلِ الْيَوْمِ عَلَى النَّصِيبِ، قُلْتُ: أَبِي الْإِبَاءِ حَيْثُ قُدِّرَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، وَانْدَفَعَ بِهِ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِخْدَامِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَوْمِ مَا مَرَّ، وَهَهُنَا حَقِيقَةُ الزَّمَنِ، ثُمَّ قَالَ مِيرَكُ: وَلَا أَدْرِي مَا الْبَاعِثُ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي: نِصْفُ الْعِلْمِ، وَنِصْفُهُ الْآخَرُ: أَنْ تَدْرِيَ أَنْ لَا مَعْنَى بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لِقَوْلِهِ: اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَأْوِيلٍ، فَأَوَّلَهُ بِمَا ظَهَرَ لَهُ كَمَا أَوَّلَهُ غَيْرُهُ بِمَا ظَهَرَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ عَيِّنْ لَنَا مِنْ عِنْدِكَ يَوْمًا فِي الْأُسْبُوعِ، نَأْتِيكَ فِيهِ لِاسْتِمَاعِ حَدِيثِكَ، قُلْتُ: وُرُودُ النَّفْسِ بِمَعْنَى عِنْدَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ لُغَةً وَعُرْفًا، فَالتَّخْطِئَةُ غَيْرُ صَوَابٍ، نَعَمْ هَذَا حَاصِلُ الْمَعْنَى، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ الْمَبْنَى ; وَلِذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ عَلَى مَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنْهُ: الْجَعْلُ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، بِمَعْنَى فَعَلَ، وَإِلَى مَفْعُولَيْنِ بِمَعْنَى صَيَّرَ، وَالْمُرَادُ هُنَا لَازِمَةٌ وَهُوَ التَّعْيِينُ، وَيَوْمًا مَفْعُولٌ بِهِ لَا مَفْعُولٌ فِيهِ، وَ (مِنْ) فِي. (مِنْ نَفْسِكَ) ابْتِدَائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِاجْعَلْ، يَعْنِي هَذَا الْجَعْلُ مَنْشَؤُهُ اخْتِيَارُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا اخْتِيَارُنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ وَقْتِ نَفْسِكَ بِإِضْمَارِ الْوَقْتِ، وَالظَّرْفُ صِفَةُ يَوْمًا، وَهُوَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ اهـ. يَعْنِي وَمِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ أَيِ: اجْعَلْ لَنَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَقْتًا مَا مِنَ الْأَوْقَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِذَاتِكَ الْأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ ﷺ عَلَى مَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ جَزَّءَ أَوْقَاتَهُ فَجَعَلَ جُزْءًا لِلَّهِ، وَجُزْءًا لِأَهْلِهِ، وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ، وَجُزْءًا لِلنَّاسِ، وَهَذَا الْمَعْنَى أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَقَالَ: اجْتَمِعْنَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ. (فِي يَوْمِ كَذَا) أَيْ: فِي نَهَارِ كَذَا. (وَ) فِي وَقْتِ. (كَذَا) أَوْ فِي وَقْتِ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا. (فِي مَكَانِ كَذَا) أَيْ: مِنَ الْمَسْجِدِ أَوِ الْبَيْتِ. (وَكَذَا) أَيْ: مِنْ وَصْفِهِ بِمُقَدَّمِهِ أَوْ مُؤَخَّرِهِ. (فَاجْتَمَعْنَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ. (فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ) ﷺ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ وَلَعَلَّ مَا أَتَاهُنَّ عِنْدَهُ ﷺ كَانَ مُتَعَذَّرًا فَعَيَّنَ لَهُنَّ زَمَانًا مُعَيَّنًا، وَمَكَانًا مُبَيَّنًا، فَأَتَاهُنَّ فَلَا يُنَافِي مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ: مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ يُؤْتَى وَلَا يَأْتِي، أَوْ نَزَلَ تَعْيِينُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ لَهُنَّ، وَإِتْيَانُهُنَّ فِيهِمَا مَنْزِلَةَ إِتْيَانِهِنَّ الْعِلْمَ. (ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا) بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمِّ الْأَوَّلِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي أَيْ: مِنْ أَوْلَادِهَا مِنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ. (ثَلَاثَةٌ إِلَّا كَانَ) أَيْ: تَقَدُّمُهُمْ وَمَوْتُهُمْ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِلَّا كَانَ الْوَلَدُ بِمَعْنَى الثَّلَاثَةِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ مَبْنًى وَمَعْنًى. (لَهَا) أَيْ: لِلْمَرْأَةِ. (حِجَابًا) أَيْ: سَاتِرًا. (مِنَ النَّارِ. فَقَالَتْ: امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوِ اثْنَيْنِ) عَطْفٌ تَلْقِينِيٌّ. (وَأَعَادَتْهَا) أَيِ: الْمَرْأَةُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ. (مَرَّتَيْنِ) أَوْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ: أَوِ اثْنَيْنِ، أَوْ قُلْ: وَاثْنَيْنِ. (ثُمَّ قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِلتَّوْكِيدِ، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ، وَلَعَلَّ تَوَقُّفَهُ ﷺ كَانَ انْتِظَارًا لِلْوَحْيِ، أَوِ الْإِلْهَامِ، أَوْ نَظَرًا فِي أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 2543

