Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
١٨١٠ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَنْزٌ هُوَ؟ فَقَالَ: " مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٨١٠ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ) فِي النِّهَايَةِ: هُوَ جَمْعُ وَضَحٍ بِفَتْحَتَيْنِ نَوْعٌ مِنَ الْحَلْيِ، يُعْمَلُ مِنَ الْفِضَّةِ سُمِّيَ بِهِ لِبَيَاضِهِ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَنْزٌ هُوَ؟) أَيِ أَسْتِعْمَالُ الْحَلْيِ كَنْزٌ مِنَ الْكُنُوزِ الَّذِي تُوُعِّدَ عَلَى اقْتِنَائِهِ فِي الْقُرْآنِ أَمْ لَا (فَقَالَ: مَا بَلَغَ) أَيِ الَّذِي بَلَغَ (أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ) أَيْ نِصَابًا (فَزُكِّيَ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَلَيْسَ بِكَنْزٍ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، قَالَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: رِجَالُهُ رِجَالُ الْبُخَارِيِّ، اهـ، وَأَقُولُ: وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ أَيْضًا. اهـ، وَأَقُولُ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 2627
١٨١١ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٨١١ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي) أَيْ مِنَ الْمَالِ الَّذِي (نُعِدُّهُ) أَيْ نُهَيِّئُهُ (لِلْبَيْعِ) أَيْ لِلتِّجَارَةِ، وَخُصَّ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا يُنْوَى بِهِ الْقِنْيَةُ لَا زَكَاةَ فِيهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: سَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ، وَهَذَا تَحْسِينٌ مِنْهُمْ، وَصَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ إِسْنَادَهُ حَسَنٌ. اهـ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ بِوُجُوبِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ، وَيَدُلُّ لَهَا أَيْضًا خَبَرُ الْحَاكِمِ بِسَنَدَيْنِ صَحِيحَيْنِ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَقَرِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهُ» " وَالْبَزُّ أَمْتِعَةُ الْبَزَّازِ، وَالسِّلَاحُ، وَلَيْسَ فِيهِ زَكَاةُ عَيْنٍ، فَصَدَقَتُهُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ، وَأَمَرَ عُمَرُ ﵁ كَمَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مَنْ يَبِيعُ الْأُدْمَ بِأَنْ يُقَوِّمَهُ وَيُخْرِجَ زَكَاتَهُ، وَصَحَّ عَنِ ابْنِهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْعُرُوضِ زَكَاةٌ إِلَّا مَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ، وَرِوَايَةُ لَا زَكَاةَ فِيهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ضَعِيفَةٌ.
стр. 2628
١٨١٢ - وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْطَعَ لِبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ مَعَادِنَ الْقَبِيلَةِ، وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرْعِ» ، فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا تُؤْخَذُ مِنْهَا إِلَّا الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْمِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٨١٢ - (وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ) أَيْ عَنْ كَثِيرِينَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْطَعَ) أَيْ خَصَّ (لِبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ مَعَادِنَ الْقَبَيْلَةِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْبَاءِ مَجْرُورَةٌ بِالْإِضَافَةِ، وَهِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى (قَبَلٍ) اسْمُ مَوْضِعٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَحْفُوظُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْبَاءِ. اهـ، وَلَعَلَّ غَيْرَ الْمَحْفُوظِ كَسْرُ الْقَافِ وَسُكُونُ الْمُوَحَّدَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْإِقْطَاعُ مَا يَجْعَلُهُ الْإِمَامُ لِبَعْضِ الْأَجْنَادِ وَالْمُرْتَزِقَةِ مِنْ قِطْعَةِ أَرْضٍ لِيَرْتَزِقَ مِنْ رِيعِهَا، فِي النِّهَايَةِ: الْإِقْطَاعُ يَكُونُ تَمْلِيكًا، وَغَيْرَهُ وَفِي حَدِيثٍ أَبْيَضَ: أَنَّهُ اسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ، أَيْ سَأَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ إِقْطَاعًا يَتَمَلَّكُهُ، وَيَسْتَبِدُّ بِهِ، وَيَنْفَرِدُ. اهـ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي أَعْطَاهُ لِيَعْمَلَ فِيهَا وَيُخْرِجَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إِقْطَاعِ الْمَعَادِنِ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ بَاطِنَةً، فَإِنَّ الظَّاهِرَةَ لَا يَجُوزُ إِقْطَاعُهَا (وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرْعِ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ وَضَبَطَ بِالْمُعْجَمَةِ وَهُوَ أَيْضًا مَوْضِعٌ وَاسِعٌ بِعَيْنِهِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ، أَوْ أَقَلُّ، وَفِيهِ مَسَاجِدُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَبِهِ قُرًى كَثِيرَةٌ، وَهُوَ بِأَعْلَى الْمَدِينَةِ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ مِنْ دَرْبِ الْمَاشِي، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ (فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ) بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ (مِنْهَا إِلَّا الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْمِ) أَيْ لَا يُأْخَذُ مِنْهَا الْخَمُسُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ إِلَّا رُبْعُ الْعُشْرِ، كَزَكَاةِ النَّقْدَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ فَيُوجِبَانِ الْخُمُسَ فِي الْمَعْدِنِ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ لِلشَّافِعِيِّ: إِنْ وَجَدَهُ بِتَعَبٍ وَمُؤْنَةٍ يَجِبُ فِيهِ رُبْعُ الْعُشْرِ، وَإِلَّا فَالْخُمُسُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا مُنْقَطِعٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَقَالَ أَبُو عَبِيدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ.
стр. 2629
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٨١٣ - عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي الْعَرَايَا صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي الْجَبْهَةِ صَدَقَةٌ» "، قَالَ الصَّقْرُ: الْجَبْهَةُ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْعَبِيدُ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٨١٣ - (عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَيْسَ فِي الْخَضْرَوَاتِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: كَالرَّيَاحِينِ وَالْأَوْرَادِ وَالْبُقُولِ وَالْخِيَارِ وَالْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ (صَدَقَةٌ) لِأَنَّهَا لَا تُقْتَاتُ، وَالزَّكَاةُ تَخْتَصُّ بِالْقُوتِ كَمَا مَرَّ، وَحِكْمَتُهُ أَنَّ الْقُوتَ مَا يَقُومُ بِهِ بَدَنُ الْإِنْسَانِ لِأَنَّ الِاقْتِيَاتَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي لَا حَيَاةَ بِدُونِهَا، فَوَجَبَ فِيهِ حَقٌّ لِأَرْبَابِ الضَّرُورَاتِ (وَلَا فِي الْعَرَايَا) جَمْعُ عَرِيَّةٍ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ، أَوْ مَفْعُولَةٍ، وَهِيَ النَّخْلَةُ الَّتِي يُعْطِيهَا مَالِكُهَا لِغَيْرِهِ لِيَأْكُلَ ثَمَرَهَا عَامًا أَوْ أَكْثَرَ، وَفِي الْقَامُوسِ وَأَعْرَاهُ النَّخْلَةَ وَهَبَ ثَمَرَتَهَا عَامًا، وَالْعَرِيَّةُ النَّخْلَةُ الْمُعَرَّاةُ، وَالَّتِي أُكِلَ مَا عَلَيْهَا، وَمَا عُزِلَ عَنِ الْمُسَاوَمَةِ عِنْدَ بَيْعِ النَّحْلِ، اهـ (صَدَقَةٌ) لِأَنَّهَا فِي الْغَالِبِ تَكُونُ دُونَ النِّصَابِ أَوْ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ مَالِكِهَا قَبْلَ الْوُجُوبِ بِطْرِيقٍ صَحِيحٍ ( «وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ قَلِيلٌ فَلَا تَتَشَوَّفُ الْفُقَرَاءُ إِلَى الْمُوَاسَاةِ مِنْهُ (وَلَا فِي) الْإِبِلِ أَوِ الْبَقَرِ (الْعَوَامِلِ) لِلْمَالِكِ أَوْ غَيْرِهِ (صَدَقَةٌ) لِأَنَّهَا بِالْعَمَلِ صَارَتْ غَيْرَ مُقْتَنَاةٍ لِلنَّمَاءِ كَمَا مَرَّ (وَلَا فِي الْجَبْهَةِ صَدَقَةٌ، قَالَ) أَبُو سَعِيدٍ (الصَّقْرُ: الْجَبْهَةُ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْعَبِيدُ) وَالَّذِي فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا الْخَيْلُ، قَالَ فِي الْفَائِقِ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا خِيَارُ الْبَهَائِمِ كَمَا يُقَالُ وَجْهُ السِّلْعَةِ بِخِيَارِهَا، وَوَجْهُ الْقَوْلِ وَجَبْهَتُهُمْ لِسَيِّدِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ خِيَارُ الْخَيْلِ، ثُمَّ رَأَيْتُ صَاحِبَ النِّهَايَةِ أَشَارَ إِلَى أَنَّ مَا قَالَهُ الصَّقْرُ فِيهِ بُعْدٌ وَتَكَلُّفٌ (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) .
стр. 2630
١٨١٤ - وَعَنْ طَاوُسٍ «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَتَى بِوَقَصِ الْبَقَرِ فَقَالَ: لَمْ يَأْمُرْنِي فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِشَيْءٍ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ: الْوَقَصُ مَا لَمْ يَبْلُغِ الْفَرِيضَةَ.
ــ
١٨١٤ - (وَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَتَى بِوَقَصِ) بِفَتْحِ الْقَافِ (الْبَقَرِ فَقَالَ: لَمْ يَأْمُرْنِي فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِشَيْءٍ) أَيْ بِأَخْذِ شَيْءٍ (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ) أَيِ الشَّافِعِيُّ (الْوَقَصُ مَا لَمْ يَبْلُغِ الْفَرِيضَةَ) أَيْ مَا لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ ابْتِدَاءً كَأَرْبَعِ الْإِبِلِ، وَدُونَ ثَلَاثِينَ الْبَقَرِ، وَأَرْبَعِينَ الْغَنَمِ، أَوْ فِي الْأَثْنَاءِ كَمَا بَيْنَ الْخَمْسِ وَالْعَشْرِ فِي الْأَوَّلِ، وَالثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ فِي الثَّانِي، وَالْأَرْبَعِينَ وَالْمِائَةِ الْإِحْدَى وَالْعِشْرِينَ فِي الثَّالِثِ، وَالْأَشْهَرُ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي كَمَا مَرَّ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، مَعَ بَيَانِ قَدْرِ أَكْثَرِ وَقَصِ الثَّلَاثَةِ، وَقِيلَ: الْوَقَصُ فِي الْبَقَرِ خَاصَّةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2631
[بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ]
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
١٨١٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ)
وَيُقَالُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ أَوِ الْفِطْرَةُ كَأَنَّهَا مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ الْخِلْقَةُ، فَوُجُوبُهَا عَلَيْهَا تَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ أَيْ تَطْهِيرٌ لَهَا وَتَنْقِيَةٌ لِعَمَلِهَا، وَيُقَالُ لِلْمُخْرَجِ هُنَا فِطْرَةٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَهِيَ مُوَلَّدَةٌ لَا عَرَبِيَّةٌ وَلَا مُعَرَّبَةٌ، بَلِ اصْطِلَاحِيَّةٌ لِلْفُقَهَاءِ فِي حَقِيقَةٍ شَرْعِيَّةٍ عَلَى الْمُخْتَارِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَفُرِضَتْ هِيَ وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، أَمَّا رَمَضَانُ فَفِي شَعْبَانَ، وَأَمَّا هِيَ فَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ، وَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَجَبَتْ بِمُوجَبِ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ، مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِعُمُومِهَا فِيهَا، وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ مِنْهُمْ: إِنَّ وُجُوبَهَا سَابِقٌ عَلَى وُجُوبِ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ، وَاعْتَدَّ بِهِ بَعْضُ الْحُفَّاظِ، وَقِيلَ: إِنَّ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ فُرِضَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَيَدُلُّ لِفَرْضِهَا قَبْلَ الزَّكَاةِ خَبَرُ قَيْسِ ابْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا» أَيِ اكْتِفَاءً بِالْأَمْرِ السَّابِقِ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ: وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ، أَيْ نُخْرِجُهَا، وَحِكْمَةُ إِيجَابِهَا طُهْرُ الصَّوْمِ عَلَى مَا يَأْتِي، وَوُجُوبُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ جَمْعًا حَكَوُا الْخِلَافَ فِيهَا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَتَبِعَهُمُ ابْنُ اللَّبَّانِ مِنْ أَصْحَابِنَا، لَكِنَّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ مَا قَالَهُ غَلَطٌ صَرِيحٌ، وَفِي الْمَجْمُوعِ سَبَقَهُ إِلَيْهِمُ الْأَصَمُّ وَهُوَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ.
