← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

٢١٧٤ - وَعَنْ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «اقْرَءُوا سُورَةَ هُودٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ» " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٢١٧٤ - (وَعَنْ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اقْرَؤُا سُورَةَ هُودٍ» ) يُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَيُسَكَّنُ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْكُلِّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْفَضَائِلِ.

стр. 3082

٢١٧٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ نُورٌ مَا بَيْنَ الْجُمْعَتَيْنِ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ. ــ ٢١٧٥ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ أَضَاءَ لَهُ النُّورُ» ) ، أَيْ فِي قَلْبِهِ أَوْ قَبْرِهِ أَوْ يَوْمَ حَشْرِهِ فِي الْجَمْعِ الْأَكْبَرِ (مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ) ، أَيْ مِقْدَارُ الْجُمُعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا مِنَ الزَّمَانِ وَهَكَذَا كُلُّ جُمْعَةٍ تَلَا فِيهَا هَذِهِ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَضَاءَ إِمَّا لَازِمٌ وَبَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ ظَرْفٌ، فَيَكُونُ إِشْرَاقُ ضَوْءِ النُّورِ فِيمَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ بِمَنْزِلَةِ إِشْرَاقِ النُّورِ نَفْسِهِ مُبَالَغَةً، وَإِمَّا مُتَعَدٍّ فَيَكُونُ مَا بَيْنَ مَفْعُولًا بِهِ، وَبِهِمَا أُعْرِبَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] اهـ وَفِي الْأَخِيرِ نَظَرٌ بِحَسَبِ الْمَعْنَى الْحَدِيثِيِّ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُرْجَعًا، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مِنْ قَوْلِهِ مَوْقُوفًا ( «مَنْ قَرَأَهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» ) وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ كِلَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَاللَّفْظُ لِلنَّسَائِيِّ وَقَالَ: رَفُعُهُ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ ( «مَنْ قَرَأَهَا كَمَا أُنْزِلَتْ كَانَتْ لَهُ نُورٌ مِنْ مَقَامِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَمَنْ قَرَأَ الْعَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا فَخَرَجَ الدَّجَّالُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ» ) وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَاخْتَلَفَ أَيْضًا فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ ( «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ قَرَأَ بِعَشْرِ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا ثُمَّ خَرَجَ الدَّجَّالُ لَمْ يَضُرُّهُ» ) وَرَوَى الْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا ( «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ عِنْدَ مَضْجَعِهِ كَانَ لَهُ نُورًا يَتَلَأْلَأُ فِي مَكَّةَ، حَشْوُ ذَلِكَ النُّورِ مَلَائِكَةً يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَضْجَعُهُ بِمَكَّةَ كَانَ لَهُ نُورًا يَتَلَأْلَأُ فِي مَضْجَعِهِ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، حَشْوُ ذَلِكَ النُّورِ مَلَائِكَةٌ يُصَلُّونَ عَلْيِهِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» ) وَفِي الْمَدَارِكِ بِلَفْظِ ( «مَنْ قَرَأَ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ إِلَخْ عِنْدَ مَضْجَعِهِ» ) وَذَكَرَ نَحْوَهُ، قُلْتُ: وَفِي هَذَا

стр. 3083

الْحَدِيثُ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ وَبِشَارَةٌ شَرِيفَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ الْقَارِئُ أَقْرَبَ إِلَى مَكَّةَ فَبِقَدْرِ مَا يَنْقُصُ مِنَ الْمَسَافَةِ السُّفْلِيَّةِ لِامْتِلَاءِ النُّورِ يُزَادُ لَهُ مِنَ الْمَسَافَةِ الْعُلْوِيَّةِ، وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الرُّقِيُّ الْعُلْوِيُّ الزَّائِدُ حِسًّا وَشَرَفًا فَإِنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسَافَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، كَذَا مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ، وَكَذَا غِلَظُ كُلِّ سَمَاءٍ وَالْبَيْتُ الْمَعْمُورِ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَغْوِيُّ فِي الْمَعَالِمِ.

стр. 3084

٢١٧٦ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: «اقْرَءُوا الْمُنْجِيَةَ وَهِيَ الم تَنْزِيلُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَقْرَؤُهَا مَا يَقْرَأُ شَيْئًا غَيْرَهَا، وَكَانَ كَثِيرَ الْخَطَايَا فَنَشَرَتْ جَنَاحَهَا عَلَيْهِ، قَالَتْ: رَبِّ اغْفِرْ لَهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ قِرَاءَتِي، فَشَفَّعَهَا الرَّبُّ - تَعَالَى - فِيهِ وَقَالَ: اكْتُبُوا لَهُ بِكُلِّ خَطِيئَةٍ حَسَنَةٍ وَارْفَعُوا لَهُ دَرَجَةً، وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّهَا تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا فِي الْقَبْرِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ مِنْ كِتَابِكَ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ مِنْ كِتَابِكَ فَامْحُنِي عَنْهُ، وَإِنَّهَا تَكُونُ كَالطَّيْرِ تَجْعَلُ جَنَاحَهَا عَلَيْهِ فَتَشْفَعُ لَهُ فَتَمْنَعُهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَقَالَ فِي تَبَارَكَ مِثْلَهَا، وَكَانَ خَالُهُ لَا يَبِيتُ حَتَّى يَقْرَأَهُمَا» ، وَقَالَ طَاوُوسُ: فُضِّلَتَا عَلَى كُلِّ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ بِسِتِّينَ حَسَنَةً. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٢١٧٦ - (وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ تَابِعِيٌّ (قَالَ: اقْرَءُوا) ، أَيْ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ كَمَا يُشْعَرُ بِهِ آخِرِ الْحَدِيثِ (الْمُنْجِيَةَ) ، أَيْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعِقَابِ الْحَشْرِ (وَهِيَ الم تَنْزِيلُ فَإِنَّهُ) ، أَيِ الشَّأْنُ (بَلَغَنِي) ، أَيْ عَنِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ لَقِيَ سَبْعِينَ مِنْهُمْ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ عَلَى قَوْلٍ، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ عِنْدَ الْكُلِّ، وَوَهَمَ ابْنُ حَجَرٍ فَظَنَّ أَنَّ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا اعْتُرِضَ عَلَى الطِّيبِيِّ فِي كَلَامِهِ الْآتِي (أَنَّ رَجُلًا) ، أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ " قَالَ " يَشْعُرُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ اقْرَءُوا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الرَّسُولِ، وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا إِلَخْ إِخْبَارٌ مِنْهُ ﵊ كَمَا أَخْبَرَ فِي قَوْلِهِ إِنَّ سُورَةً فِي الْقُرْآنِ شَفَعَتْ لِرَجُلٍ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي (كَانَ يَقْرَؤُهَا) ، أَيْ يَجْعَلُهَا وِرْدًا لَهُ (مَا يَقْرَأُ شَيْئًا غَيْرَهَا) ، أَيْ لَمْ يَجْعَلْ لِنَفْسِهِ وِرْدًا غَيْرَهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ مِمَّا عَدَا الْفَاتِحَةَ غَيْرَهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا (وَكَانَ كَثِيرَ الْخَطَايَا فَنُشِرَتْ) ، أَيْ بَعْدَمَا تُصُوِّرَتِ السُّورَةُ أَوْ ثَوَابُهَا عَلَى صُورَةِ طَيْرٍ (جَنَاحُهَا عَلَيْهِ) ، أَيْ لِتُظِلَّهُ أَوْ جَنَاحُ رَحْمَتِهَا عَلَى الرَّجُلِ الْقَارِئِ حِمَايَةً لَهُ (قَالَتْ) بِلِسَانِ الْقَائِلِ أَوْ بِبَيَانِ الْحَالِ وَهُوَ بَدَلُ بَعْضٍ أَوِ اشْتِمَالٍ مِنْ نُشِرَتْ لِأَنَّ النَّشْرَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الشَّفَاعَةِ الْحَاصِلَةِ بِقَوْلِهَا (رَبِّ اغْفِرْ لَهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ قِرَاءَتِي فَشَفَّعَهَا) بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ قَبِلَ شَفَاعَتَهَا (الرَّبُّ - تَعَالَى - فِيهِ) ، أَيْ فِي حَقِّهِ (وَقَالَ) ، أَيِ الرَّبُّ (اكْتُبُوا لَهُ بِكُلِّ خَطِيئَةٍ) ، أَيْ بَدَلَهَا (حَسَنَةً) ، أَيْ فَضْلًا وَإِحْسَانًا وَكَرَمًا وَامْتِنَانًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ، وَفِيهِ أَنَّ أُولَئِكَ هُمُ التَّائِبُونَ، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ﴾ [الفرقان: ٧٠] الْآيَةَ (وَارْفَعُوا لَهُ دَرَجَةً، وَقَالَ) ، أَيْ خَالِدٌ (أَيْضًا) ، أَيْ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ مَوْقُوفًا (إِنَّهَا) ، أَيِ السُّورَةُ الم تَنْزِيلُ (تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا) ، أَيْ مَنْ يُكْثِرُ قِرَاءَتَهَا (فِي الْقَبْرِ) ، أَيِ الشَّفَاعَةُ فِي تَسْدِيدِ سُؤَالِهِ وَتَخْفِيفِ عَذَابِهِ، أَوْ رَفْعِهِ أَوْ تَوَسِيعِ قَبْرِهِ وَتَنْوِيرِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ (تَقُولُ) بَيَانُ الْمُجَادَلَةِ، وَهَذِهِ الْمُجَادَلَةُ وَنَشْرُ الْجَنَاحِ عَلَى قَارِئِهَا كَالْمُحَاجَّةِ وَالتَّظْلِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الزَّهْرَاوَيْنِ (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ) ، أَيْ إِذَا كُنْتُ (مِنْ كِتَابِكَ) ، أَيِ الْقُرْآنُ الْمَكْتُوبُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ (فَشَفِّعْنِي) بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ فَاقْبَلْ شَفَاعَتِي (فِيهِ) ، أَيْ فِي حَقِّهِ (وَإِنْ لَمْ أَكُنْ فِي كِتَابِكَ) ، أَيْ عَلَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ (فَامْحُنِي) بِضَمِّ الْحَاءِ (عَنْهُ) ، أَيْ عَنْ كِتَابِكَ أَوْ عَنْ صَدْرِهِ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَابِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَنَظِيرُ ذَلِكَ تَدَلُّلُ بَعْضُ خَوَاصِّ الْمَلِكِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ إِنْ كُنْتُ عَبْدَكَ فَشَفِّعْنِي فِي كَذَا، وَإِلَّا فَبِعْنِي، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ كَمَا يَقُولُ الْأَبُ لِابْنِهِ الَّذِي لَمْ يُرَاعِ حَقَّهُ: إِنْ كُنْتُ لَكَ أَبًا فَرَاعِ حَقِّي، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ لَكَ أَبًا فَلَنْ تُرَاعِيَ حَقِّي اهـ وَمُرَادُهُ أَنَّ الْمُرَاعَاةَ لَازِمَةٌ وَاقِعَةٌ الْبَتَّةَ، فَلَا تَرْدِيدَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَمَّا كَانَتْ مُرَاعَاةُ حَقِّ الْأَبِ أَلْزَمَ مِنْ مَرْعَاةِ الِابْنَ لَمْ يَقُلْ كَمَا يَقُولُ الِابْنُ لِأَبِيهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَظْهَرَ فِي الْمُنَاسَبَةِ وَأَبْيَنَ فِي الْمُشَابَهَةِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ لَكَ أَنَّ تَنْظِيرَ الطِّيبِيُّ أَحْسَنُ وَأَبْلَغُ بِمَا نَظَّرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، ثُمَّ تَبَجَّحَ وَقَالَ فِي تَنْظِيرِهِ: هَذَا أَوْلَى مِمَّا نَظَرَ بِهِ شَارِحٌ كَمَا يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ، فَتَأَمَّلْ (وَإِنَّهَا) ، أَيْ وَقَالَ خَالِدٌ: إِنَّهَا (تَكُونُ) ، أَيْ فِي الْقَبْرِ (كَالطَّيْرِ) ، أَيْ كَمَا إِنَّهَا فِي الْمَوْقِفِ كَذَلِكَ الَّذِي مَرَّ أَوَّلًا، وَلَعَلَّ تَقْدِيمَهُ لِتَعْظِيمِهِ (تَجْعَلُ جَنَاحَهَا عَلَيْهِ) حِمَايَةً لَهُ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: هُنَا لِتَظُنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِأَنَّ مَقَامَهُ فِي الْمَوْقِفِ فِي الْجُمْلَةِ (تَشْفَعُ لَهُ فَتَمْنَعُهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَقَالَ) ، أَيْ خَالِدٌ (فِي تَبَارَكَ) ، أَيْ فِي فَضِيلَةِ سُورَتِهِ (مِثْلَهُ) ، أَيْ مِثْلَ مَا قَالَ فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ (وَكَانَ خَالِدٌ لَا يَبِيتُ) ، أَيْ لَا يَرْقُدُ (حَتَّى يَقْرَأَهُمَا، وَقَالَ طَاوُوسُ) وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ (فُضِّلَتَا) بِالتَّشْدِيدِ، أَيِ السَّجْدَةُ وَالْمُلْكُ (عَلَى كُلِّ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ بِسِتِّينَ حَسَنَةً) وَهُوَ لَا يُنَافِي الْخَبَرَ الصَّحِيحَ أَنَّ الْبَقَرَةَ أَفْضَلُ سُوَرِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ; إِذْ قَدْ يَكُونُ فِي الْمَفْضُولِ مَزِيَّةٌ لَا تُوجَدُ فِي الْفَاضِلِ، أَوْ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ بِزَمَانٍ أَوْ حَالٍ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَرْبَابِ الْكَمَالِ، أَمَا تَرَى أَنَّ قِرَاءَةَ سَبِّحْ وَالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ فِي الْوَتَرِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا، وَكَذَا سُورَةُ السَّجْدَةِ وَالدَّهْرِ بِخُصُوصِ فَجْرِ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا، فَلَا يُحْتَاجُ فِي الْجَوَابِ إِلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّ ذَاكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) ، أَيْ مَوْقُوفًا، وَلَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ الْمُرْسَلِ فَإِنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ.

стр. 3085

٢١٧٧ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَرَأَ " يس " فِي صَدْرِ النَّهَارِ تَمَّتْ حَوَائِجُهُ» " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا. ــ ٢١٧٧ - (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: كَانَ جَعْدَ الشَّعْرِ أَسْوَدَ أَفْطَسَ، أَشَلَّ أَعْوَرَ ثُمَّ عَمِيَ، وَكَانَ مِنْ أَجَلِّ الْفُقَهَاءِ، تَابِعِيٌّ مَكِّيٌّ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: مَاتَ يَوْمَ مَاتَ وَهُوَ أَرْضَى أَهْلِ الْأَرْضِ عِنْدَ النَّاسِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: الْعِلْمُ خَزَائِنٌ يُقَسِّمُهُ اللَّهُ لِمَنْ أَحَبَّ، لَوْ كَانَ يَخُصُّ بِالْعِلْمِ أَحَدًا لَكَانَ بِنَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْلَى، كَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ حَبَشِيًّا (قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ قَرَأَ يس ") بِالسُّكُونِ وَقِيلَ بِالْفَتْحِ (فِي صَدْرِ النَّهَارِ) ، أَيْ أَوَّلَهُ (قُضِيَتْ حَوَائِجُهُ) ، أَيْ دِينِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّةٌ أَوْ آخِرَةٌ أَوْ مُطْلَقًا وَهُوَ الْأَظْهَرُ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا) .

стр. 3086

٢١٧٨ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَرَأَ يس ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ - تَعَالَى - غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، فَاقْرَءُوهَا عِنْدَ مَوْتَاكُمْ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. ــ ٢١٧٨ - (وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ الْمُزَنِيِّ) قَالَ الْمُؤَلِّفَ: هُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، الْمُزَنِيُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ مُزْيَنَةٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَرَأَ يس ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى» ") ، أَيْ طَلَبًا لِرِضَاهُ لَا غَرَضًا سِوَاهُ " غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ "، أَيِ الصَّغَائِرُ وَكَذَا الْكَبَائِرُ إِنْ شَاءَ " فَاقْرَءُوهَا عِنْدَ مَوْتَاكُمْ "، أَيْ مُشْرِفِي الْمَوْتِ أَوْ عِنْدَ قُبُورِ أَمْوَاتِكُمْ، فَإِنَّهُمْ أَحْوَجُ إِلَى الْمَغْفِرَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ إِذَا كَانَتْ قِرَاءَةُ يس بِالْإِخْلَاصِ تَمْحُو الذُّنُوبَ، فَاقْرَءُوهَا عِنْدَ مَنْ شَارَفَ الْمَوْتَ حَتَّى يَسْمَعَهَا وَيُجْرِيَهَا عَلَى قَلْبِهِ فَيُغْفَرُ لَهُ مَا قَدْ سَلَفَ اهـ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَوْتَى الْجَهَلَةُ أَوْ أَهْلُ الْغَفْلَةِ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.

стр. 3087

٢١٧٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامًا، وَإِنَّ سَنَامَ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لُبَابًا، وَإِنَّ لُبَابَ الْقُرْآنِ الْمُفَصَّلِ " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٢١٧٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامًا) بِفَتْحِ السِّينِ، أَيْ رِفْعَةً، مُسْتَعَارٌ مِنْ سَنَامِ الْبَعِيرِ (وَإِنَّ سَنَامَ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) إِمَّا بِطُولِهَا وَاحْتِوَائِهَا عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ، أَوْ لِمَا فِيهَا مِنَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ، وَبِهِ الرِّفْعَةُ الْكَبِيرَةُ (وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ) ، أَيْ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ لُبٌّ (لُبَابًا) بِضَمِّ اللَّامِ، أَيْ خُلَاصَةٌ هِيَ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ (وَإِنَّ لُبَابَ الْقُرْآنِ الْمُفَصَّلِ) لِأَنَّهُ فُصِّلَ فِيهَا مَا أُجْمِلَ فِي غَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْقُرْآنِ فِي الْكُتُبِ السَّالِفَةِ لَهُ مُشَابَهَةٌ مَا، بِخِلَافِ الْمُفَصَّلِ كَمَا أَفَادَهُ حَدِيثُ ( «وَأُوتِيتُ الْمُفَصَّلِ نَافِلَةً» ) ، أَيْ زَائِدَةٌ عَلَى بَقِيَّةِ الْكُتُبِ السَّالِفَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَوَّلَ الْحَدِيثِ اهـ وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ كَوْنِهِ لُبًّا إِلَّا بِمَا قَرَّرْنَاهُ مَعَ زِيَادَةِ وَجْهِ التَّسْمِيَةِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أُولِي الْأَلْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَهُوَ مِنَ الْحُجُرَاتِ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ عَلَى الْأَصَحِّ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) ، أَيْ مَوْقُوفًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِوُضُوحِهِ مَنْ صَدْرِ الْحَدِيثِ.

стр. 3088

٢١٨٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لِكُلِّ شَيْءِ عَرُوسٌ، وَعَرُوسُ الْقُرْآنِ الرَّحْمَنُ» ". ــ ٢١٨٠ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لِكُلِّ شَيْءٍ عَرُوسٌ ") ، أَيْ جَمَالٌ وَقُرْبَةٌ وَبَهَاءٌ وَزِينَةٌ " وَعَرُوسُ الْقُرْآنِ الرَّحْمَنُ " لِاشْتِمَالِهَا عَلَى النَّعْمَاءِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْآلَاءِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَلِاحْتِوَائِهَا عَلَى أَوْصَافِ الْحُورِ الْعِينِ الَّتِي مِنْ عَرَائِسِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَنُعُوتِ حُلِيِّهِنَّ وَحُلَلِهِنَّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَرُوسُ يُطْلَقُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ عِنْدَ دُخُولِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَأَرَادَ الزِّينَةَ فَإِنَّ الْعَرُوسَ تُحَلَّى بِالْحُلِيِّ وَتُزَيَّنُ بِالثِّيَابِ، أَوْ أَرَادَ الزُّلْفَى إِلَى الْمَحْبُوبِ وَالْوُصُولَ إِلَى الْمَطْلُوبِ.

стр. 3089

٢١٨١ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا» " وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَأْمُرُ بَنَاتَهُ يَقْرَأْنَ بِهَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ. رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. ــ ٢١٨١ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا» ") ، أَيْ لَمْ يَضُرُّهُ فَقْرٌ لِمَا يُعْطَى مِنَ الصَّبْرِ الْجَمِيلِ وَالْوَعْدِ الْجَزِيلِ، أَوْ لَمْ يُصِبْهُ فَقْرٌ قَلْبِيٌّ لِمَا يُعْطَى مِنْ سِعَةِ الْقَلْبِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالرَّبِّ وَالتَّوَكُّلِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَتَسْلِيمِ النَّفْسِ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ لِمَا يَسْتَفِيدُ مِنْ آيَاتِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَيَسْتَفِيضُ مِنْ بَيَانِ الْمَعَانِي فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَهَا، كَالْقَوَالِبِ فِي الصُّورَةِ، سِيَّمَا مَا يَتَعَلَّقُ فِيهَا بِخُصُوصِ ذِكْرِ الرِّزْقِ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] وَقَوْلِهِ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] (وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَأْمُرُ بَنَاتَهُ يَقْرَأْنَ بِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ) وَفِي نُسْخَةٍ: فِي كُلِّ لَيْلَةٍ (رَوَاهُمَا) ، أَيِ الْحَدِيثَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 3090

٢١٨٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحِ اسْمِ رَبِّكَ الْأَعْلَى» . رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٢١٨٢ - (وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» ) ، أَيْ مَحَبَّةٌ زَائِدَةٌ وَهِيَ نَظِيرُ مَا وَرَدَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ: هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا، قَالَ الْعَارِفُ الْجَامِعُ فِي شَمْسِ الْوُجُودِ: وَإِلَّا فَمَعْمُورَةُ الدُّنْيَا جَمِيعُهَا أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَجِيئَ فِي نَظَرِ الْحَبِيبِ فَضْلًا أَنْ يَكُونَ مَحْبُوبًا، وَلِذَا قَالَ ﷺ ( «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ لَمَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» ) فَزِيَادَةُ الْمُحِبَّةِ فِي الْفَتْحِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْبِشَارَةِ بِالْفَتْحِ، وَالْإِشَارَةِ بِالْمَغْفِرَةِ، وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى تَيْسِيرِ الْأُمُورِ فِي كُلِّ مَعْسُورٍ، بِقَوْلِهِ " ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: ٨] " وَكَانَ ﷺ يُوَاظِبُ عَلَى قِرَاءَتِهَا فِي أَوَّلِ رَكَعَاتِ الْوَتَرِ وَقِرَاءَةِ الْإِخْلَاصَيْنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَحَبَّتُهُ ﷺ لَهَا لِمَا فِيهَا مِنْ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، فَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: " كَانَتْ أَمْثَالًا كُلَّهَا، أَيُّهَا الْمَلَكُ الْمُسَلَّطُ الْمُبْتَلَى الْمَغْرُورُ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، فَإِنِّي لَا أَرُدُّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ، وَعَلَى الْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، سَاعَةً يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةً يَتَفَكَّرُ فِيهَا فِي صُنْعِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَسَاعَةً يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاعِنًا إِلَّا لِثَلَاثٍ: تُزَوُّدٌ لِمُعَادٍ، أَوْ لِمَرَمَّةِ الْمَعَاشِ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ حَافِظًا لِلِسَانِهِ، وَمَنْ حَسَبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا كَانَ فِي صُحُفِ مُوسَى؟ قَالَ: " كَانَتْ عِبَرًا كُلَّهَا، عَحِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ ثُمَّ هُوَ يَفْرَحُ، عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ ثُمَّ هُوَ يَضْحَكُ، عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ ثُمَّ هُوَ يَنْصَبُ، عَجِبْتُ لِمَنْ رَأَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا ثُمَّ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا، عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ غَدًا ثُمَّ لَا يَعْمَلُ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي، قَالَ: " أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا رَأْسُ الْأَمْرِ كُلِّهِ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: " إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: " عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ وَذُخْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: " عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: " أَحِبَّ الْمَسَاكِينَ وَجَالِسْهُمْ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: " انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ تَحْتَكَ وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرِيَ نِعْمَةَ اللَّهِ عِنْدَكَ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: " لِيَرُدَّكَ عَنِ النَّاسِ مَا تَعْلَمُهُ مِنْ نَفْسِكَ، وَلَا تَجِدُ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَأْتِي، وَكَفَى بِكَ عَيْبًا أَنَّ تَعْرِفَ مِنَ النَّاسِ مَا تَجْهَلُهُ مِنْ نَفْسِكَ، وَتَجِدُّ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَأْتِي "، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِي فَقَالَ: " يَا أَبَا ذَرٍّ لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَلَا وَرَعَ كَالْكَفِّ، وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ» " (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 3091

