Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
٢٣٩٦ - وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ مُسْلِمٍ التَّمِيمِيِّ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ: (إِذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ; فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مِتَّ فِي لَيْلَتِكَ كُتِبَ لَكَ جَوَازٌ مِنْهَا، وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ كَذَلِكَ فَإِنَّكَ إِذَا مِتَّ فِي يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جَوَازٌ مِنْهَا» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٣٩٦ - (وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ مُسْلِمٍ التَّمِيمِيِّ) عَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهِ) أَيْ: تَكَلَّمَ مَعَهُ سِرًّا أَوْ جَهْرًا، وَالْإِسْرَارُ الْإِعْلَانُ وَالْإِخْفَاءُ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْهَمْزَةَ قَدْ تَكُونُ لِلسَّلْبِ فَيَصِيرُ مَعْنَاهُ الْإِعْلَانَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَيْ تَكَلَّمَ مَعَهُ خِفْيَةً، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِي الْإِسْرَارِ تَرْغِيبُهُ فِيهِ حَتَّى يَتَلَقَّاهُ وَيَتَمَكَّنَ فِي قَلْبِهِ تَمَكُّنَ السِّرِّ الْمَكْنُونِ لَا الضِّنَّةِ أَيِ: الْبُخْلِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ (فَقَالَ إِذَا انْصَرَفْتَ) أَيْ: فَرَغْتَ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ وَقَالَ: أَيْ رَجَعْتَ (مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ) أَيْ: بِكَلَامِ الدُّنْيَا (أَحَدًا) فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ عَلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الْخُشُوعِ وَالتَّدَبُّرِ فَيَقَعُ الدُّعَاءُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فِي الثَّنَاءِ (اللَّهُمَّ أَجِرْنِي) أَيْ: خَلِّصْنِي (مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ) ظَرْفٌ لِقُلْ أَيْ: كَرِّرْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَلَعَلَّ النُّكْتَةَ فِي هَذَا الْعَدَدِ مُرَاعَاةُ سَبْعَةِ أَبْوَابِ النَّارِ وَطَبَقَاتِهَا، أَوْ سَبْعَةِ أَعْضَاءِ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا (فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ) أَيِ: الدُّعَاءَ الْمَذْكُورَ سَبْعًا (ثُمَّ مِتَّ) بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ (فِي لَيْلَتِكَ كُتِبَ) أَيْ: قُدِّرَ (لَكَ جَوَازٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: خَلَاصٌ (مِنْهَا) أَيْ: مِنَ النَّارِ، أَيْ: دُخُولِهَا أَوْ خُلُودِهَا فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةِ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ مِنَ النَّارِ مَوْضِعَ مِنْهَا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَالْجَوَازُ فِي الْأَصْلِ الْبَرَاءَةُ الَّتِي تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى لَا يَمْنَعَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُرُورِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَدْفَعُهُ إِلَّا تَحِلَّةُ الْقَسَمِ (وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ) أَيْ: وَانْصَرَفْتَ (فَقُلْ) أَيْ: هَذَا الذِّكْرُ سَبْعًا (كَذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا (فَإِنَّكَ إِذَا مِتَّ فِي يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جَوَازٌ مِنْهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، قَالَ مِيرَكُ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَارِثِ، وَيُقَالُ الْحَارِثُ بْنُ مُسْلِمٍ التَّمِيمِيُّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اهـ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 3432
٢٣٩٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدِي وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي يَعْنِي الْخَسْفَ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٣٩٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ) أَيْ: يَتْرُكُ (هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَانَ نَاقِصَةٌ، وَجُمْلَةَ يَدَعُ خَبَرٌ لَهَا، أَيْ: يَكُنْ تَارِكًا لَهُنَّ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ بَلْ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا فِيهِمَا، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ حَيْثُ قَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّ (يَكُنْ) تَامَّةٌ، وَأَنَّ يَدَعُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنَ
стр. 3433
(الْفَاعِلِ أَيْ: لَمْ يُوجَدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَالَ كَوْنِهِ تَارِكًا لَهُ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ رَكَاكَةِ الْمَعْنَى مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ظُهُورِ نُقْصَانِ الْكَوْنِ وَخَفَاءِ تَمَامِهِ، ثُمَّ مِنَ الْعَجِيبِ أَنَّهُ نَاقَضَ كَلَامَهُ الْمُصَرَّحَ الدَّالَّ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ مِنْهُ ﷺ بِالِاعْتِرَاضِ عَلَى الطِّيبِيِّ بِقَوْلِهِ: وَقَالَ الشَّارِحُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْكَشَّافِ: لَمْ يَكُنْ يَدَعُ هَؤُلَاءِ أَيْ: لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ ذَلِكَ وَلَا يَلِيقُ بِحَالِهِ أَنْ يَدَعَهَا اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ بَلْ يَتَأَتَّى مِنْهُ تَرْكُهَا، وَيَلِيقُ بِحَالِهِ لِبَيَانِ جَوَازِ تَرْكِهَا الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَلِلِاشْتِغَالِ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهَا اهـ اعْتِرَاضُهُ الثَّابِتُ بِهِ انْتِقَاضُهُ، وَأَقُولُ لَيْسَ مُرَادُ الشَّارِحِ إِلَّا الْمُبَالَغَةَ فِي الْمُوَاظَبَةِ كَمَا هِيَ مُسْتَفَادَةٌ مِنَ الرِّوَايَةِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْإِجْمَاعِ الْمَعْلُومِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ قِرَاءَتَهُ هَذَا الدُّعَاءَ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ ﷺ فِي الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَلَا فِي غَيْرِهِمَا حَتَّى يُقَالَ بَلْ يَتَأَتَّى مِنْهُ تَرْكُهَا إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ الْمُوهَمِ مِنْهُ تَسْلِيمُ كَوْنِهِ وَاجِبًا، وَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ لِبَيَانِ جَوَازِ التَّرْكِ لِغَيْرِهِ أَوْ لِلِاشْتِغَالِ بِالْأَهَمِّ مِنْهُ، ثُمَّ تَرَكْتُ مَا أَطْنَبَهُ مِنْ إِيرَادِ كَلَامِ الشَّارِحِ وَكَلَامِ صَاحِبِ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾ [غافر: ٨٥] لِعَدَمِ تَعَلُّقِ النَّفْعِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ» ) أَيِ: السَّلَامَةَ مِنَ الْآفَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالْحَادِثَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِتَحَمُّلِهَا وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا وَالرِّضَا بِقَضَائِهَا (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) وَقِيلَ: دِفَاعَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْعَبْدِ الْأَسْقَامَ وَالْبَلَايَا، وَهِيَ مَصْدَرٌ جَاءَ عَلَى فَاعِلَةٍ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ سَيِّئَ الْأَسْقَامِ كَالْبَرَصِ وَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ لِمَا سَبَقَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ» ) أَيِ: التَّجَاوُزَ عَنِ الذُّنُوبِ (وَالْعَافِيَةَ) أَيِ: السَّلَامَةَ مِنَ الْعُيُوبِ (فِي دِينِي وَدُنْيَايَ) أَيْ: فِي أُمُورِهِمَا (وَأَهْلِي وَمَالِي) أَيْ: فِي حَقِّهِمَا ( «اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي» ) أَيْ: عُيُوبِي، أَوِ امْحُ ذُنُوبِي (وَآمِنْ رَوْعَاتِي) أَيْ: مَخُوفَاتِي فِي جُمْلَةِ حَالَاتِي، وَإِيرَادُهُمَا لِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَتِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَوْرَةُ مَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ وَيَسُوءُ صَاحِبُهُ أَنْ يُرَى، وَالرَّوْعَةُ الْفَزْعَةُ (اللَّهُمَّ احْفَظْنِي) أَيِ: ادْفَعِ الْبَلَاءَ عَنِّي (مِنْ بَيْنِ يَدِي) أَيْ: أَمَامِي (وَمِنْ خَلْفِي) أَيْ: وَرَائِي (وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] : إِنَّمَا عُدِّيَ الْفِعْلُ إِلَى الْأَوَّلَيْنِ بِحَرْفِ الِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ مِنْهُمَا مُتَوَجِّهٌ إِلَيْهِمْ، وَإِلَى الْأَخِيرَيْنِ بِحَرْفِ الْمُجَاوَزَةِ فَإِنَّ الْآتِيَ مِنْهُمَا كَالْمُنْحَرِفِ عَنْهُمُ الْمَارِّ عَلَى عُرْضِهِمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ جَلَسْتُ عَنْ يَمِينِهِ (وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ) وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ أَنْ (أُغْتَالَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أُوخَذَ بَغْتَةً وَأَهْلِكَ غَفْلَةً (مِنْ تَحْتِي) قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الِاغْتِيَالُ هُوَ أَنْ يُخْدَعَ وَيُقْتَلَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَرَاهُ فِيهِ أَحَدٌ (قَالَ وَكِيعٌ) أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (يَعْنِي الْخَسْفَ) أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ - صَلِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالِاغْتِيَالِ مِنَ الْجِهَةِ التَّحْتَانِيَّةِ الْخَسْفَ، فِي الْقَامُوسِ خَسَفَ اللَّهُ بِفُلَانٍ الْأَرْضَ: غَيَّبَهُ فِيهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: عَمَّ الْجِهَاتِ لِأَنَّ الْآفَاتِ مِنْهَا، وَبَالَغَ فِي جِهَةِ السُّفْلِ لِرَدَاءَةِ الْآفَةِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ لَا حِيلَةَ فِي دَفْعِ مَا يُخْشَى وُقُوعُهُ فِيهَا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْجِهَاتِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ فِيهَا الْحِيلَةُ حَتَّى جِهَةِ الْفَوْقِ فَمِمَّا لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
стр. 3434
٢٣٩٨ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ أَصْبَحْنَا نُشْهِدُكَ وَنُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا أَصَابَهُ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ مِنْ ذَنْبٍ، وَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا أَصَابَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنْ ذَنْبٍ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٢٣٩٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ أَصْبَحْنَا نُشْهِدُكَ) أَيْ: نَجْعَلُكَ شَاهِدًا عَلَى إِقْرَارِنَا بِوَحْدَانِيَّتِكَ فِي الْأُلُوهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ، وَهُوَ إِقْرَارٌ لِلشَّهَادَةِ وَتَأْكِيدٌ لَهَا وَتَجْدِيدٌ لَهَا فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ وَعَرْضٌ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (وَنُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتَكَ) بِالنَّصْبِ: عَطْفٌ عَلَى الْحَمَلَةِ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ (وَجَمِيعَ خَلْقِكَ) أَيْ: مَخْلُوقَاتِكَ تَعْمِيمٌ آخَرُ (أَنَّكَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: عَلَى شَهَادَتِي وَاعْتِرَافِي بِأَنَّكَ (أَنْتَ اللَّهُ) أَيِ: الْوَاجِبُ الْوُجُودِ صَاحِبُ الْكَرَمِ وَالْجُودِ (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) أَيْ: مَوْجُودٌ
стр. 3435
(وَحْدَكَ) أَيْ: مُنْفَرِدًا بِالذَّاتِ (لَا شَرِيكَ لَكَ) أَيْ: فِي الْأَفْعَالِ وَالصِّفَاتِ (وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ) سَيِّدُ الْمَخْلُوقَاتِ وَسَنَدُ الْمَوْجُودَاتِ (إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ) اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ مِمَّا هُوَ جَوَابٌ مَحْذُوفٌ لِلشَّرْطِ الْمَذْكُورِ أَيِ: الَّذِي قَالَ فِيهِ ذَلِكَ الذِّكْرَ، تَقْدِيرُهُ مَا قَالَ قَائِلٌ هَذَا الدُّعَاءَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ (مَا أَصَابَهُ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ) أَوْ يُقَدَّرُ نَفْيٌ أَيْ: مَنْ قَالَ ذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا هَذِهِ الْحَالَةَ الْعَظِيمَةَ مِنَ الْمَغْفِرَةِ الْجَسِيمَةِ (مِنْ ذَنْبٍ) فَعَلَى هَذَا مَنْ فِي مَنْ قَالَ بِمَعْنَى مَا النَّافِيَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ إِلَّا زَائِدَةً وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ( «وَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا أَصَابَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ» ) وَفِي نُسْخَةٍ فِي لَيْلَتِهِ تِلْكَ (مِنْ ذَنْبٍ) أَيْ: أَيِّ ذَنَبٍ كَانَ، وَاسْتَثْنَى الْكَبَائِرَ وَكَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَالْإِطْلَاقُ لِلتَّرْغِيبِ مَعَ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ مَا دُونَ الشِّرْكِ لِمَنْ يَشَاءُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، إِلَّا أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ فِي الْحَدِيثِ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ فِي الشَّهَادَتَيْنِ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 3436
٢٣٩٩ - وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَقُولُ إِذَا أَمْسَى وَإِذَا أَصْبَحَ ثَلَاثًا رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٢٣٩٩ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ) التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أَيْ: كَامِلٍ فِي إِسْلَامِهِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ التَّنْوِينَ لِمُجَرَّدِ التَّنْكِيرِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ زِيَادَةِ مِنَ الِاسْتِغْرَاقِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِلْعُمُومِ (يَقُولُ إِذَا أَمْسَى وَإِذَا أَصْبَحَ ثَلَاثَةً) أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِحُصُولِ الْجَمْعِيَّةِ فَنَصْبُهُ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْ: يَقُولُ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ بِمَعْنَى جُمَلٍ مُفِيدَةٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ ثَلَاثًا وَيُؤَيِّدُهُ عَدَمُ وُجُودِهَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ بَيْنَهَا بِقَوْلِهِ: ( «رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا» ) تَمْيِيزٌ: وَهُوَ يَشْمَلُ الرِّضَاءَ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْقَضَايَا الْكَوْنِيَّةِ (وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا) وَفِيهِ التَّبَرُّؤُ عَنْ نَحْوِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ (وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا) وَيَلْزَمُ مِنْهُ قَبُولُ مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ الْإِجْمَالِيَّةِ (إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ) أَيْ: حَقِيقَةَ التَّفَضُّلِ وَالتَّكَرُّمِ، وَهُوَ خَبَرُ كَانَ وَاسْمُهَا قَوْلُهُ (أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ مَا وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) وَفِي الْحِصْنِ أَوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي رَضِينَا وَبِلَفْظِ رَسُولًا مَكَانَ نَبِيًّا وَبِدُونِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَالْحَاكِمُ وَأَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ، قَالَ مِيرَكُ: مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَامٍ خَادِمِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ ثَوْبَانُ، ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي الْحِصْنِ رَضِيتُ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ وَنَبِيًّا وَثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ السُّنِّيِّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ رَسُولًا وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ نَبِيًّا فَيُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَيَقُولُ: " نَبِيًّا وَرَسُولًا " وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا كَانَ عَامِلًا بِالْحَدِيثِ، وَقَدَّمَ نَبِيًّا عَلَى رَسُولًا مَعَ أَنَّ الْأَخِيرَ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ لِتَقَدُّمِ وَصْفِ النُّبُوَّةِ عَلَى الرِّسَالَةِ فِي الْوُجُودِ، أَوْ لِإِرَادَةِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 3437
٢٤٠٠ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَجْمَعُ عِبَادَكَ أَوْ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٢٤٠٠ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَضَعَ يَدَهُ» ) أَيِ: الْيُمْنَى كَمَا فِي رِوَايَةٍ (تَحْتَ رَأْسِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ: تَحْتَ خَدِّهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ فَعَبَّرَ كُلُّ رَاوٍ عَنْ رُؤْيَتِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْيَدِ تَحْتَ خَدِّهِ وَبَعْضَهَا تَحْتَ رَأْسِهِ فَعَبَّرَ كُلُّ رَاوٍ عَنْ بَعْضِ مَا تَبِيَّنَ لَهُ، وَيُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْغَلَبَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ تَشَبُّهًا بِالْمُحْتَضِرِ وَالْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ (ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ قِنِي) أَيِ: احْفَظْنِي ( «عَذَابَكَ يَوْمَ تَجْمَعُ عِبَادَكَ، أَوْ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَتَفْسِيرٌ لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ عَنْ حُذَيْفَةَ.
стр. 3438
٢٤٠١ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ الْبَرَاءِ.