стр. 2632
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
١٨١٥ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى أَنَّهَا فَرِيضَةٌ وَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، أَقُولُ لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ فَهُوَ فَرْضِيٌّ عَمَلِيٌّ لَا اعْتِقَادِيٌّ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى الِافْتِرَاضِ فَإِنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ مُتَعَيَّنٌ، مَا لَمْ يُقَيِّمْ صَارِفٌ عَنْهُ، وَالْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ غَيْرُ مُجَرَّدِ التَّقْدِيرِ، خُصُوصًا فِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَمَعْنَى لَفْظِ فَرَضَ هُوَ مَعْنَى لَفْظِ أَمَرَ، وَالْأَمْرُ الثَّابِتُ بِظَنِّيٍّ إِنَّمَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ، وَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى فَإِنَّ الِافْتِرَاضَ الَّذِي يُثْبِتُونَهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهٍ يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ، فَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ، الَّذِي نَقُولُ بِهِ، غَايَتُهُ أَنَّ الْفَرْضَ فِي اصْطِلَاحِهِمْ أَعَمُّ مِنَ الْوَاجِبِ فِي عُرْفِنَا، فَأَطْلَقْنَاهُ عَلَى أَحَدِ جُزْأَيْهِ. اهـ، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِنَا، وَلَمَّا رَأَى الْحَنَفِيَّةُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ مَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ، وَالثَّانِيَ مَا ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ قَالُوا إِنَّ الْفَرْضَ هُنَا بِمَعْنَى الْوَاجِبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ هَذَا قَطْعِيٌّ لِمَا عَلِمْتُ أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَالْفَرْضُ فِيهِ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ، حَتَّى عَلَى قَوَاعِدِهِمْ، فَلَا يُحْتَاجُ لِتَأْوِيلِهِمُ الْفَرْضَ هُنَا بِالْوَاجِبِ. اهـ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي لُزُومِ هَذَا الْفِعْلِ، وَأَمَّا أَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ الْفَرْضِ أَوِ الْوَاجِبِ بِنَاءً عَلَى اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، لَا سِيَّمَا وَالْأَحَادِيثُ مُتَعَارِضَةٌ فِي التَّعْبِيرِ بِالْفَرْضِ وَالْوُجُوبِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وُجُوبُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ كَمَا حَكَاهُ الْمُنْذِرِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فَمَنْقُوضٌ بِأَنَّ جَمْعًا حَكُوا الْخِلَافَ فِيهَا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَتَبِعَهُمُ ابْنُ اللَّبَّانِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَسَبَقَهُ إِلَيْهِ الْأَصَمُّ، هَذَا وَابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ صَلَّى وَصَامَ، وَعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ أَطَاقَ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَرَبِيعَةَ وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا أَهْلَ الْبَادِيَةِ، فَثَبَتَ بِهَذَا النِّزَاعِ عَدَمُ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ، وَالْحَدِيثُ ظَنِّيٌّ وَمَدْلُولُهُ غَيْرُ قَطْعِيٍّ حَالَ كَوْنِهَا (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) وَفِي الْخَبَرِ أَنَّ الصَّاعَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، وَأَخَذَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَلَمْ يَصِحَّ رُجُوعُ أَبِي يُوسُفَ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ، وَمَنْ تَبِعَهُ كَالشَّافِعِيِّ، وَتَضْعِيفُ الْبَيْهَقِيِّ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى حُدُوثِ الضَّعْفِ بَعْدَ تَعَلُّقِ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُضِرٍّ، ثَمَّ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا، فَلَيْسَ ذِكْرُهُمَا لِحَصْرِ الْإِعْطَاءِ مِنْهُمَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى أَنَّ النِّصَابَ لَيْسَ بِشَرْطٍ أَيْ لِلْإِطْلَاقِ، وَإِلَّا فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجِبُ إِذَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ، وَقُوتِ عِيَالِهِ، لِيَوْمِ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ قَدْرُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، أَقُولُ: وَهَذَا تَقْدِيرُ نِصَابٍ كَمَا لَا يَخْفَى، إِلَّا أَنَّ عُلَمَاءَنَا قَيَّدُوا هَذَا الْإِطْلَاقَ بِأَحَادِيثَ وَرَدَتْ تُفِيدُ التَّقْيِيدَ بِالْغِنَى، وَصَرَفُوهُ إِلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَالْعُرْفِيِّ، وَهُوَ مَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا، مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : " «لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» "، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا، وَتَعْلِيقَاتُهُ الْمَجْزُومَةُ لَهَا حُكْمُ الصِّحَّةِ رَوَاهُ مَرَّةً بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، وَلَفْظُ الظَّهْرِ مُقْحِمٌ كَظَهْرِ الْقَلْبِ، وَظَهْرُ الْغَيْبِ فِي الْمَغْرِبِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ تَجِبُ عَلَى مَنْ يَمْلِكُ زِيَادَةً عَلَى قُوتِ يَوْمِهِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَأَمَّا مَا رَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ أَبِي ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صَغِيرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «أَدُّوا صَاعًا مِنْ قَمْحٍ أَوْ صَاعًا مِنْ بُرٍّ "، شَكَّ حَمَّادٌ، عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ، ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، حُرٌّ أَوْ مَمْلُوكٌ، غَنِيٌّ أَوْ فَقِيرٌ، أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ، وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطَى» فَقَدْ ضَعَّفَهُ، وَلَوْ صَحَّ لَا يُقَاوِمُ مَا رَوَيْنَاهُ فِي الصِّحَّةِ، مَعَ أَنَّ مَا لَا يَنْضَبِطُ كَثْرَةً مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّقْسِيمِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ فِيهِ الْفَقِيرُ، فَكَانَتْ تِلْكَ رِوَايَةً شَاذَّةً فَلَا تُقْبَلُ خُصُوصًا مَعَ نُبُوِّ قَوَاعِدِ الصَّدَقَاتِ، وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهَا (عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ) قَالَ الطِّيبِيُّ: جَعَلَ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ عَلَى السَّيِّدِ كَالْوُجُوبِ عَلَى الْعَبْدِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: وَشَرْطُ الْحُرِّيَّةِ لِيَتَعَلَّقَ التَّمْلِيكُ إِذْ لَا يَمْلِكُ إِلَّا الْمَالِكُ، وَلَا مِلْكَ لِغَيْرِ الْحَرِّ، فَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الرُّكْنُ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ: إِنَّهَا عَلَى الْعَبْدِ وَيَتَحَمَّلُهُ السَّيِّدُ، لَيْسَ بِذَاكَ الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ مِنَ التَّكْلِيفِ، أَنْ يَصْرِفَ الْمُكَلَّفُ نَفْسَ مَنْفَعَتِهِ لِمَالِكِهِ، وَهُوَ الرَّبُّ - تَعَالَى - ابْتِلَاءً لَهُ لِتَظْهَرَ طَاعَتُهُ مِنْ عِصْيَانِهِ، وَلِذَا لَا يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ إِلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ، فَإِذَا فُرِضَ كَوْنُ الْمُكَلَّفِ لَا يَلْزَمُهُ شَرْعًا صَرْفُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي هِيَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فِعْلُ الْإِعْطَاءِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ شَخْصًا آخَرَ لَزِمَ انْتِفَاءُ الِابْتِلَاءِ الَّذِي هُوَ مَقْصُودُ التَّكْلِيفِ فِي حَقِّ ذَلِكَ الْمُكَلَّفِ، وَثُبُوتُ الْفَائِدَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْآخَرِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِيجَابِ عَلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الَّذِي لَهُ وِلَايَةُ الْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ يُمْكِنُ أَنْ يُكَلِّفَ ابْتِدَاءً السَّيِّدَ بِسَبَبِ عَبْدٍ مَلَّكَهُ لَهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَوَجَبَ لِهَذَا الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، وَهُوَ لُزُومُ انْتِفَاءِ مَقْصُودِ التَّكْلِيفِ الْأَوَّلِ أَنْ يُحْمَلَ مَا وَرَدَ مِنْ لَفْظِ " عَلَى " فِي نَحْوِ قَوْلِهِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ، وَعَبْدٍ عَلَى مَعْنَى عَنْ كَقَوْلِهِ:
стр. 2633
إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا
وَهُوَ كَثِيرٌ، هَذَا لَوْ لَمْ يَجِئْ شَيْءٌ مِنْ أَلْفَاظِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ (عَنْ) كَيْلَا يُنَافِيَهُ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ فَكَيْفَ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ صَرَّحَ بِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ (وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ) وَهُوَ يَعُمُّ الْحَاضِرَ وَالْغَائِبَ حَالَ كَوْنِهِمْ (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: حَالٌ مِنَ الْعَبْدِ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِطْرَةُ الْعَبْدِ الْكَافِرِ، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: يَجِبُ لِلْإِطْلَاقِ وَلِحَدِيثٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا " «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، نِصْفَ صَاعٍ مَنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مَنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ» "، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَمَّا الْحَدِيثُ فَضَعِيفٌ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَإِنَّ الْإِطْلَاقَ فِي الصَّحِيحِ يُوجِبُهَا فِي الْكَافِرِ، وَالتَّقْيِيدُ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يُعَارِضُهُ، لِمَا عُرِفَ مِنْ عَدَمِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْأَسْبَابِ لِأَنَّهُ لَا تَزَاحُمَ فِيهَا فَيُمْكِنُ الْأَخْذُ بِهِمَا فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ سَبَبًا، بِخِلَافِ وُرُودِهَا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، هَذَا وَتَجِبُ الْفِطْرَةُ عَلَى الزَّوْجَةِ دُونَ زَوْجِهَا عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ عَنِ الْخُرُوجِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِلَى الْغُرُوبِ، وَفِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ عَنِ الْيَوْمِ خِلَافٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ نَدْبًا خَبَرُ الْحَسَنِ: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ بَعْضِ السَّلَفِ إِنَّ الْأَمْرَ هَاهُنَا لِلْوُجُوبِ وَإِنْ قَوَّاهُ جَمْعٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا. اهـ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ خَبَرَ الْحَسَنِ يُفِيدُ الْوُجُوبَ إِلَّا أَنَّ جَمَاعَةً ادَّعَوْا أَنَّ إِخْرَاجَهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ أَفْضَلُ إِجْمَاعًا، ثُمَّ مِمَّا يُؤَكِّدُونَ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ جَوَازُ التَّقَدُّمِ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ بَعْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: فَإِنْ قَدَّمُوهَا عَلَى يَوْمِ الْفِطْرِ جَازَ، لِأَنَّهُ أَدَّى بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ، يَعْنِي الرَّأْسَ الَّذِي يُمَوِّنُهُ، وَيَلِي عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ، وَفِيهِ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، إِلَى أَنْ قَالَ فِي آخِرِهِ: وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَلْ لَابُدَّ مِنْ كَوْنِهِ بِإِذْنٍ سَابِقٍ، فَإِنَّ الْإِسْقَاطَ قَبْلَ الْوُجُوبِ مِمَّا لَمْ يُعْقَلْ، فَلَمْ يَكُونُوا يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ إِلَّا بِسَمْعٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ: عِنْدَ قَوْلِهِ: هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ خَلَفٍ، وَكَذَا الشَّافِعِيُّ بِجَوَازِ تَعْجِيلِهَا بَعْدَ دُخُولِ رَمَضَانَ لَا قَبْلَهُ، لِأَنَّهَا صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَلَا فِطْرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، وَعَمَّا قِيلَ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ لَا قَبْلَهُ، وَمَا قِيلَ فِي الْعُشْرِ الْأَخِيرِ لَا قَبْلَهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: لَا يَجُوزُ التَّعْجِيلُ أَصْلًا، اهـ. وَكَأَنَّهُ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَبِمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ، وَكَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَسِّمُهَا قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى الْمُصَلَّى وَيَقُولُ: " «أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» " اهـ وَفِي رِوَايَةٍ " أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ " وَلَعَلَّ الْأَمْرَ بِالْإِغْنَاءِ لِئَلَّا يَتَشَاغَلَ الْفَقِيرُ بِالْمَسْأَلَةِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَالْجُمْهُورُ حَمَلُوا أَمْرَهُ وَفِعْلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِمَا تَقَدَّمَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ إِلَى قَوْلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 2634
١٨١٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مَنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مَنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨١٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ بُرٍّ بِقَرِينِةِ قَوْلِهِ (أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ فَيَكُونُ عَطْفُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَإِنْ أَرَدْتَ تَحْقِيقَ الْمَرَامِ فَعَلَيْكَ بِشَرْحِ ابْنِ الْهُمَامِ فَإِنَّهُ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ (أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْأَزْهَارِ: اخْتَلَفَتِ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ أَوْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِتَخْيِيرِ الْمُؤَدَّى مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَوْ لِتَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهَا وَهُوَ الْغَالِبُ، فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لِلتَّخْيِيرِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لِتَعْيِينِ أَحَدِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالْغَلَبَةِ وَهُوَ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ وَمَعْنَاهُ: كُنَّا نُخْرِجُ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ بِحَسَبِ أَقْوَاتِنَا وَمُقْتَضَى أَحْوَالِنَا اهـ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَوْ هَذِهِ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ، فَإِنَّ الْقُوتَ الْغَالِبَ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إِلَى مَا دُونَهُ فِي الشَّرَفِ اهـ وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ (أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ هُوَ الْكِشْكُ إِذَا كَانَ مِنَ اللَّبَنِ. قَالَ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ لَبَنٌ يَابِسٌ غَيْرُ مَنْزُوعِ الزُّبْدِ، وَقَدْ ضَبَطَ بَعْضُهُمُ الْأَقِطَ بِتَثْلِيثِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِي الْأَقِطِ خِلَافٌ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ (أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَوَاهَا الْحَسَنُ عَنْهُ، وَصَحَّحَهَا أَبُو الْيُسْرِ، وَفِي رِوَايَةٍ نِصْفُ صَاعٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ.
