Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
١٨٤١ - وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٨٤١ - (وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ ") أَيْ فَيَجْمَعَ حَطَبًا ثُمَّ يَرْبُطَ بِهِ " لِيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ " قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْحُزْمَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ، قَدْرُ مَا يُحْمَلُ بَيْنَ الْعَضُدَيْنِ وَالصَّدْرِ وَيُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُحْمَلُ عَلَى الظَّهْرِ مِنَ الْحَطَبِ " فَيَبِيعَهَا " قِيلَ: مَنْصُوبٌ عَلَى تَقْدِيرِ " أَنْ "، أَيْ فَأَنْ يَبِيعَ تِلْكَ الْحُزْمَةَ وَثَمَنَهَا " فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ " أَيْ يَمْنَعَ عَنْ إِرَاقَةِ مَاءِ وَجْهِهِ بِالسُّؤَالِ " خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ " أَيْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ فِي أَنَّهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْهُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا حَدِيثُ «مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ لِأَجْلِ غِنَاهُ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ» .
стр. 2662
١٨٤٢ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ لِي: " يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى "، قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٤٢ - (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ بَعْدَهُ زَايٌ (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ شَيْئًا (فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ لِي) أَيْ بَعْدَ السُّؤَالِ الثَّالِثِ، أَوْ بَعْدَ مَا فَنِيَ الْمَالُ، أَوْ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ " يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ " أَيِ الْمَالَ الَّذِي بِأَيْدِي النَّاسِ أَوْ جِنْسَهُ أَوْ نَوْعَهُ الْحَاصِلَ مِنْ غَيْرِ كَدٍّ وَتَعَبٍ " خَضِرٌ " بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ طَرِيٌّ نَاعِمٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ غَايَةَ الرَّغْبَةِ " حُلْوٌ " أَيْ لَذِيذٌ عِنْدَ النَّفْسِ تَمِيلُ إِلَيْهِ بِالطَّبْعِ غَايَةَ الْمَيْلِ، وَقِيلَ: الْخَضِرُ فِي الْعَيْنِ طَيِّبٌ وَالْحُلْوُ يَكُونُ فِي الْفَمِ طَيِّبًا إِذْ لَا تَمَلَّ الْعَيْنُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْخَضِرِ بَلْ يَقْوَى النَّظَرُ إِلَيْهِ قُوَّةَ الْبَصَرِ، وَلَا يَمَلُّ الْفَمُ مِنْ أَكْلِ الْحُلْوِ، وَكَذَلِكَ النَّفْسُ حَرِيصَةٌ بِجَمْعِ الْمَالِ لَا تَمَلُّ عَنْهُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ مِنْ حَيْثُ زَهْرَتُهَا وَبَهْجَتُهَا وَبَهَاؤُهَا ثُمَّ سُرْعَةُ فَنَائِهَا مَا فِي الْأَمْوَالِ مِنْ زِيَادَةِ عَنَائِهَا وَخِسَّةِ شُرَكَائِهَا " فَمَنْ أَخَذَهُ " أَيِ الْمَالَ أَخْذًا مُلْتَبَسًا " بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ " أَيْ مِنَ الْأَخْذِ يَعْنِي بِلَا سُؤَالٍ وَلَا إِشْرَافٍ وَلَا طَمَعٍ أَوْ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ وَانْشِرَاحِ صَدْرٍ مِنَ الْمُعْطِي " بُورِكَ لَهُ فِيهِ " لِأَنَّهُ نَاظِرٌ فِي أَخْذِهِ إِلَى رَبِّهِ مُمْتَثِلٌ لِأَمْرِهِ قَائِمٌ لِشُكْرِهِ مُتَقَوٍّ بِهِ عَلَى طَاعَتِهِ لَا حَظَّ لَهُ فِي قَبُولِهِ إِلَّا رِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] وَيُحْمَلُ عَلَى هَذَا الْحَالِ حَدِيثُ «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» ، وَخَبَرُ: «ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ» " وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ " يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ أَيْ بِطَمَعٍ أَوْ حِرْصٍ أَوْ تَطَلُّعٍ " لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ " قِيلَ: الْإِشْرَافُ النَّظَرُ إِلَى شَيْءٍ يُرَى بِكَرَاهِيَتِهِ مِنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ بِالْإِعْطَاءِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ نَفْسِ الْمُعْطِي وَاخْتِيَارِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيضٍ مِنَ السَّائِلِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُعْطَهُ لَتَرَكَهُ وَلَمْ يَسْأَلْهُ أَوِ الْمُرَادُ نَفْسُ السَّائِلِ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنْ عَدَمِ الْإِعْطَاءِ أَوْ عَنْ إِنْفَاقِ الصَّدَقَةِ وَعَدَمِ إِمْسَاكِهَا " وَكَانَ " أَيِ السَّائِلُ الْآخِذُ الصَّدَقَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِمَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْبَرَكَةِ وَكَثْرَةِ الشَّرِهِ وَالنَّهْمَةِ " كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ " أَيْ كَذِي آفَةٍ يَزْدَادُ سُقْمًا بِالْأَكْلِ وَهُوَ مُعَبَّرٌ عَنْهُ بِجُوعِ الْبَقَرِ وَفِي مَعْنَاهُ مَرَضُ الِاسْتِسْقَاءِ " وَالْيَدُ الْعُلْيَا " أَيِ الْمُعْطِيَةُ أَوِ الْمُتَعَفِّفَةُ " خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى " وَهِيَ الْآخِذَةُ أَوِ السَّائِلَةُ وَقِيلَ السُّفْلَى الْمَانِعَةُ (قَالَ حَكِيمٌ) أَيْ بَعْدَ مَا سَمِعَ فِي السُّؤَالِ مِنْ نَقْصِ الْحَالِ وَعَدَمِ بَرَكَةِ الْمَالِ فِي الْمَالِ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ) بِسُكُونِ الرَّاءِ قَبْلَ الزَّايِ أَيْ لَا أُنْقِصُ " أَحَدًا " أَيْ مَالَ أَحَدٍ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ وَالْأَخْذِ مِنْهُ (بَعْدَكَ) أَيْ بَعْدَ سُؤَالِكَ هَذَا أَوْ بَعْدَ قَوْلِكَ هَذَا شَيْئًا؛ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِأَرْزَأَ بِمَعْنَى أُنْقِصُ (حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا) أَيْ إِلَى أَنْ أَمُوتَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2663
١٨٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ: " الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٤٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ (يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ) أَيْ فَضْلَهَا وَالْحَثَّ عَلَيْهَا أَوْ حُكْمَ أَخْذِهَا أَوْ سُؤَالِهَا (وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ الْكَفُّ عَنِ الْحَرَامِ وَعَنِ السُّؤَالِ عَنِ النَّاسِ " الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ " أَيِ الْمُعْطِيَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَكَذَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْمُتَعَفِّفَةُ مِنَ الْعِفَّةِ، وَرَجَّحَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي التَّعَفُّفِ وَالسُّؤَالِ، وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّ الْمُنْفِقَةَ أَعْلَى مِنَ الْآخِذَةِ وَالْمُتَعَفِّفَةَ أَعْلَى مِنَ السَّائِلَةِ، قِيلَ: الْإِنْفَاقُ يَدُلُّ عَلَى التَّعَفُّفِ مَعَ زِيَادَةٍ وَيُنَاسِبُ التَّحْرِيضَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَرِوَايَةُ الشَّيْخَيْنِ أَوْلَى وَأَصَحُّ رِوَايَةً وَدِرَايَةً اهـ. وَالتَّفْسِيرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِيَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ هَذَا التَّفْسِيرَ عَنْ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْأَرْجَحُ مَا فِي أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْعُلْيَا هِيَ الْمُتَعَفِّفَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ وَالتَّعَفُّفِ عَنْهَا، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: مَرْدُودٌ، بَلِ الرَّاجِحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ هُوَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا حَيْثُ يُمْكِنُ جَمْعُهُمَا بِاعْتِبَارِ الْحَالَتَيْنِ لِأَصْحَابِهِمَا مَعَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ التَّرْجِيحَ لِرِوَايَةِ الْمُتَعَفِّفَةِ عَلَى الْمُنْفِقَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِنِظَامِ الْمَرَامِ لَا لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ أَئِمَّةِ الْأَنَامِ " وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ " قَالَ الشَّيْخُ:
стр. 2664
أَبُو النَّجِيبِ السُّهْرَوَرْدِيُّ فِي آدَابِ الْمُرِيدِينَ: وَأَجْمَعُوا أَيِ الصُّوفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْفَقْرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغِنَى إِذَا كَانَ مَقْرُونًا بِالرِّضَا، فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» "، وَقَالَ: الْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُعْطِيَةُ وَالْيَدُ السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ قِيلَ لَهُ: الْيَدُ الْعُلْيَا تَنَالُهَا الْفَضِيلَةُ بِإِخْرَاجِ مَا فِيهَا، وَالْيَدُ السُّفْلَى تَنَالُهَا الْمَنْقَصَةُ بِحُصُولِ الشَّيْءِ فِيهَا اهـ وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْغَنِيَّ بِإِعْطَاءِ بَعْضِ الْمَالِ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بِاخْتِيَارِ الْفَقْرِ، وَالْفَقِيرَ بِأَخْذِ بَعْضِ الْمَالِ مَالَ إِلَى الْغِنَى فَتَنْقُصُ حَالُهُ وَيُخْشَى مَآلُهُ، وَفِي هَذَا مُبَالَغَةٌ عَظِيمَةٌ وَدَلَالَةٌ جَسِيمَةٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ عَلَى الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ حَالُ السَّائِلِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَكَيْفَ حَالُ الْمُتَعَفِّفِ وَالْآخِذِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّائِلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا، وَأَمَّا إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ وَغَلَبَ عَلَيْهِ الْحَالُ فَانْقَلَبَ الْمِثَالُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ أَعْنِي خَوَاجَةَ عُبَيْدَ اللَّهِ السَّمَرْقَنْدِيَّ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - لَمَّا سُئِلَ: الْفَقِيرُ الصَّابِرُ أَفْضَلُ أَمِ الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ؟ فَقَالَ: بَلِ الْفَقِيرُ الشَّاكِرُ، وَهُوَ إِمَّا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ أَوِ الشِّكَايَةَ الضَّرُورِيَّةَ أَوِ الْإِشَارَةَ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - حِكَايَةً ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2665
١٨٤٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «إِنَّ أُنَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: " مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٤٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: إِنَّ أُنَاسًا) وَفِي نُسْخَةٍ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ أَيْ جَمَاعَةً (مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ شَيْئًا (فَأَعْطَاهُمْ) أَيْ إِيَّاهُ (ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ فَنِيَ (مَا عِنْدَهُ فَقَالَ: " مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ ") أَيْ مَالٍ، وَ " مِنْ " بَيَانٌ لِـ " مَا "، وَمَا خَبَرِيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِلشَّرْطِ أَيْ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَالِ مَوْجُودٌ عِنْدِي أُعْطِيكُمْ " فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ " وَلَمْ أَمْنَعْهُ مِنْكُمْ " وَمَنْ يَسْتَعِفَّ " وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْفَكِّ أَيْ: مَنْ يَطْلُبْ مِنْ نَفْسِهِ الْعِفَّةَ عَنِ السُّؤَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَوْ يَطْلُبِ الْعِفَّةَ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - فَلَيْسَ السِّينُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَجَرٍ " يُعِفَّهُ اللَّهُ " أَيْ يَجْعَلْهُ عَفِيفًا مِنَ الْإِعْفَافِ وَهُوَ إِعْطَاءُ الْعِفَّةِ وَهِيَ الْحِفْظُ عَنِ الْمَنَاهِي، يَعْنِي مَنْ قَنِعَ بِأَدْنَى قُوتٍ وَتَرَكَ السُّؤَالَ تَسْهُلُ عَلَيْهِ الْقَنَاعَةُ وَهِيَ كَنْزٌ لَا يَفْنَى " وَمَنْ يَسْتَغْنِ " أَيْ يُظْهِرْ الْغِنَى بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ أَمْوَالِ النَّاسِ وَالتَّعَفُّفِ عَنِ السُّؤَالِ حَتَّى يَحْسَبَهُ الْجَاهِلُ غَنِيًّا مِنَ التَّعَفُّفِ " يُغْنِهِ اللَّهُ " أَيْ يَجْعَلْهُ غَنِيًّا أَيْ بِالْقَلْبِ، فَفِي الْحَدِيثِ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» " وَمَنْ يَتَصَبَّرْ " أَيْ يَطْلُبْ تَوْفِيقَ الصَّبْرِ مِنَ اللَّهِ لِأَنَّهُ قَالَ - تَعَالَى - ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] أَوْ يَأْمُرْ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ وَيَتَكَلَّفْ فِي التَّحَمُّلِ عَنْ مَشَاقِّهِ، وَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، لِأَنَّ الصَّبْرَ يَشْتَمِلُ عَلَى صَبْرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْبَلِيَّةِ، أَوْ مَنْ يَتَصَبَّرْ عَنِ السُّؤَالِ وَالتَّطَلُّعِ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ بِأَنْ يَتَجَرَّعَ مَرَارَةَ ذَلِكَ، وَلَا يَشْكُوَ حَالَهُ لِغَيْرِ رَبِّهِ (يُصَبِّرْهُ اللَّهُ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: يُسَهِّلْ عَلَيْهِ الصَّبْرَ فَتَكُونُ الْجُمَلُ مُؤَكِّدَاتٍ وَيَزِيدُ إِرَادَةَ مَعْنَى الْعُمُومِ قَوْلُهُ (وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً) أَيْ: مُعْطًى أَوْ شَيْئًا (هُوَ خَيْرٌ) أَيْ: أَفْضَلُ لِاحْتِيَاجِ السَّائِلِ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْمَقَامَاتِ (وَأَوْسَعُ) أَيْ: أَشْرَحُ لِلصَّدْرِ (مِنَ الصَّبْرِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقَامَ الصَّبْرِ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ بِمَا لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِمَكَارِمِ الصِّفَاتِ وَالْحَالَاتِ، وَلِذَا قُدِّمَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وَمَعْنَى كَوْنِهِ أَوْسَعَ أَنَّهُ تَتَّسِعُ بِهِ الْمَعَارِفُ وَالْمَشَاهِدُ وَالْأَعْمَالُ وَالْمَقَاصِدُ، فَإِنْ قِيلَ: الرِّضَا أَفْضَلُ مِنْهُ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، أُجِيبُ: بِأَنَّهُ غَايَتُهُ الَّتِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ إِلَّا مَعَهَا فَلَيْسَ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ، كَمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] إِذِ الْمُرَادُ بِهِ فِي حَقِّهِ، وَنَحْوُهُ مَا يَكُونُ مَعَهُ رِضًا، وَإِلَّا فَهُوَ مَقَامٌ نَاقِصٌ جِدًّا، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى قَالَ - تَعَالَى - ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وَ ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] وَ ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ (خَيْرٌ) أَيْ: هُوَ خَيْرٌ، كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ (خَيْرًا) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ عَطَاءٍ، وَقَالَ مِيرَكُ: كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ الْحَاضِرَةِ، وَوَقَعَ فِي نُسَخِ مُسْلِمٍ: " مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرٌ " بِلَا لَفْظِ هُوَ وَهُوَ مُقَدَّرٌ، وَفِي رِوَايَةٍ " خَيْرًا " بِالنَّصْبِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ، فَفِي قَوْلِ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. تَسَاهُلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2666
