Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
٢٢٠٤ - وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مَلْكِيَّةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُمَلَّكٍ أَنَّهُ «سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٢٢٠٤ - (وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَاللَّامِ (أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا هِيَ) أُمُّ سَلَمَةَ (تَنْعَتُ) ، أَيْ: تَصِفُ (قِرَاءَةً مُفَسِّرَةً) ، أَيْ: مُبَيِّنَةً (حَرْفًا حَرْفًا) ، أَيْ: كَانَ يَقْرَأُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ عَدُّ حُرُوفِ مَا يَقْرَأُ، وَالْمُرَادُ حُسْنُ التَّرْتِيلِ وَالتِّلَاوَةِ عَلَى نَعْتِ التَّجْوِيدِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنْ تَقُولَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَالثَّانِي أَنْ تَقْرَأَ مُرَتِّلَةً كَقِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَأَنْ أَقْرَأَ سُورَةً أُرَتِّلُهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ بِغَيْرِ تَرْتِيلٍ، وَرَوَى أَبُو يَعْلَى: ( «فِي أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ نَثْرَ الدَّقَلِ» ) قَالَ الْجَزَرِيُّ: فِي النَّشْرِ وَأَحْسَنَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا فَقَالَ: ثَوَابُ قِرَاءَةِ التَّرْتِيلِ أَجَّلُ قَدْرًا، وَثَوَابُ الْكَثْرَةِ أَكْثَرُ عَدَدًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ اعْتِبَارَ الْكَيْفِيَّةِ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ الْكَمِّيَّةِ؛ إِذْ جَوْهَرَةٌ وَاحِدَةٌ تَعْدِلُ الْوَفَاءَ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 3117
٢٢٠٥ - وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ يَقِفُ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ لِأَنَّ اللَّيْثَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَحَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ.
ــ
٢٢٠٥ - (وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) بِجِيمَيْنِ مُصَغَّرًا (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ مِنَ التَّقْطِيعِ) ، أَيْ: يَقْرَأُ بِالْوَقْفِ عَلَى رُؤُوسِ الْآيَاتِ (يَقُولُ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ يُقَطِّعُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا، أَوِ اسْتِئْنَافًا، أَوْ حَالًا (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ يَقِفُ) قِيلَ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَيْسَتْ بِسَدِيدَةٍ، بَلْ هَذِهِ لَهْجَةٌ لَا يَرْتَضِيهَا أَهْلُ الْبَلَاغَةِ، وَالْوَقْفُ التَّامُّ عِنْدَ مَالِكٍ يَوْمِ الدِّينِ، وَلِهَذَا اسْتُدْرِكَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَحَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ أَنَّ الْوَقْفَ الْمُسْتَحْسَنَ عَلَى أَنْوَاعٍ ثَلَاثَةٍ: الْحَسَنُ، وَالْكَافِي، وَالتَّامُّ، فَيَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ عِنْدَ الْقُرَّاءِ الْعِظَامِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا الْجَزَرِيُّ بِقَوْلِهِ.
стр. 3118
وَهِيَ لَمَّا تَمَّ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ تَعَلُّقٌ أَوْ كَانَ مَعْنًى فَابْتَدِ
فَالتَّامُّ فَالْكَافِي وَلَفَظًا فَامْنَعْنَ إِلَّا رُءُوسَ الْآيِ جُوِّزَفَالْحَسَنُ
وَشَرْحُهُ يَطُولُ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَرْبَابُ الْوُقُوفِ فِي الْوَقْفِ عَلَى رَأْسِ الْآيَةِ إِذَا كَانَ هُنَاكَ تَعَلُّقٌ لَفْظِيٌّ كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ: بِأَنَّ وَقْفَهُ كَانَ لِيُبَيِنَ لِلسَّامِعِينَ رُءُوسَ الْآيِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْوَصْلَ أَوْلَى فِيهَا، وَالْجَزَرِيُّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا بِالِانْفِصَالِ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَلِهَذَا قَالَ حَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ إِذْ لَا دَخْلَ لِلْمَبْحَثِ بِأَنْ يَكُونَ بَعْضُ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَصَحَّ مِنْ بَعْضٍ مَعَ أَنَّ كَوْنَ الْحَدِيثِ أَصَحُّ بِالِاتِّصَالِ يَقْوَى الْحُكْمُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ بِالِانْفِصَالِ فَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ) لِأَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ لَمْ يَرَ أُمَّ سَلَمَةَ فَيَكُونُ حَدِيثُهُ مُنْقَطِعًا لِتَرْكِ الْوَاسِطَةِ (لِأَنَّ اللَّيْثَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَعْلَى ابْنِ مَمْلَكٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَحَدِيثُ اللَّيْثِ) ، أَيْ: إِسْنَادُهُ، لِكَوْنِهِ مُتَّصِلًا بِذِكْرِ ابْنِ مَمْلَكٍ (أَصَحُّ) ، أَيْ: مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ لِكَوْنِهِ مُنْقَطِعًا، قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: هُوَ لَيْثُ ابْنُ سَعْدٍ فَقِيهُ أَهْلِ مِصْرَ رُوِىَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَحَدَّثَ عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَدِمَ بَغْدَادَ وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ وِلَايَةَ مِصْرَ فَأَبَى وَاسْتَعْفَاهُ، وَقَالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: كَانَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَسْتَغِلُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، وَيَعْلَى بْنُ مَمْلَكٍ تَابِعِيٌّ، وَرَوَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَنْهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، هَذَا وَقَدْ تَبِعَ ابْنُ الْمَلَكِ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ: حَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ، أَيِ: الرِّوَايَةُ الْأُولَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَصَحُّ مِنَ الثَّانِيَةِ ; لِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ بِسَدِيدَةٍ سَنَدًا وَلَا مُرْضِيَةٍ لَهْجَةً ; لِأَنَّ فِيهَا فَصْلًا بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْوَقْفَ يُسَمَّى حَسَنًا، فَقَوْلُهُ غَيْرُ مُرْضِيَةٍ لَهْجَةً يَكُونُ قَبِيحًا، ثُمَّ لَيْسَ هُنَا رِوَايَتَانِ بَلْ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ مُسْنَدَةٌ بِسَنَدَيْنِ أَحَدُهُمَا مُنْقَطِعٌ وَالْآخَرُ مُتَّصِلٌ وَالثَّانِي أَصَحُّ وَيُقَابَلُ الْأَصَحُّ بِالصَّحِيحِ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ اتِّفَاقًا، فَقَوْلُهُ لَيْسَتْ بِسَدِيدَةٍ لَيْسَ بِسَدِيدٍ عَلَى الصَّوَابِ، وَالذُّهُولُ عَنِ اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْقُرَّاءِ أَوْقَعَهُمَا فِي خَطَأِ الْجَوَابِ، وَخَبْطِ الْعُجَابِ لَا يُقَالُ مُرَادُهُ بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّا نَقُولُ يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ احْتِرَازًا عَنِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ.
стр. 3119
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٢٠٦ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ( «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَفِينَا الْأَعْرَابِيُّ وَالْأَعْجَمِيُّ. فَقَالَ اقْرَءُوا فَكُلٌّ حَسَنٌ، وَسَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ يَتَعَجَّلُونَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٢٠٦ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَفِينَا) ، أَيْ: مَعْشَرُ الْقُرَّاءِ (الْأَعْرَابِيُّ) ، أَيِ: الْبَدَوِيُّ (وَالْعَجَمِيُّ) وَفِي نُسْخَةٍ وَالْأَعْجَمِيُّ، أَيْ: غَيْرُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْفَارِسِيِّ، وَالرُّومِيِّ، وَالْحَبَشِيِّ كَسُلَيْمَانَ وَصُهَيْبَ وَبِلَالٍ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: وَفِينَا إِلَخْ يَحْتَمِلُ احْتِمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ كُلَّهُمْ مُنْحَصِرُونَ فِي هَذَيْنِ النِّصْفَيْنِ، وَثَانِيهُمَا أَنَّ فِينَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ فِيمَا بَيْنَنَا تَانِكَ الطَّائِفَتَانِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ ﵊ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَعْرَابِيِّ وَالْعَرَبِيِّ بِمِثْلِ مَا فِي خُطْبَتِهِ كُلُّ مُهَاجِرٍ لَيْسَ بِأَعْرَابِيٍّ حَيْثُ جَعَلَ الْمُهَاجِرَ ضِدَّ الْأَعْرَابِيِّ، وَالْأَعْرَابُ سَاكِنُو الْبَادِيَةِ مِنَ الْعَرَبِ الَّذِينَ لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَارِ وَلَا يَدْخُلُونَهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ، وَالْعَرَبُ اسْمٌ لِهَذَا الْجِيلِ الْمَعْرُوفِ مِنَ النَّاسِ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ سَوَاءٌ أَقَامَ بِالْبَادِيَةِ أَوِ الْمُدُنِ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَرَبَ أَعَمُّ مِنَ الْأَعْرَابِ وَهُمْ أَخَصُّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] .
стр. 3120
(فَقَالَ اقْرَءُوا) ، أَيْ: كُلُّكُمْ (فَكُلٌّ حَسَنٌ) ، أَيْ: فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ قِرَاءَتِكُمْ حَسَنَةٌ مَرْجُوَّةٌ لِلثَّوَابِ إِذَا آثَرْتُمُ الْآجِلَةَ عَلَى الْعَاجِلَةِ، وَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تُقِيمُوا أَلْسِنَتَكُمْ إِقَامَةَ الْقِدْحِ وَهُوَ السَّهْمُ قَبْلَ أَنْ يُرَاشَ (وَسَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ) : أَيْ يُصْلِحُونَ أَلْفَاظَهُ وَكَلِمَاتِهِ وَيَتَكَلَّفُونَ فِي مُرَاعَاةِ مَخَارِجِهِ وَصِفَاتِهِ (كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ) : أَيْ يُبَالِغُونَ فِي عَمَلِ الْقِرَاءَةِ كَمَالَ الْمُبَالَغَةِ لِأَجْلِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَالشُّهْرَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ رَفْعُ الْحَرَجِ، وَبِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى الْمُسَاهَمَةِ فِي الظَّاهِرِ، وَتَحَرِّى الْحِسْبَةِ، وَالْإِخْلَاصُ فِي الْعَمَلِ، وَالتَّفْكِيرُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ، وَالْغَوْصُ فِي عَجَائِبِ أَمْرِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَمَعَ ذَلِكَ هُمْ مَذْمُومُونَ لِأَنَّهُمْ رَاعَوْا هَذَا الْأَمْرَ السَّهْلَ، وَزَادُوا فِي الْقُبْحِ أَنَّهُمْ ضَمُّوا إِلَى هَذِهِ الْغَفْلَةِ أَنَّهُمْ يَقْرَؤُونَهُ لِأَجْلِ حُطَامِ الدُّنْيَا فَغَيْرُ مَحْمُودٍ إِذْ لَيْسَ الذَّمُّ عَلَى مُبَالَغَتِهِمْ فِي مُرَاعَاةِ الْأَمْرِ السَّهْلِ بَلِ الذَّمُّ مِنْ جِهَةِ تَرْكِ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ (يَتَعَجَّلُونَهُ) ، أَيْ: ثَوَابَهُ فِي الدُّنْيَا (وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ) بِطَلَبِ الْأَجْرِ فِي الْعُقْبَى; بَلِ الذَّمُّ يُؤْثِرُونَ الْعَاجِلَةَ عَلَى الْآجِلَةِ وَيَتَوَكَّلُونَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 3121
٢٢٠٧ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا، وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْعِشْقِ وَلُحُونَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، وَسَيَجِيءُ بِعْدِي قَوْمٌ يُرَجِّعُونَ بِالْقُرْآنِ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ مَفْتُونَهٌ قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ الَّذِينَ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ» ) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ.
ــ
٢٢٠٧ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا) عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ، أَيْ: بِلَا تَكَلُّفِ النَّغَمَاتِ مِنَ الْمَدَّاتِ وَالسَّكَنَاتِ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ بِحُكْمِ الطَّبِيعَةِ السَّاذَجَةِ عَنِ التَّكَلُّفَاتِ (وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْعِشْقِ) : أَيْ: أَصْحَابُ الْفِسْقِ (وَلُحُونَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ) ، أَيْ: أَرْبَابُ الْكُفْرِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَإِنَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: اللُّحُونُ جَمْعُ لَحْنٍ وَهُوَ التَّطْرِيبُ وَتَرْجِيعُ الصَّوْتِ، قَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَا يَفْعَلُهُ الْقُرَّاءُ فِي زَمَانِنَا بَيْنَ يَدَيِ الْوُعَّاظِ مِنَ اللُّحُونِ الْعَجَمِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ مَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَسَيَجِيءُ) : أَيْ سَيَأْتِي كَمَا فِي نُسْخَةٍ (بَعْدِي قَوْمٌ يُرَجِّعُونَ) بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ يُرَدِّدُونَ (بِالْقُرْآنِ) : أَيْ يُحَرِّفُونَهُ (تَرْجِيعَ الْغَنَاءِ) بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ بِمَعْنَى النَّغْمَةِ (وَالنَّوْحِ) بِفَتْحِ النُّونِ مِنَ النِّيَاحَةِ، وَالْمُرَادُ تَرْدِيدًا مُخْرِجًا لَهَا عَنْ مَوْضِعِهَا إِذَا لَمْ يَأْتِ تَلْحِينُهُمْ عَلَى أُصُولِ النَّغَمَاتِ إِلَّا بِذَلِكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّرْجِيعُ فِي الْقُرْآنِ تَرْدِيدُ الْحُرُوفِ كَقِرَاءَةِ النَّصَارَى (لَا يُجَاوِزُ) : أَيْ قِرَاءَتُهُمْ (حَنَاجِرَهُمْ) : أَيْ طَوْقُهُمْ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ عَنْ مَقَامِ الْوُصُولِ، وَالتَّجَاوُزُ يَحْتَمِلُ الصُّعُودَ وَالْحُدُورَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَا يَصْعَدُ عَنْهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَلَا يَقْبَلُهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، وَلَا يَتَحَدَّرُ عَنْهَا إِلَى قُلُوبِهِمْ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَيَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ (مَفْتُونَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِيَّةِ، وَيُرْفَعُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ أُخْرَى لِقَوْمٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ: أَيْ مُبْتَلَى بِحُبِّ الدُّنْيَا وَتَحْسِينِ النَّاسِ لَهُمْ (قُلُوبُهُمْ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَعُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَقُلُوبُ الَّذِينَ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ) بِالْهَمْزِ وَيَعْدِلُ: أَيْ يَسْتَحْسِنُونَ قِرَاءَتَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ تِلَاوَتَهُمْ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ) وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ.