١٧٥٤ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يُتَوَفَّى لَهُمَا ثَلَاثَةٌ إِلَّا أَدْخَلَهُمَا اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوِ اثْنَانِ؟ قَالَ: أَوِ اثْنَانِ. قَالُوا: أَوْ وَاحِدٌ؟ قَالَ: أَوْ وَاحِدٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ السِّقْطَ لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسَرَرِهِ. إِلَى الْجَنَّةِ إِذَا احْتَسَبَتْهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ قَوْلِهِ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. ــ ١٧٥٤ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ) أَيْ: مِنَ الْوَالِدَيْنِ. (يُتَوَفَّى لَهُمَا ثَلَاثَةٌ) أَيْ: مِنَ الْوَلَدِ. (إِلَّا أَدْخَلَهُمَا اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمَا) وَهُوَ لَا يُنَافِي سَبَبِيَّةَ أَوْلَادِهِمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِيَّاهُمَا تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي أَدْخَلَهُمَا اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِلْمَصْدَرِ. (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوِ اثْنَانِ؟) عَطْفُ الْتِمَاسٍ. (قَالَ: أَوِ اثْنَانِ. قَالُوا: أَوْ وَاحِدٌ؟ قَالَ: أَوْ وَاحِدٌ) . وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي التَّقْيِيدِ بِالثَّلَاثَةِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ، وَلِيُلْجِئَهُمْ فِي إِلْحَاقِ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ إِلَى السُّؤَالِ. (ثُمَّ قَالَ) أَيْ: تَتْمِيمًا وَمُبَالَغَةً فِي ثَوَابِ الْوَلَدِ مُؤَكِّدًا بِالْقَسَمِ. (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أَيْ: رُوحِي أَوْ حَيَاتِي بِتَصَرُّفِ إِرَادَتِهِ، وَقَبْضِ قُدْرَتِهِ. (إِنَّ السِّقْطَ) بِالْكَسْرِ أَشْهَرُ مِنْ أُخْتَيْهِ، وَهُوَ مَوْلُودٌ غَيْرُ تَامٍّ. (لَيَجُرُّ أُمَّهُ) أَيْ: لَيَسْحَبُهَا. (بِسَرَرِهِ) بِفَتْحَتَيْنِ وَكَسْرِهَا لُغَةٌ فِي السِّينِ، وَهُوَ مَا تَقْطَعُهُ الْقَابِلَةُ مِنَ السُّرَّةِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي النِّهَايَةِ: مَا يَبْقَى بَعْدَ الْقَطْعِ اهـ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعِيدُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْمَيِّتِ كَالْأَظَافِرِ الْمَقْلُوعَةِ، وَالْأَشْعَارِ الْمَقْطُوعَةِ وَالْقُلْفَةِ، وَغَيْرِهَا. (إِلَى الْجَنَّةِ) وَفِيهِ إِشَارَةٌ بَالِغَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الطِّفْلَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بِالْقَلْبِ كَبِيرُ تَعَلُّقٍ إِذَا كَانَ هَذَا ثَوَابُهُ فَكَيْفَ بِثَوَابِ مَنْ تَعَلَّقَ الْقَلْبُ بِهِ تَعَلُّقًا كُلِّيًّا، حَتَّى صَارَ أَعَزَّ مِنَ النَّفْسِ عِنْدَهَا؟ ! وَأَمَّا تَفْسِيرُ ابْنِ حَجَرٍ: السَّرَرُ بِالْمُصْرَانِ الْمُتَّصِلِ بِسُرَّتِهِ وَبَطْنِ أُمِّهِ، فَغَرِيبٌ مُخَالِفٌ لِلْعِلَّةِ. (إِذَا احْتَسَبَتْهُ) أَيْ: إِذَا عَدَّتْ أَمُّهُ مَوْتَهُ ثَوَابًا، وَصَبَرَتْ عَلَى فِرَاقِهِ احْتِسَابًا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) أَيْ: مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ. (وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ قَوْلِهِ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) .

стр. 2544

١٧٥٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَدَّمَ ثَلَاثَةً مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ كَانُوا لَهُ حِصْنًا حَصِينًا مِنَ النَّارِ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَدَّمْتُ اثْنَيْنِ. قَالَ: وَاثْنَيْنِ. قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أَبُو الْمُنْذِرِ سَيِّدُ الْقُرَّاءِ: قَدَّمْتُ وَاحِدًا. قَالَ: وَوَاحِدًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ١٧٥٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَدَّمَ ثَلَاثَةً مِنَ الْوَلَدِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: مَنْ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنِسْبَةُ التَّقَدُّمِ إِلَيْهِ مَجَازٌ ; لِأَنَّهُ سَبَبُهُ اهـ. وَفِي أَنَّ الْأَبَ وَالْأُمَّ سَبَبَانِ لِوُجُودِهِ لَا لِتَقْدِيمِهِ بِالْمَوْتِ عَلَيْهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ مَنْ قَدَّمَ صَبْرَ ثَلَاثَةٍ مِنَ الْوَلَدِ عِنْدَ فَقْدِهِمْ، وَاحْتَسَبَ ثَوَابَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، أَوِ الْمُرَادُ بِالتَّقْدِيمِ لَازِمُهُ، وَهُوَ التَّأَخُّرُ أَيْ: مَنْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُ عَنْ مَوْتِ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَوْلَادِهِ الْمُقَدَّمِينَ عَلَيْهِمْ. (لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ) أَيِ: الذَّنْبَ أَوِ الْبُلُوغَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا قَيْدٌ لِلْكَمَالِ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ يَكُونَ الْقَلْبُ عَلَيْهِمْ أَرَقَّ، وَالصَّبْرُ عَنْهُمْ أَشَقَّ، وَشَفَاعَتُهُمْ أَرْجَى وَأَسْبَقَ. (كَانُوا لَهُ حِصْنًا حَصِينًا) أَيْ: حِصَارًا مُحْكَمًا وَحَاجِزًا مَانِعًا. (مِنَ النَّارِ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَدَّمْتُ اثْنَيْنِ) أَيْ: فَمَا حُكْمُهُ؟ (قَالَ: وَاثْنَيْنِ) أَيْ: وَكَذَا مَنْ قَدَّمَ اثْنَيْنِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: زِدْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي الْبِشَارَةِ فَإِنِّي قَدَّمْتُ اثْنَيْنِ، أَيْ: وَمَنْ قَدَّمَ اثْنَيْنِ؟ وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّقْدِيرِ حَيْثُ قَالَ: فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يَحْصُلُ ذَلِكَ لِمَنْ قَدَّمَ اثْنَيْنِ؟ فَإِنِّي قَدَّمْتُ اثْنَيْنِ. قَالَ: يَحْصُلُ لَكَ ذَلِكَ وَإِنْ قَدَّمْتَ اثْنَيْنِ اهـ. وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مُطَابِقٍ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ بِحَسَبِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ. (قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أَبُو الْمُنْذِرِ) بَدَلٌ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، أَوْ مَدْحٌ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. (سَيِّدُ الْقُرَّاءِ) بِشَهَادَتِهِ ﷺ حَيْثُ قَالَ: أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ. (قَدَّمْتُ وَاحِدًا. قَالَ: وَوَاحِدًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ، هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 2545

١٧٥٦ - «وَعَنْ قُرَّةَ الْمُزَنِيِّ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَتُحِبُّهُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَبَّكَ اللَّهُ كَمَا أُحِبُّهُ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَا فَعَلَ ابْنُ فُلَانٍ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَّا تُحِبُّ أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ يَنْتَظِرُكَ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَهُ خَاصَّةً أَمْ لِكُلِّنَا؟ قَالَ: بَلْ لِكُلِّكُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٧٥٦ - (وَعَنْ قُرَّةَ الْمُزَنِيِّ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَتُحِبُّهُ؟) أَيْ: حُبًّا بَالِغًا حَيْثُ يَصْحَبُكَ دَائِمًا. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَبَّكَ اللَّهُ كَمَا أُحِبُّهُ) وَفِيهِ غَايَةٌ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي كَثْرَةِ مَحَبَّتِهِ لِوَلَدِهِ، حَيْثُ جَعَلَهَا مُشَبَّهَةً بِحُبِّهِ اللَّهَ، وَأَوْرَدَهَا بِصِيغَةِ الدُّعَاءِ. (فَفَقَدَهُ) أَيِ: ابْنَهُ مَعَهُ. (النَّبِيُّ ﷺ أَوْ فَقَدَهُ أَيْضًا. (فَقَالَ: مَا فَعَلَ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ. (ابْنُ فُلَانٍ؟ أَيْ: مَا جَرَى لَهُ مِنَ الْفِعْلِ؟ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاتَ) . أَيِ: ابْنُهُ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: عِنْدَ حُضُورِ أَبِيهِ. (أَمَا تُحِبُّ أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ) أَيِ: ابْنَكَ. (يَنْتَظِرُكَ) ؟ لِيَشْفَعَكَ وَلِيُدْخِلَهَا مَعَكَ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى خَرْقِ الْعَادَةِ مِنْ تَعَدُّدِ الْأَجْسَادِ الْمُكْتَسَبَةِ، حَيْثُ إِنَّ الْوَلَدَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَنْتَظِرُكَ أَيْ: مُفَتِّحًا لَكَ مُهَيِّئًا لِدُخُولِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠] فَاسْتُعِيرَ لِلْفَتْحِ الِانْتِظَارُ مُبَالَغَةً اهـ. وَبُعْدُهُ لَا يَخْفَى. (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُ خَاصَّةً) أَيْ: هَذَا الْحُكْمُ. (أَمْ لِكُلِّنَا؟) أَيْ: أَمْ هُوَ عَامَّةٌ لِجَمِيعِنَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ. (قَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ: فَقَالَ. (بَلْ لِكُلِّكُمْ) أَيْ: كَافَّةً. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 2546

