Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٠٦٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةِ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟ " فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ "، فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٠٦٧ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ) أَيْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ (فَوَجْدَ الْيَهُودَ) أَيْ صَادَفَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ وَهُوَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ قُدُومَهُ فِي الْأُولَى كَانَ بَعْدَ عَاشُورَاءَ فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ (صِيَامًا) أَيْ ذَوِي صِيَامٍ أَوْ صَائِمِينَ (يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي يَصُومُونَهُ؟) أَيْ مَا سَبَبُ صَوْمِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشْكَالَانِ الْأَوَّلُ أَنَّ الْيَهُودَ يُؤَرِّخُونَ الشُّهُورَ عَلَى غَيْرِ مَا تُؤَرِّخُهُ الْعَرَبُ، الثَّانِي أَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ مَطْلُوبَةٌ، وَالْجَوَابُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَ فِي ذَلِكَ الْعَامِ كَوْنُ عَاشُورَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي نَجَّاهُمُ اللَّهُ فِيهِ مِنْ فِرْعَوْنَ يَعْنِي مَعَ احْتِمَالِ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ ابْتِدَاءً، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الْإِنْجَاءَ وَقَعَ فِي عَاشُورَاءَ الْعَرَبِيِّ ثُمَّ وَقَعَ التَّغْيِيرُ مِنْهُمْ إِلَى تِلْكَ السَّنَةِ فَتَوَافَقَا أَيْضًا غَيْرُ مُتَّجِهٍ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ ثُمَّ وَقَعَ التَّغْيِيرُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُمْ مَعَ كَمَالِ اعْتِقَادِهِمْ وَغُلُوِّهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ مَا يُغَيِّرُونَ عَاشُورَاءَ عَنْ زَمَانِهِ وَاخْتِلَافِ التَّارِيخِ بِنَاءً عَلَى تَغْيِيرِ لُغَتِهِمْ فِي مُغَايَرَةِ أَسْمَاءِ شُهُورِهِمْ، أَمَّا الْخِيَامُ فَإِنَّهَا كَخِيَامِهِمْ وَأَمَّا نِسَاءُ الْحَيِّ غَيْرُ نِسَاءِهِمْ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْمُخَالَفَةَ مَطْلُوبَةٌ فِيمَا أَخَطَأُوا فِيهِ كَمَا فِي يَوْمِ السَّبْتِ، فَقَالَ - تَعَالَى - ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] فَكَأَنَّ التَّعْظِيمَ مَبْنِيًّا عَلَى اخْتِيَارِهِمْ وَاجْتِهَادِهِمْ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ يَوْمَهُمُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، الْأَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ عَنِ الثَّانِي أَنَّهُ ﷺ أَوَّلَ الْهِجْرَةِ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِالْمُخَالَفَةِ بَلْ كَانَ يَتَأَلَّفُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ، وَمِنْهَا أَمْرُ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ لَمَّا ثَبَّتَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ وَلَمْ يَمْنَعْهُمُ الْمُلَائِمَةُ وَظَهَرَ مِنْهُمُ الْعِنَادُ وَالْمُكَابَرَةُ اخْتَارَ مُخَالَفَتَهُمْ وَتَرَكَ مُؤَالَفَتَهُمْ، وَلِذَا لَمَّا قِيلَ لَهُ فِي عَاشُورَاءَ بَعْدَ صِيَامِهِ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُعَظِّمُونَ هَذَا الْيَوْمَ وَأَنْتَ تُحِبُّ هَذَا الزَّمَانَ تَرَكَ التَّشَبُّهَ بِهِمْ فَقَالَ: " «لَئِنْ بَقِيتُ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» "، ثُمَّ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى تَقْدِيمِ أَنَّهُ صَامَهُ عَنِ اجْتِهَادٍ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى قَوْلِ الْيَهُودِ فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا، بَلْ بِاخْتِبَارِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ أَوْ بِحُصُولِ التَّوَاتُرِ مِنْ قِبَلِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ فِي التَّوَاتُرِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ إِمَّا بِالْوَحْيِ أَوِ الِاجْتِهَادِ بِمَا يُوَافِقُهُ أَوْ أَخْبَرَهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ لَا يَصِحُّ تَرْدِيدُهُ بَأَوْ فِي الثَّانِيَةِ (فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ) أَيْ وَقَعَ فِيهِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ تُوجِبُ تَعْظِيمَ مِثْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ) أَيِ الْمُؤْمِنُونَ وَ (غَرَّقَ) بِالتَّشْدِيدِ (فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ) بِالنَّصْبِ فِيهِمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: غَرَّقَهُ وَأَغْرَقَهُ بِمَعْنًى، وَفِي نُسْخَةٍ أَغْرَقَ وَفِي أُخْرَى بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ وَرَفْعِ الْمَنْصُوبَيْنِ (فَصَامَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَوْ مِثْلَهُ (مُوسَى شُكْرًا) لِاشْتِمَالِهِ عَلَى النِّعْمَتَيْنِ الْجَلِيلَتَيْنِ، وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] (فَنَحْنُ نَصُومُهُ) أَيْ شُكْرًا أَيْضًا لِأَنَّ بَقَاءَ الْآبَاءِ سَبَبُ وُجُودِ الْأَبْنَاءِ أَوْ مُتَابَعَةً لِمُوسَى، وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ حَيْثُ أَجَابَهُمْ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَنَحْنُ) أَيْ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَنَحْنُ (أَحَقُّ) أَيْ أَثْبَتُ (وَأَوْلَى) أَيْ أَقْرَبُ (بِمُوسَى) أَيْ بِمُتَابَعَتِهِ (مِنْكُمْ) فَإِنَّا مُوَافِقُونَ لَهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَمُصَدِّقُونَ لِكِتَابِهِ فِي تَبْيِينِ الْيَقِينِ، وَأَنْتُمْ مُخَالِفُونَ لَهُمَا فِي التَّغْيِيرِ وَالتَّحْرِيفِ، وَالتَّعَلُّقِ بِالْأَمْرِ الْمَشُوبِ بِالتَّزْيِيفِ (فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَتَعْظِيمُ مَا عَظَّمَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى جِهَةِ الْمُتَابَعَةِ لَهُ فِي شَرْعِهِ بَلْ عَلَى طَرِيقِ مُوَافِقَةِ شَرْعِهِ لِشَرْعِهِ فِي ذَلِكَ أَوْ كَانَ صِيَامُهُ شُكْرًا لِخَلَاصِ مُوسَى كَمَا سَجَدَ فِيهِ ﷺ شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى قَبُولِ تَوْبَةِ دَاوُدَ وَلِكَوْنِهِ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَالظَّاهِرُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ هُنَا بِالصِّيَامِ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ، وَلِذَا نَادَى مُنَادِيهِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَأْكُلْ فِيهِ فَلْيَصُمْ وَمَنْ أَكَلَ فَلْيُمْسِكَ (وَأَمَرَ) أَيْ أَصْحَابَهُ (بِصِيَامِهِ) وَفِي هَذَا تَوَاضُعٌ عَظِيمٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُوسَى الْكَلِيمِ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ ﷺ : " «لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» "، وَفِيهِ تَأَلُّفٌ لِقَوْمِهِ وَاسْتِئْنَاسٌ بِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنْ عِنَادِهِمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَيُنَافِيهِ بِظَاهِرِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَعُدُّهُ الْيَهُودُ عِيدًا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " فَصُومُوهُ أَنْتُمْ "، فَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الصَّوْمَ كَانَ لِمُخَالَفَتِهِمْ، وَمَا سَبَقَ صَرِيحٌ بِأَنَّهُ كَانَ لِمُوَافَقَتِهِمْ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا طَائِفَتَيْنِ أَوِ الْقَضِيَّتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، أَوْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدِّهِمْ إِيَّاهُ عِيدًا كَوْنُهُ عِيدًا حَقِيقَةً، أَوْ لَا يَمْتَنِعُ صَوْمُهُ عِنْدَهُمْ أَوْ صُومُوهُ أَنْتُمْ فَلَا تَجْعَلُوهُ عِيدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2942
٢٠٦٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الْأَيَّامِ، وَيَقُولُ: " إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
٢٠٦٨ - (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الْأَيَّامِ) أَيِ الْأُخَرِ (وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ) السَّبْتُ لِلْيَهُودِ وَالْأَحَدُ لِلنَّصَارَى، وَإِنَّمَا سُمُّوا مُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِمْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَالْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَإِمَّا لِلتَّغْلِيبِ، وَأَرَادَ مَنْ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْكُفَّارِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْمُشْرِكُ الْكَافِرُ عَلَى أَيِّ مِلَّةٍ كَانَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مُقَابِلِ أَهْلِ الْكِتَابِ اهـ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُشْرِكَ ضِدُّ الْمُوَحِّدِ بِأَنْ يُثْبِتَ شَرِيكًا لِلْبَارِي سَوَاءً كَانَ الصَّنَمَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوْكَبَ وَغَيْرَهَا، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى جِنْسِ الْكَافِرِ الشَّامِلِ لِلدَّهْرِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وَيُقَابِلُ أَهْلَ الْكِتَابِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ) أَيْ مَجْمُوعَ الْفَرِيقَيْنِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﷺ وَذَلِكَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ أُمَّتِهِ، وَيُشِيرُ إِلَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ فَأَنَا أُحِبُّ وَإِلَى الثَّانِي قَوْلُهُ لَا تَصُومُوا، أَوِ الصِّيَامُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ كَوْنُهُ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ، وَالصِّيَامُ الْمَحْبُوبُ كَوْنُهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُخَالَفَةِ بِتَرْكِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي وَقْتِ انْتِفَاعِهِمْ بِهِمَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إِفْرَادَ السَّبْتِ، وَفِي مَعْنَاهُ إِفْرَادُ الْأَحَدِ الْمُسْتَحَبِّ صَوْمُهُمَا جَمِيعًا مُتَوَالِيَيْنِ تَحْقِيقًا لِمُخَالَفَةِ الْفَرِيقَيْنِ، عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُفْطِرُونَ الْيَوْمَيْنِ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَلَفْظُهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ مَا كَانَ يَصُومُ مِنَ الْأَيَّامِ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ، كَانَ يَقُولُ: " إِنَّهُمَا يَوْمُ عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ» ".
стр. 2943
٢٠٦٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَيَحُثُّنَا عَلَيْهِ، وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُ، وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا عِنْدَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٠٦٩ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ) أَيْ يَأْمُرُنَا أَمْرًا مُؤَكَّدًا بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَيَحُثُّنَا عَلَيْهِ أَيْ يُرَغِّبُنَا إِلَيْهِ (وَيَتَعَاهَدُنَا) أَيْ يَحْفَظُنَا وَيُرَاعِي حَالَنَا وَيَتَفَحَّصُ عَنْ صَوْمِنَا أَوْ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ (عِنْدَهُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لَمْ يَأْمُرْنَا) أَيْ بِهِ (وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُ، وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا) أَيْ وَلَمْ يَتَفَقَّدْنَا (عِنْدَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِي قَوْلِهِ يَأْمُرُ بِالصِّيَامِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ كَانَ وَاجِبًا ثُمَّ نُسِخَ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ عَامَ حَجَّ خَطَبَ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ» "، فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا اهـ. وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ دَلَالَةٌ مَا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ إِلَّا حِينَ قَالَهُ ﷺ وَأَمَّا كَوْنُ مَا بَعْدَهُ وَمَا قَبْلَهُ فَمَحَلُّ احْتِمَالٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ نَصًّا أَوْ يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا مَنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ» ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ كَانَ أَمْرَ إِيجَابٍ قَبْلَ نَسْخِهِ بِرَمَضَانَ، إِذْ لَا يُؤْمَرُ مَنْ أَكَلَ بِإِمْسَاكٍ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ إِلَّا فِي يَوْمٍ مَفْرُوضِ الصَّوْمِ بِعَيْنِهِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْجَمْعِ بِوُجُوبِهِ أَوَّلًا، وَنَسْخِهِ ثَانِيًا، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ فِي الْقُرْآنِ مُطْلَقًا، هَذَا كُلُّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ: " وَلَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ " مِنْ كَلَامِهِ، وَإِلَّا فَالْحُفَّاظُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ مُعَاوِيَةَ مُدَرَّجٌ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ هَذَا احْتِمَالٌ بَعِيدٌ فَبَعِيدٌ عَنْ فَهْمِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2944
٢٠٧٠ - وَعَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: «أَرْبَعٌ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ : صِيَامُ عَاشُورَاءَ وَالْعَشْرِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ» ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
٢٠٧٠ - (وَعَنْ حَفْصَةَ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ: أَرْبَعٌ) أَيْ خِصَالٌ (لَمْ يَكُنْ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (يَدَعُهُنَّ) أَيْ يَتْرُكُهُنَّ (النَّبِيُّ ﷺ ) فَاعِلٌ تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ، وَفِي نُسْخَةٍ لَمْ تَكُنْ بِالتَّأْنِيثِ، وَفِي أُخْرَى مُجَمَّعَةً أَيْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْخِصَالُ مَتْرُوكَةً (صِيَامُ عَاشُورَاءَ وَالْعَشْرِ) بِالْجَرِّ وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ أَيْ صِيَامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْعَشْرِ تِسْعَةُ أَيَّامٍ مَجَازًا كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَكَذَا يُقَالُ: اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَوْ كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا، أَوِ اسْتِثْنَاءُ يَوْمِ الْعِيدِ لِثُبُوتِهِ الشَّرْعِيِّ كَالِاسْتِثْنَاءِ الْعَقْلِيِّ (وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) بِالْوَجْهَيْنِ (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ) أَرَادَتْ رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ فِي ظَاهِرِهِ يُنَاقِضُ مَا سَبَقَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ» ، وَالْجَمْعُ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا رَوَتْ مَا رَأَتْ وَنَقَلَتْ مَا عَلِمَتْ فَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) وَمِمَّا يُؤَكِّدُهُ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ: " «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» " يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: " وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ " وَرَوَى أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ: «صِيَامُ يَوْمٍ مِنْهَا يَعْدِلُ صِيَامَ سَنَةٍ، وَقِيَامُ لَيْلَةٍ مِنْهَا كَقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ» ، وَاخْتُلِفَ فِي أَفْضَلِ الْعِشْرِينَ، فَقِيلَ: عَشْرُ رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ لَيَالِيهِ لِأَنَّ مِنْهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَهِيَ أَفْضَلُ اللَّيَالِي، وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ أَيَّامُهُ لِأَنَّ فِيهَا يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ، وَذَهَبَ ابْنُ حِبَّانَ إِلَى تَسَاوِيهِمَا فِي الْفَضْلِ، وَأَلْحَقَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ بِعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ فِيمَا ذُكِرَ عَشْرَ الْمُحَرَّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2945
٢٠٧١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفْطِرُ أَيَّامَ الْبِيضَ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
٢٠٧١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفْطِرُ أَيَّامَ الْبِيضَ» ) أَيْ أَيَّامَ اللَّيَالِيِ الْبِيضِ وَهِيَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ، لِأَنَّهَا الْمُقْمِرَاتُ مِنْ أَوَائِلِهَا إِلَى أَوَاخِرِهَا، فَنَاسَبَ صِيَامَهُمَا شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى - قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَنْ عَبَّرَ عَنْهَا بِالْأَيَّامِ الْبِيضِ فَقَدْ لَحَنُوهُ لِأَنَّ الْأَيَّامَ كُلَّهَا بِيضٌ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الْأَيَّامُ الْبِيضُ لَيَالِيهَا، أَوِ الْمُرَادُ أَيَّامُ صِيَامِهِنَّ مُكَفِّرَاتٌ لِلذُّنُوبِ مُبَيِّضَاتٌ لِلْقُلُوبِ، أَوْ إِشَارَةٌ إِلَى مَا رُوِيَ: أَنَّ آدَمَ ﵇ اسْوَدَّ أَعْضَاؤُهُ الْعِظَامُ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنْ دَارِ السَّلَامِ، فَأُمِرَ بِصِيَامِ هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَبِصَوْمِ كُلِّ يَوْمٍ يَبْيَضُّ ثُلُثُ جَسَدِهِ ﵇ بَلْ أَقُولُ: يَتَعَيَّنُ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ لِأَنَّ الْأَيَّامَ الْبِيضَ وَقَعَ فِيهَا أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ، وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ: وَالصَّوَابُ أَنْ لَا يُقَالَ أَيَّامُ الْبِيضِ لِأَنَّ الْبِيضَ مِنْ صِفَةِ اللَّيَالِي، فَمَبْنِيٌّ عَلَى ظَاهِرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ (فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ) أَيْ وَلَا فِي سَفَرٍ وَ (لَا) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، قَالَ مِيرَكُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ أَيَّامِ الْبِيضِ، قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: حَاصِلُ الْخِلَافِ فِي تَقْرِيرِ أَيَّامِ الْبِيضِ تِسْعَةٌ أَحَدُهَا عَدَمُ التَّعْيِينِ، وَكُرِهَ التَّعْيِينُ، الثَّانِي الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ مِنَ الشَّهْرِ، قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، الثَّالِثُ: مِنَ الثَّانِي عَشَرَ إِلَى الرَّابِعَ عَشَرَ، الرَّابِعُ: مِنَ الثَّالِثَ عَشَرَ إِلَى الْخَامِسَ عَشَرَ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، الْخَامِسُ أَوَّلُهُمَا أَوَّلُ سَبْتٍ مَنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ثُمَّ مِنْ أَوَّلِ الثُّلَاثَاءِ مِنَ الشَّهْرِ الَّذِي يَلِيهِ وَهَكَذَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ السَّادِسُ: أَوَّلُهَا أَوَّلُ خَمِيسٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ثُمَّ مِنْ أَوَّلِ اثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ الَّذِي يَلِيهِ، وَهَكَذَا السَّابِعُ أَوَّلُ اثْنَيْنِ ثُمَّ خَمِيسٍ، ثُمَّ هَكَذَا الثَّامِنُ أَوَّلُ يَوْمٍ وَالْعَاشِرُ وَالْعِشْرُونَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَمَنْقُولٌ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا، التَّاسِعُ أَوَّلُ كُلِّ عَشْرٍ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ ابْنِ شَعْبَانَ الْمَالِكِيِّ، اهـ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: بَقِيَ آخَرُ وَهُوَ آخِرُ ثَلَاثٍ مِنَ الشَّهْرِ، فَتِلْكَ عَشْرَةٌ كَامِلَةٌ اهـ. وَلَعَلَّهُمْ عَدَلُوا عَنْ ذِكْرِهِ مَعَ كَمَالِ ظُهُورِهِ لِعَدَمِ إِمْكَانِ ضَبْطِهِ وَتَقْدِيرِهِ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَيَّامُ الْبِيضِ ثَالِثَ عَشْرَةَ وَرَابِعَ عَشْرَةَ وَخَامِسَ عَشْرَةَ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ شُذُوذُ أَقْوَالٍ تِسْعَةٍ أَوْ عِشْرَةٍ حَكَاهَا الْعِرَاقِيُّ فِي تَعْيِينِ الْبِيضِ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، اهـ. وَهَذَا مُجَازَفَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْهُ لِأَنَّ الْعِرَاقِيَّ بِنَفْسِهِ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَكَرَ الْبَقِيَّةَ عَلَى طَرِيقِ الشُّذُوذِ بَعْضُهَا مُسْنَدٌ إِلَى الْأَكَابِرِ وَبَعْضُهَا مَسْقُوطٌ عَنْهُ، فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ أَصْلًا، لِهَذَا تَبِعَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ، وَكَرَّرَهُ وَزَادَ عَلَيْهِ بِوَاحِدَةٍ بِهَا صَارَتْ عَشْرَةً كَامِلَةً.