стр. 3122
٢٢٠٨ - وَعَنِ الْبَرَاءَ بْنِ عَازِبٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يُزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا» ) . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٢٠٨ - (وَعَنِ الْبَرَاءَ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: حَسِّنُوا الْقُرْآنَ) : أَيْ زَيِّنُوهُ (بِأَصْوَاتِكُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ بِالتَّرْتِيلِ وَتَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالتَّلْيِينِ وَالتَّحْزِينِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَحْتَمِلُ الْقَلْبَ كَمَا احْتَمَلَهُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ لِقَوْلِهِ (فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يُزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا) رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
стр. 3123
٢٢٠٩ - وَعَنْ طَاوُوسٍ مُرْسَلًا قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ النَّاسِ أَحْسَنُ صَوْتًا لِلْقُرْآنِ وَأَحْسَنُ قِرَاءَةً قَالَ: (مَنْ إِذَا سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ أُرِيتَ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ» ) قَالَ طَاوُوسٌ: وَكَانَ طَلْقٌ كَذَلِكَ، رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٢٠٩ - وَعَنْ طَاوُوسٍ مُرْسَلًا قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ النَّاسِ أَحْسَنُ صَوْتًا لِلْقُرْآنِ) قِيلَ: اللَّامُ لِلتَّبْيِينِ (وَأَحْسَنُ قِرَاءَةً) ، أَيْ: تَرْتِيلًا وَأَدَاءً (قَالَ: مَنْ إِذَا سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ أُرِيتَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: حَسِبْتَهُ وَظَنَنْتَهُ (أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ) وَتَأَثَّرَ قَلْبَكَ مِنْهُ، أَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ آثَارُ الْخَشْيَةِ كَتَغَيُّرِ لَوْنِهِ، وَكَثْرَةِ بُكَائِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَكَانَ الْجَوَابُ مِنْ أُسْلُوبِهِ الْحَكِيمِ حَيْثُ اشْتَغَلَ فِي الْجَوَابِ عَنِ الصَّوْتِ الْحَسَنِ بِمَا يُظْهِرُ الْخَشْيَةَ فِي الْقَارِيءِ وَالْمُسْتَمِعِ (قَالَ طَاوُوسٌ: وَكَانَ طَلْقٌ كَذَلِكَ) : أَيْ بِهَذَا الْوَصْفِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَبُو عَلِيٍّ طَلْقُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ عَمْرٍو النَّخَعِيُّ الْيَمَامِيُّ، وَيُقَالُ أَيْضًا: طَلْقُ بْنُ يَمَامَةَ وَهُوَ وَالِدُ قَيْسِ بْنِ طَلْقِ الْيَمَامِيِّ اهـ. وَذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ قَيْسٌ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
стр. 3124
٢٢١٠ - وَعَنْ عُبَيْدَةَ الْمُلَيْكِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ لَا تَتَوَسَّدُوا الْقُرْآنَ وَاتْلُوهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَفْشُوهُ وَتَغَنُّوهُ وَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَلَا تَعْجَلُوا ثَوَابَهُ فَإِنَّ لَهُ ثَوَابًا» ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
٢٢١٠ - (وَعَنْ عَبِيدَةَ) بِفَتْح أَوَّلِهِ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفَى نُسْخَةٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ (الْمُلَيْكِيُّ) بِالتَّصْغِيرِ (وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ) ، أَيْ: بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مِنْ كَلَامِ الْبَيْهَقِيِّ، أَوْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ) خُصُّوا بِالْخِطَابِ لِأَنَّهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْمُبَالَغَةُ فِي أَدَاءِ حُقُوقِهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ لِاخْتِلَاطِهِ بِلَحْمِهِمْ وَدَمِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِمُ الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ لِأَنَّهُمْ مَا يَخْلُونَ عَنْ بَعْضِ الْقُرْآنِ، أَوِ الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْقُرْآنِ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊ يَا أَهْلَ الْبَقَرَةِ (لَا تَتَوَسَّدُوا الْقُرْآنَ) : أَيْ لَا تَجْعَلُوهُ وِسَادَةً لَكُمْ تَتْلُونَ وَتَنَامُونَ عَلَيْهِ وَتَغْفَلُونَ عَنْهُ وَعَنِ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ وَتَتَكَاسَلُونَ فِي ذَلِكَ; بَلْ قُومُوا بِحَقِّهِ لَفْظًا، وَفَهْمًا، وَعَمَلًا، وَعِلْمًا (وَاتْلُوهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ) : أَيِ اقْرَؤُوهُ حَقَّ قِرَاءَتِهِ أَوِ اتَّبِعُوه حَقَّ مُتَابَعَتِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ وَأَقَرَّهُ: لَوْ قَرَأَ نَسْتَعِينُ بِوَقْفَةٍ لَطِيفَةٍ بَيْنَ السِّينِ وَالثَّاءِ حَرُمَ عَلَيْهِ؟ ! لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَقْفٍ، وَلَا مُنْتَهَى آيَةٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْقُرَّاءِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى اعْتِبَارِهِ مِنْ مَخْرَجٍ وَمَدٍّ وَغَيْرِهِمَا وَجَبَ تَعَلُّمُهُ وَحَرُمَ مُخَالَفَتُهُ (مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) : أَيِ اتْلُوهُ تِلَاوَةً كَثِيرَةً مُسْتَوْفِيَةً لِحُقُوقِهَا فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَاتْلُوهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ حَالَ كَوْنِهَا فِي سَاعَاتِ هَذَا وَهَذَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: (لَا تَتَوَسَّدُوا) يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً رَمْزِيَّةً عَنِ التَّكَاسُلِ، أَيْ: لَا تَجْعَلُوهُ وِسَادَةً تَنَامُونَ عَنْهُ بَلْ قُومُوا وَاتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَاتْلُوهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ) ، وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً تَلْوِيحِيَّةً عَنِ التَّغَافُلِ فَإِنَّ مَنْ جَعَلَ الْقُرْآنَ وِسَادَةً يَلْزَمُ مِنْهُ النُّوَّمُ فَلْيَلْزَمَ مِنْهُ الْغَفْلَةُ، يَعْنِي: لَا تَغْفُلُوا عَنْ تَدَبُّرِ مَعَانِيهِ، وَكَشْفِ أَسْرَارِهِ، وَلَا تَتَوَانَوْا فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ، وَالْإِخْلَاصِ فِيهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ حَقَّ تِلَاوَتِهِ " ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] لِلْمَعْنَيَيْنِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: أَقَامُوا وَأَنْفَقُوا مَاضِيَانِ عَطْفًا عَلَى يَتْلُونَ، وَهُوَ مُضَارِعٌ دَلَالَةً عَلَى الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ فِي التِّلَاوَةِ الْمُثْمِرَةِ لِتَجَدُّدِ الْعَمَلِ الْمَرْجُوِّ مِنْهُ التِّجَارَةُ الْمُرْبِحَةُ اهـ. كَلَامُهُ ﵀. وَقَدْ أَطْنَبَ ابْنُ حَجَرٍ هُنَا بِذِكْرِ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقُرْآنِ مِنْ تَحْرِيمِ تَوَسُّدِ الْمُصْحَفِ وَمُسْتَثْنَيَاتِهِ، وَتَحْرِيمِ مَدِّ الرِّجْلِ، وَوَضْعِ الشَّيْءِ فَوْقَهُ، وَاسْتِدْبَارِهِ، وَتَخَطِّيهِ، وَرَمْيهِ، وَتَصْغِيرِ لَفْظِهِ، وَجَوَازِ تَقْبِيلِهِ، وَكَرَاهَةِ أَخْذِ الْفَأْلِ مِنْهُ، وَنُقِلَ تَحْرِيمُهُ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَإِبَاحَتُهُ عَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَحَلُّهُ فِي كُتُبِ الْفَتَاوَى وَالْخِلَافِيَّاتِ، وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا، أَنَّهُ قَالَ
стр. 3125
عَجِيبٌ مِنَ الشَّارِحِ; فَإِنَّهُ لِعَدَمِ اسْتِحْضَارِهِ لِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ تَرَدَّدَ فِي الْمُرَادِ بِلَا تَتَوَسَّدُوا تَرَدُّدًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ; فَإِنَّهُ لَمْ يُعَوِّلْ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِمُجَرَّدِ فَهْمِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَسَنٍ اهـ. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ فَهْمِهِ كَلَامَ الطِّيبِيِّ وَكَلَامَ الْأَئِمَّةِ فِي الْفِقْهِ الْفَرْعِيِّ، وَالْمَرْءُ لَا يَزَالُ عَدُوًّا لِمَا جَهِلَ، وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ، وَكُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، وَكُلُّ إِنَاءٍ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ، (وَأَفْشَوْهُ) : أَيْ بِالْجَهْرِ، وَالتَّعْلِيمِ، وَبِالْعَمَلِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالتَّعْظِيمِ (وَتَغَنَّوْهُ) ، أَيِ: اسْتَغْنَوْا بِهِ عَنْ غَيْرِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ) : أَيْ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالزَّوَاجِرِ الْبَالِغَةِ وَالْمَوَاعِيدِ الْكَامِلَةِ (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) : أَيْ لِكَيْ تُفْلِحُوا أَوْ حَالَ كَوْنِهِمْ رَاجِينَ الْفَلَاحَ وَهُوَ الظُّفْرُ بِالْمَطْلُوبِ (وَلَا تُعَجِّلُوا) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ الْمَكْسُورَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ، أَيْ: لَا تَسْتَعْجِلُوا ثَوَابَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَا تَجْعَلُوهُ مِنَ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ (فَإِنَّ لَهُ ثَوَابًا) : أَيْ مَثُوبَةً عَظِيمَةً آجِلَةً (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 3126
(بَابٌ)
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٢٢١١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: «سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرْسِلْهُ: اقْرَأْ، فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ لِي: اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
ــ
(بَابٌ)
بِالرَّفْعِ وَالْوَقْفِ، أَيْ فِي تَوَابِعَ أُخْرَى.
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٢٢١١ - (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ قَبْلَ الزَّايِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ قُرَشِيٌّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى عَامِ الْفَتْحِ، وَأَوْلَادُهُ صَحِبُوا النَّبِيَّ ﷺ (يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا) : أَيْ مِنَ الْقِرَاءَةِ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأَنِيهَا) : أَيْ سُورَةُ الْفُرْقَانِ (فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: قَارَبْتُ أَنْ أُخَاصِمَهُ وَأُظْهِرَ بَوَادِرَ غَضَبِي عَلَيْهِ بِالْعَجَلَةِ فِي أَثْنَاءِ الْقِرَاءَةِ (ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ) : أَيْ عَنِ الْقِرَاءَةِ (ثُمَّ لَبَّبْتُهُ) بِالتَّشْدِيدِ (بِرِدَائِهِ) : أَيْ جَعَلْتُهُ فِي عُنُقِهِ وَجَرَرْتُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَبَّبْتُ الرَّجُلَ تَلْبِيبًا إِذَا جَمَعْتُ ثِيَابَهُ عِنْدَ صَدْرِهِ فِي الْخُصُومَةِ ثُمَّ جَرَرْتُهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِنَائِهِمْ بِالْقُرْآنِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى لَفْظِهِ كَمَا سَمِعُوهُ بِلَا عُدُولٍ إِلَى مَا تُجَوِّزُهُ الْعَرَبِيَّةُ (فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ) ، أَيْ إِلَيْهِ ﷺ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا) قِيلَ: نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ فَلَمَّا عَسُرَ عَلَى غَيْرِهِمْ أُذِنَ فِي الْقِرَاءَةِ بِسَبْعِ لُغَاتٍ لِلْقَبَائِلِ الْمَشْهُورَةِ كَمَا ذُكِرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافَى زِيَادَةَ الْقِرَآتِ عَلَى سَبْعٍ لِلِاخْتِلَافِ فِي لُغَةِ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا، وَلِلتَّمَكُّنِ بَيْنَ الِاخْتِلَافِ فِي اللُّغَاتِ، وَقِيلَ جَمِيعُ الْقِرَآتِ الْمَوْجُودَةِ حَرْفٌ وَاحِدٌ مِنْ تِلْكَ الْحُرُوفِ وَسِتَّةٌ مِنْهَا قَدْ رُفِضَتْ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقِيلَ هُوَ الْقَوْلُ وَالْمُرَادُ بِالْحَرْفِ الْوَاحِدِ نَوْعٌ مُلَمَّعٌ مُجَمَّعٌ مِنْ تِلْكَ الْحُرُوفِ مُخْتَارٌ مِمَّا بَيْنَهَا مَنْسُوخٌ مَا عَدَاهَا وَهُوَ الَّذِي جُمِعَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ وَالْأَوَّلُ يُوَافِقُ جَمْعَ أَبَى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵃ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرْسِلْهُ) : أَيْ يَا عُمَرُ، وَإِنَّمَا سُومِحَ فِي فِعْلِهِ لِأَنَّهُ مَا فَعَلَ لُحْظَةَ نَفْسِهِ; بَلْ غَضَبًا لِلَّهِ بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ إِنَّ عُمَرَ كَانَ بِالنِّسْبَةِ لِهِشَامٍ كَالْمُعَلِّمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَعَلِّمِ فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُعَلِّمِ ابْتِدَاءٌ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ مَعَ الْمُتَعَلِّمِ (اقْرَأْ) : أَيْ يَا هِشَامُ (فَقَرَأَ) : أَيْ هِشَامٌ (الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ) : أَيْ سَمِعْتُ هِشَامًا إِيَّاهَا عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي (يَقْرَأُ) : أَيْ يَقْرَؤُهَا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا أُنْزِلَتْ) : أَيِ السُّورَةُ أَوِ الْقِرَاءَةُ (ثُمَّ قَالَ
стр. 3127
لِي اقْرَأْ فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ) : أَيْ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، أَوْ هَكَذَا عَلَى التَّخْيِيرِ أُنْزِلَتْ (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ) : أَيْ جَمِيعُهُ (أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) : أَيْ لُغَاتٍ، أَوْ قِرَاءَاتٍ، أَوْ أَنْوَاعٍ، قِيلَ: اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَحَدٍ وَأَرْبَعِينَ قَوْلًا مِنْهَا أَنَّهُ مِمَّا لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ لِأَنَّ الْحَرْفَ يَصْدُقُ لُغَةً عَلَى حَرْفِ الْهِجَاءِ، وَعَلَى الْكَلِمَةِ، وَعَلَى الْمَعْنَى وَعَلَى الْجِهَةِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ الْقِرَاءَاتِ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى سَبْعٍ فَإِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ مِنْ الِاخْتِلَافَاتِ الْأُوَلِ: اخْتِلَافُ الْكَلِمَةِ فِي نَفْسِهَا بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: نَنْشِزُهَا، وَنُنْشِزُهَا، وَقَوْلِهِ: سَارَعُوا، وَسَارِعُوا، الثَّانِي: التَّغْيِيرُ بِالْجَمْعِ وَالتَّوْحِيدِ كَكُتُبِهِ، وَكِتَابِهِ، الثَّالِثُ: بِالِاخْتِلَافِ فِي التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ كَمَا فِي يَكُنْ، وَتَكُنْ، الرَّابِعُ: الِاخْتِلَافُ التَّصْرِيفِيُّ كَالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ نَحْوَ يَكْذِبُونَ، وَيُكَذِّبُونَ، وَالْفَتْحُ وَالْكَسْرُ نَحْوَ يَقْنُطُ، وَيَقْنَطُ، الْخَامِسُ: الِاخْتِلَافُ الْإِعْرَابِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ بِرَفْعِ الدَّالِ، وَجَرِّهَا، السَّادِسُ: اخْتِلَافُ الْأَدَاةِ نَحْوَ لَكِنَّ الشَّيَاطِينَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وَتَخْفِيفِهَا، السَّابِعُ: اخْتِلَافُ اللُّغَاتِ كَالتَّفْخِيمِ وَالْإِمَالَةِ، وَإِلَّا فَلَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ كَلِمَةٌ تُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ إِلَّا الْقَلِيلُ مِثْلُ عَبْدِ الطَّاغُوتِ، وَلَا تَقُلْ أُفٍّ لَهُمَا، وَهَذَا كُلُّهُ تَيْسِيرٌ عَلَى الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ، وَلِذَا قَالَ ﷺ : (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ) : أَيْ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِرَاءَاتِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَعَمُّ مِنَ الْمِقْدَارِ، وَالْجِنْسِ، وَالنَّوْعِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَجَازَ بِأَنْ يَقْرَؤُا مَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ بِالتَّوَاتُرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ " وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبْعَةِ التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ; فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلٍ مِنَ الْأَقْوَالِ; لِأَنَّهُ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَصَحُّ الْأَقْوَالِ وَأَقْرَبُهَا إِلَى مَعْنَى الْحَدِيثِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هِيَ كَيْفِيَّةُ النُّطْقِ بِكَلِمَاتِهَا مِنْ إِدْغَامٍ، وَإِظْهَارٍ، وَتَفْخِيمٍ، وَتَرْقِيقٍ، وَإِمَالَةٍ، وَمَدٍّ، وَقَصْرٍ، وَتَلْيِينٍ، لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ مُخْتَلِفَةَ اللُّغَاتِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ فَيَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِيَقْرَأَ كُلٌّ بِمَا يُوَافِقُ لُغَتَهُ وَيَسْهُلُ عَلَى لِسَانِهِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ فَإِنَّ الْإِدْغَامَ مَثَلًا فِي مَوَاضِعَ لَا يَجُوزُ الْإِظْهَارُ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْبَوَاقِي، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ اخْتِلَافَ اللُّغَاتِ لَيْسَ مُنْحَصِرًا فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ لِوُجُوهِ إِشْبَاعِ مِيمِ الْجَمْعِ وَقَصْرِهِ، وَإِشْبَاعِ هَاءِ الضَّمِيرِ وَتَرْكِهِ، مِمَّا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى بَعْضِهِ وَمُخْتَلَفٌ فِي بَعْضِهِ كَاخْتِلَافِ الْبُخْلِ وَالْبَخْلِ، وَيَحْسَبُ وَيَقْنَطُ، وَالصِّرَاطُ وَالسِّرَاطُ، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَنَسَبَهُ إِلَى أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ﵏ أَنَّ الْمُرَادَ سَبْعَةُ أَوْجُهٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُتَّفِقَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ نَحْوَ أَقْبِلْ، وَتَعَالَ، وَعَجِّلْ، وَهَلُمَّ، وَأَسِرْ، فَيَجُوزُ إِبْدَالُ اللَّفْظِ بِمُرَادِفِهِ، أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ لَا بِضِدِّهِ، وَحَدِيثُ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ صَرِيحٍ فِيهِ وَعِنْدَهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ " «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ عَلِيمًا حَكِيمًا غَفُورًا رَحِيمًا» " وَفِي حَدِيثٍ عِنْدَهُ لِسَنَدٍ جَيِّدٍ أَيْضًا " «الْقُرْآنُ كُلُّ صَوَابٍ مَا لَمْ يَجْعَلْ مَغْفِرَةً عَذَابًا، أَوْ عَذَابًا مَغْفِرَةً» " وَلِهَذَا كَانَ أُبَيُّ يَقْرَأُ: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ سَعَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] ، بَدَلَ مَشَوْا فِيهِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ أَمْهِلُونَا أَخِّرُونَا، بَدَلَ انْظِرُونَا، وَفِيهِ أَنَّهُ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا مِنَ الصَّحَابَةِ خُصُوصًا مِنْ أُبَيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا يُبْدِلَانِ لَفْظًا مِنْ عِنْدِهِمَا بَدَلًا مِمَّا سَمِعَاهُ مِنْ لَفَظَ النُّبُوَّةِ وَأَقَامَاهُ مَقَامَهُ مِنَ التِّلَاوَةِ، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنْهُمَا، أَوْ سَمِعَا مِنْهُ ﵊ الْوُجُوهَ فَقَرَأَ مَرَّةً كَذَا وَمَرَّةً كَذَا كَمَا هُوَ الْآنَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ الِاخْتِلَافَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ أَرْبَابِ الشَّأْنِ وَكَذَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ رُخْصَةً لِمَا كَانَ يَتَعَسَّرُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمُ التِّلَاوَةُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالْكِتَابَةِ وَالضَّبْطِ وَإِتْقَانِ الْحِفْظِ، ثُمَّ نُسِخَ بِزَوَالِ الْعُذْرِ، وَتَيْسِيرِ الْكِتَابَةِ وَالْحِفْظِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالْبَاقِلَّانِيُّ، وَآخَرُونَ، هَذَا وَكَأَنَّهُ ﵊ كُشِفَ لَهُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْمُتَوَاتِرَةَ تَسْتَقِرُّ فِي أُمَّتِهِ عَلَى سَبْعٍ، وَهِيَ الْمَوْجُودَةُ الْآنَ الْمُتَّفَقُ عَلَى تَوَاتُرِهَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَا فَوْقَهَا شَاذٌّ لَا يَحِلُّ الْقِرَاءَةُ بِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : أَيْ مَعْنًى (وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) . وَحَدِيثُ نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ادَّعَى أَبُو عُبَيْدَةَ تَوَاتُرَهُ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: ( «أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيُزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ( «فَرَدَّدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَأَرْسَلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» ) قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَسَبَبُ إِنْزَالِهِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ التَّخْفِيفُ وَالتَّسْهِيلُ؛ وَلِهَذَا قَالَ ﷺ " هَوِّنَ عَلَى أُمَّتِي " وَكَمَا صَرَّحَ بِهِ آخِرَ الْحَدِيثِ " فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ".
стр. 3128
٢٢١٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ خِلَافَهَا فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهَةَ، فَقَالَ: (كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ فَلَا تَخْتَلِفُوا فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا» ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٢١٢ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ خِلَافَهَا) : أَيْ غَيْرَ قِرَاءَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَرَأَ (فَجِئْتُ بِهِ) : أَيْ أَحْضَرْتُهُ (النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ) : أَيْ بِمَا سَمِعْتُ مِنَ الْخِلَافِ (فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ: أَيْ آثَارَ الْكَرَاهِيَةِ خَوْفًا مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُتَشَابِهِ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ وَنَقْلُهُمْ صَحِيحٌ فَلَا وَجْهَ لِلْخِلَافِ (فَقَالَ: كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ) : أَيْ فِي رِوَايَةِ الْقِرَاءَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: أَمَّا الرَّجُلُ فَفِي قِرَاءَتِهِ، وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَفِي سَمَاعِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْكَرَاهَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْجِدَالِ، فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى قِرَاءَتِهِ ثُمَّ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ اهـ.
وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ لَوْ قَرَأَ عَلَى قِرَاءَتِهِ لَمَا كَانَ مُتَوَاتِرًا بَلْ شَاذًّا آحَادًا، وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالشَّوَاذِّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنَّمَا كَرِهَ اخْتِلَافَ ابْنِ مَسْعُودٍ مَعَ ذَلِكَ الرَّجُلِ فِي الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ قِرَاءَتَهُ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ جَائِزَةٍ ; فَإِنْكَارُ بَعْضِ تِلْكَ الْوُجُوهِ إِنْكَارٌ لِلْقُرْآنِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، قُلْتُ: هَذَا وَقَعَ مِنَ ابْنِ مَسْعُودٍ قَبْلَ الْعِلْمِ بِجَوَازِهِ الْوُجُوهَ الْمُخْتَلِفَةِ، وَإِلَّا فَحَاشَاهُ أَنْ يُنْكِرَ بَعْدَ الْعِلْمِ مَا يُوجِبُ إِنْكَارَ الْقُرْآنِ وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ الصَّحَابَةِ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ وَأَفْقَهِهِمْ بِأَحْكَامِ الْفُرْقَانِ، وَهَذَا مِنْهُ يُؤَيِّدُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ قِرَاءَتِهِ أَمْهِلُونَا وَأَخِّرُونَا بَدَلَ انْظُرُونَا، وَلَعَلَّ وَجْهَ ظُهُورِ الْكَرَاهِيَةِ فِي وَجْهِهِ ﵊ إِحْضَارُهُ الرَّجُلَ، فَإِنَّهُ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يُحْسِنَ الظَّنَّ بِهِ وَيَسْأَلَ - النَّبِيَّ ﷺ عَمَّا وَقَعَ لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ ظَهَرَتِ الْكَرَاهِيَةُ فِي وَجْهِهِ ﵊ عِنْدَمَا صَنَعَ عُمَرُ أَيْضًا، لَكِنَّ عُمَرَ لِشِدَّةِ غَضَبِهِ مَا شَعَرَ أَوْ حَلَمَ ﵊ لِمَا رَأَى بِهِ مِنَ الشِّدَّةِ، أَوْ تَعْظِيمًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجِلَّةِ أَصْحَابِهِ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ خِدْمَتِهِ عَلَى بَابِهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِمَالِ، وَاعْتُرِضَ عَلَى الطِّيبِيِّ فِي قَوْلِهِ إِنَّ الْكَرَاهَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْجِدَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ (فَلَا تَخْتَلِفُوا) : أَيْ أَيُّهَا الصَّحَابَةُ أَوْ أَيُّهَا الْأُمَّةُ وَصَدِّقُوا بَعْضَكُمْ بَعْضًا فِي الرِّوَايَةِ بِشُرُوطِهَا الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَ أَرْبَابِ الدِّرَايَةِ (فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) : أَيْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (اخْتَلَفُوا) بِتَكْذِيبِهِ بَعْضَهُمْ بَعْضًا (فَهَلَكُوا) بِتَضْيِيعِ كِتَابِهِمْ وَإِهْمَالِ خِطَابِهِمْ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 3129
٢٢١٣ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَ فَحَسَّنَ شَأْنَهُمَا فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِي فَفِضْت عَرَقًا وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقَا فَقَالَ لِي يَا أُبَيُّ أُرْسِلَ إِلَيَّ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ فَرَدَّدَتْ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةِ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا فَقُلْتُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﵇ رَوَاهُ مُسْلِمٌ»
ــ
٢٢١٣ - (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي) اسْتِئْنَافٌ، أَوْ حَالٌ (فَقَرَأَ قِرَاءَةً) : أَيْ فِي صَلَاتِهِ، أَوْ بَعْدَهَا (أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ) : أَيْ بِالْجَنَانِ، أَوْ بِاللِّسَانِ (ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ) : أَيْ فَأَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ أَيْضًا (فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ) دَلَّ عَلَى أَنَّ أُبَيًّا أَيْضًا كَانَ فِي الصَّلَاةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا صَلَاةُ الضُّحَى، أَوْ نَحْوُهَا مِنَ النَّوَافِلِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فَلَمَّا قَضَيْنَا جَمِيعًا الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ الَّتِي حَضَرْنَا لِأَجْلِهَا، وَيُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ مَا فِي نُسَخِةٍ (فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ) : أَيْ فَرَغْنَا عَنْهَا (دَخَلْنَا جَمِيعًا) : أَيْ كُلُّنَا أَوْ مُجْتَمِعُونَ (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ لِصَلَاتِهِ، أَوْ فِي حُجْرَةٍ مِنْ حُجُرَاتِهِ (فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ) : أَيْ أَنْكَرَتُهَا عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ (فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَآ) بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ: أَيْ كِلَاهُمَا (فَحَسَّنَ شَأْنَهُمَا، فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ) قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَلَكِنْ فِي سَمَاعِنَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَعْرُوفِ، قُلْتُ: يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا نَقَلَ شُرَّاحُ الْمَصَابِيحِ كَابْنِ الْمَلَكِ وَغَيْرِهِ: أَيْ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَعْنَى كَمَا سَيَظْهَرُ لَكَ فَتَكُونُ مُطَابِقَةً بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، وَذَهَبَ ابْنُ حَجَرٍ إِلَى الثَّانِي حَيْثُ قَالَ: أَيْ وَقَعَ فِي خَاطِرِي أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا أَقْدِرُ
стр. 3130
عَلَى وَصْفِهِ، وَحَذْفُ الْفَاعِلِ الْمَعْلُومِ جَائِزٌ، وَكَنَّى عَنْ خَطَرِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْمَعَانِي بِسَقَطَ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْأَجْسَامِ إِشْعَارًا بِشِدَّةِ هَذَا الْخَاطِرِ وَثِقَلِهِ اهـ. وَلَوْ زِيدَ وَقِيلَ لِسُقُوطِ هَذَا الْخَاطِرِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ وَلَسَقَطَ؛ لِأَنَّهُ بِدُونِ اعْتِبَارٍ لَكَانَ حَسَنًا عِنْدَ أُولِي الْأَبْصَارِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي بَعْضِ النُّسَخِ سَقَطَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ: أَيْ نَدِمَ فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ اهـ. فَكَأَنَّهُ وَهِمَ أَنَّ قَوْلَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ يَأْبَاهُ فَتَدَبَّرْ (وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي وَقَعَ فِي خَاطِرِي مِنْ تَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ لِتَحْسِينِهِ بِشَأْنِهِمَا تَكْذِيبًا أَكْثَرَ تَكْذِيبِي إِيَّاهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ غَافِلًا، أَوْ مُشَكِّكًا، وَإِنَّمَا اسْتَعْظَمَ هَذِهِ الْحَالَةَ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ الَّذِي دَاخَلَهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا وَرَدَ عَلَى مَوْرِدِ الْيَقِينِ، وَقِيلَ: فَاعِلُ سَقَطَ مَحْذُوفٌ أَيْ: وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ مَا لَمْ أَقْدِرْ عَلَى وَصْفِهِ وَلَمْ أَعْهَدْ بِمِثْلِهِ وَلَا وَجَدْتُ مِثْلَهُ إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ أُبَيٌّ مَنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مَا وَقَعَ لَهُ نَزْغَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ، فَلَمَّا نَالَهُ بَرَكَةُ يَدِ النَّبِيِّ ﷺ زَالَ عِنْدَ الْغَفْلَةِ وَالْإِنْكَارِ وَصَارَ فِي مَقَامِ الْحُضُورِ وَالْمُشَاهَدَةِ اهـ. وَتَبِعَهُ فِي هَذَا ابْنُ الْمَلَكِ وَقَالَ: وَتَبِعَتُهُ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ آثَمُ وَآثَمُ أَيْ أَكْثَرُ إِثْمًا، وَحَاصِلُ كَلَامِهِمَا - نَعُوذُ بِاللَّهِ - تَكْفِيرُهُ ﵁ وَهَذِهِ نَزْغَةٌ جَسِيمَةٌ وَجُرْأَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإِنَّ عِبَارَةَ آحَادِ النَّاسِ إِذَا احْتَمَلَتْ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَجْهًا مِنَ الْحَمْلِ عَلَى الْكُفْرِ وَوَجْهًا وَاحِدًا عَلَى خِلَافِهِ لَا يَحِلُّ أَنْ يُحْكَمَ بِارْتِدَادِهِ فَضْلًا عَمَّا وَرَدَ عَلَى لِسَانِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ عُمُومًا وَمِنْ أَكْمَلِهِمْ فِي أَمْرِ الْقِرَاءَةِ خُصُوصًا، فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَبِيَدِهِ أَزِمَّةُ التَّحْقِيقِ: إِنَّ لَفْظَ سَقَطَ جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩] بِالْقِرَاءَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَلَى الضَّمِّ، فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ؛ مُطَابَقَةً بَيْنِهِمَا وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي أَيْدِيهِمْ وَقَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ " فِي نَفْسِي " بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ كَثِيرًا مَا يُعَبَّرُ عَنِ النَّفْسِ بِالْأَيْدِي، إِلَّا أَنَّ الْبَلَاغَةَ الْقُرْآنِيَّةَ وَالْفَصَاحَةَ الْفُرْقَانِيَّةَ بَلَغَتْ غَايَةَ الْعُلْيَا فَعَبَّرَتْ بِالْعِبَارَةِ الْحُسْنَى، قَالَ الْقَاضِي: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اشْتِدَادِ نَدَمِهِمْ، قَالَ: الْمُتَحَسِّرُ يَعَضُّ يَدَهُ غَمًّا ; فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيهَا، وَقُرِئَ: سَقَطَ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ بِمَعْنَى وَقَعَ الْعَضُّ فِيهَا، وَقِيلَ: سَقَطَ النَّدَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ اهـ. وَهُوَ غَايَةُ الْمُنَى، وَفِي الْقَامُوسِ سَقَطَ: وَقَعَ، وَبِالضَّمِّ: ذَلَّ وَنَدِمَ وَتَحَيَّرَ، فَعَلَى رِوَايَةِ الضَّمِّ مَعْنَاهُ: نَدِمْتُ مِنْ تَكْذِيبِي، وَإِنْكَارِ قِرَاءَتِهَا نَدَامَةً مَا نَدِمْتُ مِثْلَهَا لَا فِي الْإِسْلَامِ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْفَتْحِ مَعْنَاهُ: أَوْقَعَ النَّدَمُ فِي نَفْسِي مِنْ أَجْلِ تَكْذِيبِ قِرَاءَتِهِمَا نَدَمًا لَمْ أَنْدَمْ مِثْلَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ وَلَا حِينَ كُنْتُ فِي أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْعُقَلَاءِ، وَالْعَاقِلُ لَا يُكَذِّبُ إِلَّا مَا يُنَافِي الْعَقْلَ أَوِ النَّقْلَ، وَقِرَاءَتُهُمَا مَا كَانَتْ مُنَافِيَةً لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْسِينِ الْقِرَاءَتَيْنِ فَسَادُ إِحْدَاهِمَا عَقَلًا وَنَقَلًا سِيَّمَا، وَأَخْبَرَ الصَّادِقُ: أَنَّهُمَا صَحِيحَتَانِ، فَكَيْفَ يَصْلُحُ مِثْلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلشَّكِّ فِي النُّبُوَّةِ الثَّابِتَةِ، لَا بِالْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ، وَالْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ، وَالْبَرَاهِينِ اللَّامِعَةِ مِنَ الْحَقَائِقِ الْعَقْلِيَّةِ وَالدَّقَائِقِ النَّقْلِيَّةِ، فَضْلًا عَنِ التَّكْذِيبِ مِمَّنْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِجَمَالِ التَّهْذِيبِ وَكَمَالِ التَّأْدِيبِ! ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ وَافَقَنِي وَقَالَ: أَيْ مِنْ أَجْلِ تَكْذِيبِي لِكُلٍّ مِنَ الرَّجُلَيْنِ فِي قِرَاءَتِهِمَا. وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا قَرَأَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ التَّكْذِيبَ بِالْقُرْآنِ كُفْرٌ، فَلِذَا عَظُمَ عَلَيَّ الْأَمْرُ الْآنَ مَا لَمْ يَعْظُمْ عَلَيَّ غَيْرُهُ فِي زَمَنٍ مَضَى. " وَلَا إِذْ كُنْتُ " أَيْ: وَلَا فِي الزَّمَنِ الَّذِي كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا يُفْعَلُ فِيهَا مَرْفُوعٌ بِالْإِسْلَامِ بِخِلَافِ مَا يُفْعَلُ بَعْدَهَا لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِيهِ تَكْذِيبٌ بِالْقُرْآنِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ، وَأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ مَنْفِيٌّ، وَأَنَّ لَا لِتَأْكِيدِ ذَلِكَ النَّفْيِ كَهِيَ فِي " وَلَا غَرْبِيَّةٍ " وَهِيَ أَسَدُّ فِي الْعَرَبِيَّةِ مِنْ جَعَلَ، " وَلَا إِذْ كُنْتُ " صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ لِأَنَّ وَاوَ الْعَطْفِ مَانِعَةٌ، وَيَجُوزُ كَوْنُهَا لِلْحَالِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ مُتَكَلَّفٌ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ كَلَامَهُ مُوهِمٌ بِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ تَكْذِيبٌ بِالْقُرْآنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ إِذَا لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً بِالتَّوَاتُرِ فَإِنْكَارُهَا لَمْ يَكُنْ تَكْذِيبًا لِلْقُرْآنِ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ صُورَةَ التَّكْذِيبِ لَا حَقِيقَتَهُ، مَعَ أَنَّهُ خُطُورٌ لَيْسَ فِيهِ مَحْظُورٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ فِي وُقُوعِهِ مَعْذُورٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ: مَعْنَاهُ وَسْوَسَ إِلَيَّ الشَّيْطَانُ تَكْذِيبًا أَشَدَّ مِمَّا كُنْتُ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ غَافِلًا، أَوْ مُتَشَكِّكًا، وَحِينَئِذٍ دَخَلَ الشَّكُّ فِي الْيَقِينِ اهـ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِدُخُولِ الشَّكِّ دُخُولًا عَلَى وَجْهِ الْوَسْوَسَةِ لِيُلَائِمَ أَوَّلَ كَلَامِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْوَسْوَسَةِ دُخُولُ الشَّكِّ عَلَى وَجْهِ الْحُصُولِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ إِدْرَاجُهُ مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرَّاحِ فِي الِاعْتِرَاضِ كَمَا فَعَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ فَتَأَمَّلْ وَتَدَبَّرْ (فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَدْ غَشِيَنِي) : أَيْ أَتَانِي مِنْ آثَارِ الْخَجَالَةِ وَعَلَامَاتِ النَّدَامَةِ، أَوْ لَمَّا عَلِمَ مَا فِي خَاطِرِي بِالْمُعْجِزَةِ مِنْ حُصُولِ الْوَسْوَسَةِ (ضَرَبَ صَدْرِي) إِمَّا لِلتَّأْدِيبِ، وَإِمَّا
стр. 3131
لِإِخْرَاجِ الْوَسْوَسَةِ بِبَرَكَةِ يَدِهِ، وَإِمَّا لِلتَّلَطُّفِ، وَإِمَّا لِإِرَادَةِ الْحِفْظِ، أَوْ لِتَذَكُّرِ الْقَضِيَّةِ وَعَدَمِ الْعَوْدِ إِلَى مِثْلِهَا (فَفِضْتُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ الثَّانِيَةِ (عَرَقًا) تَمْيِيزٌ: أَيْ فَجَرَى عَرَقِي مِنْ جَمِيعِ بَدَنِي اسْتِحْيَاءً مِنْهُ ﵊ وَنَدَامَةً عَلَى مَا فَعَلَهُ، وَفَنَاءً عَنْ نَفْسِهِ وَإِغْمَاءً عَنْ حَالِهِ (وَكَأَنَّمَا) وَفَى نُسْخَةٍ فَكَأَنَّمَا (أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقَا) : أَيْ خَوْفًا قِيلَ: تَمْيِيزٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ نَصْبَهُ عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ: أَيْ فَكَأَنِّي لِأَجْلِ الْخَوْفِ عَلَى مَا فَعَلْتُ أُحْضِرْتُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِلْحُكْمِ فِيَّ بِمَا أَرَادَ (فَقَالَ لِي يَا أُبَيُّ) : أَيْ تَسْكِينًا وَتَبْيِينًا (أُرْسِلَ إِلَيَّ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ: أَيْ أَرْسَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ، وَفَى نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَعْلُومِ: أَيْ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيَّ (أَنِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَفَى نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ الْمُتَكَلِّمِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَنْ مُفَسِّرَةٌ، وَجَوَّزَ كَوْنَهَا مَصْدَرِيَّةً عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً عَلَى الْأَمْرِ (عَلَى حَرْفٍ) : أَيْ قِرَاءَةً وَاحِدَةً (فَرَدَدْتُ) : أَيْ جِبْرِيلُ (إِلَيْهِ) أَوْ فَرَاجَعْتُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (أَنْ هَوِّنْ) : أَيْ سَهِّلْ وَيَسِّرْ (عَلَى أُمَّتِي) أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ مَدْخُولِهَا أَمْرًا؛ لِأَنَّهَا تَدْخُلُ عَلَيْهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، أَوْ مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي رَدَدْتُ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ، يُقَالُ رَدَّ إِلَيْهِ إِذَا رَجَعَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ فَقُلْتُ لَهُ قَوْلًا مُتَكَرِّرًا، فَلَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ رِوَايَةً وَلَا دِرَايَةً (فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ) مَاضٍ مَجْهُولٌ، أَوْ مَعْلُومٌ رَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ الرِّسَالَةَ الثَّانِيَةَ (اقْرَأْهُ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، أَوِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ بِدُونِ أَنْ كَمَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ خِلَافًا لِمَا تَوَهِمُهُ عِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ رَدَّ وَرَدَّ إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ وَإِمَّا أَنَّهُ كَانَ مَسْبُوقًا لِسُؤَالِهِ ﵊ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْقِرَاءَةِ، وَالْمُرَادُ بِالرَّدِّ رَجْعُ الْكَلَامِ وَرَدُّ الْجَوَابِ (عَلَى حَرْفَيْنِ) : أَيْ نَوْعَيْنِ (فَرَدَّدَتْ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي) : أَيْ بِزِيَادَةِ التَّهْوِينِ (فَرَدَّ) بِالْوَجْهَيْنِ (إِلَيَّ الثَّالِثَةِ اقْرَأْهُ) بِالضَّبْطَيْنِ (عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا) : أَيْ لَكَ بِمُقَابَلَةِ كُلِّ دَفْعَةٍ رَجَعَتْ إِلَيَّ وَرَدَدْتُكَهَا بِمَعْنَى أَرْجَعْتُكَ إِلَيْهَا بِحَيْثُ مَا هَوَّنْتُ عَلَى أُمَّتِكَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ (مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذِهِ الْجُمْلَةُ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ يَعْنِي مَسْأَلَةً مُسْتَجَابَةً قَطْعًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يَنْبَغِي أَنْ تَسْأَلْنِيهَا فَأُجِيبَكَ إِلَيْهَا (فَقُلْتُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِمْ أَهْلُ الْكَبَائِرِ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي) : أَيْ لِأَهْلِ الصَّغَائِرِ، وَعَكَسَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ شَارِحٌ: لَمَّا انْقَسَمَ الْمُحْتَاجُ إِلَى الْمَغْفِرَةِ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَى مُفَرِّطٍ وَمُفْرِطٍ فِي اسْتَغْفَرَ ﷺ لِلْمُقْتَصِدِ الْمُفَرِّطِ فِي الطَّاعَةِ، وَأُخْرَى لِلظَّالِمِ فِي الْمَعْصِيَةِ، أَوِ الْأُولَى لِلْخَوَاصِّ ; لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يَخْلُو عَنْ تَقْصِيرٍ مَا فِي حَقِّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] وَالثَّانِيَةُ لِلْعَوَامِّ، أَوِ الْأُولَى فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى فِي الْعُقْبَى (وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ) : أَيِ الْمَسْأَلَةَ الثَّالِثَةَ وَهِيَ الشَّفَاعَةُ الْكُبْرَى (لِيَوْمٍ) : أَيْ لِأَجْلِ يَوْمٍ، أَوْ إِلَى يَوْمٍ (يَرْغَبُ) : أَيْ يَحْتَاجُ (إِلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (الْخَلْقُ) : أَيِ الْمُكَلَّفُونَ (كُلُّهُمْ) حِينَ يَقُولُونَ نَفْسِي نَفْسِي (حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﵊) بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْخَلْقِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى رِفْعَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَفْضِيلِ نَبِيِّنَا عَلَى الْكُلِّ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3132
٢٢١٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» ) قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الْأَحْرُفَ إِنَّمَا هِيَ فِي الْأَمْرِ تَكُونُ وَاحِدًا لَا تَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٢١٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ) : أَيْ أَوَّلًا (فَرَاجَعْتُهُ) : أَيِ اللَّهَ، أَوْ جِبْرِيلَ (فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ) : أَيْ أَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ الزِّيَادَةَ، أَوْ أَطْلُبُ مِنْ جِبْرِيلَ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ الزِّيَادَةَ بَعْدَ الْإِجَابَةِ (وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى) : أَيْ طَلَبُ الزِّيَادَةِ وَالْإِجَابَةِ، أَوْ أَمْرُ الْقُرْآنِ (إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) : أَيْ إِلَى إِعْطَائِهَا (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) : أَيِ الزُّهْرِيُّ (بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الْأَحْرُفِ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْوَصْفِيَّةِ، وَقِيلَ بِالْجَرِّ عَلَى الْإِضَافَةِ (إِنَّمَا هِيَ فِي الْأَمْرِ) أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَفَى الْحَقِيقَةِ (تَكُونُ) بِالتَّأْنِيثِ وَيُذَكَّرُ (وَاحِدًا لَا يَخْتَلِفُ) بِالْوَجْهَيْنِ (فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ) يَعْنِي أَنَّ مَرْجِعَ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى وَإِنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ فِي هَيْئَتِهِ وَأَمَّا
стр. 3133