١٧٥٧ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ السِّقْطَ لَيُرَاغِمُ رَبَّهُ إِذَا أَدْخَلَ أَبَوَيْهِ النَّارَ، فَقَالَ: أَيُّهَا السِّقْطُ الْمُرَاغِمُ رَبَّهُ أَدْخِلْ أَبَوَيْكَ الْجَنَّةَ، فَيَجُرُّهُمَا بِسَرَرِهِ حَتَّى يُدْخِلَهُمَا الْجَنَّةَ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ١٧٥٧ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ السِّقْطَ) بِالْكَسْرِ أَيِ: الْوَلَدَ السَّاقِطَ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. (لَيُرَاغِمُ) أَيْ: يُجَادِلُ وَيُخَاصِمُ. (رَبَّهُ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: هُنَا تَخْيِيلٌ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحِقْوِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: مَهْ، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكُمْ مِنَ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ. أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ فَقَالَتْ: بَلَى» . الْحَدِيثَ اهـ. وَفِيهِ أَنْ لَا ضَرُورَةَ إِلَى التَّخْيِيلِ مَعَ إِمْكَانِ حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى التَّحْقِيقِ، بِلَا مَانِعٍ وَصَارِفٍ مِنْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ أَوْ نَقْلِيٍّ، وَأَمَّا حَدِيثُ الرَّحِمِ فَمِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ، وَالرَّحِمُ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي، فَإِمَّا أَنْ يُتْرَكَ عَلَى حَالِهِ وَلَا يَنْصَرِفَ فِي مِنْوَالِهِ كَمَا هُوَ طَرِيقُ السَّلَفِ، أَوْ يُؤَوَّلُ عَلَى دَأْبِ الْخَلَفِ، مَعَ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ الْمَعَانِيَ لَهَا حَقَائِقُ ثَابِتَةٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ، أَوْ يَجْعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى صُوَرًا وَأَجْسَامًا، وَيَجْعَلَهَا نَاطِقَةً وَسَائِلَةً وَمُجِيبَةً، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ. (إِذَا أَدْخَلَ) أَيْ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَوْ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَغَيْرُ ظَاهِرٍ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِقَوْلِهِ الْآتِي: أَدْخِلْ أَبَوَيْكَ. (أَبَوَيْهِ النَّارَ، فَيُقَالُ: أَيُّهَا السِّقْطُ الْمُرَاغِمُ رَبَّهُ أَدْخِلْ أَبَوَيْكَ أَيْ: كُنْ سَبَبًا لِدُخُولِ أَبَوَيْكَ. (الْجَنَّةَ ; فَيَجُرُّهُمَا بِسَرَرِهِ حَتَّى يُدْخِلَهُمَا الْجَنَّةَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 2547

١٧٥٨ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يَقُولُ اللَّهُ ﵎: " ابْنَ آدَمَ، إِنْ صَبَرْتَ وَاحْتَسَبْتَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى لَمْ أَرْضَ لَكَ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ١٧٥٨ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ،) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎: ابْنَ آدَمَ، بِالنَّصْبِ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ: يَا ابْنَ آدَمَ. (إِنْ صَبَرْتَ) أَيْ: عَلَى الْبَلَاءِ. (وَاحْتَسَبْتَ) أَيْ: طَلَبْتَ الثَّوَابَ مِنَ الْمَوْلَى، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الصَّبْرِ الْمَحْمُودِ احْتِسَابُ الثَّوَابِ، وَوَجْهُ الْغَرَابَةِ لَا يَخْفَى عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ. (عِنْدَ الصَّدْمَةِ) أَيِ: الْجُمْلَةُ. (الْأُولَى لَمْ أَرْضَ لَكَ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ) أَيْ: غَيْرَ نَعِيمِهَا. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 2548

١٧٥٩ - وَعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مُسْلِمَةٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُهَا وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجَاعًا، إِلَّا جَدَّدَ اللَّهُ ﵎ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا يَوْمَ أُصِيبَ بِهَا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. ــ ١٧٥٩ - (وَعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ قَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مُسْلِمَةٍ يُصَابُ) أَيْ: يُبْتَلَى (بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُهَا وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ. (طَالَ عَهْدُهَا) أَيْ: بَعُدَ زَمَانُهَا. (فَيُحْدِثُ) أَيْ: يُجَدِّدُ. (لِذَلِكَ) أَيْ: لِأَجْلِ ذَلِكَ الِابْتِلَاءِ، وَقِيلَ: أَوْ عِنْدَهُ، فَاللَّازِمُ التَّوْقِيتُ. (اسْتِرْجَاعًا) بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ. (إِلَّا جَدَّدَ اللَّهُ ﵎ أَيْ: أَثْبَتَ. (لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ) أَيِ: الِاسْتِرْجَاعِ ثَوَابًا جَدِيدًا بَيَّنَهُ قَوْلُهُ. (فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا) أَيْ: مِثْلَ ثَوَابِ تِلْكَ الْمُصِيبَةِ. (يَوْمَ أُصِيبَ بِهَا) أَيْ: وَقْتَ ابْتِلَائِهِ بِتِلْكَ الْمُصِيبَةِ ابْتِدَاءً، وَصَبْرُهُ وَتَسْلِيمُهُ بِقَضَائِهِ تَعَالَى رِضًا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) أَيْ: فِي مُسْنَدِهِ. (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 2549

١٧٦٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ فَلْيَسْتَرْجِعْ ; فَإِنَّهُ مِنَ الْمَصَائِبِ» . ــ ١٧٦٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمِلَةِ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ، وَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُ بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ، وَيَدْخُلُ طَرَفُهُ فِي النَّقْبِ الَّذِي فِي صَدْرِ النَّعْلِ الْمَشْدُودِ فِي الزِّمَامِ، وَالزِّمَامُ السَّيْرُ الَّذِي يُعْقَدُ فِيهِ الشِّسْعُ. (فَلْيَسْتَرْجِعْ) أَمْرُ نَدْبٍ. (فَإِنَّهُ) أَيِ: انْقِطَاعُ الشِّسْعِ. (مِنَ الْمَصَائِبِ) أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهَا، وَرُوِيَ: أَنَّهُ ﷺ «اسْتَرْجَعَ حِينَ انْطَفَأَ سِرَاجٌ لَهُ» ، وَلَعَلَّ مِنَ انْقِطَاعِ الشِّسْعِ أَقَلُّ أَفْرَادِ الْمُصِيبَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: نَبَّهَ بِالشِّسْعِ عَلَى مَا فَوْقَهُ بِالْأَوْلَى، وَعَلَى مَا دُونَهُ بِطَرِيقِ التَّسَاوِي ; فَيُسَنُّ ذِكْرُ الِاسْتِرْجَاعِ فِي الْجَمِيعِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ تَسَاوِيَ الشَّيْءِ لَا يَتَحَقَّقُ مَعَ مَا دُونَهُ.

