Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
٢٠١١ - وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِالْعَرْجِ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٠١١ - (وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ) قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ: الْجَهَالَةُ بِالصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ أَيْ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ (قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِالْعَرْجِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَقَالَ: مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَحَلٌّ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ ( «يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ» ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، أَيْ مِنْ أَجْلِ دَفْعِ أَحَدِهِمَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا يُكْرَهَ لِلصَّائِمِ أَنْ يَصُبَّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَأَنْ يَنْغَمِسَ فِيهِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ بُرُودَتُهُ فِي بَاطِنِهِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَوِ اكْتَحَلَ لَمْ يُفْطِرْ سَوَاءً وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَوْ لَا، لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي حَلْقِهِ أَثَرُهُ دَاخِلًا مِنَ الْمَسَامِّ، وَالْمُفْطِرُ الدَّاخِلُ مِنَ الْمَنَافِذِ كَالْمُدْخَلِ وَالْمُخْرَجِ لَا مِنَ الْمَسَامِّ الَّذِي هُوَ جَمِيعُ الْبَدَنِ، لِلِاتِّفَاقِ فِيمَنْ شَرَعَ فِي الْمَاءِ يَجِدُ بَرْدَهُ فِي بَاطِنِهِ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ، وَإِنَّمَا كَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ ذَلِكَ أَعَنِيَ الدُّخُولَ فِي الْمَاءِ وَالتَّلَفُّفِ بِالثَّوْبِ الْمَبْلُولِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الضَّجَرِ فِي إِقَامَةِ الْعِبَادَةِ، لَا لِأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الْإِفْطَارِ اهـ فَكَأَنَّ الْإِمَامَ حَمَلَ فِعْلَهُ ﷺ عَلَى إِظْهَارِ الْعَجْزِ وَالتَّضَرُّعِ عِنْدَ حُصُولِ الْآلَامِ وَعَلَى ارْتِكَابِ الْحِكْمَةِ فِي دَفْعِ الْمَضَرَّةِ بِالتَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ اسْتِعَانَةً لِلْقِيَامِ بِوَاجِبِ الْعُبُودِيَّةِ لِرَبِّ الْأَرْبَابِ، وَإِشَارَةً إِلَى مُشَارَكَتِهِ الْأُمَّةَ الْآمِنَةَ فِي الْعَوَارِضِ الْبَشَرِيَّةِ، مَيْلًا إِلَيْهِمْ وَتَسْهِيلًا عَلَيْهِمْ، وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَخِلَافُ الْأَوْلَى وَهُوَ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ مِنْ إِظْهَارِ الْعَجْزِ لِلرَّحْمَةِ عَلَى ضُعَفَاءَ الْأُمَّةِ (رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ) أَيْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ غَيْرُ صَحِيحٍ لِانْحِصَارِ الطَّرِيقِ فِي وَاحِدٍ.
стр. 2872
٢٠١٢ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ «أَنَّ رَسُولَ ﷺ أَتَى رَجُلًا بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ: " أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُ مَنْ رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ أَيْ تَعَرُّضًا لِلْإِفْطَارِ: الْمَحْجُومُ لِلضَّعْفِ، وَالْحَاجِمُ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِلَ شَيْءٌ إِلَى جَوْفِهِ بِمَصِّ الْمَلَازِمِ.
ــ
٢٠١٢ - (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى رَجُلًا) أَيْ مَرَّ عَلَيْهِ (بِالْبَقِيعِ) أَيْ بِمَقْبَرَةِ الْمَدِينَةِ (وَهُوَ) أَيِ الرَّجُلُ (يَحْتَجِمُ وَهُوَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (آخِذًا) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (بِيَدِي) إِشَارَةً إِلَى كَمَالِ قُرْبِهِ مِنْهُ ﷺ (لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ) بِسُكُونِ الشِّينِ وَيُكْسَرُ (خَلَتْ) أَيْ مَضَتْ (مِنْ رَمَضَانَ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ حِفْظِ الرَّاوِي وَضَبْطِهِ بِذِكْرِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَحَالِهِ (فَقَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ " «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» " قَالَ الطِّيبِيُّ: عَمِلَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ مُعَارِضٌ، ثُمَّ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ أَوْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحُوهُ (قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (رَحْمَةُ اللَّهِ) وَفِي نُسَخَةٍ صَحِيحَةٍ ﵀ (وَتَأَوَّلَهُ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ (بَعْضُ مَنْ رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ) وَهُمُ الْجُمْهُورُ، فَبَعْضُهُمْ قَالُوا أَيْ (تَعَرُّضًا لِلْإِفْطَارِ) كَمَا يُقَالُ هَلَكَ فُلَانٌ أَيْ تَعَرَّضَ لِلْهَلَاكِ (الْمَحْجُومُ لِلضَّعْفِ) أَيْ لِحُصُولِ الضَّعْفِ لَهُ بِالْحِجَامَةِ فَيَحْمِلُهُ عَلَى الْفِطْرِ (وَالْحَاجِمُ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِلَ شَيْءٌ) أَيْ مِنَ الدَّمِ (إِلَى جَوْفِهِ بِمَصٍّ
стр. 2873
الْمَلَازِمِ) بِإِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ الْمِلْزَمَةِ بِكَسْرِ الْمِيمِ قَارُورَةُ الْحَجَّامِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الدَّمُ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَلْزَمُ عَلَى الْمَحَلِّ وَتَقْبِضُهُ، قَالَ مِيرَكُ: وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِهِمَا مَسَاءً فَقَالَ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ عَذَرَهُمَا بِذَلِكَ أَيْ قَدْ أَمْسَيَا وَدَخَلَا وَقْتَ الْإِفْطَارِ، وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ مَرَّ بِهِمَا وَهُمَا يَغْتَابَانِ فَقَالَ: أَفْطِرَا، أَيْ بَطَلَ أَجْرُهُمَا بِالْغِيبَةِ كَالْإِفْطَارِ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَالْمُرَادُ بُطْلَانُ كَمَالِ أَجْرِهِ لَا أَصْلُ ثَوَابِهُ كَمَا سَبَقَ، وَذَكَرَ السَّيِّدُ عَلِيٌّ الْقَاضِي أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ جَمْعٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَقَالُوا: يُفْطِرُ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ، مِنْهُمْ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ مَسْرُوقٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: تُكْرَهُ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ وَلَا يَفْسَدُ الصَّوْمُ بِهَا، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى التَّشْدِيدِ، وَأَنَّهُمَا نَقَصَا أَجْرَ صِيَامِهِمَا وَأَبْطَلَاهُ بِارْتِكَابِ هَذَا الْمَكْرُوهِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا بَأْسَ بِهَا، إِذْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ أَفْطَرَ تَعَرَّضَ لِلْإِفْطَارِ كَمَا هُوَ مَشْرُوحٌ فِي الْمَتْنِ اهـ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذِكْرَ ابْنِ عَبَّاسٍ حِجَامَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَكَانَتْ سَنَةَ عَشْرَةٍ، وَحَدِيثُ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ سَنَةَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَفِي حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ، فَلْيُحْمَلْ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ تَارَةً بِمَكَّةَ وَتَارَةً بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّ احْتِجَامَهُ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَرُوِيَ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " أَفْطَرَ هَذَا "، ثُمَّ رَخَّصَ بَعْدُ فِي الْحِجَامَةِ، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ عِلَّةً، قَالَ الْحَازِمِيُّ: وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِنَسْخِ الْأَوَّلِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا بَأْسَ بِسَوْقِ نُبْذَةٍ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ: " أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَاهُ، وَنَقَلَ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي الْبَابِ، تَمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ السَّابِقَ، ثُمَّ قَالَ: وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ فِي عِلَلِهِ الْكُبْرَى عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كِلَاهُمَا عِنْدِي صَحِيحٌ، يَعْنِي حَدِيثَيْ ثَوْبَانَ وَشَدَّادٍ، وَكَذَا عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْهُ ﷺ قَالَ: " «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» " وَصَحَّحَهُ، وَلَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذَا، وَبَلَغَ أَحْمَدَ أَنَّ ابْنَ مَعِينٍ ضَعَّفَهُ وَقَالَ: إِنَّهُ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ، وَلَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ يَثْبُتُ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا مُجَازَفَةٌ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: مُتَوَاتِرٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ مَا قَالَهُ بِبَعِيدٍ، وَمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ وَالسُّنَنِ الْكُبْرَى لِلنَّسَائِيِّ، وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْحِجَامَةَ لَا تُفْطِرُ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا ادِّعَاءُ النَّسْخِ، وَذَكَرُوا فِيهِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ثَابِتٍ «عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا كَرِهْتُ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " أَفْطَرَ هَذَانِ» ، ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ عِلَّةً، وَمَا رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، وَرَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ» ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ بَعْدَ مَا قَالَ: " أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» ، وَكَذَا فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ مَا قَالَ الْحَدِيثَ وَهُوَ صَحِيحٌ، وَطَلْحَةُ هَذَا احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا رِوَايَةُ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ وَهِيَ الَّتِي أَخْرَجَهَا ابْنُ حَمَّادٍ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَظْهَرُ سَنَدًا وَأَظْهَرُ تَأْوِيلًا، إِمَّا بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مُحْرِمًا إِلَّا وَهُوَ مُسَافِرٌ، وَالْمُسَافِرُ يُبَاحُ لَهُ الْإِفْطَارُ بَعْدَ الشُّرُوعِ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ جَوَابُ ابْنِ خُزَيْمَةَ، أَوْ أَنَّ الْحِجَامَةَ كَانَتْ مَعَ الْغُرُوبِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ أَبَا طِيبَةَ أَنْ يَأْتِيَهُ مَعَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَضَعَ الْمَحَاجِمَ مَعَ إِفْطَارِ الصَّائِمِ فَحَجَمَهُ ثُمَّ سَأَلَهُ: " كَمْ خَرَاجُكَ؟ " قَالَ: صَاعَانِ، فَوَضَعَ عَنْهُ صَاعًا» اهـ. وَالثَّانِي التَّأْوِيلُ بِأَنَّ مُرَادَهُ ذَهَابُ ثَوَابِ الصَّوْمِ بِسَبَبِ أَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ، وَرَوَى الْعُقَيْلِيُّ فِي ضُعَفَائِهِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلَيْنِ يَحْجُمُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَاغْتَابَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الْآخَرُ، فَقَالَ: " أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ "، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا لِلْحِجَامَةِ وَلَكِنْ لِلْغِيبَةِ» ، لَكِنْ أُعِلَّ بِالِاضْطِرَابِ فَإِنَّ فِي بَعْضِهَا إِنَّمَا مَنَعَ إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ خَشْيَةَ الضَّعْفِ، تَمَّ كَلَامُ الْمُحَقِّقِ مُخْتَصَرًا.
стр. 2874
٢٠١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: أَبُو الْمُطَوِّسِ الرَّاوِي لَا أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ.
ــ
٢٠١٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ " كَسَفَرٍ " وَلَا مَرَضٍ ") أَيْ: مُبِيحٌ لِلْإِفْطَارِ مِنْ عَطْفِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ " لَمْ يَقْضِ عَنْهُ " أَيْ: عَنْ ثَوَابِ ذَلِكَ الْيَوْمِ " صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ " أَيْ: صَوْمُهُ فِيهِ، فَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى فِي، نَحْوُ مَكْرُ اللَّيْلِ (وَكُلِّهُ) لِلتَّأْكِيدِ " وَإِنْ صَامَهُ " أَيْ وَلَوْ صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَمْ يَجِدْ فَضِيلَةَ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ بِصَوْمِ النَّفْلِ، وَإِنْ سَقَطَ قَضَاؤُهُ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ وَالتَّشْدِيدِ، وَلِذَلِكَ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ " وَإِنْ صَامَهُ "، أَيْ: حَقَّ الصِّيَامِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِلَّا فَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُهُ أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ كُلِّهِ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ عَمَّا أَفْطَرَهُ مِنْ رَمَضَانَ لَا يُجْزِئُهُ، قَالَ بِهِ عَلَيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ يَوْمٌ بَدَلَ يَوْمٍ وَإِنْ كَانَ مَا أَفْطَرَهُ فِي غَايَةِ الطُّولِ وَالْحَرِّ، وَمَا صَامَهُ بَدَلَهُ فِي غَايَةِ الْقِصَرِ وَالْبَرْدِ، وَأَوْجَبَ بَدَلَ الْيَوْمِ رَبِيعَةُ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، لِأَنَّ السَّنَةَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَالنَّخَعِيُّ ثَلَاثَةَ آلَافِ يَوْمٍ، وَلَا يُكْرَهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ فِي زَمَنٍ، وَشَذَّ مَنْ كَرِهَهُ فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَمَنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فَوْرًا عَقِبَ يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ، وَلِعُذْرٍ يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَعْنَى الصَّوْمِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ) أَيْ: فِي تَفْسِيرِهِ كَمَا يُقَالُ بَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ الصَّوْمِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: أَبُو الْمُطَوِّسِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ (الرَّاوِي لَا أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ) قَالَ: وَلَا أَدْرِي سَمِعَ أَبُو الْمُطَوِّسِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَمْ لَا، وَقَالَ ابْنُ خَلَفٍ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ إِسْنَادُهُ غَرِيبًا وَإِنْ سَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ، وَحِينَئِذٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ، وَبِفَرْضِ صِحَّتِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّشْدِيدِ فَغَفْلَةٌ لَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ كَوْنِ الْإِسْنَادِ غَرِيبًا أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ ضَعِيفًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ ضَمِّهِ مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ، فَإِنَّهُ إِذَا سَكَتَ يَدُلُّ عَلَى حُسْنِهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، فَوَجْهُ ضَعْفِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ لِلْكُلِّ، وَوَقَعَ الشَّكُ فِي اتِّصَالِ سَنَدِهِ، فَتَأَمَّلْ.