стр. 2946
٢٠٧٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْمُ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٠٧٢ - (وَعَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ) أَيْ نَمَاءٌ يُعْطَى بَعْضُهُ أَوْ طَهَارَةٌ يُطَهَّرُ بِهِ " «وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْمُ» " فَإِنَّهُ يُذَابُ بَعْضُ الْبَدَنِ مِنْهُ وَيُنْقَصُ وَتُطَهَّرُ الذُّنُوبُ بِهِ، وَتُمَحَّصُ، فَالزَّكَاةُ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ، وَالصَّوْمُ طَاعَةٌ بَدَنِيَّةٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ صَدَقَةُ الْجَسَدِ مَا يُخَلِّصُهُ مِنَ النَّارِ بِجُنَّةِ الصَّوْمِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 2947
٢٠٧٣ - وَعَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَقَالَ: " إِنَّ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ يَغْفِرُ اللَّهُ فِيهِمَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا ذَا هَاجِرَيْنِ، يَقُولُ: دَعْهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٠٧٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ) مُحْتَمَلُ إِعْرَابِهِ هُنَا أَنْ يَكُونَ بِالْحَرْفِ أَوِ الْحَرَكَةِ (وَالْخَمِيسَ) بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ بِالْجَرِّ، وَاللَّامُ بَدَلٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَى يَوْمِ الْخَمِيسِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الِاثْنَيْنِ (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَصُومُ) أَيْ كَثِيرًا (الِاثْنَيْنِ) بِكَسْرِ النُّونِ وَبِفَتْحٍ (وَالْخَمِيسِ) بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ بِالْجَرِّ، وَأَرَادَ يَوْمَيْهِمَا، يَعْنِي فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِمَا (فَقَالَ: إِنَّ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ) بِالنَّصْبِ وَالْجَرِّ (يَغْفِرُ اللَّهُ فِيهِمَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ) أَيْ صَائِمٍ فِيهِمَا (إِلَّا ذَا) ذَا مَزِيدَةٌ (هَاجِرَيْنِ) بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ قَاطِعَيْنِ أَيْ وَلَوْ كَانَا صَائِمَيْنِ (يَقُولُ) أَيِ اللَّهُ لِلْمَلِكَ الْمُوَكَّلِ عَلَى مَحْوِ السَّيِّئَةِ عِنْدَ ظُهُورِ آثَارِ الْمَغْفِرَةِ (دَعْهُمَا) أَيِ اتْرُكْهُمَا (حَتَّى يَصْطَلِحَا) أَيْ إِلَى أَنْ يَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا فَحِينَئِذٍ يُغْفَرُ لَهُمَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ ﷺ بِفَتْحِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلٌ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءٌ فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا، وَلَا بُدَّ هَاهُنَا مِنْ تَقْدِيرِ مُخَاطَبٍ يَقُولُ اتْرُكُوا أَوِ انْظُرُوا أَوْ دَعْهُمَا، كَأَنَّهُ - تَعَالَى - لَمَّا غَفَرَ لِلنَّاسِ سِوَاهُمَا قِيلَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمَا أَيْضًا، فَأَجَابَ أَوِ انْظُرُوا أَوِ اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا اهـ. وَمَا اخْتَرْنَاهُ أَظْهَرُ، فَتَأَمَّلْ وَتَدَبَّرْ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 2948
٢٠٧٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ بَعَّدَهُ اللَّهُ مِنْ جَهَنَّمَ كَبُعْدِ غُرَابٍ طَائِرٍ وَهُوَ فَرْخٌ حَتَّى مَاتَ هَرِمًا» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ (قَيْسٍ) ﵁.
ــ
٢٠٧٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) نُصِبَ عَلَى الْعِلَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: ابْتِغَاءً لِوَجْهِ اللَّهِ، وَفِي نُسْخَةٍ: لِابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ أَيْ ذَاتِهِ وَطَلَبِ قُرْبِهِ أَوْ جِهَتِهِ الَّتِي رَضِيَ بِهَا مِنَ الرَّجَاءِ بِهِ أَوْ مِنْ خَوْفِ عِقَابِهِ، وَلِذَا يُفَسَّرُ عِنْدَ حَلِّ مُشْكِلَاتِهِ بِابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ (بَعَّدَهُ اللَّهُ مِنْ جَهَنَّمَ كَبُعْدِ غُرَابٍ) أَيْ بُعْدًا مِثْلَ بُعْدِ غُرَابٍ (طَائِرٍ وَهُوَ فَرْخٌ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ صَغِيرٌ (حَتَّى مَاتَ هَرِمًا) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ كَبِيرًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: (طَائِرٍ) صِفَةُ (غُرَابٍ) ، (وَهُوَ فَرْخٌ) حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي طَائِرٍ، وَحَتَّى مَاتَ غَايَةُ الطَّيَرَانِ وَهَرِمًا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ مَاتَ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ وَهُوَ فَرْخٌ، وَقِيلَ: يُضْرَبُ الْغُرَابُ مَثَلًا فِي طُولِ الْعُمْرِ، شَبَّهَ بُعْدَ الصَّائِمِ عَنِ النَّارِ بِبُعْدِ غُرَابٍ طَارَ مِنْ أَوَّلِ عُمْرِهِ إِلَى آخِرِهِ اهـ. قِيلَ: يَعِيشُ الْغُرَابُ أَلْفَ عَامٍ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ) : كَذَا فِي نُسَخِ الْمِشْكَاةِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ فِي الصَّحَابَةِ، وَكَتَبَ مِيرَكُ فِي الْهَامِشِ بَدَلَ قَيْسٍ قَيْصَرَ بِفَتْحِ الرَّاءِ حِبْرًا، وَبِالتَّنْوِينِ حُمْرَةً وَفَوْقَهُ (ظ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ الظَّاهِرُ، وَفِي الْمَعْنَى (قَيْصَرَ) بِمَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ يَاءٍ وَفَتْحِ مُهْمَلَةٍ، وَتَرْكِ صَرْفٍ قَالَهُ مِيرَكُ. وَرَوَاهُ الْبَرَّازُ، وَفَى سَنَدِهِ رَجُلٌ لَمْ يُسَمَّ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَلَامَةَ بْنِ قَيْصَرَ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فَسَمَّاهُ سَلَامَةَ بِزِيَادَةِ أَلْفٍ كَذَا قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ.
стр. 2949
(٧) وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ: سَلَمَةُ بْنُ قَيْصَرَ الْحَضْرَمِيُّ وَقَالَ: حَدِيثُهُ عِنْدَ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ لَهِيعَةَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ سَلَامَةَ بْنِ قَيْصَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ( «مَنْ يَصُومُ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ» ) إِلَخْ. قَالَ: وَلَا يُوجَدُ لَهُ سَمَاعٌ وَلَا إِدْرَاكٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَأَنْكَرَ أَبُو زُرْعَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُ صُحْبَةٌ وَقَالَ: رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يُعَدُّ فِي أَهْلِ مِصْرَ اهـ. كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ: سَلَمَةُ بْنُ قَيْصَرَ تَابِعِيٌّ أَرْسَلَ حَدِيثًا لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ اهـ. فَعُلِمَ مِنْ هُنَا أَنَّ مَا وَقَعَ فِي نُسَخِ الْمِشْكَاةِ: سَلَمَةُ بْنُ قَيْسٍ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ سَلَمَةُ بْنُ قَيْصَرَ، وَاللَّهُ الْهَادِي ﷻ وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ.
стр. 2950
[باب في توابع لصوم التطوع]
بَابٌ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٠٧٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: (هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟) فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: (فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ) . ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: (أَرِينِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا) فَأَكَلَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
(٧) بَابٌ
بِالتَّنْوِينِ، وَقِيلَ: بِالسُّكُونِ، وَفَى نُسْخَةٍ: فِي تَوَابِعَ لِصَوْمِ التَّطَوُّعِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٠٧٥ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ) : أَيْ: يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ، أَوْ سَاعَةَ يَوْمٍ، أَوْ أَوْقَاتَ يَوْمٍ، أَوْ فِي نَهَارٍ. (فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟) : أَيْ: مِنَ الطَّعَامِ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاءٍ؟ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مَا يُأْكَلُ قَبْلَ الزَّوَالِ. (فَقُلْنَا: لَا. قَالَ: فَإِنِّي إِذًا) : بِالتَّنْوِينِ (صَائِمٌ) وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: فَإِنِّي إِذَنْ أَصُومُ، يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ نِيَّةِ النَّفْلِ فِي النَّهَارِ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَدَاوُدُ: يَجِبُ التَّبْيِيتُ كَمَا فِي الْفَرْضِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : ( «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَجْمَعِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ. (ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُهْدِيَ لَنَا) : أَيْ أُرْسِلَ إِلَيْنَا بِطَرِيقِ الْهَدِيَّةِ (حَيْسٌ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ تَمْرٌ مَخْلُوطٌ بِسَمْنٍ وَأَقِطٍ، وَقِيلَ: طَعَامٌ يُتَّخَذُ مِنَ الزُّبْدِ وَالتَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَقَدْ يُبْدَلُ الْأَقِطُ بِالدَّقِيقِ، وَالزُّبْدُ بِالسَّمْنِ، وَقَدْ يُبْدَلُ السَّمْنُ بِالزَّيْتِ، (فَقَالَ: أَرِينِيهِ) : أَمْرٌ مِنَ الْإِرَاءَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَدْنِيهِ وَأَرِنِيهِ كِنَايَةٌ عَنْهَا، لِأَنَّ مَا يَكُونُ قَرِيبًا يَكُونُ مَرْئِيًّا، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَأَمَّا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ فَغَيْرُ مَوْجُودَتَيْنِ، وَلَعَلَّهُمَا رِوَايَتَانِ أَوْ نُسْخَتَانِ لِلطِّيبِيِّ. (فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا) أَيْ: مُرِيدًا لِلصَّوْمِ (فَأَكَلَ) وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ كُنْتُ نَوَيْتُ الصَّوْمَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ اهـ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ وَتَقْدِيرِ عُذْرٍ، وَقَالَ مِيرَكُ: يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إِفْطَارِ النَّفْلِ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ بِعُذْرٍ، وَأَمَّا بِدُونِهِ فَلَا، وَقَالَ الْقَاضِي: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّفْلِ لَا يَمْنَعُ الْخُرُوجَ عَنْهُ، كَمَا قَالَ: الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: يَجِبُ إِتْمَامُهُ، وَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ إِنْ أَفْطَرَ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَقْضِي حَيْثُ لَا عُذْرَ لَهُ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالْقَضَاءِ، وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ لَا يُقَاوِمُ الصَّحِيحَ، عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَحْتَمِلُ الِاسْتِحْبَابَ كَالْأَصْلِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ هَذَا أَخَذَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ النَّفْلُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ لَا بَعْدَهُ لِمُضِيِّ مُعْظَمِ الْعِبَادَةِ بِلَا نِيَّةٍ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِهِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَجِبُ التَّبْيِيتُ فِيهِ كَالْفَرْضِ بِحَدِيثِ: ( «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ) فَالْإِمْسَاكُ أَوَّلُ النَّهَارِ عَمَلٌ بِلَا نِيَّةٍ، وَقِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ إِذْ نَفْلُهَا كَفَرْضِهَا فِي النِّيَّةِ. قَالَ: وَلَا دَلَالَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ السُّؤَالِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَسْئُولَ مُعَدًّا لِلْإِفْطَارِ، حَتَّى تَطْمَئِنَّ نَفْسُهُ لِلْعِبَادَةِ، وَلَا يَتَكَلَّفَهُ لِتَحْصِيلِ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَالُوا لَهُ أَيْ: إِنِّي صَائِمٌ كَمَا كُنْتُ، أَوْ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى الْفِطْرِ لِعُذْرٍ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: تَمِّمِ الصَّوْمَ، وَفِيهِ أَنَّ النِّيَّةَ اقْتِرَانُهَا بِهِ كَاقْتِرَانِهَا بِمَا قَبْلَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ رِوَايَةُ: إِذَنْ أَصُومُ، وَرِوَايَةُ: مِنْ غَدَاءٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ: فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا. قَالَ الشُّمُنِّيُّ: وَزَادَ النَّسَائِيُّ، وَلَكِنْ أَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ، وَصَحَّحَ عَبْدُ الْحَقِّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، وَاسْتَبْدَلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبُو يُوسُفَ عَلَى أَنَّ الْمُتَنَفِّلَ يُفْطِرُ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَيَقْضِي، وَفِي الْهِدَايَةِ: وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ أَوْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ قَضَاهُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَا خِلَافَ بَيْنِ أَصْحَابِنَا فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ إِذَا فَسَدَ عَنْ قَصْدٍ أَوْ غَيْرِ قَصْدٍ، بِأَنْ عَرَضَ الْحَيْضُ لِلصَّائِمَةِ الْمُتَطَوِّعَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَإِنَّمَا اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي نَفْسِ الْإِفْسَادِ هَلْ يُبَاحُ أَوْ لَا؟ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لَا إِلَّا بِعُذْرٍ، وَرِوَايَةُ الْمُنْتَقَى: يُبَاحُ بِلَا عُذْرٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هَلِ الضِّيَافَةُ عُذْرٌ أَوْ لَا؟ قِيلَ: نَعَمْ، وَقِيلَ:
стр. 2951
لَا. وَقِيلَ: عُذْرٌ قَبْلَ الزَّوَالِ لَا بَعْدَهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ فِي عَدَمِ الْفِطْرِ عُقُوقٌ لِأَحَدِ الْوَالِدَيْنِ لَا غَيْرِهِمَا. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ يَرْضَى بِمُجَرَّدِ حُضُورِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ لَا يُبَاحُ الْفِطْرُ، وَإِنْ كَانَ يَتَأَذَّى بِذَلِكَ يُفْطِرُ، وَعِنْدِي أَنَّ رِوَايَةَ الْمُنْتَقَى أَوْجَهٌ، قَالَ: وَأَحْسَنُ مِمَّا يُسْتَدَلُّ لِلشَّافِعِيِّ مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ، يَعْنِي الْحَدِيثَ السَّابِقَ، وَلَنَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْقِيَاسُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الْآيَةُ سِيقَتْ فِي مَعْرِضِ ذَمِّهِمْ عَلَى عَدَمِ رِعَايَةِ مَا الْتَزَمُوهُ مِنَ الْقُرَبِ الَّتِي لَمْ تُكْتَبُ عَلَيْهِمْ، وَالْقَدْرِ الْمُؤَدِّي عَمَلَ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ صِيَانَتُهُ عَنِ الْإِبْطَالِ بِهَذَيْنِ النَّصَّيْنِ، فَإِذَا أَفْطَرَ وَجَبَ قَضَاؤُهُ تَفَادِيًا أَيْ تَبَعُّدًا عَنِ الْإِبْطَالِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْآتِي، وَأَمَّا الْقِيَاسُ، فَعَلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ النَّفْلَيْنِ حَيْثُ يَجِبُ قَضَاؤُهَا إِذَا أُفْسِدَا.