стр. 2550

١٧٦١ - وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: يَا عِيسَى، إِنِّي بَاعِثٌ مِنْ بَعْدِكَ أُمَّةً إِذَا أَصَابَهُمْ مَا يُحِبُّونَ حَمِدُوا اللَّهَ، وَإِنْ أَصَابَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ احْتَسَبُوا وَصَبَرُوا، وَلَا حِلْمَ وَلَا عَقْلَ. فَقَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ يَكُونُ هَذَا لَهُمْ، وَلَا حِلْمَ وَلَا عَقْلَ؟ ! قَالَ: أُعْطِيهِمْ مِنْ حِلْمِي وَعِلْمِي» . رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. ــ ١٧٦١ - (وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: يَا عِيسَى، إِنِّي بَاعِثٌ) أَيْ: خَالِقٌ وَمُظْهِرٌ. (مِنْ بَعْدِكَ أُمَّةً) جَمَاعَةً عَظِيمَةً، أَوْ أُمَّةً لِنَبِيٍّ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ صُلَحَاءُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . (إِذَا أَصَابَهُمْ مَا يُحِبُّونَ حَمِدُوا اللَّهَ) أَيْ: عَلَيْهِ. (وَإِنْ أَصَابَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ احْتَسَبُوا) أَيْ: طَلَبُوا الثَّوَابَ مِنَ اللَّهِ. (وَصَبَرُوا) أَيْ: عَلَى حُكْمِ اللَّهِ. (وَلَا حِلْمَ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُمْ لَا حِلْمَ لَهُمْ. (وَلَا عَقْلَ) أَيْ: كَيِّسَانِ أَوْ كَامِلَانِ قَبْلَ ذَلِكَ يَحْمِلُهُمْ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْهُمْ، وَفِي الْهَدْيِ لِابْنِ الْقَيِّمِ: وَلَا عِلْمَ بَدَلَ وَلَا عَقْلَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. (فَقَالَ) أَيْ: عِيسَى. (يَا رَبِّ، كَيْفَ يَكُونُ هَذَا) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْكَمَالِ لَهُمْ. (وَلَا حِلْمَ وَلَا عَقْلَ؟ !) لِأَنَّ الْحِلْمَ هِيَ الصِّفَةُ الْمُعْتَدِلَةُ تَمْنَعُ الْإِنْسَانَ عَنِ الْعَجَلَةِ، وَتَبْعَثُهُ عَلَى التَّأَمُّلِ فِي الْقَضَايَا وَالْأَحْكَامِ، حَتَّى يَقُومَ بِمُقْتَضَى الْمَقَامِ، فَيَشْكُرَ عِنْدَ الْإِنْعَامِ، وَلَا يَبْطُرَ عَنِ الْإِنْعَامِ، وَيَصْبِرَ عَلَى الْمِحْنَةِ، وَلَا يَجْزَعَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وَالْعَقْلُ يَمْنَعُهُ وَيَعْقِلُهُ عَمَّا لَا يَنْبَغِي، فَيَكُونُ مَانِعًا لَهُ مِنَ الْكُفْرَانِ، وَحَامِلًا وَبَاعِثًا لَهُ عَلَى حَمْدِ الْمَلِكِ الْمَنَّانِ، وَبِهِ يَعْلَمُ الْإِنْسَانُ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَالْخَيْرَ فِيمَا اخْتَارَهُ اللَّهُ، فَيَصْبِرُ عَلَى مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حِلْمٌ وَلَا عَقْلٌ فَأَمْرُهُمْ غَرِيبٌ، وَحَالُهُمْ عَجِيبٌ. (قَالَ: أُعْطِيهِمْ مِنْ حِلْمِي وَعِلْمِي) أَيْ: لِلْمُدْنِينَ عِنْدَ الْمِنْحَةِ وَالْمِحْنَةِ، لِيَشْكُرُوا حَالَ السَّرَّاءِ، وَيَصْبِرُوا حَالَ الضَّرَّاءِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَيَكُونُوا جَامِعِينَ لِمَظْهَرِيَّةِ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: وَلَا حِلْمَ وَلَا عَقْلَ. قِيلَ: هُوَ مُؤَكِّدٌ لِمَفْهُومِ احْتَسَبُوا وَصَبَرُوا ; لِأَنَّ الِاحْتِسَابَ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى الْعَمَلِ وَالْإِخْلَاصِ، وَابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ لَا الْحِلْمِ وَالْعَقْلِ، وَحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ السُّؤَالُ أَيْ: كَيْفَ يَصْبِرُ وَيَحْتَسِبُ مَنْ لَا عَقْلَ وَلَا حِلْمَ لَهُ؟ ! فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ إِنْ فَنِيَ حِلْمُهُ وَعَقْلُهُ يَتَحَلَّمُ وَيَتَعَقَّلُ بِحِلْمِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ، وَفِي وَضْعِ عِلْمِي مَوْضِعَ الْعَقْلِ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ نِسْبَةِ الْعَقْلِ إِلَيْهِ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَهُوَ الْقُوَّةُ الْمُتَهَيِّئَةُ لِقَبُولِ الْعِلْمِ اهـ. أَوْ مَلَكَةٌ تَحْمِلُ صَاحِبَهَا عَلَى الْأَخْلَاقِ السَّنِيَّةِ، وَتَمْنَعُهُ عَنِ الْأَحْوَالِ الدَّنِيَّةِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي مَاهِيَّتِهِ وَتَعَارِيفِهِ عِبَارَاتٌ أَخْصَرُهَا: أَنَّهُ صِفَةٌ أَوْ قُوَّةٌ يُدْرِكُ بِهَا الضَّرُورِيَّاتِ، أَوِ النَّظَرِيَّاتِ عِنْدَ سَلَامَةِ الْآلَاتِ. (رَوَاهُمَا) أَيْ: هَذَا الْحَدِيثَ وَالَّذِي قَبْلَهُ. (الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 2551

[بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ]