١٨٤٥ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: " خُذْهُ، فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٤٥ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ) قِيلَ: كَانَ ذَلِكَ أَجْرَ عَمَلِهِ فِي الصَّدَقَةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ السَّاعِدِيِّ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ (فَأَقُولُ: أَعْطِهِ) الضَّمِيرُ لِلْعَطَاءِ أَوْ لِلسَّكْتِ (أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي) أَيْ: أَحْوَجَ (فَقَالَ: خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ) أَيْ: اقْبَلْهُ وَأَدْخِلْهُ فِي مَالِكَ، أَيْ إِنْ كُنْتَ مُحْتَاجًا (وَتَصَدَّقْ بِهِ) أَيْ عَلَى أَفْقَرَ مِنْكَ إِنْ كَانَ فَاضِلًا عَنْكَ عَمَّا لَا بُدَّ لَكَ مِنْهُ (فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ) إِشَارَةً إِلَى جِنْسِ الْمَالِ أَوِ الْمَالِ الَّذِي أَعْطَاهُ (وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِشْرَافُ الِاطِّلَاعُ عَلَى شَيْءٍ وَالتَّعَرُّضُ لَهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الطَّمَعُ، أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّكَ غَيْرُ طَامِعٍ لَهُ (وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ) أَيْ: فَاقْبَلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْتَاجًا (وَمَا لَا) أَيْ: وَمَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ بِأَنْ لَا يَجِيئَكَ هُنَالِكَ إِلَّا بِتَطَلُّعٍ إِلَيْهِ وَاسْتِشْرَافٍ عَلَيْهِ (فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) مِنَ الْإِتْبَاعِ بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ: فَلَا تَجْعَلْ نَفْسَكَ تَابِعَةً لَهُ وَلَا تُوصِلِ الْمَشَقَّةَ إِلَيْهَا فِي طَلَبِهِ، حُكِيَ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ اشْتَرَى (شَيْئًا) مِنَ السُّوقِ فَحَمَلَهُ بَنَانُ الْحَمَّالُ، فَلَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ، وَكَانَ الْخَبْزُ مَنْشُورًا لِيَبْرُدَ أَمَرَ وَلَدَهُ أَنْ يُعْطِيَ قُرْصًا لِبَنَانَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ، فَامْتَنَعَ، وَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ أَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَهُ وَيُعْطِيَهُ، فَأَخَذَهُ، فَتَعَجَّبَ الْوَلَدُ مِنِ امْتِنَاعِهِ أَوَّلًا، وَأَخْذِهِ ثَانِيًا، فَسَأَلَ الْإِمَامَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ لَمَّا دَخَلَ وَرَأَى الْعَيْشَ وَقَعَ مِنْهُ إِشْرَافٌ عَلَى مُقْتَضَى الطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ فَامْتَنَعَ لِذَلِكَ، وَلَمَّا خَرَجَ وَجَاءَهُ الْخُبْزُ مِنْ غَيْرِ إِشْرَافٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَخَذَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي حَدِيثٍ: «مَنْ أَتَاهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَرَدَّهُ فَكَأَنَّمَا رَدَّهُ عَلَى اللَّهِ» ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ بِوُجُوبِ قَبُولِهِ.
стр. 2667
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
١٨٤٦ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ، فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
١٨٤٦ - (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْمَسَائِلُ " جَمْعُ الْمَسْأَلَةِ، وَجُمِعَتْ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، وَالْمُرَادُ هُنَا سُؤَالُ أَمْوَالِ النَّاسِ (كُدُوحٌ) مِثْلَ: صُبُورٍ لِلْمُبَالَغَةِ مِنَ الْكَدْحِ بِمَعْنَى: الْجَرْحِ، فَالْإِخْبَارُ بِهِ عَنِ الْمَسَائِلِ بِاعْتِبَارِ مَنْ قَامَتْ بِهِ، أَيْ: سَائِلُ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ جَارِحٌ لَهُمْ بِمَعْنَى مُؤْذِيهِمْ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَوْ جَارِحٌ وَجْهَهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَتَدَبَّرْ، وَبِضَمِّ الْكَافِ جَمْعُ كَدْحٍ، وَهُوَ أَثَرٌ مُسْتَنْكَرٌ مِنْ خَدْشٍ أَوْ عَضٍّ، وَالْجَمْعُ هُنَا أَنْسَبُ لِيُنَاسِبَ الْمَسَائِلَ (يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ) أَيْ: يَجْرَحُ وَيَشِينُ بِالْمَسَائِلِ (وَجْهَهُ) وَيَسْعَى فِي ذَهَابِ عَرْضِهِ بِالسُّؤَالِ بِرِيقُ مَاءِ وَجْهِهِ فَهِيَ كَالْجِرَاحَةِ لَهُ، وَالْكَدْحُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الْجَرْحِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] (فَمَنْ شَاءَ) أَيِ: الْإِبْقَاءَ (أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ) أَيْ: مَاءِ وَجْهِهِ مِنَ الْحَيَاءِ بِتَرْكِ السُّؤَالِ وَالتَّعَفُّفِ (وَمَنْ شَاءَ) أَيْ: عَدَمَ الْإِبْقَاءِ، (تَرَكَهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْإِبْقَاءَ (إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ) أَيْ: حُكْمٍ وَمُلْكٍ بِيَدِهِ بَيْتُ الْمَالِ، فَيَسْأَلُ حَقَّهُ، فَيُعْطِيهِ مِمَّنْ إِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِي عَطِيَّةِ السُّلْطَانِ، وَالصَّحِيحُ إِنْ غَلَبَ فِي يَدِهِ الْحَرَامُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ لَمْ تَحِلَّ وَإِلَّا حَلَّتْ يَعْنِي: حَرُمَ سُؤَالُهُ، وَالْأَخْذُ مِنْهُ كَمَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ، وَاعْتَمَدَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَكِنَّهُ بَالَغَ فِي رَدِّهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، فَيُكْرَهُ ذَلِكَ سُؤَالًا وَأَخْذًا، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي قَبُولِ عَطَاءِ السُّلْطَانِ، فَمَنَعَهُ قَوْمٌ، وَأَبَاحَهُ آخَرُونَ (أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ أَجْلِهِ (بُدًّا) أَيْ: عِلَاجًا آخَرَ غَيْرَ السُّؤَالِ أَوْ لَا يَجِدُ مِنَ السُّؤَالِ فِرَاقًا وَخَلَاصًا كَمَا فِي الْحَمَالَةِ وَالْجَائِحَةِ وَالْفَاقَةِ ; بَلْ يَجِبُ حَالَ الِاضْطِرَارِ فِي الْعُرْيِ وَالْجُوعِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَكَذَا يَجِبُ السُّؤَالُ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ الْحَجَّ فَتَرَكَهُ حَتَّى أَعْسَرَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّهُ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي وَرْطَةِ الْفِسْقِ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ، فَلَزِمَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ هَذِهِ الزَّلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْفِسْقِ بِسُؤَالِ الْأَغْنِيَاءِ مَا يُؤَدِّي بِهِ هَذَا الْوَاجِبَ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ نِزَاعُ بَعْضِهِمْ لِلْغَزَالِيِّ فِي الْوُجُوبِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 2668
١٨٤٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ "، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ ، قَالَ: " خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
١٨٤٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ ") أَيْ: عَنِ السُّؤَالِ وَيَكْفِيهِ بِقَدْرِ الْحَالِ " جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ " أَيْ: أَثَرُهَا " فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ " أَيْ: جُرُوحٌ " أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ " بِضَمِّ أَوَائِلِهَا أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةُ الْمَعَانِي: جَمْعُ خَمْشٍ وَخَدْشٍ وَكَدْحٍ، فَـ " أَوْ " هُنَا إِمَّا لِشَكِّ الرَّاوِي، إِذِ الْكُلُّ يُعْرِبُ عَنْ أَثَرِ مَا يَظْهَرُ عَلَى الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ مِنْ مُلَاقَاةِ الْجَسَدِ مَا يُقَشِّرُ أَوْ يَجْرَحُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَا: آثَارٌ مُسْتَنْكَرَةٌ فِي وَجْهِهِ حَقِيقَةً، أَوْ أَمَارَاتٌ لِيُعْرَفَ وَيُشْتَهَرَ بِذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَوْقِفِ أَوْ لِتَقْسِيمِ مَنَازِلِ السَّائِلِ فَإِنَّهُ مُقِلٌّ أَوْ مُكْثِرٌ أَوْ مُفَرِّطٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَذَكَرَ الْأَقْسَامَ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ، وَالْخَمْشُ أَبْلَغُ فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْخَدْشِ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْكَدْحِ، إِذِ الْخَمْشُ فِي الْوَجْهِ، وَالْخَدْشُ فِي الْجِلْدِ، وَالْكَدْحُ فَوْقَ الْجِلْدِ، وَقِيلَ: الْخَدْشُ قَشْرُ الْجِلْدِ بِعُودٍ، وَالْخَمْشُ قَشْرُهُ بِالْأَظْفَارِ، وَالْكَدْحُ الْبَعْضُ، وَهِيَ فِي أَصْلِهَا مَصَادِرُ لَكِنَّهَا لَمَّا جُعِلَتْ أَسْمَاءً لِلْآثَارِ جُمِعَتْ (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟) أَيْ: كَمَا هُوَ أَوْ أَيُّ مِقْدَارٍ مِنَ الْمَالِ يُغْنِيهِ؟ (قَالَ: خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا) أَيْ: قِيمَةُ الْخَمْسِينَ مِنَ الذَّهَبِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ مَلَكَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتَهَا مِنْ جِنْسٍ آخَرَ فَهُوَ غَنِيٌّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قَدْرَ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ عَلَى دَائِمِ الْأَوْقَاتِ، أَوْ فِي أَغْلَبِهَا، فَهُوَ غَنِيٌّ كَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي سَوَاءٌ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بِكَسْبِ يَدٍ أَوْ تِجَارَةٍ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ فِيهِمُ التِّجَارَةَ، وَكَانَ هَذَا الْقَدْرُ أَعْنِي: خَمْسِينَ دِرْهَمًا كَافِيًا لِرَأْسِ الْمَالِ، قُدِّرَ بِهِ تَخْمِينًا، وَبِمَا يَقْرُبُ مِنْهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ أَعْنِي: الْأُوقِيَّةَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، فَلَا نَسْخَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَقِيلَ: حَدِيثُ (مَا يُغْنِيهِ) مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْأُوقِيَّةِ، وَهُوَ بِحَدِيثِ خَمْسِينَ، وَهُوَ مَنْسُوخٌ بِمَا رُوِيَ مُرْسَلًا: مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَعِنْدَهُ عَدْلُ خَمْسِ أَوَاقٍ، فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا، وَعَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ اهـ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي مَذْهَبِهِ مَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ مَلَكَ قُوتَ يَوْمِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَخْذِ وَالسُّؤَالِ، فَمَا نُسِبَ إِلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالْأَنْسَبُ بِمَسْأَلَةِ تَحْرِيمِ السُّؤَالِ أَنْ يَكُونَ أَمْرُ النَّسْخِ بِالْعَكْسِ بِأَنْ نُسِخَ الْأَكْثَرُ، فَالْأَكْثَرُ إِلَى أَنْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ تَدْرِيجِيًّا بِمُقْتَضَى الْحُكْمِ كَمَا وَقَعَ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَأَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ فَوَقَعَ التَّدْرِيجُ فِي الزِّيَادَاتِ لِمَا تَقْتَضِيهِ الْحِكَمُ الْإِلَهِيَّاتُ عَلَى وَفْقِ الطِّبَاعِ وَالْمَأْلُوفَاتِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 2669
١٨٤٨ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ، فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ» " قَالَ النُّفَيْلِيُّ وَهُوَ أَحَدُ رُوَاتِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ " وَمَا الْغِنَى الَّذِي لَا تَنْبَغِي مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ " وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ " أَنْ يَكُونَ لَهُ شِبَعُ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٨٤٨ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ " أَيْ: مِنَ السُّؤَالِ وَهُوَ قُوتُهُ فِي الْحَالِ " فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ " يَعْنِي: مَنْ جَمَعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالسُّؤَالِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَكَأَنَّهُ جَمَعَ لِنَفْسِهِ نَارَ جَهَنَّمَ (قَالَ النُّفَيْلِيُّ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ شَيْخُ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ مَنْسُوبٌ إِلَى أَحَدِ آبَائِهِ (وَهُوَ أَحَدُ رُوَاتِهِ) أَيِ: الْحَدِيثِ (فِي مَوْضِعٍ آخَرَ) أَيْ: فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى زِيَادَةً عَلَى الْأُولَى " وَمَا الْغِنَى " الظَّاهِرُ: قِيلَ: وَمَا الْغِنَى " الَّذِي لَا تَنْبَغِي " بِالتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ (مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ " قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ " أَيْ: قَدْرُ كِفَايَتِهِمَا بِمَالٍ أَوْ كَسْبٍ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنْ عِلْمٍ أَوْ حَالٍ، التَّغْدِيَةُ إِطْعَامُ طَعَامِ الْغُدْوَةِ، وَالتَّعْشِيَةُ إِطْعَامُ طَعَامِ الْعَشَاءِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي مَنْ كَانَ لَهُ قُوتُ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، وَأَمَّا فِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، فَيَجُوزُ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَسْأَلَهَا بِقَدْرِ مَا يَتِمُّ بِهِ نَفَقَةُ سَنَةٍ لَهُ وَلِعِيَالِهِ وَكِسْوَتُهُمَا ; لِأَنَّ تَفْرِيقَهُمَا فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً (وَقَالَ) أَيِ: النُّفَيْلِيُّ (فِي مَوْضِعٍ آخَرَ) أَيْ: فِي الْجَوَابِ عَمَّا يُغْنِيهِ " أَنْ يَكُونَ لَهُ شِبَعُ يَوْمٍ " بِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِهَا، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، أَيْ: مَا يُشْبِعُهُ مِنَ الطَّعَامِ أَوَّلَ يَوْمِهِ وَآخِرَهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِسُكُونِ الْبَاءِ، مَا يُشْبِعُ، وَبِفَتْحِ الْبَاءِ الْمَصْدَرُ، وَفِي الْقَامُوسِ الشَّبَعُ بِالْفَتْحِ، وَكَعَنَبٍ ضِدَّ الْجُوعِ، وَبِالْكَسْرِ وَكَعِنَبٍ اسْمُ مَا أَشْبَعَكَ " أَوْ لَيْلَةً وَيَوْمٍ " شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 2670
١٨٤٩ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ، وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلُهَا، فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا» ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
١٨٤٩ - (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ) سَبَقَ أَنَّ إِبْهَامَ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ ; لِأَنَّ الْأَصَحَّ ; بَلِ الصَّوَابَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ، وَمَنْ وَقَعَ لَهُ مِنْهُمْ زَلَّةٌ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِلتَّوْبَةِ بِبَرَكَةِ مَا حَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الصُّحْبَةِ، وَلَوْ بِاللَّحْظَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ ") بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا مِنَ الْفِضَّةِ " أَوْ عَدْلُهَا " بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَيُفْتَحُ، أَيْ: مَا يُسَاوِيهَا مِنْ ذَهَبٍ وَمَالٍ آخَرَ " فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا " أَيْ: إِلْحَاحًا وَإِسْرَافًا مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ وَأَقَرَّهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.