стр. 2952
٢٠٧٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، فَقَالَ: (أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّي صَائِمٌ) ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٠٧٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، فَقَالَ: " «أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّي صَائِمٌ ". ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا» ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لِلضَّيْفِ الصَّائِمِ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُضِيفِ، أَيْ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ مِنَ الدُّعَاءِ الْمُسْتَجَابِ دُعَاءَ الصَّائِمِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَهَذَا الْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ يُؤَيِّدُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الضِّيَافَةَ غَيْرُ عُذْرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا عُذْرٌ، وَلَكِنَّهُ مُخَيَّرٌ لِقَوْلِهِ ﵊: ( «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَطْعَمْ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ جَابِرٍ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَالنَّهْيُ عَنِ التَّكَلُّفِ الْمُسْتَفَادِ بِمَا رُوِيَ: " «أَنَا وَصَالِحُو أُمَّتِي بَرَاءٌ مِنَ التَّكَلُّفِ» " إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ يَتَكَلَّفُ بِمَشَقَّةٍ، وَأَمَّا مَنْ أَتَى بِمَا عِنْدَهُ وَإِنْ شَرُفَ فَلَا يُسَمَّى مُتَكَلِّفًا اهـ. وَالْغَرَابَةُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَقَامَ لَا يَقْتَضِي هَذَا السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ أَصْلًا، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
стр. 2953
٢٠٧٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ) . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٠٧٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ ") أَيْ: نَفْلًا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَوْمَ قَضَاءٍ وَنَحْوَهُ. (فَلْيَقُلْ) أَيْ: نَدْبًا (إِنِّي صَائِمٌ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَمَرَ ﷺ الْمَدْعُوَّ حِينَ لَا يُجِيبُ الدَّاعِي أَنْ يَعْتَذِرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: إِنِّي صَائِمٌ، وَإِنْ كَانَ يَسْتَحِبُّ إِخْفَاءَ النَّوَافِلِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى عَدَاوَةٍ وَبُغْضٍ فِي الدَّاعِي.
(وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ) : أَيِ الدَّعْوَةَ (فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ رَكْعَتَيْنِ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَقِيلَ: فَلْيَدْعُ لِصَاحِبِ الْبَيْتِ بِالْمَغْفِرَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِالْبَرَكَةِ، أَقُولُ: ظَاهِرُ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: وَالضَّابِطُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إِنْ تَأَذَّى الْمُضِيفُ بِتَرْكِ الْإِفْطَارِ أَفْطَرَ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ) : أَيْ: فَلْيَأْكُلْ نَدْبًا، وَقِيلَ: وُجُوبًا، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجِبُ إِذَا كَانَ يَتَشَوَّشُ خَاطِرُ الدَّاعِي، وَيَحْصُلُ بِهِ الْمُعَادَاةُ إِنْ كَانَ الصَّوْمُ نَفْلًا، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَفْرَحُ بِأَكْلِهِ وَلَمْ يَتَشَوَّشْ بِعَدَمِهِ فَيُسْتَحَبُّ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرَانِ مُسْتَوِيَيْنِ عِنْدَهُ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي صَائِمٌ، سَوَاءً حَضَرَ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَى أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: ( «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» ) . وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ. كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ.
стр. 2954
وَالْعَجَبُ مِنَ ابْنِ الْهُمَامِ حَيْثُ قَالَ: وَمَنَعَ الْمُحَقِّقُونَ كَوْنَ الضِّيَافَةِ عُذْرًا كَالْكَرْخِيِّ، وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ، وَاسْتَدَلَّا بِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊: " «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» ". أَيْ: فَلْيَدْعُ لَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: ثَبَتَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْتِدَاءٍ ثَبَتَ، ثُمَّ لَا يَقْوَى قُوَّةَ حَدِيثِ سَلْمَانَ، يَعْنِي حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ: «آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبَى الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ، فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ: مَا آكُلُ حَتَّى تَأْكُلَ، فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الْآنَ. قَالَ: فَصَلَّيْنَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنْ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: (صَدَقَ سَلْمَانُ) » .
وَهَذَا مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الضِّيَافَةَ عُذْرٌ، وَكَذَا مَا أَسْنَدَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِلَى جَابِرٍ قَالَ: «صَنَعَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا، فَدَعَا النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ، فَلَمَّا أَتَى بِالطَّعَامِ تَنَحَّى رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ ﵊: (مَا لَكَ؟) قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ. فَقَالَ ﵊: (تَكَلَّفَ أَخُوكَ وَصَنَعَ طَعَامًا ثُمَّ تَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ، كُلْ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ) » اهـ.
قَالَ الشُّمُنِّيُّ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِلَفْظِ: ( «أَخُوكَ تَكَلَّفَ وَصَنَعَ لَكَ طَعَامًا وَدَعَاكَ، أَفْطِرْ وَاقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ» ) وَرَوَاهُ الدَّرَاقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي صَنَعَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁.
стр. 2955
٢٠٧٨ - عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَجَلَسَتْ عَلَى يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمُّ هَانِئٍ عَنْ يَمِينِهِ، فَجَاءَتِ الْوَلِيدَةُ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ فَنَاوَلَتْهُ فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ أُمَّ هَانِئٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدْ أَفْطَرْتُ وَكُنْتُ صَائِمَةً، فَقَالَ لَهَا: (أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا؟) قَالَتْ: لَا. قَالَ: (فَلَا يَضُرُّكِ إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ ; وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ. وَفِيهِ: «فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَا إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً، فَقَالَ: (الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» ) .
ــ
٢٠٧٨ - (عَنْ أُمِّ هَانِئٍ) : بِهَمْزٍ بَعْدَ نُونٍ مَكْسُورَةٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ (قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ) أَيِ الْفَتْحِ الْأَعْظَمِ (فَتْحِ مَكَّةَ) : بِالْجَرِّ بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ (جَاءَتْ فَاطِمَةُ) : أَيْ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، (فَجَلَسَتْ عَلَى يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ الْيَسَارِ كَانَ بِإِشَارَةٍ مِنْهُ ﵊، أَوْ إِيمَاءً إِلَى قَصْدِ تَوَجُّهِ قَلْبِهِ وَخَاطِرِهِ إِلَيْهَا بِحُسْنِ الْمُقَابَلَةِ وَالِالْتِئَامِ، وَإِمَّا تَوَاضُعًا مِنْهَا مَعَ بِنْتِ عَمِّهَا، وَأُخْتِ زَوْجِهَا، وَعَمَّةِ أَوْلَادِهَا، مَعَ إِمْكَانِ أَنَّهَا كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْهَا، وَإِمَّا لِشَغْلِ الْيَمِينِ أَوَّلًا بِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهَا: (وَأُمُّ هَانِئٍ عَنْ يَمِينِهِ) : فَإِنَّ الْجُمْلَةَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ جَلَسَتْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِمَّا حَالٌ أَيْ جَاءَتْ فَاطِمَةُ وَجَلَسَتْ عَلَى يَسَارِهِ، وَالْحَالُ أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَإِمَّا عَطْفًا عَلَى تَقْدِيرِ: وَجَاءَتْ أُمُّ هَانِئٍ، فَجَلَسَتْ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ الْكَلَامُ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُقَالَ: وَأَنَا جَالِسَةٌ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ جَلَسَتْ عَنْ يَمِينِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّجْرِيدِ كَأَنَّهَا تَحْكِي عَنْ نَفْسِهَا بِذَلِكَ، أَوْ أَنَّ الرَّاوِيَ وَضَعَ كَلَامَهُ مَكَانَ كَلَامِهَا اهـ. يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ نَقَلَ بِالْمَعْنَى. (فَجَاءَتِ الْوَلِيدَةُ) : أَيِ: الْأَمَةُ (بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ) : أَيْ: مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّهُ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (فَنَاوَلَتْهُ) : أَيِ الْجَارِيَةُ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لَهُ ﷺ ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مُقَدَّرٌ وَهُوَ الْإِنَاءُ (فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ) : أَيِ الْإِنَاءَ. وَفِي الْمَصَابِيحِ: ثُمَّ نَاوَلَهَا أَيْ: بَقِيَّةَ الْمَشْرُوبِ (أُمَّ هَانِئٍ) : إِمَّا لِكَوْنِهَا عَنِ الْيَمِينِ، أَوْ لِسَبْقِهَا بِالْإِيمَانِ، أَوْ لِكِبَرِ سِنِّهَا أَوْ لِأَنَّهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُمِّ أَهْلِ الْبَيْتِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - (فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدْ أَفْطَرْتُ) : يَحْتَمِلُ الْمُضِيَّ وَالْحَالَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِمَا سَيَأْتِي (وَكُنْتُ صَائِمَةً) : أَيْ: فَمَا الْحُكْمُ؟ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِنَّمَا لَمْ تَذْكُرْ هَذَا قَبْلَ تَنَاوُلِهَا إِيثَارًا لِمَا آثَرَهَا بِهِ مِنَ التَّقَدُّمِ عَلَى بِنْتِهِ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ عِنْدَهَا أَشْرَفُ وَأَعْلَى مِنَ الصَّوْمِ اهـ.
стр. 2956
وَيُمْكِنُ أَنَّهُ حَدَثَ لَهَا السُّؤَالُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، ثُمَّ فِي التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ قَدْ حَصَلَ بِمُجَرَّدِ الْمُنَاوَلَةِ أَوْ قَصَدَهَا، فَإِنَّمَا لَمْ تَذْكُرْ خَوْفًا عَنْ فَوْتِ سُؤْرِهِ ﷺ . (فَقَالَ لَهَا: أَكُنْتِ تَقْضِينَ) : أَيْ: بِهَذَا الصَّوْمِ (شَيْئًا؟) : أَيْ: مِنَ الْوَاجِبَاتِ عَلَيْكِ. (قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَلَا يَضُرُّكِ) : أَيْ: لَيْسَ عَلَيْكِ إِثْمٌ فِي فِطْرِكِ (إِنْ كَانَ) : صَوْمُكِ (تَطَوُّعًا) : وَهُوَ لِلتَّأَكُّدِ لِأَنَّ الْمُتَطَوِّعَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بِعُذْرٍ بَلْ بِلَا عُذْرٍ، ثُمَّ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْقَضَاءِ وَعَدَمِهِ، وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَسَبَقَ عَلَى وَفْقِ الْمَذْهَبِ تَحْرِيرُهُ. وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ: يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَى الْمُتَطَوِّعِ بِصَوْمٍ إِذَا أَبْطَلَهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) : وَقَالَ: فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ. وَكَذَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ. قَالَ: وَلَا يَثْبُتُ، وَفِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ كَبِيرٌ أَشَارَ إِلَيْهِ النَّسَائِيُّ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
(وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ) : بِالرَّفْعِ أَيْ مَعْنَاهُ (وَفِيهِ) : أَيْ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي نَحْوُهُ (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً، فَقَالَ: الصَّائِمُ) : أُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ (الْمُتَطَوِّعُ) : احْتِرَازٌ مِنَ الْمُفْتَرِضِ أَدَاءً وَقَضَاءً (أَمِيرُ نَفْسِهِ) : أَيْ: حَاكِمُهَا ابْتِدَاءً، وَفِي رِوَايَةٍ أَمِينُ نَفْسِهِ بِالنُّونِ بَدَلًا مِنَ الرَّاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُفْهَمُ أَنَّ الصَّائِمَ غَيْرَ الْمُتَطَوِّعِ لَا تَخْيِيرَ لَهُ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ مَجْبُورٌ عَلَيْهِ. (إِنْ شَاءَ صَامَ) : أَيْ: نَوَى الصِّيَامَ (وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ) : أَيِ: اخْتَارَ الْإِفْطَارَ، أَوْ مَعْنَاهُ أَمِيرٌ لِنَفْسِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّوْمِ إِنْ شَاءَ صَامَ أَيْ: أَتَمَّ صَوْمَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ إِمَّا بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَيَجِيءُ حُكْمُ الْقَضَاءِ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَرَّ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَأَنَّهُ رَدٌّ عَلَى مَنْ حَرَّمَ الْخُرُوجَ عَنِ النَّفْلِ اهـ. وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ وَلَا حَسَنٌ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يَثْبُتُ، فَارْجِعْ إِلَى أَرْبَابِ الِاعْتِمَادِ فِي مَعْرِفَةِ الْإِسْنَادِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ: وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ مَرْدُودٌ. ثُمَّ قَوْلُهُ: أَوْ يُحْمَلُ عَلَى السَّنَدِ الَّذِي ذَكَرَهُ، فَلَا يُنَافِي صِحَّتَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مَرْدُودٌ أَيْضًا لِلِاحْتِيَاجِ إِلَى ثُبُوتِ إِسْنَادٍ آخَرَ وَإِلَّا فَهُوَ مُجَازَفَةٌ وَجَرَاءَةٌ.
стр. 2957
٢٠٧٩ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، «عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ، فَعَرَضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلَنَا مِنْهُ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا صَائِمَتَيْنِ، فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلَنَا مِنْهُ. قَالَ (اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ) » رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَذَكَرَ جَمَاعَةً مِنَ الْحُفَّاظِ رَوَوْا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ عُرْوَةَ، وَهَذَا أَصَحُّ.