ــ
٢٤٠١ - (وَأَحْمَدُ) أَيْ: رَوَاهُ أَحْمَدُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (عَنِ الْبَرَاءِ) .
стр. 3439
٢٤٠٢ - وَعَنْ حَفْصَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٤٠٢ - (وَعَنْ حَفْصَةَ) وَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ) أَيْ: يَنَامَ (وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ) وَفِي رِوَايَةٍ رَبِّ ( «قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ» ) وَفِي رِوَايَةٍ تَجْمَعُ عِبَادَكَ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وَفِي نُسْخَةٍ مِرَارًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ.
стр. 3440
٢٤٠٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ مَضْجَعِهِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ تَكْشِفُ الْمَغْرَمَ وَالْمَأْثَمَ لَا يُهْزَمُ جُنْدُكَ وَلَا يُخْلَفُ وَعْدُكَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٤٠٣ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ مَضْجَعِهِ» ) اسْمُ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ مَصْدَرٍ ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ» ) أَيِ: الشَّرِيفِ الَّذِي يَدُومُ نَفْعُهُ وَيَسْهُلُ تَنَاوُلُهُ، وَالْوَجْهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الذَّاتِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] (وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّاتِ) أَيِ: الْكَامِلَاتِ فِي إِفَادَةِ مَا يَنْبَغِي وَهِيَ أَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ أَوْ آيَاتُهُ الْقُرْآنِيَّةُ وَدَلَالَاتُهُ الْفُرْقَانِيَّةُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: خَصَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِالذَّاتِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْكُلَّ تَابِعٌ لِإِرَادَتِهِ وَأَمْرِهِ أَعْنِي قَوْلَهُ كُنْ (مِنْ شَرِّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ) أَيْ: هُوَ فِي قَبْضَتِكَ وَتَصَرُّفِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] وَقِيلَ: هِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْقُدْرَةِ أَيْ: مِنْ شَرِّ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ عَنْ الِاسْتِيلَاءِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ، وَقِيلَ: كَنَّى بِالْأَخْذِ بِالنَّاصِيَةِ عَنْ فَظَاعَةِ شَأْنِ مَا تَعَوَّذَ مِنْهُ، إِنَّمَا لَمْ يَقُلْ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ إِيمَاءً بِأَنَّهُ الْمُسَبِّبُ لِكُلِّ مَا يَضُرُّ وَيَنْفَعُ وَالْمُرْسِلُ لَهُ، لَا أَحَدَ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ، وَلَا شَيْءَ يَنْفَعُ فِي دَفْعِهِ، وَبَيَّنَهُ قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ أَنْتَ تَكْشِفُ) أَيْ: تُزِيلُ وَتَدْفَعُ (الْمَغْرَمَ) مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ، وَالْمُرَادُ مَغْرَمُ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، وَقِيلَ: مَا اسْتُدِينَ فِيمَا كَرِهَ اللَّهُ، أَوْ فِيمَا يَجُوزُ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ أَدَائِهِ (وَالْمَأْثَمَ) أَيْ: مَا يَأْثَمُ بِهِ الْإِنْسَانُ، أَوْ هُوَ الْإِثْمُ نَفْسُهُ وَضْعًا لِلْمَصْدَرِ مَوْضِعَ الِاسْمِ ( «اللَّهُمَّ لَا يُهْزَمُ جُنْدُكَ» ) أَيْ: لَا يُغْلَبُ وَلَوْ فِي عَاقِبَةِ الْأَمْرِ (وَلَا يُخْلَفُ وَعْدُكَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَرَفْعِ وَعْدِكَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْخِطَابِ وَالنَّصْبِ وَالْمُرَادُ بِالْوَعْدِ: الْإِخْبَارُ الشَّامِلُ لِلْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ وَعْدُكَ بِإِثَابَةِ الطَّائِعِ بِخِلَافِ تَعْذِيبِ الْعَاصِي فَإِنَّ خُلْفَ الْوَعِيدِ كَرَمٌ وَخُلْفَ الْوَعْدِ بُخْلٌ - فَقَوْلٌ ضَعِيفٌ لِأَنَّ هَذَا الْفَرْقَ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْعِبَادِ وَلِذَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لِمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
وَلَكِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ: وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ عَقْلًا أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ عَقْلًا وَإِنَّمَا عُلِمَ عَدَمُهُ بِدَلِيلِ السَّمْعِ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَقْلًا ; لِأَنَّ قَضِيَّةَ الْحِكْمَةِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْمُسِيءِ وَالْمُحْسِنِ، وَالْكُفْرُ نِهَايَةٌ فِي الْجِنَايَةِ لَا يَحْتَمِلُ الْإِبَاحَةَ، وَرَفْعُ الْحُرْمَةِ أَصْلًا فَلَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ وَدَفْعَ الْغَرَامَةِ، وَيُؤَيِّدُ الْمَذْهَبَ الْأَخِيرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ٣٥ - ١٥٤] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] أَيْ: بِعُقُولِهِمُ الْفَاسِدَةِ وَظُنُونِهِمُ الْكَاسِدَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ صَاحِبَ الْعُمْدَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: تَخْلِيدُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النَّارِ وَالْكَافِرِينَ فِي الْجَنَّةِ يَجُوزُ عَقْلًا عِنْدَهُمْ أَيِ: الْأَشَاعِرَةِ إِلَّا أَنَّ السَّمْعَ وَرَدَ بِخِلَافِهِ
стр. 3441
فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ لِدَلِيلِ السَّمْعِ، وَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ أَيْ: عَقْلًا أَيْضًا فَإِنْ قُلْتَ: لَعَلَّ مُرَادَ ابْنِ حَجَرٍ مَا عَدَا الْكُفْرَ فَإِنَّهُ مُسْتَثْنًى شَرْعًا وَعَقْلًا، قُلْتُ: مَا عَدَاهُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ فَلَا يُقَالُ فِيهِ جَوَازُ خُلْفِ الْوَعِيدِ، مَعَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الصِّحَاحَ تَظَاهَرَتْ بَلْ فِي الْمَعْنَى تَوَاتَرَتْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُخْرَجُونَ بِشَفَاعَةِ الْأَبْرَارِ أَوْ بِمَغْفِرَةِ الْغَفَّارِ، هَذَا وَفِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ: وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَجُوزُ خُلْفُ الْوَعِيدِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُخَالِفُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] أَيْ: بِوُقُوعِ الْخُلْفِ فِيهِ فَلَا تَطْمَعُوا أَنْ أُبَدِّلَ وَعِيدِي، وَعَفْوُ الْمُذْنِبِينَ لِبَعْضِ الْأَسْبَابِ لَيْسَ مِنَ التَّبْدِيلِ، فَإِنَّ دَلَائِلَ الْعَفْوِ تَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ الْوَعِيدِ اهـ يَعْنِي بِمَنْ شَاءَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ فَصَّلْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَعَ الْأَدِلَّةِ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ سَمَّيْتُهَا: " الْقَوْلُ السَّدِيدُ فِي خُلْفِ الْوَعِيدِ " (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ (مِنْكَ الْجَدُّ) فُسِّرَ الْجَدُّ بِالْغِنَى فِي أَكْثَرِ الْأَقَاوِيلِ أَيْ: لَا يَنْفَعُ ذَا الْغِنَى غِنَاهُ مِنْكَ أَيْ: بَدَلَ طَاعَتِكَ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مِنْكَ مَعْنَاهُ: عِنْدَكَ، فَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] وَقِيلَ الْجَدُّ هُوَ: الْحَظُّ وَالْبَخْتُ، رُوِيَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: جَدِّي فِي النَّخْلِ، وَقَالَ الْآخَرُ: جَدِّي فِي الْإِبِلِ، وَآخَرُ قَالَ: جَدِّي فِي كَذَا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ هَذَا الدُّعَاءَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ لَا يُنْجِيهُ حَظُّهُ مِنْكَ ; إِنَّمَا يُنْجِيهُ فَضْلُكَ وَرَحْمَتُكَ، وَقِيلَ، الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ أَيْ: لَا يَنْفَعُ مُجَرَّدُ النَّسَبِ بَلْ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وَرُوِيَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَأُرِيدَ الْجِدُّ فِي أُمُورِ الدِّينِ، أَوْ مَعْنَاهُ لَا يَنْفَعُهُ الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ اللَّهُ وَرَحْمَتُهُ وَفَتْحُهُ وَبَرَكَتُهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] (سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ) أَيْ: أَجْمَعُ بَيْنَ تَنْزِيهِكَ وَتَحْمِيدِكَ وَتَقْدِيسِكَ وَتَمْجِيدِكَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
стр. 3442
٢٤٠٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ أَوْ عَدَدَ رَمْلِ عَالَجٍ أَوْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ أَوْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٢٤٠٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» ) يَجُوزُ فِيهِمَا النَّصْبُ صِفَةً لِلَّهِ أَوْ مَدْحًا، وَالرَّفْعُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رَفْعُهُمَا عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِهُوَ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ نُسِبَ إِلَى الْكِسَائِيِّ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لَا يُوصَفُ (وَأَتُوبُ إِلَيْهِ) أَيْ أَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ وَأُرِيدُ التَّوْبَةَ فَكَأَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَوَفِّقْنِي لِلتَّوْبَةِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ظَرْفُ قَالَ (غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ) أَيِ: الصَّغَائِرَ، وَيَحْتَمِلُ الْكَبَائِرَ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُرَادُ الصَّغَائِرُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ وَمُرَادِ رَسُولِهِ فَلَا يُقَالُ فِي كَلَامِهِمَا أَنَّ هَذَا مُرَادُهُمَا مَعَ احْتِمَالِ الْغَيْرِ فَإِنَّ الْكَبَائِرَ قَابِلَةٌ أَنْ تَكُونَ مُرَادَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (وَإِنْ كَانَتْ) أَيْ: وَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ فِي الْكَثْرَةِ (مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ (عَدَدَ رَمْلِ عَالَجٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا وَهُوَ مُنْصَرِفٌ، وَقِيلَ: لَا يَنْصَرِفُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: مَوْضِعٌ بِالْبَادِيَةِ فِيهِ رَمْلٌ كَثِيرَةٌ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْعَالَجُ مَا تَرَاكَمَ مِنَ الرَّمْلِ وَدَخَلَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَجَمْعُهُ عَوَالِجُ، فَعَلَى هَذَا لَا يُضَافُ الرَّمْلُ إِلَى عَالَجٍ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لَهُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ نَصَبَ كَلَامَ صَاحِبِ النِّهَايَةِ إِلَى الشَّارِحِ مَعَ قَوْلِهِ: فَعَلَى هَذَا لَا يُضَافُ الرَّمْلُ إِلَى عَالَجٍ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لَهُ أَيْ: رَمْلٌ يَتَرَاكَمُ، وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ وَمَا يَحْوِيهِ عَوَالِجُ الرِّمَالِ اهـ.
وَيَرُدُّهُ إِضَافَةُ الرَّمْلِ إِلَى عَالَجٍ وَعَلَى مَا قَالَهُ لَا يُضَافُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ وَصْفٌ وَعَلَى أَنَّهُ مَوْضِعٌ مَخْصُوصٌ فَيُضَافُ كَلَامُهُ، فَتَأَمَّلْ فِي تَقْرِيرِهِ وَحُسْنِ تَحْرِيرِهِ، وَفِي التَّحْرِيرِ: عَالَجُ مَوْضِعٌ مَخْصُوصٌ فَيُضَافُ، قَالَ مِيرَكُ: الرِّوَايَةُ بِالْإِضَافَةِ فَعَلَى
стр. 3443
قَوْلِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ وَجْهُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ، أَوِ الْإِضَافِيَّةُ بَيَانِيَّةٌ، وَقِيلَ: اسْمُ وَادٍ بَعِيدِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ كَثِيرِ الرَّمْلِ مِنْ أَرْضِ الْمَغْرِبِ، وَعَدَدَ مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى مِثْلَ، وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَطْفًا عَلَى الزَّبَدِ وَكَذَا قَوْلُهُ: (أَوْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ، أَوْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا) وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَوْقَاتُهَا وَسَاعَاتُهَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 3444
٢٤٠٥ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ بِقِرَاءَةِ سُورَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا فَلَا يَقْرَبُهُ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ حَتَّى يَهُبَّ مَتَى هَبَّ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٢٤٠٥ - (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ) أَيِ: الْأَنْصَارِيِّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: وَأَبُو الدَّرْدَاءِ كَانَ شَدَّادُ مِمَّنْ أُوتِيَ الْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ يَقْرَأُ سُورَةً) وَفِي رِوَايَةٍ: (مَا مِنْ رَجُلٍ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ فَيَقْرَأُ سُورَةً) قَالَ مِيرَكُ فِي حَاشِيَةِ الْحِصْنِ: كَذَا وَقَعَ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ فِي التِّرْمِذِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ ; لَكِنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ بِلَفْظِ بِقِرَاءَةٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مُفْتَتِحًا بِقِرَاءَةِ سُورَةٍ، وَقِيلَ: أَيْ مُلْتَبِسًا بِهَا (مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) أَيِ: الْقُرْآنِ الْحَمِيدِ وَالْفَرْقَانِ الْمَجِيدِ (إِلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا) أَيْ: أَمَرَهُ بِأَنْ يَحْرُسَهُ، مِنَ الْمُضَارِعِ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ (فَلَا يَقْرَبُهُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ (شَيْءٌ يُؤْذِيهِ) وَفِي رِوَايَةِ الْحِصْنِ: ( «إِلَّا بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا يَحْفَظُهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِي» ) (حَتَّى يَهُبَّ) بِضَمِّ الْهَاءِ (مَتَّى هَبَّ) أَيْ: يَسْتَيْقِظُ مَنِ اسْتَيْقَظَ بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ، أَوْ قُرْبِهِ مِنَ النَّوْمِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَفِي الْحِصْنِ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: ( «إِذَا وَضَعْتَ جَنْبَكَ عَلَى الْفِرَاشِ وَقَرَأْتَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَقَدْ أَمِنْتَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْمَوْتَ» ) وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - مَوْقُوفًا: ( «مَا كُنْتُ أَرَى أَحَدًا يَعْقِلُ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ الْأَوَاخِرَ مِنَ الْبَقَرَةِ» ) .