стр. 2552

بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ١٧٦٢ - عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ (بَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ) أَيْ: جَوَازُهَا وَفَضْلُهَا وَآدَابُهَا. (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ١٧٦٢ - (عَنْ بُرَيْدَةَ) أَيِ ابْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ، أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا، بَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَمَاتَ بِمَرْوَ غَازِيًا، مِنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَيْتُكُمْ) أَيْ قَبْلَ هَذَا، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ بِلَفْظِ: " كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ " فَلَيْسَ مِنْ أَصْلِ الْمِشْكَاةِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لِغَيْرِ مُسْلِمٍ كَمَا سَنَذْكُرُهُ (عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا) الْأَمْرُ لِلرُّخْصَةِ أَوْ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، بَلِ ادَّعَى بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ، بَلْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِهِمْ وُجُوبَهَا، قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْإِذْنُ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ خَاصَّةً عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ قَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ «لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» ، رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخَّصَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَلَمَّا رُخِّصَ عَمَّتِ الرُّخْصَةُ لَهُنَّ فِيهِ، أَقُولُ هَذَا الْمَبْحَثُ مَوْقُوفٌ عَلَى التَّارِيخِ، وَإِلَّا فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْعُمُومُ لِأَنَّ الْخِطَابَ فِي " نَهَيْتُكُمْ " كَمَا أَنَّهُ عَامٌّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيبِ، أَوْ أَصَالَةِ الرِّجَالِ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي " فَزُورُوهَا "، مَعَ أَنَّ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الرُّخْصَةَ عَامَّةٌ لَهُنَّ، وَاللَّعْنُ قَبْلَ الرُّخْصَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِمَالِ أَيْضًا، وَقِيلَ يُكْرَهُ لَهُنَّ الزِّيَارَةُ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ وَجَزَعِهِنَّ اهـ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَأَمَّا اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ فَلَا رُخْصَةَ لَهُنَّ فِيهِ، وَقَالَ مِيرَكُ: هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي جَمَعَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي نَسْخِ الرِّجَالِ عَنْ زِيَارَاتِهَا، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ زِيَارَتَهَا سُنَّةٌ لَهُمْ، وَهَلْ تُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؟ وَجْهَانِ: قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ بِالْكَرَاهَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُكْرَهُ إِذَا أَمِنَتِ الْفِتْنَةَ، وَيَنْبَغِي لِلزَّائِرِ أَنْ يَدْنُوَ مِنَ الْقَبْرِ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَدْنُو مِنْ صَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ، لَوْ زَارَهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أَيْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَإِنَّ الْمُبَاهَاةَ بِتَكْثِيرِ الْأَمْوَاتِ فِعْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ دَارَ رَحَى الْإِسْلَامِ، وَهَدَمَ قَوَاعِدَ زِيَارَةِ الشِّرْكِ، فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُورِثُ رِقَّةَ الْقَلْبِ، وَتُذَكِّرُ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ، وَعَلَى هَذَا النَّسَقِ الْفَاءَانِ فِي فَأَمْسِكُوا وَفَاشْرَبُوا اهـ وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ( «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ: ( «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُرِقُّ الْقَلْبَ، وَتُدْمِعُ الْعَيْنَ، وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ، وَلَا تَقُولُوا هَجْرًا» ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ» ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَلَفْظُهُ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا فَإِنَّ لَكُمْ فِيهَا عِبْرَةً» . فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِتَعْلِيلَاتِهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ كَالرِّجَالِ فِي حُكْمِ الزِّيَارَةِ، إِذَا زُرْنَ بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي حَقِّهِنَّ، وَيُؤَيِّدُ الْخَبَرَ السَّابِقَ أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِالْمَرْأَةِ فَأَمَرَهَا بِالصَّبْرِ وَلَمْ يَنْهَهَا عَنِ الزِّيَارَةِ، وَأَمَّا خَبَرُ: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى زِيَارَتِهِنَّ لِمُحَرَّمٍ كَالنَّوْحِ وَغَيْرِهِ مِمَّا اعْتَدْنَهُ، وَفِي قَوْلِهِ ﷺ «فَإِنَّهَا تُدْمِعُ الْعَيْنَ» فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ دَلِيلٌ (وَنَهَيْتُكُمْ) أَيْ أَوَّلَ الْأَمْرِ (عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتُخَفَّفُ أَيْ عَنِ ادِّخَارِهَا وَإِمْسَاكِهَا، وَكَانَ النَّهْيُ لِأَجْلِ الْفُقَرَاءِ الْمُحْتَاجِينَ، وَقَدْ وَقَعَ قَحْطٌ بِالْبَادِيَةِ فَدَخَلَ أَهْلُهَا الْمَدِينَةَ (فَوْقَ ثَلَاثٍ) أَيْ لَيَالٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مِنَ الْأَيَّامِ، وَلَعَلَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالتَّاءِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ (فَأَمْسِكُوا) أَيْ لُحُومَهَا مُطْلَقًا، فَالْأَمْرُ لِلرُّخْصَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، أَوِ الْمُرَادُ: أَمْسِكُوا لُحُومَهَا الْبَاقِيَةَ بَعْدَ إِعْطَاءِ ثُلُثِهَا الْفُقَرَاءَ، وَإِهْدَاءِ ثُلُثِهَا الْأَغْنِيَاءَ، اسْتِحْبَابًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ لُحُومَهَا الْبَاقِيَ بَعْدَ مَا يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ مِنْهَا، وَهُوَ قَدْرٌ لَهُ مَوْقِعٌ لَا تَافِهٌ جِدًّا، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ (مَا بَدَا) بِالْأَلِفِ أَيْ ظَهَرَ (لَكُمْ) أَيْ مُدَّةَ بُدُوِّ الْإِمْسَاكِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: نَهَاهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لُحُومِ أَضَاحِيِّهِمْ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمُ التَّصَدُّقَ بِهِ، فَرَخَّصَ لَهُمُ الْإِمْسَاكَ مَا شَاءُوا (وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ) أَيْ عَنْ إِلْقَاءِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْحَلَاوَى فِي الْمَاءِ (إِلَّا فِي سِقَاءٍ) أَيْ قِرْبَةٍ، فَإِنَّهُ جِلْدٌ رَقِيقٌ لَا يَجْعَلُ الْمَاءَ حَارًّا، فَلَا يَصِيرُ مُسْكِرًا عَنْ قَرِيبٍ، بِخِلَافِ سَائِرِ الظُّرُوفِ، فَإِنَّهَا تَجْعَلُ الْمَاءَ حَارًّا فَيَصِيرُ النَّبِيذَ مُسْكِرًا، فَرَخَّصَ لَهُمْ شُرْبَ النَّبِيذِ مِنْ كُلِّ ظَرْفٍ، مَا لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا فَقَالَ (فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ) أَيِ الظُّرُوفِ وَالْأَوَانِي (كُلِّهَا) فِيهِ تَغْلِيبٌ لِمَا عُرِفَ مِنْ تَعْرِيفِ السِّقَاءِ (وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ السِّقَاءَ يُبَرِّدُ الْمَاءَ فَلَا يَشْتَدُّ مَا يَقَعُ فِيهِ اشْتِدَادَ مَا فِي الظُّرُوفِ وَالْأَوَانِي، فَيَصِيرُ خَمْرًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ هُوَ الْمُسْكِرُ لَا الظُّرُوفُ بِعَيْنِهَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُطْلَقًا، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