стр. 2875
٢٠١٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الظَّمَأُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَذَكَرَ حَدِيثَ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ فِي بَابِ سُنَنِ الْوُضُوءِ.
ــ
٢٠١٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ ") أَيْ: حَاصِلٌ أَوْ حَظٌّ " مِنْ صِيَامِهِ " أَيْ: مِنْ أَجْلِهِ " إِلَّا الظَّمَأُ " بِالرَّفْعِ أَيِ: الْعَطَشُ وَنَحْوُهُ مِنَ الْجُوعِ، وَاخْتَارَ الظَّمَأَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مَشَقَّتَهُ أَعْظَمُ " وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ " أَيْ: فِي اللَّيْلِ " لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ " أَيْ: أَثَرٌ " إِلَّا السَّهَرُ " أَيْ: وَنَحْوُهُ مِنْ تَعَبِ الرِّجْلِ وَصَفَارِ الْوَجْهِ وَضَعْفِ الْبَدَنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنَّ الصَّائِمَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَسِبًا أَوْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَنِبًا عَنِ الْفَوَاحِشِ مِنَ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمَنَاهِي فَلَا حَاصِلَ لَهُ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَإِنْ سَقَطَ الْقَضَاءُ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَأَدَاؤُهَا بِغَيْرِ جَمَاعَةٍ بِلَا عُذْرٍ فَإِنَّهَا تُسْقِطُ الْقَضَاءَ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الثَّوَابُ اهـ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَكَذَا جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ إِذْ لَمْ تَكُنْ خَالِصَةً اهـ. كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِمَا إِلَّا خَسَارَةُ الْمَالِ، وَتَعَبُ الْبَدَنِ فِي الْمَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ وَأَنَّ النَّفْيَ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الْمَرَائِي فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ ثَوَابٌ أَصْلًا (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُ " «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» " وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُهُ: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنَ الصِّيَامِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ» (وَذُكِرَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (حَدِيثُ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَبُو رَزِينٍ لَقِيطُ بْنُ عَامِرٍ صَبْرَةُ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمَا شَخْصَانِ (فِي بَابِ سُنَنِ الْوُضُوءِ) وَالْحَدِيثُ قَوْلُهُ بَالَغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ اعْتِرَاضٌ مِنْ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ وَهُوَ فِي مَحَلِّهِ كَمَا لَا يَخْفَى ; لِأَنَّ إِيرَادَ الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الْمَوْضُوعِ لِلْحُكْمِ السَّابِقِ مِنْهُ أَوْلَى.
стр. 2876
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٠١٥ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالِاحْتِلَامُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ الرَّاوِي يَضْعُفُ فِي الْحَدِيثِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٠١٥ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أَيِ: الْخُدْرِيِّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ثَلَاثٌ ") أَيْ: خِصَالٌ " لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْحِجَامَةُ " بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيِ: الِاحْتِجَامُ، وَقَدْ عَلِمْتَ الْخِلَافَ فِيمَا سَبَقَ مِنَ الْكَلَامِ " وَالْقَيْءُ " أَيْ: إِذَا غَلَبَهُ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ " وَالِاحْتِلَامُ " أَيْ: وَلَوْ تَذَكَّرَ الْمَنَامَ وَرَأَى الْمَنِيَّ فِي أَيَّامِ الصِّيَامِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الْجِمَاعِ لَكِنْ حَيْثُ أَنَّهُ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ لَا يَضُرُّهُ بِالْإِجْمَاعِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ الرَّاوِي يَضْعُفُ فِي الْحَدِيثِ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: إِنَّهُ أَصَحُّ اهـ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْقَيْءُ وَالْحِجَامَةُ وَالِاحْتِلَامُ» " قَالَ: وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِهَا إِسْنَادًا وَأَصَحِّهَا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَجِبُ أَنْ يَرْتَقِيَ إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ، وَضَعْفُ رُوَاتِهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْحِفْظِ لَا الْعَدَالَةِ، فَالتَّظَافُرُ دَلِيلُ الْجَادَّةِ فِي خُصُوصِهِ.
стр. 2877
٢٠١٦ - وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: «سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: كُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٠١٦ - (وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ ثَابِتُ بْنُ أَسْلَمَ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ مِنْ أَعْلَامِ الْبَصْرَةِ، صَحِبَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً (قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: كُنْتُمْ) وَلَفْظُ ابْنِ الْهُمَامِ: أَكُنْتُمْ ( «تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: لَا» ) أَيْ: مَا كُنَّا نَكْرَهُهَا (إِلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ) أَيْ: لِلْمَحْجُومِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَهُوَ مَوْقُوفٌ لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ كَمَا هُوَ فِي الْأُصُولِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ ظَاهِرَةٌ فِي إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ سَنَدٍ فَيَكُونُ حُجَّةً لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2878
٢٠١٧ - وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَرَكَهُ فَكَانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ.
ــ
٢٠١٧ - (وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ تَرَكَهُ) أَيِ: الِاحْتِجَامَ احْتِيَاطًا أَوْ خَوْفًا مِنَ الضَّعْفِ (فَكَانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ) قَالَ مِيرَكُ: حَقُّ الْإِيرَادُ عَلَى مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ أَنْ يَقُولَ أَوَّلًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ إِلَخْ، ثُمَّ يَقُولُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.
стр. 2879
٢٠١٨ - وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إِنْ تَمَضْمَضَ ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنَ الْمَاءِ لَا يَضِيرُ أَنْ يَزْدَرِدَ رِيقَهُ، وَمَا بَقِيَ فِي فِيهِ، وَلَا يَمْضُغُ الْعِلْكَ فَإِنِ ازْدَرَدَ رِيقَ الْعِلْكَ لَا أَقُولُ إِنَّهُ يُفْطِرُ وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ.
ــ
٢٠١٨ - (وَعَنْ عَطَاءٍ) تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (قَالَ: إِنْ مَضْمَضَ) أَيِ: الصَّائِمُ (ثُمَّ أَفْرَغَ) أَيْ: صَبَّ (مَا فِي فِيهِ) أَيْ: جَمِيعَ مَا فِي فِيهِ (مِنَ الْمَاءِ) بَيَانٌ لِمَا الْمَوْصُولَةِ (لَا يَضِيرُهُ) أَيْ: لَا يَضُرُّ صَوْمَهُ مِنْ ضَارٍّ، لُغَةٌ بِمَعْنَى ضَرَّ (أَنْ يَزْدَرِدَ رِيقَهُ) أَيْ يَبْتَلِعُهُ (وَمَا بَقِيَ فِي فِيهِ) أَيْ فَمِهِ عَطِفَ عَلَى رِيقِهِ، وَقِيلَ: مَا نَافِيَةٌ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَظُنُّ أَنَّهُ سَقَطَتْ كَلِمَةُ ذَا عَنِ النَّاسِخِ، وَكَانَ أَصْلُهُ: وَمَاذَا بَقِيَ فِي فِيهِ، وَكَذَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ هَذَا التَّعْلِيقَ: وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: الصَّائِمُ يَتَمَضْمَضُ ثُمَّ يَزْدَرِدُ رِيقَهُ وَهُوَ صَائِمٌ، قَالَ: لَا يَضُرُّهُ، وَمَاذَا بَقِيَ فِي فِيهِ؟ وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ اهـ. فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْهُمَامِ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا أَنَّهُ لَا يَضُرُّ الصَّائِمُ إِنْ دَخَلَ غُبَارٌ أَوْ دُخَانٌ أَوْ ذُبَابٌ حَلْقَهُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَمَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَمَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْبَلَلِ الْبَاقِي فِي الْمَضْمَضَةِ (وَلَا يَمْضُغُ الْعِلْكَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الَّذِي يُمْضَغُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَضَمِّهَا عِنْدَ ابْنِ سِيدَهْ، وَلَا نَافِيَةٌ أَوْ نَاهِيَةٌ، فِي الْقَامُوسِ مَضَغَهُ كَمَنَعَهُ: لَاكَهُ
стр. 2880
بِسِنِّهِ، وَالْعِلْكُ صَمْغُ الصَّنَوْبَرِ، وَالْأَرْزَةِ وَالْفُسْتُقِ وَالسَّرْوِ وَالْيَنْبُوتِ وَالْبُطْمِ، وَهُوَ أَجْوَدُهَا، مُسَخِّنٌ مُدِرٌّ بَاهِيٌّ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَيَمْضُغُ الْعِلْكَ، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ عِنْدَ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ بِحَذْفِ كَلِمَةِ (لَا) وَهُوَ أَوْفَقُ بِالسِّيَاقِ، كَمَا لَا يَخْفَى، تَأَمَّلْ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالسِّيَاقِ أَنَّ سَوْقَ الْكَلَامِ السَّابِقِ فِي الرُّخْصَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ بِالْإِثْبَاتِ لَا بِالنَّفْيِ أَوِ النَّهْيِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: فَرْقٌ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ حَيْثُ رَخَّصَ فِي ازْدِرَادِ الْأَوَّلِ وَنَهَى عَنِ ابْتِلَاعِ الثَّانِي فَبِهَذَا الْمَعْنَى يُنَاسِبُ عَدَمَ الْإِثْبَاتِ، فَالنَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَالنَّهْيُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ، وَهَذَا الْمَعْنَى أَثْبَتُ، وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَكُرِهَ مَضْغُ شَيْءٍ عِلْكًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ إِلَّا طَعَامَ صَبِيٍّ ضَرُورَةً، لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُ الْمَمْنُوعَ، فَأَوْلَى أَنْ تُبِيحَ الْمَكْرُوهَ، وَلَوْ تَغَيَّرَ رِيقُ الْخَيَّاطِ بِخَيْطٍ مَصْبُوغٍ وَابْتَلَعَهُ إِنْ صَارَ رِيقُهُ مِثْلَ صِبْغِ الْخَيْطِ فَسَدَ صَوْمُهُ وَإِلَّا لَمْ يَفْسَدْ اهـ. كَلَامُهُمْ، وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْغَلَبَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَإِنِ ازْدَرَدَ رِيقَ الْعِلْكِ) بِالْكَسْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَصِحُّ هُنَا كَسْرُ الْعَيْنِ وَفَتْحُهَا، أَيِ الرِّيقَ الْمُتَوَلِّدَ مِنَ الْعُلُوكِ أَوْ مِنْ مَضْغِهِ (لَا أَقُولُ إِنَّهُ يُفَطِّرُ) بِالتَّشْدِيدِ فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الِازْدِرَادِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّخْفِيفِ فَالضَّمِيرُ إِلَى الصَّائِمِ، وَفِي كَلَامِهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِنَّمَا لَمْ يُفَطِّرْ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى الْجَوْفِ عَيْنٌ أَجْنَبِيَّةٌ وَإِنَّمَا النَّازِلُ إِلَيْهِ مَحْضُ الرِّيقِ لَا غَيْرَ (وَلَكِنْ يُنْهَى) أَيْ: نَهْيَ تَنْزِيهٍ (عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الِازْدِرَادِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى مَضْغِ الْعِلْكِ حَيْثُ قَالَ: وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَئِمَّتُنَا أَيْضًا، فَقَالُوا: يُسَنُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْ مَضْغِ الْعِلْكِ فَإِنْ فَعَلَ كُرِهَ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الرِّيقَ، فَإِنِ ابْتَلَعَهُ أَفْطَرَ فِي وَجْهٍ قَالَ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُفْطِرُ بِمُجَرَّدِ الْعِلْكِ وَلَا بِنُزُولِ الرِّيقِ مِنْهُ إِلَى جَوْفِهِ فَإِنْ تَفَتَّتَ فَوَصَلَ مِنْ جِرْمِهِ شَيْءٌ إِلَى جَوْفِهِ عَمْدًا، وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ لَمْ يُفْطِرْ، وَلَوْ نَزَلَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ دُونَ جِرْمِهِ لَمْ يُفْطِرْ، لِأَنَّ ذَلِكَ الطَّعْمَ لِمُجَاوِرَةِ الرِّيقِ لَهُ، وَقِيلَ: إِنِ ابْتَلَعَ الرِّيقَ وَفِيهِ طَعْمُهُ أَفْطَرَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ اهـ. وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏: وَكُرِهَ مَضْغُ شَيْءٍ سَوَاءٌ كَانَ عِلْكًا أَمْ غَيْرَهُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَقِيلَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ مُلْتَئِمًا بِأَنْ لَمْ يَمْضُغْهُ أَحَدٌ إِنْ كَانَ أَبْيَضَ، وَكَذَا إِذَا كَانَ أَسْوَدَ، وَالْأَبْيَضُ يَتَفَتَّتُ قَبْلَ الْمَضْغِ فَيَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ، وَإِطْلَاقُ مُحَمَّدٍ عَدَمَ الْفَسَادِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِعَدَمِ الْوُصُولِ، فَإِذَا فُرِضَ فِي بَعْضِ الْعِلْكِ مَعْرِفَةُ الْوُصُولِ مِنْهُ عَادَةً وَجَبَ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْفَسَادِ لِأَنَّهُ كَالْمُتَيَقِّنِ، وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ تَعَرَّضَ لِلْفَسَادِ وَتُهْمَةِ الْإِفْطَارِ، وَعَنْهُ ﷺ : " «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقِفَنَّ مَوَاقِفَ الْتُهَمِ» " وَقَالَ عَلِيٌّ: إِيَّاكَ وَمَا سَبَقَ إِلَى الْقُلُوبِ إِنْكَارُهُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ اعْتِذَارُهُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ السِّوَاكِ فِي حَقِّهِنَّ فَإِنَّ بِنْيَتَهُنَّ ضَعِيفَةٌ، قَدْ لَا تَحْتَمِلُ السِّوَاكَ، فَيُخْشَى عَلَى اللِّثَةِ وَالسِّنِّ مِنْهُ، وَهَذَا قَائِمٌ مَقَامَهُ فَيَفْعَلْنَهُ اهـ. وَهُوَ وَجْهٌ آخَرُ لِكَرَاهَتِهِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَشَبُّهٌ بِالنِّسَاءِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ) .