стр. 3445
٢٤٠٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «خَلَّتَانِ لَا يُحْصِيهِمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ أَلَا وَهُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ، يُسَبِّحُ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَيَحْمَدُهُ عَشْرًا، وَيُكَبِّرُهُ عَشْرًا» ) قَالَ: «وَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ قَالَ: (فَتِلْكَ خَمْسُونَ، وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ، وَإِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ يُسَبِّحُهُ وَيُكَبِّرُهُ وَيَحْمَدُهُ مِائَةً فَتِلْكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ فِي الْمِيزَانِ، فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ سَيِّئَةٍ؟ ! قَالُوا: وَكَيْفَ لَا نُحْصِيهَا؟ ! قَالَ: يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ وَهُوَ فِي صِلَاتِهِ فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا حَتَّى يَنْفَتِلَ فَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَيَأْتِيهِ فِي مَضْجَعِهِ فَلَا يَزَالُ يُنَوِّمُهُ حَتَّى يَنَامَ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: (خَصْلَتَانِ أَوْ خَلَّتَانِ لَا يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ قَالَ: ( «وَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ وَيَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» ) وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
ــ
٢٤٠٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بِحَذْفِ الْيَاءِ وَجَوَازِ إِثْبَاتِهَا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَلَّتَانِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيْ: خَصْلَتَانِ (لَا يُحْصِيهِمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ) أَيْ: لَا يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ (أَوْ لَا يَأْتِي بِهِمَا) عَبَّرَ عَنِ الْمُأْتَى بِهِ بِالْإِحْصَاءِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْمَعْدُودَاتِ، أَوْ لَا يُطِيقُهُمَا، أَوْ لَا يَأْتِي عَلَيْهِمَا بِالْإِحْصَاءِ كَالْعَادِّ لِلشَّيْءِ (إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ) أَيْ: مِنَ النَّاجِينَ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ (أَلَا) حَرْفُ تَنْبِيهٍ (وَهُمَا) أَيِ: الْخَصْلَتَانِ وَهُمَا الْوَصْفَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (يَسِيرٌ) أَيْ: سَهْلٌ خَفِيفٌ لِعَدَمِ صُعُوبَةِ الْعَمَلِ بِهِمَا عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ (وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا) أَيْ: عَلَى وَصْفِ الْمُدَاوَمَةِ (قَلِيلٌ) أَيْ: نَادِرٌ لِعِزَّةِ التَّوْفِيقِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الْمَعْنَى كَبِيرٌ فِي الْمَبْنَى، وَجُمْلَةُ التَّنْبِيهِ مُعْتَرِضَةٌ لِتَأْكِيدِ التَّحْضِيضِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِمَا وَالتَّرْغِيبِ فِي الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ فِي وَهُمَا لِلْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى التَّنْبِيهِ، فَتَنْبِيهُ (يُسَبِّحُ اللَّهَ) بَيَانٌ لِإِحْدَى الْخَلَّتَيْنِ، وَالضَّمِيرُ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ (فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) أَيْ: عَقِبَ كُلِّ صَلَاةٍ (مَفْرُوضَةٍ عَشْرًا، وَيَحْمَدُهُ عَشْرًا، وَيُكَبِّرُهُ عَشْرًا، قَالَ) أَيْ: ابْنُ عَمْرٍو (فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُهَا) أَيِ الْعَشَرَاتِ (بِيَدِهِ) أَيْ: بِأَصَابِعِهَا أَوْ بِأَنَامِلِهَا أَوْ بِعُقُدِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: مَرَّ الْأَمْرُ بِالْعَقْدِ بِالْأَنَامِلِ فِي حَدِيثٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَدِ الْأَنَامِلُ وَيُحْتَمَلُ الْعَكْسُ، فَفِيهِ أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى لَا سِيَّمَا
стр. 3446
وَهِيَ صَادِقَةٌ عَلَى الْوُجُوهِ الْمُحْتَمَلَةِ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ الْمَجَازِ مَعَ أَنَّ ذِكْرَ الْأَنَامِلِ وَإِرَادَةَ الْيَدِ بَعِيدٌ جِدًّا عَنِ الْمَقْصُودِ فَتَأَمَّلْ (قَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (فَتِلْكَ) أَيِ: الْعَشَرَاتُ الثَّلَاثُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (خَمْسُونَ وَمِائَةٌ) أَيْ: فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثِينَ فِي خَمْسَةٍ أَيْ: مِائَةٌ وَخَمْسُونَ حَسَنَةً (بِاللِّسَانِ) أَيْ: بِمُقْتَضَى نُطْقِهِ فِي الْعَدَدِ (وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ) لِأَنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا عَلَى أَقَلِّ مَرَاتِبِ الْمُضَاعَفَةِ الْمَوْعُودِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (وَإِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ) بَيَانٌ لِلْخَلَّةِ الثَّانِيَةِ: وَإِذَا لِلظَّرْفِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ أَيْ: وَحِينَ يَأْخُذُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ مَرْقَدَهُ (يُسَبِّحُهُ) أَيْ: ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ (وَيُكَبِّرُهُ) أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ (وَيَحْمَدُهُ) أَيْ: ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ. فَقَوْلُهُ (مِائَةٌ) عَدَدُ الْمَجْمُوعِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ تَوَسُّطِ التَّكْبِيرِ بَيْنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَالتَّحْمِيدَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ تَكْمِلَةً لِلْمِائَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (فَتِلْكَ) أَيِ: الْمِائَةُ مِنْ أَنْوَاعِ الذِّكْرِ (مِائَةٌ) أَيْ: مِائَةُ حَسَنَةٍ (بِاللِّسَانِ) وَفِي نُسْخَةٍ فِي اللِّسَانِ (وَأَلْفٌ) أَيْ: أَلْفُ حَسَنَةٍ عَلَى جِهَةِ الْمُضَاعَفَةِ (فِي الْمِيزَانِ فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ سَيِّئَةٍ؟ !) الْفَاءُ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وَفِي الِاسْتِفْهَامِ نَوْعُ إِنْكَارٍ يَعْنِي إِذَا حَافَظَ عَلَى الْخَصْلَتَيْنِ وَحَصَلَ أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةِ حَسَنَةٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَيُعْفَى عَنْهُ بِعَدَدِ كُلِّ حَسَنَةٍ سَيِّئَةٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فَأَيُّكُمْ يَأْتِي بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا مِنَ السَّيِّئَاتِ فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ حَتَّى لَا يَصِيرَ مَعْفُوًّا عَنْهُ؟ ! فَمَا لَكُمْ لَا تَأْتُونَ بِهِمَا وَلَا تُحْصُونَهُمَا؟ ! (قَالُوا: وَكَيْفَ لَا نُحْصِيهَا؟ !) أَيِ: الْمَذْكُورَاتِ، وَفِي نُسْخَةٍ لَا نُحْصِيهِمَا أَيِ: الْخَصْلَتَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ كَيْفَ لَا نُحْصِي الْمَذْكُورَاتِ فِي الْخَصْلَتَيْنِ وَأَيُّ شَيْءٍ يَصْرِفُنَا، فَهُوَ اسْتِبْعَادٌ لِإِهْمَالِهِمْ فِي الْإِحْصَاءِ فَرَدَّ اسْتِبْعَادَهُمْ بِأَنَّ الشَّيْطَانَ يُوَسْوِسُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يَغْفُلَ عَنِ الذِّكْرِ عَقِيبَهَا وَيُنَوِّمُهُ عِنْدَ الِاضْطِجَاعِ كَذَلِكَ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ، (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (يَأْتِي أَحَدَكُمْ) مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ (الشَّيْطَانُ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ فَيَقُولُ) أَيْ: يُوَسْوِسُ لَهُ وَيُلْقِي فِي خَاطِرِهِ (اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا) مِنَ الْأَشْغَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأَحْوَالِ النَّفْسِيَّةِ الشَّهَوِيَّةِ، أَوْ مَا لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالصَّلَاةِ وَلَوْ مِنَ الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ (حَتَّى يَنْفَتِلَ) أَيْ: يَنْصَرِفَ عَنِ الصَّلَاةِ (فَلَعَلَّهُ) أَيْ: فَعَسَى (أَنْ لَا يَفْعَلَ) أَيِ: الْإِحْصَاءَ، قِيلَ: الْفَاءُ فِي فَلَعَلَّهُ جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ يَعْنِي إِذَا كَانَ الشَّيْطَانُ يَفْعَلُ كَذَا فَعَسَى الرَّجُلُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَإِدْخَالُ أَنْ فِي خَبَرِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَعَلَّ هُنَا بِمَعْنَى عَسَى وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَغْلِبُهُ الشَّيْطَانُ عَنِ الْحُضُورِ الْمَطْلُوبِ الْمُؤَكَّدِ فِي صَلَاتِهِ، فَكَيْفَ لَا يَغْلِبُهُ وَلَا يَمْنَعُهُ عَنِ الْأَذْكَارِ الْمَعْدُودَةِ مِنَ السُّنَنِ فِي حَالِ انْصِرَافِهِ عَنْ طَاعَتِهِ؟ (وَيَأْتِيهِ) أَيِ: الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ (مَضْجَعَهُ فَلَا يَزَالُ يُنَوِّمُهُ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ: يُلْقِي عَلَيْهِ النَّوْمَ (حَتَّى يَنَامَ) أَيْ: بِدُونِ الذِّكْرِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: خَصْلَتَانِ أَوْ خَلَّتَانِ) أَيْ: عَلَى الشَّكِّ (لَا يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ) أَيْ: بَدَلَ لَا يُحْصِيهِمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ (وَكَذَا فِي رِوَايَتِهِ) أَيْ: رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ. (بَعْدَ قَوْلِهِ وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ، قَالَ: وَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ وَيَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) أَيْ: بِدُونِ الْوَاوِ.
стр. 3447
٢٤٠٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنَّامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: (اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ) » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٤٠٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنَّامٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهُوَ الْبَيَاضِيُّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي) أَيْ: حَصَلَ لِي فِي الصَّبَاحِ (مِنْ نِعْمَةٍ) أَيْ: دُنْيَوِيَّةٍ أَوْ أُخْرَوِيَّةٍ، ظَاهِرَةٍ أَوْ بَاطِنَةٍ (أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَالْمُرَادُ التَّعْمِيمُ (فَمِنْكَ وَحْدَكَ) حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ فِي قَوْلِهِ فَمِنْكَ أَيْ: فَحَاصِلٌ مِنْكَ مُنْفَرِدًا لَا شَرِيكَ لَكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ جَوَابُ شَرْطٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] وَمِنْ شَرْطِ الْجَزَاءِ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلشَّرْطِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ هَذَا فِي الْآيَةِ إِلَّا بِتَقْدِيرِ الْإِخْبَارِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى الْخَطَأِ وَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقُومُونَ بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ يَكْفُرُونَهَا بِالْمَعَاصِي فَقِيلَ لَهُمْ: إِنِّي أُخْبِرُكُمْ بِأَنَّ مَا الْتَبَسَ بِكُمْ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْتُمْ لَا تَشْكُرُونَهَا سَبَبٌ لِأَنْ أُخْبِرَكُمْ بِأَنَّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى تَقُومُوا بِشُكْرِهَا، وَالْحَدِيثُ بِعَكْسِ الْآيَةِ أَيْ: إِنِّي أُقِرُّ وَأَعْتَرِفُ بِأَنَّ كُلَّ النِّعَمِ الْحَاصِلَةِ الْوَاصِلَةِ مِنِ ابْتِدَاءِ الْحَيَاةِ إِلَى انْتِهَاءِ دُخُولِ الْجَنَّةِ فَمِنْكَ وَحْدَكَ فَأَوْزِعْنِي أَنْ أَقُومَ بِشُكْرِهَا وَلَا أَشْكُرَ غَيْرَكَ فِيهَا اهـ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى عَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ فَهْمِ عِبَارَتِهِ (فَلَكَ الْحَمْدُ) أَيِ: الثَّنَاءُ الْجَمِيلُ (وَلَكَ الشُّكْرُ) أَيْ: عَلَى الْإِنْعَامِ الْجَزِيلِ، قِيلَ: هَذَا تَقْرِيرٌ لِلْمَطْلُوبِ وَلِذَلِكَ قُدِّمَ الْخَبَرُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ الْمُفِيدِ لِلْحَصْرِ، يَعْنِي: إِذَا كَانَتِ النِّعْمَةُ مُخْتَصَّةً بِكَ فَهَا أَنَا أَنْقَادُ إِلَيْكَ، وَأَخُصُّ الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ لَكَ قَائِلًا: لَكَ الْحَمْدُ لَا لِغَيْرِكَ وَلَكَ الشُّكْرُ لَا لِأَحَدٍ سِوَاكَ ( «فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي» ) لَكِنْ يَقُولُ أَمْسَى بَدَلَ أَصْبَحَ (فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشُّكْرَ هُوَ الِاعْتِرَافُ بِالْمُنْعِمِ الْحَقِيقِيِّ، وَرُؤْيَةُ كُلِّ النِّعَمِ دَقِيقِهَا وَجَلِيلِهَا مِنْهُ، وَكَمَالُهُ أَنْ يَقُومَ بِحَقِّ النِّعَمِ وَيَصْرِفَهَا فِي مَرْضَاةِ الْمُنْعِمِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ غَنَّامٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ السُّنِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
стр. 3448
٢٤٠٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ: (اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَاغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ) » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مَعَ اخْتِلَافٍ يَسِيرٍ.
ــ
٢٤٠٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ) وَفِي الْحِصْنِ يَقُولُ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ (اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ) زِيدَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ لَفْظَةُ السَّبْعِ (وَرَبَّ الْأَرْضِ) أَيْ: خَالِقَهُمَا، وَمُرَبِّي أَهْلِهِمَا، وَزِيدَ فِي الْحِصْنِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ بِالْجَرِّ وَالنَّصْبِ (وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ) تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (فَالِقَ الْحَبِّ) الْفَلْقُ بِمَعْنَى الشَّقِّ (وَالنَّوَى) جَمْعُ النَّوَاةِ وَهِيَ عَظْمُ النَّخْلِ وَفِي مَعْنَاهُ عَظْمُ غَيْرِهَا، وَالتَّخَصُّصُ لِفَضْلِهَا أَوْ لِكَثْرَةِ وَجُودِهَا فِي دِيَارِ الْعَرَبِ، يَعْنِي: يَا مَنْ شَقَّهَا فَأَخْرَجَ مِنْهُمَا الزَّرْعَ وَالنَّخِيلَ (وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ) مِنَ الْإِنْزَالِ، وَقِيلَ مِنَ التَّنْزِيلِ (وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ) وَفِي الْحِصْنِ الْفُرْقَانِ بَدَلَ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ يُفْرَقُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَعَلَّ تَرْكَ الزَّبُورِ لِأَنَّهُ مُنْدَرِجٌ فِي التَّوْرَاةِ، أَوْ لِكَوْنِهِ مَوَاعِظَ لَيْسَ فِيهِ أَحْكَامٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ مَا وَجْهُ النَّظْمِ بَيْنَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ؟ قُلْتُ: وَجْهُهُ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ تَعَالَى رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيْ: مَالِكُهُمَا وَمُدَبِّرُ أَهْلِهِمَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى لِيَنْتَظِمَ مَعْنَى الْخَالِقِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: ٣١] تَفْسِيرٌ لِفَالِقِ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمَعْنَاهُ يُخْرِجُ الْحَيَوَانَ النَّامِيَ مِنَ النُّطْفَةِ، وَالْحَبَّ مِنَ النَّوَى، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ أَيْ: يُخْرِجُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّامِي، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِخْرَاجُ الْأَشْيَاءِ مِنْ كَتْمِ الْعَدَمِ إِلَى فَضَاءِ الْوُجُودِ إِلَّا لِيُعْلَمَ وَيُعْبَدَ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إِلَّا بِكِتَابٍ يُنْزِلُهُ وَرَسُولٍ يَبْعَثُهُ كَأَنَّهُ قِيلَ: يَا مَالِكُ يَا مُدَبِّرُ يَا هَادِي أَعُوذُ بِكَ، وَهَذَا كَلَامٌ طَيِّبٌ يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ بِمَاءِ الذَّهَبِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا
стр. 3449
يَلِيقُ أَنْ يُغْسَلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ حَتَّى يَذْهَبَ (أَعُوذُ) ثُمَّ فِي نُسْخَةٍ وَأَعُوذُ بِوَاوِ الْعَاطِفَةِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهَا مِنْ عَدَمِ الْمُلَاطَفَةِ، وَالْمَعْنَى أَعْتَصِمُ وَأَعُوذُ (بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ) وَفِي الْحِصْنِ: مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ (أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: مِنْ شَرِّ كُلِّ دَآبَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا (أَنْتَ الْأَوَّلُ) وَفِي الْحِصْنِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ أَيِ: الْقَدِيمُ بِلَا ابْتِدَاءٍ (فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ) قِيلَ: هَذَا تَقْرِيرٌ لِلْمَعْنَى السَّابِقِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتَ الْأَوَّلُ مُفِيدٌ لِلْحَصْرِ بِقَرِينَةِ الْخَبَرِ بِاللَّامِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: أَنْتَ مُخْتَصٌّ بِالْأَوَّلِيَّةِ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَعَلَى هَذَا مَا بَعْدَهُ (وَأَنْتَ الْآخِرُ) أَيِ: الْبَاقِي بِلَا انْتِهَاءٍ (فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ) أَيْ: بَعْدَ آخِرِيَّتِكَ الْمُعَبَّرِ بِهَا عَنِ الْبَقَاءِ شَيْءٌ يَكُونُ لَهُ بَقَاءٌ لِذَاتِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَكَ بِمَعْنَى غَيْرِكَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ غَيْرَكَ فَإِنَّ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَلَوْ كَانَ لَهُ بَقَاءٌ مَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وَ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِهِ الْآنَ، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ الْمُسْتَحْسَنُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ :
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ
، قَالَ الْبَاقِلَّانِيُّ: تَمَسَّكَتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: " لَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ " عَلَى أَنَّ الْأَجْسَامَ تَفْنَى بَعْدَ الْمَوْتِ وَتَذْهَبُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ بِخِلَافِهِ، وَالْمُرَادُ: أَنَّ الْفَانِيَ هُوَ الصِّفَاتُ، وَالْأَجْزَاءَ الْمُتَلَاشِيَةُ بَاقِيَةٌ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ بَقَاءِ عَجْبِ الذَّنَبِ، وَمَا صَحَّ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ (وَأَنْتَ الظَّاهِرُ) أَيِ: الْأَفْعَالُ وَالصِّفَاتُ، أَوِ الْكَامِلُ فِي الظُّهُورِ (فَلَيْسَ فَوْقَكَ) أَيْ: فَوْقَ ظُهُورِكَ (شَيْءٌ) يَعْنِي: لَيْسَ شَيْءٌ أَظْهَرَ مِنْكَ لِدَلَالَةِ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ عَلَيْكَ، وَقِيلَ: لَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ فِي الظُّهُورِ، أَوْ أَنْتَ الْغَالِبُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ غَالِبٌ (وَأَنْتَ الْبَاطِنُ) أَيْ: بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ (فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ) أَيْ: لَيْسَ شَيْءٌ أَبْطَنَ مِنْكَ، وَدُونَ يَجِيءُ بِمَعْنَى غَيْرٍ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ - غَيْرَكَ - فِي الْبُطُونِ شَيْءٌ أَبْطَنَ مِنْكَ، وَقَدْ يَجِيءُ بِمَعْنَى قَرِيبٍ، فَالْمَعْنَى: لَيْسَ شَيْءٌ فِي الْبُطُونِ قَرِيبًا مِنْكَ، وَقِيلَ: مَعْنَى الظُّهُورِ وَالْبُطُونِ تَجَلِّيهِ لِبَصَائِرِ الْمُتَفَكِّرِينَ وَاحْتِجَابُهُ عَنْ أَبْصَارِ النَّاظِرِينَ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: ظَاهِرٌ فِي عَيْنِ الْبَاطِنِ وَبَاطِنٌ فِي عَيْنِ الظَّاهِرِ (اقْضِ عَنِّي) وَفِي رِوَايَةٍ عَنَّا (الدَّيْنَ) يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حُقُوقُ اللَّهِ، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ جَمِيعًا، وَلَمَّا «قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُكَ تَسْتَعِيذُ مِنْ شَيْءٍ أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَعِيذُ مِنَ الدَّيْنِ،» بَيَّنَ لَهَا ﷺ أَنَّ الدَّيْنَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفَاسِدُ كَخُلْفِ الْوَعْدِ وَتَعَمُّدِ الْكَذِبِ، وَلِذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الدَّيْنِ " «هَمٌّ بِاللَّيْلِ مَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ» " (وَاغْنِنِي) وَفِي رِوَايَةٍ وَاغْنِنَا (مِنَ الْفَقْرِ) أَيْ: الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْمَخْلُوقِ، أَوْ مِنَ الْفَقْرِ الْقَلْبِيِّ، لِمَا وَرَدَ: " كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا " (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ. وَابْنُ أَبِي شَيْبَهَ (وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مَعَ اخْتِلَافٍ يَسِيرٍ) كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ.