الِاخْتِلَافُ بِأَنْ يَصِيرَ الْمُثْبَتُ مَنْفِيًّا، وَالْحَلَالُ حَرَامًا، فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وَهَذَا لَمَّا كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا يَسِيرًا، وَكَأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ قَصَدَ بِذَلِكَ رَدًّا لِقَوْلِ الْمَشْهُورِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَصْنَافٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ فَقِيلَ: أَمْرٌ، وَنَهْيٌ، وَحَلَالٌ، وَحَرَامٌ، وَمُحْكَمٌ، وَمُتَشَابِهٌ، وَأَمْثَالٌ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْحَاكِمِ، وَالْبَيْهَقِيِّ " «كَانَتِ الْكُتُبُ الْأُوَلُ تَنْزِلُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ: زَاجِرٌ، وَآمِرٌ، وَحَلَالٌ، وَحَرَامٌ، وَمُحْكَمٌ، وَمُتَشَابِهٌ، وَأَمْثَالٌ» " وَأَجَابَ عَنْهُ قَوْمٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِمَا فِيهِ تِلْكَ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ الَّتِي فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ ; لِأَنَّ سِيَاقَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ يَأْبَى حَمْلَهَا عَلَى هَذَا إِذْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ يُقْرَأُ عَلَى وَجْهَيْنِ وَثَلَاثَةٍ إِلَى سَبْعَةٍ تَيْسِيرًا وَتَهْوِينًا، وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ حَلَالًا وَحَرَامًا فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبِهِ جَزَمَ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ: مَنْ أَوَّلَ تِلْكَ بِهَذِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَمِمَّنْ ضَعَّفَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقَالَ: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ التَّوْسِعَةَ لَمْ تَقَعْ فِي تَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ وَلَا تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: زَاجِرٌ إِلَخْ اسْتِئْنَافٌ: أَيِ الْقُرْآنُ زَاجِرٌ وَآمِرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ زَاجِرًا بِالنَّصْبِ: أَيْ نَزَلَ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ حَالَ كَوْنِهِ زَاجِرًا إِلَخْ. وَقَالَ أَبُو شَامَةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ الْمَذْكُورُ لِلْأَبْوَابِ لَا لِلْأَحْرُفِ، أَيْ: سَبْعَةُ أَبْوَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْكَلَامِ وَأَقْسَامِهِ أَيْ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ لَمْ يَقْتَصِرْ مِنْهَا عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ كَغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ اهـ. وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ، وَأَمَّا مَا قَالَ الْأُصُولِيُّونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِتِلْكَ الْأَصْنَافِ الْمُطْلَقُ، وَالْمُقَيَّدُ، وَالْعَامُّ، وَالْخَاصُّ، وَالنَّصُّ، وَالْمُؤَوَّلُ، وَالنَّاسِخُ، وَالْمَنْسُوخُ، وَالْمُجْمَلُ، وَالْمُفَسَّرُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ وَأَقْسَامُهُ، فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْقُرْآنِ مُنَزَّلَةً فِيهِ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ التَّخْيِيرَ وَلَا التَّبْدِيلَ الْمَفْهُومَ مِنْ سَبَبِ الْوُرُودِ فِي الْحَدِيثِ وَمِنْ مَنْطُوقِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ اللُّغَوِيُّونَ مَنْ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْحَذْفُ، وَالصِّلَةُ، وَالتَّقْدِيمُ، وَالتَّأْخِيرُ، وَالِاسْتِعَارَةُ، وَالتَّكْرَارُ، وَالْكِنَايَةُ، وَالْحَقِيقَةُ، وَالْمَجَازُ، وَالْمُجْمَلُ، وَالْمُفَسَّرُ، وَالظَّاهِرُ، وَالْغَرِيبُ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ مَا حَكَى النُّحَاةُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا التَّذْكِيرُ، وَالتَّأْنِيثُ، وَالشَّرْطُ، وَالْجَزَاءُ، وَالتَّصْرِيفُ، وَالْإِعْرَابُ، وَالْأَقْسَامُ وَجَوَابُهَا، وَالْجَمْعُ، وَالْإِفْرَادُ، وَالتَّصْغِيرُ، وَالتَّعْظِيمُ، وَاخْتِلَافُ الْأَدَوَاتِ، فَإِنَّ بَعْضَهَا ثَابِتٌ جَازَ تَغَيُّرُهَا عَلَى مَا وَرَدَ مِنَ التَّذْكِيرِ، وَالتَّأْنِيثِ، وَالْجَمْعِ، وَالْإِفْرَادِ، وَالْإِعْرَابِ، وَاخْتِلَافِ الْأَدَوَاتِ، وَأَمَّا سَائِرُ الصِّفَاتِ فَمَا وَرَدَ شَيْءٌ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ [المزمل: ٢٠] ، وَكَذَا مَا حُكِيَ عَنِ الصُّوفِيَّةِ مِنْ أَنَّهَا الزُّهْدُ وَالْقَنَاعَةُ مَعَ الْيَقِينِ، وَالْحُرْمَةُ وَالْخِدْمَةُ مَعَ الرِّضَا، وَالشُّكْرُ وَالصَّبْرُ مَعَ الْمُحَاسَبَةِ، وَالْمَحَبَّةُ وَالشَّوْقُ مَعَ الْمُشَاهَدَةِ، لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْقُرْآنِ مَعَ زِيَادَةِ تَبْلُغُ أَلْفًا كَمَا حَقَّقَ فِي مَنَازِلِ السَّائِرِينَ وَمُقَدِّمَاتِ الْعَارِفِينَ، وَلَكِنَّ تَنْزِيلَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى كَوْنِهَا مُرَادَةً مِنَ الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ لِلتَّيْسِيرِ وَالتَّخْفِيفِ بِالتَّخْيِيرِ مِمَّا لَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا عُرِفَ بِمَذْهَبِهِ وَعُرِفَ مِنْ مَشْرَبِهِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةٍ لِلَفْظِ بَاقِي الْحَدِيثِ، وَلِسَبَبِ وُرُودِهِ فَتَكَلَّمُوا عَلَى مَعْنَى الْقُرْآنِ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3134
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٢٢١٥ - عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ فَقَالَ: (يَا جِبْرِيلُ إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ مِنْهُمُ الْعَجُوزُ، وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَالْغُلَامُ، وَالْجَارِيَةُ، وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ، قَالَ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» :) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ قَالَ: ( «لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ» ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ قَالَ: ( «إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَتَيَانِي فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِي وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي، فَقَالَ جِبْرِيلُ: اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، فَكُلُّ حَرْفٍ شَافٍ كَافٍ» ) .
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٢٢١٥ - (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ فَقَالَ: (يَا جِبْرِيلُ إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ) : أَيْ لَا يُحْسِنُونَ الْقِرَاءَةَ وَلَوْ أَقْرَأْتُهُمْ عَلَى قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ جَرَى لِسَانُهُ عَلَى الْإِمَالَةِ أَوِ الْفَتْحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى لِسَانِهِ الْإِدْغَامُ أَوِ الْإِظْهَارُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا (مِنْهُمُ الْعَجُوزُ، وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ) وَهُمَا عَاجِزَانِ عَنِ التَّعَلُّمِ لِلْكِبَرِ (وَالْغُلَامُ، وَالْجَارِيَةُ) وَهُمَا غَيْرُ مُتَمَكِّنَيْنِ مِنَ الْقِرَاءَةِ لِلصِّغَرِ (وَالرَّجُلُ) : أَيْ وَمِنْهُمُ الرَّجُلُ الْمُتَوَسِّطُ (الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ قَالَ) : أَيْ بَعْدَ الْمُرَاجَعَاتِ (يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) : أَيْ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ فَلْيَقْرَأْ كُلٌّ بِمَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ جَوَازُ التَّرْكِيبِ وَالتَّلْفِيقِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَلَكِنِ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى مَنْعِهِ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ مَنْعَ تَنْزِيهٍ، وَكَذَا قَالُوا بِمَنْعِ مَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْمَعْنَى مَنْعَ تَحْرِيمٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ رِوَايَةَ
стр. 3135
أُبَيٍّ عَنْ جِبْرِيلَ هَذَا الْإِجْمَالَ رِوَايَةٌ عَنْهُ بِالْمَعْنَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أُبَيًّا سَمِعَ النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي عَنْ جِبْرِيلَ مَا مَرَّ عَنْهُ مِنَ التَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَسْتَزِيدُهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّبْعَةِ فَرَوَى هُنَا حَاصِلُ ذَلِكَ فَهُوَ أَنَّهُ بَعْدَ تِلْكَ الِاسْتِزَادَةِ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﵊ لَمَّا ذَكَرَ لِجِبْرِيلَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: ( «إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لَكِنَّهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى سُؤَالِكَ فَسَلْهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ حَتَّى تُعْطَاهَا كُلَّهَا» ) . (وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ قَالَ) : أَيْ جِبْرِيلُ بَعْدَ الْأَحْرُفِ (لَيْسَ مِنْهَا) : أَيْ لَيْسَ حَرْفٌ مِنْ تِلْكَ الْأَحْرُفِ (إِلَّا شَافٍ) : أَيْ لِلْعَلِيلِ فِي فَهْمِ الْمَقْصُودِ (كَافٍ) لِلْإِعْجَازِ فِي إِظْهَارِ الْبَلَاغَةِ وَقِيلَ: أَيْ شَافٍ لِصُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ لِلِاتِّفَاقِ فِي الْمَعْنَى، وَكَافٍ فِي الْحُجَّةِ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ (وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَتَيَانِي فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِي وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي فَقَالَ) أَيْ لِي (جِبْرِيلُ: اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِيدُهْ) : أَيِ اطْلُبْ زِيَادَةَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى حَرْفٍ مِنَ اللَّهِ، أَوْ مِنْ جِبْرِيلَ لِيَعْرِضَ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ لَا يَزَالُ بِقَوْلِهِ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ وَيُجَابُ (حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، فَكُلُّ حَرْفٍ شَافٍ) : أَيْ فِي إِثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ لِلْمُؤْمِنِينَ (كَافٍ) فِي الْحُجَّةِ عَلَى الْكَافِرِينَ.
стр. 3136
٢٢١٦ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَاصٍّ يَقْرَأُ، ثُمَّ يَسْأَلُ فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلِ اللَّهَ بِهِ فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ بِهِ النَّاسَ» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٢٢١٦ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَاصٍّ) بِتَشْدِيدِ الصَّادِ: أَيْ يَحْكِي الْقِصَصَ وَالْأَخْبَارَ (يَقْرَأُ) : أَيِ الْقُرْآنَ حَالٌ، أَوِ اسْتِئْنَافٌ (ثُمَّ يَسْأَلُ) : أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ (فَاسْتَرْجَعَ) : أَيْ عِمْرَانُ يَعْنِي قَالَ: " إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَظُهُورُ مَعْصِيَةٍ وَأَمَارَةُ الْقِيَامَةِ (ثُمَّ قَالَ) : أَيْ عِمْرَانُ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلِ اللَّهَ بِهِ) : أَيْ فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقُرْآنِ مَا شَاءَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَا مِنَ النَّاسِ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ فَلْيَسْأَلْهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِآيَةِ عُقُوبَةٍ فَيَتَعَوَّذُ إِلَيْهِ بِهَا مِنْهَا، وَإِمَّا بِأَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عَقِيبَ الْقِرَاءَةِ بِالْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ وَإِصْلَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ (فَإِنَّهُ) : أَيِ الشَّأْنُ (سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ بِهِ النَّاسَ) : أَيْ بِلِسَانِ الْقَالِ أَوْ بِبَيَانِ الْحَالِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) .
стр. 3137
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٢١٧ - عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يَتَأَكَّلُ بِهِ النَّاسَ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ لَيْسَ عَلَيْهِ لَحْمٌ» ) . رَوَاهُ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٢١٧ - (عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يَتَأَكَّلُ بِهِ النَّاسَ) أَيْ يَطْلُبُ بِهِ الْأَكْلَ مِنَ النَّاسِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي يَسْتَأْكِلُ كَتَعَجَّلَ بِمَعْنَى اسْتَعْجَلَ، وَالْبَاءُ فِي بِهِ لِلْآلَةِ أَيْ: أَمْوَالَهُمْ (جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ لَيْسَ عَلَيْهِ لَحْمٌ) لَمَّا جَعَلَ أَشْرَفَ الْأَشْيَاءِ وَأَعْظَمَ الْأَعْضَاءِ وَسِيلَةً إِلَى أَدْنَاهَا وَذَرِيعَةً إِلَى أَرْدَئِهَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ وَأَسْوَأِ حَالَةٍ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: اسْتِجْرَارُ الْجِيفَةِ بِالْمَعَازِفِ أَهْوَنُ مِنَ اسْتِجْرَارِهَا بِالْمَصَاحِفِ، وَفَى الْأَخْبَارِ مَنْ طَلَبَ بِالْعِلْمِ الْمَالَ كَانَ كَمَنْ مَسَحَ أَسْفَلَ مَدَاسِهِ وَنَعْلِهِ بِمَحَاسِنِهِ لِيُنَظِّفَهُ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْبَهْلَوَانُ الَّذِي يَلْعَبُ فَوْقَ الْحِبَالِ أَحْسَنُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يَمِيلُونَ إِلَى الْمَالِ ; لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الدُّنْيَا بِالدُّنْيَا، وَهَؤُلَاءِ يَأْكُلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، فَيَصْدُقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] وَقَدْ مَدَحَ الشَّاطِبِيُّ الْقُرَّاءَ السَّبْعَةَ وَرُوَاتَهُمْ بِقَوْلِهِ: تَخَيَّرَهُمْ نُقَّادُهُمْ كُلُّ بَارِعٍ وَلَيْسَ عَلَى قُرْآنِهِ مُتَأَكِّلَا
(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 3138
٢٢١٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٢١٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ) بِالصَّادِّ الْمُهْمَلَةِ: أَيِ انْفِصَالَهَا وَانْقِضَاءِهَا، أَوْ فَصْلَهَا عَنْ سُورَةٍ أُخْرَى (حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) تَعَلَّقَ بِهِ أَصْحَابُنَا حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِنْزَالَ مُكَرَّرٌ وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى شَرَفِهَا لِتَكْرَارِ نُزُولِ الْفَاتِحَةِ عَلَى قَوْلٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَالَّذِي سَيَرِدُ فِي آخِرِ الْبَابِ دَلِيلَانِ ظَاهِرَانِ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ جُزْءٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ مُكَرَّرَةً لِلْفَصْلِ، قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْجُزْئِيَّةِ لَا عَلَى وَجْهِ الْجُزْئِيَّةِ وَلَا عَلَى وَجْهِ الْكُلِّيَّةِ، بَلْ فِيهَا دَلَالَةٌ إِجْمَالِيَّةٌ عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَجْزَاءِ الْفُرْقَانِيَّةِ، بَلْ قَالَ الْبَاقِلَّانِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ قُرْآنًا وَإِنَّمَا هِيَ فَاصِلَةٌ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، لَكِنَّ الصَّوَابَ أَنَّهَا آيَةٌ لِوَصْفِهَا بِالْإِنْزَالِ، وَلَعَلَّ الْغَزَالِيَّ لِهَذَا قَالَ: مَا مِنْ مُنْصِفٍ إِلَّا وَيَسْتَرِدُّهُ وَيُضْعِفُهُ لَكِنَّهَا غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِسُورَةٍ سِوَى مَا فِي النَّمْلِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ عَدَمُ كِتَابَتِهَا فِي أَوَّلِ التَّوْبَةِ بِنَاءً عَلَى التَّوْقِيفِ فِي مَحَلِّهَا، وَلَا يُنَافِيهِ مَا وَرَدَ مِنَ النُّكْتَةِ وَالْحِكْمَةِ فِي عَدَمِ إِشَارَةِ الشَّارِعِ إِلَى كِتَابَتِهَا فِي أَوَّلِهَا عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةُ رَحْمَةٍ وَالسُّورَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْبَرَاءَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّاطِبِيِّ: وَمَهْمَا تَصِلْهَا أَوْ بَدَأْتَ بَرَاءَةً لِتَنْزِيلِهَا بِالسَّيْفِ لَسْتَ مُبَسْمِلَا
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَمِمَّا يَدُلُّ لِمَذْهَبِنَا أَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَنَا غَيْرَ بَرَاءَةَ إِجْمَاعًا خَبَرُ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ: (بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقُلْنَا مَا أَضْحَكَكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ أَنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ إِلَى آخِرِهَا) وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ بِالْبَسْمَلَةِ إِظْهَارًا بِفَصْلِ السُّورَةِ، أَوْ تَبَرُّكًا بِالتَّسْمِيَةِ، لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا جُزْءُ السُّورَةِ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ آيَةً كَامِلَةً مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، ثُمَّ قَالَ: وَخَبَرُ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ «سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (كَانَتْ مَدًّا ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ، وَيَمُدُّ الرَّحْمَنَ، وَيَمُدُّ الرَّحِيمَ» ) اهـ. وَهَذَا أَبْعَدُ دَلَالَةً لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمِثَالَ مَعَ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْقُرْآنِ فِي النَّمْلِ إِجْمَاعًا، وَلِلْفَصْلِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُ الْبَسْمَلَةِ وَلَا مُثْبِتُهَا إِجْمَاعًا خِلَافًا لِمَنْ غَلَطَ فِيهِ فِي الْجَانِبَيْنِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
стр. 3139
٢٢١٩ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: «كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَقَرَأْتُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَحْسَنْتَ، فَبَيْنَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ وَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ فَقَالَ: أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ وَتُكَذِّبُ بِالْكِتَابِ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٢١٩ - (وَعَنْ عَلْقَمَةَ) تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (قَالَ كُنَّا بِحِمْصَ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، بَلْدَةٌ بِالشَّامِ (فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ) : أَيِ السُّورَةُ أَوِ الْقُرْآنُ (فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَقَرَأْتُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ فِي زَمَانِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ عَلَيَّ لِأَنِّي قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عَلَى عَهْدِهِ: أَيْ حَضْرَتِهِ، وَهُوَ يَسْمَعُ (فَقَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (أَحْسَنْتَ) : أَيْ أَنْتَ الْقِرَاءَةَ بِالتَّرْتِيلِ وَالتَّجْوِيدِ وَغَيْرِهِمَا، وَهَذِهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَذْكُرْهَا افْتِخَارًا بَلْ تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ وَاحْتِجَاجًا عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ (فَبَيْنَا) وَفَى نُسْخَةٍ فَبَيْنَمَا (هُوَ) : أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ (يُكَلِّمُهُ) : أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وَيُحْتَمَلُ الْعَكْسُ (إِذْ وَجَدَ) : أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ (رِيحَ الْخَمْرِ، فَقَالَ: أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ) : أَيْ أَتُخَالِفُ مَعْنَى الْقُرْآنِ وَحُكْمَهُ (وَتُكَذِّبُ الْكِتَابَ) : أَيْ بِقِرَاءَتِهِ، أَوْ أَدَائِهِ (فَضَرَبَهُ الْحَدَّ) : أَيْ لِكَوْنِهِ مُتَوَلِّيًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا تَغْلِيظٌ لِأَنَّ تَكْذِيبَ الْكِتَابِ كُفْرٌ، وَإِنْكَارُ الْقِرَاءَةِ فِي جَوْهَرِ الْكَلِمَةِ كُفْرٌ دُونَ الْأَدَاءِ، وَلِذَا أَجْرَى عَلَيْهِ حَدَّ الشَّارِبِ لَا حَدَّ الرِّدَّةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ، إِنَّ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ لَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْقُرَّاءُ مُتَوَاتِرٌ مُطْلَقًا فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ، نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الَّذِي أَنْكَرَهُ لَمْ يَكُنْ مُتَوَاتِرًا حِينَئِذٍ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ فَهُوَ لَا كُفْرَ بِهِ وَإِنْ صَحَّ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَرَأَ بِهِ، ثُمَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ ضَرَبَهُ حَدَّ الْخَمْرِ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ شُرْبِهِ بِالرَّائِحَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ، وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ خِلَافُهُ ; لِأَنَّ رِيحَ نَحْوِ التُّفَّاحِ الْحَامِضِ وَكَذَا السَّفَرْجَلِ يُشْبِهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ، وَلِاحْتِمَالِ أَنَّهُ شَرِبَهَا إِكْرَاهًا، أَوِ اضْطِرَارًا، وَقَدْ صَحَّ الْخَبَرُ: ( «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبَهَاتِ» ) وَلَعَلَّهُ حَصَلَ مِنْهُ إِقْرَارٌ، أَوْ قَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْحَدِّ التَّعْزِيرُ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّهُ لَمْ يُعَزِّرْهُ عَلَى قَوْلِهِ مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِابْنِ مَسْعُودٍ لِكَوْنِهِ نَسَبَهُ إِلَى قِرَاءَةٍ غَيْرِ الْقُرْآنِ فَعَفَا عَنْهُ فِي حَقِّهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3140
٢٢٢٠ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنِ اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ يَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ، وَاللِّخَافِ، وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ سُورَةَ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ، لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ فِي حَيَاتِهِ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٢٢٠ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَرْسَلَ إِلَيَّ) أَيْ أَحَدًا (أَبُو بَكْرٍ ﵁ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ) نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ: عَقِيبَ زَمَانِ قَتْلِهِمْ وَهِيَ بِلَادٌ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْيَمَامَةُ: الْقَصْدُ كَالْيَمَامِ، وَجَارِيَةٌ زَرْقَاءُ كَانَتْ تُبْصِرُ الرَّاكِبَ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَبِلَادُ الْجَوِّ مَنْسُوبَةٌ إِلَيْهَا سُمِّيَتْ بِاسْمِهَا؛ لِأَنَّهَا اكْثَرُ نَخِيلًا مِنْ سَائِرِ الْحِجَازِ، وَبِهَا تَنَبَّأَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، وَهِيَ دُونَ الْمَدِينَةِ فِي وَسَطِ الشَّرْقِ عَنْ مَكَّةَ عَلَى سِتَّ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً مِنَ الْبَصْرَةِ وَعَنِ الْكُوفَةِ نَحْوَهَا، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: وَالْيَمَامَةُ قَرْيَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الطَّائِفِ يَوْمَانِ أَوْ يَوْمٌ كَذَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ مَعَ جَيْشٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْيَمَامَةِ فَقَاتَلَهُمْ بَنُو حَنِيفَةَ قِتَالًا لَمْ يَرَ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَهُ، وَقُتِلَ مِنَ الْقُرَّاءِ يَوْمَئِذٍ سَبْعُمِائَةٍ، قِيلَ: وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَلْفٌ وَمِائَتَانِ، ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَالْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ حَمَلُوا عَلَى أَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ فَانْكَشَفُوا وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَقَتَلُوا مُسَيْلِمَةَ وَأَصْحَابَهُ، قَتَلَهُ وَحْشِيٌّ قَاتِلُ حَمْزَةَ، فَقَالُوا لَهُ: هَذِهِ بِتِلْكَ (فَإِذَا عُمَرُ) : أَيْ قَالَ زَيْدٌ: فَجِئْتُهُ فَإِذَا عُمَرُ (ابْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، قِيلَ: وَسَبَبُ مَجِيئِهِ لِطَلَبِ جَمْعِهِ مَا جَاءَ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ آيَةٍ فَقِيلَ لَهُ كَانَتْ مَعَ فُلَانٍ قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ، وَأَتَى بِجَمْعِ الْقُرْآنِ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ جَمَعَهُ فِي الْمُصْحَفِ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ أَوَّلَ مَنْ جَمَعَهُ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَسَبَّبَ فِي جَمْعِهِ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) : أَيْ لِزَيْدٍ (إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ) : أَيْ عُمَرُ (إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ) مِنَ الْحَرِّ بِمَعْنَى الشِّدَّةِ أَيِ: اشْتَدَّ وَكَثُرَ (يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى إِنِ اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ أَنْ، وَتُكْسَرُ (بِالْقُرَّاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ، أَوِ الْقَتْلِ.
