Полный текст (8 767 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
٢٠٩٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي بَادِيَةً أَكُونُ فِيهَا وَأَنَا أُصَلِّي فِيهَا فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ أَنْزِلُهَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: " انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ "، فَقِيلَ لِابْنِهِ: كَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ وَجَدَ دَابَّتَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَلَحِقَ بِبَادِيَتِهِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٠٩٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ) بِالتَّصْغِيرِ مُخَفَّفًا (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي بَادِيَةً أَكُونُ) أَيْ سَاكِنًا (فِيهَا) قَالَ مِيرَكُ: الْمُرَادُ بِالْبَادِيَةِ دَارُ إِقَامَةٍ بِهَا، فَقَوْلُهُ إِنَّ لِي بَادِيَةً أَيْ إِنَّ لِي دَارًا بِبَادِيَةٍ أَوْ بَيْتًا أَوْ خَيْمَةً هُنَاكَ وَاسْمُ تِلْكَ الْبَادِيَةِ الْوَطَاءَةُ (وَأَنَا أُصَلِّي فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أَعْتَكِفَ، وَفِيهِ أَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ بِدُونِ الصَّوْمِ، وَهُوَ إِنَّمَا كَانَ يَنْزِلُ فِي اللَّيْلِ وَيَخْرُجُ فِي الصُّبْحِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ إِدْرَاكَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ (فَمُرْنِي) أَمَرَ مِنْ أَمْرٍ مُخَفَّفًا (بِلَيْلَةٍ) زَادَ فِي الْمَصَابِيحِ: مِنْ هَذَا الشَّهْرِ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ (أَنْزِلُهَا) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ، وَقِيلَ: بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، أَيْ أَنْزِلْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ النُّزُولِ بِمَعْنَى الْحُلُولِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَنْزِلْ فِيهَا قَاصِدًا أَوْ مُنْتَهِيًا (إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ) إِشَارَةٌ إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَلَعَلَّهُ قَصَدَ حِيَازَةَ فَضِيلَتَيِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ (فَقَالَ: " انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ) لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ لَزِمَ تَعْيِينُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، إِذَا ثَبَتَ أَنَّ نُزُولَهُ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَلَا مَحِيصَ عَنْهُ إِلَّا بِالْقَوْلِ بِانْتِقَالِهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ، أَوْ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، أَوْ فِي كُلِّ عَشْرٍ، أَوْ يَكُونُ الْجَوَابُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، أَوْ يُقَالُ: نُزُولُهُ كَانَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَالتَّخْصِيصُ بِتِلْكَ اللَّيْلَةِ لِمُنَاسَبَةِ مَكَانِ السَّائِلِ أَوْ حَالِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قِيلَ لَابْنِهِ) أَيْ ضَمْرَةَ (كَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَصْنَعُ؟) أَيْ فِي نُزُولِهِ (قَالَ: كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ) أَيْ يَوْمَ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ (فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ) أَيْ مِنَ الْحَاجَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ اغْتِنَامًا لِلْخَيْرَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ أَوْ لِحَاجَةٍ غَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَّةٍ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا، وَوَجْهُ الْغَرَابَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَإِنَّهُ إِذَا أُرِيدَ بِالْحَاجَةِ الضَّرُورَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ فَلَا يَسْتَقِيمُ، وَإِذَا أُرِيدَ بِالْحَاجَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا يَنْتَظِمُ ثُمَّ قَالَ مُسْتَشْعِرًا لِلِاعْتِرَاضِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ: وَقَوْلُهُ لِحَاجَةٍ يُحْتَمَلُ بَقَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ وَيَبْقَى وَضَوْءُهُ مِنَ الْعَصْرِ، وَأَنْ يُرِيدَ بِهَا مَا عَدَا حَاجَةَ الْإِنْسَانِ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَصْبِرُ عَنْهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ إِلَّا فِي حَاجَةٍ أَيْ مَعْهُودَةٍ، إِذِ التَّنْكِيرُ قَدْ يَكُونُ لِلْعَهْدِ وَهِيَ أَحَدُ ذَيْنِكَ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّ (لِحَاجَةٍ) فِي الْأُولَى الْمُرَادُ بِهَا غَيْرُ ذَيْنِكَ، وَإِلَّا لِحَاجَةٍ فِي الثَّانِيَةِ الْمُرَادُ بِهَا هُمَا، بِخِلَافِهِ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ ; فَإِنَّ بَيْنَهُمَا تَنَافِيًا، وَضَرُورَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ الْمُتَنَافِيَتَيْنِ يُعَيِّنُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِي دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ اهـ وَهُوَ تَطْوِيلٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ بِالتَّنْكِيرِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي تَعْلِيلِهِ بِمَعْنَى اللَّامِ، فَلَا تَنَافِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ إِلَّا بِاعْتِبَارِ وُجُودٍ إِلَّا وَعَدَمِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَالْمَصَابِيحِ: فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا فِي حَاجَةٍ، وَالتَّنْكِيرُ فِي حَاجَةٍ لِلتَّنْوِيعِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلِاعْتِكَافِ كَمَا سَيَجِيءُ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ، فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَعَلَى الثَّانِي فَلَا يَخْرُجُ إِلَّا فِي حَاجَةٍ يَضْطَرُّ إِلَيْهَا الْمُعْتَكِفُ اهـ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاعْتِكَافُ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوْ عَلَى الِاعْتِكَافِ النَّفْلِيِّ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهُ (حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ وَجَدَ دَابَّتَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَلَحِقَ بِبَادِيَتِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ: بَادِيَتَهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ مِنْ طَرِيقِ ضَمْرَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ، وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَحَدِيثُهُ يَصِحُّ إِذَا صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ، وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ.
стр. 2977
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٠٩٥ - عَنْ عُبَادَةَ بْن ِ الصَّامِتِ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: " خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٠٩٥ - (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تَنَازَعَ وَتَخَاصَمَ (رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قِيلَ: هُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَيْ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا الَّتِي كَانَتْ فِي الدَّيْنِ الَّذِي لِلْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي فَأَمَرَهُ ﷺ بِوَضْعِ شَطْرِ دَيْنِهِ عَنْهُ فَوَضَعَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ (فَقَالَ: " «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ» ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تَعْيِينًا عَنْ خَاطِرِي فَنَسِيتُ تَعْيِينَهَا لِاشْتِغَالِي بِالْمُتَخَاصِمَيْنِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَاتَهَا رُفِعَتْ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الشِّيعَةِ، إِذْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ الْآتِي " فَالْتَمِسُوهَا "، بَلْ مَعْنَاهُ: فَرُفِعَتْ مَعْرِفَتُهَا الَّتِي يُسْتَنَدُ إِلَيْهَا إِخْبَارُ " وَعَسَى أَنْ يَكُونَ " أَيِ الْإِبْهَامُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ الرَّفْعُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ رَفْعُهَا، وَلَكِنْ فِيهِ إِبْهَامٌ " خَيْرًا لَكُمْ " حَيْثُ يَحُثُّكُمْ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي جَمِيعِ لَيَالِي الْأَيَّامِ، وَيُخَلِّصُكُمْ عَنِ الْغُرُورِ وَالْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ بَيْنَ الْأَنَامِ، وَقَدِ اسْتَنْبَطَ السُّبْكِيُّ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يُسَنُّ كَتْمُهَا لِمَنْ رَآهَا، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدَّرَ لِنَبِيِّهِ أَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِهَا، وَالْخَبَرُ كُلُّهُ فِيمَا قَدَّرَهُ لَهُ، فَيُسْتَحَبُّ اتِّبَاعُهُ فِي ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي هَذَا الْأَخْذِ وَقْفَةٌ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى عَيْنِهَا، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ: إِنَّهَا تَكُونُ فِي لَيْلَةِ كَذَا، ثُمَّ أُنْسِيَ هَذَا، فَالَّذِي أُنْسِيَهُ لَيْسَ لِلِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَا يَنْسَى، بَلْ عَلِمَ عَيْنَهَا كَمَا تَقَرَّرَ اهـ وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى عَيْنِهَا جَرَاءَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمِنْ أَيْنَ لَهُ الِاطِّلَاعُ أَوَّلًا وَآخِرًا؟ ثُمَّ إِنَّمَا يَكُونُ الِاسْتِنْبَاطُ وَالْأَخْذُ بِالْمُقَايَسَةِ عِنْدَ عَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى عَيْنِهَا، بَلْ فِي نِسْيَانِ مَعْرِفَتِهَا، وَإِلَّا فَالْمُتَابَعَةُ عَلَى تَقْدِيرِ الِاطِّلَاعِ لِأَمْرِهِ بِالْإِخْفَاءِ، فَمِنْ أَيْنَ لِغَيْرِهِ الِاطِّلَاعُ الْمَجْزُومُ بِهَا؟ فَإِنَّ طَرِيقَ الْكَشْفِ ظَنِّيٌّ، وَوَجْهُ الْعَلَامَاتِ الظَّاهِرَةِ فِيهَا غَيْرُ قَطْعِيٍّ، مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ، كَذَلِكَ فَيَسْتَوِي حِينَئِذٍ إِخْبَارُهُ وَإِخْفَاؤُهُ، وَمَعَ هَذَا كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ يُسَنُّ كَتْمُهَا، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. " فَالْتَمِسُوهَا " أَيْ فَبَالِغُوا فِي الْتِمَاسِهَا لَعَلَّكُمْ تَجِدُونَهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْتَمِسُوا وُقُوعَهَا فَلَا يُنَافِي رَفْعَ عِلْمِ عَيْنِهَا اهـ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِالْتِمَاسِ وُقُوعِهَا كَمَا لَا يَخْفَى إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهَا بِالْتِمَاسِهَا، وَلَا يَتَخَلَّفُ وُقُوعُهَا عَنْ عَدَمِ الْتِمَاسِهَا، ثُمَّ قَوْلُهُ ﷺ " الْتَمِسُوهَا " يَدُلُّ عَلَى رَفْعِ عَيْنِهَا، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ غَيْرِ صَحِيحٍ، لِيُفَرِّعَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فَلَا يُنَافِي رَفْعَ عِلْمِ عَيْنِهَا، فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ تَكَرَّرَ الزَّلَلُ، ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّهُ تَبِعَ الطِّيبِيَّ فَوَقَعَ فِيمَا وَقَعَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: رُفِعَتْ مَعْرِفَةُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِتَلَاحِي النَّاسِ، أَقُولُ: لَعَلَّ مُقَدِّرَ الْمُضَافِ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ رَفْعَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَسْبُوقٌ بِوُقُوعِهَا وَحُصُولِهَا، فَإِذَا حَصَلَتْ لَمْ يَكُنْ لِرَفْعِهَا بِمَعْنًى، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِرَفْعِهَا أَنَّهَا شُرِّعَتْ أَنْ تَقَعَ فَلَمَّا تَلَاحَا ارْتَفَعَتْ، فَنَزَلَ الشُّرُوعُ مَنْزِلَةَ الْوُقُوعِ، وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ فَالْتَمِسُوهَا أَيِ الْتَمِسُوا وُقُوعَهَا لَا مَعْرِفَتَهَا اهـ. وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِلَعَلَّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ ارْتِفَاعُ عَيْنِهَا، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْحَقُّ نَقْلًا وَعَقْلًا، إِذِ الْمُلَاحَاةُ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِنِسْيَانِ مَعْرِفَةِ شَيْءٍ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِارْتِفَاعِ وُقُوعِ شَيْءٍ، وَأَيْضًا إِذَا شَرَعَ فِي الْوُقُوعِ ثُمَّ ارْتَفَعَ لَا يَكُونُ مِمَّا يُنْسَى، مَعَ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْوُقُوعِ مِمَّا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ مِنَ الْمَعْنَى، ثُمَّ قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ " فَالْتَمِسُوهَا " أَيِ الْتَمِسُوا وُقُوعَهَا لَا مَعْرِفَتَهَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ عَلَى أَصْلِهِ، فَتَدَبَّرْ " فِي التَّاسِعَةِ " أَيِ الْبَاقِيَةِ، وَهِيَ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ فِي التَّاسِعَةِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، وَهِيَ لَيْلَةُ الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرُونَ " وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ " عَلَى مَا تَقَدَّمَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 2978
٢٠٩٦ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ فِي كُبْكُبَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُصَلُّونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ اللَّهَ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدِهِمْ - يَعْنِي يَوْمَ فِطْرِهِمْ - بَاهَى بِهِمْ مَلَائِكَتَهُ، فَقَالَ: يَا مَلَائِكَتِي مَا جَزَاءُ أَجِيرٍ وَفَّى عَمَلَهُ؟ قَالُوا: رَبَّنَا جَزَاؤُهُ أَنْ يُوَفَّى أَجْرَهُ، قَالَ: مَلَائِكَتِي، عَبِيدِي وَإِمَائِي قَضَوْا فَرِيضَتِي عَلَيْهِمْ ثُمَّ خَرَجُوا يَعُجُّونَ إِلَى الدُّعَاءِ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكَرَمِي وَعُلُوِّي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لَأُجِيبَنَّهُمْ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَبَدَّلْتُ سَيِّئَاتِكُمْ حَسَنَاتٍ "، قَالَ: " فَيَرْجِعُونَ مَغْفُورًا لَهُمْ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
٢٠٩٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ ﵊ فِي كُبْكُبَةٍ ") بِضَمَّتَيْنِ، وَقِيلَ: بِفَتْحَتَيْنِ جَمَاعَةٌ مُتَضَامَّةٌ مِنَ النَّاسِ، وَغَيْرِهِمْ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ " مِنَ الْمَلَائِكَةِ " فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤] وَإِيمَاءٌ إِلَى تَفْسِيرِ الرُّوحِ بِجِبْرِيلَ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ الْمُشْعِرِ بِتَعْظِيمِهِ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ تَقْدِيمِهِ فِي الْحَدِيثِ وَتَأْخِيرِهِ فِي الْآيَةِ " يُصَلُّونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ "، أَيْ يَدْعُونَ لِكُلِّ عَبْدٍ بِالْمَغْفِرَةِ، أَوْ يُثْنُونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ بِالثَّنَاءِ الْجَمِيلِ " قَائِمٍ " كَمُصَلٍّ وَطَائِفٍ وَغَيْرِهِمَا " أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ اللَّهَ " صِفَةً لِكُلٍّ " فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدِهِمْ "، أَيْ وَقْتَ اجْتِمَاعِ أَسْيَادِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ " يَعْنِي يَوْمَ فِطْرِهِمْ " احْتِرَازًا مِنْ عِيدِ الْأَضْحَى " بَاهَى "، أَيِ اللَّهُ - تَعَالَى - " بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ " فِي النِّهَايَةِ: الْمُبَاهَاةُ الْمُفَاخَرَةُ، وَالسَّبَبُ فِيهَا اخْتِصَاصُ الْإِنْسَانِ بِهَذِهِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي هِيَ الصَّوْمُ وَقِيَامُ اللَّيْلِ وَإِحْيَاؤُهُ بِالذِّكْرِ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَهِيَ غِبْطَةُ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ الْأَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْمُبَاهَاةَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ طَعَنُوا فِي بَنِي آدَمَ فَيَكُونُ بَيَانًا لِإِظْهَارِ قُدْرَتِهِ وَإِحَاطَةِ عِلْمِهِ " فَقَالَ: يَا مَلَائِكَتِي " إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ " مَا جَزَاءُ أَجِيرٍ وَفَّى " بِالتَّشْدِيدِ وَتُخَفَّفُ " عَمَلَهُ، قَالُوا: رَبَّنَا " بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ (جَزَاؤُهُ أَنْ يُوَفَّى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا (أَجْرَهُ) ، أَيْ أَجْرَ عَمَلِهِ بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ: تُوَفِّي بِالْخِطَابِ " قَالَ: مَلَائِكَتِي " بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ " عَبِيدِي وَإِمَائِي " بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ أَمَةٍ بِمَعْنَى الْجَارِيَةِ " قَضَوْا "، أَيْ أَدَّوْا " فَرِيضَتِي "، أَيِ الْمُخْتَصَّةَ الْمَخْصُوصَةَ بِي وَهِيَ الصَّوْمُ الشَّاقُّ " عَلَيْهِمْ ثُمَّ خَرَجُوا "، أَيْ مِنْ بُيُوتِهِمْ إِلَى مُصَلَّى عِيدِهِمْ " يَعُجُّوُنَ " بِضَمِّ الْعَيْنِ وَيُكْسَرُ، وَبِالْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ " إِلَى الدُّعَاءِ " أَوْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ مُتَوَجِّهِينَ أَوْ مُنْتَهِينَ إِلَى الدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمْ " وَعِزَّتِي "، أَيْ ذَاتًا " وَجَلَالِي " صِفَةً " وَكَرَمِي " فِعْلًا " وَعُلُوِّي " فِي الْجَمِيعِ " وَارْتِفَاعِ مَكَانِي "، أَيْ مَكَانَتِي وَرُتْبَتِي مِنْ قُدْرَتِي وَإِرَادَتِي عَنْ شَوَائِبِ النُّقْصَانِ وَحَوَادِثِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، فَهُوَ تَسْبِيحٌ بَعْدَ تَحْمِيدٍ، وَتَقْدِيسٌ بَعْدَ تَمْجِيدٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ارْتِفَاعُ الْمَكَانِ كِنَايَةٌ عَنْ عَظَمَةِ شَأْنِهِ، وَعُلُوِّ سُلْطَانِهِ، وَإِلَّا فَاللَّهُ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنِ الْمَكَانِ، وَمَا يُنْسَبُ مِنَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ اهـ فَجَعَلَهُ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا، وَأَنْتَ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّ مَا أَلْقَيْتُ إِلَيْكَ أَقْرَبُ إِلَى التَّسْدِيدِ فَإِنَّ التَّأْسِيسَ أَنْسَبُ مِنَ الْعُلُوِّ بِالتَّأْكِيدِ " لَأُجِيبَنَّهُمْ "، أَيْ لَأَقْبَلَنَّ دَعْوَتَهُمْ " فَيَقُولُ "، أَيِ اللَّهُ - تَعَالَى - حِينَئِذٍ " ارْجِعُوا "، أَيْ مِنْ مُصَلَّاكُمْ إِلَى مَسَاكِنِكُمْ أَوْ إِلَى مَرْضَاةِ رَبِّكُمْ " فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ "، أَيِ التَّقْصِيرَاتِ " وَبَدَّلْتُ سَيِّئَاتِكُمْ حَسَنَاتٍ " بِأَنْ يَكْتُبَ بَدَلَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً فِي صَحَائِفِ الْأَعْمَالِ، فَضْلًا مِنَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعُمَّ الصَّائِمِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْغُفْرَانُ لِلْعَاصِينَ، وَالتَّبْدِيلُ لِلْمُطِيعِينَ التَّائِبِينَ، وَهُوَ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] وَلِذَا كَانَتْ تَقُولُ رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ: تَاجُ الرِّجَالِ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الصُّلَحَاءِ، وَإِبْدَالُ حَسَنَاتِي أَكْثَرُ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ، إِشْعَارًا إِلَى كَثْرَةِ مَا وَقَعَ مِنْهَا مِنَ الذُّنُوبِ، قَبْلَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى السُّلُوكِ وَتَتُوبَ " قَالَ "، أَيِ النَّبِيُّ ﷺ " فَيَرْجِعُونَ، أَيْ جَمِيعُهُمْ حَالَ كَوْنِهِمْ " مَغْفُورًا لَهُمْ " وَفِيهِ إِشَارَةٌ جَسِيمَةٌ وَبِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ إِلَى رَجَاءِ أَنْ يَغْفِرَ مُسِيئَهُمْ وَيَقْبَلَ مُحْسِنَهُمْ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْكُلَّ مُحْتَاجٌ إِلَى مَغْفِرَتِهِ، وَمُفْتَقِرٌ إِلَى تَوْبَتِهِ وَأَوْبَتِهِ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 2979
[بَابُ الِاعْتِكَافِ]
стр. 2980
بَابُ الِاعْتِكَافِ
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٢٠٩٧ - عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(بَابُ الِاعْتِكَافِ)
هُوَ فِي اللُّغَةِ الْإِقَامَةُ عَلَى الشَّيْءِ، وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَقَوْلُهُ ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] وَقَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ - " يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ " بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا، وَفِي الشَّرْعِ: الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَيَصِحُ الِاعْتِكَافُ سَاعَةً وَاحِدَةً، فَيَنْبَغِي لِكُلِّ جَالِسٍ فِي الْمَسْجِدِ لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ أَوْ لِشُغْلٍ آخَرَ مِنْ آخِرَةٍ أَوْ دُنْيَا أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ، فَإِذَا خَرَجَ ثُمَّ دَخَلَ يُجَدِّدُ النِّيَّةَ اهـ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي اعْتِكَافِ النَّفْلِ، فَيَنْبَغِي إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ يَقُولَ: نَوَيْتُ الِاعْتِكَافَ مَا دُمْتُ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ الْقُدُورِيُّ: الِاعْتِكَافُ مُسْتَحَبٌّ، وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالْحَقُّ خِلَافُ كُلٍّ مِنَ الْإِطْلَاقَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ الِاعْتِكَافُ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَهُوَ الْمَنْذُورُ تَنْجِيزًا، أَوْ تَعْلِيقًا، وَإِلَى سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ، أَيْ وَهُوَ اعْتِكَافُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَإِلَى مُسْتَحَبٍّ وَهُوَ مَا سِوَاهُمَا.
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٢٠٩٧ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ» ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذِهِ الْمُوَاظَبَةُ الْمَقْرُونَةُ بِعَدَمِ التَّرْكِ مَرَّةً لَمَّا اقْتَرَنَتْ بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَتْ دَلِيلَ السُّنِّيَّةِ، وَإِلَّا كَانَتْ دَلِيلَ الْوُجُوبِ، أَوْ نَقُولُ اللَّفْظُ وَإِنْ دَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّرْكِ ظَاهِرًا لَكِنْ وَجَدْنَا صَرِيحًا يَدُلُّ عَلَى التَّرْكِ وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: «كَانَ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدْوَةَ جَاءَ إِلَى مَكَانِهِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ أَنْ تَعْتَكِفَ فَأَذِنَ لَهَا، فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ زَيْنَبُ فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا انْصَرَفَ ﷺ مِنَ الْغَدْوَةِ أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ " فَأُخْبِرَ خَبَرَهُنَّ، فَقَالَ: " مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا؟ آلْبِرُّ؟ انْزَعُوهَا "، فَنُزِعَتْ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي أَحَدِ الْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالَ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ، وَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَوَّالَ» ، وَتَقَدَّمَ اعْتِكَافُهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاسِطِ (ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ) ، أَيْ فِي بُيُوتِهِنَّ لِمَا سَبَقَ مِنْ عَدَمِ رِضَائِهِ لِفِعْلِهِنَّ، وَلِذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: يُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ أَنْ يَعْتَكِفْنَ فِي مَكَانِهِنَّ (مِنْ بَعْدِهِ) ، أَيْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ إِحْيَاءً لِسُنَّتِهِ، وَإِبْقَاءً لِطَرِيقَتِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2981
٢٠٩٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، كَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٠٩٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ) ، أَيْ دَائِمًا (بِالْخَيْرِ) اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ (وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ) بِرَفْعِ أَجْوَدَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، قَالَ الْمُظْهِرُ: مَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَهُوَ جَمْعٌ، لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلَ إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى جَمْعٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَكَانَ أَجْوَدَ أَوْقَاتِهِ وَقْتَ كَوْنِهِ (فِي رَمَضَانَ) وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَجْوَدُ مُبْتَدَأٌ وَفِي رَمَضَانَ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ، وَاسْمُهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، أَوْ يَكُونُ أَجْوَدُ اسْمَ كَانَ، وَفِي رَمَضَانَ حَالًا، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أَيْ حَاصِلًا، وَإِلَّا يَلْزَمُ وُقُوعُ الْمَصْدَرِ تَقْدِيرًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ (أَمَّا) مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْوَقْتُ مُقَدَّرٌ كَمَا فِي مَقْدِمِ الْحَاجِّ، وَالتَّقْدِيرُ: كَانَ أَجْوَدُ أَوْقَاتِهِ وَقْتَ كَوْنِهِ فِي رَمَضَانَ، فَإِسْنَادُ الْجُودِ إِلَى أَوْقَاتِهِ ﷺ كَإِسْنَادِ الصَّوْمِ إِلَى النَّهَارِ، وَالْقِيَامِ إِلَى اللَّيْلِ (كَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ) ، أَيْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ (كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ يَعْرِضُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ يَقْرَأُ (عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ) قِيلَ: كَانَ ﷺ يَعْرِضُ عَلَى جِبْرِيلَ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، بِتَجْوِيدِ اللَّفْظِ وَتَصْحِيحِ إِخْرَاجِ الْحُرُوفِ مِنْ مَخَارِجِهَا، لِيَكُونَ سُنَّةً فِي الْأُمَّةِ، فَيَعْرِضُ التَّلَامِذَةُ قِرَاءَتَهُمْ عَلَى الشُّيُوخِ اهـ وَهُوَ أَحَدُ
стр. 2982
طَرِيقَيِ الْأَخْذِ، وَالْآخَرُ أَنْ يَسْمَعَ مِنَ الشَّيْخِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ عَلَى جِهَةِ الْمُدَارَسَةِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنْ تَقْرَأَ عَلَى غَيْرِكَ مِقْدَارًا مَعْلُومًا، ثُمَّ يَقْرَؤُهُ عَلَيْكَ، أَوْ يَقْرَأُ قَدْرَهُ مِمَّا بَعْدَهُ، وَهَكَذَا اهـ فَيَتَحَصَّلُ الطَّرِيقَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ) ، أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الَّتِي أُرْسِلَتْ بِالْبُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ لِشُمُولِ رُوحِهَا وَعُمُومِ نَفْعِهَا، قَالَ - تَعَالَى - ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] فَأَحَدُ الْوُجُوهِ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الرِّيَاحَ الْمُرْسَلَاتِ لِلْإِحْسَانِ وَالْمَعْرُوفِ، وَيَكُونُ انْتِصَابُ عُرْفًا بِالْمَفْعُولِ لَهُ، يَعْنِي هُوَ أَجْوَدُ مِنْ تِلْكَ الرِّيحِ فِي عُمُومِ النَّفْعِ وَالْإِسْرَاعِ فِيهِ، فَالْجِهَةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَهُمَا إِمَّا الْأَمْرَانِ، وَإِمَّا أَحَدُهُمَا، وَلَفْظُ الْخَيْرِ شَامِلٌ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ مَا جَاءَتِ النَّاسُ بِهِ، وَكَانَ ﷺ يَجُودُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِمَا يَسُدُّ خَلَّتَهُ وَيَشْفِي عِلَّتَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: شُبِّهَ نَشْرُ جُودِهِ بِالْخَيْرِ فِي الْعِبَادِ بِنَشْرِ الرِّيحِ الْقَطْرَ فِي الْبِلَادِ، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْأَثَرَيْنِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يُحْيِيِ الْقُلُوبَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَالْآخَرَ يُحْيِيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فُضِّلَ جُودُهُ عَلَى جُودِ النَّاسِ، ثُمَّ فُضِّلَ جُودُهُ فِي رَمَضَانَ عَلَى جُودِهِ فِي غَيْرِهِ، ثُمَّ فُضِّلَ جُودُهُ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ، وَعِنْدَ لِقَاءِ جِبْرِيلَ عَلَى جُودِهِ فِي سَائِرِ أَوْقَاتِ رَمَضَانَ، ثُمَّ شُبِّهَ بِالرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ فِي التَّعْمِيمِ وَالسُّرْعَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّ الْوَقْتَ إِذَا كَانَ أَشْرَفَ يَكُونُ الْجُودُ فِيهِ أَفْضَلُ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ كَانَ أَجْوَدُ أَكْوَانِهِ حَاصِلًا فِي رَمَضَانَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ مَطْبُوعًا عَلَى الْجُودِ مُسْتَغْنِيًا بِالْبَاقِيَاتِ عَنِ الْفَانِيَاتِ، إِذْ لَوْ وَجَدَ جَادَ وَعَادَ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ وَعَدَ وَلَمْ يُخْلِفِ الْمِيعَادَ وَكَانَ رَمَضَانُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مَوْسِمُ الْخَيْرَاتِ، وَلِأَنَّهُ - تَعَالَى - يَتَفَضَّلُ فِيهِ عَلَى عِبَادِهِ مَا لَمْ يَتَفَضَّلْ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِهِ، فَأَرَادَ مُتَابَعَةَ سُنَّةِ اللَّهِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ يُصَادِفُ الْبُشْرَى مِنَ اللَّهِ بِمُلَاقَاةِ أَمِينِ الْوَحْيِ، وَتَتَابُعِ أَمْدَادِ الْكَرَامَةِ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ وَبَيَاضِ النَّهَارِ، فَيَجِدُ فِي مَقَامِ الْبَسْطِ حَلَاوَةَ الْوَجْدِ، وَبَشَاشَةَ الْوِجْدَانِ، فَيُنْعِمُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ شُكْرًا لِنِعَمِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ تَأَمُّلٌ، فَإِنَّ الشَّيْخَ الْجَزَرِيَّ قَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، قُلْتُ: وَلَعَلَّ مُسْلِمًا رَوَاهُ بِمَعْنَاهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَإِنْ قُلْتَ مَا وَجْهُ مُنَاسَبَةِ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ لِهَذَا الْبَابِ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ غَايَةَ الْأَجْوَدِيَّةِ فِيهِ إِنَّمَا حَصَلَتْ فِي حَالِ الِاعْتِكَافِ لِأَنَّ أَفْضَلَ أَوْقَاتِ مُدَارَسَةِ جِبْرِيلَ لَهُ الْعَشْرُ الْأَخِيرُ، وَهُوَ فِي مُعْتَكَفٍ كَمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ الْمُصَنِّفُ وَأَصْلُهُ يَقُولَانِ بِتَأْكِيدِ الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ لِأَنَّ لَهُ غَايَاتٍ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ غَايَةَ جُودِهِ ﷺ إِنَّمَا كَانَتْ تَحْصُلُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ؟ وَأَبْدَى شَارِحٌ لِذَلِكَ مُنَاسَبَةً بَعِيدَةً جِدًّا فَقَالَ: قُلْتُ: مِنْ حَيْثُ إِتْيَانِ أَفْضَلِ مَلَائِكَةٍ إِلَى أَفْضَلِ خَلِيقَةٍ بِأَفْضَلِ كَلَامٍ مِنْ أَفْضَلِ مُتَكَلِّمٍ فِي أَفْضَلِ أَوْقَاتٍ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ بِقَاعٍ اهـ وَهُوَ كَذَا فِي أَصْلِ الشَّيْخِ، وَالصَّوَابُ فِي أَفْضَلِ أَوْقَاتٍ، أَقُولُ: الصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ، فَتَأَمَّلْ! ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: وَقَوْلُهُ مِنْ أَفْضَلِ مُتَكَلِّمٍ لَا يَنْصَرِفُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ خَطَأٌ قَبِيحٌ إِذْ لَا يُوصَفُ - تَعَالَى - بِأَنَّهُ أَفْضَلُ، فَكَيْفَ مِنْ أَفْضَلِ؟ قُلْتُ: عَدَمُ جَوَازِ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مُتَكَلِّمٍ إِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ التَّوْقِيفِ فَمُسَلَّمٌ، لَكِنْ جَوَّزَ مِثْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ الطَّعْنُ فِيهِ حِينَئِذٍ، فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ أَحْسَنِ الْخَالِقِينَ، وَأَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ، لَا سِيَّمَا وَمَقَامُ الْمُشَاكَلَةِ اقْتَضَى ذَلِكَ لِتَحْسِينِ الْعِبَارَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فَكَيْفَ مِنْ أَفْضَلِ فَهُوَ خَطَأٌ مِنْهُ نَشَأَ مِنْ غَفْلَةٍ يَظُنُّ أَنَّ مِنْ هِيَ التَّبْعِيضِيَّةُ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِإِتْيَانٍ، وَالْمَعْنَى مِنْ عِنْدِ أَفْضَلِ مُتَكَلِّمٍ، فَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا لِأَخِيهِ وَقَعَ فِيهِ.
стр. 2983
٢٠٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٠٩٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ يُعْرَضُ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: هُوَ فِعْلٌ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ، أَيْ جِبْرِيلُ كَانَ يَعْرِضُ (عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً) ، أَيْ مِنَ الْخَتْمِ (فَعُرِضَ) ، أَيِ الْقُرْآنُ (عَلَيْهِ) ، أَيْ عَلَى النَّبِيِّ (مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ) ، أَيْ تُوُفِّيَ فِيهِ، وَفِيهِ لَيْسَ مِنْ أَصْلِ الْحَدِيثِ فِي أُصُولِنَا، ثُمَّ هَذَا الْمِقْدَارُ مِنَ الْحَدِيثِ قَالَ مِيرَكُ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الْمَعْرُوضُ عَلَيْهِ فِي الْعَامِ الَّذِي تَوَفَّاهُ اللَّهُ فِيهِ، وَفِي غَيْرِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ شَهِدَ الْعَرْضَةَ الْأَخِيرَةَ الَّتِي عَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَامِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقِيلَ: يُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الْقَلْبِ لِيُوَافِقَ هَذَا الْمَرْوِيُّ الْحَدِيثَ السَّابِقَ اهـ وَالْأَظْهَرُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ مُعَارَضَةً وَمُدَارَسَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَمَرَّةً هَذَا يَقْرَأُ وَمَرَّةً هَذَا يَقْرَأُ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ احْتِمَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّ
стр. 2984
جِبْرِيلَ كَانَ يَقْرَأُ أَوَّلًا بَعْضًا مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ يُعِيدُهُ بِعَيْنِهِ ﷺ احْتِيَاطًا لِلْحِفْظِ، وَاعْتِمَادًا لِلضَّبْطِ، وَثَانِيهُمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا يَقْرَأُ عَشْرًا مَثَلًا وَالْآخَرُ كَذَلِكَ، وَهُوَ الْمُدَارَسَةُ الْمُتَعَارَفَةُ بَيْنَ الْقُرَّاءِ، وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي النِّهَايَةِ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ، أَيْ يُدَارِسُهُ مِنَ الْمُعَارَضَةِ الْمُقَابَلَةِ وَمِنْهُ عَارَضْتُ الْكِتَابَ بِالْكِتَابِ، أَيْ قَابَلْتُهُ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَكَانَ) ، أَيْ غَالِبًا (يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا) ، أَيْ مِنْ آخِرِ رَمَضَانَ (فَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِمَا عَلَى التَّثْنِيَةِ (فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ) ، أَيْ تُوُفِّيَ فِيهِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّضْعِيفِ فِي الْعَامِ الْآخِرِ مِنَ الْعَرْضِ وَالِاعْتِكَافِ إِعْلَامُهُ بِقُرْبِ وَفَاتِهِ، وَتَنْبِيهٌ لِأُمَّتِهِ أَنْ يَتَأَكَّدَ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ فِي أَوَاخِرِ حَيَاتِهِ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِلِقَائِهِ تَعَالَى، وَالْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَقَعَ كُلُّ خَتْمٍ فِي عَشْرٍ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَدْ جَعَلَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ حَدِيثًا وَاحِدًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا حَدِيثَانِ، الْأَوَّلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ قَالَهُ الْجَزَرِيُّ.
стр. 2985
٢١٠٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ أَدْنَى إِلَيَّ رَأَسَهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ،» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢١٠٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اعْتَكَفَ أَدْنَى) ، أَيْ قَرَّبَ (إِلَيَّ رَأْسَهُ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ أَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى حُجْرَتِي (وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ (فَأُرَجِّلُهُ) التَّرْجِيلُ تَسْرِيحُ الشَّعْرِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْمُشْطِ فِي الرَّأْسِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَوْ أَخْرَجَ بَعْضَ أَجْزَائِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ لَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، وَعَلَى أَنَّ التَّرْجِيلَ مُبَاحٌ لِلْمُعْتَكِفِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَإِنْ غَسَلَهُ فِي إِنَاءٍ فِي الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ لَا يُلَوِّثُ الْمَسْجِدَ لَا بَأْسَ بِهِ (وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ) ، أَيْ بَيْتَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ (إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ) ، أَيْ مِنْ بَوْلٍ وَغَائِطٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقِيسْ بِهِمَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ، كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ، أَقُولُ: هَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ، إِذْ يُتَصَوَّرُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فِي الْمَسْجِدِ بِخِلَافِهِمَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَدَفْعِ الْأَخْبَثَيْنِ اهـ وَهُوَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْوَاقِعِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ الْخَطَّابِيِّ: دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ مَمْنُوعٌ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَّا لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، وَعَلَى مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فِيهِ فَقَطْ لَا يَحْنَثُ، وَعَلَى أَنَّ بَدَنَ الْحَائِضِ طَاهِرٌ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَعَلَّهُ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا كَانَتْ حَائِضًا، وَمَعَ هَذَا لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ، نَعَمْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُنَاوِلُ النَّبِيَّ ﷺ الْخُمْرَةُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْخُمْرَةُ شَيْءٌ مَنْسُوجٌ يُعْمَلُ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ، وَتُزْمَلُ بِالْخُيُوطِ، وَهُوَ صَغِيرٌ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ الْمُصَلِّي أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، فَإِنْ عَظُمَ كَفَى الرَّجُلَ لِجَسَدِهِ كُلِّهِ، فَهُوَ حَصِيرٌ، وَفِي الْحَدِيثِ: أَتَيْتُ بِخُمْرَةٍ، أَيْ سُتْرَةٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْهَا.
стр. 2986
٢١٠١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: " فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢١٠١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) ، أَيْ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْعَرَبُ قَبْلَ بِعْثَتِهِ ﷺ ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا مَا قَبْلَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ نَذْرَ عُمَرَ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ لِشِدَّةِ شَوْكَةِ قُرَيْشٍ وَمَنْعِهِمْ مِنْهُ (أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً) ، أَيْ بِيَوْمِهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ (فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: " فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ ") وَفِي رِوَايَةٍ: وَصُمْ، وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ إِنْ كَانَ نَذْرُهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ نَذْرَ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَ مُوَافِقًا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ فِي عُمْرِهِ فَأَسْلَمَ ثُمَّ حَنِثَ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ، وَعَلَى أَنَّهُ إِذَا نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا يَخْرُجُ عَنْ نَذْرِهِ بِالِاعْتِكَافِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ اهـ وَفِي الْأَخِيرِ نَظَرٌ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الصَّوْمِ فَقَالَ الشُّمُنِّيُّ: أَمَّا اعْتِكَافُ عُمَرَ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ: «أَنَّ عُمَرَ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً أَوْ يَوْمًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " اعْتَكِفْ وَصُمْ» "، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَصُومَ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا: عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا، فَقَالَ: " أَوْفِ بِنَذْرِكَ "، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ اللَّيْلَةُ مَعَ يَوْمِهَا، أَوِ الْيَوْمُ مَعَ لَيْلَتِهِ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الصَّوْمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ وَرَدَتْ بِرِوَايَةِ الثِّقَةِ فَيَجِبُ قَبُولُهَا اهـ مُخْتَصَرًا، وَبِهِ بَطَلَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ فِي أَمْرِهِ ﷺ لَهُ بِاعْتِكَافِ لَيْلَةٍ أَوْضَحُ تَصْرِيحٍ بِأَنَّهُ
стр. 2987
(لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ صَوْمٌ، قَالَ الشُّمُنِّيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَلِصِحَّةِ التَّطَوُّعِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَمَّا فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنِ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِأَنَّ مَبْنَى النَّفْلِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ، وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا رَوَدَ: لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صَوْمٌ، إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ، هَذَا وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَوْلُهُ فَأَوْفِ، أَيْ نَدْبًا لَا وُجُوبًا لِاسْتِلْزَامِهِ الصِّحَّةَ، وَنَذْرُ الْكَافِرِ لَا يَصِحُّ، وَأَمَّا قَوْلُ شَارِحٍ تَقْلِيدًا لِلْكِرْمَانِيِّ شَارِحِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ نَذْرَ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا كَانَ عَلَى وَفْقِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عُمِلَ بِهِ، وَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ الْكَافِرَ تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ وَيَصِحُّ ظِهَارُهُ وَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ اهـ فَهُوَ ضَعِيفٌ فِي مَذْهَبِهِمَا بِالنِّسْبَةِ لِمَسْأَلَةِ النَّذْرِ وَغَيْرُ صَحِيحٍ فِيمَا بَعْدَهَا لِأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ إِلَّا بِالْقِيَاسِ عَلَى ذَلِكَ الضَّعِيفِ، وَعَلَى الْأَصَحِّ الْفَرْقُ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْأَخِيرَيْنِ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنَ الْعِبَادَاتِ فَصَحَّا مِنْهُ بِخِلَافِ النَّذْرِ فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 2988
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٢١٠٢ - عَنْ أَنَسٍ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ،» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٢١٠٢ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا» ) لَعَلَّهُ كَانَ لِعُذْرٍ (فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْإِقْبَالِ (اعْتَكَفَ عِشْرِينَ) بِالضَّبْطَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَلَعَلَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَفْسِيرٌ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ النَّوَافِلَ الْمُؤَقَّتَةَ تُقْضَى إِذَا فَاتَتْ كَمَا تُقْضَى الْفَرَائِضُ اهـ وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّشْبِيهَ لِمُجَرَّدِ الْقَضَاءِ بَعْدَ الْفَوَاتِ وَإِلَّا فَقَضَاءُ الْفَرَائِضِ فَرْضٌ، وَقَضَاءُ النَّوَافِلِ نَفْلٌ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، أَيْ عَنْ أَنَسٍ.
стр. 2989
٢١٠٣ - وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
ــ
٢١٠٣ - (وَرَوَاهُ أَبُو دُوَادَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) .
стр. 2990
٢١٠٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتَكَفِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢١٠٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ) ، أَيْ إِذَا نَوَى مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ أَنْ يَعْتَكِفَ وَبَاتَ فِي الْمَسْجِدِ (صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتَكَفِهِ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، أَيْ مَكَانِ اعْتِكَافِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ الِاعْتِكَافِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ كَمَا قَالَ بِهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ يَدْخُلُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِنْ أَرَادَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ أَوْ عَشْرٍ، وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ بِأَنَّهُ ﷺ دَخَلَ الْمُعْتَكَفَ وَانْقَطَعَ وَتَخَلَّى بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَتَخَلَّى عَنِ النَّاسِ فِي مَوْضِعٍ يَسْتَتِرُ بِهِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، كَمَا وَرَدَ أَنَّهُ اتَّخَذَ فِي الْمَسْجِدِ حُجْرَةً مِنْ حَصِيرٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ابْتِدَاءَ الِاعْتِكَافِ كَانَ فِي النَّهَارِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ الْجَزَرِيُّ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ أَيْضًا مُطَوَّلًا، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ فِي الصِّحَاحِ، وَقَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا، وَفَاتَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ مِنْ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ، أَقُولُ: بَلْ وَقَعَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ عَلَى صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ حَيْثُ عَزَا الْحَدِيثَ إِلَيْهِمَا مَعَ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 2991
٢١٠٥ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ فَلَا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢١٠٥ - (وَعَنْهَا) ، أَيْ عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ) ، أَيْ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَةٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ (يَعُودُ الْمَرِيضَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ) ، أَيْ وَالْمَرِيضُ خَارِجٌ عَنِ الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ (فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْكَافُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَمَا مَوْصُولَةٌ وَلَفْظُ هُوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ مَا، أَيْ يَمُرُّ مُرُورًا مِثْلَ الْهَيْئَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، فَلَا يَمِيلُ إِلَى الْجَوَانِبِ وَلَا يَقِفُ، وَقَوْلُهَا (فَلَا يُعَرِّجُ) ، أَيْ لَا يَمْكُثُ، بَيَانٌ لِلْمُجْمَلِ ; لِأَنَّ التَّعْرِيجَ الْإِقَامَةُ وَالْمَيْلُ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى جَانِبٍ، وَقَوْلُهَا (يَسْأَلُ عَنْهُ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ يَعُودُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْنَافِ، قَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ: يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ إِذَا خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَاتَّفَقَ لَهُ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فَلَمْ يَنْحَرِفْ عَنِ الطَّرِيقِ، وَلَمْ يَقِفْ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الصَّلَاةِ لَمْ يَبْطُلِ الِاعْتِكَافُ، وَإِلَّا بَطَلَ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ: وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَكَأَنَّهُمْ قَاسُوهَا عَلَى الْعِيَادَةِ بِجَامِعِ أَنَّهُمَا فَرْضَا كِفَايَةٍ، وَلَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، فَإِنَّ الْعِيَادَةَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ بِلَا وُقُوفٍ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَلِذَا يَفْسُدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالصَّلَاةِ خِلَافًا لِصَاحِبِهِ (رَوَاهُ أَبُو دَوُادَ) قَالَ مِيرَكُ: وَفِي سَنَدِهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، رَوَى لَهُ الْأَرْبَعَةُ وَمُسْلِمٌ مَقْرُونًا، وَهُوَ ثِقَةٌ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِسُوءِ حِفْظِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ لَكِنَّ فِيهِ مَنِ اخْتَلَفُوا فِي تَوْثِيقِهِ، وَبِتَقْدِيرِ ضَعْفِهِ وَهُوَ مُنْجَبِرٌ بِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ: «إِنِّي كُنْتُ لَأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَفِيهِ الْمَرِيضُ فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ» .
стр. 2992
٢١٠٦ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً وَلَا يَمَسُّ الْمَرْأَةَ وَلَا يُبَاشِرُهَا وَلَا يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢١٠٦ - (وَعَنْهَا) ، أَيْ عَنْ عَائِشَةَ (قَالَتِ: السُّنَّةُ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيِ الدِّينُ وَالشَّرْعُ اهـ وَالْأَظْهَرُ، أَيِ الطَّرِيقَةُ اللَّازِمَةُ (عَلَى الْمُعْتَكِفِ) وَلَفْظُ الشُّمُنِّيِّ: مَضَتِ السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ، أَيِ اعْتِكَافًا مَنْذُورًا مُتَتَابِعًا (أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا) ، أَيْ بِالْقَصْدِ وَالْوُقُوفِ (وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً) ، أَيْ خَارِجَ مَسْجِدِهِ مُطْلَقًا (وَلَا يَمَسَّ الْمَرْأَةَ) ، أَيْ جِنْسَهَا بِشَهْوَةٍ (وَلَا يُبَاشِرَهَا) ، أَيْ لَا يُجَامِعُهَا وَلَوْ حُكْمًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِاللَّمْسِ الْمُجَامَعَةُ وَهِيَ مُبْطِلَةٌ لِلِاعْتِكَافِ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ قِيلَ: تُبْطِلُ، وَقِيلَ: لَا تُبْطِلُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَقِيلَ: إِنْ أَنْزَلَ يَبْطُلُ وَإِلَّا فَلَا اهـ وَمَذْهَبُنَا التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ (وَلَا يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ) ، أَيْ دُنْيَوِيَّةٍ وَأُخْرَوِيَّةٍ (إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) ، أَيْ إِلَّا لِحَاجَةٍ لَا فِرَاقَ فِيهَا وَلَا مَحِيصَ مِنَ الْخُرُوجِ لَهَا، وَهُوَ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِعْلُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ، وَلِذَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَوْ لِأَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنَ الِاسْتِنْجَاءِ وَالطَّهَارَةِ (وَلَا اعْتِكَافَ) قِيلَ: أَيْ لَا اعْتِكَافَ كَامِلًا أَوْ فَاضِلًا، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَعِنْدَنَا، أَيْ لَا اعْتِكَافَ صَحِيحٌ (إِلَّا بِصَوْمٍ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ اهـ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَحَادِيثُ ذَكَرَهَا ابْنُ الْهُمَامِ: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ» " وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا قَالَا: الْمُعْتَكِفُ يَصُومُ» ، وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَا: لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِالصَّوْمِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَذَكَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - الِاعْتِكَافَ مَعَ الصِّيَامِ، قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصِيَامٍ، قَالَ الشُّمُنِّيُّ: وَأَيْضًا لَمْ يَرِدْ أَنَّهُ ﷺ اعْتَكَفَ بِلَا صَوْمٍ، فَإِنْ قِيلَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ شَوَّالٍ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَائِمًا أَوْ مُفْطِرًا اهـ وَالْعَشْرُ يُطْلَقُ عَلَى التِّسْعِ، كَمَا يُقَالُ: صَامَ عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ وَعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَقَدْ يَكُونُ الشَّهْرُ نَاقِصًا فَلَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ مِنْ جُمْلَةِ الْعَشْرِ، وَيَحْرُمُ صَوْمُهُ ( «وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ» )
стр. 2993
أَيْ يَجْمَعُ النَّاسَ لِلْجَمَاعَةِ، قَالَ الشُّمُنِّيُّ: شَرْطُ الِاعْتِكَافِ مَسْجِدُ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ الَّذِي لَهُ مُؤَذِّنٌ وَإِمَامٌ، وَيُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، أَوْ بَعْضُهَا بِجَمَاعَةٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ يُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِجَمَاعَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَصَحَّحَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ اهـ وَقَالَ قَاضِيَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ عِنْدَهُ إِلَّا فِي الْجَامِعِ اهـ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] لِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: لَا تَعْجَبْ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَ دَارِكَ وَدَارِ أَبِي مُوسَى يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُعْتَكِفُونَ؟ ! قَالَ: لَعَلَّهُمْ أَصَابُوا وَأَخْطَأْتَ، أَوْ حَفِظُوا وَنَسِيتَ، قَالَ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبْغَضَ الْأُمُورِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - الْبِدَعُ، وَأَنَّ مِنَ الْبِدَعِ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي فِي الدُّورِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفَيْهِمَا عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لِا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ، وَتَقَدَّمَ مَرْفُوعًا عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَرَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «كُلُّ مَسْجِدٍ لَهُ إِمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ فَالِاعْتِكَافُ فِيهِ يَصِحُّ» " وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ ذِكْرَ الْجَامِعِ لِلْأَوْلَوِيَّةِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ اهـ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ وُرُودَ الْحَدِيثِ لَا يُعَلَّلُ بِالْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الْخِلَافِ بِالِاتِّفَاقِ، ثُمَّ أَفْضَلُ الِاعْتِكَافِ مَا يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، ثُمَّ مَسْجِدِ الْجَامِعِ، قِيلَ: إِذَا كَانَ يُصَلِّي فِيهِ بِجَمَاعَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي مَسْجِدِهِ أَفْضَلُ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى الْخُرُوجِ، ثُمَّ كُلُّ مَا كَانَ أَهْلُهُ أَكْثَرَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ الْجَزَرِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَقَالَ: وَغَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يَقُولُ قَالَتِ: السُّنَّةُ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ وَلَيْسَ فِيهِ السُّنَّةُ، وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ أَيْضًا بِدُونِ لَفْظِ السُّنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ زَادَ لَفْظَ السُّنَّةِ، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ فَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ قَالُوا مَنْ رَوَى الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا عَنْهُ لَا يُنْظَرُ لِلطَّاعِنِينَ فِيهِ، وَإِنْ كَثُرُوا اهـ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ فَثَبَتَ كَوْنُهُ مِنَ السُّنَّةِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْفُوعِ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ: إِنْ أَرَدْتَ بِكَوْنِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مِنَ السُّنَّةِ إِضَافَتَهَا إِلَيْهِ ﵇ فَهِيَ نُصُوصٌ لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا، أَوِ الْفُتْيَا بِمَا عَقِلْتَهُ مِنَ السُّنَّةِ، فَقَدْ خَالَفَهَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأُمُورِ، وَالصَّحَابَةُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ كَانَ سَبِيلُهَا النَّظَرَ اهـ فَهُوَ غَفْلَةٌ مِنَ الْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ فِي الْأُصُولِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ السُّنَّةُ كَذَا فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 2994
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢١٠٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ لَهُ فِرَاشُهُ أَوْ يُوضَعُ لَهُ سَرِيرُهُ وَرَاءَ أُسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢١٠٧ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ وُضِعَ أَوْ فُرِشَ (لَهُ فِرَاشُهُ أَوْ يُوضَعُ لَهُ سَرِيرُهُ) الظَّاهِرُ أَنَّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ (وَرَاءَ أُسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِإِبْدَالِ السِّينِ صَادًا وَهِيَ مِنَ أُسْطُوَانَاتِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَبَا لُبَابَةَ تِيبَ عَلَيْهِ عِنْدَهَا (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 2995
٢١٠٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الْمُعْتَكَفِ: " هُوَ يَعْتَكِفُ الذُّنُوبَ وَيُجْرَى لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَاتِ كُلِّهَا» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢١٠٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الْمُعْتَكِفِ) ، أَيْ فِي حَقِّهِ وَشَأْنِهِ (وَهُوَ) وَفِي نُسْخَةٍ هُوَ (يَعْتَكِفُ الذُّنُوبَ) مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ يَحْتَبِسُ عَنِ الذُّنُوبِ، بَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ شَأْنَ الْمُحْتَبِسِ فِي الْمَسْجِدِ الِانْحِبَاسُ عَنْ تَعَاطِي أَكْثَرِ الذُّنُوبِ وَلِذَا اخْتُصَّ الِاعْتِكَافُ بِالْمَسْجِدِ (وَيُجْرَى) بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ مَجْهُولًا وَقِيلَ مَعْلُومًا، أَيْ يَمْضِي وَيَسْتَمِرُّ (لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ) ، أَيْ مِنْ ثَوَابِهَا (كَعَامِلِ الْحَسَنَاتِ) ، أَيْ كَأُجُورِ عَامِلِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْجِيمِ وَالزَّايِ مَجْهُولًا، أَيْ يُعْطَى لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي يَمْتَنِعُ عَنْهَا بِالِاعْتِكَافِ كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ وَزِيَارَةِ الْإِخْوَانِ وَغَيْرِهَا، فَاللَّامُ فِي الْحَسَنَاتِ لِلْعَهْدِ (كُلِّهَا) تَأْكِيدٌ لِلْجِنْسِ الْمَعْهُودِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 2996
[كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ]
стр. 2997
(- كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ)
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٢١٠٩ - عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
(كِتَابُ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ)
عُمُومًا وَبَعْضِ سُوَرِهِ وَآيَاتِهِ خُصُوصًا، وَالْفَضِيلَةُ مَا يُفَضَّلُ بِهِ الشَّيْءُ عَلَى غَيْرِهِ، يُقَالُ: لِفُلَانٍ فَضِيلَةٌ، أَيْ خَصْلَةٌ حَمِيدَةٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْخِصَالِ الْمَحْمُودَةِ كَمَا أَنَّ الْفُضُولَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَذْمُومِ اهـ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ الْفَضِيلَةُ فِي الصِّفَةِ الْقَاصِرَةِ وَالْفَاضِلَةِ فِي الْمُتَعَدِّيَةِ كَالْكَرَمِ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ الْفَضِيلَةُ فِي الْعُلُومِ وَالْفَاضِلَةُ فِي الْأَخْلَاقِ، قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الْإِتْقَانِ: اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنْ شَيْءٍ؟ فَذَهَبَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ إِلَى الْمَنْعِ لِأَنَّ الْجَمِيعَ كَلَامُ اللَّهِ وَلِئَلَّا يُوهِمَ التَّفْضِيلُ نَقْصَ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ مَالِكٍ، وَذَهَبَ آخَرُونَ وَهُمُ الْجُمْهُورُ إِلَى التَّفْضِيلِ لِظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّهُ الْحَقُّ، وَقَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: الْعَجَبُ فَمَنْ يَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ مَعَ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي التَّفْضِيلِ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي جَوَاهِرِ الْقُرْآنِ: لَعَلَّكَ أَنْ تَقُولَ: قَدْ أَشَرْتَ إِلَى تَفْضِيلِ بَعْضِ آيَاتِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ وَالْكَلَامُ كَلَامُ اللَّهِ فَكَيْفَ يَكُونُ بَعْضُهَا أَشْرَفَ مِنْ بَعْضٍ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ نُورَ الْبَصِيرَةِ إِنْ كَانَ لَا يُرْشِدُكَ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الْمُدَايَنَةِ وَبَيْنَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَسُورَةِ تَبَّتْ، وَتَرْتَاعُ عَلَى اعْتِقَادِ الْفَرْقِ نَفْسُكَ الْخَوَّارَةُ الْمُسْتَغْرِقَةُ بِالتَّقْلِيدِ فَقَلِّدْ صَاحِبَ الرِّسَالَةِ ﷺ فَهُوَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَقَالَ: " يس " قَلْبُ الْقُرْآنِ، وَفَاتِحَةُ الْكِتَابِ أَفْضَلُ سُوَرِ الْقُرْآنِ، وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى اهـ كَلَامُهُ ثُمَّ قِيلَ: الْفَضْلُ رَاجِعٌ إِلَى عِظَمِ الْأَجْرِ وَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ بِحَسَبِ انْفِعَالَاتِ النَّفْسِ وَخَشْيَتِهَا وَتَدَبُّرِهَا وَتَفَكُّرِهَا عِنْدَ وُرُودِ أَوْصَافِ الْعَلِيِّ، وَقِيلَ: بَلْ يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِ اللَّفْظِ وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] الْآيَةَ وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ وَآخِرُ سُورَةِ الْحَشْرِ وَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ مِنَ الدَّلَالَاتِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَصِفَاتِهِ لَيْسَ مَوْجُودًا مَثَلًا فِي تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا، فَالتَّفْضِيلُ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَعَانِي الْعَجِيبَةِ وَكَثْرَتِهَا؛ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الْقُرْآنُ يُطْلَقُ عَلَى الْكَلَامِ الْقَدِيمِ النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ الْعَلِيِّ، وَعَلَى الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ الْكَلَامِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ بِهَذَا الْمَعْنَى حَادِثٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي النَّفْسِيِّ فَهُمْ نَفَوْهُ لِقُصُورِ عُقُولِهِمُ النَّاقِصَةِ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى كَلَامًا إِلَّا اللَّفْظِيَّ وَهُوَ مُحَالٌ عَلَيْهِ - تَعَالَى - وَبَنُوا عَلَى هَذَا التَّعْطِيلِ قَوْلَهُمْ مَعْنَى كَوْنِهِ - تَعَالَى - مُتَكَلِّمًا أَنَّهُ خَالِقٌ لِلْكَلَامِ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ وَنَحْنُ أَثْبَتْنَاهُ عَمَلًا بِمَدْلُولِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَبِمَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّ الْكَلَامَ حَقِيقَةٌ فِي النَّفْيِ وَحْدَهُ أَوْ بِالِاشْتِرَاكِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ إِطْلَاقُ كُلٍّ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّفْظِيِّ وَالنَّفْسِيِّ، قَالَ تَعَالَى: مَا يَأْتِيهِمْ مُنْذِرٌ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٌ " ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] " وَاللَّفْظُ مُحَالٌ عَلَيْهِ - تَعَالَى - وَخَلْقُ الْكَلَامِ فِي الشَّجَرَةِ مَجَازٌ لَا ضَرُورَةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْقُرْآنَ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَوْ فِعْلَانِ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِمَعْنَى الْجَمْعِ لِجَمْعِهِ السُّورَ وَأَنْوَاعِ الْعُلُومِ وَأَنَّهُ مَهْمُوزٌ، وَقِرَاءَةُ ابْنُ كَثِيرٍ إِنَّمَا هِيَ بِالنَّقْلِ كَمَا قَالَ الشَّاطِبِيُّ ﵀.
وَنُقِلَ قُرْآنٌ وَالْقُرْآنُ دَوَاؤُنَا، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مِنْ قَرَنْتَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ لِقَرْنِ السُّورِ وَالْآيَاتِ فِيهِ، وَأَغْرَبَ الشَّافِعِيُّ حَيْثُ قَالَ: الْقُرْآنُ اسْمُ عَلَمٍ لِكَلَامِ اللَّهِ وَلَيْسَ بِمَهْمُوزٍ وَلَا مَأْخُوذٍ مِنْ قَرَأْتَ، وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَلَعَلَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ فِي الْأَفْصَحِ وَالْأَشْهَرِ فَمَرْدُودٌ بِأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى الْهَمْزِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَنَقْلُ ابْنُ كَثِيرٍ أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَى الْهَمْزِ الْمَذْكُورِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْمُشْتَقَّاتِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى اقْرَأْ وَرَبُّكَ " ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] " وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٢١٠٩ - (عَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَيْرُكُمْ) ، أَيْ يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ أَوْ يَا أَيُّهَا الْأُمَّةُ، أَيْ أَفْضَلُكُمْ كَمَا فِي رِوَايَةِ (مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ) ، أَيْ حَقَّ تَعَلُّمِهِ (وَعَلَّمَهُ) ، أَيْ تَعْلِيمَهُ وَلَا يُتَمَكَّنُ مِنْ هَذَا إِلَّا بِالْإِحَاطَةِ بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا مَعَ زَوَائِدِ الْعَوَارِفِ الْقُرْآنِيَّةِ وَفَوَائِدِ الْمَعَارِفِ الْفَوْقَانِيَّةِ، وَمِثْلُ هَذَا الشَّخْصِ يُعَدُّ كَامِلًا لِنَفْسِهِ مُكَمِّلًا لِغَيْرِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ الْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، وَلِذَا وَرَدَ عَنْ عِيسَى ﵊ مَنْ عَلِمَ وَعَمَلَ
стр. 2998
وَعِلْمٍ يُدْعَى فِي الْمَلَكُوتِ عَظِيمًا، وَالْفَرْدُ الْأَكْمَلُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ الْأَشْبَهُ فَالْأَشْبَهُ وَأَدْنَاهُ فَقِيهُ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ خَيْرُ النَّاسِ بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ، وَقَالَ مِيرَكُ، ﵀: أَيْ مِنْ خَيْرِكُمْ لِوُرُودِ ذَلِكَ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ أَيْضًا، قُلْتُ: كُلُّ مَا وَرَدَ دَاخِلٌ فِي الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ، كُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الْفِرَا، وَلَا يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْعَمَلَ خَارِجٌ عَنْهُمَا لِأَنَّ الْعِلْمَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُورِثًا لِلْعَمَلِ فَلَيْسَ عِلْمًا فِي الشَّرِيعَةِ، إِذْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ مَعَ أَنَّهُ قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: إِلَى مَتَى الْعِلْمُ فَأَيْنَ الْعَمَلُ؟ قَالَ: عِلْمُنَا عَمَلٌ، ثُمَّ الْخِطَابُ عَامٌّ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّحَابَةِ كَذَا قِيلَ، وَلَوْ خُصَّ بِهِمْ فَغَيْرُهُمْ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَالْقُرْآنُ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّهِ وَبَعْضِهِ، وَيُصْبِحُ إِرَادَةَ الْمَعْنَى الثَّانِي هُنَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ التَّعَلُّمُ وَالتَّعْلِيمُ وَلَوْ فِي آيَةٍ كَانَ خَيْرًا مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَوَجْهُ خَيْرِيَّتِهِ يُعْلَمُ مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَقَدْ أَدْرَجَ النُّبُوَّةَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ» " وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ " «أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ» " وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامَ اللَّهِ فَكَذَلِكَ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ مَنْ يَتَعَلَّمِ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُهُ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ التَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ بِالْإِخْلَاصِ، قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي الْفَتَاوَى: تَعَلُّمُ قَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ سَوَاءٌ فِي الْفَضْلِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى الْوَاجِبِ فَالْفِقْهُ أَفْضَلُ اهـ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ ظَاهِرٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إِسَاءَةِ الْإِطْلَاقِ لِأَنَّ تَعَلُّمَ قَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الْقُرْآنِ عِلْمٌ يَقِينِيٌّ وَمِنَ الْفِقْهِ ظَنِّيٌّ، فَكَيْفَ يَكُونَانِ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ وَالْفِقْهُ إِنَّمَا يَكُونُ أَفَضَلَ لِكَوْنِهِ مَعْنَى الْقُرْآنِ فَلَا يُقَابَلُ بِهِ، نَعَمْ لَا شَكَّ أَنَّ مَعْرِفَةَ مَعْنَى الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ مَعْرِفَةِ لَفْظِهِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الْقُرْآنِ تَعَلُّمُ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ مَثَلًا فَإِنَّهُ رُكْنٌ عَلَى مَذْهَبِهِ وَبِالْفِقْهِ مَعْرِفَةُ كَوْنِ الرُّكُوعِ رُكْنًا مَثَلًا فَلَا يَسْتَوِيَانِ أَيْضًا مِنْ وُجُوهٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 2999
٢١١٠ - «وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: " أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوِ الْعَقِيقِ فَيَأْتِي بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟ " فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّنَا نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: " أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢١١٠ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ) فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ أَهْلُ الصُّفَّةِ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا يَأْوُونَ إِلَى مَوْضِعٍ مُظَلَّلٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَفِي الْقَامُوسِ: أَهْلُ الصُّفَّةِ كَانُوا أَضْيَافَ الْإِسْلَامِ يَبِيتُونَ فِي صُفَّةِ مَسْجِدِهِ ﵊ وَفِي حَاشِيَةِ السُّيُوطِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ: عَدَّهُمْ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، وَالصُّفَّةُ مَكَانٌ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ أُعِدَّ لِنُزُولِ الْغُرَبَاءِ فِيهِ مَنْ لَا مَأْوَى لَهُ وَلَا أَهْلَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَانَتْ هِيَ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ مُعَدَّةٌ لِفُقَرَاءِ أَصْحَابِهِ الْغَيْرِ الْمُتَأَهِّلِينَ، وَكَانُوا يَكْثُرُونَ تَارَةً حَتَّى يَبْلُغُوا نَحْوَ الْمِائَتَيْنِ وَيَقِلُّونَ أُخْرَى لِإِرْسَالِهِمْ فِي الْجِهَادِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَفِي التَّعَرُّفِ إِنَّمَا سُمُّوا صُوفِيَّةً لِقُرْبِ أَوْصَافِهِمْ مِنْ أَوْصَافِ أَهْلِ الصُّفَّةِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِلِبْسِهُمُ الصُّوفَ أَوْ لِصَفَاءِ أَسْرَارِهِمْ أَوْ لِصَفَاءِ مُعَامَلَتِهِمْ لِأَنَّهُمْ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ مِنَ السَّابِقِينَ الْمُسَارِعِينَ فِي الْخَيْرَاتِ وَالْمُبَادِرِينَ فِي الطَّاعَاتِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا مَنْ نَسَبَهُمْ إِلَى الصُّفَّةِ وَالصُّوفِ فَإِنَّهُ عَبَّرَ عَنْ ظَاهِرِ أَحْوَالِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ تَرَكُوا الدُّنْيَا فَخَرَجُوا عَنِ الْأَوْطَانِ وَهَجَرُوا الْأَخْدَانَ وَسَاحُوا فِي الْبِلَادِ وَأَجَاعُوا الْأَكْبَادَ وَأَعْرَوُا الْأَجْسَادَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا يَجُوزُ تَرْكُهُ مِنْ سَتْرِ عَوْرَةٍ وَسَدِّ جَوْعَةٍ، فَلِخُرُوجِهِمْ عَنِ الْأَوْطَانِ سُمُّوا غُرَبَاءَ وَلِكَثْرَةِ أَسْفَارِهِمْ سُمُّوا سَيَّاحِينَ وَلِقِلَّةِ أَكْلِهِمْ سُمُّوا جَوْعِيَّةً وَمِنْ تَخْلِيَتِهِمْ عَنِ الْأَمْلَاكِ سُمُّوا فُقَرَاءً وَلِلِبْسِهِمُ الثَّوْبَ الْخَشِنَ مِنَ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ سُمُّوا صُوفِيَّةً، ثُمَّ هَذِهِ كُلُّهَا أَحْوَالُ أَهْلِ الصُّفَّةِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُمْ كَانُوا غُرَبَاءَ فُقَرَاءَ مُهَاجِرِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَوَصَفَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ وَفَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ فَقَالَا: كَانُوا يَخِرُّونَ مِنْ لَوَعٍ حَتَّى يَحْسَبَهُمُ الْأَعْرَابُ مَجَانِينَ وَكَانَ لِبَاسُهُمُ الصُّوفَ حَتَّى إِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ لَيَعْرَقَ فِيهِ فَيُوجَدُ مِنْهُ رِيحُ الضَّأْنِ إِذَا أَصَابَهُ الْمَطَرُ (فَقَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ) ، أَيْ يَذْهَبُ فِي الْغُدْوَةِ وَهِيَ أَوَّلُ النَّهَارِ أَوْ يَنْطَلِقُ (كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ) بِضَمِّ الْمُوَحِّدَةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ اسْمُ وَادٍ بِالْمَدِينَةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسِعَتِهِ وَانْبِسَاطِهِ مِنَ الْبَطْحِ وَهُوَ الْبَسْطُ، وَضَبَطَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ بِفَتْحِ الْبَاءِ أَيْضًا (أَوِ الْعَقِيقُ) قِيلَ: أَرَادَ الْعَقِيقَ الْأَصْغَرَ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ مِيلَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا أَقْرَبُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُقَامُ فِيهَا أَسْوَاقُ الْإِبِلِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ، لَكِنَّ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: أَوْ قَالَ إِلَى الْعَقِيقِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (فَيَأْتِي بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ) تَثْنِيَةُ كَوْمَاءَ قُلِبَتِ الْهَمْزَةُ
стр. 3000
وَاوًا وَأَصْلُ الْكَوْمِ الْعُلُوِّ، أَيْ فَيَحْصُلُ نَاقَتَيْنِ عَظِيمَتَيِ السَّنَامِ وَهِيَ مِنْ خِيَارِ مَالِ الْعَرَبِ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَضُمُّ الْكَافَ لَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ، وَكَأَنَّهُ وَهْمٌ مِنْهُ لِمَا وَقَعَ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: وَنَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى كَوْمٍ هُوَ بِالْفَتْحِ الْمَوَاضِعُ الْمُشْرِفَةُ وَاحِدُهَا كَوْمَةٌ وَمِنْهُ كَوْمَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَمِنْ طَعَامٍ، أَيْ صَبْرَةٌ وَبَعْضُهُمْ يَضُمُّ الْكَافَ، وَقِيلَ: هُوَ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِمَا كُوِّمَ وَبِالْفَتْحِ اسْمٌ لِلْفِعْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَنَاقَةٌ كَوْمَاءٌ مُشْرِفَةُ السَّنَامِ عَالِيَتُهُ (فِي غَيْرِ إِثْمٍ) كَسَرِقَةٍ وَغَصْبٍ سُمِّيَ مُوجِبُ الْإِثْمِ إِثْمًا مَجَازًا (وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ) ، أَيْ فِي غَيْرِ مَا يُوجِبُهُ وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ وَفِي لِلسَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ لُمْتُنَّنِي فِيهِ (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّنَا نُحِبُّ ذَلِكَ) بِالنُّونِ، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ: كُلُّنَا يُحِبُّ ذَلِكَ بِالْيَاءِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي اخْتِيَارَهُمْ فَقْرَهُمْ فَإِنَّهُمْ أَرَادُوا الدُّنْيَا لِلدِّينِ لَا لِلطِّينِ وَلِيَصْرِفُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَلِيَتَجَهَّزُوا وَيُجَهِّزُوا جَيْشَ الْمُسْلِمِينَ فَأَرَادَ ﷺ أَنْ يُرَقِّيَهُمْ عَنْ هَذَا الْمَقَامِ فَإِنَّهُ نَاقِصٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ الْعِظَامِ كَمَا قَالَ عِيسَى ﵇: " يَا طَالِبَ الدُّنْيَا لِتِبْرٍ تَرْكُكَ الدُّنْيَا أَبَرُّ " وَقَدْ قَالَ ﷺ : " «لَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي حِجْرِهِ دَرَاهِمُ يُقَسِّمُهَا وَآخَرُ يَذْكُرُ اللَّهَ كَانَ الذَّاكِرُ لِلَّهِ أَفْضَلَ» " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَلَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ وَالْعَالِمَ خَيْرٌ مِنَ الْعَابِدِ، وَأَمَّا مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُنَافِي مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْوَرَعِ وَالزُّهْدِ لِأَنَّهُمْ أَحَبُّوا مَا بِهِ الْكِفَايَةُ وَلَا أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ لَا تُنَافِي الزُّهْدَ فَضْلًا عَنِ الْوَرَعِ، فَمَعَ كَوْنِ النَّاقَتَيْنِ زَائِدًا عَلَى الْكِفَايَةِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لَا يُلَائِمُهُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ قَالَ (أَفَلَا يَغْدُو) ، أَيْ أَلَا يَتْرُكُ ذَلِكَ فَلَا يَغْدُو وَمَا أَبْعَدَ تَقْدِيرَ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ إِذَا كُنْتُمْ كَذَلِكَ أَفَلَا يَغْدُو (أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ) بِالتَّشْدِيدِ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالتَّخْفِيفِ (أَوْ يَقْرَأُ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ فِيهِمَا، قَالَ مِيرَكُ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَرْضًا أَوْ نَفْيًا وَفِيهِ أَنَّ الْفَاءَ مَانِعَةٌ مِنْ كَوْنِهَا لِلْعَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُهُ فَيَعْلَمَ أْو يَقْرَأَ مَنْصُوبَانِ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ مَرْفُوعَانِ عَلَى الثَّانِي، قُلْتُ: وَيَجُوزُ نَصْبُهُمَا عَلَى الثَّالِثِ أَيْضًا لِأَنَّهُ جَوَابُ النَّفْيِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَعْلَمُ مِنَ التَّعْلِيمِ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ وَصَحَّحَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ مِنَ الْعِلْمِ وَكَلِمَةُ أَوْ يَحْتَمِلُ الشَّكَّ وَالتَّنْوِيعَ اهـ وَفِي الشَّرْحِ أَنَّهُ صَحَّحَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ فَيَعْلَمُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُون الْعَيْنِ، أَوْ شَكٍّ مِنَ الرَّاوِي دَفْعًا لِتَوَهُّمِ كَوْنِهِ مِنَ التَّعْلِيمِ فَيَكُونُ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَعَلَى التَّنْوِيعِ قَوْلُهُ (آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانُ وَقَوْلُهُ (خَيْرٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هُمَا أَوِ الْغُدُوِّ خَيْرٌ (لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَثَلَاثٍ) ، أَيْ مِنَ الْآيَاتِ (خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ) ، أَيْ مِنَ الْإِبِلِ (وَأَرْبَعٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ) جَمْعُ عَدَدٍ (مِنَ الْإِبِلِ) بَيَانٌ لِلْأَعْدَادِ، قِيلَ: مِنْ أَعْدَادِهِنَّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَأَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ آيَاتٍ خَيْرٌ مِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ فَخَمْسُ آيَاتٍ خَيْرٌ مِنْ خَمْسِ إِبِلٍ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ أَنَّ آيَتَيْنِ خَيْرٌ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَمِنْ أَعْدَادِهِمَا مِنَ الْإِبِلِ، وَثَلَاثًا خَيْرٌ مِنْ ثَلَاثٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ، وَكَذَا أَرْبَعٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْآيَاتِ تُفَضَّلُ عَلَى أَعْدَادِهِنَّ مِنَ النُّوقِ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَيُوَضِّحُهُ مَا قِيلَ: إِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بُقُولِهِ وَآيَتَيْنِ وَثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ، وَمَجْرُورِ أَعْدَادِهِنَّ عَائِدٌ إِلَى الْأَعْدَادِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا، وَمِنِ الْإِبِلِ بَدَلٌ مِنْ أَعْدَادِهِنَّ أَوْ بَيَانٌ لَهُ يَعْنِي آيَتَانِ خَيْرٌ مِنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الْإِبِلِ وَكَذَلِكَ ثَلَاثًا وَأَرْبَعَ آيَاتٍ مِنْهُ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ تَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ نَفْعًا عَظِيمًا بِخِلَافِ الْإِبِلِ اهـ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ﵊ أَرَادَ تَرْغِيبَهُمْ فِي الْبَاقِيَاتِ وَتَزْهِيدَهُمْ عَنِ الْفَانِيَاتِ فَذِكْرُهُ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّقْرِيبِ إِلَى فَهْمِ الْعَلِيلِ وَإِلَّا فَجَمِيعُ الدُّنْيَا أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يُقَابَلَ بِمَعْرِفَةِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِثَوَابِهَا مِنَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُ هَذَا لِشَيْخِ مَشَايِخِنَا أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ السِّرِّيَّ؛ حَيْثُ الْتَمَسَ مِنْهُ أَصْحَابُهُ مِنَ التُّجَّارِ نُزُولَهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَنْدَرِ جُدَّةَ أَيْامَ إِتْيَانِ الْغُرَبَاءِ مِنْ سَفَرِ الْبِحَارِ مُعَلِّلِينَ بِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ حُصُولَ بَرَكَةِ نُزُولِهِ إِلَى تِجَارَتِهِمْ وَمُكَمِّنِينَ بِأَنْ يَحْصُلَ لِخَدَمِ الشَّيْخِ بَعْضُ مَنَافِعِ بِضَاعَتِهِمْ فَأَبَى وَأَتَى بِأَعْذَارٍ سَاتِرَةٍ لِلْأَسْرَارِ، فَمَا فَهِمُوا وَأَلَحُّوا وَبَالَغُوا فِي الْمَسْأَلَةِ مَعَ الْإِصْرَارِ، فَقَالَ الشَّيْخُ: مَا مِقْدَارُ مَائِدَةِ رِبْحِكُمْ فِي هَذَا السَّفَرِ؟ وَكَمْ أَكْثَرُ مَا يَحْصُلُ لَكُمْ فِيهِ مِنَ النَّتِيجَةِ وَالْأَثَرِ؟ فَقَالُوا: يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَتَفَاوُتِ الْأَمْوَالِ، وَأَكْثَرُ الرِّبْحِ أَنْ يَصِيرَ الدِّرْهَمُ دِرْهَمَيْنِ وَيَكُونَ الْوَاحِدُ اثْنَيْنِ، فَتَبَسَّمَ الشَّيْخُ وَقَالَ: إِنَّكُمْ تَتْعَبُونَ هَذَا التَّعَبَ الشَّدِيدَ لِهَذَا الرِّبْحِ الزَّهِيدِ، فَنَحْنُ كَيْفَ نَتْرُكُ مُضَاعَفَةَ الْحَسَنَاتِ بِالْحَرَامِ وَهِيَ حَسَنَةٌ بِمِائَةِ أَلْفٍ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ وَكُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، وَالنَّاسُ نِيَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا عَنِ الْمَنَامِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3001
٢١١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ، إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ؟) قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: " فَثَلَاثُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢١١١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ، إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ؟) قُلْنَا: نَعَمْ. أَيْ فِي رُجُوعِهِ إِلَيْهِمْ، وَقِيلَ: أَيْ فِي طَرِيقِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ فِي أْهلِهِ يَعْنِي فِي مَحَلِّهِمْ (ثَلَاثُ خَلِفَاتٍ) ، أَيْ جَمْعُ خَلِفَةٍ بِفَتْحٍ فَكَسَرٍ مِنْ خَلَّفَتِ النَّاقَةُ، أَيْ حَمَلَتْ يَعْنِي حَامِلَاتٍ (عِظَامٍ) فِي الْكَمِّيَّةِ وَالْمَاهِيَّةٍ (سِمَانٍ) فِي الْكَيْفِيَّةِ وَالْحَالِيَّةِ (قُلْنَا: نَعَمْ) ، أَيْ بِمُقْتَضَى الطَّبِيعَةِ أَوْ عَلَى وَفْقِ الشَّرِيعَةِ لِيَكُونَ لِلْآخِرَةِ ذَرِيعَةً (قَالَ) ؛ أَيْ فَإِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ وَغَفَلْتُمْ عَمَّا هُوَ أَوْلَى (فَثَلَاثُ آيَاتٍ) ، أَيْ فَاعْلَمُوا أَنَّ قِرَاءَةَ ثَلَاثِ آيَاتٍ خَيْرٌ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَإِذَا كُنْتُمْ تُحِبُّونَ ذَلِكَ فَثَلَاثُ آيَاتٍ، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ السَّبَبِيَّةِ، وَلِذَا تَكَلَّفَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: الْفَاءُ فِي " فَثَلَاثُ آيَاتٍ " جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ فَالْمَعْنَى: إِذَا تَقَرَّرَ مَا زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تُحِبُّونَ مَا ذَكَرْتُ لَكُمْ فَقَدْ صَحَّ أَنْ يُفَضَّلَ عَلَيْهَا مَا أَذْكُرُهُ لَكُمْ مِنْ قِرَاءَةِ ثَلَاثِ آيَاتٍ لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَتِلْكَ مِنَ الزَّائِدَاتِ الْفَانِيَاتِ (يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَوْ لِلْإِلْصَاقِ (فِي صَلَاتِهِ) بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ وَتَقْيِيدٌ لِلْأَفْضَلِ (خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّفْخِيمِ وَفِي الْأَوَّلِ لِلشُّيُوعِ فِي الْأَجْنَاسِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُعْرَفِ الثَّانِي (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3002
٢١١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢١١٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ) ، أَيِ الْحَاذِقُ مِنَ الْمَهَارَةِ وَهِيَ الْحِذْقُ، جَازَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ جَوْدَةُ الْحِفْظِ أَوْ جَوْدَةُ اللَّفْظِ وَأَنْ يُرِيدَ بِهِ كِلَيْهِمَا وَأَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُمَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ الْكَامِلُ الْحِفْظِ الَّذِي لَا يَتَوَقَّفُ فِي الْقِرَاءَةِ وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، قَالَ الْجَعِيِرِيُّ فِي وَصْفِ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ: كُلُّ مَنْ أَتْقَنَ حِفْظَ الْقُرْآنِ وَأَدْمَنَ دَرْسَهُ وَأَحْكَمَ تَجْوِيدَ أَلْفَاظِهِ وَعَلِمَ مَبَادِيهِ وَمَقَاطِعِهِ وَضَبَطَ رِوَايَةَ قِرَاءَتِهِ وَفَهِمَ وُجُوهَ إِعْرَابِهِ وَلُغَاتِهِ وَوَقَفَ عَلَى حَقِيقَةِ اشْتِقَاقِهِ وَتَصْرِيفِهِ وَرَسَخَ فِي نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَأَخَذَ حَظًّا وَافِرًا مِنْ تَفْسِيرِهِ وَتَأْوِيلِهِ وَصَانَ نَقْلَهُ عَنِ الرَّأْيِ وَتَجَافَى عَنْ مَقَايِيسِ الْعَرَبِيَّةِ وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ وَجَلَّلَهُ الْوَقَارُ وَغَمَرَهُ الْحَيَاءُ وَكَانَ عَدْلًا مُتَيَقِّظًا وَرِعًا مُعْرِضًا عَنِ الدُّنْيَا مُقْبِلًا عَلَى الْآخِرَةِ قَرِيبًا مِنَ اللَّهِ فَهُوَ الْإِمَامُ الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ وَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَيُقْتَدَى بِأَقْوَالِهِ وَيُهْتَدَى بِأَفْعَالِهِ (مَعَ السَّفَرَةِ) جَمْعُ سَافِرٍ وَهُمُ الرُّسُلُ إِلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَقِيلَ: السَّفَرَةُ الْكَتَبَةُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ مِيرَكُ: أَيِ الْكَتَبَةُ جَمْعُ سَافِرٍ مِنَ السَّفَرِ، وَأَصْلُهُ الْكَشْفُ فَإِنَّ الْكَاتِبَ يُبَيِّنُ مَا يَكْتُبُ وَيُوَضِّحُهُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْكِتَابِ سِفَرٌ بِكَسْرِ السِّينِ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ الْحَقَائِقَ وَيُسْفِرُ عَنْهَا وَالْمُرَادُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ هُمْ حَمَلَةُ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ - كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥ - ١٦] سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ الْمُنَزَّلَةَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ فَكَأَنَّهُمْ يَسْتَنْسِخُونَهَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْمَعْنَى الْجَامِعُ بَيْنَهُمْ كَوْنُهُ مِنْ خَزَنَةِ الْوَحْيِ وَأُمَنَاءِ الْكُتُبِ، قَالَ مِيرَكُ: وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَا نَسَخُوا الْقُرْآنَ، وَقِيلَ: السَّفَرَةُ الْمَلَائِكَةُ الْكَاتِبُونَ لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ أَوْ مِنَ السَّفَارِ بِمَعْنَى الْإِصْلَاحِ فَالْمُرَادُ هُمْ حِينَئِذٍ الْمَلَائِكَةُ النَّازِلُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْعِبَادِ مِنْ حِفْظِهِمْ عَنِ الْآفَاتِ وَالْمَعَاصِي وَإِلْهَامِهِمُ الْخَيْرَ فِي قُلُوبِهِمْ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مَنَازِلٌ يَكُونُ فِيهَا رَفِيقًا لِلْمَلَائِكَةِ لِاتِّصَافِهِ بِصِفَتِهِمْ مِنْ حَمْلِ كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ عَامِلٌ بِعَمَلِهِمْ وَسَالِكٌ مَسْلَكَهُمْ مِنْ كَوْنِهِمْ يَحْفَظُونَهُ وَيُؤَدُّونَهُ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَيَكْشِفُونَ لَهُمْ مَا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ فَكَذَلِكَ الْمَاهِرُ (الْكِرَامُ) جَمْعُ الْكَرِيمِ، أَيِ الْمُكْرَمِينَ عَلَى اللَّهِ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَ مَوْلَاهُ لِعِصْمَتِهِمْ وَنَزَاهَتِهِمْ عَنْ دَنَسِ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُخَالَفَةِ (الْبَرَرَةِ) جَمْعُ بَارٍّ وَهُوَ الْمُحْسِنُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ الْمُطِيعُونَ مِنَ الْبِرِّ وَهُوَ الطَّاعَةُ يَعْنِي هُوَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي مَنَازِلِ الْآخِرَةِ لِاتِّصَافِهِ بِصِفَتِهِمْ مِن حَمْلِ كِتَابِ اللَّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ أَنَّ عَامِلَ عَمَلَهُمْ وَسَالِكَ مَسْلَكَهُمْ فِي حِفْظِهِ وَأَدَائِهِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ (وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ) ، أَيْ يَتَرَدَّدُ وَيَتَبَلَّدُ عَلَيْهِ لِسَانُهُ وَيَقِفُ فِي قِرَاءَتِهِ لِعَدَمِ مَهَارَتِهِ، وَالتَّعْتَعَةُ فِي الْكَلَامِ التَّرَدُّدُ فِيهِ مِنْ حَصْرٍ أَوْ عِيٍّ، يُقَالُ: تَعْتَعَ لِسَانُهُ إِذَا تَوَقَّفَ فِي الْكَلَامِ وَلَمْ يُطِعْهُ لِسَانُهُ (وَهُوَ) ، أَيِ الْقُرْآنُ، أَيْ حُصُولُهُ أَوْ تَرَدُّدُهُ فِيهِ (عَلَيْهِ) ، أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْقَارِئِ (شَاقٌّ) ، أَيْ شَدِيدٌ يُصِيبُهُ مَشَقَّةٌ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (لَهُ أَجْرَانِ) ، أَيْ أَجْرٌ لِقِرَاءَتِهِ وَأَجْرٌ لِتَحَمُّلِ مَشَقَّتِهِ وَهَذَا تَحْرِيضٌ عَلَى تَحْصِيلِ الْقِرَاءَةِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي يَتَتَعْتَعُ فِيهِ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ أَكْثَرُ مِنَ الْمَاهِرِ بَلِ الْمَاهِرُ أَفْضَلُ وَأَكْثَرُ أَجْرًا مَعَ السَّفَرَةِ وَلَهُ أُجُورٌ كَثِيرَةٌ حَيْثُ انْدَرَجَ فِي سِلْكِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ أَوِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَوِ الصَّحَابَةِ الْمُقَرَّبِينَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.
стр. 3003
٢١١٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢١١٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا حَسَدَ) ، أَيْ لَا غِبْطَةَ (إِلَّا عَلَى اثْنَيْنِ) وَقِيلَ: لَوْ كَانَ الْحَسَدُ جَائِزًا لَجَازَ عَلَيْهِمَا (رَجُلٌ) بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ هُمَا أَوْ مِنْهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا (آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ) ، أَيْ مَنَّ عَلَيْهِ بِحِفْظِهِ لَهُ كَمَا يَنْبَغِي (فَهُوَ يَقُومُ بِهِ) ، أَيْ بِتِلَاوَتِهِ وَحِفْظِ مَبَانِيهِ أَوْ بِالتَّأَمُّلِ فِي أَحْكَامِهِ وَمَعَانِيهِ أَوْ بِالْعَمَلِ بِأَوَامِرِهِ وَمَنَاهِيهِ أَوْ يُصَلِّي بِهِ وَيَتَحَلَّى بِآدَابِهِ (آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ) ، أَيْ فِي سَاعَاتِهِمَا جَمْعُ إِنَى بِالْكَسْرِ بِوَزْنِ مِعَى وَإِنْوِ وَإِنْيٍ بِسُكُونِ النُّونِ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَغْفُلُ عَنْهُ إِلَّا فِي قَلِيلٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ (وَرَجُلٌ) بِالْوَجْهَيْنِ (آتَاهُ اللَّهُ مَالًا) ، أَيْ حَلَالًا (فَهُوَ يُنْفِقُ) ، أَيْ لِلَّهِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ مِنْهُ (آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ) ، أَيْ فِي أَوْقَاتِهِمَا (سِرًّا وَعَلَانِيَةً) وَلَعَلَّ هَذِهِ نُكْتَةُ تَقْدِيمِ اللَّيْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، قَالَ مِيرَكُ: الْحَسَدُ قِسْمَانِ حَقِيقِيٌّ وَمَجَازِيٌّ، فَالْحَقِيقِيُّ تَمَنِّي زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْ صَاحِبِهَا وَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ، وَأَمَّا الْمَجَازِيُّ فَهُوَ الْغِبْطَةُ وَهِيَ تَمَنِّي مِثْلَ النِّعْمَةِ الَّتِي عَلَى الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ تَمَنِّي زَوَالٍ عَنْ صَاحِبِهَا، أَيِ الْغِبْطَةُ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا كَانَتْ مُبَاحَةً، وَإِنْ كَانَتْ طَاعَةً فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَالْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ: لَا غِبْطَةَ مَحْمُودَةً إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ اهـ يَعْنِي فِيهِمَا وَأَمْثَالِهِمَا، وَلِذَا قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَمَنَّى الرَّجُلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ صَاحِبِ نِعْمَةٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ النِّعْمَةُ مِمَّا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالتَّصَدُّقِ بِالْمَالِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْخَيِّرَاتِ اهـ يَعْنِي مِنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالطَّاعَاتِ الْمَالِيَّةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 3004
٢١١٤ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طِيبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مَرٌّ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: " «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالْأُتْرُجَّةِ، وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ» ".
ــ
٢١١٤ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) ، أَيْ عَلَى مَا يَنْبَغِي وَعَبَّرَ بِالْمُضَارِعِ لِإِفَادَةِ تَكْرِيرِهِ لَهَا وَمُدَاوَمَتِهِ عَلَيْهَا حَتَّى صَارَتْ دَأْبَهُ وَعَادَتَهُ كَفُلَانٍ يَقْرِي الضَّيْفَ وَيَحْمِي الْحَرِيمَ وَيُعْطِي الْيَتِيمَ (مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِنُونٍ سَاكِنَةٍ بَيْنَ الرَّاءِ وَالْجِيمِ الْمُخَفَّفَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْأُتْرُجُّ وَالْأُتْرُجَّةُ وَالتُّرُنْجُ ووالتُّرُنْجَةُ مَعْرُوفٌ وَهِيَ أَحْسَنُ الثِّمَارِ الشَّجَرِيَّةِ وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ الْعَرَبِ لِحُسْنِ مَنْظَرِهَا صَفْرَاءٌ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُفِيدُ طِيبَ النَّكْهَةِ وَدِبَاغَ الْمَعِدَةِ وَقُوَّةَ الْهَضْمِ، وَمَنَافِعُهَا كَثِيرَةٌ مَكْتُوبَةٌ فِي كُتُبِ الطِّبِّ، فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ الْقَارِئُ طَيِّبُ الطَّعْمِ لِثُبُوتِ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ وَطَيِّبُ الرِّيحِ لِأَنَّ النَّاسَ يَسْتَرِيحُونَ بِقِرَاءَتِهِ وَيَحُوزُونَ الثَّوَابَ بِالِاسْتِمَاعِ عَلَيْهِ وَيَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ مِنْهُ ( «وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طِيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّمْثِيلُ فِي الْحَقِيقَةِ وَصْفٌ لِمَوْصُوفٍ اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى مَعْقُولِ صَرْفٍ لَا يُبْرِزُهُ عَنْ مَكْنُونِهِ إِلَّا تَصْوِيرُهُ بِالْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ، ثُمَّ إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ تَأْثِيرٌ فِي بَاطِنِ الْعَبْدِ وَظَاهِرِهِ، وَإِنَّ الْعِبَادَ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ النَّصِيبُ الْأَوْفَرُ مِنْ ذَلِكَ التَّأْثِيرِ وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الْقَارِئُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا نَصِيبَ لَهُ الْبَتَّةَ وَهُوَ الْمُنَافِقُ الْحَقِيقِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَثَّرَ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ وَهُوَ الْمُرَائِي، أَوْ بِالْعَكْسِ وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَؤُهُ، وَإِبْرَازُ هَذِهِ الْمَعَانِي وَتَصْوِيرُهَا إِلَى الْمَحْسُوسَاتِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُوَافِقُهَا وَيُلَائِمُهَا أَقْرَبُ وَلَا أَحْسَنُ وَلَا أَجْمَعُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَاتِ وَالْمُشَبَّهَ بِهَا وَارِدَةٌ عَلَى تَقْسِيمِ الْحَاصِلِ لِأَنَّ النَّاسَ إِمَّا مُؤْمِنٌ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، وَالثَّانِي إِمَّا مُنَافِقٌ صِرْفٌ أَوْ مُلْحَقٌ بِهِ وَالْأَوَّلُ إِمَّا مُوَاظِبٌ عَلَى الْقِرَاءَةِ أَوْ غَيْرُ مُوَاظِبٍ عَلَيْهَا، وَعَلَى هَذَا فَقِسِ الْأَثْمَارَ الْمُشَبَّهَ بِهَا، وَوَجْهُ الشَّبَهِ فِي الْمَذْكُورَاتِ مُنْتَزَعٌ مِنْ أَمْرَيْنِ مَحْسُوسَيْنِ طَعْمٌ وَرِيحٌ، وَلَيْسَ بِمُفَرَّقٍ كَمَا فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا ... لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ وَالْحَشَفُ الْبَالِي
стр. 3005
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالْأُتْرُجَّةِ» ) قِيلَ: لَا يَدْخُلِ الْجِنُّ بَيْتًا فِيهِ أُتْرُجٌّ، وَمِنْهُ يَظْهَرُ زِيَادَةَ حِكْمَةِ تَشْبِيهِ قَارِئِ الْقُرْآنِ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ:
كُلُّ الْخِلَالِ الَّتِي فِيكُمْ مَحَاسِنُكُمْ ... تَشَابَهَتْ فِيكُمُ الْأَخْلَاقُ وَالْخُلُقُ
كَأَنَّكُمْ شَجَرُ الْأُتْرُجِّ طَابَ مَعًا ... حَمْلًا وَنَوْرًا وَطَابَ الْعُودُ وَالْوَرَقُ
( «وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ» ) .
стр. 3006
٢١١٥ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢١١٥ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ) ، أَيْ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْقُرْآنُ الْبَالِغُ فِي الشَّرَفِ وَظُهُورِ الْبُرْهَانِ مَبْلَغًا لَمْ يَبْلُغْهُ غَيْرُهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمَةِ (أَقْوَامًا) ، أَيْ دَرَجَةَ جَمَاعَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِأَنْ يُحْيِيَهُمْ حَيَاةً طَيِّبَةً فِي الدُّنْيَا وَيَجْعَلَهُمْ مِنَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْعُقْبَى (وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ) ، أَيْ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مِنْ مَرَاتِبِ الْكَامِلِينَ إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ، قَالَ - تَعَالَى - ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] فَهُوَ مَاءٌ لِلْمَحْبُوبِينَ دِمَاءٌ لِلْمَحْجُوبِينَ، وَقَالَ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] قَالَ الطِّيبِيُّ: فَمَنْ قَرَأَهُ وَعَمِلَ بِهِ مُخْلِصًا رَفَعَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَرَأَهُ مُرَائِيًا غَيْرَ عَامِلٍ بِهِ وَضَعَهُ اللَّهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَذَكَرَ الْبَغْوَيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي الْمَعَالِمِ «أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِعُسْفَانَ وَكَانَ عُمَرُ قَدْ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي، أَيْ أَهْلُ مَكَّةَ؟ قَالَ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمُ ابْنُ أَبْزَى، فَقَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ عُمَرُ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ قَارِئُ الْقُرْآنَ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ قَاضٍ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا أَنَّ نَبِيَّكُمْ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَرْفَعُ بِهَذَا الْقُرْآنِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ ".»
стр. 3007
٢١١٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيْرٍ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتْ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، وَلَمَّا أَخَّرَهُ رَفْعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ " قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ وَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ، فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَخَرَجَتْ حَتَّى لَا أَرَاهَا، قَالَ: " وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَفِي مُسْلِمٍ: عَرَّجْتُ فِي الْجَوِّ بَدَلٌ فَخَرَجْتُ عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ.
ــ
٢١١٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (قَالَ) ، أَيْ يَحْكِي عَنْ نَفْسِهِ (بَيْنَمَا هُوَ) ، أَيْ أُسَيْدُ (يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ) ، أَيْ فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ وَسَاعَاتِهِ (سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ) وَقِيلَ: التَّأْنِيثُ فِي مَرْبُوطَةٍ عَلَى تَأْوِيلِ الدَّابَّةِ، وَصَوَابُهُ أَنَّ الْفَرَسَ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَذَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَالْجُمْلَةُ الْحَالِيَّةُ (إِذْ) ظَرْفٌ لِيَقْرَأَ (جَالَتِ الْفَرَسُ) ، أَيْ دَارَتْ وَتَحَرَّكَتْ كَالْمُضْطَرِبِ الْمُنْزَعِجِ مِنْ مُخَوِّفٍ نَزَلَ بِهِ (فَسَكَتَ) ، أَيْ أُسَيْدٌ عَنِ الْقِرَاءَةِ لِيَنْظُرَ مَا السَّبَبُ فِي جَوَلَانِهَا (فَسَكَنَتْ) ، أَيِ الْفَرَسُ عَنْ تِلْكَ الْحَرَكَةِ فَظَنَّ أَنَّ جَوَلَانَهَا أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ (فَقَرَأَ فَجَالَتْ فَسَكَتَ) ، أَيْ كَذَلِكَ (فَسَكَنَتْ) فَظَنَّ أَنَّهُ لِأَمْرٍ (ثُمَّ قَرَأَ) ، أَيْ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَسْتَظْهِرَ فِي أَمْرِهِ فَتَرَوَّى ثُمَّ قَرَأَ (فَجَالَتِ الْفَرَسُ) فَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لِأَمْرٍ أَزْعَجَهَا عَنْ قَرَارِهَا، قِيلَ: تَحَرُكُ الْفَرَسِ كَانَ لِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ لِاسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ خَوْفًا مِنْهُمْ وَسُكُونُهَا لِعُرُوجِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لِعَدَمِ ظُهُورِهِمْ، أَوْ تَحَرُّكِ الْفَرَسِ لِوِجْدَانِ الذَّوْقِ بِالْقِرَاءَةِ وَسُكُونِهَا لِذَهَابِ ذَلِكَ الذَّوْقِ مِنْهَا بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ (فَانْصَرَفَ) ، أَيْ أُسَيْدٌ مِنَ الصَّلَاةِ أَوْ مِنَ الْقِرَاءَةِ (وَكَانَ ابْنُهُ) ، أَيِ ابْنُ أُسَيْدٍ (يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا) ، أَيْ مِنَ الْفَرَسِ (فَأَشْفَقَ) ، أَيْ خَافَ أُسَيْدٌ (أَنْ تُصِيبَهُ) ، أَيِ الْفَرَسُ ابْنَهُ فِي جَوَلَانِهَا فَذَهَبَ أُسَيْدٌ إِلَى ابْنِهِ لِيُؤَخِّرَهُ عَنِ الْفَرَسِ (وَلَمَّا أَخَّرَهُ) ، أَيْ أُسَيْدُ ابْنَهُ يَحْيَى عَنْ قُرْبِ الْفَرَسِ (رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا) هِيَ لِلْمُفَاجَأَةِ (مِثْلَ الظُّلَّةِ) وَهِيَ الضَّمُّ مَا يَقِي الرَّجُلَ مِنَ الشَّمْسِ كَالسَّحَابِ وَالسَّقْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، أَيْ شَيْءٌ مِثْلَ السَّحَابِ عَلَى رَأْسِهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (فِيهَا) ، أَيْ فِي الظُّلَّةِ (أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ) ، أَيْ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ نُورَانِيَّةٌ (فَلَمَّا أَصْبَحَ) ، أَيْ دَخَلَ
стр. 3008
أُسَيْدٌ فِي الصَّبَاحِ (حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ ، أَيْ حَكَاهُ بِمَا رَآهُ لِفَزَعِهِ مِنْهُ (فَقَالَ) ، أَيِ النَّبِيُّ ﷺ مُزِيلًا لِفَزَعِهِ وَمُعْلِمًا لَهُ بِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وَمُؤَكِّدًا لَهُ فِيمَا يَزِيدُ فِي طُمَأْنِينَتِهِ (اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ) كَرَّرَ مَرَّتَيْنِ لَا ثَلَاثًا عَلَى مَا فِي شَرْحِ ابْنِ حَجْرٍ لِلتَّأْكِيدِ، أَيْ رَدِّدْ وَدَاوِمْ عَلَى الْقِرَاءَةِ الَّتِي سَبَبٌ لِمِثْلِ تِلْكَ الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ لَا يَتْرُكُهَا إِنْ وَقْعَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهَا اسْتِمْتَاعًا بِهَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اقْرَأْ لَفْظُ أَمْرِ طَلَبٍ لِلْقِرَاءَةِ فِي الْحَالِ وَمَعْنَاهُ تَخْصِيصُ وَطَلَبُ الِاسْتِزَادَةِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي، فَكَأَنَّهُ اسْتَحْضَرَ تِلْكَ الْحَالَةَ الْعَجِيبَةَ الشَّأْنِ فَأَمَرَهُ تَحْرِيضًا عَلَيْهِ اهـ فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَلَّا زِدْتَ، وَلِذَلِكَ (قَالَ: فَأَشْفَقْتُ) وَفِي نُسْخَةٍ: أَشْفَقْتُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى) ، أَيْ خِفْتُ إِنْ دُمْتُ عَلَيْهَا أَنْ تَدُوسَ الْفَرَسُ وَلَدِي يَحْيَى (وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا فَانْصَرَفْتُ) ، أَيْ عَنِ الْقِرَاءَةِ (إِلَيْهِ) ، أَيْ إِلَى يَحْيَى تَرَحُّمًا عَلَيْهِ (وَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ) وَهَذَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ تَكْرَارٌ وَدَفَعَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِأَنَّهُ لَمَّا حَكَى لَهُ ﵊ صَدْرَ الْقَضِيَّةِ وَهُوَ جَوَلَانُ الْفَرَسِ حِينَ الْقِرَاءَةِ فَقَالَ ﷺ : " اقْرَأْ "، أَيْ كُنْتَ زِدْتَ فِي الْقِرَاءَةِ فَذَكَرَ الْعُذْرَ فِي تَرْكِهَا (فَخَرَجْتُ) ، أَيْ مِنْ بَيْتِي (حَتَّى لَا أَرَاهَا) ، أَيِ الْمَصَابِيحُ لِغَايَةِ الْفَزَعِ (قَالَ) ، أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟) ، أَيْ تَعْلَمُ أَيَّ شَيْءٍ ذَاكَ الْمَرْئِيَّ (قَالَ: لَا، قَالَ: تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ) ، أَيْ نَزَلَتْ وَقَرُبَتْ (لِصَوْتِكَ) ، أَيْ بِالْقِرَاءَةِ (وَلَوْ قَرَأْتَ) ، أَيْ إِلَى الصُّبْحِ (لَأَصْبَحَتْ) ، أَيِ الْمَلَائِكَةُ (يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ) ، أَيْ لَا تَغِيبُ وَلَا تَخْفَى الْمَلَائِكَةُ مِنَ النَّاسِ، وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ ازْدَحَمُوا عَلَى سَمَاعِ الْقُرْآنِ حَتَّى صَارُوا كَالشَّيْءِ السَّاتِرِ الْحَاجِزِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ، وَكَأَنَّ تِلْكَ الْمَصَابِيحَ هِيَ وُجُوهُهُمْ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ الْأَجْسَامَ النُّورَانِيَّةَ إِذَا ازْدَحَمَتْ تَكُونُ كَالظُّلَّةِ وَلَا مِنْ أَنَّ بَعْضَهَا كَالْوَجْهِ أَضْوَأَ مِنْ بَعْضٍ كَذَا حَقَّقَهُ ابْنُ حَجَرٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَفِي مُسْلِمٍ: عَرَّجَتْ) ، أَيْ صَعَدَتِ الْمَلَائِكَةُ وَارْتَفَعَتْ فِيهِ لِكَوْنِهِ قَطَعَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي نَزَلَتْ لِسَمَاعِهَا (فِي الْجَوِّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، أَيْ فِي الْهَوَاءِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (بَدَلُ فَخَرَجْتُ) ، أَيْ مَكَانُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ (عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ) ، أَيْ فِي هَذِهِ وَعَلَى صِيغَةِ الْغَائِبَةِ فِي تِلْكَ.
стр. 3009
٢١١٧ - وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: " تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢١١٧ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَإِلَى جَانِبِهِ) ، أَيْ يَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ (حِصَانٌ) بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْكَرِيمُ مِنْ فَحْلِ الْخَيْلِ مِنَ التَّحَصُّنِ أَوِ التَّحْصِينِ لِأَنَّهُمْ يُحَصِّنُونَهُ صِيَانَةً لِمَائِهِ فَلَا يَرَوْنَهُ إِلَّا عَلَى كَرِيمَةٍ ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتَّى سَمَّوْا بِهِ كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الْخَيْلِ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (مَرْبُوطٌ) ، أَيِ الْحِصَانُ (بِشَطَنَيْنِ) الشَّطَنُ بِفُتْحَتَيْنِ الْحَبْلُ الطَّوِيلُ الشَّدِيدُ الْفَتْلِ وَثَنَّاهُ دَلَالَةً عَلَى جُمُوحِهِ وَقُوَّتِهِ (فَتَغَشَّتْهُ) ، أَيِ الرَّجُلُ (سَحَابَةٌ) ، أَيْ سَتَرَتْهُ ظُلَّةٌ كَسَحَابَةٍ فَوْقَ رَأْسِهِ (فَجَعَلَتْ) ، أَيْ شَرَعَتِ السَّحَابَةُ (تَدْنُو) ، أَيْ تَقْرُبُ قَلِيلًا (وَتَدْنُو) ، أَيْ مِنَ الْعُلُوِّ إِلَى السُّفْلِ (وَجَعَلَ) ، أَيْ شَرَعَ (فَرَسُهُ يَنْفِرُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ مِنَ النَّفَرِ وَهُوَ أَشْبَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: يَنْقُزُ بِالْقَافِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ يَثِبُ مِنْهَا (فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: تِلْكَ) ، أَيِ السَّحَابَةُ (السَّكِينَةُ) ، أَيِ السُّكُونُ وَالطُّمَأْنِينَةُ الَّتِي يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا الْقَلْبُ وَيَسْكُنُ بِهَا عَنِ الرُّعْبِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ تَزْدَادُ طُمَأْنِينَتُهُ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْآيَاتِ إِذَا كُوشِفَ بِهَا، وَقِيلَ: هِيَ الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ: الْوَقَارُ، وَقِيلَ: مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ:، أَيِ الْمَلَائِكَةُ وَمِنْهُ السَّكِينَةُ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ (تَنَزَّلَتْ) ، أَيْ ظَهْرَ نُزُولُهَا (بِالْقُرْآنِ) ، أَيْ بِسَبَبِهِ أَوْ لِأَجْلِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3010
٢١١٨ - «وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: " أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ؟ ". ثُمَّ قَالَ: " أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ؟ " فَأَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢١١٨ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ بْنِ الْمُعَلَّى) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ (قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَقِصَّتُهُ أَنَّهُ قَالَ: مَرَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمَسْجِدِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقُلْتُ: لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، فَجَلَسْتُ فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] " فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: تَعَالَ حَتَّى نَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمِنْبَرِ فَنَكُونُ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى فَكُنْتُ أُصَلِّي (فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ) ، أَيْ حَتَّى صَلَّيْتُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ) أَيِ اعْتِذَارًا (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي: قَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ " ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ") وَحَّدَ الضَّمِيرَ لِأَنَّ دَعْوَةَ اللَّهِ تُسْمَعُ مِنَ الرَّسُولِ، قَالَ صَاحِبُ الْمَدَارِكِ: الْمُرَادُ بِالِاسْتِجَابَةِ الطَّاعَةُ وَالِامْتِثَالُ وَبِالدَّعْوَةِ الْبَعْثُ وَالتَّحْرِيضُ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - " لِمَا يُحْيِيكُمْ "، أَيْ مِنْ عُلُومِ الدِّيَانَاتِ وَالشَّرَائِعِ لِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةٌ كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ مَوْتٌ، قَالَ: لَا تُعْجَبْنَ الْجَهُولَ حُلَّتَهُ فَذَاكَ مَيِّتٌ وَثَوْبُهُ كَفَنٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ إِجَابَةَ الرَّسُولِ لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ كَمَا أَنَّ خِطَابَهُ بِقَوْلِكَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ لَا يُبْطِلُهَا اهـ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَاخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: هَذَا لِأَنَّ إِجَابَتَهُ لَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ أَيْضًا إِجَابَةٌ، وَقِيلَ: إِنَّ دُعَاءَهُ كَانَ لِأَمْرٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ وَلِلْمُصَلِّي أَنْ يَقْطَعَ الصَّلَاةَ بِمِثْلِهِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُنَاسِبُ الْأَوَّلَ اهـ وَالْأَظْهَرُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِجَابَةَ وَاجِبَةٌ مُطْلَقًا فِي حَقِّهِ ﷺ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ إِطْلَاقِ الْآيَةِ أَيْضًا، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الْبُطْلَانِ وَعَدَمِهِ وَلِأَصْلِ الْبُطْلَانِ لِإِطْلَاقِ الْأَدِلَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ) ، أَيْ أَفْضَلَ، وَقِيلَ: أَكْثَرُ أَجْرًا وَمَآلُهُ إِلَى الْأَوَّلِ (فِي الْقُرْآنِ) قِيلَ: السُّورَةُ مَنْزِلَةٌ مِنَ الْبِنَاءِ وَمِنْهَا سُوَرُ الْقُرْآنِ لِأَنَّهَا مَنْزِلَةٌ بَعْدَ مَنْزِلَةٍ مَقْطُوعَةٍ عَنِ الْأُخْرَى، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَهِيَ الطَّائِفَةُ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُتَرْجَمَةُ الَّتِي أَقَلُّهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ وَبَسَطَ فِي اشْتِقَاقِهَا وَفِي بَيَانِ الْحِكْمَةِ لِوَضْعِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا قَالَ أَعْظَمَ سُورَةٍ اعْتِبَارًا بِعَظِيمِ قَدْرِهَا وَتَفَرُّدِهَا بِالْخَاصِّيَّةِ الَّتِي لَمْ يُشَارِكْهَا فِيهَا غَيْرُهَا مِنَ السُّوَرِ وَلِاشْتِمَالِهَا عَلَى فَرَائِدَ وَمَعَانٍ كَثِيرَةٍ مَعَ وَجَازَةِ أَلْفَاظِهَا اهـ وَقَدْ قِيلَ: جَمِيعُ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ " ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " بَلْ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: جَمِيعُ مَا فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْقُرْآنِ وَجَمِيعُهُ فِي الْفَاتِحَةِ وَجَمِيعُهَا فِي الْبَسْمَلَةِ وَجَمِيعُهَا تَحْتَ نُقْطَةِ الْبَاءِ مُنْطَوِيَةٌ وَهِيَ عَلَى كُلِّ الْحَقَائِقِ وَالدَّقَائِقِ مُحْتَوِيَةٌ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى نُقْطَةِ التَّوْحِيدِ الَّذِي عَلَيْهَا مَدَارُ سُلُوكِ أَهْلِ التَّفْرِيدِ، وَقِيلَ: جَمِيعُهَا تَحْتَ الْبَاءِ وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ كُلِّ الْعُلُومِ وُصُولُ الْعَبْدِ إِلَى الرَّبِّ وَهَذِهِ الْبَاءُ بَاءُ الْإِلْصَاقِ فَهِيَ تُلْصِقُ الْعَبْدَ بِجَنَابِ الرَّبِّ وَذَلِكَ كَمَالُ الْمَقْصُودِ، ذَكَرَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ وَابْنُ النَّقِيبِ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا وَأَخْرَجَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ شِئْتُ أُوقِرُ سَبْعِينَ بَعِيرًا مِنْ تَفْسِيرِ أُمِّ الْقُرْآنِ لَفَعَلْتُ (قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ) ، أَيْ أَنْتَ (مِنَ الْمَسْجِدِ) قِيلَ: لَمْ يُعْلِمْهُ بِهَا ابْتِدَاءً لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى لِتَفْرِيغِ ذِهْنِهِ وَإِقْبَالِهِ عَلَيْهَا بِكُلِّيَّتِهِ (فَأَخَذَ بِيَدِي) عَلَى صِيغَةِ الْإِفْرَادِ (فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ) سُمِّيَتْ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ أَعْظَمُ سُورَةٍ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَعَانِي الَّتِي فِي الْقُرْآنِ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَالتَّعَبُّدِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَذِكْرِ الْوَعْدِ لِأَنَّ فِيهِ ذِكْرُ رَحْمَةِ اللَّهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَبْلَغِ الْأَشْمَلِ، وَذِكْرِ الْوَعِيدِ لِدَلَالَةِ يَوْمِ الدِّينِ، أَيِ الْجَزَاءُ، وَلِإِشَارَةِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِ وَذِكْرِ تَفَرُّدِهِ بِالْمُلْكِ وَعِبَادَةِ عِبَادِهِ إِيَّاهُ وَاسْتِعَانَتِهِمْ بِولَاهُ وَسُؤَالِهِمْ مِنْهُ وَذِكْرِ السُّعَدَاءِ وَالْأَشْقِيَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ وَمَقَامَاتِ السَّالِكِينَ، وَلَا سُورَةَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فِي الْقُرْآنِ فَهِيَ أَعْظَمُ كَيْفِيَّةٍ وَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ أَعْظَمُ مِنْهَا كَمِّيَّةً (قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ) ، أَيْ هِيَ سُورَةُ الْحَمْدُ للَّهِ (رَبِّ الْعَالَمِينَ) إِلَخْ فَلَا دَلَالَةَ عَلَى كَوْنِ الْبَسْمَلَةِ مِنْهَا أَمْ لَا (هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي) قِيلَ: اللَّامُ لِلْعَهْدِ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] الْآيَةَ وَسُمِّيَتِ السَّبْعَ لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى خِلَافٍ بَيْنِ الْكُوفِيِّ وَالْبَصْرِيِّ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ فِيهَا سَبْعُ آدَابٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا خَلَتْ عَنْ سَبْعَةِ أَحْرُفٍ الثَّاءِ وَالْجِيمِ وَالتَّاءِ وَالزَّايِ وَالشِّينِ وَالظَّاءِ وَالْفَاءِ، وَرَدَ بِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يُسَمَّى بِمَا فِيهِ دُونَ مَا فُقِدَ مِنْهُ وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّهُ قَدْ
стр. 3011
يُسَمَّى بِالضِّدِّ كَالْكَافُورِ لِلْأَسْوَدِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يُنَافِي أَنَّهَا الْآيَاتُ السَّبْعُ كَمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَالْمَثَانِي لِتَكَرُّرِهَا فِي الصَّلَاةِ كَمَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ: السَّبْعُ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُثَنَّى بِسُورَةٍ أُخْرَى أَوْ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ تَعْظِيمًا لَهَا وَاهْتِمَامًا بِشَأْنِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا اسْتُثْنِيَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَمْ تَنْزِلْ عَلَى مَنْ قَبْلَهَا أَوْ لِمَا فِيهَا مِنَ الثَّنَاءِ مَفَاعِلٍ مِنْهُ جَمْعُ مَثْنَى لِجَمْعِ الثَّنَاءِ كَالْمُحَمَّدَةِ بِمَعْنَى الْحَمْدِ أَوْ مُثَنِّيَةٍ مُفَعِّلَةٍ مِنَ الثَّنْيِ بِمَعْنَى التَّثْنِيَةِ أَوِ اسْمِ مَفْعُولٍ مِنَ التَّثْنِيَةِ بِمَعْنَى التَّكْرَارِ (وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ) عُطِفَ عَلَى السَّبْعِ عَطْفُ صِفَةٍ عَلَى صِفَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ (الَّذِي أُوتِيَهُ) إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ﴾ [الحجر: ٨٧] أَوْ خَصَصْتُهُ بِالْإِعْطَاءِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إِطْلَاقِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضِهِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 3012
٢١١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَجْعَلُوا بِيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢١١٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ) بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ (مَقَابِرَ) ، أَيْ خَالِيَةٌ مِنَ الذِّكْرِ وَالطَّاعَةِ فَتَكُونُ كَالْمَقَابِرِ وَتَكُونُونَ كَالْمَوْتَى فِيهَا أَوْ مَعْنَاهُ: لَا تَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ فِيهَا، وَيَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ (إِنَّ الشَّيْطَانَ) اسْتِئْنَافٌ كَالتَّعْلِيلِ (يَنْفِرُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ يَخْرُجُ وَيَشْرُدُ (مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) وَالْمَعْنَى: يَيْأَسُ مِنْ إِغْوَاءِ أَهْلِهِ بِبَرَكَةِ هَذِهِ السُّورَةِ، أَوْ لِمَا يَرَى مِنْ جِدِّهِمْ فِي الدِّينِ وَاجْتِهَادِهِمْ فِي طَلَبِ الْيَقِينِ وَخَصَّ سُورَةَ الْبَقَرَةِ بِذَلِكَ لِطُولِهَا وَكَثْرَةِ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالْأَحْكَامِ فِيهَا، وَقَدْ قِيلَ: فِيهَا أَلْفُ أَمْرٍ وَأَلْفُ نَهْيٍ وَأَلْفُ حُكْمٍ وَأَلْفُ خَبَرٍ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ أَنْ يُقَالَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ: إِنَّمَا يُقَالُ السُّورَةُ الَّتِي فِيهَا الْبَقَرَةُ أَوْ يُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ آخِرُ الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ الْبَقَرَةُ» .
стр. 3013
٢١٢٠ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «اقْرَأُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَأُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَأُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢١٢٠ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: اقْرَءُوا الْقُرْآنَ) أَيِ اغْتَنِمُوا قِرَاءَتَهُ وَدَاوِمُوا عَلَى تِلَاوَتِهِ (فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا) ، أَيْ مُشَفَّعًا (لِأَصْحَابِهِ) ، أَيِ الْقَائِمِينَ بِآدَابِهِ (اقْرَءُوا) ، أَيْ عَلَى الْخُصُوصِ (الزَّهْرَاوَيْنِ) تَثْنِيَةُ الزَّهْرَاءِ تَأْنِيثُ الْأَزْهَرِ وَهُوَ الْمُضِيءُ الشَّدِيدُ الضَّوْءِ، أَيِ الْمُنِيرَتَيْنِ لِنُورِهِمَا وَهِدَايَتِهِمَا وَعِظَمِ أَجْرِهِمَا فَكَأَنَّهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَاعَدَاهُمَا عِنْدَ اللَّهِ مَكَانُ الْقَمَرَيْنِ مِنْ سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَقِيلَ: لِاشْتِهَارِهِمَا شُبِّهَتَا بِالْقَمَرَيْنِ (الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِّيَةِ أَوْ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي وَيَجُوزُ رَفْعُهَا، وَسُمِّيَتَا زَهْرَاوَيْنِ لِكَثْرَةِ أَنْوَارِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْعَلِيَّةِ، وَذِكْرُ السُّورَةِ فِي الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى لِبَيَانِ جَوَازِ كُلٍّ مِنْهُمَا (فَإِنَّهُمَا) ، أَيْ ثَوَابُهُمَا الَّذِي اسْتَحَقَّهُ التَّالِي الْعَامِلُ بِهِمَا أَوْ هُمَا يَتَصَوَّرَانِ وَيَتَجَسَّدَانِ وَيَتَشَكَّلَانِ (تَأْتِيَانِ) ، أَيْ تَحْضُرَانِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ) ، أَيْ سَحَابَتَانِ تُظِلَّانِ صَاحِبَهُمَا عَنْ حَرِّ الْمَوْقِفِ، قِيلَ: هِيَ مَا يَغُمُّ الضَّوْءَ وَيَمْحُوهُ لِشَدَّةِ كَثَافَتِهِ (أَوْ غَيَايَتَانِ) وَهِيَ بِالْيَاءَيْنِ مَا يَكُونُ أَدْوَنَ مِنْهُمَا فِي الْكَثَافَةِ وَأَقْرَبَ إِلَى رَأْسِ صَاحِبِهِمَا كَمَا يُفْعَلُ بِالْمُلُوكِ فَيَحْصُلُ عِنْدَهُ الظِّلُّ وَالضَّوْءُ جَمِيعًا (أَوْ فِرْقَانِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ طَائِفَتَانِ (مِنْ طَيْرٍ) جَمْعُ طَائِرٍ (صَوَافَّ) جَمْعُ صَافَّةٍ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ الْوَاقِفَةُ عَلَى الصَّفِّ أَوِ الْبَاسِطَاتُ أَجْنِحَتُهَا مُتَّصِلًا بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَهَذَا أَبْيَنُ مِنَ الْأَوَّلَيْنِ إِذْ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا مَا وَقَعَ لِسُلَيْمَانَ ﵊ وَ (أَوْ) يَحْتَمِلُ الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي وَالتَّخْيِيرُ فِي تَشْبِيهِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لِتَقْسِيمِ التَّالِينَ لِأَنَّ أَوْ مِنْ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ لَا مَنْ تَرَدَّدَ مِنَ الرُّوَاةِ لِاتِّسَاقِ الرُّوَاةِ عَلَيْهِ عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَوْ لِلتَّنْوِيعِ فَالْأَوَّلُ لِمَنْ يَقْرَأهُمَا وَلَا يَفْهَمُ مَعْنَاهُمَا وَالثَّانِي لِمَنْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَالثَّالِثُ لِمَنْ ضَمَّ إِلَيْهِمَا تَعْلِيمَ الْغَيْرِ (تُحَاجَّانِ) أَيِ السُّورَتَانِ تُدَافِعَانِ الْجَحِيمَ وَالزَّبَانِيَةَ أَوْ تُجَادِلَانِ وَتَخْصِمَانِ الرَّبَّ أَوِ الْخَصْمِ (عَنْ أَصْحَابِهِمَا) وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي
стр. 3014
الشَّفَاعَةُ (اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ بَعْدَ تَعْمِيمٍ أَمَرَ أَوَّلًا بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَعَلَّقَ بِهَا الشَّفَاعَةَ، ثُمَّ خَصَّ الزَّهْرَاوَيْنِ وَأَنَاطَ بِهِمَا التَّخَلُّصَ مِنْ حَرِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِالْمُحَاجَّةِ، وَأَفْرَدَ ثَالِثًا الْبَقَرَةَ وَأَنَاطَ بِهَا أُمُورًا ثَلَاثَةً حَيْثُ قَالَ (فَإِنَّ أَخْذَهَا) ، أَيِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى تِلَاوَتِهَا وَالتَّدَبُّرِ فِي مَعَانِيهَا وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهَا (بَرَكَةٌ) ، أَيْ مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ (وَتَرْكَهَا) بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، أَيْ تَرْكُهَا وَأَمْثَالُهَا (حَسْرَةً) ، أَيْ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا وَرَدَ: " «لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا» " (وَلَا يَسْتَطِيعُهَا) بِالتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ، أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهَا (الْبَطَلَةُ) ، أَيْ أَصْحَابُ الْبَطَالَةِ وَالْكَسَالَةِ لِطُولِهَا، وَقِيلَ: أَيِ السَّحَرَةُ لِأَنَّ مَا يَأْتُونَ بِهِ بَاطِلٌ، سَمَّاهُمْ بِاسْمِ فِعْلِهِمُ الْبَاطِلِ، أَيْ لَا يُؤَهَّلُونَ لِذَلِكَ أَوْ لَا يُوَفَّقُونَ لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ لَا تَقْدِرُ عَلَى إِبْطَالِهَا أَوْ عَلَى صَاحِبِهَا السَّحَرَةُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِيهَا ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] الْآيَةَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3015
٢١٢١ - وَعَنِ النَوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢١٢١ - (وَعَنِ النَوَّاسِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ (بْنِ سَمْعَانَ) بِكَسْرِ السِّينِ وَبِفَتْحٍ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ) ، أَيْ مُتَصَوَّرًا أَوْ بِثَوَابِهِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ) عَطَفٌ عَلَى الْقُرْآنِ (الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ) دَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ قَرَأَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَلَا يَكُونُ شَفِيعًا لَهُمْ بَلْ يَكُونُ الْقُرْآنُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ (تَقْدُمُهُ) ، أَيْ تَتَقَدَّمُ أَهْلَهُ أَوِ الْقُرْآنَ (سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ) بِالْجَرِّ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي تَقَدُّمِهِ لِلْقُرْآنِ، أَيْ يَقْدُمُ ثَوَابُهُمَا ثَوَابَ الْقُرْآنِ، وَقِيلَ: يُصَوَّرُ الْكُلُّ بِحَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ كَمَا يُصَوَّرُ الْأَعْمَالُ لِلْوَزْنِ فِي الْمِيزَانِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ إِيمَانًا فَإِنَّ الْعَقْلَ يَعْجَزُ عَنْ أَمْثَالِهِ (كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ) بِضَمِّ الظَّاءِ، أَيْ سَحَابَتَانِ (سَوْدَاوَانِ) لِكَثَافَتِهِمَا وَارْتِكَامِ الْبَعْضِ مِنْهُمَا عَلَى بَعْضٍ وَذَلِكَ مِنَ الْمَطْلُوبِ فِي الظِّلَالِ، قِيلَ: إِنَّمَا جُعِلَتَا كَالظُّلَّتَيْنِ لِتَكُونَا أَخْوَفُ وَأَشَدُّ تَعْظِيمًا فِي قُلُوبِ خُصَمَائِهِمَا لِأَنَّ الْخَوْفَ فِي الظُّلَّةِ أَكْثَرُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ إِظْلَالِ قَارِئِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (بَيْنَهُمَا شَرْقٌ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ وَقَدْ رُوِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، أَيْ ضَوْءُ وَنُورُ الشَّرْقِ هُوَ الشَّمْسِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُمَا مَعَ الْكَثَافَةِ لَا يَسْتُرَانِ الضَّوْءَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالشَّرْقِ الشَّقَّ وَهُوَ الِانْفِرَاجُ، أَيْ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ وَفَصْلٌ كَتَمَيُّزِهَا بِالْبَسْمَلَةِ فِي الْمُصْحَفِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الضَّوْءَ لِاسْتِغْنَائِهِ بِقَوْلِهِ ظُلَّتَانِ عَنْ بَيَانِ الْبَيْنُونَةِ فَإِنَّهُمَا لَا تُسَمَّيَانِ ظُلَّتَيْنِ إِلَّا وَبَيْنَهُمَا فَاصِلَةٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ فِيهِ تِبْيَانُ أَنَّهُ لَيْسَتْ ظُلَّةٌ فَوْقَ ظُلَّةٍ بَلْ مُتَقَابِلَتَانِ بَيْنَهُمَا بَيْنُونَةٌ مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا ظُلَّتَيْنِ مُتَّصِلَتَيْنِ فِي الْأَبْصَارِ مُنْفَصِلَتَيْنِ بِالِاعْتِبَارِ (أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ) ، أَيْ طَائِفَتَانِ (مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
следующие страницы →