стр. 2553

١٧٦٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهَ، فَقَالَ: " اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٧٦٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ قَبْرَ أُمِّهِ) أَيْ بِالْأَبْوَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (فَبَكَى) أَيْ عَلَى فِرَاقِهَا أَوْ عَلَى عَذَابِهَا أَوْ عَلَى مَوْتِهِ بِمَوْتِهَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْبُكَاءِ عِنْدَ حُضُورِ الْمَقَابِرِ (وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ) قِيلَ: زِيَارَتُهُ ﷺ أُمَّهُ مَعَ أَنَّهَا كَافِرَةٌ تَعْلِيمٌ مِنْهُ لِلْأُمَّةِ حُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقَارِبِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ قَضَاءَ حَقِّهَا مَعَ كُفْرِهَا (فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّهَا كَافِرَةٌ، وَالِاسْتِغْفَارُ لِلْكَافِرِينَ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ اللَّهَ لَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ أَبَدًا (وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي) بِنَاءً عَلَى الْمَجْهُولِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِهِ " فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي "، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ الْوَفَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ كَانَ مَعَ أُمِّهِ آمِنَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ سِتَّ سِنِينَ خَرَجَتْ بِهِ إِلَى أَخْوَالِهَا بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ بِالْمَدِينَةِ تَزُورُهُمْ، وَمِنْهُمْ أَبُو أَيُّوبَ، ثُمَّ رَجَعَتْ بِهِ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانُوا بِالْأَبْوَاءِ تُوُفِّيَتْ فَقَبْرُهَا هُنَاكَ، وَقِيلَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ زَارَ قَبْرَهَا بِالْأَبْوَاءِ، ثُمَّ قَامَ مُسْتَعْبِرًا، فَقَالَ: " «إِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّي فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي» "، وَنَزَلَ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] الْآيَةَ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَلَعَلَّ حِكْمَةَ عَدَمِ الْإِذْنِ فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا إِتْمَامُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ بِإِحْيَائِهَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى تَصِيرَ مِنْ أَكَابِرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوِ الْإِمْهَالُ إِلَى إِحْيَائِهَا لِتُؤْمِنَ بِهِ فَتَسْتَحِقَّ الِاسْتِغْفَارَ الْكَامِلَ حِينَئِذٍ اهـ وَفِيهِ أَنَّ قَبْلَ الْإِيمَانِ لَا تَسْتَحِقُّ الِاسْتِغْفَارَ مُطْلَقًا، ثُمَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ وَالِدَيْهِ ﷺ مَاتَا كَافِرَيْنِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي حَقِّهِمَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَحَدِيثُ إِحْيَائِهِمَا حَتَّى آمَنَا بِهِ ثُمَّ تُوُفِّيَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ، وَالْحَافِظُ ابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ، فَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ مَعَ أَنَّ الْحُفَّاظَ طَعَنُوا فِيهِ، وَمَنَعُوا جَوَازَهُ أَيْضًا بِأَنَّ إِيمَانَ الْيَأْسِ غَيْرُ مَقْبُولٍ إِجْمَاعًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَبِأَنَّ الْإِيمَانَ الْمَطْلُوبَ مِنَ الْمُكَلَّفِ إِنَّمَا هُوَ الْإِيمَانُ الْغَيْبِيُّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ صَرِيحٌ أَيْضًا فِي رَدِّ مَا تَشَبَّثَ بِهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ، وَلَا عَذَابَ عَلَيْهِمَا مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ صَنَّفَ السُّيُوطِيُّ رَسَائِلَ ثَلَاثَةً فِي نَجَاةِ وَالِدَيْهِ ﷺ وَذَكَرَ الْأَدِلَّةَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَعَلَيْكَ بِهَا إِنْ أَرَدْتَ بَسْطَهَا (فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا) أَيِ الْقُبُورَ أَوْ زِيَارَاتِهَا (تُذَكِّرُ الْمَوْتَ) يَعْنِي وَذِكْرَ الْمَوْتِ يُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا وَيُرَغِّبُ فِي الْعُقْبَى (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي زِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ، وَهُوَ لَمْ يُوجَدْ فِي نُسَخِ رِوَايَاتِنَا بِالصَّحِيحِ الْمَشْرِقِيَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ هَذَا الْحَدِيثَ: وُجِدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ مَاهَانَ لِأَهْلِ الْمَغْرِبِ، وَلَا يُوجَدُ فِي نُسْخَةِ بِلَادِنَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْغَافِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيِّ اهـ وَقَدْ رَوَاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْغَافِرِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، فَلَعَلَّهُ يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُزَكِّي فِي الْأَطْرَافِ، وَقَبْرُ أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ بِالْأَبْوَاءِ تُوُفِّيَتْ مَرْجِعَهَا مِنْ زِيَارَةِ أَخْوَالِ أَبِيهِ بَنِي النَّجَّارِ بِالْمَدِينَةِ، وَعُمُرُ النَّبِيِّ ﷺ سِتُّ سِنِينَ، وَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَزَارَهُ. وَيُرْوَى أَنَّهُ زَارَهُ فِي أَلْفِ نَعْتٍ أَيْ فِي أَلْفِ نَفْسٍ، مُصَمَّتِينَ بِالسِّلَاحِ، كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ.

стр. 2554

١٧٦٤ - «وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٧٦٤ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ) أَيِ ابْنِ الْحُصَيْبِ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ) أَيِ الصَّحَابَةَ (إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ) أَيْ لِلزِّيَارَةِ (أَنْ يَقُولُوا) عِنْدَ وُصُولِهِمْ إِلَيْهَا (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِمَفْعُولَيْ يُعَلِّمُ، أَيْ يُعَلِّمُهُمْ كَيْفِيَّةَ التَّسْلِيمِ عَلَيْهِمْ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى الْمَوْتَى كَالسَّلَامِ عَلَى الْأَحْيَاءِ، فِي تَقَدُّمِ الدُّعَاءِ عَلَى الِاسْمِ، خِلَافَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَقَدُّمِ الِاسْمِ عَلَى الدُّعَاءِ، قَالَ الْحَمَاسِيُّ: عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ ... وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا

стр. 2555

وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] وَقَوْلُهُ ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] وَنَحْوُهُ، وَفِيهِ أَبْلَغُ الرَّدِّ لِقَوْلِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْأَوْلَى عَلَيْكُمُ السَّلَامُ، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلْخِطَابِ، مَعَ ظُهُورِ بُطْلَانِ تَعْلِيلِهِمْ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ مِنْ حَيْثُ الْخِطَابِ بَيْنَ تَقَدُّمِهِ وَتَأَخُّرِهِ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّ الْمَيِّتَ أَهْلٌ لِلْخِطَابِ مُطْلَقًا، لِمَا سَبَقَ مِنَ الْحَدِيثِ: " «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا عَرَفَهُ وَرَدَّ ﵇» "، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ لِمَنْ قَالَ عَلَيْكَ السَّلَامُ: " أَنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ " تَحِيَّةُ الْمَوْتَى إِخْبَارٌ عَنْ عَادَتِهِمُ السَّابِقَةِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَوْتَى كُفَّارُ الْجَاهِلِيَّةِ، أَيْ تَحِيَّةُ مَوْتَى الْقُلُوبِ، فَلَا تَفْعَلُوهُ (أَهْلَ الدِّيَارِ) بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بِيَاءِ النِّدَاءِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: نَصْبُهُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ أَفْصَحُ، وَبِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: سَمَّى ﷺ مَوْضِعَ الْقُبُورِ دَارًا لِاجْتِمَاعِهِمْ فِيهِ كَالْأَحْيَاءِ فِي الدِّيَارِ (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بَيَانٌ لِأَهْلِ الدِّيَارِ (وَالْمُسْلِمِينَ) ذَكَرَهُ لِلتَّأْكِيدِ بِاعْتِبَارِ تَغَايُرِ الْوَصْفَيْنِ، أَوِ الْمُرَادُ بِـ " الْمُسْلِمِينَ " الْمُخْلِصِينَ لِوَجْهِهِ - تَعَالَى - " إِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ وَفِي نُسْخَةٍ: لَاحِقُونَ، قِيلَ: مَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَقِيلَ: " إِنْ " شَرْطِيَّةٌ، وَمَعْنَاهُ: لَاحِقُونَ بِكُمْ فِي الْمُوَافَاةِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَقِيلَ: هُوَ لِلتَّبَرُّكِ وَالتَّفْوِيضِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَقِيلَ: لِلتَّأَدُّبِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، اسْتَثْنَى اللَّهُ - تَعَالَى - فِيمَا يَعْلَمُ لِيَسْتَثْنِيَ الْخَلْقُ فِيمَا لَا يَعْلَمُونَ، وَأَمَرَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: التَّعْلِيقُ بِاعْتِبَارِ اللُّحُوقِ بِخُصُوصِ أَهْلِ الْمَقْبَرَةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ) أَيِ الْخَلَاصَ مِنَ الْمَكَارِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهِ اهـ زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: وَإِنَّا بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمُ اهـ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ: وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ: أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ قُبَالَةَ وَجْهِ الْمَيِّتِ قَبْلَ جُلُوسِهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ.

стр. 2556

الْفَصْلُ الثَّانِي ١٧٦٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقُبُورِ الْمَدِينَةِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالْأَثَرِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ (الْفَصْلُ الثَّانِي) ١٧٦٥ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقُبُورٍ بِالْمَدِينَةِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي حَالِ السَّلَامِ عَلَى الْمَيِّتِ أَنْ يَكُونَ وَجْهُهُ لِوَجْهِ الْمَيِّتِ، وَأَنْ يَسْتَمِرَّ كَذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ عَمَلُ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَنَا أَنَّهُ حَالَةَ الدُّعَاءِ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، كَمَا عُلِمَ مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ فِي مُطْلَقِ الدُّعَاءِ، اهـ وَفِيهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ مَوَاضِعِ الدُّعَاءِ وَقَعَ اسْتِقْبَالُهُ ﷺ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ مِنْهَا مَا نَحْنُ فِيهِ، وَمِنْهَا حَالَةُ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ، وَخُرُوجُهُ، وَحَالُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَقْتَصِرَ الِاسْتِقْبَالُ وَعَدَمُهُ عَلَى الْمَوْرِدِ إِنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَخَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ، وَأَمَّا مَا فَعَلَهُ بَعْضُ السَّلَفِ بَعْدَ الزِّيَارَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِلْأَدْعِيَةِ فَهُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ لَا مَسْطُورَ فِيهِ لِلْأَئِمَّةِ (بِوَجْهِهِ) . قَالَ الْمُظْهِرُ: وَاعْلَمْ أَنَّ زِيَارَةَ الْمَيِّتِ كَزِيَارَتِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، يَسْتَقْبِلُهُ بِوَجْهِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْحَيَاةِ إِذَا زَارَهُ يَجْلِسُ مِنْهُ عَلَى الْبُعْدِ لِكَوْنِهِ عَظِيمَ الْقَدْرِ فَكَذَلِكَ فِي زِيَارَاتِهِ يَقِفُ، أَوْ يَجْلِسُ عَلَى الْبُعْدِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ يَجْلِسُ مِنْهُ عَلَى الْقُرْبِ فِي حَيَاتِهِ، كَذَلِكَ يَجْلِسُ بِقُرْبِهِ إِذَا زَارَهُ اهـ وَإِذَا زَارَهُ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَدْعُو لَهُ، وَلَا يَمْسَحْهُ وَلَا يُقَبِّلْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ قَبْرِ الْوَالِدَيْنِ.

стр. 2557

(فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ) قَدَّمَ مَغْفِرَةَ اللَّهِ لَهُ عَلَى مَغْفِرَتِهِ لِلْمَيِّتِ إِعْلَامًا بِتَقَدُّمِ دُعَاءِ الْحَيِّ عَلَى الْمَيِّتِ، وَالْحَاضِرِ عَلَى الْغَائِبِ (أَنْتُمْ سَلَفُنَا) بِفَتْحَتَيْنِ، فِي النِّهَايَةِ: هُوَ مِنْ سَلَفِ الْمَالِ كَأَنْ أَسْلَفَهُ، وَجَعَلَهُ ثَمَنًا لِلْأَجْرِ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: سَلَفُ إِنْسَانٍ مَنْ تَقَدَّمَهُ بِالْمَوْتِ مِنَ الْآبَاءِ وَذَوِي الْقَرَابَةِ، وَلِذَا سُمِّيَ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ مِنَ التَّابِعِينَ بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ اهـ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ: بِأَنَّ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ هُمُ السَّلَفُ الصَّالِحُ اهـ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَا مُشَاحَّةَ لِلِاصْطِلَاحِ، وَالصَّحَابَةُ مَخْصُوصُونَ بِالنِّسْبَةِ الشَّرِيفَةِ، وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ لَا شَكَّ أَنَّهُمُ التَّابِعُونَ، وَالْخَلَفُ الصَّالِحُ هُمُ التَّبَعُ، وَالْمُصَنِّفُ جَعَلَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ السَّلَفَ عِبَارَةً عَنِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُمُ السَّلَفُ حَقِيقَةً، وَالْخَلَفُ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَأَتْبَاعِهِمْ، وَوَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ هُنَاكَ فَنَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ (وَنَحْنُ بِالْأَثَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، يَعْنِي: تَابِعُونَ لَكُمْ، مِنْ وَرَائِكُمْ لَاحِقُونَ بِكُمْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .

стр. 2558

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ١٧٦٦ - «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقُولُ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعِدُونَ، غَدًا مُؤَجَّلُونَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ١٧٦٦ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ) " مِنْ " مُتَعَلِّقٌ بِاللَّيْلَةِ بِمَعْنَى النَّصِيبِ، أَوِ الْمَحْذُوفِ أَيِ الَّتِي تَخُصُّهَا مِنْهُ ﷺ قَالَ الطِّيبِيُّ: " كُلَّمَا " ظَرْفٌ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَالْعُمُومِ وَجَوَابُهُ (يَخْرُجُ) وَهُوَ الْعَامِلُ فِيهِ، وَهَذَا حِكَايَةُ مَعْنَى قَوْلِهَا لَا لَفْظُهَا، أَيْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ إِذَا بَاتَ عِنْدَهَا أَنْ يَخْرُجَ (مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ) أَيْ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ، فِيهِ قُبُورُ أَهْلِهَا، فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْمَكَانُ الْمُتَّسِعُ وَلَا يُسَمَّى بَقِيعًا، إِلَّا وَفِيهِ شَجَرٌ، أَوْ أُصُولُهَا وَالْغَرْقَدُ شَجَرٌ، وَالْآنَ بَقِيَتِ الْإِضَافَةُ دُونَ الشَّجَرَةِ، (فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ) قِيلَ الدَّارُ مُقْحَمٌ، أَوِ التَّقْدِيرُ يَا أَهْلَ دَارِ قَوْمٍ (مُؤْمِنِينَ وَأَتَاكُمْ) بِالْقَصْرِ أَيْ جَاءَكُمْ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا قَالَ أَتَاكُمْ لِأَنَّ مَا هُوَ آتٍ كَالْحَاضِرِ اهـ أَوْ لِتَحَقُّقِهِ كَأَنَّهُ وَقَعَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَدِّ أَيْ أَعْطَاكُمْ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾ [آل عمران: ١٩٤] (مَا تُوعَدُونَ) أَيْ مَا كُنْتُمْ تُوعَدُونَ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ، أَوْ أَعَمُّ مِنْهُ وَمِنَ الْعَذَابِ (غَدًا) فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَيُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ (مُؤَجَّلُونَ) أَيْ أَنْتُمْ مُؤَخَّرُونَ وَمُمْهَلُونَ إِلَى غَدٍ، بِاعْتِبَارِ أُجُورِكُمْ، اسْتِيفَاءً وَاسْتِقْصَاءً، فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ أَنَّ مَا جَاءَهُمْ مِنَ الْمَوْعُودِ أُمُورٌ إِجْمَالِيَّةٌ لَا أُمُورٌ تَفْصِيلِيَّةٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِعْرَابُهُ مُشْكِلٌ، إِنْ حُمِلَ عَلَى الْحَالِ الْمُؤَكِّدَةِ مِنْ وَاوٍ عَلَى حَذْفِ الْوَاوِ، وَالْمُبْتَدَأِ كَانَ فِيهِ شُذُوذَانِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ سَائِغٌ إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، كَمَا هُنَا، وَفِيهِ بَحْثٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْإِبْدَالِ مِنْ مَا تُوعَدُونَ، أَيْ أَتَاكُمْ مَا تُؤَجِّلُونَهُ أَنْتُمْ، وَالْأَجَلُ الْوَقْتُ الْمَضْرُوبُ وَالْمَحْدُودُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لِأَنَّ مَا هُوَ آتٍ بِمَنْزِلَةِ الْحَاضِرِ اهـ وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَعِيدٌ تَكَلُّفٌ جِدًّا، بَلِ السِّيَاقُ يَنْبُو عَنْهُ (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ) أَيْ: يَا أَهْلَ الْمَقْبَرَةِ بِالْخُصُوصِ (لَاحِقُونَ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] قِيلَ: أَيْ تُدْفَنُ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ) أَيْ مَقْبَرَةِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ أَنَّ الدَّعْوَةَ الْإِجْمَالِيَّةَ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ كَافِيَةٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 2559

١٧٦٧ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَعْنِي فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ، قَالَ: قُولِي: " السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٧٦٧ - (وَعَنْهَا) أَيْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَعْنِي) أَيْ تُرِيدُ عَائِشَةُ ﵂ بِالسُّؤَالِ كَيْفِيَّةَ الْمَقَالِ (فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ، قَالَ: " قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ ") وَفِيهِ تَغْلِيبُ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ (وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ) أَيِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ (مِنَّا) أَيْ مَعْشَرِ الْمُؤْمِنِينَ (وَالْمُسْتَأْخِرِينَ) أَيِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَي الْمَوْتِ، وَالسِّينُ فِيهِمَا لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، أَيِ الْأَمْوَاتَ مِنَّا وَالْأَحْيَاءَ، قَدَّمَ الْأَمْوَاتَ هَاهُنَا لِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ، وَاسْتِنْسَاقِ الْكَلَامِ، أَوْ مُرَاعَاةِ مَا وَرَدَ فِي كَلَامِ الْعَلَّامِ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْآيَةِ يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤] (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ) أَيْ أَيُّهَا السَّابِقُونَ (لَلَاحِقُونَ) بِلَامَيْنِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ كَذَا فِي الْحِصْنِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَأَخْرَجَ الْعُقَيْلِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ أَبُو رَزِينٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ طَرِيقِي عَلَى الْمَوْتَى، فَهَلْ مِنْ كَلَامٍ أَتَكَلَّمُ بِهِ إِذَا مَرَرْتُ عَلَيْهِمْ، قَالَ: قُلِ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَنْتُمْ لَنَا سَلَفٌ وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ "، قَالَ أَبُو رَزِينٍ: يَسْمَعُونَ؟ قَالَ: " يَسْمَعُونَ، وَلَكِنْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا "، قَالَ: " يَا أَبَا رَزِينٍ، أَلَا تَرْضَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْكَ بِعَدَدِهِمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ» " اهـ وَقَوْلُهُ " لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا " أَيْ جَوَابًا يَسْمَعُهُ الْحَيُّ، وَإِلَّا فَهُمْ يَرُدُّونَ حَيْثُ لَا تَسْمَعُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَالتَّمْهِيدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا عَرَفَهُ وَرَدَّ ﵇» "، صَحَّحَهُ عَبْدُ الْحَقِّ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «إِذَا مَرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ ﵇ وَعَرَفَهُ، وَإِذَا مَرَّ بِقَبْرٍ لَا يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ ﵇، أَيْ وَلَمْ يَعْرِفْهُ» .

стр. 2560

١٧٦٨ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ يُرْفَعُ الْحَدِيثُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ "، وَكُتِبَ بَرًّا» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مُرْسَلًا. ــ ١٧٦٨ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ) تَابِعِيٌّ (يَرْفَعُ الْحَدِيثَ) أَيْ بِإِسْقَاطِ الصَّحَابِيِّ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا) عَطْفٌ عَلَى أَبَوَيْهِ (فِي كُلِّ جُمُعَةٍ) أَيْ كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، أَوْ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ (غُفِرَ لَهُ) أَيْ فِي مَعْصِيَتِهِ (وَكُتِبَ بَرًّا) بِفَتْحِ الْبَاءِ، بِمَعْنَى بَارًّا فِي طَاعَتِهِ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مُرْسَلًا) وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ.
следующие страницы →