стр. 2635
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
١٨١٧ - «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي آخِرِ رَمَضَانَ: أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكِمْ، فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أَوْ مَمْلُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
١٨١٧ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ لِلنَّاسِ (فِي آخِرِ رَمَضَانَ) ظَرْفٌ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفَ قَوْلِهِ ( «أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ، فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ» ) أَيْ حِنْطَةٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ خِلَافًا لِلثَّلَاثَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ حَيْثُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ بِالْمَدِينَةِ: أَرَى نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَرْفُوعٌ حُكْمًا، وَيُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مِنِ اجْتِهَادِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: كِلَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، قُلْتُ: فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ إِسْنَادِهِ سُكُوتُ أَبِي دَاوُدَ بَعْدَ إِيرَادِهِ.
стр. 2636
١٨١٨ - وَعَنْهُ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَ الصِّيَامِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٨١٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَ الصِّيَامِ) أَيْ: تَطْهِيرَ الصَّوْمِ وَقِيلَ: الصِّيَامُ جَمْعُ صَائِمٍ كَالْقِيَامِ جَمْعُ قَائِمٍ، وَفِي الْمَصَابِيحِ طُهْرَةَ الصَّائِمِ؛ أَيْ: تَطْهِيرًا لِذُنُوبِهِ (مِنَ اللَّغْوِ) وَهُوَ مَا لَا يُعْنَى، وَقِيلَ: الْبَاطِلُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ الْقَبِيحُ (وَالرَّفَثُ) أَيِ الْفُحْشُ مِنَ الْكَلَامِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ فِي الْأَصْلِ مَا يَجْرِي مِنَ الْكَلَامِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ تَحْتَ اللِّحَافِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ كَلَامٍ قَبِيحٍ اهـ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِ اللَّغْوِ عَلَى الْقَبِيحِ الْفِعْلِيِّ أَوِ الْعَطْفُ تَفْسِيرِيٌّ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا لِأَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْفِطْرَةَ عَلَى الْأَطْفَالِ لِأَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَلْزَمْهُمُ الصِّيَامُ لَمْ يَلْزَمْ طُهْرَتُهُ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى إِيجَابِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَعَلَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى أَنَّ عِلَّةَ الْإِيجَابِ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الطُّهْرَةِ وَالطُّعْمَةِ رِعَايَةً لِجَانِبِ الْمَسَاكِينِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ مَعَ هَذَا أَيْضًا إِلَى أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِهَا أَنْ يَمْلِكَ مَا يَفْضُلُ عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ لِاسْتِوَاءِ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِي كَوْنِهَا طُهْرَةً. أَقُولُ: كَمَا أَنَّهُ شَرَطَ مَا ذُكِرَ شَرَطْنَا النِّصَابَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ مَا أَمْكَنَ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَفْضِيلِ الْفُقَرَاءِ فَكَانَتْ أَعْمَالُهُمْ مُطَهَّرَةً وَذُنُوبُهُمْ مَغْفُورَةً مِنْ غَيْرِ صَدَقَةٍ، وَإِشَارَةً إِلَى أَنَّ أَكْثَرَ وُقُوعِ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ (وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ) أَيْ لِيَكُونَ قُوتُهُمْ يَوْمَ الْعِيدِ مُهَيِّئًا تَسْوِيَةً بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ فِي وِجْدَانِ الْقُوتِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ الطُّهْرَةَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مِنَ الصَّائِمِينَ، وَالطُّعْمَةَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى التَّقْسِيمِ سِيَّمَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي تَعْرِيفِ الْمِسْكِينِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ يَعْنِي: فَسَنَدُهُ حَسَنٌ، بَلْ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ رُكْنَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ هُوَ نَفْسُ الْأَدَاءِ إِلَى الْمَصْرِفِ، وَسَبَبُ شَرْعِيَّتِهَا مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبُو دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ أَوِ الرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ مَجْرُوحٌ اهـ. وَفِي خَبَرٍ حَسَنٍ غَرِيبٍ: «شَهْرُ رَمَضَانَ مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُرْفَعُ إِلَّا بِزَكَاةِ الْفِطْرِ» .
стр. 2637
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٨١٩ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ: " أَلَا إِنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ سِوَاهُ، أَوْ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٨١٩ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ فِي طُرُقِهَا وَهِيَ الْوَاسِعَةُ، مُتَعَلِّقٌ بِبَعَثَ ( «أَلَا إِنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ» ) أَيْ هِيَ مُدَّانِ فَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِصَدَقَةٍ أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ (مِنْ قَمْحٍ) تَمْيِيزٌ (أَوْ سِوَاهُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْقَمْحِ، وَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ، أَوْ لِلتَّنْوِيعِ (أَوْ صَاعٌ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (مِنْ طَعَامٍ) أَيْ سِوَى الْقَمْحِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الطَّعَامَ يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: شَكَّ فِي أَيِّ اللَّفْظَيْنِ سَمِعَ اهـ وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ مُدَّانِ أَوْ سِوَاهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: غَرِيبٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَالْآثَارَ تَعَارَضَتْ فِي مِقْدَارِ الْحِنْطَةِ، فَفِي بَعْضِهَا مُدَّانِ، وَفِي بَعْضِهَا صَاعٌ، وَفِي بَعْضِهَا نَصِفُ صَاعٍ، فَإِنْ أَرَدْتَ تَحْقِيقَ الْكَلَامِ فَعَلَيْكَ بِشَرْحِ الْهِدَايَةِ لِابْنِ الْهُمَامِ.
стр. 2638
١٨٢٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَوْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «صَاعٌ مِنْ بُرٍّ، أَوْ قَمْحٍ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ، وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٨٢٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَعْلَبَةَ، أَوْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِيِ صُعَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ أَبِيهِ) أَوْرَدَ الذَّهَبِيُّ فِي الْكَاشِفِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ بِلَا لَفْظِ أَبِي، وَكَذَا أَوْرَدَهُ الْمُزِّيُّ فِي تَهْذِيبِ الْكَمَالِ، لَكِنْ قَالَ: وَيُقَالُ: ابْنُ أَبِي صُعَيْرٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ الشَّاعِرُ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ زَمَنَ الْفَتْحِ اهـ. وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ: فِي الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ، وَيُقَالُ: ابْنُ أَبِي صُعَيْرٍ لَهُ رُؤْيَةٌ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ سَمَاعٌ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ، وَقَالَ فِي حَرْفِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ: ثَعْلَبَةُ بْنُ صُعَيْرٍ أَوِ ابْنُ أَبِي صُعَيْرٍ - مُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا - الْعُذُرِيُّ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ يَعْنِي الْمُعْجَمَةَ -، وَيُقَالُ: ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُعَيْرٍ وَيُقَالُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، ثُمَّ قَالَ: وَحَدِيثُهُ هَذَا مُضْطَرِبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ وَقَدْ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَهُوَ يَهِمُ كَثِيرًا، وَقَالَ: مَهْمَا ذَكَرْتُ لِأَحْمَدَ حَدِيثَ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ فَقَالَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إِنَّمَا هُوَ مُرْسَلٌ يَرْوِيهِ مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا اهـ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ الْمَازِنِيُّ الْعُذُرِيُّ، وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ، وَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ وَمَسَحَ وَجْهَهُ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَالزُّهْرِيُّ ذَكَرَهُ فِي حَرْفِ الْعَيْنِ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي حَرْفِ الْمُثَلَّثَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صَاعٌ مِنْ بُرٍّ ") أَيِ الْفِطْرَةُ صَاعٌ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ مِنْ بُرٍّ " أَوْ قَمْحٍ " شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي " عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ " أَيْ مُجْزِئٌ " صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، أَمَّا غَنِيُّكُمْ " أَيْ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ " فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ " التَّزْكِيَةُ بِمَعْنَى التَّطْهِيرِ أَوِ التَّنْمِيَةِ، أَيْ يُطَهِّرُ حَالَهُ وَيُنَمِّي مَالَهُ وَأَعْمَالَهُ بِسَبَبِهَا " وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ " أَيْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَكَابِرِ الْأَغْنِيَاءِ عَلَى مَذْهَبِنَا، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَمَنْ مَلَكَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ زِيَادَةً عَلَى قُوتِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ لِيَوْمِ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ وَهُوَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ (فَيَرُدُّ) أَيْ: اللَّهُ " عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ " أَيْ: هُوَ الْمَسَاكِينَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِي فَيَرُدُّ، وَيَرْفَعُ أَكْثَرَ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ، وَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ لِمَنْ يَكُونُ قَلِيلَ الْمَالِ بِوَعْدِ الْعِوَضِ وَالْخَلَفِ فِي الْمَالِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَسَكَتَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ حَسَنًا، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ - مُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ. قَالَ ابْنُ
стр. 2639
الْهُمَامِ: هُوَ حَدِيثٌ مَرْوِيٌّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَمُسْنَدِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الِاسْمِ وَالنِّسْبَةِ وَالْمَتْنِ، فَالْأَوَّلُ أَهْوَ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي صُعَيْرٍ، أَوْ ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، وَالثَّانِي أَهْوَ الْعَدَوِيُّ، أَوِ الْعُذُرِيُّ؟ فَقِيلَ: الْعَدَوِيُّ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ الْأَكْبَرِ عَدِيٍّ، وَقِيلَ: الْعُذُرِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ فِي تَقْيِيدِ الْمُهْمَلِ: الْعُذُرِيُّ بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالرَّاءِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ أَبُو مُحَمَّدٍ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَالْعَدَوِيُّ تَصْحِيفٌ، وَالثَّالِثُ أَهْوَ «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ قَمْحٍ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ» ، أَوْ هُوَ صَدَقَةُ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ بُرٍّ، أَوْ قَمْحٍ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ. قَالَ فِي الْإِمَامِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُصْرَفَ رَأْسٌ إِلَى اثْنَيْنِ اهـ لَكِنْ تُبْعِدُهُ رِوَايَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهِيَ مِنْ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَا رَيْبَ فِيهَا، طَرِيقُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَقَالَ: " أَدُّوا صَاعًا مِنْ بُرٍّ، أَوْ قَمْحٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ» ". وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ مِنْ أَنْ يُجَاءَ بِالرَّأْيِ؟
стр. 2640
[بَابُ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ]
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
١٨٢١ - عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: " لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكْلَتُهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(بَابُ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ)
قِيلَ: هِيَ مِنْحَةٌ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَالْهَدِيَّةِ أَنْ يَمْلِكَ الرَّجُلُ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ وَإِكْرَامًا لَهُ، فَفِي الصَّدَقَةِ نَوْعُ تَرَحُّمٍ وَذُلٍّ لِلْآخِذِ وَلِذَلِكَ حُرِّمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخِلَافِ الْهَدِيَّةِ، وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ ﷺ آمِرًا بِالصَّدَقَاتِ وَمُرَغِّبًا فِي الْمَبَرَّاتِ فَتَنَزَّهَ عَنِ الْأَخْذِ مِنْهَا بَرَاءَةً لِسَاحَتِهِ عَنِ الطَّمَعِ فِيهَا وَعَنِ التُّهْمَةِ بِالْحَثِّ عَلَيْهَا، وَلِذَا قَالَ: " «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» " إِيمَاءً إِلَى أَنَّ الْمَصْلَحَةَ رَاجِعَةٌ إِلَيْهِمْ وَأَنَّهُ سَفِيرٌ مَحْضٌ مُشْفِقٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَوْ بِاجْتِهَادٍ صَدَرَ مِنْ مِشْكَاةِ صَدْرِهِ الْأَنْوَرِ وَقَلْبِهِ الْأَزْهَرِ.