стр. 2881
[بَابُ صَوْمِ الْمُسَافِرِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٠١٩ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «إِنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَقَالَ: " إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
بَابُ صَوْمِ الْمُسَافِرِ
أَيْ: فِي بَيَانِ حُكْمِ الصَّوْمِ لِلْمُسَافِرِ مِنْ جَوَازِ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَبَيَانِ الْأَفْضَلِ مِنْهُمَا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٠١٩ - (عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: «إِنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟» ) أَيْ: فَمَا حُكْمُهُ؟ أَيْ هَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ فِي الصَّوْمِ أَوْ ضِدِّهِ أَوْ يُقَدَّرُ الِاسْتِفْهَامُ (وَكَانَ) أَيْ: حَمْزَةُ (كَثِيرَ الصِّيَامِ) وَسَيَأْتِي أَنَّهُ كَانَ صَائِمَ الدَّهْرِ، فَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِبَيَانِ الْحَالِ الْحَامِلِ لَهُ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ (فَقَالَ: " إِنْ شِئْتَ ") أَيْ: أَرَدْتَ الصِّيَامَ " فَصُمْ " لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَفِي تَقَدُّمِ هَذَا الْحُكْمِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ،
стр. 2882
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ صَوْمَهُ أَفْضَلُ لِتَبْرِئَةِ الذِّمَّةِ " وَإِنْ شِئْتَ " أَيِ: اخْتَرْتَ الْإِفْطَارَ " فَأَفْطِرْ " بِهَمْزَةِ قَطْعٍ، فَإِنَّهُ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - لِقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] أَيْ: وَأَفْطَرَ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أَيْ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ عَدَدِ تِلْكَ الْأَيَّامِ، قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا التَّخْيِيرُ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا ابْنَ عُمَرَ فَإِنَّهُ قَالَ: إِنْ صَامَ فِي السَّفَرِ قَضَى فِي الْحَضَرِ، وَإِلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَكَأَنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِظَاهِرِ الْآيَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ مِنْهُمَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الصَّوْمُ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْفِطْرُ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ أَيْسَرُهَا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَأَمَّا الَّذِي يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ وَلَا يُطِيقُهُ فَإِفْطَارُهُ أَوْلَى، لِقَوْلِهِ ﷺ حِينَ رَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ: " «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» "، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَجْهُ قَوْلِهِ ﷺ " «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» " وَقَوْلُهُ ﷺ " أُولَئِكَ الْعُصَاةُ " فِيمَنْ بَلَغَ لَهُ إِنْ صَامُوا أَنَّ هَذَا فِيمَنْ لَمْ يَقْبَلْ قَلْبُهُ رُخْصَةَ اللَّهِ - تَعَالَى، فَأَمَّا مَنْ رَأَى الْفِطْرَ مُبَاحًا وَقَوِيَ عَلَى الصَّوْمِ فَصَامَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ اهـ. وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَائِلٌ بِالتَّخْيِيرِ، فَمَا رُوِيَ عَنْهُ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى صَوْمِ الْعُصَاةِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشِّيعَةُ وَبَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الصَّوْمِ مُطْلَقًا، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِمَا هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مَعْذُورٌ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى حَدِيثِ التَّخْيِيرِ بِخِلَافِهِمْ فَإِنَّهُمُ اطَّلَعُوا عَلَيْهِ وَتَرَكُوهُ لِغَيْرِ مَقْنَعٍ، فَغَيْرُ مُقْنِعٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ أَنَّ أَفْضَلَهُمَا أَيْسَرُهُمَا بَعْدَ نَقْلِهِ أَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ، فَمُخَالِفٌ لِمَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مِنْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ مَعَ الْجُمْهُورِ، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَيْسَرَ هُوَ الْأَفْضَلُ يَرْجِعُ فِي التَّحْقِيقِ إِلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ، فَتَدَبَّرْ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: قَوْلُهُ ﷺ " «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ» " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْدُبُ التَّمَسُّكَ بِالرُّخْصَةِ إِذَا دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهَا، وَتَرْكَ التَّنَطُّعِ وَالتَّعَمُّقِ، وَمَنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَهُوَ لَهُ أَفْضَلُ مُسَارَعَةً لِبَرَأَةِ الذِّمَّةِ وَلِفَضِيلَةِ الْوَقْتِ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ عُلَمَائِنَا: وَصَوْمُ سَفَرٍ لَا يَضُرُّهُ أَحَبُّ، وَفِي الْهِدَايَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْفِطْرُ أَفْضَلُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْحَقُّ أَنَّ قَوْلَهُ كَقَوْلِنَا وَلَمْ يُحْكَ ذَلِكَ عَنْهُ إِنَّمَا هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَسَيَأْتِي لَفْظُ مُسْلِمٍ.
стр. 2883
٢٠٢٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٠٢٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: غَزَوْنَا) أَيْ: جَاهَدْنَا الْكُفَّارَ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) فِيهِ تَجْرِيدٌ أَوْ تَأْكِيدٌ لِأَنَّ الْغَزْوَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَهُ بِخِلَافِ السَّرِيَّةِ (لَسِتَّ عَشْرَةَ) أَيْ: لَيْلَةً (مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى غَلَطِ مَنْ قَالَ: إِنَّ أَحَدًا إِذَا أَنْشَأَ السَّفَرَ فِي أَثْنَاءِ رَمَضَانَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ (فَمِنَّا مَنْ صَامَ) وَهُمُ الْأَقْوِيَاءُ (وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ) وَهُمُ الضُّعَفَاءُ أَوْ خُدَّامُ الْكُبَرَاءِ (فَلَمْ يَعِبْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ: لَمْ يَلُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا يَجِدُ، أَيْ: لَا يَغْضَبُ وَلَا يَعْتَرِضُ (الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ) لِأَنَّهُ عَمِلَ بِالرُّخْصَةِ (وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ) لِعَمَلِهِ بِالْعَزِيمَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَرُوِيَ أَيْضًا: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَصُومُ الصَّائِمُ وَيُفْطِرُ الْمُفْطِرُ، وَلَا يَعِيبُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» ، وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، مَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذِهِ غَيْرُ غَزْوَةِ الْفَتْحِ، لِأَنَّ ابْنَ رَوَاحَةَ اسْتُشْهِدَ قَبْلَهَا بِمُؤْتَةَ، وَغَيْرُ غَزْوَةِ بَدْرٍ لِأَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَضَرَ هَذِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ يَوْمَ بَدْرٍ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ ﷺ سَافَرَ أَيَّامَ رَمَضَانَ غَيْرَ هَاتَيْنِ الْغَزْوَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِي الصَّحِيحِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ حَرٌّ شَدِيدٌ حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » - اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ رَمَضَانَ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ: قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لِيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا مَنَّا أَحَدٌ صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ يُوَافِقُ الرِّوَايَةَ الْأَخِيرَةَ لِمُسْلِمٍ، وَالرَّبِيعُ نَسَبَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى إِلَى الشَّيْخَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2884
٢٠٢١ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ " قَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: " لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٠٢١ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا) بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ: مُزَاحَمَةً فِي الِاجْتِمَاعِ عَلَى غَرَضِ الِاطِّلَاعِ (وَرَجُلًا) هُوَ أَبُو إِسْرَائِيلَ، وَاسْمُهُ قَيْسٌ، وَقِيلَ: قُشَيْرٌ، وَقِيلَ: قَيْصَرٌ، وَهُوَ أَصَحُّ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ (قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ) أَيْ: جُعِلَ عَلَيْهِ ظِلٌّ اتِّقَاءً عَنِ الشَّمْسِ، أَوْ إِبْقَاءً عَلَيْهِ لِلْإِفَاقَةِ لِأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ شِدَّةِ الْحَرَارَةِ، أَوْ مِنْ ضَعْفِ الصَّوْمِ، أَوْ مِنَ الْإِغْمَاءِ، وَقِيلَ: ضُرِبَ عَلَى رَأْسِهِ مِظَلَّةٌ كَالْخَيْمَةِ وَشِبْهِهَا، وَقِيلَ: ظُلِّلَ عَلَيْهِ بِالْقِيَامِ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ جَوَانِبِهِ، قَالَ فِي التَّتِمَّةِ: إِنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ هَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ كَمَا بُيِّنَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى بُلُوغِ الْعَطَشِ النِّهَايَةَ وَحَرَارَةِ الصَّوْمِ الْغَايَةَ " فَقَالَ: مَا هَذَا؟ " أَيْ: مَا هَذَا الزِّحَامُ أَوِ التَّظْلِيلُ (قَالُوا: صَائِمٌ) أَيْ: ثَمَّةُ صَائِمٌ، سَقَطَ لِلضَّعْفِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا بِمَعْنَى مَنْ، أَيْ: مَنْ هَذَا السَّاقِطُ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْأَزْهَارِ " فَقَالَ: لَيْسَ الْبِرَّ الصَّوْمُ " قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: مِنْ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وَقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَرَوَى أَهْلُ الْيَمَنِ لَيْسَ مِنْ أَمْبِرٍ أَمْصِيَامُ فِي أَمْسَفَرٍ، فَأَبْدَلُوا مِنَ اللَّامِ مِيمًا، وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ، وَفِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ: الصِّيَامُ بَدَلَ الصَّوْمِ أَيِ: الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى هَذِهِ الْحَالَةِ " فِي السَّفَرِ " لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ، وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا أَدَّى الصَّوْمُ إِلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي شَاهَدَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِدَلِيلِ صِيَامِهِ ﷺ فِي السَّفَرِ عَامَ الْفَتْحِ، وَخَيَّرَ حَمْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ، قَالَ الشُّمُنِّيُّ: وَصَوْمُ سَفَرٍ لَا يَضُرُّ أَحَبُّ مِنَ الْفِطْرِ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَالْأَوْزِاعِيُّ: الْفِطْرُ أَحَبُّ مُطْلَقًا لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَنَا أَنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْعَزِيمَةُ فِي حَقِّ الْكُلِّ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَالْأَخْذُ بِالْعَزِيمَةِ أَفْضَلُ، وَأَيْضًا رَمَضَانُ أَفْضَلُ الْوَقْتَيْنِ فَالْأَدَاءُ فِيهِ أَفْضَلُ، قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَ مَعَ الْقُوَّةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ مَعَ الْعَجْزِ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَكْثَرُونَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خِدْمَةَ الصُّلَحَاءِ خَيْرٌ مِنَ النَّوَافِلِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الْعَوَارِفِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2885
٢٠٢٢ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ فَسَقَطَ الصَّوَّامُونَ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ وَسَقَوُا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٠٢٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ) أُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ (وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ فَسَقَطَ الصَّوَّامُونَ) بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ ضَعُفُوا عَنِ الْحَرَكَةِ وَمُبَاشَرَةِ حَوَائِجِهِمْ لِأَجْلِ ضَعْفِهِمْ (وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ) أَيْ بِالْخِدْمَةِ (فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ) أَيْ قَامَ الْمُفْطِرُونَ وَنَصَبُوا الْخِيَامَ (وَسَقَوُا الرِّكَابَ) أَيِ الْإِبِلَ الَّتِي يُسَارُ عَلَيْهَا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ) أَيْ بِالثَّوَابِ الْأَكْمَلِ لِأَنَّ الْإِفْطَارَ كَانَ فِي حَقِّهِمْ حِينَئِذٍ أَفْضَلَ، وَفِي ذِكْرِ الْيَوْمِ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ إِطْلَاقِ هَذَا الْحُكْمِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَنَّهُمْ مَضَوْا وَاسْتَصْحَبُوا الْأَجْرَ وَلَمْ يَتْرُكُوا لِغَيْرِهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، عَلَى طَرِيقَةِ الْمُبَالَغَةِ يُقَالُ ذَهَبَ بِهِ إِذَا اسْتَصْحَبَهُ وَمَضَى بِهِ مَعَهُ اهـ يَعْنِي بِالْأَجْرِ كُلِّهِ أَوْ بِكُلِّ الْأَجْرِ مُبَالَغَةً، هَذَا وَمَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ أَنَّهُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] الْكَشَّافِ، يُقَالُ ذَهَبَ بِهِ إِذَا اسْتَصْحَبَهُ وَمَضَى مَعَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُبَرِّدِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الْآيَةِ لِأَنَّ مَعْنَاهَا أَذْهَبَهُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلِاسْتِحَالَةِ الْمُضِيِّ وَالِاسْتِصْحَابِ مَعَ نُورِهِمْ فِي حَقِّهِ - تَعَالَى - (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2886
٢٠٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ
ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدِهِ لِيَرَاهُ النَّاسُ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
ــ
٢٠٢٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ) أَيْ: عَامَ الْفَتْحِ (فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ اسْمُ مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَدِينَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَهُوَ سَهْوُ قَلَمٍ أَوْ خَطَأُ قَدَمٍ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْضِعٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ (ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ) أَيْ: طَلَبَهُ (فَرَفَعَهُ إِلَى يَدِهِ) الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ
стр. 2887
حَالٌ أَيْ: رَفَعَ الْمَاءَ مُنْتَهِيًا إِلَى أَقْصَى مَدِّ يَدِهِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: كَذَا لِأَكْثَرِهِمْ، وَعِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ إِلَى فِيهِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ إِلَّا أَنَّ إِلَى فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ بِمَعْنَى عَلَى فَيَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ اهـ. وَبِهِ بَطَلَ قَوْلُ بَعْضِهِمُ: الصَّوَابُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ " فَرَفَعَهُ إِلَى فِيهِ " وَإِنَّ ذِكْرَ يَدِهِ لِيَرَوْهُ وَيَقْتَدُوا بِهِ، لَكِنْ قَالَ الرَّضِيُّ وَغَيْرُهُ: التَّحْقِيقُ أَنَّهَا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَلِذَا اخْتَرْنَاهُ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ، وَالْمَعْنَى: فَرَفَعَهُ رَفْعًا بَلِيغًا مُنْتَهِيًا إِلَى رَفْعِ يَدِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّضْمِينُ أَيِ انْتَهَى الرَّفْعُ إِلَى أَقْصَى غَايَتِهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى فِي الظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧] أَيْ: فَرَفَعَهُ حَالَ كَوْنِهِ فِي يَدِهِ (لِيَرَاهُ النَّاسُ) أَيْ: وَلِيَعْلَمُوا جَوَازَهُ أَوْ لِيَخْتَارُوا مُتَابَعَتَهُ (فَأَفْطَرَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي السَّفَرِ جَازَ أَنْ يُفْطِرَ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ فِيهِ أَظْهَرُ وَلَعَلَّ ذَا مُؤَوَّلٌ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ مَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَائِمًا ذَلِكَ الْيَوْمَ مُطْلَقًا بَلِ الْمَعْنَى أَنَّهُ صَامَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى عُسْفَانَ فَأَفْطَرَ أَيْ مِنْهُ وَاسْتَمَرَّ مُفْطِرًا (حَتَّى قِدَمَ مَكَّةَ) وَهُوَ إِمَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ لِحُصُولِ عُذْرٍ حَادِثٍ وَهُوَ التَّهَيُّؤُ لِلْقِتَالِ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ فِي الِاسْتِقْبَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ (وَذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ كَانَ (فِي رَمَضَانَ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَفْطَرَ) يَعْنِي فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ حَالَ السَّفَرِ (فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ) أَيْ: لَا حَرَجَ عَلَى أَحَدِهِمَا، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: لَا فَرْقَ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بَيْنَ مَنْ يُنْشِئُ السَّفَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَبَيْنَ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ وَهُوَ مُسَافِرٌ، وَقَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: إِذَا أَنْشَأَ السَّفَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الْقَائِلِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ الشَّهْرُ كُلُّهُ، فَأَمَّا مَنْ شَهِدَ بَعْضَهُ فَلَمْ يَشْهَدِ الشَّهْرَ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَسَفَرٍ، وَاخْتُلِفَ أَيَّ يَوْمٍ خَرَجَ ﷺ لِلْفَتْحِ، فَقِيلَ: لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَقِيلَ: لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2888
٢٠٢٤ - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ شَرِبَ بَعْدَ الْعَصْرِ.
ــ
٢٠٢٤ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (شَرِبَ بَعْدَ الْعَصْرِ) يَعْنِي عَلَى الْوَصْفِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ رَفْعِ الْمَاءِ إِلَى يَدِهِ لِيُعْلِمَ النَّاسَ أَنَّ الْإِفْطَارَ فِي السَّفَرِ جَائِزٌ، وَهَذَا أَقْرَبُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَا قَالَ الطِّيبِيُّ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِي الْمَقْصُودِ كَمَا لَا يَخْفَى.
стр. 2889
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٠٢٥ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْكَعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمَ عَنِ الْمُسَافِرِ وَعَنِ الْمُرْضِعِ وَالْحُبْلَى» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٠٢٥ - (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْكَعْبِيِّ) وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ: رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيِّ، وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ، وَجَرَى عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ أَخُوهُ قُشَيْرٌ، فَهُوَ كَعْبِيٌّ لَا قُشَيْرِيٌّ، خِلَافًا لِمَا وَقَعَ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَنَّ كَعْبًا لَهُ ابْنَانِ عَبْدُ اللَّهِ جَدُّ أَنَسٍ هَذَا، وَقُشَيْرٌ وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ مَا فِي كَلَامِ الطِّيبِيِّ هُوَ أَبُو أُمَامَةَ الْكَعْبِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ الْقُشَيْرِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَالْعَامِرِيُّ، أَسْنَدَ حَدِيثًا وَاحِدًا فِي صَوْمِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ، سَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَأَمَّا أَبُو الْحَمْزَةَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ خَادِمُ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ أَنْصَارِيٌّ نَجَّارِيٌّ خَزْرَجِيٌّ يُسْنِدُ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ ") قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ حُجَّةٌ لِمَا عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْقَصْرَ جَائِزٌ لَا وَاجِبٌ، لِأَنَّ وَضَعَ بِمَعْنَى أَسْقَطَ، وَإِسْقَاطُ الشَّيْءِ يَقْتَضِي إِسْقَاطُ وُجُوبِهِ الْأَخَصِّ لَا جَوَازِهِ الْأَعَمِّ اهـ. وَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّ مَوْضُوعَ وَضَعَ لَيْسَ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذُكِرَ لَا لُغَةً وَلَا اصْطِلَاحًا، أَمَّا لُغَةٌ فَظَاهَرٌ، وَأَمَّا الِاصْطِلَاحُ الشَّرْعِيُّ فَقَدْ وَرَدَ: «أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ» ، أَيْ: كُلْفَتَهُمَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا مِنَ الْحَرَجِ وَالْإِثْمِ، وَكَذَا قَوْلُهُ - تَعَالَى
стр. 2890
- ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَاعْلَمْ أَنَّ مِنَ الشَّارِحِينَ، أَيْ: لِلْهِدَايَةِ مَنْ يَحْكِي خِلَافًا بَيْنَ الْمَشَايِخِ فِي أَنَّ الْقَصْرَ عِنْدَنَا عَزِيمَةٌ أَوْ رُخْصَةٌ، وَيُنْقَلُ اخْتِلَافُ عِبَارَاتِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ مَنْ قَالَ: رُخْصَةٌ، عَنَى رُخْصَةَ الْإِسْقَاطِ وَهُوَ الْعَزِيمَةُ، وَتَسْمِيَتُهَا رُخْصَةً مَجَازٌ، وَهَذَا بَحْثٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ اهـ وَقَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُ مَذْهَبِنَا الصَّرِيحِ فِي الْمَقْصُودِ وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَتْ: «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ» ، فَمَعْنَى وَضَعَ أَيْ رَفَعَ ابْتِدَاءً عَنِ الْمُسَافِرِ (شَطْرَ الصَّلَاةِ) أَيْ نِصْفَ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَلَا قَضَاءَ (وَالصَّوْمَ) بِالنَّصْبِ أَيْ وُجُوبَهُ (عَنِ الْمُسَافِرِ) لَكِنْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِذَا أَقَامَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا ذُكِرَ عَنِ الْمُسَافِرِ بَعْدَ الصَّوْمِ لِيَصِحَّ عَطْفُ عَنِ الْمُرْضِعِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ شَطْرَ الصَّلَاةِ لَيْسَ مَوْضُوعًا عَنِ الْمُرْضِعِ (وَعَنِ الْمُرْضِعِ) وَلَمْ تَدْخُلْهُ التَّاءُ لِلِاخْتِصَاصِ مِثْلُ حَائِضٍ (وَالْحُبْلَى) لَكِنْ يَقْضِيَانِ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَجِبُ عَلَى الْحَامِلِ دُونَ الْمُرْضِعِ، كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إِنْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا قَضَتَا وَلَا فِدْيَةَ، وَإِنْ خَافَتَا عَلَى الْوَلَدِ فَعَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ أَيْضًا كَمَا فِي الْكَفَّارَاتِ اهـ وَلَنَا أَنَّ الْفِدْيَةَ ثَبَتَتْ فِي الشَّيْخِ الْفَانِي عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ يَجْمَعُ نَظْمُ الْكَلَامِ أَشْيَاءَ ذَاتَ عَدَدٍ مَسُوقَةً فِي الذِّكْرِ مُتَفَرِّقَةً فِي الْحُكْمِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) وَصَحَّحَهُ وَغَيْرُهُ (وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا أَحْمَدُ.
стр. 2891
٢٠٢٦ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ كَانَ لَهُ حَمُولَةٌ تَأْوِي إِلَى شِبْعٍ فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَدْرَكَهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٠٢٦ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ) بِفَتْحِ الْمُشَدَّدَةِ وَيُكْسَرُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَفْتَحُونَهَا، قُلْتُ: قَوْلُ الْمُحَدِّثِينَ أَقْوَى مِنَ اللُّغَوِيِّينَ وَأَحْرَى كَمَا لَا يَخْفَى (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَ لَهُ حَمُولَةٌ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ مَرْكُوبٌ كُلُّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مِنْ إِبِلٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَفَعُولٌ يَدْخُلُهُ الْهَاءُ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مِنْ كَانَ لَهُ دَابَّةٌ (تَأْوِي) أَوْ تَأْوِيهِ فَإِنَّ أَوَى لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ مِنْ أَوَى بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ فَغَيْرُ صَحِيحٍ مُخَالِفٌ لِلطِّيبِيِّ، حَيْثُ يُقَالُ: وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ فِي الْمُتَعَدِّي بِالْمَدِّ، وَفِي الْحَدِيثِ يَجُوزُ الْوَجْهَانِ، وَالْمَعْنَى: تُؤَدِّي صَاحِبَهَا أَوْ تَأَوِي بِصَاحِبِهَا (إِلَى شِبْعٍ) بِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ مَا أَشْبَعَكَ وَبِفَتْحِ الْبَاءِ الْمَصْدَرُ، وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ حَالُ شِبَعٍ وَرَفَاهِيَةٍ أَوْ إِلَى مَقَامٍ يَقْدِرُ عَلَى الشِّبَعِ فِيهِ وَلَمْ يَلْحَقْهُ فِي سَفَرِهِ وَعْثَاءٌ وَمَشَقَّةٌ وَعَنَاءٌ، وَأَمَّا مَا زَادَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَسْكَنٌ يَقِيهِ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ، فَغَيْرُ مَفْهُومٍ مِنَ الْحَدِيثِ وَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الشَّرْطِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الشَّرْعِ (فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَدْرَكَهُ) أَيْ رَمَضَانَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَمْرُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ وَالْحَثِّ عَلَى الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلِ لِلنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى جَوَازِ الْإِفْطَارِ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي مَنْ كَانَ رَاكِبًا وَسَفَرُهُ قَصِيرٌ بِحَيْثُ يَبْلُغُ إِلَى الْمَنْزِلِ فِي يَوْمِهِ فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ، وَقَالَ دَاوُدُ: يَجُوزُ الْإِفْطَارُ فِي السَّفَرِ أَيَّ قَدْرٍ كَانَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَبِيبٍ الْأَزْدِيُّ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَلَا يُعَدُّ هَذَا الْحَدِيثُ شَيْئًا، وَقَالَ الْعَقَبِيُّ: لَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَّا بِهِ وَلَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ كَذَا فِي الصَّحِيحِ، وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَا بَأْسَ بِهِ اهـ وَصَحَّ الْحَدِيثُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا طَرِيقٌ وَاحِدٌ، فَلَا يَحْسُنُ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ جَوَازَ الْفِطْرِ فِي قَصِيرِ السَّفَرِ كَطَوِيلِهِ اهـ وَالْأَوْلَى رَدُّهُ بِمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ.
стр. 2892
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٠٢٧ - عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: " أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٠٢٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ) بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَادٍ بِالْحِجَازِ مُنْتَهَاهُ قَرِيبٌ مِنْ عُسْفَانَ، سُمِّيَ ذَلِكَ الْمُنْتَهَى كُرَاعًا لِأَنَّهُ يُشْبِهُ
стр. 2893
كُرَاعُ الْغَنَمِ وَهُوَ مَا دُونَ الرُّكْبَةِ مِنَ السَّاقِ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِي النِّهَايَةِ هُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَالْكُرَاعُ جَانِبٌ مُسْتَطِيلٌ مِنَ الْحَرَّةِ تَشْبِيهًا بِالْكُرَاعِ وَالْغَمِيمُ بِالْفَتْحِ وَادٍ بِالْحِجَازِ (فَصَامَ النَّاسُ) عَطْفٌ عَلَى فَصَامَ أَيْ صَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ (ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ) أَيِ الْقَدَحَ أَوِ الْمَاءَ (حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ) ﵊ (ثُمَّ شَرِبَ) أَيْ لِيُتَابِعَهُ النَّاسُ بِمَا اقْتَضَى رَأْيُهُ الَّذِي فَوْقَ كُلِّ قِيَاسٍ (فَقِيلَ لَهُ) أَيْ لِلنَّبِيِّ ﷺ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ إِفْطَارِهِ (إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ) ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ إِفْطَارَهُ كَانَ بَيَانَ الْجَوَازِ (قَدْ صَامَ) أُفْرِدَ الضَّمِيرُ لِلَفْظِ الْبَعْضِ ثُمَّ رَجَعَ لِمَعْنَاهُ (قَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ) حَيْثُ عَمِلُوا بِالظَّنِّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ بِالسُّؤَالِ مِنْهُ ﵊ (أُولَئِكَ الْعُصَاةُ) كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا أَوْ تَشْدِيدًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّعْرِيفُ فِي الْخَبَرِ لِلْجِنْسِ أَيِ الْكَامِلُونَ فِي الْعِصْيَانِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا رَفَعَ قَدَحَ الْمَاءِ لِيَرَاهُ النَّاسُ فَيَتْبَعُوهُ فِي قَبُولِ رُخْصَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَمَنْ صَامَ فَقَدْ بَالَغَ فِي عِصْيَانِهِ اهـ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا وَقَعَ مِنْهُمْ بِنَاءً عَلَى خَطَأٍ فِي اجْتِهَادِهِمْ إِذْ لَمْ يَقَعْ أَمْرٌ صَرِيحٌ بِإِفْطَارِهِمْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَفَرَّدَ بِالصَّوْمِ، وَإِنَّهُمْ أُمِرُوا بِالْفِطْرِ أَمْرًا حَازِمًا لِمَصْلَحَةِ بَيَانِ جَوَازِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: مَحْمُولٌ عَلَى مَا اسْتَضَرُّوا بِهِ بِدَلِيلِ مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي لَفْظٍ مِنْهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ، وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي وَفِيهِ: وَكَانَ أَمْرُهُ بِالْفِطْرِ فَلَمْ يَقْبَلُوا، وَالْعِبْرَةُ وَإِنْ كَانَتْ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ لَكِنْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ دَفْعًا لِلْمُعَارَضَةِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2894
٢٠٢٨ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «صَائِمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٠٢٨ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَائِمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ) أَيْ مَعَ احْتِمَالِ الْمَشَقَّةِ الْمُضِرَّةِ (كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ) أَيْ كَوِزْرِ الْمُفْطِرِ فِي حَالِ كَمَالِ الْقُدْرَةِ، قَالَ مِيرَكُ: يُفْهَمُ مِنْهُ مَنْعُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ كَمَنْعِ الْإِفْطَارِ فِي الْحَضَرِ، قُلْتُ: هَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَمَشَى عَلَيْهِ الظَّاهِرِيَّةُ، وَبِمَا أَوَّلْنَاهُ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ صَرِيحًا، وَذَهَبَ إِلَيْهَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا تَارِكُ الرُّخْصَةِ وَالْآخَرُ تَارِكُ الْعَزِيمَةِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَفِيهِ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ إِذْ تَرْكُ الرُّخْصَةِ مُبَاحٌ وَتَرْكُ تِلْكَ الْعَزِيمَةِ حَرَامٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى التَّيْمِيِّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى الْمَدِينِيِّ حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ بِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ أَسْنَدَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَتَابَعَهُ يُونُسُ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذُؤَيْبٍ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ مَوْقُوفًا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلَوْ ثَبَتَ مَرْفُوعًا كَانَ خُرُوجُهُ ﵊ حِينَ خَرَجَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْفِطْرِ دَلِيلًا عَلَى نَسْخِهِ اهـ وَالْكَدِيدُ مَا بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خَرَجَ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهَذَا مِمَّا يَتَمَسَّكُ بِهِ الْقَائِلُونَ بِمَنْعِ الصَّوْمِ لَا غَيْرُهُمْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ آخِرَ الْأَمْرِ، فَالْحَاصِلُ التَّعَارُضُ بِحَسْبِ الظَّاهِرِ، وَالْجَمْعُ مَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ إِهْمَالِ أَحَدِهِمَا، وَاعْتِبَارِ نَسْخِهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ قَاطِعَةٍ فِيهِ، وَالْجَمْعُ بِمَا قُلْنَا مِنْ حَمْلِ مَا وَرَدَ مِنْ نِسْبَةِ مَنْ لَمْ يُفْطِرْ إِلَى الْعِصْيَانِ وَعَدَمِ الْبِرِّ وَفِطْرِهِ بِالْكَدِيدِ عَلَى عُرُوضِ الْمَشَقَّةِ، خُصُوصًا وَقَدْ وَرَدَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ نَقْلِ وُقُوعِهَا فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَأَحَادِيثُ الْجَوَازِ أَقْوَى ثُبُوتًا، وَاسْتِقَامَةَ مَجِيءٍ، وَأَوْفَقُ لِكِتَابِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ، وَقَالَ - تَعَالَى - بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ - يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٤ - ١٨٥] فَعَلَّلَ التَّأْخِيرَ إِلَى إِدْرَاكِ الْعِدَّةِ بِإِرَادَةِ الْيُسْرِ، وَالْعُسْرُ أَيْضًا لَا يَتَعَيَّنُ فِي الْفِطْرِ بَلْ قَدْ يَكُونُ الْيُسْرُ فِي الصَّوْمِ إِذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَيْهِ غَيْرَ مُسْتَضِرٍّ بِهِ لِمُوَافَقَةِ النَّاسِ، فَإِنَّ فِي الِائْتِسَاءِ تَخْفِيفًا، أَوْ لِأَنَّ النَّفْسَ تَوَطَّنَتْ عَلَى هَذَا الزَّمَانِ مَا لَمْ تَتَوَطَّنْ عَلَى غَيْرِهِ، فَالصَّوْمُ فِيهِ أَيْسَرُّ عَلَيْهَا، وَبِهَذَا التَّعْلِيلِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، بَلِ الْمَعْنَى: فَأَفْطَرَ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ أَوِ الْمَعْنَى: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ يَحِلُّ لَهُ التَّأْخِيرُ إِلَيْهَا لَا كَمَا ظَنَّهُ أَهْلُ الظَّوَاهِرِ.
стр. 2895
٢٠٢٩ - «وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ قَالَ: " هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٠٢٩ - (وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَجِدُ بِي قُوَّةً) أَيْ: زَائِدَةً (عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ) أَيْ: إِثْمٌ أَوْ بَأْسٌ بِالصَّوْمِ أَوِ الْفِطْرِ (قَالَ: " هِيَ ") أَيِ: الْإِفْطَارُ " رُخْصَةٌ " وَتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ " مِنَ اللَّهِ " فَإِنَّ الصَّوْمَ عَزِيمَةٌ مِنْهُ - تَعَالَى - لِقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ " هِيَ رُخْصَةٌ " الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى السُّؤَالِ، أَيْ هَلْ عَلَيَّ إِثْمٌ أَنْ أُفْطِرَ؟ فَأَنَّثَهُ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ مَنْ كَانَتْ أُمَّكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنِ السَّائِلَ قَدْ سَمِعَ أَنَّ الْإِفْطَارَ فِي السَّفَرِ عِصْيَانٌ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، فَسَأَلَ: هَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَصُومَ لِأَنِّي قَوِيٌّ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: لَا، لِأَنَّ الْإِفْطَارَ رُخْصَةٌ، فَلَفْظُ الْحَسَنِ يُقَوِّي الْوَجْهَ الْأَوَّلَ، فَإِنَّ الْعِصْيَانَ إِنَّمَا هُوَ فِي رَدِّ الرُّخْصَةِ لَا فِي إِتْيَانِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ فِي الْفِطْرِ لِأَنِّي قَوِيٌّ؟ وَالرُّخْصَةُ لِلضَّعِيفِ، أَوْ فِي الصَّوْمِ لِأَنَّ الْفِطْرَ رُخْصَةٌ، وَقَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً وَقَوْلُهُ هِيَ أَيْ تِلْكَ الْفِعْلَةُ أَوِ الْخَصْلَةُ الْمَذْكُورَةُ وَهِيَ الْإِفْطَارُ فِي السَّفَرِ، وَأَنَّثَ ضَمِيرَهُ وَتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ " فَمَنْ أَخَذَ بِهَا " أَيْ: بِالرُّخْصَةِ " فَحَسَنٌ " أَيْ: فِعْلُهُ حَسَنٌ مَرْضِيٌّ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ لِلْحَدِيثِ الْآخَرِ " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ " وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ " وَفِي مُغَايَرَةِ الْعِبَارَةِ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى فَضِيلَةِ الصَّوْمِ " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ " كَانَ ظَاهِرُ الْمُقَابَلَةِ أَنْ يَقُولَ فَحَسَنٌ أَوْ فَأَحْسَنُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] بَلْ مُقْتَضَى كَوْنِ الْأَوَّلِ رُخْصَةً وَالثَّانِي فَحَسَنٌ لَكِنْ أُرِيدَ الْمُبَالَغَةُ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِذَا كَانَتْ حَسَنًا فَالْعَزِيمَةُ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ ﵇ عَلِمَ بِنُورِ النُّبُوَّةِ أَنَّ مُرَادَ السَّائِلِ بِقَوْلِهِ: فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ، أَيْ: فِي الصَّوْمِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْمُقَدَّمَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنْ قَوْلِهِ: إِنِّي أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ، وَكَذَا مَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2896
[بَابُ الْقَضَاءِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٠٣٠ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: تَعْنِي الشُّغْلَ مِنَ النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
بَابُ الْقَضَاءِ
أَيْ: حُكْمُهُ وَآدَابُهُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٠٣٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ) أَيِ: الْأَمْرُ وَالشَّأْنُ (يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ) أَيْ: قَضَاؤُهُ (مِنْ رَمَضَانَ) وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الصَّوْمُ اسْمُ كَانَ، وَعَلَيَّ خَبَرُهُ، وَيَكُونُ زَائِدَةٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ إِنَّ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، كَانَ زَائِدَةٌ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ: نَحْوُ ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢] وَتَنْظِيرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا لَا يَخْفَى، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ كَوْنُهَا غَيْرَ زَائِدَةٍ لِأَنَّهَا تَأْتِي بِمَعْنَى حَضَرَ أَيْ كَانَ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ يَحْضُرُ أَيْ وَقْتُ قَضَائِهِ بِأَنْ أَكُونَ طَاهِرَةً صَحِيحَةً اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: كَانَ الصَّوْمُ يَحْضُرُ الصَّوْمُ أَوْ مَرْجِعُ كَانَ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وَلَوْ قِيلَ بِزِيَادَةِ كَانَ لَهُ وَجْهٌ مِنِ اسْتِحْضَارِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ لَكِنَّهُ لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهَا (فَمَا أَسْتَطِيعُ) أَيْ: مَا أَقْدِرُ (أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنْهُ (الشُّغْلُ) قَالَ النَّوَوِيُّ: هَكَذَا فِي النُّسَخِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ أَيْ: يَمْنَعُنِي الشُّغْلُ اهـ. وَالظَّاهِرُ يَمْنَعُهَا الشُّغْلُ (مِنَ النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ ﷺ ) وَمِنْ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ: لِأَجَلِ، وَالْبَاءِ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا كَانَتْ مُهَيِّئَةً نَفْسَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِاسْتِمْتَاعِهِ جَمِيعَ أَوْقَاتِهَا إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَصُومُ حَتَّى الْقَضَاءِ، كَيْلَا تُفَوِّتَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ اسْتِمْتَاعَهُ بِهَا، فَتُؤَخِّرُ الْقَضَاءَ إِلَى شَعْبَانَ لِأَنَّهُ غَايَةُ الْإِمْكَانِ فِي تَأْخِيرِهِ مِنَ الزَّمَانِ، وَقَالَ الْأَشْرَفُ: تَعْنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ أَكْثَرَ شَعْبَانَ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا،
стр. 2897
وَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا فِيهِ، وَفِيهِ أَنَّ الِاحْتِيَاجَ إِلَيْهَا قَدْ يَكُونُ فِي اللَّيَالِي، ثُمَّ أَوْ لِلشَّكِّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ عَنْ يَحْيَى عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ وَالشُّغْلُ مُبْتَدَأٌ، وَالتَّقْدِيرُ: الشُّغْلُ الْمَانِعُ لِقَضَاءِ الصَّوْمِ كَانَ ثَابِتًا مِنْ جِهَتِهِ أَوِ اشْتِغَالِهَا بِخِدْمَتِهِ ﷺ هُوَ الْمَانِعُ مِنَ الْقَضَاءِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ بِالرَّفْعِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أَيْ: أَوْجَبَ لَكِ الشَّغْلُ أَوْ مِنَ الشُّغْلِ، وَهَذَا مِنَ الْبُخَارِيِّ بَيَانٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ بَلْ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهَا، وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُهُمْ بِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَمَا نَقْدِرُ أَنْ نَقْضِيَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ نَصَّ فِي كَوْنِهِ مِنْ قَوْلِهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2898
٢٠٣١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٠٣١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ ") أَيْ: نَفْلًا لِئَلَّا يَفُوتَ عَلَى الزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا " وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ " أَيْ: حَاضَرٌ مَعَهَا فِي بَلَدِهَا " إِلَّا بِإِذْنِهِ " تَصْرِيحًا أَوْ تَلْوِيحًا، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ إِطْلَاقُ مَنْعِ صَوْمِ النَّفْلِ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ فِي اسْتِثْنَاءِ نَحْوِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَلْحَقْ بِالصَّوْمِ فِي ذَلِكَ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ لِقِصَرِ زَمَنِهَا وَفِي مَعْنَى الصَّوْمِ الِاعْتِكَافُ، لَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصِحُّ بِدُونِ الصَّوْمِ، وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَجُوزُ رُجُوعُهُ عَنِ الْإِذْنِ لَهَا فِي الِاعْتِكَافِ الْمَنْدُوبِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَكَذَا الصَّوْمُ فَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ، إِذْ لَا يَتَّجِهُ حِينَئِذٍ لِلْإِذْنِ وَلِمُخَالِفَةِ ظَاهِرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ (لَا يَحِلُّ) عَلَى مَعْنَى لَا يَنْبَغِي أَنْ تَصُومَ قَضَاءَ رَمَضَانَ أَوْ قَضَاءَ صَوْمِ النَّفْلِ إِذَا كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لِيَكُونَ مُنَاسِبًا لِعُنْوَانِ الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ " وَلَا تَأْذَنَ " بِالنَّصْبِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ عَطْفًا عَلَى) تَصُومَ (أَيْ وَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَأْذَنَ أَحَدًا مِنَ الْأَجَانِبِ أَوِ الْأَقَارِبِ حَتَّى النِّسَاءِ، وَلَا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَصِحُّ رَفْعُهُ خَبَرًا يُرَادُ بِهِ النَّهْيُ وَجَزْمُهُ عَلَى النَّهْيِ " فِي بَيْتِهِ " أَيْ: فِي دُخُولِ بَيْتِهِ " إِلَّا بِإِذْنِهِ " وَفِي مَعْنَاهُ الْعِلْمُ رِضَاهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2899
٢٠٣٢ - «وَعَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ قَالَتْ لِعَائِشَةَ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٠٣٢ - (وَعَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ لِعَائِشَةَ: مَا بَالُ الْحَائِضِ) أَيْ: مَا شَأْنُهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَدْخُلْهُ التَّاءُ لِلِاخْتِصَاصِ (تَقْضِي الصَّوْمَ) أَيِ: الَّذِي فَاتَهَا أَيَّامَ حَيْضِهَا (وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟) مَعَ أَنَّهُمَا فَرْضَانِ تُرِكَا لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْحَيْضُ، وَفِي مَعْنَاهُ النِّفَاسُ (قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ) أَيِ: الشَّأْنُ (يُصِيبُنَا ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَيُفْتَحُ أَيِ الْحَيْضُ (فَنُؤْمَرُ) أَيْ: نَحْنُ مَعَاشِرَ النِّسَاءِ (بِقَضَاءِ الصَّوْمِ) لَعَلَّهُ لِنُدْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ (وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) لِكَثْرَتِهَا الْمُوجِبَةِ لِلْحَرَجِ، فِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ قِيلَ: مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ أَيْ: دُعِيَ السُّؤَالُ عَنِ الْعِلَّةِ إِلَى مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ مُتَابَعَةِ النَّصِّ، وَالِانْقِيَادِ لِلشَّارِعِ، وَفِيهِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا كَانَتِ السَّائِلَةُ غَيْرَ عَالِمَةٍ بِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ، فَكَأَنَّ الْجَوَابَ اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَةِ الْعِلَّةِ، وَاغْتِرَافٌ مِنْ بَحْرِ الْعُبُودِيَّةِ بِالتَّعَبُّدِ فِي أُمُورِ الْعِلَّةِ، فَلَا أَدْرِي نِصْفَ الْعِلْمِ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] أَوْ يُقَالُ إِنَّمَا السَّائِلَةُ أَرَادَتِ الْعِلَّةَ الْمَعْلُومَةَ مِنْ جِهَتِهِ ﷺ فَبَيَّنَتِ الْمَسْئُولَةُ أَنَّ الْمَسْمُوعَ مِنْهُ ﷺ هَذَا لَا غَيْرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا عُلِّلَ أَنَّ قَضَاءَ الصَّوْمِ لَا يَشُقُّ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً بِخِلَافِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَشُقُّ كَثِيرًا لِأَنَّهُ يَكُونُ غَالِبًا فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، وَقَدْ يَمْتَدُّ إِلَى عَشْرٍ فَيَلْزَمُ قَضَاءُ صَلَوَاتِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنَ السَّنَةِ، وَذَلِكَ فِي غَايَةِ الْمَشَقَّةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ التَّقْدِيرَ دَعَى السُّؤَالُ عَنِ الْعِلَّةِ لِأَنَّهَا خَفِيَّةٌ لَا أَهْلِيَّةَ لَكِ فِيهَا إِلَى فَهْمِهَا، فَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ عَنْ فِقْهِهِ إِذِ الصَّحَابِيَّاتُ مَا كُنَّ عَنْ فَهْمِ مِثْلِ هَذَا خَالِيَاتٌ، وَنَظِيرُ قَوْلِهِ قَوْلُ الْعَلَّامَةِ التَّفْتَازَانِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] : إِنَّهُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ مَا كَانُوا يُدْرِكُونَ دَقَائِقَ الْحِكَمِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْهَيْئَةِ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ بِأَنَّ هَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ السَّائِلَيْنِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ الَّذِي قَالَ ﷺ فِي حَقِّهِ: إِنَّهُ أَعْلَمُ الصَّحَابَةِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَهُوَ مِنَ الْأَعْلَامِ الْكِرَامِ، وَفِيهِمْ عَلَيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - الَّذِي هُوَ بَابٌ لِمَدِينَةِ الْعِلْمِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2900
٢٠٣٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٠٣٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ ") أَيْ: قَضَاءُ صَوْمٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَدَاءِ رَمَضَانَ وَقَضَائِهِ وَالنَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ " صَامَ " أَيْ: كَفَّرَ " عَنْهُ وَلِيُّهُ " قَالَ الطِّيبِيُّ: تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَتَدَارَكُ ذَلِكَ وَلِيُّهُ بِالْإِطْعَامِ فَكَأَنَّهُ صَامَ، وَالْوَلِيُّ كُلُّ قَرِيبٍ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَإِنْ صَامَ أَجْنَبِيٌّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، جَازَ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ صَوْمَ الْوَلِيِّ، وَقَالَ دَاوُدُ: هَذَا فِي النَّذْرِ، وَفِي قَضَاءِ رَمَضَانَ يُطْعِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَصُومُ عَنْهُ عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَنَقَلَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ مُحَقِّقِي الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ: مَنْ يَقُولُ بِالصِّيَامِ يَجُوزُ لَهُ الْإِطْعَامُ وَيَجْعَلُ الْوَلِيَّ مُخَيَّرًا بَيْنَ الصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ اهـ. وَإِنَّمَا أَوَّلُوا الْحَدِيثَ لِأَنَّ الْقِيَاسَ وَفَتْوَى الصَّحَابَةِ يُخَالِفَانِهِ وَكَذَا الْحَدِيثُ الْآتِي وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنَ الْإِيصَاءِ عِنْدَنَا فِي لُزُومِ الْإِطْعَامِ عَلَى الْوَارِثِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَإِنْ أَوْصَى فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْوَارِثُ إِخْرَاجَهُ إِذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ، فَإِنْ أَخْرَجَ كَانَ مُتَطَوِّعًا عَنِ الْمَيِّتِ وَيُحْكَمُ بِجَوَازِ إِجْزَائِهِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا فَاتَهُ شَيْءٌ بَعْدَ إِمْكَانِ قَضَائِهِ، وَأَمَّا مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ رَمَضَانَ قَبْلَ إِمْكَانِ الْقَضَاءِ فَلَا تَدَارُكَ لَهُ، وَلَا إِثْمَ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا طَاوُسًا وَقَتَادَةَ فَإِنَّهُمَا يُوجِبَانِ التَّدَارُكَ بِالصَّوْمِ أَوِ الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ إِمْكَانِ الْقَضَاءِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ «أَنَّهُ جَاءَتْ إِلَيْهِ ﵊ امْرَأَةُ قَرَابَةٍ لِامْرَأَةٍ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرُ شَهْرٍ فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: " صُومِي عَنْهَا» .
стр. 2901
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٠٣٤ - عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٠٣٤ - (عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ» ") عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ " مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ " مِنْ أَيَّامِ الصِّيَامِ الْفَائِتَةِ، وَكَذَا فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَقِيلَ: فِي صَلَاةِ كُلِّ يَوْمٍ " مِسْكِينٌ " أَيْ: نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: وَالصَّحِيحُ وَأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ) قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ: وَقَالَ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالصَّحِيحُ إِلَخْ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ، وَلَوْ ثَبَتَ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ بِحَمْلِهِ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، قُلْتُ: يَأْبَى عَنْ هَذَا الْحَمْلِ الْحَدِيثُ الْآتِي عَنْهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالْمَحْفُوظُ وَقْفُهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَوْقُوفَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ فَإِنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ.
стр. 2902
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٠٣٥ - عَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُسْأَلُ: هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ؟ أَوْ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ؟ فَيَقُولُ: لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ.
بَابُ صِيَامِ التَّطَوُّعِ
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٠٣٥ - (عَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُسْئِلُ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ أَوْ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ؟ فَيَقُولُ: لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ) أَيْ: بَدَلًا عَنْهُ (وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ
стр. 2903
صَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا كُلُّ وَاحِدٍ يَوْمًا جَازَ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّهُ يُطْعِمُ عَنْهُ، وَقَالَ قَوْمٌ: يُصَلِّي عَنْهُ اهـ. فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالِاتِّفَاقِ اتِّفَاقَ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الصَّوْمِ (رَوَاهُ) أَيْ: مَالِكٌ (فِي الْمُوَطَّأِ) وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: " لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتَ تَقْضِيهِ عَنْهَا؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ» قُلْنَا: الِاتِّفَاقُ عَلَى صَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الصَّلَاةِ الدَّيْنُ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى أَنَّهُ قَالَ: لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَفَتْوَى الرَّاوِي عَلَى خِلَافِ مَرْوِيِّهِ بِمَنْزِلَةِ رِوَايَتِهِ لِلنَّاسِخِ، وَنَسْخُ الْحُكْمِ يَدُلُّ عَلَى إِخْرَاجِ الْمَنَاطِ عَنِ الِاعْتِبَارِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ نَحْوُهُ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَذَكَرَهُ مَالِكٌ بَلَاغًا فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ: لَمْ أَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنَ التَّابِعَيْنِ بِالْمَدِينَةِ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَمَرَ أَحَدًا يَصُومُ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ اهـ. وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ النَّسْخَ وَأَنَّهُ الْأَمْرُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ، آخِرًا اهـ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ مِنَ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ أَنْ تُصَلِّيَ لَهُمَا مَعَ صَلَاتِكَ وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ» " مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُعْضَلٌ مُرْسَلٌ، قِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ يَدْعُو لَهُمَا، قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ مِنْ مُتَأَخِّرِيِ الشَّافِعِيَّةِ: وَيَصِلُ لِلْمَيِّتِ ثَوَابُ كُلِّ عِبَادَةٍ فُعِلَتْ عَنْهُ وَاجِبَةً أَوْ مَنْدُوبَةً، وَكَتَبَ أَصْحَابُنَا الْحَنَفِيَّةُ خَاصَّةً عَلَى أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ صَلَاةً أَوْ غَيْرَهَا، بَلْ عِبَارَةُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
стр. 2904
[بَابُ صِيَامِ التَّطَوُّعِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٠٣٦ - «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا ربَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
بَابُ صِيَامِ التَّطَوُّعِ
أَيْ: فِعْلُهُ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - عَنْ طَوْعٍ وَرَغْبَةٍ لَا عَنْ تَكْلِيفٍ مُرَتَّبٍ عَلَى رَهْبَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٠٣٦ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: أَحْيَانًا (يَصُومُ) أَيِ: النَّفْلَ مُتَتَابِعًا (حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ) أَيْ: أَبَدًا، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرِّوَايَةُ فِي نَقُولُ بِالنُّونِ وَقَدْ وُجِدَتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ أَيْ: مَعْنَاهَا تَقُولُ أَنْتَ أَيُّهَا السَّامِعُ لَوْ أَبْصَرْتَهُ، (وَالرِّوَايَةَ) أَيْضًا بِنَصْبِ اللَّامِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ فِي كَلَامِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَفَعَ الْمُسْتَقْبَلَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَيَجُوزُ بِيَاءِ الْغَائِبِ أَيْضًا أَيْ: يَقُولُ الْقَائِلُ اهـ. وَفِيهِ تَفْكِيكُ الضَّمِيرِ، وَاخْتُلِفَ فِي تَجْوِيزِهِ، وَالْأَظْهَرُ عَدَمُ جَوَازِهِ سِيَّمَا فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْكَلَامِ (وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، «وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ» ) هَذَا بِمَنْزِلَةِ اسْتِثْنَاءٍ مِنَ الْكَلَامِ السَّابِقِ (إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ) ثَانِي مَفْعُولٍ رَأَيْتُ وَالضَّمِيرُ فِي (مِنْهُ) لَهُ ﷺ (صِيَامًا) تَمْيِيزٌ (فِي شَعْبَانَ) مُتَعَلِّقٌ بِصَامَ، وَالْمَعْنَى: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ فِي شَعْبَانَ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ سِوَى رَمَضَانَ، وَكَانَ صِيَامُهُ فِي شَعْبَانَ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ فِيمَا سِوَاهُ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: قَوْلُهُ فِي شَهْرٍ يَعْنِي بِهِ غَيْرَ شَعْبَانَ، وَهُوَ حَالٌ مِنَ الْمُسْتَكِنَّ فِي أَكْثَرِ، وَفِي شَعْبَانَ حَالٌ مِنَ الْمَجْرُورِ فِي مِنْهُ الْعَائِدِ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ أَيْ: مَا رَأَيْتُهُ كَائِنًا فِي غَيْرِ شَعْبَانَ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ كَائِنًا فِي شَعْبَانَ، مِثْلُ زَيْدٌ قَائِمًا أَحْسَنُ مِنْهُ قَاعِدًا، أَوْ كِلَاهُمَا ظَرْفٌ، الْأَكْثَرُ الْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ الزِّيَادَةِ، وَالثَّانِي بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْمَعْنَى، وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِرُؤْيَتِهِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ تَفْضِيلُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ بِاعْتِبَارِ حَالَةٍ وَاحِدَةٍ (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ) قِيلَ: أَيْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ (كَانَ) وَفِي نُسْخَةٍ وَكَانَ (يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا) قَالَ النَّوَوِيُّ: الثَّانِي تَفْسِيرٌ لِلْأَوَّلِ، وَبَيَانُ قَوْلِهَا كُلَّهُ أَيْ غَالِبَهُ اهـ. وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ، حَمَلَهُ عَلَيْهِ قَوْلُهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى " قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ " وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهُ يَصُومَهُ كُلَّهُ فِي سَنَةٍ وَأَكْثَرَهُ فِي سَنَةٍ أُخْرَى فَالْمَعْنَى عَلَى الْعَطْفِ اهـ. وَهُوَ أَقْرَبُ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَقِيلَ: كَانَ يَصُومُ تَارَةً مِنْ أَوَّلِهِ وَتَارَةً مِنْ آخِرِهِ وَتَارَةً بَيْنَهُمَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَفَظُ (كُلَّهُ) تَأْكِيدٌ لِإِفَادَةِ الشُّمُولِ وَرَفْعُ التَّجَوُّزِ مِنَ احْتِمَالِ الْبَعْضِ، فَتَفْسِيرُهُ بِالْبَعْضِ مُنَافٍ لَهُ، وَلَوْ جُعِلَ كَانَ الثَّانِي وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اسْتِئْنَافًا لِيَكُونَ بَيَانًا لِلْحَالَتَيْنِ حَالَةِ الْإِتْمَامِ وَحَالَةِ غَيْرِهِ، لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَعْذَبَ، فَلَوْ عَكَفَ بِالْوَاوِ لَمْ يَحْمِلْ هَذَا التَّأْوِيلَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2905
٢٠٣٧ - ( «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا كُلَّهُ؟ قَالَتْ: مَا عَلِمْتُهُ صَامَ شَهْرًا كُلَّهُ إِلَّا رَمَضَانَ وَلَا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٠٣٧ - ( «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا كُلَّهُ؟ قَالَتْ: مَا عَلِمْتُهُ صَامَ شَهْرًا كُلَّهُ إِلَّا رَمَضَانَ وَلَا أَفْطَرَهُ» ) أَيْ: شَهْرًا (كُلَّهُ) تَأْكِيدٌ لَهُ (حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ) أَيْ: بَعْضَهُ (حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ) كِنَايَةٌ عَنِ الْمَوْتِ، وَاللَّامُ فِي لِسَبِيلِهِ مِثْلُهَا فِي قَوْلِكَ لَقِيتُهُ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ تُرِيدُ مُسْتَقْبَلًا لِثَلَاثٍ، أَيْ: كَانَ حَالُهُ مَا ذُكِرَ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ ﷺ بُعِثَ لِأَدَاءِ الرِّسَالَةِ، فَلَمَّا أَدَّاهَا مَضَى إِلَى مَأْوَاهُ وَمُسْتَقَرِّهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: حَتَّى الْأُولَى بِمَعْنَى كَيْ، كَقَوْلِكَ سِرْتُ حَتَّى أَدْخُلَ الْبَلَدَ بِالنَّصْبِ، إِذَا كَانَ دُخُولُكَ مُتَرَقِّبًا لِمَا يُوجَدُ كَأَنَّكَ قُلْتَ سِرْتُ كَيْ أَدْخُلَهَا، وَكَانَ مُنْقَضِيًا إِلَّا أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ فِي وَقْتِ وُجُودِ السَّيْرِ الْمَفْعُولِ مِنْ أَجْلِهِ كَانَ مُتَرَقِّبًا، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ حَتَّى الْأُولَى غَايَةُ عَدَمِ الصَّوْمِ بِاسْتِمْرَارِ الْإِفْطَارِ اسْتَعْقَبَ لِلصَّوْمِ، وَالثَّانِيَةَ غَايَةٌ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْحَالَتَيْنِ مِنَ الصِّيَامِ وَالْإِفْطَارِ، وَالِاسْتِمْرَارُ هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنَ النَّفْيِ الدَّاخِلِ عَلَى الْمَاضِي، وَالْحَدِيثُ وَارِدٌ عَلَى هَذَا، لِأَنَّهُ ﷺ حِينَ عَزَمَ أَلَّا يَصُومَ الشَّهْرَ كُلَّهُ كَانَ مُتَرَقِّبًا أَنْ يَصُومَ بَعْضَهُ، وَحَتَّى الثَّانِيَةُ غَايَةٌ لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْجُمَلِ كُلِّهَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2906
٢٠٣٨ - «وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَأَلَهُ أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانَ يَسْمَعُ فَقَالَ: " يَا أَبَا فُلَانٍ أَمَا صُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: " فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٠٣٨ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ) أَيِ: النَّبِيُّ (سَأَلَهُ) أَيْ: عِمْرَانَ (أَوْ سَأَلَ رَجُلًا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ " يَا أَبَا فُلَانٍ أَمَا صُمْتَ " الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَمَا نَافِيَةٌ " مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ " بِفَتْحِ السِّينِ وَيُكْسَرُ وَكَذَا السِّرَارِ عَلَى مَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، قَالَ شَاعِرُهُمْ:
شُهُورٌ يَنْقَضِينَ وَمَا شَعُرْنَا ... لِأَنْصَافٍ لَهُنَّ وَلَا سِرَارِ
أَيْ: آخِرُهُ، فِي الْقَامُوسِ السَّرَارُ كَسَحَابٍ مِنَ الشَّهْرِ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنْهُ، كَسَرَرِهِ وَسِرَرِهِ، وَفِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هُوَ آخِرُ لَيْلَةٍ لِسَتْرِ الْهِلَالِ بِنُورِ الشَّمْسِ، قَالَ السُّيُوطِيُّ: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ: الصَّحِيحُ أَنَّ سَرَرَهُ: آخِرُهُ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْيَوْمَ أَوِ الْيَوْمَيْنِ الَّذِي يُسْتَرُ الْقَمَرُ، وَقَالَ الْفَارِسِيُّ: إِنَّهُ الْأَشْهُرُ، وَقِيلَ: رُوِيَ: صُومُوا الشَّهْرَ وَسِرَّهُ، فَقِيلَ: أَوَّلُهُ، وَقِيلَ: مُسْتَهَلُّهُ، وَقِيلَ: وَسَطُهُ، وَسِرُّ كُلِّ شَيْءٍ جَوْفُهُ، قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَقَالَ رُوِيَ هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَّةِ هَذَا الشَّهْرِ؟ كَأَنَّهُ أَرَادَ وَسَطَهُ لِأَنَّ السُّرَّةَ وَسَطُ قَامَةِ الْإِنْسَانِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: السَّرَرُ لَيْلَتَانِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، سُمِّيَ الْيَوْمَانِ الْأَخِيرَانِ مِنَ الشَّهْرِ سَرَرًا وَسِرَارًا لِاسْتِتَارِ الْقَمَرِ فِي لَيْلَتِهِمَا (قَالَ: لَا، قَالَ: " فَإِذَا أَفْطَرْتَ ") أَيِ: الْيَوْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنْ شَعْبَانَ، وَقِيلَ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ رَمَضَانَ " فَصُمْ يَوْمَيْنِ " لِقَضَائِهِمَا أَوْ بَدَلًا عَنْهُمَا وَهُوَ أَمْرُ نَدْبٍ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ حَقِيقَةَ التَّعْقِيبِ وَإِلَّا فَالْأَمْرُ وُجُوبٌ عَلَى التَّوَسُّعِ فِي الْبُعْدِيَّةِ، قَالُوا: كَانَ هَذَا الرَّجُلُ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ صَوْمَ يَوْمَيْنِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ بِنَذْرٍ، فَلَمَّا فَاتَهُ قَالَ لَهُ: " «إِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ» "، وَقِيلَ: لَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ عَادَةً لَهُ فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ صِيَامَهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ قَبْلَ رَمَضَانَ، فَلَمَّا فَاتَهُ اسْتَحَبَّ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقْضِيَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى وُجُوبِ يَوْمِ الشَّكِّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ لِرَجُلٍ: " «هَلْ صُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ " قَالَ: لَا، قَالَ: " فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» " وَفِي لَفْظٍ فَصُمْ يَوْمًا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ : " «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَإِنَّهُ صَوْمُ دَاوُدَ» "، وَسِرَارُ الشَّهْرِ آخِرُهُ لِاسْتِتَارِ الْقَمَرِ فِيهِ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَغَيْرُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ السِّرَارَ قَدْ يُقَالُ عَلَى الثَّلَاثِ الْأَخِيرَةِ مِنْ لَيَالِي الشَّهْرِ، لَكِنْ دَلَّ قَوْلُهُ (صُمْ يَوْمًا) عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ صَوْمُ آخِرِهَا لَا كُلِّهَا، وَإِلَّا قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَكَانَهَا، وَكَذَا قَوْلُهُ (مِنْ سَرَرِ الشَّهْرِ) لِإِفَادَةِ التَّبْعِيضِ، وَعِنْدَنَا هَذَا يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ صَوْمِهِ لَا وُجُوبَهُ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِنَهْيِ التَّقَدُّمِ بِصِيَامِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَيُحْمَلُ عَلَى كَوْنِ الْمُرَادِ التَّقَدُّمَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَهُوَ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ وَيَصِيرُ حَدِيثُ السَّرَرِ لِلِاسْتِحْبَابِ اهـ. يَعْنِي لِلْخَوَاصِّ مَخْفِيًّا عَنِ الْعَوَامِّ.
стр. 2907
٢٠٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٠٣٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ» ) أَيْ صِيَامُهُ وَالْإِضَافَةُ لِلتَّعْظِيمِ " الْمُحَرَّمُ " بِالرَّفْعِ صِفَةُ الْمُضَافِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ بِصِيَامِ شَهْرِ اللَّهِ صِيَامَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ اهـ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْبَعْضِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَفْضَلِيَّتُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ يَوْمِ عَاشُورَاءَ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ، وَفِي خَبَرِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ: صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ صُمِ الْمُحَرَّمَ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَاتْرُكْ، وَأَمَّا حَدِيثُ صَوْمِ رَجَبٍ فَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: إِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَالَ أَئِمَّتُنَا: أَفْضَلُ الْأَشْهُرِ لِصَوْمِ التَّطَوُّعِ الْمُحَرَّمُ، ثُمَّ بَقِيَّةُ الْحُرُمِ: رَجَبٍ وَذِي الْحِجَّةِ وَذِي الْقِعْدَةِ " وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ " أَيْ تَوَابِعِهَا مِنَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَيَدْخُلُ فِي الْفَرِيضَةِ الْوِتْرُ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ وَاجِبٌ عِلْمِيٌّ " صَلَاةُ اللَّيْلِ " أَوْ يُقَالُ صَلَاةُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنَ الرَّوَاتِبِ مِنْ حَيْثِيَّةِ الْمَشَقَّةِ وَالْكُلْفَةِ وَالْبُعْدِ عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِمْرَارِ الْوُجُوبِ لَدَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ فَرِيضَةً ثُمَّ صَارَ سُنَّةً بِالنَّسْخِ، وَقِيلَ: هَذِهِ السُّنَّةُ أَفْضَلُ السُّنَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْحَدِيثُ حُجَّةُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْفَرَائِضَ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: الرَّوَاتِبُ أَصْلٌ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى وَأَوْفَقُ لِنَصِّ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَمْرِي إِنَّ صَلَاةَ التَّهَجُّدِ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَضْلٌ سِوَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وَقَوْلِهِ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وَغَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ لَكَفَاهُ مَزِيَّةً اهـ وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ الْوِتْرُ فَلَا إِشْكَالَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2908
٢٠٤٠ - «- وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ: يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرُ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٠٤٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى) التَّحَرِّي طَلْبُ الْأَحْرَى وَالْأَوْلَى، وَقِيلَ: التَّحَرِّي طَلْبُ الصَّوَابِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي طَلَبِ شَيْءٍ (صِيَامَ يَوْمٍ) مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ مَا رَأَيْتُهُ يُبَالِغُ فِي الطَّلَبِ وَيَجْتَهِدُ فِي صِيَامِ يَوْمٍ (فَضَّلَهُ) بِتَشْدِيدِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ (عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ) أَيْ صِيَامَهُ (يَوْمَ عَاشُورَاءَ) بَدَلٌ أَوْ مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنَ الْمُحَرَّمِ، قِيلَ: لَيْسَ فَاعُولَاءُ بِالْمَدِّ فِي كَلَامِهِمْ غَيْرَهُ وَقَدْ يَلْحَقُ بِهِ تَاسُوعَاءُ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أُخِذَ مِنَ الْعَشْرِ الَّذِي هُوَ إِظْمَاءُ الْإِبِلِ وَلِهَذَا زَعَمُوا أَنَّهُ يَوْمُ التَّاسِعِ، وَالْعَشْرُ مِمَّا بَيْنَ الْوِرْدَيْنِ، وَذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ وَإِنَّمَا جُعِلَ التَّاسِعُ لِأَنَّهَا إِذَا وَرَدَتِ الْمَاءَ ثُمَّ لَمْ تَرِدْ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فَوَرَدَتِ التَّاسِعَ فَذَلِكَ الْعَشْرُ، وَوَرَدَتْ تِسْعًا إِذَا وَرَدَتِ الْيَوْمَ الثَّامِنَ، وَفُلَانٌ يُحَمُّ رَبْعًا إِذَا حُمَّ الْيَوْمَ الثَّالِثَ، وَعَاشُورَاءُ مِنْ بَابِ صِفَةٍ لَمْ يَرِدْ لَهَا فِعْلٌ، وَالتَّقْدِيرُ يَوْمٌ مُدَّتُهُ عَاشُورَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّعْظِيمِ اهـ أَيْ عَاشِرٌ وَأَيُّ عَاشِرٍ (وَهَذَا الشَّهْرَ) بِالنَّصْبِ أَيْ أَيَّامَهُ عَطْفٌ عَلَى هَذَا الْيَوْمِ (يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ) تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّرَقِّي أَوْ تَقْدِيمِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ أَوْ لِتَقْدِيمِهِ فِي أَصْلِ وُجُوبِ الصَّوْمِ، أَوْ لِكَوْنِهِ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ " فَضَّلَهُ " فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ (فَضْلُهُ) بِسُكُونِ الضَّادِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ شَرْحِ السُّنَّةِ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَحَرَّى صَوْمَ يَوْمٍ يُبْتَغَى فَضْلُهُ إِلَّا صِيَامَ رَمَضَانَ، وَهَذَا الْيَوْمُ عَاشُورَاءُ، فَقِيلَ: فَضْلُهُ بَدَلٌ مِنْ صِيَامٍ أَيْ يَتَحَرَّى فَضْلَ صِيَامِ يَوْمٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُبْدَلَ مِنْهُ لَيْسَ نِيَّةَ الطَّرْحِ دَائِمًا، قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا الْمُبْدَلُ مِنْهُ هُنَا لَيْسَ فِي حُكْمِ الْمُتَنَحِّي لِاسْتِدْعَاءِ الضَّمِيرِ مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ نَحْوُ قَوْلِكَ: زَيْدًا رَأَيْتُ غُلَامَهُ صَالِحًا أَيْ مَا رَأَيْتَهُ يُبَالِغُ فِي تَفْضِيلِ يَوْمٍ عَلَى يَوْمٍ إِلَّا عَاشُورَاءَ وَرَمَضَانَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ مَا لَمْ يُظَنَّ إِلْحَاقُهُ بِالْوَاجِبِ اهـ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: الْأَصَحُّ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَصْلًا كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ، إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ، فَمَدْفُوعٌ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَاشُورَاءُ» ، وَكَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ ﷺ يَصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ ﷺ : " «مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» "، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَمْرَ إِيجَابٍ قَبْلَ نَسْخِهِ بِرَمَضَانَ،
стр. 2909
إِذَا لَا يُؤْمَرُ مَنْ أَكَلَ بِإِمْسَاكٍ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ إِلَّا فِي يَوْمٍ مَفْرُوضِ الصَّوْمِ بِعَيْنِهِ، وَفِيهِ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَوَّلًا إِنَّمَا كَانَ وُقُوعُهُ آخِرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَعَاشُورَاءُ كَانَتْ فَرِيضَةً ثُمَّ نُسِخَتْ بِرَمَضَانَ، يَعْنِي وَلَا شَكَّ أَنَّ سُنَّةً كَانَتْ فَرِيضَةً أَفْضَلُ مِنْ سُنَّةٍ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ فَضَّلَهُ بِتَشْدِيدِ الضَّادِ فَقِيلَ: بَدَلٌ مِنْ يَتَحَرَّى، وَالْحَمْلُ عَلَى الصِّفَةِ أَوْلَى لِأَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مُسْتَثْنًى، وَلَا بُدَّ مِنْ مُسْتَثْنًى مِنْهُ وَلَيْسَ هَا هُنَا إِلَّا قَوْلُهُ (يَوْمٍ) ، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْعُمُومِ، وَالْمَعْنَى: مَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَتَحَرَّى فِي صِيَامِ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ صِفَتُهُ أَنَّهُ مُفَضَّلٌ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا صِيَامَ هَذَا الْيَوْمِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّى فِي تَفْضِيلِ صِيَامِهِ مَا لَمْ يَتَحَرَّ فِي تَفْضِيلِ غَيْرِهِ، وَهَذَا الشَّهْرُ عَطْفٌ عَلَى هَذَا الْيَوْمِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا بِالتَّأْوِيلِ، إِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَصِيَامُ شَهْرٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ مِنَ اللَّفِّ التَّقْدِيرِيِّ وَإِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الشَّهْرِ أَيَّامُهُ يَوْمًا فَيَوْمًا مَوْصُوفًا هَذَا الْوَصْفَ اهـ قِيلَ: لَعَلَّ هَذَا عَلَى فَهْمِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِلَّا فَيَوْمُ عَرَفَةَ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ، وَدُفِعَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي فَضْلِ الصَّوْمِ فِي الْيَوْمِ لَا فِي فَضْلِ الْيَوْمِ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّ الْيَوْمَ أَيْضًا مُخْتَلَفٌ فِيهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2910
٢٠٤١ - وَعَنْهُ «قَالَ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ يُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٠٤١ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ) رَوَى أَنَّهُ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا مِنْ مَكَّةَ رَأَى الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ الْعَاشِرِ مِنَ الْمُحَرَّمِ فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ نُعَظِّمُهُ أَظْفَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى ﷺ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى» " أَيْ بِمُوَافَقَتِهِ فَصَامَ ﷺ ذَلِكَ الْيَوْمَ (وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) أَيْ أَجَابَهُ أَوَّلًا بِالْوُجُوبِ ثُمَّ بَعُدَ النَّسْخُ بِالنَّدْبِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّنَةُ الْعَاشِرَةُ مِنَ الْهِجْرَةِ (قَالُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ) أَيْ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَتَقْدِيرُ ابْنِ حَجَرٍ هَذَا مَوْضِعٌ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ (يَوْمٌ يُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) أَيْ وَتَجِبُ مُخَالَفَتُهُمْ فَكَيْفَ نُوَافِقُهُمْ عَلَى تَعْظِيمِهِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَئِنْ بَقِيتُ) أَيْ فِي الدُّنْيَا أَوْ لَئِنْ عِشْتُ " إِلَى قَابِلٍ " أَيْ إِلَى عَامٍ قَابِلٍ وَهُوَ السَّنَةُ الْآتِيَةُ " لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ " أَيْ فَقَطْ، أَوْ مَعَ الْعَاشِرِ فَيَكُونُ مُخَالَفَةً فِي الْجُمْلَةِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَمَعَ هَذَا مَا كَانَ تَارِكًا لِتَعْظِيمِ الْيَوْمِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ نُصْرَةُ الدِّينِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَصُومُونَ شُكْرًا، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الشُّكْرِ سِيَّمَا عَلَى وَجْهِ الْمُشَارَفَةِ عَلَى مِثْلِ زَمَانِ وُقُوعِ النِّعْمَةِ فِيهِ، بَلْ صَوْمُ الْعَاشِرِ أَيْضًا فِيهِ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ إِذِ الْفَتْحُ كَانَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ وَالصَّوْمُ مَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ أَوَّلِهِ، وَلَوْ أَرَادَ ﷺ مُخَالَفَتَهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ لَتَرَكَ الصَّوْمَ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمْ يَعِشْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْقَابِلِ بَلْ تُوُفِّيَ فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ فَصَارَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنَ الْمُحَرَّمِ صَوْمَ سُنَّةٍ، وَإِنْ لَمْ يَصُمْهُ لِأَنَّهُ عَزَمَ عَلَى صَوْمِهِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قِيلَ: أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهِ يَوْمًا آخَرَ فَيَكُونُ هَدْيُهُ مُخَالِفًا لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ لِأَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِعَ الْجَوَابِ لِقَوْلِهِمْ إِنَّهُ يَوْمٌ يُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: صُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ، وَخَالِفُوا الْيَهُودَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَبَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ صَوْمُ التَّاسِعِ فَقَطْ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ يَوْمًا أَوْ بَعْدَهُ يَوْمًا، فَإِنْ أَفْرَدَهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِلتَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ اهـ وَرَوَى أَحْمَدُ خَبَرَ صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَخَالِفُوا الْيَهُودَ وَصُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا وَبَعْدَهُ يَوْمًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ تَحْصُلُ بِأَحَدِهِمَا، وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
следующие страницы →