٢١٨٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: " اقْرَأْ ثَلَاثًا مِنْ ذَوَاتِ الر " فَقَالَ: كَبُرَتْ سِنِّي وَاشْتَدَّ قَلْبِي وَغَلُظَ لِسَانِي، قَالَ: " فَاقْرَأْ ثَلَاثًا مِنْ ذَوَاتِ حم " فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، قَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرِئْنِي سُورَةً جَامِعَةً، فَأَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا زُلْزِلَتْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِ أَبَدًا، ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ ﷺ : " أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ» " مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٢١٨٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (قَالَ أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَقْرِئْنِي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ عَلِّمْنِي (يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: " اقْرَأْ ثَلَاثًا، أَيْ ثَلَاثَ سُوَرٍ - مِنْ ذَوَاتِ الر) وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ ذَوَاتِ الرَّاءِ بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مِنَ السُّوَرِ الَّتِي صُدِّرَتْ بِالر " فَقَالَ: كَبُرَتْ " بِضَمِّ الْبَاءِ وَتُكْسَرُ (سِنِّي) ، أَيْ كَثُرَ عُمْرِي (وَاشْتَدَّ قَلْبِي) ، أَيْ غَلَبَ عَلَيْهِ قِلَّةُ الْحِفْظِ وَكَثْرَةُ النِّسْيَانِ (وَغَلُظَ لِسَانِي) ، أَيْ ثَقُلَ بِحَيْثُ لَمْ يُطَاوِعْنِي فِي تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ لِأَتَعَلَّمَ السُّوَرَ الطِّوَالَ (قَالَ) ، أَيْ فَإِنْ كُنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ قِرَاءَتَهُنَّ (فَاقْرَأْ ثَلَاثًا مِنْ ذَوَاتِ حم " فَإِنَّ أَقْصَرَ ذَوَاتِ حم أَقْصَرُ مِنْ أَقْصَرِ ذَوَاتِ الر (فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ) ، أَيِ الْأُولَى (قَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرِئْنِي سُورَةً جَامِعَةً) ، أَيْ بَيْنَ وَجَازَةِ الْمَبَانِي وَغَزَارَةِ الْمَعَانِي (فَأَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا زُلْزِلَتْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا) ، أَيِ النَّبِيُّ أَوِ الرَّجُلُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ طَلَبَهُ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَلَّاحُ إِذَا عَمِلَ بِهِ، فَلِذَلِكَ قَالَ سُورَةً جَامِعَةً، وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ آيَةٌ زَائِدَةٌ لَا مَزِيدَ عَلَيْهَا ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] إِلَخْ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْجَمْعِ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ «قَالَ ﷺ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ: " لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ» " ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] " " قَالَ الطِّيبِيُّ: وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهَا وَرَدَتْ لِبَيَانِ الِاسْتِقْصَاءِ فِي عَرْضِ الْأَعْمَالِ وَالْجَزَاءِ عَلَيْهَا كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] (فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِ أَبَدًا) ، أَيْ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا أَقْرَأَتَنِيهِ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ وَتَرْكِ الشَّرِّ، وَلَعَلَّ الْقَصْدَ بِالْحَلِفِ تَأْكِيدُ الْعَزْمِ، وَتَأْيِيدُ الْجَزْمِ، لَا سِيَّمَا بِحُضُورِهِ ﷺ الَّذِي بِمَنْزِلَةِ الْمُبَايَعَةِ وَالْعَهْدِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مُرَادَ الرَّجُلِ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ عُمُومُهَا الْجِنْسِيُّ لَا شُمُولُهُمَا الِاسْتِغْرَاقِيُّ، وَأَمَّا تَقْيِيدُ ابْنِ حَجَرٍ الْخَيْرَ بِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ فَقَطْ وَتَرْكِ الشَّرِّ وَهُوَ الْمُحَرَّمَاتُ فَقَطْ ثُمَّ قَوْلُهُ: وَأَمَّا النَّوَافِلُ وَالْمَكْرُوهَاتُ فَقَدْ أَتْرُكُ لِكِبَرِ سِنِّي وَأَفْعَلُ هَذِهِ لِشِدَّةِ قَلْبِي، فَالْقَصْدُ مِنَ الْحَلِفِ إِنَّمَا هُوَ فِعْلُ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكُ الْحَرَامِ لَا غَيْرَ فَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِلْحَدِيثِ عَلَيْهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَسْبِي مَا سَمِعْتُ، وَلَا أُبَالِي أَنْ لَا أَسْمَعَ غَيْرَهَا (ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، أَيْ وَلَّى دُبُرَهُ وَذَهَبَ، فَقَالَ ﷺ : " أَفْلَحَ "، أَيْ فَازَ بِالْمَطْلُوبِ وَظَفِرَ بِالْمَحْبُوبِ " الرُّوَيْجِلُ " قَالَ الطِّيبِيُّ: تَصْغِيرُ تَعْظِيمٍ لِبُعْدِ غَوْرِهِ وَقُوَّةِ إِدْرَاكِهِ، وَهُوَ تَصْغِيرٌ شَاذٌّ إِذْ قِيَاسُهُ رُجَيْلٌ اهـ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَصْغِيرُ رَاجِلٍ بِالْأَلِفِ بِمَعْنَى الْمَاشِي (مَرَّتَيْنِ) إِمَّا لِلتَّأْكِيدِ أَوْ مَرَّةً لِلدُّنْيَا وَمَرَّةً لِلْأُخْرَى، وَقِيلَ: شِدَّةُ إِعْجَابِهِ ﷺ مِنْهُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.

стр. 3092

٢١٨٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ أَلْفَ آيَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ؟ " قَالُوا: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَأَ أَلْفَ آيَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ؟ قَالَ: " أَمَا يَسْتَطِعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ أَلْهَكُمُ التَّكَاثُرُ؟» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. ــ ٢١٨٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ أَلْفَ آيَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ؟ " قَالُوا: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَأَ أَلْفَ آيَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ؟» ) ، أَيْ لَا يَسْتَطِعُ كُلُّ أَحَدٍ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ عَلَى جِهَةِ الْمُوَاظَبَةِ (قَالَ: " «أَمَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ؟» ") ، أَيْ إِلَى آخِرِهَا أَوْ هَذِهِ السُّورَةَ فَإِنَّهَا كَقِرَاءَةِ أَلْفِ آيَةٍ فِي التَّزْهِيدِ عَنِ الدُّنْيَا وَالتَّرْغِيبِ فِي عِلْمِ الْيَقِينِ بِالْعُقْبَى، وَقِيلَ: وَجْهُهُ أَنَّ الْقُرْآنَ سِتَّةُ آلَافٍ وَكَسْرٍ، وَإِذَا تَرَكَ الْكَسْرَ كَانَتِ الْأَلْفُ سُدُسَهُ، وَمَقَاصِدُ الْقُرْآنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ سِتَّةٌ، ثَلَاثَةٌ مُهِمَّةٌ، وَثَلَاثَةٌ مُتِمَّةٌ، وَاحِدُهَا مَعْرِفَةُ الْآخِرَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَيْهَا السُّورَةُ، وَالتَّعْبِيرُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِأَلْفِ آيَةٍ أَفْخَمُ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِسُدُسِ الْقُرْآنِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ عَبَّرَ عَنْهُ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ صَحَّ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 3093

٢١٨٥ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عَشَرَ مَرَّاتٍ بُنِيَ لَهُ بِهَا قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَرَأَ عِشْرِينَ مَرَّةً بُنِيَ لَهُ قَصْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثِينَ مَرَّةً بُنِيَ لَهُ بِهَا ثَلَاثَةُ قُصُورٍ فِي الْجَنَّةِ "، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا لَنُكَثِّرَنَّ قُصُورَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ» " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٢١٨٥ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) هُوَ مِنْ سَادَاتِ التَّابِعِينَ، بَلْ قِيلَ: أَجَلُّهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ (مُرْسَلًا) بِحَذْفِ الصَّحَابِيِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «قَالَ مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ بُنِيَ لَهُ بِهَا قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَرَأَ عِشْرِينَ مَرَّةً بُنِي لَهُ بِهَا قَصْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَرَأَهَا» ") ، أَيِ السُّورَةُ " ثَلَاثِينَ مَرَّةً بُنِيَ لَهُ بِهَا ثَلَاثَةَ قُصُورٍ فِي الْجَنَّةِ " وَلَعَلَّهُ كَرَّرَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ الْحَصْرُ فِي عَدَدِ الْعَشْرِ، وَيُعْلَمَ أَنَّ كُلَّ مَا زَادَ مِنَ الْأَعْدَادِ زِيدَ لَهُ مِنَ الْإِمْدَادِ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا) بِالتَّنْوِينِ جَوَابٌ وَجَزَاءٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعَجُّبِ (لَنُكَثِّرَنَّ قُصُورَنَا) مِنَ الْإِكْثَارِ وَيَجُوزُ التَّشْدِيدُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنَّ جَزَاءَ عَشْرِ مَرَّاتٍ قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ فَإِنَّا نُكَثِّرُ قُصُورَنَا بِكَثْرَةِ قِرَاءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ فَلَا حَدَّ لِلْقُصُورِ حِينَئِذٍ، وَلَا أَوْسَعَ مِنَ الْجَنَّةِ شَيْءٌ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُ أَوْسَعُ ") ، أَيْ أَكْثَرُ عَطَاءً " مِنْ ذَلِكَ " أَوْ قُدْرَتُهُ وَرَحْمَتُهُ أَوْسَعُ فَلَا تَعْجَبْ، وَمِنَ الْعَجِيبِ خَلْطُ ابْنِ حَجْرٍ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَتَلْفِيقِهِمَا حَيْثُ قَالَ: أَيْ قُدْرَتُهُ أَكْثَرُ عَطَاءً (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

стр. 3094

٢١٨٦ - وَعَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ مِائَةَ آيَةٍ لَمْ يُحَاجِّهِ الْقُرْآنُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَمَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ مِائَتَيْ آيَةٍ كُتِبَ لَهُ قُنُوتُ لَيْلَةٍ، وَمَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ خَمْسَمِائَةً إِلَى الْأَلْفِ أَصْبَحَ وَلَهُ قِنْطَارٌ مِنَ الْأَجْرِ " قَالُوا: وَمَا الْقِنْطَارُ؟ قَالَ: " اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا» " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٢١٨٦ - (وَعَنِ الْحَسَنِ) ، أَيِ الْبَصْرِيُّ (مُرْسَلًا) لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ حُذِفَ الصَّحَابِيُّ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ مِائَةَ آيَةٍ لَمْ يُحَاجِّهِ الْقُرْآنُ» ) ، أَيْ لَمْ يُخَاصِمْهُ فِي تَقْصِيرِهِ (تِلْكَ اللَّيْلَةَ) ، أَيْ مِنْ جِهَتِهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ لَمْ يُخَاصِمْهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنْ جِهَةِ التَّقْصِيرِ فِي تَعَهُّدِهِ، لِأَنَّهُ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ فِيهِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الْعَمَلِ بِهِ إِنْ لَمْ يَعْمَلْ لِمَا فِي حَدِيثِ أَنَّهُ يَقُولُ فِي مُخَاصَمَتِهِ لِبَعْضِ حُفَّاظِهِ: نَامَ عَنِّي وَلَمْ يَعْمَلْ بِي، الْمَعْلُومُ مِنْهُ أَنَّهُ يُخَاصِمُ مِنْ جِهَتَيْنِ: التَّقْصِيرُ فِي تَعَهُّدِهِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى نِسْيَانِهِ، وَفِي الْعَمَلِ بِهِ لِأَنَّ فِيهِ اسْتِهْتَارًا بِحَقِّهِ اهـ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْعَمَلِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ كَمَا هُوَ الْأَنْسَبُ الْأَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لَازِمَةٌ لِكُلِّ إِنْسَانٍ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَقْرَأْ خَاصَمَهُ اللَّهُ وَغَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ، فَإِسْنَادُ الْمُحَاجَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ مَجَازٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي جَمِيعِهِ نَظَرٌ أَمَّا قَوْلُهُ لَازِمَةٌ لِكُلِّ إِنْسَانٍ وَوَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حَافِظٍ قَرَأَ مَا ذَكَرَ فَأَفْهَمُ أَنَّ الْمُحَاجَّةَ لِحَافِظٍ لَمْ يَقْرَأْ مَا ذَكَرَ لَا لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ ذَلِكَ أَصْلًا وَلَا لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِالْكُلِّيَّةِ، قُلْتُ: مِنَ الْمَعْلُومِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ الْمَفْهُومِ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ حِفْظُ الْقُرْآنِ مَعَ إِفَادَةِ زِيَادَةِ إِطْلَاقِهِ الْإِشَارَةَ إِلَى وُجُوبِ تَفَقُّدِ الْقُرْآنِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، كَمَا هُوَ مِنَ الْمُقَرَّرِ فِي الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، وَيَجُوزُ حَمْلُ الْمِائَةِ عَلَى تَكْرَارِهَا وَعَدَمِهِ، وَأَيْضًا فِي إِطْلَاقِهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِ الْأَئِمَّةِ: إِنَّ حَفِظَ الْقُرْآنِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، فَيُخَاطَبُ بِهِ كُلُّ الْأُمَّةِ فِي كُلِّ زَمَنٍ، نَعَمْ إِنْ حَفِظَهُ جَمْعٌ مِنْهُمْ يَقُومُ بِهِمُ الْكِفَايَةُ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَإِلَّا أَثِمُوا كُلُّهُمْ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: يُخَاصِمُهُ فَقَدْ مَرَّ رَدُّهُ غَيْرَ مَرَّةٍ بِالْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ أَلْفَاظَ الشَّارِعِ حَيْثُ أَمْكَنَ بَقَاؤُهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا لَمْ تُصْرَفْ عَنْهُ، وَهَذَا يُمْكِنُ بَقَاءُ مُحَاجَّةِ الْقُرْآنِ عَلَى ظَاهِرِهَا بِأَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ صُورَةً نَاطِقَةً، وَفِيهِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ صُورَةً غَيْرَ ظَاهِرَةٍ فِي الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ الْقُرْآنَ فِي الْحَقِيقَةِ إِمَّا الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ، وَإِمَّا الْمَقْرُوءُ عَلَى أَلْسِنَتِنَا، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَمْلُوءَانِ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ، بَلْ هُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْحَقِيقَةِ، كَمَا أَنَّ الْكِنَايَةَ أَبْلَغُ مِنَ الصَّرِيحِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ وَأَصْحَابُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، بَلْ قَالَتِ السَّادَةُ الصُّوفِيَّةُ: إِنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى - ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] نِسْبَةٌ مَجَازِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] هِيَ النِّسْبَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، فَلَا مَعْنَى لِلِاعْتِرَاضِ عَلَى كَلَامِهِ، لَكِنَّ هَذَا عَلَى مَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلَيْلَةٌ ... وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمُسَاوَيَا

стр. 3095

أَيْ تُبْدِي الْمَحَاسِنَ مَسَاوِيًا، وَنَظَرَ إِلَى إِفْرَادِ عَيْنِ الرِّضَا وَجَمْعِ عُيُونِ السُّخْطِ فَإِنَّهُ يَفْتَحُ لَكَ نُكْتَةً لَطِيفَةً وَحِكْمَةً شَرِيفَةً ظَاهِرِيَّةً وَبَاطِنِيَّةً " «وَمَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ مِائَتَيْ آيَةٍ كُتِبَ لَهُ قُنُوتُ لَيْلَةٍ» "، أَيْ طَاعَتُهَا أَوْ قِيَامُهَا " «وَمَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ خَمْسمِائَةً إِلَى الْأَلْفِ أَصْبَحَ وَلَهُ قِنْطَارٌ» "، أَيْ ثَوَابٌ بِعَدَدِهِ أَوْ بِوَزْنِهِ " مِنَ الْأَجْرِ، قَالُوا: وَمَا الْقِنْطَارُ؟ قَالَ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا "، أَيْ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ ﷻ : وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ «الْقِنْطَارَ أَلْفًا وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ، وَالْأُوقِيَّةُ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، أَيْ مِنَ الْأَرْطَالِ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ أَوْ دَلِيلٍ صَرِيحٍ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .

стр. 3096

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ٢١٨٧ - عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهْوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ، وَيَسْكُنُ، وَهُوَ فِي تَوَابِعِ الْفَضَائِلِ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي مُرَاعَاتُهَا مِنَ الْفَوَاضِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ٢١٨٧ - (عَنْ أَبَى مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ» ) ، أَيْ تَفَقَّدُوهُ وَرَاعُوهُ بِالْمُحَافَظَةِ وَدَاوِمُوهُ بِالتِّلَاوَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّعَاهُدُ الْمُحَافَظَةُ وَتَجْدِيدُ الْعَهْدِ، أَيْ وَاظِبُوا عَلَى قِرَاءَتِهِ وَدَاوِمُوا عَلَى تَكْرَارِ دِرَاسَتِهِ لِئَلَّا يُنْسَى (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ) ، أَيِ الْقُرْآنُ (أَشَدُّ تَفَصِّيًا) ، أَيْ فِرَارًا وَذَهَابًا وَتَخَلُّصًا وَخُرُوجًا (مِنَ الْإِبِلِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّفَصِّي التَّخَلُّصُ، يُقَالُ: تُفُصِّيَتِ الدُّيُونُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْهَا (فِي عُقُلِهَا) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالْقَافِ جَمْعُ عِقَالٍ كَكُتُبٍ جَمْعُ كِتَابٍ، وَيَجُوزُ إِسْكَانُ الْقَافِ لُغَةً، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ عَلَى ضَمِّهَا وَهُوَ الْحَبَلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ ذِرَاعُ الْبَعِيرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊: " اعْقِلْ وَتَوَكَّلْ " قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ: عَقَلْتُ الْإِبِلَ إِذَا جَمَعْتَ وَظِيفَهُ إِلَى ذِرَاعِهِ فَتَشُدُّهَا مَعًا فِي وَسَطِ الذِّرَاعِ، وَذَلِكَ الْعَقْلُ هُوَ الْحِبَالُ اهـ وَفِي فِيهِ بِمَعْنَى مِنْ، أَيْ لَهُوَ أَشَدُّ ذَهَابًا مِنَ الْإِبِلِ إِذَا تَخَلَّصَتْ مِنَ الْعِقَالِ فَإِنَّهَا تَنْفَلِتُ حَتَّى لَا تَكَادُ تُلْحَقُ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنَ الْإِبِلِ مِنْ عُقُلِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْبَشَرِ بَلْ هُوَ كَلَامُ خَالِقِ الْقُوَى وَالْقَدَرِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَشَرِ مُنَاسَبَةٌ قَرِيبَةٌ لِأَنَّهُ حَادَثٌ وَهُوَ قَدِيمٌ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ - بِلُطْفِهِ الْعَمِيمِ وَكَرَمِهِ الْقَدِيمِ مَنَّ عَلَيْهِمْ وَمَنَحَهُمْ هَذِهِ النِّعْمَةَ الْعَظِيمَةَ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَاهَدَهُ بِالْحِفْظِ وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ.

стр. 3097

٢١٨٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ نُسِّيَ، وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ: بِعُقُلِهَا. ــ ٢١٨٨ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ) مَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَقَوْلُهُ (أَنْ يَقُولَ) مَخْصُوصٌ بِالذَّمِّ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩٠] أَيْ بِئْسَ شَيْئًا كَائِنًا لِلرَّجُلِ قَوْلُهُ (نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ نُسِّيَ) بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي رِوَايَةٍ: بَلْ هُوَ نُسِّيَ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ حَدِيثٌ مُسْتَقِلٌّ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَهَذَا تَلْقِينٌ وَتَعْلِيمٌ أَنْ يَقُولَ: نُسِّيتُ لَا نَسِيتُ كَمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا بَلْ هُوَ نُسِّيَ» ، قَالَ النَّوَوِيُّ: يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا بَلْ يَقُولُ أُنْسِيتُهَا اهـ وَفِي الْأَوَّلِ إِشْعَارٌ بِعَدَمِ التَّقْصِيرِ وَإِيمَاءٌ إِلَى فِعْلٍ يُخَالِفُ الْقَضَاءَ وَالتَّقْدِيرَ، وَفِي الثَّانِي نِسْبَةُ النِّسْيَانِ بِمَعْنَى التَّرْكِ الَّذِي هُوَ الْعِصْيَانُ إِلَى ذَاتِهِ مَعَ الْإِبْهَامِ إِلَى عَدَمِ مُبَالَاتِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: لَا تَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا لِأَنَّهُ لَمْ

стр. 3098

يَنْسَ، أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلٌ فِي النِّسْيَانِ بِوَجْهٍ مُطْلَقًا اهـ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ بِإِطْلَاقٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ بَلْ نَسِيَ إِشَارَةً إِلَى عَدَمِ تَقْصِيرِهِ فِي الْمُحَافَظَةِ لَكِنَّ اللَّهَ أَنْسَاهُ لِمَصْلَحَةٍ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وَقَوْلُهُ نَسِيتُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَعَاهَدِ الْقُرْآنَ، وَقَالَ شَارِحٌ آخَرُ: يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِزَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ نَسِيَ، أَيْ نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ نَهَاهُمْ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ الضَّيَاعُ عَلَى مُحْكَمِ الْقُرْآنِ، فَأَعْلَمَهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِمَا رَأَى فِيهِ مِنَ الْحِكْمَةِ يَعْنِي نَسْخَ التِّلَاوَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - هُوَ الَّذِي أَنْسَاهَا لَهُ بِسَبَبٍ مِنْهُ تَارَةً بِأَنْ تَرَكَ تَعَهُّدَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ تَرْكَ تَعَهُّدِهِ سَبَبٌ فِي نِسْيَانِهِ عَادَةً لَا بِسَبَبٍ مِنْهُ أُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ شَارِحَيْنِ قَرَّرَا هَذَا بِغَيْرِ مَا ذَكَرْتُهُ، لَكِنْ يَرُدُّهُ قَوْلُ أَئِمَّتِنَا: يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا، وَإِنَّمَا يَقُولُ: أُنْسِيتُهَا أَوْ أُسْقِطْتُهَا لِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﵊ «سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ بِاللَّيْلِ فَقَالَ: " يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أَسْقَطْتُهَا» وَفِي رِوَايَةً صَحِيحَةً: كُنْتُ أُنْسِيتُهَا اهـ وَهُوَ رَدٌّ غَرِيبٌ وَوَجْهٌ عَجِيبٌ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَمَّا الْحَرِيصُ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ الَّذِي يَدْأَبُ فِي تِلَاوَتِهِ لَكِنَّ النِّسْيَانَ يَغْلِبُهُ فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْحُكْمِ، بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقِيلَ: مَعْنَى نَسِيَ عُوقِبَ بِالنِّسْيَانِ عَلَى ذَنْبٍ أَوْ سُوءِ تَعَهُّدٍ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦] وَمِنَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ ( «عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ أَعْظَمَ ذَنْبًا مِنْ رَجُلٍ أُوتِيَ آيَةً فَنَسِيَهَا» ) ثُمَّ النِّسْيَانُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا مَحْمُولٌ عَلَى حَالٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِالنَّظَرِ سَوَاءٌ كَانَ حَافِظًا أَمْ لَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ) أَيِ اسْتَحْضِرُوهُ فِي الْقَلْبِ وَالْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ أَوْ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ أَيِ اطْلُبُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ذِكْرَ الْقُرْآنِ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ " بِئْسَ " مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، أَيْ لَا تُقَصِّرُوا فِي مُعَاهَدَةِ الْقُرْآنِ وَاسْتَذْكِرُوهُ (فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا) ، أَيْ تَشَرُّدًا (مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ) ، أَيِ الْحُفَّاظِ، وَمِنْ مُتَعَلِّقٌ بِتَفَصِّيًا (مِنَ النَّعَمِ) بِفَتْحَتَيْنِ، فِي الْقَامُوسِ: النَّعَمُ وَقَدْ يُكْسَرُ عَيْنُهُ الْإِبِلُ وَالشَّاةُ أَوْ خَاصٌّ بِالْإِبِلِ جَمْعُهُ أَنْعَامٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هِيَ الْمَالُ الرَّاعِيَةُ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْإِبِلِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَشَدَّ، أَيْ أَشَدُّ مِنْ تَفَصِّي النَّعَمِ الْمُعَقَّلَةِ، وَتَخْصِيصُ الرِّجَالِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ حِفْظَ الْقُرْآنِ مِنْ شَأْنِهِمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ: بِعُقُلِهَا) بِضَمَّتَيْنِ.

стр. 3099

٢١٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢١٨٩ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ) ، أَيْ صِفَتُهُ الْغَرِيبَةُ الشَّأْنِ الْعَجِيبَةُ الْبُرْهَانِ (كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ) بِفَتْحِ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيِ الْمَشْدُودَةِ بِالْعِقَالِ (إِنْ عَاهَدَ) ، أَيْ دَوَامَ وَتَفَقَّدْ وَحَافَظَ صَاحِبُهَا (عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا) ، أَيْ بِالْعِقَالِ وَنَحْوِهِ (وَإِنْ أَطْلَقَهَا) ، أَيْ أَرْسَلَهَا وَحَلَّهَا (ذَهَبَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3100

٢١٩٠ - وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢١٩٠ - (وَعَنْ جُنْدُبٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَالدَّالِ وَيُفْتَحُ (ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ» ) ، أَيْ مَا دَامَتْ قُلُوبُكُمْ وَخَوَاطِرُكُمْ مَجْمُوعَةً لِذَوْقِ قِرَاءَتِهِ ذَاتُ نَشَاطٍ وَسُرُورٍ عَلَى تِلَاوَتِهِ (فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ) أَيِ اخْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ وَمَلِلْتُمْ وَتَفَرَّقَتْ خَوَاطِرُكُمْ وَكَسِلْتُمْ (فَقُومُوا عَنْهُ) ، أَيْ فَاتْرُكُوهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَإِنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقْرَأَ بِغَيْرِ حُضُورِ الْقَلْبِ أَوِ الْمُرَادُ اقْرَءُوا مَا دُمْتُمْ مُتَّفِقِينَ عَلَى تَصْحِيحِ قِرَاءَتِهِ وَتَحْقِيقِ أَسْرَارِ مَعَانِيهِ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي ذَلِكَ فَاتْرُكُوهُ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ يُفْضِي إِلَى الْجِدَالِ وَالْجِدَالُ إِلَى الْجُحُودِ وَتَلَبُّسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، أَعَاذَنَا اللَّهُ بِفَضْلِهِ مِنْ ذَلِكَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3101

٢١٩١ - وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «سُئِلَ أَنَسٌ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَتْ مَدًّا. ثُمَّ قَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِبَسْمِ اللَّهِ وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢١٩١ - (وَعَنْ قَتَادَةَ) تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ كَيْفَ كَانَ) وَفِي نُسْخَةٍ: كَانَتْ (قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ ، أَيْ عَلَى التَّرْتِيلِ أَوِ الْحَدْرِ (فَقَالَ) ، أَيْ أَنَسٌ (كَانَتْ) ، أَيْ قِرَاءَتُهُ (مَدًّا) ، أَيْ ذَاتُ مَدٍّ، وَفِي نُسْخَةٍ: مَدَّاءُ بِالْمَدِّ فَعْلَاءُ تَأْنِيثُ أَمَدَّ، أَيْ كَثِيرَةُ الْمَدِّ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَمُدُّ مَا كَانَ فِي كَلَامِهِ مِنْ حُرُوفِ الْمَدِّ وَاللِّينِ بِالْقَدْرِ الْمَعْرُوفِ وَبِالشَّرْطِ الْمَعْلُومِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْوُقُوفِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ ذَاتُ مَدٍّ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: يَمُدُّ مَدًّا، وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ مَدًّا، أَيْ كَانَ يَمُدُّهُ مَدًّا، وَفَى أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: مَدَّاءُ عَلَى وَزْنِ فَعْلَاءُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَوْلٌ عَلَى التَّخْمِينِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: وَفُسِّرَتْ بِأَنَّ قِرَاءَتَهُ كَانَتْ كَثِيرَةَ الْمَدِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: حُرُوفُ الْمَدِّ ثَلَاثَةٌ، فَإِذَا كَانَ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ يُمَدُّ بِقَدْرِ أَلِفٍ، وَقِيلَ بِقَدْرِ أَلِفَيْنِ إِلَى خَمْسِ أَلِفَاتٍ، وَالْمُرَادُ بِقَدْرِ الْأَلِفِ قَدَرُ صَوْتِكَ إِذَا قُلْتَ يَا أَوْتَارُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا تَشْدِيدٌ يُمَدُّ بِقَدْرِ أَرْبَعِ أَلِفَاتٍ اتِّفَاقًا مِثْلُ دَابَّةٍ، وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا يُمَدُّ بِقَدْرِ أَلِفَيْنِ اتِّفَاقًا نَحْوَ صَادٍ وَيَعْمَلُونَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا غَيْرُ هَذِهِ الْحُرُوفِ لَمْ يُمَدُّ إِلَّا بِقَدْرِ خُرُوجِهَا مِنَ الْفَمِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، أَقُولُ: الْمُعْتَمَدُ هُوَ أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ حَرْفُ الْمَدِّ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الْمَدِّ وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ الْمُوجِبَيْنِ لِلزِّيَادَةِ وَهُمَا الْهَمْزُ وَالسُّكُونُ فَلَا بُدَّ مِنَ الْمَدِّ بِقَدْرِ أَلِفٍ اتِّفَاقًا، وَقُدِّرَ بِمِقْدَارِ قَوْلِكَ أَلِفٌ أَوْ كِتَابِكَ أَلِفًا أَوْ عَقْدِ أُصْبُعٍ، وَيُسَمَّى طَبِيعِيًّا وَذَاتِيًّا وَأَصْلِيًّا، وَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنَ الزِّيَادَةِ وَيُسَمَّى فَرَعِيًّا، ثُمَّ إِنْ كَانَ السَّبَبُ هُوَ الْهَمْزُ فَفِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَصْلِ خِلَافٌ كَثِيرٌ بَيْنَ الْقُرَّاءِ فِي مَرَاتِبِ الْمُتَّصِلِ أَوِ الْمُنْفَصِلِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى مُطْلَقِ الْمَدِّ فِي الْمُتَّصِلِ وَخِلَافِ بَعْضِهِمْ فِي الْمُنْفَصِلِ، وَأَقَلُّ الزِّيَادَةِ أَلِفٌ وَنِصْفٌ وَأَكْثَرُهُمْ أَرْبَعٌ، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ هُوَ السُّكُونُ فَإِنْ كَانَ لَازْمِيًّا سَوَاءٌ كَانَ يَكُونُ مُشَدَّدًا أَوْ مُخَفَّفًا نَحْوَ دَابَّةٍ وَصَادٍ فَكُلُّهُمْ يَقْرَءُونَ عَلَى نَهْجٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَلِفَاتٍ، وَإِنْ كَانَ عَارِضِيًّا نَحْوَ يَعْمَلُونَ فَيَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ وَهُوَ قَدْرُ أَلِفٍ وَالتَّوَسُّطُ وَهُوَ أَلِفَانِ وَالْمَدُّ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، وَلِلْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ يَجُرُّ بَسْطُهَا إِلَى مَلَالَةٍ وَتَثْقِيلٍ (ثُمَّ قَرَأَ) ، أَيْ أَنَسٌ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِبَسْمِ اللَّهِ) ، أَيْ فِي أَلِفِ الْجَلَالَةِ مَدًّا أَصْلِيًّا قَدْرَ أَلِفٍ (وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ) ، أَيْ فِي أَلِفِهِ كَذَلِكَ (وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ) ، أَيْ فِي يَائِهِ مَدًّا أَصْلِيًّا أَوْ عَارِضِيًّا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي نَحْوِهِ حَالَةَ الْوَقْفِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الطُّولُ وَالتَّوَسُّطُ وَالْقَصْرُ مَعَ الْإِسْكَانِ، وَوَجْهٌ آخَرُ بِالْقَصْرِ وَالرَّوْمِ، أَيْ هُوَ إِتْيَانُ بَعْضِ الْحَرَكَةِ بِصَوْتٍ خَفِيٍّ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3102

٢١٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢١٩٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ) مَا الْأُولَى نَافِيَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ مَا اسْتَمَعَ لِشَيْءٍ كَاسْتِمَاعِهِ لِصَوْتِ نَبِيٍّ، أَيِ اسْتِمَاعُ مَحَبَّةٍ وَرَحْمَةٍ لِتَنَزُّهِهِ - تَعَالَى - عَنِ السَّمْعِ بِالْحَاسَّةِ (يَتَغَنَّى) ، أَيْ يُحَسِّنُ صَوْتَهُ (بِالْقُرْآنِ) ، أَيْ بِتِلَاوَتِهِ، وَقِيلَ: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ أَوِ الْمَقْرُوءِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْقُرْآنِ مَا يُقْرَأُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْكِيرُ نَبِيٍّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يُقَالُ: أَذِنَ إِذْنًا اسْتَمَعَ، وَالْمُرَادُ هُنَا تَقْرِيبُهُ وَإِجْزَالُ ثَوَابِهِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّغَنِّي تَحْسِينُ الصَّوْتِ تَرْقِيقُهُ وَتَحْزِينُهُ كَمَا قَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ: مَعْنَاهُ الِاسْتِغْنَاءُ بِهِ عَنِ النَّاسِ، وَقِيلَ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْكُتُبِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: يَتَغَنَّى بِهِ يَجْهَرُ بِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، وَالْحَمْلُ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ خَطَأٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ اهـ وَقَدْ أَخْطَأَ فِي التَّخْطِئَةِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ إِذْ فِي النِّهَايَةِ رَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا، أَيِ اسْتِغْنَاءً بِهَا عَنِ الطَّلَبِ مِنَ النَّاسِ، وَمَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ، أَيْ مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: أَرَادَ مَنْ لَمْ يَجْهَرْ بِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَحْسِينُ الْقِرَاءَةِ وَتَرْقِيقُهَا، وَفِي الْقَامُوسِ: تَغَنَّيْتُ اسْتَغْنَيْتُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ لُغَةً، أَيْ لِمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِ بِاللُّغَةِ بَلْ لَهُ لُغَةٌ مَخْصُوصَةٌ اهـ وَهُوَ مِمَّا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، ثُمَّ أَغْرَبَ وَقَالَ: وَلَوْ كَانَ مَعْنًى يَتَغَنَّى يَسْتَغْنِي لَقَالَ يَتَغَانَى، فَزَعَمَ عِيَاضُ أَنَّ يَتَغَنَّى وَيَتَغَانَى بِمَعْنَى يَسْتَغْنِي غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ يَتَغَنَّى مِنْ مَادَّةٍ مُغَايِرَةٍ لِمَادَّةِ يَتَغَانَى صِنَاعَةً وَمَعْنًى اهـ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْمَادَّةِ لُغَةً وَصِنَاعَةً وَلَفْظًا وَمَعْنًى، فَإِنَّ مِنَ الْوَاضِحَاتِ أَنَّ مَادَّةَ يَتَقَطَّعُ وَيَتَقَاطَعُ وَاحِدَةٌ وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا إِنَّمَا هُوَ بِالْبَابِ كَمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أُولِي الْأَلْبَابِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3103

٢١٩٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسِنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢١٩٣ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ) ، أَيْ مَا اسْتَمَعَ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْقَبُولِ (مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسِنِ الصَّوْتِ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ (بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ) ، أَيْ فِي صَلَاتِهِ أَوْ تِلَاوَتِهِ أَوْ حِينَ تَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3104

٢١٩٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢١٩٤ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ مِنَّا) ، أَيْ خُلُقًا وَسِيرَةً أَوْ مُتَّصِلًا بِنَا وَمُتَابِعًا لَنَا فِي طَرِيقَتِنَا الْكَامِلَةِ، وَنَظِيرُ مَنِ الِاتِّصَالِيَّةِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] وَحَدِيثُ " لَسْتُ مِنْ دَدٍّ وَلَا الدَّدُ مِنِّي "، أَيْ لَسْتُ مُتَّصِلًا بِاللَّهْوِ وَلَا اللَّهْوُ مُتَّصِلًا بِي (مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ) ، أَيْ لَمْ يُحَسِّنْ صَوْتَهُ بِهِ أَوْ لَمْ يَجْهَرْ أَوْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَتَرَنَّمْ أَوْ لَمْ يَتَحَزَّنْ أَوْ لَمْ يَطْلُبْ بِهِ غِنَى النَّفْسِ أَوْ لَمْ يَرْجُ بِهِ غِنَى الْيَدِ، فَهَذِهِ سَبْعَةُ مَعَانٍ مَأْخُوذَةٍ مِنْ فَتْحِ الْبَارِي اسْتَخْرَجَهَا عَلَى الْقَارِئِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ لَمْ يَتَغَنَّ هُنَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الِاسْتِغْنَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى التَّغَنِّي لِمَا لَمْ يَكُنْ بَيَانًا لِلسَّابِقِ وَمُبَيِّنًا لِلَاحِقٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَالتُّورِبِشْتِيُّ رَجَّحَ جَانِبَ مَعْنَى الِاسْتِغْنَاءِ وَقَالَ: الْمَعْنَى: لَيْسَ مِنْ أَهْلِ سُنَّتِنَا وَمِمَّنْ تَبِعَنَا فِي أَمْرِنَا وَهُوَ وَعِيدٌ، وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْأُمَّةِ أَنَّ قَارِئَ الْقُرْآنِ مُثَابٌ عَلَى قِرَاءَتِهِ مَأْجُورٌ مِنْ غَيْرِ تَحْسِينِ صَوْتِهِ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْوَعِيدِ وَهُوَ مُثَابٌ مَأْجُورٌ؟ اهـ وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا يُجْدِي نَفْعًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3105

٢١٩٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: " اقْرَأْ عَلَيَّ " قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: " إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي " فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ " ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] " قَالَ: " حَسْبُكَ الْآنَ " فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢١٩٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي) دَلَّ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: اقْرَأْ عَلَيَّ) ، أَيْ حَتَّى أَسْتَمِعَ إِلَيْكَ (قُلْتُ: أَقْرَأُ) ، أَيْ أَأَقْرَأُ (عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ) ، أَيِ الْقُرْآنُ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ يَعْنِي جَرَيَانُ الْحِكْمَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ أَحْلَى، وَكَلَامُ الْمَحْبُوبِ عَلَى لِسَانِ الْحَبِيبِ أَوْلَى، وَهَذَا طَرِيقُ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ، وَالطَّلَبَةُ يَسْتَمِعُونَ مِنْهُمْ وَيَأْخُذُونَ عَنْهُمْ بِالْوَجْهِ الْحَثِيثِ (قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ) ، أَيْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ الَّتِي يَحْصُلُ لِلْعَارِفِ فِيهِ الْكَلَالُ، كَمَا قِيلَ: مَنْ عَرَفَ اللَّهَ كَلَّ لِسَانُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: كَلِّمِينِي يَا حُمَيْرَاءُ، وَلَهُ حَالٌ أُخْرَى يُقَالُ فِيهَا: مَنْ عَرَفَ اللَّهَ طَالَ لِسَانُهُ (أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) جَمْعًا بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ حَتَّى قِيلَ إِنَّ الِاسْتِمَاعَ أَفْضَلُ، وَلَكِنْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلتَّعْلِيمِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَبِهَذَا أَخَذَ الْخَلَفُ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ حَيْثُ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ مِنَ التَّلَامِذَةِ وَالطَّالِبِينِ، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى الضَّبْطِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى فَهْمِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَالْأَوَّلُونَ حَيْثُ كَانُوا فِي مَرْتَبَةِ الْأَعْلَى فَكَانُوا يُدْرِكُونَ بِالسَّمَاعِ الْحَظَّ الْأَوْفَرَ وَالنَّصِيبَ الْأَعْلَى، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: " قَالَ: اقْرَأْ عَلَيَّ وَإِنْ كَانَ أُنْزِلَ عَلَيَّ فَإِنِّي أُحِبُّ " مُوهِمٌ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْفَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ بِلَا فَاءٍ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ (فَقَرَأَتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ " فَكَيْفَ ") ، أَيْ يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ ﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِدٍ﴾ [النساء: ٤١] ، أَيْ أَحْضَرْنَا مِنْهُمْ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ بِمَا فَعَلُوا وَهُوَ نَبِيُّهُمْ ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ٤١] ، أَيْ أُمَّتِكَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيِ الْمُكَذِّبِينَ (شَهِيدًا، قَالَ: حَسْبُكَ) ، أَيْ كَافِيكَ مَا قَرَأَتَهُ (الْآنَ) ، أَيْ لَا تَقْرَأْ شَيْئًا آخَرَ فَإِنِّي مَشْغُولٌ بِالتَّفْكِيرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَجَاءَنِي الْبُكَاءُ وَالْحَالَةُ الْمَانِعَةُ مِنِ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ (فَالْتَفَتُّ) ، أَيْ إِلَيْهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ تَدْمَعَانِ وَتُسِيلَانِ دَمْعًا إِمَّا لِرَحْمَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ، وَإِمَّا خَوْفًا مِنْ ظُهُورِ عَظْمَتِهِ - تَعَالَى - وَجَلَالَتِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَصُعِقَ جَمَاعَاتٌ مِنَ السَّلَفِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ وَمَاتَ جَمَاعَةٌ بِسَبَبِهَا، وَلِمَا حُكِيَ فِي التِّبْيَانِ عَنْ جَمْعٍ إِنْكَارُ الصِّيَاحِ وَالصَّعْقِ قَالَ: الصَّوَابُ عَدَمُ الْإِنْكَارِ إِلَّا عَلَى مَنِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ تَصَنُّعًا، وَقَالَ فِي الْأَذْكَارِ: فَإِنْ عَزَّ عَلَيْهِ الْبُكَاءُ تَبَاكَى لِخَبَرِ أَحْمَدَ وَالْبَيْهَقِيِّ ( «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ وَكَآبَةٍ، فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا، وَتَغَنَّوْا بِهِ فَمَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» ) . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3106

٢١٩٦ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ " قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: " نَعَمْ " قَالَ: وَقَدْ ذُكِرْتُ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: " نَعَمْ " فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " " قَالَ: وَسَمَّانِي؟ قَالَ: " نَعَمْ " فَبَكَى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢١٩٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ» ) ، أَيْ بِالْخُصُوصِ مِنْ بَيْنِ الْأَقْرَانِ (قَالَ: آللَّهُ) بِهَمْزَتَيْنِ الْأُولَى لِلِاسْتِفْهَامِ وَقُلِبَتِ الثَّانِيَةُ أَلِفًا إِبْقَاءً لِلِاسْتِفْهَامِ وَيَجُوزُ تَسْهِيلُهَا وَيَجُوزُ الْحَذْفُ لِلْعِلْمِ بِهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الطِّيبِيِّ: آللَّهُ بِالْمَدِّ بِلَا حَذْفٍ وَبِالْحَذْفِ بِلَا مَدٍّ (سَمَّانِي لَكَ؟) ، أَيْ ذَكَرَنِي بِاسْمِي لَكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمَقْصُودُ التَّعَجُّبُ إِمَّا هَضْمًا، أَيْ أَنَّى لِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ، وَإِمَّا اسْتِلْذَاذًا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَقَدْ ذُكِرْتُ) ، أَيْ أَوَقَعَ ذَلِكَ وَالْحَالُ أَنِّي قَدْ ذُكِرْتُ عَلَى الْخُصُوصِ أَوْ بِهَذَا الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: تَقْرِيرٌ لِلتَّعَجُّبِ (عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟) ، أَيْ مَعَ عَظَمَتِهِ وَحَقَارَتِي، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَعِنْدَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الَّذَّاتِ وَعَظَمَتِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ قُرْبِهِ وَمَزِيدِ رَحْمَتِهِ (قَالَ: نَعَمْ، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ) ، أَيْ جَرَى دَمْعُ عَيْنَيْهِ، أَيْ سُرُورًا وَفَرَحًا بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - إِيَّاهُ فِي أَمْرِ الْقِرَاءَةِ أَوْ خَوْفًا مِنَ الْعَجْزِ عَنْ قِيَامِ شُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، وَوَجْهُ تَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ بَذَلَ جُهْدَهُ فِي حِفْظِ الْقُرْآنِ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ حَتَّى قَالَ ﷺ : " «أَقَرَؤُكُمْ أُبَيُّ» " وَلِمَا قَيَّضَ لَهُ مِنَ الْإِمَامَةِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ لِيَأْخُذَ عَنْهُ ﷺ التِّلَاوَةَ كَمَا أَخَذَهُ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَنْ جِبْرِيلَ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ عَلَى هَذَا النَّمَطِ الْآخَرِ عَنِ الْأَوَّلِ وَالْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ، وَقَدْ أَخَذَ عَنْ أُبَيٍّ بَشَرٌ كَثِيرُونَ مِنَ التَّابِعِينَ، ثُمَّ عَنْهُمْ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَهَكَذَا فَسَرَى فِيهِ سِرُّ تِلْكَ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ حَتَّى سَرَى سِرُّهُ فِي الْأُمَّةِ إِلَى السَّاعَةِ (وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا» ") قِيلَ: لِأَنَّ فِيهِ قِصَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَكَانَ أُبَيٌّ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَأَرَادَ ﷺ أَنْ يُعَلِّمَهُ حَالَهُمْ وَخِطَابَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فَيَتَقَرَّرُ إِيمَانُهُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَنُبُوَّتُهُ ﷺ أَشَدَّ تَقَرُّرًا، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُبَيِّنَةٌ لِلْقُرْآنِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَضِيَّةً أُخْرَى، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ جَمَّةٌ مِنْهَا اسْتِحْبَابُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْحُذَّاقِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْقَارِئُ أَفْضَلَ مِنَ الْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا الْمَنْقَبَةُ الشَّرِيفَةُ لِأُبَيٍّ وَلَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا شَارَكَهُ فِيهَا، وَأَمَّا تَخْصِيصُ قِرَاءَةٍ لَمْ يَكُنْ فَلِأَنَّهَا وَجِيزَةٌ جَامِعَةٌ لِقَوَاعِدَ كَثِيرَةٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَمُهِمَّاتٍ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَتَطْهِيرِ الْقُلُوبِ، وَكَانَ الْوَقْتُ يَقْتَضِي الِاخْتِصَارَ اهـ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ الْقُرْآنَ يُطْلَقُ عَلَى الْكُلِّ وَعَلَى الْبَعْضِ إِذْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ عَلَى أُبَيٍّ جَمِيعَ الْقُرْآنِ (قَالَ: وَسَمَّانِي؟) ، أَيْ لَكَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (قَالَ: نَعَمْ، فَبَكَى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3107

٢١٩٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ» ". ــ ٢١٩٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسَافَرَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ، أَيْ يُسَافِرُ أَحَدٌ (بِالْقُرْآنِ) ، أَيْ بِالصُّحُفِ الَّتِي كُتِبَ عَلَيْهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ الَّذِي نَابَ عَنِ الْفَاعِلِ وَلَيْسَتْ هِيَ كَمَا فِي قَوْلِهِ " لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ " فَإِنَّهَا حَالٌ، أَيْ حَالُ كَوْنِكُمْ مُصَاحِبِينَ لَهُ (إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ) ، أَيْ دَارُ الْحَرْبِ، وَقِيلَ: نَهْيُهُ ﵊ عَنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنَّ جَمِيعَ الْقُرْآنِ كَانَ مَحْفُوظًا عِنْدَ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، فَلَوْ ذَهَبَ بَعْضٌ مِمَّنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ وَمَاتَ لَضَاعَ ذَلِكَ الْقَدْرُ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى هَذِهِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ الْمُصْحَفَ لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِهِ ﷺ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَنَقُولُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْقُرْآنِ بَعْضُ مَا نُسِخَ وَكُتِبَ فِي عَهْدِهِ أَوْ يَكُونُ إِخْبَارًا عَنِ الْغَيْبِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَمْلُ الْمُصْحَفِ إِلَى دَارِ الْكُفْرِ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا إِذَا كَتَبَ كِتَابًا إِلَيْهِمْ فِيهِ آيَةٌ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ ﵊ كَتَبَ إِلَى هِرَقْلَ " ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] " الْآيَةُ تَمَامُهَا " ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] " وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِقُلْ فِي صَدْرِ الْآيَةِ وَلِوُجُوبِ التَّبْلِيغِ عَلَيْهِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: الشَّيْخُ فِي قَوْمِهِ كَالنَّبِيِّ فِي أُمَّتِهِ فَيَكُونُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ أَنْ يُكَاتِبُوهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا مِمَّا

стр. 3108

يَقْتَضِي الْمَقَامُ وَالْحَالُ لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي دَارِ الْمَآلِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ: مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ، وَجَعَلَهُ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ فَإِنِّي لَا آمَنُ» ) ، أَيْ لَيْسَتُ فِي أَمْنٍ (مِنْ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ) ، أَيْ يُصِيبُهُ الْكَافِرُ فَيُحَقِّرُهُ أَوْ يَحْرُقُهُ أَوْ يُلْقِيهِ فِي مَكَانٍ غَيْرِ لَائِقٍ بِهِ أَوْ لَا يَرُدُّوهُ إِلَيْكُمْ فَيَضِيعَ، فَلَا يَصِحُّ مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ فِيهِ أَبْلَغُ رَدٍّ عَلَى مَا زَعَمَهُ شَارِحٌ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ فِي زَمَنِهِ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ مَكْتُوبًا مُفَرَّقًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ، فَلَوْ ضَاعَ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يُعَوَّضْ اهـ وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ مُشْتَرِكَةٌ شَامِلَةٌ لَهُ أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى.

стр. 3109

(الْفَصْلُ الثَّانِي) ٢١٩٨ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «جَلَسْتُ فِي عِصَابَةٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ بَعْضَهُمْ لِيَسْتَتِرُ بِبَعْضٍ مِنَ الْعُرْيِ وَقَارِئٌ يَقْرَأُ عَلَيْنَا إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَكَتَ الْقَارِئُ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: " مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ " قُلْنَا: كُنَّا نَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ " قَالَ: فَجَلَسَ وَسَطَنَا لِيَعْدِلَ بِنَفْسِهِ فِينَا، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَتَحَلَّقُوا، وَبَرَزَتْ وُجُوهُهُمْ لَهُ فَقَالَ: " أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ (الْفَصْلُ الثَّانِي) ٢١٩٨ - (عَنْ أَبَى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَلَسْتُ فِي عِصَابَةٍ) بِالْكَسْرِ، أَيْ جَمَاعَةٌ (مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) يَعْنِي أَصْحَابَ الصُّفَّةِ (وَإِنَّ بَعْضَهُمْ لِيَسْتَتِرُ بِبَعْضٍ مِنَ الْعُرْيِ) ، أَيْ مِنْ أَجْلِهِ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، أَيْ مَنْ كَانَ ثَوْبُهُ أَقَلَّ مِنْ ثَوْبِ صَاحِبِهِ كَانَ يَجْلِسُ خَلْفَ صَاحِبِهِ تَسَتُّرًا بِهِ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ الْعُرْيِ مِمَّاعَدَا الْعَوْرَةَ فَالتَّسَتُّرُ لِمَكَانِ الْمُرُوءَةِ لَا تَسْمَحُ بِانْكِشَافِ مَا لَا يُعْتَادُ كَشْفُهُ (وَقَارِئٌ يَقْرَأُ عَلَيْنَا) حَالٌ أَيْضًا لِنَسْتَمِعْ وَنَتَعَلَّمْ (إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) إِذْ لِلْمُفَاجَأَةِ (فَقَامَ) ، أَيْ وَقَفَ (عَلَيْنَا) ، أَيْ عَلَى رُءُوسِنَا، أَيْ كُنَّا غَافِلِينَ عَنْ مَجِيئِهِ فَنَظَرنَا فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ فَوْقَ رُءُوسِنَا يَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ (فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَكَتَ الْقَارِئُ) ، أَيْ تَأَدُّبًا لِحُضُورِهِ وَانْتِظَارًا لِمَا يَقَعُ مِنْ أُمُورِهِ (فَسَلَّمَ) ، أَيِ الرَّسُولُ (ثُمَّ قَالَ) النَّبِيُّ (مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟) إِنَّمَا سَأَلَهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ لِيُجِيبَهُمْ بِمَا أَجَابَهُمْ مُرَتَّبًا عَلَى حَالِهِمْ وَكَمَالِهِمْ (قُلْنَا: نَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ) ، أَيْ إِلَى قِرَاءَتِهِ أَوْ إِلَى قَارِئِهِ (فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِيَ مَعَهُمْ» ) ، أَيْ جُعِلَ مِنْ جُمْلَةِ زُمْرَةِ الْفُقَرَاءِ الْمُلَازِمِينَ لِكِتَابِ اللَّهِ الْمُخْلِصِينَ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللَّهِ مُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ بِحَيْثُ أَمَرَنِي بِالصَّبْرِ مَعَهُمْ فِي قَوْلِهِ ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] شُكْرًا لِصَنِيعِهِمْ وَرَدًّا عَلَى الْكُفَّارِ حَيْثُ قَالُوا: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءِ عَنْكَ حَتَّى نُجَالِسَكَ وَنُؤْمِنَ بِكَ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَمِلْتُ إِلَى مَا قَالُوا مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ هَذَا إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ ﷺ بَلْ لَوْ وَرَدَ لَكُنَّا نَحْمِلُ عَلَى أَنِّي قَارَبْتُ أَنْ أَمِيلَ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ قَوْلُهُ " وَاصْبِرْ " لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الدَّوَامُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ كَمَالِ الصَّبْرِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] (قَالَ) ، أَيِ الرِّوَايَ (فَجَلَسَ) ، أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (وَسْطَنَا) بِسُكُونِ السِّينِ وَقَدْ يُفْتَحُ، أَيْ بَيْنَنَا لَا بِجَنْبِ أَحَدٍ مِنَّا (لِيَعْدِلَ بِنَفْسَهُ فِينَا) ، أَيْ يَكُونُ عَادِلًا بِإِجْلَاسِ نَفْسِهِ الْأَنْفُسَ فِينَا عَلَى وَجْهِ التَّسْوِيَةِ بِالْقُرْبِ إِلَى كُلٍّ مِنَّا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لِيَجْعَلَ نَفْسَهُ عَدِيلًا، وَزَادَ بَعْضُهُمْ: بِجُلُوسِهِ فِينَا تَوَاضُعًا وَرَغْبَةً فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (ثُمَّ قَالَ) ، أَيْ أَشَارَ (بِيَدِهِ هَكَذَا) أَيِ اجْلِسُوا حِلَقًا (فَتَحَلَّقُوا) ، أَيْ قُبَالَةَ وَجْهِهِ ﵊ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَبَرَزَتْ) ، أَيْ ظَهَرَتْ (وُجُوهُهُمْ) لَهُ بِحَيْثُ يَرَى ﵊ وَجْهَ أَحَدٍ مِنْهُمُ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] أَيْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مُمِيلًا لِسَاعِدِهَا وَكُوعِهَا حَتَّى تَصِيرَ مُعْوَجَّةً عَلَى هَيْئَةِ الْحَلْقَةِ اهـ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى دَلِيلٍ مَعَ أَنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ (فَقَالَ: أَبْشِرُوا) أَيِ افْرَحُوا (يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ) ، أَيْ جَمَاعَةُ الْفُقَرَاءِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ جَمْعِ صُعْلُوكٍ (بِالنُّورِ التَّامِّ) ، أَيِ الْكَامِلِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ نُورَ الْأَغْنِيَاءِ لَا يَكُونُ

стр. 3110

تَامًّا، وَلِذَا قَالَ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، وَمَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، فَآثَرَ مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى» . (تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ (قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ) ، أَيِ: الشَّاكِرِينَ (بِنِصْفِ يَوْمٍ) وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفُقَرَاءِ هُمُ الصَّالِحُونَ الصَّابِرُونَ، وَبِالْأَغْنِيَاءِ الصَّالِحُونَ الشَّاكِرُونَ الْمُؤَدُّونَ حُقُوقَ أَمْوَالِهِمْ بَعْدَ تَحْصِيلِهَا مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَتَوَقَّفُونَ فِي الْعَرَصَاتِ لِلْحِسَابِ مِنْ أَيْنَ حَصَّلُوا الْمَالَ؟ وَفَى أَيْنَ صَرَفُوهُ فِي الْمَآلِ؟ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَظَّ الْفُقَرَاءِ فِي الْقِيَامَةِ أَكْثَرُ مِنْ حَظِّ الْأَغْنِيَاءِ ; لِأَنَّهُمْ وَجَدُوا لَذَّةً وَرَاحَةً فِي الدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ حَالُهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَعْلَى وَأَغْلَى لِقَوْلِهِ ﵊: ( «أَجْوَعُكُمْ فِي الدُّنْيَا أَشْبَعُكُمْ فِي الْآخِرَةِ» ) وَهَذَا الْحَدِيثُ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ (وَذَلِكَ) ، أَيْ: نِصْفُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] وَلَعَلَّ هَذَا الْمِقْدَارَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُخَفَّفُ عَلَى بَعْضِهِمْ إِلَى أَنْ يَصِيرَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْخَوَاصِّ كَوَقْتِ صَلَاةٍ أَوْ مِقْدَارِ سَاعَةٍ، وَوَرَدَ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَلَى بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ كَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَأَفَادَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] أَنَّ غَايَةَ مَا يَطُولُ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى الزَّوَالِ وَهُوَ نِصْفُ يَوْمٍ مِنْ أَيْامِ الْآخِرَةِ الْمُعَادِلِ لِأَلْفِ سَنَةٍ، الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فَمَخْصُوصٌ بِالْكَافِرِينَ، فَهُوَ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 3111

٢١٩٩ - وَعَنِ الْبَرَاءَ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٢١٩٩ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (زَيِّنُوا الْقُرْآنَ) ، أَيْ: قِرَاءَتَهُ (بِأَصْوَاتِكُمْ) ، أَيِ: الْحَسَنَةُ أَوْ أَظْهِرُوا زِينَةَ الْقُرْآنِ بِحُسْنِ أَصْوَاتِكُمْ، قَالَ الْقَاضِي: قِيلَ مِنَ الْقَلْبِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ رُوِىَ عَنِ الْبَرَاءَ أَيْضًا عَكْسُهُ، وَقِيلَ الْمُرَادُ تُزَيُّنُهُ بِالتَّرْتِيلِ وَالتَّجْوِيدِ وَتَلْيِينِ الصَّوْتِ وَتَحْزِينِهِ، وَأَمَّا التَّغَنِّي بِحَيْثُ يُخِلُّ بِالْحُرُوفِ زِيَادَةً وَنُقْصَانًا فَهُوَ حَرَامٌ يَفْسُقُ بِهِ الْقَارِئُ وَيَأْثَمُ بِهِ الْمُسْتَمِعُ وَيَجِبُ إِنْكَارُهُ فَإِنَّهُ مِنْ أَسْوَأِ الْبِدَعِ وَأَفْحَشِ الْإِبْدَاعِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) . وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَزَادَ فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يُزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ (حُسْنُ الصَّوْتِ زِينَةُ الْقُرْآنِ) وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ( «لِكُلِّ شَيْءٍ حِلْيَةٌ وَحِلْيَةُ الْقُرْآنِ الصَّوْتُ الْحَسَنُ» ) يَعْنِي كَمَا أَنَّ الْحُلَلَ وَالْحُلِيَّ يُزِيدُ الْحَسْنَاءَ حُسْنًا وَهُوَ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ الْعَكْسِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْقَلْبِ لَا الْعَكْسِ فَتَدَبَّرْ. وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ وَقَدْ ذَكَرَ سَيِّدُنَا وَسَنَدُنَا وَمَوْلَانَا الْقُطْبُ الرَّبَّانِيُّ، وَالْغَوْثُ الصَّمَدَانِيُّ الشَّيْخُ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيِّ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - وَرَزَقَنَا فُتُوحَهُ فِي كِتَابِهِ الْغَنِيَّةُ الَّذِي لِلسَّالِكِينَ فِيهِ الْمُنْيَةُ، أَنَّهُ رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: مَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَوْضِعٍ مِنْ نَوَاحِي الْكُوفَةِ وَإِذَا الْفُسَّاقُ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي دَارِ رَجُلٍ مِنْهُمْ، وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَمَعَهُمْ مُغَنٍّ يُقَالُ لَهُ زَاذَانُ، كَانَ يَضْرِبُ بِالْعُودِ وَيُغَنِّي بِصَوْتٍ حَسَنٍ فَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الصَّوْتَ لَوْ كَانَ بِقِرَاءَةِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ أَحْسَنَ، وَجَعَلَ رِدَاءَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَمَضَى فَسَمِعَ ذَلِكَ الصَّوْتَ زَاذَانُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا قَالُوا: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَايِشُ: قَالَ، قَالُوا: قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الصَّوْتَ لَوْ كَانَ بِقِرَاءَةِ كِتَابِ اللَّهِ كَانَ أَحْسَنُ، فَدَخَلَتِ الْهَيْبَةُ فِي قَلْبِهِ فَقَامَ وَضَرَبَ بِالْعُودِ فَكَسَرَهُ ثُمَّ أَدْرَكَهُ، وَجَعَلَ الْمَنْدِيلَ عَلَى عُنُقِ نَفْسِهِ، وَجَعَلَ يَبْكِي بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ اللَّهِ، فَاعْتَنَقَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَجَعَلَ يَبْكِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَيْفَ لَا أُحِبُّ مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ؟ فَتَابَ مَنْ ضَرْبِهِ بِالْعُودِ، وَجَعَلَ مُلَازِمًا عَبْدَ اللَّهِ حَتَّى تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، وَأَخَذَ الْحَظَّ الْوَافِرَ مِنَ الْعِلْمِ، حَتَّى صَارَ إِمَامًا فِي الْعِلْمِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ «قَالَ لِأَبِي مُوسَى (لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» ) وَأَنَّهُ قَالَ: (لَقَدْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ) وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ «لَلَّهُ أَشَدُّ أُذْنًا، أَيْ إِقْبَالًا إِلَى الرَّجُلِ الْحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ مِنْ أَصْحَابِ الْقَيْنَةِ إِلَى قَيْنَتِهِمْ» ) وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ ( «أَحْسَنُ النَّاسِ قِرَاءَةً مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يَتَحَزَّنُ فِيهِ» ) وَأَبُو يَعْلَى ( «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِالْحُزْنِ فَإِنَّهُ نَزَلَ بِالْحُزْنِ» ) وَهُوَ مَا يُنَافِي خَبَرَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: (نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالتَّفْخِيمِ) فَإِنَّ مَعْنَاهُ التَّعْظِيمُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجْرٍ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ الرِّجَالِ وَلَا يُخْضِعُ الصَّوْتَ فَيَكُونَ مِثْلَ كَلَامِ النِّسَاءِ فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مِنَ الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3112

٢٢٠٠ - وَعَنْ سَعْدِ ابْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَا مِنِ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْسَاهُ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٢٢٠٠ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مَا مِنَ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْسَاهُ "، أَيْ بِالنَّظَرِ عِنْدَنَا، وَبِالْغَيْبِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، أَوِ الْمَعْنَى ثُمَّ يَتْرُكُ قِرَاءَتَهُ نَسِي أَوْ مَا نَسيَ (إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ) ، أَيْ: سَاقِطُ الْأَسْنَانِ، أَوْ عَلَى هَيْئَةِ الْمَجْذُومِ، أَوْ لَيْسَتْ لَهُ يَدٌ، أَوْ لَا يَجِدُ شَيْئًا يَتَمَسَّكُ بِهِ فِي عُذْرِ النِّسْيَانِ، أَوْ يُنَكِّسُ رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ حَيَاءً وَخَجَالَةً مِنْ نِسْيَانِ كَلَامِهِ الْكَرِيمِ وَكِتَابِهِ الْعَظِيمِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: مَقْطُوعُ الْيَدِ مِنَ الْجَذْمِ وَهُوَ الْقَطْعُ: وَقِيلَ: مَقْطُوعُ الْأَعْضَاءِ، يُقَالُ: رَجُلٌ أَجْذَمُ إِذَا تَسَاقَطَتْ أَعْضَاؤُهُ مِنَ الْجُذَامِ، وَقِيلَ: أَجْذَمُ الْحُجَّةِ، أَيْ: لَا حُجَّةَ لَهُ وَلَا لِسَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَقِيلَ: خَالِيَ الْيَدِ عَنِ الْخَيْرِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: ( «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا» ) .

стр. 3113

٢٢٠١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٢٢٠١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَمْ يَفْقَهْ) ، أَيْ: لَمْ يَفْهَمْ فَهْمًا تَامًّا (مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ) ، أَيْ: خَتَمَهُ (فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ) ، أَيْ لَيَالٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مِنَ الْأَيْامِ وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّدَبُّرِ لَهُ وَالتَّفَكُّرِ فِيهِ بِسَبَبِ الْعَجَلَةِ وَالْمَلَالَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَمْ يَفْهَمْ ظَاهِرَ مَعَانِي الْقُرْآنِ، وَأَمَّا فَهْمُ دَقَائِقِهِ فَلَا تَفِي الْأَعْمَارُ بِأَسْرَارِ أَقَلِّ أَيْةٍ بَلْ كَلِمَةٍ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْفَهْمِ لَا نَفْيَ الثَّوَابِ، ثُمَّ يَتَفَاوَتُ الْفَهْمُ بِحَسَبِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَفْهَامِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَمَّا الثَّوَابُ عَلَى قِرَاءَتِهِ فَهُوَ حَاصِلٌ لِمَنْ فَهِمَ وَلِمَنْ لَمْ يَفْهَمْ بِالْكُلِّيَّةِ لِلتَّعَبُّدِ بِلَفْظِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَذْكَارِ فَإِنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ فَهِمَ وَلَوْ بِوَجْهٍ مَا، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ نَفْيَ الثَّوَابِ يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ مِنْ حَدِيثٍ، أَوْ كِتَابٍ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي أَصْلِ الثَّوَابِ وَإِنْ كَانَ يَتَفَاوُتٌ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ وَبَيْنَ مَنْ فَهِمَ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الصُّلَحَاءِ مِنْ جَعْلِ الْأَدْعِيَةِ وَالْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ وَغَيْرِهَا أَوْرَادًا وَيُوَاظِبُونَ عَلَيْهَا، وَمَا حَسَّنَ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ، ثُمَّ جَرَى عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ فَكَانُوا يَخْتِمُونَ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثٍ دَائِمًا وَكَرِهُوا الْخَتْمَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ آخَرُونَ نَظَرًا إِلَى أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، فَخَتَمَهُ جَمَاعَةٌ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مُرَّةً وَآخَرُونَ مَرَّتَيْنِ، وَآخَرُونَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَخَتَمَهُ فِي رَكْعَةٍ مَنْ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً وَزَادَ آخَرُونَ عَلَى الثَّلَاثِ، وَخَتَمَهُ جَمَاعَةٌ مَرَّةً فِي كُلِّ شَهْرَيْنِ، وَآخَرُونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ، وَآخَرُونَ فِي كُلِّ عَشْرٍ، وَآخَرُونَ فِي كُلِّ سَبْعٍ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُهُمْ، وَرَوَى الشَّيْخَانِ: «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: (اقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ» ) وَيُسَمَّى خَتْمُ الْأَحْزَابِ، وَتَرْتِيبُهُ الْأَصَحُّ ; بَلِ الْوَارِدُ فِي الْأَثَرِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلٍ مَنْسُوبٍ إِلَى عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - (فَمِي بِشَوْقٍ) أَشَارَ بِالْفَاءِ إِلَى الْفَاتِحَةِ الْمَفْتُوحَةِ بِهَا الْجُمُعَةُ، وَإِلَى مِيمِ الْمَائِدَةِ، ثُمَّ إِلَى يَاءِ يُونُسَ، ثُمَّ إِلَى بَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ إِلَى شِينِ الشُّعَرَاءِ، ثُمَّ إِلَى ق، ثُمَّ إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ ; فَمَنْ كَانَ يَظْهَرُ لَهُ بِدَقِيقِ الْفِكْرِ اللَّطَائِفُ وَالْمَعَارِفُ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى قَدْرٍ يُحَصِّلُ كَمَالَ فَهْمِ مَا يَقْرَؤُهُ، وَمَنِ اشْتَغَلَ بِنَشْرِ الْعِلْمِ، أَوْ فَصْلِ الْخُصُومَاتِ مِنْ مُهِمَّاتِ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى قَدْرٍ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ فَلْيَسْتَكْثِرْ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ إِلَى حَدِّ الْمَلَالَةِ، أَوِ الْهَذْرَمَةِ وَهِيَ سُرْعَةُ الْقِرَاءَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: كَانَ السَّيِّدُ الْجَلِيلُ ابْنُ كَاتِبٍ الصُّوفِيُّ يَخْتِمُ بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا وَاللَّيْلِ أَرْبَعًا، أَقُولُ: يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَبَادِي طَيِّ اللِّسَانِ وَبَسْطِ الزَّمَانِ، وَقَدْ رُوِىَ عَنِ الشَّيْخِ مُوسَى السَّدْرَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّيْخِ أَبِي مَدْيَنَ الْمَغْرِبِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سَبْعِينَ أَلْفَ خَتْمَةً، وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ ابْتَدَأَ بَعْدَ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ وَخَتَمَ فِي مُحَاذَاةِ الْبَابِ بِحَيْثُ سَمِعَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ حَرْفًا حَرْفًا، وَبَسْطُ هَذَا الْمَبْحَثِ فِي كِتَابِ نَفَحَاتِ الْأُنْسِ فِي حَضَرَاتِ الْقُدْسِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 3114

٢٢٠٢ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ٢٢٠٢ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (الْجَاهِرُ) : أَيِ الْمُعْلِنُ (بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ وَالْمُسِرِّ) :، أَيِ الْمَخْفِيِّ (بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: جَاءَ آثَارٌ بِفَضِيلَةِ الْجَهْرِ بِالْقُرْآنِ وَآثَارٌ بِفَضِيلَةِ الْإِسْرَارِ بِهِ وَالْجَمْعُ بِأَنْ يُقَالَ الْإِسْرَارُ أَفْضَلُ لِمَنْ يَخَافُ الرِّيَاءَ وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ لِمَنْ لَا يَخَافُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ غَيْرَهُ مِنْ مُصَلٍ، أَوْ نَائِمٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْجَهْرِ يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إِلَى غَيْرِهِ، أَيْ: مِنِ اسْتِمَاعٍ، أَوْ تَعَلُّمٍ، أَوْ ذَوْقٍ، أَوْ كَوْنِهِ شِعَارًا لِلدِّينِ، وَلِأَنَّهُ يُوقِظُ قَلْبَ الْقَارِئِ، وَيَجْمَعُ هَمَّهُ، وَيَطْرُدُ النَّوْمَ عَنْهُ، وَيَنْشَطُ غَيْرُهُ لِلْعِبَادَةِ، فَمَنْ حَضَرَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ النِّيَّاتِ فَالْجَهْرُ أَفْضَلُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ) .

стр. 3115

٢٢٠٣ - وَعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقُوَيِّ. ــ ٢٢٠٣ - (وَعَنْ صُهَيْبَ) بِالتَّصْغِيرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ) ، أَيْ: بِحُكْمِهِ أَوْ فِي الْحَقِيقَةِ (مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ) جَمْعُ مَحْرَمٍ، بِمَعْنَى: الْحَرَامُ الَّذِي هُوَ الْمُحَرَّمُ، وَالضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ فَرْدًا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَنِ اسْتَحَلَّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فَقَدْ كَفَرَ مُطْلَقًا وَخُصَّ الْقُرْآنُ لِجَلَالَتِهِ، قُلْتُ: أَوْ لِكَوْنِهِ قَطْعِيًّا، أَوْ لِأَنَّ غَيْرَهُ بِهِ يَعْرِفُ دَلِيلًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ) .

стр. 3116

٢٢٠٤ - وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مَلْكِيَّةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُمَلَّكٍ أَنَّهُ «سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٢٢٠٤ - (وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَاللَّامِ (أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا هِيَ) أُمُّ سَلَمَةَ (تَنْعَتُ) ، أَيْ: تَصِفُ (قِرَاءَةً مُفَسِّرَةً) ، أَيْ: مُبَيِّنَةً (حَرْفًا حَرْفًا) ، أَيْ: كَانَ يَقْرَأُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ عَدُّ حُرُوفِ مَا يَقْرَأُ، وَالْمُرَادُ حُسْنُ التَّرْتِيلِ وَالتِّلَاوَةِ عَلَى نَعْتِ التَّجْوِيدِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنْ تَقُولَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ، وَالثَّانِي أَنْ تَقْرَأَ مُرَتِّلَةً كَقِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَأَنْ أَقْرَأَ سُورَةً أُرَتِّلُهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ بِغَيْرِ تَرْتِيلٍ، وَرَوَى أَبُو يَعْلَى: ( «فِي أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ نَثْرَ الدَّقَلِ» ) قَالَ الْجَزَرِيُّ: فِي النَّشْرِ وَأَحْسَنَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا فَقَالَ: ثَوَابُ قِرَاءَةِ التَّرْتِيلِ أَجَّلُ قَدْرًا، وَثَوَابُ الْكَثْرَةِ أَكْثَرُ عَدَدًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ اعْتِبَارَ الْكَيْفِيَّةِ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ الْكَمِّيَّةِ؛ إِذْ جَوْهَرَةٌ وَاحِدَةٌ تَعْدِلُ الْوَفَاءَ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 3117

٢٢٠٥ - وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ يَقِفُ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ لِأَنَّ اللَّيْثَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَحَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ. ــ ٢٢٠٥ - (وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) بِجِيمَيْنِ مُصَغَّرًا (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ مِنَ التَّقْطِيعِ) ، أَيْ: يَقْرَأُ بِالْوَقْفِ عَلَى رُؤُوسِ الْآيَاتِ (يَقُولُ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ يُقَطِّعُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا، أَوِ اسْتِئْنَافًا، أَوْ حَالًا (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ يَقِفُ) قِيلَ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَيْسَتْ بِسَدِيدَةٍ، بَلْ هَذِهِ لَهْجَةٌ لَا يَرْتَضِيهَا أَهْلُ الْبَلَاغَةِ، وَالْوَقْفُ التَّامُّ عِنْدَ مَالِكٍ يَوْمِ الدِّينِ، وَلِهَذَا اسْتُدْرِكَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَحَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِيهِ أَنَّ الْوَقْفَ الْمُسْتَحْسَنَ عَلَى أَنْوَاعٍ ثَلَاثَةٍ: الْحَسَنُ، وَالْكَافِي، وَالتَّامُّ، فَيَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ عِنْدَ الْقُرَّاءِ الْعِظَامِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا الْجَزَرِيُّ بِقَوْلِهِ.

стр. 3118

وَهِيَ لَمَّا تَمَّ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ تَعَلُّقٌ أَوْ كَانَ مَعْنًى فَابْتَدِ فَالتَّامُّ فَالْكَافِي وَلَفَظًا فَامْنَعْنَ إِلَّا رُءُوسَ الْآيِ جُوِّزَفَالْحَسَنُ وَشَرْحُهُ يَطُولُ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَرْبَابُ الْوُقُوفِ فِي الْوَقْفِ عَلَى رَأْسِ الْآيَةِ إِذَا كَانَ هُنَاكَ تَعَلُّقٌ لَفْظِيٌّ كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ: بِأَنَّ وَقْفَهُ كَانَ لِيُبَيِنَ لِلسَّامِعِينَ رُءُوسَ الْآيِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْوَصْلَ أَوْلَى فِيهَا، وَالْجَزَرِيُّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا بِالِانْفِصَالِ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَلِهَذَا قَالَ حَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ إِذْ لَا دَخْلَ لِلْمَبْحَثِ بِأَنْ يَكُونَ بَعْضُ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَصَحَّ مِنْ بَعْضٍ مَعَ أَنَّ كَوْنَ الْحَدِيثِ أَصَحُّ بِالِاتِّصَالِ يَقْوَى الْحُكْمُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ بِالِانْفِصَالِ فَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ) لِأَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ لَمْ يَرَ أُمَّ سَلَمَةَ فَيَكُونُ حَدِيثُهُ مُنْقَطِعًا لِتَرْكِ الْوَاسِطَةِ (لِأَنَّ اللَّيْثَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَعْلَى ابْنِ مَمْلَكٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَحَدِيثُ اللَّيْثِ) ، أَيْ: إِسْنَادُهُ، لِكَوْنِهِ مُتَّصِلًا بِذِكْرِ ابْنِ مَمْلَكٍ (أَصَحُّ) ، أَيْ: مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ لِكَوْنِهِ مُنْقَطِعًا، قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: هُوَ لَيْثُ ابْنُ سَعْدٍ فَقِيهُ أَهْلِ مِصْرَ رُوِىَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَحَدَّثَ عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَدِمَ بَغْدَادَ وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ وِلَايَةَ مِصْرَ فَأَبَى وَاسْتَعْفَاهُ، وَقَالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: كَانَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَسْتَغِلُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، وَيَعْلَى بْنُ مَمْلَكٍ تَابِعِيٌّ، وَرَوَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَنْهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، هَذَا وَقَدْ تَبِعَ ابْنُ الْمَلَكِ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ: حَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ، أَيِ: الرِّوَايَةُ الْأُولَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَصَحُّ مِنَ الثَّانِيَةِ ; لِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ بِسَدِيدَةٍ سَنَدًا وَلَا مُرْضِيَةٍ لَهْجَةً ; لِأَنَّ فِيهَا فَصْلًا بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْوَقْفَ يُسَمَّى حَسَنًا، فَقَوْلُهُ غَيْرُ مُرْضِيَةٍ لَهْجَةً يَكُونُ قَبِيحًا، ثُمَّ لَيْسَ هُنَا رِوَايَتَانِ بَلْ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ مُسْنَدَةٌ بِسَنَدَيْنِ أَحَدُهُمَا مُنْقَطِعٌ وَالْآخَرُ مُتَّصِلٌ وَالثَّانِي أَصَحُّ وَيُقَابَلُ الْأَصَحُّ بِالصَّحِيحِ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ اتِّفَاقًا، فَقَوْلُهُ لَيْسَتْ بِسَدِيدَةٍ لَيْسَ بِسَدِيدٍ عَلَى الصَّوَابِ، وَالذُّهُولُ عَنِ اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْقُرَّاءِ أَوْقَعَهُمَا فِي خَطَأِ الْجَوَابِ، وَخَبْطِ الْعُجَابِ لَا يُقَالُ مُرَادُهُ بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّا نَقُولُ يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ احْتِرَازًا عَنِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ.

стр. 3119

(الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ٢٢٠٦ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ( «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَفِينَا الْأَعْرَابِيُّ وَالْأَعْجَمِيُّ. فَقَالَ اقْرَءُوا فَكُلٌّ حَسَنٌ، وَسَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ يَتَعَجَّلُونَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. ــ (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ٢٢٠٦ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَفِينَا) ، أَيْ: مَعْشَرُ الْقُرَّاءِ (الْأَعْرَابِيُّ) ، أَيِ: الْبَدَوِيُّ (وَالْعَجَمِيُّ) وَفِي نُسْخَةٍ وَالْأَعْجَمِيُّ، أَيْ: غَيْرُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْفَارِسِيِّ، وَالرُّومِيِّ، وَالْحَبَشِيِّ كَسُلَيْمَانَ وَصُهَيْبَ وَبِلَالٍ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: وَفِينَا إِلَخْ يَحْتَمِلُ احْتِمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ كُلَّهُمْ مُنْحَصِرُونَ فِي هَذَيْنِ النِّصْفَيْنِ، وَثَانِيهُمَا أَنَّ فِينَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ فِيمَا بَيْنَنَا تَانِكَ الطَّائِفَتَانِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ ﵊ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَعْرَابِيِّ وَالْعَرَبِيِّ بِمِثْلِ مَا فِي خُطْبَتِهِ كُلُّ مُهَاجِرٍ لَيْسَ بِأَعْرَابِيٍّ حَيْثُ جَعَلَ الْمُهَاجِرَ ضِدَّ الْأَعْرَابِيِّ، وَالْأَعْرَابُ سَاكِنُو الْبَادِيَةِ مِنَ الْعَرَبِ الَّذِينَ لَا يُقِيمُونَ فِي الْأَمْصَارِ وَلَا يَدْخُلُونَهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ، وَالْعَرَبُ اسْمٌ لِهَذَا الْجِيلِ الْمَعْرُوفِ مِنَ النَّاسِ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ سَوَاءٌ أَقَامَ بِالْبَادِيَةِ أَوِ الْمُدُنِ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَرَبَ أَعَمُّ مِنَ الْأَعْرَابِ وَهُمْ أَخَصُّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] .

стр. 3120

(فَقَالَ اقْرَءُوا) ، أَيْ: كُلُّكُمْ (فَكُلٌّ حَسَنٌ) ، أَيْ: فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ قِرَاءَتِكُمْ حَسَنَةٌ مَرْجُوَّةٌ لِلثَّوَابِ إِذَا آثَرْتُمُ الْآجِلَةَ عَلَى الْعَاجِلَةِ، وَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تُقِيمُوا أَلْسِنَتَكُمْ إِقَامَةَ الْقِدْحِ وَهُوَ السَّهْمُ قَبْلَ أَنْ يُرَاشَ (وَسَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ) : أَيْ يُصْلِحُونَ أَلْفَاظَهُ وَكَلِمَاتِهِ وَيَتَكَلَّفُونَ فِي مُرَاعَاةِ مَخَارِجِهِ وَصِفَاتِهِ (كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ) : أَيْ يُبَالِغُونَ فِي عَمَلِ الْقِرَاءَةِ كَمَالَ الْمُبَالَغَةِ لِأَجْلِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَالشُّهْرَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ رَفْعُ الْحَرَجِ، وَبِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى الْمُسَاهَمَةِ فِي الظَّاهِرِ، وَتَحَرِّى الْحِسْبَةِ، وَالْإِخْلَاصُ فِي الْعَمَلِ، وَالتَّفْكِيرُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ، وَالْغَوْصُ فِي عَجَائِبِ أَمْرِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَمَعَ ذَلِكَ هُمْ مَذْمُومُونَ لِأَنَّهُمْ رَاعَوْا هَذَا الْأَمْرَ السَّهْلَ، وَزَادُوا فِي الْقُبْحِ أَنَّهُمْ ضَمُّوا إِلَى هَذِهِ الْغَفْلَةِ أَنَّهُمْ يَقْرَؤُونَهُ لِأَجْلِ حُطَامِ الدُّنْيَا فَغَيْرُ مَحْمُودٍ إِذْ لَيْسَ الذَّمُّ عَلَى مُبَالَغَتِهِمْ فِي مُرَاعَاةِ الْأَمْرِ السَّهْلِ بَلِ الذَّمُّ مِنْ جِهَةِ تَرْكِ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ (يَتَعَجَّلُونَهُ) ، أَيْ: ثَوَابَهُ فِي الدُّنْيَا (وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ) بِطَلَبِ الْأَجْرِ فِي الْعُقْبَى; بَلِ الذَّمُّ يُؤْثِرُونَ الْعَاجِلَةَ عَلَى الْآجِلَةِ وَيَتَوَكَّلُونَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
следующие страницы →