← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

٢٢٧٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . ــ ٢٢٧٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا) : أَيْ: مَجْلِسًا أَوْ قُعُودًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ) : أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، أَوْ فِي ذَلِكَ الْجُلُوسِ (كَانَتْ) : أَيْ: الْقَعْدَةُ، وَفِي نُسْخَةٍ: كَانَ أَيْ: الْقُعُودُ (عَلَيْهِ) : أَيْ: عَلَى الْقَاعِدِ (مِنَ اللَّهِ) : أَيْ: مِنْ جِهَةِ حُكْمِهِ وَأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ (تِرَةٌ) : بِكَسْرِ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ أَيْ: تَبِعَةٌ وَمُعَاتَبَةٌ، أَوْ نُقْصَانٌ وَحَسْرَةٌ، مِنْ وَتَرَهُ حَقَّهُ: نَقَصَهُ، وَهُوَ سَبَبُ الْحَسْرَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] وَالْهَاءُ عِوَضٌ عَنِ الْوَاوِ الْمَحْذُوفَةِ مِثْلَ عُدَّةٍ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ الْكَوْنَ تَامٌّ (وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا) : أَيْ: مَكَانَ ضِجْعَةٍ وَافْتِرَاشٍ (لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ) : أَيِ: الِاضْطِجَاعَةُ، أَوْ كَانَ أَيِ: الِاضْطِجَاعُ الْمَذْكُورُ، أَوْ عَدَمُ ذِكْرِ اللَّهِ (عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ) : بِالْوَجْهَيْنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَتْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ رُوِيَتْ عَلَى التَّأْنِيثِ فِي أَبِي دَاوُدَ وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِهِ عَلَى التَّذْكِيرِ فِيهِمَا. أَقُولُ: فَعَلَى رِوَايَةِ التَّأْنِيثِ فِي كَانَتْ وَرَفْعِ تِرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ يُئَوَّلَ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ فِي كَانَتْ مُؤَنَّثًا إِلَى الْقَعْدَةِ، أَوِ الِاضْطِجَاعَةِ، فَيَكُونُ تِرَةٌ مُبْتَدَأً، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرَهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرَ كَانَ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ التَّذْكِيرِ وَنَصْبِ تِرَةٍ كَمَا هُوَ فِي الْمَصَابِيحِ فَظَاهِرٌ، وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِتِرَةٍ، وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْأَحَادِيثُ الْآتِيَةُ بَعْدُ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: تَأْنِيثُ كَانَ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِذِكْرِ الْمَكَانَيْنِ اسْتِيعَابُ الْأَمْكِنَةِ كَذِكْرِ الزَّمَانَيْنِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا لِاسْتِيعَابِ الْأَزْمِنَةِ، يَعْنِي: مَنْ فَتَرَ سَاعَةً مِنَ الْأَزْمِنَةِ، وَفِي مَكَانٍ مِنَ الْأَمْكِنَةِ، وَفِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ مِنْ قِيَامٍ وَقُعُودٍ وَرُقُودٍ، كَانَ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ، لِأَنَّهُ ضَيَّعَ عَظِيمَ ثَوَابِ الذِّكْرِ، كَمَا وَرَدَ: «لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا» ، ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ أَتَى " بِلَمْ " فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَبِلَا فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ تَفَنُّنًا، وَكَذَا غَايَرَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَدِيثَيْنِ الْآتِيَيْنِ لِذَلِكَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ، فِي قَوْلِهِ ﷺ : " لَمْ تُرَاعُوا " مَعْنَاهُ لَا تَخَافُوا، وَالْعَرَبُ تُوقِعُ " لَمْ " مَوْقِعَ " لَا " (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 3222

٢٢٧٣ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً» " (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) . ــ ٢٢٧٣ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ» ": أَيْ: مَا يَقُومُونَ قِيَامًا إِلَّا هَذَا الْقِيَامُ، وَضَمَّنَ قَامُوا مَعْنَى تَجَاوَزُوا

стр. 3223

وَبَعُدُوا، فَعُدِّيَ بِعَنْ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. أَيْ: لَا يُوجَدُ مِنْهُمْ قِيَامٌ عَنْ مَجْلِسِهِمْ إِلَّا كَقِيَامِ الْمُتَفَرِّقِينَ عَنْ أَكْلِ الْجِيفَةِ الَّتِي هِيَ غَايَةٌ فِي الْقَذَرِ وَالنَّجَاسَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَتَخْصِيصُ جِيفَةِ الْحِمَارِ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ أَدْوَنُ الْجِيَفِ مِنْ بَيْنِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تُخَالِطُنَا اهـ. أَوْ لِكَوْنِهِ أَبْلَدَ الْحَيَوَانَاتِ، أَوْ لِكَوْنِهِ مُخَالِطًا لِلشَّيْطَانِ، وَلِهَذَا يُتَعَوَّذُ عِنْدَ نَهِيقِهِ بِالرَّحْمَنِ. (وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً) : بِالْوَجْهَيْنِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ وَلَفْظُهُمَا: ( «مَا مِنْ قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِسًا وَتَفَرَّقُوا وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ إِلَّا كَأَنَّمَا تَفَرَّقُوا عَنْ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا مَشَى أَحَدٌ مَمْشًى لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً، وَمَا أَوَى أَحَدٌ إِلَى فِرَاشِهِ وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ تِرَةً» ) هَذَا وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا: " «لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ - يَعْنِي - يَوْمَ الْقِيَامَةِ " كَمَا فِي رِوَايَةٍ: " إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا» " (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ) .

стр. 3224

٢٢٧٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . ــ ٢٢٧٤ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ» ) : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ (إِلَّا كَانَ) : أَيْ: ذَلِكَ الْمَجْلِسُ (عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ) : أَيْ: بِذُنُوبِهِمُ السَّابِقَةِ وَتَقْصِيرَاتِهِمُ اللَّاحِقَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتِّرَةِ التَّبِعَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: (فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ) مِنْ بَابِ التَّشْدِيدِ وَالتَّغْلِيظِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصْدُرَ مِنْ أَهْلِ الْمَجْلِسِ مَا يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ مِنْ حَصَائِدِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الرَّسُولِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَلْمِيحٌ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] (وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ) : أَيْ: فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً، وَفِيهِ إِيمَاءٌ بِأَنَّهُمْ إِذَا ذَكَرُوا اللَّهَ لَمْ يُعَذِّبْهُمْ حَتْمًا، بَلْ يَغْفِرُ لَهُمْ جَزْمًا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

стр. 3225

٢٢٧٥ - وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ، إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ» " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ". ــ ٢٢٧٥ - (وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ) : أَيْ: ضَرَرُهُ وَوَبَالُهُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُكْتَبُ عَلَيْهِ (لَا لَهُ) : أَيْ: لَيْسَ لَهُ نَفْعٌ فِيهِ، أَوْ لَا يُكْتَبُ لَهُ ذِكْرٌ، تَأْكِيدًا (إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ) : مِمَّا فِيهِ نَفْعُ الْغَيْرِ مِنَ الْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ (أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ) : مِمَّا فِيهِ مَوْعِظَةُ الْخَلْقِ مِنَ الْأُمُورِ الْمَنْهِيَّةِ (أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ) : أَيْ: مَا فِيهِ رِضَا اللَّهِ مِنَ الْأَذْكَارِ الْإِلَهِيَّةِ كَالتِّلَاوَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَالدُّعَاءِ لِلْوَالِدَيْنِ، وَمَا أَشْبَهُ ذَلِكَ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِي الْكَلَامِ نَوْعٌ يُبَاحُ لِلْأَنَامِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالتَّأْكِيدِ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْقَوْلِ الَّذِي لَيْسَ بِسَدِيدٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَفْظُ (عَلَيْهِ) غَيْرُ مَوْجُودٍ، فَعَلَيْهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ، وَيَظْهَرُ الْمَقْصُودُ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ قَوْلَهُ (لَا لَهُ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: (عَلَيْهِ) وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُبَاحَ لَيْسَ لَهُ نَفْعٌ فِي الْعُقْبَى، أَوْ يُقَالُ: التَّقْدِيرُ كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ حَسْرَةٌ عَلَيْهِ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ إِلَّا الْمَذْكُورَاتِ وَأَمْثَالَهَا، فَيُرَافِقُ بَقِيَّةَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وَبِهِ يَرْتَفِعُ اضْطِرَابُ الشُّرَّاحِ فِي أَمْرِ الْمُبَاحِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .

стр. 3226

٢٢٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي» " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . ــ ٢٢٧٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ» ": فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَعْضَ الْكَلَامِ مُبَاحٌ وَهُوَ مَا يَعْنِيهِ ( «فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ» ) : أَيْ: سَبَبُ قَسَاوَةٍ (لِلْقَلْبِ) : وَهِيَ النُّبُوُّ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ، وَالْمَيْلُ إِلَى مُخَالَطَةِ الْخَلْقِ وَقِلَّةُ الْخَشْيَةِ وَعَدَمُ الْخُشُوعِ وَالْبُكَاءِ، وَكَثْرَةُ الْغَفْلَةِ عَنْ دَارِ الْبَقَاءِ (وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ) : أَيْ: مِنْ نَظَرِ رَحْمَتِهِ وَعَيْنِ عِنَايَتِهِ (الْقَلْبُ الْقَاسِي) : أَيْ: صَاحِبُهُ، أَوِ التَّقْدِيرُ: أَبْعَدُ قُلُوبِ النَّاسِ الْقَلْبُ الْقَاسِي، أَوْ أَبْعَدُ النَّاسِ مَنْ لَهُ الْقَلْبُ الْقَاسِي. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ بِالْقَلْبِ عَنِ الشَّخْصِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ كَمَا قِيلَ: الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ أَيْ: بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِذًا إِلَى حَذْفِ الْمَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ الصِّلَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] الْآيَةَ. وَقَالَ : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 3227

٢٢٧٧ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁، قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: نَزَلَتْ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ؟ فَقَالَ " أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٢٧٧ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ. فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: نَزَلَتْ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) : أَيْ: مَا نَزَلَتْ أَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَعَرَفْنَا حُكْمَهُمَا وَمَذَمَّتَهَا (لَوْ عَلِمْنَا) : " لَوْ " لِلتَّمَنِّي (أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَالْجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ لِعَلِمْنَا تَعْلِيقًا (فَنَتَّخِذَهُ؟) : مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَنْ بَعْدَ الْفَاءِ جَوَابًا لِلتَّمَنِّي، قِيلَ: السُّؤَالُ وَإِنْ كَانَ عَنْ تَعْيِينِ الْمَالِ ظَاهِرًا، وَلَكِنَّهُمْ أَرَادُوا مَا يُنْتَفَعُ بِهِ عِنْدَ تَرَاكُمِ الْحَوَائِجِ، فَلِذَلِكَ أَجَابَ عَنْهُ بِمَا أَجَابَ، فَفِيهِ شَائِبَةٌ مِنَ الْجَوَابِ عَنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ. (فَقَالَ: " أَفْضَلُهُ) : أَيْ: أَفْضَلُ الْمَالِ أَوْ أَفْضَلُ مَا يَتَّخِذُهُ الْإِنْسَانُ قُنْيَةً (لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي أَفْضَلِهِ رَاجِعٌ إِلَى الْمَالِ عَلَى التَّأْوِيلِ بِالنَّافِعِ، أَيْ: لَوْ عَلِمْنَا أَفْضَلَ الْأَشْيَاءِ نَفْعًا فَنَقْتَنِيهِ، وَلِهَذَا السِّرِّ اسْتَثْنَى اللَّهُ مَنْ أَتَى بِقَلْبٍ سَلِيمٍ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] ، وَالْقَلْبُ إِذَا سَلِمَ مِنْ آفَاتِهِ شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، فَسَرَى ذَلِكَ إِلَى لِسَانِهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إِلَّا بِفَرَاغِ الْقَلْبِ وَمُعَاوَنَةِ رَفِيقٍ يُعِيِنُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ. وَلِهَذَا قَالَ: " تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ) : أَيْ: عَلَى دِينِهِ بِأَنْ تُذَكِّرَهُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَتَمْنَعَهُ مِنَ الزِّنَا وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا أَجَابَ ﵊ بِمَا ذَكَرَ ; لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَنْفَعُ مَالِكَهُ، وَلَا شَيْءَ لِلرَّجُلِ أَنْفَعُ مِمَّا ذَكَرَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ: أَنَّ الْقَلْبَ مُقَدَّمٌ عَلَى اللِّسَانِ فِي نُسْخَتِهِ فَبَنَى عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ، وَإِلَّا فَيُقَالُ: إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ بِلِسَانِهِ سَرَى ذَلِكَ إِلَى جَنَانِهِ فَشَكَرَ عَلَى إِحْسَانِهِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مُؤْنِسَةً تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ، وَهَذَا طَرِيقُ الْمُرِيدِينَ وَمَسْلَكُ أَكْثَرِ السَّالِكِينَ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ طَرِيقَةُ الْمُرَادِينَ الْمَجْذُوبِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 3228

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٢٧٨ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: «خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ. قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟ قَالُوا: آللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا غَيْرُهُ. قَالَ: أَمَّا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: " وَمَا أَجْلَسَكُمْ هَاهُنَا؟) قَالُوا: " جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا. قَالَ: " آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟ " قَالُوا: آللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَلِكَ. قَالَ: " أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثِ ٢٢٧٨ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ) : بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُفْتَحُ أَيْ: جَمَاعَةٍ مُتَحَلِّقَةٍ (فِي الْمَسْجِدِ) مُتَقَابِلِينَ عَلَى الذِّكْرِ بِالِاجْتِهَادِ (فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟) : أَيْ: مَا السَّبَبُ الدَّاعِي إِلَى جُلُوسِكُمْ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ هَاهُنَا، وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ. (قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ) : أَيِ: الَّذِي أَجْلَسَنَا هُوَ غَرَضُ الْإِجْمَاعِ عَلَى الذِّكْرِ، (قَالَ: آللَّهِ) : بِالْمَدِّ وَالْجَرِّ (مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟) : مَا هَذِهِ نَافِيَةٌ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: قِيلَ: الصَّوَابُ بِالْجَرِّ لِقَوْلِ الْمُحَقِّقِ الشَّرِيفِ فِي حَاشِيَتِهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ وَقَعَتْ بَدَلًا عَنْ حَرْفِ الْقَسَمِ وَيَجِبُ الْجَرُّ مَعَهَا اهـ. وَكَذَا صُحِّحَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا مِنَ الْمِشْكَاةِ، وَمِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ بِالنَّصْبِ اهـ. كَلَامُهُ، وَهُوَ مَشْهُورٌ لِأَنَّ خُلَاصَةَ الطِّيبِيِّ حَاشِيَةٌ مِنَ السَّيِّدِ الشَّرِيفِ عَلَى الْمِشْكَاةِ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي أَسَامِي مُؤَلَّفَاتِهِ، وَثَانِيًا: أَنَّهُ مَعَ جَلَالَتِهِ كَيْفَ يَخْتَصِرُ كَلَامَ الطِّيبِيُّ اخْتِصَارًا مُجَرَّدًا لَا يَكُونُ لَهُ تَصَرُّفٌ فِيهِ أَبَدًا. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ النَّصْبَ فِي الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ وَقَعَ فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ عَفِيفِ الدِّينِ، قَالَ الطِّيبِيُّ، قِيلَ: اللَّهَ بِالنَّصْبِ أَيْ: أَتُقْسِمُونَ بِاللَّهِ؟ فَحَذَفَ الْجَارَّ وَأَوْصَلَ الْفِعْلَ ثُمَّ حَذَفَ الْفِعْلَ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا يَخْلُو عَنِ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَسُّفِ. (قَالُوا: آللَّهِ) : تَقْدِيرُهُ أَيْ: أَوْ نَعَمْ فَنُقْسِمُ بِاللَّهِ (مَا أَجْلَسَنَا غَيْرُهُ) : فَوَقْعُ الْهَمْزَةِ مَوْقِعَهَا مُشَاكَلَةً وَتَقْرِيرًا لِذَلِكَ، كَمَا قَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْهَمْزَةَ وَقَعَتْ بَدَلَ حَرْفِ الْقَسَمِ فَلَا وَجْهَ لِلْمُشَاكَلَةِ، نَعَمْ أَطْنَبُوا فِي الْجَوَابِ حَيْثُ عَدَلُوا عَنْ أَيْ أَوْ نَعَمْ تَأْكِيدًا لِرَفْعِ الْحِجَابِ. (قَالَ) : أَيْ: مُعَاوِيَةُ (أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنِّي) : بِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَمَّا اسْتِفْتَاحِيَّةٌ، أَوْ بِمَعْنَى حَقًّا عَلَى رَأْيٍ، وَإِنِّي بِالْكَسْرِ عَلَى الْأَوَّلِ وَبِالْفَتْحِ عَلَى الثَّانِي، فَمَحْمُولٌ عَلَى تَجْوِيزٍ عَقْلِيٍّ مِنْهُ عَلَى أَنَّ كَوْنَ أَمَّا بِمَعْنَى حَقًّا لَا يُنَافِي الْكَسْرَ، (لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ) : بِسُكُونِ الْهَاءِ وَيُفْتَحُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: التُّهْمَةُ وَقَدْ تُفْتَحُ الْهَاءُ فُعْلَةٌ مِنَ الْوَهْمِ، وَالتَّاءُ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، اتَّهَمْتُهُ ظَنَنْتُ فِيهِ مَا نُسِبَ إِلَيْهِ، وَفِي الْقَامُوسِ أَدْخَلَ عَلَيْهِ التُّهْمَةَ كَهُمَزَةٍ أَيْ مَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ أَيْ: مَا أَسْتَحْلِفُكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ بِالْكَذِبِ، لَكِنْ أَرَدْتُ الْمُتَابَعَةَ الْمُشَابِهَةَ فِيمَا وَقَعَ لَهُ ﷺ مَعَ الصَّحَابَةِ، وَقَدَّمَ بَيَانَ قُرْبِهِ مِنْهُ ﵊ وَقِلَّةِ نَقْلِهِ مِنْ أَحَادِيثِهِ الْكِرَامِ دَفْعًا لِتُهْمَةِ الْكَذِبِ عَنْ نَفْسِهِ فِيمَا يَنْقُلُهُ مِنَ الْكَلَامِ، فَقَالَ: (وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي) : أَيْ: بِمَرْتَبَةِ قُرْبِي (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : لِكَوْنِهِ مَحْرَمًا لِأُمِّ حَبِيبَةَ أُخْتِهِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِذَا عَبَّرَ عَنْهُ الْمَوْلَوِيُّ فِي الْمَثْنَوِيِّ بِخَالِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِكَوْنِهِ مِنْ أَجِلَّاءِ كَتَبَةِ الْوَحْيِ (أَقَلَّ) : خَبَرُ كَانَ (عَنْهُ) : أَيْ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (حَدِيثًا مِنِّي) : أَيْ: لِاحْتِيَاطِي فِي الْحَدِيثِ، وَإِلَّا كَانَ مُقْتَضَى مَنْزِلَتِهِ أَيْ: يَكُونُ كَثِيرَ الرِّوَايَةِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يُجَوِّزِ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى. (وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ) : هَذَا مَا سَنَحَ لِي مِنْ حَمْلِ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ، وَقَوْلُهُ: وَمَا كَانَ أَحَدٌ: مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الِاسْتِدْرَاكِ وَالْمُسْتَدْرَكِ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ لَمْ يَنْسَهُ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ إِنِّي أَسْتَحْلِفُكُمْ اتِّصَالَ الِاسْتِدْرَاكِ بِالْمُسْتَدْرَكِ اهـ. فَتَأَمَّلْ (فَقَالَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ : (مَا أَجْلَسَكُمْ هَاهُنَا؟ " قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ) : أَيْ: بِذِكْرِهِ أَوْ بِالْإِسْلَامِ (عَلَيْنَا) : أَيْ: مِنْ بَيْنِ الْأَنَامِ، كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَقُولِ أَهْلِ دَارِ السَّلَامِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]

стр. 3229

لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا (قَالَ: " آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟) : لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ الْإِخْلَاصَ (قَالُوا: آللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَلِكَ. قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ) : لِأَنَّهُ خِلَافُ حُسْنِ الظَّنِّ بِالْمُؤْمِنِينَ (وَلَكِنَّهُ) : أَيِ الشَّأْنُ، وَفَى نُسْخَةٍ وَلَكِنِّي (أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ) : نَقْلٌ بِالْمَعْنَى، وَإِلَّا كَانَ الظَّاهِرُ بِهِمْ، قِيلَ: مَعْنَى الْمُبَاهَاةِ بِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبِيدِي هَؤُلَاءِ كَيْفَ سُلِّطَتْ عَلَيْهِمْ نُفُوسُهُمْ، وَشَهَوَاتُهُمْ، وَأَهْوِيَتُهُمْ، وَالشَّيْطَانُ، وَجُنُودُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ قَوِيَتْ هِمَّتُهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ هَذِهِ الدَّوَاعِي الْقَوِيَّةِ إِلَى الْبَطَالَةِ وَتَّرَكِ الْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ، فَاسْتَحَقُّوا أَنْ يُمْدَحُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ؛ لِأَنَّكُمْ لَا تَجِدُونَ لِلْعِبَادَةِ مَشَقَّةً بِوَجْهٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْكُمْ كَالتَّنَفُّسِ مِنْهُمْ، فَفِيهَا غَايَةُ الرَّاحَةِ وَالْمُلَاءَمَةِ لِلنَّفْسِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَحَقَّقَ مَا هُوَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ، فَالتَّحْلِيفُ لِمَزِيدِ التَّقْرِيرِ وَالتَّأْكِيدِ لَا التُّهْمَةِ، كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي وَضْعِ التَّحْلِيفِ، فَإِنَّ مَنْ لَا يُتَّهَمُ لَا يَحْلِفُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3230

٢٢٧٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁، «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ. قَالَ: " لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ٢٢٧٩ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ (أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّرِيعَةُ مَوْرِدُ الْإِبِلِ عَلَى الْمَاءِ الْجَارِي، وَالْمُرَادُ مَا شَرَعَ اللَّهُ، وَأَظْهَرَهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هُنَا النَّوَافِلُ لِقَوْلِهِ: (قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ) : بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَيُفْتَحُ أَيْ: غَلَبَتْ عَلَى الْكَثْرَةِ حَتَّى عَجَزْتُ عَنْهَا لِضَعْفِي (فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ) : قِيلَ: أَيْ: بِشَيْءٍ قَلِيلٍ مُوجِبٍ لِجَزَاءٍ جَزِيلٍ أَسْتَغْنِي بِهِ عَمَّا يَغْلِبُنِي وَيَشُقُّ عَلَيَّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّنْكِيرُ فِي بِشَيْءٍ لِلتَّقْلِيلِ الْمُتَضَمِّنِ لِمَعْنَى التَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] وَمَعْنَاهُ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ يَسِيرٍ مُسْتَجْلِبٍ لِثَوَابٍ كَثِيرٍ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ التَّنْوِينَ لِمُجَرَّدِ التَّنْكِيرِ أَيْ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ (أَتَشَبَّثُ: أَيْ: أَتَعَلَّقُ (بِهِ) : مِنْ عِبَادَةٍ جَامِعَةٍ غَيْرِ شَاقَّةٍ مَانِعَةٍ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، وَزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، وَحَالٍ دُونَ حَالٍ مِنْ قِيَامٍ وَقُعُودٍ، وَأَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَمُخَالَطَةٍ وَاعْتِزَالٍ، وَشَبَابٍ وَهِرَمٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَيَكُونُ جَابِرًا عَنْ بَقِيَّتِهَا مُشْتَمِلًا عَلَى كُلِّيَّتِهَا. (قَالَ: " لَا يَزَالُ) : أَيْ: هُوَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ (لِسَانُكَ) : أَيِ: الْقَالَبِيُّ أَوِ الْقَلْبِيُّ (رَطْبًا) : أَيْ: طَرِيًّا مُشْتَغِلًا قَرِيبَ الْعَهْدِ (مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) : وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْحَاكِمُ.

стр. 3231

٢٢٨٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعِبَادِ أَفْضَلُ وَأَرْفَعُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: (الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ) . قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمِنَ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَمًا، فَإِنَّ الذَّاكِرَ لِلَّهِ أَفْضَلُ مِنْهُ دَرَجَةً» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ٢٢٨٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعِبَادِ أَفْضَلُ) : أَيْ: أَكْثَرُ ثَوَابًا (وَأَرْفَعُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ) : أَيِ: اللَّهَ كَثِيرًا. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَالذَّاكِرَاتُ غَيْرُ مَوْجُودٍ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمُ الْمُدَاوِمُونَ عَلَى ذِكْرِهِ وَفِكْرِهِ، وَالْقَائِمُونَ بِالطَّاعَةِ، الْمُوَاظِبُونَ عَلَى شُكْرِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ هُمُ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ فِي السُّنَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ، وَهَذَا مُرَادِفٌ فِي الْحَقِيقَةِ لِضَبْطِهِ بِشَغْلِ أَغْلَبِ أَوْقَاتِهِ بِالذِّكْرِ. (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالُوا ذَلِكَ تَعَجُّبًا قَالَ: " لَوْ ضَرَبَ) : أَيْ: الْغَازِي (بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ) : مِنْ قَبِيلِ: بِجُرْحٍ فِي عَرَاقِيبِهَا نُصَلِّي. حَيْثُ جَعَلَ الْمَفْعُولَ بِهِ مَفْعُولًا فِيهِ مُبَالَغَةَ أَنْ يُوجِدَ فِيهِمُ الضَّرْبَ وَيَجْعَلَهُمْ مَكَانًا لِلضَّرْبِ بِالسَّيْفِ، وَيُوَضِّحُهُ مَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّ جَعْلَهُمْ مَكَانًا وَظَرْفًا لِلضَّرْبِ أَبْلَغُ مِنْ جَعْلِهِمْ مَضْرُوبِينَ بِهِ فَقَطْ، (وَالْمُشْرِكِينَ) : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمْ فَإِنَّهُمْ ضِدُّ

стр. 3232

الْمُوَحِّدِينَ (حَتَّى تَنْكَسِرَ) : أَيْ: سَيْفُهُ (وَيَخْتَضِبَ) : أَيْ: هُوَ، أَوْ سَيْفُهُ (دَمًا) : وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الشَّهَادَةِ (فَإِنَّ الذَّاكِرَ) : تَكْرِيرُ تَأْكِيدٍ وَتَقْرِيرٍ (لِلَّهِ) : أَيْ: لَا غَيْرُهُ (أَفْضَلُ مِنْهُ) : وَفِي رِوَايَةٍ: مِنَ الْغَازِي (دَرَجَةً) : وَهِيَ تَحْتَمِلُ الْوَحْدَةَ أَيْ: بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ عَظِيمَةٍ، وَتَحْتَمِلُ الْجِنْسَ أَيْ: بِدَرَجَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَكَانَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ أَفْضَلَ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ [حَسَنٌ] غَرِيبٌ) .

стр. 3233

٢٢٨١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ، وَإِذَا غَفَلَ وَسْوَسَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. ــ ٢٢٨١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ) : أَيْ: لَازِمُ الْجُلُوسِ وَدَائِمُ اللُّصُوقِ (عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ) : أَيِ: ابْنُ آدَمَ بِقَلْبِهِ، أَوْ ذَكَرَ قَلْبُهُ اللَّهَ (خَنَسَ) : أَيِ: انْقَبَضَ الشَّيْطَانُ وَتَأَخَّرَ عَنْهُ وَاخْتَفَى، فَتَضْعُفُ وَسْوَسَتُهُ وَتَقِلُّ مَضَرَّتُهُ، (وَإِذَا غَفَلَ) : أَيْ: هُوَ، أَوْ قَلْبُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (وَسْوَسَ) : أَيْ: إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ وَتَمَكَّنَ تَمَكُّنًا تَامًّا مِنْهُ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْغَفْلَةَ سَبَبُ الْوَسْوَسَةِ لَا الْعَكْسُ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعَامَّةِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا) : أَيْ: بِلَا ذِكْرِ سَنَدٍ. وَذَكَرَ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ بِلَفْظِ: «مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلَّا وَلِقَلْبِهِ بَيْتَانِ فِي أَحَدِهِمَا الْمَلَكُ، وَفِي الْآخَرِ الشَّيْطَانُ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ وَضَعَ الشَّيْطَانُ مِنْقَارَهُ فِي قَلْبِهِ وَوَسْوَسَ لَهُ» . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، وَظَاهِرُ إِيرَادِ الشَّيْخِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مَرْفُوعًا ; لَكِنْ أَوْرَدَهُ صَاحِبُ السِّلَاحِ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي آخِرِهِ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَرَوَاهُ فِي مُصَنَّفِهِ وَرِجَالُهُ وَرِجَالُ الصَّحِيحِ اهـ. فَيُحْتَمَلُ عَلَى بُعْدٍ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي مُصَنَّفِهِ يَكُونُ مَرْفُوعًا، وَفِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ لَهُ مَوْقُوفًا، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا، بِلَفْظِ: " «إِنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌ خُرْطُومَهُ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِنْ ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ وَإِنْ نَسِيَ الْتَقَمَ قَلْبَهُ» ". أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَيْهَقِيُّ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُؤَيِّدُ مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ، أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَكْشِفَ لَهُ عَنْ كَيْفِيَّةِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ لِلْقَلْبِ، فَرَآهُ جَاثِمًا تَحْتَ غُضْرُوفِ الْكَتِفِ الْأَيْسَرِ، كَالْبَعُوضِ لَهُ خُرْطُومٌ طَوِيلٌ يَدُسُّهُ ثُمَّ إِلَى أَنْ يَصِلَ الْقَلْبَ، فَإِنْ رَآهُ ذَاكِرًا خَنَسَ وَكَفَّ عَنْهُ، أَوْ غَافِلًا مَدَّ خُرْطُومَهُ إِلَيْهِ، وَأَلْقَى فِيهِ مِنْ جِنَايَتِهِ مَا أَرَادَ اللَّهُ، ثُمَّ لَا يَزَالُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ لَا يَبْقَى فِي الْقَلْبِ خَيْرٌ قَطُّ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : " «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» " فَقِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُ قُوَّةً وَقُدْرَةً عَلَى أَنَّهُ يَجْرِي فِي بَاطِنِ الْإِنْسَانِ وَعُرُوقِهِ مَجْرَى الدَّمِ فِي مَسَامَّ لَطِيفَةٍ مِنَ الْبَدَنِ فَتَصِلُ إِلَى الْقَلْبِ.

стр. 3234

٢٢٨٢ - وَعَنْ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ " «ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ كَالْمُقَاتِلِ خَلْفَ الْفَارِّينَ، وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ كَغُصْنٍ أَخْضَرَ فِي شَجَرٍ يَابِسٍ» ". ــ ٢٢٨٢ - وَعَنْ مَالِكٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: الذَّاكِرُ اللَّهَ فِي الْغَافِلِينَ ": أَيْ: عَنِ الذِّكْرِ (كَالْمُقَاتِلِ) : أَيْ: لِلْكُفَّارِ (خَلْفَ الْفَارِّينَ) : أَيِ: الْمُنْهَزِمِينَ (وَذَاكِرُ اللَّهِ) : وَكَرَّرَهُ لِيُنِيطَ بِهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ غَيْرَ مَا أَنَاطَ بِهِ فِي الْأُخْرَى إِعْلَامًا بِأَنَّهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، لَهُ فَوَائِدُ مُتَعَدِّدَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. (فِي الْغَافِلِينَ) : أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُمْ كَمَا فِي الْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ، فَالْجَارُّ ظَرْفٌ أَيْ: بَيْنَهُمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ، أَوْ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ الذَّاكِرُ الْكَائِنُ فِي الْغَافِلِينَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: ذَاكِرُ اللَّهِ حَالَ كَوْنِهِ فِي الْغَافِلِينَ أَيْ: بَيْنَهُمْ، فَهُوَ مَعَ تَنَاقُضِ كَلَامِهِ ظَاهِرًا مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْحَالِ مِنَ الْمُبْتَدَأِ، وَيُضَعِّفُهُ أَيْضًا مُنَاسَبَةُ مُوَافِقَةِ لَفْظِ خَلْفَ فِي خَبَرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (كَغُصْنٍ أَخْضَرَ فِي شَجَرٍ يَابِسٍ) : أَيْ: بِجَنْبِ الْأَشْجَارِ الْيَابِسَةِ.

стр. 3235

٢٢٨٣ - وَفِي رِوَايَةٍ: " «مَثَلُ الشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ فِي وَسَطِ الشَّجَرِ، وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ مَثَلُ مِصْبَاحٍ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ يُرِيهِ اللَّهُ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ حَيٌّ، وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ يُغْفَرُ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ فَصِيحٍ وَأَعْجَمٍ» " وَالْفَصِيحُ: بَنُو آدَمَ، وَالْأَعْجَمُ: الْبَهَائِمُ. رَوَاهُ رَزِينٌ. ــ ٢٢٨٣ - (وَفِي رِوَايَةٍ: " مَثَلُ الشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: كَغُصْنٍ (فِي وَسَطِ الشَّجَرَةِ) : بِفَتْحِ الشِّينِ وَيَسْكُنُ أَيِ: الشَّجَرُ الْيَابِسُ، وَهُوَ مَعْنَى مَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ (وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ مَثَلُ مِصْبَاحٍ) : بِالْوَجْهَيْنِ أَيْ: شَبِيهُ سِرَاجٍ (فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ) : فَإِنَّ الذِّكْرَ نُورٌ وَحُضُورٌ وَسُرُورٌ، وَالْغَفْلَةَ ظُلْمَةٌ وَغَيْبَةٌ وَنُفُورٌ (وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ يُرِيهِ اللَّهُ مَقْعَدَهُ) : أَيْ وَمَا أَعَدَّهُ لَهُ (مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ حَيٌّ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَلَعَلَّ الْإِرَادَةَ بِالْمُكَاشَفَةِ أَوْ بِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ النَّزْعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] (وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ يُغْفَرُ لَهُ) : أَيْ: ذُنُوبُهُ (بِعَدَدِ كُلِّ فَصِيحٍ وَأَعْجَمَ) : فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (وَالْفَصِيحُ: بَنُو آدَمَ وَالْأَعْجَمُ: الْبَهَائِمُ. رَوَاهُ رَزِينٌ) : وَرَوَى الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: " «ذَاكِرُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْغَافِلِينَ بِمَنْزِلَةِ الصَّابِرِ فِي الْفَارِّينَ» ".

стр. 3236

٢٢٨٤ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، قَالَ: «مَا عَمِلَ الْعَبْدُ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٢٨٤ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: مَا عَمِلَ الْعَبْدُ عَمَلًا) : أَيْ: قَوِيًّا مَنْدُوبًا، أَوْ مُطْلَقًا (أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) مِنَ الْأُولَى صِلَةٌ، وَالثَّانِيَةُ تَفْضِيلِيَّةٌ (رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيٌّ وَابْنُ مَاجَهْ) : وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: " «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ " قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ ! قَالَ: " وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ " قَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» .

стр. 3237

٢٢٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٢٨٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي) : أَيْ: بِالْإِعَانَةِ وَالتَّوْفِيقِ وَالرَّحْمَةِ وَالرِّعَايَةِ، وَقِيلَ الْمَعِيَّةُ كِنَايَةٌ عَنِ الشَّرَفِ وَالْقُرْبَةِ لِمَا وَرَدَ: أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ جَلِيسُ السُّلْطَانِ أَيْ: مُقَرَّبٌ مُشَرَّفٌ عِنْدَهُ، وَالْحَدِيثُ أَبْلَغُ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ هُوَ جَلِيسٌ. (إِذَا ذَكَرَنِي) : أَيْ: بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ (وَتَحَرَّكَتْ بِي) أَيْ: بِذِكْرِي (شَفَتَاهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ مَا لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: إِذَا ذَكَرَنِي بِاللِّسَانِ، هَذَا إِذَا كَانَ الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِلْعَطْفِ، فَيُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ وَبِالْقَلْبِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَوْلَى لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ النَّافِعَ هُوَ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ، وَأَمَّا الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبُ لَاهٍ فَهُوَ قَلِيلُ الْجَدْوَى. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3238

٢٢٨٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " «لِكُلِّ شَيْءٍ صِقَالَةٌ، وَصِقَالَةُ الْقُلُوبِ ذِكْرُ اللَّهِ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ " قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: " وَلَا أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ ". ــ ٢٢٨٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " لِكُلِّ شَيْءٍ) : أَيْ: يَصْدَأُ أَيْ: حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا (صِقَالَةٌ) : أَيْ: تَجْلِيَةٌ وَتَخْلِيَةٌ وَتَزْكِيَةٌ وَتَصْفِيَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: آلَةٌ يُصْقَلُ بِهَا صَدَؤُهُ وَيُزَالُ وَسَخُهُ، فَغَيْرُ ظَاهِرٍ لَفْظًا (وَصِقَالَةُ الْقُلُوبِ ذِكْرُ اللَّهِ) فَإِنَّهُ بِذِكْرِهِ يَنْجَلِي غُبَارُ الْأَغْيَارِ وَيَصِيرُ الْقَلْبُ مِرْآةً لِمُطَالَعَةِ الْآثَارِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَصَدَأُ الْقُلُوبِ الرَّيْنُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] بِمُتَابَعَةِ الْهَوَى الْمَعْنِيِّ بِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] فَكَلِمَةُ لَا إِلَهَ تُخَلِّيهَا، وَكَلِمَةُ إِلَّا اللَّهُ تُجَلِّيهَا. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ صَفَا قَلْبُهُ وَحَضَرَ سِرُّهُ، فَيَكُونُ وُرُودُ قَوْلِهِ: إِلَّا اللَّهُ عَلَى قَلْبٍ مُنَقًّى وَسِرٍّ مُصَفًّى. قَالُوا: (وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَنْجَى) : أَيْ: لَهُ (مِنْ عَذَابِ اللَّهِ) : أَيْ: عِقَابِهِ وَحِجَابِهِ (مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ". قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ ! قَالَ: " وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " قَالَ: " وَلَا أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ) : أَيْ هُوَ أَوْ سَيْفُهُ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي: الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) : وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا.

стр. 3239

[كِتَابُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى]

стр. 3240

(٢) - كِتَابُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٢٨٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَفِي رِوَايَةٍ وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ (٢) كِتَابُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى اسْمُهُ تَعَالَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ كَاللَّهِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ كَالْقُدُّوسِ، وَالْأَوَّلِ أَوْ حَقِيقِيَّةٍ ثُبُوتِيَّةٍ كَالْعَلِيمِ وَالْقَادِرِ، أَوْ إِضَافِيَّةٍ كَالْحَمِيدِ وَالْمَلِيكِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِهِ كَالرَّازِقِ وَالْخَالِقِ، وَالِاسْمُ هُوَ: اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمَعْنَى بِالْوَضْعِ لُغَةً، وَالْمُسَمَّى هُوَ: الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ لَهُ الِاسْمُ، وَالتَّسْمِيَةُ وَضْعُ ذَلِكَ اللَّفْظِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، أَوْ لِإِطْلَاقِهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ الِاسْمُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى، فَالْمُرَادُ بِالِاسْمِ هُوَ الْمُسَمَّى عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي، وَغَيْرُ الْمُسَمَّى عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ، فَلِذَلِكَ اخْتُلِفَ فِي أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى أَوْ غَيْرُهُ. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: الِاسْمُ هُوَ التَّسْمِيَةُ دُونَ الْمُسَمَّى. وَقَالَ مَشَايِخُنَا: التَّسْمِيَةُ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمُسَمَّى، وَالِاسْمُ هُوَ الْمَعْنَى الْمُسَمَّى بِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ الِاسْمَ قَدْ يَكُونُ عَيْنَ الْمُسَمَّى كَاللَّهِ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَهُ كَالْخَالِقِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ عَيْنَهُ وَلَا غَيْرَهُ كَالْعَالِمِ، فَإِنَّ عِلْمَهُ لَيْسَ عَيْنَ ذَاتِهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَلَا غَيْرَهُ عَلَى أَنَّ الْغَيْرَ مَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُهُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ لَيْسَتْ عَيْنَ ذَاتِهِ، لِمَا أَنَّ الْمَعَانِيَ تُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ لُغَةً وَعَقْلًا، فَهِيَ إِنْ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً لِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ نَقْصًا؛ لِأَنَّهَا صِفَاتُ كَمَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً كَانَتْ زَائِدَةً بِالضَّرُورَةِ، لِأَنَّ تِلْكَ الْمَعَانِيَ يَمْتَنِعُ قِيَامُهَا بِذَاتِهَا، فَثَبَتَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَيْنَ الذَّاتِ وَلَيْسَتْ غَيْرَهَا أَيْضًا، لِأَنَّ الْغِيَرَيْنِ هُمَا اللَّذَانِ يُمْكِنُ انْفِكَاكُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، وَذَهَبَ الْفَلَاسِفَةُ إِلَى كَوْنِهَا عَيْنَ الذَّاتِ، وَيَقْرُبُ مِنْ قَوْلِهِمْ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ: إِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ لَا بِالْعِلْمِ، بَلْ بِالذَّاتِ، وَمَحَلُّ هَذَا الْمَبْحَثِ كُتُبُ الْعَقَائِدِ، وَلَمْ يَتَكَلَّفِ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ، وَلَا فِي التِّلَاوَةِ وَالْمَتْلُوِّ تَوَرُّعًا وَطَلَبًا لِلسَّلَامَةِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلِ ٢٢٨٧ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ لِلَّهِ) : زِيدَ فِي نُسْخَةٍ " تَعَالَى " (تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا) : أَيْ: صِفَةً (مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا) وَفِي نُسْخَةٍ: إِلَّا وَاحِدَةً. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: جَاءَ فِي كِتَابِ الْمَصَابِيحِ: إِلَّا وَاحِدَةً، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدْ جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ إِلَّا وَاحِدَةً نَظَرًا إِلَى الْكَلِمَةِ أَوِ الصِّفَةِ أَوِ التَّسْمِيَةِ (مَنْ أَحْصَاهَا) : أَيْ: مَنْ آمَنَ بِهَا، أَوْ عَدَّهَا وَقَرَأَهَا كَلِمَةً كَلِمَةً عَلَى طَرِيقِ التَّرْتِيلِ تَبَرُّكًا وَإِخْلَاصًا، أَوْ حَفِظَ مَبَانِيهَا وَعَلِمَ مَعَانِيهَا وَتَخَلَّقَ بِمَا فِيهَا (دَخَلَ الْجَنَّةَ) أَيْ: دُخُولًا أَوَّلِيًّا أَوْ دُخُولًا مُعَظَّمًا، أَوْ أَعْلَى مَرَاتِبِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ: «مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» أَيِ: الْجَنَّةَ الْحِسِّيَّةَ فِي الْعُقْبَى وَالْمَعْنَوِيَّةَ فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ: قَوْلُهُ: " مِائَةً إِلَّا وَاحِدَةً " بَدَلُ الْكُلِّ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنَ اسْمِ إِنَّ، أَوْ مَنْصُوبٍ بِإِضْمَارِ أَعْنِي، وَفَائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْمَنْعِ عَنِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَلِئَلَّا يَلْتَبِسَ " تِسْعَةً وَتِسْعِينَ " بِسَبْعَةٍ وَتِسْعِينَ بِتَقَدُّمِ السِّينِ فِي الْأَوَّلِ، أَوْ سَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ بِتَقْدِيمِ السِّينِ فِيهِمَا، أَوْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ بِتَقَدُّمِ السِّينِ فِي الثَّانِي مِنْ زَلَّةِ الْكَاتِبِ وَهَفْوَةِ الْقَلَمِ، فَيَنْشَأُ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَسْمُوعِ مِنَ الْمَسْطُورِ، فَأَكَّدَهُ بِهِ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْخِلَافِ وَإِرْشَادًا لِلِاحْتِيَاطِ فِي هَذَا الْبَابِ، أَوْ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " نَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] . قَالَ فِي الْمَعَالِمِ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] الْإِلْحَادُ فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى تَسْمِيَتُهُ بِمَا لَا يَنْطِقُ بِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ ﵀: أَسْمَاءُ اللَّهِ تُوجَدُ تَوْقِيفًا وَيُرَاعَى فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، فَكُلُّ اسْمٍ وَرَدَ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ وَجَبَ إِطْلَاقُهُ فِي وَصْفِهِ تَعَالَى، وَمَا لَمْ يَرِدْ فِيهَا لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ فِي وَصْفِهِ وَإِنْ صَحَّ مَعْنَاهُ. قَالَ الرَّاغِبُ: ذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى اللَّهِ اسْمٌ يَصِحُّ مَعْنَاهُ فِيهِ، وَالْأَفْهَامُ الصَّحِيحَةُ الْبَشَرِيَّةُ لَهَا سِعَةٌ وَمَجَالٌ فِي اخْتِيَارِ الصِّفَاتِ. قَالَ: وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَسْمَاءُ اللَّهِ تَوْقِيفِيَّةٌ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ وَالْبَاقِلَّانِيِّ كَالْمُعْتَزِلَةِ.

стр. 3241

قَالَ الطِّيبِيُّ: نَقَلَ النَّوَوِيُّ ﵀ عَنِ الْقُشَيْرِيِّ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى، إِذْ لَوْ كَانَ غَيْرَهُ لَكَانَتِ الْأَسْمَاءُ لِغَيْرِهِ، وَلَخَّصَ هَذَا الْمَعْنَى الْقَاضِي وَأَجَابَ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الِاسْمُ عَيْنَ الْمُسَمَّى لَزِمَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا الْحُكْمُ بِتَعَدُّدِ الْإِلَهِ. فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِاسْمِ هَاهُنَا اللَّفْظُ، وَلَا خِلَافَ فِي وُرُودِ الِاسْمِ بِهَذَا الْمَعْنَى، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى عَيْنُهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَدُّدِ الْأَسْمَاءِ تَعَدُّدُ الْمُسَمَّى. وَالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى ذَاتِهِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ حَقِيقَةٍ، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي التَّعَدُّدَ فِي الِاعْتِبَارَاتِ وَالصِّفَاتِ دُونَ الذَّاتِ، وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: تِسْعَةً وَتِسْعِينَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ إِذْ ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ الرَّبُّ الْمَوْلَى النَّصِيرُ الْمُحِيطُ الْكَافِي الْعَلَّامُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَفِي السُّنَّةِ الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ الدَّائِمُ الْجَمِيلُ، وَتَخْصِيصُهَا بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا أَشْهَرَ لَفْظًا وَأَظْهَرَ مَعْنًى، وَلِأَنَّهَا غُرَرُ أَسْمَائِهِ وَأُمَّهَاتُهَا الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى مَعَانِي غَيْرِهَا. وَقِيلَ: مَنْ أَحْصَاهَا صِفَةٌ لَهَا، فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ مِثْلَ: لِفُلَانٍ أَلْفُ شَاةٍ أَعَدَّهَا لِلْأَضْيَافِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا. (وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ: لِلْبُخَارِيِّ ذَكَرَهُ مِيرَكُ فِي حَاشِيَةِ الْحِصْنِ (وَهُوَ) : أَيْ: ذَاتُهُ تَعَالَى: (وِتْرٌ) : بِكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ: فَرْدٌ لَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ ( «يُحِبُّ الْوِتْرَ» ) : أَيْ: مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَذْكَارِ، يَعْنِي يُحِبُّ مِنْهَا مَا كَانَ عَلَى صِفَةِ الْإِخْلَاصِ وَالتَّفَرُّدِ لَهُ تَعَالَى، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الطِّيبِيِّ أَيْ: يُثِيبُ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي أَتَى بِهِ وِتْرًا لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى مَعَانِي الْفَرْدِيَّةِ قَلْبًا، وَلِسَانًا، وَإِيمَانًا، وَإِخْلَاصًا إِثَابَةً كَامِلَةً. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " «لَا يَحْفَظُهُ أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» ".

стр. 3242

٢٢٨٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، الْمَلِكُ، الْقُدُّوسُ، السَّلَامُ، الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ، الْعَزِيزُ، الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ، الْغَفَّارُ، الْقَهَّارُ، الْوَهَّابُ، الرَّزَّاقُ، الْفَتَّاحُ، الْعَلِيمُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الْخَافِضُ، الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، الْحَكَمُ، الْعَدْلُ، اللَّطِيفُ، الْخَبِيرُ، الْحَلِيمُ، الْعَظِيمُ، الْغَفُورُ، الشَّكُورُ، الْعَلِيُّ، الْكَبِيرُ، الْحَفِيظُ، الْمُمِيتُ، الْحَسِيبُ، الْجَلِيلُ، الْكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، الْمُجِيبُ، الْوَاسِعُ، الْحَكِيمُ، الْوَدُودُ، الْمَجِيدُ، الْبَاعِثُ، الشَّهِيدُ، الْحَقُّ، الْوَكِيلُ، الْقَوِيُّ، الْمَتِينُ، الْوَلِيُّ، الْحَمِيدُ، الْمُحْصِي، الْمُبْدِئُ، الْمُعِيدُ، الْمُحْيِي، الْمُمِيتُ، الْحَيُّ، الْقَيُّومُ، الْوَاجِدُ، الْمَاجِدُ، الْوَاحِدُ، الصَّمَدُ، الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ، الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الْأَوَّلُ، الْآخِرُ، الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ، الْوَالِي، الْمُتَعَالِي، الْبَرُّ، التَّوَّابُ، الْمُنْتَقِمُ، الْعَفُوُّ، الرَّءُوفُ، مَالِكُ الْمُلْكِ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، الْمُقْسِطُ، الْجَامِعُ، الْغَنِيُّ، الْمُغْنِي، الْمَانِعُ، الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ، الْهَادِي، الْبَدِيعُ، الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّعَوَاتِ الْكُبْرَى " وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٢٢٨٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَشْهَرَ أَسْمَائِهِ تَعَالَى هُوَ: (اللَّهُ) ، لِإِضَافَةِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ إِلَيْهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ، وَقَالَ الْمَالِكِيُّ النَّحْوِيُّ: اللَّهُ اسْمُ عَلَمٍ لَيْسَ بِصِفَةٍ، وَقِيلَ: فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى سِوَاهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ إِلَيْهِ يُنْسَبُ كُلُّ اسْمٍ لَهُ وَيُقَالُ الْكَرِيمُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَلَا يُقَالُ مِنْ أَسْمَاءِ الْكَرِيمِ اللَّهُ. (مَنْ أَحْصَاهَا) : أَيْ حَفِظَهَا كَمَا فَسَّرَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ، كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ. فَإِنَّ الْحِفْظَ يَحْصُلُ بِالْإِحْصَاءِ وَتَكْرَارِ مَجْمُوعِهَا فَالْإِحْصَاءُ كِنَايَةٌ عَنِ الْحِفْظِ، أَوْ ضَبَطَهَا حَصْرًا وَتَعْدَادًا، وَعِلْمًا، وَإِيمَانًا، أَوْ أَطَاقَهَا بِالْقِيَامِ بِمَا هُوَ حَقُّهَا وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَعْتَبِرَ مَعَانِيَهَا، فَيُطَالِبَ نَفْسَهُ بِمَا تَتَضَمَّنُهُ مِنْ صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَحْكَامِ الْعُبُودِيَّةِ فَيَتَخَلَّقُ بِهَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مِثْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، فَكَفَّ لِسَانَهُ وَسَمْعَهُ عَمَّا لَا يَجُوزُ، وَكَذَا فِي بَاقِي الْأَسْمَاءِ اهـ. وَأَمَّا التَّخَلُّقُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، فَبَسَطَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَقْصِدِ الْأَسْنَى، وَقِيلَ: كُلُّ اسْمٍ لِلتَّخَلُّقِ إِلَّا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لِلتَّعَلُّقِ (دَخَلَ الْجَنَّةَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَتَنَافَى أَنَّ مَنْ زَادَ فِيهَا زَادَ مَرْتَبَةً فِي الْجَنَّةِ، إِذْ قَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ أَسْمَاءٌ لَيْسَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، كَالتَّامِّ، وَالْقَدِيمِ، وَالْوِتْرِ، وَالشَّدِيدِ، وَالْكَافِي وَالْأَبَدِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَيْضًا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ: الْمَجِيدُ، الرَّبُّ، الْأَكْرَمُ، الْأَعْلَى، أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ذُو الطَّوْلِ، ذُو الْقُوَّةِ، ذُو الْمَعَارِجِ، ذُو الْعَرْشِ، رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ اهـ. وَمِنْهَا: رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَمَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَذَكَرَ الْجَزَاءَ بِلَفْظِ الْمَاضِي تَحْقِيقًا (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) : الِاسْمُ الْمَعْدُودُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ أَسْمَائِهِ هُوَ اللَّهُ لَا غَيْرُهُ مَنْ هُوَ وَإِلَهٌ، وَالْجُمْلَةُ تُفِيدُ الْحَصْرَ وَالتَّحْقِيقَ لِإِلَهِيَّتِهِ وَنَفْيِ مَا عَدَاهُ عَنْهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ إِمَّا بَيَانٌ لِكَمِّيَّةِ تِلْكَ الْأَعْدَادِ أَنَّهَا مَا هِيَ فِي قَوْلَةِ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، وَذَكَرَ الضَّمِيرَ نَظَرًا إِلَى الْخَبَرِ، وَإِمَّا بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ الْإِحْصَاءِ فِي قَوْلِهِ: مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَإِنَّهُ كَيْفَ يُحْصَى فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمُسَمَّى الدَّالِّ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: " لِلَّهِ " كَأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى سُئِلَ: وَمَا تِلْكَ الْأَسْمَاءُ؟ فَأُجِيبَ: هُوَ اللَّهُ، أَمَّا

стр. 3243

لَمَّا قِيلَ: مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ سُئِلَ: كَيْفَ أَحْصَاهَا؟ فَأَجَابَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ، فَعَلَى هَذَا الضَّمِيرُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ مُبْتَدَأٌ، أَوِ اللَّهُ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَقَوْلُهُ: الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْأَوَّلِ، وَالْمَوْصُولُ مَعَ الصِّلَةِ صِفَةُ اللَّهِ، وَلِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مَرَاتِبُ الْأُولَى: أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا الْمُنَافِقُ مُجَرَّدًا عَنِ التَّصْدِيقِ، وَذَلِكَ يَنْفَعُهُ فِي الدُّنْيَا بِحَقْنِ دَمِهِ وَحِرْزِ مَالِهِ وَأَهْلِهِ، الثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهَا عَقْدُ قَلْبٍ بِمَحْضِ التَّقْلِيدِ، وَفِي صِحَّتِهَا خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ صَحِيحٌ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ مَعَهَا اعْتِقَادٌ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْأَمَارَاتِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى اعْتِبَارِهَا. الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ مَعَهَا اعْتِقَادٌ حَازِمٌ مِنْ جِهَةٍ قَاطِعَةٍ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ اتِّفَاقًا. وَالْخَامِسَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ مُكَاشِفًا بِمَعْنَاهَا مُعَايِنًا بِبَصِيرَتِهِ، وَهَذِهِ هِيَ الرُّتْبَةُ الْعُلْيَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا نُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ إِيمَانِ الْعَوَّامِّ كَذِبٌ عَلَيْهِ، عَلَى أَنَّ أَكْثَرَهُمْ غَيْرُ مُقَلِّدٍ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَكِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَرْتِيبِ الْبُرْهَانِ بِذَلِكَ عَلَى قَوَاعِدِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَأَوْلَى مِنْ هَذَا مَنْ لَهُ اعْتِقَادٌ نَشَأَ مِنْ ظَنِّيٍّ، ثُمَّ مَنْ نَشَأَ اعْتِقَادُهُ عَنْ قَطْعِيٍّ وَاعْتَرَفَ بِهِ، فَلَا خِلَافَ فِي كَمَالِ إِيمَانِهِ وَنَفْعِهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ بِالْقَلْبِ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ اللِّسَانِ بِنَحْوِ خَرَسٍ نَفَعَتْ فِيهِمَا اتِّفَاقًا أَيْضًا، أَوْ لَا لِعُذْرٍ لَمْ يَنْفَعْهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ إِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ، لَكِنْ ذَهَبَ الْغَزَالِيُّ، وَتَبِعَهُ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ إِلَى نَفْعِهَا فِيهِمَا. قُلْتُ: لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ طَلَبِ الْإِقْرَارِ مِنْهُ، إِنَّهُ إِنْ أَبَى بَعْدَ ذَلِكَ فَكَافِرٌ إِجْمَاعًا لِقَضِيَّةِ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ أَهْلُ الْإِشَارَةِ: إِذَا كَانَ مُخْلِصًا فِي مَقَالَتِهِ كَانَ دَاخِلًا فِي الْجَنَّةِ فِي حَالَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] قِيلَ: جَنَّةٌ مُعَجَّلَةٌ وَهِيَ حَلَاوَةُ الطَّاعَةِ وَلَذَّةُ الْمُنَاجَاةِ، وَجَنَّةٌ مُؤَجَّلَةٌ وَهِيَ قَبُولُ الْمَثُوبَةِ وَعُلُوُّ الدَّرَجَةِ اهـ. قَالَ الْقُشَيْرِيِّ: هُوَ لِلْإِشَارَةِ وَهُوَ عِنْدَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ إِخْبَارٌ عَنْ نِهَايَةِ التَّحْقِيقِ، فَإِذَا قِيلَ هُوَ لَا يَسْبِقُ إِلَى قُلُوبِهِمْ غَيْرُ الْحَقِّ، فَيَكْتَفُونَ عَنْ كُلِّ بَيَانٍ يَتْلُوهُ لِاسْتِهْلَاكِهِمْ فِي حَقَائِقِ الْقُرْبِ، وَاسْتِيلَاءِ ذِكْرِ الْحَقِّ عَلَى أَسْرَارِهِمْ، وَانْمِحَائِهِمْ عَنْ شُهُودِهِمْ، فَضْلًا عَنْ إِحْسَاسِهِمْ بِمَنْ سِوَاهُ. قِيلَ: اللَّهُ أَصْلُهُ لَاهَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ فَعُرِّبَ، وَقِيلَ عَرَبِيٌّ وُضِعَ فِي أَصْلِهِ، لِأَنَّ ذَاتَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ بِلَا اعْتِبَارٍ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ لِلْبَشَرِ، فَلَا يُمْكِنُهُ وَضْعُ اللَّفْظِ وَلَا الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ لَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ، وَصَارَ كَالْعَلَمِ أُجْرِيَ مَجْرَاهُ فِي إِجْرَاءِ الْأَوْصَافِ عَلَيْهِ، وَامْتِنَاعِ الْوَصْفِ بِهِ وَعَدَمِ تَطَرُّقِ احْتِمَالِ الشَّرِكَةِ إِلَيْهِ وَمَعْنَاهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ، ثُمَّ قِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ أَلَهَ كَعَبَدَ وَزْنًا وَمَعْنًى وَتَصَرُّفًا، فَالْإِلَهُ بِمَعْنَى الْمَأْلُوهِ، وَقِيلَ: مِنْ لَاهَ يَلِيهِ لَيْهًا وَلَاهًا أَيْ: احْتَجَبَ وَارْتَفَعَ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنْ إِدْرَاكِ الْأَبْصَارِ مُرْتَفِعٌ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَقِيلَ: مِنْ أَلِهَ أَيْ: تَحَيَّرَ وَوَلِهَ وَزْنًا وَمَعْنًى لِتَحَيُّرِ الْعُقُولِ فِي مَعْرِفَةِ صِفَاتِهِ، فَضْلًا عَنْ مَعْرِفَةِ ذَاتِهِ، وَقِيلَ: مِنْ أَلِهَ أَيْ فَزِعَ إِذْ يَفْزَعُ النَّاسُ مِنْهُ وَإِلَيْهِ وَقِيلَ: مِنْ أَلَهْتُ إِلَى كَذَا أَيْ: سَكَنْتُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقُلُوبَ تَطْمَئِنُّ بِذِكْرِهِ، وَالْأَرْوَاحَ تَسْكُنُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ. وَهَذَا الِاسْمُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَعْظَمُ التِّسْعَةِ وَالتِسْعِينَ؛ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ الْجَامِعَةِ لِصِفَاتِ الْإِلَهَيَّةِ كُلِّهَا، وَقَدْ قَالَ الْقُطْبُ الرَّبَّانِيُّ السَّيِّدُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيُّ: الِاسْمُ الْأَعْظَمُ هُوَ اللَّهُ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَقُولَ: (اللَّهُ) وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ سِوَى اللَّهِ. قِيلَ: هَذَا الِاسْمُ لِلْعَوَامِّ إِجْرَاؤُهُ عَلَى اللِّسَانِ وَالذِّكْرُ بِهِ عَلَى مَوْجُودٍ فَائِضِ الْجُودِ، جَامِعٍ لِلصِّفَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَمَنْعُوتٍ بِنُعُوتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلِخَوَاصِّ الْخَوَاصِّ أَنْ يَسْتَغْرِقَ قَلْبُهُمْ بِاللَّهِ، فَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى أَحَدٍ سِوَاهُ، وَلَا يَرْجُو وَيَخَافُ فِيمَا يَأْتِي وَيَذَرُ إِلَّا إِيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ الثَّابِتُ وَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ ﷺ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ » . ثُمَّ قِيلَ: إِنْ أُرِيدَ بِالْإِلَهِ الْأَعَمُّ كَانَ التَّقْدِيرُ، لَا إِلَهَ مَعْبُودٌ بِحَقٍّ إِلَّا هُوَ أَوِ الْأَخَصُّ وَهُوَ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ، فَالتَّقْدِيرُ لَا إِلَهَ مَوْجُودٌ إِلَّا هُوَ، وَعَلَى كُلٍّ فَمَحْمِلٌ هُوَ الرَّفْعُ وَيَجُوزُ النَّصْبُ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مُفَادُ هَذَا النَّفْيِ وَمَا بَعْدَهُ غَايَةُ الْإِثْبَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ: لَا أَخَ لِي سِوَاكَ آكَدُ مِنْ: أَنْتَ أَخِي، فَمُفَادُهَا نَفْيُ مَا اسْتَحَالَ وُجُودُهُ مِنْ أَصْلِهِ وَهُوَ الشَّرِيكُ، وَإِثْبَاتُ مَا اسْتَحَالَ عَدَمُهُ وَهُوَ الذَّاتُ الْعَلِيُّ، وَالْمُرَادُ

стр. 3244

إِظْهَارُ اعْتِقَادِ ذَلِكَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ الْمُشْتَرَطِ لِصِحَّةِ الْإِيمَانِ الْمَطْلُوبِ لِظُهُورِ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِتْقَانِ. ( «الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُمَا اسْمَانِ بُنِيَا لِلْمُبَالَغَةِ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَهِيَ لُغَةً رِقَّةُ الْقَلْبِ، وَانْعِطَافٌ وَرَأْفَةٌ تَقْتَضِي التَّفْضِيلَ وَالْإِحْسَانَ عَلَى مَنْ رَقَّ لَهُ، وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ إِنَّمَا تُوجَدُ بِاعْتِبَارِ الْغَايَاتِ الَّتِي هِيَ أَفْعَالٌ دُونَ الْمَبَادِئِ الَّتِي تَكُونُ انْفِعَالَاتٍ، وَحَظُّ الْعَارِفِ مِنْهُمَا أَنْ يَتَوَجَّهَ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَى جَنَابِ قُدُسِهِ، وَيَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَيَلْتَجِئَ فِيمَا يَعِنُّ لَهُ إِلَيْهِ وَيَشْغَلَ سِرَّهُ بِذِكْرِهِ، وَالِاسْتِمْدَادِ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ لِمَا فُهِمَ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْمُنْعِمُ الْحَقِيقِيُّ وَالْمُولِي لِلنِّعَمِ كُلِّهَا عَاجِلِهَا وَآجِلِهَا، وَيَرْحَمُ عِبَادَ اللَّهِ فَيُعَاوِنُ الْمَظْلُومَ وَيَصْرِفُ الظَّالِمَ عَنْ ظُلْمِهِ بِالطَّرِيقِ الْأَحْسَنِ، وَيُنَبِّهُ الْغَافِلَ وَيَنْظُرُ إِلَى الْعَاصِي بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ دُونَ الِازْدِرَاءِ وَيَجْتَهِدُ فِي إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ وَإِزَاحَتِهِ عَلَى أَحْسَنِ مَا يَسْتَطِيعُهُ، وَيَسْعَى فِي سَدِّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِينَ بِقَدْرِ وُسْعِهِ وَطَاقَتِهِ، فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ. إِمَّا إِرَادَةُ الْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ وَدَفْعُ الضُّرِّ عَنْهُمْ فَيَكُونُ الِاسْمَانِ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، أَوْ نَفْسُ الْإِنْعَامِ وَالدَّفْعِ، فَيَعُودَانِ إِلَى صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ صِفَةَ الذَّاتِ عَدَمُهَا يُوجِبُ نَقْصًا، وَلَا كَذَلِكَ صِفَةُ الْأَفْعَالِ. وَالرَّحْمَنُ: أَبْلَغُ مِنَ الرَّحِيمِ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْمَبْنَى تَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ الْمَعْنَى، وَذَلِكَ تَارَةً تُوجَدُ بِاعْتِبَارِ الْكَمِّيَّةِ، وَأُخْرَى بِاعْتِبَارِ الْكَيْفِيَّةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ قِيلَ: يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا، لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ يَخُصُّ الْمُؤْمِنَ، وَعَلَى الثَّانِي قِيلَ: يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ، لِأَنَّ النِّعَمَ الْأُخْرَوِيَّةَ بِأَسْرِهَا تَامَّةٌ، وَالنِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ تَنْقَسِمُ إِلَى جَلِيلٍ وَحَقِيرٍ، وَقَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَتَامٍّ وَغَيْرِ تَامٍّ، وَكَانَ مَعْنَى الرَّحْمَنِ هُوَ الْمُنْعِمُ الْحَقِيقِيُّ تَامُّ الرَّحْمَةِ عَمِيمُ الْإِحْسَانِ، وَلِذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى، وَيُقَالُ لَهُ خَاصُّ اللَّفْظِ عَامُّ الْمَعْنَى، بِخِلَافِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهُ عَامُّ اللَّفْظِ خَاصُّ الْمَعْنَى. (الْمَلِكُ) : أَيْ: ذُو الْمُلْكِ التَّامِّ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْإِيجَادِ وَالِاخْتِرَاعِ مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ بِكَذَا إِذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ، فَيَكُونُ مِنْ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ كَالْقَادِرِ، وَقِيلَ: الْمُتَصَرِّفُ فِي الْأَشْيَاءِ بِالْإِيجَادِ وَالْإِفْنَاءِ وَالْإِمَاتِهِ وَالْإِحْيَاءِ، فَيَكُونُ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ كَالْخَالِقِ، وَقِيلَ: وَمَوْقِعُ الْمَلِكِ فِي الْحَدِيثِ كَمَوْقِعِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ فِي التَّنْزِيلِ عَلَى أُسْلُوبِ التَّكْمِيلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ مَا دَلَّ عَلَى النِّعَمِ وَالْأَلْطَافِ أَرْدَفَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْغَلَبَةِ وَالْقُوَّةِ، وَأَنَّهُ الْمَلِكُ الْحَقِيقِيُّ، وَأَنَّهُ لَا مَالِكَ سِوَاهُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ مُحْتَاجٌ فِي الْوُجُودِ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَالِاحْتِيَاجُ مِمَّا يُنَافِي الْمُلْكَ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُلْكٌ مُطْلَقٌ، بَلْ يُضَافُ إِلَيْهِ مَجَازًا. ثُمَّ لَمَّا وَصَفَهُ بِمَا قَدْ يُوصَفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ، وَكَانَ مَظِنَّةً لِلتَّشْبِيهِ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (الْقُدُّوسُ) : وَهَلُمَّ جَرًّا بِتَتَابُعِ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ فِي الثَّنَاءِ، وَهُوَ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ أَيِ: الطَّاهِرُ الْمُنَزَّهُ فِي نَفْسِهِ عَنْ سِمَاتِ النُّقْصَانِ، ثُمَّ وَظِيفَةُ الْعَارِفِ مِنَ اسْمِ الْمَلِكِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَغْنِي عَلَى الْإِطْلَاقِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَا عَدَاهُ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ وَجُودُهُ وَبَقَاؤُهُ وَمُسَخَّرٌ لِحُكْمِهِ وَقَضَائِهِ، فَيَسْتَغْنِي عَنِ النَّاسِ رَأْسًا وَيَسْتَبِدُّ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَمْلَكَتِهِ الْخَاصَّةِ الَّتِي هِيَ قَلْبُهُ وَقَالَبُهُ، وَالتَّسَلُّطِ عَلَى جُنُودِهِ وَرَعَايَاهُ مِنَ الْقُوَى وَالْجَوَارِحِ وَاسْتِعْمَالِهَا فِيمَا فِيهِ خَيْرُ الدَّارَيْنِ، وَفِي مَعْنَاهُ قِيلَ: مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ فَهُوَ حُرٌّ وَالْعَبْدُ مَنْ يَمْلِكُهُ هَوَاهُ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَنْ عَرَفَ أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْقُدُّوسُ تَسْمُو هِمَّتُهُ إِلَى أَنْ يُطَهِّرَهُ الْحَقُّ مِنْ عُيُوبِهِ وَآفَاتِهِ، وَيُقَدِّسَهُ عَنْ دَنَسِ آثَامِهِ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ، فَيَحْتَالُ فِي تَصْفِيَةِ وَقْتِهِ عَنِ الْكُدُورَاتِ، وَيَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ بِحُسْنِ اسْتِعَانَتِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، فَإِنَّ مَنْ طَهَّرَ اللَّهُ لِسَانَهُ عَنِ الْغِيبَةِ طَهَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ عَنِ الْغِيبَةِ، وَمَنْ طَهَّرَ اللَّهُ سِرَّهُ عَنِ الْحَجْبَةِ مِنَ الْقُرْبَةِ

стр. 3245

الْقَرِيبَةِ. حُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ أَنَّهُ مَرَّ بِسَكْرَانٍ مَطْرُوحٍ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَقَدْ تَقَيَّأَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: بِأَيِّ لِسَانٍ أَصَابَتْهُ هَذِهِ الْآفَةُ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهَ وَغَسَلَ فَمَهُ؟ فَلَمَّا أَنْ أَفَاقَ السَّكْرَانُ أُخْبِرَ بِمَا فَعَلَهُ فَخَجِلَ وَتَابَ، فَرَأَى إِبْرَاهِيمُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ: غَسَلْتَ لِأَجْلِنَا فَمَهُ غَسَلْنَا لِأَجْلِكَ قَلْبَهُ. (السَّلَامُ) : مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ: ذُو السَّلَامَةِ عَنْ عُرُوضِ الْآفَاتِ مُطْلَقًا ذَاتًا وَصِفَةً وَفِعْلًا، فَهُوَ الَّذِي سَلِمَ ذَاتُهُ عَنِ الْعَيْبِ وَالْحُدُوثِ، وَصِفَاتُهُ عَنِ النَّقْصِ، وَأَفْعَالُهُ عَنِ الشَّرِّ الْمَحْضِ، فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ التَّنْزِيهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَالِكُ تَسْلِيمِ الْعَابِدِ مِنَ الْمَخَاوِفِ وَالْمَهَالِكِ، فَيَرْجِعُ إِلَى الْقُدْرَةِ وَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَقِيلَ: ذُو السَّلَامِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجِنَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] فَيَكُونُ مَرْجِعُهُ إِلَى الْكَلَامِ الْقَدِيمِ، قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُدُّوسِ أَنَّ الْقُدُّوسَ يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَةِ الشَّيْءِ مِنْ نَقْصٍ يَقْتَضِيهِ ذَاتُهُ وَيَقُومُ بِهِ، فَإِنَّ الْقُدُّوسَ طَهَارَةُ الشَّيْءِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ الْفِعْلُ مِنْهُ عَلَى فَعُلَ بِالضَّمِّ، وَالسَّلَامُ يَدُلُّ عَلَى نَزَاهَتِهِ عَنْ نَقْصٍ يَعْتَرِيهِ لِعُرُوضِ آفَةٍ، أَوْ صُدُورِ فِعْلٍ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا قِيلَ: الْقُدُّوسُ فِيمَا لَمْ يَزَلْ، وَالسَّلَامُ فِيمَا لَا يَزَالُ، وَوَظِيفَةُ الْعَارِفِ أَنْ يَتَحَقَّقَ بِهِ بِحَيْثُ يَسْلَمُ قَلْبُهُ مِنَ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالْخِيَانَةِ وَإِرَادَةِ الشَّرِّ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْخَيْرِ فِي ضِمْنِهِ وَجَوَارِحِهِ عَنِ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَالْآثَامِ، وَيَكُونُ مُسْلِمًا لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَمُسَلِّمًا عَلَى كُلٍّ مَنْ يَرَاهُ عَرَفَهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ، وَعَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ: السَّلِيمُ مِنَ الْعِبَادِ مِنْ سَلِمَ عَنِ الْمُخَالَفَاتِ سِرًّا وَعَلَنًا، وَبَرِئَ مِنَ الْعُيُوبِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَمِنْ آدَابِ مَنْ تَخَلَّقَ بِهَذَا الِاسْمِ أَنْ يَعُودَ إِلَى مَوْلَاهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا كَانَ السَّلَامُ مِنَ السَّلَامَةِ كَانَ الْعَارِفُ بِهَذَا الِاسْمِ طَالِبًا لِلسَّلَامَةِ، وَمُتَلَبِّسًا بِالِاسْتِسْلَامِ، لِيَجْمَعَ لَهُ كَمَالَ التَّنْزِيهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، وَالتَّخَلُّقُ بِهِ أَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، بَلْ يَكُونُ بِزِيَادَةِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رَأَى مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنَّا قَالَ: هُوَ خَيْرٌ مِنِّي؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنِّي طَاعَةً وَأَسْبَقُ مِنِّي إِيمَانًا وَمَعْرِفَةً، وَإِنْ رَأَى أَصْغَرَ مِنْهُ، قَالَ: إِنَّهُ خَيْرٌ مِنِّي؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنِّي مَعْصِيَةً، وَإِذَا ظَهَرَ مِنْ أَخِيهِ مَعْصِيَةٌ طَلَبَ لَهُ سَبْعِينَ مَعْذِرَةً، فَإِنِ اتَّضَحَ لَهُ عُذْرُهُ وَإِلَّا عَادَ عَلَى نَفْسِهِ بِاللَّوْمِ، وَيَقُولُ: بِئْسَ الرَّجُلُ أَنْتَ حَيْثُ لَمْ تَقْبَلْ سَبْعِينَ عُذْرًا مِنْ أَخِيكَ. (الْمُؤْمِنُ) : أَيْ: مَنْ أُمِنَ خُلُقُهُ بِإِفَادَةِ آلَاتِ دَفْعِ الْمَضَارِّ، أَوْ أَمِنَ الْأَبْرَارَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ يَوْمَ الْعَرْضِ، أَوْ أَمِنَ عِبَادَهُ مِنَ الظُّلْمِ، بَلْ مَا يَفْعَلُ بِهِمْ إِمَّا فَضْلٌ وَإِمَّا عَدْلٌ، فَهُوَ مِنَ الْأَمَانِ وَمَرْجِعُهُ إِلَى أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ، أَوْ صَدَّقَ أَنْبِيَاءَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ، فَيَرْجِعُ إِلَى الْكَلَامِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُوَافَقَةَ فِي الْأَسْمَاءِ لَا تَقْتَضِي الْمُشَابَهَةَ فِي الذَّوَاتِ، فَيُصْبِحُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ مُؤْمِنًا، وَلَا تَقْضِي الْمُشَابَهَةُ مُشَابَهَةَ الْعَبْدِ الرَّبَّ اهـ. وَلَا تَقْتَضِي الْمُشَابَهَةَ فِي الصِّفَاتِ فَإِنَّ بَيْنَ الْإِيمَانَيْنِ بَوْنًا بَيِّنًا، قِيلَ: وَوَظِيفَةُ الْعَارِفِ مِنْهُ أَنْ يُصَدِّقَ الْحَقَّ وَيَسْعَى فِي تَقْرِيرِهِ، وَيَكُفَّ عَنِ الْإِضْرَارِ وَالْحَيْفِ، وَيَكُونُ بِحَيْثُ يَأْمَنُ النَّاسُ بَوَائِقَهُ، وَيَعْتَضِدُونَ بِهِ فِي دَفْعِ الْمَخَاوِفِ وَدَفْعِ الْمَفَاسِدِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ عَرَفَ أَنَّهُ الصَّادِقُ فِي وَعْدِهِ الْمُصَدِّقُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لَمْ يَسْكُنْ فِي تَصْدِيقِهِ لِغَيْرِهِ، وَعُطِفَ عَلَى السَّلَامِ لِمَزِيدِ مَعْنَى التَّأْمِينِ عَلَى السَّلَامِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْقَبُولِ وَالْإِقْبَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الْمُهَيْمِنُ) : أَيِ: الرَّقِيبُ الْمُبَالِغُ فِي الْمُرَاقَبَةِ وَالْحِفْظِ، وَمِنْهُ هَيْمَنَ الطَّائِرُ إِذَا نَشَرَ جَنَاحَهُ عَلَى فِرَاخِهِ صِيَانَةً لَهُ، فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ، وَقِيلَ: الشَّاهِدُ أَيِ: الْعَالِمُ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، فَيَرْجِعُ إِلَى الْعِلْمِ، وَقِيلَ: الَّذِي يَشْهَدُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ فَيَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] أَيْ: شَاهِدًا، وَقِيلَ: الْقَائِمُ بِأُمُورِ الْخَلْقِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ وَآجَالِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ، فَيَرْجِعُ إِلَى الْقُدْرَةِ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ مُؤَيْمِنٌ أُبْدِلَتِ الْهَاءُ مِنَ الْهَمْزَةِ، فَهُوَ مُفَيْعِلٌ مِنَ الْأَمَانَةِ بِمَعْنَى الْأَمِينِ الصَّادِقِ الْوَعْدِ، فَهُوَ مِنَ الْكَلَامِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فِي الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀: الْمُهَيْمِنُ اسْمٌ لِمَنِ اسْتَجْمَعَ ثَلَاثَ صِفَاتٍ: الْعِلْمُ مَجَالُ الشَّيْءِ، وَالْقُدْرَةُ الْعَامَّةُ عَلَى مُرَاعَاةِ مَصَالِحِهِ، وَالْقِيَامُ عَلَيْهَا، وَحَظُّ الْعَارِفِ مِنْهُ أَنْ يُرَاقِبَ قَلْبَهُ، وَيُقَوِّمَ أَحْوَالَهُ، وَيَحْفَظَ الْقُوَى

стр. 3246

وَالْجَوَارِحَ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِمَا يَشْغَلُ قَلْبَهُ عَنْ جَنَابِ الْقُدُسِ، وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِّ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: مَنْ عَرَفَ أَنَّهُ الْمُهَيْمِنُ خَضَعَ تَحْتَ جَلَالِهِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ. (الْعَزِيزُ) : وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١] وَقِيلَ: عَدِيمُ الْمِثَالِ فَمَرْجِعُهُ إِلَى التَّنْزِيهِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي تَتَعَذَّرُ الْإِحَاطَةُ بِوَصْفِهِ، وَحَظُّ الْعَارِفِ مِنْهُ أَنْ يُعِزَّ نَفْسَهُ، وَلَا يَسْتَهِينَهَا بِالْمَطَالِبِ الدَّنِيَّةِ، وَلَا يُدَنِّسَهَا بِالسُّؤَالِ مِنَ النَّاسِ، وَالِافْتِقَارِ إِلَيْهِمْ، وَيَجْعَلَهَا بِحَيْثُ يَشْتَدُّ إِلَيْهَا احْتِيَاجُ الْعِبَادِ فِي الْإِرْفَاقِ وَالْإِرْشَادِ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُرْسِيُّ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ الْعِزَّ إِلَّا فِي رَفْعِ الْهِمَّةِ عَنِ الْمَخْلُوقِينَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَعْرِفُ اللَّهَ عَزِيزًا مَنْ أَعَزَّ أَمْرَهُ وَطَاعَتَهُ، فَأَمَّا مَنِ اسْتَهَانَ بِأَوَامِرِهِ، فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ مُتَحَقِّقًا بِعِزَّتِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] . (الْجَبَّارُ) : بِنَاءُ مُبَالَغَةٍ مِنَ الْجَبْرِ، وَهُوَ إِصْلَاحُ الشَّيْءِ بِضَرْبٍ مِنَ الْقَهْرِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِصْلَاحِ الْمُجَرَّدِ نَحْوَ مَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ: يَا جَابِرَ كُلِّ كَسِيرٍ، وَعَلَى الْقَهْرِ الْمُجَرَّدِ نَحْوَ مَا وَرَدَ: لَا جَبْرَ وَلَا تَفْوِيضَ، ثُمَّ تَجَوَّزَ بِهِ لِلْعُلُوِّ الْمُسَبَّبِ عَنِ الْقَهْرِ فَقِيلَ لِمَكَّةَ جَبَّارَةٌ فَقِيلَ الْجَبَّارُ هُوَ الْمُصْلِحُ لِأُمُورِ الْعِبَادِ يُغْنِي الْمُؤْمِنَ مِنْ فَقْرِهِ، وَيُصْلِحُ عَظْمَهُ مِنْ كَسْرِهِ فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ، وَقِيلَ: الْمُتَعَالِي عَنْ أَنْ يَلْحَقَهُ كَيْدُ الْكَائِدِينَ، وَأَنْ يَنَالَهُ قَصْدُ الْقَاصِدِينَ، فَمَرْجِعُهُ إِلَى التَّنْزِيهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ حَامِلُ الْعِبَادِ عَلَى مَا أَرَادَ قَهْرًا مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ، أَوْ عَلَى مَا أَرَادَ صُدُورَهُ عَنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْبَارِ، فَصَارُوا حَيْثُ أَرَادَ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا مِنَ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ، فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ. قِيلَ: وَحَظُّ الْعَارِفِ مِنْ هَذَا الِاسْمِ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى النَّفْسِ فَيَجْبُرَ نَقَائِصَهَا بِاسْتِكْمَالِ الْفَضَائِلِ، وَيَحْمِلَهَا عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى مِنَ الرَّذَائِلِ، وَيَكْسِرَ فِيهَا الْهَوَى وَالشَّهَوَاتِ بِأَنْوَاعِ الرِّيَاضَاتِ، وَيَرْتَفِعَ عَمَّا سِوَى الْحَقِّ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَى الْخَلْقِ فَيَتَخَلَّقُ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ بِحَيْثُ لَا يُزَلْزِلُهُ تَعَاوُرُ الْحَوَادِثِ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ تَعَاقُبُ النَّوَازِلِ، بَلْ يَقْوَى عَلَى التَّأْثِيرِ فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ بِالْإِرْشَادِ وَالْإِصْلَاحِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: الِاسْمُ إِذَا احْتَمَلَ مَعَانِيَ مِمَّا يَصِحُّ فِي وَصْفِهِ تَعَالَى، فَمَنْ دَعَاهُ بِهَذَا الِاسْمِ، فَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْمَعَانِي فَهُوَ الْجَبَّارُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ عَزِيزٌ مُتَكَبِّرٌ مُحْسِنٌ إِلَى عِبَادِهِ، لَا يَجْرِي فِي سُلْطَانِهِ شَيْءٌ بِخِلَافِ مُرَادِهِ، مِنْ آدَابِ مَنْ عَرَفَ أَنَّهُ لَا تَنَالُهُ الْأَيْدِي لِعُلُوِّ قُدْرَتِهِ أَنْ يَتَحَقَّقَ بِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، فَلَا يُصِيبُ الْعَبْدَ مِنْهُ إِلَّا لُطْفُهُ وَإِحْسَانُهُ الْيَوْمَ عِرْفَانُهُ وَغَدًا غُفْرَانُهُ، وَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُجْبِرُ الْخَلْقَ عَلَى مُرَادِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِي سُلْطَانِهِ مَا يَأْبَاهُ وَيَكْرَهُهُ تَرَكَ مَا يَهْوَاهُ وَانْقَادَ لِمَا يَحْكُمُ بِهِ مَوْلَاهُ، فَيَسْتَرِيحُ عَنْ كَدِّ الْفِكْرِ وَتَعَبِ التَّدْبِيرِ، وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ: عَبْدِي تُرِيدُ وَأُرِيدُ وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ، فَإِنْ رَضِيتَ بِمَا أُرِيدُ كَفَيْتُكَ فِيمَا تُرِيدُ، وَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِمَا أُرِيدُ أَتْعَبْتُكَ فِيمَا تُرِيدُ، ثُمَّ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ اهـ. وَلِذَا قِيلَ لِأَبِي يَزِيدَ: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَلَّا أُرِيدَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ: هَذِهِ إِرَادَةٌ أَيْضًا، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ، مَا حَاصِلُهُ: الْجَبَّارُ مِنَ الْعِبَادِ مَنِ ارْتَفَعَ عَنِ الِاتِّبَاعِ، وَنَالَ دَرَجَةَ الِاسْتِتْبَاعِ، وَتَفَرَّدَ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ بِحَيْثُ يُجْبِرُ الْخَلْقَ هَيْئَتُهُ وَصُورَتُهُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَمُتَابَعَتِهِ فِي سَمْتِهِ وَسِيرَتِهِ، فَيُفِيدُ الْخَلْقَ وَلَا يَسْتَفِيدُ، وَيُؤَثِّرُ وَلَا يَتَأَثَّرُ، وَلَمْ يَكْمُلْ هَذَا الْمَقَامُ إِلَّا لِنَبِيِّنَا ﵊ حَيْثُ قَالَ: " «لَوْ أَنَّ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي، وَأَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» ". (الْمُتَكَبِّرُ) : أَيْ ذُو الْكِبْرِيَاءِ وَهُوَ الرَّبُّ الْمَلِكُ، أَوْ هُوَ الْمُتَعَالِي عَنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ، وَقِيلَ: هُوَ عِبَارَةُ عَنْ كَمَالِ الذَّاتِ فَلَا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَرَى غَيْرَهُ حَقِيرًا بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَاتِهِ، فَيَنْظُرُ إِلَى غَيْرِهِ نَظَرَ الْمَالِكِ إِلَى عَبْدِهِ وَهُوَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا لَهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ الْمُتَفَرِّدُ بِالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلِذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قِيلَ. هَذَا اللَّفْظُ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ، وَوَضَعَهُ لِلتَّكَلُّفِ فِي إِظْهَارِ مَا لَا يَكُونُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُطْلَقَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. قُلْتُ: لَمَّا تَضَمَّنَ التَّكَلُّفَ بِالْفِعْلِ مُبَالَغَةً فِيهِ أُطْلِقُ اللَّفْظُ، وَأُرِيدَ بِهِ مُجَرَّدُ الْمُبَالَغَةِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ شَائِعٌ فِي كَلَامِهِمْ، مَعَ أَنَّ التَّفَعُّلَ جَاءَ لِغَيْرِ التَّكَلُّفِ كَثِيرًا كَالتَّعَمُّمِ وَالتَّقَمُّصِ.

стр. 3247

قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَنْ عَرَفَ عُلُوَّهُ تَعَالَى وَكِبْرِيَاءَهُ لَازَمَ طَرِيقَ التَّوَاضُعِ، وَسَلَكَ سَبِيلَ التَّذَلُّلِ، وَقَدْ قِيلَ: هَتَكَ سِتْرَهُ مَنْ جَاوَزَ قَدْرَهُ، وَقَدْ قِيلَ: الْفَقِيرُ فِي خَلْقِهِ أَحْسَنُ مِنْهُ فِي جَدِيدِ غَيْرِهِ، وَلَا شَيْءَ أَحْسَنُ عَلَى الْخَدَمِ مِنَ التَّوَاضُعِ بِحَضْرَةِ السَّادَةِ، وَقِيلَ: كُلٌّ مَنْ أَخْلَصَ فِي وُدِّهِ وَصَدَقَ فِي حُبِّهِ كَانَ اسْتِلْذَاذُهُ بِمَنْعِهِ أَكْثَرَ مِنَ اسْتِلْذَاذِهِ بِعَطَائِهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنَّكَ إِذَا شَاهَدْتَ كِبْرِيَاءَهُ تَعَالَى تَكَبَّرْتَ عَلَى الرُّكُونِ إِلَى الشَّهَوَاتِ وَالسُّكُونِ إِلَى الْمَأْلُوفَاتِ، فَإِنَّ الْبَهَائِمَ تُسَاهِمُكَ فِيهَا، بَلْ عَنْ كُلِّ مَا يَشْغَلُ سِرَّكَ عَنِ الْحَقِّ، وَاسْتَحْقَرْتَ كُلَّ شَيْءٍ سِوَى الْوُصُولِ إِلَى جَنَابِ الْقُدُسِ مِنْ مُسْتَلَذَّاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَزَالَتْ عَنْكَ جَمِيعُ دَعَاوَى الْكِبْرِ وَمَهَاوِيهِ، لِصَفَاءِ نَفْسِكَ وَانْطِبَاعِهَا لِلْحَقِّ، حَتَّى سَكَنَ وَهَجُهَا، وَانْمَحَتْ رُسُومُهَا، فَلَمْ يَبْقَ لَهَا اخْتِيَارٌ، وَلَا مَعَ غَيْرِ اللَّهِ قَرَارٌ. (الْخَالِقُ) : مِنَ الْخَلْقِ، وَأَصْلُهُ التَّقْدِيرُ الْمُسْتَقِيمُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] أَيِ الْمُقَدِّرِينَ. ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] أَيْ تُقَدِّرُونَ كَذِبًا، وَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْإِبْدَاعِ، وَإِيجَادِ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ١٦٤] فَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُقَدِّرُهُ أَوْ مُوجِدُهُ مِنْ أَصْلٍ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ. (الْبَارِئُ) : بِالْهَمْزِ فِي آخِرِهِ، أَيِ: الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بَرِيئًا مِنَ التَّفَاوُتِ. (الْمُصَوِّرُ) : بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: مُبْدِعُ صُوَرِ الْمُخْتَرَعَاتِ وَمُزَيِّنُهَا وَمُرَتِّبُهَا، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُ الشَّيْءَ عَلَى هَيْئَةٍ يَتِمُّ بِهَا خَوَاصُّهُ وَأَفْعَالُهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ. بِمَعْنَى أَنَّهُ مُقَدِّرُهُ، أَوْ مُوجِدُهُ مَنْ أَصْلٍ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَبَارِئُهُ بِحَسَبِ مَا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وَسَبَقَتْ بِهِ كَلِمَتُهُ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ وَاخْتِلَالٍ، وَمُصَوِّرُهُ بِصُورَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ خَوَاصُّهُ، وَيَتِمُّ بِهِ كَمَالُهُ، وَثَلَاثَتُهَا مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ اهـ. وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مُتَرَادِفَةٌ وَحَظُّ الْعَارِفِ مِنْهَا أَنْ لَا يَرَى شَيْئًا، وَلَا يَتَصَوَّرَ أَمْرًا إِلَّا وَيَتَأَمَّلُ فِيمَا فِيهِ مِنْ بَاهِرِ الْقُدْرَةِ وَعَجَائِبِ الصُّنْعِ، وَلِيَتَرَقَّى مِنَ الْمَخْلُوقِ إِلَى الْخَالِقِ، وَيَنْتَقِلَ مِنْ مُلَاحَظَةِ الْمَصْنُوعِ إِلَى الصَّانِعِ، حَتَّى يَصِيرَ بِحَيْثُ كُلَّمَا نَظَرَ إِلَى شَيْءٍ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَإِذَا عَلِمَ الْعَبْدُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا وَلَا عَيْنًا، فَحَوَّلَهُ اللَّهُ شَيْئًا وَجَعَلَهُ عَيْنًا، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ لَا يَعْجَبَ بِحَالِهِ، وَلَا يَدِلَّ بِأَفْعَالِهِ، وَقَدْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ حُكْمُ مَآلِهِ، وَكَيْفَ لَا يَتَوَاضَعُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ نُطْفَةٌ، وَفِي الِانْتِهَاءِ جِيفَةٌ، وَفِي الْحَالِ صَرِيعُ جُوعِهِ وَأَسِيرُ شِبَعِهِ، فَفِيهِ مِنَ النَّقَائِصِ مَا إِنْ تَأَمَّلَهُ عَرَفَ بِهِ جَلَالَ رَبِّهِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمُتَقَدِّمَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، سِوَى الْجَلَالَةِ، وَكُلُّهَا دَائِرَةٌ عَلَى مَعَانِيهَا مَعَ إِفَادَةِ كُلٍّ مِنْهَا زِيَادَةً عَلَى مَعْنَى مَا قَبْلَهَا. وَقَدْ جَاءَ كَذَلِكَ فِي خَاتِمَةِ سُورَةِ الْحَشْرِ، مَعَ زِيَادَةِ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ قَالُوا: آخِرُ سُورَةِ الْحَشْرِ مُشْتَمِلٌ عَلَى اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الْغَفَّارُ) : أَيِ الَّذِي يَسْتُرُ الْعُيُوبَ وَالذُّنُوبَ فِي الدُّنْيَا بِإِسْبَالِ السِّتْرِ عَلَيْهَا، وَفِي الْعُقْبَى بِتَرْكِ الْمُعَاتَبَةِ لَهَا، وَهُوَ لِزِيَادَةِ بِنَائِهِ أَبْلَغُ مِنَ الْغَفُورِ، وَقِيلَ: الْمُبَالَغَةُ فِي الْغَفَّارِ بِاعْتِبَارِ الْكَمِّيَّةِ، وَفِي الْغَفُورِ بِاعْتِبَارِ الْكَيْفِيَّةِ، وَأَصْلُ الْغَفْرِ السَّتْرُ فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ، وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا هُوَ، وَأَنْ تَسْتُرَ عَلَى عِبَادِهِ، وَتَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَتُلَازِمَ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ خُصُوصًا فِي الْأَسْحَارِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] " ثُمَّ " تَقْتَضِي التَّرَاخِيَ كَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ رَخَى عَمْرَهُ فِي الزَّلَّاتِ، وَأَفْنَى حَيَاتَهُ فِي الْمُخَالَفَاتِ، وَأَبْلَى شَبَابَهُ فِي الْبَطَّالَاتِ، ثُمَّ نَدِمَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَجَدَ مِنَ اللَّهِ الْعَفْوَ مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَ " مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا " إِخْبَارٌ عَنِ الْفِعْلِ، وَ " يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ " إِخْبَارٌ عَنِ الْقَوْلِ كَأَنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ زَلَّاتُهُمْ حَالَةٌ، وَتَوْبَتُهُمْ قَالَةٌ، وَلَقَدْ سَهَّلَ عَلَيْكَ الْأَمْرَ مَنْ رَضِيَ عَنْكَ بِقَالَةٍ، وَقَدْ عَمِلْتَ مَا عَمِلْتَ، فَالِاسْتِغْفَارُ يَسْتَدْعِي مُجَرَّدَ الْغُفْرَانِ، فَقُوبِلَ بِقَوْلِهِ: " يَجِدِ اللَّهَ " نَظَرًا إِلَى حَالِ الْمُذْنِبِ كَيْفَ طَلَبَ الْمَغْفِرَةَ فَوَجَدَ اللَّهَ.

стр. 3248

(الْقَهَّارُ) : أَيِ: الَّذِي لَا مَوْجُودَ إِلَّا وَهُوَ مَقْهُورٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ مُسَخَّرٌ لِقَضَائِهِ، وَقَدَرِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] وَمَرْجِعُهُ إِلَى الْقُدْرَةِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي أَذَلَّ الْجَبَابِرَةَ وَقَصَمَ ظُهُورَهُمْ بِالْإِهْلَاكِ نَحْوِهِ، فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: هُوَ مَنِ اضْمَحَلَّتْ عِنْدَ صَوْلَتِهِ صَوْلَةُ كُلِّ مُتَمَرِّدٍ أَوْ جَبَّارٍ، وَبَادَتْ عِنْدَ سَطْوَتِهِ قُوَى الْمُلُوكِ وَأَرْبَابِ التَّفَاخُرِ وَالِاسْتِكْبَارِ، لَاسِيَّمَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] فَأَيْنَ الْجَبَابِرَةُ الْأَكَاسِرَةُ عِنْدَ ظُهُورِ هَذَا الْخِطَابِ؟ وَأَيْنَ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ وَالْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ فِي هَذَا الْعِتَابِ؟ وَأَيْنَ أَهْلُ الضَّلَالِ وَالْإِلْحَادِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْإِرْشَادِ؟ وَأَيْنَ آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ وَإِبْلِيسُ وَشِيعَتُهُ، وَكَأَنَّهُمْ بَادُوا وَانْقَرَضُوا، وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَغْنَوْا، زَهَقَتِ النُّفُوسُ، وَبَلَغَتِ الْأَرْوَاحُ، وَتَبَدَّدَتِ الْأَجْسَامُ وَالْأَشْبَاحُ، وَبَقِيَ الْمَوْجُودُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَمَا عَدَاهُ بَادُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَتَفَرَّقَتْ مِنْهُمُ الْأَعْضَاءُ وَالْأَوْصَالُ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَهَرَ نُفُوسَ الْعَابِدِينَ بِحُقُوقِ عُبُودِيَّتِهِ، وَقُلُوبَ الْعَارِفِينَ بِسَطْوَةِ قُرْبَتِهِ، وَأَرْوَاحَ الْوَاجِدِينَ بِكَشْفِ حَقِيقَتِهِ، فَالْعَابِدُ بِلَا نَفْسٍ لِاسْتِيلَاءِ سُلْطَانِ أَفْعَالِهِ عَلَيْهِ، وَالْعَارِفُ بِلَا قَلْبٍ، لِاسْتِيلَاءِ سُلْطَانِ إِقْبَالِهِ عَلَيْهِ، وَالْوَاحِدُ بِلَا رُوحٍ لِاسْتِيلَاءِ كَشْفِ جَمَالِهِ وَجَلَالِهِ، فَمَتَى أَرَادَ الْعَابِدُ خُرُوجَهُ عَنْ قَيْدِ مُجَاهَدَتِهِ، قَهَرَتْهُ سَطْوَةُ الْعِتَابِ فَرَدَّتْهُ إِلَى بَذْلِ الْمُهْجَةِ، وَمَتَى أَرَادَ الْعَارِفُ خُرُوجَهُ عَنْ مُطْلَبَاتِ الْقُرْبَةِ، قَهَرَتْهُ بِوَادِي الْهَيْبَةِ فَرَدَّتْهُ إِلَى تَوْدِيعِ الْمُهْجَةِ، فَشَتَّانَ بَيْنِ عَبْدِ مَقْهُورِ أَفْعَالِهِ، وَعَبْدٍ هُوَ مَقْهُورُ جَلَالِهِ وَجَمَالِهِ. (الْوَهَّابُ) : أَيْ: كَثِيرُ النِّعْمَةِ دَائِمُ الْعَطِيَّةِ: قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ - وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٥٣ - ٣٤] وَالْهِبَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، هِيَ الْخَالِيَةُ عَنْ غَرَضِ الْأَعْرَاضِ وَالْأَغْرَاضِ، فَإِنَّ الْمُعْطِيَ لِغَرَضٍ مُسْتَعِيضٌ، وَلَيْسَ بِوَاهِبٍ فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ. تَنْبِيهٌ: الْفَتَّاحُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الرَّزَّاقِ. (الْفَتَّاحُ) : أَيْ: الْحَاكِمُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ، مِنَ الْفَتْحِ، بِمَعْنَى الْحُكْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] لِأَنَّ الْحَكَمَ يَفْتَحُ الْأَمْرَ الْمُغْلَقَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ الْحَقَّ وَأَوْضَحَهُ، وَبَيَّنَ الْبَاطِلَ وَأَدْحَضَهُ بِبَعْثِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَنَصْبِ الْحُجَجِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ وَمَرْجِعُهُ إِلَى الْعِلْمِ. وَقِيلَ: الَّذِي يَفْتَحُ خَزَائِنَ الرَّحْمَةِ عَلَى أَصْنَافِ الْبَرِيَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحُ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] وَقِيلَ الْمِفْتَاحُ مِنَ الْفَتْحِ وَهُوَ الْإِفْرَاجُ مِنَ الضِّيقِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، كَالَّذِي يُفَرِّجُ تَضَايُقَ الْخَصْمَيْنِ فِي الْحَقِّ بِحُكْمِهِ، وَعَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ: الْفَتَّاحُ هُوَ الَّذِي لَا يُغْلِقُ وُجُوهَ النِّعْمَةِ بِالْعِصْيَانِ، وَلَا يَتْرُكُ إِيصَالَ الرَّحْمَةِ إِلَيْهِمْ بِالنِّسْيَانِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَفْتَحُ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَعْرِفَتِهِ، وَفَتَحَ عَلَى الْعَاصِينَ أَبْوَابَ مَغْفِرَتِهِ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي فَتَحَ عَلَى النُّفُوسِ بَابَ تَوْفِيقِهِ، وَعَلَى الْأَسْرَارِ بَابَ تَحْقِيقِهِ، وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ تَسْعَى فِي الْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَنْ تَنْصُرَ الْمَظْلُومِينَ، وَأَنْ تَهْتَمَّ بِتَيْسِيرِ مَا تَعَسَّرَ عَلَى الْخَلْقِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، حَتَّى يَكُونَ لَكَ حَظٌّ مِنْ هَذَا الِاسْمِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ الْفَتَّاحُ لِلْأَبْوَابِ، الْمُيَسِّرُ لِلْأَسْبَابِ، الْكَافِي لِلْحُضُورِ، الْمُصْلِحُ لِلْأُمُورِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ قَلْبُهُ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِدُونِهِ فِكْرُهُ لَا يَزِيدُ بَلَاءٌ إِلَّا وَيَزِيدُ بِرَبِّهِ ثِقَةً وَرَجَاءً، وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى يَفْتَحُ لِلنُّفُوسِ بَرَكَاتِ التَّوْفِيقِ، وَلِلْقُلُوبِ دَرَجَاتِ التَّحْقِيقِ، فَبِتَوْفِيقِهِ تُزَيَّنُ النُّفُوسُ بِالْمُجَاهَدَاتِ، وَبِتَحْقِيقِهِ تُزَيَّنُ الْقُلُوبُ بِالْمُشَاهَدَاتِ، وَمِنْ آدَابِ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ الْفَتَّاحُ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الِانْتِظَارِ لِنَيْلِ كَرَمِهِ، مُسْتَدِيمَ التَّطَلُّعِ لِوُجُودِ لُطْفِهِ، سَاكِنًا تَحْتَ جَرَيَانِ حُكْمِهِ، عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا مُقَدِّمَ لِمَا أَخَّرَ، وَلَا مُؤَخِّرَ لِمَا قَدَّمَ، قَالَ رَجُلٌ وَهُوَ مُؤْذِنٌ عَلَى الْجَارِيَةِ لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ -: إِنِّي أُحِبُّكِ، فَذَكَرَتْهُ لَعَلِيٍّ، فَقَالَ، قَوْلِي لَهُ: وَأَنَا أَيْضًا أُحِبُّكَ فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَتْ ذَلِكَ. فَقَالَ: إذًا نَصْبِرُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَلِيٍّ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ عَنِ الْقِصَّةِ فَأَخْبَرَهُ بِالصِّدْقِ، فَقَالَ: خُذْهَا فَهِيَ لَكَ قَدْ حَكَمَ اللَّهُ بَيْنَكُمَا، فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ، وَقِيلَ: مُبْدِعُ الْفَتْحِ وَالنُّصْرَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]

стр. 3249

(الرَّزَّاقُ) : أَيْ: خَالِقُ الْأَرْزَاقِ وَالْأَسْبَابِ الَّتِي يَتَمَتَّعُ بِهَا. وَالرِّزْقُ هُوَ الْمُنْتَفَعُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُبَاحًا أَوْ مَحْظُورًا، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: الرِّزْقُ هُوَ الْمِلْكُ وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ طَرْدًا وَعَكْسًا، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مِلْكُهُ، وَلَيْسَ رِزْقًا لَهُ وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنْ يَدِرَّ عَلَى الْبَهَائِمِ رِزْقَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وَلَيْسَ مِلْكًا لَهَا، وَهُوَ نَوْعَانِ: ظَاهِرٌ لِلْأَبْدَانِ كَالْأَقْوَاتِ وَالْأَمْتِعَةِ، وَبَاطِنٌ لِلْقُلُوبِ وَالنُّفُوسِ كَالْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الرَّزَّاقُ مَنْ رَزَقَ الْأَشْبَاحَ فَوَائِدَ لُطْفِهِ، وَالْأَرْوَاحَ عَوَائِدَ كَشْفِهِ، وَقَالَ الْآخَرُ: الرَّزَّاقُ مَنْ غَذَّى نُفُوسَ الْأَبْرَارِ بِتَوْفِيقِهِ، وَجَلَا قُلُوبَ الْأَخْيَارِ بِتَصْدِيقِهِ، وَحَظُّ الْعَارِفِ مِنْهُ أَنْ يَتَحَقَّقَ مَعْنَاهُ لِيَتَيَقَّنَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا اللَّهُ، فَلَا يَنْظُرُ الرِّزْقَ وَلَا يَتَوَقَّعُهُ إِلَّا مِنْهُ، فَيَكِلُ أَمْرَهُ إِلَيْهِ، وَلَا يَتَوَكَّلُ فِيهِ إِلَّا عَلَيْهِ، وَيَجْعَلُ يَدَهُ خِزَانَةَ رَبِّهِ، وَلِسَانَهُ وَصْلَةً بَيْنَ اللَّهِ وَخَلْقِهِ فِي وُصُولِ الْأَرْزَاقِ الرُّوحَانِيَّةِ وَالْجُسْمَانِيَّةِ إِلَيْهِمْ بِالْإِرْفَادِ وَالتَّعْلِيمِ، وَصَرْفِ الْمَالِ وَدُعَاءِ الْخَيْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ لِيَنَالَ حَظًّا وَافِرًا مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَنْ عَرَفَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ أَفْرَدَهُ بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ وَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِدَوَامِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ فَقَالَ: مُنْذُ عَرَفْتُ خَالِقِي مَا شَكَكْتُ فِي رِزْقِي، وَقِيلَ لِعَارِفٍ: إِيشِ الْقُوتُ؟ فَقَالَ: ذِكْرُ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَقَدْ يَقَعُ لِبَعْضِ الْعَارِفِينَ أَنْ يَسْأَلَ الْحَقِيرَ مِنَ الْحَقِيرِ لِيُعْطِيَهُ الْخَطِيرَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] كَمَا وَقَعَ لِلشِّبْلِيِّ أَنَّهُ أَرْسَلَ لِغَنِيٍّ أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا شَيْئًا مِنْ دُنْيَاكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَلْ دُنْيَاكَ مِنْ مَوْلَاكَ؟ فَأَجَابَهُ: بِأَنَّ الدُّنْيَا حَقِيرَةٌ وَأَنْتَ حَقِيرٌ، وَإِنَّمَا أَسْأَلُ الْحَقِيرَ مِنَ الْحَقِيرِ، وَلَا أَطْلُبُ مِنْ مَوْلَايَ غَيْرَ مَوْلَايَ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا وَرَدَ: «يَا مُوسَى سَلْنِي حَتَّى مِلْحَ عَجِينِكَ» ، لِأَنَّ سُؤَالَ الْخَلْقِ فِيمَا أَجْرَى عَلَى أَيْدِيهِمْ لَا يُنَافِي سُؤَالَهُ تَعَالَى فِي تَيْسِيرِ أَسْبَابِ وُصُولِ ذَلِكَ. (الْعَلِيمُ) : أَيِ: الْعَالِمُ الْبَالِغُ فِي الْعِلْمِ الْمُحِيطُ عِلْمُهُ، السَّابِقُ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا، دَقِيقِهَا وَجَلِيلِهَا، كُلِّيَّاتِهَا وَجُزْئِيَّاتِهَا، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، فَهُوَ تَعَالَى يَعْلَمُ ذَاتَهُ وَصِفَاتِهِ وَأَسْمَاءَهُ، وَيَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا لَا يَكُونُ مِنَ الْجَائِزَاتِ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ، وَيَعْلَمُ الْمُسْتَحِيلَ مِنْ حَيْثُ اسْتِحَالَتُهُ وَانْتِفَاءُ كَوْنِهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ، مِنْ ثَمَّةَ قَالَ عَزَّ قَائِلًا: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلِذَا قِيلَ مَا مِنْ عَامٍّ إِلَّا وَخُصَّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] وَأَمْثَالِهِ قِيلَ: هَذَا أَيْضًا عَامٌّ ثُمَّ خُصَّ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] وَمَا أَحْسَنَ مَا قِيلَ: مَنْ عَرَفَ أَنَّهُ تَعَالَى عَلِيمٌ بِحَالَتِهِ صَبَرَ عَلَى بَلِيَّتِهِ وَشَكَرَ عَلَى عَطِيَّتِهِ وَاسْتَغْفَرَ مِنْ خَطِيئَتِهِ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَعَالَى عَلِيمٌ بِالْخَفِيَّاتِ خَبِيرٌ بِمَا فِي الضَّمَائِرِ مِنَ الْخَطَرَاتِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنْ مَوَاضِعِ اطِّلَاعِهِ، وَيَرْعَوِيَ عَنِ الِاغْتِرَارِ بِجَمِيلِ سَتْرِهِ، وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَنِّي أَرَاكُمْ، فَالْخَلَلُ فِي إِيمَانِكُمْ، وَإِنْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَرَاكُمْ فَلِمَ جَعَلْتُمُونِي أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْكُمْ؟ . (الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ) : أَيْ: مُضَيِّقُ الرِّزْقِ وَغَيْرُهُ عَلَى مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ وَمُوَسِّعُهُ. وَقِيلَ: قَابِضُ الْأَرْوَاحِ عَنِ الْأَجْسَادِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَنَاشِرُهَا فِيهَا عِنْدَ الْحَيَاةِ، وَهُمَا مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَعْنَاهُمَا أَنَّهُ يَقْبِضُ الْقُلُوبَ، وَيَبْسُطُهَا تَارَةً بِالضَّلَالَةِ وَالْهُدَى، وَأُخْرَى بِالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَقِيلَ: الْقَابِضُ الَّذِي يُكَاشِفُكَ بِجَلَالِهِ فَيُفْنِيكَ، وَيُكَاشِفُكَ بِجَمَالِهِ فَيُغْنِيكَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] أَيْ: فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَخْلَاقِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْأَشْبَاحِ وَالْأَرْوَاحِ، إِذَا قَبَضَ فَلَا طَاقَةَ، وَإِذَا بَسَطَ فَلَا فَاقَةَ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ إِطْلَاقُهُمَا مَعًا لِيَدُلَّا عَلَى كَمَالِ الْقُدْرَةِ وَإِتْقَانِ الْحِكْمَةِ، وَحَظُّكَ مِنْهُمَا أَنْ تُرَاقِبَ الْحَالَيْنِ، فَلَا تَعِيبُ أَحَدًا مِنَ الْخَلْقِ وَلَا تَسْكُنُ إِلَيْهِ فِيهِ إِقْبَالٌ وَلَا إِدْبَارٌ، وَلَا تَيْأَسُ مِنْهُ فِي بَلَاءٍ، وَلَا تَأْمَنُ عَلَى عَطَاءٍ وَتَرَى الْقَبْضَ عَدْلًا مِنْهُ فَتَصْبِرُ، وَالْبَسْطَ فَضْلًا فَتَشْكُرُ، فَتَكُونُ رَاضِيًا بِقَضَائِهِ حَالًا وَمَآلًا.

стр. 3250

قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: هُمَا صِفَتَانِ يَتَعَاقَبَانِ عَلَى قُلُوبِ أَهْلِ الْعِرْفَانِ، فَإِذَا غَلَبَ الْخَوْفُ انْقَبَضَ، وَإِذَا غَلَبَ الرَّجَاءُ انْبَسَطَ. وَيُحْكَى عَنِ الْجُنَيْدِ أَنَّهُ قَالَ: الْخَوْفُ يَقْبِضُنِي، وَالرَّجَاءُ يَبْسُطُنِي، وَالْحَقُّ يَجْمَعُنِي، وَالْحَقِيقَةُ تُفَرِّقُنِي، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُوحِشُنِي غَيْرُ مُؤْنِسُنِي، ثُمَّ قَالَ: وَالْقَبْضُ يُوجِبُ إِيحَاشَهُ وَالْبَسْطُ يُوجِبُ إِينَاسَهُ اهـ. وَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنَّ يَجْتَنِبَ الضَّجَرَ حَالَ قَبْضِهِ، وَيَتْرُكَ الِانْبِسَاطَ وَتَرْكَ الْأَدَبِ وَقْتَ بَسْطِهِ، وَمِنْ هَذَا خَشِيَ الْأَكَابِرُ. " الْخَافِضُ، الرَّافِعُ ": أَيْ: يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، أَوْ يَخْفِضُ الْكُفَّارَ بِالْخِزْيِ وَالصَّغَارِ، وَيَرْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ وَالِاعْتِبَارِ، أَوْ يَخْفِضُ أَعْدَاءَهُ بِالْإِبْعَادِ، وَيَرْفَعُ أَوْلِيَاءَهُ بِالْإِسْعَادِ، وَحَظُّكَ مِنْهُمَا أَنْ لَا تَثِقَ بِحَالٍ مِنْ أَحْوَالِكَ، وَلَا تَعْتَمِدَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عُلُومِكَ وَأَعْمَالِكَ، وَالتَّخَلُّقُ بِهِمَا أَنْ تَخْفِضَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِخَفْضِهِ كَالنَّفْسِ وَالْهَوَى، وَتَرْفَعَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِرَفْعِهِ كَالْقَلْبِ وَالرُّوحِ، رُؤِيَ رَجُلٌ فِي الْهَوَاءِ فَقِيلَ لَهُ: بِمَ هَذَا؟ فَقَالَ: جَعَلْتُ هَوَايَ تَحْتَ قَدَمِي فَسَخَّرَ اللَّهُ لِيَ الْهَوَاءَ. (الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ) : الْإِعْزَازُ جَعْلُ الشَّيْءِ ذَا كَمَالٍ يَصِيرُ بِسَبَبِهِ مَرْغُوبًا إِلَيْهِ قَلِيلَ الْمِثَالِ، وَالْإِذْلَالُ ضِدُّهُ، وَالْإِعْزَازُ الْحَقِيقِيُّ تَخْلِيصُ الْمَرْءِ عَنْ ذُلِّ الْحَاجَةِ، وَاتِّبَاعِ الشَّهْوَةِ، وَجَعْلُهُ غَالِبًا عَلَى مُرَادِهِ قَاهِرًا لِنَفْسِهِ. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الْمُعِزُّ الَّذِي أَعَزَّ أَوْلِيَاءَهُ بِعِصْمَتِهِ، ثُمَّ غَفَرَ لَهُمْ بِرَحْمَتِهِ، ثُمَّ نَقَلَهُمْ إِلَى دَارِ كَرَامَتِهِ، ثُمَّ أَكْرَمَهُمْ بِرُؤْيَتِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ، وَالْمُذِلُّ الَّذِي أَذَلَّ أَعْدَاءَهُ بِحِرْمَانِ مَعْرِفَتِهِ، وَارْتِكَابِ مُخَالَفَتِهِ، ثُمَّ نَقَلَهُمْ إِلَى دَارِ عُقُوبَتِهِ، وَأَهَانَهُمْ بِطَرْدِهِ وَلَعْنَتِهِ، وَحَظُّكَ مِنْهُمَا أَنَّكَ لَمْ تَتَعَزَّزْ بِغَيْرِهِ، وَلَمْ تَتَذَلَّلْ لِسِوَاهُ، وَأَنْ تُعِزَّ الْحَقَّ وَأَهْلَهُ، وَتُذِلَّ الْبَاطِلَ وَحِزْبَهُ، وَتَسْأَلَ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِمُوجِبَاتِ عِزِّهِ، وَتَسْتَعِيذَ بِهِ مِنْ قَطِيعَةِ ذُلِّهِ. وَقَالَ الْمَشَايِخُ: مَا أَعَزَّ اللَّهُ عَبْدًا بِمِثْلِ مَا يُرْشِدُهُ إِلَى ذُلِّ نَفْسِهِ، وَمَا أَذَلَّ اللَّهُ عَبْدًا بِمِثْلِ مَا يَرِدُ إِلَى تَوَهُّمِ عِزٍّ. قِيلَ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] تُعِزُّ كُلَّ قَوْمٍ مِنَ الزُّهَّادِ، وَالْعُبَّادِ، وَالْمُرِيدِينَ، وَالْعَارِفِينَ، وَالْمُحِبِّينَ، وَالْمُوَحِّدِينَ، بِمَا يَلِيقُ بِمَقَامِهِمْ، فَاللَّهُ يُعِزُّ الزَّاهِدَ بِعُزُوفِ نَفْسِهِ عَنِ الدُّنْيَا، وَيُعِزُّ الْعَابِدَ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى وَتَرْكِ الْهَوَى، وَيُعِزُّ الْمُرِيدِينَ بِزَهَادَتِهِمْ عَنْ صُحْبَةِ الْوَرَى، وَيُعِزُّ الْعَارِفَ بِتَأْهِيلِهِ لِمَقَامِ النَّجْوَى، وَيُعِزُّ الْمُحِبَّ بِالْكَشْفِ وَاللِّقَاءِ وَبِالْغِنَى عَنْ كُلِّ مَا سِوَى، وَيُعِزُّ الْمُوَحِّدَ بِشُهُودِ جَلَالَةِ مَنْ لَهُ الْبَقَاءُ وَالْعَظَمَةُ وَالْبَهَاءُ. (السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) : السَّمْعُ وَالْبَصَرُ، إِدْرَاكُ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ انْكِشَافًا تَامًّا، فَهُمَا صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ الثَّمَانِيَةِ، وَهُمَا غَيْرُ صِفَةِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَصَّتَانِ بِإِدْرَاكِ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ وَالْعِلْمُ يَعُمُّهُمَا وَغَيْرَهَا كَمَا سَبَقَ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ الِانْكِشَافَ بِهِمَا أَتَمُّ فَنُقْصَانٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى صِفَةِ الْعِلْمِ وَلَيْسَتَا زَائِدَتَيْنِ عَلَيْهِ، لِمَا قَرَّرُوا أَنَّ الرُّؤْيَةَ نَوْعُ عِلْمٍ، وَالسَّمْعُ كَذَلِكَ. غَايَتُهُ أَنَّهُمَا وَإِنْ رَجَعَا إِلَى صِفَةِ الْعِلْمِ بِمَعْنَى الْإِدْرَاكِ، فَإِثْبَاتُ صِفَةِ الْعِلْمِ إِجْمَالًا لَا يُغْنِي فِي الْعَقِيدَةِ عَنْ إِثْبَاتِهِمَا تَفْصِيلًا بِلَفْظِهِمَا الْوَارِدَيْنِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِأَنَّا مُتَعَبّدُونَ بِمَا وَرَدَ فِيهِمَا، وَعَلَى هَذَا الْحَمْلِ مَا فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ مِنْ أَنَّهُمَا صِفَتَانِ زَائِدَتَانِ عَلَى الْعِلْمِ، فَيُقَالُ: لَمَّا وَرَدَ النَّقْلُ بِهِمَا آمَنَّا بِذَلِكَ، وَعَرَفْنَا أَنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ بِالْآلَتَيْنِ الْمَعْرُوفَتَيْنِ، وَاعْتَرَفْنَا بِعَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِمَا. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: فَمَنْ جَعَلَهُمَا مُرَادِفَيْنِ لِلْعِلْمِ، فَقَدْ وَهِمَ، فَمُسَلَّمٌ إِذِ الْعِلْمُ أَعَمُّ، وَمَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَتَوَهَّمُ تَرَادُفَهُمَا لَهُ، لَا فِي حَقِّ اللَّهِ وَلَا فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ، نَعَمْ أَتَمِّيَّتُهَا مَقْصُورَةٌ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ دُونَ الْخَالِقِ، بَلْ لَا يَتَحَقَّقُ الْعِلْمُ الْيَقِينُ فِي حَقِّنَا إِلَّا بِالِانْتِهَاءِ إِلَى الْحِسِّ، فَمَنْ لَمْ يَذُقْ لَمْ يَعْرِفْ، وَأَمَّا عِلْمُهُ تَعَالَى فَمُحِيطٌ بِالْمَرْئِيَّاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ، وَالْمُرِّيَّاتِ وَالْحُلْوِيَّاتِ، وَالْجُزْئِيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ، مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ فِي الصِّفَاتِ، ثُمَّ حَظُّكَ مِنَ الِاسْمَيْنِ الْمُعَظَّمَيْنِ، وَالْوَصْفَيْنِ الْمُكَرَّمَيْنِ أَنْ تَتَحَقَّقَ أَنَّكَ بِمَسْمَعٍ وَمَرْأًى مِنْهُ تَعَالَى، وَأَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْكَ، وَنَاظِرٌ إِلَيْكَ، رَقِيبٌ لِجَمِيعِ أَحْوَالِكَ مِنْ أَقْوَالِكَ وَأَفْعَالِكَ، فَاحْذَرْ أَنْ يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: مَنْ أَخْفَى عَنْ غَيْرِ اللَّهِ مَا لَا يُخْفِيهِ عَنِ اللَّهِ، فَقَدِ اسْتَهَانَ بِنَظَرِ اللَّهِ، فَمَنْ قَارَفَ مَعْصِيَةً وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ، فَمَا أَجْرَأَهُ وَمَا أَجْسَرَهُ، وَمَا ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَرَاهُ، فَمَا أَكْفَرَهُ وَمَا أَكْفَرَهُ، وَلِذَا قِيلَ: إِذَا عَصَيْتَ مَوْلَاكَ فَاعْصِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَرَاكَ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْمَقَالِ تَعْلِيقٌ بِالْمُحَالِ، وَمِنْ أَلْطَافِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ أَنَّ اللَّهَ يَحْفَظُ سَمْعَهُمْ وَبَصَرَهُمْ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ.

стр. 3251

وَمِنَ الْآدَابِ أَيْضًا: أَنْ تَكْتَفِيَ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ تَعَالَى عَنِ انْتِقَامِكَ وَانْتِصَارِكَ لِنَفْسِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﵊: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ [الحجر: ٩٧] ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ سَلَّاهُ وَخَفَّفَ عَلَيْهِ بِحَمْلِ أَثْقَالِ بَلْوَاهُ حَيْثُ أَثْقَالُ بَلْوَاهُ حَيْثُ أَشْغَلَهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨] . . إِلَخْ. أَيْ: فَاتَّصِفْ أَنْتَ بِمَدْحِنَا وَثَنَائِنَا، وَسُجُودِنَا وَشُهُودِنَا، وَالْمَعْنَى أَنَّكَ إِذَا تَأَذَّيْتَ بِسَمَاعِ السُّوءِ مِنْهُمْ، فَاسْتَرْوِحْ بِرَوْحِ ثَنَائِكَ عَلَيْنَا. (الْحَكَمُ) : أَيِ: الْحَاكِمُ الَّذِي لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، فَمَرْجِعُهُ إِمَّا إِلَى الْقَوْلِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْمُبَيِّنُ لِكُلِّ نَفْسٍ جَزَاءَ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَإِمَّا إِلَى الْمُمَيِّزِ بَيْنَ الشَّقِيِّ وَالسَّعِيدِ بِالْعِقَابِ وَالْإِثَابَةِ، وَإِمَّا إِلَى الْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى ذَلِكَ بِنَصْبِ الدَّلَائِلِ وَالْآيَاتِ، وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ أَنَّهُ الْحَكَمُ اسْتَسْلَمْتَ لِحُكْمِهِ، وَانْقَدْتَ لِأَمْرِهِ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَرْضَ بِقَضَائِهِ اخْتِيَارًا أَمْضَاهُ فِيكَ إِجْبَارًا، وَإِنْ رَضِيتَ بِهِ طَوْعًا قَلْبِيًّا لَطَفَ بِكَ لُطْفًا خَفِيًّا، وَتَعِيشُ رَاضِيًا مَرْضِيًّا، وَلَا تَحْتَاجُ أَنْ تُحَاكِمَ إِلَى غَيْرِهِ حَيْثُ حَصَلَ لَكَ الرِّضَا بِحُكْمِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ﷺ بِقَوْلِهِ: ( «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ» ) فَالتَّقَرُّبُ بِهِ تَعَلُّقًا بِالشَّكْوَى فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَيْهِ، وَبِالِاعْتِمَادِ فِي كُلِّ أَمْرٍ عَلَيْهِ. وَتَخَلُّقًا أَنْ يَكُونَ حُكْمًا بَيْنَ قَلْبِكَ وَنَفْسِكَ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ فِي الْأَزَلِ لِعِبَادِهِ بِمَا شَاءَ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، وَقَرِيبٌ وَبَعِيدٌ، فَمَنْ حَكَمَ لَهُ بِالسَّعَادَةِ لَا يَشْقَى أَبَدًا، وَمَنْ حَكَمَ لَهُ بِالشَّقَاوَةِ لَا يَسْعَدُ أَبَدًا، وَلِذَا قَالُوا: مَنْ أَقْصَتْهُ السَّوَابِقُ لَمْ تُدِنْهِ الْوَسَائِلُ. وَقَالُوا: مَنْ قَعَدَ بِهِ جِدُّهُ لَمْ يَنْهَضْ بِهِ جَدُّهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: أَصْحَابُ سَوَابِقَ، فَتَكُونُ فِكْرَتُهُمْ أَبَدًا فِيمَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ الرَّبِّ فِي الْأَزَلِ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْحُكْمَ الْأَزَلِيَّ لَا يَتَغَيَّرُ بِاكْتِسَابِ الْعَبْدِ. وَالثَّانِي: أَصْحَابُ الْعَوَاقِبِ يَتَفَكَّرُونَ فِيمَا يُخْتَمُ بِهِ أَمْرُهُمْ، فَإِنَّ الْأُمُورَ بِخَوَاتِيمِهَا، وَالْعَاقِبَةُ مَسْتُورَةٌ، وَلِهَذَا قِيلَ: لَا يَغُرَّنَّكَ صَفَاءُ الْأَوْقَاتِ، فَإِنَّ تَحْتَهَا غَوَامِضَ الْآفَاتِ، فَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لَاحَتْ عَلَيْهِ أَنْوَارُ الْإِرَادَةِ، وَظَهَرَتْ عَلَيْهِ آثَارُ السَّعَادَةِ، وَانْتَشَرَ صِيتُهُ فِي الْآفَاقِ، وَظَنُّوا أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَوْلِيَائِهِ بِالْإِطْلَاقِ، بُدِّلَ بِالْوَحْشَةِ صَفَاؤُهُ وَبِالْغَيْبَةِ ضِيَاؤُهُ وَأَنْشَدُوا: أَحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالْأَيَّامِ إِذْ حَسُنَتْ ... وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ وَسَالَمَتْكَ اللَّيَالِي فَاغْتَرَرْتَ بِهَا ... وَعِنْدَ صَفْوِ اللَّيَالِي يَحْدُثُ الْكَدَرُ وَالثَّالِثُ: أَصْحَابُ الْوَقْتِ وَهُمْ لَا يَشْتَغِلُونَ بِالتَّفَكُّرِ فِي السَّوَابِقِ وَاللَّوَاحِقِ، بَلْ بِمُرَاعَاةِ وَقَتِهِ، وَأَدَاءِ مَا كُلِّفُوا لَهُ مِنْ حُكْمِهِ، وَقِيلَ: الْعَارِفُ ابْنُ وَقْتِهِ. وَالرَّابِعُ: أَصْحَابُ الشُّهُودِ، وَهُمُ الَّذِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمْ ذِكْرُ الْحَقِّ، فَهُمْ مَأْخُوذُونَ بِشُهُودِ الْحَقِّ عَنْ مُرَاعَاةِ الْأَوْقَاتِ لَا يَتَفَرَّغُونَ إِلَى مُرَاعَاةِ وَقْتٍ وَزَمَانٍ، وَلَا يَتَطَلَّعُونَ لِشُهُودِ حِينٍ: وَأَوَانٍ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ الْمَنْعُ، وَسَمَّى الْعُلُومَ حِكَمًا لِأَنَّهَا تَمْنَعُ صَاحِبَهَا عَنْ شِيَمِ الْجُهَّالِ. (الْعَدْلُ) : أَيِ: الْبَالِغُ فِي الْعَدَالَةِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَفْعَلُ إِلَّا مَا لَهُ فِعْلُهُ، وَقِيلَ: الْعَدْلُ خِلَافُ الْجَوْرِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقَامَ الصِّفَةِ، وَهُوَ الْعَادِلُ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُسَمَّى نَفْسَهُ عَدْلًا، فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْبَرِئُ مِنَ الظُّلْمِ فِي أَحْكَامِهِ، الْمُنَزَّهُ عَنِ الْجَوْرِ فِي أَفْعَالِهِ، وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ تَشْهَدَ أَنَّهُ عَدْلٌ فِي أُقْضِيَتِهِ، فَلَا تَجِدُ فِي نَفْسِكَ جَزَعًا مِنْ أَحْكَامِهِ، وَلَا حَرَجًا مِنْ نَقْضِهِ وَإِبْرَامِهِ، فَتَسْتَرِيحَ بِالِاسْتِسْلَامِ إِلَيْهِ، وَبِالتَّوَكُّلِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَتَرَى الْكُلَّ مِنْهُ حَقًّا وَعَدْلًا، وَتَسْتَعْمِلُ كُلَّ مَا وَصَلَ إِلَيْكَ مِنْهُ فِيمَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِيهِ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَتَخَافُ سَطْوَةَ عَدْلِهِ، وَتَرْجُو رَأْفَةَ فَضْلِهِ، وَلَا تَأْمَنُ مِنْ مَكْرِهِ، وَلَا تَيْأَسُ مِنْ فَضْلِهِ، وَتَجْتَنِبُ فِي مَجَامِعِ أُمُورِكَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، كَالْفُجُورِ وَالْخُمُودِ فِي الْأَفْعَالِ الشَّهَوِيَّةِ، وَالتَّهَوُّرِ وَالْجُبْنِ فِي الْأَفْعَالِ الْغَضَبِيَّةِ، وَتُلَازِمُ أَوْسَاطَهَا الَّتِي هِيَ الْعِفَّةُ وَالشَّجَاعَةُ، وَالْحِكْمَةُ الْمُعَبَّرُ عَنْ مَجْمُوعِهَا بِالْعَدَالَةِ لِتَنْدَرِجَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .

стр. 3252

(اللَّطِيفُ) : أَيْ: الْبَرُّ بِعِبَادِهِ الَّذِي يُوصِلُ إِلَيْهِمْ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي الدَّارَيْنِ، وَيُهَيِّئُ لَهُمْ مَا يَسْعَوْنَ بِهِ إِلَى الْمَصَالِحِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَلَا يَحْتَسِبُونَ، فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ، وَقِيلَ: هُوَ كَالْجَمِيلِ بِمَعْنَى: الْمُجْمِلُ، وَقِيلَ: الْعَالِمُ بِخَفِيَّاتِ الْأُمُورِ وَمَا لَطُفَ مِنْهَا، وَقِيلَ: هُوَ الْخَفِيُّ عَنِ الْإِدْرَاكِ. قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ فِي حِكَمِهِ: مَنْ ظَنَّ انْفِكَاكَ لُطْفِهِ عَنْ قَدْرِهِ فَذَلِكَ لِقُصُورِ نَظَرِهِ، وَمِنَ التَّخَلُّقِ بِهَذَا الِاسْمِ أَنْ يَتَلَطَّفَ بِالْخَلْقِ بِإِرْشَادِهِمْ إِلَى الْحَقِّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] قِيلَ: مِنْ لُطْفِهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ فَوْقَ الْكِفَايَةِ وَكَلَّفَهُمْ دُونَ الطَّاقَةِ، وَمِنْ لُطْفِهِ تَعَالَى تَوْفِيقُ الطَّاعَاتِ، وَتَيْسِيرُ الْعِبَادَاتِ، وَحِفْظُ التَّوْحِيدِ فِي الْقُلُوبِ وَصِيَانَتُهُ مِنَ الْعُيُوبِ. (الْخَبِيرُ) : أَيْ: الْعَالِمِ بِبَوَاطِنِ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْخِبْرَةِ، وَهِيَ الْعِلْمُ بِالْخَفَايَا الْبَاطِنَةِ، وَقِيلَ: هُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنَ الْإِخْبَارِ عَمَّا عَلِمَهُ، وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنَّكَ إِذَا شَهِدْتَ أَنَّهُ الْمُطَّلِعُ عَلَى سِرِّكَ الْعَلِيمُ بِبَوَاطِنِ أَمْرِكَ اكْتَفَيْتَ بِعِلْمِهِ، وَنَسِيتَ غَيْرَهُ فِي جَنْبِ ذِكْرِهِ، وَكُنْتَ بِزِمَامِ التَّقْوَى مَشْدُودًا، وَعَنْ طَرِيقِ الْغَيِّ مَصْدُودًا، وَتَعَيَّنَ عَلَيْكَ تَرْكُ الرِّيَاءِ وَلُزُومُ الْإِخْلَاصِ، لِتَصِلَ إِلَى مَقَامِ أَهْلِ الِاخْتِصَاصِ، وَأَنْ لَا تَتَغَافَلَ عَنْ بَوَاطِنِ أَحْوَالِكَ، وَتَشْتَغِلَ بِإِصْلَاحِهَا، وَتُلَافِيَ مَا يَظْهَرُ لَكَ مِنْهَا مِنَ الْقَبَائِحِ بِصَرْفِهَا إِلَى فَلَاحِهَا، وَأَنْ تَكُونَ فِي أَمْرِ دِينِكَ وَدُنْيَاكَ خَبِيرًا، وَبِمَا يَجِبُ عَلَيْكَ أَوْ يُنْدَبُ لَكَ بَصِيرًا. (الْحَلِيمُ) : أَيِ: الَّذِي لَا يُعَجِّلُ عُقُوبَةَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ يُؤَخِّرُهُمْ لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَفِزُّهُ غَضَبٌ، وَلَا يَحْمِلُهُ غَيْظٌ عَلَى تَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ، فَالتَّقَرُّبُ بِهِ تَعَلُّقًا أَنْ تَشْكُرَ مِنَّتَهُ فِي حِلْمِهِ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ اغْتِرَارٍ بِكَرَمِهِ، وَتَخَلُّقًا أَنْ تَكْظِمَ الْغَيْظَ وَتُطْفِئَ نَارَ الْغَضَبِ بِالْحِلْمِ، وَكَمَالُهُ أَنْ تُحْسِنَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: فَإِذَا سَتَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَالِ بِفَضْلِهِ، فَالْمَأْمُولُ مِنْهُ أَنْ يَعْفُوَ فِي الْمَآلِ بِلُطْفِهِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى التَّنْزِيهِ. (الْعَظِيمُ) : أَصْلُهُ مِنْ عَظُمَ الشَّيْءُ إِذَا كَبُرَ عَظْمُهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ جِسْمٍ كَبِيرِ الْمِقْدَارِ كِبَرًا يَمْلَأُ الْعَيْنَ كَالْجَمَلِ وَالْفِيلِ، أَوْ كِبَرًا يَمْنَعُ إِحَاطَةَ الْبَصَرِ بِجَمِيعِ أَقْطَارِهِ كَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] ثُمَّ لِكُلِّ شَيْءٍ كَبِيرِ الْقَدْرِ عَلَى الْمَرْتَبَةِ، فَالْعَظِيمُ الْمُطْلَقُ الْبَالِغُ إِلَى أَقْصَى مَرَاتِبِ الْعَظَمَةِ، هُوَ الَّذِي لَا يَتَصَوَّرُهُ عَقْلٌ وَلَا يُحِيطُ بِكُنْهِهِ بَصِيرَةٌ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَرْجِعُهُ إِلَى التَّنْزِيهِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ الْعَظِيمُ فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى اسْتِحْقَاقِ عُلُوِّ الْوَصْفِ مِنَ اسْتِحْقَاقِ الْقِدَمِ، وَوُجُودِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَالِانْفِرَادِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْإِيجَادِ، وَشُمُولِ الْعِلْمِ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ، وَنُفُوذِ الْإِرَادَةِ فِي الْمُتَنَاوَلَاتِ، وَإِدْرَاكِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ بِجَمِيعِ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمَرْئِيَّاتِ، وَتَنَزُّهِ ذَاتِهِ عَنْ قَبُولِ الْمُحْدَثَاتِ، وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنَّكَ إِذَا شَهِدْتَ عَظَمَتَهُ صَغُرَ فِي عَيْنِكَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا مَا لَهُ نِسْبَةٌ مِنْ تَعْظِيمِهِ تَعَالَى، وَاسْتَحْقَرْتَ نَفْسَكَ وَذَلَّلْتَهَا لِلْإِقْبَالِ عَلَيْهِ تَعَالَى بِكُلِّيَّتِهَا بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ مَا يُحِبُّهُ وَيُرْضِيهِ، وَحِينَئِذٍ فَتَقَرُّبُكَ بِهِ تَعَلُّقًا؛ لِأَنَّ تَلَازُمَ التَّذْلِيلِ وَالِافْتِقَارِ عَلَى الدَّوَامِ، وَتَخَلُّقًا أَنْ تَتَعَاظَمَ عَنِ الْأَوْصَافِ الذَّمِيمَةِ وَارْتِكَابِ الْآثَامِ. (الْغَفُورُ) : أَيْ: كَثِيرُ الْمَغْفِرَةِ وَهِيَ صِيَانَةُ الْعَبْدِ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْعِقَابِ بِالتَّجَاوُزِ عَنْ ذُنُوبِهِ مِنَ الْغَفْرِ وَالسَّتْرِ وَإِلْبَاسِ الشَّيْءِ مَا يَصُونُهُ عَنِ الدَّنَسِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ الْغَفَّارَ أَبْلَغُ مِنْهُ لِزِيَادَةِ بِنَائِهِ، وَالْأَحْسَنُ مَا قِيلَ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَفَّارِ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْكَيْفِيَّةِ، وَفِي الْغَفَّارِ بِاعْتِبَارِ الْكَمِّيَّةِ، وَلَعَلَّ إِيرَادَ كُلٍّ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ فِي الْأَسْمَاءِ التِّسْعَةِ وَالتِسْعِينَ لِتَأْكِيدِ أَمْرِهَا، وَالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى عَظِيمُ الرَّحْمَةِ عَمِيمُهَا، كَبِيرُ الْمَغْفِرَةِ كَثِيرُهَا، وَالْإِشْعَارُ بِأَنَّ رَحْمَتَهُ أَغْلَبُ مِنْ غَضَبِهِ، وَغُفْرَانَهُ أَكْثَرُ مِنْ عِقَابِهِ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ وَصْفُ الْكَامِلِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ صِفَةٌ عَلَى وَصْفِ النُّقْصَانِ. وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي جَوَابِ الْإِشْكَالِ: الْمَشْهُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُبَالَغَةِ نَفْيُ أَصْلِ الْفِعْلِ، مَعَ أَنَّهُ مَنْفِيٌّ عَنْهُ تَعَالَى، لِمَا أَنَّ الظُّلْمَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَوِ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمُحَالُ عَلَى الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أُورِدَ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ مَوْصُوفًا بِهِ لَكَانَ مَوْصُوفًا عَلَى وَجْهِ الْأَبْلَغِيَّةِ، فَلَزِمَ مِنْ نَفْيِ الْمُبَالَغَةِ نَفْيُ أَصْلِ الْفِعْلِ لِعَدَمِ انْفِكَاكِ وَصْفِهِ تَعَالَى عَنِ الْمُبَالَغَةِ، وَلِذَا لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ السَّامِعِ عَلَيْهِ تَعَالَى بِمَعْنَى السَّمِيعِ لِفَوَاتِ الْمُبَالَغَةِ وَأَمَّا قَوْلُ الْجَزَرِيِّ:

стр. 3253

يَقُولُ رَاجِي عَفْوَ رَبٍّ سَامِعٍ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ مُجِيبٌ لِمَنْ دَعَاهُ، وَغَيْرُ مُخَيِّبٍ لِمَنْ رَجَاهُ، ثُمَّ التَّقَرُّبُ بِهِ تَعَالَى تَعَلُّقًا بِلُزُومِ الِاسْتِغْفَارِ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ، خُصُوصًا أَوْقَاتَ الْأَسْحَارِ وَتَخَلُّقًا بِالْمَغْفِرَةِ لِمَنْ آذَاكَ. (الشَّكُورُ) : أَيِ الَّذِي يُعْطِي الْأَجْرَ الْجَزِيلَ عَلَى الْأَمْرِ الْقَلِيلِ، فَيَرْجِعُ إِلَى صِفَاتِ الْفِعْلِ. حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: حَاسَبَنِي فَخَفَّتْ كِفَّةُ حَسَنَاتِي، فَوُضِعَ فِيهَا صُرَّةٌ فَثَقُلَتْ فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَفُّ تُرَابٍ أَلْقَيْتَهُ فِي قَبْرِ مُسْلِمٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] وَقِيلَ: هُوَ الْمُثْنِي عَلَى الْمُطِيعِينَ، فَيَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ، الْمُجَازِي عِبَادَهُ عَلَى شُكْرِهِمْ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ وَالتَّنْزِيلِ مَنْزِلَةَ الْمُعَامَلَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنْ يَعْرِفَ نِعَمَ اللَّهِ، وَيَقُومَ بِمَوَاجِبِ شُكْرِهِ، وَيُوَاظِبَ عَلَى وَظَائِفِ أَمْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ شَاكِرًا لِلنَّاسِ مَعْرُوفَهُمْ، فَفِي الْحَدِيثِ ( «لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» ) بِنَصْبِهِمَا، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ بِرَفْعِهِمَا وَنَصْبِهِمَا، وَرَفْعِ أَحَدِهِمَا وَنَصْبِ الْآخَرِ، وَكُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى تَعْظِيمِ الْوَاسِطَةِ، مَعَ أَنَّ الْمُنْعِمَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ. وَالْمَشْهُورُ فِي حَدِّ الشُّكْرِ بِأَنَّهُ: صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ نِعَمِهِ إِلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] أَيْ: قَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي مَنْ يَشْهَدُ أَنَّ النِّعْمَةَ مِنِّي، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشُّكْرِ الْغَيْبَةُ عَنْ شُهُودِ النِّعْمَةِ بِشُهُودِ الْمُنْعِمِ، وَلَا دَخْلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى لِمَبْحَثِ تَفْضِيلِ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ عَلَى الْفَقِيرِ الصَّابِرِ عِنْدَ كَثِيرِينَ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى خِلَافِ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. (الْعَلِيُّ) : بِتَشْدِيدٍ، فَعِيلٌ مِنَ الْعُلُوِّ، وَهُوَ الْبَالِغُ فِي عُلُوِّ الرُّتْبَةِ بِحَيْثُ لَا رُتْبَةَ إِلَّا وَهِيَ مُنْحَطَّةٌ عَنْ رُتْبَتِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الَّذِي عَلَا عَنِ الْإِدْرَاكِ ذَاتُهُ وَكَبُرَ عَنِ التَّصَوُّرِ صِفَاتُهُ. وَقَالَ آخَرُ: هُوَ الَّذِي تَاهَتِ الْقُلُوبُ فِي جَلَالِهِ، وَعَجَزَتِ الْعُقُولُ عَنْ وَصْفِ كَمَالِهِ، وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنَّكَ إِذَا شَاهَدْتَ عُلُوَّهُ سَمَتْ هِمَّتُكَ إِلَيْهِ، فَجَعَلْتَهَا فِي كُلِّ أَحْوَالِكَ وَاقِفَةً عَلَيْهِ، وَذَلَّلْتَ نَفْسَكَ فِي طَاعَتِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَبَذَلْتَ رُوحَكَ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، حَتَّى تَبْلُغَ الْغَايَةَ فِي الْكَمَالَاتِ الْأُنْسِيَّةِ، وَالْحَالَاتِ الْقُدُسِيَّةِ، وَالْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ، مِنَ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، فَفِي الْحَدِيثِ: ( «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَكْرَهُ سَفَاسِفَهَا» ) . وَمِنْ ثَمَّ قَالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ -: عُلُوُّ الْهِمَّةِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي أَفْضَلِيَّةِ الْهِمَّةِ وَالْخِدْمَةِ، وَعِنْدِي أَنَّ الْخِدْمَةَ إِنَّمَا تَنْشَأُ مِنَ الْهِمَّةِ، فَلَا خِلَافَ فِي الْحَقِيقَةِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مِنْ عُلُوِّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ بِتَكْبِيرِ الْعِبَادِ لَهُ كَبِيرًا وَلَا جَلِيلًا بِإِجْلَالِهِمْ وَتَعْظِيمِهِمْ لَهُ كَثِيرًا، بَلْ مَنْ وَفَّقَهُ لِإِجْلَالِهِ فَبِتَوْفِيقِهِ أَجَلَّهُ، وَمَنْ أَيَّدَهُ بِتَكْبِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ فَقَدْ رَفَعَ مَحَلَّهُ، وَمِنْ حَقِّ مَنْ عَرِفَ عَظَمَتَهُ أَنْ لَا يَذِلَّ لِخَلْقِهِ، بَلْ يَتَوَاضَعَ لَهُمْ لِأَجْلِهِ، فَإِنَّ مَنْ تَذَلَّلَ لِلَّهِ فِي نَفْسِهِ رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ عَلَى أَبْنَاءِ جِنْسِهِ، وَقِيلَ: الْمُؤْمِنُ لَيْسَ لَهُ الْكِبْرُ وَلَهُ الْعِزَّةُ وَلَهُ التَّوَاضُعُ لَا الْمَذَلَّةُ. (الْكَبِيرُ) : وَضِدُّهُ الصَّغِيرُ، يُسْتَعْمَلَانِ بِاعْتِبَارِ مَقَادِيرِ الْأَجْسَامِ، وَلِاعْتِبَارِ الرُّتَبِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا إِمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَكْمَلُ الْمَوْجُودَاتِ وَأَشْرَفُهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ غَنِيٌّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمَا سِوَاهُ حَادِثٌ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ فِي الْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ كَبِيرٌ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْحَوَاسِّ وَإِدْرَاكِ الْعُقُولِ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ، فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ التَّنْزِيهِ، قِيلَ فِي مَعْنَى (اللَّهُ أَكْبَرُ) أَيْ: أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَكْبَرُ، أَوْ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُدْرِكَ غَيْرُهُ كُنْهَ كِبْرِيَائِهِ، وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ تَشْهَدَ كِبْرِيَاءَهُ دَائِمًا حَتَّى تَنْسَى كِبْرِيَاءَ غَيْرِهِ، وَتَجْتَهِدَ فِي تَكْمِيلِ نَفْسِكَ عِلْمًا وَعَمَلًا بِحَيْثُ يَتَعَدَّى كَمَالُكَ إِلَى غَيْرِكَ، فَيَقْتَدِي بِآثَارِكَ، وَيَقْتَبِسُ مِنْ أَنْوَارِكَ، وَتَقَرُّبُكَ بِهَذَا الِاسْمِ تَعَلُّقًا أَنْ تُبَالِغَ فِي التَّوَاضُعِ، وَتَخَلُّقًا أَنْ تَحْتَرِزَ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ بِلُزُومِ الْخِدْمَةِ وَحِفْظِ الْحُرْمَةِ، فَفِي الصَّحِيحِ: ( «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمًا قَصَمْتُهُ» ) . أَيْ: أَهْلَكْتُهُ وَكَسَرْتُ عُنُقَهُ، وَاخْتُصَّتِ الْعَظَمَةُ بِالْإِزَارِ، وَالْكِبْرِيَاءُ بِالرِّدَاءِ، لِأَنَّ فِي الْكَبِيرِ مِنَ الْفَخَامَةِ فَوْقَ الْعَظِيمِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُخْتَصًّا لَهُ تَعَالَى لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ بِوَجْهٍ مَا، وَمِنْ ثَمَّ قَصَمَ الْمُنَازِعَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

стр. 3254

(الْحَفِيظُ) : أَيِ: الْبَالِغُ فِي الْحِفْظِ يَحْفَظُ الْمَوْجُودَاتِ مِنَ الزَّوَالِ وَالِاخْتِلَالِ مُدَّةَ مَا شَاءَ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] أَيِ: السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، أَوْ يَحْفَظُ عَلَى الْعِبَادِ أَعْمَالَهُمْ وَأَقْوَالَهُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الأنعام: ١٠٧] وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ تَحْفَظَ جَوَارِحَكَ عَنِ الْأَوْزَارِ، وَبَاطِنَكَ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْأَغْيَارِ، وَتَكْتَفِيَ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ بِتَدْبِيرِهِ، وَتَرْضَى بِحُسْنِ قَضَائِهِ وَتَقْدِيرِهِ. قِيلَ: مَنْ حَفِظَ لِلَّهِ جَوَارِحَهُ حَفِظَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَلْبَهُ، وَمَنْ حَفِظَ لِلَّهِ قَلْبَهُ حَفِظَ عَلَيْهِ حَظَّهُ. وَحُكِيَ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ بَصَرُهُ يَوْمًا عَلَى مَحْظُورٍ فَقَالَ: إِلَهِي إِنَّمَا أُرِيدُ بَصَرِي لِأَجْلِكَ، فَإِذَا صَارَ سَبَبًا لِمُخَالَفَةِ أَمْرِكَ، فَاسْلُبْنِيهِ. فَعَمِيَ، وَكَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فَاحْتَاجَ الْمَاءَ لِلطَّهَارَةِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ فَقَالَ: إِلَهِي إِنَّمَا قُلْتُ خُذْ بَصَرِي لِأَجْلِكَ، فَفِي اللَّيْلِ أَحْتَاجُهُ لِأَجْلِكَ. فَعَادَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ. (الْمُقِيتُ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ. أَيْ: خَالِقُ الْأَقْوَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَالْأَرْزَاقِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَمُوَصِّلُهَا إِلَى الْأَشْبَاحِ وَمُعْطِيهَا لِلْأَرْوَاحِ، مِنْ أَقَاتَهُ يُقِيتُهُ: إِذَا أَعْطَاهُ قُوتَهُ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: ( «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضِيِّعَ مَنْ يُقِيتُ» ) . فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ. وَقِيلَ: هُوَ الْمُقْتَدِرُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، وَقِيلَ هُوَ الشَّاهِدُ الْمُطَّلِعُ عَلَى الشَّيْءِ مِنْ أَقَاتَ الشَّيْءَ: إِذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ، فَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَهُمَا أَنْسَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُقِيتُ اسْمٌ جَامِعٌ لِمَعْنَى الِاقْتِدَارِ عَلَى حُكْمِ الْمُوَازَنَةِ مِنْ حَيْثُ إِحَاطَةُ الْعِلْمِ وَإِقَامَةُ الْكَفَافِ بِالْقُوتِ الْمُقَدَّرِ لِلْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَزِيَادَةٍ، وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْحُسْنِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ فِيهِ مَا فِيهِ وَلَمْ يُظْهِرْ مَا فِيهِ، وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنَّكَ إِذَا عَرِفْتَ أَنَّهُ الْمُقِيتُ نَسِيتَ ذِكْرَ الْقُوتِ بِذِكْرِهِ، كَمَا اتَّفَقَ لِسَهْلٍ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُوتِ، فَقَالَ: هُوَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَلَعَلَّهُ انْتَقَلَ مِنَ السَّبَبِ إِلَى الْمُسَبِّبِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا سَأَلْنَاكَ عَنِ الْقِوَامِ فَقَالَ: الْقِوَامُ الْعِلْمُ، فَكَأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ قِوَامِ الْأَشْبَاحِ إِلَى قِوَامِ الْأَرْوَاحِ، فَإِنَّ كُلَّ إِنَاءٍ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا سَأَلْنَاكَ عَنْ طُعْمَةِ الْجَسَدِ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَالْجَسَدَ دَعْ مَنْ تَوَلَّاهُ أَوَّلًا يَتَوَلَّاهُ آخِرًا، أَمَا رَأَيْتَ الصَّنْعَةَ إِذَا عِيبَتْ رُدَّتْ لِصَانِعِهَا لِأَنَّهُ الْعَالِمُ بِإِصْلَاحِهَا، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّنَا نَحْنُ مَأْمُورُونَ بِإِصْلَاحِ الْبَاطِنِ مَكْفِيُّونَ عَنْ إِصْلَاحِ الظَّاهِرِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ هُوَ الْمُصْلِحَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا وَرَدَ: ( «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ) . وَحِينَئِذٍ فَتَقَرُّبُكَ بِهِ تَعَلُّقًا أَنْ لَا تَطْلُبَ الْقُوتَ وَالْقُوَّةَ إِلَّا مِنْ مَوْلَاكَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١] وَتَخَلُّقًا أَنْ تُعْطِيَ كُلَّ مَنْ تَعَلَّقَ بِكَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْقُوتِ، فَفِي الْحَدِيثِ " ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ " فَيَكُونُ دَأْبُكَ النَّفْعَ وَالْهَدِايَةَ، وَإِطْعَامَ الْجَائِعِ، وَإِرْشَادَ الْغَاوِي. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: اخْتَلَفَتِ الْأَقْوَاتُ فَمِنْ عِبَادِهِ مَنْ يَجْعَلُ قُوتَ نَفْسِهِ تَوْفِيقَ الْعِبَادَاتِ، وَقُوتَ قَلْبِهِ تَحْقِيقَ الْمُكَاشَفَاتِ، وَقُوتَ رُوحِهِ مُدَاوَمَةَ الْمُشَاهَدَاتِ، وَمُلَازَمَةَ الْمُؤْنِسَاتِ، خَصَّ كُلًّا بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْحَالَاتِ وَالْمَقَامَاتِ، وَإِذَا شَغَلَ اللَّهُ عَبْدًا بِطَاعَتِهِ أَقَامَ لَهُ مَنْ يَقُومُ بِشُغْلِهِ وَخِدْمَتِهِ، وَإِذَا رَجَعَ إِلَى مُتَابَعَةِ شَهْوَتِهِ، وَكَلَهُ إِلَى حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ وَرَفَعَ عَنْهُ ظِلَّ عِنَايَتِهِ وَحِمَايَتِهِ. (الْحَسِيبُ) : أَيِ: الْكَافِي مِنَ الْحَسْبِ بِسُكُونِ السِّينِ، وَهُوَ الِاكْتِفَاءُ أَوِ الْكِفَايَةُ، مِنْ أَحْسَبَنِي: إِذَا كَفَانِي. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ كَأَلِيمٍ بِمَعْنَى مُؤْلِمٍ وَبَدِيعٍ بِمَعْنَى مُبْدِعٍ، أَيِ: الْمُعْطِي لِعِبَادِهِ كِفَايَتَهُمْ، أَوِ الْكَافِي لَهُمْ فِي أُمُورِهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَسْبِي: يَكْفِينِي، وَهَذَا أَتَمُّ مَبْنًى وَأَعَمُّ مَعْنًى، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَسَبِ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنَى السُّؤْدُدِ وَالشَّرَفِ، وَالْحَسِيبُ الْمُطْلَقُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَحْصُلَ الْكِفَايَةُ فِي جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ الشَّيْءُ فِي وُجُودِهِ وَبَقَائِهِ، وَكَمَالِهِ الْجِسْمَانِيِّ وَالرُّوحَانِيِّ بِأَحَدٍ سِوَاهُ

стр. 3255

فَمَرْجِعُهُ إِلَى الْفِعْلِ وَلَا أَنْ يَصِلَ أَحَدٌ إِلَى شَرَفٍ وَسُؤْدُدٍ بِغَيْرِ إِرَادَةِ مَوْلَاهُ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ الشَّرِيفُ فَمَرْجِعُهُ إِلَى الصِّفَةِ، وَقِيلَ: مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَسَنَاتِ أَيْ: هُوَ الْمُحَاسِبُ لِلْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى: مُفَاعِلٍ كَالْجَلِيسِ بِمَعْنَى: الْمُجَالِسِ، فَمَرْجِعُهُ إِلَى الْفِعْلِ أَيْضًا إِنْ جُعِلَتِ الْمُحَاسَبَةُ عِبَارَةً عَنِ الْمُكَافَأَةِ، وَإِلَى الْقَوْلِ إِنْ أُرِيدَ بِهَا السُّؤَالُ وَالْمُعَاتَبَةُ وَتَعْدَادُ مَا عَمِلُوا مِنَ الْحِسَابِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَعُدُّ أَنْفَاسَ الْخَلَائِقِ، وَبَعْضُهُمْ جَمَعَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ، وَقَالَ: الْحَسِيبُ مَنْ يَعُدُّ عَلَيْكَ أَنْفَاسَكَ وَيَصْرِفُ عَنْكَ بِفَضْلِهِ بَأْسَكَ. وَقِيلَ: فِي مَعْنَى الْحَسِيبِ، إِنْ كَانَ اللَّهُ مَعَكَ فَمَنْ تَخَافُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْكَ فَمَنْ تَرْجُو، وَلِذَا قَالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَقَالَ: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] . قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: كِفَايَةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ أَنْ يَكْفِيَهُ جَمِيعَ أَحْوَالِهِ وَأَشْغَالِهِ، وَأَجَلُّ الْكِفَايَاتِ أَنْ يُعْطِيَهُ إِرَادَةَ الشَّيْءِ، فَإِنَّ سَلَامَتَهُ عَنْ إِرَادَةِ الْأَشْيَاءِ حَتَّى لَا يُرِيدَ شَيْئًا أَتَمُّ مِنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَتَحْقِيقِ الْمَأْمُولِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَافِيهِ لَا يَسْتَوْحِشُ مِنْ إِعْرَاضِ الْخَلْقِ عَنْهُ ثِقَةً بِأَنَّ الَّذِي قُسِمَ لَهُ لَا يَفُوتُهُ وَإِنْ أَعْرَضُوا عَنْهُ، وَالَّذِي لَمْ يُقْسَمْ لَهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ وَإِنْ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ، وَمَنِ اكْتَفَى بِحُسْنِ تَوْلِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَحْوَالِهِ، فَعَنْ قَرِيبٍ يُرْضِيهِ مَوْلَاهُ مِمَّا يَخْتَارُ لَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْثِرُ الْعَدَمَ عَلَى الْوُجُودِ، وَالْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى، وَيَسْتَرْوِحُ إِلَى عَدَمِ الْأَسْبَابِ. بِمُشَاهَدَةِ تَصَرُّفِ الْمَوْلَى. قِيلَ: رَجَعَ فَتْحٌ الْمَوْصِلِيُّ لَيْلَةً إِلَى بَيْتِهِ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ عَشَاءً وَلَا سِرَاجًا فَبَالَغَ فِي الْحَمْدِ وَالتَّضَرُّعِ وَقَالَ: إِلَهِي بِأَيِّ سَبَبٍ وَبِأَيِّ وَسِيلَةٍ وَاسْتِحْقَاقٍ عَامَلْتَنِي بِمَا تُعَامِلُ بِهِ أَوْلِيَاءَكَ؟ . (الْجَلِيلُ) : أَيِ: الْمَنْعُوتُ بِنُعُوتِ الْجَلَالِ، وَالْحَاوِي لِجَمِيعِهَا عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُدَانِيَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُسَاوِيَهُ، قَالُوا وَمِنْهُمُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى كَمَالِ الصِّفَاتِ، كَمَا أَنَّ الْكَبِيرَ رَاجِعٌ إِلَى عِظَمِ الذَّاتِ، وَالْعَظِيمَ إِلَيْهِمَا، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ الْجَلِيلَ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ خَاصَّةً، كَالْمُنْتَقِمِ وَالْقَهَّارِ وَشَدِيدِ الْعِقَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] حَيْثُ قُوبِلَ بَيْنَهُمَا، فَالْكَرِيمُ وَالْعَفُوُّ وَالْغَفُورُ، وَنَحْوُهُمَا مِنْ صِفَاتِ الْجَمَالِ. وَالْكَمَالُ لِلَّهِ تَعَالَى هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ صِفَتَيِ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ. وَالْكَمَالُ وَالْكَوْنُ كُلُّهَا مَظَاهِرُ لِلصِّفَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ، وَمَجَالٌ لِمُشَاهَدَةِ النَّعْتَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ، وَبَسْطُ هَذَا الْمَبْحَثِ يَطُولُ، فَيَتَعَيَّنُ عَنْهُ الْعُدُولُ، وَلِذَا نَقُولُ: وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنَّكَ إِذَا تَبَيَّنَ لَكَ جَلَالُهُ ظَهَرَ لَكَ فِي الْعَوَالِمِ كُلِّهَا إِجْلَالُهُ، فَعَظُمَتْ هَيْبَتُكَ مِنْهُ وَمَحَبَّتُكَ لَهُ وَأُنْسُكَ بِهِ وَاحْتِرَامُكَ لِكِتَابِهِ وَأَحِبَّائِهِ، وَحِينَئِذٍ فَتَقَرُّبُكَ بِهِ تَعَلُّقًا أَنْ لَا تُحِبَّ سِوَاهُ، وَلَا تُرْضِيَ إِلَّا إِيَّاهُ، وَتَخَلُّقًا أَنْ تُخَلِّيَ نَفْسَكَ عَنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ وَالْمُحَقَّرَاتِ، لِأَنَّكَ أَجَلُّ الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ: جَعَلَكَ فِي الْعَالَمِ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ مُلْكِهِ وَمَلَكُوتِهِ لِيُعْلِمَكَ جَلَالَةَ قَدْرِكَ بَيْنَ مَخْلُوقَاتِهِ، وَأَنَّكَ جَوْهَرَةٌ تَنْطَوِي عَلَيْكَ أَصْدَافُ مَكْنُونَاتِهِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ تَقَلُّبَ قُلُوبِ الْعَابِدِينَ بَيْنَ شُهُودِ ثَوَابِهِ وَإِفْضَالِهِ، وَشُهُودِ عَذَابِهِ وَإِنْكَالِهِ، فَإِذَا فَكَّرُوا فِي إِفْضَالِهِ ازْدَادُوا رَغْبَتَهُمْ، وَإِذَا فَكَّرُوا فِي عَذَابِهِ وَنَكَالِهِ ازْدَادُوا رَهْبَتَهُمْ، وَجَعَلَ تَنَزُّهَ أَسْرَارِ الْعَارِفِينَ فِي شُهُودِ جَلَالِهِ وَجَمَالِهِ إِذَا كُوشِفُوا بِنَعْتِ الْجَلَالِ، فَأَحْوَالُهُمْ طَمْسٌ فِي طَمْسٍ، وَإِذَا كُوشِفُوا بِوَصْفِ الْجَمَالِ فَأَحْوَالُهُمْ أُنْسٌ فِي أُنْسٍ، فَكَشْفُ الْجَلَالِ يُوجِبُ صَحْوًا، وَكَشْفُ الْجَمَالِ يُوجِبُ قُرْبَةً، فَالْعَارِفُونَ كَاشَفَهُمْ بِجَلَالِهِ فَغَابُوا، وَالْمَحْبُوبُونَ كَاشَفَهُمْ بِجِمَالِهِ فَتَابُوا، وَالْحَقَائِقُ إِذَا اصْطَلَمَتِ الْقُلُوبَ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ، وَالْمَعَانِي إِذَا اسْتَوْلَتْ عَلَى الْأَسْرَارِ فَلَا عَيْنَ وَلَا أَثَرَ. (الْكَرِيمُ) : أَيِ: كَثِيرُ الْجُودِ وَالْعَطَاءِ الَّذِي لَا يَنْفَدُ عَطَاؤُهُ وَلَا تَفْنَى خَزَائِنُهُ، وَهُوَ الْكَرِيمُ الْمُطْلَقُ. وَقِيلَ: الْمُتَفَضِّلُ بِلَا مَسْأَلَةٍ وَلَا وَسِيلَةٍ. وَقِيلَ: الْمُتَجَاوِزُ الَّذِي لَا يَسْتَقْصِي فِي الْعِقَابِ، وَلَا يَسْتَقْصِي فِي الْعِتَابِ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي إِذَا قَدَرَ عَفَا وَإِذَا وَعَدَ وَفَى، وَإِذَا أَعْطَى زَادَ عَلَى الْمُتَمَنَّى، وَلَا يُبَالِي كَمْ أَعْطَى وَلِمَنْ أَعْطَى، وَإِذَا رُفِعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى غَيْرِهِ لَا يَرْضَى، وَيَقُولُ: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل: ١٣] . وَقِيلَ: الْمُقَدَّسُ عَنِ النَّقَائِصِ، الْمَوْصُوفُ

стр. 3256

بِالنَّفَائِسِ مِنْ قَوْلِهِمْ: كَرَائِمُ الْأَمْوَالِ لِنَفَائِسِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ: ( «إِيَّاكُمْ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِكُمْ» ) وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ سُمِّيَ شَجَرُ الْعِنَبِ كَرْمًا، لِأَنَّهُ أَطْيَبُ الثَّمَرَةِ، قَرِيبُ التَّنَاوُلِ سَهْلُ الْمَأْخَذِ بِخِلَافِ النَّخْلِ. وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنْ يَتَخَلَّقَ بِهِ، فَيُعْطِي مِنْ غَيْرِ مُوعِدَةٍ، وَيَعْفُو عَنْ مَقْدِرَةٍ، وَيَتَجَنَّبُ عَنِ الْأَخْلَاقِ الْمُرْدِيَةِ وَالْأَفْعَالِ الْمُؤْذِيَةِ. (الرَّقِيبُ) : أَيِ: الْحَفِيظُ الَّذِي يُرَاقِبُ الْأَشْيَاءَ فَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ أَحْوَالَ الْعِبَادِ وَأَفْعَالَهُمْ، وَيُحْصِي عَدَدَ أَنْفَاسِهِمْ، وَيَعْلَمُ آجَالَهُمْ، فَمَرْجِعُهُ إِلَى صِفَةِ الذَّاتِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ تُرَاقِبَهُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَلَا تَلْتَفِتَ إِلَى غَيْرِهِ فِي سُؤَالٍ، وَتَكُونَ رَقِيبًا خُصُوصًا عَلَى مَنْ جَعَلَكَ رَاعِيًا عَلَيْهِ، فَتَكُونُ مُرَاعِيًا وَمُتَوَجِّهًا فِي أَحْوَالِهِ إِلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ ( «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعَيِّتِهِ» ) . قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: الْمُرَاقَبَةُ عِنْدَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَنْ يَصِيرَ الْغَالِبَ عَلَى الْعَبْدِ ذِكْرُهُ لِرَبِّهِ بِقَلْبِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ تَعَالَى فِي كُلِّ حَالٍ، وَيَخَافُ سَطَوَاتِ عُقُوبَتِهِ فِي كُلِّ نَفَسٍ، وَيَهَابُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَصَاحِبُ الْمُرَاقَبَةِ يَدَعُ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ وَهَيْبَةً لَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَتْرُكُ مِنْ بِدَعِ الْمَعَاصِي لِخَوْفِ عُقُوبَتِهِ، وَإِنَّ مَنْ رَاعَى قَلْبَهُ عَدَّ مَعَ اللَّهِ أَنْفَاسَهُ فَلَا يُضَيِّعُ مَعَ اللَّهِ نَفَسًا، وَلَا يَخْلُو عَنْ طَاعَتِهِ لَحْظَةً، كَيْفَ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يُحَاسِبُهُ عَلَى كُلِّ مَا قَلَّ وَجَلَّ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي وَأَحْسَنَ إِلَيَّ إِلَّا أَنَّهُ حَاسَبَنِي حَتَّى طَالَبَنِي بِيَوْمٍ كُنْتُ صَائِمًا، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْإِفْطَارِ أَخَذْتُ حِنْطَةً مِنْ حَانُوتِ صَدِيقٍ لِي، فَكَسَرْتُهَا فَذَكَرْتُهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ لِي، فَأَلْقَيْتُهَا عَلَى حِنْطَتِهِ، فَأُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِي مِقْدَارُ أَرْشِ كَسْرِهَا. وَمَنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ لَمْ يُزْجِ فِي الْبَطَالَاتِ عُمْرَهُ وَلَمْ يَمْحَقْ فِي الْغَفَلَاتِ وَقْتَهُ. اهـ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] وَفِي الْخَبَرِ: ( «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا» ) . (الْمُجِيبُ) : هُوَ الَّذِي يُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَاهُ، وَيُسْعِفُ الْمُضْطَرَّ إِلَى مَا اسْتَدْعَاهُ وَتَمَنَّاهُ، وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنَّهُ يُجِيبُ مَوْلَاهُ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلِيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦] ثُمَّ يَتَلَقَّى عِبَادَهُ بِإِسْعَافِ سُؤَالِهِمْ وَإِلْطَافِ جَوَابِهِمْ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: فِي الْخَبَرِ: ( «إِنَّ اللَّهَ يَسْتَحِي أَنْ يَرُدَّ يَدَيْ عَبْدِهِ صِفْرًا» ) وَأَنَّهُ تَعَالَى إِذَا عَلِمَ مَنْ أَحْضَرَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ حَاجَتَهُمْ بِبَالِهِمْ يُحَقِّقُ لَهُمْ مُرَادَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرُوهُ بِلِسَانِهِمْ، وَرُبَّمَا يُضَيِّقَ عَلَيْهِمُ الْحَالَ، حَتَّى إِذَا يَئِسُوا وَظَنُّوا أَنَّهُ لَا يُجِيبُهُمْ يَتَدَارَكُهُمْ بِحُسْنِ إِيجَادِهِ وَجَمِيلِ إِمْدَادِهِ. اهـ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] وَفِي هَذَا الِاسْمِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ ﷺ : ( «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» ) أَيْ: أَجَابَهُ، وَأَحْسَنَ خِطَابَهُ، لَكِنَّهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: ضَمِنَ سُبْحَانَهُ لَكَ الْإِجَابَةَ فِيمَا يَخْتَارُهُ لَكَ لَا فِيمَا تَخْتَارُهُ لِنَفَسِكَ، وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ لَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُرِيدُهُ، فَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ لَا تَسْأَلَ سِوَاهُ، وَأَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ حَتَّى مِلْحَ عَجِينِكَ، وَمِنْ دُعَاءِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ سُجُودِ غَيْرِكَ فَصُنْ وَجْهِي عَنْ مَسْأَلَةِ غَيْرِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ( «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ» ) لِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ فِي كُلِّ حَالٍ إِمَّا فِي الْمُعَجَّلِ وَإِمَّا فِي الْمَآلِ، وَمِنْ بَابِ التَّخَلُّقِ بِهِ قَوْلُهُ ﷺ : ( «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ» ) وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ نَحْوُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، أَوْ كُرَاعِ الْغَنَمِ لَأَجَبْتُ. وَقَوْلُهُ: ( «مَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» ) . (الْوَاسِعُ) : هُوَ الَّذِي وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ وَسِيعُ الْمُلْكِ وَالْمِلْكِ، وَوَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ فَهُوَ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَالْعَطَاءِ، لَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنْ عَطَائِهِ لَا فِي مَبْدَئِهِ وَلَا فِي مُنْتَهَاهُ، وَأَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، فَهُوَ الْعَالِمُ بِالْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْلُومَاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ، لَا نِهَايَةَ لِبُرْهَانِهِ، وَلَا غَايَةَ لِسُلْطَانِهِ، وَلَا حَدَّ لِإِحْسَانِهِ، وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنْ يَسْعَى فِي سَعَةِ مَعَارِفِهِ وَأَخْلَاقِهِ، وَيَكُونَ جَوَادًا بِالطَّبْعِ غَنِيَّ النَّفْسِ لَا يَضِيقُ قَلْبُهُ بِفَقْدِ الْفَائِتِ، وَلَا يَهْتَمُّ بِتَحْصِيلِ الْمَآرِبِ.

стр. 3257

قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ إِنْعَامِهِ انْتِظَامَ أَسْبَابِ الدُّنْيَا، وَالتَّمَكُّنَ مِنْ تَحْصِيلِ الْمُنَى، وَالْوُصُولَ إِلَى الْهَوَى، بَلْ أَلْطَافُ اللَّهِ فِيمَنْ يَزْوِي عَنْهُمُ الدُّنْيَا أَكْبَرُ، وَإِحْسَانُهُ إِلَيْهِمْ أَوْفَرُ وَإِنَّ قُرْبَ الْعَبْدِ مِنَ الرَّبِّ عَلَى حَسَبِ تَبَاعُدِهِ مِنَ الدُّنْيَا. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ: إِنَّ أَهْوَنَ مَا أَصْنَعُ بِالْعَالِمِ إِذَا مَالَ فِي الدُّنْيَا أَنْ أَسْلُبَهُ حَلَاوَةَ مُنَاجَاتِي وَلَذَّةَ طَاعَاتِي. (الْحَكِيمُ) : أَيْ: ذُو الْحِكْمَةِ، وَهِيَ كَمَالُ الْعِلْمِ وَإِتْقَانُ الْعَمَلِ، أَوْ فَعَيْلٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ فَهُوَ مُبَالَغَةُ الْحَاكِمِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، أَوْ بِمَعْنَى الْمُفْعِلِ أَيِ الَّذِي يُحْكِمُ الْأَشْيَاءَ وَيُتْقِنُهَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] ، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] ، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ، فَعَلَيْكَ أَنْ تَجْتَهِدَ فِي التَّخَلُّقِ بِهِ وَالتَّعَلُّقِ بِكِتَابِهِ بِأَنْ تَسْعَى فِي تَكْمِيلِ قُوَاكَ النَّظَرِيَّةِ بِتَحْصِيلِ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَاسْتِكْمَالِ الْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ بِتَخْلِيَةِ النَّفْسِ عَنِ الرَّذَائِلِ، وَتَحْلِيَتِهَا بِالْفَضَائِلِ، وَتَجْلِيَتِهَا بِتَحْسِينِ الشَّمَائِلِ بِمَا يُوجِبُ الزُّلْفَى إِلَى الدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالْقُرْبَ إِلَى الْمَوْلَى، فَإِنَّهُ تَعَالَى يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، وَالْحِكْمَةُ هِيَ عِلْمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَا عُلُومُ الْفَلَاسِفَةِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مِنْ حِكَمِهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ تَخْصِيصُهُ قَوْمًا بِحُكْمِ السَّعَادَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَسَبَبٍ، وَلَا جُهْدٍ وَلَا طَلَبٍ، بَلْ تَعَلَّقَ الْعِلْمُ الْقَدِيمُ بِإِسْعَادِهِ، وَسَبَقَ الْحُكْمُ الْأَزَلِيُّ بِإِيجَادِهِ، وَخَصَّ قَوْمًا بِطَرْدِهِ وَإِبْعَادِهِ، وَوَضَعَ قَدْرَهُ مِنْ بَيْنِ عِبَادِهِ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ سَلَفَ، وَلَا ذَنْبٍ اقْتَرَفَ، بَلْ حَقَّتِ الْكَلِمَةُ عَلَيْهِ بِشَقَاوَتِهِ وَنَفَذَتِ الْمَشِيئَةُ بِجَحْدِ قَلْبِهِ وَقَسَاوَتِهِ، فَالَّذِي كَانَ شَقِيًّا فِي حُكْمِهِ أَبْرَزَهُ فِي نِطَاقِ أَوْلِيَائِهِ، ثُمَّ بَالَغَ فِي ذَمِّهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وَالَّذِي كَانَ سَعِيدًا فِي حُكْمِهِ خَلَقَهُ فِي غَيْرِ صُورَةِ الْكَلْبِ، ثُمَّ حَشَرَهُ فِي زُمْرَةِ أَوْلِيَائِهِ، وَذَكَرَهُ فِي جُمْلَةِ أَصْفِيَائِهِ فَقَالَ: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] . اهـ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يَسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وَوَرَدَ أَنَّهُ تَعَالَى يُدْخِلُ النَّارَ بَلْعَمَ بْنَ بَاعُورَا عَلَى صُورَةِ كَلْبِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَيُدْخِلُ الْجَنَّةَ كَلْبَهُمْ عَلَى صُورَةِ بَلْعَمَ، فَلَا تَغْتَرَّ بِالظَّوَاهِرِ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِالسَّرَائِرِ. (الْوَدُودُ) : مُبَالَغَةُ الْوَادِّ مِنَ الْوُدِّ، وَهُوَ الْحُبُّ أَيِ الَّذِي يُحِبُّ الْخَيْرَ لِكُلِّ الْخَلَائِقِ، وَقِيلَ الْمُحِبُّ لِأَوْلِيَائِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى إِرَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَقِيلَ: فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، فَاللَّهُ مَحْبُوبٌ فِي قُلُوبِ مَخْلُوقَاتِهِ، مَطْلُوبٌ لِجَمِيعِ مَصْنُوعَاتِهِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ كَمَا فِي نَظَرِ أَرْبَابِ الشُّهُودِ، أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَوْنِ لِغَيْرِهِ وُجُودٌ، فَهُوَ الْوَادُّ وَهُوَ الْوَدُودُ، كَمَا أَنَّهُ الْحَامِدُ وَالْمَحْمُودُ، وَالشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ، لَيْسَ فِي الدَّارِ غَيْرُهُ دَيَّارٌ، وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنْ يُرِيدَ لِلْخَلْقِ مَا يُرِيدُ فِي حَقِّهِ وَيُحْسِنَ إِلَيْهِمْ حَسَبَ قُدْرَتِهِ وَوُسْعِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ( «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ) . قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَعْنَى الْوَدُودِ فِي وَصْفِهِ أَنَّهُ يَوَدُّ الْمُؤْمِنِينَ وَيَوَدُّونَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وَمَعْنَى الْمَحَبَّةِ فِي صِفَةِ الْحَقِّ لِعِبَادِهِ: رَحْمَتُهُ عَلَيْهِمْ وَإِرَادَتُهُ لِلْجَمِيلِ لَهُمْ وَمَدْحُهُ لَهُمْ، وَمَحَبَّةُ الْعِبَادِ لِلَّهِ تَعَالَى تَكُونُ بِمَعْنَى طَاعَتِهِمْ لَهُ وَمُوَافَقَتِهِمْ لِأَمْرِهِ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى تَعْظِيمِهِمْ لَهُ وَهَيْبَتِهِمْ مِنْهُ. اهـ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنَ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، أَوْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنَ الْجَمْعِ، وَفِي الْأَثَرِ الْقُدُسِيِّ أَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: «إِنَّ أَوَدَّ الْأَوَدِّ إِلَيَّ مَنْ يَعْبُدُنِي لِغَيْرِ نَوَالٍ، لَكِنْ لِيُعْطِيَ الرُّبُوبِيَّةَ حَقَّهَا» . (الْمَجِيدُ) : هُوَ مُبَالَغَةُ الْمَاجِدِ مِنَ الْمَجْدِ، وَهُوَ سَعَةُ الْكَرَمِ، فَهُوَ الَّذِي لَا تُدْرَكُ سَعَةُ كَرَمِهِ، وَلَا يَتَنَاهَى تَوَالِي إِحْسَانِهِ وَنِعَمِهِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَمِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ حِفْظُهُ عَلَيْهِمْ تَوْحِيدَهُمْ وَدِينَهُمْ، حَتَّى لَا

стр. 3258

يَزِيغُوا وَلَا يَزُولُوا، إِذْ لَوْلَا لُطْفُهُ وَإِحْسَانُهُ لَغَوَوْا وَضَلُّوا، وَمِنْ وُجُوهِ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى أَكْثَرِ الْخَلْقِ حِفْظُهُ عَلَيْهِمْ قُلُوبَهُمْ، وَتَصْفِيَتُهُ لَهُمْ أَوْقَاتَهُمْ، فَإِنَّ النِّعْمَةَ الْعُظْمَى نِعَمُ الْقُلُوبِ، كَمَا أَنَّ الْمِحْنَةَ الْكُبْرَى مِحَنُ الْقُلُوبِ، أَوْ مِنَ الْمَجْدِ وَهُوَ نِهَايَةُ الشَّرَفِ، فَهُوَ الَّذِي لَهُ شَرَفُ الذَّاتِ وَحُسْنُ الصِّفَاتِ. وَقِيلَ: هُوَ الْعَظِيمُ الرَّفِيعُ الْقَدِيرُ فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ، وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنْ يُعَامِلَ النَّاسَ بِالْكَرَمِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، فَيَكُونُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَاجِدًا وَلِخَيْرِ مَا عِنْدَهُ تَعَالَى وَاجِدًا. (الْبَاعِثُ) : أَيْ: بَاعِثُ الرُّسُلِ إِلَى الْأُمَمِ بِالْأَحْكَامِ وَالْحِكَمِ، أَوِ الَّذِي يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ لِلْحَشْرِ وَالنُّشُورِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَبْعَثُ الْأَرْزَاقَ إِلَى عَبْدِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكْتَسِبْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَقِيلَ: هُوَ بَاعِثُ الْهِمَمِ إِلَى التَّرَقِّي فِي سَاحَاتِ التَّوْحِيدِ وَالتَّنَقِّي مِنْ ظُلْمِ صِفَاتِ الْعَبِيدِ، وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنْ يُؤْمِنَ أَوَّلًا بِمَعَانِيهِ، وَيَكُونَ مُقْبِلًا بِشَرَاشِرِهِ لِاسْتِصْلَاحِ الْمَعَادِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِيَوْمِ التَّنَادِ، وَالتَّخَلُّقُ بِهِ إِحْيَاءُ النُّفُوسِ الْجَاهِلَةِ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّزْهِيدِ فِي الْأُمُورِ الْعَاجِلَةِ، وَالتَّرْغِيبِ فِي النِّعَمِ الْآجِلَةِ، فَيَبْدَأُ بِنَفَسِهِ، ثُمَّ بِمَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ مَنْزِلَةً وَرُتْبَةً. (الشَّهِيدُ) : مُبَالَغَةُ الشَّاهِدِ مِنَ الشُّهُودِ، وَهُوَ الْحُضُورُ، وَمَعْنَاهُ الْعَلِيمُ بِظَاهِرِ الْأَشْيَاءِ، وَمَا يُمْكِنُ مُشَاهَدَتُهَا، كَمَا أَنَّ الْخَبِيرَ هُوَ الْعَالِمُ بِبَوَاطِنِ الْأَشْيَاءِ، وَمَا لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَالَمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] أَوْ مُبَالَغَةُ الشَّاهِدِ مِنَ الشَّهَادَةِ، وَالْمَعْنَى يَشْهَدُ عَلَى الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. مِمَّا عَلِمَ وَشَاهَدَ مِنْهُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] . قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: إِنَّ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ لَمْ يَطْلُبُوا مَعَ اللَّهِ مُؤْنِسًا سِوَاهُ، بَلْ رَضُوا بِهِ شَهِيدًا لِأَحْوَالِهِمْ عَلِيمًا بِأُمُورِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَكَيْفَ لَا، وَهُوَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى وَيَسْمَعُ النَّجْوَى، وَيَكْشِفُ الضُّرَّ وَالْبَلْوَى وَيُجْزِلُ الْحُسْنَى، وَيَصْرِفُ الرَّدَى (وَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى) . قُلْتُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ تُرَاقِبَهُ حَتَّى لَا يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ، وَلَا يَفْقِدَكَ حَيْثُ أَمَرَكَ، وَأَنْ تَكْتَفِيَ بِعِلْمِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ عَنْ أَنْ تَرْفَعَ حَوَائِجَكَ إِلَى غَيْرِهِ، أَوْ أَنْ تَمِيلَ إِلَى طَلَبِ الْغَيْرِ مِنْ بِرِّهِ وَخَيْرِهِ، وَتَخَلُّقُكَ أَنْ تَكُونَ شَاهِدًا بِالْحَقِّ مُرَاعِيًا لِلصِّدْقِ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ مِنْ جُمْلَةِ مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] . (الْحَقُّ) : هُوَ الثَّابِتُ الَّذِي تَحَقَّقَ بِتَيَقُّنِ وَجُودِهِ، وَلَا تَحَقُّقَ لِغَيْرِهِ إِلَّا مِنْ كَرَمِهِ وَجُودِهِ، وَضِدُّهُ الْبَاطِلُ الَّذِي هُوَ الْمَعْدُومُ أَوِ الْمَوْجُودُ الَّذِي فِي مُقَابِلِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْهُومِ، إِذِ الثَّابِتُ مُطْلَقًا هُوَ اللَّهُ، وَسَائِرُ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مُمْكِنَةٌ فِي حَدِّ ذَاتِهَا وَلَا ثُبُوتَ لَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهَا، بَلِ الْكُلُّ مِنْهُ وَإِلَيْهِ، فَكُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ بَاطِلٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ مِنْ ذَاتِهِ، وَلَا فِي ذَاتِهِ فَضْلًا عَنْ ثَبَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] بِتَغْلِيبِ ذَوِي الْعُقُولِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ غَيْرَهُمْ أَوْلَى بِالْأُفُولِ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ فِيمَا شَهِدَ لَهُ ﷺ بِأَنَّ أَصْدَقَ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ. أَيْ: قَابِلٌ لِلْفَنَاءِ وَالزَّوَالِ، بَلْ فِي نَظَرِ أَرْبَابِ الشُّهُودِ دَائِمًا فِي مَرْتَبَةِ الِاضْمِحْلَالِ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا سِوَى اللَّهِ، كَمَا حَرَّرْتُهُ وَبَسَطْتُهُ فِي شَرْحِ حِزْبِ الْفَتْحِ، وَيَدُلُّ عَلَى جَلَالَةِ لَبِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ لَمْ يَقُلْ شِعْرًا وَقَالَ: يَكْفِينِي الْقُرْآنُ، فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْمُحِقُّ أَيِ: الْمُظْهِرُ لِلْحَقِّ، أَوِ الْمُوجِدُ لِلشَّيْءِ حَسْبَ مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ، فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ أَنَّهُ الْحَقُّ نَسِيتَ فِي حُبِّهِ ذِكْرَ الْخَلْقِ وَتَخَلُّقُكَ بِهِ أَنْ تَلْزَمَ الْحَقَّ فِي سَائِرِ أَقْوَالِكَ وَأَفْعَالِكَ وَأَحْوَالِكَ.

стр. 3259

(الْوَكِيلُ) : الْقَائِمُ بِأُمُورِ عِبَادِهِ الْمُتَكَفِّلُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ، وَقِيلَ: الْمَوْكُولُ إِلَيْهِ تَدْبِيرُهُمْ إِقَامَةً وَكِفَايَةً، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْوَكِيلُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِحُكْمِ إِقَامَتِهِ لَهُ، وَهُوَ يُنْبِئُ عَنْ أَمْرَيْنِ، أَحَدِهِمَا: عَجْزُ الْخَلْقِ عَنِ الْقِيَامِ بِمَجَامِعِ أُمُورِهِمْ كَمَا يَنْبَغِي إِذِ الْغَالِبُ أَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكِلُ أَمْرَهُ إِلَى غَيْرِهِ إِذَا تَعَسَّرَ أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ مُبَاشَرَتُهُ بِنَفْسِهِ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِحَالِهِمْ قَادِرٌ عَلَى مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ رَحِيمٌ بِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَسْتَجْمِعْ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَحْسُنُ تَوْكِيلُهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١] ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] ، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ - وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٥٨ - ٢١٧] وَالتَّخَلُّقُ بِهِ أَنْ تَقُومَ بِأُمُورِ عِبَادِهِ وَمَطَالِبِهِمْ وَتَسْعَى فِي إِسْعَافِ مَآرِبِهِمْ. (الْقَوِيُّ) : الْقُوَّةُ تُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ مُرَتَّبَةٍ أَقْصَاهَا الْقُدْرَةُ التَّامَّةُ الْبَالِغَةُ السَّابِغَةُ الْوَاصِلَةُ إِلَى الْكَمَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَوِيٌّ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَا قُوَّةَ لِغَيْرِهِ إِلَّا بِهِ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ أَوَّلُ مَا يُوجَدُ فِي بَاطِنِهِ مِنْ إِحْسَاسِ الْعَمَلِ يُسَمَّى حَوْلًا، ثُمَّ مَا يُحِسُّ بِهِ فِي الْأَعْضَاءِ مِنْ إِطَاقَتِهَا لَهُ يُسَمَّى قُوَّةً، ثُمَّ مَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ بِصُورَةِ الْبَطْشِ وَالتَّنَاوُلِ يُسَمَّى قُدْرَةً، وَلِهَذَا كَانَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى رُجُوعِ الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَيْهِ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّكَ إِذَا نَفَيْتَ عَنْ غَيْرِهِ الْمَرْتَبَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَأَوْلَى أَنْ تَنْفِيَ عَنْهُ الثَّالِثَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الثَّالِثَةَ وَهِيَ الْقُدْرَةُ لَمَّا كَانَتْ ظَاهِرَةَ النَّفْيِ عَنْ غَيْرِهِ مَا احْتَاجَ فِي النَّفْيِ إِلَى ذِكْرِهِ، لِأَنَّ أَحَدًا مِنَ السُّفَهَاءِ، فَضْلًا عَنِ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَتَوَهَّمْ أَنَّ لِنَفْسِهِ قُدْرَةً بِخِلَافِ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ حَيْثُ قَدْ يَنْشَأُ عَنِ الْجَهْلِ وَالْغَفْلَةِ نِسْبَتُهُمَا إِلَى أَنْفُسِهِمْ، كَمَا زَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فَدَفَعَ وَهْمَهُمْ وَأَبْطَلَ فَهْمَهُمْ، وَلَمَّا كَانَتِ الْمُرْجِئَةُ وَقَعُوا فِي التَّعْطِيلِ، وَبِمُطْلَقِ التَّنْزِيهِ ضِدَّ وُقُوعِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي التَّشْبِيهِ أَثْبَتَ لَهُمْ بِقَوْلِهِ (إِلَّا بِاللَّهِ) لِتَكُونَ الْحُجَّةُ لِلَّهِ، وَهُوَ مَرْتَبَةُ الْجَمْعِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] كَمَا يُومِئُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَتَقَرُّبُكَ مِنْهُ تَعَلُّقًا أَنْ تُسْقِطَ التَّدْبِيرَ وَتَتْرُكَ مُنَازَعَةَ التَّقْدِيرِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ، وَلَا تَحُومُ حَوْلَ الدَّعْوَى، وَلَا تُبَالِي مِنْ هُمُومِ الدُّنْيَا، وَتَخَلُّقًا أَنْ تَكُونَ قَوِيًّا فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَا تَخَافَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. (الْمَتِينُ) : مِنَ الْمَتَانَةِ وَالشِّدَّةِ، وَمَرْجِعُ هَذَيْنِ إِلَى الْوَصْفِ بِكَمَالِ الْقُدْرَةِ وَشِدَّةِ الْقُوَّةِ، فَاللَّهُ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بَالِغُ الْقُدْرَةِ وَدَائِمُهَا قَوِيٌّ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ شَدِيدُ الْقُوَّةِ مَتِينٌ، وَقِيلَ: الْمَتِينُ مِنَ الْمَتَانَةِ، وَهِيَ اسْتِحْكَامُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ لَا يَتَأَثَّرُ أَيْ: هُوَ الَّذِي يُؤَثِّرُ وَلَا يَتَأَثَّرُ، وَالْغَالِبُ الَّذِي لَا يُغَالَبُ وَلَا يُغْلَبُ وَلَا يَحْتَاجُ فِي قُوَّتِهِ إِلَى مَادَّةٍ وَسَبَبٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وَهُوَ تَعَالَى إِنْ أَرَادَ إِهْلَاكَ عَبْدٍ أَهْلَكَهُ بِيَدِهِ إِمَّا ذَبْحًا وَخَنْقًا، وَإِمَّا حَرْقًا وَغَرَقًا، وَلِهَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: خَفْ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَوْنٍ عَلَيْكَ، بَلْ لَوْ شَاءَ إِتْلَافَكَ أَخْرَجَكَ عَنْ نَفْسِكَ حَتَّى يَكُونَ هَلَاكُكَ عَلَى يَدَيْكَ وَأَنْشَدَ: إِلَى حَتْفِي أَرَى قَدَمِي أَرَاقَ دَمِي. وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ وَمُسْتَنِدًا إِلَيْهِ. (الْوَلِيُّ) : أَيِ: الْمُحِبُّ لِأَوْلِيَائِهِ النَّاصِرُ لَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَهْوِيَتِهِمْ وَمَا يَدْعُوهُمْ إِلَى غَيْرِ لِقَائِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩] ، ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] . وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْمُتَوَلِّي لِأُمُورِ جَمِيعِ خَلِيقَتِهِ يَفْعَلُ فِيهِمْ مَا يَشَاءُ بِحِكْمَتِهِ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ بِعِزَّتِهِ، أَوْ لِأُمُورِ عِبَادِهِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُخْتَصِّينَ بِاجْتِبَائِهِ وَإِسْعَادِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ أَنَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ تَتَوَلَّ غَيْرَهُ وَغَيْرَ مَنْ يُحِبُّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]

стр. 3260

فَتَحَقَّقْ بِدَرَجَةِ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ : ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣] وَمِنْ كَلَامِ الْقُشَيْرِيِّ: مِنْ أَمَارَاتِ وَلَايَتِهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ أَنْ يُدِيمَ تَوْفِيقَهُ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ سُوءًا أَوْ قَصَدَ مَحْظُورًا عَصَمَهُ عَنِ ارْتِكَابِهِ، وَلَوْ جَنَحَ إِلَى تَقْصِيرٍ فِي طَاعَتِهِ أَبَى إِلَّا تَوْفِيقًا لَهُ وَتَأْيِيدًا. وَهَذَا مِنْ أَمَارَاتِ السَّعَادَةِ، وَعَكْسُ هَذَا مِنْ أَمَارَاتِ الشَّقَاوَةِ، وَمِنْ أَمَارَاتِ وَلَايَتِهِ أَنْ يَرْزُقَهُ مَوَدَّةً فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَإِذَا رَأَى فِي قُلُوبِهِمْ لِعَبْدٍ مَحَلًّا يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِاللُّطْفِ، وَإِذَا رَأَى هِمَّةَ وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَائِهِ لِشَأْنِ عَبْدٍ، أَوْ سَمِعَ دُعَاءَ وَلِيٍّ فِي شَأْنِ شَخْصٍ يَأْبَى إِلَّا الْفَضْلَ وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِ أَجْرَى بِذَلِكَ سُنَّتَهُ الْكَرِيمَةَ. وَسَمِعَتُ الشَّيْخَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ ﵀ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مَرَّ بِبَلْدَةٍ لَنَالَ بَرَكَةَ مُرُورِهِ أَهْلُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ، حَتَّى يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، وَمِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْوِلَايَةِ أَنَّ أَهْلَهَا مُنَزَّهُونَ عَنِ الذُّلِّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١] فَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ تَعَالَى دَائِمًا مُسْتَغْرِقُونَ فِي عِزِّ مَوْلَاهُمْ فِي دُنْيَاهِمْ وَأُخْرَاهِمْ، ﵃ وَجَعَلَنَا مِنْهُمْ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. (الْحَمِيدُ) : أَيِ: الْمَحْمُودُ الْمُسْتَحِقُّ لِلثَّنَاءِ، فَإِنَّهُ الْمَوْصُوفُ بِكُلِّ كَمَالٍ وَالْمُولِي لِكُلِّ نَوَالٍ، الْمَشْكُورُ بِكُلِّ فِعَالٍ فَهُوَ الْمَحْمُودُ الْمُطْلَقُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] بِبَيَانِ الْمَقَالِ أَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ، وَقِيلَ: حَمَدَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِالثَّنَاءِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ أَزَلًا، وَيَحْمَدُهُ عِبَادُهُ بِمَا أَلْهَمَهُمْ بِهِ أَبَدًا، فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ سَرْمَدًا، بَلْ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْحَامِدُ وَهُوَ الْمَحْمُودُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْفَعِيلِ الْمُحْتَمِلِ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، وَلِذَا قَالَ أَحْمَدُ الْحَامِدِينَ: ( «سُبْحَانَكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» ) . وَحَظُّكَ مِنْهُ مَا قَالَ صَاحِبُ الْحِكَمِ: الْمُؤْمِنُ يَشْغَلُهُ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِنَفْسِهِ شَاكِرًا، وَتَشْغَلُهُ حُقُوقُ اللَّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِحُقُوقِهِ ذَاكِرًا، فَتَقَرُّبُكَ بِهِ تَعَلُّقًا كَثْرَةُ حَمْدِكَ لَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَتَخَلُّقًا بِأَنْ تَجْتَهِدَ فِي التَّحَلِّي بِمَحَامِدِ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: حَمْدُ الْعَبْدِ لِلَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ شُكْرُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى شُهُودِ الْمُنْعِمِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشُّكْرِ هِيَ الْغَيْبَةُ بِشُهُودِ الْمُنْعِمِ عَنْ شُهُودِ النِّعْمَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ دَاوُدَ ﵊ قَالَ فِي مُنَاجَاتِهِ: إِلَهِي كَيْفَ أَشْكُرُكَ وَشُكْرِي لَكَ نِعْمَةٌ مِنْكَ عَلَيَّ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِنَّكَ الْآنَ قَدْ شَكَرْتَنِي، وَمِنْ هُنَا قِيلَ: الْعَجْزُ عَنِ الشُّكْرِ شُكْرٌ، كَمَا قِيلَ: الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إِدْرَاكٌ، ثُمَّ كَمْ مِنْ عَبْدٍ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ فِي نِعْمَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ شُكْرُهَا، وَهُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي مِحْنَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ عَنْهَا، فَإِنَّ حَقِيقَةَ النِّعْمَةِ مَا يُوصِلُكَ إِلَى الْمُنْعِمِ لَا مَا يَشْغَلُكَ عَنْهُ، فَالنِّعَمُ لَا تَكُونُ إِلَّا دِينِيَّةً، نَعَمْ إِذَا كَانَ مَعَهَا رَاحَاتٌ دُنْيَوِيَّةٌ فَهُوَ نُورٌ عَلَى نُورٍ وَسُرُورٌ عَلَى سُرُورٍ، وَمِنْهُ دُعَاءُ السَّيِّدِ الشَّاذِلِيِّ: اللَّهُمَّ يَسِّرْ أُمُورَنَا مَعَ الرَّاحَةِ لِقُلُوبِنَا وَأَبْدَانِنَا، ثُمَّ إِنْ وَجَدَ التَّوْفِيقَ لِلشُّكْرِ بِصَرْفِ النِّعْمَةِ فِيمَا خُلِقَتْ لَهُ فِيهَا وَنُعِمَتْ، وَإِلَّا انْقَلَبَتِ الْمِنْحَةُ مِحْنَةً، وَلِذَا فُسِّرَ الْبَلَاءُ بِالنِّعْمَةِ وَالنِّقْمَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] وَقَالَ : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] فَهُوَ كَالنِّيلِ مَاءٌ لِلْمَحْبُوبِينَ وَدِمَاءٌ لِلْمَحْجُوبِينَ. (الْمُحْصِي) : أَيِ: الْعَالِمُ الَّذِي يُحْصِي الْمَعْلُومَاتِ وَيُحِيطُ بِالْمَوْجُودَاتِ إِحَاطَةَ الْعَادِّ بِمَا يَعُدُّهُ، وَالضَّابِطُ بِمَا يَضْبِطُهُ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا، وَالْعَبْدُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ إِحْصَاءُ بَعْضِ الْمُمْكِنَاتِ وَالْوُصُولُ إِلَى بَعْضِ الْمَعْدُودَاتِ، لَكِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ إِحْصَاءِ أَكْثَرِهَا وَضَبْطِ غَالِبِهَا، فَجَهْلُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَلَمِهِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْصِيَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْصَى، وَيَتَلَافَى مَقَابِحَ أَعْمَالِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَقْصَى، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْقَادِرُ الَّذِي لَا يَشِذُّ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَقْدُورَاتِ، فَمَرْجِعُهُ إِلَى صِفَةِ الْعِلْمِ أَوِ الْقُدْرَةِ وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْكَ غَفْلَةٌ فِي سُكُونٍ وَحَرَكَةٍ وَلَحْظَةٍ وَلَمْحَةٍ. وَتَقَرُّبُكَ مِنْهُ تَعَلُّقًا أَنْ تَحَاسِبَ نَفْسَكَ فِي جَمِيعِ أَنْفَاسِكَ بِأَنْ لَا يُوجَدَ فِيهَا
следующие страницы →