ــ
٢٠٧٩ - (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ) : بِالرَّفْعِ (صَائِمَتَيْنِ) : أَيْ نَفْلًا (فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: عَرَضَهُ لَنَا أَحَدٌ أَيْ: عَلَى طَرِيقِ الْهَدِيَّةِ، وَلَفْظُ ابْنِ الْهُمَامِ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَدَرَتْ إِلَيْهِ حَفْصَةُ، وَكَانَتِ ابْنَةَ أَبِيهَا فَقَالَتْ: وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ أَيْ: فَظَهَرَ لَنَا طَعَامٌ (اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلَنَا مِنْهُ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ) أَيْ عَلَى طَرِيقِ الْهِدَايَةِ كَمَا سَيَأْتِي ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا صَائِمَتَيْنِ، فَعُرِضَ لَنَا طَعْمٌ اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلَنَا مِنْهُ. قَالَ: اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ» ) : أَيْ بَدَلَهُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي التَّطَوُّعِ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مَكَانَهُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا الْقَضَاءُ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ وَالِاسْتِحْبَابِ، لِأَنَّ قَضَاءَ شَيْءٍ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَصْلِ، فَكَمَا أَنَّ فِي الْأَصْلِ كَانَ الشَّخْصُ فِيهِ مُخَيَّرًا، فَكَذَلِكَ فِي قَضَائِهِ. أَقُولُ: هَذَا مَنْقُوضٌ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِذَا كَانَا نَفَلَيْنِ وَفَسَدَا، فَإِنَّ قَضَاءَهُمَا وَاجِبٌ اتِّفَاقًا. وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَحَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ خُرُوجٌ عَنْ مُقْتَضَاهُ بِغَيْرِ مُوجِبٍ بَلْ مَحْفُوفٌ بِمَا يُوجِبُ مُقْتَضَاهُ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَذَكَرَ) : أَيِ التِّرْمِذِيُّ (جَمَاعَةً مِنَ الْحُفَّاظِ) : أَيْ صِفَتُهُمْ أَنَّهُمْ (رَوَوْا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يُدْرِكْهَا اهـ. فَقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ مُرْسَلًا أَيْ مُنْقَطِعًا (وَلَمْ يَذْكُرُوا) : أَيْ جَمَاعَةُ الْحُفَّاظِ (فِيهِ) : أَيْ: فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ (عَنْ عُرْوَةَ) : بَيْنَ الزُّهْرِيِّ وَعَائِشَةَ (وَهَذَا) : أَيْ كَوْنُهُ مُرْسَلًا (أَصَحُّ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَعْمَلَهُ التِّرْمِذِيُّ بِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ فَقَالَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَرَوَى مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَمَعْمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ عُرْوَةَ، وَهَذَا أَصَحُّ. ثُمَّ أَسْنَدَ أَيِ التِّرْمِذِيُّ إِلَى ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: أَحَدَّثَكَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَكِنْ سَمِعْنَاهُ فِي خِلَافَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ نَاسٍ، عَنْ بَعْضِ مَنْ سَأَلَ عَائِشَةَ، عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ.
стр. 2958
٢٠٨٠ - وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ زُمَيْلٍ مَوْلَى عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
ــ
٢٠٨٠ - (وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : أَيْ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدِ بْنِ الْهَادِ (عَنْ زُمَيْلٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (مَوْلَى عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) : قَالَ مِيرَكُ: نَقْلًا عَنِ التَّصْحِيحِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُعْرَفُ لِزُمَيْلٍ سَمَاعٌ مِنْ عُرْوَةَ وَلَا يَزِيدَ سَمَاعٌ مِنْ. . .، وَلَا يَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَزُمَيْلٌ مَجْهُولٌ اهـ. وَزُمَيْلٌ بِضَمِّ الزَّايِ، وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبَّاسٌ مَوْلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ: قُلْنَا: قَوْلُ الْبُخَارِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَالْمُخْتَارُ الِاكْتِفَاءُ بِالْعِلْمِ بِالْمُعَاصِرَةِ، وَلَوْ سَلِمَ إِعْلَالُهُ وَإِعْلَالُ التِّرْمِذِيِّ، فَهُوَ قَاضٍ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ، لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ غَيْرِهَا، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَصْبَحْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ، الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمَهِ مِنْ حَدِيثِ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ. وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِهَا، عَنْ حَمَّادِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَصْبَحَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ. وَحَمَّادُ بْنُ الْوَلِيدِ لَيِّنُ الْحَدِيثِ.
وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ غَيْرِ الْكُلِّ فِي الْأَوْسَطِ ثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الْجَمَالُ قَالَ: ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَكِّيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرَوَيْهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَهْدَيْتُ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ هَدِيَّةً وَهُمَا صَائِمَتَانِ فَأَكَلَتَا مِنْهُ، وَذَكَرَتَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ وَلَا تَعُودَا» ) . فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ ثُبُوتًا لَا مَرَدَّ لَهُ. لَوْ كَانَ كُلُّ طَرِيقٍ مِنْ هَذِهِ ضَعِيفًا لِتَعَدُّدِهَا، وَكَثْرَةِ مَجِيئِهَا. وَثَبَتَ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَجْهُولَ فِي قَوْلِ الزُّهْرِيِّ فِيمَا أَسْنَدَ التِّرْمِذِيُّ إِلَيْهِ، عَنْ بَعْضِ مَنْ سَأَلَ عَائِشَةَ، عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ثِقَةٌ، أَخْبَرَ بِالْوَاقِعِ، فَكَيْفَ وَبَعْضُ طُرُقِهِ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ اهـ؟
وَبِهَذَا بَطَلَ مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ. وَقَدْ بَسَطَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِ الْكَلَامَ سَنَدَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ، فَيُحْمَلُ كَرِوَايَةٍ. «خَبَّأْنَا لَكَ حَيْسًا. فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أُرِيدُ الصَّوْمَ، وَلَكِنْ قَرِّبِيهِ وَأَقْضِي يَوْمًا» عَلَى النَّدْبِ، لِرِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ صَنَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ عَنْ نَفْسِهِ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ ﵊: (دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ وَتَكَلَّفَ لَكُمْ) ثُمَّ قَالَ لَهُ (أَفْطِرْ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ إِنْ شِئْتَ) اهـ.
وَهُوَ لَيْسَ نَصًّا فِي مَدْعَاهِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الشَّرْطِيَّةِ مُتَعَلِّقَةً بَأَفْطِرْ، وَالْجُمْلَةُ بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضِيَّةٌ، وَفَائِدَتُهَا الْإِشْعَارُ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ فِيهِ لِلْوُجُوبِ، وَبِأَنَّ الْأَفْضَلَ هُوَ الْإِفْطَارُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْإِفْطَارِ الْمَفْهُومِ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2959
٢٠٨١ - «وَعَنْ أُمِّ عُمَارَةَ بِنْتِ كَعْبٍ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَدَعَتْ لَهُ بِطَعَامٍ، فَقَالَ لَهَا: (كُلِي) فَقَالَتْ: إِنِّي صَائِمَةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّ الصَّائِمَ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يَفْرَغُوا» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٠٨١ - (وَعَنْ أُمِّ عُمَارَةَ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَاسْمُهَا نُسَيْبَةُ (بِنْتِ كَعْبٍ) : أَيِ: الْأَنْصَارِيِّ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَدَعَتْ) : أَيْ: طَلَبَتْ (لَهُ بِطَعَامٍ، فَقَالَ لَهَا: كُلِي، فَقَالَتْ: إِنِّي صَائِمَةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ) : أَيْ: تَفْرِيحًا بِإِتْمَامِ صَوْمِهَا (إِنَّ الصَّائِمَ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ) : أَيْ: وَمَالَتْ نَفْسُهُ إِلَى الْمَأْكُولِ وَاشْتَدَّ صَوْمُهُ عَلَيْهِ (صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ) : أَيِ: اسْتَغْفَرَتْ لَهُ عِوَضًا عَنْ مَشَقَّةِ الْأَكْلِ (حَتَّى يَفْرَغُوا) : أَيِ: الْقَوْمُ الْآكِلُونَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ مِيرَكُ: كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مَوْلَاةٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهَا: لَيْلَى. عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ عُمَارَةَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ لَيْلَى مُرْسَلًا (وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 2960
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٠٨٢ - عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: «دَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَتَغَدَّى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْغَدَاءَ يَا بِلَالُ!) قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (نَأْكُلُ رِزْقَنَا، وَفَضْلُ رِزْقِ بِلَالٍ فِي الْجَنَّةِ، أَشْعَرْتَ يَا بِلَالُ أَنَّ الصَّائِمَ يُسَبِّحُ عِظَامُهُ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ مَا أَكَلَ عِنْدَهُ؟» ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٠٨٢ - (عَنْ بُرَيْدَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ (قَالَ: دَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَتَغَدَّى) : أَيْ: يَأْكُلُ الْغَدَاءَ، وَهُوَ طَعَامُ أَوَّلِ النَّهَارِ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْغَدَاءَ) : بِالنَّصْبِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أَيْ: أَحْضِرْهُ أَوِ ائْتِهِ (يَا بِلَالُ. قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَأْكُلُ رِزْقَنَا) : أَيْ: رِزْقَ اللَّهِ - تَعَالَى - الَّذِي أَعْطَانَا الْآنَ. (وَفَضْلُ رِزْقِ بِلَالٍ) : مُبْتَدَأٌ أَيِ: الرِّزْقُ الْفَاضِلُ عَلَى مَا نَأْكُلُ (فِي الْجَنَّةِ) : أَيْ: جَزَاءٌ لَهُ عَلَى صَوْمِهِ الْمَانِعِ مِنْ أَكْلِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: وَرِزْقُ بِلَالٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ لَفْظَ (فَضْلُ) تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ رِزْقَهُ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ مِنْ هَذَا الرِّزْقِ زَائِدٌ عَلَيْهِ، وَدَلَّ آخِرُ كَلَامِهِ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ لِلْوُجُوبِ، انْتَهَى. ثُمَّ زَادَ ﵊ فِي تَرْغِيبِ بِلَالٍ فِي الصَّوْمِ بِقَوْلِهِ: (أَشْعَرْتَ) : اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ أَيْ: أَمَا عَلِمْتَ ( «يَا بِلَالُ أَنَّ الصَّائِمَ يُسَبِّحُ عِظَامُهُ» ) : لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - بِفَضْلِهِ يَكْتُبُ لَهُ ثَوَابَ ذَلِكَ التَّسْبِيحِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارٌ هُوَ نَاشِئٌ عَنْ فِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَهُوَ صَوْمُهُ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ إِذَا بُنِيَ الْكَلَامُ عَلَى فَضْلِهِ - تَعَالَى - كَمَا لَا يَخْفَى. (وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِتَأْنِيثِ الْفِعْلَيْنِ (مَا أَكَلَ) : ظَرْفٌ لِ يُسَبِّحُ وَيَسْتَغْفِرُ (عِنْدَهُ) : أَيْ: مَا دَامَ يُؤْكَلُ عِنْدَ الصَّائِمِ جَزَاءً عَلَى صَبْرِهِ حَالَ جُوعِهِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ كِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَةِ بَقِيَّةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا مَجْهُولٌ، وَبَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ مُدَلِّسٌ، وَتَصْرِيحُهُ بِالْحَدِيثِ لَا يُفِيدُ مَعَ الْجَهَالَةِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، عَنِ الْمُنْذِرِيِّ.
стр. 2961
[بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ]
стр. 2962
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٠٨٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
(٨) بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
أَيْ فَضِيلَتُهَا: وَبَيَانُ أَرْجَى أَوْقَاتِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَا يَكْتُبُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ مِنَ الْأَقْدَارِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ الَّتِي تَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] ، وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ - سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٤ - ٥] وَمَعْنَاهُ يَظْهَرُ لِلْمَلَائِكَةِ مَا سَيَكُونُ فِيهَا، وَيَأْمُرُهُمْ بِفِعْلِ مَا هُوَ مِنْ وَظِيفَتِهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ - تَعَالَى - بِهِ وَتَقْدِيرُهُ لَهُ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهَا لِعِظَمِ قَدْرِهَا وَشَرَفِ أَمْرِهَا، وَأَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ عَلَى وُجُودِهَا وَدَوَامِهَا إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ تَكُونُ مُنْتَقِلَةً فِي سَنَةٍ فِي لَيْلَةٍ، وَفِي سَنَةٍ أُخْرَى فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى، وَهَذَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَوْقَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: إِنَّمَا تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: إِنَّهَا مُعَيَّنَةٌ لَا تَنْتَقِلُ أَبَدًا، وَعَلَى هَذَا قِيلَ: هِيَ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ: فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كُلِّهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقِيلَ: تَخْتَصُّ بِالْأَوْتَارِ مِنَ الْعَشْرِ اهـ. وَقِيلَ: تَخْتَصُّ بِالسَّبْعَةِ وَالْعِشْرِينَ، وَعَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِحْدَى لَيَالِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، وَهِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَسَبْعٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ لَيْلَةُ نِصْفِهِ، أَوْ لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: لَيْلَةُ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَهَلْ هِيَ خَاصَّةٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ؟ فَالْأَصَحُّ نَعَمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَيُؤَيِّدُهُ سَبَبُ نُزُولِ سُورَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ حَيْثُ كَانَتْ تَسْلِيَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَصِيرَةِ الْعُمْرِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا جَاءَ الْقَدْرُ بِتَسْكِينِ الدَّالِ، وَإِنْ كَانَ الشَّائِعُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي هُوَ قَرِينُ الْقَضَاءِ فَتْحَ الدَّالِ، لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ سَبَقَ الزَّمَانَ، وَإِنَّمَا أُرِيدُ بِهِ تَفْصِيلُ مَا قَدْ جَرَى بِهِ الْقَضَاءُ وَتَبْيِينِهِ وَتَحْدِيدِهِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي بَعْدَهَا إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْقَابِلِ، لِيَحْصُلَ مَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ فِيهَا مِقْدَارًا بِمِقْدَارٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٠٨٣ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَحَرَّوْا) أَيِ: اطْلُبُوا (لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ) أَيْ فِي لَيَالِي الْوِتْرِ (مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) : فِي النِّهَايَةِ: أَيْ: تَعَمَّدُوا طَلَبَهَا فِيهَا، وَاجْتَهِدُوا فِيهَا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 2963
٢٠٨٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَرَى رُؤْيَاكُمْ، قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٠٨٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ مِنَ الْإِرَاءَةِ، وَأَصْلُهُ أُرِيُوا أَيْ: أَرَاهُمُ اللَّهُ (لَيْلَةَ الْقَدْرِ) : أَيْ: تَعْيِينَهَا (فِي الْمَنَامِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: خُيِّلَ لَهُمْ فِي الْمَنَامِ ذَلِكَ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ فِي أَنَّهُ مِنَ الرُّؤْيَا، فَحِينَئِذٍ يُحْتَاجُ إِلَى التَّجْرِيدِ لِيَسْتَقِيمَ قَوْلُهُ فِي الْمَنَامِ، فَتَنَبَّهْ، فَإِنَّهُ وَجْهٌ نَبِيهٌ. (فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ) : أَيْ: مِنْ رَمَضَانَ (فَبَعْضُهُمْ رَآهَا فِي لَيْلَةِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ، وَبَعْضُهُمْ فِي لَيْلَةِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ، وَكَذَلِكَ رَأَوْهَا جَمِيعُهُمْ) اهـ.
وَلَعَلَّ أَخْذَ الْإِيتَارِ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، وَأَرَادَ بِالسَّبْعِ السَّبْعَ الْمُحَقِّقَ، وَإِلَّا فَأَوَّلُ السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ إِنَّمَا هُوَ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ، أَوِ الثَّانِيَ وَالْعِشْرُونَ، بِنَاءً عَلَى دَوْرِ أَوَّلِ الشَّهْرِ، كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ مَبْنِيٌّ عَلَى دَوْرِ آخِرِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ السَّبْعَ الَّتِي تَلِي آخِرَ الشَّهْرِ، أَوْ أَرَادَ السَّبْعَ بَعْدَ الْعِشْرِينَ قِيلَ: وَهَذَا أَوْلَى لِيَدْخُلَ فِيهَا الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ وَالثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ إِطْلَاقَ السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ عَلَى السَّبْعِ بَعْدَ الْعِشْرِينَ غَيْرُ مُنْطَبِقٍ، فَإِنَّ الْحَادِيَةَ وَالْعِشْرِينَ آخِرُ السَّبْعِ الثَّالِثِ مِنَ الشَّهْرِ، وَأَوَّلُ السَّبْعِ الرَّابِعِ إِنَّمَا هُوَ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ، وَأَوَّلُ أَوْتَارِهَا الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ، فَتَأَمَّلْ خَوْفًا مِنَ الزَّلَلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: السَّبْعُ إِنَّمَا يُذْكَرُ فِي لَيَالِي الشَّهْرِ فِي أَوَّلِ الْعَدَدِ، ثُمَّ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ ثُمَّ فِي سَبْعٍ وَعِشْرِينَ اهـ. فَلَعَلَّ جَمِيعَ الْأَوَاخِرِ بِاعْتِبَارِ جِنْسِ السَّبْعِ، وَالتَّحَرِّي لِمُجَرَّدِ طَلَبِهَا، وَالِاجْتِهَادِ فِيهَا بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ، قَدْ تَوَاطَأَتْ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: قَدْ تَوَاطَتْ بِلَا هَمْزَةٍ، وَكُتِبَتِ الْهَمْزَةُ فِي نُسْخَةٍ بِالْحُمْرَةِ بَيْنَ الطَّاءِ وَالتَّاءِ، قِيلَ: أَصْلُهُ تَوَاطَأَتْ بِالْهَمْزَةِ فَقُلِبَتْ أَلِفًا، وَحُذِفَتْ. وَقَدْ رُوِيَ بِالْهَمْزَةِ أَيْضًا، وَالتَّوَاطُؤُ التَّوَافُقُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ بِطَاءٍ ثُمَّ تَاءٍ وَهُوَ مَهْمُوزٌ، وَكَانَ يِنْبَغِي أَنْ يُكْتُبَ بِالْأَلِفِ بَيْنِ الطَّاءِ وَالتَّاءِ، وَلَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَتِهِ مَهْمُوزًا. قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] وَقَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمُوَاطَأَةُ الْمُوَافَقَةُ، وَأَصْلُهُ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ بِرَجُلِهِ مَوْطِأَ صَاحِبِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ الْأَصْلُ اهـ. أَيْ: تَوَافَقَتْ (فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ) : أَيْ: عَلَيْهَا (فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا) : أَيْ: طَالِبًا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَقَاصِدَهَا، أَوْ مُرِيدًا طَلَبَهَا فِي أَحْرَى الْأَوْقَاتِ بِالطَّلَبِ مِنْ تَحَرَّى الشَّيْءِ إِذَا قَصَدَ حَرَاهُ، أَيْ: جَانِبُهُ أَوْ طَلَبُ الْأَحْرَى. (فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: السَّبْعُ الْأَوَاخِرُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا السَّبْعُ الَّتِي تَلِي آخِرَ الشَّهْرِ، وَأَنْ يُرَادَ بِهَا السَّبْعُ بَعْدَ الْعِشْرِينَ، وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا أَمْثَلُ لِتَنَاوُلِهِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثًا وَعِشْرِينَ. قُلْتُ: وَلِتَحَقُّقِ هَذَا السَّبْعِ يَقِينًا وَابْتِدَاءً، بِخِلَافِ ذَاكَ وَإِنْ كَانَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ هُوَ الْمُتَبَادَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ.
وَقَوْلُهُ: (فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ) لَا يُنَافِي قَوْلَهُ: (فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُحَدِّثْ بِمِيقَاتِهَا مَجْزُومًا، فَذَهَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِمَا سَمِعَهُ وَرَآهُ هُوَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالَّذِي عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُجِيبُ عَلَى نَحْوِ مَا سُئِلَ عَنْهُ يُقَالُ لَهُ: نَلْتَمِسُهَا فِي لِيَلَةِ كَذَا؟ فَيَقُولُ: الْتَمِسُوهَا فِي لَيْلَةِ كَذَا. فَعَلَى هَذَا تَنَوَّعَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اهـ.
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَذَكَرَ مِثْلَ مَا ذُكِرَ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ مَا يُحْفَظُ حَدِيثٌ وَرَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَلْفَاظِ النُّبُوَّةِ؟ ثُمَّ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَالذَّاهِبُونَ إِلَى سَبْعٍ وَعِشْرِينَ هُمُ الْأَكْثَرُونَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ عَلِمَ بِالتَّوْقِيتِ، وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْكَشْفِ عَنْهُ لِمَا كَانَ فِي حُكْمِ اللَّهِ الْمُبَالَغَةُ فِي تَعْمِيَتِهَا عَلَى الْعُمُومِ، لِئَلَّا يَتَّكِلُوا وَلِيَزْدَادُوا جِدًّا وَاجْتِهَادًا فِي طَلَبِهَا، وَلِهَذَا السِّرِّ أُرِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أُنْسِيَ اهـ.
стр. 2964
وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ لَا يَخْفَى مِنْ تَنَاقُضِ كَلَامِهِ الْأَخِيرِ مَقَالَهُ الْأَوَّلَ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ صَاحِبُ النُّبُوَّةِ أُنْسِيَ، فَالْعِلْمُ بِالتَّوْقِيتِ كَيْفَ أَلْغَى هَذَا إِذَا كَانَ الضَّمِيرُ فِي مِنْهُمْ لِلصَّحَابَةِ، وَإِنْ كَانَ لِلْقَوْمِ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ، فَفِي إِطْلَاقِ الْعِلْمِ عَلَى مَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنَ الْإِلْهَامِ، وَغَيْرِهِ مَحَلُّ تَوَقُّفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2965
٢٠٨٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، لَيْلَةَ الْقَدْرِ: فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٠٨٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، لَيْلَةَ الْقَدْرِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: (لَيْلَةَ الْقَدْرِ) . كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] وَلَيْسَ فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ هَذَا الضَّمِيرُ، أَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَحَذْفُهَا فِي نُسْخَةِ الْمَصَابِيحِ مِنْ تَحْرِيفِ النَّاسِخِ، فَمَحَلُّ بَحْثٍ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رِوَايَةً، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَحْرِيفًا لَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ النَّسْخُ، وَمُحْيِي السُّنَّةِ عَظِيمُ الْمَرْتَبَةِ، فَالْأَنْسَبُ نِسْبَةُ الْقُصُورِ فِي عَدَمِ الِاطِّلَاعِ إِلَيْنَا، فَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي الصَّلَاةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بِلَفْظِ: الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَرَوَى نَصْرٌ عَنْهُ: الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ آخَرَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا بِدُونِ الضَّمِيرِ عَلَى أَنَّ الْجُمْهُورَ جَوَّزُوا النَّقْلَ بِالْمَعْنَى إِذَا لَمْ يَكُنْ مُخِلًّا بِالْمَعْنَى. (فِي تَاسِعَةٍ) : بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ (تَبْقَى) : صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْعَدَدِ أَيْ: يُرْجَى بَقَاؤُهَا (وَسَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّاسِعَةَ وَالْعِشْرِينَ، وَالسَّابِعَةَ وَالْعِشْرِينَ، وَالْخَامِسَةَ وَالْعِشْرِينَ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ، تَاسِعَةٌ مِنَ الْأَعْدَادِ الْبَاقِيَةِ، وَالرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ سَابِعَةٌ مِنْهَا، وَالسَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ خَامِسَةٌ مِنْهَا. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: تَبْقَى الْأُولَى هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَالثَّانِيَةُ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَالثَّالِثَةُ لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، هَكَذَا قَالَهُ مَالِكٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا يَصِحُّ مَعْنَاهُ، وَيُوَافِقُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وِتْرًا مِنَ اللَّيَالِي إِذَا كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا، فَإِنْ كَانَ كَامِلًا، فَلَا يَكُونُ إِلَّا فِي شَفْعٍ، فَتَكُونُ التَّاسِعَةُ الْبَقِيَّةُ لَيْلَةَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَالْخَامِسَةُ الْبَاقِيَةُ لَيْلَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَالسَّابِعَةُ الْبَاقِيَةُ لَيْلَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بَعْدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا يُصَادِفُ وَاحِدٌ مِنْهُنَّ وِتْرًا، وَهَذَا عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ فِي التَّارِيخِ إِذَا جَاوَزُوا نِصْفَ الشَّهْرِ، فَإِنَّمَا يُؤَرِّخُونَ بِالْبَاقِي مِنْهُ لَا بِالْمَاضِي. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 2966
٢٠٨٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: " إِنِّي أَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفْ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، فَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي
الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ) . قَالَ: فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ إِلَى قَوْلِهِ: (فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) وَالْبَاقِي لِلْبُخَارِيِّ.
ــ
٢٠٨٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ كَذَا فِي النُّسَخِ، وَالظَّاهِرُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، وَلَعَلَّ إِفْرَادَهُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْعَشْرِ (مِنْ رَمَضَانَ) : بَيَانٌ لِلْعِشْرِ (ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ) : قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: كَانَ قِيَاسُهُ الْوُسْطَى، لِأَنَّ الْعَشْرَ مُؤَنَّثٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ، وَوَجْهُ الْأَوْسَطِ أَنَّهُ جَاءَ عَلَى لَفْظِ الْعَشْرِ فَإِنَّ لَفْظَهُ مُذَكَّرٌ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ: الْوُسُطُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ وَاسِطٍ كَبَازِلٍ وَبُذُلٍ، وَبَعْضُهُمْ بِضَمِّ الْوَاوِ وَفَتْحِ السِّينِ جَمْعُ وُسْطَى كَكُبَرٍ وَكُبْرَى اهـ. فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ الْوُسُطُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ وُسْطَى غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ فُعُلَ بِضَمَّتَيْنِ لَا يَكُونُ جَمْعًا لِفُعْلَى، بَلْ لِنَحْوِ فَاعِلٍ (فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ) : وَهِيَ قُبَّةٌ صَغِيرَةٌ مُسْتَدِيرَةٌ مِنْ لُبُودٍ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ ضُرِبَتْ فِي الْمَسْجِدِ، يُقَالُ لَهَا الْخَرْقَانُ، وَتُسَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ خَرْكَاهْ. (ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ) : بِسُكُونِ الطَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ: أَخْرَجَهُ مِنَ الْقُبَّةِ (فَقَالَ: إِنِّي اعْتَكَفْتُ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ حِكَايَةَ حَالٍ مَاضِيَةٍ تَصْوِيرًا لِلِاجْتِهَادِ فِي تَحَرِّيهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي نُسْخَةٍ: أَعْتَكِفُ (الْعَشْرَ الْأَوَّلَ أَلْتَمِسُ) : حَالٌ أَيْ: أَطْلُبُ (هَذِهِ اللَّيْلَةَ) : يَعْنِي: لَيْلَةَ الْقَدْرِ (ثُمَّ أَعْتَكِفُ) : بِالنُّسْخَتَيْنِ (الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ، وَالْمَشْهُورُ فِي الِاسْتِعْمَالِ تَأْنِيثُ الْعَشْرِ، وَتَذْكِيرُهُ أَيْضًا
стр. 2967
لُغَةٌ صَحِيحَةٌ بِاعْتِبَارِ الْأَيَّامِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ وَالزَّمَانِ، وَيَكْفِي فِي صِحَّتِهَا ثُبُوتُ اسْتِعْمَالِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ (ثُمَّ أُتِيتُ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ أَتَانِي آتٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ (فَقِيلَ لِي) : أَيْ: قَالَ لِي الْمَلَكُ (إِنَّهَا) : أَيْ: لَيْلَةَ الْقَدْرِ (فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ خُولِفَ بَيْنَ الْأَوْصَافِ فَوَصَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ وَالْأَوْسَطَ بِالْمُفْرَدِ، وَالْأُخَرَ بِالْجَمْعِ؟ قُلْتُ: تَصَوَّرَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَجَمَعَهُ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْعِشْرِينَ، (فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ) : أَيْ: أَرَادَ الِاعْتِكَافَ (مَعِي) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: مَنْ أَرَادَ مُوَافَقَتِي، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالِاعْتِكَافِ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ وَالْأَوْسَطِ لِئَلَّا يَضِيعَ سَعْيُهُمْ فِي الِاعْتِكَافِ وَالتَّحَرِّي. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ، بَلْ لِإِفْهَامِهِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَكِفًا مَعَهُ أَوْلَى، (فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ) : قِيلَ: فَائِدَةُ الْجَمْعِ هُنَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْهَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ بِخِلَافِ الْعَشْرِ الْأَوَّلِ وَالْأَوْسَطِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْأَمْرُ بِالِاعْتِكَافِ لِلدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي بَعْضِ نُسَخِ مُسْلِمٍ: فَلْيَثْبُتْ مِنَ الثُّبُوتِ، وَفِي بَعْضِهَا فَلْيَلْبَثْ مِنَ اللُّبْثِ، وَفِي أَكْثَرِهَا: فَلْيَبِتْ فِي مُعْتَكَفِهِ مِنَ الْمَبِيتِ، وَكُلُّهُ صَحِيحٌ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ ﵊ اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵊ فَقَالَ: " إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ " يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْآخِرَ، وَعَنْ هَذَا ذَهَبَ الْأَكْثَرُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْآخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، فَلَا يُدْرَى أَيَّةُ لَيْلَةٍ هِيَ، وَقَدْ تَتَقَدَّمُ أَوْ تَتَأَخَّرُ، وَعِنْدَهُمَا كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ لَا تَتَقَدَّمُ وَلَا تَتَأَخَّرُ. هَذَا النَّقْلُ عَنْهُمْ فِي الْمَنْظُومَةِ وَالشُّرُوحِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَالَ: وَفِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّهَا تَدُورُ فِي السَّنَةِ تَكُونُ فِي رَمَضَانَ، وَتَكُونُ فِي غَيْرِهِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ رِوَايَةً، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَإِنْ قَالَهُ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ عَتَقَ وَطُلِّقَتْ إِذَا انْسَلَخَ، وَإِنْ قَالَ بَعْدَ لَيْلَةٍ مِنْهُ فَصَاعِدًا لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَنْسَلِخَ رَمَضَانُ الْعَامَ الْقَابِلَ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا إِذَا جَاءَ مِثْلُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنْ رَمَضَانَ الْآتِي قَالَ: وَفِيهَا أَقْوَالٌ أُخَرُ. قِيلَ: هِيَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: تِسْعَ عَشْرَةَ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَأَجَابَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنِ الْأَدِلَّةِ الْمُفِيدَةِ لِكَوْنِهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي ذَلِكَ رَمَضَانَ الَّذِي كَانَ ﵊ الْتَمَسَهَا فِيهِ، وَالسِّيَاقَاتُ تَدُلُّ عَلَيْهِ لِمَنْ تَأَمَّلَ طُرُقَ الْأَحَادِيثِ وَأَلْفَاظِهَا، كَقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، وَإِنَّمَا كَانَ يَطْلُبُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الِاسْتِقْرَاءُ، وَمِنْ عَلَامَاتِهَا أَنَّهَا بَلْجَةٌ أَيْ مُشْرِقَةٌ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. سَاكِنَةٌ لَا حَارَّةٌ وَلَا قَارَّةٌ، تَطْلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا بِلَا شُعَاعٍ كَأَنَّهَا طُمِسَتْ، كَذَا قَالُوا. وَإِنَّمَا أُخْفِيَتْ لِيُجْتَهَدَ فِي طَلَبِهَا فَيُنَالُ بِذَلِكَ أَجْرُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ، كَمَا أَخْفَى - سُبْحَانَهُ - السَّاعَةَ لِيَكُونُوا عَلَى وَجَلٍ مِنْ قِيَامِهَا بَغْتَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَقَدْ أُرِيتُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُتَكَلِّمِ (هَذِهِ اللَّيْلَةَ) : أَيْ: مُعَيَّنَةً (ثُمَّ أُنْسِيتُهَا) : وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَوْ نُسِّيتَهَا بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ، الْمُرَادُ نِسْيَانُ تَعْيِينِهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قِيلَ: وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي نِسْيَانِهَا أَنْ لَا يَشْتَغِلَ النَّاسُ بِتَعْظِيمِهَا، وَيَتْرُكُوا تَعْظِيمَ سَائِرِ اللَّيَالِي. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْمُرَادُ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِأَنَّهَا لَيْلَةُ كَذَا، ثُمَّ أُنْسِيَ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَالْمُخْبِرُ بِذَلِكَ جِبْرِيلُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ اطَّلَعَ عَلَيْهَا فَرَآهَا فَأَمْرٌ مُحْتَمَلٌ. قُلْتُ: إِذَا كَانَ مُحْتَمَلًا فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُرَادُ، قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ الْقَفَّالَ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا، قَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَأَى مَنْ يَقُولُ لَهُ فِي النَّوْمِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَعَلَّهُ كَذَا، وَعَلَامَتُهَا كَذَا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَأَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ نَفْسَهَا لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُنْسَى أَيْ فِي صَبِيحَتِهَا. (وَقَدْ رَأَيْتُنِي) : أَيْ: فِي الْمَنَامِ، وَمِنْ خَصَائِصِ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ اتِّحَادُ فَاعِلِهَا وَمَفْعُولِهَا (أَسْجُدُ) : بِالرَّفْعِ حَالٌ، وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ أَنْ أَسْجُدَ أَيْ سَاجِدًا (فِي مَاءٍ وَطِينٍ) : أَيْ: عَلَى أَرْضٍ رَطْبَةٍ، وَلَعَلَّ أَصْلَهُ فِي مَاءٍ وَتُرَابٍ، وَسُمِّيَ طِينًا لِمُخَالَطَتِهِ بِهِ مَآلًا، وَلِلْإِيمَانِ إِلَى غَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ أَوْ لَا. وَمِنْهُ مَا رُوِيَ: كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ
стр. 2968
الطِّينِ، مَعَ مَا فِي الْآيَةِ: خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ وَفِي حَدِيثٍ قُدْسِيٍّ ( «خَمَّرْتُ طِينَةَ آدَمَ بِيَدَيَّ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» ) (مِنْ صَبِيحَتِهَا) : وَفِي الْمَصَابِيحِ: فِي صَبِيحَتِهَا أَيْ: فِي صَبِيحَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَنُسِّيتُ أَيَّةَ لَيْلَةٍ كَانَتْ. (فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) : أَيْ: مِنْ رَمَضَانَ (وَالْتَمِسُوهَا مِنْ كُلِّ وِتْرٍ) : أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْعَشْرِ فَإِنَّهُ أَرْجَى لَيَالِيهَا.
(قَالَ) : أَيْ: أَبُو سَعِيدٍ (فَمَطَرَتْ) : بِفَتْحَتَيْنِ (السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ) : أَيِ: الَّتِي أُرِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وَهُوَ بَيْتٌ سَقْفُهُ مِنْ أَغْصَانِ الشَّجَرِ، أَيْ: بُنِيَ عَلَى صَوْغِ عَرِيشٍ، وَهُوَ مَا يُسْتَظَلُّ بِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: عَلَى مِثْلِ الْعَرِيشِ، لِأَنَّ عُمُدَهُ كَانَتْ جُذُوعَ النَّخْلِ، فَلَا يَحْمِلُ ثِقَلًا عَلَى السَّقْفِ الْمَوْضُوعِ عَلَيْهَا، فَالْعَرْشُ هُوَ نَفْسُ سَقْفِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُظَلًّا بِالْجَرِيدِ، وَالْخُوصِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ شَيْءٍ آخَرَ يُكِنُّ مِنَ الْمَطَرِ الْكَثِيرِ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: فَالْعَرْشُ هُوَ نَفْسُ سَقْفِهِ، مُخَالِفٌ لِمَا فِي النِّهَايَةِ عِيدَانٌ تُنْصَبُ وَيُظَلَّلُ عَلَيْهَا. وَفِي الْقَامُوسِ: الْعَرِيشُ الْبَيْتُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ كَالْعَرْشِ، انْتَهَى. وَالْبَيْتُ جُدْرَانٌ أَرْبَعَةٌ مِنْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ خَشَبٍ. (فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ) : أَيْ: قَطَرَ سَقْفُهُ وَنَزَلَ مَاءُ الْمَطَرِ مِنْ سَقْفِهِ (فَبَصُرَتْ) : أَيْ: رَأَتْ (عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) : قِيلَ: يُقَالُ بَصُرَ بِضَمِّ الصَّادِ أَيْ: عَلِمَ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أَبُو سَعِيدٍ بِمَعْنَى أَبْصَرْتُ لَا بِمَعْنَى عَلِمْتُ، لِأَنَّهُ قَالَ: فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ، وَلَمْ يُورَدْ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ بَصُرَ بِمَعْنَى رَأَى فَلَعَلَّهُ عَلَى حَذْفِ الزَّوَائِدِ اهـ.
يَعْنِي: أَنَّ الْبَصَرَ هُنَا بِمَعْنَى الْإِبْصَارِ، كَمَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا﴾ [طه: ٩٦] أَيْ: عَلِمْتُ أَوْ رَأَيْتُ. (وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ مِثْلُ قَوْلِكَ: أَخَذْتُ بِيَدَيْ وَنَظَرْتُ بِعَيْنِي، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي أَمْرٍ يَعِزُّ الْوُصُولُ إِلَيْهِ إِظْهَارًا لِلتَّعَجُّبِ مِنْ حُصُولِ تِلْكَ الْحَالِ الْغَرِيبَةِ، وَمِنْ ثَمَّ أَوْقَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَفْعُولًا وَعَلَى جَبْهَتِهِ حَالًا مِنْهُ، وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: رَأَيْتُ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: كَانَ الْحُمَيْدِيُّ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ لِلْمُصَلِّي أَنْ لَا يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا لَا يَمْنَعُ مُبَاشَرَةَ بَشَرَةِ الْجَبْهَةِ لِلْأَرْضِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَصَانَهَا عَنِ الطِّينِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ كَيْفَ يَصُونُهَا عَنْهُ، وَسُجُودُهَا عَلَيْهِ جُعِلَ عَلَامَةً لَهُ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ جَعَلَهُ عَلَّامَةً لَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ صِيَانَةِ الْجَبْهَةِ بِكُورِ عِمَامَةٍ أَوْ كُمٍّ أَوْ ذَيْلٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُرَادُ الْبَغَوِيِّ، وَإِلَّا فَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِي أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْجَبْهَةِ وَاجِبٌ.
قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: وَفِيهِ أَنَّ مَا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَنَامِ قَدْ يَكُونُ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ يَرَى مِثْلَهُ فِي الْيَقَظَةِ (مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ) : يَعْنِي اللَّيْلَةَ الَّتِي رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ هِيَ لَيْلَةُ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، كَذَا قِيلَ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ (مِنْ) . بِمَعْنَى (فِي) وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: فَبَصُرَتْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ إِلَى قَوْلِهِ: فَقِيلَ لِي: أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَالْبَاقِي لِلْبُخَارِيِّ) : أَيْ: لَفْظًا.
стр. 2969
٢٠٨٧ - وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: ( «لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٠٨٧ - (وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ) : مُصَغَّرًا كَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، وَوَقَعَ فِي أَصْلِ الطِّيبِيِّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ، وَلِذَا قَالَ: وَلَوْ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ لَكَانَ أَوْلَى، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدِيثٍ آخَرَ، بَلْ رِوَايَةٌ أُخْرَى، وَالِاخْتِلَافُ فِي زِيَادَةِ لَيْلَةٍ، وَاخْتِلَافُ الْعَدَدِ بِأَنَّهُ سَبْعٌ أَوْ إِحْدَى وَعِشْرُونَ. (قَالَ: لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ) : بِجَرِّ لَيْلَةٍ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِوَضٌ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ هِيَ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، لِأَنَّهُ أَمَرَهُ ﵊ بِقِيَامِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلَيْلَةٌ مَرْفُوعَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : أَيْ: تِلْكَ الرِّوَايَةُ.
стр. 2970
٢٠٨٨ - وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: «سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَالَ ﵀ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ بِالْعَلَامَةِ أَوْ بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ، لَا شُعَاعَ لَهَا» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٠٨٨ - (وَعَنْ زِرِّ) بِكَسْرِ الزَّاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (بْنِ حُبَيْشٍ) مُصَغَّرًا (قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) أَيْ أَرَدْتُ سُؤَالَهُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ (فَقُلْتُ) وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَقُلْتُ بَدَلٌ مِنْ سَأَلْتُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِوُجُودِ الْفَاءِ، عَلَى خِلَافٍ فِي جَوَازِ بَدَلِ الْفِعْلِ، ثُمَّ مِنَ الْقَرِيبِ أَنَّهُ قَالَ: وَعَجِيبٌ مِنْ قَوْلِ شَارِحِ الْمَعْنَى أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ فَقُلْتُ عَلَى حَدِّ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨] إِذْ لَا حَاجَةَ لَمَّا قَدَّرَهُ، وَلَيْسَتِ الْآيَةُ نَظِيرَةً لِمَا نَحْنُ فِيهِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ خَطَأٌ فَاحِشٌ مِنْهُ، وَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ قَوْلَهُ - تَعَالَى - ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وَاللَّهُ أَعْلَمُ (إِنَّ أَخَاكَ) أَيْ فِي الدِّينِ وَالصُّحْبَةِ (ابْنَ مَسْعُودٍ) بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ (يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ) أَيْ مَنْ يَقُمْ لِلطَّاعَةِ فِي بَعْضِ سَاعَاتِ كُلِّ لَيَالِي السَّنَةِ (يُصِبْ) أَيْ يُدْرِكْ (لَيْلَةَ الْقَدْرِ) أَيْ يَقِينًا لِلْإِبْهَامِ فِي تَبْيِينِهَا، وَلِلِاخْتِلَافِ فِي تَعْيِينِهَا، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ عَنْ إِمَامِنَا، إِذْ قَضِيَّتُهُ أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِرَمَضَانَ فَضْلًا عَنْ عَشْرِهِ الْأَخِيرِ، فَضْلًا عَنْ أَوْتَارِهِ، فَضْلًا عَنْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ (فَقَالَ) أَيْ أُبَيٌّ ﵀ دُعَاءٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ (أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ) أَيْ لَا يَعْتَمِدُوا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الصَّحِيحُ الْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ الَّذِي مَبْنَى الْفَتْوَى عَلَيْهِ فَلَا يَقُومُوا إِلَّا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَيَتْرُكُوا قِيَامَ سَائِرِ اللَّيَالِي، فَيَفُوتُ حِكْمَةُ الْإِبْهَامِ الَّذِي نَسِيَ سَبَبَهَا ﷺ (أَمَا) التَّخْفِيفُ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُ) بِالْكَسْرِ أَيِ ابْنَ مَسْعُودٍ أَوَّلًا (قَدْ عَلِمَ) بِطَرِيقِ الظَّنِّ، وَلَفْظُهُ أَمَا إِنَّهُ سَاقِطٌ مِنْ نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِلْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ (أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ) أَيْ مُجْمَلًا (وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ) أَيْ غَالِبًا (وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ) أَيْ عَلَى الْأَغْلَبِ (ثُمَّ حَلَفَ) أَيْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ (لَا يَسْتَثْنِي) حَالٌ أَيْ حَلَفَ حَلِفًا حَازِمًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ عُقَيْبَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْحَالِفُ: لَأَفْعَلَنَّ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، أَوْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ، وَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ جَزْمُ الْحَالِفِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، يُقَالُ حَلَفَ فُلَانٌ يَمِينًا لَيْسَ فِيهَا ثَنْيٌ وَلَا ثَنْوٌ وَلَا ثَنْيَةٌ وَلَا اسْتِثْنَاءٌ كُلُّهَا وَاحِدٌ وَأَصْلُهَا مِنَ الثَّنْيِ وَهُوَ الْكَفُّ وَالرَّدُّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَالِفَ إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ غَيْرَهُ، فَقَدْ رَدَّ انْعِقَادَ ذَلِكَ الْيَمِينِ، فَإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ جَزَمَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِلَيْلَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَحَمَلَ كَلَامَ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الْعُمُومِ مَعَ إِرَادَةِ الْخُصُوصِ، فَهَلْ هُوَ إِخْبَارٌ عَنِ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فَإِنَّ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ تَنَافِيًا؟ قُلْتُ: لَا، إِذَا ذَهَبَ إِلَى التَّعْرِيضِ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ فِي سَارَّةَ أُخْتِي تَعْرِيضًا بِأَنَّهَا أُخْتُهُ فِي الدِّينِ اهـ وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ التَّعْرِيضِ فَتَعْرِضُ لِمَا عَرَضْنَا (إِنَّهَا) مَفْعُولُ حَلَفَ أَيْ إِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ (لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقُلْتُ) أَيْ لَهُ (بِأَيِّ شَيْءٍ) مِنَ الْأَدِلَّةِ (تَقُولُ ذَلِكَ) أَيِ الْقَوْلَ (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟) كُنْيَةٌ لِكَعْبٍ (قَالَ: بِالْعَلَامَةِ أَوْ بِالْآيَةِ) أَوْ لِلشَّكِّ أَيْ بِالْأَمَارَةِ (الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا) وَفِي نُسْخَةٍ بِالْكَسْرِ أَيْ أَنَّ الشَّمْسَ (تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ) أَيْ يَوْمَ إِذٍ تَكُونُ تِلْكَ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ: أَنَّهَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ الْبَيْضَاءُ فَضَمِيرُ أَنَّهَا لِلْقِصَّةِ (لَا شُعَاعَ لَهَا) وَهَذَا دَلِيلٌ أَظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ عَلَى مَا قُلْنَا إِنَّ عِلْمَهُ ظَنِّيٌّ لَا قَطْعِيٌّ حَيْثُ بَنَى اجْتِهَادَهُ عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ لَا شُعَاعَ لَهَا، وَقَدْ رَأَيْتُهَا صَبِيحَةَ لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ طَلَعَتْ كَذَلِكَ، إِذْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا إِلَّا بِانْضِمَامِهِ إِلَى كَلَامِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالشُّعَاعُ هُوَ مَا يُرَى مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ عِنْدَ حُدُورِهَا مِثْلُ الْجِبَالِ وَالْقُضْبَانُ مُقْبِلَةٌ إِلَيْكَ كُلَّمَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا، قِيلَ: مَعْنَى لَا شُعَاعَ لَهَا لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِهَا وَتَرَدُّدِهَا فِي لَيْلَتِهَا وَنُزُولِهَا إِلَى الْأَرْضِ وَصُعُودِهَا تَسْتُرُ بِأَجْنِحَتِهَا وَأَجْسَامِهَا اللَّطِيفَةِ ضَوْءَ الشَّمْسِ اهـ وَفِيهِ أَنَّ الْأَجْسَامَ اللَّطِيفَةَ لَا تَسْتُرُ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ الْكَثِيفَةِ، نَعَمْ لَوْ قِيلَ: غَلَبَ نُورُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ضَوْءَ الشَّمْسِ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ الزَّمَانِيَّةِ مُبَالَغَةً فِي إِظْهَارِ أَنْوَارِهَا الرَّبَّانِيَّةِ لَكَانَ وَجْهًا وَجِيهًا وَتَنْبِيهًا نَبِيهًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفَائِدَةُ كَوْنِ هَذَا عَلَّامَةً مَعَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُوجَدُ بَعْدَ انْقِضَاءِ اللَّيْلَةِ لِأَنَّهُ يُسَنُّ إِحْيَاءُ يَوْمِهَا كَمَا يُسَنُّ إِحْيَاءُ لَيْلِهَا اهـ وَفِي قَوْلِهِ: يُسَنُّ إِحْيَاءُ يَوْمِهَا نَظَرٌ يَحْتَاجُ إِلَى أَثَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ فَائِدَةَ الْعَلَامَةِ أَنْ يَشْكُرَ عَلَى حُصُولِ تِلْكَ النِّعْمَةِ إِنْ قَامَ بِخِدْمَةِ اللَّيْلَةِ، وَإِلَّا فَيَتَأَسَّفُ عَلَى مَا قَالَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَيَتَدَارَكُ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْ عَلَامَةً فِي أَوَّلِ لَيْلِهَا إِبْقَاءً لَهَا عَلَى إِبْهَامِهَا، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ - أَعْلَمُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2971
٢٠٨٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٠٨٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» ) أَيْ يُبَالِغُ فِي طَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِيهَا، كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِي زِيَادَةِ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ (مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْعَشْرِ، رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِيهِ أَوْ لِلِاغْتِنَامِ فِي أَوْقَاتِهِ وَالِاهْتِمَامِ فِي طَاعَتِهِ وَحُسْنِ الِاخْتِتَامِ فِي بَرَكَاتِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 2972
٢٠٩٠ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٠٩٠ - (وَعَنْهَا) أَيْ عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ) أَيِ الْأُخَرُ فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ التَّصْرِيحُ بِالْأَخِيرِ (شَدَّ مِئْزَرَهُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ إِزَارِهِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْقَصْدِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَى فِعْلٍ شَاقٍّ مُهِمٍّ كَتَشْمِيرِ الثَّوْبِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ زِيَادَةُ: وَاعْتَزَلَ النِّسَاءَ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّدِّ الْمُبَالَغَةُ فِي الْجِدِّ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قِيلَ: مَعْنَى شَدَّ الْمِئْزَرَ الِاجْتِهَادُ فِي الْعِبَادَاتِ زِيَادَةً عَلَى عَادَتِهِ ﷺ فِي غَيْرِهِ، وَمَعْنَاهُ التَّشْمِيرُ فِي الْعِبَادَةِ، يُقَالُ: شَدَدْتُ فِي هَذَا الْأَمْرِ مِئْزَرِي أَيْ تَشَمَّرْتُ لَهُ وَتَفَرَّغْتُ، وَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اعْتِزَالِ النِّسَاءِ وَتَرْكِ النِّكَاحِ، وَدَوَاعِيهِ وَأَسْبَابِهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّشْمِيرِ لِلْعِبَادَةِ وَالِاعْتِزَالِ مِنَ النِّسَاءِ مَعًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ أَنَّ الْكِنَايَةَ لَا تُنَافِي إِرَادَةَ الْحَقِيقَةِ، كَمَا إِذَا قُلْتَ: فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ، وَأَرَدْتَ طُولَ نِجَادِهِ مَعَ طُولِ قَامَتِهِ، كَذَلِكَ ﷺ لَا يُسْتَعْبَدُ أَنْ يَكُونَ قَدْ شَدَّ مِئْزَرَهُ ظَاهَرًا، وَتَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ، وَاشْتَغَلَ بِهَا عَنْ غَيْرِهَا، وَإِلَيْهِ يَرْمُزُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
دَنَيْتُ لِلْمَجْدِ وَالسَّاعُونَ قَدْ بَلَغُوا ... جُهْدَ النُّفُوسِ وَأَلْقَوْا حَوْلَهُ الْأُزُرَا
اهـ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ اللَّفْظَ حُمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ الْمُمْكِنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَرْطُ ذَلِكَ إِرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ لَهُمَا مَعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَنَا، وَمَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ شَدِّ الْإِزَارِ حَقِيقَةً بَعِيدٌ عَنِ الْمُرَادِ كَمَا لَا يَخْفَى (وَأَحْيَا لَيْلَهُ) أَيْ غَالِبَهُ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيِ اسْتَغْرَقَ بِالسَّهَرِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا: يُكْرَهُ قِيَامُ كُلِّ اللَّيْلِ فَمَعْنَاهُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُولُوا بِكَرَاهَةِ لَيْلَةٍ أَوْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ عَشْرٍ اهـ وَلَا يَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ مَبْنَاهُ، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّمَا حَمَلْنَا اللَّيْلَ عَلَى غَالِبِهِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ مَا سَهَرَ جَمِيعَ اللَّيْلِ كُلِّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَ: وَاتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ إِحْيَاءِ لَيَالِيِ الْعِيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، قُلْتُ: يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى إِحْيَاءِ أَكْثَرِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي إِحْيَاءِ اللَّيْلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهَا رَاجِعٌ إِلَى نَفْسِ الْعَابِدِ، فَإِنَّ الْعَابِدَ إِذَا اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ عَنِ النَّوْمِ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا نَفْسَهُ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وَثَانِيهُمَا أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى نَفْسِ اللَّيْلِ فَإِنَّ لَيْلَهُ لَمَّا صَارَ بِمَنْزِلَةِ نَهَارِهِ فِي الْقِيَامِ فِيهِ كَانَ أَحْيَاهُ وَزَيَّنَهُ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠] فَمَنِ اجْتَهَدَ فِيهِ وَأَحْيَاهُ كُلَّهُ وَفَّرَ نَصِيبَهُ مِنْهَا، وَمَنْ قَامَ فِي بَعْضِهِ أَخَذَ نَصِيبَهُ بِقَدْرِ مَا قَامَ فِيهَا، وَإِلَيْهِ لَمَّحَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بِقَوْلِهِ: مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَقَدْ أَخَذَ حَظَّهُ مِنْهَا اهـ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ: لَكِنْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ» "، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا، " «وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ لَيْلَةٍ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا، وَهُوَ يُحْتَمَلُ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ أَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِانْضِمَامِ الْعِشَاءِ كَإِحْيَاءِ اللَّيْلِ كُلِّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصُّبْحُ مَزِيَّةً عَلَى الْعِشَاءِ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِيهِ أَصْعَبُ وَأَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أَيْ أَمَرَ بِإِيقَاظِهِمْ فِي بَعْضِ أَوْقَاتِهِ لِلْعِبَادَةِ وَطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢] وَإِنَّمَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُعْتَكِفًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2973
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٢٠٩١ - «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: " اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعَفُ عَنِّي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٢٠٩١ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبَرَنِي (إِنْ عَلِمْتُ) جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ (أَيُّ لَيْلَةٍ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَالْجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ لَعَلِمْتُ تَعْلِيقًا، قِيلَ: الْقِيَاسُ أَيَّةُ لَيْلَةٍ فَذُكِرَ بِاعْتِبَارِ الزَّمَانِ كَمَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " أَيُّ أَيَّةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ "، بِاعْتِبَارِ الْكَلَامِ وَاللَّفْظِ (مَا أَقُولُ) مُتَعَلِّقٌ بِأَرَأَيْتَ (فِيهَا) أَيْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَا أَقُولُ فِيهَا جَوَابُ الشَّرْطِ، وَكَانَ حَقُّ الْجَوَابِ أَنْ يُؤْتَى بِالْفَاءِ، وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ، أَقُولُ: شَرْطُ صِحَّةِ الْحَدِيثِ الضَّبْطُ وَالْحِفْظُ، فَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى السَّقْطِ وَالْغَلَطِ، وَالْمَدَارُ عَلَى الرِّوَايَةِ لَا عَلَى الْكِتَابَةِ، أَمَا تَرَى نَظِيرَهُ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ: " أَمَّا بَعْدُ مَا بَالُ رِجَالٍ ". . . الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا " وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَافُوا " نَعَمْ حَذْفُ الْفَاءِ قَلِيلٌ وَالْأَكْثَرُ وَجُودُهَا فِي اللُّغَةِ وَالْكُلُّ جَائِزٌ (قَالَ: قُولِي: " اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفْوٌ ") أَيْ كَثِيرُ الْعَفْوِ " تُحِبُّ الْعَفْوَ " أَيْ ظُهُورَ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: " مَا سَأَلَ اللَّهَ الْعِبَادُ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ وَيُعَافِيَهُمْ " " فَاعْفُ عَنِّي " فَإِنِّي كَثِيرُ التَّقْصِيرِ، وَأَنْتَ أَوْلَى بِالْعَفْوِ الْكَثِيرِ، فَهَذَا دُعَاءٌ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، حَازَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلِذَا خَلَقْتَ الْمُذْنِبِينَ، أَوْ تُحِبُّ هَذِهِ الصِّفَةَ مِنْ غَيْرِكَ أَيْضًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
стр. 2974
٢٠٩٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الْتَمِسُوهَا - يَعْنَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ - فِي تِسْعٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ فِي خَمْسٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٢٠٩٢ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الْتَمِسُوهَا " يَعْنَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ) تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ مِنَ الرَّاوِي " فِي تِسْعٍ " أَيْ تِسْعِ لَيَالٍ " يَبْقَيْنَ " بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْقَافِ وَهِيَ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ " أَوْ فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ " وَهِيَ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ " أَوْ فِي خَمْسٍ يَبْقَيْنَ " وَهِيَ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ " أَوْ ثَلَاثٍ " أَيْ يَبْقَيْنَ وَهِيَ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ " أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ " مِنْ رَمَضَانَ أَيْ مِنْ سَلْخِ الشَّهْرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ التِّسْعُ أَوِ السَّلْخُ، رَجَّحْنَا الْأَوَّلَ بِقَرِينَةِ الْأَوْتَارِ، وَقَالَ مِيرَكُ: قِيلَ: فِي تِسْعٍ يَبْقَيْنَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّامِنَةِ وَالْعِشْرِينَ، (وَآخِرِ لَيْلَةٍ) مَحْمُولٌ عَلَى التَّاسِعَةِ وَالْعِشْرِينَ اهـ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا نَقَصَ الشَّهْرُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 2975
٢٠٩٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ: " هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: رَوَاهُ سُفْيَانُ وَشُبْعَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَوْقُوفًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
ــ
٢٠٩٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أَهِيَ فِي كُلِّ السَّنَةِ أَوْ فِي رَمَضَانَ، أَوْ أَهَيِ كُلَّ رَمَضَانَ، أَوْ فِي هَذَا بِخُصُوصِهِ وَيُؤَيِّدُهُ (قَالَ: " هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ ") قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ بَلْ كُلُّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ أَحَدٌ لِامْرَأَتِهِ فِي نِصْفِ رَمَضَانَ أَوْ أَقَلِّ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، لَا تُطَلَّقُ حَتَّى يَأْتِيَ رَمَضَانُ السَّنَةَ الْمُقْبِلَةَ فَتُطَلَّقُ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي عُلِّقَ فِيهَا الطَّلَاقُ اهـ وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُصَوِّرَ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ، أَوْ يَزِيدُ بَعْدَ قَوْلِهِ (أَوْ أَقَلَّ، قَوْلَهُ: أَوْ أَكْثَرَ) ثُمَّ هَذَا التَّفْرِيعُ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ: وَلَيْسَ أَصْلُ الْحَدِيثِ نَصًّا فِي الْمَقْصُودِ لِلِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلِلِاخْتِلَافِ فِي رَفْعِ الْحَدِيثِ، وَوَقْفِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا وَاقِعَةٌ فِي كُلِّ رَمَضَانَ مِنَ الْأَعْوَامِ فَتَخْتَصُّ بِهِ فَلَا تَتَعَدَّى إِلَى سَائِرِ الشُّهُورِ، وَثَانِيهُمَا أَنَّهَا وَاقِعَةٌ فِي كُلِّ أَيَّامِ رَمَضَانَ فَلَا تَخْتَصُّ بِالْبَعْضِ الَّذِي هُوَ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ، لِأَنَّ الْبَعْضَ فِي مُقَابَلَةِ الْكُلِّ فَلَا يُنَافِي وُقُوعَهَا فِي سَائِرِ الْأَشْهُرِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ، وَيَتَفَرَّعَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي مَا إِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِدُخُولِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَمَا دُوَنَهَا إِلَى السَّلْخِ، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إِلَّا فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي عُلِّقَ الطَّلَاقُ فِيهِ بِخِلَافِ غُرَّةِ اللَّيْلَةِ الْأُولَى فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ فِي السَّلْخِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ مَرْفُوعًا (وَقَالَ) أَيْ أَبُو دَاوُدَ (رَوَاهُ سُفْيَانُ) أَيِ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَوِ الثَّوْرِيُّ (وَشُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ) .
стр. 2976
٢٠٩٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي بَادِيَةً أَكُونُ فِيهَا وَأَنَا أُصَلِّي فِيهَا فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ أَنْزِلُهَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: " انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ "، فَقِيلَ لِابْنِهِ: كَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ وَجَدَ دَابَّتَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَلَحِقَ بِبَادِيَتِهِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٠٩٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ) بِالتَّصْغِيرِ مُخَفَّفًا (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي بَادِيَةً أَكُونُ) أَيْ سَاكِنًا (فِيهَا) قَالَ مِيرَكُ: الْمُرَادُ بِالْبَادِيَةِ دَارُ إِقَامَةٍ بِهَا، فَقَوْلُهُ إِنَّ لِي بَادِيَةً أَيْ إِنَّ لِي دَارًا بِبَادِيَةٍ أَوْ بَيْتًا أَوْ خَيْمَةً هُنَاكَ وَاسْمُ تِلْكَ الْبَادِيَةِ الْوَطَاءَةُ (وَأَنَا أُصَلِّي فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أَعْتَكِفَ، وَفِيهِ أَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ بِدُونِ الصَّوْمِ، وَهُوَ إِنَّمَا كَانَ يَنْزِلُ فِي اللَّيْلِ وَيَخْرُجُ فِي الصُّبْحِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ إِدْرَاكَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ (فَمُرْنِي) أَمَرَ مِنْ أَمْرٍ مُخَفَّفًا (بِلَيْلَةٍ) زَادَ فِي الْمَصَابِيحِ: مِنْ هَذَا الشَّهْرِ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ (أَنْزِلُهَا) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ، وَقِيلَ: بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، أَيْ أَنْزِلْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ النُّزُولِ بِمَعْنَى الْحُلُولِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَنْزِلْ فِيهَا قَاصِدًا أَوْ مُنْتَهِيًا (إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ) إِشَارَةٌ إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَلَعَلَّهُ قَصَدَ حِيَازَةَ فَضِيلَتَيِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ (فَقَالَ: " انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ) لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ لَزِمَ تَعْيِينُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، إِذَا ثَبَتَ أَنَّ نُزُولَهُ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَلَا مَحِيصَ عَنْهُ إِلَّا بِالْقَوْلِ بِانْتِقَالِهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ، أَوْ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، أَوْ فِي كُلِّ عَشْرٍ، أَوْ يَكُونُ الْجَوَابُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، أَوْ يُقَالُ: نُزُولُهُ كَانَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَالتَّخْصِيصُ بِتِلْكَ اللَّيْلَةِ لِمُنَاسَبَةِ مَكَانِ السَّائِلِ أَوْ حَالِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قِيلَ لَابْنِهِ) أَيْ ضَمْرَةَ (كَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَصْنَعُ؟) أَيْ فِي نُزُولِهِ (قَالَ: كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ) أَيْ يَوْمَ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ (فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ) أَيْ مِنَ الْحَاجَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ اغْتِنَامًا لِلْخَيْرَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ أَوْ لِحَاجَةٍ غَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَّةٍ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا، وَوَجْهُ الْغَرَابَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَإِنَّهُ إِذَا أُرِيدَ بِالْحَاجَةِ الضَّرُورَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ فَلَا يَسْتَقِيمُ، وَإِذَا أُرِيدَ بِالْحَاجَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا يَنْتَظِمُ ثُمَّ قَالَ مُسْتَشْعِرًا لِلِاعْتِرَاضِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ: وَقَوْلُهُ لِحَاجَةٍ يُحْتَمَلُ بَقَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ وَيَبْقَى وَضَوْءُهُ مِنَ الْعَصْرِ، وَأَنْ يُرِيدَ بِهَا مَا عَدَا حَاجَةَ الْإِنْسَانِ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَصْبِرُ عَنْهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ إِلَّا فِي حَاجَةٍ أَيْ مَعْهُودَةٍ، إِذِ التَّنْكِيرُ قَدْ يَكُونُ لِلْعَهْدِ وَهِيَ أَحَدُ ذَيْنِكَ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّ (لِحَاجَةٍ) فِي الْأُولَى الْمُرَادُ بِهَا غَيْرُ ذَيْنِكَ، وَإِلَّا لِحَاجَةٍ فِي الثَّانِيَةِ الْمُرَادُ بِهَا هُمَا، بِخِلَافِهِ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ ; فَإِنَّ بَيْنَهُمَا تَنَافِيًا، وَضَرُورَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ الْمُتَنَافِيَتَيْنِ يُعَيِّنُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِي دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ اهـ وَهُوَ تَطْوِيلٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ بِالتَّنْكِيرِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي تَعْلِيلِهِ بِمَعْنَى اللَّامِ، فَلَا تَنَافِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ إِلَّا بِاعْتِبَارِ وُجُودٍ إِلَّا وَعَدَمِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَالْمَصَابِيحِ: فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا فِي حَاجَةٍ، وَالتَّنْكِيرُ فِي حَاجَةٍ لِلتَّنْوِيعِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلِاعْتِكَافِ كَمَا سَيَجِيءُ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ، فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَعَلَى الثَّانِي فَلَا يَخْرُجُ إِلَّا فِي حَاجَةٍ يَضْطَرُّ إِلَيْهَا الْمُعْتَكِفُ اهـ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاعْتِكَافُ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوْ عَلَى الِاعْتِكَافِ النَّفْلِيِّ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهُ (حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ وَجَدَ دَابَّتَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَلَحِقَ بِبَادِيَتِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ: بَادِيَتَهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ مِنْ طَرِيقِ ضَمْرَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ، وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَحَدِيثُهُ يَصِحُّ إِذَا صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ، وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
стр. 2977
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٠٩٥ - عَنْ عُبَادَةَ بْن ِ الصَّامِتِ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: " خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٠٩٥ - (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تَنَازَعَ وَتَخَاصَمَ (رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قِيلَ: هُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَيْ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا الَّتِي كَانَتْ فِي الدَّيْنِ الَّذِي لِلْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي فَأَمَرَهُ ﷺ بِوَضْعِ شَطْرِ دَيْنِهِ عَنْهُ فَوَضَعَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ (فَقَالَ: " «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ» ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تَعْيِينًا عَنْ خَاطِرِي فَنَسِيتُ تَعْيِينَهَا لِاشْتِغَالِي بِالْمُتَخَاصِمَيْنِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَاتَهَا رُفِعَتْ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الشِّيعَةِ، إِذْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ الْآتِي " فَالْتَمِسُوهَا "، بَلْ مَعْنَاهُ: فَرُفِعَتْ مَعْرِفَتُهَا الَّتِي يُسْتَنَدُ إِلَيْهَا إِخْبَارُ " وَعَسَى أَنْ يَكُونَ " أَيِ الْإِبْهَامُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ الرَّفْعُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ رَفْعُهَا، وَلَكِنْ فِيهِ إِبْهَامٌ " خَيْرًا لَكُمْ " حَيْثُ يَحُثُّكُمْ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي جَمِيعِ لَيَالِي الْأَيَّامِ، وَيُخَلِّصُكُمْ عَنِ الْغُرُورِ وَالْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ بَيْنَ الْأَنَامِ، وَقَدِ اسْتَنْبَطَ السُّبْكِيُّ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يُسَنُّ كَتْمُهَا لِمَنْ رَآهَا، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدَّرَ لِنَبِيِّهِ أَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِهَا، وَالْخَبَرُ كُلُّهُ فِيمَا قَدَّرَهُ لَهُ، فَيُسْتَحَبُّ اتِّبَاعُهُ فِي ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي هَذَا الْأَخْذِ وَقْفَةٌ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى عَيْنِهَا، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ: إِنَّهَا تَكُونُ فِي لَيْلَةِ كَذَا، ثُمَّ أُنْسِيَ هَذَا، فَالَّذِي أُنْسِيَهُ لَيْسَ لِلِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَا يَنْسَى، بَلْ عَلِمَ عَيْنَهَا كَمَا تَقَرَّرَ اهـ وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى عَيْنِهَا جَرَاءَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمِنْ أَيْنَ لَهُ الِاطِّلَاعُ أَوَّلًا وَآخِرًا؟ ثُمَّ إِنَّمَا يَكُونُ الِاسْتِنْبَاطُ وَالْأَخْذُ بِالْمُقَايَسَةِ عِنْدَ عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى عَيْنِهَا، بَلْ فِي نِسْيَانِ مَعْرِفَتِهَا، وَإِلَّا فَالْمُتَابَعَةُ عَلَى تَقْدِيرِ الِاطِّلَاعِ لِأَمْرِهِ بِالْإِخْفَاءِ، فَمِنْ أَيْنَ لِغَيْرِهِ الِاطِّلَاعُ الْمَجْزُومُ بِهَا؟ فَإِنَّ طَرِيقَ الْكَشْفِ ظَنِّيٌّ، وَوَجْهُ الْعَلَامَاتِ الظَّاهِرَةِ فِيهَا غَيْرُ قَطْعِيٍّ، مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ، كَذَلِكَ فَيَسْتَوِي حِينَئِذٍ إِخْبَارُهُ وَإِخْفَاؤُهُ، وَمَعَ هَذَا كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ يُسَنُّ كَتْمُهَا، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. " فَالْتَمِسُوهَا " أَيْ فَبَالِغُوا فِي الْتِمَاسِهَا لَعَلَّكُمْ تَجِدُونَهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْتَمِسُوا وُقُوعَهَا فَلَا يُنَافِي رَفْعَ عِلْمِ عَيْنِهَا اهـ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِالْتِمَاسِ وُقُوعِهَا كَمَا لَا يَخْفَى إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهَا بِالْتِمَاسِهَا، وَلَا يَتَخَلَّفُ وُقُوعُهَا عَنْ عَدَمِ الْتِمَاسِهَا، ثُمَّ قَوْلُهُ ﷺ " الْتَمِسُوهَا " يَدُلُّ عَلَى رَفْعِ عَيْنِهَا، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ غَيْرِ صَحِيحٍ، لِيُفَرِّعَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فَلَا يُنَافِي رَفْعَ عِلْمِ عَيْنِهَا، فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ تَكَرَّرَ الزَّلَلُ، ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّهُ تَبِعَ الطِّيبِيَّ فَوَقَعَ فِيمَا وَقَعَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: رُفِعَتْ مَعْرِفَةُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِتَلَاحِي النَّاسِ، أَقُولُ: لَعَلَّ مُقَدِّرَ الْمُضَافِ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ رَفْعَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَسْبُوقٌ بِوُقُوعِهَا وَحُصُولِهَا، فَإِذَا حَصَلَتْ لَمْ يَكُنْ لِرَفْعِهَا بِمَعْنًى، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِرَفْعِهَا أَنَّهَا شُرِّعَتْ أَنْ تَقَعَ فَلَمَّا تَلَاحَا ارْتَفَعَتْ، فَنَزَلَ الشُّرُوعُ مَنْزِلَةَ الْوُقُوعِ، وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ فَالْتَمِسُوهَا أَيِ الْتَمِسُوا وُقُوعَهَا لَا مَعْرِفَتَهَا اهـ. وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِلَعَلَّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ ارْتِفَاعُ عَيْنِهَا، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْحَقُّ نَقْلًا وَعَقْلًا، إِذِ الْمُلَاحَاةُ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِنِسْيَانِ مَعْرِفَةِ شَيْءٍ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِارْتِفَاعِ وُقُوعِ شَيْءٍ، وَأَيْضًا إِذَا شَرَعَ فِي الْوُقُوعِ ثُمَّ ارْتَفَعَ لَا يَكُونُ مِمَّا يُنْسَى، مَعَ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْوُقُوعِ مِمَّا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ مِنَ الْمَعْنَى، ثُمَّ قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ " فَالْتَمِسُوهَا " أَيِ الْتَمِسُوا وُقُوعَهَا لَا مَعْرِفَتَهَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ عَلَى أَصْلِهِ، فَتَدَبَّرْ " فِي التَّاسِعَةِ " أَيِ الْبَاقِيَةِ، وَهِيَ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ فِي التَّاسِعَةِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، وَهِيَ لَيْلَةُ الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرُونَ " وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ " عَلَى مَا تَقَدَّمَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 2978
٢٠٩٦ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ فِي كُبْكُبَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُصَلُّونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ اللَّهَ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدِهِمْ - يَعْنِي يَوْمَ فِطْرِهِمْ - بَاهَى بِهِمْ مَلَائِكَتَهُ، فَقَالَ: يَا مَلَائِكَتِي مَا جَزَاءُ أَجِيرٍ وَفَّى عَمَلَهُ؟ قَالُوا: رَبَّنَا جَزَاؤُهُ أَنْ يُوَفَّى أَجْرَهُ، قَالَ: مَلَائِكَتِي، عَبِيدِي وَإِمَائِي قَضَوْا فَرِيضَتِي عَلَيْهِمْ ثُمَّ خَرَجُوا يَعُجُّونَ إِلَى الدُّعَاءِ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكَرَمِي وَعُلُوِّي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لَأُجِيبَنَّهُمْ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَبَدَّلْتُ سَيِّئَاتِكُمْ حَسَنَاتٍ "، قَالَ: " فَيَرْجِعُونَ مَغْفُورًا لَهُمْ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
٢٠٩٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ ﵊ فِي كُبْكُبَةٍ ") بِضَمَّتَيْنِ، وَقِيلَ: بِفَتْحَتَيْنِ جَمَاعَةٌ مُتَضَامَّةٌ مِنَ النَّاسِ، وَغَيْرِهِمْ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ " مِنَ الْمَلَائِكَةِ " فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤] وَإِيمَاءٌ إِلَى تَفْسِيرِ الرُّوحِ بِجِبْرِيلَ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ الْمُشْعِرِ بِتَعْظِيمِهِ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ تَقْدِيمِهِ فِي الْحَدِيثِ وَتَأْخِيرِهِ فِي الْآيَةِ " يُصَلُّونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ "، أَيْ يَدْعُونَ لِكُلِّ عَبْدٍ بِالْمَغْفِرَةِ، أَوْ يُثْنُونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ بِالثَّنَاءِ الْجَمِيلِ " قَائِمٍ " كَمُصَلٍّ وَطَائِفٍ وَغَيْرِهِمَا " أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ اللَّهَ " صِفَةً لِكُلٍّ " فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدِهِمْ "، أَيْ وَقْتَ اجْتِمَاعِ أَسْيَادِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ " يَعْنِي يَوْمَ فِطْرِهِمْ " احْتِرَازًا مِنْ عِيدِ الْأَضْحَى " بَاهَى "، أَيِ اللَّهُ - تَعَالَى - " بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ " فِي النِّهَايَةِ: الْمُبَاهَاةُ الْمُفَاخَرَةُ، وَالسَّبَبُ فِيهَا اخْتِصَاصُ الْإِنْسَانِ بِهَذِهِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي هِيَ الصَّوْمُ وَقِيَامُ اللَّيْلِ وَإِحْيَاؤُهُ بِالذِّكْرِ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَهِيَ غِبْطَةُ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ الْأَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْمُبَاهَاةَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ طَعَنُوا فِي بَنِي آدَمَ فَيَكُونُ بَيَانًا لِإِظْهَارِ قُدْرَتِهِ وَإِحَاطَةِ عِلْمِهِ " فَقَالَ: يَا مَلَائِكَتِي " إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ " مَا جَزَاءُ أَجِيرٍ وَفَّى " بِالتَّشْدِيدِ وَتُخَفَّفُ " عَمَلَهُ، قَالُوا: رَبَّنَا " بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ (جَزَاؤُهُ أَنْ يُوَفَّى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا (أَجْرَهُ) ، أَيْ أَجْرَ عَمَلِهِ بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ: تُوَفِّي بِالْخِطَابِ " قَالَ: مَلَائِكَتِي " بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ " عَبِيدِي وَإِمَائِي " بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ أَمَةٍ بِمَعْنَى الْجَارِيَةِ " قَضَوْا "، أَيْ أَدَّوْا " فَرِيضَتِي "، أَيِ الْمُخْتَصَّةَ الْمَخْصُوصَةَ بِي وَهِيَ الصَّوْمُ الشَّاقُّ " عَلَيْهِمْ ثُمَّ خَرَجُوا "، أَيْ مِنْ بُيُوتِهِمْ إِلَى مُصَلَّى عِيدِهِمْ " يَعُجُّوُنَ " بِضَمِّ الْعَيْنِ وَيُكْسَرُ، وَبِالْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ " إِلَى الدُّعَاءِ " أَوْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ مُتَوَجِّهِينَ أَوْ مُنْتَهِينَ إِلَى الدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمْ " وَعِزَّتِي "، أَيْ ذَاتًا " وَجَلَالِي " صِفَةً " وَكَرَمِي " فِعْلًا " وَعُلُوِّي " فِي الْجَمِيعِ " وَارْتِفَاعِ مَكَانِي "، أَيْ مَكَانَتِي وَرُتْبَتِي مِنْ قُدْرَتِي وَإِرَادَتِي عَنْ شَوَائِبِ النُّقْصَانِ وَحَوَادِثِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، فَهُوَ تَسْبِيحٌ بَعْدَ تَحْمِيدٍ، وَتَقْدِيسٌ بَعْدَ تَمْجِيدٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ارْتِفَاعُ الْمَكَانِ كِنَايَةٌ عَنْ عَظَمَةِ شَأْنِهِ، وَعُلُوِّ سُلْطَانِهِ، وَإِلَّا فَاللَّهُ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنِ الْمَكَانِ، وَمَا يُنْسَبُ مِنَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ اهـ فَجَعَلَهُ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا، وَأَنْتَ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّ مَا أَلْقَيْتُ إِلَيْكَ أَقْرَبُ إِلَى التَّسْدِيدِ فَإِنَّ التَّأْسِيسَ أَنْسَبُ مِنَ الْعُلُوِّ بِالتَّأْكِيدِ " لَأُجِيبَنَّهُمْ "، أَيْ لَأَقْبَلَنَّ دَعْوَتَهُمْ " فَيَقُولُ "، أَيِ اللَّهُ - تَعَالَى - حِينَئِذٍ " ارْجِعُوا "، أَيْ مِنْ مُصَلَّاكُمْ إِلَى مَسَاكِنِكُمْ أَوْ إِلَى مَرْضَاةِ رَبِّكُمْ " فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ "، أَيِ التَّقْصِيرَاتِ " وَبَدَّلْتُ سَيِّئَاتِكُمْ حَسَنَاتٍ " بِأَنْ يَكْتُبَ بَدَلَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً فِي صَحَائِفِ الْأَعْمَالِ، فَضْلًا مِنَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعُمَّ الصَّائِمِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْغُفْرَانُ لِلْعَاصِينَ، وَالتَّبْدِيلُ لِلْمُطِيعِينَ التَّائِبِينَ، وَهُوَ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] وَلِذَا كَانَتْ تَقُولُ رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ: تَاجُ الرِّجَالِ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الصُّلَحَاءِ، وَإِبْدَالُ حَسَنَاتِي أَكْثَرُ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ، إِشْعَارًا إِلَى كَثْرَةِ مَا وَقَعَ مِنْهَا مِنَ الذُّنُوبِ، قَبْلَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى السُّلُوكِ وَتَتُوبَ " قَالَ "، أَيِ النَّبِيُّ ﷺ " فَيَرْجِعُونَ، أَيْ جَمِيعُهُمْ حَالَ كَوْنِهِمْ " مَغْفُورًا لَهُمْ " وَفِيهِ إِشَارَةٌ جَسِيمَةٌ وَبِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ إِلَى رَجَاءِ أَنْ يَغْفِرَ مُسِيئَهُمْ وَيَقْبَلَ مُحْسِنَهُمْ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْكُلَّ مُحْتَاجٌ إِلَى مَغْفِرَتِهِ، وَمُفْتَقِرٌ إِلَى تَوْبَتِهِ وَأَوْبَتِهِ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 2979
[بَابُ الِاعْتِكَافِ]
стр. 2980
بَابُ الِاعْتِكَافِ
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٢٠٩٧ - عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(بَابُ الِاعْتِكَافِ)
هُوَ فِي اللُّغَةِ الْإِقَامَةُ عَلَى الشَّيْءِ، وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَقَوْلُهُ ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] وَقَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ - " يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ " بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا، وَفِي الشَّرْعِ: الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَيَصِحُ الِاعْتِكَافُ سَاعَةً وَاحِدَةً، فَيَنْبَغِي لِكُلِّ جَالِسٍ فِي الْمَسْجِدِ لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ أَوْ لِشُغْلٍ آخَرَ مِنْ آخِرَةٍ أَوْ دُنْيَا أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ، فَإِذَا خَرَجَ ثُمَّ دَخَلَ يُجَدِّدُ النِّيَّةَ اهـ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي اعْتِكَافِ النَّفْلِ، فَيَنْبَغِي إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ يَقُولَ: نَوَيْتُ الِاعْتِكَافَ مَا دُمْتُ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ الْقُدُورِيُّ: الِاعْتِكَافُ مُسْتَحَبٌّ، وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالْحَقُّ خِلَافُ كُلٍّ مِنَ الْإِطْلَاقَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ الِاعْتِكَافُ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَهُوَ الْمَنْذُورُ تَنْجِيزًا، أَوْ تَعْلِيقًا، وَإِلَى سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ، أَيْ وَهُوَ اعْتِكَافُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَإِلَى مُسْتَحَبٍّ وَهُوَ مَا سِوَاهُمَا.
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٢٠٩٧ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ» ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذِهِ الْمُوَاظَبَةُ الْمَقْرُونَةُ بِعَدَمِ التَّرْكِ مَرَّةً لَمَّا اقْتَرَنَتْ بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَتْ دَلِيلَ السُّنِّيَّةِ، وَإِلَّا كَانَتْ دَلِيلَ الْوُجُوبِ، أَوْ نَقُولُ اللَّفْظُ وَإِنْ دَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّرْكِ ظَاهِرًا لَكِنْ وَجَدْنَا صَرِيحًا يَدُلُّ عَلَى التَّرْكِ وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: «كَانَ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدْوَةَ جَاءَ إِلَى مَكَانِهِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ أَنْ تَعْتَكِفَ فَأَذِنَ لَهَا، فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ زَيْنَبُ فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا انْصَرَفَ ﷺ مِنَ الْغَدْوَةِ أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ " فَأُخْبِرَ خَبَرَهُنَّ، فَقَالَ: " مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا؟ آلْبِرُّ؟ انْزَعُوهَا "، فَنُزِعَتْ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي أَحَدِ الْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالَ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ، وَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَوَّالَ» ، وَتَقَدَّمَ اعْتِكَافُهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاسِطِ (ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ) ، أَيْ فِي بُيُوتِهِنَّ لِمَا سَبَقَ مِنْ عَدَمِ رِضَائِهِ لِفِعْلِهِنَّ، وَلِذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: يُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ أَنْ يَعْتَكِفْنَ فِي مَكَانِهِنَّ (مِنْ بَعْدِهِ) ، أَيْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ إِحْيَاءً لِسُنَّتِهِ، وَإِبْقَاءً لِطَرِيقَتِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
следующие страницы →