(بِالْمَوَاطِنِ) ظَرْفِيَّةٌ أَيْ: فِي الْمَوَاطِنِ الْأُخَرِ مِنَ الْحُرُوبِ الَّتِي يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا لِدَفْعِ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ الْكَثِيرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ أَخْشَى اسْتِحْرَارَهُ، وَالْمُرَادُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا كَانَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ؛ لِأَنَّ الْخَشْيَةَ إِنَّمَا تَكُونُ مِمَّا لَمْ يُوجَدْ مِنَ الْمَكَارِهِ، فَقَوْلُهُ إِنِ اسْتَحَرَّ: مَفْعُولُ أَخْشَى، وَالْفَاءُ فِي فَيَذْهَبُ: لِلتَّعْقِيبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنْ بِالْكَسْرِ، وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ دَالَّةٌ عَلَى مَفْعُولِ أَخْشَى (فَيَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَفْظًا وَمَعْنًى عَطْفًا عَلَى اسْتَحَرَّ، عَلَى أَنَّ أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ الْمَقْرُوَءَةِ عَلَى الْمَشَايِخِ بِالرَّفْعِ مَعَ فَتْحِ الْهَمْزَةِ فِي أَنْ، فَقِيلَ: رَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: فَإِذَا اسْتَحَرَّ فَيَذْهَبُ، أَوْ عَطْفٌ عَلَى مَحَلِّ إِنِّي أَخْشَى، أَيْ: فَيَذْهَبُ حِينَئِذٍ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ بِذَهَابِ كَثِيرٍ مِنْ قُرَّاءِ الزَّمَانِ (وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ) مِنَ الرَّأْيِ أَيْ: أَذْهَبُ إِلَى أَنْ تَأْمُرَ كَتَبَةَ الْوَحْيِ (بِجَمْعِ الْقُرْآنِ) قَبْلَ تَفَرُّقِ قُرَّاءِ الدُّوَرَانِ (قُلْتُ) : أَيْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قُلْتُ (لِعُمَرَ كَيْفَ تَفْعَلُ) بِصِيغَةِ الْخِطَابِ، وَقِيلَ بِالتَّكَلُّمِ: أَيْ: أَنْتَ، أَوْ نَحْنُ (شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) هَذَا لَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ جُمِعَ الْقُرْآنُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهَا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ زَيْدٍ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ فِي الرِّقَاعِ، الْحَدِيثَ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْجَمْعَ غَيْرُ الْجَمْعِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَلِذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَأْلِيفَ مَا نَزَلَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُفَرَّقَةِ فِي سُوَرِهَا وَجَمْعَهَا فِيهَا بِإِشَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ (فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ) : أَيْ هَذَا الْجَمْعُ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ بِدْعَةً لَكِنْ لِأَجْلِ الْحِفْظِ خَيْرٌ مَحْضٌ (فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي) : أَيْ يُرَاوِدُنِي فِي الْخِطَابِ وَالْجَوَابِ (حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ) : أَيْ لِذَلِكَ الْجَمْعِ الْمُوجِبِ لِعَدَمِ التَّفَرُّقِ (وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ) : أَيْ مَا ذَكَرَ مِنَ الْجَمْعِ، أَوِ الشَّرْحِ (الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ) : أَيْ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ تَوْطِئَةٌ لِلْأَمْرِ بِالْجَمْعِ (إِنَّكَ رَجُلٌ) كَامِلٌ فِي الرُّجُولِيَّةِ (شَابٌّ عَاقِلٌ) قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةً إِلَى الْقُوَّةِ، وَحِدَّةِ النَّظَرِ، وَقُوَّةِ الضَّبْطِ، وَالْحِفْظِ، وَالْأَمَانَةِ، وَالدِّيَانَةِ (لَا نَتَّهِمُكَ) : أَيْ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ، أَيْ: لَا نُدْخِلُ عَلَيْكَ التُّهْمَةَ لِعَدَالَتِكَ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَنْقُلُهُ، فِي الْقَامُوسِ: اتَّهَمَهُ بِكَذَا اتِّهَامًا وَاتَّهَمَهُ كَافْتَعَلَهُ أَدْخَلَ عَلَيْهِ التُّهَمَةَ كَهُمَزَةٍ: أَيْ مَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ فَاتُّهِمْ هُوَ (وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ غَالِبًا لِأَنَّ كُتَّابَهُ ﵊ بَلَغُوا أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ مِنْهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ كَمَا
стр. 3141
فِي الْمَوَاهِبِ، وَالْمَعْنَى أَنَّكَ فِي جَمْعِهِ وَكِتَابَتِهِ مُؤْتَمَنٌ (فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنِ) أَمْرٌ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ: أَيْ بَالِغْ فِي تَحْصِيلِهِ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْمُتَفَرِّقَةِ (فَاجْمَعْهُ) : أَيْ جَمْعًا كُلِّيًّا فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مُحَافَظَةً لِلْمُرَاجَعَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ (فَوَاللَّهِ) : أَيْ قَالَ زَيْدٌ فَوَاللَّهِ (لَوْ كَلَّفُونِي) : أَيْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَنْ تَبِعَهُمَا، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَالْجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ (نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ) : أَيْ وَكَانَ مِمَّا يُمْكِنُ نَقْلُهُ (مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقِرْآنِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعَبُ الْجُثَّةِ وَهَذَا فِيهِ تَعَبُ الرُّوحِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مُبَاحٌ، وَكَانَ هَذَا بِزَعْمِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَلِهَذَا (قَالَ) : أَيْ زَيْدٌ (فَقُلْتُ) : أَيْ لِأَبِي بَكْرٍ، أَوْ مَعَ عُمَرَ (كَيْفَ تَفْعَلُونَ) وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَغْلِيبِ الْخِطَابِ (شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَيْضًا، فَكَأَنَّهُ مَا اكْتَفَى بِمَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يَنْشَرِحْ صَدْرُهُ بَعْدُ، وَلَمْ يَرْضَ بِالتَّقْلِيدِ، مَعَ اسْتِصْعَابِهِ الْقَضِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ الْقُرْآنِ بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ (قَالَ) : أَيْ أَبُو بَكْرٍ (هُوَ) : أَيِ الْجَمْعُ (وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي) : أَيْ يَذْكُرُ أَبُو بَكْرٍ السَّبَبَ وَأَنَا أَدْفَعُ (حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ) : أَيِ اللَّهُ (لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) ، قِيلَ إِنَّمَا لَمْ يَجْمَعْ ﷺ الْقُرْآنَ فِي الْمُصْحَفِ لِمَا كَانَ يَتَرَقَّبُهُ مِنْ وُرُودِ نَاسِخٍ لِبَعْضِ أَحْكَامِهِ أَوْ تِلَاوَتِهِ، فَلَمَّا انْقَضَى نُزُولُهُ بِوَفَاتِهِ، أَلْهَمَ اللَّهُ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ ذَلِكَ وَفَاءً بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ بِضَمَانِ حِفْظِهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ عَلَى يَدِ الصِّدِّيقِ بِمَشُورَةِ عُمَرَ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ» " الْحَدِيثَ فَلَا يُنَافَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي كِتَابَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَقَدْ كَانَ كُلُّهُ كُتِبَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكِنْ غَيْرَ مَجْمُوعٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَلَا مُرَتَّبِ السُّوَرِ، وَقَالَ الْحَارِثُ الْمُحَاسَبِيُّ فِي كِتَابِ فَهْمِ السُّنَنِ: كِتَابَةُ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ بِمُحْدَثَةٍ فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِكِتَابَتِهِ وَلَكِنَّهُ كَانَ مُفَرَّقًا فِي الْوُقُوعِ وَنَحْوِهَا، وَإِنَّمَا أَمَرَ الصِّدِّيقُ بِنَسْخِهَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ مُجْتَمِعًا، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَوْرَاقٍ وُجِدَتْ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا الْقُرْآنُ مُنْتَشِرًا فَجَمَعَهَا جَامِعٌ وَرَبَطَهَا بِخَيْطٍ حَتَّى لَا يَضِيعَ مِنْهَا شَيْءٌ كَذَا فِي الْإِتْقَانِ (فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ) حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ، أَوِ الْمَفْعُولِ (مِنَ الْعُسُبِ) بِضَمَّتَيْنِ، جَمْعُ عَسِيبٍ جَرِيدَةٌ مِنَ النَّخْلِ وَهِيَ السَّعَفَةُ مِمَّا لَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ الْخُوصُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَزَادَ فِي الْقَامُوسِ حَيْثُ قَالَ: جَرِيدَةٌ مِنَ النَّخْلِ مُسْتَقِيمَةٌ دَقِيقَةٌ مُكْشَطٌ خُوصُهَا، وَالَّذِي يَنْبُتُ عَلَيْهِ الْخُوصُ مِنَ السَّعَفِ وَالسَّعَفُ مُحَرَّكَةٌ جَرِيدُ النَّخْلِ، أَوْ وَرَقُهُ، وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ إِذَا يَبِسَ (وَاللِّخَافِ) بِكَسْرِ اللَّامِ جَمْعُ لَخِفَةٍ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْبِيضُ الرِّقَاقُ الَّتِي كَانَتْ فِي أَيْدِي الْقُرَّاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَفَّى رِوَايَةٍ: وَالرِّقَاعِ وَهِيَ جَمْعُ رُقْعَةٍ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ جِلْدٍ، أَوْ وَرَقٍ، وَفَى أُخْرَى وَقِطَعِ الْأَدِيمِ، وَفَى أُخْرَى وَالْأَكْتَافِ، وَفَى أُخْرَى وَالْأَضْلَاعِ، وَهُوَ جَمْعُ كَتِفٍ أَوْ ضِلْعٌ يَكُونُ لِلْبَعِيرِ وَالشَّاةِ كَانُوا إِذَا جَفَّ كَتَبُوا عَلَيْهِ، وَفِي أُخْرَى وَالْأَقْتَابِ جَمْعُ قَتَبٍ وَهُوَ الْخَشَبُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ لِيُرْكَبَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي ذَلِكَ لِعِزَّةِ الْوَرَقِ عِنْدَهُمْ يَوْمَئِذٍ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، أَوْ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَلْوَاحِ لِيَحْفَظُوهَا ثُمَّ يَغْسِلُوهَا وَيَمْحُوهَا (وَصُدُورِ الرِّجَالِ) أَيْ: الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ وَقَعَتِ الثِّقَةُ بِأَصْحَابِ الرِّقَاعِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، قِيلَ: لِأَنَّهُمْ كَانَ يُبْدُونَ عَنْ تَأْلِيفٍ مُعْجِزٍ وَمُنَظَّمٍ مَعْرُوفٍ وَقَدْ شَاهَدُوا تِلَاوَتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عِشْرِينَ سَنَةً فَكَانَ تَزْوِيرُ مَا لَيْسَ مِنْهُ مَأْمُونًا، وَإِنَّمَا كَانَ الْخَوْفُ مِنْ ذَهَابِ شَيْءٍ مِنْ صَحِيحِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآنَ بِأَنْ حَفِظُوهُ كُلَّهُ فِي زَمَنِهِ ﷺ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ هَذَا، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبُو زَيْدٍ، وَفَّى رِوَايَةٍ ذِكْرُ أَبِي الدَّرْدَاءِ مِنْهُمْ (حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ (الْأَنْصَارِيِّ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَذْكُورُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ مِنَ الصَّحَابَةِ: خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي، وَأَبُو خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ الْخَزْرَجِيُّ فَتَأَمَّلْ اهـ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ إِلَّا خُزَيْمَةَ، وَلَعَلَّهُ يُقَالُ لَهُ خُزَيْمَةُ وَأَبُو خُزَيْمَةَ أَيْضًا (لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ) بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلَيَّةِ أَيْ: لَمْ أَجِدْهَا مَكْتُوبَةً مَعَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتَفِي بِالْحِفْظِ دُونَ الْكِتَابَةِ، قَالَهُ الْحَافِظُ أَبُو شَامَةَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ أَنَّ جَمَاعَةً حَفِظُوا
стр. 3142
الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي حَيَاتِهِ ﷺ كَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، لِجَوَازِ النِّسْيَانِ بَعْدَ الْحِفْظِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْمُنَسَّى مِنْ غَيْرِهِمْ تَذَكَّرُوا، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الْأَحْزَابِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] بَدَلٌ مِنْ " آخِرِ " ﴿رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ) قَالَ فِي الْإِتْقَانِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: قَدِمَ عُمَرُ فَقَالَ: مَنْ كَانَ تَلَقَّى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فَلْيَأْتِ بِهِ وَكَانُوا يَكْتُبُونَ ذَلِكَ فِي الصُّحُفِ وَالْأَلْوَاحِ وَالْعُسُبِ، وَكَانَ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ زَيْدًا كَانَ لَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ وِجْدَانِهِ مَكْتُوبًا حَتَّى يَشْهَدَ بِهِ مَنْ تَلَقَّاهُ سَمَاعًا، مَعَ كَوْنِ زِيدٍ كَانَ يَحْفَظُهُ، فَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي الِاحْتِيَاطِ، قَالَ السَّخَاوِيُّ فِي جَمَالِ الْقُرَّاءِ: الْمُرَادُ إِنَمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَكْتُوبَ كُتِبَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوِ الْمُرَادُ يُشْهِدَانِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ، قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَكَانَ غَرَضُهُمْ أَنْ لَا يُكْتَبَ إِلَّا مِنْ عَيْنِ مَا كُتِبَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ وَفَاتِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمَصَاحِفِ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَتَبَهُ زَيْدٌ، وَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَكَانَ لَا يَكْتُبُ آيَةً إِلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَإِنَّ آخِرَ سُورَةِ بَرَاءَةَ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، فَقَالَ: اكْتُبُوهَا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ، فَكَتَبَ، وَإِنَّ عُمَرَ أَتَى بِآيَةِ الرَّجْمِ فَلَمْ يَكْتُبْهَا لِأَنَّهُ كَانَ وَحْدَهُ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ مَا جَمَعُوا إِلَّا بَعْدَ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ لَفْظُهُ، وَبِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ كِتَابَتُهُ (فَكَانَتِ الصُّحُفُ) أَيْ: بَعْدَ الْجَمْعِ (عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ: ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ فِي حَيَاتِهِ) أَيْ: أَيَّامَهُمَا (ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) أَيْ: إِلَى أَنْ أَخَذَ مِنْهَا عُثْمَانُ فَجَمَعَ جَمْعًا ثَانِيًا، أَوْ ثَالِثًا لِلْقُرْآنِ، وَسَبَبُ وَضْعِ الصُّحُفِ عِنْدَهَا عَدَمُ خَلِيفَةٍ مُتَعَيِّنٍ فِي حَيَاتِهِ وَهِيَ بِنْتُهُ وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَخَصَّهَا بِهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَجَاءَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَنَّهُ قَالَ: أَعْظَمُ النَّاسِ فِي الْمَصَاحِفِ أَجْرًا أَبُو بَكْرٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ - هُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ كِتَابَ اللَّهِ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا فِي أَثَرٍ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ آلَيْتُ أَنْ لَا آخُذَ عَلَيَّ رِدَائِي إِلَّا لِصَلَاةِ جُمُعَةٍ حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ، فَجَمَعَهُ، لِأَنَّ هَذَا ضَعِيفٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَمُرَادُهُ بِجَمْعِهِ حَفِظُهُ فِي صَدْرِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِجَمْعِهِ جَمْعُهُ بِانْفِرَادِهِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ النُّقْصَانَ، وَالْمُرَادُ بِجَمْعِ أَبِي بَكْرٍ جَمْعُهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِهَذَا الْجَمْعِ لِعَدَمِ احْتِمَالِ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يُقَالَ لَهُ الْأَوَّلُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ أَنَّهُ بَعْدَ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ قَعَدَ فِي بَيْتِهِ فَقِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ قَدْ كَرِهَ بَيْعَتَكَ فَأَرْسِلْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: كَرِهْتَ بَيْعَتِي، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: مَا أَقْعَدَكَ عَنِّي، قَالَ، رَأَيْتُ كِتَابَ اللَّهِ يُزَادُ فِيهِ فَحَدَّثْتُ نَفْسِي أَنْ لَا أَلْبَسَ رِدَائِي إِلَّا لِصَلَاةِ جُمُعَةٍ حَتَّى أَجْمَعَهُ، قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ، وَكَذَا مَا جَاءَ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ: أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ فِي مُصْحَفٍ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، أَقْسَمَ لَا أَرْتَدِي بِرِدَاءٍ حَتَّى أَجْمَعَهُ، فَجَمَعَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ رِجَالُهَا ثِقَاتٌ لَكِنْ فِي سَنَدِهَا انْقِطَاعٌ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِعُمَرَ وَلِزَيْدٍ: اقْعُدَا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَمَنْ جَاءَ بِشَاهِدٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَاكْتُبَاهُ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: كَانَ الْمُرَادُ بِشَاهِدَيْنِ الْحِفْظَ وَالْكِتَابَةَ، قَالَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ فِي فَهْمِ السُّنَنِ: كِتَابَةُ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ مُحْدَثَةً لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِكِتَابَتِهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مُفَرَّقًا فَجَمَعَهُ الصِّدِّيقُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ أَوْرَاقٍ وُجِدَتْ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا الْقُرْآنُ مُنْتَشِرًا فَجَمَعَهَا جَامِعٌ وَرَبَطَهَا بِخَيْطٍ حَتَّى لَا يَضِيعَ مِنْهَا شَيْءٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَتِ الثِّقَةُ بِهَذِهِ الرِّقَاعِ وَنَحْوِهَا وَصُدُورِ الرِّجَالِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُبْدُونَ عَنْ تَأْلِيفٍ مُعْجِزٍ وَنَظْمٍ مَعْرُوفٍ، قَدْ شَاهَدُوا تِلَاوَتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عِشْرِينَ سَنَةً، فَكَانَ تَزْوِيرُ مَا لَيْسَ مِنْهُ مَأْمُونًا وَإِنَّمَا كَانَ الْخَوْفُ مِنْ ذَهَابِ شَيْءٍ مِنْهُ، اهـ مُلَخَّصًا.
وَفَى مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: جَمَعَ أَبُو بَكْرٍ الْقُرْآنَ فِي قَرَاطِيسَ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ زَيْدٍ: أَمَرَنِي أَبُو بَكْرٍ فَكَتَبْتُهُ فِي قِطَعِ الْأَدِيمِ وَالْعُسُبِ، فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ عُمَرُ كُتِبَ ذَلِكَ فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَانَتْ عِنْدَهُ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ إِنَّمَا كَانَ فِي الْأَدِيمِ وَالْعُسُبِ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يُجْمَعَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ جُمِعَ فِي الْمُصْحَفِ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ الصَّحِيحَةُ الْمُتَرَادِفَةُ، قُلْتُ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَدِيمِ وَالْعُسُبِ أَوَّلًا مُتَفَرِّقًا عِنْدَ النَّاسِ غَيْرَ مُرَتَّبٍ فَجُمِعَ جَمْعًا مُرَتَّبًا بَيْنَ الْآيَةِ وَالسُّوَرِ، غَيْرَ أَنَّهُ كُتِبَ فِي قِطَعِ الْأَدِيمِ وَالْعُسُبِ عَلَى وَجْهِ التَّعْقِيبِ وَكَانَ الْمَجْمُوعُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ جُمِعَ فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ فِي صُحُفٍ بِالْكِتَابَةِ عَلَى الْوَرَقِ أَوِ الرَّقِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 3143
٢٢٢١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا، حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ بْنُ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الْأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا، فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٢٢١ - (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ) أَيْ: حُذَيْفَةُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (يُغَازِي) أَيْ: يُحَارِبُ (أَهْلَ الشَّامِ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَفَى نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ، فَيَكُونُ فِي كَانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَهُوَ الصَّوَابُ ; لِمَا قَالَ السَّخَاوِيُّ فِي شَرْحِ الرَّائِيَّةِ فَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَةُ عُثْمَانَ ﵁ اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي غَزْوَةِ أَرْمِينِيَّةَ فِي بِلَادِ الْغَرْبِ، جُنْدُ الْعِرَاقِ وَجُنْدُ الشَّامِ فَاخْتَلَفُوا فِي الْقُرْآنِ، يَسْمَعُ هَؤُلَاءِ قِرَاءَةَ هَؤُلَاءِ فَيُنْكِرُونَهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ صَوَابٌ، وَنَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: قِرَاءَتِي خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَتِكَ (فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَّةَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عِنْدَ ابْنِ سَمْعَانَ، وَبِكَسْرِهَا عِنْدَ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: مُثَلَّثٌ، وَبِسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ نُونٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ يَاءٌ خَفِيفَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَقَدْ تُثَقَّلُ، بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ كَبِيرَةٌ كَذَا فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَفَى الْقَامُوسِ بَلَدٌ بِأَذْرَبِيجَانَ، فَقَوْلُهُ (وَأَذْرَبِيجَانَ) تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَهُوَ عَلَى مَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ وَفَتْحُ الذَّالِ وَسُكُونُ الرَّاءِ وَكَسْرُ الْبَاءِ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ جِيمٌ ; لَكِنْ قَالَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ: هِيَ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ غَيْرُ مَمْدُودَةٍ، ثُمَّ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ، ثُمَّ رَاءٌ مَفْتُوحَةٌ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ، ثُمَّ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتٍ، ثُمَّ جِيمٌ، ثُمَّ أَلِفٌ، ثُمَّ نُونٌ، هَكَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ وَالْأَكْثَرُ فِي ضَبْطِهَا، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: قَدْ تُمَدُّ الْهَمْزَةُ، وَقَدْ تُكْسَرُ، وَقَدْ تُحْذَفُ، وَقَدْ تُفْتَحُ الْمُوَحَّدَةُ، وَقَدْ يُزَادُ بَعْدَهَا أَلِفٌ مَعَ مَدِّ الْأُولَى، وَفِي الْمُقَدِّمَةِ بِفَتْحَتَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ، ثُمَّ جِيمٌ بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَضَبْطُهَا الْأَصِيلِيُّ بِالْمَدِّ، وَحَكَى أَيْضًا فَتْحَ الْمُوَحِّدَةِ (مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ) عَطْفٌ عَلَى كَانَ (حُذَيْفَةَ) بِالنَّصْبِ (اخْتِلَافُهُمْ) بِالرَّفْعِ، أَيْ: أَوْقَعَ فِي الْفَزَعِ وَالْخَوْفِ اخْتِلَافُ النَّاسِ، أَوْ أَهْلُ الْعِرَاقِ الَّذِينَ كَانَ يُغَازِي مَعَهُمْ (فِي الْقِرَاءَةِ) أَيْ: قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ حُذَيْفَةُ، مِثْلَ أَنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا اللَّفْظُ مِنَ الْقُرْآنِ أَمْ لَا، وَضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِرَفْعِ حُذَيْفَةَ وَنَصْبِ اخْتِلَافِهِمْ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَجْهٌ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْقَلْبِ لَمْ يَقْبَلْهُ الْقَلْبُ (فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ) أَمْرٌ مِنَ الْإِدْرَاكِ بِمَعْنَى التَّدَارُكِ (قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ) أَيِ الْقُرْآنِ (اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) بِالنَّصْبِ، أَيْ: كَاخْتِلَافِهِمْ فِي التَّوُرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ إِلَى أَنْ حَرَّفُوا وَزَادُوا وَنَقَصُوا، زَادَ السَّخَاوِيُّ: فَمَا كُنْتَ صَانِعًا إِذَا قِيلَ قِرَاءَةُ فُلَانٍ وَقِرَاءَةُ فُلَانٍ كَمَا صَنَعَ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَاصْنَعْهُ الْآنَ فَجَمَعَ عُثْمَانُ ﵁ النَّاسَ وَعِدَّتُهُمْ حِينَئِذٍ خَمْسُونَ أَلْفًا، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ قِرَاءَتِي خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَتِكَ وَهَذَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، قَالُوا: مَا تَرَى، قَالَ: أَرَى أَنْ نَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ فَلَا يَكُونُ فُرْقَةً وَلَا يَكُونُ اخْتِلَافٌ، قَالُوا: فَنِعْمَ مَا رَأَيْتَ، فَعَزَمَ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ حُذَيْفَةُ وَالْمُسْلِمُونَ (فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخْهَا) بِالْجَزْمِ وَيُرْفَعُ (فِي الْمَصَاحِفِ) أَيْ: الْمَجْمُوعَةُ (ثُمَّ نَرُدُّهَا) بِضَمِّ الدَّالِّ، وَفَتْحِهَا (إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) أَيْ: مِنَ الْأَنْصَارِ (وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) أَيْ: مِنْ قُرَيْشٍ (فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ) أَيْ: الْمُتَعَدِّدَةُ (وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَ) أَيْ: مَاعَدَا زَيْدًا (إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ) أَيْ: بِلُغَاتِهِمْ (فَإِنَّمَا نَزَلَ) أَيْ: غَالِبًا (بِلِسَانِهِمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ نَزَلَ أَوَّلًا بِلِسَانِهِمْ، ثُمَّ رَخَّصَ أَنْ يُقْرَأَ بِسَائِرِ اللُّغَاتِ، قَالَ السَّخَاوِيُّ: فَاخْتَلَفُوا فِي التَّابُوتِ، فَقَالَ زَيْدٌ: التَّابُّوهُ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: التَّابُوتُ، فَرَجَعُوا إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: اكْتُبُوهُ بِالتَّاءِ فَإِنَّهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، وَسَأَلُوا عُثْمَانَ عَنْ قَوْلِهِ لَمْ يَتَسَنَّ، فَقَالَ: اجْعَلُوا فِيهَا الْهَاءَ، فَإِنْ قِيلَ، فَلِمَ أَضَافَ عُثْمَانُ هَؤُلَاءِ النَّفَرَ إِلَى زَيْدٍ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ؟ قُلْتُ: كَانَ غَرَضُ
стр. 3144
الصِّدِّيقِ جَمْعُ الْقُرْآنِ بِجَمِيعِ أَحْرُفِهِ وَوُجُوهِهِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا وَذَلِكَ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ غَرَضُ عُثْمَانَ تَجْرِيدُ لُغَةِ قُرَيْشٍ مِنْ تِلْكَ الْقُرْآنِ، فَجَمْعُ أَبِي بَكْرٍ غَيْرُ جَمْعِ عُثْمَانَ، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا قَصَدَ بِإِحْضَارِ تِلْكَ الصُّحُفِ وَقَدْ كَانَ زَيْدُ وَمَنْ أُضِيفَ إِلَيْهِ حَفَظَةٌ، قُلْتُ: الْغَرَضُ بِذَلِكَ سَدُّ بَابِ الْمَقَالِ وَأَنْ يَزْعُمَ زَاعِمٌ أَنَّ فِي الْمُصْحَفِ قُرْآنًا لَمْ يُكْتَبْ، وَلِئَلَّا يَرَى إِنْسَانٌ فِيمَا كَتَبُوهُ شَيْئًا مِمَّا لَمْ يُقْرَأْ بِهِ فَيُنْكِرُهُ، فَالصُّحُفُ شَاهِدَةٌ بِصِحَّةِ جَمِيعِ مَا كَتَبُوهُ (فَفَعَلُوا) أَيْ: الْجَمْعُ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ (حَتَّى إِذَا نَسَخُوا) أَيْ: كَتَبُوا (الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ) بِضَمَّتَيْنِ، أَيْ: طَرَفٌ مِنْ أَطْرَافِ الْآفَاقِ (بِصُحُفٍ مِمَّا نَسَخُوا) قَالَ السَّخَاوِيُّ: سَيَّرَ مِنْهَا مُصْحَفًا إِلَى الْكُوفَةَ، وَمُصْحَفًا إِلَى الْبَصْرَةَ، وَمُصْحَفًا إِلَى الشَّامِ، وَأَبْقَى فِي الْمَدِينَةِ مُصْحَفًا، ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ سَيَّرَ أَيْضًا إِلَى الْبَحْرِينِ مُصْحَفًا، وَإِلَى مَكَّةَ مُصْحَفًا، وَإِلَى الْيَمَنِ مُصْحَفًا، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ سَبْعَةُ مَصَاحِفَ، وَالرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ تَخْتَلِفُ، فَقِيلَ: أَنَّهُ كَتَبَ خَمْسَ نُسَخٍ، الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ وَمُصْحَفُ مَكَّةَ، وَأَمَّا مُصْحَفُ الْبَحْرِينِ، وَمُصْحَفُ الْيَمَنِ فَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمَا خَبَرٌ، قُلْتُ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ مِنَ الْمَصَاحِفِ كُتِبَتْ أَوَّلًا عَلَى أَيْدِي الْأَرْبَعَةِ مِنَ الْكِتَابِ فَأَرْسَلَ الثَّلَاثَةَ إِلَى الْبُلْدَانِ الْمَذْكُورَةِ وَتَرَكَ وَاحِدًا فِي الْمَدِينَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الَّذِي كَتَبَهُ زَيْدٌ ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَجَلِّ كَتَبَةِ الْوَحْيِ، فَخَطُّهُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ أَصْلًا مَحْفُوظًا فِي الْمَدِينَةِ، ثُمَّ اسْتَكْتَبَهَا عُثْمَانُ ﵁ مَصَاحِفَ أُخَرَ فَأَرْسَلَ إِلَى سَائِرِ الْبُلْدَانِ، حَتَّى قِيلَ: أَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى كُلِّ جُنْدٍ مِنْ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ مُصْحَفًا (وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ) أَيْ: الْمَنْسُوخُ (فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ، أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، مِنَ الْإِحْرَاقِ، قَدْ يُرْوَى بِالْمُعْجَمَةِ، أَيْ: يَنْقَضُّ وَيُقْطَعُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ أَنْ يُخْرَقَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَلِلْمَرْوَزِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ، وَرَوَاهُ الْأَصِيلِيُّ بِالْوَجْهَيْنِ، وَفَّى رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَغَيْرِهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُهْمِلَةِ، قَالَ السَّخَاوِيُّ: فَلَمَّا فَرَغَ عُثْمَانُ مِنْ أَمْرِ الْمَصَاحِفِ حَرَقَ مَا سِوَاهَا، وَرَدَّ تِلْكَ الصُّحُفَ الْأُولَى إِلَى حَفْصَةَ فَكَانَتْ عِنْدَهَا، فَلَمَّا وَلِيَ مَرْوَانُ الْمَدِينَةَ طَلَبَهَا لِيَحْرِقَهَا فَلَمْ تُجِبْهُ حَفْصَةُ إِلَى ذَلِكَ وَلَمْ تَبْعَثْ بِهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا مَاتَتْ حَضَرَ مَرْوَانُ فِي جِنَازَتِهَا وَطَلَبَ الصُّحُفَ مِنْ أَخِيهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَزَمَ عَلَيْهِ فِي أَمْرِهَا، فَسَيَّرَهَا إِلَيْهِ عِنْدَ انْصِرَافِهِ فَحَرَقَهَا خَشْيَةَ أَنْ تَظْهَرَ فَيَعُودُ النَّاسُ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَرَقِ الْمُصْحَفِ الْبَالِي إِذَا لَمْ يَبْقَ فِيهِ نَفْعٌ أَنَّ الْأَوْلَى هُوَ الْغَسْلُ، أَوِ الْإِحْرَاقُ؟ فَقِيلَ: الثَّانِي لِأَنَّهُ يَدْفَعُ سَائِرَ صُوَرِ الِامْتِهَانِ، بِخِلَافِ الْغَسْلِ فَإِنَّهُ تُدَاسُ غُسَالَتَهُ، وَقِيلَ الْغَسْلُ وَتُصَبُّ الْغُسَالَةُ فِي مَحَلٍّ طَاهِرٍ لِأَنَّ الْحَرْقَ فِيهِ نَوْعُ إِهَانَةٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِعْلُ عُثْمَانُ يُرَجِّحُ الْإِحْرَاقَ، وَحَرْقُهُ بِقَصْدِ صِيَانَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ لَا امْتِهَانَ فِيهِ بِوَجْهٍ، وَمَا وَقَعَ لِأَئِمَّتِنَا فِي مَوْضِعٍ مِنْ حُرْمَةِ الْحَرْقِ يُحْمَلُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ فِيهِ إِضَاعَةُ مَالٍ بِأَنْ كَانَ الْمَكْتُوبُ فِيهِ لَهُ قِيمَةٌ يُذْهِبُهَا الْحَرْقُ، قُلْتُ: هَذَا تَأْوِيلٌ غَرِيبٌ وَتَفْرِيعٌ عَجِيبٌ فَإِنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَفْعٌ وَالْقِيَاسُ عَلَى فِعْلِ عُثْمَانَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ صَنِيعَهُ كَانَ بِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ مِمَّا اخْتَلَطَ بِهِ اخْتِلَاطًا لَا يَقْبَلُ الِانْفِكَاكَ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ الْإِحْرَاقَ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الشَّكَّ فِي كَوْنِهِ تَرَكَ بَعْضَ الْقُرْآنِ، إِذْ لَوْ كَانَ قُرْآنًا لَمْ يُجَوِّزْ مُسْلِمٌ أَنَّهُ يَحْرِقُهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِحِفْظِ رَمَادِهِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي النَّجَاسَةِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الِاسْتِحَالَةِ كَمَا قَالَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْكَلَامُ الْآنَ فِيمَا هُوَ الثَّابِتُ قَطْعًا فَمَعَ وُجُودِ الْفَرْقِ وَحُصُولِ ظَاهِرِ الْإِهَانَةِ يَتَعَيَّنُ الْغَسْلُ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُشْرَبَ مَاؤُهُ فَإِنَّهُ دَوَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا الِاخْتِلَافُ بَاقٍ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا، فَمَا دَعْوَاكُمُ الِاتِّفَاقُ؟ قُلْتُ: الْقِرَآتُ الَّتِي نُعَوِّلُ عَلَيْهَا الْآنَ لَا تَخْرُجُ عَنِ الْمَصَاحِفِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، وَمَا كَانَ مِنَ الْخِلَافِ رَاجِعٌ إِلَى شَكْلٍ أَوْ نَقْطٍ فَلَا يَخْرُجُ أَيْضًا عَنْهَا، لِأَنَّ خُطُوطَ الْمَصَاحِفِ كَانَتْ مُهْمَلَةً مُحْتَمِلَةً لِجَمِيعِ ذَلِكَ، كَمَا يُقْرَأُ فَصُرْهُنَّ: بِضَمِّ الصَّادِ وَكَسْرِهَا، وَكُلُّهُ لِلَّهِ: بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، وَيَضُرُّكُمْ وَبِضُرِّكُمْ، وَيَقُضُّ وَيَقُصُّ الْحَقَّ، وَقَالَ الشَّاطِبِيُّ: فِي الرَّائِيَةِ الْمَعْمُولَةِ فِي رَسْمِ الْمَصَاحِف الْعُثْمَانِيَّةِ، وَقَالَ مَالِكٌ: الْقُرْآنُ يُكْتَبُ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ لَا مُسْتَحْدَثًا مُسَطَّرًا، قَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِي عُقَيْبَ قَوْلِ مَالِكٍ: وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي ذَلِكَ (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) أَيِ الزُّهْرِيِّ (فَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً
стр. 3145
مِنَ الْأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا) أَيْ: أَنَا وَالْقُرَشِيُّونَ (الْمُصْحَفَ) أَيْ: الْمَصَاحِفُ (قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فَالْتَمَسْنَاهَا، فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ) أَيْ: مَكْتُوبَةً لِمَا تَقَدَّمَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَبُو عِمَارَةَ الْأَوْسِيُّ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا وَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ ﵁ فِي صِفِّينَ، فَلَمَّا قُتِلَ عَمَّارٌ جَرَّدَ سَيْفَهُ وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] أَيْ: الْآيَةَ (فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ) فِيهِ إِشْكَالٌ: وَهُوَ أَنَّهُ بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ مَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْمُصْحَفِ، وَإِنَّمَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا، فَالصَّوَابُ أَنْ يُرَادَ بِالْمُصْحَفِ الصُّحُفُ الْأُولَى الَّتِي كُتِبَتْ فِي الْجَمْعِ الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ بِالنُّونِ تَعْظِيمًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ جَمَعُوا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ أَنْ زَادُوا أَوْ نَقَصُوا مِنْهُ شَيْئًا بِاتِّفَاقٍ مِنْ جَمِيعِهِمْ خَوْفَ ذَهَابِ بَعْضِهِ بِذَهَابِ حَفَظَتَهُ، وَكَتَبُوهُ كَمَا جَمَعُوهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ ﷺ يُلَقِّنُ أَصْحَابَهُ وَيُعَلِّمُهُمْ مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي هُوَ الْآنَ فِي مَصَاحِفِنَا بِتَوْقِيفٍ مِنْ جِبْرِيلَ ﵇ إِيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِعْلَامِهِ عِنْدَ نُزُولِ كُلِّ آيَةٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُكْتَبُ عَقِبَ آيَةَ كَذَا فِي سُورَةِ كَذَا، رُوِيَ مَعْنَى هَذَا عَنْ عُثْمَانَ ﵁.
стр. 3146
٢٢٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قُلْتُ لِعُثْمَانَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى بَرَاءَةٍ وَهِيَ مِنَ الْمَئِينِ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ، مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ يَنْزِلُ علَيْهِ السُّورُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ دَعَا بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ، فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ، فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا وَلِمَ أَكْتُبْ سَطْرَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٢٢٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ: مَا حَمَلَكُمْ) أَيْ: مَا الْبَاعِثُ وَالسَّبَبُ لَكُمْ (عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ، أَيْ: قَصَدْتُمْ (إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي) أَيْ: مِنَ السَّبْعِ الْمَثَانِي، وَهِيَ السَّبْعُ الطُّوَلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْمَثَانِي مِنَ الْقُرْآنِ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنَ الْمَئِينَ، وَيُسَمَّى جَمِيعُ الْقُرْآنِ مَثَانِيَ ; لِاقْتِرَانِ آيَةِ الرَّحْمَةِ بِآيَةِ الْعَذَابِ، وَتُسَمَّى الْفَاتِحَةُ مَثَانِيَ أَيْ: لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ، أَوْ ثُنِّيَتْ فِي النُّزُولِ (وَإِلَى بَرَاءَةَ) أَيْ: سُورَتِهِمَا (وَهِيَ) لِكَوْنِهَا مِائَةً وَثَلَاثِينَ آيَةً (مِنَ الْمَئِينَ) جَمْعُ الْمِائَةِ، وَأَصْلُ الْمِائَةِ: مَائِيٌّ كَمَعِيٍّ، وَالْهَاءُ عِوَضٌ عَنِ الْوَاوِ، وَإِذَا جَمَعْتَ الْمِائَةَ قُلْتَ: مِئُونَ، وَلَوْ قُلْتَ مِئَاتٍ جَازَ (فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟) وَفَى نُسْخَةٍ عَلَى ذَلِكُمْ، وَهُوَ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَتَوْجِيهُ السُّؤَالِ: إِنَّ الْأَنْفَالَ لَيْسَ مِنَ السَّبْعِ الطُّوَلِ لِقَصَرِهَا عَنِ الْمَئِينَ؛ لِأَنَّهَا سَبْعٌ وَسَبْعُونَ آيَةً، وَلَيْسَتْ غَيْرَهَا لِعَدَمِ الْفَصْلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَرَاءَةَ (قَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ) أَيِ: الزَّمَانُ الطَّوِيلُ وَلَا نَزَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَرُبَّمَا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ (وَهُوَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﵊ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (تَنْزِلُ) بِالتَّأْنِيثِ مَعْلُومًا، وَبِالتَّذْكِيرِ مَجْهُولًا (عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) أَيْ: مِنَ الْقَصَصِ (دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ) أَيِ: الْوَحْيَ، كَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَغَيْرِهِمَا (فَيَقُولُ: ضَعُوا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا) كَقِصَّةِ هُودٍ، وَحِكَايَةِ يُونُسَ (فَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَيَقُولُ: صُفُّوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا) كَالطَّلَاقِ وَالْحَجِّ، وَهَذَا زِيَادَةُ جَوَابٍ تَبَرَّعَ بِهِ ﵁ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْآيَاتِ تَوْقِيفِيٌّ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَالنُّصُوصُ الْمُتَرَادِفَةُ، وَأَمَّا تَرْتِيبُ السُّوَرِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا فِي الْإِتْقَانِ (وَكَانَ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَتْ) وَفَى نُسْخَةٍ نَزَلَ (بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا) أَيْ: فَهِيَ مَدَنِيَّةٌ أَيْضًا وَبَيْنَهُمَا النِّسْبَةُ التَّرْتِيبِيَّةُ بِالْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّةِ، فَهَذَا أَحَدُ وُجُوهِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ
стр. 3147
فِي رِوَايَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا، وَكَانَ هَذَا مُسْتَنَدَ مَنْ قَالَ إِنَّهُمَا سُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ دَوْقٍ، وَأَبُو يَعْلَى عَنْ مُجَاهِدٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سُفْيَانَ وَابْنِ لَهِيعَةَ، كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ بَرَاءَةَ مِنَ الْأَنْفَالِ، وَلِهَذَا لَمْ تُكْتَبِ الْبَسْمَلَةُ بَيْنَهُمَا مَعَ اشْتِبَاهِ طُرُقِهِمَا، وَرُدَّ بِتَسْمِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَاسِمٍ مُسْتَقِلٍّ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: إِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَمْ تَكُنْ فِيهَا ; لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵊ لَمْ يَنْزِلْ بِهَا فِيهَا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ تُكْتَبِ الْبَسْمَلَةُ فِي بَرَاءَةَ ; لِأَنَّهَا أَمَانٌ، وَبَرَاءَةُ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ، وَعَنْ مَالِكٍ: أَنَّ أَوَّلَهَا لَمَّا سَقَطَ سَقَطَتْ مَعَهُ الْبَسْمَلَةُ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْدِلُ الْبَقَرَةَ لِطُولِهَا، وَقِيلَ: إِنَّهَا ثَابِتَةٌ، أَوَّلُهَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى ذَلِكَ (وَكَانَتْ قِصَّتُهَا) أَيِ: الْأَنْفَالِ (شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا) أَيْ: بَرَاءَةَ، وَيَجُوزُ الْعَكْسُ، وَهَذَا وَجْهٌ آخَرُ مَعْنَوِيٌّ، وَلَعَلَّ الْمُشَابَهَةَ فِي قَضِيَّةِ الْمُقَاتَلَةِ بِقَوْلِهِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١٤] وَنَحْوِهِ، وَفِي نَبْذِ الْعَهْدِ بِقَوْلِهِ فِي الْأَنْفَالِ: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ لِأَنَّ الْأَنْفَالَ بَيَّنَتْ مَا وَقَعَ لَهُ ﷺ مَعَ مُشْرِكِي مَكَّةَ، وَبَرَاءَةُ بَيَّنَتْ مَا وَقَعَ لَهُ مَعَ مُنَافِقِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا مِمَّا ظَهَرَ لِي فِي أَمْرِ الِاقْتِرَانِ بَيْنَهُمَا (فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا) أَيِ: التَّوْبَةُ (مِنْهَا) أَيْ: مِنَ الْأَنْفَالِ، أَوْ لَيْسَتْ مِنْهَا (فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) أَيْ: لِمَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ تَبْيِينِهِ وُجُوهَ مَا ظَهَرَ لَنَا مِنَ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا (قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ سَطْرَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أَيْ: لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ ; لِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِ ﷺ لِلْفَصْلِ وَلَمْ تَنْزِلْ، وَلَمْ أَكْتُبْ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي عَدَمِ نُزُولِ الْبَسْمَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَأَلَ عَلِيًّا ﵁ لِمَ لَمْ تَكْتُبْ؟ قَالَ: لِأَنَّ بِسْمِ اللَّهِ أَمَانٌ وَلَيْسَ فِيهَا أَمَانٌ أُنْزِلَتْ بِالسَّيْفِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَكْتُبُهَا أَوَّلَ مُرَاسَلَاتِهِمْ فِي الصُّلْحِ وَالْأَمَانِ وَالْهُدْنَةِ، فَإِذَا نَبَذُوا الْعَهْدَ وَنَقَضُوا الْأَمَانَ لَمْ يَكْتُبُوهَا، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ فَصَارَتْ عَلَامَةُ الْأَمَانِ وَعَدَمُهَا عَلَّامَةَ نَقْضِهِ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: أَمَانٌ: وَقَوْلُهُمْ: آيَةُ رَحْمَةٍ، وَعَدَمُهَا عَذَابٌ كَذَا ذَكَرَهُ الْجَعْبَرِيُّ (وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى أَنَّهُمَا نُزِّلَتَا مَنْزِلَةَ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكُمِّلَ السَّبْعُ الطُّوَلُ بِهَا، ثُمَّ قِيلَ السَّبْعُ الطُّوَلُ هِيَ: الْبَقَرَةُ وَبَرَاءَةُ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ ; لَكِنْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا الْبَقَرَةُ وَالْأَعْرَافُ وَمَا بَيْنَهُمَا، قَالَ الرَّاوِي: وَذَكَرَ السَّابِعَةَ فَنَسِيتُهَا، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْفَاتِحَةَ فَإِنَّهَا مِنَ السَّبْعِ الْمَثَانِي، أَوْ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَنَزَلَتْ سَبْعَتُهَا مَنْزِلَةَ الْمَئِينَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَنْفَالُ بِانْفِرَادِهَا أَوْ بِانْضِمَامِ مَا بَعْدَهَا إِلَيْهَا، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهَا يُونُسُ، وَجَاءَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْأَنْفَالَ وَمَا بَعْدَهَا مُخْتَلَفٌ فِي كَوْنِهَا مِنَ الْمَثَانِي، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُورَةٌ، أَوْ هُمَا سُورَةٌ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
وَكَذَا النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لَا تَقُولُوا فِي عُثْمَانَ إِلَّا خَيْرًا فَوَاللَّهِ مَا فَعَلَ الَّذِي فَعَلَ فِي الْمَصَاحِفِ إِلَّا عَنْ مَلَأٍ مِنَّا، قَالَ: أَيْ عُثْمَانُ: فَمَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إِنَّ قِرَاءَتِي خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَتِكَ، وَهَذَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا؟ قُلْتُ: فَمَا تَرَى، قَالَ: أَرَى أَنْ يُجْمَعَ النَّاسُ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ فَلَا يَكُونُ فُرْقَةٌ وَلَا اخْتِلَافٌ، قُلْنَا: فَنِعْمَ مَا رَأَيْتَ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِ أَبِي بَكْرٍ وَجَمْعِ عُثْمَانَ أَنَّ جَمْعَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ لِخَشْيَةِ أَنْ يَذْهَبَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لِذَهَابِ حَمَلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَجَمْعُهُ فِي صَحَائِفِهِ مُرَتَّبًا لِآيَاتِ سُوَرِهِ عَلَى مَا وَقَّفَهُمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، وَجَمْعُ عُثْمَانَ كَانَ لَمَّا كَثُرَ الِاخْتِلَافُ فِي وُجُوهِ الْقِرَاءَاتِ حِينَ قَرَءُوا بِلُغَاتِهِمْ عَلَى اتِّسَاعِ اللُّغَاتِ ; فَأَدَّى ذَلِكَ بَعْضَهُمْ إِلَى تَخْطِئَةِ بَعْضٍ ; فَخَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ
стр. 3148
فِي ذَلِكَ فَنَسَخَ تِلْكَ الصُّحُفَ فِي مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مُرَتِّبًا لِسُوَرِهِ وَاقْتَصَرَ مِنْ سَائِرِ اللُّغَاتِ عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ، مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَسِعَ فِي قِرَاءَتِهِ بِلُغَةِ غَيْرِهِمْ رَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، فَرَأَى أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ انْتَهَتْ فَاقْتَصَرَعَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ، قَلْتُ: هَذَا يُوهِمُ أَنَّهُ تَرَكَ مَا ثَبَتَ كَوْنُهُ قُرْآنًا، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: كَانَ فِي جَمْعِ أَبِي بَكْرٍ الْمَنْسُوخَاتِ وَالْقِرَاءَاتِ الَّتِي مَا حَصَلَ فِيهَا التَّوَاتُرُ جَمْعًا كُلِّيًّا مِنْ غَيْرِ تَهْذِيبٍ وَتَرْتِيبٍ، فَتَرَكَ عُثْمَانُ الْمَنْسُوخَاتِ، وَأَبْقَى الْمُتَوَاتِرَاتِ، وَحَرَّرَ رُسُومَ الْكَلِمَاتِ، وَقَرَّرَ تَرْتِيبَ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ عَلَى وَفْقِ الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْعَرْضَاتِ الْمُطَابِقَةِ لِمَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ نُزُولُهَا مَنَجَّمًا عَلَى حَسَبِ مَا تَقْتَضِي الْحَالَاتُ وَالْمَقَامَاتُ، وَلِذَا قَالَ الْبَاقِلَّانِيُّ: لَمْ يَقْصِدْ عُثْمَانُ قَصْدَ أَبِي بَكْرٍ فِي نَفْسِ الْقِرَاءَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ جَمْعَهُمْ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْعَامَّةِ الْمَعْرُوفَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِلْغَاءَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَخَذَهُمْ بِمُصْحَفٍ لَا تَقْدِيمَ فِيهِ وَلَا تَأْخِيرَ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الْمُتَعَالِ بِالْوَجْهِ الْمُتَوَاتِرُ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَقَالِ، فَمَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْئًا كَفَرَ فِي الْحَالِ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْآيِ تَوْقِيفِيٌّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ آخِرَ الْآيَاتِ نُزُولًا ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ أَنْ يَضَعَهَا بَيْنَ آيَتَيِ الرِّبَا وَالْمُدَايَنَةِ وَلِذَا حَرَّمَ عَكْسَ تَرْتِيبِهَا، بِخِلَافِ تَرْتِيبِ السُّوَرِ فَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ كُرِهَتْ مُخَالَفَتُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلِمَا وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ النِّسَاءَ قَبْلَ آلِ عِمْرَانَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ نِسْيَانًا لِيُعْلِمَ الصُّحْبَةَ بِهِ، مَعَ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ تَوْقِيفِيٌّ أَيْضًا وَإِنْ كَانَتْ مَصَاحِفُهُمْ مُخْتَلِفَةً فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ جَمْعِ عُثْمَانَ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَتَّبَهَا عَلَى النُّزُولِ وَهُوَ مُصْحَفُ عَلِيٍّ أَوَّلُهُ اقْرَأْ، فَالْمُدَّثِّرُ، فَنُونٌ، فَالْمُزَّمِّلُ، فَتَبَّتْ، فَالتَّكْوِيرُ، وَهَكَذَا إِلَى آخِرِ الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَوْقِيفِيٌّ كَوْنُ الْحَوَامِيمِ رُتِّبَتْ وَلَاءً، وَكَذَلِكَ الطَّوَاسِينُ، وَلَمْ يُرَتِّبِ الْمُسَبِّحَاتِ وَلَاءً بَلْ فَصَلَ بَيْنَ سُوَرِهَا، وَكَذَا اخْتِلَاطُ الْمَكِّيَّاتِ بِالْمَدَنِيَّاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 3149
[كِتَابُ الدَّعَوَاتِ]
стр. 3150
[٩]- كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلِ
٢٢٢٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي إِلَى يَوْمِ الْقَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» " (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ أَقْصَرُ مِنْهُ) . .
ــ
[٩] كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
جَمْعُ الدَّعْوَةِ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ، وَهُوَ طَلَبُ الْأَدْنَى بِالْقَوْلِ مِنَ الْأَعْلَى شَيْئًا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِكَانَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْفَتَاوَى فِي الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الزُّهَّادِ، وَأَهْلِ الْمَعَارِفِ إِلَى أَنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ اسْتِسْلَامًا، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إِنْ دَعَا لِلْمُسْلِمِينَ فَحَسَنٌ، وَإِنْ خَصَّ نَفْسَهُ فَلَا. وَقِيلَ: إِنْ وَجَدَ بَاعِثًا لِلدُّعَاءِ اسْتُحِبَّ، وَإِلَّا فَلَا. وَدَلِيلُ الْفُقَهَاءِ ظَوَاهِرُ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٢٢٣ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ» ) أَيْ: فِي حَقِّ مُخَالِفِي أُمَّتِهِ جَمِيعِهِمْ بِالِاسْتِئْصَالِ، (فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ) : أَيِ: اسْتَعْجَلَ فِي دَعْوَتِهِ، كَمَا أَنَّ نُوحًا دَعَا عَلَى أُمَّتِهِ بِالْهَلَاكِ، حَتَّى غَرِقُوا بِالطُّوفَانِ، وَصَالِحًا دَعَا عَلَى أُمَّتِهِ، حَتَّى هَلَكُوا بِالصَّيْحَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً مُتَيَقَّنَةَ الْإِجَابَةِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ دَعَوَاتِهِ، فَإِنَّهَا عَلَى طَمَعِ الْإِجَابَةِ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ لِنَفْسِهِ، (وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي) : أَيِ: ادَّخَرْتُهَا وَجَعَلْتُهَا خَبِيئَةً مِنَ الِاخْتِبَاءِ، وَهُوَ الِاخْتِفَاءُ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ؛ لِأَنِّي بُعِثْتُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، (شَفَاعَةً لِأُمَّتِي) : أَيْ: أُمَّةِ الْإِجَابَةِ، يَعْنِي: لِأَجْلِ أَنْ أَصْرِفَهَا لَهُمْ خَاصَّةً بَعْدَ الْعَامَّةِ، وَفِي جِهَةِ الشَّفَاعَةِ أَوْ حَالَ كَوْنِهَا شَفَاعَةً (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أَيْ: مُؤَخَّرَةً إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَفِي نُسْخَةٍ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ لِلشَّفَاعَةِ (فَهِيَ) : أَيِ: الشَّفَاعَةُ (نَائِلَةٌ) : أَيْ: وَاصِلَةٌ حَاصِلَةٌ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ " مَعَ حُصُولِهَا لَا مَحَالَةَ أَدَبًا وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ قَالَ لِلتَّبَرُّكِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ الْأَفْعَالُ الْوَاقِعَةُ فِي الدُّنْيَا، لَا الْأَخْبَارُ الْكَائِنَةُ فِي الْعُقْبَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي) : إِعْلَامًا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْإِيمَانِ خِلَافُهُ لَفْظِيٌّ، فَمَنْ نَوَى التَّعْلِيقَ فِي الْحَالِ كَفَرَ اتِّفَاقًا، أَوِ التَّبَرُّكَ الْمَحْضَ، أَوْ نَصًّا لِلْمَآلِ فَلَا اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ أَصْحَابُنَا فِي قَوْلِهِ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِلْإِيهَامِ، وَهُوَ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِنَائِلَةٍ، وَمِنْ بَيَانِ (مِنْ) وَقَوْلُهُ: (لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ مَاتَ (شَيْئًا) : أَيْ: مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوْ مِنَ الْإِشْرَاكِ. وَهِيَ أَقْسَامٌ: عَدَمُ دُخُولِ قَوْمٍ النَّارَ، وَتَخْفِيفُ لُبْثِهِمْ فِيهَا، وَتَعْجِيلُ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ وَرَفْعُ دَرَجَاتٍ فِيهَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْبُخَارِيُّ أَقْصَرَ مِنْهُ) .
стр. 3151
٢٢٢٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ شَتَمْتُهُ، لَعَنْتُهُ، جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٢٢٢٤ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا ": أَيْ: أَخَذْتُ مِنْكَ وَعْدًا أَوْ أَمَانًا (لَنْ تُخْلِفَنِيهِ) : مِنَ الْإِخْلَافِ؛ لِأَنَّ الْكَرِيمَ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ، قِيلَ أَصْلُ الْكَلَامِ إِنِّي طَلَبْتُ مِنْكَ حَاجَةً أَسْعِفْنِي بِهَا وَلَا تُخَيِّبْنِي فِيهَا، فَوَضَعَ الْعَهْدَ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ مُبَالَغَةً فِي كَوْنِهَا مَقْضِيَّةً، وَوَضَعَ لَنْ تُخْلِفَنِيهِ مَوْضِعَ لَا تُخَيِّبْنِي، وَقِيلَ: مَوْضِعُ الْعَهْدِ مَوْضِعُ الْوَعْدِ مُبَالَغَةً وَإِشْعَارًا بِأَنَّهُ وَعْدٌ، لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الْخُلْفُ
стр. 3152
كَالْعَهْدِ، وَلِذَلِكَ اسْتَعْمَلَ فِيهِ الْخُلْفَ لَا النَّقْضَ لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْعَهْدِ الْأَمَانَ أَيْ: أَسْأَلُكَ أَمَانًا لَنْ تَجْعَلَهُ خِلَافَ مَا أَتَرَقَّبُهُ وَأَرْتَجِيهِ، أَيْ: لَا تَرُدَّنِي بِهِ فَإِنَّ دُعَاءَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُرَدُّ، وَوَضَعَ الِاتِّخَاذَ مَوْضِعَ السُّؤَالِ تَحْقِيقًا لِلرَّجَاءِ بِأَنَّهُ حَاصِلٌ، أَوْ كَانَ مَوْعُودًا بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، أَحَلَّ الْمَسْئُولَ الْمَعْهُودَ مَحَلَّ الشَّيْءِ الْمَوْعُودِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْخُلْفُ بِقَوْلِهِ: لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، (فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) : أَيْ: مِثْلُهُمْ، وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ: أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ تَمْهِيدًا لِمَعْذِرَتِهِ فِيمَا يَنْدُرُ عَنْهُ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ شَتْمٍ، فَإِنَّ الْغَضَبَ الْمُؤَدِّيَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ الْبَشَرِيَّةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِشَارَةٌ إِلَى ظَلُومِيَّةِ الْبَشَرِ وَجَهُولِيَّتِهِ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَتَضَرَّعُ إِلَى اللَّهِ أَنَّهُ، لَا يَكِلْهُ إِلَى نَفْسِهِ، كَمَا وَرَدَ عَنْهُ: " «اللَّهُمَّ لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي تَكِلْنِي إِلَى ضَعْفٍ وَعَوْرَةٍ وَذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ» " ثُمَّ يَطْلُبُ مِنْ مَوْلَاهُ أَنَّهُ إِنْ صَدَرَ عَنْهُ شَيْءٌ مِمَّا لَا يَلِيقُ مِنْهُ بِمُقْتَضَى الْبَشَرِيَّةِ أَنْ يَتَدَارَكَهُ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَأَنْ يُعَوِّضَ مِنْ خُصَمَائِهِ بِأَنْوَاعِ الْقُرْبَةِ (فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ) : بَيَانٌ وَتَفْصِيلٌ، لِمَا كَانَ يَلْتَمِسُهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا (آذَيْتُهُ) : أَيْ: بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذَى (شَتَمْتُهُ) : بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: آذَيْتُهُ، وَلِذَا لَمْ يَعْطِفْ (لَعَنْتُهُ) : أَيْ: سَبَبْتُهُ (جَلَدْتُهُ) : أَيْ: ضَرَبْتُهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَكَرَ هَذِهِ الْأُمُورَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْدَادِ بِلَا تَنْسِيقٍ، وَقَابَلَهَا بِأَنْوَاعِ الْأَلْطَافِ مُتَنَاسِقَةً لِيَجْمَعَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ (فَاجْعَلْهَا) : أَيْ: تِلْكَ الْأَذِيَّةَ الَّتِي صَدَرَتْ بِمُقْتَضَى ضَعْفِ الْبَشَرِيَّةِ لَهُ أَيْ: لِمَنْ آذَيْتُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَاةً) أَيْ: رَحْمَةً وَتَلَطُّفًا وَإِكْرَامًا وَتَعْظِيمًا وَتَعَطُّفًا، تُوصِلُهُ إِلَى الْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ، (وَزَكَاةً) : أَيْ: طَهَارَةً مِنَ الذُّنُوبِ، وَالْمَعَائِبِ، وَنَمَاءَ بِرْكَةٍ فِي الْأَعْمَالِ وَالْمَنَاقِبِ (وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ) : أَيْ: تَجْعَلُ ذَلِكَ الْمُؤْمِنَ مُقَرَّبًا (بِهَا) : أَيْ: لِتِلْكَ الْقُرْبَةِ، أَوْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَأُخْتَيْهَا (إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: جُمْلَةُ تُقَرِّبُهُ بِهَا صِفَةٌ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ، وَأُخْتَيْهِ أَيْ: تُقَرِّبُهُ بِتِلْكَ الْأَذِيَّةِ، رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا مِنْ حُجْرَتِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، فَتَعَلَّقَتْ بِهِ عَائِشَةُ، وَالْتَمَسَتْ مِنْهُ شَيْئًا، وَأَلَحَّتْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَجَذَبَتْ ذَيْلَهُ فَقَالَ لَهَا: " قَطَعَ اللَّهُ يَدَكِ " فَتَرَكَتْهُ، وَجَلَسَتْ فِي حُجْرَتِهَا مُغْضَبَةً ضَيِّقَةَ الصَّدْرِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهَا وَرَآهَا كَذَلِكَ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنَّ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا " إِلَخْ. تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا، فَالسُّنَةُ لِمَنْ دَعَا عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ جَبْرًا لِفِعْلِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3153
٢٢٢٥ - وَعَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ، وَلِيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ، إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا مُكْرِهَ لَهُ» " (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
ــ
٢٢٢٥ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ» ": قِيلَ: مَنَعَ عَنْ قَوْلِهِ: إِنْ شِئْتَ؛ لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي الْقَبُولِ، وَاللَّهُ تَعَالَى كَرِيمٌ لَا بُخْلَ عِنْدَهُ، فَلْيَسْتَيْقِنْ بِالْقَوْلِ، (وَلِيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ) : أَيْ: لِيَطْلُبْ جَازِمًا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ (إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) : اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعْتَبَرَةِ مَفْعُولًا لَهُ لِلْعَزْمِ أَيْ: لِأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، أَوْ مَفْعُولًا بِهِ لِلْمَسْأَلَةِ أَيْ لِيَجْزِمْ مَسْأَلَتَهُ فَعَلَ مَا شَاءَ اهـ. وَكَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ غَيْرُ صَحِيحِ الْمَعْنَى فَتَأَمَّلْ (لَا مُكْرِهَ لَهُ) : أَيْ: لِلَّهِ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَى فِعْلٍ أَرَادَ تَرْكَهُ، بَلْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: إِنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّقْيِيدِ بِهِ، مَعَ أَنَّهُ مُوهِمٌ لِعَدَمِ الِاعْتِنَاءِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَوْ لِاسْتِعْظَامِهِ عَلَى الْفَاعِلِ عَلَى الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 3154
٢٢٢٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ، وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» " (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
ــ
٢٢٢٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلِ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ» ": أَيْ: مَثَلًا (وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ) : أَيْ: لِيَجْزِمْ عَلَى الْمَسْأَلَةِ (وَلْيُعَظِّمْ) : بِالتَّشْدِيدِ عَلَى (الرَّغْبَةَ) : أَيِ: الْمَيْلَ فِيهِ بِالْإِلْحَاحِ وَالْوَسَائِلِ. (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ) : يُقَالُ: تَعَاظَمَ زَيْدٌ هَذَا الْأَمْرَ أَيْ: كَبُرَ عَلَيْهِ وَعَسُرَ، أَيْ: لَا يَعْظُمُ عَلَيْهِ إِعْطَاءُ شَيْءٍ، بَلْ جَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ فِي أَمْرِهِ يَسِيرٌ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: " «لَوِ اجْتَمَعَ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ عَلَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ كُلٌّ مَسْأَلَتَهُ وَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا» " (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3155
٢٢٢٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَابُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» " (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
٢٢٢٧ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ ": أَيْ: بَعْدَ شُرُوطِ الْإِجَابَةِ " مَا ": ظَرْفُ يُسْتَجَابُ بِمَعْنَى الْمُدَّةِ أَيْ: مُدَّةَ كَوْنِهِ " لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ ": مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ قَدِّرْنِي عَلَى قَتْلِ فُلَانٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، أَوِ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي الْخَمْرَ، أَوِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِفُلَانٍ وَهُوَ مَاتَ كَافِرًا يَقِينًا، أَوِ اللَّهُمَّ خَلِّدْ فُلَانًا الْمُؤْمِنَ فِي النَّارِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْتَحِيلَاتِ، كَرُؤْيَةِ اللَّهِ يَقَظَةً فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، فِي تَخْلِيدِ الْمُؤْمِنِ وَالرُّؤْيَةِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْخِلَافَ شَهِيرٌ فِي ذِي الْكَبِيرَةِ إِذَا مَاتَ مُصِرًّا، وَرُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ، وَإِلَّا لَمْ يَطْلُبْهَا مُوسَى ﵊ فَمَرْدُودٌ، إِذْ لَا عِبْرَةَ بِخِلَافِ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَلِأَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ مُسْتَحِيلَةٌ شَرْعًا، وَطَلَبُ مُوسَى ﵊ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ عَقْلًا، فَلَمَّا أَفَاقَ وَعَلِمَ بِاسْتِحَالَتِهِ شَرْعًا قَالَ: سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. أَيْ: بِأَنْ لَا تُرَى فِي الدُّنْيَا. قِيلَ: وَمِنْهُ أَخْفِ زَلَلَنَا عَنِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ، نَعَمْ إِنْ قَصَدَ التَّوْفِيقَ لِلتَّوْبَةِ عَقِبَ الزَّلَّةِ حَتَّى لَا يَكْتُبَهَا الْمَلَكُ جَازَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَسَاكِرَ: «إِذَا تَابَ الْعَبْدُ أَنْسَى اللَّهُ تَعَالَى الْحَفَظَةَ ذُنُوبَهُ، وَأَنْسَى ذَلِكَ جَوَارِحَهُ وَمَعَالِمَهُ مِنَ الْأَرْضِ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ مِنَ اللَّهِ بِذَنْبٍ» ، وَمِنْهُ مَا دَلَّ السَّمْعُ الْأُحَادِيُّ عَلَى ثُبُوتِهِ، كَاللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعَ ذُنُوبِهِمْ، لِأَنَّ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ طَائِفَةٍ مِنْهُمُ النَّارَ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ مَحَلَّهُ إِذَا أَرَادَ مُطْلَقَ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ، أَمَّا إِذَا أَرَادَ عُمُومَ الْمَغْفِرَةِ لَهُ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، فَهُوَ مَحَلُّ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُكَذِّبٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ بِلَفْظٍ أَعْجَمِيٍّ جَهِلَ مَعْنَاهُ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ عَلَى مَنْ لَمْ يَظْلِمْهُ مُطْلَقًا، أَوْ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ بِأَزْيَدَ مِمَّا ظَلَمَهُ، وَلَا يُنَافِيهِ قِصَّةُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَحَدِ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ، حَيْثُ دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ بِأَكْثَرَ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ، وَمَعَ حِلِّهِ يَذْهَبُ أَجْرُهُ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ: " «مَنْ دَعَا عَلَى ظَالِمِهِ فَقَدِ انْتَصَرَ» ". وَاخْتَلَفُوا فِي الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ وَنَحْوِهِ فَقِيلَ: يُبَاحُ كَمَا قَالَ نُوحٌ: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نوح: ٢٤] وَقَالَ مُوسَى: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] ، «وَدَعَا نَبِيُّنَا ﷺ عَلَى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ كَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ وَشَجَّ وَجْهَهُ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ لَا تُحِلْ عَلَيْهِ الْحَوْلَ حَتَّى يَمُوتَ كَافِرًا فَكَانَ كَذَلِكَ» "، وَقِيلَ يُمْنَعُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مُتَمَرِّدٍ عَمَّ ظُلْمُهُ، وَالثَّانِي عَلَى غَيْرِهِ، وَأَقُولُ: الصَّوَابُ أَنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَافِرِ وَالثَّانِي عَلَى الْمُسْلِمِ.
" أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ ": نَحْوَ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي فَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ " مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ ": قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ ذِكْرُ الْعَاطِفِ فِي قَوْلِهِ: مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، لَكِنَّهُ تُرِكَ تَنْبِيهًا عَلَى اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنَ الْقَيْدَيْنِ أَيْ: يُسْتَجَابُ مَا لَمْ يَدَعْ، يُسْتَجَابُ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ) : أَيِ: الدَّاعِي (قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ) : أَيْ: مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى يَعْنِي مَرَّاتٍ كَثِيرَةً، أَوْ طَلَبْتُ شَيْئًا وَطَلَبْتُ آخَرَ (فَلَمْ أَرَ) : أَيْ: فَلَمْ أَعْلَمْ أَوْ أَظُنَّ دُعَائِي وَهُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مَحْذُوفٌ. كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُسْتَجَابَ بِتَقْدِيرِ أَنْ أَوْ بِدُونِ أَنْ بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ، وَالْمَعْنَى لَمْ أَرَ آثَارَ اسْتِجَابَةِ دُعَائِي " يُسْتَجَابُ لِي ": وَهُوَ إِمَّا اسْتِبْطَاءٌ أَوْ إِظْهَارُ يَأْسٍ، وَكِلَاهُمَا مَذْمُومٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْإِجَابَةَ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، كَمَا وَرَدَ: إِنَّ بَيْنَ دُعَاءِ مُوسَى وَهَارُونَ عَلَى فِرْعَوْنَ، وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَأَمَّا الْقُنُوطُ، فَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ، مَعَ أَنَّ الْإِجَابَةَ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْهَا تَحْصِيلُ عَيْنِ الْمَطْلُوبِ فِي الْوَقْتِ الْمَطْلُوبِ، وَمِنْهَا: وُجُودُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ تَأْخِيرَهُ، وَمِنْهَا: دَفْعُ شَرٍّ بَدَلَهُ، أَوْ إِعْطَاءُ خَيْرٍ آخَرَ خَيْرٍ مِنْ مَطْلُوبِهِ. وَمِنْهَا: ادِّخَارُهُ لِيَوْمٍ يَكُونُ أَحْوَجَ إِلَى ثَوَابِهِ، " فَيَسْتَحْسِرُ ": أَيْ: يَنْقَطِعُ وَيَمِيلُ وَيَفْتُرُ، اسْتِفْعَالٌ مِنْ حَسَرَ إِذَا عَيِيَ وَتَعِبَ " عِنْدَ ذَلِكَ ": أَيْ: عِنْدَ رُؤْيَتِهِ عَدَمَ الِاسْتِجَابَةِ فِي الْحَالَةِ " وَيَدَعُ الدُّعَاءَ ": أَيْ: يَتْرُكُهُ مُطْلَقًا، أَوْ ذَلِكَ الدُّعَاءَ. وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَمَلَّ مِنَ الدُّعَاءِ، لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَتَأْخِيرُ الْإِجَابَةِ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ وَقْتُهُ ; لِأَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ وَقْتًا مُقَدَّرًا فِي الْأَزَلِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَدَّرْ فِي الْأَزَلِ قَبُولُ دُعَائِهِ فِي الدُّنْيَا فَيُعْطَى فِي الْآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ عِوَضَهُ، أَوْ يُؤَخَّرُ دُعَاؤُهُ لِيُلِحَّ وَيُبَالِغَ فِي الدُّعَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ، وَلَعَلَّ عَدَمَ قَبُولِ دُعَائِهِ بِالْمَطْلُوبِ الْمُخَصَّصِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ تَحْصِيلِهِ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
следующие страницы →