← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

بِالنَّفَائِسِ مِنْ قَوْلِهِمْ: كَرَائِمُ الْأَمْوَالِ لِنَفَائِسِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ: ( «إِيَّاكُمْ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِكُمْ» ) وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ سُمِّيَ شَجَرُ الْعِنَبِ كَرْمًا، لِأَنَّهُ أَطْيَبُ الثَّمَرَةِ، قَرِيبُ التَّنَاوُلِ سَهْلُ الْمَأْخَذِ بِخِلَافِ النَّخْلِ. وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنْ يَتَخَلَّقَ بِهِ، فَيُعْطِي مِنْ غَيْرِ مُوعِدَةٍ، وَيَعْفُو عَنْ مَقْدِرَةٍ، وَيَتَجَنَّبُ عَنِ الْأَخْلَاقِ الْمُرْدِيَةِ وَالْأَفْعَالِ الْمُؤْذِيَةِ. (الرَّقِيبُ) : أَيِ: الْحَفِيظُ الَّذِي يُرَاقِبُ الْأَشْيَاءَ فَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ أَحْوَالَ الْعِبَادِ وَأَفْعَالَهُمْ، وَيُحْصِي عَدَدَ أَنْفَاسِهِمْ، وَيَعْلَمُ آجَالَهُمْ، فَمَرْجِعُهُ إِلَى صِفَةِ الذَّاتِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ تُرَاقِبَهُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَلَا تَلْتَفِتَ إِلَى غَيْرِهِ فِي سُؤَالٍ، وَتَكُونَ رَقِيبًا خُصُوصًا عَلَى مَنْ جَعَلَكَ رَاعِيًا عَلَيْهِ، فَتَكُونُ مُرَاعِيًا وَمُتَوَجِّهًا فِي أَحْوَالِهِ إِلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ ( «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعَيِّتِهِ» ) . قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: الْمُرَاقَبَةُ عِنْدَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَنْ يَصِيرَ الْغَالِبَ عَلَى الْعَبْدِ ذِكْرُهُ لِرَبِّهِ بِقَلْبِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ تَعَالَى فِي كُلِّ حَالٍ، وَيَخَافُ سَطَوَاتِ عُقُوبَتِهِ فِي كُلِّ نَفَسٍ، وَيَهَابُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَصَاحِبُ الْمُرَاقَبَةِ يَدَعُ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ وَهَيْبَةً لَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَتْرُكُ مِنْ بِدَعِ الْمَعَاصِي لِخَوْفِ عُقُوبَتِهِ، وَإِنَّ مَنْ رَاعَى قَلْبَهُ عَدَّ مَعَ اللَّهِ أَنْفَاسَهُ فَلَا يُضَيِّعُ مَعَ اللَّهِ نَفَسًا، وَلَا يَخْلُو عَنْ طَاعَتِهِ لَحْظَةً، كَيْفَ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يُحَاسِبُهُ عَلَى كُلِّ مَا قَلَّ وَجَلَّ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي وَأَحْسَنَ إِلَيَّ إِلَّا أَنَّهُ حَاسَبَنِي حَتَّى طَالَبَنِي بِيَوْمٍ كُنْتُ صَائِمًا، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْإِفْطَارِ أَخَذْتُ حِنْطَةً مِنْ حَانُوتِ صَدِيقٍ لِي، فَكَسَرْتُهَا فَذَكَرْتُهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ لِي، فَأَلْقَيْتُهَا عَلَى حِنْطَتِهِ، فَأُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِي مِقْدَارُ أَرْشِ كَسْرِهَا. وَمَنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ لَمْ يُزْجِ فِي الْبَطَالَاتِ عُمْرَهُ وَلَمْ يَمْحَقْ فِي الْغَفَلَاتِ وَقْتَهُ. اهـ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] وَفِي الْخَبَرِ: ( «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا» ) . (الْمُجِيبُ) : هُوَ الَّذِي يُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَاهُ، وَيُسْعِفُ الْمُضْطَرَّ إِلَى مَا اسْتَدْعَاهُ وَتَمَنَّاهُ، وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنَّهُ يُجِيبُ مَوْلَاهُ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلِيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦] ثُمَّ يَتَلَقَّى عِبَادَهُ بِإِسْعَافِ سُؤَالِهِمْ وَإِلْطَافِ جَوَابِهِمْ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: فِي الْخَبَرِ: ( «إِنَّ اللَّهَ يَسْتَحِي أَنْ يَرُدَّ يَدَيْ عَبْدِهِ صِفْرًا» ) وَأَنَّهُ تَعَالَى إِذَا عَلِمَ مَنْ أَحْضَرَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ حَاجَتَهُمْ بِبَالِهِمْ يُحَقِّقُ لَهُمْ مُرَادَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرُوهُ بِلِسَانِهِمْ، وَرُبَّمَا يُضَيِّقَ عَلَيْهِمُ الْحَالَ، حَتَّى إِذَا يَئِسُوا وَظَنُّوا أَنَّهُ لَا يُجِيبُهُمْ يَتَدَارَكُهُمْ بِحُسْنِ إِيجَادِهِ وَجَمِيلِ إِمْدَادِهِ. اهـ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] وَفِي هَذَا الِاسْمِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ ﷺ : ( «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» ) أَيْ: أَجَابَهُ، وَأَحْسَنَ خِطَابَهُ، لَكِنَّهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: ضَمِنَ سُبْحَانَهُ لَكَ الْإِجَابَةَ فِيمَا يَخْتَارُهُ لَكَ لَا فِيمَا تَخْتَارُهُ لِنَفَسِكَ، وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ لَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُرِيدُهُ، فَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ لَا تَسْأَلَ سِوَاهُ، وَأَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ حَتَّى مِلْحَ عَجِينِكَ، وَمِنْ دُعَاءِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ سُجُودِ غَيْرِكَ فَصُنْ وَجْهِي عَنْ مَسْأَلَةِ غَيْرِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ( «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ» ) لِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ فِي كُلِّ حَالٍ إِمَّا فِي الْمُعَجَّلِ وَإِمَّا فِي الْمَآلِ، وَمِنْ بَابِ التَّخَلُّقِ بِهِ قَوْلُهُ ﷺ : ( «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ» ) وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ نَحْوُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، أَوْ كُرَاعِ الْغَنَمِ لَأَجَبْتُ. وَقَوْلُهُ: ( «مَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» ) . (الْوَاسِعُ) : هُوَ الَّذِي وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ وَسِيعُ الْمُلْكِ وَالْمِلْكِ، وَوَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ فَهُوَ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَالْعَطَاءِ، لَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنْ عَطَائِهِ لَا فِي مَبْدَئِهِ وَلَا فِي مُنْتَهَاهُ، وَأَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، فَهُوَ الْعَالِمُ بِالْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْلُومَاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ، لَا نِهَايَةَ لِبُرْهَانِهِ، وَلَا غَايَةَ لِسُلْطَانِهِ، وَلَا حَدَّ لِإِحْسَانِهِ، وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنْ يَسْعَى فِي سَعَةِ مَعَارِفِهِ وَأَخْلَاقِهِ، وَيَكُونَ جَوَادًا بِالطَّبْعِ غَنِيَّ النَّفْسِ لَا يَضِيقُ قَلْبُهُ بِفَقْدِ الْفَائِتِ، وَلَا يَهْتَمُّ بِتَحْصِيلِ الْمَآرِبِ.

стр. 3257

قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ إِنْعَامِهِ انْتِظَامَ أَسْبَابِ الدُّنْيَا، وَالتَّمَكُّنَ مِنْ تَحْصِيلِ الْمُنَى، وَالْوُصُولَ إِلَى الْهَوَى، بَلْ أَلْطَافُ اللَّهِ فِيمَنْ يَزْوِي عَنْهُمُ الدُّنْيَا أَكْبَرُ، وَإِحْسَانُهُ إِلَيْهِمْ أَوْفَرُ وَإِنَّ قُرْبَ الْعَبْدِ مِنَ الرَّبِّ عَلَى حَسَبِ تَبَاعُدِهِ مِنَ الدُّنْيَا. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ: إِنَّ أَهْوَنَ مَا أَصْنَعُ بِالْعَالِمِ إِذَا مَالَ فِي الدُّنْيَا أَنْ أَسْلُبَهُ حَلَاوَةَ مُنَاجَاتِي وَلَذَّةَ طَاعَاتِي. (الْحَكِيمُ) : أَيْ: ذُو الْحِكْمَةِ، وَهِيَ كَمَالُ الْعِلْمِ وَإِتْقَانُ الْعَمَلِ، أَوْ فَعَيْلٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ فَهُوَ مُبَالَغَةُ الْحَاكِمِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، أَوْ بِمَعْنَى الْمُفْعِلِ أَيِ الَّذِي يُحْكِمُ الْأَشْيَاءَ وَيُتْقِنُهَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] ، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] ، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ، فَعَلَيْكَ أَنْ تَجْتَهِدَ فِي التَّخَلُّقِ بِهِ وَالتَّعَلُّقِ بِكِتَابِهِ بِأَنْ تَسْعَى فِي تَكْمِيلِ قُوَاكَ النَّظَرِيَّةِ بِتَحْصِيلِ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَاسْتِكْمَالِ الْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ بِتَخْلِيَةِ النَّفْسِ عَنِ الرَّذَائِلِ، وَتَحْلِيَتِهَا بِالْفَضَائِلِ، وَتَجْلِيَتِهَا بِتَحْسِينِ الشَّمَائِلِ بِمَا يُوجِبُ الزُّلْفَى إِلَى الدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالْقُرْبَ إِلَى الْمَوْلَى، فَإِنَّهُ تَعَالَى يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، وَالْحِكْمَةُ هِيَ عِلْمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَا عُلُومُ الْفَلَاسِفَةِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مِنْ حِكَمِهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ تَخْصِيصُهُ قَوْمًا بِحُكْمِ السَّعَادَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَسَبَبٍ، وَلَا جُهْدٍ وَلَا طَلَبٍ، بَلْ تَعَلَّقَ الْعِلْمُ الْقَدِيمُ بِإِسْعَادِهِ، وَسَبَقَ الْحُكْمُ الْأَزَلِيُّ بِإِيجَادِهِ، وَخَصَّ قَوْمًا بِطَرْدِهِ وَإِبْعَادِهِ، وَوَضَعَ قَدْرَهُ مِنْ بَيْنِ عِبَادِهِ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ سَلَفَ، وَلَا ذَنْبٍ اقْتَرَفَ، بَلْ حَقَّتِ الْكَلِمَةُ عَلَيْهِ بِشَقَاوَتِهِ وَنَفَذَتِ الْمَشِيئَةُ بِجَحْدِ قَلْبِهِ وَقَسَاوَتِهِ، فَالَّذِي كَانَ شَقِيًّا فِي حُكْمِهِ أَبْرَزَهُ فِي نِطَاقِ أَوْلِيَائِهِ، ثُمَّ بَالَغَ فِي ذَمِّهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وَالَّذِي كَانَ سَعِيدًا فِي حُكْمِهِ خَلَقَهُ فِي غَيْرِ صُورَةِ الْكَلْبِ، ثُمَّ حَشَرَهُ فِي زُمْرَةِ أَوْلِيَائِهِ، وَذَكَرَهُ فِي جُمْلَةِ أَصْفِيَائِهِ فَقَالَ: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] . اهـ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يَسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وَوَرَدَ أَنَّهُ تَعَالَى يُدْخِلُ النَّارَ بَلْعَمَ بْنَ بَاعُورَا عَلَى صُورَةِ كَلْبِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَيُدْخِلُ الْجَنَّةَ كَلْبَهُمْ عَلَى صُورَةِ بَلْعَمَ، فَلَا تَغْتَرَّ بِالظَّوَاهِرِ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِالسَّرَائِرِ. (الْوَدُودُ) : مُبَالَغَةُ الْوَادِّ مِنَ الْوُدِّ، وَهُوَ الْحُبُّ أَيِ الَّذِي يُحِبُّ الْخَيْرَ لِكُلِّ الْخَلَائِقِ، وَقِيلَ الْمُحِبُّ لِأَوْلِيَائِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى إِرَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَقِيلَ: فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، فَاللَّهُ مَحْبُوبٌ فِي قُلُوبِ مَخْلُوقَاتِهِ، مَطْلُوبٌ لِجَمِيعِ مَصْنُوعَاتِهِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ كَمَا فِي نَظَرِ أَرْبَابِ الشُّهُودِ، أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَوْنِ لِغَيْرِهِ وُجُودٌ، فَهُوَ الْوَادُّ وَهُوَ الْوَدُودُ، كَمَا أَنَّهُ الْحَامِدُ وَالْمَحْمُودُ، وَالشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ، لَيْسَ فِي الدَّارِ غَيْرُهُ دَيَّارٌ، وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنْ يُرِيدَ لِلْخَلْقِ مَا يُرِيدُ فِي حَقِّهِ وَيُحْسِنَ إِلَيْهِمْ حَسَبَ قُدْرَتِهِ وَوُسْعِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ( «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ) . قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَعْنَى الْوَدُودِ فِي وَصْفِهِ أَنَّهُ يَوَدُّ الْمُؤْمِنِينَ وَيَوَدُّونَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وَمَعْنَى الْمَحَبَّةِ فِي صِفَةِ الْحَقِّ لِعِبَادِهِ: رَحْمَتُهُ عَلَيْهِمْ وَإِرَادَتُهُ لِلْجَمِيلِ لَهُمْ وَمَدْحُهُ لَهُمْ، وَمَحَبَّةُ الْعِبَادِ لِلَّهِ تَعَالَى تَكُونُ بِمَعْنَى طَاعَتِهِمْ لَهُ وَمُوَافَقَتِهِمْ لِأَمْرِهِ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى تَعْظِيمِهِمْ لَهُ وَهَيْبَتِهِمْ مِنْهُ. اهـ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنَ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، أَوْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنَ الْجَمْعِ، وَفِي الْأَثَرِ الْقُدُسِيِّ أَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: «إِنَّ أَوَدَّ الْأَوَدِّ إِلَيَّ مَنْ يَعْبُدُنِي لِغَيْرِ نَوَالٍ، لَكِنْ لِيُعْطِيَ الرُّبُوبِيَّةَ حَقَّهَا» . (الْمَجِيدُ) : هُوَ مُبَالَغَةُ الْمَاجِدِ مِنَ الْمَجْدِ، وَهُوَ سَعَةُ الْكَرَمِ، فَهُوَ الَّذِي لَا تُدْرَكُ سَعَةُ كَرَمِهِ، وَلَا يَتَنَاهَى تَوَالِي إِحْسَانِهِ وَنِعَمِهِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَمِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ حِفْظُهُ عَلَيْهِمْ تَوْحِيدَهُمْ وَدِينَهُمْ، حَتَّى لَا

стр. 3258

يَزِيغُوا وَلَا يَزُولُوا، إِذْ لَوْلَا لُطْفُهُ وَإِحْسَانُهُ لَغَوَوْا وَضَلُّوا، وَمِنْ وُجُوهِ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى أَكْثَرِ الْخَلْقِ حِفْظُهُ عَلَيْهِمْ قُلُوبَهُمْ، وَتَصْفِيَتُهُ لَهُمْ أَوْقَاتَهُمْ، فَإِنَّ النِّعْمَةَ الْعُظْمَى نِعَمُ الْقُلُوبِ، كَمَا أَنَّ الْمِحْنَةَ الْكُبْرَى مِحَنُ الْقُلُوبِ، أَوْ مِنَ الْمَجْدِ وَهُوَ نِهَايَةُ الشَّرَفِ، فَهُوَ الَّذِي لَهُ شَرَفُ الذَّاتِ وَحُسْنُ الصِّفَاتِ. وَقِيلَ: هُوَ الْعَظِيمُ الرَّفِيعُ الْقَدِيرُ فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ، وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنْ يُعَامِلَ النَّاسَ بِالْكَرَمِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، فَيَكُونُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَاجِدًا وَلِخَيْرِ مَا عِنْدَهُ تَعَالَى وَاجِدًا. (الْبَاعِثُ) : أَيْ: بَاعِثُ الرُّسُلِ إِلَى الْأُمَمِ بِالْأَحْكَامِ وَالْحِكَمِ، أَوِ الَّذِي يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ لِلْحَشْرِ وَالنُّشُورِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَبْعَثُ الْأَرْزَاقَ إِلَى عَبْدِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكْتَسِبْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَقِيلَ: هُوَ بَاعِثُ الْهِمَمِ إِلَى التَّرَقِّي فِي سَاحَاتِ التَّوْحِيدِ وَالتَّنَقِّي مِنْ ظُلْمِ صِفَاتِ الْعَبِيدِ، وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنْ يُؤْمِنَ أَوَّلًا بِمَعَانِيهِ، وَيَكُونَ مُقْبِلًا بِشَرَاشِرِهِ لِاسْتِصْلَاحِ الْمَعَادِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِيَوْمِ التَّنَادِ، وَالتَّخَلُّقُ بِهِ إِحْيَاءُ النُّفُوسِ الْجَاهِلَةِ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّزْهِيدِ فِي الْأُمُورِ الْعَاجِلَةِ، وَالتَّرْغِيبِ فِي النِّعَمِ الْآجِلَةِ، فَيَبْدَأُ بِنَفَسِهِ، ثُمَّ بِمَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ مَنْزِلَةً وَرُتْبَةً. (الشَّهِيدُ) : مُبَالَغَةُ الشَّاهِدِ مِنَ الشُّهُودِ، وَهُوَ الْحُضُورُ، وَمَعْنَاهُ الْعَلِيمُ بِظَاهِرِ الْأَشْيَاءِ، وَمَا يُمْكِنُ مُشَاهَدَتُهَا، كَمَا أَنَّ الْخَبِيرَ هُوَ الْعَالِمُ بِبَوَاطِنِ الْأَشْيَاءِ، وَمَا لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَالَمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] أَوْ مُبَالَغَةُ الشَّاهِدِ مِنَ الشَّهَادَةِ، وَالْمَعْنَى يَشْهَدُ عَلَى الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. مِمَّا عَلِمَ وَشَاهَدَ مِنْهُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] . قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: إِنَّ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ لَمْ يَطْلُبُوا مَعَ اللَّهِ مُؤْنِسًا سِوَاهُ، بَلْ رَضُوا بِهِ شَهِيدًا لِأَحْوَالِهِمْ عَلِيمًا بِأُمُورِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَكَيْفَ لَا، وَهُوَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى وَيَسْمَعُ النَّجْوَى، وَيَكْشِفُ الضُّرَّ وَالْبَلْوَى وَيُجْزِلُ الْحُسْنَى، وَيَصْرِفُ الرَّدَى (وَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى) . قُلْتُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ تُرَاقِبَهُ حَتَّى لَا يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ، وَلَا يَفْقِدَكَ حَيْثُ أَمَرَكَ، وَأَنْ تَكْتَفِيَ بِعِلْمِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ عَنْ أَنْ تَرْفَعَ حَوَائِجَكَ إِلَى غَيْرِهِ، أَوْ أَنْ تَمِيلَ إِلَى طَلَبِ الْغَيْرِ مِنْ بِرِّهِ وَخَيْرِهِ، وَتَخَلُّقُكَ أَنْ تَكُونَ شَاهِدًا بِالْحَقِّ مُرَاعِيًا لِلصِّدْقِ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ مِنْ جُمْلَةِ مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] . (الْحَقُّ) : هُوَ الثَّابِتُ الَّذِي تَحَقَّقَ بِتَيَقُّنِ وَجُودِهِ، وَلَا تَحَقُّقَ لِغَيْرِهِ إِلَّا مِنْ كَرَمِهِ وَجُودِهِ، وَضِدُّهُ الْبَاطِلُ الَّذِي هُوَ الْمَعْدُومُ أَوِ الْمَوْجُودُ الَّذِي فِي مُقَابِلِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْهُومِ، إِذِ الثَّابِتُ مُطْلَقًا هُوَ اللَّهُ، وَسَائِرُ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مُمْكِنَةٌ فِي حَدِّ ذَاتِهَا وَلَا ثُبُوتَ لَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهَا، بَلِ الْكُلُّ مِنْهُ وَإِلَيْهِ، فَكُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ بَاطِلٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ مِنْ ذَاتِهِ، وَلَا فِي ذَاتِهِ فَضْلًا عَنْ ثَبَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] بِتَغْلِيبِ ذَوِي الْعُقُولِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ غَيْرَهُمْ أَوْلَى بِالْأُفُولِ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ فِيمَا شَهِدَ لَهُ ﷺ بِأَنَّ أَصْدَقَ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ. أَيْ: قَابِلٌ لِلْفَنَاءِ وَالزَّوَالِ، بَلْ فِي نَظَرِ أَرْبَابِ الشُّهُودِ دَائِمًا فِي مَرْتَبَةِ الِاضْمِحْلَالِ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ شَيْخِ مَشَايِخِنَا أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا سِوَى اللَّهِ، كَمَا حَرَّرْتُهُ وَبَسَطْتُهُ فِي شَرْحِ حِزْبِ الْفَتْحِ، وَيَدُلُّ عَلَى جَلَالَةِ لَبِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ لَمْ يَقُلْ شِعْرًا وَقَالَ: يَكْفِينِي الْقُرْآنُ، فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْمُحِقُّ أَيِ: الْمُظْهِرُ لِلْحَقِّ، أَوِ الْمُوجِدُ لِلشَّيْءِ حَسْبَ مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ، فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ أَنَّهُ الْحَقُّ نَسِيتَ فِي حُبِّهِ ذِكْرَ الْخَلْقِ وَتَخَلُّقُكَ بِهِ أَنْ تَلْزَمَ الْحَقَّ فِي سَائِرِ أَقْوَالِكَ وَأَفْعَالِكَ وَأَحْوَالِكَ.

стр. 3259

(الْوَكِيلُ) : الْقَائِمُ بِأُمُورِ عِبَادِهِ الْمُتَكَفِّلُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ، وَقِيلَ: الْمَوْكُولُ إِلَيْهِ تَدْبِيرُهُمْ إِقَامَةً وَكِفَايَةً، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْوَكِيلُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِحُكْمِ إِقَامَتِهِ لَهُ، وَهُوَ يُنْبِئُ عَنْ أَمْرَيْنِ، أَحَدِهِمَا: عَجْزُ الْخَلْقِ عَنِ الْقِيَامِ بِمَجَامِعِ أُمُورِهِمْ كَمَا يَنْبَغِي إِذِ الْغَالِبُ أَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكِلُ أَمْرَهُ إِلَى غَيْرِهِ إِذَا تَعَسَّرَ أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ مُبَاشَرَتُهُ بِنَفْسِهِ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِحَالِهِمْ قَادِرٌ عَلَى مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ رَحِيمٌ بِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَسْتَجْمِعْ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَحْسُنُ تَوْكِيلُهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ٨١] ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] ، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ - وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء: ٥٨ - ٢١٧] وَالتَّخَلُّقُ بِهِ أَنْ تَقُومَ بِأُمُورِ عِبَادِهِ وَمَطَالِبِهِمْ وَتَسْعَى فِي إِسْعَافِ مَآرِبِهِمْ. (الْقَوِيُّ) : الْقُوَّةُ تُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ مُرَتَّبَةٍ أَقْصَاهَا الْقُدْرَةُ التَّامَّةُ الْبَالِغَةُ السَّابِغَةُ الْوَاصِلَةُ إِلَى الْكَمَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَوِيٌّ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَا قُوَّةَ لِغَيْرِهِ إِلَّا بِهِ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ أَوَّلُ مَا يُوجَدُ فِي بَاطِنِهِ مِنْ إِحْسَاسِ الْعَمَلِ يُسَمَّى حَوْلًا، ثُمَّ مَا يُحِسُّ بِهِ فِي الْأَعْضَاءِ مِنْ إِطَاقَتِهَا لَهُ يُسَمَّى قُوَّةً، ثُمَّ مَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ بِصُورَةِ الْبَطْشِ وَالتَّنَاوُلِ يُسَمَّى قُدْرَةً، وَلِهَذَا كَانَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ كَنْزًا مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى رُجُوعِ الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَيْهِ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّكَ إِذَا نَفَيْتَ عَنْ غَيْرِهِ الْمَرْتَبَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَأَوْلَى أَنْ تَنْفِيَ عَنْهُ الثَّالِثَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الثَّالِثَةَ وَهِيَ الْقُدْرَةُ لَمَّا كَانَتْ ظَاهِرَةَ النَّفْيِ عَنْ غَيْرِهِ مَا احْتَاجَ فِي النَّفْيِ إِلَى ذِكْرِهِ، لِأَنَّ أَحَدًا مِنَ السُّفَهَاءِ، فَضْلًا عَنِ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَتَوَهَّمْ أَنَّ لِنَفْسِهِ قُدْرَةً بِخِلَافِ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ حَيْثُ قَدْ يَنْشَأُ عَنِ الْجَهْلِ وَالْغَفْلَةِ نِسْبَتُهُمَا إِلَى أَنْفُسِهِمْ، كَمَا زَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فَدَفَعَ وَهْمَهُمْ وَأَبْطَلَ فَهْمَهُمْ، وَلَمَّا كَانَتِ الْمُرْجِئَةُ وَقَعُوا فِي التَّعْطِيلِ، وَبِمُطْلَقِ التَّنْزِيهِ ضِدَّ وُقُوعِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي التَّشْبِيهِ أَثْبَتَ لَهُمْ بِقَوْلِهِ (إِلَّا بِاللَّهِ) لِتَكُونَ الْحُجَّةُ لِلَّهِ، وَهُوَ مَرْتَبَةُ الْجَمْعِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] كَمَا يُومِئُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَتَقَرُّبُكَ مِنْهُ تَعَلُّقًا أَنْ تُسْقِطَ التَّدْبِيرَ وَتَتْرُكَ مُنَازَعَةَ التَّقْدِيرِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ، وَلَا تَحُومُ حَوْلَ الدَّعْوَى، وَلَا تُبَالِي مِنْ هُمُومِ الدُّنْيَا، وَتَخَلُّقًا أَنْ تَكُونَ قَوِيًّا فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَا تَخَافَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. (الْمَتِينُ) : مِنَ الْمَتَانَةِ وَالشِّدَّةِ، وَمَرْجِعُ هَذَيْنِ إِلَى الْوَصْفِ بِكَمَالِ الْقُدْرَةِ وَشِدَّةِ الْقُوَّةِ، فَاللَّهُ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بَالِغُ الْقُدْرَةِ وَدَائِمُهَا قَوِيٌّ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ شَدِيدُ الْقُوَّةِ مَتِينٌ، وَقِيلَ: الْمَتِينُ مِنَ الْمَتَانَةِ، وَهِيَ اسْتِحْكَامُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ لَا يَتَأَثَّرُ أَيْ: هُوَ الَّذِي يُؤَثِّرُ وَلَا يَتَأَثَّرُ، وَالْغَالِبُ الَّذِي لَا يُغَالَبُ وَلَا يُغْلَبُ وَلَا يَحْتَاجُ فِي قُوَّتِهِ إِلَى مَادَّةٍ وَسَبَبٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وَهُوَ تَعَالَى إِنْ أَرَادَ إِهْلَاكَ عَبْدٍ أَهْلَكَهُ بِيَدِهِ إِمَّا ذَبْحًا وَخَنْقًا، وَإِمَّا حَرْقًا وَغَرَقًا، وَلِهَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: خَفْ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَوْنٍ عَلَيْكَ، بَلْ لَوْ شَاءَ إِتْلَافَكَ أَخْرَجَكَ عَنْ نَفْسِكَ حَتَّى يَكُونَ هَلَاكُكَ عَلَى يَدَيْكَ وَأَنْشَدَ: إِلَى حَتْفِي أَرَى قَدَمِي أَرَاقَ دَمِي. وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ وَمُسْتَنِدًا إِلَيْهِ. (الْوَلِيُّ) : أَيِ: الْمُحِبُّ لِأَوْلِيَائِهِ النَّاصِرُ لَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَهْوِيَتِهِمْ وَمَا يَدْعُوهُمْ إِلَى غَيْرِ لِقَائِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩] ، ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] . وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْمُتَوَلِّي لِأُمُورِ جَمِيعِ خَلِيقَتِهِ يَفْعَلُ فِيهِمْ مَا يَشَاءُ بِحِكْمَتِهِ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ بِعِزَّتِهِ، أَوْ لِأُمُورِ عِبَادِهِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُخْتَصِّينَ بِاجْتِبَائِهِ وَإِسْعَادِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ أَنَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ تَتَوَلَّ غَيْرَهُ وَغَيْرَ مَنْ يُحِبُّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]

стр. 3260

فَتَحَقَّقْ بِدَرَجَةِ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ : ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣] وَمِنْ كَلَامِ الْقُشَيْرِيِّ: مِنْ أَمَارَاتِ وَلَايَتِهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ أَنْ يُدِيمَ تَوْفِيقَهُ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ سُوءًا أَوْ قَصَدَ مَحْظُورًا عَصَمَهُ عَنِ ارْتِكَابِهِ، وَلَوْ جَنَحَ إِلَى تَقْصِيرٍ فِي طَاعَتِهِ أَبَى إِلَّا تَوْفِيقًا لَهُ وَتَأْيِيدًا. وَهَذَا مِنْ أَمَارَاتِ السَّعَادَةِ، وَعَكْسُ هَذَا مِنْ أَمَارَاتِ الشَّقَاوَةِ، وَمِنْ أَمَارَاتِ وَلَايَتِهِ أَنْ يَرْزُقَهُ مَوَدَّةً فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَإِذَا رَأَى فِي قُلُوبِهِمْ لِعَبْدٍ مَحَلًّا يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِاللُّطْفِ، وَإِذَا رَأَى هِمَّةَ وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَائِهِ لِشَأْنِ عَبْدٍ، أَوْ سَمِعَ دُعَاءَ وَلِيٍّ فِي شَأْنِ شَخْصٍ يَأْبَى إِلَّا الْفَضْلَ وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِ أَجْرَى بِذَلِكَ سُنَّتَهُ الْكَرِيمَةَ. وَسَمِعَتُ الشَّيْخَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ ﵀ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مَرَّ بِبَلْدَةٍ لَنَالَ بَرَكَةَ مُرُورِهِ أَهْلُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ، حَتَّى يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، وَمِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْوِلَايَةِ أَنَّ أَهْلَهَا مُنَزَّهُونَ عَنِ الذُّلِّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١] فَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ تَعَالَى دَائِمًا مُسْتَغْرِقُونَ فِي عِزِّ مَوْلَاهُمْ فِي دُنْيَاهِمْ وَأُخْرَاهِمْ، ﵃ وَجَعَلَنَا مِنْهُمْ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. (الْحَمِيدُ) : أَيِ: الْمَحْمُودُ الْمُسْتَحِقُّ لِلثَّنَاءِ، فَإِنَّهُ الْمَوْصُوفُ بِكُلِّ كَمَالٍ وَالْمُولِي لِكُلِّ نَوَالٍ، الْمَشْكُورُ بِكُلِّ فِعَالٍ فَهُوَ الْمَحْمُودُ الْمُطْلَقُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] بِبَيَانِ الْمَقَالِ أَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ، وَقِيلَ: حَمَدَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِالثَّنَاءِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ أَزَلًا، وَيَحْمَدُهُ عِبَادُهُ بِمَا أَلْهَمَهُمْ بِهِ أَبَدًا، فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ سَرْمَدًا، بَلْ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْحَامِدُ وَهُوَ الْمَحْمُودُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْفَعِيلِ الْمُحْتَمِلِ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، وَلِذَا قَالَ أَحْمَدُ الْحَامِدِينَ: ( «سُبْحَانَكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» ) . وَحَظُّكَ مِنْهُ مَا قَالَ صَاحِبُ الْحِكَمِ: الْمُؤْمِنُ يَشْغَلُهُ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِنَفْسِهِ شَاكِرًا، وَتَشْغَلُهُ حُقُوقُ اللَّهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِحُقُوقِهِ ذَاكِرًا، فَتَقَرُّبُكَ بِهِ تَعَلُّقًا كَثْرَةُ حَمْدِكَ لَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَتَخَلُّقًا بِأَنْ تَجْتَهِدَ فِي التَّحَلِّي بِمَحَامِدِ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: حَمْدُ الْعَبْدِ لِلَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ شُكْرُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى شُهُودِ الْمُنْعِمِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشُّكْرِ هِيَ الْغَيْبَةُ بِشُهُودِ الْمُنْعِمِ عَنْ شُهُودِ النِّعْمَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ دَاوُدَ ﵊ قَالَ فِي مُنَاجَاتِهِ: إِلَهِي كَيْفَ أَشْكُرُكَ وَشُكْرِي لَكَ نِعْمَةٌ مِنْكَ عَلَيَّ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِنَّكَ الْآنَ قَدْ شَكَرْتَنِي، وَمِنْ هُنَا قِيلَ: الْعَجْزُ عَنِ الشُّكْرِ شُكْرٌ، كَمَا قِيلَ: الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إِدْرَاكٌ، ثُمَّ كَمْ مِنْ عَبْدٍ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ فِي نِعْمَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ شُكْرُهَا، وَهُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي مِحْنَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ عَنْهَا، فَإِنَّ حَقِيقَةَ النِّعْمَةِ مَا يُوصِلُكَ إِلَى الْمُنْعِمِ لَا مَا يَشْغَلُكَ عَنْهُ، فَالنِّعَمُ لَا تَكُونُ إِلَّا دِينِيَّةً، نَعَمْ إِذَا كَانَ مَعَهَا رَاحَاتٌ دُنْيَوِيَّةٌ فَهُوَ نُورٌ عَلَى نُورٍ وَسُرُورٌ عَلَى سُرُورٍ، وَمِنْهُ دُعَاءُ السَّيِّدِ الشَّاذِلِيِّ: اللَّهُمَّ يَسِّرْ أُمُورَنَا مَعَ الرَّاحَةِ لِقُلُوبِنَا وَأَبْدَانِنَا، ثُمَّ إِنْ وَجَدَ التَّوْفِيقَ لِلشُّكْرِ بِصَرْفِ النِّعْمَةِ فِيمَا خُلِقَتْ لَهُ فِيهَا وَنُعِمَتْ، وَإِلَّا انْقَلَبَتِ الْمِنْحَةُ مِحْنَةً، وَلِذَا فُسِّرَ الْبَلَاءُ بِالنِّعْمَةِ وَالنِّقْمَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] وَقَالَ : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] فَهُوَ كَالنِّيلِ مَاءٌ لِلْمَحْبُوبِينَ وَدِمَاءٌ لِلْمَحْجُوبِينَ. (الْمُحْصِي) : أَيِ: الْعَالِمُ الَّذِي يُحْصِي الْمَعْلُومَاتِ وَيُحِيطُ بِالْمَوْجُودَاتِ إِحَاطَةَ الْعَادِّ بِمَا يَعُدُّهُ، وَالضَّابِطُ بِمَا يَضْبِطُهُ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا، وَالْعَبْدُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ إِحْصَاءُ بَعْضِ الْمُمْكِنَاتِ وَالْوُصُولُ إِلَى بَعْضِ الْمَعْدُودَاتِ، لَكِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ إِحْصَاءِ أَكْثَرِهَا وَضَبْطِ غَالِبِهَا، فَجَهْلُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَلَمِهِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْصِيَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْصَى، وَيَتَلَافَى مَقَابِحَ أَعْمَالِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَقْصَى، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْقَادِرُ الَّذِي لَا يَشِذُّ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَقْدُورَاتِ، فَمَرْجِعُهُ إِلَى صِفَةِ الْعِلْمِ أَوِ الْقُدْرَةِ وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْكَ غَفْلَةٌ فِي سُكُونٍ وَحَرَكَةٍ وَلَحْظَةٍ وَلَمْحَةٍ. وَتَقَرُّبُكَ مِنْهُ تَعَلُّقًا أَنْ تَحَاسِبَ نَفْسَكَ فِي جَمِيعِ أَنْفَاسِكَ بِأَنْ لَا يُوجَدَ فِيهَا

стр. 3261

نَفَسٌ إِلَّا فِي طَاعَةٍ، لِمَا وَرَدَ: إِنَّهُ لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا، وَلِمَا قِيلَ: الدُّنْيَا سَاعَةٌ فَاجْعَلْهَا طَاعَةً. وَتَخَلُّقًا أَنْ تَتَكَلَّفَ عَدَّ النِّعَمِ الَّتِي أَوْصَلَهَا إِلَيْكَ لِتَعْرِفَ عَجْزَكَ عَنْ شُكْرِ مَا عَلَيْكَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] أَيْ: لَا تُطِيقُوا عَدَّهَا فَضْلًا عَنْ شُكْرِهَا. رَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَعُدُّ تَسْبِيحًا لَهُ فَقِيلَ لَهُ: أَتَعُدُّ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَعُدُّ لَهُ، فَيَجِبُ أَنْ يُرَاعِيَ أَيَّامَهُ، وَيَعُدَّ آثَامَهُ، فَيَشْكُرَ جَمِيلَ مَا يُوَلِّيهِ، وَيَتَعَذَّرَ عَنْ قُبْحِ مَا يَأْتِيهِ، وَيَذْكُرَ الْأَيَّامَ الْخَالِيَةَ عَنِ الطَّاعَاتِ، وَيَتَأَسَّفَ عَلَى الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ فِي الْغَفَلَاتِ. وَقَدْ قِيلَ: لَا أَنْفَسَ مِنَ الْوَقْتِ إِذْ مَا مِنْ نَفِيسِ غَيْرِهِ إِلَّا وَيُمْكِنُ تَعْوِيضُهُ بِخِلَافِهِ، وَمِنَ الْمَشْهُورِ قَوْلُهُمُ: الْوَقْتُ سَيْفٌ قَاطِعٌ، وَالْوَقْتُ كَالسَّيْفِ إِنْ لَمْ تَقْطَعْهُ قَطَعَكَ، إِنْ لَمْ تَقْطَعْهُ بِالْعِبَادَةِ قَطَعَكَ بِالْبَطَالَةِ، وَقَوْلُهُمُ: الصُّوفِيُّ ابْنُ الْوَقْتِ وَأَبُو الْوَقْتِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا دَقِيقٌ، وَبِغَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ حَقِيقٌ. (الْمُبْدِئُ) : بِالْهَمْزِ وَيَجُوزُ إِبْدَالُهُ وَقْفًا، وَهُوَ الْمُظْهِرُ لِلْكَائِنَاتِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ مِنْ بَابِ الْكَرَمِ وَالْجُودِ، فَهُوَ بِمَعْنَى الْخَالِقِ، أَوْ هُوَ الْمُنْشِئُ لِلْأَشْيَاءِ وَمُخْتَرِعُهَا مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِمُقَابَلَةِ قَوْلِهِ: (الْمُعِيدُ) : أَيِ الَّذِي يُعِيدُ الْخَلْقَ بَعْدَ الْحَيَاةِ إِلَى الْمَمَاتِ فِي الدُّنْيَا، وَبَعْدَ الْمَمَاتِ إِلَى الْحَيَاةِ فِي الْأُخْرَى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ الْمُعِيدُ لِلْمُحْدَثَاتِ بَعْدَ انْعِدَامِ جَوَاهِرِهَا وَأَعْرَاضِهَا، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: الْإِعَادَةُ خَلْقُ مِثْلِهِ لَا إِعَادَةُ عَيْنِهِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ مَقْدُورًا قَبْلَ أَنْ خَلَقَهُ، فَإِذَا عَدِمَ بَعْدَ وُجُودِهِ أَعَادَهُ إِلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِعَادَةُ جَمْعَ الْأَجْزَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، فَإِذَا بَعَثَ الْخَلْقَ وَحَشَرَهُمْ فَقَدْ أَعَادَهُمْ. اهـ. وَاخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ الْإِعَادَةِ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجَوَاهِرَ لَا تَنْعَدِمُ بَلْ تَتَفَرَّقُ، ثُمَّ يَجْمَعُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَيُؤَلِّفُهَا عَلَى الْمِنْهَاجِ الْأَوَّلِ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا تَنْعَدِمُ إِلَّا بَعْضًا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، ثُمَّ تُعَادُ بِعَيْنِهَا لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵊: " «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَفْنَى إِلَّا عَجَبَ الذَّنَبِ» ". وَالْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالْحَقُّ إِعَادَةُ مَا انْعَدَمَ بِعَيْنِهِ وَتَأْلِيفُ مَا تَفَرَّقَ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَذَا الشُّهَدَاءِ فَإِنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فَالْإِعَادَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ إِعَادَةُ أَرْوَاحِهِمْ إِلَى أَشْبَاحِهِمْ، ثُمَّ قِيلَ: إِنَّهُمَا اسْمٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ مَعْنَى الْأَوَّلِ يَتِمُّ بِالثَّانِي وَمَرْجِعُهُمَا إِلَى صِفَاتِ الْأَفْعَالِ. اهـ. وَالْمَعْنَى أَنَّ بَيْنَهُمَا تَعْلِيقًا لَا يَقْبَلُ الِانْفِكَاكَ نَظِيرَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَسْمَاءِ، كَالْخَافِضِ وَالرَّافِعِ، وَكَذَا الْمُعِزُّ وَالْمُذِلُّ، وَالْقَابِضُ وَالْبَاسِطُ، وَشَبِيهُ مَا سَيَأْتِي مِنَ الصِّفَاتِ الْمُتَقَابِلَةِ كَالْمُحْيِي وَالْمُمِيتِ، وَالْمُقَدِّمِ وَالْمُؤَخِّرِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ قَوْلَهُ: هُمَا اسْمٌ وَاحِدٌ يُنَافِي النَّصَّ، وَحَظُّكَ مِنْهُمَا أَنَّكَ إِذَا شَهِدْتَ أَنَّهُ الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ رَجَعْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَيْهِ أَوَّلًا وَثَانِيًا، لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ ظُهُورِ كُلِّ مَوْجُودٍ: فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ شَاهِدٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ. وَتَقَرُّبُكَ بِهِمَا تَعَلُّقًا بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ فِي كُلِّ مَرْمًى، وَالتَّعَوُّذُ بِهِ مِنْ كُلِّ مَهْوًى، وَتَخَلُّقًا أَنْ تَعُودَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْبِدَايَةِ، وَتَرُدَّ النَّفْسَ مِنْهَا إِلَى الْهِدَايَةِ وَلِذَا قِيلَ: النِّهَايَةُ هِيَ الرُّجُوعُ إِلَى الْبِدَايَةِ. (الْمُحْيِي الْمُمِيتُ) : هُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى صِفَةِ الْأَفْعَالِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ١٩] ، ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: ٣١] وَقَرَأَ عَلَيْهِ - الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هَذِهِ الْآيَةَ عِنْدَ رُؤْيَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ عِنْدَ تَشَرُّفِهِ بِالْإِسْلَامِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُحْيِي الْقُلُوبَ بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَالْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، كَمَا أَنَّهُ يُمِيتُهَا بِالْجَهَالَةِ وَالضَّلَالَةِ، وَاللَّهْوِ وَالْمَعَازِفِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وَقَوْلُهُ ﵊: " «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» " وَمِنْ كَلَامِهِمْ: هُوَ مَنْ أَحْيَا قُلُوبَ الْعَارِفِينَ بِأَنْوَارِ مَعْرِفَتِهِ، وَأَرْوَاحَهُمْ بِأَلْطَافِ مُشَاهَدَتِهِ، وَأَمَاتَ الْقُلُوبَ بِالْغَفْلَةِ، وَالنُّفُوسَ بِالشَّهْوَةِ فَهُوَ تَعَالَى خَالِقُ الْحَيَاةِ وَمُدِيمُهَا، وَمُقَدِّرُ الْمَوْتَ الَّذِي هُوَ عَدِيمُهَا، وَمِنَ الْمَجَازِ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ ﷺ : «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ» ".

стр. 3262

قَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِحْيَاءُ خَلْقُ الْحَيَاةِ فِي الْجِسْمِ، وَالْإِمَاتَةُ إِزَالَتُهَا عَنْهُ. فَإِنْ قُلْتَ: الْمَوْتُ عَدَمُ الْحَيَاةِ، وَالْعَدَمُ لَا يَكُونُ بِالْفَاعِلِ. قُلْتُ: الْعَدَمُ الْأَصْلِيُّ كَذَلِكَ فَأَمَّا الْعَدَمُ الْمُتَجَدِّدُ فَهُوَ بِالْفَاعِلِ، وَلَكِنَّ الْفَاعِلَ لَا يَفْعَلُ الْهَدْمَ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ مَا يَسْتَلْزِمُهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] أُسْنِدَ الْمَوْتُ الثَّانِي إِلَى فِعْلِهِ دُونَ الْمَوْتِ الْأَوَّلِ الْمُرَادِ بِهِ الْعَدَمُ الْأَصْلِيُّ، وَحَظُّكَ مِنْهُمَا أَنْ لَا تَهْتَمَّ بِحَيَاةٍ وَلَا مَوْتٍ، بَلْ تَكُونَ مُفَوِّضًا مُسْتَسْلِمًا لِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ قَائِلًا مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتُوفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» " قَالَ الْقُشَيْرِيُّ ﵀: مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْحَقُّ أَحْيَاهُ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ أَمَاتَهُ وَأَفْنَاهُ، وَمَنْ قَرَّبَهُ أَحْيَاهُ وَمَنْ غَيَّبَهُ أَمَاتَهُ وَأَفْنَاهُ، ثُمَّ أَنْشَدَ: أَمُوتُ إِذَا ذَكَرْتُكَ ثُمَّ أَحْيَا ... فَكَمْ أَحْيَا عَلَيْكَ وَكَمْ أَمُوتُ. (" الْحَيُّ) : أَيْ ذُو الْحَيَاةِ الْأَزَلِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ، وَهُوَ الْفَعَّالُ الدَّرَّاكُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَالْمُعْتَزِلَةُ إِلَى أَنَّهَا صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهَا لِأَجْلِهَا صَحَّ لِذَاتِهِ أَنْ يُعْلَمَ وَيُقَدَّرَ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ أَنْ يُعْلَمَ وَيُقَدَّرَ هَذَا فِي حَقِّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا فِي حَقِّنَا فَعِبَارَةٌ عَنِ اعْتِدَالِ الْمِزَاجِ الْمَخْصُوصِ بِجِنْسِ الْحَيَوَانِ. وَقِيلَ: هِيَ الْقُوَّةُ التَّابِعَةُ لَهُ الْمُعَدَّةُ لِقَبُولِ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ الْإِرَادِيَّةِ، وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ حَيًّا بِاللَّهِ حَتَّى لَا يَمُوتَ لِأَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا يَمُوتُونَ، وَلَكِنْ يَنْتَقِلُونَ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩] الْآيَةَ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَإِذَا عَلِمَ الْعَبْدُ أَنَّهُ تَعَالَى حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَعَالِمٌ وَقَدِيرٌ صَحَّحَ تَوَكُّلَهُ عَلَيْهِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] لِأَنَّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى مَخْلُوقٍ وَاتَّكَلَ عَلَيْهِ لِيَوْمِ حَاجَتِهِ احْتَمَلَ وَفَاتَهُ وَقْتَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ، فَيَضِيعُ رَجَاؤُهُ وَأَمَلُهُ لَدَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فَتَقَرُّبُكَ بِهِ تَعَلُّقًا أَنْ تَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالْمَيِّتِ بَيْنَ يَدِيِ الْغَاسِلِ، وَتَخَلُّقًا أَنْ تُحْيِيَ الْقُلُوبَ بِأَنْوَارِ مَعْرِفَتِكَ، وَالْأَرْوَاحَ بِأَسْرَارِ مُشَاهَدَتِكَ. (الْقَيُّومُ) : أَيِ: الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ الْمُقِيمُ لِغَيْرِهِ، فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ لَا يَصِحُّ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ قِوَامَهُ بِذَاتِهِ لَا يَتَوَقَّفُ بِوَجْهٍ مَا عَلَى غَيْرِهِ، وَقِوَامُ كُلِّ شَيْءٍ بِهِ إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ لِلْأَشْيَاءِ وُجُودٌ وَدَوَامٌ إِلَّا بِوُجُودِهِ تَعَالَى، وَلِلْعَبْدِ فِيهِ مَدْخَلٌ بِقَدْرِ اسْتِغْنَائِهِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ وَإِمْدَادِهِ لِلنَّاسِ، وَكَانَ مَفْهُومُهُ مُرَكَّبًا مِنْ نُعُوتِ الْجَلَالِ وَصِفَاتِ الِأَفْعَالِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَنْ عَرِفَ أَنَّهُ الْقَيُّومُ اسْتَرَاحَ عَنْ كَدِّ التَّدْبِيِرِ وَتَعَبِ الْأَشْغَالِ، وَعَاشَ بِرَاحَةِ التَّفْوِيضِ، فَلَمْ يَضِنَّ بِشَيْءٍ بِتَكْرِيمِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ فِي قَلْبِهِ لِلدُّنْيَا كَثْرَةَ قِيمَةٍ، وَهُوَ (فَيْعُولٌ) لِلْمُبَالَغَةِ كَالدَّيُّومِ. قَالَ السُّهْرَوَرْدِيُّ: قَيُّومٌ لَا يَعْتَرِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ وَالتَّغَيُّرُ فَالزِّيَادَةُ لِقُصُورٍ عَنِ الْغَايَةِ، وَالنُّقْصَانُ لِتَخَلُّفٍ عَنِ النِّهَايَةِ، وَهُوَ خَالِقُ الْغَايَاتِ وَالنِّهَايَاتِ. (الْوَاجِدُ) : بِالْجِيمِ أَيِ: الَّذِي يَجِدُ كُلَّ مَا يُرِيدُهُ وَيَطْلُبُهُ وَلَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْغَنِيُّ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوُجْدِ. قَالَ تَعَالِيَ: ﴿أَسْكَنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] كَمَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَعْنَى الثَّانِيَ أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَهَذَا مُرَادِفٌ لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا مُغَايِرَ لَهُ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ - فَوَهْمٌ مِنْهُ وَسَهْوٌ عَنْهُ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: الْوَجْدُ عِنْدَ الْقَوْمِ مَا يُصَادِفُونَهُ مِنَ الْأَحْوَالِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا تَطَلُّبٍ. قَالَ الثَّوْرِيُّ: الْوَجْدُ لَهِيبٌ يَنْشَأُ فِي الْأَسْرَارِ وَيَنْسَلِخُ عَنِ الشَّوْقِ فَتَضْطَرِبُ الْجَوَارِحُ طَرَبًا أَوْ حُزْنًا عِنْدَ ذَلِكَ الْوَارِدِ، وَقِيلَ: الْوَجْدُ وُجُودُ نَسِيمِ الْحَبِيبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩٤] قُلْتُ: وَكَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ الصُّوفِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ أَرَهُ فِي الْكُتُبِ الْحَدِيثِيَّةِ، وَإِنِّي لَأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمَنِ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3263

(الْمَاجِدُ) : مِنَ الْمَجْدِ وَهُوَ سِعَةُ الْكَرَمِ وَنِهَايَةُ الشَّرَفِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ بِمَعْنَى الْمَجِيدِ إِلَّا أَنَّ فِي الْمَجِيدِ مُبَالَغَةً لَيْسَتْ فِي هَذَا مِنَ الْمَجْدِ. اهـ. وَفِيهِ مِنَ الْإِيهَامِ مَا لِا يَخْفَى، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ صِفَاتِهِ فِي غَايَةٍ مِنَ الْكَمَالِ، سَوَاءٌ تَكُونُ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ كَمَجِيدٍ وَعَلِيمٍ أَوْ لَا، كَمَاجِدٍ وَعَالِمٍ. نَعَمْ مَا ذُكِرَ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْمَبْنَى لَا مِنْ حَيْثِيَّةِ أَصْلِ الْمَعْنَى، بَقِيَ أَنَّ ظَاهِرَهُ التَّكْرَارُ، وَالْمُحَقِّقُونَ لَا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ، وَالَّذِي خَطَرَ بِبَالِي أَنَّ نُكْتَةَ إِعَادَتِهِ أَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلِاسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلِذَا وَرَدَ «أَنَّهُ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ مُتَشَبِّثًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ قَائِلًا: " يَا وَاجِدُ يَا مَاجِدُ لَا تُزِلْ عَنِّي نِعْمَةً أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيَّ» ". (الْوَاحِدُ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِزِيَادَةِ الْأَحَدِ بَعْدَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: لَفَظُ الْأَحَدِ بَعْدَ الْوَاحِدِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَالدَّعَوَاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ، وَلَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَمَعْنَى الْوَاحِدِ أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ فِي ذَاتِهِ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي صِفَاتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي فِعَالِهِ. اهـ. وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ: الْوَاحِدُ الْمُتَفَرِّدُ بِالذَّاتِ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْأَحَدُ الْمُتَفَرِّدُ بِالصِّفَاتِ لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي صِفَاتِهِ، وَقِيلَ: الْوَحْدَةُ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا عَدَمُ التَّجْزِئَةِ وَالِانْقِسَامِ، وَيَكْثُرُ إِطْلَاقُ الْوَاحِدِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَقَدْ يُطْلَقُ بِإِزَاءِ التَّعَدُّدِ وَالْكَثْرَةِ، وَيَكْثُرُ إِطْلَاقُ الْأَحَدِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَاللَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُتَعَالٍ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ فَيَتَطَرَّقُ إِلَى ذَاتِهِ التَّعَدُّدُ وَالِاشْتِرَاكُ أَحَدٌ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّرْكِيبِ وَالْمَقَادِيرِ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ وَالِانْقِسَامَ وَاحِدٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَاحِدُ الْأَحَدُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَحْدَةِ، فَإِنَّ أَصْلَ أَحَدٍ وَاحِدٌ بِفَتْحَتَيْنِ فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ مِنْ وُجُوهٍ، الْأَوَّلُ: أَنَّ أَحَدًا لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِثْبَاتِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ، فَيُقَالُ: اللَّهُ أَحَدٌ، وَلَا يُقَالُ: زَيْدٌ أَحَدٌ، كَمَا يُقَالُ: زَيْدٌ وَاحِدٌ، وَكَأَنَّهُ بُنِيَ لِنَفْيِ مَا يُذْكَرُ مَعَهُ مِنَ الْعَدَدِ، وَالثَّانِي: أَنَّ نَفْيَهُ يَعُمُّ، وَنَفْيَ الْوَاحِدِ قَدْ لَا يَعُمُّ، وَلِذَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ فِي الدَّارِ وَاحِدٌ بَلْ فِيهَا اثْنَانِ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي أَحَدٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْوَاحِدَ يُفْتَحُ بِهِ الْعَدَدُ فَيُقَالُ: وَاحِدٌ اثْنَانِ الْخَ. وَلَا كَذَلِكَ أَحَدٌ، فَلَا يُقَالُ أَحَدٌ اثْنَيْنِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْوَاحِدَ يَلْحَقُهُ التَّاءُ بِخِلَافِ الْأَحَدِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا مِنْ وُجُوهٍ، الْأَوَّلُ: أَنَّ أَحَدًا مِنْ حَيْثُ الْبِنَاءُ أَبْلَغُ مِنْ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُشَبَّهَةِ الَّتِي بُنِيَتْ بِمَعْنَى الثَّبَاتِ. الثَّانِي: أَنَّ الْوَحْدَةَ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا عَدَمُ التَّجْزِئَةِ تَارَةً وَيُرَادُ بِهَا عَدَمُ التَّثَنِّي وَالنَّظِيرِ أُخْرَى، كَوَحْدَةِ الشَّمْسِ، وَالْوَاحِدُ يَكْثُرُ إِطْلَاقُهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَالْأَحَدُ يَغْلُبُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي، وَلِذَا يُجْمَعُ أَحَدٌ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ الْآحَادِ أَنَّهُ جَمْعُ أَحَدِ؟ فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ لَيْسَ لِلْأَحَدِ جَمْعٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: أَنَّهُ جَمْعُ وَاحِدٍ كَالْأَشْهَادِ فِي جَمْعِ شَاهِدٍ، وَلَا يُفْتَحُ بِهِ الْعَدَدُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ مَنْ قَالَ: الْوَاحِدُ لِلْوَصْلِ، وَالْأَحَدُ لِلْفَصْلِ، فَمِنَ الْوَاحِدِ وَصَلَ إِلَى عِبَادِهِ مَا وَصَلَ مِنَ النِّعَمِ، وَمِنَ الْأَحَدِ فَصَلَ عَنْهُمْ مَا فَصَلَ مِنَ النِّقَمِ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ هَذَا وَجْهُ الِاكْتِفَاءِ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، لِأَنَّ فَصْلَ النِّقَمِ يَنْدَرِجُ فِي وَصْلِ النِّعَمِ. وَالثَّالِثُ: مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاحِدَ بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ، وَالْأَحَدُ بِاعْتِبَارِ الصِّفَاتِ، يَعْنِي بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَا شَبِيهَ فِي صِفَاتِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا سَبَبَ عَدَمِ ذِكْرِهِ، لِأَنَّهُ بِظَاهِرِهِ يُنَافِي تَعَدُّدَ الْأَسْمَاءِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ الْوَاحِدُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى لِلِاكْتِفَاءِ، وَحَظُّ الْعَبْدِ أَنْ يَغُوصَ لُجَّةَ التَّوْحِيدِ، وَيَسْتَغْرِقَ فِي بَحْرِ التَّفْرِيدِ، حَتَّى لَا يَرَى مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ غَيْرَ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: التَّوْحِيدُ ثَلَاثَةٌ: تَوْحِيدُ الْحَقِّ تَعَالَى نَفْسَهُ، وَهُوَ عِلْمُهُ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ وَكَذَا إِخْبَارُهُ. قُلْتُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] وَتَوْحِيدُ الْحَقِّ لِلْعَبْدِ، وَهُوَ إِعْطَاؤُهُ التَّوْحِيدَ لَهُ وَالتَّوْفِيقَ بِهِ، قُلْتُ: وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وَتَوْحِيدُ الْعَبْدِ لِلْحَقِّ، وَهُوَ أَنْ لَا يُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا. قُلْتُ: وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [الحشر: ٢٢] .

стр. 3264

وَقَالَ الْجُنَيْدِيُّ: التَّوْحِيدُ إِفْرَادُ الْقِدَمِ مِنَ الْحَدَثِ، وَقِيلَ: التَّوْحِيدُ إِسْقَاطُ الْإِضَافَاتِ بِنُورِ الْخَلْقِ لِظُهُورِ الْحَقِّ، وَحَظُّكَ مِنْهُ أَنْ تُفْرِدَ قَلْبَكَ لَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» ". قِيلَ: الْوِتْرُ هُنَا الْقَلْبُ الْمُنْفَرِدُ لَهُ تَعَالَى، قَالَ الشَّاعِرُ: إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوَاهُ فِي الْحُسْنِ وَاحِدًا ... فَكُنْ وَاحِدًا فِي الْحُبِّ إِنْ كُنْتَ تَهْوَاهُ. (الصَّمَدُ) : أَيِ: السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ السُّؤْدُدُ، وَقِيلَ: الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ، فَهُوَ الَّذِي يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ، وَقِيلَ: هُوَ الْمُنَزَّهُ عَنْ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ حَاجَةٌ أَوْ يَعْتَرِيَهُ آفَةٌ، وَقِيلَ: الْبَاقِي الَّذِي لَا يَزُولُ، وَقِيلَ: الدَّائِمُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقِيلَ الَّذِي يُصْمَدُ إِلَيْهِ فِي الرَّغَائِبِ وَيُقْصَدُ إِلَيْهِ فِي النَّوَائِبِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَمَنْ كَانَ يَقْصِدُهُ النَّاسُ فِيمَا يَعِنُّ لَهُمْ مِنْ مَهَامِّ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، فَلَهُ حَظٌّ مِنَ الْوَصْفِ، وَمَنْ رَسَخَ فِي التَّوْحِيدِ وَصَارَ مُتَصَلِّبًا فِي الدِّينِ لَا يَتَزَلْزَلُ بِتَقَادُمِ الشُّبُهَاتِ وَتَعَاقُبِ الْبَلِيَّاتِ، فَقَدْ حَظِيَ مِنْهُ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ ﵀: مِنْ حَقِّ مَنْ عَرَفَهُ بِهَذَا الْوَصْفِ أَنْ يَعْرِفَ نَفْسَهُ بِالْفَنَاءِ وَالزَّوَالِ وَشَدِّ الِارْتِحَالِ وَيُلَاحِظَ الْكَوْنَ بِعَيْنِ الْفَنَاءِ وَالِانْتِقَالِ فَيَزْهَدَ فِي حُطَامِهَا، وَلَا يَرْغَبَ فِي حَلَالِهَا، فَضْلًا عَنْ حَرَامِهَا. وَمِنْ حَقِّ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ أَنْ يُوَجِّهَ رَغَبَاتَهُ عِنْدَ مَآرِبِهِ إِلَيْهِ، وَيَصْدُقُ تَوَكُّلُهُ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ. فَلَا يَهْتَمُّ فِي رِزْقِهِ، وَكَمَا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعِنْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ كَذَلِكَ لَا يُشَارِكُهُ فِي رِزْقِهِ، وَإِذَا عَرَفَ أَنَّهُ يُصْمَدُ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ شَكَا إِلَيْهِ حَاجَتَهُ وَفَاقَتَهُ وَرَفَعَ إِلَيْهِ، وَتَعَلَّقَ بِجَمِيلِ تَصَرُّفِهِ وَتَقَرَّبَ بِصُنُوفِ تَوَسُّلِهِ. (الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ) : مَعْنَاهُمَا ذُو الْقُدْرَةِ، إِلَّا أَنَّ الْمُقْتَدِرَ أَبْلَغُ لِمَا فِي الْبِنَاءِ مِنْ مَعْنَى التَّكَلُّفِ وَالِاكْتِسَابِ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَإِنِ امْتَنَعَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً، لَكِنَّهُ يُفِيدُ الْمَعْنَى مُبَالَغَةً، فَمَنْ قَالَ بِاسْتِوَاءِ الِاسْمَيْنِ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ حَقَّ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْبَالِغُ فِي الْقُدْرَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: زَعْمُ اسْتِوَاءِ الِاسْمَيْنِ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بَعِيدٌ، فَبَعِيدٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَعْنَى، وَالِاخْتِلَافَ فِي الْمَبْنَى، مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ بِنَفْسِهِ أَنَّ مَعْنَى التَّكْلِفَةِ وَالِاكْتِسَابِ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، فَبَيْنَ كَلَامَيْهِ مُنَاقَضَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ وَصْفِهِ تَعَالَى بِهِمَا: نَفْيُ الْعَجْزِ عَنْهُ فِيمَا يَشَاءُ وَيُرِيدُ، وَمُحَالٌ أَنْ يُوصَفَ بِالْقُدْرَةِ الْمُطْلَقَةِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمِنْ حَقِّهِمَا أَنْ لَا يُوصَفَ بِهِمَا مُطْلَقًا غَيْرُ اللَّهِ، فَإِنَّهُ الْقَادِرُ بِالذَّاتِ، وَالْمُقْتَدِرُ عَلَى جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ، وَمَا عَدَاهُ فَإِنَّمَا يَقْدِرُ بِإِقْدَارِهِ عَلَى بَعْضِ الْأَشْيَاءِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَحَقِيقٌ بِهِ أَنْ لَا يُقَالَ لَهُ أَنَّهُ قَادِرٌ إِلَّا مُقَيَّدًا، أَوْ عَلَى قَصْدِ التَّقْيِيدِ. (الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ) : مَعْنَاهُمَا هُوَ الَّذِي يُقَرِّبُ وَيُبْعِدُ، وَمَنْ قَرَّبَهُ فَقَدْ قَدَّمَهُ، وَمَنْ أَبْعَدَهُ فَقَدْ أَخَّرَهُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُقَدِّمُ الْأَشْيَاءَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، إِمَّا بِالذَّاتِ كَتَقَدُّمِ الْبَسَائِطِ عَلَى الْمُرَكَّبَاتِ، وَإِمَّا بِالْوُجُودِ كَتَقْدِيمِ الْأَسْبَابِ عَلَى الْمُسَبَّبَاتِ، أَوْ بِالشَّرَفِ وَالْقُرْبَةِ كَتَقَدُّمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ عَلَى مَنْ عَدَاهُمْ، أَوْ بِالْمَكَانِ كَتَقَدُّمِ الْأَجْسَامِ الْعُلْوِيَّةِ عَلَى السُّفْلِيَّةِ، أَوْ بِالزَّمَانِ كَتَقَدُّمِ الْأَطْوَارِ وَالْقُرُونِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. وَمِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْعَارِفِينَ: الْمُقَدِّمُ مَنْ قَدَّمَ الْأَبْرَارَ بِفُنُونِ الْمَبَارِّ، وَالْمُؤَخِّرُ مَنْ أَخَّرَ الْفَجَرَةَ وَشَغَلَهُمْ بِالْأَغْيَارِ، وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنْ يَهُمَّ بِأَمْرِهِ فَيُقَدِّمُ الْأَهَمَّ فَالْأَهَمَّ، وَأَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ. (الْأَوَّلُ) : أَيِ: الَّذِي لَا بِدَايَةَ لِأَوَّلِيَّتِهِ. (الْآخِرُ) : أَيِ: الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلِيقَتِهِ، وَلَا نِهَايَةَ لِآخِرِيَّتِهِ، فَمِنْهُ الْأَمْرُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ فِي مَرَاتِبِ الْوُجُودِ. (الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ) : أَيِ: الَّذِي ظَهَرَ ظَاهِرُ وُجُودِهِ بِالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ، وَاحْتَجَبَ كُنْهُ ذَاتِهِ عَنِ الْعُقُولِ الْمَاهِرَةِ، وَقِيلَ: الظَّاهِرُ الَّذِي ظَهَرَتْ شَوَاهِدُ وَجُودِهِ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي ظَهَرَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَعَلَا عَلَيْهِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي عُرِفَ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ الْعَقْلِيِّ بِمَا ظَهَرَ مِنْ آثَارِ أَفْعَالِهِ وَأَوْصَافِهِ. وَالْبَاطِنُ: هُوَ الْمُحْتَجِبُ عَنْ بَصَرِ الْخَلْقِ وَنَظَرِ الْعَقْلِ بِحُجُبِ كِبْرِيَائِهِ، فَلَا يُدْرِكُهُ بَصَرٌ وَلَا يُحِيطُ بِهِ وَهْمٌ، وَقِيلَ: هُوَ الْعَالِمُ بِمَا بَطَنَ يُقَالُ: بَطِنْتُ الْأَمْرَ: إِذَا عَرَفْتَ بَاطِنَهُ، وَقِيلَ: الظَّاهِرُ بِنِعْمَتِهِ الْبَاطِنُ بِرَحْمَتِهِ، وَقِيلَ: الظَّاهِرُ لِقَوْمٍ فَلِذَلِكَ وَحَّدُوهُ، وَالْبَاطِنُ عَنْ قَوْمٍ فَلِذَلِكَ جَحَدُوهُ، وَقِيلَ: الْأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَالْآخِرُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، وَالظَّاهِرُ بِالْقُدْرَةِ وَالْبَاطِنُ عَنِ الْفِكْرَةِ وَقِيلَ الْأَوَّلُ بِلَا مَطْلَعٍ وَالْآخِرُ بِلَا مَقْطَعٍ وَالظَّاهِرُ بِلَا اقْتِرَابٍ وَالْبَاطِنُ بِلَا احْتِجَابٍ، وَلَعَلَّ الْإِتْيَانَ بِهَا فِي الْآيَةِ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَرْتَبَةِ الْجَمْعِيَّةِ، وَإِشْعَارٌ بِرَفْعِ وَهْمِ التَّنَاقُضِيَّةِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا خَفِيَ تَعَالَى مَعَ ظُهُورِهِ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ، فَظُهُورُهُ سَبَبٌ لِبُطُونِهِ، وَنُورُهُ حِجَابُ نُورِهِ، وَكُلُّ مَا جَاوَزَ عَنْ حَدِّهِ انْعَكَسَ عَلَى ضِدِّهِ، وَفِي الْحُكْمِ أَظْهَرَ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ لِأَنَّهُ الْبَاطِنُ، وَطَوَى وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا أَنَّهُ الظَّاهِرُ.

стр. 3265

(الْوَالِي) : أَيِ الَّذِي تَوَلَّى الْأُمُورَ وَحَكَمَهَا بِالْأَحْزَانِ وَالسُّرُورِ. (الْمُتَعَالِي) : بِمَعْنَى الْعَلِيِّ بِنَوْعٍ مِنَ الْمُبَالَغَةِ، وَقِيلَ: الْبَالِغُ فِي الْعُلُوِّ، وَالْمُرْتَفِعُ عَنِ النَّقَائِصِ. (الْبَرُّ) : أَيِ الْمُحْسِنُ الْبَالِغُ فِي الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ، ﵀: مَنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى بَارًّا بِهِ عَصَمَ عَنِ الْمُخَالَفَةِ نَفْسَهُ، وَأَدَامَ بِفُنُونِ اللَّطَائِفِ أُنْسَهُ، وَطَيَّبَ فُؤَادَهُ، وَحَصَّلَ مُرَادَهُ وَجَعَلَ التَّقْوَى زَادَهُ، وَأَغْنَاهُ عَنْ إِشْكَالِهِ بِإِفْضَالِهِ، وَحَمَاهُ عَنْ مُخَالَفَتِهِ بِيُمْنِ إِقْبَالِهِ، فَهُوَ مَلِكٌ لَا يَسْتَظْهِرُ بِجَيْشٍ وَعَدَدٍ، وَغِنَيٌّ لَا يَتَمَوَّلُ بِمَالٍ وَعَدَدٍ، وَفِي الْحِكَمِ: مَتَى أَعْطَاكَ أَشْهَدَكَ بِرَّهُ، وَمَتَى مَنَعَكَ أَشْهَدَكَ قَهْرَهُ، فَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَتَعَرَّفُ إِلَيْكَ، وَيُقْبِلُ بِوُجُودِ لُطْفِهِ عَلَيْكَ. (التَّوَّابُ) : أَيِ: الَّذِي يَرْجِعُ بِالْإِنْعَامِ عَلَى كُلِّ مُذْنِبٍ رَجَعَ إِلَى الْتِزَامِ الطَّاعَةِ، بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ مِنَ التَّوْبِ وَهُوَ الرُّجُوعُ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُيَسِّرُ لِلْمُذْنِبِينَ أَسَاسَ التَّوْبَةِ، وَيُوَفِّقُهُمْ لَهَا، فَسُمِّيَ الْمُسَبِّبُ لِلشَّيْءِ بِاسْمِ الْمُبَاشِرِ لَهُ. وَقِيلَ: الَّذِي يَقْبَلُ تَوْبَةَ عِبَادِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَمِنْ حَظِّ الْعَبْدِ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ وَاثِقًا بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، غَيْرَ آيِسٍ مِنْ زَوَالِ الرَّحْمَةِ، وَيَصْفَحُ عَنِ الْمُجْرِمِينَ، وَيَقْبَلُ عُذْرَ الْمُتَعَذِّرِينَ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ، فَإِذَنِ ابْتِدَاءُ التَّوْبَةِ وَأَصْلُهَا مِنَ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ إِتْمَامُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَنِظَامُهَا بِاللَّهِ نِظَامُهَا فِي الْحَالِ، وَتَمَامُهَا فِي الْمَآلِ. وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَى الْعَبْدِ مَتَى كَانَ لِلْعَبْدِ تَوْبَةٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] . (الْمُنْتَقِمُ) : أَيِ: الْمُعَاقِبُ لِلْعُصَاةِ عَلَى مَكْرُوهَاتِ أَفْعَالِهِمُ، افْتِعَالٌ مِنْ نَقِمَ الشَّيْءَ: إِذَا كَرِهَهُ غَايَةَ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ لَا يُحْمَدُ مِنَ الْعَبْدِ إِلَّا إِذَا كَانَ انْتِقَامُهُ لِلَّهِ، وَمِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَأَحَقُّ أَعْدَاءٍ بِالِانْتِقَامِ نَفْسُهُ، فَيَنْتَقِمُ مِنْهَا مَهْمَا قَارَفَتْ مَعْصِيَةً أَوْ تَرَكَتْ طَاعَةً، بِأَنْ يُكَلِّفَهَا خِلَافَ مَا حَمَلَهَا عَلَيْهِ. (الْعَفُوُّ) : فَعَوْلٌ مِنَ الْعَفْوِ، وَهُوَ الَّذِي يَمْحُو السَّيِّئَاتِ وَيَتَجَاوَزُ عَنِ الْمَعَاصِي، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْغَفُورِ لِأَنَّ الْغُفْرَانَ يُنْبِئُ عَنِ السِّتْرِ، وَالْعَفُوُّ يُنْبِئُ، عَنِ الْمَحْوِ، وَأَصْلُ الْعَفْوِ الْقَصْدُ لِتَنَاوُلِ الشَّيْءِ، سُمِّيَ بِهِ الْمَحْوُ لِأَنَّهُ قَصْدٌ لِإِزَالَةِ الْمَمْحُوِّ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَنْ عَرَفَ أَنَّهُ تَعَالَى عَفُوٌ طَلَبَ عَفْوَهُ، وَمَنْ طَلَبَ عَفْوَهُ تَجَاوَزَ عَنْ خَلْقِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِذَلِكَ أَدَّبَهُمْ وَإِلَيْهِ نَدَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] . (الرَّءُوفُ) : أَيْ: ذُو الرَّأْفَةِ، وَهِيَ شِدَّةُ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الرَّحِيمِ بِمَرْتَبَةٍ، وَمِنَ الرَّاحِمِ بِمَرْتَبَتَيْنِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَصَحَّفَ ابْنُ حَجَرٍ الرَّاحِمَ بِالرَّحْمَنِ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ عَجِيبٌ مِنَ الشَّارِحِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَأْتِي عَلَى أَنَّ الرَّحِيمَ أَبْلَغُ مِنَ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ قَوْلٌ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ. حُكِيَ أَنَّ إِنْسَانًا تَجَنَّبَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى جَارٍ لَهُ مَاتَ لِكَوْنِهِ كَانَ شِرِّيرًا، فَرُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي وَقَالَ: قُلْ لِفُلَانٍ: ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذَا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] . (مَالِكُ الْمُلْكِ) : هُوَ الَّذِي يُنْفِذُ مَشِيئَتَهُ فِي مُلْكِهِ، وَيُجْرِي الْأُمُورَ فِيهِ عَلَى مَا يَشَاءُ إِيجَادًا وَإِعْدَامًا وَإِبْقَاءً وَفَنَاءً، لَا مَرَدَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. قَالَ الشَّاذِلِيُّ: قِفْ بِبَابٍ وَاحِدٍ لِيُفْتَحَ لَكَ الْأَبْوَابُ، وَاخْضَعْ لِمَلِكٍ وَاحِدٍ لِيُخْضِعَ لَكَ الرِّقَابَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] . (ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) : قِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا شَرَفَ وَلَا كَمَالَ إِلَّا وَهُوَ لَهُ، وَلَا كَرَامَةَ وَلَا مَكْرُمَةَ إِلَّا وَهِيَ مِنْهُ، فَالْجَلَالُ فِي ذَاتِهِ، وَالْإِكْرَامُ مِنْهُ فَائِضٌ عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: " «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» ". قِيلَ: لِأَنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ. (الْمُقْسِطُ) : يُقَالُ: قَسَطَ: إِذَا جَارَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وَأَقْسَطَ: إِذَا عَدَلَ وَأَزَالَ الْجَوْرَ، فَهُوَ الَّذِي يَنْتَصِفُ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَيَدْفَعُ بَأْسَ الظَّلَمَةِ عَنِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩] أَيْ: بِالْعَدْلِ، فَهُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ لِأَقْسَطَ لَا مَصْدَرٌ لِقَسَطَ لِتَضَادِّ مَعْنَيْهِمَا.

стр. 3266

(الْجَامِعُ) : أَيِ: الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ أَشْتَاتِ الْحَقَائِقِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَضَادَّةِ مُتَجَاوِرَةً وَمُتَمَازِجَةً فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ. وَقِيلَ: الْجَامِعُ لِأَوْصَافِ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ، وَأَقُولُ: هُوَ كَمَا قَالَ: ﴿جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩] فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَوَافَقَ الْكَمَالَاتِ النَّفْسَانِيَّةَ بِالْآدَابِ الْجُسْمَانِيَّةِ فَلَهُ حَظٌّ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَقَدْ يَجْمَعُ الْيَوْمَ قُلُوبَ أَوْلِيَائِهِ إِلَى شُهُودِ تَقْدِيرِهِ، حَتَّى يَتَخَلَّصَ مِنْ أَسْبَابِ التَّفْرِقَةِ فَيَطِيبُ عَيْشُهُ، إِذْ لَا رَاحَةَ لِلْمُؤْمِنِ دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ، فَلَا يَرَى الْوَسَائِطَ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى الْحَادِثَاتِ بِعَيْنِ التَّقْدِيرِ فَإِنْ كَانَ نِعَمٌ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُعْطِي لَهَا وَمَنِيحُهَا، وَإِنْ كَانَ شِدَّةٌ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْكَاشِفَ لَهَا وَمُزِيحَهَا. (الْغَنِيُّ) : أَيِ: الْمُسْتَغْنِي بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] . (الْمُغْنِي) : أَيِ الَّذِي يُغْنِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ بِمَا شَاءَ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي أَغْنَى خَوَاصَّ عِبَادِهِ عَمَّا سِوَاهُ، بِأَنْ لَمْ يُبْقِ لَهُمْ حَاجَةً إِلَّا إِلَيْهِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: إِنَّ اللَّهَ يُغْنِي عِبَادَهُ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّ الْحَوَائِجَ لَا تَكُونُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، فَمَنْ أَشَارَ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ رَجَعَ عِنْدَ حَوَائِجِهِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ الْحَاجَةَ إِلَى الْخَلْقِ، ثُمَّ يَنْزِعُ الرَّحْمَةَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَمَنْ شَهِدَ مَحَلَّ افْتِقَارِهِ إِلَى اللَّهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ بِحُسْنِ الْعِرْفَانِ، أَغْنَاهُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَأَعْطَاهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَرْتَقِبُ، وَإِغْنَاءُ اللَّهِ الْعِبَادَ عَلَى قِسْمَيْنِ: فَمِنْهُمْ مَنْ يُغْنِيهِ بِتَنْمِيَةِ أَمْوَالِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُغْنِيهِ بِتَصْفِيَةِ أَحْوَالِهِ، وَهَذَا هُوَ الْغِنَى الْحَقِيقِيُّ. (الْمَانِعُ) : أَيِ الدَّافِعُ لِأَسْبَابِ الْهَلَاكِ وَالنُّقْصَانِ فِي الْأَبْدَانِ وَالْأَدْيَانِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْمَنَعَةِ أَيْ يُحَوِّطُ أَوْلِيَاءَهُ وَيَنْصُرُ أَصْفِيَاءَهُ، وَقِيلَ: مِنَ الْمَنْعِ أَيْ: يَمْنَعُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْمَنْعَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊: " «لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ» ". وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: رُبَّمَا أَعْطَاكَ فَمَنَعَكَ، وَرُبَّمَا مَنَعَكَ فَأَعْطَاكَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ: الْمُعْطِي الْمَانِعُ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: الْمَانِعُ فِي وَصْفِهِ تَعَالَى يَكُونُ بِمَعْنَى مَنْعِ الْبَلَاءِ عَنْ أَوْلِيَائِهِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى مَنْعِ الْعَطَاءِ عَمَّنْ شَاءَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ، وَقَدْ يَمْنَعُ الْمَنِيَّ وَالشَّهَوَاتِ عَنْ نُفُوسِ الْعَوَامِّ، وَيَمْنَعُ الْإِرَادَاتِ وَالِاخْتِيَارَاتِ عَنْ قُلُوبِ الْخَوَاصِّ، وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ الَّتِي يَخُصُّ بِهَا عِبَادَهُ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكْرِمُ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ الْعَارِفِينَ. (الضَّارُّ، النَّافِعُ) : هُمَا بِمَنْزِلَةِ وَصْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْقُدْرَةُ الشَّامِلَةُ لِلضُّرِّ وَالنَّفْعِ، أَوْ خَالِقُ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ، أَوِ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْهُ النَّفْعُ وَالضُّرُّ إِمَّا بِوَاسِطٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطٍ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَفِي مَعْنَى الْوَصْفَيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحْدُثُ شَيْءٌ فِي مُلْكِهِ إِلَّا بِإِيجَادِهِ وَحِكْمَتِهِ وَقَضَائِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَمَنِ اسْتَسْلَمَ لِحُكْمِهِ فَهُوَ عَائِشٌ فِي الرَّاحَةِ، وَمَنْ آثَرَ اخْتِيَارَ نَفْسِهِ وَقَعَ فِي كُلِّ آفَةٍ، وَقَدْ وَرَدَ عَنِ الْحَقِّ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: ( «أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، مَنِ اسْتَسْلَمَ لِقَضَائِي وَصَبَرَ عَلَى بَلَائِي وَشَكَرَ عَلَى نَعْمَائِي كَانَ عَبْدِي حَقًّا، وَمَنْ لَمْ يَسْتَسْلِمْ لِقَضَائِي وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي وَلَمْ يَشْكُرْ عَلَى نَعْمَائِي فَلْيَطْلُبْ رَبًّا سِوَايَ» ) . (النُّورُ) : أَيِ: الظَّاهِرُ بِنَفْسِهِ الْمُظْهِرُ لِغَيْرِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُبْصِرُ بِنُورِهِ ذُو الْعَمَايَةِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] يُنَوِّرُ الْآفَاقَ بِالنُّجُومِ، وَالْقُلُوبَ بِفُنُونِ الْمَعَارِفِ وَصُنُوفِ الْعُلُومِ، وَالْأَبْدَانَ بِآثَارِ الطَّاعَاتِ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ زِينَةُ النُّفُوسِ، وَالْأَشْبَاحَ وَالْمَعَارِفَ زِينَةُ الْقُلُوبِ، وَالْأَرْوَاحَ وَالتَّأْيِيدَ بِالْمُوَافِقَاتِ نُورُ الظَّوَاهِرِ، وَالتَّوْحِيدَ بِالْمُوَاصَلَاتِ نُورُ السَّرَائِرِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَزِيدُ قَلْبَ الْعَبْدِ نُورًا عَلَى نُورٍ. قَوْلُهُ: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥] أَيْ: يَهْدِي اللَّهُ الْقُلُوبَ إِلَى مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ بِنُورِ الْحَقِّ وَيَصْطَفِيهِ، وَيَتْرُكُ الْبَاطِلَ وَيَدَعُ مَا يَسْتَدْعِيهِ. (الْهَادِي) : هُوَ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى خَاصَّةَ خَلْقِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَاتِهِ فَاطَّلَعُوا بِهَا عَلَى مَعْرِفَةِ مَصْنُوعَاتِهِ، فَيَكُونُ أَوَّلُ مَعْرِفَتِهِمْ بِاللَّهِ، ثُمَّ يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ بِهِ، وَهَدَى عَامَّةَ خَلْقِهِ إِلَى مَخْلُوقَاتِهِ، فَاسْتَشْهَدُوا بِهَا عَلَى مَعْرِفَةِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، فَيَكُونُ أَوَّلُ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْأَفْعَالِ ثُمَّ يَرْتَفِعُونَ بِهَا إِلَى الْفَاعِلِ، فَالثَّانِي مُرِيدٌ، وَالْأَوَّلُ مُرَادٌ، وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ، وَإِلَى الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] خِطَابًا مِنْهُ ﵊ وَهُوَ مَعْرِفَةُ الْأَقْوِيَاءِ مِنْ خَوَاصِّ عِبَادِهِ الْأَصْفِيَاءِ، وَإِلَيْهَا الْإِيمَاءُ بِقَوْلِهِ: عَرَفْتُ رَبِّي بِرَبِّي، وَلَوْلَا رَبِّي مَا عَرَفْتُ رَبِّي، وَلَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا. وَإِلَى الثَّانِيَةِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وَبِقَوْلِهِ : ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥] قَالَ الْقُشَيْرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [يونس: ٩] يُكْرِمُ أَقْوَامًا. مِمَّا يُلْهِمُهُمْ مِنْ جَمِيلِ

стр. 3267

الْأَخْلَاقِ، وَيَصْرِفُ قُلُوبَهُمْ إِلَى ابْتِغَاءِ مَا فِيهِ رِضَا الْخَلَّاقِ، وَيَدُلُّهُمْ عَلَى اسْتِصْغَارِ قَدْرِ الدُّنْيَا حَتَّى لَا يَسْتَرِقَّهُمْ ذُلُّ الطَّمَعِ مِنَ الْوُقُوفِ عَلَى غَيْرِ بَابِ الْمَوْلَى، وَالْهِدَايَةُ إِلَى حُسْنِ الْخُلُقِ ثَانِي الْهِدَايَةِ إِلَى اعْتِقَادِ الْحَقِّ، لِأَنَّ الدِّينَ صِدْقٌ مَعَ الْحَقِّ وَخُلُقٌ مَعَ الْخَلْقِ. (الْبَدِيعُ) : أَيِ: الْمُبْدِعُ الَّذِي أَتَى بِمَا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ، أَوِ الَّذِي أَبْدَعَ الْأَشْيَاءَ أَيْ أَوْجَدَهَا مِنَ الْعَدَمِ، أَوْ هُوَ الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، فَاللَّهُ هُوَ الْبَدِيعُ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي صِفَاتِهِ. قِيلَ: مَنْ أَمَرَّ السُّنَّةَ عَلَى نَفْسِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا نَطَقَ بِالْحِكْمَةِ، وَمَنْ أَمَّرَ الْهَوَى عَلَى نَفْسِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا نَطَقَ بِالْبِدْعَةِ، وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: أَصْلُ مَذْهَبِنَا ثَلَاثَةٌ. الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ، وَصِدْقِ الْمَقَالِ، وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ. وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ دَاهَنَ مُبْتَدِعًا سَلَبَ اللَّهُ حَلَاوَةَ السُّنَنِ مِنْ عَمَلِهِ، وَمَنْ ضَحِكَ إِلَى مُبْتَدِعٍ نَزَعَ اللَّهُ نُورَ الْإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ. (الْبَاقِي) : أَيِ: الدَّائِمُ الْوُجُودِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْفَنَاءَ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: حَقِيقَةُ الْبَاقِي مَنْ لَهُ الْبَقَاءُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي بَاقِيًا بِبَقَاءِ غَيْرِهِ، وَمِمَّا يَجِبُ أَنْ تَشْتَدَّ بِهِ الْعِنَايَةُ أَنْ يَتَحَقَّقَ الْعَبْدُ أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ ذَاتِ الْحَقِّ تَعَالَى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ عَالِمًا بِعِلْمِ الْحَقِّ، وَلَا قَادِرًا بِقُدْرَتِهِ، وَلَا سَمِيعًا بِسَمْعِهِ، وَلَا بَصِيرًا بِبَصَرِهِ، وَلَا بَاقِيًا بِبَقَائِهِ، لِأَنَّ الصِّفَةَ الْقَدِيمَةَ لَا يَجُوزُ قِيَامُهَا بِالذَّاتِ الْحَادِثَةِ، كَمَا لَا يَجُوزُ قِيَامُ الصِّفَةِ الْحَادِثَةِ بِالذَّاتِ الْقَدِيمَةِ، وَحِفْظُ هَذَا الْبَابِ أَصْلُ التَّوْحِيدِ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ لَا تَحْصِيلَ لَهُ وَلَا تَحْقِيقَ زَعَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ يَصِيرُ بَاقِيًا بِبَقَاءِ الْحَقِّ، سَمِيعًا بِسَمْعِهِ، وَبَصِيرًا بِبَصَرِهِ، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنِ الدِّينِ، وَانْسِلَاخٌ عَنِ الْإِسْلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَرُبَّمَا تَعَلَّقُوا فِي نُصْرَةِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الشَّنِيعَةِ بِمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ: «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا، بِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ» ، وَلَا احْتِجَاجَ لَهُمْ فِي ظَاهِرِهِ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ يَسْمَعُ بِسَمْعِي وَيُبْصِرُ بِبَصَرِي، بَلْ قَالَ: بِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ. قَالَ النَّصْرُ آبَاذِيُّ: اللَّهُ تَعَالَى بَاقٍ بِبَقَائِهِ وَالْعَبْدُ بَاقٍ بِإِبْقَائِهِ، وَلَقَدْ حَقَّقَ ﵀ وَحَصَّلَ وَأَخَذَ عَنْ كَمِّيَّةِ الْمَسْأَلَةِ وَفَصَّلَ. (الْوَارِثُ) : الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الْعِبَادِ وَخَرَابِ الْبِلَادِ حِينَ يَقُولُ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: ٤٠] وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩] فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ الْأَمْلَاكُ بَعْدَ فَنَاءِ الْمُلَّاكِ، وَهَذَا بِالنَّظَرِ الْعَامِّيِّ، وَأَمَّا الْحَقِيقَةُ فَهُوَ الْمَلِكُ الْمَالِكُ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَمَا قِيلَ: الْوَارِثُ الَّذِي يَرِثُ بِلَا تَوْرِيثِ أَحَدٍ وَالْبَاقِي الَّذِي لَيْسَ لِمُلْكِهِ أَمَدٌ. (الرَّشِيدُ) : أَيِ الَّذِي تَنْسَاقُ تَدَابِيرُهُ إِلَى غَايَتِهَا عَلَى سُنَنِ السَّدَادِ بِلَا اسْتِشَارَةٍ وَإِرْشَادٍ، فَهُوَ الَّذِي أَرْشَدَ الْخَلْقَ إِلَى مَصَالِحِهِمْ أَيْ: هَدَاهُمْ إِلَيْهَا، وَدَلَّهُمْ عَلَيْهَا فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ بِمَعْنَى الْهَادِي، فَيَكُونُ إِرْشَادُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ هِدَايَةَ نَفْسِهِ إِلَى طَاعَتِهِ وَقَلْبِهِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَرُوحِهِ إِلَى مَحَبَّتِهِ وَسِرِّهِ إِلَى قُرْبَتِهِ، وَأَمَارَةُ مَنْ أَرْشَدَهُ الْحَقُّ لِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ أَنْ يُلْهِمَهُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ وَالتَّفْوِيضَ فِي سَائِرِ أُمُورِهِ إِلَيْهِ. جَاعَ ابْنُ أَدْهَمَ يَوْمًا فَأَمَرَ رَجُلًا بِرَهْنِ شَيْءٍ مَعَهُ عَلَى مَا يَأْكُلُهُ، فَخَرَجَ فَإِذَا بِإِنْسَانٍ مَعَهُ بَغْلَةٌ عَلَيْهَا أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَقَالَ: هَذَا مِيرَاثُهُ عَنْ أَبِيهِ، وَأَنَا غُلَامُهُ فَأْتِيَ بِهِ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ وَمَا مَعَكَ وَهَبْتُهُ لَكَ، فَانْصَرِفْ عَنِّي، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: يَا رَبِّ كَلَّمْتُكَ فِي رَغِيفٍ فَصَبَبْتَ عَلَيَّ الدُّنْيَا، فَوَحَقِّكَ لَئِنْ أَمَتَّنِي جُوعًا لَمْ أَتَعَرَّضْ لِطَلَبِ شَيْءٍ. (الصَّبُورُ) : أَيِ: الَّذِي لَا يَعْجَلُ فِي مُؤَاخَذَةِ الْعُصَاةِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْحَلِيمِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُذْنِبَ لَا يَأْمَنُ الْعُقُوبَةَ فِي صِفَةِ الصَّبُورِ كَمَا يَأْمَنُهَا فِي صِفَةِ الْحَلِيمِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا تَحْمِلُهُ الْعَجَلَةُ عَلَى الْمُسَارَعَةِ فِي الْفِعْلِ قَبْلَ أَوَانِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَلِيمِ أَنَّ الصَّبُورَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يُعَاقِبُ فِي الْآخِرَةِ، بِخِلَافِ الْحَلِيمِ. وَأَصْلُ الصَّبْرِ حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الْمُرَادِ، فَاسْتُعِيرَ لِمُطْلَقِ التَّأَنِّي فِي الْفِعْلِ لِأَنَّهُ غَايَتُهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) : وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَى عَدَدَ تِلْكَ التِّسْعَةِ وَالتِسْعِينَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا، لَكِنْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَتَبْدِيلٌ وَتَغْيِيرٌ، وَاخْتَلَفَ الْحُفَّاظُ فِي أَنَّ سَرْدَهَا هَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الرَّاوِي، أَوْ مَرْفُوعٌ وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ تَعْدَادَهَا إِنَّمَا هُوَ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، لَكِنَّ الْمَوْقُوفَ الَّذِي لَيْسَ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : قِيلَ: مَا مِنِ اسْمٍ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا وَقَدْ وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ غَيْرَ لَفْظِ الصَّبُورِ، فَإِنَّهُ مَا وُجِدَ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : " «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ» ".

стр. 3268

٢٢٨٩ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْأَحَدُ، الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ فَقَالَ: " دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٢٨٩ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ) : أَيِ: ابْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ، أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا، وَبَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَكَانَ مِنْ سَاكِنِي الْمَدِينَةِ، ثُمَّ تُحَوَّلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى خُرَاسَانَ غَازِيًا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي (يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) : تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ (الْأَحَدُ) : أَيْ: بِالذَّاتِ وَالصِّفَاتِ (الصَّمَدُ) : أَيِ: الْمَقْصُودُ الْكُلِّيُّ وَالْمَطْلُوبُ الْحَقِيقِيُّ (الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) : الْمُنَزَّهُ عَنْ صِفَاتِ النُّقْصَانِ وَالْحُدُوثِ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا) : أَيْ: مِثْلًا فِي ذَاتِهِ وَشَبِيهًا فِي صِفَاتِهِ وَنَظِيرًا فِي أَفْعَالِهِ (أَحَدٌ) : وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَسْئُولَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ (فَقَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ، ﷺ (دَعَا) : أَيِ الرَّجُلُ (اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ) قِيلَ الْأَعْظَمُ هُنَا يَعْنِي الْعَظِيمَ، لِأَنَّ جَمِيعَ أَسْمَائِهِ عَظِيمٌ، وَقِيلَ: كُلُّ اسْمٍ هُوَ أَكْثَرُ تَعْظِيمًا لَهُ تَعَالَى، فَهُوَ أَعْظَمُ مِمَّا هُوَ أَقَلُّ تَعْظِيمًا، فَالرَّحْمَنُ أَعْظَمُ مِنَ الرَّحِيمِ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مُبَالَغَةً، وَلَفْظَةُ (اللَّهَ) أَعَمُّ مِنَ الرَّبِّ، لِأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي تَسْمِيَتِهِ لَا بِالْإِضَافَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا بِخِلَافِ الرَّبِّ (الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ) : إِجَابَةُ الدُّعَاءِ تَدُلُّ عَلَى وَجَاهَةِ الدَّاعِي عِنْدَ الْمُجِيبِ، فَيَتَضَمَّنُ قَضَاءَ الْحَاجَةِ بِخِلَافِ الْإِعْطَاءِ، فَالْأَخِيرُ أَبْلَغُ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَقَالَ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى اسْمًا أَعْظَمَ إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ. وَأَنَّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ هَاهُنَا، وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ: كُلُّ اسْمٍ ذُكِرَ بِإِخْلَاصٍ تَامٍّ مَعَ الْإِعْرَاضِ عَمَّا سِوَاهُ هُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ، إِذْ لَا شَرَفَ لِلْحُرُوفِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ مِثْلُ ذَلِكَ، وَفِيهَا أَسْمَاءٌ لَيْسَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّ لَفْظَ اللَّهِ مَذْكُورٌ فِي الْكُلِّ، فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ. اهـ. وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَتَقَدَّمَ شَرْطُهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.

стр. 3269

٢٢٩٠ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ وَرَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، أَسْأَلُكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٢٩٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ وَرَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ) : لَعَلَّهُ حَذَفَ الْمَفْعُولَ اكْتِفَاءً بِعِلْمِ الْمَسْئُولِ (بِأَنَّ لَكَ) : تَقْدِيمُ الْجَارِّ لِلِاخْتِصَاصِ (الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ) : أَيْ كَثِيرُ الْعَطَاءِ مِنَ الْمِنَّةِ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ، أَوِ النِّعْمَةِ الثَّقِيلَةِ. وَالْمِنَّةُ مَذْمُومَةٌ مِنَ الْخَلْقِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا. قَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ: مَنَّ عَلَيْهِ مَنًّا أَيْ أَنْعَمَ، وَالْمَنَّانُ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى. اهـ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمِنَّةِ أَيِ: اللَّهُ سُبْحَانَهُ كَثِيرُ الِامْتِنَانِ عَلَى عِبَادِهِ بِإِيجَادِهِمْ وَإِمْدَادِهِمْ وَهِدَايَتِهِمْ إِلَى الْإِيمَانِ، وَأَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: الْحَنَّانُ قَبْلَ الْمَنَّانِ، هُوَ الْمَفْهُومُ مِنَ الْمَفَاتِيحِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْحَنَّانُ أَيِ الرَّحِيمُ بِعِبَادِهِ، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: الْحَنَّانُ مَنْ يُقْبِلُ عَلَى مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَالْمَنَّانُ: مَنْ يَبْدَأُ بِالنَّوَالِ قَبْلَ السُّؤَالِ، مِنْ كِتَابِ ابْنِ الصَّلَاحِ، كَذَا وَجَدْتُهُ بِخَطِّ مَوْلَانَا إِسْمَاعِيلَ الشُّرْوَانِيِّ. (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) : يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ الْمَنَّانِ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ أَوْ أَنْتَ، وَهُوَ أَظْهَرُ. وَالنَّصْبُ عَلَى النِّدَاءِ، وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ الْوَاحِدِيِّ فِي كِتَابِ الدُّعَاءِ لَهُ: يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْجَزَرِيِّ عَلَى الْمَصَابِيحِ، أَيْ: مُبْدِعُهُمَا، وَقِيلَ: بَدِيعُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ، وَفِي الصِّحَاحِ: أَبْدَعْتُ الشَّيْءَ: اخْتَرَعْتَهُ لَا عَلَى مِثَالٍ سَبَقَ (يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) : أَيْ: صَاحِبَ الْعَظَمَةِ وَالْمِنَّةِ (يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ أَسْأَلُكَ) : أَيْ: وَلَا أَسْأَلُ غَيْرَكَ، وَلَا أَطْلُبُ سِوَاكَ، أَوْ أَسْأَلُكَ كُلَّ مَا أَسْأَلُ. أَوْ هُوَ تَأْكِيدٌ لِلْأَوَّلِ وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْحِصْنِ.

стр. 3270

(فَقَالَ النَّبِيُّ " «دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي نُسْخَةٍ: وَالدَّارِمِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمَصَابِيحِ: رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَلَفْظَةُ أَحْمَدَ: «بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ» ، وَلَفْظُ الْبَاقِينَ: «بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ» ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ بَعْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ: «وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ: (الْحَنَّانُ) قَبْلَ الْمَنَّانِ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ» .

стр. 3271

٢٢٩١ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] وَفَاتِحَةِ (آلِ عِمْرَانَ) : ﴿الم﴾ [آل عمران: ١] ، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] » رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٢٢٩١ - (وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ) : أَيِ ابْنِ السَّكَنِ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَسْمَاءِ. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] (وَفَاتِحَةِ آلِ عِمْرَانَ) » : بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهَا وَمَا قَبْلَهَا بَدَلَانِ، وَجُوِّزَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَوَجْهُهُمَا ظَاهِرٌ (الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) : (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) : وَرَوَى الْحَاكِمُ: اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى الْأَعْظَمُ فِي ثَلَاثِ سُوَرٍ: الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَطه. قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّامِيُّ التَّابِعِيُّ، رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: لَقِيتُ مِائَةَ صَحَابِيٍّ، فَالْتَمَسْتُهَا أَيِ السُّوَرَ الثَّلَاثَ، فَوَجَدْتُ أَنَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، قَالَ مِيرَكُ: وَقَرَّرَهُ الْإِمَامُ فَخَرُّ الدِّينِ الرَّازِيُّ ﵀ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ، مَا لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُهُمَا كَدَلَالَتِهِمَا. وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَنَقَلَ الْفَخْرُ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ أَرْبَابِ الْكَشْفِ أَنَّهُ: (هُوَ) وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ كَلَامِ مُعَظَّمٍ بِحَضْرَتِهِ لَمْ يَقُلْ أَنْتَ بَلْ يَقُولُ: (هُوَ) . اهـ. وَهُنَا أَقْوَالٌ أُخَرُ فِي تَعْيِينِ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ. مِنْهَا: أَنَّهُ رَبٌّ. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُمَا قَالَا: اسْمُ اللَّهِ الْأَكْبَرُ رَبِّ رَبِّ. وَمِنْهَا: اللَّهُ اللَّهُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، نُقِلَ هَذَا عَنِ الْإِمَامِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ، أَنَّهُ رَأَى فِي النَّوْمِ. وَمِنْهَا: كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٍ، عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ اللَّهُ لِأَنَّهُ اسْمٌ لَمْ يُطْلَقْ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَمِنْ ثَمَّ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ. وَمِنْهَا: اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَلَعَلَّ مُسْتَنَدَهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْلِمَهَا الِاسْمَ الْأَعْظَمَ فَلَمْ يَفْعَلْ فَصَلَّتْ وَدَعَتِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَدْعُوكَ اللَّهَ، وَأَدْعُوكَ الرَّحْمَنَ، وَأَدْعُوكَ الرَّحِيمَ، وَأَدْعُوكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ» إِلَخْ. وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهَا " «إِنَّهَا هِيَ الْأَسْمَاءُ الَّتِي دَعَوْتِ بِهَا» ". قُلْتُ: سَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مَا لَا يَخْفَى، وَقَدِ اسْتَوْعَبَ السُّيُوطِيُّ الْأَقْوَالَ فِي رِسَالَتِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَخْفِيُّ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ. وَأَنْكَرَ قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ تَرْجِيحَ بَعْضِ الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى بَعْضٍ، وَقَالُوا: ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُؤْذِنُ بِاعْتِقَادِ نُقْصَانِ الْمَفْضُولِ عَنِ الْأَفْضَلِ، وَأَوَّلُوا مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْظَمِ الْعَظِيمُ، إِذْ أَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا عَظِيمَةٌ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرَانِيُّ: اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي تَعْيِينِ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ، وَعِنْدِي أَنَّ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا صَحِيحَةٌ، إِذْ لَمْ يَرِدْ فِي خَبَرٍ مِنْهَا أَنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ، وَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: كُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى يَجُوزُ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ

стр. 3272

أَعْظَمَ، فَيَرْجِعُ لِمَعْنَى عَظِيمٍ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: الْأَعْظَمِيَّةُ الْوَارِدَةُ فِي الْأَخْبَارِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا مَزِيدُ الدَّاعِي فِي ثَوَابِهِ إِذَا دَعَا بِهَا، كَمَا أُطْلِقَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ لَهُ مَزِيدُ الثَّوَابِ لِلْقَارِئِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالِاسْمِ الْأَعْظَمِ كُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى دَعَا بِهِ الْعَبْدُ مُسْتَغْرِقًا، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ فِي خَاطِرِهِ وَفِكْرِهِ حَالَتَئِذٍ غَيْرُ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ. عَنِ الْإِمَامِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ ﵁ وَقَالَ آخَرُونَ: اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَأَثْبَتَهُ آخَرُونَ، وَاضْطَرَبَتْ أَقْوَالُهُمْ فِي ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرْنَا بَعْضَهَا. وَمِنْهَا مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ.

стр. 3273

٢٢٩٢ - وَعَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا رَبَّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ٢٢٩٢ - (وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " دَعْوَةُ ذِي النُّونِ ": أَيْ: صَاحِبِ الْحُوتِ، وَهُوَ سَيِّدُنَا يُونُسَ ﵊ (إِذْ دَعَا) : أَيْ " رَبَّهُ " كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي التِّرْمِذِيِّ، لَكِنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْأَذْكَارِ، كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ وَهُوَ ظَرْفُ دَعْوَةٍ (وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . بَدَلٌ مِنَ الدَّعْوَةِ، لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ الْمَرَّةُ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيُرَادُ هُنَا الْمَدْعُوُّ بِهِ مَعَ التَّوَسُّلِ فِيهِ بِمَا يَكُونُ سَبَبًا لِاسْتِجَابَتِهِ (لَمْ يَدْعُ بِهَا) : أَيْ: بِتِلْكَ الدَّعْوَةِ، أَوْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ (رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ) : أَيْ: مِنَ الْحَاجَاتِ (إِلَّا اسْتَجَابَ) أَيِ: " اللَّهُ " (لَهُ) : وَلَعَلَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) . وَمُخْتَصَرُ قِصَّتِهِ ﵊ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَهُ إِلَى أَهْلِ نِينَوَى مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ أَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْعَذَابَ يَأْتِيهِمْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَخَرَجَ يُونُسُ ﵊ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَظَهَرَ سَحَابٌ أَسْوَدُ وَدَنَا حَتَّى وَقَفَ فَوْقَ بَلَدِهِمْ، فَظَهَرَ مِنْهُ دُخَانٌ، فَلَمَّا أَيْقَنُوا أَنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهِمُ الْعَذَابُ خَرَجُوا مَعَ أَزْوَاجِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَالْأُمَّهَاتِ مِنَ الْإِنْسَانِ وَالدَّوَابِّ، وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّضَرُّعِ وَالْبُكَاءِ، وَآمَنُوا وَتَابُوا عَنِ الْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ وَقَالُوا: يَا حَيُّ حِينَ لَا حَيَّ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، فَدَنَا يُونُسُ ﵊ مِنْ بَلَدِهِمْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِيَعْلَمَ كَيْفَ حَالُهُمْ، فَرَأَى مِنَ الْبَعِيدِ أَنَّ الْبَلَدَ مَعْمُورٌ كَمَا كَانَ وَأَهْلَهُ أَحْيَاءٌ فَاسْتَحْيَا وَقَالَ: قَدْ كُنْتُ قُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ الْعَذَابَ يَنْزِلُ عَلَيْكُمْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَمْ يَنْزِلْ، فَذَهَبَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ وَرُفِعَ عَنْهُمْ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى سَفِينَةً وَرَكِبَهَا، فَلَمَّا رَكِبَهَا وَقَفَتِ السَّفِينَةُ فَبَالَغُوا فِي إِجْرَائِهَا فَلَمْ تَجْرِ، فَقَالَ الْمَلَّاحُونَ: هُنَا عَبْدٌ آبِقٌ فَقَرَعُوا بَيْنَ أَهْلِ السَّفِينَةِ فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونُسَ، فَقَالَ: أَنَا الْآبِقُ فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَحْفَظَهُ، فَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ وَسَارَ بِهِ إِلَى النِّيلِ ثُمَّ إِلَى بَحْرِ فَارِسٍ، ثُمَّ إِلَى دِجْلَةَ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، أَيْ: أَنَا مِنَ الظَّالِمِينَ بِخُرُوجِي مِنْ بَيْنِ قَوْمِي قَبْلَ أَنْ تَأْذَنَ لِي بِهِ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَأَمَرَ الْحُوتَ بِإِلْقَائِهِ إِلَى أَرْضِ نَصِيبِينِ بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ.

стр. 3274

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٢٩٣ - «عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ عِشَاءً، فَإِذَا رَجُلٌ يَقْرَأُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَقُولُ: هَذَا مُرَاءٍ؟ قَالَ: " بَلْ مُؤْمِنٌ مُنِيبٌ " قَالَ: وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يَقْرَأُ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِهِ، ثُمَّ جَلَسَ أَبُو مُوسَى يَدْعُو، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَحَدًا، صَمَدًا، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخْبِرُهُ بِمَا سَمِعْتُ مِنْكَ؟ قَالَ " نَعَمْ " فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: أَنْتَ الْيَوْمَ لِي أَخٌ صَدِيقٌ، حَدَّثْتَنِي بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » - رَوَاهُ رَزِينٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٢٩٣ - (عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ عِشَاءً) : أَيْ: وَقْتَ عِشَاءٍ، أَوْ لِصَلَاةِ عِشَاءٍ (فَإِذَا) : لِلْمُفَاجَأَةِ (رَجُلٌ يَقْرَأُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَقُولُ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ:

стр. 3275

أَيْ أَتُرَى؟ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ. أَيْ: أَتَعْتَقِدُ أَوْ أَتَحْكُمُ، لِرِوَايَةِ شَرْحِ السُّنَّةِ أَتَرَاهُ مُرَائِيًا؟ اهـ وَفِيهِ أَنْ تَرَى أَيْضًا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرِ الشَّارِحِ كَمَا تَرَى، فَهُوَ فِي بَابِ الْإِيضَاحِ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى. (هَذَا) : أَيْ هَذَا الرَّجُلَ (مُرَاءٍ؟) : أَيْ: مُنَافِقٌ يَقْرَأُ لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ بِقَرِينَةِ رَفْعِ صَوْتِهِ الْمُحْتَمِلِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، (قَالَ: " بَلْ مُؤْمِنٌ مُنِيبٌ) : أَيْ رَاجِعٌ مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ، لِأَنَّ الْإِنَابَةَ تَوْبَةُ الْخَوَاصِّ، فَهِيَ أَخَصُّ مِنْ تَوْبَةِ الْعَوَامِّ الَّتِي هِيَ الرُّجُوعُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ. (قَالَ) : أَيْ بُرَيْدَةُ (وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يَقْرَأُ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ) : أَيْ أَيْضًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ، قِيلَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: وَالْحَالُ أَنَّ أَبَا مُوسَى إِلَخْ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ قَالَ بُرَيْدَةُ، قَلَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ، وَأَبُو مُوسَى أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ الَّذِي يَقْرَأُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كِلَا الْقَوْلَيْنِ بَعِيدٌ مِنَ الْمَرَامِ، وَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّقْدِيرِ فِي تَقْرِيرِ الْكَلَامِ وَتَحْرِيرِ النِّظَامِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ الْأَوَّلَ مُنْكَرٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا، وَلِهَذَا اسْتَفْهَمَ حَالَهُ وَبَيَّنَهُ ﷺ وَأَمَّا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَمِنْ أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ، فَظَنُّ الرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ بِهِ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا إِلَّا إِنْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ أَنَّهُ هُوَ، ثُمَّ رَأَيْتُ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ فِي رِوَايَةِ شَرْحِ السُّنَّةِ بَعْدَ هَذَا، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ هُوَ أَبُو مُوسَى. اهـ. فَمَحْمَلُ قَوْلِ بُرَيْدَةَ عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. (فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَسَمَّعُ لِقِرَاءَتِهِ، ثُمَّ جَلَسَ أَبُو مُوسَى) : لَعَلَّهُ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ بَعْدَ الصَّلَاةِ (يَدْعُو) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ قِرَاءَتَهُ مَعَ رَفْعِ صَوْتِهِ كَانَتْ وَهُوَ قَائِمٌ (فَقَالَ) أَيْ: أَبُو مُوسَى فِي دُعَائِهِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكُ) : أَيْ: أَعْتَقِدُ فِيكَ (أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَحَدًا صَمَدًا) ، مَنْصُوبَانِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] إِلَى قَوْلِهِ: قَائِمًا بِالْقِسْطِ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ مُعَرَّفَانِ مَرْفُوعَانِ عَلَى أَنَّهُمَا صِفَتَانِ لِلَّهِ (لَمْ يَلِدْ) : أَيْ: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ، فَإِنَّ الْقَدِيمَ لَمْ يَكُنْ مَحَلَّ الْحَادِثِ (وَلَمْ يُولَدْ) : أَيْ: لَيْسَ لَهُ وَالِدٌ وَوَالِدَةٌ، فَإِنَّهُ قَدِيمٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحُدُوثِ وَالتَّوَالُدِ، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كَفُّوا) : أَيْ: شَبِيهًا وَنَظِيرًا (أَحَدٌ) . أَيْ: مِنَ الْخَلَائِقِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَقَدْ سَأَلَ) : أَيْ: أَبُو مُوسَى (اللَّهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ) : وَهُوَ تَعْرِيفُ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخْبِرُهُ) : بِحَذْفِ الِاسْتِفْهَامِ (بِمَا سَمِعْتُ مِنْكَ؟) : أَيْ: مِنْ مَدْحِ دُعَائِهِ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّارِحِينَ أَيْ: مِنْ مَدْحِهِ بِقَوْلِهِ مُؤْمِنٌ مُنِيبٌ. (قَالَ: نَعَمْ " فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي) : أَيْ أَبُو مُوسَى فَرِحًا بِمَا ذَكَرْتُهُ لَهُ: (أَنْتَ الْيَوْمَ لِي) : أَيْ: فِي هَذَا الزَّمَانِ (أَخٌ صَدِيقٌ) ، أَيِ: الْجَامِعُ بَيْنَ الْأُخُوَّةِ وَالصَّدَاقَةِ (حَدَّثْتَنِي) : حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ (رَوَاهُ رَزِينٌ) .

стр. 3276

[ثَوَابُ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ]

стр. 3277

(٣) ثَوَابُ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٢٩٤ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» " وَفِي رِوَايَةٍ: " «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» " (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . ــ (٣) بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ تَخْصِيصٌ - بَعْدَ تَعْمِيمٍ مِنْ بَابِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ تَقْدِيمُ التَّهْلِيلِ عَلَى التَّحْمِيدِ سَهْوًا وَتَكَلَّفَ فِي تَوْجِيهِهِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٢٩٤ - (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) : مَرَّ مِرَارًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ) أَيْ: أَفْضَلُ كَلَامِ الْبَشَرِ، لِأَنَّ الرَّابِعَةَ لَمْ تُوجَدْ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا يُفَضَّلُ مَا لَيْسَ فِيهِ عَلَى مَا هُوَ فِيهِ، وَلِقَوْلِهِ ﵊: " «هِيَ أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ وَهِيَ مِنَ الْقُرْآنِ» " أَيْ: غَالِبُهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَنَاوَلَ كَلَامَ اللَّهِ أَيْضًا فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِيهِ لَفْظًا إِلَّا الرَّابِعَةَ، فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ مَعْنًى وَأَفْضَلِيَّتُهَا مُطْلَقًا، لِأَنَّهَا هِيَ الْجَامِعَةُ لِمَعَانِي التَّنْزِيهِ وَالتَّوْحِيدِ وَأَقْسَامِ الثَّنَاءِ وَالتَّحْمِيدِ، وَكُلُّ كَلِمَةٍ مِنْهَا مَعْدُودَةٌ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَعْنَى مَا وَرَدَ: وَهِيَ مِنَ الْقُرْآنِ أَيْ: كُلُّهَا، وَأَمَّا الْمَأْثُورُ فِي وَقْتٍ أَوْ حَالٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَالِاشْتِغَالُ بِهِ أَفْضَلُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ الْمُطْلَقِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبَعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، لِأَنَّهُ ﵊ قَالَ: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ: " سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» " وَالْمُوجِبُ لِأَفْضَلِيَّتِهَا اشْتِمَالُهَا عَلَى جُمْلَةِ أَنْوَاعِ الذِّكْرِ مِنَ التَّنْزِيهِ وَالتَّحْمِيدِ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى جَمِيعِ الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ إِجْمَالًا، وَوَرَدَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ أَنَّهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَسْمِيَتِهَا بِالْبَاقِيَاتِ، مَعَ أَنَّ كُلَّ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ كَذَلِكَ: مُقَابَلَتُهَا لِلْفَانِيَاتِ الْفَاسِدَاتِ مِنَ الْمَالِ وَالْبَنِينَ فِي الْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ قَبْلَهَا إِشْعَارًا بِأَنَّ الْمَالَ وَالْبَنِينَ مِنْ أَكْمَلِ أَسْبَابِ أَرْبَابِ الدُّنْيَا، فَالْمَذْكُورُ مِنْ أَفَضَلِ عِبَادَاتِ أَصْحَابِ الْعُقْبَيِّ، فَإِنَّهَا زُبْدَةُ صِفَاتِ اللَّهِ، وَعُمْدَةُ كَلِمَاتِ اللَّهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْقَائِلُ بِأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ الْيَوْمَ ; فَسَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ كَبَّرَ أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ ; وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّ الْكُلَّ تَامٌّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي مَذْهَبِنَا لَا حِنْثَ لِمَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ فِيهَا التَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَغَيْرُهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ. . اهـ. وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَا تُعَدُّ فِي الْعُرْفِ كَلَامًا، وَمَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ. (سُبْحَانَ اللَّهِ) : تَنْزِيهٌ عَنِ النَّقْصِ وَنَعَتِ الْحَدَثَانِ (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) : تَوْحِيدٌ بِالْجَلَالِ وَالْكَمَالِ وَنُعُوتِ الْكَمَالِ. (وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) : تَوْحِيدٌ لِلذَّاتِ وَتَفْرِيدٌ لِلصِّفَاتِ (وَاللَّهُ أَكْبَرُ) : إِثْبَاتُ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ مَعَ اعْتِرَافٍ بِالْقُصُورِ عَنِ الْمَحْمَدَةِ قَالَ ﷺ «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ» ، (وَفِي رِوَايَةٍ) : لِمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ ( «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ» ) أَيْ: أَعْتِقَدُ تَنَزُّهِهِ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِجَمَالِ ذَاتِهِ، وَكَمَالِ صِفَاتِهِ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ التَّحْلِيَةِ، وَلِذَا أَرْدَفَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمُتَّصِفُ بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَالصِّفَاتِ الْعُلَى، الْمُسْتَحِقُّ لِإِظْهَارِ الشُّكْرِ، وَإِبْدَاءِ الثَّنَاءِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّحْلِيَةِ، وَلِذَا قَالَ: ( «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ) ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ مُتَوَحِّدٌ فِي صِفَاتِهِ السَّلْبِيَّةِ وَنُعُوتِهِ الثُّبُوتِيَّةِ، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ كُنْهُ كِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَةُ إِزَارِهِ وَرِدَائِهِ بِقَوْلِهِ: (وَاللَّهُ أَكْبَرُ) : ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّ كَانَ هَذَا التَّرْتِيبُ هُوَ مُقْتَضَى مَفْهُومِ أَهْلِ التَّأْدِيبِ وَالتَّهْذِيبِ لَكِنْ لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَنَّ التَّرْتِيبَ الْمَذْكُورَ هُوَ الْعَزِيمَةُ، وَالْبَاقِي رُخْصَةٌ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي بَدَأْتَ بِسُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ أَوْ بِلَا إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ أَوْ بِاللَّهِ أَكْبَرُ جَازَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنْهَا مُسْتَقِلَّةٌ لَا يَجِبُ ذِكْرُهَا عَلَى نَظْمِهَا الْمَذْكُورِ ; لَكِنَّ مُرَاعَتَهَا أَوْلَى ; لِأَنَّ الْمُنْدَرِجَ فِي الْمَعَارِفِ يُعَرِّفُهُ أَوَّلًا بِنُعُوتِ جَلَالِهِ أَعْنِي تَنْزِيهَ ذَاتِهِ عَمَّا يُوجِبُ نَقْصًا، ثُمَّ بِصِفَاتِ كَمَالٍ، وَهِيَ صِفَاتُهُ الثُّبُوتِيَّةُ الَّتِي بِهَا يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ، ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّ مِنْ هَذَا صِفَتَهُ لَا مُمَاثِلَ لَهُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُلُوهِيَّةَ غَيْرُهُ، فَيُكْشَفُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَكْبَرَ إِذْ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ. اهـ. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنُ الْمُبْتَدَأِ وَالْمُنْتَهَى (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3278

٢٢٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . ــ ٢٢٩٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ» " مَصْدَرٌ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ وَاجِبٍ إِضْمَارُهُ أَيْ: أُسَبِّحُ سُبْحَانَ اللَّهِ (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ: ثَابِتٌ ; سَوَاءً حَمِدَ أَوْ لَمْ يَحْمَدْ (وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أَيْ: مَوْجُودٌ، أَوْ مَعْبُودٌ، أَوْ مَقْصُودٌ، أَوْ مَشْهُودٌ (وَاللَّهُ أَكْبَرُ) أَيْ: مِنْ أَنْ يُعْرَفَ كُنْهُ كِبْرِيَائِهِ ( «أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» ) أَيْ: مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا كَذَا قِيلَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَأَحَبَّ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا أَحَبُّ إِلَيَّ بِاعْتِبَارِ ثَوَابِهَا الْكَثِيرِ الْبَاقِي مِنَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا لِزَوَالِهَا وَفَنَائِهَا، وَهَذَا نَحْوُ حَدِيثِ: " «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» " وَقَالَ الْعَارِفُ الْجَامِيُّ أَيْ: شَمْسُ الْوُجُودِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَطْلَقَ الْمُفَاضَلَةَ بَيْنَ قَوْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَبَيْنَ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَمِنْ شَرْطِ الْمُفَاضَلَةِ اسْتِوَاءُ الشَّيْئَيْنِ فِي أَصْلِ الْمَعْنَى، ثُمَّ يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَأَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ: بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ إِلَّا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، فَأَخْرَجَ الْخَيْرَ مَنْ ذَكَرَ الشَّيْءَ بِذِكْرِ الدُّنْيَا، إِذْ لَا شَيْءَ سِوَاهَا إِلَّا الْآخِرَةُ. وَأَجَابَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ أَفْعَلَ قَدْ يُرَادُ بِهِ أَصْلُ الْفِعْلِ لَا الْمُفَاضَلَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وَلَا مُفَاضَلَةَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَوِ الْخِطَابُ وَاقِعٌ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ فِي نَفْسِ أَكْثَرِ النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الدُّنْيَا لَا شَيْءَ مِثْلُهَا، وَأَنَّهَا الْمَقْصُودُ، فَأَخْبَرَ بِأَنَّهَا عِنْدَهُ خَيْرٌ مِمَّا تَظُنُّونَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِيَ الدُّنْيَا فَأَتَصَدَّقُ بِهَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الثَّوَابَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَى قَوْلِ هَذَا الْكَلَامِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ مَنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ الدُّنْيَا، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: " «لَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي حِجْرِهِ دَرَاهِمُ يُقَسِّمُهَا وَآخَرَ يَذْكُرُ اللَّهَ كَانَ الذَّاكِرُ لِلَّهِ أَفْضَلَ» " وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَمْعِ الدُّنْيَا وَاقْتِنَائِهَا، وَكَانَتِ الْعَرَبُ يَفْتَخِرُونَ بِجَمْعِ الْأَمْوَالِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عَوَانَةَ.

стр. 3279

٢٢٩٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ ٢٢٩٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» ) : الْبَاءُ فِيهِ لِلْمُقَارَنَةِ، وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ، أَيْ: أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا مَقْرُونًا بِحَمْدِهِ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفِ عَطَفَ الْجُمْلَةَ عَلَى الْأُخْرَى مَعْنَاهُ: وَأَبْتُدِئَ بِحَمْدِهِ أَوْ أَثْنَى بِثَنَائِهِ (فِي يَوْمٍ) أَيْ: فِي أَجْزَائِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ فِي يَوْمٍ مُطْلَقٍ لَمْ يُعْلَمْ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِهِ فَلَا يُقَيَّدُ بِشَيْءٍ مِنْهَا (مِائَةَ مَرَّةٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً أَوْ مُجْتَمِعَةً، فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ، فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ آخِرِهِ، إِلَّا أَنَّ الْأَوْلَى جَمْعُهَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ. اهـ. وَلَعَلَّ أَوْلَوِيَّةَ أَوَّلِ النَّهَارِ لِلْمُبَادَرَةِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْأَوْرَادِ وَالْأَذْكَارِ، وَإِلَّا فَيَأْتِي تَقْيِيدُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي بِالصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ (حُطَّتْ) أَيْ: سَقَطَتْ وَأُزِيلَتْ عَنْهُ (خَطَايَاهُ) أَيِ الصَّغِيرَةُ، وَيُحْتَمَلُ الْكَبِيرَةُ ( «وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» ) أَيْ: كَمِّيَّةٌ أَوْ كَيْفِيَّةٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا وَأَمْثَالُهُ كِنَايَةٌ يُعَبِّرُ بِهَا عَنِ الْكَثْرَةِ عُرْفًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ الشَّيْخَ الْجَزَرِيَّ نَسَبَ الْحَدِيثَ إِلَى أَبِي عَوَانَةَ فِي الْحِصْنِ.

стр. 3280

٢٢٩٧ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ ٢٢٩٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ» " أَيْ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ، ( «وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» ) أَيْ: فِيهِمَا بِأَنْ يَأْتِيَ بِبَعْضِهَا فِي هَذَا وَبِبَعْضِهَا فِي هَذَا، أَوْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَلَكِنَّ كَلَامَ النَّوَوِيِّ الْآتِي يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ، وَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ

стр. 3281

الْمُتَيَقَّنَ الَّذِي هُوَ الْأَقَلُّ ( «لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ» ) أَيِ: الْقَائِلُ (بِهِ) : وَهُوَ قَوْلُ الْمِائَةِ الْمَذْكُورَةِ ( «إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» ) : وَأُجِيبَ عَنِ الِاعْتِرَاضِ الْمَشْهُورِ: بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ أَوْ كَلِمَةُ (أَوْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ. قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: يَكُونُ مَا جَاءَ بِهِ أَفْضَلَ مِنْ كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ غَيْرُهُ، إِلَّا مِمَّا جَاءَ بِهِ مَنْ قَالَ مِثْلَهُ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ، قِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، وَالتَّقْدِيرُ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، لَكِنْ رَجُلٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَهُ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِمُسَاوَاتِهِ، فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا إِلَّا عَلَى تَأْوِيلٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ: وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ وَقِيلَ: بِتَقْدِيرِ: لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ أَوْ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَخْ. وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ زَادَ عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ كَانَ لَهُ الْأَجْرُ الْمَذْكُورُ وَالزِّيَادَةُ، فَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ تَحْدِيدًا لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ كَمَا فِي عَدَدِ الطَّهَارَةِ وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ. اهـ. وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْأَوَّلَ لِلتَّشْرِيعِ وَالثَّانِي لِلتَّرْغِيبِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ هَذَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ فِي الْيَوْمِ كَانَ لَهُ هَذَا الْأَجْرُ الْمَذْكُورُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3282

٢٢٩٨ - وَعَنْهُ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ ٢٢٩٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (كَلِمَتَانِ) أَيْ: جُمْلَتَانِ مُفِيدَتَانِ (خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ) : أَيْ تَجْرِيَانِ عَلَيْهِ بِالسُّهُولَةِ (ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ) أَيْ: بِالْمَثُوبَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْخِفَّةُ مُسْتَعَارَةٌ لِلسُّهُولَةِ، شَبَّهَ سُهُولَةَ جَرَيَانِ هَذَا الْكَلَامِ بِمَا يَخِفُّ عَلَى الْحَامِلِ مِنْ بَعْضِ الْحُمُولَاتِ فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ الْمُشَبَّهَ وَأَرَادَ الْمُشَبَّهَ بِهِ، وَأَمَّا الثِّقَلُ فَعَلَى حَقِيقَتِهِ ; لِأَنَّ الْأَعْمَالَ تَتَجَسَّمُ عِنْدَ الْمِيزَانِ. اهـ. وَقِيلَ: تُوزَنُ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبِطَاقَةِ وَالسِّجِلَّاتِ. رُوِيَ فِي الْآثَارِ أَنَّهُ «سُئِلَ عِيسَى ﵊: مَا بَالُ الْحَسَنَةِ تَثْقُلُ وَالسَّيِّئَةِ تَخِفُّ؟ فَقَالَ: لِأَنَّ الْحَسَنَةَ حَضَرَتْ مَرَارَتُهَا وَغَابَتْ حَلَاوَتُهَا، وَلِذَلِكَ ثَقُلَتْ عَلَيْكُمْ فَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ ثِقَلُهَا عَلَى تَرْكِهَا، فَإِنَّ بِذَلِكَ ثَقُلَتِ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالسَّيِّئَاتُ حَضَرَتْ حَلَاوَتُهَا وَغَابَتْ مَرَارَتُهَا، فَلِذَلِكَ خَفَّتْ عَلَيْكُمْ فَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ عَلَى فِعْلِهَا خِفَّتُهَا، فَإِنَّ بِذَلِكَ خَفَّتِ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: تَثْنِيَةُ حَبِيبَةٍ وَهِيَ الْمَحْبُوبَةُ، لِأَنَّ فِيهِمَا الْمَدْحَ بِالصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا التَّنْزِيهُ وَبِالصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا الْحَمْدُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ قَائِلَهَا مَحْبُوبُ اللَّهِ ; وَمَحَبَّةُ اللَّهَ لِلْعَبْدِ إِرَادَةُ إِيصَالِ الْخَيْرِ لَهُ، وَخُصَّ الرَّحْمَنُ بِالذِّكْرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ; حَيْثُ يُجَازِي عَلَى الْعَمَلِ الْقَلِيلِ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ (سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ آخِرُ حَدِيثٍ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.

стр. 3283

٢٢٩٩ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ» " (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . ــ ٢٢٩٩ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: (أَيَعْجِزُ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ (أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ) أَيْ: يُحَصِّلَ (كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ) أَيِ: الْمَخْصُوصِينَ مِنْ نُدَمَائِهِ (كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟) أَيْ: بِسُهُولَةٍ بِلَا عَجْزٍ (قَالَ: يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ) : لِأَنَّ الْحَسَنَةَ الْوَاحِدَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَهُوَ أَقَلُّ الْمُضَاعَفَةِ الْمَوْعُودَةِ فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ، ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] وَمِنْهُ حَسَنَةُ الْحَرَمِ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ (أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ) أَيْ: صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ، وَذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي الْأَذْكَارِ: كَذَا فِي عَامَّةِ نُسَخِ مُسْلِمٍ (وَيُحَطُّ) بِالْوَاوِ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ (بِالْوَاوِ) . (وَفِي كِتَابِهِ) أَيْ: كِتَابِ مُسْلِمٍ (فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ: أَوْ يُحَطُّ) أَيْ: بِالْأَلِفِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهْنِيُّ، الْكُوفِيُّ، سَمِعَ مُجَاهِدًا وَمُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ، رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ.

стр. 3284

(قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِكَسْرِ وَسُكُونِ الرَّاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَوَارِزْمِيُّ الْبَرْقَانِيُّ، بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ وَالْقَافِ، (وَرَوَاهُ شُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ مُوسَى) أَيِ: الْمَذْكُورِ (فَقَالُوا) بِصِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَالضَّمِيرُ لِشُعْبَةَ وَأَخَوَيْهِ وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ: أَيْ مُوسَى (وَيُحَطُّ بِغَيْرِ أَلِفٍ) أَيْ: بِالْوَاوِ (هَكَذَا) : الْمُشَارُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ. وَفِي كِتَابِهِ إِلَى آخِرِهِ (فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ) : وَهُوَ الْجَامِعُ بَيْنَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ جَمْعًا وَإِفْرَادًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَخْتَلِفُ مَعْنَى الْوَاوِ إِذَا أُرِيدَ بِهَا أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِهَا التَّنْوِيعُ فَهُمَا سِيَّانِ فِي الْقَصْدِ. اهـ. وَقَدْ تَأْتِي الْوَاوُ بِمَعْنَى (أَوْ) فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَانَ الْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ قَالَهَا يُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ فَيُحَطُّ بَعْضٌ وَيُكْتَبُ بَعْضٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ (أَوْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَوْ بِمَعْنَى (بَلْ) فَحِينَئِذٍ يُجْمَعُ لَهُ بَيْنَهُمَا، وَفَضْلُ اللَّهِ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 3285

٢٣٠٠ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» " (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . ــ ٢٣٠٠ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْكَلَامِ) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ الْأَذْكَارِ (أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ) أَيِ: الَّذِي اخْتَارَهُ مِنَ الذِّكْرِ لِلْمَلَائِكَةِ وَأَمَرَهُمْ بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ لِغَايَةِ فَضِيلَتِهِ (سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّحَ بِهِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وَهَذَا مُخْتَصَرُ مَا تَقَدَّمَ، أَعْنِي الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعَ، فَإِنَّ التَّسْبِيحَ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الشَّرِيكِ الَّذِي هُوَ التَّهْلِيلُ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُهُ أَكْبَرَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3286

٢٣٠١ - «وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ، قَالَ: مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ " قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَاءَ نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» " (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . ــ ٢٣٠١ - (وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً) أَيْ: أَوَّلَ نَهَارِهِ (حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ) ، أَيْ: أَرَادَ صَلَاةَ الصُّبْحِ) (وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَيُكْسَرُ أَيْ: مَوْضِعِ سُجُودِهَا لِلصَّلَاةِ (ثُمَّ رَجَعَ) أَيْ: إِلَيْهَا (بَعْدَ أَنْ أَضْحَى) أَيْ: دَخَلَ فِي الضَّحْوَةِ، وَهِيَ ارْتِفَاعُ النَّهَارِ قَدْرَ رُمْحٍ وَقِيلَ: أَيْ صَلَّى صَلَاةَ الضُّحَى (وَهِيَ جَالِسَةٌ) أَيْ: فِي مَوْضِعِهَا (قَالَ: مَازِلْتِ) : بِكَسْرِ التَّاءِ (عَلَى الْحَالِ) : وَهُوَ مِمَّا يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وَتَأْنِيثُهُ، وَلِذَا قَالَ (الَّتِي فَارَقَتُكِ عَلَيْهَا؟) أَيْ: مِنَ الْجُلُوسِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى (قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ) أَيْ: بَعْدَ أَنْ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكِ (أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ) : نَصْبُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ: تَكَلَّمْتُ بَعْدَ مُفَارَقَتِكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ (لَوْ وُزِنَتْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ عَلَى الْأَصَحِّ أَيْ: قُوبِلَتْ (بِمَا قُلْتِ) أَيْ: بِجَمِيعِ مَا قُلْتِ مِنَ الذِّكْرِ (مُنْذُ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَيُكْسَرُ (الْيَوْمِ) : بِالْجَرِّ، هُوَ الْمُخْتَارُ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ، وَتَفْصِيلُهُ فِي الْقَامُوسِ أَيْ: فِي هَذَا الْيَوْمِ أَوِ الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ، (لَوَزَنَتْهُنَّ) أَيْ: لَتَرَجَّحَتْ تِلْكَ الْكَلِمَاتُ عَلَى جَمِيعِ أَذْكَارِكِ وَزَادَتْ عَلَيْهِنَّ فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، يُقَالُ وَازَنَهُ فَوَزَنَهُ: إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ وَزَادَ فِي الْوَزْنِ، كَمَا يُقَالُ: حَاجَجْتُهُ فَحَجَجْتُهُ. أَوْ لَسَاوَتْهُنَّ، يُقَالُ: هَذَا يَزِنُ دَرَهِمًا أَوْ يُسَاوِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊: " لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ لَمَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ " وَهَذَا تَوْضِيحُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ، أَيْ: سَاوَتْهُنَّ أَوْ غَلَبَتْهُنَّ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْمَعْنَى لَا إِلَى لَفْظَةِ (مَا) فِي قَوْلِهِ (مَا قُلْتِ) وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهَا كَلِمَاتٌ كَثِيرَةُ الْمَعْنَى لَوْ قُوبِلَتْ بِمَا قُلْتِ لَسَاوَتْهُنَّ (سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ) أَيْ: وَبِحَمْدِهِ أَحْمَدُهُ (عَدَدَ خَلْقِهِ) ، مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: بِعَدَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ: قَدْرِ عَدَدِ خَلْقِهِ (وَرِضَاءَ نَفْسِهِ) أَيْ: أَقُولُ لَهُ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ بِقَدْرِ مَا يُرْضِيهِ خَالِصًا مُخْلِصًا لَهُ، فَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ ذَاتُهُ، وَالْمَعْنَى ابْتِغَاءُ وَجْهِهِ (وَزِنَةَ عَرْشِهِ) أَيْ: أُسَبِّحُهُ وَأَحْمَدُهُ بِثِقَلِ عَرْضِهِ أَوْ بِمِقْدَارِ عَرْضِهِ

стр. 3287

(وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ) : الْمِدَادُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الْمَدَدِ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَالْكَثْرَةُ، أَيْ: بِمِقْدَارِ مَا يُسَاوِيهَا فِي الْكَثْرَةِ بِمِعْيَارٍ أَوْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ، أَوْ مَا أَشْبَهُهُ مِنْ وُجُوهِ الْحَصْرِ، وَالتَّقْدِيرِ: وَهَذَا تَمْثِيلٌ يُرَادُ بِهِ التَّقْرِيبُ، لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يَدْخُلُ فِي الْكَيْلِ، وَكَلِمَاتُهُ تَعَالَى هُوَ كَلَامُهُ وَصِفَتُهُ لَا تَعُدُّ وَلَا تَنْحَصِرُ، فَإِذَا الْمُرَادُ الْمَجَازُ مُبَالَغَةً فِي الْكَثْرَةِ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا مَا يَحْصُرُهُ الْعَدَدُ الْكَثِيرِ مِنْ عَدَدِ الْخَلْقِ، ثُمَّ ارْتَقَى إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ أَيْ: مَا لَا يُحْصِيهِ عَدٌّ كَمَا لَا تُحْصَى كَلِمَاتُ اللَّهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: نَصْبُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ: أَعِدُّ تَسْبِيحَهُ الْمَقْرُونَ بِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَأُقَدِّرُ مِقْدَارَ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِقْدَارَ كَلِمَاتِهِ، وَمِدَادُ الشَّيْءِ وَمَدَدُهُ مَا يُمَدُّ بِهِ وَيُزَادُ وَيَكْثُرُ، وَالْمُرَادُ الْمِقْدَارُ أَيْ: أُسَبِّحُهُ وَأَحْمَدُهُ بِمِقْدَارِ كَلِمَاتِهِ أَيْ: كُتُبِهِ وَصُحُفِهِ الْمُنَزَّلَةِ، وَكَلِمَاتُهُ أَيْضًا تُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَمْرِهِ، وَعَلَى جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ. أَقُولُ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْكَيْفِيَّةَ فِي الذِّكْرِ بِاعْتِبَارِ تَصَوُّرِ الْمَذْكُورِ فِي ذِهْنِ الذَّاكِرِ أَرْجَحُ عَلَى الْكَمِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مَعَ التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ وَالْحُضُورِ وَالتَّذَكُّرِ، وَلَوْ فِي آيَةٍ تُفَضَّلُ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْكَثِيرَةِ الْخَالِيَةِ عَمَّا ذُكِرَ، فَالْمُرَادُ حَثُّ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَتَرْغِيبُهَا عَلَى التَّذَكُّرِ فِي الذِّكْرِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْكَلِمَاتِ الْوَارِدَةَ عَلَى لِسَانِهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ.

стр. 3288

٢٣٠٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ» ". (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ ٢٣٠٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ " أَيْ: مَعْبُودٌ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ (إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ) : حَالٌ مُؤَكَّدَةٌ (لَا شَرِيكَ لَهُ) أَيْ: فِي صِفَاتِهِ (لَهُ الْمُلْكُ) أَيْ: مَلِكُ الْمَلَكُوتِ، وَمَلِكُ الْأَمْلَاكِ، وَمَلِكُ الْعِلْمِ، وَمَلِكُ الْقَنَاعَةِ وَأَمْثَالِهَا، يَعْنِي: بِتَصَرُّفِهِ وَتَقْرِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَتَقْدِيرِهِ، مَلَكَ جَمِيعَ الْأُمُورِ، (وَلَهُ الْحَمْدُ) أَيِ: الثَّنَاءُ الْجَزِيلُ عَلَى وَجْهِ الْجَمِيلِ لَهُ تَعَالَى حَقِيقَةً وَغَيْرُهُ قَدْ يُحْمَدُ مَجَازًا وَصُورَةً (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) أَيْ: شَاءَهُ وَأَرَادَهُ، أَوْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ (قَدِيرٌ) أَيْ: بَالِغٌ فِي الْقُدْرَةِ كَامِلٌ فِي الْقُوَّةِ مُنَزَّهٌ عَنِ الْعَجْزِ وَالْفَتْرَةِ (فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ) أَيْ: مُجْتَمِعَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً (كَانَتْ) أَيْ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ أَوِ التَّهْلِيلَةُ، وَفِي نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ: كَانَ أَيْ مَا ذُكِرَ، وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِآخِرِ الْحَدِيثِ: وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا. فَتُدَبَّرْ. (لَهُ) أَيْ: لِلْقَائِلِ بِهَا (عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا بِمَعْنَى الْمَثَلِ أَيْ: ثَوَابُ عِتْقِ عَشْرِ رِقَابٍ وَهُوَ جَمْعُ رَقَبَةٍ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْعُنُقُ فَجُعِلَتْ كِنَايَةً عَنْ جَمِيعِ ذَاتِ الْإِنْسَانِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِبَعْضِهِ أَيْ: يُضَاعَفُ ثَوَابُهَا حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ أَصْلِ ثَوَابِ الْعِتْقِ الْمَذْكُورِ (وَكُتِبَتْ) أَيْ: ثُبِتَتْ (لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ) : بِالرَّفْعِ (وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ) أَيْ: أُزِيلَتْ (وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا) أَيْ: حِفْظًا وَمَنْعًا (وَمِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ) أَيْ: فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي قَالَهَا فِيهِ (حَتَّى يُمْسِيَ) : وَظَاهِرُ التَّقَابُلِ أَنَّهُ إِذَا قَالَ فِي اللَّيْلِ كَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ لَيْلِهِ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اخْتِصَارًا مِنَ الرَّاوِي، أَوْ تَرْكٌ لِوُضُوحِ الْمُقَابَلَةِ وَتَخْصِيصُ النَّهَارِ لِأَنَّهُ أَحْوَجُ فِيهِ إِلَى الْحِفْظِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا أَجْرُ الْمِائَةِ، وَلَوْ زَادَ عَلَيْهَا لَزَادَ الثَّوَابُ، وَهَذِهِ الْمِائَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُتَوَالِيَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً، لَكِنَّ الْفَضْلَ أَنْ تَكُونَ مُتَوَالِيَةً، وَأَنْ تَكُونَ أَوَّلَ النَّهَارِ لِيَكُونَ حِرْزًا فِي جَمِيعِ نَهَارِهِ، (وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ) أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ (بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ) أَيْ: بِأَيِّ عَمَلٍ كَانَ مِنَ الْحَسَنَاتِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ أَكْثَرَ مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا مِنَ الْوَاضِحَاتِ فَلَا يَصْلُحُ فِي مَقَامِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ (إِلَّا رَجُلٌ عَمَلَ أَكْثَرَ مِنْهُ) : وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ ذَلِكَ أَيْ: مِنْ جِنْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو عَوَانَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: جَعَلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّهْلِيلَ مَاحِيًا مِنَ السَّيِّئَاتِ مِقْدَارًا مَعْلُومًا، وَفِي حَدِيثِ التَّسْبِيحِ: جَعَلَ التَّسْبِيحَ مَاحِيًا لَهَا مِقْدَارَ زَبَدِ الْبَحْرِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ أَفْضَلَ، وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيثِ التَّهْلِيلِ: وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، أَجَابَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إِنَّ التَّهْلِيلَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَفَضَلُ لِأَنَّ جَزَاءَهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَحْوِ السَّيِّئَاتِ، وَعَلَى عِتْقِ عَشْرِ رِقَابٍ، وَعَلَى إِثْبَاتِ مِائَةِ حَسَنَةٍ، وَالْحِرْزِ مِنَ الشَّيْطَانِ.

стр. 3289

٢٣٠٣ - «وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، وَهُوَ مَعَكُمْ، وَالَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ " قَالَ أَبُو مُوسَى: وَأَنَا خَلْفَهُ أَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: " يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ ، فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ ٢٣٠٣ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ) ، أَيْ: فِي الْأَمَاكِنِ الْعَالِيَةِ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ السُّنَّةُ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ التَّكْبِيرُ وَنَحْوُهُ مِنَ الْأَذْكَارِ، أَوْ لَعَلَّهُ كَانَ سَفَرَ غَزْوٍ، فَيُنَاسِبُهُ تَخْصِيصُ التَّكْبِيرِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ التَّعْظِيمُ فَيَشْمَلُ التَّكْبِيرَ وَغَيْرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّهَا النَّاسُ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِحَرْفِ النِّدَاءِ (ارْبَعُوا) : بِفَتْحِ الْبَاءِ (عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أَيِ: ارْفُقُوا بِهَا وَأَمْسِكُوا عَنِ الْجَهْرِ الَّذِي يَضُرُّكُمْ (إِنَّكُمْ) : اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ (لَا تَدْعُونَ) أَيِ: اللَّهَ بِالتَّكْبِيرِ، أَوْ لَا تَذْكُرُونَ. وَظَنَّ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ مَعْنَى تَدْعُونَ تَسْأَلُونَ وَتَطْلُبُونَ، فَقَالَ أَيْ: تَعْبُدُونَ لِأَنَّ الصَّادِرَ مِنْهُمْ مُجَرَّدُ (اللَّهُ أَكْبَرُ) ، كَمَا أَفَادَهُ اللَّفْظُ، وَهَذَا لَا دُعَاءَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلدُّعَاءِ، كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الَّذِي كَانَ ﷺ يُصْغِي إِلَى أَشْعَارِهِ، وَقَالَ فِي حَقِّهِ (كَادَ أَنْ يُسْلِمَ) لَمَّا اسْتَرْفَدَ بَعْضَ الْمُلُوكِ: إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضَهِ الثَّنَاءُ (أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ) : تَأْكِيدٌ (تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا) : قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ فَمَا فَائِدَةُ الزِّيَادَةِ فِي قَوْلِهِ بَصِيرًا؟ قُلْتُ: السَّمِيعُ الْبَصِيرُ أَشَدُّ إِدْرَاكًا وَأَكْثَرُ إِحْسَاسًا مِنَ الضَّرِيرِ وَالْأَعْمَى، وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ: سَمِيعًا مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ أَصَمَّ، وَبَصِيرًا أُتِيَ بِهِ لِأَنَّهُ مُلَازِمٌ لِلسَّمِيعِ فِي الذِّكْرِ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّنَاسُبِ فِي الْإِدْرَاكِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ الدُّعَاءُ يَشْمَلُ الْعِبَادَةَ الْفِعْلِيَّةَ وَالْقَوْلِيَّةَ أَتَى بِهِمَا جَمِيعًا، وَالْأَحَقُّ أَنَّهُ أُتِيَ بِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمَا صِفَتَانِ ثَابِتَتَانِ لَازِمَتَانِ لَا تَنْفَكُّ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى، بِخِلَافِ غَيْرِهِ تَعَالَى دَفْعًا لِوَهْمِ الْوَاهِمِ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ، أَوْ يُقَالُ أَتَى بِالْبَصِيرِ تَذْيِيلًا وَتَتْمِيمًا، وَلِهَذَا أَتَى بِالْمَعِيَّةِ الَّتِي يُؤْخَذُ مِنْهَا الْعِلْمُ الْأَعَمُّ مِنْهُمَا تَكْمِيلًا وَتَعْمِيمًا بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ مَعَكُمْ) أَيْ: حَاضِرٌ بِالْعِلْمِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى حَالِكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ، سَوَاءٌ أَعْلَنْتُمْ أَوْ أَخْفَيْتُمْ، وَهُوَ بِظَاهِرِهِ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: (وَلَا غَائِبًا) ثُمَّ زَادَ فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَعِيَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى غَايَةِ الشَّرَفِ وَالْعَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: (وَالَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ) : بَلْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، فَهُوَ بِحَسْبِ مُنَاسَبَةِ الْمَقَامِ تَمْثِيلٌ وَتَقْرِيبٌ إِلَى فَهْمِ اللَّبِيبِ، وَالْمَعْنَى قُرْبُ الْقَرِيبِ فَيَكُونُ تَرَقِّيًا مِنْ قَوْلِهِ: وَهُوَ مَعَكُمْ. (قَالَ أَبُو مُوسَى: وَأَنَا خَلْفَهُ أَقُولُ لَا حَوْلَ) أَيْ: لَا حَرَكَةَ فِي الظَّاهِرِ (وَلَا قُوَّةَ) أَيْ: لَا اسْتِطَاعَةَ فِي الْبَاطِنِ (إِلَّا بِاللَّهِ) : أَوْ لَا تَحْوِيلَ عَنْ شَيْءٍ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَقُوَّتِهِ، وَقِيلَ: الْحَوْلُ الْحِيلَةُ إِذْ لَا دَفْعَ وَلَا مَنْعَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هِيَ كَلِمَةُ اسْتِسْلَامٍ وَتَفْوِيضٍ وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِ شَرٍّ وَلَا قُوَّةٌ فِي جَلْبِ خَيْرٍ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. وَالْأَحْسَنُ مَا وَرَدَ فِيهِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: " تَدْرِي مَا تَفْسِيرُهَا؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ» " أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَلَعَلَّ تَخْصِيصَهُ ﷺ بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ لِأَنَّهُمَا أَمْرَانِ مُهِمَّانِ فِي الدِّينِ (فِي نَفْسِي) ، مُتَعَلِّقٌ بِأَقُولُ وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنَّ مُرَادَهُ أَقُولُ فِي قَلْبِي أَوْ بِلِسَانِي مِنْ غَيْرِ ارْتِفَاعِ صَوْتِي، وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِمُقْتَضَى الْمُقَابَلَةِ لِغَيْرِهِ، فَحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ انْكَشَفَ لَهُ مَا فِي خَاطِرِهِ وَسَمِعَ مِنْهُ فِي تَكْرَارِهِ، (فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ) : وَهُوَ اسْمُ أَبِي مُوسَى (بْنَ قَيْسٍ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ) أَيْ: عَظِيمٍ (مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟) سَمَّى هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَنْزًا لِأَنَّهَا كَالْكَنْزِ فِي نَفَاسَتِهِ وَصِيَانَتِهِ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، أَوْ أَنَّهَا مِنْ ذَخَائِرِ الْجَنَّةِ، أَوْ مِنْ مُحَصِّلَاتِ نَفَائِسِ الْجَنَّةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّ قَوْلَهَا يُحَصِّلُ ثَوَابًا نَفِيسًا يُدَّخَرُ لِصَاحِبِهِ فِي الْجَنَّةِ (قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ: دُلَّنِي فَإِنَّ الدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ (قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ حِبَّانَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵊ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ أُمَّتَكَ أَنْ يُكْثِرُوا مِنْ غِرَاسِ الْجَنَّةِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» ، وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهَا بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَلَعَلَّ اخْتِلَافَ نَتَائِجِهَا بِاخْتِلَافِ مَرَاتِبِ قَائِلِهَا. ٥

стр. 3290

الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٣٠٤ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ» " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٣٠٤ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ) : قِيلَ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ أَيْ: تَسْبِيحًا مَقْرُونًا بِحَمْدِهِ (غُرِسَتْ) أَيْ: بِكُلِّ مَرَّةٍ (لَهُ نَخْلَةٌ) عَظِيمَةٌ (فِي الْجَنَّةِ) أَيِ: الْمُعَدَّةِ لِقَائِلِهَا، خُصَّتْ لِكَثْرَةِ مَنْفَعَتِهَا وَطِيبِ ثَمَرَتِهَا، وَلِذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى مَثَلَ الْمُؤْمِنِ وَإِيمَانِهِ بِهَا وَثَمَرَتِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤] وَهِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) وَهِيَ النَّخْلَةُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَكَذَا النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَزَّارُ وَزَادَ: " فَإِنَّهَا عِبَادَةُ الْخَلْقِ وَبِهَا تُقَطَّعُ أَرْزَاقُهُمْ " أَيْ تُعَيَّنُ.

стр. 3291

٢٣٠٥ - وَعَنِ الزُّبَيْرِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ صَبَاحٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مُنَادٍ يُنَادِي: سَبِّحُوا الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ» " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . ــ ٢٣٠٥ - (وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا مِنْ صَبَاحٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ ": قَالَ الطِّيبِيُّ: (صَبَاحٍ) نَكِرَةٌ وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَضُمَّتْ إِلَيْهَا (مِنْ) الْاسْتِغْرَاقِيَّةُ لِإِفَادَةِ الشُّمُولِ، ثُمَّ جِيءَ بِقَوْلِهِ: (يُصْبِحُ) صِفَةً مُؤَكِّدَةً لِمَزِيدِ الْإِحَاطَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] (إِلَّا مُنَادٍ يُنَادِي: سَبِّحُوا) أَيْ: نَزِّهُوا (الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ) أَيْ: عَمَّا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ، وَالْمَعْنَى اعْتَقِدُوا أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إِنْشَاءَ تَنْزِيهٍ، لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ أَزَلًا وَأَبَدًا، أَوِ اذْكُرُوهُ بِالتَّسْبِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: قُولُوا: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، أَوْ قُولُوا: سُبُوحٌ قُدُّوسُ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، أَيْ: وَنَحْوِهَا مِنْ قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 3292

٢٣٠٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٣٠٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ) : وَفِي رِوَايَةٍ: هِيَ أَفْضَلُ الْحَسَنَاتِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ التَّهْلِيلَ أَفْضَلَ الذِّكْرِ، لِأَنَّ لِلتَّهْلِيلِ تَأْثِيرًا فِي تَطْهِيرِ الْبَاطِنِ عَنِ الْأَوْصَافِ الذَّمِيمَةِ الَّتِي هِيَ مَعْبُودَاتٌ فِي بَاطِنِ الذَّاكِرِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] فَيُفِيدُ نَفْيَ عُمُومِ الْآلِهَةِ بِقَوْلِهِ: لَا إِلَهَ، وَيُثْبِتُ الْوَحْدَةَ بِقَوْلِهِ: إِلَّا اللَّهُ، وَيَعُودُ الذِّكْرُ عَنْ ظَاهِرِ لِسَانِهِ إِلَى بَاطِنِ قَلْبِهِ، فَيَتَمَكَّنُ فِيهِ وَيَسْتَوْلِي عَلَى جَوَارِحِهِ، وَجَدَ حَلَاوَةَ هَذَا مَنْ ذَاقَ ( «وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ» ) : لِأَنَّ الدُّعَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَأَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ حَاجَتَهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَشْمَلُهُمَا فَإِنَّ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ يَحْمَدُهُ عَلَى نِعْمَتِهِ، وَالْحَمْدُ عَلَى النِّعْمَةِ طَلَبُ الْمَزِيدِ وَهُوَ رَأْسُ الشُّكْرِ. اهـ. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وَلِذَا جَعَلَ الْفَاتِحَةَ أُمَّ الْقُرْآنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِطْلَاقُ الدُّعَاءِ عَلَى الْحَمْدِ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ، وَلَعَلَّهُ جُعِلَ أَفْضَلَ الدُّعَاءِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سُؤَالٌ لَطِيفٌ يَدِقُّ مَسْلَكُهُ، كَمَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ الصَّلْتِ حِينَ خَرَجَ إِلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ يَطْلُبُ نَائِلَتَهُ:

стр. 3293

إِذَا أَثْنَى عَلَيْكُمُ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مِنْ بَابِ التَّلْمِيحِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وَأَيُّ دُعَاءٍ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ وَأَجْمَعُ مِنْ ذَلِكَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 3294

٢٣٠٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، مَا شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لَا يَحْمَدُهُ» ". ــ ٢٣٠٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْحَمْدُ) أَيْ: لِلَّهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (رَأْسُ الشُّكْرِ) فَكَأَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ (مَا شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لَا يَحْمَدُهُ) : فَكَانَ التَّارِكُ لَهُ كَالْمُعْرِضِ عَنِ الشُّكْرِ رَأْسًا. قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الْحَمْدُ بِاللِّسَانِ وَحْدَهُ وَالشُّكْرُ بِهِ وَبِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، فَهُوَ إِحْدَى شُعَبِ الشُّكْرِ، وَرَأْسُ الشَّيْءِ بَعْضُهُ، فَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بَعْضُ الشُّكْرِ، وَجُعِلَ رَأْسُهُ لِأَنَّ ذِكْرَ النِّعْمَةِ بِاللِّسَانِ وَالثَّنَاءَ عَلَى مُولِيهَا أَشْيَعُ لَهَا، وَأَدَلُّ عَلَى مَكَانِهَا لِخَفَاءِ الِاعْتِقَادِ، وَلِمَا فِي أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ مِنَ الِاحْتِمَالِ، بِخِلَافِ عَمَلِ اللِّسَانِ وَهُوَ النُّطْقُ الَّذِي يُفْصِحُ عَنِ الْكُلِّ.

стр. 3295

٢٣٠٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ» " (رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . ــ ٢٣٠٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى ": أَيْ بِالدُّخُولِ (إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) أَيْ: فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، أَوِ الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، أَوِ الْغِنَى وَالْفَقْرِ، يَعْنِي: الَّذِينَ يَرْضَوْنَ عَنْ مَوْلَاهُمْ بِمَا أَجْرَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُكْمِ غِنًى كَانَ أَوْ فَقْرًا شِدَّةً كَانَ أَوْ رَخَاءً، فَالْمُرَادُ الدَّوَامُ فَهُوَ مِنْ أَسَالِيبِ الْبَدِيعِ الْغَرِيبَةِ (رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
следующие страницы →