стр. 2671
١٨٥٠ - وَعَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ، وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ بِهِ مَالَهُ كَانَ خُمُوشًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَرَضْفًا يَأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقُلْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٨٥٠ - (وَعَنْ حُبْشِيٍّ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحِّدَةِ (ابْنِ جُنَادَةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَبُو الْجَنُوبِ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَعَدُّوهُ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ» " أَيْ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِهِ " وَلَا لِذِي مِرَّةٍ " بِكَسْرِ الْمِيمِ، أَيْ: قُوَّةٍ بِأَنْ لَا يَكُونَ بِهِ عِلَّةٌ " سَوِيٍّ " أَيْ: صَحِيحٍ سَلِيمِ الْأَعْضَاءِ عَلَى الْكَسْبِ " إِلَّا لِذِي فَقْرٍ " اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْأَخِيرِ " مُدْقِعٍ " أَيْ: شَدِيدٍ مِنْ أَدْقَعَ لَصَقَ بِالدَّقْعَاءِ وَهُوَ التُّرَابُ " أَوْ غُرْمٍ " بِضَمِّ الْغَيْنِ أَيْ: دَيْنٍ " مُفْظِعٍ " أَيْ: شَنِيعٍ مِثْقَالٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْمُرَادُ مَا اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ فِي مَبْلَغٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَوِ الْمَعْصِيَةِ وَصَرَفَهُ فِي مُبَاحٍ، أَوْ تَابَ اهـ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مَا لَزِمَهُ مِنَ الْغَرَامَةِ بِنَحْوِ دِيَةٍ وَكَفَّارَةٍ " وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ " أَيْ: وَاحِدًا مِنْهُمْ " لِيُثْرِيَ " مِنَ الْإِثْرَاءِ " بِهِ " أَيْ: بِسَبَبِ السُّؤَالِ وَبِالْمَأْخُوذِ " مَالَهُ " بِفَتْحِ اللَّامِ وَرَفْعِهِ أَيْ: لِيَكْثُرَ مَالُهُ، مِنْ أَثْرَى الرَّجُلُ إِذَا كَثُرَتْ أَمْوَالُهُ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَفِي النِّهَايَةِ الثَّرَى الْمَالُ وَأَثْرَى الْقَوْمُ كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَفِي الْقَامُوسِ الثَّرْوَةُ كَثْرَةُ الْعَدَدِ مِنَ النَّاسِ وَالْمَالِ، وَثَرِيَ الْقَوْمُ كَثُرُوا وَنَمَوْا وَالْمَالُ كَذَلِكَ وَثَرِيَ كَرَضِيَ كَثُرَ مَالُهُ كَأَثْرَى، إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ: مَالَهُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ مِنْ أَنَّ أَثْرَى لَازِمٌ فَيَتَعَيَّنُ رَفْعُهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: مَا مَوْصُولَةٌ وَلَهُ جَارٌّ وَمَجْرُورٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لِيُثَرِّيَ بِالتَّشْدِيدِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ، وَهُوَ يَحْتِمَلُ اللُّزُومَ كَأَثْرَى، وَيَحْتَمِلُ التَّعْدِيَةَ عَلَى الْقِيَاسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ " كَانَ " أَيِ: السُّؤَالُ أَوِ الْمَالُ " خُمُوشًا " بِالضَّمِّ أَيْ: عَبَسًا " فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " أَيْ: عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ " وَرَضْفًا " بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: حَجَرًا مَحْمِيًّا " يَأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ " أَيْ: فِيهَا، قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ التَّحْرِيقُ وَالتَّعْذِيبُ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ، وَلَعَلَّ الْخَمْشَ عَذَابٌ لِوَجْهِهِ لِتَوَجُّهِهِ إِلَى غَيْرِهِ - تَعَالَى - بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَأَكْلُ الْحَجَرِ عَذَابٌ لِلِسَانِهِ وَفَمِهِ فِي السُّؤَالِ مِنَ الْمَخْلُوقِ الْمُتَضَمِّنِ لِلشِّكَايَةِ مِنْ مَوْلَاهُ - تَعَالَى، وَلِذَا وَرَدَ: كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا " فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقُلْ " أَيْ: هَذَا السُّؤَالُ أَوْ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّكَالِ " وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ " وَهُمَا أَمْرُ تَهْدِيدٍ نَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: ٢٩] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 2672
١٨٥١ - عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: " أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ "، فَقَالَ: بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ، وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: " ائْتِنِي بِهِمَا " فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، وَقَالَ: " مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ ". قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: " مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، فَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيُّ، وَقَالَ: " اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا، فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا، فَائْتِنِي بِهِ، فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: " اذْهَبْ، فَاحْتَطِبْ، وَبِعْ، وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا " فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَهُ، وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: " يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
ــ
١٨٥١ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْأَلُهُ) حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ " فَقَالَ: أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ " بِهَمْزَةِ اسْتِفْهَامٍ تَقْرِيرِيٍّ وَ " مَا " نَافِيَةٌ وَكَأَنَّ الْهَمْزَةَ سَقَطَتْ مِنْ أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ فَقَالَ: فِيهِ حَذْفُ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ " فَقَالَ: بَلَى حِلْسٌ " أَيْ: فِيهِ حِلْسٌ وَهُوَ بِكَسْرِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ لَامٍ كِسَاءٌ غَلِيظٌ يَلِي ظَهْرَ الْبَعِيرِ تَحْتَ
стр. 2673
الْقَتَبُ " نَلْبَسُ " بِفَتْحِ الْبَاءِ " بَعْضَهُ " أَيْ: بِالتَّغْطِيَةِ لِدَفْعِ الْبَرْدِ " وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ " أَيْ: بِالْفَرْشِ " وَقَعْبٌ " بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: قَدَحٌ " نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ " مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ أَوْ زَائِدَةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ " قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا " أَيْ: بِالْحِلْسِ وَالْقَعْبِ " فَأَتَاهُ " أَيْ: بِهِمَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ " فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ " أَيِ: الْمَتَاعَيْنِ، فِيهِ غَايَةُ التَّوَاضُعِ وَإِظْهَارِ الْمَرْحَمَةِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ عَلَيْهِمَا رَغِبَ فِيهِمَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِمَا مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ فِي هَذَا الْأَمْرِ الشَّدِيدِ (قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا) بِضَمِّ الْخَاءِ وَيُحْتَمَلُ كَسْرُهَا (بِدِرْهَمٍ، قَالَ: " مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ " مَرَّتَيْنِ) ظَرْفٌ لِقَالَ (أَوْ ثَلَاثًا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، فَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ بِيعِ الْمُعَاطَاةِ (وَقَالَ: " اشْتَرِ ") بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفِي لُغَةٍ بِسُكُونِهَا " بِأَحَدِهِمَا " أَيْ: أَحَدِ الدِّرْهَمَيْنِ " طَعَامًا فَانْبِذْهُ " بِكَسْرِ الْبَاءِ أَيِ: اطْرَحْهُ " إِلَى أَهْلِكَ " أَيْ: مِمَّنْ يَلْزَمُكَ مُؤْنَتُهُ " وَاشْتَرِ بِالْأُخَرِ قَدُومًا " بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الدَّالِّ أَيْ: فَأْسًا " فَائْتِنِي بِهِ، فَأَتَاهُ بِهِ " أَيْ: بَعْدَ مَا اشْتَرَاهُ (فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُودًا) أَيْ: مُمْسِكًا " بِيَدِهِ " أَيِ: الْكَرِيمَةِ (ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ، فَاحْتَطِبْ) أَيِ: اطْلُبِ الْحَطَبَ وَاجْمَعْ " وَبِعْ، وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا " أَيْ:، لَا تَكُنْ هُنَا هَذِهِ الْمُدَّةَ لَا أَرَاكَ، وَهَذَا مِمَّا أُقِيمَ فِيهِ الْمُسَبَّبُ مَقَامَ السَّبَبِ، وَالْمُرَادُ نَهْيُ الرَّجُلِ عَنْ تَرْكِ الِاكْتِسَابِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، لَا نَهْيُ نَفْسِهِ عَنِ الرُّؤْيَةِ (فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَهُ، وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا) أَيْ: حُبُوبًا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةَ ") أَيْ: إِذَا كَانَتْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا أَوْ مُطْلَقًا، لِأَنَّ السُّؤَالَ ذُلٌّ فِي التَّحْقِيقِ وَلَوْ أَيْنَ الطَّرِيقُ " نُكْتَةً " أَيْ: حَالَ كَوْنِهَا عَلَامَةً قَبِيحَةً أَوْ أَثَرًا مِنَ الْعَيْبِ " فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ " أَيْ: لَا تَحِلُّ وَلَا تَجُوزُ وَلَا تَصِحُّ " إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ " أَيْ: شَدِيدٍ " أَوْ لِذِي غُرْمٍ " أَيْ: غَرَامَةٍ أَوْ دَيْنٍ " مُفْظِعٍ " أَيْ: فَظِيعٍ وَثَقِيلٍ وَفَضِيحٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ لَكِنَّ الْحُكْمَ جَوَازُ السُّؤَالِ لِأَدَاءِ الدَّيْنِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ، فَيُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ اهـ. وَفِيهِ مَا فِيهِ مِنْ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ مُخَالِفٌ لِلْحُكْمِ أَوِ الْحُكْمُ يُخَالِفُهُ، وَهَذَا خُلْفٌ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، إِذِ الْحُكْمُ جَوَازُ أَخْذِ الزَّكَاةِ لِأَدَاءِ الدَّيْنِ، لَا جَوَازُ السُّؤَالِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْلُهُ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ خِلَافًا لِلْمَذْهَبِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الْخِلَافِ الْمُرَتَّبِ " أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ " بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا أَيْ: مُؤْلِمٍ، وَالْمُرَادُ دَمٌ يُوجِعُ الْقَاتِلَ وَأَوْلِيَاءَهُ بِأَنْ تَلْزَمَهُ الدِّيَةُ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَا يُؤَدِّي بِهِ الدِّيَةَ، وَيَطْلُبُ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ مِنْهُمْ، وَتَنْبَعِثُ الْفِتْنَةُ وَالْمُخَاصَمَةُ بَيْنَهُمْ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُوجِعُ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ فَلَا تَكَادُ ثَائِرَةُ الْفِتْنَةِ تُطْفَأُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَيَقُومُ لَهُ مَنْ يَتَحَمَّلُ الْحَمَالَةَ، وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَحَمَّلَ الدِّيَةَ فَيَسْعَى فِيهَا، وَيَسْأَلَ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ لِتَنْقَطِعَ الْخُصُومَةُ، وَلَيْسَ لَهُ وَلِأَوْلِيَائِهِ مَالٌ، وَلَا يُؤَدِّي أَيْضًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهَا قَتَلُوا الْمُتَحَمِّلَ عَنْهُ، وَهُوَ أَخُوهُ أَوْ حَمِيمُهُ، فَيُوجِعُهُ قَتْلُهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مُطَوَّلًا، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْأَخْضَرِ بْنِ عَجْلَانَ. قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: صَالِحٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يَكْتُبُ حَدِيثَهُ. ذَكَرَهُ مِيرَكُ. (وَرَوَىَ ابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: يِوْمَ الْقِيَامَةِ) .
стр. 2674
١٨٥٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغَنَاءِ، إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ، أَوْ غِنًى آجِلٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ
ــ
١٨٥٢ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ ") أَيْ: حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْفَقْرِ وَضِيقِ الْمَعِيشَةِ " فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ " أَيْ: عَرَضَهَا عَلَيْهِمْ، وَأَظْهَرَهَا بِطَرِيقِ الشِّكَايَةِ لَهُمْ، وَطَلَبَ إِزَالَةَ فَاقَةٍ مِنْهُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ: نَزَلَ بِالْمَكَانِ، وَنَزَلَ مِنْ عُلُوٍّ، وَمِنَ الْمَجَازِ نَزَلَ بِهِ مَكْرُوهٌ، وَأَنْزَلْتُ حَاجَتِي عَلَى كِرِيمٍ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ مَنِ اعْتَمَدَ فِي سَدِّهَا عَلَى سُؤَالِهِمْ " لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ " أَيْ: لَمْ تُقْضَ حَاجَتُهُ، وَلَمْ تَزَلْ فَاقَتُهُ، وَكُلَّمَا تُسَدُّ حَاجَةٌ أَصَابَتْهُ أُخْرَى أَشَدُّ مِنْهَا " وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ " بِأَنِ اعْتَمَدَ عَلَى مَوْلَاهُ " أَوْشَكَ اللَّهُ " أَيْ: أَسْرَعَ وَعَجَّلَ " لَهُ بِالْغَنَاءِ " بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَالْمَدِّ: أَيِ: الْكِفَايَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِالْغِنَى. قَالَ شُرَّاحُ الْمَصَابِيحِ: رِوَايَةُ بِالْغِنَى بِالْكَسْرِ مَقْصُورًا عَلَى مَعْنَى الْيَسَارِ تَحْرِيفٌ لِلْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ قَالَ: يَأْتِيهِ الْكِفَايَةُ عَمَّا هُوَ فِيهِ (إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ) قِيلَ: بِمَوْتٍ قَرِيبٍ لَهُ غَنِيٍّ، فَيَرِثُهُ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] " أَوْ غِنَى " بِكَسْرٍ وَقَصْرٍ: أَيْ: يَسَارٌ " آجِلٍ " أَيْ: بِأَنْ يُعْطِيَهُ مَالًا وَيَجْعَلَهُ غَنِيًّا. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ هَكَذَا: أَيْ: بِالْعَيْنِ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ " أَوْ غِنًى آجِلٍ " بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وَهُوَ أَصَحُّ دِرَايَةً لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] اهـ. وَفِيهِ بَحْثُ تَأَمُّلٍ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) .
стр. 2675
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٨٥٣ - عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيِّ، أَنَّ الْفِرَاسِيَّ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَسْأَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا وَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ، فَسَلِ الصَّالِحِينَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
١٨٥٣ - (عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيِّ) : بِكَسْرِ الْفَاءِ (أَنَّ الْفِرَاسِيَّ) هُوَ مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ (قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ: قَالَ (قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَسْأَلُ) بِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ: أَيْ: وَأَطْلُبُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا ") : أَيْ: لَا تَسْأَلِ النَّاسَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فِي كُلِّ حَالٍ " وَإِنْ كُنْتَ ": أَيْ: سَائِلًا " لَا بُدَّ ": أَيْ: لَكَ مِنْهُ، وَلَا غِنًى لَكَ عَنْهُ " فَسَلْ " بِالْوَجْهَيْنِ: أَيِ: اطْلُبِ " الصَّالِحِينَ " لِأَنَّ الصَّالِحَ لَا يُعْطِي إِلَّا مِنَ الْحَلَالِ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا كِرِيمًا وَرَحِيمًا، وَلَا يَهْتِكُ الْعِرْضَ، وَلِأَنَّهُ يَدْعُو لَكَ، فَيُسْتَجَابُ، وَلِذَا كَانَ فُقَرَاءُ بَغْدَادَ يَسْأَلُونَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ، وَمِنْ غَرِيبِهِ مَا وَقَعَ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِ الْإِمَامِ احْتَاجُوا إِلَى الْخَمِيرَةِ فِي حَالِ الْعَجْنِ مَرَّةً، فَطَلَبُوا مِنْ بَيْتِ وَلَدِهِ، وَكَانَ قَدْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ، وَمِنْ صَلَاحِهِ وَتَقْوَاهُ يَرْقُدُ عِنْدَ بَابِهِ فِي اللَّيْلِ قَائِلًا: لَعَلَّهُ احْتَاجَ إِلَيَّ، وَلَمَّا خَبَزُوا انْكَشَفَ لِلْإِمَامِ أَنَّ فِيهِ شُبْهَةً، فَسَأَلَهُمْ، فَحَكَوْا لَهُ بِالْقَضِيَّةِ، فَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهِ، وَتَبِعُوهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ نُعْطِيهِ لِلْفُقَرَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ إِجْلَاءِ عَيْبِهِ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ الْفُقَرَاءُ، فَرَمَوْهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَمَّا اطَّلَعَ عَلَى فِعْلِهِمُ امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الْحُوتِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ﵃ أَجْمَعِينَ - (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 2676
١٨٥٤ - «وَعَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا، وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ، أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ، وَأَجْرِي عَلَى اللَّهِ، قَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ، فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ، فَكُلْ وَتَصَدَّقْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٨٥٤ - (وَعَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ) : أَيْ: جَعَلَنِي عَامِلًا (عَلَى الصَّدَقَةِ) : أَيْ: عَلَى أَخْذِهَا وَجَمْعِهَا وَحِفْظِهَا (فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا) : أَيْ: مِنْ أَخْذِهَا (وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ) : أَيْ: إِلَى عُمَرَ (أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَفِي الْقَامُوسِ مُثَلَّثَةٌ: أُجْرَةُ الْعَمَلِ (فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ وَأَجْرِي) : بِالْوَجْهَيْنِ (عَلَى اللَّهِ، قَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ:
стр. 2677
صِيغَةُ الْمَفْعُولِ (فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ) : أَيْ: عَلَى الصَّدَقَةِ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَعَمَّلَنِي) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ: أَعْطَانِي أُجْرَةَ الْعَمَلِ، وَالْمَعْنَى: أَرَادَ إِعْطَاءَهَا، أَوْ أَمَرَ لِي بِالْعَطَاءِ (فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ فَكُلْ» ") : أَيْ: حَالَ كَوْنِكَ فَقِيرًا " وَتَصَدَّقْ ": أَيْ: حَالَ كَوْنِكَ غَنِيًّا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الْعِوَضِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الْعَامِّ، وَإِنْ كَانَ فَرْضًا كَالْقَضَاءِ وَالْحِسْبَةِ وَالتَّدْرِيسِ، بَلْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ كِفَايَةُ هَؤُلَاءِ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ فِي مَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِمَّا سَبَقَ وُجُوبُ قَبُولِ مَا أُعْطِيَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ الْأَمْرَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، أَوِ الْإِبَاحَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2678
١٨٥٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ يَوْمَ عَرَفَةَ رَجُلًا يَسْأَلُ النَّاسَ، فَقَالَ: أَفِي هَذَا الْيَوْمِ وَفِي هَذَا الْمَكَانِ تَسْأَلُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ؟ فَخَفَقَهُ بِالدِّرَّةِ. رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
١٨٥٥ - (وَعَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ يَوْمَ عَرَفَةَ رَجُلًا يَسْأَلُ النَّاسَ، فَقَالَ:) : أَيْ: عَلِيٌّ (أَفِي هَذَا الْيَوْمِ، وَفِي هَذَا الْمَكَانِ) : أَيْ: أَنَّ زَمَانَ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَمَكَانَ قَبُولِ الثَّنَاءِ، وَحُصُولِ الرَّجَاءِ؟ (يُسْأَلُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ) : أَيْ: شَيْئًا حَقِيرًا مِثْلَ الْغَدَاءِ، أَوِ الْعَشَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: هَذَا الْمَكَانُ، وَهَذَا الْيَوْمُ يُنَافِيَانِ السُّؤَالَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ السُّؤَالُ فِي الْمَسَاجِدِ، إِذْ لَمْ تُبْنَ إِلَّا لِلْعِبَادَةِ اهـ. وَنَظِيرُهُ مَا وَقَعَ لِلشَّيْخِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَرْسِيِّ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَازِمًا لِزِيَارَةِ سَيِّدِنَا حَمْزَةَ " فَتَبِعَهُ رَجُلٌ " فَانْفَتَحَ لِلشَّيْخِ بَابُ التُّرْبَةِ مِنْ غَيْرِ مِفْتَاحٍ، فَدَخَلَ فَرَأَى رَجُلًا مِنْ رِجَالِ الْغَيْبِ، فَسَأَلَ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ: فَرَحَّمْتُ عَلَى رَفِيقِي، فَقُلْتُ لَهُ: أَدْرَكْتَ وَقْتَ الْإِجَابَةِ، فَاطْلُبْ مَقْصُودَكَ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى، فَسَأَلَ دِينَارًا، فَرَجَعْتُ، فَلَمَّا دَخَلْتُ بَابَ الْمَدِينَةِ نَاوَلَهُ رَجُلٌ دِينَارًا، فَدَخَلْتُ عَلَى شَيْخِي السَّيِّدِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ، فَقَالَ لِلرَّجُلِ: قَبْلَ نَقْلِ الْقَضِيَّةِ يَا دَنِيَّ الْهِمَّةِ، أَدْرَكْتَ وَقْتَ الْإِجَابَةِ وَسَأَلْتَ دِينَارًا، لِمَ لَا سَأَلْتَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ مِثْلَ أَبِي الْعَبَّاسِ؟ وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا حُكِيَ عَنِ الشَّيْخِ بَهَاءِ الدِّينِ النَّقْشَبَنْدِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ: مَا رَأَيْتَ فِي حَجِّكَ مِنَ الْعَجَائِبِ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ شَابًّا بَاعَ وَاشْتَرَى فِي سُوقِ مِنًى كَذَا وَكَذَا مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَلَمْ يَغْفُلْ عَنِ اللَّهِ سَاعَةً، وَرَأَيْتُ شَيْخًا كَبِيرًا مُتَعَلِّقًا بِالْمُلْتَزَمِ طَالِبًا مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - الدُّنْيَا، وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَنْ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُ الْإِجَابَةِ (فَخَفَقَهُ) : أَيْ: ضَرَبَهُ (بِالدِّرَّةِ) : بِكَسْرِ الدَّالِّ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، فِي الْقَامُوسِ هِيَ الَّتِي يُضْرَبُ بِهَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْخَفْقُ الضَّرْبُ بِالشَّيْءِ الْعَرِيضِ (رَوَاهُ رَزِينٌ) .
стр. 2679
١٨٥٦ - وَعَنْ عُمَرَ، قَالَ: تَعْلَمُنَّ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ، وَأَنَّ الْإِيَاسَ غِنًى، وَأَنَّ الْمَرْءَ إِذَا يَئِسَ عَنْ شَيْءٍ اسْتَغْنَى عَنْهُ. رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
١٨٥٦ - (وَعَنْ عُمَرَ، قَالَ: تَعْلَمُونَ) : خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: تَعْلَمُنَّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: لَتَعْلَمُنَّ، وَفِيهِ شُذُوذَانِ؛ إِيرَادُ اللَّامِ فِي أَمْرِ الْمُخَاطَبِ، وَحَذْفُهَا مَعَ كَوْنِهَا مُرَادَهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: مُحَمَّدُ تَغْدُ نَفْسُكَ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ (تَعْلَمُنَّ) جَوَابَ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، وَاللَّامُ الْمُقَدَّرَةُ هِيَ الْمَفْتُوحَةُ، أَيْ: وَاللَّهِ لَتَعْلَمُنَّ (أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ الطَّمَعَ) : أَيْ: فِي الْخُلُقِ (فَقْرٌ) : أَيْ: حَاضِرٌ، أَوْ يَجُرُّ إِلَيْهِ (وَأَنَّ الْإِيَاسَ) بِمَعْنَى الْيَأْسِ مِنَ النَّاسِ (غِنًى، وَأَنَّ الْمَرْءَ) : تَفْسِيرٌ لِمَا تَقَدَّمَ (إِذَا يَئِسَ) ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: إِذَا أَيِسَ (عَنْ شَيْءٍ اسْتَغْنَى عَنْهُ) وَلِذَا قِيلَ: الْيَأْسُ إِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ، وَقَالَ السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ لَمَّا طُلِبَ مِنْهُ عِلْمُ الْكِيمْيَاءِ: هُوَ فِي كَلِمَتَيْنِ: اطْرَحِ الْخَلْقَ عَنْ نَظَرِكَ، وَاقْطَعْ طَمَعَكَ عَنِ اللَّهِ أَنْ يُعْطِيَكَ غَيْرَ مَا قَسَمَ لَكَ (رَوَاهُ رَزِينٌ) .
стр. 2680
١٨٥٧ - وَعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ يَكْفُلُ لِي أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا فَأَتَكَفَّلَ لَهُ بِالْجَنَّةِ " فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا، فَكَانَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
١٨٥٧ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَيُقَالُ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنَ السَّرَاةِ؛ مَوْضِعٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، أَصَابَهُ سَبْيٌ، فَاشْتَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ حَضَرًا وَسَفَرًا حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ وَنَزَلَ الرَّمْلَةَ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى حِمْصَ، وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ يَكْفُلُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْفَاءِ مَرْفُوعًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: (مَنْ) اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَاضِي مِنَ التَّكْفِيلِ أَيْ: مَنْ يَضْمَنُ وَيَلْتَزِمُ (لِي) وَيَتَقَبَّلُ مِنِّي (أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا) أَيْ مِنَ السُّؤَالِ أَوْ مِنَ الْأَشْيَاءِ (فَأَتَكَفَّلَ) بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ أَيْ: أَتَضَمَّنَ (لَهُ الْجَنَّةَ) أَيْ: أَوَّلًا مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ عُقُوبَةٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةِ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ (فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا) أَيْ: تَضَمَّنْتُ أَوْ أَتَضَمَّنُ (فَكَانَ) أَيْ: ثَوْبَانُ بَعْدَ ذَلِكَ (لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا) أَيْ: وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْهُ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ فَإِنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، بَلْ قِيلَ إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْأَلْ حَتَّى يَمُوتَ؛ يَمُوتُ عَاصِيًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 2681
١٨٥٨ - «وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَشْتَرِطُ عَلَيَّ أَنْ لَا تَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: " وَلَا سَوْطَكَ إِنْ سَقَطَ مِنْكَ حَتَّى تَنْزِلَ إِلَيْهِ فَتَأْخُذَهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٨٥٨ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: إِلَى الْمُبَايَعَةِ الْخَاصَّةِ (وَهُوَ يَشْرُطُ عَلَيَّ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ يَقُولُ لِي عَلَى جِهَةِ الِاشْتِرَاطِ أُبَايِعُكَ عَلَى (أَنْ لَا تَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا وَعَلَى الْأَوَّلِ أَكْثَرُ النُّسَخِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: (أَنْ) مُفَسِّرَةٌ دَاخِلَةٌ عَلَى النَّهْيِ لِمَا فِي يَشْتَرِطُ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً (قُلْتُ: نَعَمْ) أَيْ: بَايَعْتُكَ عَلَى ذَلِكَ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُبَالَغَةِ (وَلَا سَوْطَكَ) أَيْ: وَلَا تَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ لَكَ (إِنْ سَقَطَ مِنْكَ حَتَّى تَنْزِلَ إِلَيْهِ فَتَأْخُذَهُ) أَيْ: بِنَفْسِكَ، وَفِي هَذَا النُّزُولِ حُصُولُ عُلُوٍّ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 2682
[بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيَةِ الْإِمْسَاكِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٨٥٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ» "، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
بَابُ الْإِنْفَاقِ وَكَرَاهِيَةِ الْإِمْسَاكِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
١٨٥٩ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ (ذَهَبًا) تَمْيِيزٌ (لَسَرَّنِي) أَيْ: أَعْجَبَنِي وَجَعَلَنِي فِي سُرُورٍ ( «أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ» ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْوَاوُ فِيهِ لِلْحَالِ، يَعْنِي لَسَرَّنِي عَدَمُ مُرُورِ ثَلَاثِ لَيَالٍ وَالْحَالُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْهُ عِنْدِي، وَالنَّفْيُ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إِلَى الْحَالِ (إِلَّا شَيْءٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَجْهُ الرَّفْعِ أَنَّ قَوْلَهُ شَيْءٌ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ، أَيْ: لَسَرَّنِي أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ (أُرْصِدُهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: أَحْفَظُهُ وَأُعِدُّهُ (لِدَيْنٍ) أَيْ: لِأَدَاءِ دَيْنٍ كَانَ عَلَيَّ، لِأَنَّ أَدَاءَ الدَّيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْ جَهَلَةِ الْعَوَامِّ وَظَلَمَةِ الطَّغَامِ يَعْمَلُونَ الْخَيْرَاتِ وَالْمَبَرَّاتِ وَالْعِمَارَاتِ وَعَلَيْهِمْ حُقُوقُ الْخَلْقِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهَا، وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ غَيْرِ الْعَارِفَةِ يَجْتَهِدُونَ فِي الرِّيَاضَاتِ وَتَكْثِيرِ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَمَا يَقُومُونَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الدِّيَانَاتِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 2683
١٨٦٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٦٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ يَوْمٍ) مَا نَافِيَةٌ وَمِنْ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْرَاقِ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ يَوْمٌ ( «يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ» ) صِفَةُ يَوْمٍ (إِلَّا مَلِكَانِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (يَنْزِلَانِ) أَيْ: فِيهِ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ مَحْذُوفٍ، أَيْ: عَلَى وَجْهٍ إِلَّا هَذَا الْوَجْهُ؛ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا) أَيْ: لِمَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ فِي الْخَيْرَاتِ ( «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا» ) أَيْ: مِنْ مَحَلِّهِ فِي مَحَلِّهِ، وَأُطْلِقَ مُبَالَغَةً فِي مَدْحِ الْإِنْفَاقِ (خَلَفًا) أَيْ: عِوَضًا عَظِيمًا وَهُوَ الْعِوَضُ الصَّالِحُ أَوْ عِوَضًا فِي الدُّنْيَا وَبَدَلًا فِي الْعُقْبَى لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] (وَيَقُولُ الْآخَرُ) لِلْآخَرِ الَّذِي لَمْ يُنْفِقْ فِي مَرْضَاةِ الْمَوْلَى ( «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا» ) أَيْ: عَنْ خَيْرِهِ لِغَيْرِهِ (تَلَفًا) أَيْ: لِمَالِهِ حِسًّا أَوْ مَعْنًى، وَفِي إِيرَادِهِ بِلَفْظِ الْإِعْطَاءِ مُشَاكَلَةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2684
١٨٦١ - وَعَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَنَفِقِي وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٦١ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ) بِنْتِ الصِّدِّيقِ الْأَكْبَرِ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَفِقِي) أَيْ: فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ - تَعَالَى - ( «وَلَا تُحْصِي» ) أَيْ لَا تُبْقِي شَيْئًا لِلِادِّخَارِ، فَإِنَّ مَنْ أَبْقَى شَيْئًا أَحْصَاهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلَا تَعُدِّي مَا أَنْفَقْتِهِ فَتَسْتَكْثِرِيهِ فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْقِطَاعِ إِنْفَاقِكِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ( «فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ» ) بِالنَّصْبِ جَوَابًا لِلنَّفْيِ أَيْ: فَيُقِلَّ الرِّزْقَ عَلَيْكِ بِقَطْعِ الْبَرَكَةِ وَيَجْعَلَهُ كَالشَّيْءِ الْمَعْدُودِ، أَوْ فَيُحَاسِبَكِ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَصْلُ الْإِحْصَاءِ الْإِحَاطَةُ بِالشَّيْءِ حَصْرًا وَعَدَدًا، وَالْمُرَادُ هُنَا عَدُّ الشَّيْءِ لِلْقِنْيَةِ وَالِادِّخَارِ لِلِاعْتِدَادِ وَتَرْكِ الْإِنْفَاقِ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اهـ. فَقَوْلُهُ فِي " «فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ» " مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ أَوْ عَلَى طَرِيقِ التَّجْرِيدِ ( «وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ» ) الْإِيعَاءُ حِفْظُ الشَّيْءِ فِي الْوِعَاءِ أَيْ: لَا تَمْنَعِي فَضْلَ الْمَالِ عَنِ الْفَقِيرِ فَيَمْنَعَ اللَّهُ عَنْكِ فَضْلَهُ وَيَسُدَّ عَلَيْكِ بَابَ الْمَزِيدِ (ارْضَخِي) بِفَتْحِ الضَّادِ الرَّضْخُ: الْعَطِيَّةُ الْقَلِيلَةُ أَيْ: أَعْطِي (مَا اسْتَطَعْتِ) أَيْ: مَا قَدَرْتِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَأَنْفِقِي شَيْئًا وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا وَلَا تَجْعَلِيهِ حَقِيرًا، فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ كَثِيرًا وَفِي مِيزَانِ الْقَبُولِ كَبِيرًا، قَالَ - تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ، قَالَ ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] وَقَالَ - جَلَّ عَظَمَتُهُ - ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا أَمَرَهَا ﷺ بِالرَّضْخِ لِمَا عَرَفَ مِنْ حَالِهَا أَنَّهَا لَا تَقْدِرُ تَتَصَرَّفُ فِي مَالِهَا وَلَا فِي مَالِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ إِلَّا فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي جَرَتِ الْعَادَةُ فِيهِ بِالتَّسَامُحِ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ كَالْكِسْرَةِ وَالتَّمْرَةِ، وَبِالطَّعَامِ الَّذِي يَفْضُلُ فِي الْبَيْتِ وَلَا يَصْلُحُ لِلِادِّخَارِ لِتَسَارُعِ الْفَسَادِ إِلَيْهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2685
١٨٦٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٦٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ» ) أَيْ: مِمَّا يَنْفَدُ ( «أُنْفِقْ عَلَيْكَ» ) مِمَّا لَا يَنْفَدُ، إِيمَاءً إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] وَالْمَعْنَى أَنْفِقِ الْأَمْوَالَ الْفَانِيَةَ فِي الدُّنْيَا لِتُدْرِكَ الْأَحْوَالَ الْعَالِيَةَ فِي الْعُقْبَى، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَعْطِ النَّاسَ مَا رَزَقْتُكَ حَتَّى أَنْ أَرْزُقَكَ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى، إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2686
١٨٦٣ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَا ابْنَ آدَمَ إِنْ تَبْذُلِ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسِكْهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٨٦٣ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا ابْنَ آدَمَ إِنْ تَبْذُلِ الْفَضْلَ» ) أَيْ: إِنْفَاقَ الزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَالْكَفَافِ، فَإِنْ مَصْدَرِيَّةٌ مَعَ مَدْخُولِهَا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (خَيْرٌ لَكَ) أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى، وَفِي التَّعْبِيرِ بِالْفَضْلِ دُونَ مُطْلَقِ الْمَالِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ الْمَالَ، فَفِي الْخَبَرِ " «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» "، وَقَدْ «جَاءَ رَجُلٌ بِمِثْلِ الْبَيْضَةِ مَنْ ذَهَبَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خُذْهَا فَهِيَ لِلصَّدَقَةِ وَمَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ﵇ إِلَى أَنْ أَعَادَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَخَذَهَا وَرَمَاهُ بِهَا رَمْيَةً لَوْ أَصَابَتْهُ لَأَوْجَعَتْهُ، ثُمَّ قَالَ: " يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ هَذِهِ صَدَقَةٌ ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ وُجُوهَ النَّاسِ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» " وَالْمُرَادُ إِمَّا غِنًى مَالِيٌّ فَضْلًا عَمَّا أَعْطَاهُ، وَإِمَّا غِنًى قَلْبِيٌّ مُتَّكِلٌ عَلَى فَضْلِ مَوْلَاهُ، وَلِهَذَا لَمَّا تَصَدَّقَ أَبُو بَكْرٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ قَرَّرَهُ ﷺ لِمَا عَرَفَ مِنْ كَمَالِ حَالِهِ، وَأَرَادَ عُمَرُ ذَلِكَ فَأَمَرَهُ بِإِمْسَاكِ بَعْضِ مَالِهِ (وَإِنْ تُمْسِكْهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْفَضْلَ وَتَمْنَعْهُ (شَرٌّ لَكَ) أَيْ: عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ النَّاسِ ( «وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ» ) بِالْفَتْحِ وَهُوَ مِنَ الرِّزْقِ الْقُوتُ وَهُوَ مَا كَفَّ عَنِ النَّاسِ وَأَغْنَى عَنْهُمْ، وَالْمَعْنَى: لَا تُذَمُّ عَلَى حِفْظِهِ وَإِمْسَاكِهِ أَوْ عَلَى تَحْصِيلِهِ وَكَسْبِهِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّكَ إِنْ حَفِظْتَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ تَتَصَدَّقْ بِمَا فَضَلَ عَنْكَ فَأَنْتَ مَذْمُومٌ وَبَخِيلٌ وَمَلُومٌ (وَابْدَأْ) أَيِ: ابْتَدِئْ فِي إِعْطَاءِ الزَّائِدِ عَلَى قَدْرِ الْكَفَافِ (بِمَنْ تَعُولُ) أَيْ: بِمَنْ تُمَوِّنُهُ وَيَلْزَمُكَ نَفَقَتُهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ قَوْلَهُ " «وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ.
стр. 2687
١٨٦٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدُيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ، وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ بِمَكَانِهَا» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٦٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ» ) أَيْ: صِفَتُهُمَا ( «كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ» ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ: وِقَايَتَانِ (مِنْ حَدِيدٍ) وَيُرْوَى بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ رُوِيَ بِهَا، وَقِيلَ: الصَّحِيحُ هَاهُنَا النُّونُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الدِّرْعَ لَا يُسَمَّى الْجُبَّةَ بِالْبَاءِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَيَرُدُّهُ قَوْلُ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ بِالنُّونِ تَصْحِيفٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْجُنَّةُ بِالضَّمِّ مَا اسْتَتَرْتَ بِهِ مِنْ سِلَاحٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا دِرْعَانِ شُبِّهَ بِهِمَا صِفَتَا الْبُخْلِ وَالتَّصَدُّقِ اللَّتَانِ جُبِلَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِمَا كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر: ٩] وَرُوِيَ جُبَّتَانِ بِالْبَاءِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ؛ إِذْ لَمْ يُعْهَدْ جُبَّةُ حَدِيدٍ، وَلِمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: " عَلَيْهِمَا دِرْعَانِ " وَلِقَوْلِهِ " كُلُّ حَلْقَةٍ بِمَكَانِهَا "، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْجُنَّتَانِ الْوَاقِيَتَانِ اللَّتَانِ يَشْمَلَانِ الدِّرْعَيْنِ (قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهُمَا) بِضَمِّ الطَّاءِ أَيْ: شُدَّتْ وَعُصِرَتْ وَضُمَّتْ وَأُلْصِقَتْ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَنَصْبِ أَيْدِيهِمَا عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ الْفِعْلِ إِلَى جِنْسِ الْجُنَّةِ الْمَفْهُومِ مِنَ التَّثْنِيَةِ (إِلَى ثُدْيِهِمَا) بِضَمِّ الثَّاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ جَمْعُ الثَّدِيِّ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَيُكْسَرُ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَالثَّدِيُّ خَاصٌّ بِالْمَرْأَةِ أَوْ عَامٌّ؛ كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَيَعْنِي بِهِمَا جَنْبَيِ الصَّدْرِ (وَتَرَاقِيهِمَا) بِفَتْحِ التَّاءِ جَمْعُ التَّرْقُوَةِ وَهُوَ أَسْفَلُ الْكَتِفِ وَفَوْقَ الصَّدْرِ (فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ) أَيْ: طَفِقَ وَشَرَعَ وَأَرَادَ ( «كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ» ) أَيْ: هَمَّ يَتَصَدَّقُ (انْبَسَطَتْ) أَيْ: تَوَسَّعَتْ جُنَّتُهُ (عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الْمُتَصَدِّقِ ( «وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ» ) أَيْ: قَصَدَ إِلَيْهَا وَعَزَمَ إِلَيْهَا (قَلَصَتْ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيِ: انْضَمَّتْ وَالْتَصَقَتْ جُنَّتُهُ عَلَيْهِ (وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ) بِسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا (بِمَكَانِهَا) اشْتَدَّتْ وَالْتَصَقَتِ الْحِلَقُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَالْيَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ: ضَاقَتْ غَايَةَ التَّضْيِيقِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْجَوَادَ إِذَا هَمَّ بِالصَّدَقَةِ اتَّسَعَ لِذَلِكَ صَدْرُهُ وَطَاوَعَتْهُ يَدَاهُ فَامْتَدَّتَا بِالْعَطَاءِ، وَالْبَخِيلَ يَضِيقُ صَدْرُهُ وَتَنْقَبِضُ يَدَاهُ عَنِ الْإِنْفَاقِ، فَجَعَلَ بِمَعْنَى طَفِقَ، وَكُلَّمَا تَصَدَّقَ يَدُلُّ عَلَى خَبَرِهِ أَيْ: طَفِقَ السَّخِيُّ يَتَّسِعُ صَدْرُهُ؛ كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ السَّخِيَّ إِذَا هَمَّ بِخَيْرٍ سَهُلَ عَلَيْهِ، وَالْبَخِيلُ عَكْسُهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2688
١٨٦٥ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٨٦٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اتَّقُوا الظُّلْمَ» ) أَيِ: الْمُشْتَمِلَ عَلَى الشُّحِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الدَّنِيَّةِ وَالْأَفْعَالِ الرَّدِيَّةِ ( «فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَيَكُونُ الظُّلْمُ ظُلُمَاتٍ عَلَى صَاحِبِهِ لَا يَهْتَدِي بِسَبَبِهَا، كَمَا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، أَوِ الْمُرَادُ بِهَا الشَّدَائِدُ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] أَيْ: شَدَائِدِهِمَا ( «وَاتَّقُوا الشُّحَّ» ) أَيِ: الْبُخْلَ الَّذِي هُوَ نَوْعٌ مِنَ الظُّلْمِ، وَقِيلَ: الشُّحُّ بُخْلُ الرَّجُلِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ، وَالْبُخْلُ هُوَ الْمَنْعُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَقِيلَ: الْبُخْلُ يَكُونُ فِي الْمَالِ وَالشُّحُّ يَكُونُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ مَعْرُوفٍ أَوْ طَاعَةٍ فَهُوَ أَشَدُّ مَنْعًا مِنَ الْبُخْلِ، وَقِيلَ: الشُّحُّ بُخْلٌ مَعَ الْحِرْصِ، وَهُوَ أَنْسَبُ، وَأُفْرِدَ الشُّحُّ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ، فَإِنَّهُ مَنْشَأُ الْمَفَاسِدِ الْعَظِيمَةِ وَنَتِيجَةُ مَحَبَّةِ الدُّنْيَا الذَّمِيمَةِ، قَالَ - تَعَالَى - ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ( «فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» ) فَدَاؤُهُ قَدِيمٌ وَبَلَاؤُهُ عَظِيمٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَلَاكُهُمْ كَوْنُهُمْ مُعَذَّبِينَ بِهِ وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الدُّنْيَا وَأَنْ يَكُونَ فِي الْعُقْبَى ( «حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» ) قِيلَ: إِنَّمَا كَانَ الشُّحُّ سَبَبًا لِذَلِكَ لِأَنَّ فِي بَذْلِ الْمَالِ وَمُوَاسَاةِ الْإِخْوَانِ التَّحَابَّ وَالتَّوَاصُلَ، وَفِي الْإِمْسَاكِ وَالشُّحِّ التَّهَاجُرَ وَالتَّقَاطُعَ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى التَّشَاجُرِ وَالتَّعَادِي مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَاسْتِبَاحَةِ الْمَحَارِمِ مِنَ الْفُرُوجِ وَالْأَعْرَاضِ وَفِي الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2689
١٨٦٦ - وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِالْأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٦٦ - (وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَصَدَّقُوا) أَيِ: اغْتَنِمُوا التَّصَدُّقَ عِنْدَ وُجُودِ الْمَالِ وَعِنْدَ حُصُولِ مَنْ يَقْبَلُهُ، وَاقْبَلُوا مِنَّةَ الْفَقِيرِ فِي أَخْذِهِ مِنْكُمْ، فَالْمَعْنَى تَصَدَّقُوا قَبْلَ أَنْ لَا تَتَصَدَّقُوا، عَلَى سَنَنِ «حُجُّوا قَبْلَ أَنْ لَا تَحُجُّوا» (فَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (يَأْتِي عَلَيْكُمْ) أَيْ عَلَى بَعْضِكُمْ ( «زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ» ) أَيْ: يَذْهَبُ بِهَا ( «فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا» ) قِيلَ: هُوَ زَمَانُ الْمَهْدِيِّ وَنُزُولِ عِيسَى ﵊ وَقِيلَ: زَمَانُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَمَا وَرَدَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يُخْرِجَ الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا» (يَقُولُ الرَّجُلُ) أَيِ: الْفَقِيرُ، وَالْمَعْنَى كُلُّ رَجُلٍ عُرِضَتْ عَلَيْهِ وَكَانَ مِنْ قَبْلُ مُسْتَحِقًّا لَهَا (لَوْ جِئْتَ بِهَا) أَيْ: بِالصَّدَقَةِ (بِالْأَمْسِ) أَيْ: قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الزَّمَنِ الْمَاضِي حَالَ فَقْرِي (لَقَبِلْتُهَا فَأَمَّا الْيَوْمَ) أَيِ: الْآنَ (فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا) وَهُوَ إِمَّا مِنْ غِنَاهُ الصُّورِيِّ مِنْ إِصَابَةِ الْمَالِ أَوْ لِغِنَاهُ الْمَعْنَوِيِّ مِنْ حُصُولِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَوُصُولِ الْكَمَالِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي يَصِيرُ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَغْنِيَاءَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ رَاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ وَتَارِكِينَ لِلدُّنْيَا يَقْنَعُونَ بِقُوتِ يَوْمٍ وَلَا يَدَّخِرُونَ الْمَالَ لِلْمَآلِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2690
١٨٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: " أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى
وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٦٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ) أَيْ أَنْوَاعِهَا (أَعْظَمُ أَجْرًا؟) أَيْ: أَجْزَلُ ثَوَابًا وَأَكْمَلُ مَآبًا (قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ) بِتَخْفِيفِ الصَّادِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقِيلَ بِتَشْدِيدِهَا عَلَى الْإِبْدَالِ وَالْإِدْغَامِ ( «وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ» ) وَالْمَعْنَى أَفْضَلُهَا صَدَقَتُكَ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، أَيْ: وَهُوَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ فِي حَالِ صِحَّتِكَ وَاخْتِصَاصِ الْمَالِ بِكَ وَشُحِّ نَفْسِكَ، وَذَلِكَ أَشَدُّ مُرَاغَمَةً لِنَفْسِكَ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَوْلُهُ شَحِيحٌ تَأْكِيدٌ وَبَيَانٌ لِلصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ فِي حَالِ صِحَّتِهِ يَكُونُ شَحِيحًا (تَخْشَى الْفَقْرَ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أَوْ حَالٌ بَعْدَ حَالٍ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، أَيْ: تَقُولُ فِي نَفْسِكَ لَا تُتْلِفْ مَالَكَ كَيْلَا تَصِيرَ فَقِيرًا فَتَحْتَاجَ إِلَى النَّاسِ (وَتَأْمُلُ الْغِنَى)
стр. 2691
بِضَمِّ الْمِيمِ بِمَعْنَى تَطْمَعُ وَتَرْجُو أَيْ: وَتَقُولُ اتْرُكْ مَالَكَ فِي بَيْتِكَ لِتَكُونَ غَنِيًّا وَيَكُونَ لَكَ عِزٌّ عِنْدَ النَّاسِ بِسَبَبِ غِنَاكَ (وَلَا تُمْهِلَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى أَنْ تَصَدَّقَ وَيَجُوزُ الْجَزْمُ عَلَى أَنَّ لَا لِلنَّهْيِ أَيْ: وَلَا تُؤَخِّرِ الصَّدَقَةَ أَوْ وَلَا تُمْهِلْ نَفْسَكَ ( «حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ» ) وَالْمُرَادُ أَنْ تَقْرُبَ الرُّوحُ بُلُوغَ الْحُلْقُومِ (قُلْتَ) لِوَرَثَتِكَ (وَلِفُلَانٍ) أَيْ: لِأَجْلِ فُلَانٍ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُوصَى لَهُ (كَذَا) إِشَارَةٌ إِلَى الْمُوصَى بِهِ (وَلِفُلَانٍ) أَيْ: لِغَيْرِهِ (كَذَا) أَيْ مِنَ الْمَالِ بِالْوَصِيَّةِ، وَالتَّكْرِيرُ يُفِيدُ التَّكْثِيرَ، وَالْجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ كَذَا فَيَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ بِكَذَا، وَالْمَعْنَى أَنَّكَ حِينَئِذٍ تَصْرِفُ الْمَالَ إِلَى الْخَيْرَاتِ (وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) قِيلَ: جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ: وَقَدْ صَارَ الْمَالُ الَّذِي تَتَصَرَّفُ فِيهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ثُلُثَاهُ حَقًّا لِلْوَارِثِ وَأَنْتَ تَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِهِ فَكَيْفَ يُقْبَلُ مِنْكَ؟ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى الْمَنْعِ عَنِ الْوَصِيَّةِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْوَارِثِ أَيْ: وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ الْوَارِثِ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ وَكَانَ، أَيْ: عِنْدَكُمْ لِفُلَانٍ كَذَا مِنَ الْمَالِ فَيَكُونُ الذَّمُّ عَلَى الْإِمْهَالِ إِلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَإِنَّ فِعْلَ الْخَيْرِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ عَمَلُ أَرْبَابِ الْكَمَالِ، وَرَدُّ الْحُقُوقِ لَا يَنْبَغِي فِيهِ الْإِهْمَالُ لِأَنَّ الْخَطَرَ كَثِيرٌ فِي الْمَالِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ صَدْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2692
١٨٦٨ - «وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: " هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ "، فَقُلْتُ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: " هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٨٦٨ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ) أَيْ: وَصَلْتُ إِلَيْهِ ( ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي) وَهُوَ مِمَّنِ اخْتَارَ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى (قَالَ) تَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ وَتَسْلِيَةً لِنَفْسِهِ وَتَجْلِيَةً لِرُوحِهِ وَتَحْلِيَةً لِسِرِّهِ (هُمُ الْأَخْسَرُونَ) أَيِ: الْأَكْثَرُونَ تِجَارَةً فِي الْمَالِ هُمُ الْأَكْثَرُونَ خَسَارَةً فِي الْمَآلِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُمْ ضَمِيرٌ لِغَيْرِ مَذْكُورٍ، لَكِنْ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: هُمُ الْأَكْثَرُونَ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: هُمْ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ خَبَرُهُ وَهُوَ الْأَخْسَرُونَ (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) قَسَمٌ يُنَاسِبُ الْمَقَامَ (فَقُلْتُ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) بِفَتْحِ الْفَاءِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ لِأَنَّهُ مَاضٍ، خَبَرٌ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، وَيُحْتَمَلُ كَسْرُ الْفَاءِ وَالْقَصْرُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ أَيْ: يَفْدِيكَ أَبِي وَأُمِّي وَهُمَا أَعَزُّ الْأَشْيَاءِ عِنْدِي (مَنْ هُمْ) فِيهِ لَطَافَةٌ لَا تَخْفَى، وَالْمَعْنَى مَنِ الْأَخْسَرُونَ الَّذِينَ أَجْمَلْتَهُمْ ( «قَالَ: هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا» ) لَعَلَّ جَمْعَ التَّمْيِيزِ لِإِرَادَةِ الْأَنْوَاعِ أَوْ لِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ أَيِ: الْأَخْسَرُونَ مَالًا هُمُ الْأَكْثَرُونَ مَالًا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي مَنْ كَانَ مَالُهُ أَكْثَرَ خُسْرَانُهُ أَكْثَرُ ( «إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ أَيْ: إِلَّا مَنْ أَشَارَ بِيَدَيْهِ إِلَى الْجَوَانِبِ فِي صَرْفِ مَالِهِ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَلَعَلَّ التَّثْلِيثَ إِشَارَةٌ إِلَى الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ وَالْأَمَامِ لَكِنَّ قَوْلَهُ ( «مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ» ) يَأْبَى عَنْ ذَلِكَ ظَاهِرًا فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ " هَكَذَا " فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالثَّلَاثِ الْجَمْعَ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِلَّا مَنْ تَصَدَّقَ بِهِ مِنْ جَوَانِبِهِ الْأَرْبَعِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ أَيْ: فَلَيْسَ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلْ مِنَ الْفَائِزِينَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالثَّلَاثِ الْقُدَّامُ وَالْخَلْفُ وَأَحَدُ الْجَانِبَيْنِ، وَعَلَى نُسْخَةِ التَّثْنِيَةِ فَالْمُرَادُ بِهَا التَّكْرِيرُ وَالتَّكْثِيرُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ: قَالَ بِيَدِهِ أَيْ: أَشَارَ، وَقَالَ بِيَدِهِ أَيْ: أَخَذَ، وَقَالَ بِرِجْلِهِ أَيْ: ضَرَبَ، وَقَالَ بِالْمَاءِ عَلَى يَدَيْهِ أَيْ: صَبَّهُ، وَقَالَ بِثَوْبِهِ أَيْ: رَفَعَهُ، فَيُطْلِقُونَ الْقَوْلَ عَلَى جَمِيعِ الْأَفْعَالِ اتِّسَاعًا، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى أَشَارَ بِيَدِهِ إِشَارَةً مِثْلَ هَذِهِ الْإِشَارَةِ وَ (مِنْ) بَيَانُ الْإِشَارَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ لِمَجِيءِ " عَنْ " وَالتَّقْدِيرُ: مُبْتَدِأً مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَمُجَاوِزًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) هُمْ مُبْتَدَأٌ وَقَلِيلٌ خَبَرُهُ وَمَا زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْقِلَّةِ أَيِ: الْمُسْتَثْنَوْنَ قَلِيلٌ أَوْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ قَلِيلٌ، وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] وَإِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وَإِشَارَةٌ إِلَى أَفْضَلِيَّةِ الْفَقْرِ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ أَسْلَمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2693
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٨٦٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ ﷺ : " السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٨٦٩ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : السَّخِيُّ) وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَ رِضَا الْمَوْلَى فِي بَذْلِهِ عَلَى الْغِنَى (قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ) أَيْ: رَحْمَتِهِ كَذَا قِيلَ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ فِي التَّخَلُّقِ بِصِفَةِ الْكَرَمِ (قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ) يَصْرِفُ الْمَالَ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ وَيُوجِبُ لَهُ حُسْنَ الْمَآلِ (قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ) بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَفِي الْحَقِيقَةِ هُمُ النَّاسُ، أَوْ بِالسَّخَاوَةِ إِلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ أَوْ لِأَنَّ السَّخِيَّ يُحِبُّهُ جَمِيعُ النَّاسِ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ لِبَعْضِهِمْ نَفْعٌ مِنْ سَخَاوَتِهِ كَمَحَبَّةِ الْعَادِلِ (بَعِيدٌ عَنِ النَّارِ) لِأَنَّ السَّخِيَّ لَمْ يَرْتَضِ بِأَخْذِ مَالِ الْحَرَامِ وَصَرْفِهِ فِي غَيْرِ الْمَقَاصِدِ الْعِظَامِ وَإِلَّا سَيَكُونُ مُسْرِفًا، وَلِذَا قِيلَ: لَا خَيْرَ فِي سَرَفٍ وَلَا سَرَفَ فِي خَيْرٍ (وَالْبَخِيلُ) وَهُوَ الَّذِي لَا يُؤَدِّي الْوَاجِبَ عَلَيْهِ (بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ) وَتَبِينُ الْأَشْيَاءُ بِأَضْدَادِهَا (وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ) أَرَادَ بِهِ ضِدَّ الْعَابِدِ وَهُوَ مَنْ يُؤَدِّي الْفَرَائِضَ دُونَ النَّوَافِلِ لِأَنَّ تَرْكَ الدُّنْيَا رَأَسُ كُلِّ عِبَادَةٍ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْجَاهِلِ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ جَاهِلًا غَيْرَ عَالِمٍ بِمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وُجُوبَ عَيْنٍ ( «أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ» ) أَيْ: كَثِيرِ النَّوَافِلِ سَوَاءٌ يَكُونُ عَالِمًا أَمْ لَا (بَخِيلٍ) ، لِأَنَّ حُبَّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَأَيْضًا الْبَخِيلُ الشَّرْعِيُّ هُوَ مَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ الشَّرْعِيَّ الْمَالِيَّ، وَالسَّخِيُّ ضِدُّهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَامَ بِالْفَرَائِضِ وَتَرَكَ النَّوَافِلَ أَفْضَلُ مِمَّنْ قَامَ بِالنَّوَافِلِ وَتَرَكَ الْفَرَائِضَ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ مُبْتَلَوْنَ بِهَذَا الْبَلَاءِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إِنَّمَا حُرِمُوا الْوُصُولَ بِتَضْيِيعِ الْأُصُولِ، وَهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الطِّيبِيِّ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ جَاهِلًا غَيْرَ عَابِدٍ أَحَبُّ مِنْ عَالِمٍ عَابِدٍ رِعَايَةً لِلْمُطَابَقَةِ، فَيَا لَهَا مِنْ حَسَنَةٍ غَطَّتْ خَصْلَتَيْنِ ذَمِيمَتَيْنِ، وَيَا لَهَا مِنْ سَيِّئَةٍ غَطَّتْ خَصْلَتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ كَرِيمَتَيْنِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِلَّا مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ هُوَ الْوَارِقِيُّ الْكُوفِيُّ يُكَنَّى أَبَا الْحَسَنِ، ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ مَتْرُوكٌ.
стр. 2694
١٨٧٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ عِنْدِ مَوْتِهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٨٧٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ» ) أَيْ: لَتَصَدُّقُهُ (فِي حَيَاتِهِ) أَيْ: صِحَّتِهِ (بِدِرْهَمٍ) أَيْ: مَثَلًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَرَادَ التَّقْلِيلَ ( «خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ» ) أَيْ: مَثَلًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِمَالِهِ بَدَلَ مِائَةٍ، وَالْمُرَادُ التَّكْثِيرُ، وَالْمَعْنَى بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي مَقَامِ كَمَالِهِ سَوَاءٌ حُمِلَ الدِّرْهَمُ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَوْ عَلَى التَّمْثِيلِ فِي قِلَّتِهِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِمَالِهِ فَإِنَّهُ تَحْرِيفٌ، فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ (عِنْدَ مَوْتِهِ) أَيِ: احْتِضَارِ مَوْتِهِ فَكَأَنَّهُ مَيِّتٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ تَصَدُّقَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَلَوْ قَلِيلًا خَيْرٌ مِنْ تَصَدُّقِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَقْتَ مَمَاتِهِ وَلَوْ كَثِيرًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 2695
١٨٧١ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ يُعْتِقُ كَالَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبِعَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
ــ
١٨٧١ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ عِنْدَ مَوْتِهِ) أَيِ: احْتِضَارِهِ (أَوْ يُعْتِقُ) أَيْ: عِنْدَ مَوْتِهِ وَفِي مَعْنَاهُ عِنْدَ مَوْتِ مَمْلُوكِهِ (كَالَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبِعَ) كَسَمِنَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي هَذَا الْإِهْدَاءِ نَوْعُ اسْتِخْفَافٍ بِالْمُهْدَى إِلَيْهِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مَرْتَبَةٌ نَاقِصَةٌ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ وَالْإِعْتَاقَ حَالَ الصِّحَّةِ أَفْضَلُ كَمَا أَنَّ السَّخَاوَةَ عِنْدَ الْمَجَاعَةِ أَكْمَلُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
стр. 2696
١٨٧٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ؛ الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٨٧٢ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ» ) أَيْ: كَامِلٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: خَبَرٌ مَوْصُوفٌ وَالْمُبْتَدَأُ (الْبُخْلُ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ وَبِفَتْحِهَا (وَسُوءُ الْخُلُقِ) بِضَمِّهَا وَسُكُونِ الثَّانِي أَيْ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْتَمِعَا فِيهِ، أَوِ الْمُرَادُ بُلُوغُ النِّهَايَةِ فِيهِمَا بِحَيْثُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا وَلَا يَنْفَكَّانِ عَنْهُ، فَأَمَّا مَنْ فِيهِ بَعْضُ هَذَا أَوْ بَعْضُ ذَلِكَ أَوْ يَنْفَكُّ عَنْهُ فِي بَعْضٍ فَإِنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: خَصْلَتَانِ مُبْتَدَأٌ سَوَّغَهُ إِبْدَالُ الْمَعْرِفَةِ مِنْهُ فِي قَوْلِهِ الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ وَالْخَبَرُ لَا يَجْتَمِعَانِ اهـ. وَإِغْلَاقُهُ لَا يَخْفَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَا يَجْتَمِعَانِ صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ مُسَوِّغَةٌ لِكَوْنِ الْمُبْتَدَأِ نَكِرَةً، وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: «الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ صَدَقَةَ بْنِ مُوسَى اهـ. وَصَدَقَةُ بْنُ مُوسَى ضَعِيفٌ؛ ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ النَّسَائِيِّ " «لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا» "، فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ سُوءُ الْخُلُقِ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِيمَانَ، فَإِنَّ الْخُلُقَ الْحَسَنَ هُوَ مَا بِهِ امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي.
стр. 2697
١٨٧٣ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خِبٌّ وَلَا بَخِيلٌ وَلَا مَنَّانٌ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٨٧٣ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ: دُخُولًا أَوَّلِيًّا (خِبٌّ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَيُكْسَرُ أَيْ: خَدَّاعٌ يُفْسِدُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْخِدَاعِ (وَلَا بَخِيلٌ) يَمْنَعُ الْوَاجِبَ مِنَ الْمَالِ (وَلَا مَنَّانٌ) مِنَ الْمِنَّةِ أَيْ: يَمُنُّ عَلَى الْفُقَرَاءِ بَعْدَ الْعَطَاءِ، أَوْ مِنَ الْمَنِّ بِمَعْنَى الْقَطْعِ لِمَا يَجِبُ أَنْ يُوصَلَ، وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعَ هَذِهِ الصِّفَةِ حَتَّى يُجْعَلَ طَاهِرًا مِنْهَا إِمَّا بِالتَّوْبَةِ عَنْهَا فِي الدُّنْيَا أَوْ بِالْعُقُوبَةِ بِقَدْرِهَا تَمْحِيصًا فِي الْعُقْبَى أَوْ بِالْعَفْوِ عَنْهُ تَفَضُّلًا وَإِحْسَانًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 2698
١٨٧٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ " «لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ» " فِي كِتَابِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
ــ
١٨٧٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ» ) مِنَ الْخِصَالِ الذَّمِيمَةِ ( «شُحٌّ هَالِعٌ» ) أَيْ: جَازِعٌ يَحْمِلُ عَلَى الْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَالِ وَالْجَزَعِ عَلَى ذَهَابِهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا - إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا - وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١] وَقِيلَ: الشُّحُّ أَبْلَغُ مِنَ الْبُخْلِ لِأَنَّ الْبُخْلَ مَنْعُ مَا وَجَبَ بَذْلُهُ مِنَ الْمَالِ، وَالشُّحَّ مَنْعُ كُلِّ وَاجِبٍ مِنَ الْمَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ ( «وَجُبْنٌ خَالِعٌ» ) أَيْ: شَدِيدٌ كَأَنَّهُ يَخْلَعُ قَلْبَهُ مِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِ مِنَ الْمُحَارَبَةِ مَعَ الْكُفَّارِ وَيَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُولِ فِي عَمَلِ الْأَبْرَارِ، وَخُصَّ الرَّجُلُ إِمَّا لِأَنَّهُمَا مَمْدُوحَانِ لِلنِّسَاءِ فِي نَوْعٍ مِنْهُمَا أَوْ لِأَنَّ مَذَمَّةَ الرِّجَالِ بِهِمَا فَوْقَ مَذَمَّةِ النِّسَاءِ بِهِمَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ: مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ بِضَمِّ الْعَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ: وَهُوَ إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ " «لَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ» ") أَيِ: الْكَامِلُ، أَوْ أُرِيدَ بِهِمَا الزَّجْرُ وَالتَّهْدِيدُ (فِي كِتَابِ الْجِهَادِ) لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ تَحْوِيلِهِ عَنْ مَحَلِّهِ الْأَسْبَقِ الْأَلْيَقِ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -) .
стр. 2699
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٨٧٥ - «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: " أَطْوَلُكُنَّ يَدًا "، فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، وَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَ طُولُ يَدِهَا الصَّدَقَةَ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ زَيْنَبُ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا ". قَالَتْ: وَكَانَتْ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا؟ قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ» .
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٨٧٥ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ) وَرَضِيَ عَنْهُنَّ ( «قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا» ) أَيْ: بِالْمَوْتِ بَعْدَكَ، وَمِنْهُ «قَوْلُهُ ﷺ لِفَاطِمَةَ: " إِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي» " فَضَحِكَتْ (قَالَ: «أَطْوَلُكُنَّ يَدًا» ) أَيْ: أَكْثَرُكُنَّ صَدَقَةً وَأَعْظَمُكُنَّ إِحْسَانًا، فَإِنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْمِنَّةُ وَالنِّعْمَةُ وَالْإِحْسَانُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊: " «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ عَلَيَّ يَدًا يُحِبُّهُ قَلْبِي» " وَكَذَا قَوْلُ الشَّاطِبِيِّ: -
إِلَيْكَ يَدًى مِنْكَ الْأَيَادِي تُمِدُّهَا
(فَأَخَذُوا) الظَّاهِرُ فَأَخَذْنَ وَعُدِلَ إِلَى أَخَذُوا تَعْظِيمًا كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وَقَوْلِ الشَّاعِرِ: -
وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ
ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالشَّاهِدُ الثَّانِي أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى لِأَنَّ مُسَوِّغَ ذَلِكَ التَّغْلِيبُ لِلْجِنْسِ الْأَشْرَفِ وَلَا تَغْلِيبَ هُنَا لِأَنَّ الْكُلَّ نِسْوَةٌ ( «قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا» ) أَيْ: وَيَقِيسُونَ أَيْدِيَهُنَّ بِهَا بِنَاءً عَلَى فَهْمِهِنَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَدِ الْجَارِحَةُ ( «وَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا» ) أَيْ: فِي الْحِسِّ (فَعَلِمْنَا بَعْدُ) أَيْ: بَعْدَ هَذَا حِينَ مَاتَتْ زَيْنَبُ أَوَّلًا وَكَانَتْ أَكْثَرَهُنَّ صَدَقَةً (أَنَّمَا كَانَ) بِالْفَتْحِ (طُولُ يَدِهَا) بِالرَّفْعِ (الصَّدَقَةَ) بِالنَّصْبِ كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَعَكَسَ الْعَسْقَلَانِيُّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: فَهِمْنَا أَوَّلًا ظَاهِرَهُ وَلَمَّا فَطِنَّا بِمَحَبَّتِهَا الصَّدَقَةَ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْيَدِ إِلَّا الْعَطَاءَ اهـ. وَفِيهِ تَأَمُّلٌ (وَكَانَتْ) الْوَاوُ لِلْحَالِ ( «أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ زَيْنَبُ» ) كَذَا فِي نُسْخَةٍ قَالَ مِيرَكُ: وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ هُنَا بَعْدَ قَوْلِهِ لُحُوقًا بِهِ زِيَادَةُ لَفْظِ زَيْنَبَ مُلْحَقًا، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ فِي عَامَّةِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ وَقَعَ بِحَذْفِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ اهـ. وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّ سَوْدَةَ كَانَتْ أَسْرَعَ لُحُوقًا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا وَهْمٌ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ جَارِحَةً، وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا زَيْنَبُ، فَالصَّحِيحُ تَقْدِيرُ زَيْنَبَ أَوْ وُجُودُهُ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فِي الْحَدِيثِ اخْتِصَارًا أَوِ اكْتِفَاءًا لِشُهْرَةِ الْقِصَّةِ لِزَيْنَبَ، أَوْ يُؤَوَّلَ الْكَلَامُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا أَوَّلُ مَنْ يَلْحَقُ بِهِ وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ، قُلْتُ: الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِيِّ، وَأَنْتَ عَرَفْتَ أَنَّ هَذَا اخْتِصَارُ مَحَلٍّ فَالْأَوْلَى أَنَّ الْأَخِيرَيْنِ أَحَقُّ وَالثَّالِثَ أَدَقُّ (وَكَانَتْ) أَيْ: زَيْنَبُ (تُحِبُّ الصَّدَقَةَ) أَيْ: إِعْطَاءَهَا، وَكَانَتْ لَهَا صِنَاعَةٌ وَاكْتِسَابُ مَعِيشَةٍ بِالْيَدِ وَهَذَا مَعْنًى آخَرُ لِلْيَدِ، فَأَطْوَلُكُنَّ يَدًا بِمَعْنَى أَفْضَلُكُنَّ يَدًا؛ حَيْثُ إِنَّهَا تَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ بِيَدِهَا مِنْ كَدِّ يَدِهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ) أَيْ: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا» ) وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ طُولَ الْحَيَاةِ كَانَ فِي حَيَاتِهِ أَفْضَلَ، وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْمَوْتُ أَكْمَلُ، لِهَذَا قَالَ بِلَالٌ: -
غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّةْ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ
(قَالَتْ) أَيْ: عَائِشَةُ (فَكَانَتْ) أَيْ: جَمَاعَةُ النِّسَاءِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (يَتَطَاوَلْنَ) أَيْ: يَتَقَايَسْنَ أَطْوَالَ أَيْدِيهِنَّ (أَيَّتُهُنَّ) بِالضَّمِّ (أَطْوَلَ يَدًا) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ، أَيْ: يَتَطَاوَلْنَ نَاظِرَاتٍ أَيَّتُهُنَّ، قِيلَ: وَجْهُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْحَاضِرَاتِ كَانَتْ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ، وَأَنَّ سَوْدَةَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ عَائِشَةَ فِي سَنَةِ أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ، وَعَائِشَةُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ أَوْ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْحَاضِرَاتِ جَمِيعُهُنَّ، وَأَنَّ زَيْنَبَ تُوُفِّيَتْ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ قَبْلَ جَمِيعِ الْأَزْوَاجِ اهـ. وَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ لَا تَخْفَى (قَالَتْ) أَيْ: عَائِشَةُ (كَانَتْ) وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ أَيْ: ظَهَرَتْ ( «أَطْوَلَنَا يَدًا» ) أَيْ: بِالصَّدَقَةِ (زَيْنَبُ) وَكَانَتِ امْرَأَةً قَصِيرَةً؛ ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ (لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ) أَيْ: تَدْبُغُ الْجُلُودَ بِيَدِهَا ثُمَّ تَبِيعُهَا وَتَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ طُولَ الْيَدِ كِنَايَةٌ عَنْ قِصَرِ الطَّمَعِ وَكَفِّ النَّفْسِ الْمُتَعَدِّي، قَالَ الطِّيبِيُّ: تَعْلِيلٌ بِمَنْزِلَةِ الْبَيَانِ لِقَوْلِهَا يَتَطَاوَلْنَ وَأَنَّ الْمُرَادَ الْمَعْنَوِيُّ لَا الصُّورِيُّ.
стр. 2700
١٨٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
ــ
١٨٧٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) أَيْ: مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فِي نَفْسِهِ أَوْ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ أَوْ فِي نِدَائِهِ حَالَ دُعَائِهِ (لَأَتَصَدَّقَنَّ) أَيِ: اللَّيْلَةَ (بِصَدَقَةٍ) أَيْ: عَظِيمَةٍ وَاقِعَةٍ مَوْقِعَهَا لِيَتَعَلَّقَ بِهَا قَبُولٌ عَظِيمٌ (فَخَرَجَ) أَيْ: مِنْ بَيْتِهِ (بِصَدَقَتِهِ) أَيِ: الَّتِي نَوَى بِهَا لِيُعْطِيَهَا مُسْتَحِقَّهَا (فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ أَنَّهُ سَارِقٌ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لَهَا، فَأَذَاعَ السَّارِقُ بِأَنَّهُ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ (فَأَصْبَحُوا) أَيِ: النَّاسُ (يَتَحَدَّثُونَ) بَعْضُهُمْ مِنَ السَّارِقِ أَوْ بِإِلْهَامِ الْخَالِقِ، وَالْمَعْنَى فَصَارَ النَّاسُ مُتَحَدِّثِينَ، أَوْ مَعْنَاهُ دَخَلُوا فِي الصَّبَاحِ حَالَ كَوْنِهِمْ قَائِلِينَ تَعَجُّبًا أَوْ إِنْكَارًا (تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ) ظَرْفٌ (عَلَى سَارِقٍ) نَائِبُ الْفَاعِلِ أَوْ هُوَ ( «بِصَدَقَةٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ» ) أَيْ: عَلَى تَصَدُّقِي عَلَى سَارِقٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا جَزَمَ بِوَضْعِهَا فِي مَوْضِعِهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَنْكِيرُ بِصَدَقَةٍ جُوزِيَ بِوَضْعِهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ عَلَى مَنْ هُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُ، وَقِيلَ: هُوَ تَعَجُّبٌ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ كَمَا تَعَجَّبُوا مِنْ فِعْلِهِ، فَذُكِرَ الْحَمْدُ فِي مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ كَمَا يُذْكَرُ التَّسْبِيحُ فِي مَوْضِعِهِ ( «لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ» ) أَيْ: أُخْرَى لَعَلَّهَا تَقَعُ فِي مَحَلِّهَا ( «فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ» ) أَيْ: تَعَجُّبًا أَوْ إِنْكَارًا ( «تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ» ) أَيِ: اللَّيْلَةَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ ( «عَلَى غَنِيٍّ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ» ) فَذَلِكَ فَذْلَكَةٌ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حَمْدِهِ - تَعَالَى - وَثَنَائِهِ تَفْوِيضًا وَتَسْلِيمًا لِقَضَائِهِ فَجُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ الْمَقَامِ بِتَمَامِ نِظَامِ الْمَرَامِ (فَأُتِيَ) فَأُرِيَ فِي الْمَنَامِ (فَقِيلَ لَهُ) أَيْ: صَدَقَاتُكَ مَقْبُولَةٌ، وَكُلُّهَا فِي مَوَاضِعِهَا مَوْضُوعَةٌ ( «أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ» ) فَلَا تَخْلُوا عَنْ مَثُوبَةٍ مُتَضَمِّنَةٍ لِحِكْمَةٍ ( «فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ» ) إِمَّا مُطْلَقًا أَوْ مُدَّةَ الِاكْتِفَاءِ ( «وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا» ) وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْغَالِبَ فِي السَّارِقِ وَالزَّانِيَةِ أَنَّهُمَا يَرْتَكِبَانِ الْمَعْصِيَةَ لِلْحَاجَةِ وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِي مَا وَرَدَ: كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا ( «وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ» ) أَيْ: يَتَّعِظُ وَيَتَذَكَّرُ ( «فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ» ) اعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ لِمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ فَقِيرًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ غَنِيٌّ لَا يُعِيدُهَا، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَلَكِنْ لَا يَسْتَرِدُّ مَا أَدَّاهُ، وَهَلْ يَطِيبُ لِلْقَابِضِ إِذَا ظَهَرَ الْحَالُ؟ لَا رِوَايَةَ فِيهِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنْ لَا يَطِيبَ يَتَصَدَّقُ، وَقِيلَ يَرُدُّهُ لِلْمُعْطِي عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ لِيُعِيدَ الْأَدَاءَ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ ظَهَرَ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ مَعَ إِمْكَانِ الْوُقُوفِ عَلَى الصَّوَابِ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ أَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَلَهُمَا مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ «عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا يَزِيدُ لَكَ مَا نَوَيْتَ وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ» " اهـ. وَهُوَ وَإِنْ كَانَ وَاقِعَةَ حَالٍ يَجُوزُ فِيهَا كَوْنُ تِلْكَ الصَّدَقَةِ كَانَتْ نَفْلًا لَكِنَّ عُمُومَ لَفْظِ مَا فِي قَوْلِهِ ﵊: " «لَكَ مَا نَوَيْتَ» " يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ، كَذَا حَقَّقَهُ ابْنُ الْهُمَامِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ) أَيْ: وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ.
следующие страницы →