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
١٨٢١ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ) أَيْ مُلْقَاةٍ (فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: " لَوْلَا أَنْ أَخَافَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ ") أَيْ مِنْ تَمْرِهَا (لَأَكْلَتُهَا) تَعْظِيمًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى جَوَازِ أَكْلِ مَا وُجِدَ فِي الطَّرِيقِ مِنَ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يَطْلُبُهُ مَالِكُهُ، وَعَلَى أَنَّ الْأَوْلَى بِالْمُتَّقِي أَنْ يَجْتَنِبَ عَمَّا فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَفِي الْإِحْيَاءِ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ أُرِّقَ لَيْلَةً فَقَالَتْ لَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ: أُرِّقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " أَجَلْ، وَجَدْتُ تَمْرَةً فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ» " وَفِي رِوَايَةٍ " فَأَكَلْتُهَا فَخَشِيتُ "، وَأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ رَأَى رَجُلًا يُنَادِي عَلَى عِنَبَةٍ الْتَقَطَهَا فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: إِنَّ مِنَ الْوَرَعِ مَا يَمْقُتُ اللَّهُ عَلَيْهِ - فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ وَإِظْهَارَ الْوَرَعِ هُنَالِكَ وَلِخُرُوجِهِ بِتَصَنُّعِهِ عَمَّا عُرِفَ مِنْ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّؤُونَ وَيَمْشُونَ حُفَاةً وَيُصَلُّونَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى أَنَّ فِي الطَّرِيقِ نَجَاسَةً أَوْ لَا، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ بِجُبْنَةٍ وَجُبَّةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَكَلَ وَلَبِسَ، هَذَا وَلَوْ نَظَرَ أَحَدٌ لِلِاحْتِمَالَاتِ الْبَعِيدَةِ لَمْ يَجِدْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ حَلَالًا، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُتَصَوَّرُ الْحَلَالُ بِيَقِينٍ إِلَّا فِي الْمَاءِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ الْمُلْتَقِي بِالْيَدِ مِمَّا فِي الْهَوَاءِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
стр. 2641
١٨٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " كِخْ كِخْ " لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: " أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٢٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ) أَيِ الزَّكَاةِ (فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ) أَيْ فَمِهِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : كِخْ كِخْ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْخَاءِ، قِيلَ: وَبِكَسْرٍ فَتَنْوِينٍ فَارِسِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ وَهِيَ كَلِمَةٌ يُزْجَرُ بِهَا الصَّبِيُّ وَالصَّبِيَّةُ عَنْ تَعَاطِي الْمُسْتَقْذَرِ بِمَعْنَى اتْرُكْ وَارْمِ وَالتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ (لِيَطْرَحَهَا) أَيِ التَّمْرَةَ مِنْ فِيهِ (ثُمَّ قَالَ: أَمَا شَعَرْتَ) أَيْ مَا عَلِمْتَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (أَنَّا) أَيْ مَعْشَرَ بَنِي هَاشِمٍ (لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا يُسْتَعْمَلُ فِي أَمْرٍ وَاضِحٍ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ الْمُخَاطَبُ، أَيْ كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْكَ هَذَا مَعَ ظُهُورِهِ؟ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ مِنْ " لَا تَفْعَلْ "، وَفِيهِ مُخَاطَبَةُ مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ " كِخْ كِخْ " إِذْ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي غَيْرِ الْمُمَيَّزِ، وَفَائِدَتُهُ إِعْلَامُ الْحَاضِرِينَ بِالْحُكْمِ لِيَزِيدَ وَيَشْتَهِرَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْآبَاءِ نَهْيُ الْأَوْلَادِ عَمَّا لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ اهـ وَلِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يَحْرُمُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ إِلْبَاسُ الصَّبِيِّ الْحَرِيرَ وَالْحُلِيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْإِحْيَاءِ عِنْدَ ذِكْرِ وَرَعِ الْمُتَّقِينَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ ﷺ الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ وَالْمَنْدُوبَةُ، وَأَمَّا عَلَى آلِهِ فَالْمَفْرُوضَةُ لَا غَيْرَ سَيَأْتِي كَلَامُ أَئِمَّتِنَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2642
١٨٢٣ - وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٨٢٣ - (وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ ") أَيْ أَنْوَاعَ الزَّكَاةِ وَأَصْنَافَ الصَّدَقَاتِ " إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ " الْجُمْلَةُ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ هَذِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ خَبَرٍ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَلَا إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا بَدَلٌ لِمَا قَبْلَهَا وَبِأَنَّهَا زَائِدَةٌ وَنَحْوَهَا، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا أَوْسَاخًا لِأَنَّهَا تُطَهِّرُ أَمْوَالَهُمْ وَنُفُوسَهُمْ، قَالَ - تَعَالَى - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فَهِيَ كَغَسَّالَةِ الْأَوْسَاخِ، فَفِي الْكَلَامِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ " وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ " زِيدَ " لَا " لِتَأْكِيدِ " لَا " النَّافِيَةِ وَكَذَا اللَّامُ الثَّانِيَةُ، قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ سَوَاءً كَانَ بِسَبَبِ الْعَمَلِ أَوْ بِسَبَبِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا وَكَذَا الْمَفْرُوضَةُ لِآلِهِ أَيْ أَقْرِبَائِهِ وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَمُبَاحٌ لَهُمْ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: " وَلَا تُدْفَعُ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ " هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَرَوَى أَبُو عِصْمَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَإِنَّمَا كَانَ مُمْتَنِعًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَعَنْهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ بَعْضُ بَنِي هَاشِمٍ إِلَى بَعْضٍ زَكَاتَهُمْ. قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَبَنُو هَاشِمٍ هُمْ بَنُو الْحَارِثِ وَالْعَبَّاسِ ابْنَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَدِّ النَّبِيِّ ﷺ وَبَنُو عَلِيٍّ وَجَعْفَرٍ وَعَقِيلٍ أَوْلَادِ أَبِي طَالِبٍ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ لَا بَنُو أَبِي لَهَبٍ لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّدَقَةِ أَوَّلًا فِي الْآبَاءِ إِكْرَامًا لَهُمْ ثُمَّ سَرَتْ إِلَى الْأَبْنَاءِ وَلَا إِكْرَامَ لَأَبَى لَهَبٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
قَالَ مِيرَكُ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ: وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ تَحْرِيمَ الصَّدَقَةِ عَلَى آلِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ اهـ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «اجْتَمَعَ ابْنُ رَبِيعَةَ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَا: لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ إِلَيَّ وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَّرَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَةِ فَأَصَابَا مِنْهَا مَا يُصِيبُ النَّاسُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تُرْسِلُوهُمَا. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَوْمَئِذٌ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ وَأَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُ النَّاسِ، وَجِئْنَاكَ لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَنُؤَدِّي إِلَيْكَ كَمَا يُؤَدِّي النَّاسُ وَنُصِيبُ كَمَا يُصِيبُونَ. قَالَ: فَسَكَتَ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ بْنَ جَزْءٍ " رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعْمِلُهُ فِي الْأَخْمَاسِ وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَتَيَاهُ، فَقَالَ لِمَحْمِيَةَ: " أَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنَ الْخُمُسِ كَذَا وَكَذَا» " قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهَذَا مَا وَعَدْنَاكَ مِنَ النَّصِّ عَلَى عَدَمِ حَلِّ أَخْذِهَا لِلْعَامِلِ الْهَاشِمِيِّ، وَلَفْظُهُ لِلطَّبَرَانِيِّ: " «لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنَ الصَّدَقَاتِ شَيْءٌ إِنَّمَا هِيَ غَسَّالَةُ أَيْدِي النَّاسِ، وَإِنَّ لَكُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا يُغْنِيكُمْ» "، وَهُوَ يُوجِبُ تَحْرِيمَ صَدَقَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَكَذَا مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْهُ ﷺ : " «نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» "، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ تُنَظِّمُ الصَّدَقَةَ النَّافِلَةَ وَالْوَاجِبَةَ، فَجَرَوْا عَلَى مُوجِبِ ذَلِكَ فِي الْوَاجِبَةِ فَقَالُوا لَا يَجُوزُ صَرْفُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَعُشْرِ الْأَرْضِ وَغَلَّةِ الْوَقْفِ إِلَيْهِمْ، وَأَمَّا الصَّدَقَةُ النَّافِلَةُ فَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَيَجُوزُ النَّفْلُ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا يَجُوزُ النَّفْلُ لِلْغَنِيِّ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْعُتَابِيَّةِ اهـ وَصُرِّحَ فِي الْكَافِي بِدَفْعِ صَدَقَةِ الْوَقْفِ إِلَيْهِمْ عَلَى أَنَّهُ بَيَانُ الْمَذْهَبِ مِنْ غَيْرِ نَقْلِ خِلَافٍ، فَقَالَ: وَأَمَّا التَّطَوُّعُ وَالْوَقْفُ فَيَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَيْهِمْ لِأَنَّ الْمُؤَدَّى فِي الْوَاجِبِ يُطَهِّرُ نَفْسَهُ بِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ فَيَتَدَنَّسُ بِهِ الْمُؤَدَّى كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَفِي النَّفْلِ يَتَبَرَّعُ بِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ فَلَا يَتَدَنَّسُ بِهِ الْمُؤَدَّى كَمَنْ تَبَرَّدَ بِالْمَاءِ اهـ. وَالْحَقُّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ إِجْرَاءُ صَدَقَةِ الْوَقْفِ مَجْرَى النَّافِلَةِ فَإِنْ ثَبَتَ فِي النَّافِلَةِ جَوَازُ الدَّفْعِ يَجِبُ دَفْعُ الْوَقْفِ وَإِلَّا فَلَا، إِذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْوَاقِفَ مُتَبَرِّعٌ بِتَصَدُّقِهِ بِالْوَقْفِ إِذْ لَا إِنْفَاقَ وَاجِبٌ، كَانَ مَنْشَأُ الْغَلَطِ وُجُوبَ دَفْعِهَا عَلَى النَّاظِرِ وَبِذَلِكَ لَمْ تَصِرْ صَدَقَةً وَاجِبَةً عَلَى الْمَالِكِ بَلْ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ وُجُوبُ إِتْبَاعِ شَرْطِ الْوَاقِفِ عَلَى النَّاظِرِ، فَوُجُوبُ الْأَدَاءِ هُوَ نَفْسُ هَذَا الْوُجُوبِ فَلْنَتَكَلَّمْ فِي النَّافِلَةِ ثُمَّ يُعْطَى مِثْلَهُ لِلْوَقْفِ، فَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَالتَّطَوُّعِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ: بَعْضٌ يَحِلُّ لَهُمُ التَّطَوُّعُ فَقَدْ أَثْبَتَ الْخِلَافَ عَلَى وَجْهٍ يُشْعِرُ بِتَرْجِيحِ حُرْمَةِ النَّافِلَةِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْعُمُومَاتِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ فَلَا تُدْفَعُ إِلَيْهِمُ النَّافِلَةُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ مَعَ الْأَدَبِ وَخَفْضِ الْجَنَاحِ تَكْرِمَةً لِأَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إِلَيْكَ حَدِيثُ لَحْمِ بَرِيرَةَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهَا لَمْ يَأْكُلْهُ؛ اعْتَبَرَهُ هَدِيَّةً مِنْهَا فَقَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ صَدَقَةً نَافِلَةً.
стр. 2643
١٨٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ أَهَدْيَةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا، وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ فَأَكَلَ مَعَهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٢٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ) أَيْ جِيءَ بِهِ (سَأَلَ عَنْهُ) أَوْ عَنِ الطَّعَامِ أَيْ عَنِ الْآتِي بِهِ (أَهَدِيَّةٌ) أَيْ فَقَالَ: أَهْوَ هَدِيَّةٌ؟ (أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ) أَيْ لَهُ (صَدَقَةٌ) أَيْ هُوَ (قَالَ لِأَصْحَابِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ آلِهِ (كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ شَرَعَ وَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ سَرِيعًا مِنْ غَيْرِ تَحَامٍ عَنْهُ (فَأَكَلَ مَعَهُمْ) وَفَارَقَتِ الصَّدَقَةُ الْهَدِيَّةَ حَيْثُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ وَحَلَّتْ لَهُ هَذِهِ بِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ الصَّدَقَةِ ثَوَابُ الْآخِرَةِ وَذَلِكَ يُنْبِئُ عَنْ عِزِّ الْمُعْطِي وَذُلِّ الْآخِذِ فِي احْتِيَاجِهِ إِلَى التَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَالرِّفْقِ إِلَيْهِ، وَمِنَ الْهَدِيَّةِ التَّقَرُّبُ إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ وَإِكْرَامُهُ بِعَرْضِهَا عَلَيْهِ فَفِيهَا غَايَةُ الْعِزَّةِ وَالرِّفْعَةُ لَدَيْهِ، وَأَيْضًا فَمِنْ شَأْنِ الْهَدِيَّةِ مُكَافَأَتُهَا فِي الدُّنْيَا، وَلِذَا كَانَ ﷺ يَأْخُذُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عِوَضَهَا عَنْهَا فَلَا مِنَّةَ الْبَتَّةَ فِيهَا بَلْ لِمُجَرَّدِ الْمَحَبَّةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ: تَهَادُوا تَحَابُّوا. وَأَمَّا جَزَاءُ الصَّدَقَةِ فَفِي الْعُقْبَى وَلَا يُجَازِيهَا إِلَّا الْمَوْلَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2644
١٨٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا عُتِقَتْ، فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ "، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: " أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ؟ " قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ: " هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٢٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ) أَيْ حَصَلَ بِسَبَبِهَا (ثَلَاثُ سُنَنٍ) أَيْ أَحْكَامٌ وَمَسَائِلُ شَرْعِيَّةٌ جَعَلَتْهَا مَكَانًا وَمَقَرًّا لِلْمَسَائِلِ، لِأَنَّهَا وُجِدَتْ بِوُجُودِهَا وَهِيَ اسْمُ جَارِيَةٍ اشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ وَأَعْتَقَتْهَا وَزَعَمَ بَائِعُوهَا أَنَّ الْوَلَاءَ لَهُمْ وَكَانَتْ حَالَ عِتْقِهَا مُتَزَوِّجَةً عَبْدًا اسْمُهُ مُغِيثٌ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ (إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا عَتَقَتْ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالتَّاءِ أَيْ صَارَتْ مَعْتُوقَةً (فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا) أَيْ بَيْنَ فَسْخِ نِكَاحِهِ وَإِمْضَائِهِ، فَالْمَرْأَةُ إِذَا كَانَتْ أَمَةً وَزَوْجُهَا عَبْدٌ فَعُتِقَتْ تَكُونُ مُخَيَّرَةً إِنْ شَاءَتْ فَسَخَتْ وَإِنْ شَاءَتْ لَا وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ فِي قَضِيَّتِهَا وَهِيَ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ " الْوَلَاءُ " بِفَتْحِ الْوَاوِ " لِمَنْ أَعْتَقَ " أَيْ لَا لِمَنْ بَاعَ وَلَوْ شَرَطَ أَنَّ الْوَلَاءَ لَهُ، فَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً كَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ أَيْ وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ (وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ عَلَى عَائِشَةَ (وَالْبُرْمَةُ) أَيِ الْقِدْرُ مِنَ الْحَجَرِ وَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْقِدْرِ مُطْلَقًا (تَفُورُ) أَيْ تَغْلِي مُلْتَبِسَةً (بِلَحْمٍ) وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَقُرِّبَ) بِالتَّشْدِيدِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَيُضَمُّ الْأُدَامُ وَهُوَ مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ الْخُبْزُ، أَيْ: يَطِيبُ أَكْلُهُ بِهِ وَيُتَلَذَّذُ الْأَكْلُ بِسَبَبِهِ (مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ أُدَامٍ، فَلَمَّا لَمْ يُؤْتَ إِلَيْهِ ﷺ مِمَّا فِي الْبُرْمَةِ (فَقَالَ ﷺ : " أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ ") الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ (قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ: " هُوَ ") أَيِ اللَّحْمُ " عَلَيْهَا " أَيْ عَلَى بَرْبَرَةَ (صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا تُصُدِّقَ عَلَى الْمُحْتَاجِ بِشَيْءٍ مَلَكَهَ فَلَهُ أَنْ يُهْدِيَ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ اهـ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْمَلَكِ: فَيَحِلُّ التَّصَدُّقُ عَلَى مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْهَدِيَّةِ وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مَقَطَّعًا.
стр. 2645
١٨٢٦ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٨٢٦ - (وَعَنْهَا) أَيْ عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» ) أَيْ يُجَازِي وَيُعْطِي الْجَزَاءَ وَالْعِوَضَ؛ مِنْ أَثَابَ إِذَا أَعْطَى الثَّوَابَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.
стр. 2646
١٨٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٨٢٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ ") أَيْ إِلَى كُرَاعِ غَنَمٍ أَوْ أَيِّ قُرْبَةٍ (لَأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ) مِنْ كِرْبَاسٍ أَوْ شَاةٍ (لَقَبِلْتُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْكُرَاعُ هُوَ مُسْتَدَقُّ السَّاقِ مِنَ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ بِمَنْزِلَةِ الْوَظِيفِ مِنَ الْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ، وَقِيلَ: كُرَاعُ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَالْأَوَّلُ مُبَالَغَةٌ فِي الْإِجَابَةِ مَعَ الْقِلَّةِ، وَالثَّانِي مَعَ الْبُعْدِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي لَوْ دَعَانِي أَحَدٌ إِلَى ضِيَافَةِ كُرَاعِ غَنَمٍ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ، وَهَذَا حَثٌّ عَلَى التَّوَاضُعِ وَإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ. قَالَ الْقَاضِي: مَنْ حَمَلَهُ عَلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَقَدْ غَلِطَ، فَكَانَ ابْنُ حَجَرٍ غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ كُرَاعُ الْغَمِيمِ أَمَامَ عَسَفَانَ وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ عَسَفَانَ وَقَدِيدٍ، وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الْمُرَادُ بِالذِّرَاعِ ذِرَاعُ الْغَنَمِ وَغَيْرِهَا أَوْ ذِرَاعُ الْكِرْبَاسِ وَهُوَ تَرْغِيبٌ فِي قَبُولِ الْهَدِيَّةِ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: إِدْخَالُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ فِيهِ خَفَاءٌ وَتَأَمُّلٌ اهـ فَتَأَمَّلْنَا فَوَجَدْنَا وَجْهَهُ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالْهَدِيَّةَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ لِتَعَلُّقِهِ بِالْهَدِيَّةِ كَمَا يُقَالُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ وَيُسَمَّى اسْتِطْرَادًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 2647
١٨٢٨ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٢٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَيْسَ الْمِسْكِينُ ") أَيِ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَالْمَعْنَى لَيْسَ الْمِسْكِينُ شَرْعًا الْمِسْكِينَ عُرْفًا وَهُوَ " الَّذِي يَطُوفُ " أَيْ يَدُورُ وَيَتَرَدَّدُ " عَلَى النَّاسِ " فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ عَلَى الْأَبْوَابِ " تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ " جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَيْسَ الْمِسْكِينُ مَنْ يَتَرَدَّدُ عَلَى الْأَبْوَابِ وَيَأْخُذُ لُقْمَةً فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا لَيْسَ بِمِسْكِينٍ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ قُوتِهِ، وَالْمُرَادُ ذَمُّ مَنْ هَذَا فِعْلُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ الزَّكَاةَ، وَقِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ اسْتِحْقَاقِهِ بَلْ إِثْبَاتَ الْمَسْكَنَةِ لِغَيْرِ هَذَا الْمُتَعَارَفِ بِالْمَسْكَنَةِ وَإِثْبَاتَ اسْتِحْقَاقِهِ أَيْضًا اهـ وَهَذَا الْقِيلُ هُوَ الْقَوْلُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَصْرِفُ الزَّكَاةِ حَيْثُ لَا شَيْءَ لَهُمَا لَكِنَّ الثَّانِيَ أَفْضَلُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ " وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ " وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ: الْكَامِلَ فِي الْمَسْكَنَةِ " الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى " أَيْ شَيْئًا أَوْ مَالًا " يُغْنِيهِ " أَيْ عَنْ غَيْرِهِ وَيَكْفِيهِ " وَلَا يُفْطَنُ بِهِ " بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا يُعْلَمُ بِاحْتِيَاجِهِ " فَيُتَصَدَّقَ " بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ مَجْهُولًا " عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ " أَيْ لَا يَتَعَرَّضُ " فَيَسْأَلَ النَّاسَ " بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ مَعْلُومًا بَلْ يُخْفِي حَالَ نَفْسِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الْكَلَامِ الْقَدِيمِ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أَيْ أَصْلًا وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَمَنْ تَبِعَهُمَا مِنْ أَنَّ الْمِسْكِينَ هُوَ الَّذِي لَا يَمْلِكُ شَيْئًا فَهُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَا لَا يَكْفِيهِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ ﷺ تَعَوَّذَ مِنَ الْفَقْرِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَسَأَلَ الْمَسْكَنَةَ فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ - فَمَدْفُوعٌ لِأَنَّ حَدِيثَ التِّرْمِذِيِّ قِيلَ: ضَعِيفٌ، بَلْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ تَعَوَّذَ مِنَ الْمَسْكَنَةِ» أَيْضًا ثُمَّ حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ اللَّذَيْنِ رَجَعَ مَعْنَاهُمَا إِلَى غَايَةِ الْقِلَّةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى مَا وَرَدَ: كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، أَوْ أَرَادَ بِهِ فَقْرَ الْقَلْبِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ دُونَ حَالِ الْفَقْرِ كَمَا أَنَّهُ اسْتَعَاذَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ فِتْنَةِ الْغِنَى لَا مِنْ حَالِ الْغِنَى، وَقَدْ تُحْمَلُ الْمَسْكَنَةُ الَّتِي سَأَلَهَا عَلَى التَّوَاضُعِ اللَّازِمِ لِأَهْلِهَا بِأَنْ لَا يُحْشَرَ فِي زُمْرَةِ الْأَغْنِيَاءِ الْمُتَكَبِّرِينَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 2648
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
١٨٢٩ - عَنْ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي فِيمَا تُصِيبُ مِنْهَا، فَقَالَ: لَا حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْأَلَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: " إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا وَإِنَّ مَوَالِيَ الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
١٨٢٩ - (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) وَاسْمُهُ أَسْلَمُ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ كَاتِبُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَيْ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ) أَيْ: أَرْسَلَهُ سَاعِيًا لِيَجْمَعَ الزَّكَاةَ وَيَأْتِيَ بِهَا إِلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَلَمَّا أَتَى أَبَا رَافِعٍ فِي طَرِيقِهِ (فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي) أَيِ ائْتِ مَعِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (كَيْمَا تُصِيبَ) نُصِبَ بِكَيْ وَمَا زَائِدَةٌ أَيْ لِتَأْخُذَ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الصَّدَقَةِ بِسَبَبِ ذَهَابِكَ مَعِي أَوْ بِأَنْ أَقُولَ لَهُ لِيُعْطِيَ نَصِيبَكَ مِنَ الزَّكَاةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ الْمُرَافَقَةَ وَالْمُصَاحَبَةَ وَالْمُعَاوَنَةَ عِنْدَ السَّفَرِ لَا بَعْدَ الرُّجُوعِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوَابُهُ (فَقَالَ لَا) أَيْ لَا أَصْحَبُكَ (حَتَّى آتِيَ) أَيْ أَجِيءَ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (فَأَسْأَلَهُ) أَيْ أَسْتَأْذِنَهُ أَوْ أَسْأَلَهُ هَلْ يَجُوزُ لِي أَمْ لَا؟ (فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ) أَيْ عَنْ ذَلِكَ (فَقَالَ: إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا وَإِنَّ مَوَالِيَ الْقَوْمِ) أَيْ عُتَقَاءَهُمْ (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أَيْ فَحُكْمُهُمْ كَحُكْمِهِمْ لِخَبَرِ الْوَلَاءِ لُحْمَةً كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، وَهَذَا دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِحُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي مَنْ تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ: وَالْمَشْهُورُ لَا تَحْرُمُ عَلَى مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ لِانْتِفَاءِ السَّبَبِ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ ﷺ قَالَ تَنْزِيهًا وَضَمًّا لَهُمْ عَلَى التَّشْبِيهِ بِسَادَاتِهِمُ اهـ. وَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنِ الْمَذْهَبِ وَتَبِعَ الطِّيبِيَّ فِي الْمَطْلَبِ، لَكِنَّ كَلَامَ الطِّيبِيِّ أَطْيَبُ حَيْثُ قَالَ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، لَكِنْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَكْفِي مُؤْنَتَهُ اهـ وَهُوَ تَأْوِيلٌ مِنْ غَيْرِ مُعَارَضَةِ دَلِيلٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَصَحَّحَهُ (وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حَيَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَفِي نَقْلِ ابْنِ الْهُمَامِ وَالشُّمُنِّيِّ فَقَالَ: " «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَكَذَا صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
стр. 2649
١٨٣٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ.
١٨٣١ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ــ
١٨٣٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ» ") فِي الْمُحِيطِ الْغِنَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: غِنًى يُوجِبُ الزَّكَاةَ وَهُوَ مِلْكُ نِصَابِ حَوْلًى تَامٍّ، وَغِنًى يُحَرِّمُ الصَّدَقَةَ وَيُوجِبُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَةَ وَهُوَ مِلْكُ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ نِصَابٍ مِنَ الْأَمْوَالِ الْفَاضِلَةِ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَغِنًىٍ يُحَرِّمُ السُّؤَالَ دُونَ الصَّدَقَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ وَمَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ (وَلِذِي مِرَّةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ: الْقُوَّةُ؛ أَيْ وَلَا لِقَوِيٍّ عَلَى الْكَسْبِ (سَوِيٍّ) أَيْ صَحِيحِ الْبَدَنِ تَامِّ الْخِلْقَةِ فِيهِ نَفْيُ كَمَالِ الْحِلِّ لَا نَفْسُ الْحِلِّ أَوْ لَا تَحِلُّ لَهُ بِالسُّؤَالِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَا تَحِلُّ الزَّكَاةُ لِمَنْ أَعْضَاؤُهُ صَحِيحَةٌ وَهُوَ قَوِيٌّ يَقْدِرُ عَلَى الِاكْتِسَابِ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ وَعِيَالَهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقِيلَ الْمَعْنَى وَلَا لِذِي عَقْلٍ وَشَدَّةٍ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِصَابٌ حَلَّتْ لَهُ الصَّدَقَةُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَقَالَ حَسَنٌ وَذَكَرَ أَنَّ شُعْبَةَ لَمْ يَرْفَعْهُ وَرَوَاهُ سُفْيَانُ مَرْفُوعًا (وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كُلُّهُمْ يَرْوُونَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 2650
١٨٣٢ - وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ قَالَ: «أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ فَسَأَلَاهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا النَّظَرَ، وَخَفَضَهُ فَرَآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: " إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
١٨٣٢ - (وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ الْخِيَارِ) وَفِي نُسْخَةٍ: ابْنِ الْخِيَارِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قُرَشِيٌّ نَوْفَلِيٌّ يُقَالُ إِنَّهُ وُلِدَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُعَدُّ فِي التَّابِعِينَ، وَرَوَى عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄ (قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَشْهَرُ فِي السَّمَاعِ (وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ فَسَأَلَاهُ مِنْهَا) أَيْ فَطَالَبَاهُ أَنْ يُعْطِيَهُمَا شَيْئًا مِنَ الصَّدَقَةِ (فَرَفَعَ فِينَا النَّظَرَ) أَيِ الْبَصَرَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (وَخَفَضَهُ فَرَآنَا جَلْدَيْنِ) بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا أَيْ قَوِيَّيْنِ (فَقَالَ: " إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا ") أَيْ مِنْهَا وَوَكَّلْتُ الْأَمْرَ إِلَى أَمَانَتِكُمَا لَكِنْ تَكُونَانِ فِي خَطَرِ الْأَخْذِ بِغَيْرِ حَقٍّ إِنْ كُنْتُمَا قَوِيَّيْنِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَالُكُمَا أَوْ غَنِيَّيْنِ (وَلَا حَظَّ) أَيْ لَا نَصِيبَ (فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أُعْطِيكُمَا لِأَنَّ فِي الصَّدَقَةِ ذُلًّا وَهَوَانًا فَإِنْ رَضِيتُمَا بِذَلِكَ أَعْطَيْتُكُمَا أَوْ لَا أُعْطِيكُمَا لِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَى الْقَوِيِّ الْمُكْتَسِبِ، فَإِنْ رَضِيتُمَا بِأَكْلِ الْحَرَامِ أُعْطِيكُمَا، قَالَ تَوْبِيخًا، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حُرْمَةُ سُؤَالِهِمَا لِقَوْلِهِ: " وَإِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا " فَلَوْ كَانَ الْأَخْذُ مُحَرَّمًا غَيْرَ مُسْقَطٍ عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ لَمْ يَفْعَلْهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) أَيْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ فِي شَرْحِ ابْنِ الْهُمَامِ قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَا أَوْجَدَهُ مِنْ حَدِيثٍ هُوَ أَحْسَنُهَا إِسْنَادًا فَهَذَا مَعَ حَدِيثِ مُعَاذٍ يُفِيدُ مَنْعَ غَنِيِّ الْغُزَاةِ وَالْغَارِمِينَ عَنْهَا، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي تَجْوِيزِهِ لِغَنِيِّ الْغُزَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فِي الدِّيوَانِ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْفَيْءِ.
стр. 2651
١٨٣٣ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ، لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ، فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٨٣٣ - (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (مُرْسَلًا) أَيْ بِحَذْفِ الصَّحَابِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ") أَيْ لِمُجَاهِدٍ مُنْقَطِعٍ عَنِ الْغَزْوِ أَوِ الْحَجِّ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ فَسَّرَ أَحْمَدُ سَبِيلَ اللَّهِ فِي الْآيَةِ بِسَفَرِ الْحَجِّ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْحَجَّ سَبِيلُ اللَّهِ، وَاخْتَارَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا لَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَالِ الْمَذْكُورِ
стр. 2652
بَحْثٌ لِلْجُمْهُورِ " أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا " أَيْ عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ نَحْوِ عَاشِرٍ وَحَاسِبٍ وَكَاتِبٍ " أَوْ لِغَارِمٍ " أَيْ مَنِ اسْتَدَانَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ فِي دِيَةٍ أَوْ دَيْنٍ تَسْكِينًا لِلْفِتْنَةِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا " أَوْ لِرَجُلٍ " أَيْ غَنِيٍّ " اشْتَرَاهَا " أَيِ الزَّكَاةَ مِنَ الْفَقِيرِ " بِمَالِهِ أَوْ لِرَجُلٍ " أَيْ غَنِيٍّ " كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ " (رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ) أَيْ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ هَكَذَا مُرْسَلًا، وَرَوَى أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَوْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا بِمَعْنَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُسْنَدًا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَصَلَ هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ذَكَرَهُ مِيرَكُ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ.
стр. 2653
١٨٣٤ - وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَوِ ابْنِ السَّبِيلِ.
ــ
١٨٣٤ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَوِ ابْنِ السَّيْلِ) اعْلَمْ أَنِّي تَتَبَّعْتُ رِوَايَاتِ أَبِي دَاوُدَ، فَهِيَ ثَلَاثٌ: مِنْهَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْحَدِيثَ، وَمِنْهَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّازِقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَعْنَاهُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْدٍ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمِنْهَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عِمْرَانَ الْبَاقِي عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ابْنِ السَّبِيلِ أَوْ جَارٍ فَقِيرٍ تَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَيُهْدِي لَكَ أَوْ يَدْعُوكَ» "، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ لَكَ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنَ الْإِبْهَامِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قِيلَ لَمْ يَثْبُتْ هَذَا الْحَدِيثُ وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَقْوَ قُوَّةً تَرْجُحُ حَدِيثَ مُعَاذٍ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ مَعَ قَرِينَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ؛ يَعْنِي قَوْلَهُ: " «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ» " وَلَوْ قَوِيَ قُوَّتَهُ تَرَجَّحَ حَدِيثُ مُعَاذٍ بِأَنَّهُ مَانِعٌ وَمَا رَوَاهُ مَبِيحٌ مَعَ أَنَّهُ دَاخِلُهُ التَّأْوِيلُ عِنْدَهُمْ حَيْثُ قُيِّدَ لِلْأَخْذِ لَهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الدِّيوَانِ وَلَا أَخَذَ مِنَ الْفَيْءِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ يُضْعِفُ الدَّلَالَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لَمْ يَدْخُلْهُ.
стр. 2654
١٨٣٥ - وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَبَايَعْتُهُ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا: فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ هُوَ فِيهَا، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٨٣٥ - (وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ) بِضَمِّ الصَّادِ مَمْدُودًا (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَبَايَعْتُهُ فَذَكَرَ) أَيْ زِيَادٌ أَوِ النَّبِيُّ ﷺ (حَدِيثًا طَوِيلًا فَأَتَاهُ) أَيْ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ (رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا» ") أَيْ إِلَى أَنْ حَكَمَ فِي الصَّدَقَاتِ " هُوَ " أَيِ اللَّهُ - تَعَالَى - وَهُوَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ " فَجَزَّأَهَا " بِتَشْدِيدِ الزَّايِ فَهَمْزٍ أَيْ فَقَسَّمَ أَصْحَابَهَا " ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ " أَيْ أَصْنَافٍ قَالَ " فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ " أَيْ مِنَ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ " أَعْطَيْتُكَ " أَيْ حَقَّكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ فِي التَّجْزِئَةِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ التَّفْرِيقِ فِي الْأَصْنَافِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُفَرَّقُ عَلَى أَهْلِ السِّهَامِ بِحِصَصِهِمْ وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ خِلَافَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ إِلَّا عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُصْرَفُ إِلَّا إِلَى هَذِهِ الْمَصَارِفِ لَا أَنَّهَا تُصْرَفُ إِلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْمَصَارِفِ، وَلِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فَتُصْرَفُ إِلَى الْكُلِّ أَوِ الْبَعْضِ، قَالَ الشُّمُنِّيُّ: رَوَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَأَبِي الْعَالِيَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ لِقَوْلِهِ ﷺ لِمُعَاذٍ: " «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» "، وَلِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ لِسَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَاضِيِّ بِصَدَقَةِ قَوْمِهِ، وَبَسَطَ فِيهِ الْكَلَامَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ وَانْتَصَرَ لَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا نِظَامَ لَهُ فِي الْمَرَامِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ الْأَفْرِيقِيُّ وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ.
стр. 2655
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٨٣٦ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ، فَسَأَلَ الَّذِي سَقَاهُ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ قَدْ سَمَّاهُ فَإِذَا نَعَمٌ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ، وَهُمْ يَسْقُونَ فَحَلَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا، فَجَعَلْتُهُ فِي سِقَائِي فَهُوَ هَذَا، فَأَدْخَلَ عُمَرُ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَ، رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٨٣٦ - (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ) أَيْ وَافَقَ هَوَى نَفْسِهِ فَأَنْكَرَهُ بِالِاسْتِدْلَالِ الْقَلْبِيِّ بِالْإِلْهَامِ الْغَيْبِيِّ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: سَأَلَ عُمَرُ ﵁ إِذْ رَابَهُ فَإِنَّهُ أَعْجَبَهُ طَعْمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى مَا كَانَ يَأْلَفُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ الرِّيبَةِ وَحَمْلِهِ عَلَى الْوَرَعِ (فَسَأَلَ الَّذِي سَقَاهُ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ) أَيْ مَرَّ (عَلَى مَاءٍ) أَيْ مَكَانِ مَاءٍ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: أَيْ مَكَانٍ فِيهِ مَاءٌ، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ، وَمَا الْمَانِعُ أَنَّهُ وَرَدَ الْمَاءَ نَفْسَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ لَازِمِ وُرُودِهِ مَحَلَّهُ اهـ وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا تَخْفَى (قَدْ سَمَّاهُ) أَيْ عَيَّنَهُ بِاسْمِهِ " فَإِذَا " لِلْمُفَاجَأَةِ (نَعَمٌ) بِفَتْحَتَيْنِ (مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَهُمْ) أَيِ الرُّعَاةُ أَوْ أَهْلُ النَّعَمِ (يَسْقُونَ) أَيِ النَّعَمَ (فَحَلَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا) أَيْ فَأَعْطُونِي هَذَا فَأَخَذْتُهُ (فَجَعَلْتُهُ فِي سِقَائِي) بِكَسْرِ السِّينِ (فَهُوَ هَذَا، فَأَدْخَلَ عُمَرُ يَدَهُ) أَيْ فِي فَمِهِ أَوْ حَلْقِهِ (اسْتِقَاءَ) أَيْ فَتَقَيَّأَهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ جَوْفِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا غَايَةُ الْوَرَعِ وَالتَّنَزُّهِ عَنِ الشُّبَهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ كَانَ الشَّارِحُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ قَوْلَ أَئِمَّتِهِ: إِنَّ كُلَّ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ حَرَامًا لَزِمَهُ أَنْ يَتَقَيَّأَهُ إِنْ أَطَاقَهُ وَإِنْ عُذِرَ فِي تَنَاوُلِهِ اهـ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ اللَّبَنِ حَرَامًا لِأَنَّ الْقَابِضَ إِذَا أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْقَاقِ وَأَهْدَاهُ لِغَيْرِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَى فَرْضٍ أَنَّ عُمَرَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ فَلَا شَكَّ فِي حِلِّيَّتِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ بَرَيْرَةَ أَنَّهُ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ فَكَأَنَّ الْمُعْتَرِضَ لَمْ يَتَفَطَّنْ لِهَذَا وَظَنَّ أَنَّ اللَّبَنَ حَرَامٌ، وَأَيْضًا لَا فَائِدَةَ فِي اسْتِقَائِهِ إِذْ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى صَاحِبِهِ وَإِنَّمَا هُوَ تَنْقِيَةُ الْبَاطِنِ مِنْ أَثَرِ الْحَرَامِ أَوِ الشُّبْهَةِ وَهَذَا لَا شُبْهَةَ أَنَّهُ وَرَعٌ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: وَإِنَّمَا تَقَيَّأَ مَا شَرِبَهُ مَعَ الْجَهْلِ حَتَّى لَا يَنْبُتَ مِنْهُ لَحْمٌ يَثْبُتُ وَيَبْقَى، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ لَا يَدْرِي فَلَا يَضُرُّهُ، لِأَنَّ الْحَرَامَ إِذَا أُكِلَ وَحَصَلَ فِي الْمَعِدَةِ أَثَّرَ فِي قَسَاوَةِ الْقَلْبِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ صَاحِبُهُ وَلِذَا تَقَيَّأَ عُمَرُ ﵁ لِأَنَّهُ شَرِبَ عَلَى جَهْلٍ، وَهَذَا وَإِنْ أَفْتَيْنَا بِأَنَّهُ حَلَالٌ لِلْفَقِيرِ فَإِنَّمَا أَحْلَلْنَاهُ بِحُكْمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، فَهُوَ كَالْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ إِذَا أَحْلَلْنَاهُ لِلضَّرُورَةِ وَلَا يَلْتَحِقُ بِالطَّيِّبَاتِ اهـ (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 2656
[بَابُ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ وَمِنْ تَحِلُّ لَهُ]
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
١٨٣٧ - «عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: " أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا "، ثُمَّ قَالَ: " يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ، يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
(بَابُ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ وَمَنْ تَحِلُّ لَهُ)
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
١٨٣٧ - (عَنْ قَبِيصَةَ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (ابْنِ مُخَارِقٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، (قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ: مَا يَتَحَمَّلُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ دِيَةٍ أَوْ غَرَامَةٍ لِدَفْعِ وُقُوعِ حَرْبٍ يَسْفِكُ الدِّمَاءَ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَا يَتَحَمَّلُهُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَالِ أَيْ يَسْتَدِينُهُ وَيَدْفَعُهُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ فَتَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ إِذَا لَمْ تَكُنِ الْحَمَالَةُ فِي الْمَعْصِيَةِ (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا) أَيْ فِي الْحَمَالَةِ بِمَعْنَى لِأَجْلِهَا (فَقَالَ: " أَقِمْ ") أَمْرٌ مِنَ الْإِقَامَةِ بِمَعْنَى اثْبُتْ وَاصْبِرْ " حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ " أَيْ يَحْضُرَنَا مَالُهَا " فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا " أَيْ بِالصَّدَقَةِ أَوْ بِالْحَمَالَةِ (ثُمَّ قَالَ: " يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ ") أَيِ السُّؤَالَ وَالشَّحْذَةَ " لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ " فِي شَرْحِ
стр. 2657
ابْنِ الْمَلَكِ قَالُوا: هَذَا بَحْثُ سُؤَالِ الزَّكَاةِ وَأَمَّا سُؤَالُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَمَنْ لَا يَقْدِرْ عَلَى كَسْبٍ لِكَوْنِهِ زَمِنًا أَوْ ذَا عِلَّةٍ أُخْرَى جَازَ لَهُ السُّؤَالُ بِقَدْرِ قُوتِ يَوْمِهِ وَلَا يَدَّخِرُ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ لِاشْتِغَالِ الْعِلْمِ جَازَتْ لَهُ الزَّكَاةُ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، فَإِنْ تَرَكَهُ لِاشْتِغَالِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَصِيَامِهِ لَا تَجُوزُ لَهُ الزَّكَاةُ وَيُكْرَهُ لَهُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، فَإِنْ جَلَسَ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ فِي بُقْعَةٍ وَاشْتَغَلُوا بِالطَّاعَةِ وَرِيَاضَةِ الْأَنْفُسِ وَتَصْفِيَةِ الْقُلُوبِ يُسْتَحَبُّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَسْأَلَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ وَكِسْرَاتِ الْخُبْزِ لَهُمْ وَاللِّبَاسَ لِأَجْلِهِمْ " رَجُلٍ " بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ أَحَدٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مِنْ ثَلَاثَةٍ وَبِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ " تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ " أَيْ جَازَتْ بِشَرْطِ أَنْ يُتْرَكَ الْإِلْحَاحُ وَالتَّغْلِيظُ فِي الْخِطَابِ " حَتَّى يُصِيبَهَا " أَيْ إِلَى أَنْ يَجِدَ الْحَمَالَةُ أَوْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ (ثُمَّ يُمْسِكَ) أَيْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، يَعْنِي إِذَا أَخَذَ مِنَ الصَّدَقَاتِ مَا يُؤَدِّي ذَلِكَ الدَّيْنَ لَا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ آخَرَ مِنْهَا، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَفِيهِ نَظَرٌ " وَرَجُلٌ " بِالْوَجْهَيْنِ " أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ " أَيْ آفَةٌ وَحَادِثَةٌ مُسْتَأْصِلَةٌ مِنْ جَاحَهُ يَجُوحُهُ إِذَا اسْتَأْصَلَهُ وَهِيَ الْآفَةُ الْمُهْلِكَةُ لِلثِّمَارِ وَالْأَمْوَالِ (اجْتَاحَتْ) أَيِ اسْتَأْصَلَتْ وَأَهْلَكَتْ " مَالَهُ " مِنْ ثِمَارِ بُسْتَانِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ " فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ " أَيْ سُؤَالُ الْمَالِ مِنَ النَّاسِ " حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا " أَيْ إِلَى أَنْ يُدْرِكَ مَا تَقُومُ بِهِ حَاجَتُهُ الضَّرُورِيَّةُ " مِنْ عَيْشٍ " أَيْ مَعِيشَةٍ مِنْ قُوتٍ وَلِبَاسٍ " أَوْ قَالَ " شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي " سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ " بِالْكَسْرِ وَهُوَ الصَّوَابُ مَا يُسَدُّ بِهِ الْفَقْرُ وَيُدْفَعُ وَيَكْفِي الْحَاجَةَ " وَرَجُلٍ " بِالْوَجْهَيْنِ أَيْ غَنِيٍّ " أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ " أَيْ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ اشْتُهِرَ بِهَا بَيْنَ قَوْمِهِ " حَتَّى يَقُومَ " أَيْ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ " ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا " بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ أَيِ الْعَقْلِ الْكَامِلِ (مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ) أَيْ يَقُومَ ثَلَاثَةٌ قَائِلِينَ هَذَا الْقَوْلَ، وَالْمُرَادُ الْمُبَالَغَةُ فِي ثُبُوتِ الْفَاقَةِ، قَالَ الصَّغَانِيُّ: هَكَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ: يَقُومَ، وَالصَّحِيحُ: يَقُولَ بِاللَّامِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَكَذَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَقْدِيرَ الْقَوْلِ مَعَ الْقِيَامِ آكَدُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ قَالَ: وَبِمَا تَقَرَّرَ فِي مَعْنَى " يَقُومَ "، انْدَفَعَ قَوْلُ الصَّغَانِيِّ وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّ كَلَامَ الصَّغَانِيِّ فِي تَصْرِيحِ الرِّوَايَةِ لَا فِي تَصْحِيحِ الدِّرَايَةِ مَعَ أَنَّ عَدَمَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى التَّقْدِيرِ أَظْهَرُ فِي مَقَامِ التَّقْرِيرِ، هَذَا وَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ إِنَّ " يَقُومَ " بِمَعْنَى " يَقُولَ "، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّ الْقَوْلَ يَأْتِي بِمَعْنَى الْفِعْلِ لَا الْعَكْسُ كَمَا فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَتَأَمَّلْ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ لِيَكُونَ أَدَلَّ عَلَى بَرَاءَةِ السَّائِلِ عَنِ التُّهْمَةِ فِي ادِّعَائِهِ وَأَدْعَى لِلنَّاسِ إِلَى سُرْعَةِ إِجَابَتِهِ، وَخَصَّ بِكَوْنِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ لِأَنَّهُمْ هُمُ الْعَالِمُونَ بِحَالِهِ وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّبْيِينِ وَالتَّعْرِيفِ إِذْ لَا مَدْخَلَ لِعَدَدِ الثَّلَاثِ مِنَ الرِّجَالِ فِي شَيْءٍ مِنَ الشَّهَادَاتِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْإِعْسَارَ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ الْبَعْضِ إِلَّا بِثَلَاثَةٍ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ فَثُلِّثَتْ عَلَى خِلَافِ مَا اعْتِيدَ فِي الْإِثْبَاتِ لِلْحَاجَةِ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ نَقْلًا عَنِ التَّخْرِيجِ: أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: يُقْبَلُ مِنْ عَدْلَيْنِ وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي تَلَفِهِ وَالْإِعْسَارِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْمَالِ " فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ " أَيْ فَسَبَبُ هَذِهِ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ صَارَتْ حَلَالًا لَهُ " حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ " وَيَخْتَلِفُ فَاعِلُ قَالَ بِاخْتِلَافِ مَنْ وَقَعَ لَهُ الشَّكُّ فَتَأَمَّلْ " فَمَا سِوَاهُنَّ " أَيْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ " سُحْتٌ " بِضَمَّتَيْنِ وَبِسُكُونِ الثَّانِي وَهُوَ الْأَكْثَرُ هُوَ الْحَرَامُ الَّذِي لَا يَحِلُّ كَسْبُهُ لِأَنَّهُ يُسْحِتُ الْبَرَكَةَ أَيْ يُذْهِبُهَا " يَأْكُلُهَا " أَيْ يَأْكُلُ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِالْمَسْأَلَةِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَالْحَاصِلُ يَأْكُلُ حَاصِلُهَا " صَاحِبُهَا سُحْتًا " نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَأْكُلُهَا وَجَعَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ حَالًا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِمَعْنَى الصَّدَقَةِ وَالْمَسْأَلَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2658
١٨٣٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٨٣٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ ") أَيْ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، يُقَالُ سَأَلْتُهُ الشَّيْءَ وَعَنِ الشَّيْءِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ فَنَصْبُهُ لِنَزْعِ الْخَافِضِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وَقِيلَ: بَدَلُ اشْتِمَالٍ " تَكَثُّرًا " مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ لِيَكْثُرَ مَالُهُ لَا لِلِاحْتِيَاجِ " فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا " أَيْ قِطْعَةً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، يَعْنِي مَا أَخَذَ سَبَبٌ لِلْعِقَابِ بِالنَّارِ، وَجَعَلَهُ جَمْرًا لِلْمُبَالَغَةِ فَهَذَا كَقَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] أَيْ مَا يُوجِبُ نَارًا فِي الْعُقْبَى وَعَارًا فِي الدُّنْيَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْرًا حَقِيقَةً يُعَذَّبُ بِهِ كَمَا ثَبَتَ لِمَانِعِي الزَّكَاةِ " فَلْيَسْتَقِلَّ " أَيْ مِنَ السُّؤَالِ أَوِ الْجَمْرِ " أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ " أَيْ لِيَطْلُبْ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَهَذَا تَوْبِيخٌ لَهُ أَوْ تَهْدِيدٌ، وَالْمَعْنَى سَوَاءٌ اسْتَكْثَرَ مِنْهُ أَوِ اسْتَقَلَّ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2659
١٨٣٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٣٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ ") أَيْ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ بِلِسَانِ الْقَالِ أَوْ بَيَانِ الْحَالِ " حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ " بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ وَحُكِيَ فَتْحُ الْمِيمِ أَيْضًا وَالضَّمُّ هُوَ الْمَحْفُوظُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ أَيْ قِطْعَةٌ يَسِيرَةٌ مِنَ اللَّحْمِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا جَاءَ لَهُ وَلَا قَدْرَ، مِنْ قَوْلِهِمْ لِفُلَانٍ وَجْهٌ فِي النَّاسِ أَيْ قَدْرٌ وَمَنْزِلَةٌ أَوْ يَأْتِي فِيهِ وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِهِ لَحْمٌ أَصْلًا إِمَّا عُقُوبَةً لَهُ وَإِمَّا إِعْلَامًا بِعَمَلِهِ اهـ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَلَامَةً لَهُ يَعْرِفُهُ النَّاسُ بِتِلْكَ الْعَلَامَةِ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا فَيَكُونُ تَفْضِيحًا لِحَالِهِ وَتَشْهِيرًا لِمَا لَهُ وَإِذْلَالًا لَهُ كَمَا أَذَلَّ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا وَأَرَاقَ مَاءَ وَجْهِهِ بِالسُّؤَالِ، وَمِنْ دُعَاءِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ سُجُودِ غَيْرِكَ فَصُنْ وَجْهِي عَنْ مَسْأَلَةِ غَيْرِكَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2660
١٨٤٠ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ، فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمِ شَيْئًا فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٨٤٠ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ» ) مَصْدَرٌ بِمَعْنَى السُّؤَالِ أَيْ لَا تُبَالِغُوا وَتُلِحُّوا، مِنْ أَلْحَفَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِذَا أَلَحَّ فِيهَا " فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي " أَيْ بِالْإِلْحَافِ " أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا فَتُخْرِجَ " بِالتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ مَنْصُوبًا وَمَرْفُوعًا وَالنِّسْبَةُ مَجَازِيَّةٌ سَبَبِيَّةٌ فِي الْإِخْرَاجِ " لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا وَأَنَا لَهُ) أَيْ لِذَلِكَ الشَّيْءِ يَعْنِي لِإِعْطَائِهِ أَوْ لِذَلِكَ الْإِخْرَاجِ الدَّالِّ عَلَيْهِ يَخْرُجُ " كَارِهٌ " وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ " فَيُبَارَكَ " بِالنَّصْبِ مَجْهُولًا أَيْ فَإِنْ يُبَارَكْ " لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ " أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِلْحَافِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: نَصْبُهُ عَلَى مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ أَيْ لَا يَجْتَمِعُ إِعْطَائِي كَارِهًا مَعَ الْبَرَكَةِ اهـ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ فَيُقَدَّرُ هُوَ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] قَالَ الْغَزَالِيُّ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ بَاعِثَ الْمُعْطِي الْحَيَاءُ مِنْهُ أَوْ مِنَ الْحَاضِرِينَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا أَعْطَاهُ - فَهُوَ حَرَامٌ إِجْمَاعًا وَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ أَوْ رَدُّ بَدَلِهِ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى وَرَثَتِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى النَّهْيِ عَنِ السُّؤَالِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُمَا حَرَامٌ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، وَالثَّانِي حَلَالٌ مَعَ الْكَرْهَةِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَلَّا يُذِلَّ نَفْسَهُ وَلَا يُلِحَّ فِي السُّؤَالِ وَلَا يُكَلِّفَ بِالْمَسْئُولِ، فَإِنْ فَقَدَ أَحَدَ الشُّرُوطِ فَحَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ.
стр. 2661
١٨٤١ - وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٨٤١ - (وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ ") أَيْ فَيَجْمَعَ حَطَبًا ثُمَّ يَرْبُطَ بِهِ " لِيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ " قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْحُزْمَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ، قَدْرُ مَا يُحْمَلُ بَيْنَ الْعَضُدَيْنِ وَالصَّدْرِ وَيُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُحْمَلُ عَلَى الظَّهْرِ مِنَ الْحَطَبِ " فَيَبِيعَهَا " قِيلَ: مَنْصُوبٌ عَلَى تَقْدِيرِ " أَنْ "، أَيْ فَأَنْ يَبِيعَ تِلْكَ الْحُزْمَةَ وَثَمَنَهَا " فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ " أَيْ يَمْنَعَ عَنْ إِرَاقَةِ مَاءِ وَجْهِهِ بِالسُّؤَالِ " خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ " أَيْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ فِي أَنَّهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْهُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا حَدِيثُ «مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ لِأَجْلِ غِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ» .
стр. 2662
١٨٤٢ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ لِي: " يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى "، قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٤٢ - (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ بَعْدَهُ زَايٌ (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ شَيْئًا (فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ لِي) أَيْ بَعْدَ السُّؤَالِ الثَّالِثِ، أَوْ بَعْدَ مَا فَنِيَ الْمَالُ، أَوْ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ " يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ " أَيِ الْمَالَ الَّذِي بِأَيْدِي النَّاسِ أَوْ جِنْسَهُ أَوْ نَوْعَهُ الْحَاصِلَ مِنْ غَيْرِ كَدٍّ وَتَعَبٍ " خَضِرٌ " بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ طَرِيٌّ نَاعِمٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ غَايَةَ الرَّغْبَةِ " حُلْوٌ " أَيْ لَذِيذٌ عِنْدَ النَّفْسِ تَمِيلُ إِلَيْهِ بِالطَّبْعِ غَايَةَ الْمَيْلِ، وَقِيلَ: الْخَضِرُ فِي الْعَيْنِ طَيِّبٌ وَالْحُلْوُ يَكُونُ فِي الْفَمِ طَيِّبًا إِذْ لَا تَمَلَّ الْعَيْنُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْخَضِرِ بَلْ يَقْوَى النَّظَرُ إِلَيْهِ قُوَّةَ الْبَصَرِ، وَلَا يَمَلُّ الْفَمُ مِنْ أَكْلِ الْحُلْوِ، وَكَذَلِكَ النَّفْسُ حَرِيصَةٌ بِجَمْعِ الْمَالِ لَا تَمَلُّ عَنْهُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ مِنْ حَيْثُ زَهْرَتُهَا وَبَهْجَتُهَا وَبَهَاؤُهَا ثُمَّ سُرْعَةُ فَنَائِهَا مَا فِي الْأَمْوَالِ مِنْ زِيَادَةِ عَنَائِهَا وَخِسَّةِ شُرَكَائِهَا " فَمَنْ أَخَذَهُ " أَيِ الْمَالَ أَخْذًا مُلْتَبَسًا " بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ " أَيْ مِنَ الْأَخْذِ يَعْنِي بِلَا سُؤَالٍ وَلَا إِشْرَافٍ وَلَا طَمَعٍ أَوْ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ وَانْشِرَاحِ صَدْرٍ مِنَ الْمُعْطِي " بُورِكَ لَهُ فِيهِ " لِأَنَّهُ نَاظِرٌ فِي أَخْذِهِ إِلَى رَبِّهِ مُمْتَثِلٌ لِأَمْرِهِ قَائِمٌ لِشُكْرِهِ مُتَقَوٍّ بِهِ عَلَى طَاعَتِهِ لَا حَظَّ لَهُ فِي قَبُولِهِ إِلَّا رِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] وَيُحْمَلُ عَلَى هَذَا الْحَالِ حَدِيثُ «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» ، وَخَبَرُ: «ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ» " وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ " يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ أَيْ بِطَمَعٍ أَوْ حِرْصٍ أَوْ تَطَلُّعٍ " لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ " قِيلَ: الْإِشْرَافُ النَّظَرُ إِلَى شَيْءٍ يُرَى بِكَرَاهِيَتِهِ مِنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ بِالْإِعْطَاءِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ نَفْسِ الْمُعْطِي وَاخْتِيَارِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيضٍ مِنَ السَّائِلِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُعْطَهُ لَتَرَكَهُ وَلَمْ يَسْأَلْهُ أَوِ الْمُرَادُ نَفْسُ السَّائِلِ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنْ عَدَمِ الْإِعْطَاءِ أَوْ عَنْ إِنْفَاقِ الصَّدَقَةِ وَعَدَمِ إِمْسَاكِهَا " وَكَانَ " أَيِ السَّائِلُ الْآخِذُ الصَّدَقَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِمَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْبَرَكَةِ وَكَثْرَةِ الشَّرِهِ وَالنَّهْمَةِ " كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ " أَيْ كَذِي آفَةٍ يَزْدَادُ سُقْمًا بِالْأَكْلِ وَهُوَ مُعَبَّرٌ عَنْهُ بِجُوعِ الْبَقَرِ وَفِي مَعْنَاهُ مَرَضُ الِاسْتِسْقَاءِ " وَالْيَدُ الْعُلْيَا " أَيِ الْمُعْطِيَةُ أَوِ الْمُتَعَفِّفَةُ " خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى " وَهِيَ الْآخِذَةُ أَوِ السَّائِلَةُ وَقِيلَ السُّفْلَى الْمَانِعَةُ (قَالَ حَكِيمٌ) أَيْ بَعْدَ مَا سَمِعَ فِي السُّؤَالِ مِنْ نَقْصِ الْحَالِ وَعَدَمِ بَرَكَةِ الْمَالِ فِي الْمَالِ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ) بِسُكُونِ الرَّاءِ قَبْلَ الزَّايِ أَيْ لَا أُنْقِصُ " أَحَدًا " أَيْ مَالَ أَحَدٍ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ وَالْأَخْذِ مِنْهُ (بَعْدَكَ) أَيْ بَعْدَ سُؤَالِكَ هَذَا أَوْ بَعْدَ قَوْلِكَ هَذَا شَيْئًا؛ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِأَرْزَأَ بِمَعْنَى أُنْقِصُ (حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا) أَيْ إِلَى أَنْ أَمُوتَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2663
١٨٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ: " الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٤٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ (يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ) أَيْ فَضْلَهَا وَالْحَثَّ عَلَيْهَا أَوْ حُكْمَ أَخْذِهَا أَوْ سُؤَالِهَا (وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ الْكَفُّ عَنِ الْحَرَامِ وَعَنِ السُّؤَالِ عَنِ النَّاسِ " الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ " أَيِ الْمُعْطِيَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَكَذَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْمُتَعَفِّفَةُ مِنَ الْعِفَّةِ، وَرَجَّحَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي التَّعَفُّفِ وَالسُّؤَالِ، وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّ الْمُنْفِقَةَ أَعْلَى مِنَ الْآخِذَةِ وَالْمُتَعَفِّفَةَ أَعْلَى مِنَ السَّائِلَةِ، قِيلَ: الْإِنْفَاقُ يَدُلُّ عَلَى التَّعَفُّفِ مَعَ زِيَادَةٍ وَيُنَاسِبُ التَّحْرِيضَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَرِوَايَةُ الشَّيْخَيْنِ أَوْلَى وَأَصَحُّ رِوَايَةً وَدِرَايَةً اهـ. وَالتَّفْسِيرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِيَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ هَذَا التَّفْسِيرَ عَنْ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْأَرْجَحُ مَا فِي أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْعُلْيَا هِيَ الْمُتَعَفِّفَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ وَالتَّعَفُّفِ عَنْهَا، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: مَرْدُودٌ، بَلِ الرَّاجِحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ هُوَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا حَيْثُ يُمْكِنُ جَمْعُهُمَا بِاعْتِبَارِ الْحَالَتَيْنِ لِأَصْحَابِهِمَا مَعَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ التَّرْجِيحَ لِرِوَايَةِ الْمُتَعَفِّفَةِ عَلَى الْمُنْفِقَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِنِظَامِ الْمَرَامِ لَا لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ أَئِمَّةِ الْأَنَامِ " وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ " قَالَ الشَّيْخُ:
стр. 2664
أَبُو النَّجِيبِ السُّهْرَوَرْدِيُّ فِي آدَابِ الْمُرِيدِينَ: وَأَجْمَعُوا أَيِ الصُّوفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْفَقْرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغِنَى إِذَا كَانَ مَقْرُونًا بِالرِّضَا، فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» "، وَقَالَ: الْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُعْطِيَةُ وَالْيَدُ السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ قِيلَ لَهُ: الْيَدُ الْعُلْيَا تَنَالُهَا الْفَضِيلَةُ بِإِخْرَاجِ مَا فِيهَا، وَالْيَدُ السُّفْلَى تَنَالُهَا الْمَنْقَصَةُ بِحُصُولِ الشَّيْءِ فِيهَا اهـ وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْغَنِيَّ بِإِعْطَاءِ بَعْضِ الْمَالِ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بِاخْتِيَارِ الْفَقْرِ، وَالْفَقِيرَ بِأَخْذِ بَعْضِ الْمَالِ مَالَ إِلَى الْغِنَى فَتَنْقُصُ حَالُهُ وَيُخْشَى مَآلُهُ، وَفِي هَذَا مُبَالَغَةٌ عَظِيمَةٌ وَدَلَالَةٌ جَسِيمَةٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ عَلَى الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ حَالُ السَّائِلِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَكَيْفَ حَالُ الْمُتَعَفِّفِ وَالْآخِذِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّائِلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا، وَأَمَّا إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ وَغَلَبَ عَلَيْهِ الْحَالُ فَانْقَلَبَ الْمِثَالُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ أَعْنِي خَوَاجَةَ عُبَيْدَ اللَّهِ السَّمَرْقَنْدِيَّ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - لَمَّا سُئِلَ: الْفَقِيرُ الصَّابِرُ أَفْضَلُ أَمِ الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ؟ فَقَالَ: بَلِ الْفَقِيرُ الشَّاكِرُ، وَهُوَ إِمَّا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ أَوِ الشِّكَايَةَ الضَّرُورِيَّةَ أَوِ الْإِشَارَةَ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - حِكَايَةً ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2665
١٨٤٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «إِنَّ أُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: " مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٤٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: إِنَّ أُنَاسًا) وَفِي نُسْخَةٍ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ أَيْ جَمَاعَةً (مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ شَيْئًا (فَأَعْطَاهُمْ) أَيْ إِيَّاهُ (ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ فَنِيَ (مَا عِنْدَهُ فَقَالَ: " مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ ") أَيْ مَالٍ، وَ " مِنْ " بَيَانٌ لِـ " مَا "، وَمَا خَبَرِيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِلشَّرْطِ أَيْ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَالِ مَوْجُودٌ عِنْدِي أُعْطِيكُمْ " فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ " وَلَمْ أَمْنَعْهُ مِنْكُمْ " وَمَنْ يَسْتَعِفَّ " وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْفَكِّ أَيْ: مَنْ يَطْلُبْ مِنْ نَفْسِهِ الْعِفَّةَ عَنِ السُّؤَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَوْ يَطْلُبِ الْعِفَّةَ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - فَلَيْسَ السِّينُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَجَرٍ " يُعِفَّهُ اللَّهُ " أَيْ يَجْعَلْهُ عَفِيفًا مِنَ الْإِعْفَافِ وَهُوَ إِعْطَاءُ الْعِفَّةِ وَهِيَ الْحِفْظُ عَنِ الْمَنَاهِي، يَعْنِي مَنْ قَنِعَ بِأَدْنَى قُوتٍ وَتَرَكَ السُّؤَالَ تَسْهُلُ عَلَيْهِ الْقَنَاعَةُ وَهِيَ كَنْزٌ لَا يَفْنَى " وَمَنْ يَسْتَغْنِ " أَيْ يُظْهِرْ الْغِنَى بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ أَمْوَالِ النَّاسِ وَالتَّعَفُّفِ عَنِ السُّؤَالِ حَتَّى يَحْسَبَهُ الْجَاهِلُ غَنِيًّا مِنَ التَّعَفُّفِ " يُغْنِهِ اللَّهُ " أَيْ يَجْعَلْهُ غَنِيًّا أَيْ بِالْقَلْبِ، فَفِي الْحَدِيثِ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» " وَمَنْ يَتَصَبَّرْ " أَيْ يَطْلُبْ تَوْفِيقَ الصَّبْرِ مِنَ اللَّهِ لِأَنَّهُ قَالَ - تَعَالَى - ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] أَوْ يَأْمُرْ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ وَيَتَكَلَّفْ فِي التَّحَمُّلِ عَنْ مَشَاقِّهِ، وَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، لِأَنَّ الصَّبْرَ يَشْتَمِلُ عَلَى صَبْرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْبَلِيَّةِ، أَوْ مَنْ يَتَصَبَّرْ عَنِ السُّؤَالِ وَالتَّطَلُّعِ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ بِأَنْ يَتَجَرَّعَ مَرَارَةَ ذَلِكَ، وَلَا يَشْكُوَ حَالَهُ لِغَيْرِ رَبِّهِ (يُصَبِّرْهُ اللَّهُ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: يُسَهِّلْ عَلَيْهِ الصَّبْرَ فَتَكُونُ الْجُمَلُ مُؤَكِّدَاتٍ وَيَزِيدُ إِرَادَةَ مَعْنَى الْعُمُومِ قَوْلُهُ (وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً) أَيْ: مُعْطًى أَوْ شَيْئًا (هُوَ خَيْرٌ) أَيْ: أَفْضَلُ لِاحْتِيَاجِ السَّائِلِ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْمَقَامَاتِ (وَأَوْسَعُ) أَيْ: أَشْرَحُ لِلصَّدْرِ (مِنَ الصَّبْرِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقَامَ الصَّبْرِ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ بِمَا لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِمَكَارِمِ الصِّفَاتِ وَالْحَالَاتِ، وَلِذَا قُدِّمَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وَمَعْنَى كَوْنِهِ أَوْسَعَ أَنَّهُ تَتَّسِعُ بِهِ الْمَعَارِفُ وَالْمَشَاهِدُ وَالْأَعْمَالُ وَالْمَقَاصِدُ، فَإِنْ قِيلَ: الرِّضَا أَفْضَلُ مِنْهُ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، أُجِيبُ: بِأَنَّهُ غَايَتُهُ الَّتِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ إِلَّا مَعَهَا فَلَيْسَ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ، كَمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] إِذِ الْمُرَادُ بِهِ فِي حَقِّهِ، وَنَحْوُهُ مَا يَكُونُ مَعَهُ رِضًا، وَإِلَّا فَهُوَ مَقَامٌ نَاقِصٌ جِدًّا، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى قَالَ - تَعَالَى - ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وَ ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] وَ ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ (خَيْرٌ) أَيْ: هُوَ خَيْرٌ، كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ (خَيْرًا) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ عَطَاءٍ، وَقَالَ مِيرَكُ: كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ الْحَاضِرَةِ، وَوَقَعَ فِي نُسَخِ مُسْلِمٍ: " مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرٌ " بِلَا لَفْظِ هُوَ وَهُوَ مُقَدَّرٌ، وَفِي رِوَايَةٍ " خَيْرًا " بِالنَّصْبِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ، فَفِي قَوْلِ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. تَسَاهُلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →