← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

يُقَالُ الصَّوَابُ بِالْفَتْحِ لِأَنَّ الْفِعْلَ إِنَّمَا يُثَابُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِاسْتِعْمَالِ السُّنَّةِ، فَإِذَا أُثِيبَ عَلَى أَثَرِهِ فَبِالْأَوْلَى عَلَى نَفْسِهِ فَيُفِيدُ مِنَ الْمُبَالَغَةِ مَا لَا يَخْفَى، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: " «مِدَادُ الْعُلَمَاءِ أَفْضَلُ مِنْ دِمَاءِ الشُّهَدَاءِ» " مَعَ أَنَّ تَفْسِيرَ الْبَرَكَةِ بِالثَّوَابِ غَرِيبٌ، وَسَيَأْتِي: هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ حُصُولُ التَّقَوِّي بِهِ عَلَى صَوْمِ الْغَدِ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ : " «اسْتَعِينُوا بِمُقَابَلَةِ النَّهَارِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَبِأَكْلِ السَّحُورِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ» "، أَوِ الْمُرَادُ زِيَادَةُ الثَّوَابِ لِاسْتِنَانِهِ بِسُنَنِ الْمُرْسَلِينَ، قَالَ ﷺ : " «فَرْقُ مَا بَيْنَ صَوْمِنَا وَصَوْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» " وَلَا مُنَافَاةَ، فَلْيَكُنِ الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ كُلًّا مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَالسَّحُورُ مَا يُؤْكَلُ فِي السَّحَرِ وَهُوَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَقَوْلُهُ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ فِي أَكْلِ السَّحُورِ بَرَكَةٌ بِنَاءً عَلَى ضَبْطِهِ بِضَمِّ السِّينِ جَمْعُ سَحَرٍ، فَأَمَّا عَلَى فَتْحِهَا وَهُوَ الْأَعْرَفُ فِي الرِّوَايَةِ فَهُوَ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ فِي السَّحَرِ اهـ وَفِيهِ أَنَّ السُّحُورَ جَمْعُ سَحَرٍ، غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَقْدِيرَ الْمُضَافِ عَلَى رِوَايَةِ فَتْحِ السِّينِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي أَكْلِ السَّحُورِ لَا فِي نَفْسِ السُّحُورِ، كَمَا قِيلَ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا قَوْلُهُ ﷺ : " «وَبِأَكْلِ السَّحُورِ» " فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فِي كَلَامِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2837

١٩٨٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٩٨٣ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ ") مَا زَائِدَةٌ أُضِيفَ إِلَيْهَا الْفَصْلُ بِمَعْنَى الْفَرْقِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ تَصْحِيفٌ " أَكْلَةُ السَّحَرِ " بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الْمَرَّةُ، قَالَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ اللُّقْمَةُ، وَهُوَ كَذَا فِي نُسْخَةٍ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَالْمَعْنَى أَنَّ السَّحُورَ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَبَاحَهُ لَنَا إِلَى الصُّبْحِ بَعْدَ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْنَا أَيْضًا فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ يَنَامُوا أَوْ مُطْلَقًا، وَمُخَالَفَتُنَا إِيَّاهُمْ تَقَعُ مَوْقِعَ الشُّكْرِ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ، فَقَوْلُ ابْنِ الْهُمَامِ: إِنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ غَيْرُ صَحِيحٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 2838

١٩٨٤ - وَعَنْ سَهْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ١٩٨٤ - (وَعَنْ سَهْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ ") أَيْ مَوْصُوفِينَ بِخَيْرٍ كَثِيرٍ أَوِ الْمُرَادُ بِالْخَيْرِ ضِدُّ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ " مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ " أَيْ مَا دَامُوا عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ، وَيُسَنُّ تَقْدِيمُهُ عَلَى الصَّلَاةِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ بِهِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَإِنَّ فِي التَّعْجِيلِ مُخَالَفَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَهُ إِلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ أَيِ اخْتِلَاطِهَا، ثُمَّ صَارَ عَادَةً لِأَهْلِ الْبِدْعَةِ فِي مِلَّتِنَا اهـ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: وَلَوْ أَخَّرَ لِتَأْدِيبِ النَّفْسِ وَمُوَاصَلَةِ الْعِشَائَيْنِ بِالنَّفْلِ غَيْرَ مُعْتَقَدٍ وُجُوبَ التَّأْخِيرِ لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ، أَقُولُ بَلْ يَضُرُّهُ حَيْثُ يَفُوتُهُ السُّنَّةَ، وَتَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ بِشَرْبَةِ مَاءٍ لَا يُنَافِي التَّأْدِيبَ وَالْمُوَاصَلَةَ، مَعَ أَنَّ التَّحْصِيلَ إِظْهَارُ الْعَجْزِ الْمُنَاسِبِ لِلْعُبُودِيَّةِ وَمُبَادَرَةٌ إِلَى قَبُولِ الرُّخْصَةِ مِنَ الْحَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ التُّورِبِشْتِيَّ قَالَ: وَهَذِهِ الْخَصْلَةُ الَّتِي لَمْ يَرْضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَقُولُ: يُشَابِهُ هَذَا التَّأْخِيرُ تَقَدُّمَ صَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ، وَفِيهِ أَنَّ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ هِيَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ، مَنْ تَعَوَّجَ عَنْهَا فَقَدِ ارْتَكَبَ الْمُعْوَجَّ مِنَ الضَّلَالِ وَلَوْ فِي الْعِبَادَةِ اهـ وَيُؤَيِّدُهُ مَا صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا أَعْجَلَ النَّاسِ إِفْطَارًا وَأَبْطَأَهُمْ سَحُورًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَزَادَ أَحْمَدُ: " وَأَخَّرُوا السَّحُورَ ".

стр. 2839

١٩٨٥ - وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ ١٩٨٥ - (وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ ") أَيْ ظَلَامُهُ " مِنْ هَاهُنَا " أَيْ جَانِبِ الشَّرْقِ " وَأَدْبَرَ النَّهَارُ " أَيْ ضِيَاؤُهُ " مِنْ هَاهُنَا " أَيْ جَانِبِ الْغَرْبِ " وَغَرَبَتْ " بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ غَابَتِ " الشَّمْسُ " أَيْ كُلُّهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا قَالَ وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ لِبَيَانِ كَمَالِ الْغُرُوبِ كَيْلَا يُظَنَّ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِفْطَارُ لِغُرُوبِ بَعْضِهَا اهـ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا ذَكَرَ هَذَيْنِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ غُرُوبَهَا عَنِ الْعُيُونِ لَا يَكْفِي لِأَنَّهَا قَدْ تَغِيبُ وَلَا تَكُونُ غَرَبَتْ حَقِيقَةً فَلَا بُدَّ مِنْ حَقِيقَةِ الْغُرُوبِ اهـ وَهُوَ غَرِيبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مَقْصُورٌ، وَلِذَا اقْتَصَرَ الْعُلَمَاءُ عَلَى

стр. 2840

ذِكْرِهِ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّ الْقَيْدَ الثَّانِيَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتِمُّ كَلَامُهُمْ لَوْ كَانَ غَرَبَتْ مُقَدَّمًا فَيَرْجِعُ الْحُكْمُ إِلَى مَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ " فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ " أَيْ صَارَ مُفْطِرًا حُكْمًا، وَإِنْ لَمْ يُفْطِرْ حِسًّا، كَذَا فِي الرِّوَايَةِ وَشَرْحِ السُّنَّةِ، بِدَلِيلِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى نِيَّةِ الصَّوْمِ لِلْغَدِ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ وَيَشْرَبْ، وَقِيلَ: دَخَلَ فِي وَقْتِ الْإِفْطَارِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُوَاصِلِ أَيْ لَيْسَ لِلْمُوَاصِلِ فَضْلٌ عَلَى الْآكِلِ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَا يَقْبَلُ الصَّوْمَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِخْبَارِ عَلَى الْإِنْشَاءِ إِظْهَارًا لِلْحِرْصِ عَلَى وُقُوعِ الْمَأْمُورِ بِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ فَلْيُفْطِرِ الصَّائِمُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَيْرِيَّةَ مَنُوطَةٌ بِتَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ فَكَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ وَحَصَلَ وَهُوَ يُخْبِرُ عَنْهُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الصف: ١٠ - ١١] أَيْ آمِنُوا وَجَاهِدُوا، وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الصَّوْمَ يَنْقَضِي وَيَتِمُّ بِتَمَامِ الْغُرُوبِ هُوَ مِمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ.

стр. 2841

١٩٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبَيْتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ ١٩٨٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ ") أَيْ تَتَابُعِ الصَّوْمِ مِنْ غَيْرِ إِفْطَارٍ بِاللَّيْلِ، وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ أَنَّهُ يُورِثُ الضَّعْفَ وَالسَّآمَةَ وَالْقُصُورَ عَنْ أَدَاءِ غَيْرِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ، فَقِيلَ: النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ، وَقِيلَ: لِلتَّنْزِيهِ، قَالَ الْقَاضِي: وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ اهـ وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ «أَنَّهُ ﷺ نَهَاهُمْ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ» ، الْحَدِيثَ، كَمَا فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، وَقِيلَ: هُوَ صَوْمُ السُّنَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفْطِرَ الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّةَ، وَيَرُدُّهُ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ ") بِكَسْرِ الْمِيمِ " إِنِّي " اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِنَفْيِ الْمُسَاوَاةِ بَعْدَ نَفْيِهَا بِالِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ " أَبَيْتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي " قَالَ الطِّيبِيُّ: إِمَّا خَبَرٌ وَإِمَّا حَالٌ إِنْ كَانَ تَامَّةً " وَيَسْقِينِي " بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَيُضَمُّ، قَالَ الْقَاضِي: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: " وَأَيُّكُمْ مِثْلِي " الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ - تَعَالَى - يُفِيضُ عَلَيْهِ مَا يَسُدُّ مَسَدَّ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنِ الْإِحْسَاسِ بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَيُقَوِّيهِ عَلَى الطَّاعَةِ وَيَحْرُسُهُ مِنَ الْخَلَلِ الْمُفْضِي إِلَى ضَعْفِ الْقُوَى وَكَلَالِ الْأَعْضَاءِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الْخَطَّابِيِّ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ ذُكِرَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَهُوَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الظَّاهِرِ بِأَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - طَعَامًا وَشَرَابًا لَيَالِيَ صِيَامِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَرَامَةً لَهُ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ فِي قَوْلِهِ " أَيُّكُمْ مِثْلِي " يُفِيدُ التَّوْبِيخَ الْمُؤْذِنَ بِالْبُعْدِ الْبَعِيدِ، وَكَذَلِكَ لَفْظَةُ مِثْلِي، لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَنْ هُوَ عَلَى صِفَتِي وَمَنْزِلَتِي وَقُرْبِي مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى، وَمِنْ ثَمَّةَ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ (أَبِيتُ) اهـ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ مِنْ عِنْدِهِ - تَعَالَى - كَرَامَةً لَهُ ﷺ يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ: " وَأَيُّكُمْ مِثْلِي "، كَمَا أَنَّهُ يُضْعِفُهُ أَيْضًا قَوْلُهُمْ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ ; فَإِنَّ الْوِصَالَ مَعَ تَنَاوُلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنَ الْمُحَالِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2842

(الْفَصْلُ الثَّانِي) ١٩٨٧ - عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَجْمَعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمَيُّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَفَهُ عَلَى حَفْصَةَ مَعْمَرٌ وَالزَّيْدِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَيُونُسُ الَأَيْلِيُّ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ. ــ (الْفَصْلُ الثَّانِي) ١٩٨٧ - (عَنْ حَفْصَةَ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ لَمْ يَجْمَعِ ") بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدْ قِيلَ الْإِجْمَاعُ وَالْإِزْمَاعُ وَالْعَزْمُ بِمَعْنًى، وَهُوَ إِحْكَامُ النِّيَّةِ، وَقِيلَ الْإِجْمَاعُ هُوَ الْعَزْمُ التَّامُّ، وَحَقِيقَتُهُ جَمْعُ رَأْيِهِ عَلَيْهِ، أَيْ مِنْ لَمْ يَنْوِ " الصِّيَامَ " وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ أَجْمَعَ الْأَمْرِ وَعَلَى الْأَمْرِ وَأَزْمَعَ عَلَيْهِ وَأَزْمَعَهُ أَيْضًا إِذَا صَمَّمَ عَزْمَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [يوسف: ١٠٢] أَيْ أَحْكَمُوهُ بِالْعَزِيمَةِ، وَالْمَعْنَى مَنْ لَمْ يُصَمِّمِ الْعَزْمَ عَلَى الصَّوْمِ " قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ " وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الصَّوْمُ بِلَا نِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَمَالِكٌ وَالْمُزَنِيُّ وَدَاوُدَ، وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إِلَى جَوَازِ النَّفْلِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، وَخَصَّصُوا هَذَا الْحَدِيثَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِينِي فَيَقُولُ: " أَعْنَدَكِ غَدَاءٌ؟ " فَأَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: " إِنِّي صَائِمٌ» "، وَفِي رِوَايَةٍ: " إِنِّي إِذَنْ لَصَائِمٌ "، وَإِذَنْ لِلِاسْتِقْبَالِ وَهُوَ جَوَابٌ وَجَزَاءٌ اهـ وَالْغَدَاءُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمِلَةِ اسْمٌ لِمَا يُؤْكَلُ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَمِنْ ثَمَّةَ

стр. 2843

لَمْ تَجُزِ النِّيَّةُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَا مَعَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنْ تُوجَدَ النِّيَّةُ فِي أَكْثَرِ النَّهَارِ الشَّرْعِيِّ فَيَكُونُ قَبْلَ الصَّحْوَةِ الْكُبْرَى، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ نِيَّةَ صَوْمِ النَّفْلِ تَصِحُّ قَبْلَ الْغُرُوبِ لِمَا صَحَّ عَنْ فِعْلِ حُذَيْفَةَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِ التَّبْيِيتِ فِي فَرْضٍ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ كَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَهُ زَمَانٌ مُعَيَّنٌ كَرَمَضَانَ، وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ، فَكَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ الشَّرْعِيِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِلَّا أَنَّ مَالِكًا وَإِسْحَاقَ وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ قَالُوا: لَوْ نَوَى أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صِيَامَ جَمِيعِ الشَّهْرِ أَجْزَأَهُ لَأَنَّ الْكُلَّ كَصَوْمِ يَوْمٍ وَهُوَ قِيَاسٌ عَلَى الزَّكَاةِ لَا يُقَابِلُ النَّصَّ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمَيُّ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَوْلُهُ، وَهُوَ أَصَحُّ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَلَمْ يَصِحَّ رَفْعُهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ اللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ مَرْفُوعًا، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَفَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، وَرَوَى الْخَطَّابِيُّ قَالَ: وَزِيَادَاتُ الثِّقَاتِ مَقْبُولَةٌ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَقَامَ إِسْنَادَهُ وَرَفَعَهُ، وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» " وَقَالَ: رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، كَذَا قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ، وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: اخْتُلِفَ فِي رَفْعِ الْحَدِيثِ وَوَقْفِهِ، وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقْفَهُ بَعْدَ أَنْ أَطْنَبَ النَّسَائِيُّ فِي تَخْرِيجِ طُرِقِهِ، وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ عَنِ الْبُخَارِيِّ تَرْجِيحَ وَقْفِهِ، وَعَمِلَ بِظَاهِرِ الْإِسْنَادِ جَمَاعَةٌ فَصَحَّحُوا رَفْعَهُ، مِنْهُمُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حَزْمٍ، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ (وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَفَهُ عَلَى حَفْصَةَ مَعْمَرٌ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ بَيْنَ فَتْحَتَيِ الْمِيمَيْنِ (وَالزُّبَيْدِيُّ) بِالتَّصْغِيرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ صَاحِبُ الزُّهْرِيِّ (وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَيُونُسُ) أَيِ ابْنُ يَزِيدٍ (الَأَيْلِيُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَبِاللَّامِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: نَسَبُهُ إِلَى بَلْدَةٍ بِالشَّامِ، ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ) قَالَ النَّوَوِيُّ: الْحَدِيثُ صَحِيحٌ، قَالَ: وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ كَثِيرَةٍ رَفْعًا، وَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الْمَوْصُولَةِ: رِجَالُ إِسْنَادِهِ كُلُّهُمْ أَجِلَّةٌ ثِقَاتٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِذَا ثَبَتَ صِحَّةُ الْحَدِيثِ وَاسْتُحْضِرَتِ الْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ أَنَّ النَّفْيَ إِذَا أُطْلِقَ إِنَّمَا يَنْصَرِفُ لِنَفْيِ الْحَقِيقَةِ دُونَ نَفْيِ كَمَالِهَا عُلِمَ مِنْهُ وُجُوبُ النِّيَّةِ، وَرَدَّ قَوْلَ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَزُفَرَ: لَا تَجِبْ لِرَمَضَانَ نِيَّةٌ لِتَعْيِينِهِ، وَعَدَمِ انْعِقَادِ غَيْرِهِ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي لَفْظِهِ " «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» " يُجْمَعُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ يَبِيتُ وَلَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللَّيْلِ، رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ، وَاخْتَلَفُوا فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى وَقْفِهِ، وَلَنَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ: أَنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَكَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يُصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ ﷺ : " مَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» "، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَمْرَ إِيجَابٍ قَبْلَ نَسْخِهِ بِرَمَضَانَ إِذْ لَا يُؤْمَرُ بِإِمْسَاكٍ مَنْ أَكَلَ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ إِلَّا فِي يَوْمٍ مَفْرُوضِ الصَّوْمِ بِعَيْنِهِ ابْتِدَاءً، بِخِلَافِ قَضَاءِ رَمَضَانَ إِذَا أَفْطَرَ فِيهِ، فَعُلِمَ أَنَّ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمٍ وَلَمْ يَنْوِهِ لَيْلًا أَنَّهُ تُجْزِئُهُ نِيَّتُهُ نَهَارًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِبُ تَقْدِيمُ مَا رَوَيْنَاهُ عَلَى مَرْوِيِّهِ لِقُوَّةِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا رَوَاهُ بَعْدَ مَا نَقَلَنَا فِيهِ مِنِ الِاخْتِلَافِ فِي صِحَّةِ رَفْعِهِ، فَيَلْزَمُ إِذْ قُدِّمَ كَوْنُ الْمُرَادِ بِهِ نَفْيُ الْكَمَالِ كَمَا فِي أَمْثَالِهِ مِنْ نَحْوِ ( «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ» ) وَغَيْرُهُ كَثِيرٌ اهـ مُلَخَّصًا.

стр. 2844

١٩٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ أَحَدُكُمْ وَالْإِنَاءُ فِي يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٩٨٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ ") أَيْ أَذَانَ الصُّبْحِ " أَحَدُكُمْ وَالْإِنَاءُ " أَيِ الَّذِي يَأْكُلُ مِنْهُ أَوْ يَشْرَبُ مِنْهُ " فِي يَدِهِ " جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ " فَلَا يَضَعْهُ " أَيِ الْإِنَاءَ " حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ " أَيْ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَهَذَا إِذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ عَدَمَ الطُّلُوعِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ طُلُوعَ الصُّبْحِ، أَمَّا إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ طَلَعَ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَلَا، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ ﷺ " «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» "، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ فَائِدَةُ الْقَيْدِ، قَالَ: أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ أَنْ يَسْمَعَ النِّدَاءَ وَهُوَ شَاكٌّ فِي الصُّبْحِ لِتَغَيُّمِ الْهَوَاءِ مَثَلًا فَلَا يَقَعُ لَهُ الْعِلْمُ بِأَذَانِهِ أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ لِعِلْمِهِ أَنَّ دَلَائِلَ الْفَجْرِ مَعْدُومَةٌ وَلَوْ ظَهَرَتْ لِلْمُؤَذِّنِ لَظَهَرَتْ لَهُ أَيْضًا، فَأَمَّا إِذَا عَلِمَ طُلُوعَهُ فَلَا حَاجَةَ إِلَى أَذَانِ الصَّارِخِ، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِمْسَاكِ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُشْعِرُ دَلِيلُ الْخِطَابِ بِأَنَّهُ لَمْ يُفْطِرْ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِنَاءُ فِي يَدِهِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ تَعْجِيلَ الْإِفْطَارِ مَسْنُونٌ، لَكِنَّ هَذَا مِنْ مَفْهُومِ اللَّقَبِ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ لَهُ مَفْهُومٌ اتِّفَاقًا اهـ يَعْنِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَإِلَّا فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا اعْتِبَارَ بِالْمَفْهُومِ إِلَّا فِي الْمَسْأَلَةِ لَا فِي الْأَدِلَّةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ: إِيمَاءً وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ مِنَ الْحَدِيثِ طَلَبُ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ، أَيْ إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ نِدَاءَ الْمَغْرِبِ وَصَادَفَ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنَاءَ فِي يَدِهِ لِحَالَةٍ أُخْرَى فَلْيُبَادِرْ بِالْفِطْرِ مِنْهُ وَلَا يُؤَخِّرْ إِلَى وَضْعِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ الشَّارِحِ، وَوَجْهُ انْدِفَاعِهِ أَنَّ قَوْلَهُ وَالْإِنَاءُ فِي يَدِهِ لَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ بَلْ لِلْمُبَالَغَةِ فِي السُّرْعَةِ اهـ وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ لِحَاجَةٍ أُخْرَى يَرُدُّهُ صَرِيحُ الْحَدِيثِ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ إِمْكَانَ سُرْعَةِ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ لِتَقَارُبِ وَقْتِهِ وَاسْتِدْرَاكِ حَاجَتِهِ وَاسْتِشْرَافِ نَفْسِهِ وَقُوَّةِ نَهْمَتِهِ وَتَوَجُّهِ شَهْوَتِهِ بِجَمِيعِ هِمَّتِهِ مِمَّا يَكَادُ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ مُنِعَ مِنْهُ لِمَا امْتَنَعَ فَأَجَازَهُ الشَّارِعُ - رَحْمَةً عَلَيْهِ، وَتَدْرِيجًا لَهُ بِالسُّلُوكِ وَالسَّيْرِ إِلَيْهِ، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَيُشِيرُ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ مِنَ الْخِلَافِ فِي الصُّبْحِ الْمُرَادِ فِي الصَّوْمِ. فَقَدْ ذَكَرَ الشُّمُنِّيُّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَوَّلُ طُلُوعِ الصُّبْحِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: اسْتِنَارَتُهُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُثْمَانَ وَحُذَيْفَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَالْأَعْمَشِ، قَالَ مَسْرُوقٌ: لَمْ يَكُونُوا يَعُدُّونَ الْفَجْرَ فَجْرَكُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَعُدُّونَ الْفَجْرَ الَّذِي يَمْلَأُ الْبُيُوتَ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: الْأَوَّلُ أَحْوَطُ، وَالثَّانِي أَرْفَقُ اهـ وَلَعَلَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّفْقِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ، وَيُؤَيِّدُهُ لَفْظُ التَّبْيِينِ فِي الْآيَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَجْرِ فِي الْآيَةِ الْإِسْفَارُ فَهُوَ مِمَّا كَادَ الْإِجْمَاعُ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَى خِلَافِهِ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا نُقِلَ عَنِ الْأَعْمَشِ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُ يَحِلُّ تَعَاطِي الْمُفْطِرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَمَا أَظُنُّ أَنَّ مَا نُقِلَ عَنْ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ يَصِحُّ عَنْهُمَا اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَالْقَائِلُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ يَكْفُرُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.

стр. 2845

١٩٨٩ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ١٩٨٩ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» ") أَيْ أَكْثَرُهُمْ تَعْجِيلًا فِي الْإِفْطَارِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِي هَذِهِ الْمَحَبَّةِ الْمُتَابَعَةُ لِلسُّنَّةِ وَالْمُبَاعَدَةُ عَنِ الْبِدْعَةِ وَالْمُخَالَفَةُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ اهـ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَفْضَلِيَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِأَنَّ مُتَابَعَةَ الْحَدِيثِ تُوجِبُ مَحَبَّةَ اللَّهِ - تَعَالَى - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِالْحَدِيثِ الْآتِي: " «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ» "، وَسَبَبُهُ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ الْحَنَفِيَّةَ سَمْحَاءُ سَهْلَةٌ لَيْسَ فِيهَا حَرَجٌ لِيَسْهُلَ قِيَامُهُمْ بِهَا وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا، وَلِذَا قِيلَ: عَلَيْكُمْ بِدِينِ الْعَجَائِزِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمْ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَغُلِبُوا وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَيِّمُوا الدِّينَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلِأَنَّهُ إِذَا أَفْطَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ يُؤَدِّيهَا عَنْ حُضُورِ قَلْبٍ وَطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ، وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ اهـ وَلِذَا قِيلَ: الطَّعَامُ الْمُمْتَزِجُ بِالصَّلَاةِ خَيْرٌ مِنَ الصَّلَاةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالطَّعَامِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِمَا، نَقْلَهُ مِيرَكُ.

стр. 2846

١٩٩٠ - وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى. ــ ١٩٩٠ - (وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ ") الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ " عَلَى تَمْرٍ " أَيْ عَلَى تَمْرَةٍ اكْتِفَاءً بِأَصْلِ السُّنَّةِ، وَإِلَّا فَأَدْنَى كَمَالِهَا ثَلَاثٌ كَمَا سَيَأْتِي، مَعَ أَنَّ التَّمْرَ اسْمُ جِنْسٍ " فَإِنَّهُ " أَيِ التَّمْرُ " بَرَكَةٌ " أَيْ ذُو بِرْكَةٍ وَخَيْرٍ كَثِيرٍ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ، وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنَّ الْحَلَاءَ يُسْرِعُ الْقُوَّةَ إِلَى الْقَوِيِّ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى زَوَالِ مَرَارَةِ الْعِصْيَانِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ فَإِنَّ الْإِفْطَارَ عَلَى التَّمْرِ فِيهِ ثَوَابٌ كَثِيرٌ وَبَرَكَةٌ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ عَدَمَ حُسْنِ الْمُقَابَلَةِ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ طَهُورٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْأَوْلَى أَنْ تُحَالَ عِلَّتُهُ إِلَى الشَّارِعِ، وَأَمَّا مَا يَجْرِي فِي الْخَاطِرِ وَهُوَ أَنَّ التَّمْرَ حُلْوٌ وَقُوتٌ، وَالنَّفْسُ قَدْ تَعِبَتْ بِمَرَارَةِ الْجُوعِ فَأَمَرَ الشَّارِعُ بِإِزَالَةِ هَذَا التَّعَبِ بِشَيْءٍ هُوَ قُوتٌ وَحُلْوٌ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ خَوَاصِّ التَّمْرِ أَنَّهُ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْمَعِدَةِ إِنْ وَجَدَهَا خَالِيَةً حَصَلَ بِهِ الْغِذَاءُ وَإِلَّا أَخْرَجَ مَا هُنَاكَ مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ، وَقَوْلُ الْأَطِبَّاءِ إِنَّهُ يُضْعِفُ الْبَصَرَ مَحْمُولٌ عَلَى كَثِيرِهِ الْمُضِرِّ دُونَ قَلِيلِهِ فَإِنَّهُ يُقَوِّيهِ " فَإِنْ لَمْ يَجِدْ " أَيِ التَّمْرَ وَنَحْوَهُ مِنَ الْحَلَوِيَّاتِ " فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ فَإِنَّهُ " أَيِ الْمَاءَ " طَهُورٌ " أَيْ بَالِغٌ فِي الطَّهَارَةِ فَيُبْتَدَأُ بِهِ تَفَاؤُلًا بِطَهَارَةِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لِأَنَّهُ مُزِيلُ الْمَانِعِ مِنْ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ، وَلِذَا مَنَّ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى عِبَادِهِ ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُزِيلُ الْعَطَشَ عَنِ النَّفْسِ اهـ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ عِنْدَ الْإِفْطَارِ: " ذَهَبَ الظَّمَأُ " كَمَا سَيَأْتِي (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيُّ أَحَدٍ قَوْلَهُ " فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ " غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ، وَفِي نُسْخَةٍ: لَمْ يَذْكُرُوا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فَ (غَيْرَ) مَنْصُوبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ (فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى) أَيْ لَهُمْ أَوْ لَهُ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَنَحْوُهُ خَبَرُ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحُوهُ " «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلْيُفْطِرْ عَلَى التَّمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ فَعَلَى الْمَاءِ فَإِنَّهُ طَهُورٌ» " وَهَذَا التَّرْتِيبُ لِكَمَالِ السُّنَّةِ لَا لِأَصْلِهَا اهـ وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ التَّمْرُ مَوْجُودًا وَبَدَأَ بِالْمَاءِ أَوِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَلَا شَكَّ فِي مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فَأَتَى بِالسُّنَّةِ فَالتَّرْتِيبُ مُعْتَبَرٌ كَمَا فِي أَمْثَالِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الْحَدِيثِيَّةِ، وَيُؤَكِّدُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ.

стр. 2847

١٩٩١ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ١٩٩١ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْطِرُ) أَيْ فِي صِيَامِهِ (قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ) أَيِ الْمَغْرِبَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ، وَأَمَّا مَا صَحَّ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄ كَانَا بِرَمَضَانَ يُصَلِّيَانِ الْمَغْرِبَ حِينَ يَنْظُرَانِ إِلَى اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ ثُمَّ يُفْطِرَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهُوَ لِبَيَانِ جَوَازِ التَّأْخِيرِ لِئَلَّا يُظَنَّ وُجُوبُ التَّعْجِيلِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُهُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُفْطِرُ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَأَنَّهُمَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمَا تَمْرٌ وَلَا مَاءٌ، أَوْ كَانَا غَيْرَ مُعْتَكِفَيْنِ، وَرَأَيَا الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ مَكْرُوهَيْنِ، لَكِنَّ إِطْلَاقَ الْأَحَادِيثِ ظَاهِرٌ فِي اسْتِثْنَاءِ حَالِ الْإِفْطَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُطَبَاتٌ) بِالرَّفْعِ أَيْ مَوْجُودَةٌ أَوْ إِنْ لَمْ تَحْصُلْ (فَتُمَيْرَاتٌ) بِالْجَرِّ أَيْ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهَا، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ فَتُمَيْرَاتٌ عِوَضُهَا (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا) أَيْ شَرِبَ (حَسَوَاتٍ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ (مِنْ مَاءٍ) فِي النِّهَايَةِ: الْحُسْوَةُ بِالضَّمِّ الْجُرْعَةُ مِنْ شَرَابٍ بِقَدْرِ مَا يُحْسَى مَرَّةً وَاحِدَةً وَبِالْفَتْحِ مَرَّةٌ اهـ وَالظَّاهِرُ مِنْهُ تَرْجِيحُ الضَّمِّ فَلَا أَقَلَّ مِنْ جَوَازِهِ، وَفِي الْقَامُوسِ: حَسَا زِيدٌ الْمَاءَ شَرِبَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَالْحُسْوَةُ بِالضَّمِّ: الشَّيْءُ الْقَلِيلُ مِنْهُ، الْمَرَّةُ مِنَ الْحَسْوِ، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، وَقِيلَ: تَقْدِيمُ التَّمْرِ فِي الشِّتَاءِ وَالْمَاءِ فِي الصَّيْفِ لِرِوَايَةٍ بِهِ، وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَدْخُلَ جَوْفَهُ أَوَّلًا شَيْءٌ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ، وَقَضِيَّتُهُ تَقْدِيمُ الزَّبِيبِ عَلَى الْمَاءِ، قِيلَ بَلِ الْحُلْوُ كُلُّهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكُلُّهُ ضَعِيفٌ، أَقُولُ: إِنْ لَمْ يَكُنِ التَّمْرُ مَوْجُودًا فَقِيَاسٌ صَحِيحٌ، بَلْ وَرَدَ أَيْضًا

стр. 2848

فِي حَدِيثٍ كَمَا سَبَقَ، وَإِلَّا فَمُعَارَضَتُهُ بِالنَّصِّ صَرِيحٌ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: السُّنَّةُ بِمَكَّةَ تَقْدِيمُ مَاءِ زَمْزَمَ عَلَى التَّمْرِ أَوْ خَلْطُهُ بِهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ خِلَافُ الِاتِّبَاعِ، وَبِأَنَّهُ ﷺ صَامَ عَامَ الْفَتْحِ أَيَّامًا كَثِيرَةً بِمَكَّةَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ خَالَفَ عَادَتَهُ الَّتِي هِيَ تَقْدِيمُ التَّمْرِ عَلَى الْمَاءِ، وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَلَفْظُهُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى ثَلَاثِ تَمَرَاتٍ، أَوْ شَيْءٍ لَمْ تُصِبْهُ النَّارُ» ، وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ وَجَدَ تَمْرًا فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَا فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَهُ طَهُورٌ» " رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا.

стр. 2849

١٩٩٢ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا أَوْ جَهَّزَ غَازِيًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَمُحْيِي السُّنَّةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَقَالَ: صَحِيحٌ. ــ ١٩٩٢ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مِنْ فَطَّرَ صَائِمًا ") قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: التَّفْطِيرُ جَعْلُ أَحَدٍ مُفْطِرًا أَيْ مَنْ أَطْعَمَ صَائِمًا اهـ أَيْ عِنْدَ إِفْطَارِهِ " أَوْ جَهَّزَ غَازِيًا " أَيْ هَيَّأَ أَسْبَابَهُ مِنَ السِّلَاحِ وَالْفَرَسِ وَالنَّفَقَةِ " فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ " أَيِ الصَّائِمُ أَوِ الْغَازِي أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَهَذَا الثَّوَابُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى التَّقْوَى، وَالدَّلَالَةِ عَلَى الْخَيْرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: نَظَمَ الصَّائِمَ فِي سِلْكِ الْغَازِي لِانْخِرَاطِهِمَا فِي مَعْنَى الْمُجَاهَدَةِ مَعَ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَقَدَّمَ الْجِهَادَ الْأَكْبَرَ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَمُحْيِي السُّنَّةِ) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَقَالَ: صَحِيحٌ) قَالَ الْجَزَرِيُّ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِهِ جُمْلَةً، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُقَطَّعًا، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِي كُلٍّ مِنْهُمَا حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ مِيرَكُ: وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مَنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ» " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَفْظُ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَالنَّسَائِيِّ: " «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا أَوْ جَهَّزَ حَاجًّا أَوْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ» " وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَقِفْ عَلَى هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ فَعَزَى الْحَدِيثَ إِلَى الْبَيْهَقِيِّ وَشَرْحِ السُّنَّةِ، وَالْعَزْوُ إِلَى أَصْحَابِ السُّنَنِ أَوْلَى وَأَصْوَبُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَفِيهِ أَنَّهُ إِنَّمَا نُسِبَ إِلَيْهِمَا لِأَنَّ لَفْظَهُمَا مُغَايِرٌ لِلَفْظِ الطَّرِيقَيْنِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُخْتَصَرٌ وَالثَّانِي مُطَوَّلٌ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُخَالَفَةِ بَقِيَّةِ الْأَلْفَاظِ.

стр. 2850

١٩٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ «النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: " ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٩٩٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَفْطَرَ) أَيْ بَعْدَ الْإِفْطَارِ (قَالَ: " ذَهَبَ الظَّمَأُ ") بِفَتْحَتَيْنِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: الظَّمَأُ مَهْمُوزُ الْآخِرِ مَقْصُورٌ وَهُوَ الْعَطَشُ، وَإِنَّمَا ذُكَرْتُ هَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ فَتَوَهَّمَهُ مَمْدُودًا اهـ وَفِيهِ أَنَّهُ قُرِئَ (لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَاءٌ) بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَفِي الْقَامُوسِ: ظَمِئَ كَفَرِحَ ظَمَأً وَظَمَاءً، ظَمَاءَةٌ: عَطَشٌ أَوْ أَشَدٌّ الْعَطَشِ، وَلَعَلَّ كَلَامَ النَّوَوِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ خِلَافُ الرِّوَايَةِ لَا أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي اللُّغَةِ " وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ " أَيْ بِزَوَالِ الْيُبُوسَةِ الْحَاصِلَةِ بِالْعَطَشِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ هُوَ مُؤَكِّدٌ لِمَا قَبْلَهُ فَاسْتِرْوَاحٌ لِأَنَّ مِنْهَا نِعْمَةً مُسْتَقِلَّةً، نَعَمْ لَوْ عُكِسَ الْعَطَشُ لَكَانَ تَأْكِيدًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْجُمْلَةِ " وَثَبَتَ الْأَجْرُ " أَيْ زَالَ التَّعَبُ وَحَصَلَ الثَّوَابُ، وَهَذَا حَثٌّ عَلَى الْعِبَادَاتِ، فَإِنَّ التَّعَبَ يَسِيرٌ لِذَهَابِهِ وَزَوَالِهِ، وَالْأَجْرُ كَثِيرٌ لِثَبَاتِهِ وَبَقَائِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: ذِكْرُ ثُبُوتِ الْأَجْرِ بَعْدَ زَوَالِ التَّعَبِ اسْتِلْذَاذٌ أَيَّ اسْتِلْذَاذٍ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - حِكَايَةً عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] " إِنْ شَاءَ اللَّهُ " مُتَعَلِّقٌ بِالْأَخِيرِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ، وَيَصِحُّ التَّعْلِيقُ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْأَجْرِ عَلَيْهِ - تَعَالَى، رَدًّا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ، أَوْ لِئَلَّا يَجْزِمَ كُلُّ أَحَدٍ فَإِنَّ ثُبُوتَ أَجْرِ الْأَفْرَادِ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِنْ بِمَعْنَى إِذْ فَتَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ مَا سَبَقَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَلَى مَا فِي الْحِصْنِ.

стр. 2851

١٩٩٤ - وَعَنْ مُعَاذٍ بْنِ زُهْرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: " اللَّهُمَّ لَكَ صَمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلًا. ــ ١٩٩٤ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ) تَابِعِيٌّ يَرْوِي عَنْهُ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ الْكُوفِيُّ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ) أَيْ دَعَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ قَرَأَ بَعْدَ الْإِفْطَارِ، وَمِنْهُ " اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ " قَالَ الطِّيبِيُّ: قَدَّمَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فِي الْقَرِينَتَيْنِ عَلَى الْعَامِلِ دَلَالَةً عَلَى الِاخْتِصَاصِ إِظْهَارًا لِلِاخْتِصَاصِ فِي الِافْتِتَاحِ وَإِبْدَاءً لِشُكْرِ الصَّنِيعِ الْمُخْتَصِّ بِهِ فِي الِاخْتِتَامِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلًا) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ: مُعَاذُ بْنُ زُهْرَةَ، وَيُقَالُ أَبُو زُهْرَةَ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ، فَأَرْسَلَ حَدِيثًا فَوَهِمَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ، قَالَ مِيرَكُ: عِبَارَةُ أَبِي دَوُادَ هَكَذَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ: بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَهُ، لَا يُقَالُ لِمِثْلِهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ إِلَى آخِرِهِ، وَمُعَاذُ بْنُ زُهْرَةَ بْنِ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَانْفَرَدَ بِإِخْرَاجِ حَدِيثِهِ هَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَلَيْسَ لَهُ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ اهـ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ مَعَ إِرْسَالِهِ حُجَّةٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ وَالطَّبَرَانِيَّ رَوَيَاهُ بِسَنَدٍ مُتَّصِلٍ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ وَهُوَ حُجَّةٌ أَيْضًا، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ: «لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةٌ لَا تُرَدُّ» ، وَوَرَدَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ: " «يَا وَاسِعَ الْفَضْلِ اغْفِرْ لِي» "، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَانَنِي فَصُمْتُ وَرَزَقَنِي فَأَفْطَرْتُ» اهـ وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ " اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ " فَزِيَادَةٌ، (وَبِكَ آمَنْتُ) لَا أَصْلَ لَهَا وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهَا صَحِيحًا، وَكَذَا زِيَادَةُ (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَلِصَوْمِ غَدٍ نَوَيْتُ) بَلِ النِّيَّةُ بِاللِّسَانِ مِنَ الْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ.

стр. 2852

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ١٩٩٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ، لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ١٩٩٥ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا ") أَيْ غَالِبًا وَعَالِيًا أَوْ وَاضِحًا وَلَائِحًا " مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ " أَيْ مُدَّةَ تَعْجِيلِهِمُ الْفِطْرَ " لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ " أَيِ الْفِطْرَ إِلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ وَتَبِعَهُمُ الْأَرْفَاضُ فِي زَمَانِنَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي هَذَا التَّعْلِيلِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِوَامَ الدِّينِ الْحَنِيفِيِّ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَعْدَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَنَّ فِي مُوَافَقَتِهِمْ تَلَفًا لِلدِّينِ، قَالَ - تَعَالَى - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 2853

١٩٩٦ - وَعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ: «دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، قَالَتْ: أَيُّهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قُلْنَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَتْ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْآخَرُ أَبُو مُوسَى» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ١٩٩٦ - (وَعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ) كِلَاهُمَا تَابِعِيٌّ (عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ) مُبْتَدَأٌ (مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ) صِفَةٌ وَهِيَ مُسَوِّغَةٌ لِكَوْنِ الْمُبْتَدَأِ نَكِرَةً وَالْخَبَرُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ (أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ) أَيْ يَخْتَارُ تَأْخِيرَهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّرْتِيبَ الذِّكْرِيَّ يُفِيدُ التَّرْتِيبَ الْفِعْلِيَّ فِي الْعَمَلَيْنِ، وَإِلَّا قَالُوا: وَلَا تَمْنَعُ تَقْدِيمَ الْإِفْطَارِ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى تَقْدِيرِ تَأْخِيرِهَا أَيْضًا (قَالَتْ: أَيُّهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قُلْنَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَتْ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالْآخَرُ أَبُو مُوسَى) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَوَّلُ عَمِلَ بِالْعَزِيمَةِ وَالسُّنَّةِ وَالثَّانِي بِالرُّخْصَةِ اهـ وَهَذَا بِمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْفِعْلِ فَقَطْ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْخِلَافُ قَوْلِيًّا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ اخْتَارَ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّعْجِيلِ وَأَبُو مُوسَى اخْتَارَ عَدَمَ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ، وَإِلَّا فَالرُّخْصَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ الْكُلِّ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُحْمَلَ عَمَلُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى السُّنَّةِ وَعَمَلُ أَبِي مُوسَى عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ كَمَا سَبَقَ مِنْ عَمَلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَكَانَ عُذْرُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فَعُذْرٌ بَارِدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 2854

١٩٩٧ - وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: «دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى السَّحُورِ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: " هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. ــ ١٩٩٧ - (وَعَنِ الْعِرْبَاضِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ (بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى السَّحُورِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا (فِي رَمَضَانَ قَالَ) عَطْفٌ أَوْ تَفْسِيرٌ وَبَيَانٌ " هَلُمَّ " أَيْ تَعَالَ، فِي النِّهَايَةِ: فِيهِ لُغَتَانِ، فَأَهْلُ الْحِجَازِ يُطْلِقُونَهُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالِاثْنَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَبَنُو تَمِيمٍ يُثَنَّى وَيُجْمَعُ وَيُؤَنَّثُ اهـ وَجَاءَ التَّنْزِيلُ بِلُغَةِ الْحِجَازِ " قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ " أَيْ أَحْضِرُوهُمْ " إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ " وَالْغَدَاءُ مَأْكُولُ الصَّبَاحِ، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَصَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ وَضَبَطَهُ بِالْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ أَوَّلِهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِيهِمَا.

стр. 2855

١٩٩٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنَ التَّمْرُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ١٩٩٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ ") بِفَتْحِ السِّينِ لَا غَيْرَ " التَّمْرُ " قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا مَدَحَ التَّمْرَ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِأَنَّ فِي نَفْسِ السَّحُورِ بَرَكَةٌ، وَتَخْصِيصُهُ بِالتَّمْرِ بَرَكَةً، عَلَى بَرَكَةِ إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ، لِيَكُونَ الْمَبْدُوءُ بِهِ وَالْمُنْتَهَى إِلَيْهِ الْبَرَكَةَ (رَوَاهُ أَبُو دُوَادَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) .

стр. 2856

[بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْمِ] (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ١٩٩٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ (بَابُ تَنْزِيهِ الصَّوْمِ) أَيْ بَيَانُ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَجِبُ تَبْعِيدُ الصَّوْمِ عَمَّا يُبْطِلُهُ أَوْ يُبْطِلُ ثَوَابَهُ أَوْ يَنْقُصُهُ. (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ١٩٩٩ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ لَمْ يَدَعْ ") أَيْ يَتْرُكْ " قَوْلَ الزُّورِ " أَيِ الْبَاطِلَ وَهُوَ مَا فِيهِ إِثْمٌ، وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الزُّورُ الْكَذِبُ وَالْبُهْتَانُ، أَيْ مَنْ لَمْ يَتْرُكِ الْقَوْلَ الْبَاطِلَ مِنْ قَوْلِ الْكُفْرِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَالِافْتِرَاءِ وَالْغِيبَةِ وَالْبُهْتَانِ وَالْقَذْفِ وَالسَّبِّ وَالشَّتْمِ وَاللَّعْنِ وَأَمْثَالِهَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ اجْتِنَابُهَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ارْتِكَابُهَا " وَالْعَمَلَ " بِالنَّصْبِ " بِهِ " أَيْ بِالزُّورِ يَعْنِي الْفَوَاحِشَ مِنَ الْأَعْمَالِ لِأَنَّهَا فِي الْإِثْمِ كَالزُّورِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ " فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ " أَيِ الْتِفَاتٌ وَمُبَالَاةٌ، وَهُوَ مَجَازٌ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ يَنْفِي السَّبَبَ وَإِرَادَةَ نَفْيِ الْمُسَبِّبِ " فِي أَنْ يَدَعَ " أَيْ يَتْرُكَ " طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ " فَإِنَّهُمَا مُبَاحَانِ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِذَا تَرَكَهُمَا وَارْتَكَبَ أَمْرًا حَرَامًا مِنْ أَصْلِهِ اسْتَحَقَّ الْمَقْتَ، وَعَدَمَ قَبُولِ طَاعَتِهِ فِي الْوَقْتِ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ تَرْكُ الْمَعَاصِي مُطْلَقًا لَا تَرْكًا دُونَ تَرْكٍ، وَكَأَنَّ هَذَا مَأْخَذُ مَنْ قَالَ: إِنَّ التَّوْبَةَ عَنْ بَعْضِ الْمَعَاصِي غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَالصَّحِيحَةُ حِصَّتُهَا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهَا بِنَاءً عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْقَبُولِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْقَبُولِ عَدَمُ الصِّحَّةِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، قَالَ الْقَاضِي: الْمَقْصُودُ مِنَ الصَّوْمِ كَسْرُ الشَّهْوَةِ وَتَطْوِيعُ الْأَمَّارَةِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلُ مِنْهُ ذَلِكَ لَمْ يُبَالِ بِصَوْمِهِ، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ نَظَرَ عِنَايَةٍ، فَعَدَمُ الْحَاجَةِ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الِالْتِفَاتِ وَالْقَبُولِ، وَكَيْفَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَالْحَالُ أَنَّهُ تَرَكَ مَا يُبَاحُ مِنْ غَيْرِ زَمَانِ الصَّوْمِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَارْتَكَبَ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ وَالزُّورَ أَصْلُ الْفَوَاحِشِ، وَمَعْدِنُ الْمَنَاهِي، بَلْ قَرِينُ الشِّرْكِ، قَالَ - تَعَالَى - ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الشِّرْكَ وَالزُّورَ مُضَادٌّ لِلْإِخْلَاصِ، وَالصَّوْمُ بِالِاخْتِصَاصِ فَيَرْتَفِعُ بِمَا يُضَادُّهُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ الْحَاكِمِ الَّذِي صَحَّحَهُ: " «لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَطْ إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ» "، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنْ يَتَأَكَّدَ اجْتِنَابُ الْمَعَاصِي عَلَى الصَّائِمِ كَمَا قِيلَ فِي الْحَجِّ، لَكِنْ لَا يَبْطُلُ ثَوَابُهُ مِنْ أَصْلِهِ بَلْ كَمَالُهُ، فَلَهُ ثَوَابُ الصَّوْمِ وَإِثْمُ الْمَعْصِيَةِ، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مِنْ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِذَلِكَ ثَوَابُهُ مِنْ أَصْلِهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ، وَعَلِيلٍ مُبِينٍ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: يَتَأَكَّدُ عَلَى الصَّائِمِ أَيْ مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ فَلَا يُنَافِي كَوْنُهُ وَاجِبًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنْ يَكُفَّ لِسَانَهُ وَسَائِرَ جَوَارِحِهِ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَآكَدُ مِنْ ذَلِكَ كَفُّ مَا ذُكِرَ عَنِ الْمَعَاصِي بِأَسْرِهَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ، إِذِ الْإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى أَنَّ الْكَفَّ عَنِ الْمُبَاحَاتِ غَيْرُ وَاجِبٍ، بَلْ قَوْلُهُ يُكْرَهُ لَهُ شَمُّ الرَّيَاحِينِ وَالنَّظَرُ إِلَيْهَا وَلَمْسُهَا مُحْتَاجٌ إِلَى نَهْيٍ وَارِدٍ مَقْصُودٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ.

стр. 2857

٢٠٠٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِأَرَبِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ". ــ ٢٠٠٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ رَخَّصَ فِي قُبْلَةِ الصَّائِمِ عُمَرُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ بِهَا إِذَا لَمْ تُحَرِّكِ الشَّهْوَةَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُكْرَهُ لِلشَّابِّ وَيُرَخَّصُ لِلشَّيْخِ (وَيُبَاشِرُ) أَيْ بَعْضَ نِسَائِهِ، يُلْصِقُ الْبَشَرَةَ بِالْبَشَرَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ يَلْمِسُ نِسَاءَهُ بِيَدِهِ (وَهُوَ صَائِمٌ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ صَائِمًا، زَادَ مُسْلِمٌ: فِي رَمَضَانَ، قَالَ الشُّمُنِّيُّ: وَعِنْدَنَا كُرْهُ الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالْمُبَاشَرَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْجِمَاعَ أَوِ الْإِنْزَالَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تُكْرَهُ الْقُبْلَةُ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنَ الْفِتْنَةِ اهـ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ بِهِ ﷺ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهَا ﵂ (وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ) مِنْ مَلَكَ إِذَا قَدَرَ عَلَى شَيْءٍ أَوْ صَارَ حَاكِمًا عَلَيْهِ (لِأَرَبِهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ الْحَاجَةُ وَتُرِيدُ بِهِ الشَّهْوَةَ، وَقَدْ يُرْوَى بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَيُفَسَّرُ تَارَةً بِأَنَّهُ الْحَاجَةُ وَتَارَةً بِأَنَّهُ الْعَقْلُ وَتَارَةً بِأَنَّهُ الْعُضْوُ، وَأُرِيدَ هَاهُنَا الْعُضْوُ الْمَخْصُوصُ، كَذَا ذُكِرَ لِأَنَّ الصَّدِّيقَةَ ﵂ ذَكَرَتْ أَنْوَاعَ الشَّهْوَةِ مُتَرَقِّيَةً مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى، فَبَدَأَتْ بِمُقَدِّمَتِهَا الَّتِي هِيَ الْقُبْلَةُ ثُمَّ ثَنَّتْ بِالْمُبَاشَرَةِ مِنْ نَحْوِ الْمُدَاعَبَةِ وَالْمُعَانَقَةِ، وَأَرَادَتْ أَنْ تُعَبِّرَ عَنِ الْمُجَامَعَةِ فَكَنَّتْ عَنْهَا بِالْأَرَبِ، وَإِلَى عِبَارَةٍ أَحْسَنَ مِنْهَا اهـ وَفِيهِ أَنَّ الْمُسْتَحْسَنَ إِذًا أَنَّ الْأَرَبَ بِمَعْنَى الْحَاجَةِ كِنَايَةً عَنِ الْمُجَامَعَةِ، وَأَمَّا الذَّكَرُ فَغَيْرُ مُلَائِمٍ لِلْأُنْثَى كَمَا لَا يَخْفَى، لَا سِيَّمَا فِي حُضُورِ الرِّجَالِ، ثُمَّ الْمَعْنَى: أَنَّهُ كَانَ أَغْلَبَكُمْ وَأَقْدَرَكُمْ عَلَى مَنْعِ النَّفْسِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَتْ بِمِلْكِهِ حَاجَتَهُ فَبَعُدَ قَمْعِهِ الشَّهْوَةَ فَلَا يَخَافُ الْإِنْزَالَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ الْقُبْلَةُ وَالْمُلَامَسَةُ بِالْيَدِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: أَنَّهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى حِفْظِ نَفْسِهِ عَنْهُمَا لِأَنَّهُ غَالِبٌ عَلَى هَوَاهُ وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ، وَغَيْرُهُ قَلَّمَا يَصْبِرُ عَلَى تَرْكِهِمَا، لِأَنَّ غَيْرَهُ قَلَّمَا يِمْلِكُ هَوَاهُ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونَانِ مَكْرُوهَيْنِ لِغَيْرِهِ ﷺ أَيْضًا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا صَحَّ «أَنَّ عُمَرَ ﵁ هَشَّ أَيْ نَشَطَ وَارْتَاحَ فَقَبَّلَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَائِلًا: صَنَعْتُ أَمْرًا عَظِيمًا، فَقَالَ: " أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنَ الْمَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 2858

٢٠٠١ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ حُلْمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٠٠١ - (وَعَنْهَا) أَيْ عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ) أَيِ الصُّبْحُ (فِي رَمَضَانَ) أَيْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ (وَهُوَ جُنُبٌ) سُمِّيَ بِهِ لِكَوْنِ الْجَنَابَةِ سَبَبًا لِتَجَنُّبِ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَنَحْوِهِمَا فِي حُكْمِ الشَّرْعِ، وَذَلِكَ بِإِنْزَالِ الْمَاءِ أَوْ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَفِي مَعْنَاهُ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ (مِنْ غَيْرِ حُلْمٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَيُضَمُّ، وَهُوَ صِفَةٌ مُمَيِّزَةٌ أَيْ مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ بَلْ مِنْ جِمَاعٍ، فَإِنَّ الثَّانِي أَمْرٌ اخْتِيَارِيٌّ فَيُعْرَفُ حُكْمُ الْأَوَّلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، بَلْ وَلَوْ وَقَعَ الِاحْتِلَامُ فِي حَالِ الصِّيَامِ لَا يَضُرُّ مَعَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَالِمُونَ مِنِ الِاحْتِلَامِ لِأَنَّهُ عَلَامَةُ تَأَتِّي الشَّيْطَانِ فِي حَالِ الْمَنَامِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِنَّمَا احْتَاجَتْ عَائِشَةُ لِقَوْلِهَا مِنْ غَيْرِ حُلْمٍ مَعَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَحْتَلِمُونَ لِأَنَّ هَذَا النَّفْيَ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يَحْتَلِمُونَ بِرُؤْيَةِ جِمَاعٍ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ بِالنَّائِمِ وَهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الِاحْتِلَامُ بِمَعْنَى نُزُولِ الْمَنِيِّ فِي النَّوْمِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةِ وِقَاعٍ فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَنْ نَحْوِ امْتِلَاءِ الْبَدَنِ فَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْخِلْقِيَّةِ أَوِ الْعَادِيَّةِ الَّتِي يَسْتَوِي فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ وَغَيْرُهُمْ، وَفِيهِ أَنَّ الِاحْتِمَالَ غَيْرُ مُفِيدٍ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِدْلَالِ (فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ: مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا اغْتَسَلَ وَأَتَمَّ صَوْمَهُ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُبْطِلُ الْفَرْضَ دُونَ النَّفْلِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ شَرْحِ السُّنَّةِ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] الْآيَةِ: فِي تَجْوِيزِ الْمُبَاشَرَةِ إِلَى الصُّبْحِ الدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْغُسْلِ إِلَيْهِ وَصِحَّةُ صَوْمِ الْمُصْبِحِ جُنُبًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ إِذَا كَانَتْ مُبَاحَةً إِلَى الِانْفِجَارِ لَمْ يُمْكِنْهُ الِاغْتِسَالُ إِلَّا بَعْدَ الصُّبْحِ اهـ وَقَالَ جَمْعٌ مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ لَكِنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ: يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الْفَجْرِ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ: مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ، وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَصْبَحَ مُجَامِعًا وَاسْتَدَامَ الْجِمَاعَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2859

٢٠٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٠٠٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» ) قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: مُرَادُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ احْتَجَمَ فِي حَالِ اجْتِمَاعِ الصَّوْمِ مَعَ الْإِحْرَامِ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا «أَنَّهُ ﷺ احْتَجَمَ صَائِمًا مُحْرِمًا» ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ: وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَاوِيهِ " وَهُوَ صَائِمٌ " يُبْطِلُ مَا قِيلَ إِنَّمَا احْتَجَمَ، لِأَنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا، وَالْمُسَافِرُ لَهُ الْفِطْرُ بِالْحِجَامَةِ وَغَيْرِهَا، وَوَجْهُ إِبْطَالِهِ لَهُ أَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الصَّوْمَ مَعَ الْحِجَامَةِ إِذْ لَا يُقَالُ: أَكَلَ وَهُوَ صَائِمٌ اهـ وَفِيهِ بَحْثٌ، قَالَ الْمُظْهِرُ: يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الْحِجَامَةُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْتِفَ شَعْرًا، وَكَذَا لِلصَّائِمِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يَبْطُلُ صَوْمُ الْحَاجِمِ وَالْمَحْجُومِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا، وَقَالَ عَطَاءٌ: يَبْطُلُ صَوْمُ الْمَحْجُومِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُكْرَهُ لَهُ مَخَافَةَ الضَّعْفِ، وَسَيَأْتِي دَلِيلُهُمْ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 2860

٢٠٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٠٠٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ نَسِيَ ") أَيْ أَنَّهُ فِي الصَّوْمِ " وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ " وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: فَأَكَلَ وَشَرِبَ " فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ " يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِنَا مِنْ وُجُوبِ إِتْمَامِهِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، فَانْدَفَعَ تَقْيِيدُ ابْنِ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: وُجُوبًا عَلَيْهِ إِنْ كَانَ فَرْضًا، وَفِي رِوَايَةٍ سَنَدُهَا صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ: " «مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ» " لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ: " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» " قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا أَكَلَ نَاسِيًا فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ صَائِمٌ، فَلَمْ يَتَذَكَّرْ وَاسْتَمَرَّ ثُمَّ تَذَكَّرَ، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّهُ أُخْبِرَ بِأَنَّ الْأَكْلَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فِي الدِّيَانَاتِ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُلْتَفَتَ إِلَى تَأَمُّلِ الْحَالِ، وَقَالَ زُفَرُ وَالْحَسَنُ: لَا يُفْطِرُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَإِنْ كَانَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ كَثِيرًا، وَقَالَ مَالِكٌ: يَبْطُلُ الصَّوْمُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ بِاخْتِيَارِهِ الْمُقْتَضِي لِفَسَادِ صَوْمِهِ بَلْ لِأَجْلِ إِنْسَائِهِ - تَعَالَى - لَهُ لُطْفًا بِهِ وَتَيْسِيرًا عَلَيْهِ بِدَفْعِ الْحَرَجِ عَنْ نَفْسِهِ عَلَّلَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ " فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ " فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلشُّمُنِّيِّ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ: يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي الْجِمَاعِ دُونَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يَجِبُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فِي الْجِمَاعِ دُونَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِمَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَالْحَاكِمُ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ» "، وَأَمَّا إِنْ أَفْطَرَ خَطَأً أَوْ مُكْرَهًا فَإِنَّهُ يَقْضِي فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَقْضِي فِيهِمَا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] وَقَوْلِهِ ﷺ : " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» " وَلَنَا أَنَّ الْمُفْطِرَ وَصَلَ إِلَى جَوْفِهِ فَيَفْسَدُ صَوْمُهُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي النَّاسِي، إِلَّا أَنَّا نَزَّلْنَاهُ فِيهِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ بِيَدِهِ، وَأُجِيبَ عَنِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا نَفْيُ الْمَأْثَمِ وَرَفْعُهُ، كَذَا ذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَحَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّوْمِ اللُّغَوِيُّ فَيَكُونُ أَمْرًا بِالْإِمْسَاكِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، كَالْحَائِضِ إِذَا طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ وَنَحْوِهِ، مَدْفُوعٌ أَوَّلًا بِأَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْمَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ حَيْثُ أَمْكَنَ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ وَجَبَ، وَثَانِيًا بِأَنَّ نَفْسَ اللَّفْظِ يَدْفَعُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَصَوْمُهُ إِنَّمَا كَانَ الشَّرْعِيَّ، فَإِتْمَامُ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالشَّرْعِيِّ، وَثَالِثًا بِأَنَّ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَسُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ صَائِمًا فَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ نَاسِيًا، فَقَالَ ﷺ : " «أَتِمَّ صَوْمَكَ، فَإِنَّ اللَّهَ أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ» " وَفِي لَفْظٍ: وَلَا قَضَاءَ عَلَيْكَ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظِ الْجَمَاعَةِ وَزَادَ فِيهِ: فَلَا تُفْطِرُ.

стр. 2861

٢٠٠٤ - وَعَنْهُ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ، قَالَ: " مَا لَكَ؟ " قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: " فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: " هَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ " قَالَ: لَا قَالَ: " اجْلِسْ " وَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ الضَّخْمُ، قَالَ: " أَيْنَ السَّائِلُ؟ "، قَالَ: أَنَا، قَالَ: " خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ "، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتِ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي؟ ! فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: " أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٠٠٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ) أَيْ جَالِسُونَ أَوْ ذَوُو جُلُوسٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ (إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرَّجُلُ عَلَى مَا ضَبَطْنَا هُوَ سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الْأَنْصَارِيُّ الْبَيَاضِيُّ، وَقِيلَ: سُلَيْمَانُ أَوْ سَلَمَةُ وَهُوَ أَصَحُّ، وَكَانَ قَدْ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ خَشْيَةَ أَنْ لَا يَمْلِكَ نَفْسَهُ ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا فِي رَمَضَانَ، كَذَا وَجَدْنَاهُ فِي عِدَّةٍ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ أَصَابَهَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ) أَيْ بِحُصُولِ الذَّنْبِ

стр. 2862

لِي، وَفِي الْمَصَابِيحِ: وَأَهْلَكْتُ، أَيْ زَوْجَتِي بِأَنْ حَصَّلْتُ لَهَا ذَنْبًا (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ " مَا لَكَ؟ " أَيُّ شَيْءٍ حَصَلَ أَوْ وَقَعَ لَكَ؟ وَفِي الْمَصَابِيحِ: مَا شَأْنُكَ ; وَأَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَمْرُكَ وَحَالُكَ (قَالَ) أَيِ الرَّجُلُ (وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي) أَيْ جَامَعْتُهَا، وَزَادَ فِي الْمَصَابِيحِ: فِي رَمَضَانَ (وَأَنَا صَائِمٌ) كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: (وَاقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهَذَا أَخَذَ أَئِمَّتُنَا فَقَالُوا: إِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ الْآتِيَةُ بِالْجِمَاعِ إِنْ كَانَ فِي أَدَاءِ رَمَضَانَ لَا غَيْرُ، لِأَنَّهُ يُمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ بِخَصَائِصَ كَثِيرَةٍ، وَكَذَا الْكَفَّارَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمَرْأَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَفِي الْهِدَايَةِ: أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : " «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ» " قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، عَلَّقَ الْكَفَّارَةَ بِالْإِفْطَارِ، فَإِنْ قِيلَ: لَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبُ لِأَنَّهُ حِكَايَةُ وَاقِعَةِ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا فَيَجِبُ كَوْنُ ذَلِكَ الْفِطْرِ بِأَمْرٍ خَاصٍّ لَا بِالْأَعَمِّ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ أَنَّهُ بِالْجِمَاعِ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَلَا مُتَمَسَّكَ بِهِ لِأَحَدٍ، بَلْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جِمَاعُ الرَّجُلِ وَهُوَ السَّائِلُ لِمَجِيئِهِ مُفَسَّرًا كَذَلِكَ بِرِوَايَةٍ مِنْ نَحْوِ عِشْرِينَ رَجُلًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قُلْنَا: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ تَعْلِيقُهَا بِالْإِفْطَارِ فِي عِبَارَةِ الرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذَا أَفَادَ أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ خُصُوصِ الْأَحْوَالِ الَّتِي شَاهَدَهَا فِي قَضَائِهِ ﷺ أَوْ سَمِعَ مَا يُفِيدُ أَنَّ إِيجَابَهَا عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ خُصُوصِ الْإِفْطَارِ فَيَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ، وَهَذَا كَمَا قَالُوهُ فِي أُصُولِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ مَا إِذَا نَقَلَ الرَّاوِي بِلَفْظٍ ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فَإِنَّهُمُ اخْتَارُوا اعْتِبَارَهُ وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِ الرَّاوِي، وَقَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْمَعْنَى، فَهَذَا مِثْلُهُ بِلَا تَفَاوُتٍ لِمَنْ تَأَمَّلَ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ عَلَيْهَا إِذَا طَاوَعَتْهُ، فَالْكَفَّارَةُ أَوْلَى عَلَى نَظِيرِ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا فَتَكُونُ ثَابِتَةً لِدَلَالَةِ نَصِّ حَدِّهَا، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: وَلَنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَعَلَّقَتْ بِجِنَايَةِ الْإِفْطَارِ: يَعْنِي وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ جِمَاعًا أَوْ غَيْرَهُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: مَأْخُوذٌ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ: مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعْتِقَ» . . . الْحَدِيثَ، وَأَعَلَّهُ بِأَبِي مَعْشَرٍ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْعِلَلِ فِي حَدِيثِ " الَّذِي وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ " عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْطَرْتُ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا» . . الْحَدِيثَ، وَهَذَا مُرْسَلُ سَعِيدٍ، وَهُوَ مَقْبُولٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِمَّنْ لَا يَقْبَلُ الْمُرْسَلَ، وَعِنْدَنَا هُوَ حُجَّةٌ مُطْلَقًا، وَأَيْضًا دَلَالَةُ نَصِّ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ تُفِيدُهُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ مَنْ عَلِمَ اسْتِوَاءَ الْجِمَاعِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي أَنَّ رُكْنَ الصَّوْمِ أَكَفُّ عَنْ كُلِّهَا، ثُمَّ عَلِمَ لُزُومَ عُقُوبَةٍ عَلَى مَنْ فَوَّتَ الْكَفَّ عَنْ بَعْضِهَا جَزَمَ بِلُزُومِهَا عَلَى مَنْ فَوَّتَ الْكَفَّ عَنِ الْبَعْضِ الْآخَرِ حُكْمًا لِلْعَمَلِ بِذَلِكَ الِاسْتِوَاءِ، غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ فِيهِ عَلَى أَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ، أَعْنِي بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمَيْنِ يَحْصُلُ الْعِلْمُ الثَّالِثُ، وَيَفْهَمُ كُلُّ عَالِمٍ بِهِمَا أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي لُزُومِهَا تَفْوِيتُ الرُّكْنِ لَا خُصُوصُ رُكْنٍ اهـ وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ جَلِيٌّ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ لَا خَفِيٌّ يَحْتَاجُ إِلَى تَرْتِيبِ مُقَدِّمَاتٍ مِنْ مَقِيسٍ وَمَقِيسٍ عَلَيْهِ وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ وَدَقَائِقِهِ الْمُحْتَاجِ إِلَى إِدْرَاكِ جَامِعِهِ وَفَارِقِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟ " أَيْ عَبْدًا أَوْ أَمَةً " تُعْتِقُهَا " أَيْ كَفَّارَةً لِهَذَا الذَّنْبِ ( «قَالَ: لَا، قَالَ: " فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: " هَلْ تَجِدُ " بِدُونِ الْفَاءِ " إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ " قَالَ: لَا» ) قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ رَتَّبَ الثَّانِيَ بِالْفَاءِ عَلَى فَقْدِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ الثَّالِثَ بِالْفَاءِ عَلَى فَقْدِ الثَّانِي، فَدَلَّ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَقَالَ مَالِكٌ بِالتَّخْيِيرِ، فَإِنَّ الْمُجَامِعَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ عِنْدَهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْكَفَّارَةُ مُرَتَّبَةٌ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّهَا مُخَيَّرَةٌ كَالْكَفَّارَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ لِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَأَجَابُوا بِأَنَّ أَوْ كَمَا لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ لَا تَمْنَعُهُ كَمَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَاتُ الْأُخَرُ، وَحِينَئِذٍ فَالتَّقْدِيرُ: أَوْ يَصُومُ إِنْ عَجَزَ عَنِ الْعِتْقِ أَوْ يُطْعِمُ إِنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ، وَرُوَاتُهَا أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ فَقَدْ رَوَاهَا عِشْرُونَ صَحَابِيًّا، وَهِيَ حِكَايَةُ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ وَرُوَاةُ هَذَا اثْنَانِ، وَهُوَ لَفْظُ الرَّاوِي، وَخَبَرُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ عِتْقِ وَنَحْرِ بَدَنَةٍ ضَعِيفٌ، وَإِنْ أَخَذَ بِهِ الْحَسَنُ اهـ وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَاءَ فِي أَصْلِنَا الْمُوَافِقِ لِلنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ فِي الثَّانِي غَيْرُ مَوْجُودٍ، وَأَمَّا فِي أَصْلِ الْبُخَارِيِّ فَمَوْجُودٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا مَفْقُودٌ، وَأَمَّا الْفَاءُ فِي الْأَوَّلِ فَمَوْجُودٌ اتِّفَاقًا، وَهُوَ يَكْفِي لِلدَّلَالَةِ عَلَى

стр. 2863

التَّرْتِيبُ لِعِلْمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ: " اجْلِسْ " وَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ ) بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِهَا أَيْ لَبِثَ وَتَوَقَّفَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَسَكَتَ بِالسِّينِ أَوِ التَّاءِ فَتَصْحِيفٌ لِمُخَالَفَتِهِ الْأُصُولَ الْمُعْتَمَدَةَ (فَبَيْنَمَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْجُلُوسِ وَالْمُكْثِ (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ جِيءَ (بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَالْعَرَقُ) أَيْ بِفَتْحَتَيْنِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَرُوِيَ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ (الْمِكْتَلُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيِ الزِّنْبِيلُ (الضَّخْمُ) بِسُكُونِ الْخَاءِ أَيِ الْعَظِيمُ، قِيلَ: الْمَنْسُوجُ مِنْ نَسَائِجِ الْخُوصِ، فِي الْمُغْرِبِ: يَسَعُ ثَلَاثِينَ صَفًّا، وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هُوَ مِكْتَلٌ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَيَكُونُ سِتِّينَ مُدًّا لِأَنَّ الصَّاعَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ طَعَامَ الْكَفَّارَةِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ " قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ " أَيْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ (قَالَ: أَنَا) أَيْ أَنَا هُوَ، أَوْ أَنَا السَّائِلُ " قَالَ: فَخُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ " أَيْ عَلَى الْفُقَرَاءِ (فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ: هُوَ عَلَى حَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ أَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى أَكْثَرَ حَاجَةً مِنِّي (يَا رَسُولَ اللَّهِ) وَفِيهِ نَوْعُ اسْتِعَانَةٍ وَاسْتِغَاثَةٍ بِهِ ﷺ ثُمَّ بَيَّنَ أَفْقَرِيَّتَهُ بِقَوْلِهِ الْمُؤَكَّدِ بِقَسَمِهِ بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ (فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) أَيِ الْمَدِينَةِ (يُرِيدُ) أَيْ يَعْنِي الرَّجُلُ بِاللَّابَتَيْنِ (الْحَرَّتَيْنِ) أَيْ فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ مِنَ الشَّرْقِيَّةِ وَالْغَرْبِيَّةِ، الْحَرَّةُ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ: الْأَرْضُ ذَاتُ الْحِجَارَةِ السُّودِ، وَالْمَعْنَى مَا بَيْنَ أَطْرَافِهَا (أَهْلُ بَيْتٍ) أَيْ جُمْلَةٌ مُجْتَمِعُونَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ (أَفْقَرُ مِنِّي) بِالرَّفْعِ عَلَى الْوَصْفِيَّةِ وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: (أَهْلُ) مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ مَا، (وَأَفْقَرَ) خَبَرُهُ إِنْ جَعَلْتَهَا حِجَازِيَّةً، وَبِالرَّفْعِ إِنْ جَعَلْتَهَا تَمِيمِيَّةً بِأَفْقَرَ (فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ) أَيْ ظَهَرَتْ (أَنْيَابُهُ) جَمْعُ نَابٍ وَهُوَ الَّذِي بَعْدَ الرَّبَاعِيَةِ (ثُمَّ قَالَ: " أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ ") وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: فَلَا تُفْطِرْ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالِ الْأَدَاءِ لَا الْفِعْلِ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَالَ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ شَيْءٌ، فَلَمَّا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَصَارَ قَادِرًا أَمَرَهُ بِالْإِطْعَامِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَأَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ: فَلَمَّا ذَكَرَ حَاجَتَهُ أَخَّرَهُ عَلَيْهِ إِلَى الْوُجْدِ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ هَذَا خَاصًّا بِذَلِكَ الرَّجُلِ، وَقِيلَ: مَنْسُوخٌ، وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى مِنَ الْأَخِيرَيْنِ، إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِمَا، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ أَصْحَابُ السِّتَّةِ لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ: حَتَّى بَدَتْ ثَنَايَاهُ، وَفِي لَفْظٍ: أَنْيَابُهُ، وَفِي لَفْظٍ: نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُدَ: زَادَ الزُّهْرِيُّ: رُبَّمَا كَانَ هَذَا رُخْصَةً لَهُ خَاصَّةً وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّكْفِيرِ، قَالَ الْمُنْذِرُ: قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ذَلِكَ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَعَلَى ذَلِكَ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِأَيِّ شَيْءٍ أَفْطَرَ، قَالَ: لِانْتِسَاخِهِ بِمَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ " كُلْهَا أَنْتَ وَعِيَالُكَ " اهـ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَأَمَّا رَفْعُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ: يُجْزِئُكَ وَلَا يُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ، فَلَمْ يُرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ، وَكَذَا لَمْ يُوجَدْ فِيهَا لَفْظُ الْفَرَقِ بِالْفَاءِ بَلْ بِالْعَيْنِ، وَهُوَ مِكْتَلٌ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا عَلَى مَا قِيلَ، قُلْنَا: وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ أَخَّرَ عَنْهُ إِلَى الْمَيْسَرَةِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا فِي الْحَالِ عَاجِزًا عَنِ الصَّوْمِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ لَهُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، كَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خُصُوصِيَّةٌ لِأَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَقَدْ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْكَ، وَلَفَظُ (وَأَهْلَكْتُ) لَيْسَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَجَاءَ فِي حَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَضَعَّفَهُ الْحَاكِمُ اهـ مُلَخَّصًا.

стр. 2864

(الْفَصْلُ الثَّانِي) ٢٠٠٥ - عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ وَيَمَصُّ لِسَانَهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ (الْفَصْلُ الثَّانِي) ٢٠٠٥ - (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ) أَيْ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ (وَيَمَصُّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ ضَمُّهُ (لِسَانَهَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ مِيرَكُ فِي التَّصْحِيحِ: اعْلَمْ أَنَّ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّدَ بْنَ دِينَارٍ الطَّلْحِيَّ الْبَصْرِيَّ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: ضَعِيفٌ، وَقَالَ ابْنُ مُرَّةَ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كِتَابٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ضَعِيفٌ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: قَوْلُهُ " وَيَمَصُّ لِسَانَهَا " فِي الْمَتْنِ لَا يَقُولُهُ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا سَعْدُ بْنُ أَوْسٍ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: بَصْرِيٌّ ضَعِيفٌ، قِيلَ: إِنَّ ابْتِلَاعَ رِيقِ الْغَيْرِ يُفْطِرُ إِجْمَاعًا، وَأُجِيبَ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ: أَنَّهُ وَاقِعَةُ حَالٍ فِعْلِيَّةٌ مُحْتَمَلَةٌ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَبْصُقُهُ وَلَا يَبْتَلِعُهُ، وَكَانَ يَمَصُّهُ وَيُلْقِي جَمِيعَ مَا فِي فَمِهِ، وَالْوَاقِعَةُ الْفِعْلِيَّةُ إِذَا احْتُمِلَتْ لَا دَلِيلَ فِيهَا اهـ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ مَعَ بُعْدِهِ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ صَائِمَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2865

٢٠٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ فَرَخَّصَ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ فَنَهَاهُ، فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ، وَإِذَا الَّذِي نَهَاهُ شَابٌّ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٠٠٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ» ) قِيلَ: هِيَ مَسُّ الزَّوْجِ الْمَرْأَةَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَقِيلَ: هِيَ الْقُبْلَةُ وَاللَّمْسُ بِالْيَدِ (فَرَخَّصَ لَهُ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ) أَيْ عَنْهَا (فَنَهَاهُ) قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتَأَمَّلْنَا حَالَهُمَا (فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ) أَيْ فِيهَا (شَيْخٌ، وَأَمَّا الَّذِي نَهَاهُ) أَيْ عَنْهَا (شَابٌّ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ ﷺ أَجَابَهُمَا بِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، إِذِ الْغَالِبُ عَلَى الشَّيْخِ سُكُونُ الشَّهْوَةِ وَأَمْنُ الْفِتْنَةِ فَأَجَازَ لَهُ، بِخِلَافِ الشَّابِّ فَنَهَاهُ اهْتِمَامًا لَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ هَذَا النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ أَوْ لِلتَّحْرِيمِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: سَنَدُهُ جَيِّدٌ.

стр. 2866

٢٠٠٧ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ: لَا أَرَاهُ مَحْفُوظًا. ــ ٢٠٠٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مِنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ " بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ غَلَبَهُ وَسَبَقَهُ فِي الْخُرُوجِ " وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ " لِأَنَّهُ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ " وَلَوِ اسْتَقَاءَ " أَيْ مِنْ تَسَبُّبٍ لِخُرُوجِهِ " وَعَمْدًا " أَيْ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ مُخْتَارًا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنِ النِّسْيَانِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا، إِذِ الْجَهْلُ لَيْسَ بِعُذْرٍ وَكَذَا الْخَطَأُ وَالْإِكْرَاهُ " فَلْيَقْضِ " قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: عَمِلَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَهْلُ الْعِلْمِ فَقَالُوا: مَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَمَنْ ذَرَعَهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ: بُطْلَانُ الصَّوْمِ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ رَزِينٍ الْبَكْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَتْنَا مَوْلَاةٌ لَنَا يُقَالُ لَهَا: سُلْمَى مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ هَلْ مِنْ كِسْرَةٍ؟ " فَأَتَتْهُ بِقُرْصٍ فَوَضَعَهُ عَلَى فِيهِ، فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ هَلْ دَخَلَ بَطْنِي مِنْهُ شَيْءٌ؟ كَذَلِكَ قُبْلَةُ الصَّائِمِ إِنَّمَا الْإِفْطَارُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ» " لِجَهَالَةِ الْمَوْلَاةِ لَمْ يُثْبِتْهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِهِ مَوْقُوفًا عَلَى جَمَاعَةٍ، فَفِي الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ: الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ، وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّمَا الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ، وَالْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ، وَرُوِيَ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَكُونُ مَخْصُوصًا بِحَدِيثِ الِاسْتِقَاءِ إِذِ الْفِطْرُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَعُودُ بِشَيْءٍ وَإِنْ قَلَّ حَتَّى لَا يُحِسَّ بِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَفِي نَقْلِ ابْنِ الْهُمَامِ حَسَنٌ غَرِيبٌ (لَا نَعْرِفُهُ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا (إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ: لَا أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ لَا أَظُنُّهُ (مَحْفُوظًا) قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْحَدِيثِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مُنْكَرًا اهـ وَهَذَا مِنْهُ مُنْكَرٌ، إِذْ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا أُرَاهُ مَحْفُوظًا لِهَذَا يَعْنِي لِلْغَرَابَةِ، وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ تَصْدِيقِهِ الرَّاوِي فَإِنَّهُ هُوَ الشَّاذُّ الْمَقْبُولُ، وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، ثُمَّ قَدْ تَابَعَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَوَقَفَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلِيٍّ أَيْضًا، وَمَا رُوِيَ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ أَنَّهُ ﷺ «خَرَجَ فِي يَوْمٍ كَانَ يَصُومُهُ فَدَعَا بِالْمَاءِ فَشَرِبَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا يَوْمٌ كُنْتَ تَصُومُهُ، قَالَ: " أَجَلْ، وَلَكِنْ قِئْتُ» "، مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ الشُّرُوعِ أَوْ عُرُوضِ الضَّعْفِ، ثُمَّ الْجَمْعُ بَيْنَ آثَارِ الْفِطَرِ مِمَّا دَخَلَ وَبَيْنَ آثَارِ الْقَيْءِ أَنَّ فِي الْقَيْءِ يَتَحَقَّقُ رُجُوعُ شَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ وَإِنْ قَلَّ فَلِاعْتِبَارِهِ يُفْطِرُ، وَفِيمَا إِذَا ذَرَعَهُ إِنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ أَيْضًا، لَكِنْ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ وَلِغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادِ، فَكَانَ كَالنِّسْيَانِ لَا الْإِكْرَاهِ وَالْخَطَأِ اهـ قَالَ الشُّمُنِّيُّ: لَوْ تَقَيَّأَ دُونَ مِلْءِ الْفَمِ لَا يَقْضِي عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِعَدَمِ الْخُرُوجِ حُكْمًا، وَيَقْضِي عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ.

стр. 2867

٢٠٠٨ - وَعَنْ مَعْدَانَ بْنِ طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ، قَالَ: فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ، قَالَ: صَدَقَ، وَأَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٢٠٠٨ - (وَعَنْ مَعْدَانَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (بْنِ طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَهُ) أَيْ أَخْبَرَهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاءَ) أَيْ عَمْدًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَنْ ذَرَعَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ (فَأَفْطَرَ) يَعْنِي عَنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ ضَعْفٍ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] (قَالَ) أَيْ مَعْدَانُ (فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ) هُوَ مَوْلًى اشْتَرَاهُ ﷺ وَأَعْتَقَهُ (فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيُكْسَرُ وَهُوَ لَا يَنْصَرِفُ، وَقِيلَ: مُنْصَرِفٌ أَيْ مَسْجِدِ الشَّامِ (فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ، قَالَ) أَيْ ثَوْبَانُ (صَدَقَ) أَيْ أَبُو الدَّرْدَاءِ (وَأَنَا صَبَبْتُ) أَيْ سَكَبْتُ (لَهُ) أَيْ لِلنَّبِيِّ ﷺ (وَضُوءَهُ) بِالْفَتْحِ أَيْ مَاءَ وُضُوئِهِ، قَالَ مِيرَكُ: احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالثَّوْرِيُّ عَلَى أَنَّ الْقَيْءَ نَاقِضُ الْوُضُوءِ، وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى غَسْلِ الْفَمِ وَالْوَجْهِ، أَوْ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ، وَالثَّانِي أَوْلَى مِنَ الْأَوَّلِ لِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ إِذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ إِلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَلَوْ قَرِينَةُ السِّيَاقِ تَقْضِي بِأَنَّ الْمَاءَ الْمَصْبُوبَ لِلتَّنْظِيفِ، نَعَمْ يَتَوَقَّفُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ لِلنَّقْضِ عَلَى تَحَقُّقِ الْوُضُوءِ السَّابِقِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي فِعْلِهِ ﷺ الْخَارِجِ عَنِ الْقَرِينَةِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النَّدْبِ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قِيلَ: رِوَايَةُ أَبِي الدَّرْدَاءِ حِكَايَةَ قَيْءِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ ﷺ لِأَيِّ عِلَّةٍ أَفْطَرَ، لِلْقَيْءِ أَوْ لِغَيْرِهِ ; وَقَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ " مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ " الْحَدِيثَ، أَنَّ الْقَيْءَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْفِطْرِ، فَظَهَرَ أَنَّ السَّبَبَ غَيْرُهُ، وَهُوَ عَوْدُ مَا قَاءَ أَوْ وُصُولُ الْمَاءِ إِلَى الْجَوْفِ عِنْدَ غَسْلِ الْفَمِ، وَقَوْلُ ثَوْبَانَ: صَدَقَ، تَصْدِيقٌ لِلْقَيْءِ وَالْإِفْطَارِ لَا تَصْدِيقُ كَوْنِ الْإِفْطَارِ لِلْقَيْءِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ جَوَّدَ حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ حُسَيْنٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ.

стр. 2868

٢٠٠٩ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَا لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٠٠٩ - (وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَا لَا أُحْصِي) أَيْ مِقْدَارًا لَا أَقْدِرُ عَلَى إِحْصَائِهِ وَعَدِّهِ لِكَثْرَتِهِ وَقَوْلُهُ (يَتَسَوَّكُ) مَفْعُولٌ ثَانٍ لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَمَا مَوْصُولَةٌ، وَلَا أُحْصِي صِفَتُهَا وَهِيَ ظَرْفٌ لِ (يَتَسَوَّكُ) أَيْ يَتَسَوَّكُ مَرَّاتٍ لَا أَقْدِرُ عَلَى عَدِّهَا، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ مِيرَكُ: وَلَعَلَّهُ حَمَلَ الرُّؤْيَةَ عَلَى مَعْنَى الْعِلْمِ فَجَعَلَ (يَتَسَوَّكُ) مَفْعُولًا ثَانِيًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ، وَيَتَسَوَّكُ حِينَئِذٍ حَالٌ وَقَوْلُهُ (وَهُوَ صَائِمٌ) حَالٌ أَيْضًا إِمَّا مُتَرَادِفَةٌ وَإِمَّا مُتَدَاخِلَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَقُولُ: هَذَا الِاحْتِمَالُ أَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ الْمَقَالِ، وَالتَّدَاخُلُ مُتَعَيِّنٌ فِي الْحَالِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: لَا يَضُرُّ السِّوَاكُ لِلصَّائِمِ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ، بَلْ هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ مُطَهِّرٌ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يُكْرَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّ خُلُوفَ الصَّائِمِ أَثَرُ الْعِبَادَةِ، وَالْخُلُوفُ يَظْهَرُ عِنْدَ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ مِنَ الطَّعَامِ، وَخُلُوُّ الْمَعِدَةِ يَكُونُ عِنْدَ الزَّوَالِ غَالِبًا، وَإِزَالَةُ أَثَرِ الْعِبَادَةِ مَكْرُوهٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، قَالَ الشُّمُنِّيُّ: لَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ اسْتِعْمَالُ السِّوَاكِ سَوَاءٌ كَانَ رَطْبًا أَوْ مَبْلُولًا قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكْرَهُ بِالرُّطَبِ وَالْمَبْلُولِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكْرَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّ فِيهِ إِزَالَةَ الْخُلُوفِ الْمَحْمُودِ بِقَوْلِهِ ﷺ : " «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» "، وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» " وَالْخُلُوفُ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى الصَّحِيحِ تَغَيُّرُ رَائِحَةِ الْفَمِ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ وَذَلِكَ لَا يُزَالُ بِالسِّوَاكِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: بَلْ إِنَّمَا يُزِيلُ أَثَرَهُ الظَّاهِرَ عَنِ السِّنِّ مِنَ الِاصْفِرَارِ وَهَذَا لِأَنَّ سَبَبَ الْخُلُوفِ خُلُوُّ الْمَعِدَةِ مِنَ الطَّعَامِ، وَالسِّوَاكُ لَا يُفِيدُ شَغْلَهَا بِطَعَامٍ لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ مِثْلُ مَا قُلْنَا، رَوَى الطَّبَرَانِيُّ «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ قَالَ: سَأَلْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَتَسَوَّكُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَيَّ النَّهَارِ أَتَسَوَّكُ؟ قَالَ: أَيَّ النَّهَارِ شِئْتَ، غَدْوَةً وَعَشِيَّةً، قُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ يَكْرَهُونَهُ عَشِيَّةً، وَيَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ "، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ

стр. 2869

لَقَدْ أَمَرَهُمْ بِالسِّوَاكِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ بِفِيِّ الصَّائِمِ خُلُوفٌ وَإِنِ اسْتَاكَ، وَمَا كَانَ بِالَّذِي يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُنْتِنُوا أَفْوَاهَهُمْ عَمْدًا، مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، بَلْ فِيهِ شَرٌّ إِلَّا مَنِ ابْتُلِيَ بِبَلَاءٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا. قَالَ: وَكَذَا الْغُبَارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : " مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ "، إِنَّمَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ مَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَجِدْ عَنْهُ مَحِيصًا، فَأَمَّا مَنْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَلَاءِ عَمْدًا فَمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَجْرِ شَيْءٌ» ، قِيلَ: وَيَدْخُلُ فِي هَذَا أَيْضًا مَنْ تَكَلَّفَ الدَّوَرَانَ تَكْثِيرًا لِلْمَشْيِ إِلَى الْمَسَاجِدِ نَظَرًا إِلَى قَوْلِهِ ﷺ : " وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ " وَمَنْ تَصَنَّعَ فِي طُلُوعِ الشَّيْبِ لِقَوْلِهِ ﷺ : " مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ " إِنَّمَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِمَا مَنْ بُلِيَ بِهِمَا، وَفِي الْمَطْلُوبِ أَيْضًا أَحَادِيثُ مُضَعَّفَةٌ نَذْكُرُ مِنْهَا شَيْئًا لِلِاسْتِشْهَادِ وَالتَّقْوِيَةِ، وَإِنْ لَمْ يُحْتَجَّ عَلَيْهِ فِي الْإِثْبَاتِ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثَنَا إِسْحَاقُ الْخُوَارَزْمِيُّ قَالَ: «سَأَلْتُ عَاصِمًا الْأَحْوَلَ أَيَسْتَاكُ الصَّائِمُ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَرَاهُ أَشَدَّ رُطُوبَةً مِنَ الْمَاءِ؟ قُلْتُ: أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، عَمَّنْ رَحِمَكَ اللَّهُ، قَالَ: عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ » ، وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَاكُ آخِرَ النَّهَارِ،» وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ، قُلْنَا: كَفَى ثُبُوتُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَعَ تَعَدُّدِ الضَّعِيفِ فِيهِ مَعَ عُمُومَاتِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْلِ السِّوَاكِ، وَأَمَّا مَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ ﷺ " «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدْوَةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ، فَإِنَّ الصَّائِمَ إِذَا يَبِسَتْ شَفَتَاهُ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " فَحَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يُقَاوِمُ مَا قَدَّمْنَا اهـ وَبِهِ بَطَلَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ: بِعَدَمِ كَرَاهَةِ تَسَوُّكِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَوَجْهُ بُطْلَانِهِ أَنَّ الْمَانِعَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ لَا سِيَّمَا إِذَا وَرَدَ عَنِ الشَّارِعِ أَحَادِيثُ مُطْلَقَةٌ شَامِلَةٌ لِمَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَمَا بَعْدَهُ، وَخُصُوصًا إِذَا وَرَدَ عَنِ الصَّحَابَةِ فِعْلُهُمْ وَإِفْتَاؤُهُمْ عَلَى جَوَازِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَكَيْفَ يَصْلُحُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ الْخُلُوفِ دَلِيلًا لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى مَنْعِ السِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَصَرْفِ الْإِطْلَاقِ إِلَى مَا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ صَرِيحٍ أَوْ تَعْلِيلٍ صَحِيحٍ، وَهَلْ هُوَ إِلَّا مُبَالَغَةٌ فِي فَضِيلَةِ الصَّوْمِ، كَمَا يُبَالِغُ أَحَدٌ وَيَقُولُ: لَعَرَقُ فُلَانٍ الَّذِي يَحْصُلُ حَالَ كَدِّهِ فِي آخِرِ النَّهَارِ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنْ مَاءِ الْوَرْدِ، فَيَكُونُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَرَاهَةِ إِزَالَةِ الْعَرَقِ بِالِاغْتِسَالِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ اهـ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ.

стр. 2870

٢٠١٠ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اشْتَكَيْتُ عَيْنِي أَفَأَكْتَحِلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: " نَعَمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَأَبُو عَاتِكَةَ الرَّاوِي يَضْعُفُ. ــ ٢٠١٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اشْتَكَيْتُ عَيْنَيَّ) بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّخْفِيفِ أَيْ أَشْكُو مِنْ وَجَعِ عَيْنَيَّ " أَفَأَكْتَحِلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ " أَيْ حَالَ كَوْنِي صَائِمًا (قَالَ: نَعَمْ) فِيهِ جَوَازُ الِاكْتِحَالِ بِلَا كُرْهٍ لِلصَّائِمِ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: مَكْرُوهٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَلَعَلَّ الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ عُذْرٍ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: الِاكْتِحَالُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لِلصَّائِمِ وَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُهُ فِي الْحَلْقِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَكَرِهَهُ أَحْمَدُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ) وَقَالَ: لَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ (وَأَبُو عَاتِكَةَ الرَّاوِي يَضْعُفُ) وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «اكْتَحَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ» ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ هُوَ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مَوْقُوفًا عَلَى أَنَسٍ، فَهَذِهِ عِدَّةُ طُرُقٍ وَإِنْ لَمْ يُحْتَجَّ بِوَاحِدٍ مِنْهَا فَالْمَجْمُوعُ يُحْتَجُّ بِهِ لِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ، وَأَمَّا مَا فِي أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِالْإِثْمِدِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَقَالَ: " لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ " فَضَعِيفٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُوَافِقُهُ خَبَرُ الْبَيْهَقِيِّ وَالْحَاكِمِ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ وَهُوَ صَائِمٌ» ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَخَبَرُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَيْنَاهُ مَمْلُوءَتَانِ مِنَ الْكُحْلِ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ» ، فِي إِسْنَادِهِ مَنِ اخْتُلِفَ فِي تَوْثِيقِهِ.

стр. 2871

٢٠١١ - وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِالْعَرْجِ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٠١١ - (وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ) قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ: الْجَهَالَةُ بِالصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ أَيْ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ (قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِالْعَرْجِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَقَالَ: مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَحَلٌّ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ ( «يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ» ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، أَيْ مِنْ أَجْلِ دَفْعِ أَحَدِهِمَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا يُكْرَهَ لِلصَّائِمِ أَنْ يَصُبَّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَأَنْ يَنْغَمِسَ فِيهِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ بُرُودَتُهُ فِي بَاطِنِهِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَوِ اكْتَحَلَ لَمْ يُفْطِرْ سَوَاءً وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَوْ لَا، لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي حَلْقِهِ أَثَرُهُ دَاخِلًا مِنَ الْمَسَامِّ، وَالْمُفْطِرُ الدَّاخِلُ مِنَ الْمَنَافِذِ كَالْمُدْخَلِ وَالْمُخْرَجِ لَا مِنَ الْمَسَامِّ الَّذِي هُوَ جَمِيعُ الْبَدَنِ، لِلِاتِّفَاقِ فِيمَنْ شَرَعَ فِي الْمَاءِ يَجِدُ بَرْدَهُ فِي بَاطِنِهِ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ، وَإِنَّمَا كَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ ذَلِكَ أَعَنِيَ الدُّخُولَ فِي الْمَاءِ وَالتَّلَفُّفِ بِالثَّوْبِ الْمَبْلُولِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الضَّجَرِ فِي إِقَامَةِ الْعِبَادَةِ، لَا لِأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الْإِفْطَارِ اهـ فَكَأَنَّ الْإِمَامَ حَمَلَ فِعْلَهُ ﷺ عَلَى إِظْهَارِ الْعَجْزِ وَالتَّضَرُّعِ عِنْدَ حُصُولِ الْآلَامِ وَعَلَى ارْتِكَابِ الْحِكْمَةِ فِي دَفْعِ الْمَضَرَّةِ بِالتَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ اسْتِعَانَةً لِلْقِيَامِ بِوَاجِبِ الْعُبُودِيَّةِ لِرَبِّ الْأَرْبَابِ، وَإِشَارَةً إِلَى مُشَارَكَتِهِ الْأُمَّةَ الْآمِنَةَ فِي الْعَوَارِضِ الْبَشَرِيَّةِ، مَيْلًا إِلَيْهِمْ وَتَسْهِيلًا عَلَيْهِمْ، وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَخِلَافُ الْأَوْلَى وَهُوَ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ مِنْ إِظْهَارِ الْعَجْزِ لِلرَّحْمَةِ عَلَى ضُعَفَاءَ الْأُمَّةِ (رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ) أَيْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا، ذَكَرَهُ مِيرَكُ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ غَيْرُ صَحِيحٍ لِانْحِصَارِ الطَّرِيقِ فِي وَاحِدٍ.

стр. 2872

٢٠١٢ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ «أَنَّ رَسُولَ ﷺ أَتَى رَجُلًا بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ: " أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُ مَنْ رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ أَيْ تَعَرُّضًا لِلْإِفْطَارِ: الْمَحْجُومُ لِلضَّعْفِ، وَالْحَاجِمُ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِلَ شَيْءٌ إِلَى جَوْفِهِ بِمَصِّ الْمَلَازِمِ. ــ ٢٠١٢ - (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى رَجُلًا) أَيْ مَرَّ عَلَيْهِ (بِالْبَقِيعِ) أَيْ بِمَقْبَرَةِ الْمَدِينَةِ (وَهُوَ) أَيِ الرَّجُلُ (يَحْتَجِمُ وَهُوَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (آخِذًا) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (بِيَدِي) إِشَارَةً إِلَى كَمَالِ قُرْبِهِ مِنْهُ ﷺ (لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ) بِسُكُونِ الشِّينِ وَيُكْسَرُ (خَلَتْ) أَيْ مَضَتْ (مِنْ رَمَضَانَ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ حِفْظِ الرَّاوِي وَضَبْطِهِ بِذِكْرِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَحَالِهِ (فَقَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ " «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» " قَالَ الطِّيبِيُّ: عَمِلَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ مُعَارِضٌ، ثُمَّ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ أَوْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحُوهُ (قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (رَحْمَةُ اللَّهِ) وَفِي نُسَخَةٍ صَحِيحَةٍ ﵀ (وَتَأَوَّلَهُ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ (بَعْضُ مَنْ رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ) وَهُمُ الْجُمْهُورُ، فَبَعْضُهُمْ قَالُوا أَيْ (تَعَرُّضًا لِلْإِفْطَارِ) كَمَا يُقَالُ هَلَكَ فُلَانٌ أَيْ تَعَرَّضَ لِلْهَلَاكِ (الْمَحْجُومُ لِلضَّعْفِ) أَيْ لِحُصُولِ الضَّعْفِ لَهُ بِالْحِجَامَةِ فَيَحْمِلُهُ عَلَى الْفِطْرِ (وَالْحَاجِمُ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِلَ شَيْءٌ) أَيْ مِنَ الدَّمِ (إِلَى جَوْفِهِ بِمَصٍّ

стр. 2873

الْمَلَازِمِ) بِإِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ الْمِلْزَمَةِ بِكَسْرِ الْمِيمِ قَارُورَةُ الْحَجَّامِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الدَّمُ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَلْزَمُ عَلَى الْمَحَلِّ وَتَقْبِضُهُ، قَالَ مِيرَكُ: وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِهِمَا مَسَاءً فَقَالَ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ عَذَرَهُمَا بِذَلِكَ أَيْ قَدْ أَمْسَيَا وَدَخَلَا وَقْتَ الْإِفْطَارِ، وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ مَرَّ بِهِمَا وَهُمَا يَغْتَابَانِ فَقَالَ: أَفْطِرَا، أَيْ بَطَلَ أَجْرُهُمَا بِالْغِيبَةِ كَالْإِفْطَارِ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَالْمُرَادُ بُطْلَانُ كَمَالِ أَجْرِهِ لَا أَصْلُ ثَوَابِهُ كَمَا سَبَقَ، وَذَكَرَ السَّيِّدُ عَلِيٌّ الْقَاضِي أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ جَمْعٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَقَالُوا: يُفْطِرُ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ، مِنْهُمْ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ مَسْرُوقٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: تُكْرَهُ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ وَلَا يَفْسَدُ الصَّوْمُ بِهَا، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى التَّشْدِيدِ، وَأَنَّهُمَا نَقَصَا أَجْرَ صِيَامِهِمَا وَأَبْطَلَاهُ بِارْتِكَابِ هَذَا الْمَكْرُوهِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا بَأْسَ بِهَا، إِذْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ أَفْطَرَ تَعَرَّضَ لِلْإِفْطَارِ كَمَا هُوَ مَشْرُوحٌ فِي الْمَتْنِ اهـ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذِكْرَ ابْنِ عَبَّاسٍ حِجَامَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَكَانَتْ سَنَةَ عَشْرَةٍ، وَحَدِيثُ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ سَنَةَ الْفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَفِي حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ، فَلْيُحْمَلْ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ تَارَةً بِمَكَّةَ وَتَارَةً بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّ احْتِجَامَهُ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَرُوِيَ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " أَفْطَرَ هَذَا "، ثُمَّ رَخَّصَ بَعْدُ فِي الْحِجَامَةِ، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ عِلَّةً، قَالَ الْحَازِمِيُّ: وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِنَسْخِ الْأَوَّلِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا بَأْسَ بِسَوْقِ نُبْذَةٍ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ: " أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَاهُ، وَنَقَلَ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي الْبَابِ، تَمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ السَّابِقَ، ثُمَّ قَالَ: وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ فِي عِلَلِهِ الْكُبْرَى عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كِلَاهُمَا عِنْدِي صَحِيحٌ، يَعْنِي حَدِيثَيْ ثَوْبَانَ وَشَدَّادٍ، وَكَذَا عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْهُ ﷺ قَالَ: " «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» " وَصَحَّحَهُ، وَلَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذَا، وَبَلَغَ أَحْمَدَ أَنَّ ابْنَ مَعِينٍ ضَعَّفَهُ وَقَالَ: إِنَّهُ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ، وَلَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ يَثْبُتُ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا مُجَازَفَةٌ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: مُتَوَاتِرٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ مَا قَالَهُ بِبَعِيدٍ، وَمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ وَالسُّنَنِ الْكُبْرَى لِلنَّسَائِيِّ، وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْحِجَامَةَ لَا تُفْطِرُ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا ادِّعَاءُ النَّسْخِ، وَذَكَرُوا فِيهِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ثَابِتٍ «عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا كَرِهْتُ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " أَفْطَرَ هَذَانِ» ، ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ عِلَّةً، وَمَا رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، وَرَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ» ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ بَعْدَ مَا قَالَ: " أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» ، وَكَذَا فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ مَا قَالَ الْحَدِيثَ وَهُوَ صَحِيحٌ، وَطَلْحَةُ هَذَا احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا رِوَايَةُ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ وَهِيَ الَّتِي أَخْرَجَهَا ابْنُ حَمَّادٍ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَظْهَرُ سَنَدًا وَأَظْهَرُ تَأْوِيلًا، إِمَّا بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مُحْرِمًا إِلَّا وَهُوَ مُسَافِرٌ، وَالْمُسَافِرُ يُبَاحُ لَهُ الْإِفْطَارُ بَعْدَ الشُّرُوعِ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ جَوَابُ ابْنِ خُزَيْمَةَ، أَوْ أَنَّ الْحِجَامَةَ كَانَتْ مَعَ الْغُرُوبِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ أَبَا طِيبَةَ أَنْ يَأْتِيَهُ مَعَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَضَعَ الْمَحَاجِمَ مَعَ إِفْطَارِ الصَّائِمِ فَحَجَمَهُ ثُمَّ سَأَلَهُ: " كَمْ خَرَاجُكَ؟ " قَالَ: صَاعَانِ، فَوَضَعَ عَنْهُ صَاعًا» اهـ. وَالثَّانِي التَّأْوِيلُ بِأَنَّ مُرَادَهُ ذَهَابُ ثَوَابِ الصَّوْمِ بِسَبَبِ أَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ، وَرَوَى الْعُقَيْلِيُّ فِي ضُعَفَائِهِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلَيْنِ يَحْجُمُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَاغْتَابَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الْآخَرُ، فَقَالَ: " أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ "، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا لِلْحِجَامَةِ وَلَكِنْ لِلْغِيبَةِ» ، لَكِنْ أُعِلَّ بِالِاضْطِرَابِ فَإِنَّ فِي بَعْضِهَا إِنَّمَا مَنَعَ إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ خَشْيَةَ الضَّعْفِ، تَمَّ كَلَامُ الْمُحَقِّقِ مُخْتَصَرًا.

стр. 2874

٢٠١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: أَبُو الْمُطَوِّسِ الرَّاوِي لَا أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. ــ ٢٠١٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ " كَسَفَرٍ " وَلَا مَرَضٍ ") أَيْ: مُبِيحٌ لِلْإِفْطَارِ مِنْ عَطْفِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ " لَمْ يَقْضِ عَنْهُ " أَيْ: عَنْ ثَوَابِ ذَلِكَ الْيَوْمِ " صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ " أَيْ: صَوْمُهُ فِيهِ، فَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى فِي، نَحْوُ مَكْرُ اللَّيْلِ (وَكُلِّهُ) لِلتَّأْكِيدِ " وَإِنْ صَامَهُ " أَيْ وَلَوْ صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَمْ يَجِدْ فَضِيلَةَ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ بِصَوْمِ النَّفْلِ، وَإِنْ سَقَطَ قَضَاؤُهُ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ وَالتَّشْدِيدِ، وَلِذَلِكَ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ " وَإِنْ صَامَهُ "، أَيْ: حَقَّ الصِّيَامِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِلَّا فَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُهُ أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ كُلِّهِ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ عَمَّا أَفْطَرَهُ مِنْ رَمَضَانَ لَا يُجْزِئُهُ، قَالَ بِهِ عَلَيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ يَوْمٌ بَدَلَ يَوْمٍ وَإِنْ كَانَ مَا أَفْطَرَهُ فِي غَايَةِ الطُّولِ وَالْحَرِّ، وَمَا صَامَهُ بَدَلَهُ فِي غَايَةِ الْقِصَرِ وَالْبَرْدِ، وَأَوْجَبَ بَدَلَ الْيَوْمِ رَبِيعَةُ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، لِأَنَّ السَّنَةَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَالنَّخَعِيُّ ثَلَاثَةَ آلَافِ يَوْمٍ، وَلَا يُكْرَهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ فِي زَمَنٍ، وَشَذَّ مَنْ كَرِهَهُ فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَمَنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فَوْرًا عَقِبَ يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ، وَلِعُذْرٍ يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَعْنَى الصَّوْمِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ) أَيْ: فِي تَفْسِيرِهِ كَمَا يُقَالُ بَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ الصَّوْمِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: أَبُو الْمُطَوِّسِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ (الرَّاوِي لَا أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ) قَالَ: وَلَا أَدْرِي سَمِعَ أَبُو الْمُطَوِّسِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَمْ لَا، وَقَالَ ابْنُ خَلَفٍ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ إِسْنَادُهُ غَرِيبًا وَإِنْ سَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ، وَحِينَئِذٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ، وَبِفَرْضِ صِحَّتِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّشْدِيدِ فَغَفْلَةٌ لَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ كَوْنِ الْإِسْنَادِ غَرِيبًا أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ ضَعِيفًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ ضَمِّهِ مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ، فَإِنَّهُ إِذَا سَكَتَ يَدُلُّ عَلَى حُسْنِهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، فَوَجْهُ ضَعْفِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ لِلْكُلِّ، وَوَقَعَ الشَّكُ فِي اتِّصَالِ سَنَدِهِ، فَتَأَمَّلْ.

стр. 2875

٢٠١٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الظَّمَأُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَذَكَرَ حَدِيثَ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ فِي بَابِ سُنَنِ الْوُضُوءِ. ــ ٢٠١٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ ") أَيْ: حَاصِلٌ أَوْ حَظٌّ " مِنْ صِيَامِهِ " أَيْ: مِنْ أَجْلِهِ " إِلَّا الظَّمَأُ " بِالرَّفْعِ أَيِ: الْعَطَشُ وَنَحْوُهُ مِنَ الْجُوعِ، وَاخْتَارَ الظَّمَأَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مَشَقَّتَهُ أَعْظَمُ " وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ " أَيْ: فِي اللَّيْلِ " لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ " أَيْ: أَثَرٌ " إِلَّا السَّهَرُ " أَيْ: وَنَحْوُهُ مِنْ تَعَبِ الرِّجْلِ وَصَفَارِ الْوَجْهِ وَضَعْفِ الْبَدَنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنَّ الصَّائِمَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَسِبًا أَوْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَنِبًا عَنِ الْفَوَاحِشِ مِنَ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمَنَاهِي فَلَا حَاصِلَ لَهُ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَإِنْ سَقَطَ الْقَضَاءُ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَأَدَاؤُهَا بِغَيْرِ جَمَاعَةٍ بِلَا عُذْرٍ فَإِنَّهَا تُسْقِطُ الْقَضَاءَ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الثَّوَابُ اهـ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَكَذَا جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ إِذْ لَمْ تَكُنْ خَالِصَةً اهـ. كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِمَا إِلَّا خَسَارَةُ الْمَالِ، وَتَعَبُ الْبَدَنِ فِي الْمَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ وَأَنَّ النَّفْيَ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الْمَرَائِي فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ ثَوَابٌ أَصْلًا (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُ " «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» " وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُهُ: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنَ الصِّيَامِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ» (وَذُكِرَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (حَدِيثُ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَبُو رَزِينٍ لَقِيطُ بْنُ عَامِرٍ صَبْرَةُ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ، وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمَا شَخْصَانِ (فِي بَابِ سُنَنِ الْوُضُوءِ) وَالْحَدِيثُ قَوْلُهُ بَالَغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ اعْتِرَاضٌ مِنْ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ وَهُوَ فِي مَحَلِّهِ كَمَا لَا يَخْفَى ; لِأَنَّ إِيرَادَ الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الْمَوْضُوعِ لِلْحُكْمِ السَّابِقِ مِنْهُ أَوْلَى.
следующие страницы →