стр. 3450
٢٤٠٩ - وَعَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ الْأَنْمَارِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: (بَاسِمِ اللَّهِ وَضَعْتُ جَنْبِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَاخْسَأْ شَيْطَانِي وَفُكَّ رِهَانِي، وَاجْعَلْنِي فِي النَّدِيِّ الْأَعْلَى» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٤٠٩ - (وَعَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ الْأَنْمَارِيِّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَهُ صُحْبَةٌ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ، بِاسْمِ اللَّهِ» ) أَيْ: أَرْقُدُ، وَالْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ إِنْ أُرِيدَ بِالِاسْمِ الْمُسَمَّى، أَوْ لِلْمُصَاحَبَةِ إِنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ (وَضَعْتُ جَنْبِي لِلَّهِ) وَفِي الْحِصْنِ بِدُونِ لِلَّهِ فَوَضَعْتُ مُتَعَلِّقُ الْجَارِ: وَيَحْتَمِلُ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: وَضَعْتُ أَيْ: بِاسْمِ اللَّهِ وَضَعْتُ جَنْبِي حَالَ كَوْنِ وَضْعِهِ لِلَّهِ أَيْ: لِلتَّقْوَى عَلَى عِبَادَتِهِ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي) الْمُرَادُ بِهِ ذَنْبُهُ اللَّائِقُ بِهِ، أَوْ ذَنْبُ أُمَّتِهِ أَوْقَعُ تَسْلِيمًا أَوْ تَعْلِيمًا (وَاخْسَأْ شَيْطَانِي) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ أَوَّلَهُ وَهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ آخِرَهُ أَيْ: أَبْعِدْهُ، مِنْ خَسَأَ الْكَلْبُ بِنَفْسِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] .
стр. 3451
وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ مِنْ خَسَأْتُ الْكَلْبَ أَيْ: طَرَدْتُهُ، فَهُوَ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى أَيِ: اجْعَلْهُ مَطْرُودًا عَنِّي وَمَرْدُودًا عَنْ إِغْوَائِي، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِضَافَةٌ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ أَرَادَ قَرِينَةً مِنَ الْجِنِّ أَوْ مَنْ قَصَدَ إِغْوَاءَهُ أَيْ: مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ (وَفُكَّ رِهَانِي) أَيْ: خَلِّصْ رَقَبَتِي عَنْ كُلِّ حَقٍّ عَلَيَّ، وَالرِّهَانُ الرَّهْنُ وَجَمْعُهُ وَمَصْدَرُ رَاهَنَهُ وَهُوَ مَا يُوضَعُ وَثِيقَةً لِلدَّيْنِ، وَالْمُرَادُ هُنَا نَفْسُ الْإِنْسَانِ لِأَنَّهَا مَرْهُونَةٌ بِعَمَلِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] وَلِقَوْلِهِ ﷺ ( «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُرْتَهِنَةٌ بِدَيْنِهِ» ) أَيْ: مَحْبُوسَةٌ عَنْ مَقَامِهَا الْكَرِيمِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ، وَفَكُّ الرَّهْنِ تَخْلِيصُهُ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، يَعْنِي: خَلِّصْ نَفْسِي عَنْ حُقُوقِ الْخَلْقِ وَمِنْ عِقَابِ مَا اقْتَرَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا تَرْضَاهَا بِالْعَفْوِ عَنْهَا، أَوْ خَلِّصْهَا مِنْ ثِقَلِ التَّكَالِيفِ بِالتَّوْفِيقِ لِلْإِتْيَانِ بِهَا، وَزَادَ فِي الْمُسْتَدْرَكِ: " وَثَقِّلْ مِيزَانِي " أَيْ: بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ( «وَاجْعَلْنِي فِي النَّدِيِّ الْأَعْلَى» ) وَرُوِيَ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِلَفْظِ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَالنَّدِيُّ بِفَتْحٍ ثُمَّ الْكَسْرِ ثُمَّ التَّشْدِيدِ هُوَ: النَّادِي وَهُوَ الْمَجْلِسُ الْمُجْتَمِعُ، قِيلَ: النَّدِيُّ أَصْلُهُ الْمَجْلِسُ، وَيُقَالُ لِلْقَوْمِ أَيْضًا، وَيُرِيدُ بِالْأَعْلَى الْمَلَأَ الْأَعْلَى وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، أَوْ أَهْلَ النَّدِيِّ إِذَا أَرَادَ الْمَجْلِسَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: النَّدِيُّ يُطْلَقُ عَلَى الْمَجْلِسِ إِذَا كَانَ فِيهِ الْقَوْمُ فَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يَكُنْ نَدِيًّا، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْقَوْمِ، وَأَرَادَ الْمَلَأَ الْأَعْلَى، أَوْ مَجْلِسَهُمْ، وَالْمَعْنَى: اجْعَلْنِي مِنَ الْمُجْتَمِعِينِ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَقَامِ الْأَعْلَى الدَّرَجَةُ الرَّفِيعَةُ وَمَقَامُ الْوَسِيلَةِ الَّذِي قَالَ ﷺ : (إِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِعَبْدٍ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ) أَيْ: ذَلِكَ الْعَبْدُ، قَالَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ: وَيُرْوَى فِي النِّدَاءِ الْأَعْلَى وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَالنِّدَاءُ مَصْدَرُ نَادَيْتُهُ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يُنَادَى بِهِ لِلتَّنْوِيهِ وَالرَّفْعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ نِدَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُمُ الْأَعْلَوْنَ رُتْبَةً وَمَكَانًا عَلَى أَهْلِ النَّارِ كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] وَالنِّدَاءُ الْأَسْفَلُ هُوَ نِدَاءُ أَهْلِ النَّارِ أَهْلَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، وَالْمَعْنَى: اجْعَلْنِي مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَعَبَّرَ بِفِي لِأَنَّهَا أَبْلَغُ مِنْ مِنْ وَنَظِيرُ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ أَيِ: اجْعَلْنِي مُنْدَرِجًا فِي جُمْلَتِهِمْ مَغْمُورًا فِي بَرَكَتِهِمْ، بِخِلَافِ اجْعَلْنِي مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ عَدَدِهِمْ وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ فَخْرٍ اهـ وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّدِيِّ الْقَوْمُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ الْمَجْلِسُ فَيَتَعَيَّنُ وُجُودُ فِي، وَلَعَلَّ إِيرَادَ فِي لِيَقْبَلَ الِاحْتِمَالَيْنِ، وَأَمَّا دَعْوَاهُ الْأَبْلَغِيَّةَ فَمَمْنُوعَةٌ لِأَنَّهُ إِذَا صَارَ وَاحِدًا مِنْهُمْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُنْدَرِجٌ فِيهِمْ، بَلِ الْأَبْلَغُ فِي تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ أَنْ يُقَالَ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الشَّخْصُ فِيهِمْ وَلَا يَكُونُ مِنْهُمْ إِلَّا أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّوَاضُعِ بِفِي أَكْثَرُ مِمَّا فِي التَّوَاضُعِ بِمِنْ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﷺ " «وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» " إِذْ فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُبَالَغَةِ مِنَ التَّوَاضُعِ مَا لَا يَخْفَى، بَلِ التَّحْقِيقُ أَنَّ (اجْعَلْ) مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠] وَ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] فَيُرَادُ فِي لِتَضْمِينِ الْجَعْلِ مَعْنَى الْإِيقَاعِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي، وَبِهَذَا بَطَلَ قَوْلُهُ: وَنَظِيرُهُ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ؛ إِذْ لَيْسَ نَظِيرَهُ لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ.
стр. 3452
٢٤١٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانِي وَآوَانِي وَأَطْعَمَنِي وَسَقَانِي، وَالَّذِي مَنَّ عَلَيَّ فَأَفْضَلَ، وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ، أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ) » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٤١٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ» ) أَيْ: مِنَ اللَّيْلِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانِي» ) أَيْ: عَنِ الْخَلْقِ أَغْنَانِي (وَآوَانِي) بِالْمَدِّ أَيْ: جَعَلَ لِي مَسْكَنًا يَدْفَعُ عَنِّي حَرِّي وَبَرْدِي وَسَتَرَنِي عَنْ أَعْدَائِي (وَأَطْعَمَنِي وَسَقَانِي) أَيْ: أَشْبَعَنِي وَأَرْوَانِي (وَالَّذِي مَنَّ) أَيْ: أَنْعَمَ (عَلَيَّ فَأَفْضَلَ) بِالْفَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالْوَاوِ أَيْ: زَادَ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَحْسَنَ (وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ) أَيْ: فَأَعْظَمَ، أَوْ أَعْظَمَ مِنَ النِّعْمَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِيهِ لِتَرْتِيبِهَا فِي التَّفَاوُتِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ كَقَوْلِكَ خُذِ الْأَفْضَلَ فَالْأَكْمَلَ وَاعْمَلِ الْأَحْسَنَ فَالْأَجْمَلَ، فَالْإِعْطَاءُ حَسَنٌ وَكَوْنُهُ جَزِيلًا أَحْسَنَ وَهَكَذَا الْمُعَنْوَنُ، وَقَدَّمَ الْمَنَّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِعَمَلِ الْعَبْدِ بِخِلَافِ
стр. 3453
الْإِعْطَاءِ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَسْبُوقًا بِهِ ( «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» ) أَيْ: وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَائِرَ الْحَالَاتِ مِنَ الْمِحَنِ وَالْبَلِيَّاتِ مِمَّا يَجِبُ الشُّكْرُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا إِمَّا رَافِعَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَإِمَّا رَافِعَةٌ لِلدَّرَجَاتِ، بِخِلَافِ أَحْوَالِ أَهْلِ النَّارِ فَإِنَّهُمْ فِي حَالِ الْمَعْصِيَةِ فِي الدُّنْيَا وَفِي حَالِ الْعُقُوبَةِ فِي الْعُقْبَى، فَلَيْسَ هُنَاكَ شُكْرٌ بَلْ صَبْرٌ عَلَى حُكْمِهِ وَأَمْرِهِ وَرِضًا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَهُوَ مَحْمُودٌ بِذَاتِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَبِصِفَاتِهِ فِي كُلِّ فِعَالٍ ( «اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ» ) أَيْ: مُرَبِّيهِ وَمُصْلِحَهُ (وَمَلِيكَهُ) أَيْ: مَلِكَهُ وَمَالِكَهُ (وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ) أَيْ: مَعْبُودَهُ وَمَقْصُودَهُ وَمَطْلُوبَهُ وَمَحْبُوبَهُ بِلِسَانِ حَالِهِ أَوْ بَيَانِ قَالِهِ، طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ( «أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ» ) أَيْ: مِمَّا يُقَرِّبُ إِلَيْهَا مِنْ عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ حَالٍ يُوجِبُ الْعَذَابَ وَيَقْتَضِي الْحِجَابَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ إِلَّا أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.
стр. 3454
٢٤١١ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: «شَكَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَامُ اللَّيْلَ مِنَ الْأَرَقِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظَلَّتْ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقَلَّتْ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضَلَّتْ، كُنْ لِي جَارًا مِنْ شَرِّ خَلْقِكَ كُلِّهِمْ جَمِيعًا أَنْ يَفْرُطَ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَنْ يَبْغِيَ، عَزَّ جَارُكَ وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَالْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ الرَّازِيُّ قَدْ تَرَكَ حَدِيثَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
ــ
٢٤١١ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ شَكَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) أَيِ: السَّهَرَ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) فِي الْقَامُوسِ: شَكَا أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ شَكْوَى وَيُنَوَّنُ، وَشِكَايَةً بِالْكَسْرِ، وَشَكَيْتُ لُغَةٌ فِي شَكَوْتُ اهـ فَعَلَى اللُّغَةِ الْأَوْلَى الَّتِي هِيَ الْفُصْحَى يُكْتَبُ شَكَا بِالْأَلِفِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ بِالْيَاءِ بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ فِي عِلْمِ الْخَطِّ ( «قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَامُ اللَّيْلَ مِنَ الْأَرَقِ» ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: مِنْ أَجْلِ السَّهَرِ، وَهُوَ مُفَارَقَةُ الرَّجُلِ النَّوْمَ مِنْ وَسْوَاسٍ أَوْ حُزْنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَوَيْتَ) بِالْقَصْرِ ( «إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظَلَّتْ» ) أَيْ: وَمَا أَوْقَعَتْ ظِلَّهَا عَلَيْهِ (وَرَبَّ الْأَرَضِينَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيِ: السَّبْعِ (وَمَا أَقَلَّتْ) أَيْ: حَمَلَتْ وَرَفَعَتْ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ (وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضَلَّتْ) أَيْ: وَمَا أَضَلَّتِ الشَّيَاطِينُ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَمَا هُنَا بِمَعْنَى: مَنْ، وَفِيمَا قَبْلُ غُلِّبَ فِيهَا غَيْرُ الْعَاقِلِ، وَيُمْكِنُ أَنَّ (مَا) هُنَا لِلْمُشَاكَلَةِ، أَوْ تَنْزِيلًا لِلْمَنْزِلَةِ، أَوْ أَنَّهَا فِي الْكُلِّ بِمَعْنَى الْوَصْفِيَّةِ (كُنْ لِي جَارًا) مِنِ اسْتَجَرْتُ فَلَانًا فَأَجَارَنِي وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨] أَيْ: كُنْ لِي مُعِينًا وَمَانِعًا وَمُجِيرًا وَحَافِظًا (مِنْ شَرِّ خَلْقِكَ كُلِّهِمْ جَمِيعًا) حَالٌ، فَهُوَ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ شَرِّ خَلْقِكَ أَجْمَعِينَ (أَنْ يَفْرُطَ) بِضَمِّ الرَّاءِ أَيْ: مِنْ أَنْ يَفْرُطَ عَلَى أَنَّهُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ شَرِّهِمْ، أَوْ لِئَلَّا يَفْرُطَ، أَوْ كَرَاهَةَ أَنْ يَفْرُطَ أَيْ: يَسْبِقَ (عَلَيَّ أَحَدٌ) أَيْ: بِشَرِّهِ (مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ خَلْقِكَ، وَفِي الْمَفَاتِيحِ أَيْ: يَقْصِدُ بإذَائِي مُسْرِعًا (أَوْ أَنْ يَبْغِيَ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ أَيْ: يَظْلِمَ عَلَيَّ أَحَدٌ (عَزَّ جَارُكَ) أَيْ: غَلَبَ مُسْتَجِيرُكَ وَصَارَ عَزِيزًا كُلُّ مَنِ الْتَجَأَ إِلَيْكَ وَعَزَّ لَدَيْكَ (وَجَلَّ) أَيْ: عَظُمَ (ثَنَاؤُكَ) يُحْتَمَلُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُثَنَّى غَيْرَهُ أَوْ ذَاتَهُ فَيَكُونَ كَقَوْلِهِ ﷺ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ (وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) تَأْكِيدٌ لِلتَّوْحِيدِ وَتَأْيِيدٌ لِلتَّفْرِيدِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَالْحَكَمُ) بِفَتْحَتَيْنِ وَفِي أَصْلِ السَّيِّدِ الْحَكِيمُ بِالْيَاءِ، وَفِي الْهَامِشِ صَوَابُهُ الْحَكَمُ (ابْنُ ظُهَيْرٍ) كَمَا فِي الْكَاشِفِ وَالتَّقْرِيبِ (الرَّاوِي) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ (قَدْ تَرَكَ حَدِيثَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ) وَفِي الْحِصْنِ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ إِلَّا أَنَّ فِيهَا " وَتَبَارَكَ اسْمُكَ " بَدَلَ " جَلَّ ثَنَاؤُكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ " قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ فِي الْكَبِيرِ أَيْضًا وَفِيهِ " «عَزَّ جَارُكَ وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» ".
стр. 3455
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٤١٢ - عَنْ أَبِي مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ وَنُورَهُ وَبِرْكَتَهُ وَهُدَاهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَمِنْ شَرِّ مَا بَعْدَهُ، ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ) » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٤١٢ - (عَنْ أَبِي مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» ) أَيْ: خَالِقِهِمْ وَسَيِّدِهِمْ وَمُصْلِحِهِمْ وَمُرَبِّيهِمْ، وَفِيهِ تَغْلِيبُ ذَوِي الْعُقُولِ لِشَرَفِهِمْ ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ فَتْحَهُ» ) أَيِ: الظَّفَرَ عَلَى الْمَقْصُودِ (وَنَصْرَهُ) أَيِ: النُّصْرَةَ عَلَى الْعَدُوِّ (وَنُورَهُ) بِتَوْفِيقِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ (وَبَرَكَتَهُ) بِتَيْسِيرِ الرِّزْقِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ (وَهُدَاهُ) أَيِ: الثَّبَاتَ عَلَى مُتَابَعَةِ الْهُدَى وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ فَتْحَهُ وَمَا بَعْدَهُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ، وَالْفَتْحُ هُوَ الظَّفَرُ بِالتَّسَلُّطِ صُلْحًا وَقَهْرًا، وَالنَّصْرُ الْإِعَانَةُ وَالْإِظْهَارُ عَلَى الْعَدُوِّ، وَهَذَا أَصْلُ مَعْنَاهُمَا، وَيُمْكِنُ التَّعْمِيمُ فِيهِمَا يَعْنِي: فَيُفِيدُ التَّأْكِيدَ (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ) أَيْ: فِي هَذَا الْيَوْمِ (وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ) وَاكْتَفَى بِهِ عَنْ سُؤَالِ خَيْرِ مَا بَعْدَهُ إِشْعَارًا بِأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ أَهَمُّ مِنْ جَلْبِ الْمَنَافِعِ (ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ) بِأَنْ يَقُولَ: أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ. . . . . وَخَيْرَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ. . . . . وَيُؤَنِّثَ الضَّمَائِرَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قَالَ النَّوَوِيُّ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ.
стр. 3456
٢٤١٣ - «وَعَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ أَسْمَعُكَ تَقُولُ كُلَّ غَدَاةٍ: اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، تُكَرِّرُهَا ثَلَاثًا حِينَ تُصْبِحُ وَثَلَاثًا حِينَ تُمْسِي، قَالَ: يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهِنَّ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٤١٣ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ: الْبَصْرِيِّ الثَّقَفِيِّ، وُلِدَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ حَيْثُ نَزَلَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ بِهَا لِلْمُسْلِمِينَ، تَابِعِيٌّ كَثِيرُ الْحَدِيثِ سَمِعَ أَبَاهُ وَعَلِيًّا وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ (ابْنِ أَبِي بَكْرَةٍ) بِالتَّاءِ، وَاسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُقَالُ إِنَّ أَبَا بَكْرَةَ تَدَلَّى يَوْمَ الطَّائِفِ بِبَكْرَةٍ وَأَسْلَمَ فَكَنَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَبِي بَكْرَةٍ وَأَعْتَقَهُ فَهُوَ مِنْ مَوَالِيهِ (قَالَ) أَيْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ (قُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ) بِكَسْرِ التَّاءِ وَفَتْحِهَا (أَسْمَعُكَ) أَيْ: أَسْمَعُ مِنْكَ، أَوْ أَسْمَعُ كَلَامَكَ حَالَ كَوْنِكَ (تَقُولُ كُلَّ غَدَاةٍ) أَيْ: صَبَاحٍ أَوْ كُلَّ يَوْمٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا سَيَأْتِي ( «اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي» ) أَيْ: لِأَقْوَى عَلَى طَاعَتِكَ وَنُصْرَةِ دِينِكَ ( «اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي» ) خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْبَصَرَ يُدْرِكُ آيَاتِ اللَّهِ الْمُثْبَتَةَ فِي الْآفَاقِ، وَالسَّمْعَ لِإِدْرَاكِ الْآيَاتِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الرُّسُلِ، فَهُمَا جَامِعَانِ لِدَرْكِ الْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَفِي تَقَدُّمِ السَّمْعِ إِيمَاءٌ إِلَى أَفْضَلِيَّتِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ " «اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُمَا الْوَارِثَ مِنَّا» " (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) إِقْرَارٌ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَاعْتِرَافٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَهُوَ كَمَالُ الْعُبُودِيَّةِ (تُكَرِّرُهَا) أَيْ: هَذِهِ الْجُمَلَ، أَوْ هَذِهِ الدَّعَوَاتِ، بَدَلٌ مِنْ تَقُولُ، أَوْ حَالٌ (ثَلَاثًا حِينَ تُصْبِحُ) ظَرْفٌ لِتَقُولَ (وَثَلَاثًا حِينَ تُمْسِي) أَيْ: أَيْضًا (فَقَالَ: يَا بُنَيَّ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا، وَالتَّصْغِيرُ لِلشَّفَقَةِ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهِنَّ) أَيْ: كَذَلِكَ (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ) أَيْ: أَقْتَدِي (بِسُنَّتِهِ) وَأَتَتَبَّعَ سِيرَتَهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَابْنُ السُّنِّيِّ.
стр. 3457
٢٤١٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: (أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْكِبْرِيَاءُ وَالْعَظَمَةُ لِلَّهِ، وَالْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَمَا سَكَنَ فِيهِمَا لِلَّهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَوَّلَ هَذَا النَّهَارِ صَلَاحًا وَأَوْسَطَهُ نَجَاحًا وَآخِرَهُ فَلَاحًا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ) » . ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ بِرِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّيِّ.
ــ
٢٤١٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْكِبْرِيَاءُ» ) أَيِ: الصِّفَاتُ الذَّاتِيَّةُ (وَالْعَظَمَةُ) أَيِ: الصِّفَاتُ الْفِعْلِيَّةُ (لِلَّهِ) أَيْ: وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ " «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَصَمْتُهُ» ". (وَالْخَلْقُ) أَيِ: الْإِيجَادُ التَّدْرِيجِيُّ (وَالْأَمْرُ) أَيِ: الْإِيجَادُ الْآتِي، أَوْ وَاحِدُ الْأَوَامِرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، أَوْ وَاحِدُ الْأُمُورِ وَالْمُرَادُ بِهِ التَّصَرُّفُ وَالْحُكْمُ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْخَلْقِ الْإِيجَادُ وَبِالْأَمْرِ الْإِمْدَادُ، وَقَدْ يُشَارُ بِالْأَوَّلِ لِعَالَمِ الصُّورِ وَبِالثَّانِي لِعَالَمِ الْمَعَانِي وَمِنْهُ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] (وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ) أَيْ: زَمَانُهُمَا وَمَكَانُهُمَا (وَمَا سَكَنَ فِيهِمَا) أَيْ: وَتَحَرَّكَ، أَوْ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ نَحْوَ: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أَيْ: وَالْبَرْدَ، أَوْ سَكَنَ بِمَعْنَى ثَبَتَ (لِلَّهِ) أَيْ: لَا شَرِيكَ لَهُ وَفِيهِ رَمْزٌ
стр. 3458
إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ١٣] وَفِي رِوَايَةٍ: " وَمَا يُضْحِي فِيهِمَا لِلَّهِ " (وَحْدَهُ) أَيْ: وَمَا يَدْخُلُ فِي وَقْتِ الضَّحْوَةِ، أَوْ مَا يَظْهَرُ وَيَبْرُزُ فِيهِ، لَا صُنْعَ لِغَيْرِهِ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا فِي الصُّورَةِ ( «اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَوَّلَ هَذَا النَّهَارِ صَلَاحًا» ) أَيْ: فِي دِينِنَا وَدُنْيَانَا (وَأَوْسَطَهُ نَجَاحًا) أَيْ: فَوْزًا بِالْمَطَالِبِ الْمُنَاسِبَةِ لِصَلَاحِ الدَّارَيْنِ (وَآخِرَهُ فَلَاحًا) أَيْ: ظَفَرًا بِمَا يُوجِبُ حُسْنَ الْخَاتِمَةِ وَعُلُوَّ الْمَرْتَبَةِ فِي دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ وَالْأَوْسَطِ اسْتِيعَابُ الْأَوْقَاتِ وَالسَّاعَاتِ فِي صَرْفِهَا إِلَى الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ لِحُصُولِ حُسْنِ الْحَالَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ فِي الدُّنْيَا، وَوُصُولِ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ فِي الْأُخْرَى، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: صَلَاحًا فِي دِينِنَا بِأَنْ يَصْدُرَ مِنَّا مَا نَتَخَرَّطُ بِهِ فِي زُمْرَةِ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكَ، ثُمَّ اشْغَلْنَا بِقَضَاءِ مَآرِبِنَا فِي دُنْيَانَا لِمَا هُوَ صَلَاحٌ فِي دِينِنَا، فَأَنْجِحْنَا وَاحْمِلْ خَاتِمَةَ أَمْرِنَا بِالْفَوْزِ بِمَا هُوَ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ فَنَنْدَرِجُ فِي سِلْكِ مَنْ قِيلَ فِي حَقِّهِمْ: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] اهـ وَلِذَا قَالُوا: أَجْمَعُ كَلِمَةٍ فِي الشَّرِيعَةِ كَلِمَةُ الْفَلَاحِ، أَقُولُ: وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ - الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١] (يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ) خَتَمَ بِهَذَا لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِسُرْعَةِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ، وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا " «إِنَّ لِلَّهِ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِمَنْ يَقُولُ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، فَمَنْ قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ لَهُ الْمَلَكُ: إِنَّ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكَ فَسَلْ» ) . وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَيْدَ الثَّلَاثِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ قَالَهَا ثَلَاثًا حَضَرَ قَلْبُهُ وَرَحِمَهُ رَبُّهُ (ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ) ﵀ بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَإِثْبَاتِهِ (فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ بِرِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّيِّ) وَذَكَرَهُ الْجَزَرِيُّ فِي الْحِصْنِ بِرِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مَعَ تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ " وَفِيهِ «وَأَوْسَطَهُ فَلَاحًا وَآخِرَهُ نَجَاحًا، أَسْأَلُكَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ".
стр. 3459
٢٤١٥ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: (أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) » . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٤١٥ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى) بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَسُكُونٍ مُوَحَّدَةٍ بَعْدَهَا زَايٌ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَصَلَّى خَلْفَهُ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ» ) أَيْ: خِلْقَتُهُ، قِيلَ: الْفِطْرَةُ الْخِلْقَةُ مِنَ الْفَطْرِ كَالْخِلْقَةِ مِنَ الْخَلْقِ فِي أَنَّهَا اسْمٌ لِلْحَالَةِ، ثُمَّ إِنَّهَا جُعِلَتِ اسْمًا لِلْخِلْقَةِ الْقَابِلَةِ لِدِينِ الْحَقِّ عَلَى الْخُصُوصِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وَحَدِيثُ ( «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» ) (وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ) أَيِ: التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ الْمُخَلِّصِ مِنَ الْحِجَابِ فِي الدُّنْيَا وَمِنِ الْعِقَابِ فِي الْعُقْبَى، وَهِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ) وَهُوَ أَخَصُّ مِمَّا قَبْلَهُ لِأَنَّ مِلَلَ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ تُسَمَّى إِسْلَامًا عَلَى الْأَشْهَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وَلِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وَلِوَصِيَّةِ يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَذَا فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وَلَعَلَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ جَهْرًا لِيَسْمَعَهُ غَيْرُهُ فَيَتَعَلَّمَ، أَقُولُ: لَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ: لَعَلَّ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَى السَّمَاعِ وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالْجَهْرِ (وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ) ﷺ هُوَ أَبُو الْعَرَبِ، فَإِنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ إِسْمَاعِيلَ، فَفِيهِ تَغْلِيبٌ، أَوِ الْأَنْبِيَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْآبَاءِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وَفِي قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ " وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ " وَإِنَّمَا احْتِيجَ لِهَذَا التَّخْصِيصِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] أَيْ: فِي أُصُولِ الدِّينِ، أَوْ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ كَالْخِتَانِ وَبَقِيَّةِ الْعَشَرَةِ مِنَ السُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ (حَنِيفًا) أَيْ: مَائِلًا عَنِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ إِلَى الْمِلَّةِ الثَّابِتَةِ الْعَادِلَةِ، وَضِدُّهُ الْمُلْحِدُ، وَالْإِلْحَادُ فِي اللُّغَةِ مُطْلَقُ الْمَيْلِ، قِيلَ: الْحَنِيفُ الْمُسْلِمُ الْمُسْتَقِيمُ، وَغَلَبَ هَذَا الْوَصْفُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ (مُسْلِمًا) أَيْ: مُنْقَادًا كَامِلًا بِحَيْثُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهِ تَعَالَى حَتَّى قَالَ: لِجِبْرِيلَ " أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا " وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] فِيهِ رَدٌّ عَلَى كُفَّارِ الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ: نَحْنُ عَلَى دِينِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ، وَتَعْرِيضٌ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، ثُمَّ هُوَ مَعَ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْأَحْوَالِ الْمُتَدَاخِلَةِ أَتَى بِهَا تَقْرِيرًا وَصِيَانَةً لِلْمَعْنَى الْمُرَادِ تَحْقِيقًا عَمَّا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (حَنِيفًا) حَالًا مُنْتَقِلَةً، فَرُدَّ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُوَحِّدًا، وَأَنَّهَا مُثْبَتَةٌ لِأَنَّهَا حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، إِلَّا أَنَّهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ جَمِيعًا، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي الصَّبَاحِ فَقَطْ، كَذَا نَقَلَهُ الْجَزَرِيُّ، وَقَالَ صَاحِبُ السِّلَاحِ: أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ
стр. 3460
[بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ]
стр. 3461
(بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ)
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٢٤١٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(بَابُ الدَّعَوَاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ فِي الْأَوْقَاتِ)
أَيِ: الْمُخْتَلِفَةِ مِمَّا قَدَّرَ لَهَا الشَّارِعُ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ مِنَ الشَّارِعِ فِي زَمَنٍ أَوْ حَالٍ مَخْصُوصٍ يُسَنُّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ لِذَلِكَ وَلَوْ مَرَّةً لِلِاتِّبَاعِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَلْ وَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى الْقُرْآنِ، وَإِنْ وَرَدَ لِذَلِكَ الْغَيْرِ فَضْلٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّ فِي الِاتِّبَاعِ مَا يَرْبُو عَلَى غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: صَلَاةُ النَّافِلَةِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ تَخْتَصُّ بِهِ اهـ وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الدَّعَوَاتِ وَالْأَذْكَارَ الْمَسْنُونَةَ الْمُعَيَّنَةَ فِي حَالٍ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَأَمْثَالِهَا لَا شَكَّ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا أَفْضَلُ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنَ الْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ سَوَاءٌ تَكُونُ مُعَيَّنَةً أَوْ مُطْلَقَةً فَلَا نَقُولُ إِنَّهَا أَفْضَلُ مِنَ الْقُرْآنِ لِقَوْلِهِ ﵊ حِكَايَةً عَنْ رَبِّهِ ( «مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذَكَرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ» ) .
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٢٤١٦ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ أَحَدَهُمْ، وَلَوْ إِمَّا شَرْطِيَّةٌ وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ أَيْ: لَنَالَ خَيْرًا كَثِيرًا، وَإِمَّا لِلتَّمَنِّي وَجَزَاؤُهَا (قَالَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ) أَيْ: يُجَامِعَ (أَهْلَهُ) أَيِ: امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ أَيْ: جِمَاعًا مُبَاحًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَيَلُوحُ إِلَيْهِ أَهْلُهُ، وَإِذَا شَرْطِيَّةٌ وَحِينَئِذٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ أَيْ: تَمَنَّيْتُ ثُبُوتَ هَذَا لِأَحَدِكُمْ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: لَوْ لِلتَّمَنِّي وَجَزَاؤُهَا تَقْدِيرُهُ لَوْ ثَبَتَ حِينَ أَرَادَ أَحَدُهُمْ إِتْيَانَ أَهْلِهِ لَكَانَ حَسَنًا لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُحِبُّ لِأُمَّتِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا خَبَرُ إِنَّ، أَوْ ظَرْفٌ لِخَبَرِهَا (قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ) أَيْ: مُسْتَعِينًا بِهِ وَيَذْكُرُ اسْمَهُ (اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا) أَيْ: بَعِّدْنَا، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: أَيْ بَعِّدْ أَنَا وَهِيَ (الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا) أَيْ: حِينَئِذٍ مِنَ الْوَلَدِ وَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِجَنِّبِ (فَإِنَّهُ) تَعْلِيلٌ أَيِ: الشَّأْنَ (إِنْ يُقَدَّرَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ) أَيِ: الْوَقْتِ أَوِ الْإِتْيَانِ أَيْ: بِسَبَبِهِ (لَمْ يَضُرَّهُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا أَيْ: يَضُرَّ دِينَ ذَلِكَ الْوَلَدِ (شَيْطَانٌ) أَيْ: مِنَ الشَّيَاطِينِ، أَوْ مِنْ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ (أَبَدًا) وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى حُسْنِ خَاتِمَةِ الْوَلَدِ بِبَرَكَةِ ذِكْرِ اللَّهِ فِي ابْتِدَاءِ وُجُودِ نُطْفَتِهِ فِي الرَّحِمِ، فَالضُّرُّ مُخْتَصٌّ بِالْكُفْرِ فَلَا يُرَدُّ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ كَثِيرًا يَقَعُ ذِكْرُ ذَلِكَ وَيَكُونُ الْوَلَدُ غَيْرَ مَحْفُوظٍ مِنَ الشَّيْطَانِ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ وَيَكُونُ الْمُرَادُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُخْلِصًا، أَوْ مُتَّصِفًا بِشُرُوطِ الدُّعَاءِ، أَوْ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ الْوَلَدَ شَيْطَانٌ بِالْجُنُونِ وَالصَّرَعِ وَنَحْوِهِمَا، وَقِيلَ: نَكَّرَهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ أَرَادَ فِي الْأَوَّلِ الْجِنْسَ وَفِي الْآخِرِ إِفْرَادَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِغْرَاقِ وَالْعُمُومِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَوَّلِ إِبْلِيسُ وَبِالثَّانِي أَعَمُّ، أَوْ بِالثَّانِي سَائِرُ أَعْوَانِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ إِلَخْ، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: (لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ أَبَدًا) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ: أَيْ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ، وَلَمْ يُظْهِرْ مَضَرَّتَهُ فِي حَقِّهِ بِنِسْبَةِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَمْ يَصْرَعْهُ، وَقِيلَ: لَمْ يَطْعَنْ فِيهِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. أَقُولُ: لَعَلَّ مُرَادَهُ لَمْ يَطْعَنْ طَعْنًا شَدِيدًا لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى الْمُطْلَقَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ عِيسَى وَأُمُّهُ، وَأَيْضًا هُوَ خَلَاصُ الْمُشَاهَدِ مِنْ أَثَرِ الطَّعْنِ وَهُوَ صِيَاحُ الْمَوْلُودِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَحْمِلْ أَحَدٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الضَّرَرِ وَالْإِغْوَاءِ وَالْوَسْوَسَةِ اهـ وَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى الْوَسْوَسَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا مَعْصُومٌ؟ ! لَكِنَّ الصَّادِقَ قَدْ أَخْبَرَ هَذَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ ظَاهِرٌ وَإِلَّا فَمَا الْفَائِدَةُ فِيهِ، وَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ بِالْعَمَلِ بِهَذَا فَرَأَى مِنَ الْبَرَكَةِ فِي وَلَدِهِ تَحَقَّقَ أَنَّهُ ﷺ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا أَنَّهُ إِذَا أَنْزَلَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ فِيمَا رَزَقْتَنِي نَصِيبًا، وَلَعَلَّهُ يَقُولُهَا فِي قَلْبِهِ أَوْ عِنْدَ انْفِصَالِهِ لِكَرَاهَةِ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسَانِ فِي حَالِ الْجِمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ.
стр. 3462
٢٤١٧ - وَعَنْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٤١٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ» ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أَيِ: الْغَمِّ الَّذِي يَأْخُذُ النَّفْسَ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَقِيلَ: الْكَرْبُ أَشَدُّ الْغَمِّ قَالَهُ الْوَاحِدِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ مَا يَدْهَمُ الْمَرْءَ مِمَّا يَأْخُذُ بِنَفْسِهِ فَيَغُمُّهُ وَيُحْزِنُهُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ) أَيْ: ذَاتًا وَصِفَةً فَلَا يَتَعَاظَمُ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ (الْحَلِيمُ) الَّذِي لَا يَعْجَلُ بِالْعُقُوبَةِ، فَلَمْ يُعَاجِلْ بِنِقْمَتِهِ عَلَى مَنْ قَصَّرَ فِي خِدْمَتِهِ بَلْ يَكْشِفُ الْمَضَرَّةَ عَنْهُ بِرَحْمَتِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) بِالْجَرِّ وَيُرْفَعُ أَيْ: فَلَا يُطْلَبُ إِلَّا مِنْهُ وَلَا يُسْأَلُ إِلَّا عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَكْشِفُ الْكَرْبَ الْعَظِيمَ إِلَّا الرَّبُّ الْعَظِيمُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) بِالْوَجْهَيْنِ، وَهَذَا إِطْنَابٌ مَرْغُوبٌ وَإِلْحَاحٌ مَطْلُوبٌ، نَقَلَ ابْنُ التِّينِ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِرَفْعِ الْعَظِيمِ، وَكَذَا بِرَفْعِ الْكَرِيمِ عَلَى أَنَّهُمَا نَعْتَانِ لِلرَّبِّ، وَالَّذِي ثَبَتَ فِيهِ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ بِالْجَرِّ، وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا، وَجَاءَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ شَاذًّا وَأَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَنِيِّ، وَأُعْرِبَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا تَقَدَّمَ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَعَ الرَّفْعِ نَعْتًا لِلْعَرْشِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قُطِعَ عَمَّا قَبْلَهُ لِلْمَدْحِ، وَرُجِّحَ لِحُصُولِ تَوَافُقِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَرَجَّحَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ الْأَوَّلَ لِأَنَّ وَصْفَ الرَّبِّ بِالْعَظِيمِ أَوْلَى مِنْ وَصْفِ الْعَرْشِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ وَصْفَ مَا يُضَافُ إِلَى الْعَظِيمِ بِالْعَظِيمِ أَقْوَى فِي تَعْظِيمِ الْعَظِيمِ، وَقَدْ نَعَتَ الْهُدْهُدُ عَرْشَ بِلْقِيسَ بِأَنَّهُ عَرْشٌ عَظِيمٌ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - ثُمَّ فِي هَذَا الذَّكَرِ إِشَارَةٌ بِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى إِزَالَةِ الْغَمِّ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا ذِكْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَفْعُ الْكَرْبِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: هَذَا ذِكْرٌ وَلَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ ; فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الذِّكْرَ يَسْتَفْتِحُ بِهِ الدُّعَاءَ ثُمَّ يَقُولُ مَا شَاءَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَالثَّانِي: هُوَ كَمَا وَرَدَ: " «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيَ السَّائِلِينَ» " اهـ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ: " ثُمَّ يَدْعُو بَعْدَ ذَلِكَ " أَوْ يُقَالُ: إِنَّ الثَّنَاءَ يَتَضَمَّنُ الدُّعَاءَ تَعْرِيضًا بِأَلْطَفِ إِيمَاءٍ كَمَدْحِ السَّائِلِ وَالشَّاعِرِ وَمِنْهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ مَادِحًا لِبَعْضِ الْمُلُوكِ مِمَّنْ يُرِيدُ جَائِزَتَهُ: [
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ عَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
] وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ: " «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ» إِلَخْ " أَوْ يُقَالُ: الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ وَالدُّعَاءُ بِالْجَنَانِ أَوْ بِالِاتِّكَالِ عَلَى الْمَلِكِ الْمَنَّانِ، كَمَا وَرَدَ أَنَّهُ «قِيلَ لِلْخَلِيلِ لِمَ لَا تَسْأَلُ رَبَّكَ الْجَلِيلَ؟ فَقَالَ: حَسْبِي مِنْ سُؤَالِي عِلْمُهُ بِحَالِي» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 3463
٢٤١٨ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ قَالَ: «اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا، قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: لَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٤١٨ - (وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ) بِضَمٍّ وَفَتْحٍ (قَالَ اسْتَبَّ رَجُلَانِ) افْتِعَالٌ مِنَ السَّبِّ أَيْ: شَتَمَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ) أَيْ: بِمَحْضَرٍ مِنْهُ (وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ) أَيْ: لَا قِيَامٌ لِمَنْعِهِ ﷺ إِيَّاهُمْ بِقَوْلِهِ: (لَا تَقُومُوا كَمَا يَقُومُ الْأَعَاجِمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ) وَقَوْلِهِ: ( «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ) (وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ) أَيْ: سَبًّا شَدِيدًا (مُغْضَبًا) بِفَتْحِ الضَّادِ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَسُبُّ (قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ) أَيْ: مِنْ شِدَّةِ غَضَبِهِ لِأَنَّهُ يُثِيرُ فِي الْقَلْبِ حَرَارَةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ تَقْتُلُ صَاحِبَهَا بِإِطْفَائِهَا، وَقَدْ لَا تَقْتُلُ لِانْتِشَارِهَا فِي الْأَعْضَاءِ خُصُوصًا الْوَجْهَ لِأَنَّهُ أَلْطَفُهَا وَأَقْرَبُهَا إِلَى الْقَلْبِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً) أَيْ: بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الشَّامِلِ لِلْجُمْلَةِ الْمُفِيدَةِ (لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ) أَيْ: زَالَ (عَنْهُ مَا يَجِدُ) أَيْ: مَا يَجِدُهُ مِنَ الْغَضَبِ بِبَرَكَتِهَا (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) وَالْحَدِيثُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ وَلَا تَنْفَعُ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا الْمُتَّقِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] أَيْ: مَا أَمَرَهُمْ بِهِ تَعَالَى وَنَهَاهُمْ عَنْهُ (فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) لِطَرِيقِ
стр. 3464
السَّدَادِ وَدَفَعُوا مَا وَسْوَسَ بِهِ إِلَيْهِمْ (فَقَالُوا لِلرَّجُلِ) أَيْ: بَعْدَ سُكُونِهِ لِكَمَالِ غَضَبِهِ (لَا تَسْمَعُ) وَفِي نُسْخَةٍ أَلَا تَسْمَعُ (مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ ؟) أَيْ: فَتَمْتَثِلُ وَتَقُولُ ذَلِكَ (قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هَذَا كَلَامُ مَنْ لَمْ يُهَذَّبْ بِأَنْوَارِ الشَّرِيعَةِ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ بِالدِّينِ، وَتَوَهَّمَ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالْجُنُونِ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّ الْغَضَبَ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ وَلِذَا يَخْرُجُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنِ اعْتِدَالِ حَالِهِ وَيَتَكَلَّمُ بِالْبَاطِلِ وَيَفْعَلُ الْمَذْمُومَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ﷺ لِمَنْ قَالَ لَهُ أَوْصِنِي ( «لَا تَغْضَبْ) فَرَدَّدَ مِرَارًا فَقَالَ: (لَا تَغْضَبْ» ) وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى لَا تَغْضَبْ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَظِيمِ مَفْسَدَةِ الْغَضَبِ وَمَا يَنْشَأُ مِنْهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ أَوْ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى غَيْرَ أَنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ، «فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَقَالَ: أَتَرَى بِي بَأْسًا؟ أَمْجَنُونٌ أَنَا؟ اذْهَبْ» ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ذَلِكَ الرَّجُلُ هُوَ مُعَاذٌ، فَهَذَا أَيْضًا نَشَأَ عَنْ غَضَبٍ وَقِلَّةِ احْتِمَالٍ وَسُوءِ أَدَبٍ اهـ وَكَوْنُهُ مُعَاذًا إِنْ صَحَّ وَأَنَّهُ ابْنُ جَبَلٍ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ قُرْبَ إِسْلَامِهِ اهـ أَيْ: وَصَدَرَ عَنْهُ مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ شَدِيدِ الْفَرَحِ وَكَثِيرِ الْخَوْفِ ; لِأَنَّهُ ﵁ فِي آخِرِ الْأَمْرِ صَارَ مِنْ أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِهِمْ بِبَرَكَةِ تَرْبِيَتِهِ ﵊ الَّذِي هُوَ الْحَبِيبُ وَالطَّبِيبُ لِلْعُشَّاقِ وَالْمَجَانِينِ، إِلَى أَنْ قَالَ ﵊ فِي حَقِّهِ: " «أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» " وَوَلَّاهُ الْيَمَنَ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " «يَا مُعَاذُ إِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ صَلَاتِكَ فَقُلِ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» " وَيُؤَيِّدُ مَا تَقَرَّرَ فِيهِ قَوْلُهُ وَطَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُوصِيَهُ، «فَقَالَ لَهُ: لَا تَغْضَبْ، فَأَعَادَ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا تَغْضَبْ» " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 3465
٢٤١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَسَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٤١٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ» ) بِكَسْرِ الدَّالِّ وَفَتْحِ الْيَاءِ جَمْعُ دِيكٍ كَقِرَدَةٍ جَمْعُ قِرْدٍ وَفِيَلَةٍ جَمْعُ فِيلٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْجَمْعِ لِأَنَّ سَمَاعَ وَاحِدٍ كَافٍ (فَاسْأَلُوا) بِالْهَمْزِ وَنَقَلَهُ، أَيْ: فَاطْلُبُوا (اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا) قَالَ الْقَاضِيَ عِيَاضٌ: سَبَبُهُ رَجَاءُ تَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الدُّعَاءِ وَاسْتِغْفَارِهِمْ وَشَهَادَتِهِمْ بِالتَّضَرُّعِ وَالْإِخْلَاصِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ حُضُورِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ، فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِمْ وَحُضُورِهِمْ (وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ) وَفِي رِوَايَةٍ نَهِيقَ الْحَمِيرِ أَيْ: صَوْتَهُ (فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ) وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ الرَّجِيمِ (فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا) وَوَقَعَ فِي الْمَصَابِيحِ: فَإِنَّمَا رَأَتْ شَيْطَانًا عَلَى تَأْوِيلِ الدَّابَّةِ وَرِعَايَةِ الْمُقَابَلَةِ، قِيلَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى نُزُولِ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ عِنْدَ حُضُورِ أَهْلِ الصَّلَاحِ فَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ ذَلِكَ طَلَبُ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى نُزُولِ الْغَضَبِ وَالْعَذَابِ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ فَيُسْتَحَبُّ الِاسْتِعَاذَةُ عِنْدَ مُرُورِهِمْ خَوْفًا أَنْ يُصِيبَهُ مِنْ شُرُورِهِمْ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الدِّيكُ أَقْرَبُ الْحَيَوَانَاتِ صَوْتًا إِلَى الذَّاكِرِينَ اللَّهَ لِأَنَّهُ يَحْفَظُ غَالِبًا أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ، وَأَنْكَرُ الْأَصْوَاتِ صَوْتُ الْحِمَارِ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ صَوْتًا إِلَى مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ وَلِذَا شَبَّهَ صَوْتَ الْحِمَارِ بِصِيَاحِ الْكُفَّارِ حَالَ كَوْنِهِمْ فِي النَّارِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَذَلِكَ إِذَا سَمِعَ نُبَاحَ الْكِلَابِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
стр. 3466
٢٤٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى السَّفَرِ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ - وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ لَنَا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ آئِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٤٢٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ) أَيِ: اسْتَقَرَّ عَلَى ظَهْرِ مَرْكُوبِهِ (خَارِجًا) أَيْ: مِنَ الْبَلَدِ مَائِلًا أَوْ مُنْتَهِيًا (إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا) وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ أَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ عُلُوٍّ وَفِيهِ نَوْعُ عَظَمَةٍ فَاسْتَحْضَرَ عَظَمَةَ خَالِقِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا صَعِدَ عَالِيًا كَبَّرَ وَإِذَا نَزَلَ سَبَّحَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّكْبِيرُ لِلتَّعَجُّبِ مِنَ التَّسْخِيرِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ أَنَّهُ ﵊ كَانَ إِذَا وَضَعَ رَحْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ: (بِسْمِ اللَّهِ) فَإِذَا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) (ثُمَّ قَالَ) أَيِ: اقْرَأْ كَمَا فِي رِوَايَةٍ أَيْ: قَالَ بِنِيَّةِ الْقِرَاءَةِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ - لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٣] أَيْ: ذَلَّلَ (لَنَا هَذَا) أَيِ: الْمَرْكُوبَ فَانْقَادَ لِأَضْعَفِنَا (وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) أَيْ: مُطِيقِينَ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوِ الْمَعْنَى وَلَوْلَا تَسْخِيرُهُ مَا كُنَّا جَمِيعًا مُقْتَدِرِينَ عَلَى رُكُوبِهِ، مِنْ أَقْرَنَ لَهُ إِذَا أَطَاقَهُ وَقَوِيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ اعْتِرَافٌ بِعَجْزِهِ وَأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنَ الرُّكُوبِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ بِأَقْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَسْخِيرِهِ (وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا) أَيْ: لَا إِلَى غَيْرِهِ (لَمُنْقَلِبُونَ) أَيْ: رَاجِعُونَ، وَاللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اسْتِيلَاءَهُ عَلَى مَرْكَبِ الْحَيَاةِ كَهُوَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ وَلَابُدَّ مِنْ زَوَالِهَا عَنْ قُرْبٍ حَتَّى يَسْتَعِدَّ لِلِقَائِهِ تَعَالَى لَا سِيَّمَا وَالرُّكُوبُ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الْمَوْتِ بِتَنْفِيرِ الدَّابَّةِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا الدُّعَاءُ يُسَنُّ عِنْدَ رُكُوبِ أَيِّ دَابَّةٍ كَانَتْ لِسَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ) الْمُرَادُ بِهِ الْإِبِلُ لِغَالِبِ الْوَاقِعِ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، وَقَوْلُ الرَّاوِي خَارِجًا إِلَى السَّفَرِ حِكَايَةٌ لِلْحَالِ وَدَلَالَةٌ عَلَى ضَبْطِ الْمَقَالِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الِانْقِلَابُ إِلَيْهِ هُوَ السَّفَرُ الْأَعْظَمُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَزَوَّدَ لَهُ (اللَّهُمَّ) وَفِي رِوَايَةٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ (إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا) أَيِ: السَّفَرِ الْحِسِّيِّ (الْبِرَّ) أَيِ: الطَّاعَةَ (وَالتَّقْوَى) أَيْ: عَنِ الْمَعْصِيَةِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنَ الْبَرِّ الْإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ، أَوْ مِنَ اللَّهِ إِلَيْنَا، وَمِنَ التَّقْوَى ارْتِكَابُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ الزَّوَاجِرِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] (وَمِنَ الْعَمَلِ) أَيْ: جِنْسِهِ (مَا تَرْضَى) أَيْ: بِهِ عَنَّا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي نُسْخَةٍ قَبْلَهُ تُحِبُّ، أَقُولُ: وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا، قَالَ: فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الرَّدِيفِ عِنْدَنَا مَعْشَرَ أَهْلِ السُّنَّةِ إِذِ الْمَحَبَّةُ وَالرِّضَا مُتَرَادِفَانِ وَهُمَا غَيْرُ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ الْمُتَرَادِفَيْنِ أَيْضًا، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي كَوْنِهِ عَطْفَ الرَّدِيفِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُمَا مُرَادِفَانِ لِلْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ، أَوْ مُغَايِرَانِ لَهُمَا، أَوْ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا سَيَظْهَرُ لَكَ، فَالْمُعْتَزِلَةُ عَلَى تَلَازُمِ الْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا وَالْأَمْرِ أَيْضًا وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] وَ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] وَلَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] وَقَوْلُ السَّلَفِ قَاطِبَةً قَبْلَ ظُهُورِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَهُنَا مَبْحَثٌ يَطُولُ فِيهِ الْكَلَامُ، وَلَيْسَ هُنَا مَحَلُّ تَحْقِيقِ الْمَرَامِ، وَمُجْمَلُهُ مِمَّا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ أَنَّ كُتُبَ أَهْلِ السُّنَّةِ مُخْتَلِفَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنَّ مَنْ حَقَّقَ لَمْ يَقَعْ عَنِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَعَاصِيَ بِمَحَبَّتِهِ، وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ بِمَعْنَاهُ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ لِتَقَارُبِ الْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ فِي الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ شَيْئًا أَوْ شَاءَهُ فَقَدْ رَضِيَهُ وَأَحَبَّهُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ خِلَافُ كَلِمَةِ أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ اهـ وَقَالَ شَارِحُ الْعَقِيدَةِ الْمَنْظُومَةِ لِلْيَافِعِيِّ: إِنَّ الْإِرَادَةَ وَالْمَشِيئَةَ وَالْمَحَبَّةَ وَالرِّضَا مَعْنَاهَا وَاحِدٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَمِنْهُمُ ابْنُ السُّبْكِيِّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: إِنَّ الْإِرَادَةَ وَالْمَشِيئَةَ مُتَّفِقَانِ فِي الْمَعْنَى، وَالْمَحَبَّةَ وَالرِّضَا غَيْرُهُ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] وَبُقُولِهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْكُفْرَ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ لَهُمْ، وَيَرْضَاهُ لِلْكُفَّارِ لِأَنَّهُ أَرَادَهُ لَهُمْ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَرْضَاهُ شَرْعًا وَدِينًا يُثِيبُ عَلَيْهِ، وَيَرْضَاهُ مَعْصِيَةً وَمُخَالَفَةً يُعَاقَبُ عَلَيْهَا اهـ وَحَاصِلُهُ أَنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ وَارِدَانِ عَلَى شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِالْحَيْثِيَّةِ مَعَ أَنَّهُمَا وَاحِدٌ فِي الْحَقِيقَةِ، كَمَا قِيلَ فِي الْإِشْكَالِ الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَاجِبٌ وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ، مَعَ أَنَّ الْكُفْرَ بِالْقَضَاءِ مُجِيبًا بِأَنَّهُ يَرْضَى بِالْكُفْرِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ، وَلَا يَرْضَى بِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ كَسْبُ الْعَبْدِ، وَقَالَ أُسْتَاذُنَا الشَّيْخُ عَطِيَّةُ السُّلَمِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ: إِنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الثَّوَابُ يُقَالُ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ رَضِيَهُ وَأَحَبَّهُ وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا أَرَادَهُ وَشَاءَهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِقَابُ
стр. 3467
يُقَالُ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ أَرَادَهُ وَشَاءَهُ وَلَا يُقَالُ أَحَبَّهُ وَرَضِيَهُ بَلْ يُقَالُ كَرِهَهُ وَنَهَى عَنْهُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُثِيبُ عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ قَهْرًا كَسَائِرِ مَكْرُوهَاتِ الْعِبَادِ فَإِنَّ الْعَبْدَ يَقَعُ عَلَيْهِ الْمَكْرُوهُ عَلَيْهِ قَهْرًا وَلَوْ قَدَرَ عَلَى دَفْعِهِ دَفَعَهُ، وَاللَّهُ يَتَعَالَى عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَهَذَا مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ، قَالَ قَتَادَةُ: وَاللَّهِ مَا رَضِيَ اللَّهُ لَعَبْدٍ ضَلَالَةً وَلَا أَمَرَهُ بِهَا وَلَا دَعَاهُ إِلَيْهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى الْكُفْرَ لِلْكَافِرِينَ كَمَا يَرْضَى الْإِيمَانَ لِلْمُؤْمِنِينَ اهـ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا) مَفْعُولٌ لِهَوِّنْ أَوْ ظَرْفُهُ وَالْمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ أَيْ: يَسِّرْ أُمُورَنَا مَعَ الرَّاحَةِ لِقُلُوبِنَا وَأَبْدَانِنَا فِي سَفَرِنَا (هَذَا) أَيْ: بِالْخُصُوصِ لِأَنَّ الصُّوفِيَّ ابْنُ الْوَقْتِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ فِي الظَّاهِرِ إِلَى السَّفَرِ الظَّاهِرِيِّ وَفِي الْبَاطِنِ إِيمَاءً إِلَى السَّيْرِ الْبَاطِنِ كَمَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ ( «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» ) وَأَشَارَ الشَّاطِبِيُّ بِقَوْلِهِ: قَرِيبًا غَرِيبًا، وَفِي كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ يُعَبِّرُونَ عَنْهَا بِكَائِنٍ بَائِنٍ وَعَرِشٍ فَرِشٍ وَلَاهُوتِيٍّ نَاسُوتِيٍّ (وَاطْوِ لَنَا بُعْدَهُ) أَمْرٌ مِنَ الطَّيِّ أَيْ: قَرِّبْ لَنَا بُعْدَ هَذَا السَّفَرِ وَاجْعَلْ هَذَا السَّفَرَ مَقْضِيَّ الْوَطَرِ، وَفِيهِ رَمْزٌ إِلَى طَيِّ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَاللِّسَانِ عَلَى مُصْطَلَحِ أَهْلِ الْعِرْفَانِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، اطْوِ لَنَا بُعْدَهُ حَقِيقَةً إِذْ وَرَدَ أَنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطْوُونَ الْأَرْضَ لِلْمُسَافِرِ كَمَا تُطْوَى الْقَرَاطِيسُ، أَوِ الْمُرَادُ: خَفِّفْ عَلَيْنَا مَشَاقَّهُ (اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ) أَيِ: الْمُحَافِظُ وَالْمُعِينُ، وَالصَّاحِبُ فِي الْأَصْلِ الْمُلَازِمُ، وَالْمُرَادُ مُصَاحَبَةُ اللَّهِ إِيَّاهُ بِالْعِنَايَةِ وَالْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ، فَنَبَّهَ بِهَذَا الْقَوْلِ عَلَى الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ وَالِاكْتِفَاءِ بِهِ عَنْ كُلِّ مُصَاحِبٍ سِوَاهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: أَنَا يَدُكَ اللَّازِمُ فَلَازِمْ يَدَكَ (وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ) الْخَلِيفَةُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَ أَحَدٍ فِي إِصْلَاحِ أَمْرِهِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمَعْنَى أَنْتَ الَّذِي أَرْجُوهُ وَأَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي بِأَنْ يَكُونَ مُعِينِي وَحَافِظِي، وَفِي غَيْبَتِي عَنْ أَهْلِي أَنْ تَلُمَّ شَعَثَهُمْ وَتُدَاوِيَ سُقْمَهُمْ وَتَحْفَظَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَأَمَانَتَهُمْ ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ» ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ أَيْ: مَشَقَّتِهِ وَشِدَّتِهِ (وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ) بِالْمَدِّ أَيْ: سُوءِ الْحَالِ وَتَغَيُّرِ النَّفْسِ فِي النِّهَايَةِ لِكَآبَةٍ تُغَيُّرُ النَّفْسَ بِالِانْكِسَارِ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَالْمَنْظَرُ بِفَتْحِ الظَّاءِ فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ وَهُوَ مَصْدَرٌ أَيْ: مِنْ تَغَيُّرِ الْوَجْهِ بِنَحْوِ مَرَضٍ وَالنَّفْسِ بِالِانْكِسَارِ مِمَّا يَعْرِضُ لَهَا فِيمَا يُحِبُّهُ مِمَّا يُورِثُ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَالْمَنْظِرُ بِكَسْرِ الظَّاءِ مَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ فَأَعْجَبَكَ، وَيَصِحُّ إِرَادَتُهُ هُنَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِمُخَالَفَتِهِ الرِّوَايَةَ وَالدِّرَايَةَ، مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الْقَامُوسِ ذَكَرَ أَنَّ الْمَنْظَرَ وَالْمَنْظَرَةَ مَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ فَأَعْجَبَكَ أَوْ سَاءَكَ فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْكَسْرِ فِي اللَّفْظِ وَعَمَّمَ فِي الْمَعْنَى وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ) بِفَتْحِ اللَّامِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَيْ: مِنْ سُوءِ الرُّجُوعِ بِأَنْ يُصِيبَنَا حَزْنٌ أَوْ مَرَضٌ (فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ) مِثْلَ أَنْ يَعُودَ غَيْرَ مَقْضِيِّ الْحَاجَةِ أَوْ لِنَائِبَةٍ أَصَابَتْهُ فِي النَّفْسِ كَمَرَضٍ أَوِ الْمَالِ كَسَرِقَةِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، وَالْأَهْلُ أَيِ: الزَّوْجَةُ وَالْخَدَمُ وَالْأَقَارِبُ كَمَرَضِ أَحَدِهِمْ أَوْ فَقْدِهِ، وَفِي الْفَائِقِ: كَآبَةُ الْمُنْقَلَبِ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى وَطَنِهِ فَيَلْقَى مَا يَكْتَئِبُ مِنْهُ مِنْ أَمْرٍ أَصَابَهُ فِي سَفَرِهِ أَوْ فِيمَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ (وَإِذَا رَجَعَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ مِنْ سَفَرِهِ (قَالَهُنَّ) أَيِ: الْكَلِمَاتِ وَالْجُمَلَ الْمَذْكُورَاتِ وَهِيَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ إِلَخْ (وَزَادَ فِيهِنَّ) أَيْ: فِي جُمْلَتِهِنَّ بِأَنْ قَالَ بِعْدَهُنَّ (آئِبُونَ) هَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ، اسْمُ فِعْلٍ مِنْ آبَ يَئُوبُ إِذَا رَجَعَ أَيْ: رَاجِعُونَ مِنَ السَّفَرِ بِالسَّلَامَةِ إِلَى أَوْطَانِنَا، أَوْ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ، أَوْ مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ (تَائِبُونَ) أَيْ: مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّقْدِيرَ نَحْنُ آئِبُونَ تَائِبُونَ عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ تَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ وَقَصْدِ الثَّبَاتِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ إِنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ خُصُوصًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ فِي تَائِبُونَ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: (عَابِدُونَ) وَقَوْلِهِ: وَكَذَا عَابِدُونَ أَيْ: وُفِّقْنَا فِي رُجُوعِنَا هَذَا لِلْعِبَادَةِ - تَكَلُّفٌ بَلْ تَعَسُّفٌ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ (لِرَبِّنَا) مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ عَابِدُونَ أَوْ بِمَا بَعْدَهُ وَهُوَ (حَامِدُونَ) وَيُحْتَمَلُ التَّنَازُعُ أَيْ: مُخْلِصُونَ الْعِبَادَةَ لِرَبِّنَا شَاكِرُونَ لَهُ عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ وَغَيْرِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: لِرَبِّنَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ عَابِدُونَ لِأَنَّ عَمَلَ اسْمِ الْفَاعِلِ ضَعِيفٌ فَيَقْوَى بِهِ أَوْ بِحَامِدُونَ لِيُفِيدَ التَّخْصِيصَ أَيْ: نَحْمَدُ رَبَّنَا لَا نَحْمَدُ غَيْرَهُ وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ كَالْخَاتِمَةِ لِلدُّعَاءِ اهـ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَنَاقَضَ كَلَامَهُ الْأَوَّلَ فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ بِقَوْلِهِ: هُنَا لِرَبِّنَا لَا غَيْرِهِ حَامِدُونَ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ فَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى إِنْشَاءِ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ اهـ. وَفِيهِ خَطَرٌ آخَرُ لِأَنَّ حَامِدُونَ لَيْسَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ لِرَبِّنَا مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ كَمَا تَوَهَّمَ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْحَمْلِ مَعَ أَنَّ صَرِيحَ كَلَامِهِ مِنْ قَوْلِهِ لِرَبِّنَا لَا لِغَيْرِهِ رُدَّ عَلَيْهِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ (تَائِبُونَ) وَمَا بَعْدَهَا أَخْبَارٌ لِمُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ نَحْنُ بِحَذْفِ الْعَاطِفِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالِي: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ - ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ - فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦] وَهَذِهِ اللَّامُ نَظِيرُهَا إِلَّا أَنَّهَا قُدِّمَتْ فِي الْحَدِيثِ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ وَأُخِّرَتْ فِي الْآيَةِ لِمُرَاعَاةِ الْفَوَاصِلِ - وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى - وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ: وَمَا قَرَّرْتُهُ فِي لِرَبِّنَا أَوْلَى وَأَظْهَرُ مِنْ تَعْلِيقِ بِعَابِدُونَ لِأَنَّ خَاتِمَةَ الدُّعَاءِ بِالْحَمْدِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَتَعْلِيقُهُ بِعَابِدُونَ بَعِيدٌ عَنِ السِّيَاقِ اهـ. وَوَجْهُ التَّعَجُّبِ أَنَّ هَذَا الذِّكْرَ قَرَّرَهُ هُوَ بِعَيْنِهِ قَوْلُ الطِّيبِيِّ فَالْعَجَبُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى مَذْهَبٍ مَا حَصَّلَ فِيهِ إِلَّا التَّعَبَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3468
٢٤٢١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: ( «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ» ) . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
٢٤٢١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْجِيمِ عَلَى وَزْنِ نَرْجِسَ، وَقِيلَ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَصْرُوفًا (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ» ) أَيْ: بِاللَّهِ (مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ) أَيْ: مَشَقَّتِهِ الشَّاغِلَةِ عَنِ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ وَشِدَّتِهِ الْمَانِعَةِ مِنْ حُضُورِ الْقَلْبِ مَعَ الرَّبِّ، قِيلَ السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ سَقَرَ، وَفِيهِ تَعْمِيَةٌ لَطِيفَةٌ مِنْ جِهَةِ الْكِتَابَةِ وَالْحِسَابِ فَتَأَمَّلْ تُدْرِكْهُمَا عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ، وَفِي الْحَدِيثِ " «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» " أَيْ: نَوْعٌ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] أَيْ: سَأُكَلِّفُهُ عَقَبَةً شَاقَّةَ الْمِصْعَدِ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هُوَ مَثَلٌ لِمَا يَلْقَى مِنَ الشَّدَائِدِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: (إِنَّهُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ كَذَلِكَ أَبَدًا) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ) فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى وَطَنِهِ فَيَلْقَى مَا يَكْتَئِبُ مِنْهُ مِنْ أَمْرٍ أَصَابَهُ فِي سَفَرِهِ أَوْ فِيمَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ اهـ. وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى رُجُوعِهِ مِنْ سَفَرِ الدُّنْيَا إِلَى وَطَنِ الْأُخْرَى، وَهُوَ بِالِاسْتِعَاذَةِ أَوْلَى وَأَحْرَى وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] (وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فِيهِمَا وَالْحَاءُ مُهْمَلَةٌ أَيِ: النُّقْصَانِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ وَالتَّفَرُّقِ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَقِيلَ: مِنْ فَسَادِ الْأُمُورِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا، وَقِيلَ: الرُّجُوعِ عَنِ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِيهِمْ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْكَوْرِ فِي جَمَاعَةِ الْإِبِلِ خَاصَّةً وَرُبَّمَا اسْتُعْمِلَ فِي الْبَقَرِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ بَابَ الِاسْتِعَارَةِ غَيْرُ مَسْدُودٍ فَإِنَّ الْعَطَنَ مُخْتَصٌّ بِالْإِبِلِ فَيُكَنُّونَ عَنْ ضَيِّقِ الْخُلُقِ بِضِيقِ الْعَطَنِ عَلَى أَنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ أَلْفَاظًا مُقَيَّدَةً فِيمَا لَا قَيْدَ لَهُ كَالْمَرْسَنِ لِأَنْفِ الْإِنْسَانِ، وَالْمِشْفَرِ لِلشَّفَةِ اهـ. وَيُسَمُّونَهُ التَّجْرِيدَ، وَأَصْلُ الْحَوْرِ نَقْضُ الْعِمَامَةِ بَعْدَ لَفِّهَا، وَأَصْلُ الْكَوْرِ مِنْ كَوَّرَ الْعِمَامَةَ عَلَى رَأْسِهِ يُكَوِّرُهَا كَوْرًا أَيْ: لَفَّهَا، وَكُلُّ دَوْرٍ كَوْرٌ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥] وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] إِذَا لُمَّتْ وَأُلْقِيَتْ فِي النَّارِ زِيَادَةً فِي نَكَالِ عَابِدِيهَا، قَالَ الْمُظْهِرُ: الْحَوْرُ النُّقْصَانُ وَالْكَوْرُ الزِّيَادَةُ أَيْ: نَعُوذُ بِكَ مِنْ نُقْصَانِ الْحَالِ وَالْمَالِ بَعْدَ زِيَادَتِهِمَا وَتَمَامِهِمَا أَيْ: مِنْ أَنْ يَنْقَلِبَ حَالُنَا مِنَ السَّرَّاءِ إِلَى الضَّرَّاءِ وَمِنَ الصِّحَّةِ إِلَى الْمَرَضِ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَيْ: مِنَ التَّنَزُّلِ بَعْدَ التَّرَقِّي، أَوْ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، أَوْ إِلَى الْغَفْلَةِ بَعْدَ الذِّكْرِ، أَوْ إِلَى الْغَيْبَةِ بَعْدَ الْحُضُورِ، وَلِذَا قَالَ الْعَارِفُ ابْنُ الْفَارِضِ:
وَلَوْ خَطَرَتْ لِي فِي سِوَاكَ إِرَادَةٌ ... عَلَى خَاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي
وَرُوِيَ وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ بِالنُّونِ فِي الثَّانِي أَيِ: الرُّجُوعِ فِي الْحَالَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلَيْهَا، وَالْكَوْنُ الْحُصُولُ عَلَى هَيْئَةٍ جَمِيلَةٍ، يُرِيدُ التَّرَاجُعَ بَعْدَ الْإِقْبَالِ، قَالَ مِيرَكُ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي مُعْظَمِ نُسَخِ مُسْلِمٍ بِالنُّونِ وَكَذَا ضَبَطَهُ الْحَافِظُ لَعَلَّهُ الْمُنْذِرِيُّ وَرُوِيَ بِالرَّاءِ وَمَعْنَاهُ النُّقْصَانُ بَعْدَ الزِّيَادَةِ، وَقِيلَ مِنَ الشُّذُوذِ بَعْدَ الْجَمَاعَةِ، أَوْ مِنَ الْفَسَادِ بَعْدَ الصَّلَاحِ، أَوْ مِنَ الْقِلَّةِ بَعْدَ الْكَثْرَةِ، أَوْ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ، أَوْ مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، وَكَأَنَّهُ مِنْ كَارَ عِمَامَتَهُ إِذْ لَفَّهَا عَلَى رَأْسِهِ فَاجْتَمَعَتْ وَإِذَا نَقَضَهَا فَانْفَرَقَتْ، وَبِالنُّونِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مِنْ قَوْلِهِمْ حَارَ بَعْدَ مَا كَانَ أَيْ: إِنَّهُ كَانَ عَلَى حَالَةٍ جَمِيلَةٍ فَرَجَعَ عَنْهَا، وَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةَ النُّونِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ) أَيْ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يُحْتَرَزُ عَنْهَا سَوَاءً كَانَتْ فِي الْحَضَرِ أَوِ السَّفَرِ، قُلْتُ: كَذَلِكَ الْحَوْرُ بَعْدَ الْكَوْرِ ; لَكِنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الْبَلَايَا وَالْمَصَائِبِ وَالْمَشَقَّةُ فِيهِ أَكْثَرُ فَخُصَّتْ بِهِ اهـ. وَيُرِيدُ أَنَّهُ حِينَئِذٍ مَظِنَّةٌ لِلنُّقْصَانِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَبَاعِثٌ عَلَى التَّعَدِّي فِي حَقِّ الرُّفْقَةِ وَغَيْرِهِمْ لَا سِيَّمَا فِي مَضِيقِ الْمَاءِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي سَفَرِ الْحَجِّ فَضْلًا مِنْ غَيْرِهِ، وَلِذَا كَانَ يُسَمِّيهِ بَعْضُ الْمَشَايِخِ السَّنَةَ الَّتِي عَصَيْتُ اللَّهَ فِيهَا وَقَدْ رَجَعَ بَعْضُهُمْ عَنْ طَرِيقِ مَكَّةَ لِهَذَا، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ مُعْتَرِضًا عَلَى الطِّيبِيِّ بِقَوْلِهِ وَهُوَ عَجِيبٌ لِأَنَّ جَوَابَهُ لَا يُلَاقِي السُّؤَالَ أَصْلًا فَتَأَمَّلْ، أَوْ يُقَالُ إِنَّ الْمَظْلُومَ إِذَا كَانَ مُسَافِرًا يَكُونُ دُعَاؤُهُ أَقْرَبَ إِلَى الْإِجَابَةِ لِاجْتِمَاعِ الْكُرْبَةِ وَالْغُرْبَةِ (وَسُوءِ الْمَنْظَرِ) بِفَتْحِ الظَّاءِ (فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ) أَيْ: مِنْ أَنْ يَطْمَعَ ظَالِمٌ أَوْ فَاجِرٌ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 3469
٢٤٢٢ - عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٤٢٢ - (وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ) أَيِ: امْرَأَةِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَكَانَتْ صَالِحَةً فَاضِلَةً، ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابِيَّاتِ وَلَيْسَ لَهَا فِي الْكُتُبِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِي سَفَرِهِ، أَقُولُ: وَكَذَا فِي حَضَرِهِ ; إِذْ لَا وَجْهَ لِلتَّقْيِيدِ مَعَ التَّنْكِيرِ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ) أَيِ: الْكَامِلَاتِ الَّتِي لَا يَدْخُلُهَا نَقْصٌ وَلَا عَيْبٌ، وَقِيلَ: النَّافِعَةُ الشَّافِيَةُ، وَقِيلَ: الْقُرْآنُ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ: أَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ، أَوْ كُتُبُهُ فَإِنَّهَا قَدِيمَةٌ لَا نَقْصَ فِيهَا، وَقِيلَ: أَيْ بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ أَقْضِيَتِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ بِشُئُونِهِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا بِكُلِّ يَوْمٍ أَيْ: وَقْتَ هُوَ فِي شَأْنٍ - فَغَيْرُ صَحِيحٍ لَفْظًا لِعَدَمِ إِطْلَاقِ الْكَلِمَةِ عَلَى الشَّأْنِ، وَمَعْنًى لِأَنَّ مِنْ شُئُونِهِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَتَعَوَّذُ بِالْقَدِيمِ لَا بِالْمُحْدَثِ، وَقَدْ قَالُوا: شُئُونٌ يُبْدِيهَا وَلَا يَبْتَدُّ بِهَا فَإِنَّهَا مُقَدَّرَةٌ قَبْلَ وُجُودِهَا، وَأَيْضًا لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْمَخْلُوقَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَخْلُوقٌ لَا يَخْلُو مِنْ شَرٍّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَجِيءَ مِنْهُ الشَّرُّ، وَغَفَلَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ: الْمَعْنَى مِمَّا فِيهِ شَرٌّ (لَمْ يَضُرَّهُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا (شَيْءٌ) أَيْ: مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ حَيْثُ تَعَوَّذَ بِالْخَالِقِ، وَالْحَمْلُ عَلَى التَّعْمِيمِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ تَنْكِيرِ شَيْءٍ الْمُفِيدِ لِلْمُبَالَغَةِ أَوْلَى مِنْ تَقْيِيدِ ابْنِ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: مِمَّا فِيهِ ضَرَرٌ (حَتَّى يَرْتَحِلَ) أَيْ: يَنْتَقِلَ (مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ) وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ كَوْنِهِمْ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا قَالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذَا الْوَادِي وَيَعْنُونَ بِهِ كَبِيرَ الْجِنِّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْجِنِّ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى حَقِيقَةِ التَّفْرِيدِ وَحَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ فَإِنَّ غَيْرَهُ تَعَالَى لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضُرًّا وَلَا يَمْلِكُ مَوْتًا وَلَا حَيَاتًا وَلَا نُشُورًا، بَلْ فِي نَظَرِ الْعَارِفِ لَيْسَ فِي الدَّارِ - غَيْرَهُ - دَيَّارٌ، وَإِنَّمَا السِّوَى فِي عَيْنِ أَهْلِ الْهَوَى كَالْهَبَاءِ فِي الْهَوَاءِ، وَلِذَا قَالَ عَارِفٌ آخَرُ: سِوَى اللَّهِ وَاللَّهِ مَا فِي الْوُجُودِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.
стр. 3470
٢٤٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ: قَالَ: (أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٤٢٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَقِيتُ؟) مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ لَقِيتُ؟ أَيْ: وَجَعًا شَدِيدًا، أَوْ لِلتَّعَجُّبِ أَيْ: أَمْرًا عَظِيمًا، أَوْ مَوْصُولَةٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ: الَّذِي لَقِيتُهُ لَمْ أَصِفْهُ لِشَدَّتِهِ، وَالْمَعْنَى لَقِيتُ شِدَّةً عَظِيمَةً (مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ) أَيِ: اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَذَغَتْنِي بِالذَّالِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْغَيْنِ الْمُصَحَّحَةِ وَلَذَغَتْنِي النَّارُ بِالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ اهـ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ فَإِنَّهُ مَضْبُوطٌ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُصَحَّحَةِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ كَالْقَامُوسِ وَالنِّهَايَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَهْوَ قَلَمٍ مِنْ صَاحِبِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (أَمَا) لِلتَّنْبِيهِ، وَ (لَوْ قُلْتَ) شَرْطِيَّةٌ (حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّكَ) أَيِ: الْعَقْرَبُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا الْأَرْبَعَةُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ (مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرَّهُ حُمَّةٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ) وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ (مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَيُمْسِي، وَفِي رِوَايَةٍ حِينَ يُمْسِي) فَقَطْ كَالْجَمَاعَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ وَابْنِ السُّنِّيِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →