← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

الْجُمْلَةُ بَيَانٌ وَتَفْسِيرٌ لِلْقِصَاصِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَالْحَسَنَةُ) بِوَاوِ الْعَطْفِ يَعْنِي: وَكَانَتِ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَخْ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً فِي الْكُفْرِ ثُمَّ أَسْلَمَ يُعْطَى لِكُلِّ حَسَنَةٍ ثَوَابَ حَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ. اهـ. وَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ وَبُرْهَانٍ لِأَنَّ الْكَافِرَ حَالَ كُفْرِهِ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ حَسَنَةٌ إِلَّا صُورَةً (إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ) أَيْ: تَنْتَهِي إِلَى ذَلِكَ وَتَمْتَدُّ (إِلَى أَضْعَافٍ) أَيْ: أَمْثَالٍ (كَثِيرَةٍ) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً (وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا) عَدْلًا وَرَحْمَةً ; وَلَوْ بِالْحَرَمِ خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ (إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا) أَيْ: بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، أَوْ بِالْعَفْوِ عَنِ الْجَرِيمَةِ، قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ ﵀: فِي بَعْضِ النُّسَخِ (بَعْدُ) بِالْبِنَاءِ، وَالْقِصَاصُ بِالرَّفْعِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْإِضَافَةِ، وَفِي بَعْضِهَا وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَاوُ الْعَطْفِ وَفِي بَعْضِهَا بِدُونِهَا، فَمَعْنَى الْأَوَّلِ مَعَ الْعَطْفِ وَكَانَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَيْ: يَثْبُتُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ الْقِصَاصُ إِنْ جَنَى عَلَى أَحَدٍ، أَوْ كَانَ بَعْدُ الْقِصَاصُ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ حَقٌّ مَالِيٌّ، وَيُثْبِتُ لَهُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا، وَمَعْنَاهُ بِدُونِ الْعَطْفِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْحَسَنَةَ إِلَخْ يَكُونُ بَيَانًا لِلْقِصَاصِ، أَيِ: الْمُجَازَاةِ وَالتَّتَبُّعِ الَّذِي يُفْعَلُ مَعَهُ فِي حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ، وَمَعْنَى الثَّانِي مَعَ الْعَطْفِ: وَكَانَ أَيِ الْمَذْكُورُ مِنْ تَكْفِيرِ اللَّهِ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا بَعْدَ الْقِصَاصِ أَيِ: الْإِسْلَامِ، وَعَقِيبَهُ دُونَ التَّمَهُّلِ وَالتَّرَاخِي إِلَى ظُهُورِ حَسَنٍ، وَكَانَ لَهُ أَيْضًا عَقِيبَ إِسْلَامِهِ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ; فَالْحَسَنَةُ عَلَى هَذَا عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي كَانَ، وَجَازَ بِدُونِ تَوْكِيدِهِ بِمُنْفَصِلٍ لِلْفَصْلِ بِالظَّرْفِ، وَمَعْنَاهُ بِدُونِ الْعَاطِفِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ فَاعِلُ (كَانَ) وَالْقِصَاصُ بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ كَمَا مَرَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقَوَدُ أَيْضًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3397

٢٣٧٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِنِ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٣٧٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) أَيْ: أَثْبَتَهَا فِي سَابِقِ عِلْمِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِكَتْبِهِمَا فِي اللَّوْحِ أَوْ بَيَّنَهُمَا وَعَيَّنَهُمَا فِي كِتَابِهِ، أَوْ قَضَاهُمَا وَقَدَّرَهُمَا أَوْ أَمَرَ الْحَفَظَةَ بِكِتَابَتِهِمَا لِيُوَازِنَهُمَا، أَوْ صُحُفُهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَسَنَاتِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ، وَبِالسَّيِّئَاتِ مَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْعِقَابَ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَرْبَعِينَ " ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ " أَيْ: مِقْدَارَهُمَا، وَعَيَّنَ مَبْلَغَهُمَا لِلسَّفَرَةِ الْكِرَامِ بِأَنَّ بَعْضَهَا يُجَازَى بِعَشْرٍ أَوْ سَبْعِينَ أَوْ سَبْعِمِائَةٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ بَيَّنَهُ فِي التَّنْزِيلِ، أَوْ فَصَّلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ الْإِجْمَالَ بِمَا بَعْدَهُ فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْكُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَذِكْرُ اسْمِ الْإِشَارَةِ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ (فَمَنْ هَمَّ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ لِلتَّفْصِيلِ لِأَنَّ قَوْلَهُ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ مُجْمَلٌ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ كَيْفِيَّةَ الْكِتَابَةِ أَيْ: فَمَنْ قَصَدَ (بِحَسَنَةٍ) وَصَمَّمَ عَلَى فِعْلِهَا (فَلَمْ يَعْمَلْهَا) أَيْ: لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ عَمَلُهَا لِعُذْرٍ (كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً) مَفْعُولٌ ثَانٍ بِاعْتِبَارِ تَضْمِينِ مَعْنَى التَّصْبِيرِ، أَوْ حَالٍ مُوطِئَةٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالنِّيَّةِ وَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ ; فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى النِّيَّةِ بِدُونِ الْعَمَلِ وَلَا يُثَابُ عَلَى الْعَمَلِ بِدُونِ النِّيَّةِ، لَكِنْ لَا يُضَاعَفُ ثَوَابُ الْحَسَنَةِ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ (فَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا) بِأَنْ جَمْعَ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ (كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ) أَيْ: لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ تَفَضُّلًا وَإِحْسَانًا، وَهَذِهِ الْمَرَاتِبُ بِحَسَبِ التَّفَاوُتِ فِي الْعَمَلِ إِخْلَاصًا وَمُرَاعَاةً بِشَرَائِطِهِ وَآدَابِهِ، قَالَ السَّيِّدُ: إِنَّ هَذَا التَّضْعِيفَ لَا يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ هُوَ وَمَا هُوَ، وَإِنَّمَا أَبْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُبْهَمِ مِنْ بَابِ التَّرْغِيبِ أَقْوَى مِنْ ذِكْرِ الْمَحْدُودِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) (وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً) جُوزِيَ بِحَسَنَةٍ كَامِلَةٍ لِأَنَّهُ مِمَّنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَهَا بَعْدَ أَنْ هَمَّ بِهَا مُرَاقَبَةً لِلَّهِ وَحَذَرًا مِنْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، لَا إِنْ هَمَّ فَلَمْ يَعْمَلْ لِلْعَجْزِ (فَإِنْ هُوَ) أَيِ: الشَّأْنُ أَوْ مُرِيدُ الْعَمَلِ (هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا) أَيْ: جَمَعَ بَيْنَ الْقَصْدِ وَالْعَمَلِ احْتِرَازًا مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَلَيْسَ لَفْظُ (هُوَ) فِي الْأَرْبَعِينَ بَلْ لَفْظُهُ (وَإِنْ)

стр. 3398

هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا (كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ رَحْمَتَهُ أَكْثَرُ مِنْ غَضَبِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا مُؤَاخَذَةَ بَالْهَمِّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ الْمُؤَاخَذَةَ بِهِ، وَالْكَلَامُ كَمَا عَلِمْتَ مِنَ الْحَدِيثِ فِي الْهَمِّ الَّذِي لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ تَصْمِيمٌ، أَمَّا الْمُنْضَمُّ إِلَيْهِ ذَلِكَ فَهُوَ سَيِّئَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ أَيْضًا. اهـ. وَلَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ بَلِ التَّحْقِيقُ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ فِيمَا لَا اخْتِيَارَ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وَلِقَوْلِهِ ﷺ : ( «إِنَّمَا يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» ) وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِالْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ إِلَّا أَنْ يَمْتَنِعَ لِأَجْلِهِ تَعَالَى فَيَمْحُوَهُ، أَوْ يُبَاشِرَهُ فَيُكْتَبَ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً فَضْلًا مِنْهُ تَعَالَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ: فَانْظُرْ يَا أَخِي - وَفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ - إِلَى عِظَمِ لُطْفِ اللَّهِ، وَتَأَمُّلْ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ. وَقَوْلُهُ: (عِنْدَهُ) إِشَارَةٌ إِلَى الِاعْتِنَاءِ بِهَا وَقَوْلُهُ: (كَامِلَةً) لِلتَّوْكِيدِ وَشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِهَا، وَقَالَ فِي السَّيِّئَةِ الَّتِي هَمَّ بِهَا ثُمَّ تَرَكَهَا: كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَأَكَّدَهَا بِكَامِلَةٍ، وَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبَهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً فَأَكَّدَ تَقْلِيلَهَا بِوَاحِدَةٍ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

стр. 3399

(الْفَصْلُ الثَّانِي) ٢٣٧٥ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ ضَيِّقَةٌ قَدْ خَنَقَتْهُ ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ ثُمَّ عَمِلَ أُخْرَى فَانْفَكَّتْ أُخْرَى حَتَّى تَخْرُجَ إِلَى الْأَرْضِ» " رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. ــ (الْفَصْلُ الثَّانِي) ٢٣٧٥ - (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ، ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ) أَيْ صِفَتَهُ (كَمَثَلِ رَجُلٍ) قُيِّدَ بِهِ لِمُنَاسَبَتِهِ بِالدِّرْعِ (كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ ضَيِّقَةٌ قَدْ خَنَقَتْهُ) أَيْ: عَصَرَتْ حَلْقَهُ، فَإِنَّهُ بِعَمَلِ السَّيِّئَاتِ يَضِيقُ صَدْرُهُ، وَيُحَيِّرُهُ فِي الْأُمُورِ، وَيُبَغِّضُهُ إِلَى النَّاسِ، وَبِعَمَلِ الْحَسَنَاتِ يَنْشَرِحُ صَدْرُهُ، وَتَتَيَسَّرُ أُمُورُهُ، وَيَصِيرُ مَحْبُوبًا فِي قُلُوبِ النَّاسِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً) أَيْ: أَيَّ حَسَنَةٍ كَانَتْ، وَالتَّنْوِينُ لِلتَّنْكِيرِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ أَوْصَلَ نِعْمَةً لِمَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى فَكِّ حِلَقِ تِلْكَ الدِّرْعِ فَجَازَاهُ بِفَكِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فَمُوهِمٌ لِلتَّخْصِيصِصِ، وَمُخْرِجٌ لِلْحَدِيثِ مِنَ التَّمْثِيلِ الْمَعْنَوِيِّ إِلَى الْأَمْرِ الْحِسِّيِّ، وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَمَا قَرَّرْتُهُ فِي عَمَلِ حَسَنَةٍ هُوَ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ تَرْتِيبُ الْحَدِيثِ وَيَتَّضِحُ بِهِ التَّمْثِيلُ، بِخِلَافِ مَا أَوْهَمَ كَلَامُ شَارِحٍ مِنْ بَقَاءِ الْحَسَنَةِ عَلَى مَعْنَاهَا مِنْ مُجَرَّدِ عَمَلِ الْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ عَمَلِهَا وَفَكِّ تِلْكَ الْحَلَقِ فَتَأَمَّلْهُ. اهـ. فَتَأَمَّلْنَا فَوَجَدْنَا كَلَامَهُ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى لِأَنَّ الْإِحْسَانَ إِلَى شَخْصٍ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى بِأَنْ يَفُكَّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ حَلَقَةً مِنْ حِلَقِ الدِّرْعِ مُتَعَسِّرٌ، بَلْ مُتَعَذِّرٌ عَادَةً، وَأَيْضًا الَّذِي لَبِسَ دِرْعًا ضَيِّقَةً تَخَنَّقَتْ يَقْدِرُ عَلَى خَلْعِهَا وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنَّهُ يَفْعَلُ أَنْوَاعًا مِنَ الْإِحْسَانِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَزْمَانِ حَتَّى يُخَلِّصَهُ مِنَ اخْتِنَاقِ دِرْعِهِ (فَانْفَكَّتْ) أَيِ: انْحَلَّتْ (حَلْقَةٌ) بِسُكُونِ اللَّامِ وَيُفْتَحُ (ثُمَّ عَمِلَ أُخْرَى) أَيْ: حَسَنَةً (فَانْفَكَّتْ أُخْرَى) أَيْ: حَلْقَةٌ، وَهَكَذَا تَنْفَكُّ وَاحِدَةٌ بِوَاحِدَةٍ بَعْدَ أُخْرَى (حَتَّى تَخْرُجَ إِلَى الْأَرْضِ) أَيْ: حَتَّى تُسْقِطَ الدِّرْعَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ حَتَّى تَنْحَلَّ وَتَنْفَكَّ بِالْكُلِّيَّةِ وَيَخْرُجَ صَاحِبُهَا مِنْ ضِيقِهَا، فَقَوْلُهُ: تَخْرُجُ إِلَى الْأَرْضِ كِنَايَةٌ عَنْ سُقُوطِهَا. اهـ. وَالْحَدِيثُ تَمْثِيلٌ وَبَيَانٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] (رَوَاهُ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ.

стр. 3400

٢٣٧٦ - «وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُصُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: " ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ الثَّانِيَةَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ، فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] فَقُلْتُ الثَّالِثَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَإِنْ، رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٢٣٧٦ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُصُّ) أَيِ: النَّاسَ وَيَعِظُهُمْ (عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ) أَيْ: وَالْحَالُ إِنَّهُ (يَقُولُ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ) أَيْ: مَوْقِفَهُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ الْعِبَادُ لِلْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ أَيْ: وَلِمَنْ خَافَ مِنَ الْقِيَامِ بِحَضْرَةِ رَبِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَائِمٌ عَلَيْهِ أَيِ: حَافِظٌ مُهَيْمِنٌ مِنْ قَوْلِهِ ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٣] الْآيَةَ فَهُوَ يُرَاقِبُ ذَلِكَ وَلَا يَجْرُأُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي مَوْقِفَ عَرْضِ الْأَعْمَالِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (جَنَّتَانِ) أَيْ: جَنَّتَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ إِلَى آخِرِ صِفَاتِهِمَا الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ الْمُبَيِّنَةِ أَنَّهُمَا أَعْلَى مِنَ الْجَنَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ بَعْدَهَا مِنَ الْجِنَانِ، وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ وَمِنْ دُونِهِمَا أَيْ: فِي الْمَرْتَبَةِ وَالنَّعِيمِ وَالشَّرَفِ وَذَلِكَ لِأَنَّ خَوْفَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى دَوَامِ مُرَاقَبَةِ الْحَقِّ وَإِدْمَانِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمُوصِلَةِ لَهُ إِلَى مَقَامَيْنِ عَالِيَيْنِ، قِيلَ: جَنَّةٌ لِعَمَلِ الطَّاعَةِ وَجَنَّةٌ لِتَرْكِ السَّيِّئَةِ، وَقِيلَ: جَنَّةٌ لِلثَّوَابِ بِطَرِيقِ الْعَدْلِ، وَجَنَّةٌ لِلِاقْتِرَابِ بِطَرِيقِ الْفَضْلِ، وَقَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: جَنَّةٌ مُعَجَّلَةٌ فِي الدُّنْيَا بِالْحُضُورِ مَعَ الْمَوْلَى وَجَنَّةٌ مُؤَجَّلَةٌ فِي الْآخِرَةِ بِلِقَاءِ الْمَوْلَى وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ جَنَّةٌ مِنَ الذَّهَبِ آنِيَتُهَا وَقُصُورُهَا وَحُلِيُّهَا وَغَيْرُهَا، وَجَنَّةٌ مِنَ الْفِضَّةِ كَذَلِكَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ جَنَّةٌ لِلسَّابِقِينَ وَجَنَّةٌ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، أَوْ جَنَّةٌ عَنْ يَمِينِهِمْ وَجَنَّةٌ عَنْ يَسَارِهِمْ (قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) (إِنْ) وَصَلْيَةٌ أَيْ: وَلَوْ زَنَى وَسَرَقَ، الْخَائِفُ لَهُ جَنَّتَانِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَإِنْ سَبَقَ مِنْهُ قَبْلَ هَذَا الْخَوْفِ نَحْوُ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، وَيَصِحُّ عَلَى بُعْدٍ وَإِنْ فَعَلَهَا مَعَ هَذَا الْخَوْفِ وَوَجَّهَ بَعْدَهُ اجْتِمَاعَ هَذَا الْخَوْفِ وَفِعْلَ ذَيْنِكَ وَأَمْثَالِهِمْ. اهـ. وَالثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ الْمُفِيدُ لِلْمُبَالَغَةِ ; فَإِنَّ مَا سَبَقَ مِنَ الْخَوْفِ عَلَى الرُّجُوعِ وَالتَّوْبَةِ لَا يُسْأَلُ عَنْهُ وَلَا يُسْتَغْرَبُ مِنْهُ (فَقَالَ الثَّانِيَةَ) أَيْ: فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ زِيَادَةٌ فِي التَّأْكِيدِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ، فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ الثَّالِثَةَ: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَقُلْتُ الثَّالِثَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَإِنَّ، رَغِمَ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ، أَيْ: لَصِقَ بِالتُّرَابِ ذُلًّا وَهَوَانًا (أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ) وَضُبِطَ بِفَتْحِهَا، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ ذَلَّ، وَقِيلَ اضْطَرَبَ، وَقِيلَ غَضِبَ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مِنْ عَلَى عُمُومِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَائِفِ الْمُؤْمِنُ، فَيَكُونُ نَظِيرَ حَدِيثٍ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا ( «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنَّ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ» ) كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ حَيْثُ قَالَ: هَذَا يَعْنِي مَنْ خَافَ اللَّهَ فِي مَعْصِيَةٍ فَتَرَكَهَا يُعْطِيهُ اللَّهُ أَجْرَ غَفْرِ تِلْكَ الزَّنْيَةَ وَالسَّرِقَةَ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 3401

٢٣٧٧ - وَعَنْ عَامِرٍ الرَّامِ قَالَ: «بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ يَعْنِي عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ كِسَاءٌ وَفِي يَدِهِ شَيْءٌ قَدِ الْتَفَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَرْتُ بَغِيضَةِ شَجَرٍ فَسَمِعْتُ فِيهَا أَصْوَاتَ فِرَاخِ طَائِرٍ، فَأَخَذْتُهُنَّ فَوَضَعْتُهُنَّ فِي كِسَائِي، فَجَاءَتْ أُمُّهُنَّ فَاسْتَدَارَتْ عَلَى رَأْسِي، فَكَشَفْتُ لَهَا عَنْهُنَّ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِنَّ فَلَفَفْتُهُنَّ بِكِسَائِي فَهُنَّ أُولَاءِ مَعِي، قَالَ: ضَعْهُنَّ، فَوَضَعْتُهُنَّ، وَأَبَتْ أُمُّهُنَّ إِلَّا لُزُومَهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَعْجَبُونَ لِرُحْمِ أُمِّ الْأَفْرَاخِ فِرَاخَهَا، فَوَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أُمِّ الْأَفْرَاخِ بِفِرَاخِهَا، ارْجِعْ بِهِنَّ حَتَّى تَضَعَهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُنَّ وَأُمُّهُنَّ مَعَهُنَّ، فَرَجَعَ بِهِنَّ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٣٧٧ - (وَعَنْ عَامِرٍ الرَّامِ) أَيِ: الرَّامِي (قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ يَعْنِي عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ) تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي عَنِ الرَّامِي (إِذْ أَقْبَلَ) أَيْ: تَوَجَّهَ (رَجُلٌ عَلَيْهِ كِسَاءٌ) بِكَسْرِ الْكَافِ أَيْ: خِرْقَةٌ (وَفِي يَدِهِ شَيْءٌ قَدِ الْتَفَّ) بِكِسَاءٍ، أَوْ نَحْوِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: ذَلِكَ الْكِسَاءُ وَلَا وَجْهَ لِلْجَزْمِ بِهِ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ (فَقَالَ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ مَا هَذَا الشَّيْءُ فَالْفَاءُ فَصِيحَةٌ، فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَرْتُ بَغِيضَةِ شَجَرٍ) الْغَيْضَةُ: الْغَابَةُ وَهُوَ مُجْتَمَعُ الْأَشْجَارِ أَضَافَهَا إِلَى الشَّجَرِ إِمَّا لِمَزِيدِ الْبَيَانِ: أَوْ يُرَادُ بِالشَّجَرِ الْمَرْعَى كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ.

стр. 3402

وَنَأَى بِي الشَّجَرُ أَيْ: بَعُدَ الْمَرْعَى وَالشَّجَرُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَيْ: بِغَيْضَةٍ هِيَ شَجَرٌ مُلْتَفٌّ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ لِكَثْرَتِهِ ; فَمَبْنِيٌّ عَلَى ظَاهِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ الْغَيْضَةَ هِيَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ، وَلِمَا كَانَتِ الْبَيَانِيَّةُ غَيْرَ صَحِيحَةٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّ الْأَوَّلَ خَاصٌّ وَالثَّانِيَ عَامٌّ، أَوْرَدَ سُؤَالًا وَجَوَابًا فَقَالَ: فَإِنْ قُلْتَ لَيْسَتِ الْغَيْضَةُ اسْمًا لِمُطْلَقِ الشَّجَرِ بَلْ لِلشَّجَرِ الْمُلْتَفِّ فَلَا تَكُونُ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةً، قُلْتُ: تَنْوِينُهَا لِلتَّنْكِيرِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَغِيضَةٌ وَهِيَ شَجَرٌ كَبِيرٌ وَمَنْ لَازَمَهُ الِالْتِفَافُ غَالِبًا اهـ وَقَوْلُهُ: لِلتَّنْكِيرِ صَوَابُهُ لِلتَّعْظِيمِ عَلَى مَا ادَّعَى كَمَا لَا يَخْفَى، وَمَعَ هَذَا قَيْدُ الْغَالِبِيَّةِ لَا يُصَحِّحُ الْبَيَانِيَّةَ بَلْ بِدُونِهَا أَيْضًا، كَمَا حُقِّقَ فِي خَاتَمِ فِضَّةٍ أَنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، فَالصَّوَابُ مَا اخْتَرْنَاهُ مُطَابِقًا لِلْقَامُوسِ أَنَّ الْغَيْضَةَ بِالْفَتْحِ: الْأَجَمَةُ وَمُجْتَمَعُ الشَّجَرِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ النِّهَايَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّجَرِ الْجِنْسُ، وَبِالْمُلْتَفِّ أَنْ يَلْتَفَّ بَعْضُ الْأَشْجَارِ إِلَى بَعْضِهَا لَا الْمُفْرَدُ الْمُعَيَّنُ الْمُلْتَفُّ بَعْضُ أَغْصَانِهِ إِلَى بَعْضٍ، فَإِنَّ الْغَيْضَةَ تُطْلَقُ عَلَى مَوْضِعٍ تَكْثُرُ فِيهِ السِّبَاعُ وَالطُّيُورُ (فَسَمِعْتُ فِيهَا) أَيْ: فِي الْغَيْضَةِ (أَصْوَاتَ فِرَاخِ طَائِرٍ) بِكَسْرِ الْفَاءِ: جَمْعُ كَثْرَةٍ لِلْفَرْخِ وَهُوَ وَلَدُ الطَّيْرِ، وَجَمْعُهُ لِلْقِلَّةِ أَفْرَاخٌ وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَدِيثِ إِمَّا اتِّسَاعًا أَوِ اسْتِعْمَالًا لِكُلٍّ مِنَ الْجَمْعَيْنِ مَكَانَ الْآخَرِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْجَمْعِيَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] " وَإِمَّا إِشْعَارًا بِأَنَّ تِلْكَ الْقِلَّةَ كَانَتْ خَارِجَةً عَنِ الْعَادَةِ، وَبَالِغَةً إِلَى حَدِّ الْكَثْرَةِ، وَيَشْهَدُ لَهُ الضَّمَائِرُ الْمُتَعَاقِبَةُ فِي قَوْلِهِ (فَأَخَذْتُهُنَّ فَوَضَعْتُهُنَّ فِي كِسَائِي، فَجَاءَتْ أُمُّهُنَّ) كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ (فَاسْتَدَارَتْ) أَيْ: دَارَتْ (عَلَى رَأْسِي فَكَشَفْتُ لَهَا عَنْهُنَّ) أَيْ: فَرَفَعْتُ الْكِسَاءَ عَنْ وَجْهِ الْفِرَاخِ لِأَجْلِ أُمِّهِنَّ حَتَّى رَأَتْهُنَّ (فَوَقَعَتْ) أَيْ: نَزَلَتْ وَسَقَطَتْ (عَلَيْهِنَّ فَلَفَفْتُهُنَّ) أَيْ: جَمِيعَهُنَّ (بِكِسَائِي، فَهُنَّ) أَيْ: عَنْهُنَّ وَأُمُّهُنَّ (أُولَاءِ) اسْمُ إِشَارَةٍ (مَعِي) أَيْ: تَحْتَ كِسَائِي (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (ضَعْهُنَّ فَوَضَعْتُهُنَّ) أَيْ: وَكَشَفْتُ عَنْهُنَّ وَعَنْ أُمِّهِنَّ (وَأَبَتْ أُمُّهُنَّ) أَيِ: امْتَنَعَتْ (إِلَّا لُزُومَهُنَّ) أَيْ: عَدَمَ مُفَارَقَتِهِنَّ، اسْتِثْنَاءٌ مُفْرِغٌ لِمَا فِي (أَبَتْ) مِنْ مَعْنَى النَّفْيِ، أَيْ: مَا فَارَقَتْهُنَّ بَعْدَ كَشْفِ الْكِسَاءِ بَلْ ثَبَتَتْ مَعَهُنَّ مِنْ غَايَةِ رَحْمَتِهَا بِهِنَّ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَعْجَبُونَ لِرُحْمِ أُمِّ الْأَفْرَاخِ) أَيْ: لِشَفَقَتِهَا. وَالرُّحْمُ بِالضَّمِّ مَصْدَرٌ كَالرَّحْمَةِ، وَيَجُوزُ تَحْرِيكُ الْحَاءِ بِالضَّمِّ مِثْلَ عُسْرٍ وَعُسُرٍ، وَقَوْلُهُ (فِرَاخَهَا) مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، أَوْ بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ بِفِرَاخِهَا (فَوَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أُمِّ الْأَفْرَاخِ بِفِرَاخِهَا) لِأَنَّ رَحْمَتَهُ حَقِيقِيَّةٌ دَائِمَةٌ بَاقِيَةٌ لَا تَنْقَطِعُ، وَرَحْمَتَهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ (ارْجِعْ بِهِنَّ حَتَّى تَضَعَهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُنَّ) (مِنْ) بِمَعْنَى: (فِي) نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] وَقِيلَ: إِنَّهَا لِلِابْتِدَاءِ أَيْ: حَتَّى تَجْعَلَ ابْتِدَاءَ وَضْعِهِنَّ مَكَانًا أَخَذْتَهُنَّ مِنْهُ بِأَنْ لَا تَضَعَهُنَّ مَكَانًا آخَرَ: وَقِيلَ: إِنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ (وَأُمُّهُنَّ مَعَهُنَّ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَرَجَعَ بِهِنَّ) أَيْ: وَوَضَعَهُنَّ حَيْثُ أَخَذَهُنَّ مَعَ أُمِّهِنَّ لِأُلْفَتِهِنَّ بِمَكَانِهِنَّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)

стр. 3403

الفصل الثالث ٢٣٧٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فَمَرَّ بِقَوْمٍ فَقَالَ: " مَنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ وَامْرَأَةٌ تَحْضِبُ بِقِدْرِهَا وَمَعَهَا ابْنٌ لَهَا، فَإِذَا ارْتَفَعَ وَهَجٌ تَنَحَّتْ بِهِ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَلَيْسَ اللَّهُ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَتْ: أَلَيْسَ اللَّهُ أَرْحَمَ بِعِبَادِهِ مِنَ الْأُمِّ بِوَلَدِهَا؟ قَالَ: بَلَى، قَالَتْ: إِنَّ الْأُمَّ لَا تُلْقِي وَلَدَهَا فِي النَّارِ، فَأَكَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْكِي، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا الْمَارِدَ الْمُتَمَرِّدَ الَّذِي يَتَمَرَّدُ عَلَى اللَّهِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) ٢٣٧٨ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فَمَرَّ بِقَوْمٍ فَقَالَ مَنِ الْقَوْمُ) أَيْ أَنْتُمْ أَوْ هُمْ مِنَ الْأَعْدَاءِ الْكَافِرِينَ أَوِ الْأَحِبَّاءِ الْمُسْلِمِينَ (قَالُوا: نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ) وَتَكَلَّفَ الطِّيبِيُّ وَتَبِعَهُ

стр. 3404

ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ: كَانَ مِنَ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ فِي الْجَوَابِ نَحْنُ مُضَرِيُّونَ أَوْ قُرَشِيُّونَ أَوْ طَائِيُّونَ، فَعَدَلُوا عَنِ الظَّاهِرِ، أَوْ عَرَّفُوا الْخَبَرَ حَصْرًا، أَيْ: نَحْنُ قَوْمٌ لَا نَتَجَاوَزُ الْإِسْلَامَ تَوَهُّمًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ظَنَّ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُسْلِمِينَ (وَامْرَأَةٌ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ امْرَأَةً مَعَهُمْ (تَحْضِبُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: تُوقِدُ (بِقِدْرِهَا، وَمَعَهَا ابْنٌ لَهَا) أَيْ: صَغِيرٌ (فَإِذَا ارْتَفَعَ وَهَجٌ) بِفَتْحِ الْهَاءِ: حَرُّ النَّارِ، وَبِالسُّكُونِ مَصْدَرٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ، وَفِي نُسْخَةٍ ارْتَفَعَتْ بِاكْتِسَابِ التَّأْنِيثِ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ (تَنَحَّتْ بِهِ) أَيْ: تَبَعَّدَتِ الْأُمُّ بِالْوَلَدِ عَنِ النَّارِ (فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ) وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّفْرِيعِ أَنَّهَا لَمَّا رَأَتْ مَا عِنْدَهُ مِنْ مَزِيدِ الرَّحْمَةِ لِوَلَدِهَا خُصُوصًا وَلِلْعَالَمِينَ عُمُومًا تَذَكَّرَتْ رَحْمَةَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ خُصُوصًا لِعِبَادِهِ فَسَأَلَتْ عَنْهَا (فَقَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟) اسْتِفْهَامٌ بِحَذْفِ أَدَاتِهِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ، وَلَا يُنَافِي إِسْلَامَهَا قَبْلَ ذَلِكَ لِعِلْمِهَا بِهِ إِجْمَالًا وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ ذَاتَهُ بِعَيْنِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلتَّقْرِيرِ وَالِاسْتِلْذَاذِ بِخِطَابِهِ بِكَوْنِهِ رَسُولَ اللَّهِ، وَخَلِيفَتَهُ عَلَى خَلِيقَتِهِ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ: (قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) أَيْ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي (أَلَيْسَ اللَّهُ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ؟) أَيْ: عُمُومًا (قَالَ: بَلَى) عَلَى وِزَانِ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى (قَالَتْ: أَلَيْسَ اللَّهُ أَرْحَمَ بِعِبَادِهِ مِنَ الْأُمِّ لِوَلَدِهَا) أَيْ: خُصُوصًا (قَالَ: بَلَى، قَالَتْ: إِنَّ الْأُمَّ لَا تُلْقِي وَلَدَهَا فِي النَّارِ، فَأَكَبَّ) أَيْ: شَرَعَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: طَأْطَأَ رَأْسَهُ (يَبْكِي، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ) أَيْ: عَذَابًا مُخَلَّدًا أَوِ التَّعْذِيبَ لِلْكَافِرِينَ، وَالتَّهْذِيبَ لِلْعَاصِينَ (مِنْ عِبَادِهِ) أَيْ: مِنْ جَمِيعِ عِبَادِهِ فَالْإِضَافَةُ لِلِاسْتِغْرَاقِ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَغَفَلَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (إِلَّا الْمَارِدَ) أَيِ: الْعَارِيَ مِنَ الْخَيْرَاتِ (الْمُتَمَرِّدَ) مُبَالَغَةٌ لَهُ (الَّذِي يَتَمَرَّدُ عَلَى اللَّهِ) أَيْ: يَتَجَرَّأُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ (وَأَبَى) عَطْفٌ عَلَى يَتَمَرَّدُ، أَوْ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، التَّقْدِيرُ وَقَدْ أَبَى أَيِ امْتَنَعَ (أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ وَلَدٍ يَقُولُ لِأُمِّهِ: لَسْتِ أُمِّي وَأُمِّي غَيْرُكِ وَيَعْصِيهَا، وَتَتَصَوَّرُ لَهُ بِصُورَةِ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، فَلَا شَكَّ أَنَّهَا حِينَئِذٍ تَتَبَرَّأُ عَنْهُ وَتُعَذِّبُهُ إِنْ قَدَرَتْ عَلَيْهِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 3405

٢٣٧٩ - وَعَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَلْتَمِسُ مَرْضَاةَ اللَّهِ فَلَا يَزَالُ بِذَلِكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ إِنَّ فُلَانًا عَبْدِي يَلْتَمِسُ أَنْ يُرْضِيَنِي أَلَا وَإِنَّ رَحْمَتِي عَلَيْهِ، فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى فُلَانٍ وَيَقُولُهَا حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَيَقُولُهَا مَنْ حَوْلَهُ، حَتَّى يَقُولُهَا أَهْلُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، ثُمَّ تَهْبِطُ لَهُ إِلَى الْأَرْضِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٢٣٧٩ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ) أَيِ: الصَّالِحَ (لَيَلْتَمِسُ) أَيْ: يَطْلُبُ (مَرْضَاةَ اللَّهِ) أَيْ: بِأَصْنَافِ الطَّاعَاتِ (فَلَا يَزَالُ بِذَلِكَ) أَيْ: مُلْتَبِسًا أَيْ بِذَلِكَ الِالْتِمَاسِ (فَيَقُولُ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ إِنَّ فُلَانًا) كِنَايَةٌ عَنِ اسْمِهِ وَوَصْفِهِ (عَبْدِي) أَيِ: الْمُؤْمِنُ، إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ (يَلْتَمِسُ أَنْ يُرْضِيَنِي) أَيْ: لِأَنْ أَرْحَمَهُ (أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ (وَإِنَّ رَحْمَتِي) أَيِ الْكَامِلَةَ (عَلَيْهِ) أَيْ: وَاقِعَةٌ عَلَيْهِ وَنَازِلَةٌ إِلَيْهِ (فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى فُلَانٍ) خَبَرٌ، أَوْ دُعَاءٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ (وَيَقُولُهَا) أَيْ هَذِهِ الْجُمْلَةَ (حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَيَقُولُهَا مَنْ حَوْلَهُمْ) أَيْ: جَمِيعًا (حَتَّى يَقُولُهَا أَهْلُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، ثُمَّ يَهْبِطُ) عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ وَرُوِيَ مَجْهُولًا أَيْ: تُنَزَّلُ الرَّحْمَةُ (لَهُ) أَيْ: لِأَجْلِهِ (إِلَى الْأَرْضِ) أَيْ: إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، يَعْنِي مَحَبَّةَ اللَّهِ إِيَّاهُ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِيهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَحَدِيثُ الْمَحَبَّةِ مُتَقَارِبَانِ اهـ وَيُرِيدُ بِحَدِيثِ الْمَحَبَّةِ مَا وَرَدَ فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ( «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنِ اللَّهَ تَعَالَى يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، فَيُبْغِضُوهُ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ» ) وَالْحَدِيثُ

стр. 3406

يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ أَفْضَلُ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِعِ ثُمَّ تَهْبِطُ لَهُ أَيِ: الرَّحْمَةُ لِأَجْلِهِ إِلَى الْأَرْضِ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِنْ صَحَّ أَنْ تَهْبِطَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ، وَإِلَّا فَالسِّيَاقُ وَالْمَعْنَى مَعًا قَاضِيَانِ بِأَنَّهُ الْمُثَنَّاةُ التَّحْتِيَّةُ وَأَنَّ ضَمِيرَهُ لِجِبْرِيلَ غَيْرُ مُوَجَّهٍ، فَإِنَّ النُّسَخَ الْمُصَحَّحَةَ وَالْأُصُولَ الْمُعْتَمَدَةَ اتَّفَقَتْ عَلَى الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ عَلَى خِلَافٍ تَقَدَّمَ فِي ضَبْطِهَا، وَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى مَعْنَى الْحَدِيثِ إِلَّا بَعْدَ تَصْحِيحِ لَفْظِهِ وَرِوَايَتِهِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بِنَاءً عَلَى زَعْمِهِ: إِنْ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ بَيْنَ مَلَائِكَةِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَيَقُولُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى فُلَانٍ فِي الْأَرْضِ الْأُولَى وَيَقُولُهَا مَلَائِكَتُهَا ثُمَّ يَقُولُهَا فِي الثَّانِيَةِ وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، هَذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ الْعُلْيَا فَقَطْ فَمَبْنِيٌّ عَلَى الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ، وَمِثْلُ هَذَا التَّصَرُّفِ لَا يَجُوزُ فِي الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ إِلَّا إِذَا ثَبَتَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ كَذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْأَظْهَرُ وَمَا بَنَاهُ عَلَى دَلَالَةِ السِّيَاقِ مَعَ أَنَّ حَدِيثَ مُسْلِمٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مُطَابِقٌ فِي الْإِجْمَالِ لِرِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 3407

٢٣٨٠ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] قَالَ: " كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ. ــ ٢٣٨٠ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ فَمِنْهُمْ) الْفَاءُ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ﴾ [فاطر: ٣٢] وَقِيلَ: مِنَ الْعِبَادِ ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] أَيْ: بِارْتِكَابِ الْمَنْهِيَّاتِ ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢] أَيْ: يَخْلِطُ الْحَسَنَاتِ بِالسَّيِّئَاتِ ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] أَيْ: بِالطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ (قَالَ) أَيِ النَّبِيِّ ﷺ (كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ) إِيذَانٌ بِأَنَّ: جَنَّاتِ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا مُبْتَدَأُ خَبَرِ الضَّمِيرِ لِلثَّلَاثَةِ أَوْ لِلْمُقْتَصِدِ وَالسَّابِقِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا الْجِنْسُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] إِشَارَةٌ إِلَى الْإِيرَاثِ أَوِ الِاصْطِفَاءِ أَوِ السَّابِقِ فَإِنَّ الْمُرَادَ مَا قَرَّرَهُ الْقَاضِي، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْكَشَّافُ مِنْ أَنَّ (جَنَّاتٍ) بَدَلٌ مِنَ الْفَضْلِ الْكَبِيرِ الْمَعْنِيِّ بِهِ السَّبْقُ وَأُخْرِجَ الظَّالِمُ وَالْمُقْتَصِدُ مِنْ هَذَا الْعَامِّ وَمِنَ الْفَضْلِ الْكَبِيرِ وَالْجَنَّاتِ، وَيُطَابِقُ التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُمْ: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] أَيْ: كَثِيرُ الْغُفْرَانِ لِلظَّالِمِ وَكَثِيرُ الشُّكْرِ أَيِ: الْإِثَابَةِ لِلسَّابِقِ فَالْتَأَمَ السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ) وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا فِي الْبَعْثِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: «سَابِقُنَا سَابِقٌ وَمُقْتَصِدُنَا نَاجٍ وَظَالِمُنَا مَغْفُورٌ لَهُ» ، وَعَنْ عَائِشَةَ ﵁ لِثَوْبَانَ: أَمَّا السَّابِقُ فَمَنْ مَضَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَهِدَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُ فَمَنِ اتَّبَعَ أَثَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى لَحِقَ بِهِ، وَأَمَّا الظَّالِمُ فَمِثْلِي وَمِثْلُكَ، وَعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - الظَّالِمُ أَنَا وَالْمُقْتَصِدُ أَنَا وَالسَّابِقُ أَنَا، فَقِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَنَا الظَّالِمُ بِمَعْصِيَتِي وَمُقْتَصِدٌ بِتَوْبَتِي وَسَابِقٌ بِمَحَبَّتِي، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: السَّابِقُ مَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ وَالْمُقْتَصِدُ مَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ وَالظَّالِمُ الَّذِي تَرَجَّحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: فِرَقُ الْمُؤْمِنِينَ ثَلَاثُ فِرَقٍ، ثُمَّ سَمَّاهُمْ. (عِبَادُنَا) أَضَافَهُمْ إِلَى نَفْسِهِ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَكَرَمًا وَجَعَلَهُمْ أَصْفِيَاءَ مَعَ عِلْمِهِ بِتَفَاوُتِ مُعَامَلَاتِهِمْ، ثُمَّ جَمَعَهُمْ فِي آخِرِ الْآيَةِ فَقَالَ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٣] وَبَدَأَ بِالظَّالِمِينَ إِخْبَارًا بِأَنَّهُ لَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ إِلَّا بِمَحْضِ كَرَمِهِ، وَأَنَّ الظُّلْمَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الِاصْطِفَائِيَّةِ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمُقْتَصِدِينَ لِأَنَّهُمْ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، ثُمَّ خَتَمَ بِالسَّابِقِينَ لِئَلَّا يَأْمَنَ أَحَدٌ مَكْرَهُ وَلَا يَقْنَطُ مِنْ كَرْمِهِ، وَكُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ بِحُرْمَةِ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَقَالَ الْجُنَيْدُ: لَمَّا ذَكَرَ الْمِيرَاثَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ فِيهِ خَاصٌّ وَعَامٌّ، وَأَنَّ الْمِيرَاثَ لِمَنْ هُوَ أَقْرَبُ نَسَبًا، وَأَصَحُّ أَدَبًا فَتَصْحِيحُ النِّسْبَةِ هُوَ الْأَصْلُ فَالظَّالِمُ الَّذِي يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ، وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يُحِبُّهُ لَهُ، وَالسَّابِقُ الَّذِي أَسْقَطَ عَنْهُ مُرَادَهُ بِمُرَادِ الْحَقِّ فِيهِ فَلَا يَرَى لِنَفْسِهِ طَلَبًا وَلَا مُرَادًا لِغَلَبَةِ سُلْطَانِ الْحَقِّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الظَّالِمُ الَّذِي يَجْزَعُ عِنْدَ الْبَلَاءِ وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يَصْبِرُ عَلَى الْبَلَاءِ وَالسَّابِقُ الَّذِي يَشْكُرُ عَلَى الْبَلَاءِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

стр. 3408

[بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالْمَنَامِ]

стр. 3409

(بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالْمَنَامِ) (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ٢٣٨١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمْسَى قَالَ: " أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَسُوءِ الْكِبَرِ وَفِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ» " وَفِي رِوَايَةٍ: " «رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ» " (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . ــ (بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ) يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا طَرَفَا النَّهَارِ، وَأَنْ يُقْصَدَ بِهِمَا النَّهَارُ وَاللَّيْلُ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ: أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ (وَالْمَنَامِ) أَيْ: فِي مَكَانِ النَّوْمِ أَوْ زَمَانِهِ أَوِ الْمَنَامِ، مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَيْ: عِنْدَ إِرَادَةِ النَّوْمِ أَيْ: دَخَلَ فِي الْمَسَاءِ وَهُوَ أَوَّلُ اللَّيْلِ. (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) ٢٣٨١ - (عَنْ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمْسَى قَالَ: أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ» ) أَيْ: دَخَلْنَا فِي الْمَسَاءِ وَدَخَلَ فِيهِ الْمُلْكُ كَائِنًا لِلَّهِ وَمُخْتَصًّا بِهِ، أَوِ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أَوْ بِدُونِهِ أَيْ: أَمْسَيْنَا وَقَدْ صَارَ، بِمَعْنَى: كَانَ وَدَامَ الْمُلْكُ لِلَّهِ (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفٌ عَلَى أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ أَيْ: صِرْنَا نَحْنُ وَجَمِيعُ الْمُلْكِ وَجَمِيعُ الْحَمْدِ لِلَّهِ. اهـ أَيْ: عَرَفْنَا فِيهِ أَنَّ الْمُلْكَ لِلَّهِ وَأَنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ لَا لِغَيْرِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ مُسْتَقِلَّةً وَالتَّقْدِيرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ (وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفٌ عَلَى (الْحَمْدُ لِلَّهِ) عَلَى تَأْوِيلٍ وَأَمْسَى الْفَرْدَانِيَّةُ وَالْوَحْدَانِيَّةُ مُخْتَصَّيْنِ بِاللَّهِ (وَحْدَهُ) حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، أَيْ: مُنْفَرِدًا بِالْأُلُوهِيَّةِ (لَا شَرِيكَ لَهُ) أَيْ: فِي صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلِذَا أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ (لَهُ الْمُلْكُ) أَيْ: جِنْسُهُ مُخْتَصٌّ لَهُ (وَلَهُ الْحَمْدُ) أَيْ: بِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) أَيْ: مَشِيءٍ أَوْ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَاءَ (قَدِيرٌ) كَامِلُ الْقُدْرَةِ تَامُّ الْإِرَادَةِ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ) أَيْ: نَصِيبًا وَأَمْرًا وَحَظًّا وَافِيًا (مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ) أَيْ: ذَاتِهَا عَيْنِهَا (وَخَيْرِ مَا فِيهَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: مِنْ خَيْرِ مَا يَنْشَأُ فِيهَا وَخَيْرِ مَا يَسْكُنُ فِيهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ١٣] وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ مِمَّا أَرَدْتَ وُقُوعَهُ فِيهَا لِخَوَاصِّ خَلْقِكَ مِنَ الْكَمَالَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَخَيْرُ مَا يَقَعُ فِيهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أُمِرْنَا بِهَا فِيهَا، أَوِ الْمُرَادُ خَيْرُ الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي قَارَنَ وَجُودُهَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَخَيْرُ كُلِّ مَوْجُودٍ الْآنَ (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا) فِي الْحَدِيثِ إِظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى تَصْرِيفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ خَيْرَهُ وَشَرَّهُ بِيَدِ اللَّهِ وَأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَفِيهِ تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ لِيَتَعَلَّمُوا آدَابَ الدُّعَاءِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ مَسْأَلَتُهُ ﷺ خَيْرَ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ مَجَازٌ عَنْ قَبُولِ طَاعَاتٍ قِدَّمَهَا فِيهَا، وَاسْتِعَاذَتُهُ مِنْ شَرِّهَا مَجَازٌ عَنْ طَلَبِ الْعَفْوِ عَنْ ذَنْبٍ قَارَفَهُ فِيهَا ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ» ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ: التَّثَاقُلِ فِي الطَّاعَةِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْكَسَلُ التَّثَاقُلُ عَمَّا لَا يَنْبَغِي التَّثَاقُلُ عَنْهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِعَدَمِ انْبِعَاثِ النَّفْسِ لِلْخَيْرِ مَعَ ظُهُورِ الِاسْتِطَاعَةِ (وَالْهَرَمِ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: كِبَرِ السِّنِّ الْمُؤَدِّي إِلَى تَسَاقُطِ بَعْضِ الْقُوَّةِ وَضَعْفِهَا وَهُوَ الرَّدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ; لِأَنَّهُ يَفُوتُ فِيهِ الْمَقْصُودُ بِالْحَيَاةِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥] فَانْدَفَعَ بِهِ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّ سَبَبَ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ كَوْنُهُ لَا دَوَاءَ لَهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ (وَسُوءِ الْكِبَرِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهُوَ الْأَصَحُّ رِوَايَةً وَدِرَايَةً أَيْ: مَا يُورِثُهُ الْكِبَرُ مِنْ ذَهَابِ الْعَقْلِ وَاخْتِلَاطِ الرَّأْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسُوءُ بِهِ الْحَالُ، وَرُوِيَ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَطَرُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالدِّرَايَةُ تُسَاعِدُ الرِّوَايَةَ الْأُولَى ; لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْبَطَرِ وَالْهَرَمِ بِالْعَطْفِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضَّبِّ وَالنُّونِ، وَنَازَعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ أَيْ: أَشْهَرُ رِوَايَةً، وَأَمَّا دِرَايَةً فَالثَّانِي يُفِيدُ مَا لَا يُفِيدُهُ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ الْهَرَمُ فَهُوَ تَأْسِيسٌ مَحْضٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُفِيدُ ضَرْبًا مِنَ التَّأْكِيدِ وَالتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ. اهـ وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ فَإِنَّهُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرَةٌ غَايَةَ الظُّهُورِ عَلَى الطِّيبِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا بَيْنَ الضَّبِّ وَالنُّونِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْمُنَاسَبَةِ وَالْمُلَاءَمَةِ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفِينَ كَمَا اعْتَبَرَهُ عُلَمَاءُ الْمَعَانِي، مَعَ أَنَّ الطِّيبِيَّ لَمْ يَقُلْ بِالتَّأْكِيدِ بَلْ

стр. 3410

فَسَّرَ سُوءَ الْكِبَرِ بِمَا يَنْشَأُ مِنَ الْهَرَمِ، فَالتَّغَايُرُ ظَاهِرٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ لَفَظُ (سُوءِ) الْمُنَاسِبِ لِلْكِبَرِ بِفَتْحِ الْبَاءِ ; فَإِنَّ الْكِبْرَ بِسُكُونِ الْبَاءِ يُذَمُّ مُطْلَقًا (وَفِتْنَةِ الدُّنْيَا) أَيْ: مِنَ الِافْتِتَانِ بِهَا وَمَحَبَّتِهَا أَوِ الِابْتِلَاءِ بِفِتْنَةٍ فِيهَا (وَعَذَابِ الْقَبْرِ) أَيْ: نَفْسِ عَذَابِهِ، أَوْ مِمَّا يُوجِبُهُ (وَإِذَا أَصْبَحَ) أَيْ: دَخَلَ ﵊ فِي الصَّبَاحِ (قَالَ ذَلِكَ) أَيْ مَا يَقُولُ فِي الْمَسَاءِ (أَيْضًا) أَيْ: لَكِنْ يَقُولُ بَدَلَ أَمْسَيْنَا وَأَمْسِي الْمُلْكُ لِلَّهِ ( «أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ» ) وَيُبَدِّلُ الْيَوْمَ بِاللَّيْلَةِ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ» ، وَيَذْكُرُ الضَّمَائِرَ بَعْدَهُ (وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ يَقُولُ بَعْدَ قَوْلِهِ سُوءِ الْكِبَرِ: ( «رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ» ) وَالتَّنْكِيرُ فِيهِمَا لِلتَّقْلِيلِ لَا لِلتَّفْخِيمِ كَمَا وَهِمَ ابْنُ حَجَرٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.

стр. 3411

٢٣٨٢ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ٢٣٨٣ - وَمُسْلِمٌ عَنِ الْبَرَاءِ. ــ ٢٣٨٢ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: أَتَى فِرَاشَهُ وَمَرْقَدَهُ (مِنَ اللَّيْلِ) أَيْ: فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ، وَتَكَلَّفَ الطِّيبِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: كَأَنَّهُ قِيلَ أَخَذَ حَظَّهُ مِنَ اللَّيْلِ إِذْ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْهُ حَظٌّ بِالسُّكُونِ وَالنَّوْمِ وَالرَّاحَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص: ٧٣] وَالْمَضْجَعُ مَصْدَرٌ. اهـ. فَفِي الْقَامُوسِ: ضَجَعَ كَمَنَعَ ضَجْعًا وَضُجُوعًا: وَضَعَ جَنْبَهُ بِالْأَرْضِ، وَالْمَضْجَعُ كَمَقْعَدٍ مَوْضِعُهُ (وَضَعَ يَدَهُ) أَيْ: كَفَّهُ الْيُمْنَى (تَحْتَ خَدِّهِ) وَفِي رِوَايَةٍ تَحْتَ رَأْسِهِ ; إِشْعَارًا بِوَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ وَمَنْ تَذَكَّرَ ذَلِكَ خَفَّ نَوْمُهُ وَطَابَ يَوْمُهُ (ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ) قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى، وَقِيلَ: الِاسْمُ قَائِدٌ كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ (إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا) ، أَيْ: بِكَ (أَمُوتُ وَأَحْيَا) أَيْ: أَنَامُ وَأَسْتَيْقِظُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ بِاسْمِكَ الْمُمِيتِ أَمُوتُ وَبِاسْمِكَ الْمُحْيِي أَحْيَا، أَوْ بِذِكْرِ اسْمِكَ أَحْيَا مَا حَيِيتُ وَعَلَيْهِ أَمُوتُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَوْلُهُ: (بِاسْمِكَ أَمُوتُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى أَيْ: أَنْتَ تُمِيتُنِي وَأَنْتَ تُحْيِينِي وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] أَيْ سَبِّحْ رَبَّكَ، هَكَذَا قَالَ جُلُّ الشَّارِحِينَ، نَقَلَهُ مِيرَكُ ( «وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا» ) أَيْ: رَدَّ عَلَيْنَا الْقُوَّةَ وَالْحَرَكَةَ بَعْدَ مَا أَزَالَهُمَا مِنَّا بِالنَّوْمِ (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) أَيِ: الرُّجُوعُ بَعْدَ الْمَمَاتِ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ نُشِرَ الْمَيِّتُ نُشُورًا: إِذَا عَاشَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَنْشَرَهُ اللَّهُ، كَذَا قِيلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنُّشُورِ هُوَ التَّفَرُّقُ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ وَغَيْرِهِ بَعْدَ الْهُدُوءِ وَالسُّكُونِ بِالنَّوْمِ وَهُمَا الْمُشَبَّهَانِ بِالْمَوْتِ وَالْبَعْثِ بَعْدَهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِأَمَاتَنَا النَّوْمُ، وَأَمَّا النَّشْرُ فَهُوَ الْإِحْيَاءُ لِلْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَنَبَّهَ ﷺ بِإِعَادَةِ الْيَقَظَةِ بَعْدَ النَّوْمِ الَّذِي هُوَ كَالْمَوْتِ عَلَى إِثْبَاتِ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: النَّفْسُ الَّتِي تُفَارِقُ الْإِنْسَانَ عِنْدَ النَّوْمِ هِيَ الَّتِي لِلتَّمْيِيزِ، وَالَّتِي تُفَارِقُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ هِيَ الَّتِي لِلْحَيَاةِ وَهِيَ الَّتِي يَزُولُ مَعَهَا التَّنَفُّسُ، وَسُمِّيَ النَّوْمُ مَوْتًا لِأَنَّهُ يَزُولُ مَعَهُ الْعَقْلُ وَالْحَرَكَةُ تَمْثِيلًا وَتَشْبِيهًا، وَقَدْ يُسْتَعَارُ الْمَوْتُ لِلْأَحْوَالِ الشَّاقَّةِ كَالْفَقْرِ وَالذُّلِّ وَالسُّؤَالِ وَالْهِرَمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْجَهْلِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: النَّوْمُ وَالْمَوْتُ يَجْمَعُهُمَا انْقِطَاعُ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِالْبَدَنِ، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا وَهُوَ النَّوْمُ، وَلِذَا قِيلَ: النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَبَاطِنًا وَهُوَ الْمَوْتُ، فَإِطْلَاقُ الْمَوْتِ عَلَى النَّوْمِ يَكُونُ مَجَازًا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي انْقِطَاعِ تَعَلُّقِ الرُّوحِ بِالْبَدَنِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي إِطْلَاقِ الْمَوْتِ عَلَى النَّوْمِ أَنَّ انْتِفَاعَ الْإِنْسَانِ بِالْحَيَاةِ إِنَّمَا هُوَ بِتَحَرِّي رِضَا اللَّهِ عَنْهُ وَقَصْدِ طَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ سُخْطِهِ وَعِقَابِهِ، فَمَنْ زَالَ عَنْهُ هَذَا الِانْتِفَاعُ بِالْكُلِّيَّةِ فَكَانَ كَالْمَيِّتِ فَحَمْدًا لِلَّهِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ وَزَوَالِ ذَلِكَ الْمَانِعِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ يُطَابِقُ السَّابِقَ مِنْ قَوْلِهِ: «أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ» ، وَيُوَافِقُ اللَّاحِقَ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا إِلَخْ وَعَلَى هَذَا يَنْتَظِمُ قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ النُّشُورُ أَيْ: وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ فِي نَيْلِ الثَّوَابِ بِمَا يُكْتَسَبُ فِي الْحَيَاةِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَحِكْمَةُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَ النَّوْمِ وَالْيَقْظَةِ أَنْ تَكُونَ خَاتِمَةُ أَعْمَالِهِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَأَوَّلُ أَفْعَالِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) أَيْ: عَنْ حُذَيْفَةَ ٢٣٨٣ - (وَمُسْلِمٌ عَنِ الْبَرَاءِ) فَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْخِلَافُ فِي الصَّحَابِيِّ، وَكَذَا رَوَاهُ عَنْ حُذَيْفَةَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.

стр. 3412

٢٣٨٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ ; فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» " وَفِي رِوَايَةٍ " «ثُمَّ لْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ لْيَقُلْ بِاسْمِكَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ «فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَإِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا» . ــ ٢٣٨٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَوَى) بِالْقَصْرِ وَيُمَدُّ أَيْ: نَزَلَ (أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ) أَيْ: مَرْقَدِهِ، وَتَفْسِيرُ ابْنِ حَجَرٍ أَوَى بِجَاءَ لَا يُلَائِمُهُ إِلَى (فَلْيَنْفُضْ) بِضَمِّ الْفَاءِ أَيْ: فَلْيُحَرِّكْ (فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ) وَهِيَ حَاشِيَتُهُ الَّتِي تَلِي الْجَسَدَ وَتَمَاسَّهُ، وَقِيلَ: هِيَ طَرَفُهُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: مِمَّا يَلِي طَوْقَهُ، وَفِي الْقَامُوسِ: طَرَفُهُ الَّذِي عَلَى الْجَسَدِ الْأَيْمَنِ، قَيَّدَ النَّفْضَ بِإِزَارِهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَرَبِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ثَوْبٌ غَيْرَ مَا هُوَ عَلَيْهِمْ مِنْ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، وَقُيِّدَ بِدَاخِلِ الْإِزَارِ لِيَبْقَى الْخَارِجُ نَظِيفًا، وَلِأَنَّ هَذَا أَيْسَرُ، وَلِكَشْفِ الْعَوْرَةِ أَقَلُّ وَأَسْتَرُ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّ رَسْمَ الْعَرَبِ تَرْكُ الْفِرَاشِ فِي مَوْضِعِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلِذَا عَلَّلَهُ وَقَالَ: (فَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ أَوِ الْمُرِيدَ لِلنَّوْمِ (لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ) بِالْفَتَحَاتِ وَالتَّخْفِيفِ أَيْ: مِنَ الْهَوَامِّ وَالْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَاتِ، أَوْ مِنَ الْأَوْسَاخِ وَالْعِظَامِ وَالنَّجَاسَاتِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ قَامَ مَقَامَهُ بَعْدَهُ مِنْ تُرَابٍ أَوْ قَذَاةٍ أَوْ هَامَّةٍ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اسْتِفْهَامِيَّةً مُعَلَّقَةً بِيَدْرِي، أَوْ مَوْصُولَةً (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْفِرَاشِ، وَقِيلَ: أَمَرَهُ بِدَاخِلَةِ الْإِزَارِ دُونَ خَارِجَتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ وَأَجْدَى وَأَجْدَرُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْخَبَرِ عَنْ فِعْلِ الْفَاعِلِ لِأَنَّ الْمُؤْتَزِرَ إِذَا ائْتَزَرَ يَأْخُذُ أَحَدَ طَرَفَيْ إِزَارِهِ بِيَمِينِهِ وَالْآخَرَ بِشِمَالِهِ فَيَرُدُّ مَا أَمْسَكَهُ بِشِمَالِهِ عَلَى جَسَدِهِ وَذَلِكَ دَاخِلَةُ الْإِزَارِ، فَإِذَا صَارَ إِلَى فِرَاشِهِ فَحَلَّ بِيَمِينِهِ خَارِجَةَ الْإِزَارِ وَتَبْقَى الدَّاخِلَةُ مُعَلَّقَةً وَبِهَا يَقَعُ النَّفْضُ، فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يُقَدَّرُ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى الْعَكْسِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ تِلْكَ الْهَيْئَةَ هِيَ صَنِيعُ ذَوِيِ الْآدَابِ فِي عَقْدِ الْإِزَارِ، وَرُوِيَ بِصَنِفَةِ إِزَارِهِ بِكَسْرِ النُّونِ وَهِيَ: جَانِبُهُ الَّذِي لَا هُدْبَ لَهُ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا ذُكِرَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْجَانِبَ يُجْعَلُ دَاخِلَةَ الْإِزَارِ (ثُمَّ يَقُولُ) أَيْ: بَعْدَ النَّفْضِ وَوَضْعِ الْجَنْبِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ ثُمَّ لْيَضْطَجِعْ ثُمَّ لْيَقُلْ (بِاسْمِكَ رَبِّي) أَيْ: بِاسْمِكَ الْقَوِيِّ وَالْقَادِرِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِاسْمِ اللَّهِ (وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ) أَيْ: بِاسْمِكَ أَوْ بِمَعُونَتِكَ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ وَإِرَادَتِكَ وَقُدْرَتِكَ (أَرْفَعُهُ) أَيْ حِينَ أَرْفَعُهُ، فَلَا أَسْتَغْنِي عَنْكَ بِحَالٍ (إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي) أَيْ: قَبَضْتَ رُوحِي فِي النَّوْمِ، وَفِي رِوَايَةٍ إِنْ أَمَتَّهَا (فَارْحَمْهَا) أَيْ: بِالْمَغْفِرَةِ وَالتَّجَاوُزِ عَنْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ فَاغْفِرْ لَهَا (وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا) بِأَنْ رَدَدْتَ الْحَيَاةَ إِلَيَّ وَأَيْقَظْتَنِي مِنَ النَّوْمِ، وَفِي رِوَايَةٍ " وَإِنْ رَدَدْتَهَا " أَيْ رُوحِي الْمُمَيَّزَةَ بِرَدِّ تَمْيِيزِهَا الزَّائِلِ عَنْهَا بِنَوْمِهَا (فَاحْفَظْنِي) أَيْ: مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُخَالَفَةِ (بِمَا تَحْفَظُ بِهِ) أَيْ: مِنَ التَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ وَالْأَمَانَةِ (عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ) أَيِ: الْقَائِمِينَ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَعِبَادِهِ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] جَمَعَ النَّفْسَيْنِ فِي حُكْمِ التَّوَفِّي، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ جِهَتِيِ التَّوَفِّي بِالْحُكْمِ بِالْإِمْسَاكِ وَهُوَ قَبْضُ الرُّوحِ، وَبِالْإِرْسَالِ وَهُوَ رَدُّ الْحَيَاةِ أَيِ: اللَّهُ تَعَالَى يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الَّتِي تُقْبَضُ وَالَّتِي لَا تُقْبَضُ فَيَمْسِكُ الْأَوْلَى وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى، وَالْبَاءُ فِي (بِمَا تَحْفَظُ) مِثْلُهَا فِي كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ، وَمَا مَوْصُولَةٌ مُبْهَمَةٌ وَبَيَانُهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ صِلَتُهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا يَحْفَظُ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ مِنَ الْمَعَاصِي وَمِنْ أَنْ لَا يَتَهَاوَنُوا فِي طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ بِتَوْفِيقِهِ وَلُطْفِهِ وَرِعَايَتِهِ وَحِمَايَتِهِ (وَفِي رِوَايَةٍ «ثُمَّ يَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ» ) قِيلَ: أَنْفَعُ هَيْآتِ النَّوْمِ الِابْتِدَاءُ بِالْأَيْمَنِ ثُمَّ الِانْقِلَابُ إِلَى الْيَسَارِ ثُمَّ إِلَى الْيَمِينِ، وَفِيهِ نَدْبُ الْيَمِينِ فِي النَّوْمِ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ إِلَى الِانْتِبَاهِ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْقَلْبِ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، فَيُعَلَّقُ فَلَا يَسْتَغْرِقُ فِي النَّوْمِ بِخِلَافِ النَّوْمِ عَلَى الْأَيْسَرِ، فَإِنَّ الْقَلْبَ يَسْتَقِرُّ فَتَكُونُ الِاسْتِرَاحَةُ لَهُ أَبْطَأَ لِلِانْتِبَاهِ، ثُمَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا دُونَهُ ﷺ لِأَنَّهُ لَا يَنَامُ قَلْبُهُ، فَلَا فَرْقَ فِي حَقِّهِ ﵊ بَيْنَ النَّوْمِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُؤْثِرُ الْأَيْمَنَ لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، وَلِتَعْلِيمِ أُمَّتِهِ، وَلِمُشَابَهَتِهِ بِحَالِ الْمَوْتِ وَوَضْعِهِ فِي الْقَبْرِ (ثُمَّ لْيَقُلْ بِاسْمِكَ إِلَخْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ النُّونِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ أَيْ: بِطَرَفِهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ

стр. 3413

بِحَاشِيَةِ إِزَارِهِ الَّتِي تَلِي الْجَسَدَ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِلَّا فَفِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ صَنِفَةُ إِزَارِهِ بِكَسْرِ النُّونِ: طَرَفُهُ مِمَّا يَلِي طُرَّتَهُ، قُلْتُ: زَادَ الْفَارِسِيُّ وَقِيلَ: جَانِبُهُ الَّذِي لَا هُدْبَ لَهُ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ صَنِفَةُ الثَّوْبِ كَفَرِحَةِ، وَصِنِفَتُهُ بِكَسْرِهِمَا حَاشِيَتُهُ أَيَّ جَانِبٍ كَانَ أَوْ جَانِبُهُ الَّذِي لَا هُدْبَ لَهُ أَوِ الَّذِي فِيهِ الْهُدْبُ اهـ. وَفِي الْمَشَارِقِ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ النُّونِ، فَقِيلَ: طَرَفُهُ، وَقِيلَ: حَاشِيَتُهُ، وَقِيلَ: هِيَ النَّاحِيَةُ الَّتِي عَلَيْهَا الْهُدْبُ، وَقِيلَ: الطُّرَّةُ، وَالْمُرَادُ هُنَا طَرَفُهُ. فَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَالْفَاءِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالرِّوَايَةِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) مُبَالَغَةٌ فِي النَّظَافَةِ ( «وَإِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا» ) أَيْ: بَدَلَ قَوْلِهِ فَارْحَمْهَا.

стр. 3414

٢٣٨٥ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: " «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفَسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ» "، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ " يَا فُلَانُ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفَسِي إِلَيْكَ، إِلَى قَوْلِهِ أَرْسَلْتَ، وَقَالَ: فَإِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْرًا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٣٨٥ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ» ) بِكَسْرِ الشِّينِ أَيْ: جَانِبِهِ (الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ) أَيْ: أَخْلَصْتُ (نَفْسِي) بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا أَيْ: ذَاتِي (إِلَيْكَ) أَيْ: مَائِلَةً إِلَى حُكْمِكَ (وَوَجَّهْتُ وَجْهِي) أَيْ: وَجْهِي وَقَصْدَ قَلْبِي (إِلَيْكَ) وَجَعَلْتُ وَجْهِي إِلَى قِبْلَتِكَ، وَقِيلَ: النَّفْسُ وَالْوَجْهُ هُنَا بِمَعْنَى الذَّاتِ، يَعْنِي جَعَلْتُ ذَاتِي طَائِعَةً لِحُكْمِكَ وَمُنْقَادَةً لَكَ، وَقَوْلُ الطِّيبِيِّ: إِنَّ أَسْلَمْتُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ جَوَارِحَهُ مُنْقَادَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، مُسْتَقِيمٌ غَايَةَ الِاسْتِقَامَةِ، وَأَمَّا اعْتِرَاضُ ابْنِ حَجَرٍ بِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ نَوْمٍ وَهُوَ لَا تَكْلِيفَ فِيهِ فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ الطِّيبِيَّ ﵀ لَا يُرِيدُ حِينَ تَحَقَّقَ النَّوْمُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ ; بَلْ مُرَادُهُ إِمَّا قَبْلَ النَّوْمِ مُطْلَقًا، أَوْ حِينَ إِرَادَةِ النَّوْمِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إِلَى أَنَّ الشَّخْصَ يَنْبَغِي أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ الْوَقْتَ لِيَنَامَ مُطِيعًا، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا قَوْلُ الطِّيبِيِّ فِي قَوْلِهِ ﵊ (وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أُمُورَهُ الْخَارِجَةَ وَالدَّاخِلَةَ مُفَوَّضَةٌ إِلَيْهِ، لَا مُدَبِّرَ لَهَا غَيْرُهُ اهـ. وَالْمَعْنَى: تَوَكَّلْتُ فِي أَمْرِي كُلِّهِ عَلَيْكَ (وَأَلْجَأْتُ) أَيْ أَسْنَدْتُ (ظَهْرِي إِلَيْكَ) أَيْ: إِلَى حِفْظِكَ لِمَا عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا سَنَدَ يُتَقَوَّى بِهِ سِوَاكَ وَلَا يَنْفَعُ أَحَدًا إِلَّا حِمَاكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ بَعْدَ تَفْوِيضِ أُمُورِهِ الَّتِي هُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهَا وَبِهَا مَعَاشُهُ وَعَلَيْهَا مَدَارُ أَمْرِهِ، مُلْتَجِئٌ إِلَيْهِ مِمَّا يَضُرُّهُ وَيُؤْذِيهِ مِنَ الْأَسْبَابِ الدَّاخِلَةِ وَالْخَارِجَةِ (رَغْبَةً وَرَهْبَةً) قِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُمَا لِأَلْجَأْتُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مَنْصُوبَانِ عَلَى الْعِلَّةِ بِطَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ أَيْ: فَوَّضْتُ أُمُورِي طَمَعًا فِي ثَوَابِكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي مِنَ الْمَكَارِهِ إِلَيْكَ مَخَافَةً مِنْ عَذَابِكَ اهـ. وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ ; بَلْ صَنْعَةُ بَدِيعٍ، وَأَبْدَعَ ابْنُ حَجَرٍ بِالتَّعَرُّضِ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا تَحَكُّمٌ، وَالْوَجْهُ بَلِ الصَّوَابُ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ مُعَلَّلٌ بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ نَصْبَهُمَا عَلَى الْحَالِيَّةِ أَيْ: رَاغِبًا وَرَاهِبًا، أَوِ الظَّرْفِيَّةِ أَيْ: فِي مَجَالِ الطَّمَعِ وَالْخَوْفِ، يَتَنَازَعُ فِيهِمَا الْأَفْعَالُ الْمُتَقَدِّمَةُ كُلُّهَا، وَقَوْلُهُ: (إِلَيْكَ) إِمَّا مُتَعَلِّقٌ بِرَغْبَةً وَهِيَ السِّعَةُ فِي الْإِرَدَاةِ، وَمُتَعَلِّقُ رَهْبَةً مَحْذُوفٌ أَيْ: مِنْكَ وَهِيَ الْمَخَافَةُ مَعَ التَّحَرُّزِ وَالِاضْطِرَابِ وَإِمَّا بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ مُتَوَجِّهًا بِهِمَا إِلَيْكَ، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكِرْمَانِيُّ: أَيْ طَمَعًا فِي ثَوَابِكَ وَخَوْفًا مِنْ عِقَابِكَ، وَإِلَيْكَ مُتَعَلِّقٌ بِرَغْبَةً كَقَوْلِهِمْ عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا اهـ. وَمَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَنَازَعَا فِي إِلَيْكَ أَيْ: رَغْبَتِي إِلَيْكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَرَهْبَتِي إِلَيْكَ، بِمَعْنَى إِنِّي حَالَةَ الْخَوْفِ لَا أَرْجِعُ إِلَّا إِلَيْكَ، فَإِنَّهُ ( «لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ» ) مَلْجَأٌ مَهْمُوزٌ وَمَنْجَا مَقْصُورٌ، وَقَدْ يُهْمَزُ مَنْجَا لِلِازْدِوَاجِ وَقَدْ يُعْكَسُ أَيْضًا لِذَلِكَ، وَالْمَعْنَى لَا مَهْرَبَ وَلَا مَلَاذَ وَلَا مَخْلَصَ مِنْ عُقُوبَتِكَ إِلَّا إِلَى رَحْمَتِكَ وَهَذَا مَعْنَى مَا وَرَدَ " أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ " وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَا مَنْجَا مَقْصُورٌ وَإِعْرَابُهُ كَإِعْرَابِ عَصَا، فَإِنْ قُلْتَ: فَهُوَ يُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ أَوْ بِغَيْرِهِ، قُلْتُ: فِي هَذَا التَّرْكِيبِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ لِأَنَّهُ مِثْلُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَصْبِهِ وَفَتْحِهِ بِالتَّنْوِينِ وَعَدَمِهِ، وَعِنْدَ التَّنْوِينِ تَسْقُطُ الْأَلِفُ، قَالَ: وَلَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا إِنْ كَانَا مَصْدَرَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فِي مِنْكَ، وَإِنْ كَانَا مَكَانَيْنِ فَلَا، إِذِ اسْمُ الْمَكَانِ لَا يَعْمَلُ، وَتَقْدِيرُهُ لَا مَلْجَأَ إِلَى أَحَدٍ إِلَّا إِلَيْكَ وَلَا مَنْجَا إِلَّا إِلَيْكَ (آمَنْتُ) اسْتِئْنَافٌ فِيهِ تَعْلِيلٌ (بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ) أَيْ: عَلَيَّ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ الْحَاثُّ عَلَى التَّخَلُّقِ بِهَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْبَهِيَّةِ وَسَائِرِ الْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ وَالْحَالَاتِ السَّنِيَّةِ، وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ: أَمَنْتُ بِكِتَابِكَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، وَلَمَّا غَفَلَ ابْنُ حَجَرٍ عَنِ الْمَعْنَى الْعَامِّ اعْتَرَضَ عَلَى الطِّيبِيِّ بِقَوْلِهِ: لَا تَعْمِيمَ فِيمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي حِينِ ثَبَاتٍ لَا عُمُومَ فِيهِ كَالنَّكِرَةِ الَّتِي هِيَ كَذَلِكَ، فَتَأَمَّلْ يَظْهَرْ لَكَ وَجْهُ

стр. 3415

الْخَلَلِ (وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) وَفِي نُسْخَةٍ بِنَبِيِّكَ، وَإِنَّمَا آمَنَ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ كَانَ رَسُولًا حَقًّا فَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَدِّقَ اللَّهَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ تَعْلِيمٌ لِأُمَّتِهِ، وَلِهَذَا كَانَ يَقُولُ: " وَأَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ " وَلَمَّا تَضَمَّنَ الْإِيمَانُ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعُلُومَ الْخَاصَّةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: تَخْصِيصٌ مِنَ التَّخْصِيصِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِالِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ مَا قَرَّرَهُ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوْضَحِ عِنْدَهُ، وَقَالَ: كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَأَمُّلِ مَا قَالَهُ وَمَا قُلْتُهُ، قُلْتُ: لَوْ تَأَمَّلَ مَا احْتَاجَ إِلَى الْأَمْرِ بِالتَّأَمُّلِ فَتَأَمَّلْ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلْ (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ قَالَهُنَّ) أَيِ: الْكَلِمَاتِ الْمَذْكُورَةَ (ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ) أَيْ تَحْتَ حَادِثَةٍ فِيهَا، وَمِنْ أَعْجَبِ الْعُجَابِ أَنَّ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: أَيْ عَقِبَ طُلُوعِ فَجْرِهَا، وَهُوَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ نَصَّ الْحَدِيثِ الْآتِي (فَإِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، أَوْ فِي لَيْلَتِكَ مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْرًا) اعْتَرَضَ عَلَى الطِّيبِيِّ فِي قَوْلِهِ: وَمَعْنَى تَحْتَ لَيْلَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَجَاوَزْ عَنْهُ إِلَى النَّهَارِ ; لِأَنَّ اللَّيْلَ يُسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارُ فَهُوَ تَحْتَهُ، أَوْ يَكُونُ بِمَعْنَى إِنْ مِتَّ تَحْتَ نَازِلَةٍ عَلَيْكَ مِنْ لَيْلَتِكَ أَيْ: مِنْ أَجْلِ مَا يَحْدَثُ مِنْ لَيْلَتِكَ بِقَوْلِهِ، وَفِي جَمِيعِهِ نَظَرٌ وَكَوْنُ اللَّيْلِ سُلِخَ مِنْهُ النَّهَارُ لَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا فِي مَعْنَى التَّحْتِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، أَوْ يَكُونُ إِلَخْ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَالتَّكَلُّفِ، وَالْأَحْسَنُ عِنْدَهُ أَنَّ سَبَبَ التَّعْبِيرِ بِالتَّحْتِ: أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ اللَّيْلَ لِبَاسًا فَالنَّاسُ مَغْمُورُونَ وَمَسْتُورُونَ تَحْتَهُ كَالْمَسْتُورِ تَحْتَ ثِيَابِهِ وَلِبَاسِهِ وَهَذَا مَعْنًى وَاضِحٌ جِدًّا ; فَالْعُدُولُ إِلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنَ الْأَمْرَيْنِ السَّابِقَيْنِ عُدُولٌ عَنِ الْجَوْهَرِ إِلَى الصُّدَفِ، قُلْتُ: هَذَا الْمَعْنَى هُوَ بِعَيْنِهِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ أَوَّلًا، وَهُوَ مَعْنَى يُسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارُ، فَالْجِلْدُ هُوَ الْمُشَبَّهُ بِاللِّبْسِ فَمُؤَدَّى مَعْنَى الْآيَتَيْنِ وَاحِدٌ، مَعَ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ حَجَرٍ آخِرًا يُنَاقِضُ تَفْسِيرَهُ أَوَّلًا، وَكَانَ سَبَبُ الِاعْتِرَاضَاتِ: عَجَبَهُ وَغُرُورَهُ بِالْفِقْهِيَّاتِ، وَجَهْلَهُ بِدَقَائِقِ الصِّنَاعَاتِ الْبَدِيعِيَّةِ، وَعَدَمَ فَهْمِهِ بِحَقَائِقِ الِاعْتِبَارَاتِ الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ مَعَ هَذَا كُلِّهِ قَالَ فِي حَقِّ الطِّيبِيِّ: سَبَبُ وُقُوعِهِ فِيمَا عَلِمَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي رَدَدْتُهَا عَلَيْهِ قَوْلُهُ أَوَّلَ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ فِيهِ غَرَائِبَ وَعَجَائِبَ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الثِّقَاتُ مِنْ أَهْلِ الْبَيَانِ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ تَبَجُّحًا فَلَمْ يُصِبِ الْجَادَّةَ الْوَاضِحَةَ فِي أَكْثَرِ شَرْحِهِ كَمَا يُعْلَمُ بِتَأَمُّلِ مَا ذَكَرَهُ وَمَا ذَكَرْتُهُ اهـ. وَبِتَأَمُّلِ كَلَامَيْهِمَا ظَهَرَ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَيْثُ مَا بَلَغَ فَهْمَ الْمُتَعَقَّبِ وَهْمُ عَقِبِهِ مِنْ تَحْقِيقِ أَرَبِهِ وَتَدْقِيقِ أَدَبِهِ لَوْلَا شَرْحُهُ - شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ، وَفَتَحَ قَبْرَهُ - لَمَا فَهِمَ أَحَدٌ مِنْ بَعْدِهِ مَا قَبْلَهُ، وَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ، وَالْأَجْرُ الْكَامِلُ لَهُ، وَمَا وَقَعَ مِنْهُ كَانَ تَحَدُّثًا لَا تَبَجُّحًا، وَعَلَامَةُ صِدْقِهِ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ مِمَّنْ زَيَّنَ كَلَامَهُ وَبَيَّنَ مَرَامَهُ رَاجِيًا أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي سِلْكِ مَنْ قَالَ ﷺ فِي حَقِّهِ ( «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْحَافِظُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيُّ فِي جَامِعِهِ الصَّغِيرِ، هَذَا وَلَوْ تُتُبِّعَ شَرْحُ ابْنِ حَجَرٍ وَتُفُحِّصَ مِنْهُ الْعُجَرُ وَالْبُجَرُ لَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا فُرُوعٌ فِقْهِيَّةٌ أَوْ كَلِمَاتٌ اعْتِرَاضِيَّةٌ، وَلَيْسَ مِنَ الْإِنْصَافِ نِسْبَةُ الْحَلَوِيَّاتِ إِلَى نَفْسِهِ وَإِسْنَادُ الْمُرِّيَاتِ عَلَى زَعْمِهِ لِأَخِيهِ ; بَلْ لِنَفْسِهِ، وَمَعَ هَذَا نَرْجُو مِنَ اللَّهِ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ فِي رَمْسِهِ (مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ) أَيِ: الْإِسْلَامِ (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ) أَيِ: الْبَرَاءُ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ:) قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ (يَا فُلَانُ إِذَا أَوَيْتَ) أَيْ: قَصَدْتَ الْمَأْوَى (إِلَى فِرَاشِكَ) أَيْ: لِلنَّوْمِ، وَلِهَذَا قَالَ: أَيْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَجْعَلَ فِرَاشَكَ مَكَانَ نَوْمِكَ (فَتَوَضَّأْ) أَمْرُ نَدْبٍ (وُضُوءَكَ) أَيْ: وُضُوءً كَامِلًا مِثْلَ وُضُوئِكَ لِلصَّلَاةِ، ( «ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ» ) فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَنِ ( «ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفَسِي إِلَيْكَ، إِلَى قَوْلِهِ: أَرْسَلْتَ» ، وَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِ الْبَرَاءِ، عُطِفَ عَلَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، أَوْ قَالَ الْبَرَاءُ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلَى قَالَ لَكِنَّهُ مُوهِمٌ لِلْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ مَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، وَيُؤَيَّدُ الرَّفْعَ أَنَّ الْخِطَابَ لِلصَّحَابِيِّ، وَلَيْسَ لِلصَّحَابِيِّ أَنْ يُخَاطِبَ مِثْلَهُ بِمِثْلِ قَوْلِهِ (فَإِنْ مِتَّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا (مِنْ لَيْلَتِكَ) وَفِي نُسْخَةٍ فِي لَيْلَتِكَ (مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ) أَيْ: عَلَى التَّوْحِيدِ (وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْرًا) أَيْ خَيْرًا كَثِيرًا، أَوْ خَيْرًا فِي الدَّارَيْنِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِي بَعْضِ طُرُقِهِ

стр. 3416

عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قُلْتُ: وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَقَالَ وَنَبِيِّكَ، وَإِنَّمَا رَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ وَرَسُولِكَ لَمْ يَبْقَ يُفِيدُ قَوْلُهُ: الَّذِي أَرْسَلْتَ، إِلَّا مَحْضَ التَّأْكِيدِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِأَنَّ الْبَيَانَ صَارَ مُكَرَّرًا مِنْ غَيْرِ إِفَادَةِ زِيَادَةٍ فِي الْمَعْنَى وَذَلِكَ مِمَّا يَأْبَاهُ الْبَلِيغُ اهـ وَيُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ فَائِدَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِأَنْ يُقَالَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ إِلَيْنَا أَوْ أَرْسَلْتَهُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً مَعَ أَنَّ التَّأْكِيدَ يَقَعُ فِي كَلَامِ الْبُلَغَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ - فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨ - ٢٦] وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ (مَا مِنْ صُبْحٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ) فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ خِلَافًا لِمَا وَهِمَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِي وَجْهِ الرَّدِّ أَنَّ الْأَدْعِيَةَ الْوَارِدَةَ لَا تُغَيَّرُ عَنْ أَلْفَاظِهَا وَكَذَا الْأَحَادِيثُ، وَفِي مَعْنَاهَا التَّصَانِيفُ، وَإِنَّمَا جَازَ نَقْلُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى إِذَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ بِنِسْيَانِ لَفْظِهِ فَإِنَّ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ، وَأَمَّا نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى مَعَ حِفْظِهِ لَفْظَهُ فَيُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﷺ ( «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ) وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَلَابُدَّ أَيْضًا مِنْ مُرَاعَاةِ الْقَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ وَمُحَافَظَةِ الْمَخَارِجِ وَالصِّفَاتِ الْحَرْفِيَّةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: النَّبِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ لِلْمُبَالَغَةِ مِنَ النَّبَأِ بِمَعْنَى الْخَبَرِ ; لِأَنَّهُ أَنْبَأَ عَنِ اللَّهِ، وَيَجُوزُ فِيهِ تَحْقِيقُ الْهَمْزِ وَتَخْفِيفُهُ النَّبِيُّ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّبَاوَةِ وَهِيَ الشَّيْءُ الْمُرْتَفِعُ، وَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْبَرَاءِ حِينَ قَالَ وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ بِمَا وَرَدَ عَلَيْهِ لِيَخْتَلِفَ اللَّفْظَانِ وَيَجْتَمِعَ الثَّنَاءُ بَيْنَ مَعْنَى الِارْتِفَاعِ وَالْإِرْسَالِ، وَيَكُونَ تَعْدِيدًا لِلنِّعْمَةِ فِي الْحَالَيْنِ، وَتَعْظِيمًا لِلْمِنَّةِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ اهـ وَعَلَّلَ النَّهْيَ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ كَانَ رَسُولًا، ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّ النَّوَوِيَّ اسْتَحْسَنَ قَوْلَ الْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِ: سَبَبُ النَّهْيِ أَنَّ الْأَذْكَارَ تَعَبُّدِيَّةٌ يُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى اللَّفْظِ الْوَارِدِ بِحُرُوفِهِ وَبِهِ يَتَعَلَّقُ الْجَزَاءُ، وَلَعَلَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ ﷺ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَتَعَيَّنَ أَدَاؤُهَا كَمَا هِيَ اهـ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى التَّوَارُدِ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْوَارِدِ، وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَفِي رِوَايَةٍ وَلْيَجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ.

стр. 3417

٢٣٨٦ - وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمْنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُئْوِيَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٣٨٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا» ) أَيْ: دَفَعَ عَنَّا شَرَّ الْمَوْذِيَاتِ، أَوْ كَفَى مُهِمَّاتِنَا وَقَضَى حَاجَاتِنَا (وَآوَانَا) قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ وَأَوَيْتُ مَقْصُورٌ، وَأَمَّا آوَانَا فَمَمْدُودٌ هَذَا هُوَ الْفَصِيحُ الْمَشْهُورُ، وَحُكِيَ الْقَصْرُ فِيهِمَا وَحُكِيَ الْمَدُّ فِيهِمَا اهـ. أَيْ: رَزَقَنَا مَسَاكِنَ وَهَيَّأَ لَنَا الْمَأْوَى، وَزَادَ ابْنُ حَجَرٍ مَعَ تَيْسِيرِ الْخَدَمِ وَتَوَفُّرِ الْمُؤَنِ فِي السَّلَامَةِ خَالِيًا مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْمِحَنِ اهـ وَهُوَ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنَ الْحَدِيثِ كَمَا لَا يَخْفَى (فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْهَمْزِ فَهُوَ سَهْوٌ (وَلَا مُئْوِيَ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ وَلَهُ مُقَدَّرٌ أَيْ: فَكَمْ شَخْصٍ لَا يَكْفِيهِمُ اللَّهُ شَرَّ الْأَشْرَارِ ; بَلْ تَرَكَهُمْ وَشَرَّهُمْ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهِمْ أَعْدَاؤُهُمْ وَلَا يُهَيِّئُ لَهُمْ مَأْوًى ; بَلْ تَرَكَهُمْ يَهِيمُونَ فِي الْبَوَادِي وَيَتَأَذَّوْنَ بِالْحَرِّ وَالْبَرْدِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَلِكَ قَلِيلٌ نَادِرٌ فَلَا يُنَاسِبُ كَمِ الْمُقْتَضِي لِلْكَثْرَةِ عَلَى أَنَّهُ افْتَتَحَ بِقَوْلِهِ أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَنْزِلَ هَذَا عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] فَالْمَعْنَى: أَنَّا نَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى أَنْ عَرَّفَنَا نِعَمَهُ وَوَفَّقَنَا لِأَدَاءِ شُكْرِهِ فَكَمْ مِنْ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَلَا يَشْكُرُونَ، وَكَذَلِكَ اللَّهُ مَوْلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ بِمَعْنَى أَنَّهُ رَبُّهُمْ وَمَالِكُهُمْ ; لَكِنَّهُ نَاصِرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَمُحِبٌّ لَهُمْ، فَالْفَاءُ فِي فَكَمْ لِلتَّعْلِيلِ، وَقَالَ مَوْلَانَا عِصَامُ الدِّينَ ﵀ قَوْلُهُ: فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْلَى كُلِّ أَحَدٍ أَيْ: لَا يَعْرِفُونَ مَوْلًى لَهُمْ فَلِمَ لَمْ يَتَفَرَّعْ عَلَى كَفَانَا ; بَلْ عَلَى مَعْرِفَةِ الْكَافِي الَّتِي يُسْتَفَادُ مِنَ الِاعْتِرَافِ، وَإِنَّمَا حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الطَّعَامِ وَالسَّقْيِ وَكِفَايَةِ الْمُهِمَّاتِ فِي وَقْتِ الِاضْطِجَاعِ ; لِأَنَّ النَّوْمَ فَرْعُ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ وَفَرَاغِ الْخَاطِرِ عَنِ الْمُهِمَّاتِ وَالْأَمْنِ مِنَ الشُّرُورِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى أَوَانَا هُنَا: رَحِمَنَا، فَقَوْلُهُ: كَمْ مِمَّنْ لَا مُئْوِيَ لَهُ أَيْ: لَا رَاحِمَ وَعَاطِفَ عَلَيْهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 3418

٢٣٨٧ - وَعَنْ عَلِيٍّ «أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ، فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ، قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ: " عَلَى مَكَانِكُمَا "، فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ عَلَى بَطْنِي، فَقَالَ: " أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا؛ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضْجَعَكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ» ". (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ ٢٣٨٧ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: بَيْتَهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنَ الْحَدِيثِ (تَشْكُو إِلَيْهِ) إِمَّا مَفْعُولٌ لَهُ بِحَذْفِ أَنْ تَخْفِيفًا أَيْ: أَتَتْ إِلَيْهِ إِرَادَةَ أَنْ تَشْكُوَ، أَوْ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنْ فَاعِلِ أَتَتْ أَيْ: مُقَدِّرَةً الشَّكْوَى (مَا تَلْقَى) أَيْ: مِنَ الْمَشَقَّةِ الْكَائِنَةِ (فِي يَدِهَا) وَفِي نُسْخَةٍ فِي يَدَيْهَا (مِنَ الرَّحَى) أَيْ: مِنْ أَثَرِ إِدَارَةِ الرَّحَى (وَبَلَغَهَا) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ أَتَتْ أَيْ: وَقَدْ بَلَغَ فَاطِمَةَ (أَنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ (جَاءَهُ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (رَقِيقٌ) مِنَ السَّبْيِ وَالرَّقِيقِ الْمَمْلُوكِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْجَمَاعَةِ (فَلَمْ تُصَادِفْهُ) أَيْ: لَمْ تَجِدْ فَاطِمَةُ النَّبِيَّ ﷺ فِي بَيْتِهِ (فَذَكَرَتْ) عَطْفٌ عَلَى أَتَتْ (ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ) كَذَا نُسَخُ الْمُتُونِ خِلَافُ نُسَخِ الشَّرْحِ (قَالَ) أَيْ: عَلِيٌّ ﵁ (فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا) أَيْ: جَاءَنَا النَّبِيُّ ﷺ حَالَ كَوْنِنَا مُضْطَجِعِينَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ بَعْدَ فَجَاءَانَا أَيْ: هُوَ وَهِيَ، غَيْرُ مُطَابِقٍ لِظَاهِرِ الْعَرَبِيَّةِ (فَذَهَبْنَا نَقُومُ) أَيْ: شَرَعْنَا وَقَصَدْنَا لِنَقُومَ لَهُ (فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا) أَيِ: اثْبُتَا عَلَى مَا أَنْتُمَا عَلَيْهِ مِنَ الِاضْطِجَاعِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيِ: الْزَمَاهُ وَلَا تَقُومَا مِنْهُ، وَالْمُرَادُ دَوْمًا وَاثْبُتَا عَلَى مَا أَنْتُمَا عَلَيْهِ، فَانْعِكَاسٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ حَاصِلُ الْمَعْنَى (فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ قَدَمَيْهِ (عَلَى بَطْنِي) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا كَانَا تَحْتَ لِحَافٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى أَنَّ عَلِيًّا كَانَ عُرْيَانًا مَاعَدَا الْعَوْرَةَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ وَضَعَ قَدَمَيْهِ الْكَرِيمَتَيْنِ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ مِنْ أَنَّهُ وَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِهِمَا لِيَسْرِيَ إِلَيْهِمَا إِلَخْ (فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا) أَيْ: طَلَبْتُمَا مِنَ الرَّقِيقِ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَلَبٍ بِلِسَانِ الْقَالِ أَوِ الْحَالِ أَوْ، نَزَلَ رِضَاهُ مَنْزِلَةَ السُّؤَالِ، أَوْ لِكَوْنِ حَاجَةِ النِّسَاءِ حَاجَةَ الرِّجَالِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ تَأْتِ لِلسُّؤَالِ إِلَّا بِإِذْنِ عَلِيٍّ فَيُحْتَمَلُ لَا يُجْزَمُ بِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ الْكَلَامُ إِلَى تَقْدِيرِ قَالَا نَعَمْ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ ; فَإِنَّ أَلَا تَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّنْبِيهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهَامِ لِمَا كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ مَيْلُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْخَيْرِ. فَقَالَ قَبْلَ الْجَوَابِ ( «إِذَا أَخَذْتُمَا مَضْجَعَكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ» ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْمَصَابِيحِ: فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ التَّكْبِيرُ أَوَّلًا، وَكَانَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ يُرَجِّحُهُ وَيَقُولُ: تَقَدُّمُ التَّسْبِيحِ يَكُونُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ وَتَقَدُّمُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ النَّوْمِ، أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ تَارَةً وَيُؤَخَّرُ أُخْرَى عَمَلًا بِالرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ أَوْلَى وَأَحْرَى مِنْ تَرْجِيحِ الصَّحِيحِ عَلَى الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ تَحْصِيلُ هَذَا الْعَدَدِ وَبِأَيِّهِنَّ بُدِئَ لَا يَضُرُّ كَمَا وَرَدَ فِي سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدِ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ، وَفِي تَخْصِيصِ الزِّيَادَةِ بِالتَّكْبِيرِ إِيمَاءٌ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي إِثْبَاتِ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الصِّفَاتِ التَّنْزِيهَيَّةَ وَالثُّبُوتِيَّةَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَهُوَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنَ الذِّكْرِ (خَيْرٌ) أَيْ: أَفْضَلُ (لَكُمَا) أَيْ خَاصَّةً لِأَنَّكُمَا مِنْ أَرْبَابِ الْكَمَالِ، وَكَذَا لِأَتْبَاعِكُمَا مِنْ أَصْحَابِ الْحَالِ (مِنْ خَادِمٍ) الْخَادِمُ وَاحِدُ الْخَدَمِ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَهَذَا تَحْرِيضٌ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مَشَقَّةِ الدُّنْيَا وَمَكَارِهِهَا مِنَ الْفَقْرِ وَالْمَرَضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَفْضَلِيَّةِ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ عَلَى الْغَنِيِ الشَّاكِرِ فَهُوَ عَلَى بَابِهِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَوْلُهُ مَعَ وُجُودِ مِنَ التَّفْضِيلِيَّةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.

стр. 3419

٢٣٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا، فَقَالَ: (أَلَا أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ خَادِمٍ، تُسَبِّحِينَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَعِنْدَ مَنَامِكِ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٣٨٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا» ) أَيْ: رَقِيقًا، وَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهَا جَاءَهَا ( «فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ خَادِمٍ، تُسَبِّحِينَ اللَّهَ تَعَالَى ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ» ) تَكْمِلَةً لِلْمِائَةِ (عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) أَيْ، بَعْدَ كُلِّ مَفْرُوضَةٍ كَمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ (وَعِنْدَ مَنَامِكِ) وَلَعَلَّ تَخْصِيصَهَا بِالْخِطَابِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّهَا الْبَاعِثُ الْأَصْلِيُّ فِي طَلَبِ الْخَادِمِ، أَوْ هَذَا الْحَدِيثُ نُقِلَ بِالْمَعْنَى، أَوْ بِالِاخْتِصَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَأَنَّ قِرَاءَةَ هَذِهِ الْأَذْكَارِ عِنْدَ الْمَنَامِ تُزِيلُ تَعَبَ خِدْمَةِ النَّهَارِ وَالْآلَامَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3420

(الْفَصْلُ الثَّانِي) ٢٣٨٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: (اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، وَإِذَا أَمْسَى قَالَ: اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٣٨٩ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ) أَيْ: دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ (قَالَ: اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا) الْبَاءُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَهُوَ خَبَرُ أَصْبَحْنَا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ: أَصْبَحْنَا مُلْتَبِسِينَ بِحِفْظِكَ، أَوْ مَغْمُورِينَ بِنِعْمَتِكَ، أَوْ مُشْتَغِلِينَ بِذِكْرِكَ، أَوْ مُسْتَعِينِينَ بِاسْمِكَ، أَوْ مَشْمُولِينَ بِتَوْفِيقِكَ، أَوْ مُتَحَرِّكِينَ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ، وَمُتَقَلِّبِينَ بِإِرَادَتِكَ وَقُدْرَتِكَ (وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ) أَيْ: بِاسْمِكَ الْمُحْيِي (نَحْيَا، وَبِكَ) أَيْ: بِاسْمِكَ الْمُمِيتِ (نَمُوتُ) قِيلَ: هُوَ حِكَايَةُ الْحَالِ الْآتِيَةِ بِمَعْنَى: يَسْتَمِرُّ حَالُنَا عَلَى هَذَا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَسَائِرِ الْحَالَاتِ، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا» أَيْ: لَا أَنْفَكُّ عَنْهُ وَلَا أَهْجُرُهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنْتَ تُحْيِينِي وَأَنْتَ تُمِيتُنِي (وَإِلَيْكَ) أَيْ: إِلَى حُكْمِكَ (الْمَصِيرُ) أَيِ: الْمَرْجِعُ فِي الدُّنْيَا وَالْمَآبُ فِي الْعُقْبَى (وَإِذَا أَمْسَى) عَطْفٌ عَلَى إِذَا أَصْبَحَ (قَالَ: «اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ أَصْبَحْنَا» ) بِتَقَدُّمِ أَمْسَيْنَا (وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ) أَيِ: الْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالتَّفَرُّقُ بَعْدَ الْجَمْعِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) قَالَ الْجَزَرِيُّ: رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو عَوَانَةَ وَلَفْظُهُمْ فِي الصَّبَاحِ النُّشُورُ وَفِي الْمَسَاءِ الْمَصِيرُ، وَجَاءَ فِي أَبِي دَاوُدَ فِيهِمَا النُّشُورُ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ فِيهِمَا الْمَصِيرُ اهـ وَفِيهِ اعْتِرَاضٌ وَارِدٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ حَيْثُ عَكَسَ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ مَعَ أَنَّهَا الْمُنَاسِبَةُ لِلطَّرَفَيْنِ وَالتَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَرَكَّبَ تَرْكِيبًا خَاصًّا لَمْ يَرِدْ بِهِ رِوَايَةٌ.

стр. 3421

٢٣٩٠ - وَعَنْهُ «قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِشَيْءٍ أَقُولُهُ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ، قَالَ: (قُلِ اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٢٣٩٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِشَيْءٍ أَقُولُهُ) أَيْ: دَائِمًا لِطَرِيقِ الْوِرْدِ ( «إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ، قَالَ: قُلِ اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ» ) أَيْ مَا غَابَ مِنَ الْعِبَادِ وَظَهَرَ لَهُمْ (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أَيْ: مُخْتَرِعَهَا وَمُوجِدَهَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، وَقُدِّمَ الْعِلْمُ هُنَا لِأَنَّهُ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ قَائِمَةٌ، وَقُدِّمَ الْفَاطِرُ فِي التَّنْزِيلِ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ الِاسْتِدْلَالِ (رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ) فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ لِلْمُبَالَغَةِ كَالْقَدِيرِ بِمَعْنَى الْقَادِرِ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) أَيْ: وَلَا يَجِيءُ مِنْكَ إِلَّا الْخَيْرُ، وَلَا أَكِلُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِي إِلَى الْغَيْرِ ( «أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي» ) لِأَنَّهَا مَنْبَعُ الْأَشْرَارِ كَمَا أَنَّ الْقَلْبَ مَعْدِنُ الْأَسْرَارِ

стр. 3422

(وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ) أَيْ: وَسْوَسَتِهِ وَإِغْوَائِهِ وَإِضْلَالِهِ (وَشِرْكِهِ) بِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي الرِّوَايَةِ وَأَظْهَرُ فِي الدِّرَايَةِ، أَيْ: مَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ، وَيُرْوَى بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: مَصَائِدِهِ وَحَبَائِلِهِ الَّتِي يَفْتَتِنُ بِهَا النَّاسُ، وَالْإِضَافَةُ عَلَى الْأَوَّلِ إِضَافَةُ الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ، وَعَلَى الثَّانِي مَحْضَةٌ، وَالْعَطْفُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لِلتَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ (قُلْهُ) أَيْ: قُلْ هَذَا الْقَوْلَ (إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ) أَيْ: كَمَا الْتَزَمْتَ (وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ) أَيْ: أَيْضًا لِزِيَادَةِ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.

стр. 3423

٢٣٩١ - «وَعَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ) فَكَانَ أَبَانُ قَدْ أَصَابَهُ طَرَفُ فَالَجٍ فَجَعَلَ الرَّجُلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبَانُ: مَا تَنْظُرُ إِلَيَّ أَمَا إِنَّ الْحَدِيثَ كَمَا حَدَّثْتُكَ، وَلَكِنِّي لَمْ أَقُلْهُ يَوْمَئِذٍ لِيُمْضِيَ اللَّهُ عَلَيَّ قَدَرَهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ " «لَمْ تُصِبْهُ فُجَاءَةُ بَلَاءٍ ". حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ لَمْ تُصِبْهُ فُجَاءَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ» ) . ــ ٢٣٩١ - (وَعَنْ أَبَانَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ يُصْرَفُ لِأَنَّهُ فَعَالٌ وَيُمْنَعُ لِأَنَّهُ أَفْعَلُ، وَالصَّحِيحُ الْأَشْهَرُ الصَّرْفُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَزَيَنُ الْعَرَبِ وَتَبِعَهُمُ ابْنُ حَجَرٍ (ابْنِ عُثْمَانَ) أَيِ: ابْنِ عَفَّانَ (قَالَ) أَيْ: أَبَانُ (سَمِعْتُ أَبِي) أَيْ: عُثْمَانَ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ) أَيْ: فِي أَوَائِلِهِمَا، وَأَمَّا نَقْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ خِلَافُ مَا صَرَّحُوا بِهِ، ثُمَّ تَوْجِيهُهُ - فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ (بَاسِمِ اللَّهِ) أَيْ: أَسْتَعِينُ أَوْ أَتَحَفَّظُ مِنْ كُلِّ مُؤْذٍ بِاسْمِ اللَّهِ (الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ) أَيْ: مَعَ ذِكْرِ اسْمِهِ بِاعْتِقَادٍ حَسَنٍ وَنِيَّةٍ خَالِصَةٍ (شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) أَيْ: مِنَ الْبَلَاءِ النَّازِلِ مِنْهَا (وَهُوَ السَّمِيعُ) أَيْ: بِأَقْوَالِنَا (الْعَلِيمُ) أَيْ: بِأَحْوَالِنَا (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ظَرْفُ يَقُولُ (فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ) بِالنَّصْبِ، جَوَابُ مَا مِنْ عَبْدٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى يَقُولُ، عَلَى أَنَّ الْفَاءَ هُنَا كَهِيَ فِي قَوْلِهِ: ( «لَا يَمُوتُ لِمُؤْمِنٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» ) أَيْ: لَا يَجْتَمِعُ هَذَا الْقَوْلُ مَعَ الْمَضَرَّةِ كَمَا لَا يَجْتَمِعُ مَسُّ النَّارِ مَعَ مَوْتِ ثَلَاثَةٍ مِنَ الْوَلَدِ بِشَرْطِهِ اهـ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، لَكِنَّ الرَّفْعَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى التَّكْلِفَاتِ الْمَذْكُورَةِ (فَكَانَ أَبَانُ) بِالْوَجْهَيْنِ (قَدْ أَصَابَهُ طَرَفُ فَالَجٍ) أَيْ: نَوْعٌ مِنْهُ، وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ اسْتِرْخَاءٌ لِأَحَدِ شِقَّيِ الْبَدَنِ لِانْصِبَابِ خَلْطٍ بَلْغَمِيٍّ تَنْسَدُّ مِنْهُ مَسَالِكُ الرُّوحِ (فَجَعَلَ الرَّجُلُ) أَيِ: الْمُسْتَمِعُ (يَنْظُرُ إِلَيْهِ) أَيْ: تَعَجُّبًا (فَقَالَ لَهُ أَبَانُ: مَا تَنْظُرُ إِلَيَّ) قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا هِيَ اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَصِلَتُهَا مَحْذُوفَةٌ وَتَنْظُرُ إِلَيَّ حَالٌ أَيْ: مَالَكَ تَنْظُرُ إِلَيَّ (أَمَا) لِلتَّنْبِيهِ وَقِيلَ: بِمَعْنَى حَقًّا (إِنَّ الْحَدِيثَ كَمَا حَدَّثْتُكَ ; وَلَكِنِّي لَمْ أَقُلْهُ) أَيْ، مَا قَدَّرَ اللَّهُ لِي أَنْ أَقُولَهُ (يَوْمَئِذٍ لِيُمْضِيَ اللَّهُ عَلَيَّ قَدَرَهُ) بِفَتْحِ الدَّالِّ أَيْ: مَقْدُورَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ لِيُمْضِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْقَوْلِ وَلَيْسَ بِغَرَضٍ لَهُ كَمَا فِي قَعَدْتُ عَنِ الْحَرْبِ جُبْنًا، وَقِيلَ اللَّامُ فِيهِ لِلْعَاقِبَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ) وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: اللَّامُ لَيْسَتْ بِمَعْنَى الْغَرَضِ الْبَاعِثِ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَبْعَثَهُ شَيْءٌ عَلَى شَيْءٍ ; وَإِنَّمَا هِيَ دَالَّةٌ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ بِالنِّسْبَةِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَخَارِجٌ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ إِمْضَاءَ اللَّهِ لَا مَحْذُورَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً وَسَبَبًا لِعَدَمِ قَوْلِ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا النَّفْيُ فِي كَلَامِ الطِّيبِيِّ وَلَيْسَ بِغَرَضٍ لَهُ أَيْ: لِلْعَمْدِ، لَا لِلَّهِ كَمَا يُوهِمُ الْمُعْتَمِدُ أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ لَا تُعَلَّلُ بِالْأَغْرَاضِ بَلْ بِالْحِكَمِ الْمُقْتَضِيَةِ لِأَفْعَالِ الْعَبْدِ مِنَ الْعَمَلِ وَتَرْكِهِ وَتَذَكُّرِهِ وَنِسْيَانِهِ. غَايَتُهُ أَنَّ هُنَا لَيْسَ غَرَضُ الْعَبْدِ وَبَاعِثُهُ مِنْ تَرَكَ قَوْلِ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ إِمْضَاءَ الرَّبِّ قَدَرَهُ وَقَضَاءَهُ، وَلِذَا جَعَلَهُ الطِّيبِيُّ عِلَّةً سَبَبِيَّةً حَقِيقِيَّةً، أَوْ عِلَّةً غَائِيَّةً مَجَازِيَّةً، فَتَأَمَّلْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَقَامَاتِ لِئَلَّا تَقَعَ فِي الزَّلَلِ مِنَ الْخَيَالَاتِ الْجَبْرِيَّةِ وَالْخَبَاطَاتِ الْقَدَرِيَّةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (وَفِي رِوَايَتِهِ) أَيْ: رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ (لَمْ تُصِبْهُ فُجَاءَةُ بَلَاءٍ) بِالْإِضَافَةِ بَيَانِيَّةٌ، وَهُوَ بِضَمِّ الْفَاءِ مَمْدُودًا وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ

стр. 3424

الْفَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: فَجَأَهُ الْأَمْرُ وَفَجِئَهُ فُجَاءً بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ، وَفَجْأَةً بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ الْجِيمِ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ، وَفَاجَأَهُ مُفَاجَأَةً إِذَا جَاءَهُ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ سَبَبٍ اهـ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَجْأَةِ مَا يُفَجَأُ بِهِ، وَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْمَدِّ وَغَيْرِهِ، فَقَوْلُ الطِّيبِيِّ: قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ عَلَى الْمَرَّةِ، مُرَادُهُ ضَبْطُ اللَّفْظَةِ لَا حَقِيقَةُ مَعْنَاهَا مِنَ الْوَحْدَةِ فَتَنَبَّهْ مِنْ نَوْمِ الْغَفْلَةِ، ثُمَّ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ إِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ انْتِفَاءُ التَّدْرِيجِ بِالْأَوْلَى هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى إِذْ لَا دَلِيلَ فَهُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَا لِأَنَّهُ أَفْظَعُ وَأَعْظَمُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَمْ تُصِبْهُ بَلِيَّةٌ عَامَّةٌ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَخْلُو عَنْ عِلَّةٍ أَوْ قِلَّةٍ أَوْ ذِلَّةٍ، هَذَا وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهِيَ الْمَخْصُوصَةُ بِمَضَرَّةِ الْفَجْأَةِ مُفَسِّرَةً وَمُبَيِّنَةً لِمَفْهُومِ الْمَضَرَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَوِ الْمُرَادُ بِنَفْيِ الْمَضَرَّةِ عَدَمُ الْجَزَعِ وَالْفَزَعِ فِي الْبَلِيَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ (حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهُ) أَيْ: تِلْكَ الْكَلِمَاتِ (حِينَ يُصْبِحُ لَمْ تَمَسَّهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ) بِالْوَجْهَيْنِ (حَتَّى يُمْسِيَ) وَفِي الْغَايَتَيْنِ، أَعْنِي: حَتَّى يُصْبِحَ وَحَتَّى يُمْسِيَ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ الْحِفْظِ مِنَ الْفَجْأَةِ وَالْمَضَرَّةِ عَقِيبَ قَوْلِ الْقَائِلِ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ أَوَائِلِ اللَّيْلِ أَوِ النَّهَارِ بَلْ وَفِي سَائِرِ أَثْنَائِهِمَا، وَدَعْوَى ابْنِ حَجَرٍ وَجَزْمُهُ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَثْنَاءَ النَّهَارِ أَوِ اللَّيْلِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ أَوَّلِ النَّهَارِ لَا يَحْصُلُ لَهُ تِلْكَ الْفَائِدَةُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْإِثْبَاتَ فِي وَقْتٍ لَا يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ فِي آخَرَ.

стр. 3425

٢٣٩٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَى (أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَمِنْ سُوءِ الْكِبَرِ، أَوِ الْكُفْرِ» ) وَفِي رِوَايَةٍ ( «مِنْ سُوءِ الْكِبَرِ وَالْكِبْرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَتِهِ لَمْ يَذْكُرْ مِنْ سُوءِ الْكُفْرِ. ــ ٢٣٩٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَى (أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ) سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ إِعْرَابًا وَمَعْنًى ( «رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ» ) أَيْ: مِنَ التَّقْدِيرَاتِ الْإِلَهِيَّةِ (وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا) أَيْ: مِنَ اللَّيَالِي أَوْ مُطْلَقًا ( «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ» ) أَيِ: الْقَضَايَا السُّبْحَانِيَّةِ (وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ) أَيْ: فِي صَالِحِ الْعَمَلِ (وَمِنْ سُوءِ الْكِبَرِ) بِكَسْرِ الْكَافِ، وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِهَا أَيْ: مِنْ سُقُوطِ الْقُوَى وَنُقْصَانِ الْعَقْلِ، أَوْ مَا يَنْشَأُ مِنْهُ مِنَ التَّكَبُّرِ (أَوِ الْكُفْرِ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَيْ: مِنْ شَرِّ الْكُفْرِ وَإِثْمِهِ وَشُؤْمِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْكُفْرِ الْكُفْرَانُ (وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ سُوءِ الْكِبَرِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ: كِبَرِ السِّنِّ (وَالْكِبْرِ) بِسُكُونِهَا أَيِ: التَّكَبُّرِ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا خَبْطُ ابْنِ حَجَرٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَبِكَسْرٍ فَفَتْحٍ فَخِلَافُ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ ( «رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ» ) أَيْ: عَذَابٍ كَائِنٍ فِي النَّارِ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى سُهُولَةِ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ، فَتَفْسِيرُ ابْنِ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ بِهَا غَيْرُ مُلَائِمٍ، وَلِأَنَّ الْعَذَابَ فِيهَا يَكُونُ فِيهَا وَبِغَيْرِهَا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهَا، وَلِأَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى فِي لَا أَنْ فِي بِمَعْنَى الْبَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ بَقَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا وَأُرِيدَ بِالْعَذَابِ الَّذِي فِيهَا مَزِيدُ الْبُعْدِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضَاهُ - فَخَطَأٌ فَاحِشٌ إِذْ مَطْلُوبُ النَّبِيِّ ﷺ وَمُرَادُهُ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ مُطْلَقِ الْبُعْدِ، فَإِرَادَةُ الزِّيَادَةِ زِيَادَةُ ضَرَرٍ وَكَمَالُ نُقْصَانٍ مِنْ قَائِلِهِ (وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ تَعَالَى مِنْهُمَا: التَّحَفُّظُ وَالتَّوَقِّي مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي تَجُرُّ إِلَيْهِمَا (وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَذْكَارِ (أَيْضًا) أَيْ: إِلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: " «أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ» " بَدَلَ " «أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ» " (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ) أَيِ: التِّرْمِذِيِّ (لَمْ يُذْكَرْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَرُوِيَ مَعْلُومًا (مِنْ سُوءِ الْكُفْرِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ.

стр. 3426

٢٣٩٣ - وَعَنْ بَعْضِ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهَا فَيَقُولُ: ( «قُولِي حِينَ تُصْبِحِينَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، فَإِنَّهُ مَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي حُفِظَ حَتَّى يُصْبِحَ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٣٩٣ - (وَعَنْ بَعْضِ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهَا) أَيْ: مَا يَنْفَعُهَا أَيْ مِنْ جُمْلَتِهَا (فَيَقُولُ) الْفَاءُ عَاطِفَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ تَفْسِيرِيَّةً، أَيْ: فَيَقُولُ (قُولِي حِينَ تُصْبِحِينَ سُبْحَانَ اللَّهِ) عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ (وَبِحَمْدِهِ) أَيْ: أُنَزِّهُهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَأَبْتَدِئُ بِحَمْدِهِ، وَفِي الْمُغْرِبِ أَيْ: سُبْحَانَكَ بِجَمِيعِ آلَائِكَ وَبِحَمْدِكَ سَبَّحْتُكَ (لَا قُوَّةَ) وَفِي نُسْخَةٍ وَلَا قُوَّةَ (إِلَّا بِاللَّهِ) أَيْ: عَلَى التَّسْبِيحِ أَوِ التَّحْمِيدِ وَغَيْرِهِمَا (مَا شَاءَ اللَّهُ) أَيْ: وُجُودَهُ (كَانَ) أَيْ: وُجِدَ فِي أَيِّ وَقْتٍ أَرَادَهُ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ وُجِدَ فَوْرًا لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ مَوْضُوعَةٌ لِإِحَاطَةِ الْمَشِيئَةِ بِالْأَشْيَاءِ الْكَائِنَةِ، وَبِقَيْدِهِ يَخْرُجُ الْكَائِنَاتُ التَّدْرِيجِيَّةُ، أَوْ يَلْزَمُ مِنْهُ قِدَمُ الْأَشْيَاءِ الْمُرَادِيَّةِ أَزَلِيَّةً، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ بَاطِلٌ إِجْمَاعًا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ الْكَلَامِيَّةِ وَإِنْ عَرِيَتْ مِنْهُمَا الْفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةُ (وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ: لَمْ يُوجَدْ أَبَدًا (أَعْلَمُ) أَيْ: أَعْتَقِدُ أَنَا (أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) أَيْ: شَاءَهُ (قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) . قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَانِ الْوَصْفَانِ) عَنِ الْقُدْرَةِ الشَّامِلَةِ وَالْعِلْمِ الْكَامِلِ هُمَا عُمْدَةُ أُصُولِ الدِّينِ وَبِهِمَا يَتِمُّ إِثْبَاتُ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ، وَرَدُّ الْمَلَاحِدَةِ فِي إِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ وَحَشْرَ الْأَجْسَادِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالِي إِذَا عَلِمَ الْجُزْئِيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ وَعَلَى الْإِحَاطَةِ عَلِمَ الْأَجْزَاءَ الْمُتَفَرِّقَةَ الْمُتَلَاشِيَةَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى جَمْعِهِمَا أَحْيَاهَا فَلِذَلِكَ خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ اهـ وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْحُسْنِ التَّامِّ، وَأَمَّا طَعْنُ ابْنِ حَجَرٍ عَلَيْهِ فَمِنْ غَفْلَةٍ نَشَأَتْ عَنْ فَهْمِ الْمَرَامِ (فَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِي. (مَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ) أَيْ: مِنَ الْبَلَايَا وَالْخَطَايَا مِنْ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ ( «حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي حُفِظَ حَتَّى يُصْبِحَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَفِي الْحِصْنِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، قَالَ مِيرَكُ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ عَنْ أُمِّهِ عَنْ بَعْضِ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: أُمُّ عَبْدِ الْحَمِيدِ لَا أَعْرِفُهَا، وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا وَكَأَنَّهَا صَحَابِيَّةٌ.

стр. 3427

٢٣٩٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩] ، أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُمْسِي أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ فِي لَيْلَتِهِ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٣٩٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ فَسُبْحَانَ اللَّهِ) أَيْ: نَزَّهُوهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِعَظَمَتِهِ، وَفِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ فِي قَوْلِ الْعَبْدِ سُبْحَانَ اللَّهِ: ( «إِنَّهَا بَرَاءَةُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ» ) لَا يُقَالُ النَّفْيُ لَا يَكُونُ مَدْحًا إِلَّا إِذَا تَضَمَّنَ ثُبُوتًا لِأَنَّ نَفْيَ النَّقْصِ عَنْهُ يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ الْكَمَالِ إِذَا الْكَمَالُ مُسَلَّمٌ لَهُ تَعَالَى عِنْدَ الْكُلِّ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فَثُبُوتُ الْكَمَالِ مِنْ صِفَاتِ الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ لَهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَإِنَّمَا أُمِرَ الْخَلْقُ بِالتَّنْزِيهِ عَنِ التَّشْبِيهِ، وَلِهَذَا مَا جَاءَتِ الرُّسُلُ إِلَّا لِلْأَمْرِ بِالتَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهِ التَّفْرِيدِ، أَوْ صَلُّوا لِلَّهِ وَأَعْطُوا حَقَّ عُبُودِيَّتِهِ (حِينَ تُمْسُونَ) أَيْ: تَدْخُلُونَ فِي الْمَسَاءِ وَهُوَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) أَيْ: تَدْخُلُونَ فِي الصَّبَاحِ وَهُوَ وَقْتُ الصُّبْحِ (وَلَهُ الْحَمْدُ) أَيْ: ثَابِتٌ (فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) لِأَنَّهُمَا نِعْمَتَانِ عَامَّتَانِ عَظِيمَتَانِ لِأَهْلِهِمَا فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ حَمْدُهُ، وَقِيلَ: يُحْمَدُ عِنْدَ أَهْلِهِمَا، وَقِيلَ: بِحَمْدِهِ أَهْلَهُمَا لِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وَهُوَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ حَالِيَّةٌ (وَعَشِيًّا) عَطْفٌ عَلَى حِينَ وَأُرِيدَ بِهِ وَقْتُ الْعَصْرِ (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) أَيْ: تَدْخُلُونَ فِي الظَّهِيرَةِ وَهُوَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَلَمَّا كَانَ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ مَحَلَّ ظُهُورِ هَذِهِ الْحَالَاتِ يُنَاسِبُهَا التَّنْزِيهُ عَنِ الْحُدُوثِ وَالْآفَاتِ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ قَالَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَرَأَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، وَقَالَ جَمَعَتِ الْآيَةُ

стр. 3428

الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَمَوَاقِيتَهَا اهـ وَاخْتَارَ الطِّيبِيُّ عُمُومَ مَعْنَى التَّسْبِيحِ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ التَّنْزِيهِ فَإِنَّهُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ الْأَوْلَى مِنَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ مِنْ إِطْلَاقِ الْجُزْءِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ مَعَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَإِنَّ فَائِدَةَ الْأَعَمِّ أَتَمُّ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُعَقِّبَ قَوْلَهُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِقَوْلِهِ فَسُبْحَانَ اللَّهِ، كَمَا جَاءَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَقَوْلَهُ وَعَشِيًّا بِقَوْلِهِ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، فَمَا فَائِدَةُ الْفَصْلِ؟ وَلِمَ خُصَّ التَّسْبِيحُ بِظَرْفِ الزَّمَانِ؟ وَالتَّحْمِيدُ بِالْمَكَانِ؟ قُلْتُ: قَدْ مَرَّ أَنَّ الْحَمْدَ أَشْمَلُ مِنَ التَّسْبِيحِ فَقَدَّمَ التَّسْبِيحَ وَعَلَّقَ بِهِ الْإِصْبَاحَ وَالْإِمْسَاءَ، وَأَخَّرَ التَّحْمِيدَ وَعَلَّقَ بِهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّمَا أَدْخَلَهُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِيَجْمَعَ فِي الْحَمْدِ بَيْنَ ظَرْفَيِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، إِذِ اقْتِرَانُ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ تَعَلُّقٌ مَعْنَوِيٌّ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ تَعَلُّقٌ لَفْظِيٌّ، وَلَوْ قُدِّمَ الْحَمْدُ لَاشْتَرَكَا فِي الظَّرْفَيْنِ، وَلَوْ أُخِّرَ لَخُصَّ الْحَمْدُ بِالْمَكَانِ اهـ وَمَنْ فَهِمَ حُسْنَ كَلَامِهِ وَطِيبَ مَرَامِهِ لَا يَطْعَنُ فِيهِ بِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَكَادُ يَفْهَمُ مِنْ أَصْلِهِ، أَوْ مِمَّا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ كَمَا يَعْلَمُ مَنْ تَأَمَّلَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فَإِنَّهُ شَهَادَةٌ مِنْ نَفْسِهِ عَلَيْهِ بِقِلَّةِ الْفَهْمِ لَدَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَرْجِعُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ إِلَيْهِ (إِلَى قَوْلِهِ) أَيْ: تَعَالَى كَمَا فِي نُسْخَةٍ (وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالْمَعْلُومِ وَهَذَا اقْتِصَارٌ مِنَ الرَّاوِي وَتَمَامُهُ (يُخْرِجُ الْحَيَّ) كَالْجَنِينِ وَالْفَرْخِ (مِنَ الْمَيِّتِ) كَالْمَنِيِّ وَالْبَيْضَةِ ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: ٣١] رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ، فَهَذَا تَفْسِيرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَيِّ الْمُؤْمِنُ، وَمِنَ الْمَيِّتِ الْكَافِرُ، وَفِي مَعْنَاهُمَا الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ وَالصَّالِحُ وَالْفَاسِقُ، وَالذَّاكِرُ وَالْغَافِلُ، وَيُحْيِي الْأَرْضَ أَيْ: بِالْإِنْبَاتِ، بَعْدَ مَوْتِهَا أَيْ: يُبْسِهَا (وَكَذَلِكَ) أَيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الْإِحْيَاءِ (تُخْرَجُونَ) مِنْ قُبُورِكُمْ أَحْيَاءً لِلْحِسَابِ وَالْعَذَابِ وَالنَّعِيمِ وَحُسْنِ الْمَآبِ (أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ) أَيْ: مِنَ الْخَيْرِ، أَيْ: حَصَلَ لَهُ ثَوَابُ مَا فَاتَهُ مِنْ وِرْدٍ وَخَيْرٍ (فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَهُنَّ) أَيْ: تِلْكَ الْكَلِمَاتِ أَوِ الْآيَاتِ (حِينَ يُمْسِي أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ فِي لَيْلَتِهِ) . (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا ابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.

стр. 3429

٢٣٩٥ - وَعَنْ أَبِي عَيَّاشٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَانَ لَهُ عَدْلُ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ فِي حِرْزٍ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ قَالَهَا إِذَا أَمْسَى كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ) فَرَأَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا عَيَّاشٍ يُحَدِّثُ عَنْكَ بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ: (صَدَقَ أَبُو عَيَّاشٍ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٣٩٥ - (وَعَنْ أَبِي عَيَّاشٍ) بِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَدْ صُحِّفَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَالَ) شَرْطِيَّةٌ (إِذَا أَصْبَحَ) ظَرْفِيَّةٌ ( «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ» ) أَيْ: أَبَدًا (وَلَهُ الْحَمْدُ) أَيْ: سَرْمَدًا (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ) أَيْ: دَائِمًا (كَانَ) جَوَابُ الشَّرْطِ (لَهُ) أَيْ: لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ الْمَقَالَ (عَدْلُ رَقَبَةٍ) أَيْ: مِثْلُ عِتْقِهَا وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا بِمَعْنَى الْمِثْلِ، وَقِيلَ بِالْفَتْحِ: الْمِثْلُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَبِالْكَسْرِ مِنَ الْجِنْسِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ (مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) صِفَةُ رَقَبَةٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَاللَّامِ وَبِضَمٍّ وَسُكُونٍ أَيْ: أَوْلَادُهُ وَالتَّخْصِيصُ لِأَنَّهُمْ أَشْرَفُ مَنْ سُبِيَ، وَلَا دَلَالَةَ لِلْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ ضَرْبِ الرِّقِّ عَلَى الْعَرَبِ وَلَا عَلَى نَفْيِهِ خِلَافًا لِمَا فَهِمَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنَ الْجَوَازِ وَقَالَ، وَالْقَوْلُ بِمَنْعِهِ عَجِيبٌ (وَكُتِبَ) أَيْ: أُثْبِتَ مَعَ هَذَا (لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَحُطَّ) أَيْ: وُضِعَ وَمُحِيَ (عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ) أَيْ: مِنْ دَرَجَاتِ الْجِنَانِ (وَكَانَ فِي حِرْزٍ) أَيْ: حِفْظٍ رَفِيعٍ وَحِصْنٍ مَنِيعٍ (مِنَ الشَّيْطَانِ) أَيْ: مِنْ شَرِّ إِغْوَائِهِ (حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ قَالَهَا إِذَا أَمْسَى كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْجَزَاءِ (حَتَّى يُصْبِحَ، قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ (فَرَأَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا يَرَى) أَيْ: فِي الْحَالِ أَوِ الْوَصْفِ الَّذِي يَرَاهُ (النَّائِمُ) قَالَ

стр. 3430

الطِّيبِيُّ: وَضَعَهُ مَوْضِعَ فِي النَّوْمِ تَنْبِيهًا عَلَى حَقِيقَةِ هَذِهِ الرُّؤْيَا وَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، وَاللَّامُ فِي النَّائِمِ لِلْعَهْدِ يَعْنِي الذِّهْنِيَّ، أَيِ: النَّائِمُ الصَّادِقُ الرُّؤْيَا، وَلَوْ قَالَ فِي النَّوْمِ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَضْغَاثِ الْأَحْلَامِ (فَقَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ فِي النَّوْمِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا عَيَّاشٍ يُحَدِّثُ عَنْكَ بِكَذَا) وَفِي نُسْخَةٍ كَذَا (وَكَذَا) وَلَعَلَّ التَّكْرَارَ بِاعْتِبَارِ الْجُمْلَتَيْنِ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ (قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَيَّاشٍ) وَهُوَ زَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيُّ وَهُوَ صَحَابِيٌّ، وَكَفَى بِهِ مَنْقَبَةً فِي حَقِّهِ وَدَلَالَةً عَلَى صِدْقِهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ السُّنِّيِّ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَهُ الْحَمْدُ: " «يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ» " هَذَا وَقَوْلُهُ: فَرَأَى رَجُلٌ، ذُكِرَ اسْتِظْهَارًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ رُؤْيَةَ الْمَنَامِ لَا يُعْمَلُ بِهَا لَا لِلشَّكِّ فِي الرُّؤْيَا لِأَنَّهَا حَقٌّ بِالنَّصِّ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بَلْ لِأَنَّ النَّائِمَ لَا يَضْبُطُ فَرُبَّمَا نَقَلَ خِلَافَ مَا سَمِعَ، أَوْ كَلَامُهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ وَتَعْبِيرٍ وَيَقَعُ الْخِلَافُ فِي التَّفْسِيرِ، وَلِأَنَّهَا إِذَا وَافَقَتْ مَا اسْتَقَرَّ فِي الشَّرْعِ فَالْعِبْرَةُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِهَا لِأَنَّهَا إِذَا خَالَفَتْهُ لَمْ يَجُزْ نَسْخُهُ بِهَا.

стр. 3431

٢٣٩٦ - وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ مُسْلِمٍ التَّمِيمِيِّ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهِ، فَقَالَ: (إِذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ; فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مِتَّ فِي لَيْلَتِكَ كُتِبَ لَكَ جَوَازٌ مِنْهَا، وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ كَذَلِكَ فَإِنَّكَ إِذَا مِتَّ فِي يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جَوَازٌ مِنْهَا» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٣٩٦ - (وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ مُسْلِمٍ التَّمِيمِيِّ) عَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهِ) أَيْ: تَكَلَّمَ مَعَهُ سِرًّا أَوْ جَهْرًا، وَالْإِسْرَارُ الْإِعْلَانُ وَالْإِخْفَاءُ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْهَمْزَةَ قَدْ تَكُونُ لِلسَّلْبِ فَيَصِيرُ مَعْنَاهُ الْإِعْلَانَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَيْ تَكَلَّمَ مَعَهُ خِفْيَةً، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِي الْإِسْرَارِ تَرْغِيبُهُ فِيهِ حَتَّى يَتَلَقَّاهُ وَيَتَمَكَّنَ فِي قَلْبِهِ تَمَكُّنَ السِّرِّ الْمَكْنُونِ لَا الضِّنَّةِ أَيِ: الْبُخْلِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ (فَقَالَ إِذَا انْصَرَفْتَ) أَيْ: فَرَغْتَ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ وَقَالَ: أَيْ رَجَعْتَ (مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ) أَيْ: بِكَلَامِ الدُّنْيَا (أَحَدًا) فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ عَلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الْخُشُوعِ وَالتَّدَبُّرِ فَيَقَعُ الدُّعَاءُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فِي الثَّنَاءِ (اللَّهُمَّ أَجِرْنِي) أَيْ: خَلِّصْنِي (مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ) ظَرْفٌ لِقُلْ أَيْ: كَرِّرْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَلَعَلَّ النُّكْتَةَ فِي هَذَا الْعَدَدِ مُرَاعَاةُ سَبْعَةِ أَبْوَابِ النَّارِ وَطَبَقَاتِهَا، أَوْ سَبْعَةِ أَعْضَاءِ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا (فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ) أَيِ: الدُّعَاءَ الْمَذْكُورَ سَبْعًا (ثُمَّ مِتَّ) بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ (فِي لَيْلَتِكَ كُتِبَ) أَيْ: قُدِّرَ (لَكَ جَوَازٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: خَلَاصٌ (مِنْهَا) أَيْ: مِنَ النَّارِ، أَيْ: دُخُولِهَا أَوْ خُلُودِهَا فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةِ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ مِنَ النَّارِ مَوْضِعَ مِنْهَا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَالْجَوَازُ فِي الْأَصْلِ الْبَرَاءَةُ الَّتِي تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى لَا يَمْنَعَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُرُورِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَدْفَعُهُ إِلَّا تَحِلَّةُ الْقَسَمِ (وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ) أَيْ: وَانْصَرَفْتَ (فَقُلْ) أَيْ: هَذَا الذِّكْرُ سَبْعًا (كَذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا (فَإِنَّكَ إِذَا مِتَّ فِي يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جَوَازٌ مِنْهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، قَالَ مِيرَكُ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَارِثِ، وَيُقَالُ الْحَارِثُ بْنُ مُسْلِمٍ التَّمِيمِيُّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اهـ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 3432

٢٣٩٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدِي وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي يَعْنِي الْخَسْفَ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٣٩٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ) أَيْ: يَتْرُكُ (هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَانَ نَاقِصَةٌ، وَجُمْلَةَ يَدَعُ خَبَرٌ لَهَا، أَيْ: يَكُنْ تَارِكًا لَهُنَّ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ بَلْ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا فِيهِمَا، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ حَيْثُ قَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّ (يَكُنْ) تَامَّةٌ، وَأَنَّ يَدَعُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنَ

стр. 3433

(الْفَاعِلِ أَيْ: لَمْ يُوجَدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَالَ كَوْنِهِ تَارِكًا لَهُ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ رَكَاكَةِ الْمَعْنَى مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ظُهُورِ نُقْصَانِ الْكَوْنِ وَخَفَاءِ تَمَامِهِ، ثُمَّ مِنَ الْعَجِيبِ أَنَّهُ نَاقَضَ كَلَامَهُ الْمُصَرَّحَ الدَّالَّ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ مِنْهُ ﷺ بِالِاعْتِرَاضِ عَلَى الطِّيبِيِّ بِقَوْلِهِ: وَقَالَ الشَّارِحُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْكَشَّافِ: لَمْ يَكُنْ يَدَعُ هَؤُلَاءِ أَيْ: لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ ذَلِكَ وَلَا يَلِيقُ بِحَالِهِ أَنْ يَدَعَهَا اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ بَلْ يَتَأَتَّى مِنْهُ تَرْكُهَا، وَيَلِيقُ بِحَالِهِ لِبَيَانِ جَوَازِ تَرْكِهَا الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَلِلِاشْتِغَالِ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهَا اهـ اعْتِرَاضُهُ الثَّابِتُ بِهِ انْتِقَاضُهُ، وَأَقُولُ لَيْسَ مُرَادُ الشَّارِحِ إِلَّا الْمُبَالَغَةَ فِي الْمُوَاظَبَةِ كَمَا هِيَ مُسْتَفَادَةٌ مِنَ الرِّوَايَةِ، وَإِلَّا فَمِنَ الْإِجْمَاعِ الْمَعْلُومِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ قِرَاءَتَهُ هَذَا الدُّعَاءَ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ ﷺ فِي الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَلَا فِي غَيْرِهِمَا حَتَّى يُقَالَ بَلْ يَتَأَتَّى مِنْهُ تَرْكُهَا إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ الْمُوهَمِ مِنْهُ تَسْلِيمُ كَوْنِهِ وَاجِبًا، وَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ لِبَيَانِ جَوَازِ التَّرْكِ لِغَيْرِهِ أَوْ لِلِاشْتِغَالِ بِالْأَهَمِّ مِنْهُ، ثُمَّ تَرَكْتُ مَا أَطْنَبَهُ مِنْ إِيرَادِ كَلَامِ الشَّارِحِ وَكَلَامِ صَاحِبِ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾ [غافر: ٨٥] لِعَدَمِ تَعَلُّقِ النَّفْعِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ» ) أَيِ: السَّلَامَةَ مِنَ الْآفَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالْحَادِثَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِتَحَمُّلِهَا وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا وَالرِّضَا بِقَضَائِهَا (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) وَقِيلَ: دِفَاعَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْعَبْدِ الْأَسْقَامَ وَالْبَلَايَا، وَهِيَ مَصْدَرٌ جَاءَ عَلَى فَاعِلَةٍ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ سَيِّئَ الْأَسْقَامِ كَالْبَرَصِ وَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ لِمَا سَبَقَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ» ) أَيِ: التَّجَاوُزَ عَنِ الذُّنُوبِ (وَالْعَافِيَةَ) أَيِ: السَّلَامَةَ مِنَ الْعُيُوبِ (فِي دِينِي وَدُنْيَايَ) أَيْ: فِي أُمُورِهِمَا (وَأَهْلِي وَمَالِي) أَيْ: فِي حَقِّهِمَا ( «اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي» ) أَيْ: عُيُوبِي، أَوِ امْحُ ذُنُوبِي (وَآمِنْ رَوْعَاتِي) أَيْ: مَخُوفَاتِي فِي جُمْلَةِ حَالَاتِي، وَإِيرَادُهُمَا لِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَتِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَوْرَةُ مَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ وَيَسُوءُ صَاحِبُهُ أَنْ يُرَى، وَالرَّوْعَةُ الْفَزْعَةُ (اللَّهُمَّ احْفَظْنِي) أَيِ: ادْفَعِ الْبَلَاءَ عَنِّي (مِنْ بَيْنِ يَدِي) أَيْ: أَمَامِي (وَمِنْ خَلْفِي) أَيْ: وَرَائِي (وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] : إِنَّمَا عُدِّيَ الْفِعْلُ إِلَى الْأَوَّلَيْنِ بِحَرْفِ الِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ مِنْهُمَا مُتَوَجِّهٌ إِلَيْهِمْ، وَإِلَى الْأَخِيرَيْنِ بِحَرْفِ الْمُجَاوَزَةِ فَإِنَّ الْآتِيَ مِنْهُمَا كَالْمُنْحَرِفِ عَنْهُمُ الْمَارِّ عَلَى عُرْضِهِمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ جَلَسْتُ عَنْ يَمِينِهِ (وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ) وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ أَنْ (أُغْتَالَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أُوخَذَ بَغْتَةً وَأَهْلِكَ غَفْلَةً (مِنْ تَحْتِي) قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: الِاغْتِيَالُ هُوَ أَنْ يُخْدَعَ وَيُقْتَلَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَرَاهُ فِيهِ أَحَدٌ (قَالَ وَكِيعٌ) أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (يَعْنِي الْخَسْفَ) أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ - صَلِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالِاغْتِيَالِ مِنَ الْجِهَةِ التَّحْتَانِيَّةِ الْخَسْفَ، فِي الْقَامُوسِ خَسَفَ اللَّهُ بِفُلَانٍ الْأَرْضَ: غَيَّبَهُ فِيهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: عَمَّ الْجِهَاتِ لِأَنَّ الْآفَاتِ مِنْهَا، وَبَالَغَ فِي جِهَةِ السُّفْلِ لِرَدَاءَةِ الْآفَةِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ لَا حِيلَةَ فِي دَفْعِ مَا يُخْشَى وُقُوعُهُ فِيهَا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْجِهَاتِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ فِيهَا الْحِيلَةُ حَتَّى جِهَةِ الْفَوْقِ فَمِمَّا لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.

стр. 3434

٢٣٩٨ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ أَصْبَحْنَا نُشْهِدُكَ وَنُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا أَصَابَهُ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ مِنْ ذَنْبٍ، وَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا أَصَابَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنْ ذَنْبٍ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٢٣٩٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ أَصْبَحْنَا نُشْهِدُكَ) أَيْ: نَجْعَلُكَ شَاهِدًا عَلَى إِقْرَارِنَا بِوَحْدَانِيَّتِكَ فِي الْأُلُوهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ، وَهُوَ إِقْرَارٌ لِلشَّهَادَةِ وَتَأْكِيدٌ لَهَا وَتَجْدِيدٌ لَهَا فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ وَعَرْضٌ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (وَنُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتَكَ) بِالنَّصْبِ: عَطْفٌ عَلَى الْحَمَلَةِ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ (وَجَمِيعَ خَلْقِكَ) أَيْ: مَخْلُوقَاتِكَ تَعْمِيمٌ آخَرُ (أَنَّكَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: عَلَى شَهَادَتِي وَاعْتِرَافِي بِأَنَّكَ (أَنْتَ اللَّهُ) أَيِ: الْوَاجِبُ الْوُجُودِ صَاحِبُ الْكَرَمِ وَالْجُودِ (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) أَيْ: مَوْجُودٌ

стр. 3435

(وَحْدَكَ) أَيْ: مُنْفَرِدًا بِالذَّاتِ (لَا شَرِيكَ لَكَ) أَيْ: فِي الْأَفْعَالِ وَالصِّفَاتِ (وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ) سَيِّدُ الْمَخْلُوقَاتِ وَسَنَدُ الْمَوْجُودَاتِ (إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ) اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ مِمَّا هُوَ جَوَابٌ مَحْذُوفٌ لِلشَّرْطِ الْمَذْكُورِ أَيِ: الَّذِي قَالَ فِيهِ ذَلِكَ الذِّكْرَ، تَقْدِيرُهُ مَا قَالَ قَائِلٌ هَذَا الدُّعَاءَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ (مَا أَصَابَهُ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ) أَوْ يُقَدَّرُ نَفْيٌ أَيْ: مَنْ قَالَ ذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا هَذِهِ الْحَالَةَ الْعَظِيمَةَ مِنَ الْمَغْفِرَةِ الْجَسِيمَةِ (مِنْ ذَنْبٍ) فَعَلَى هَذَا مَنْ فِي مَنْ قَالَ بِمَعْنَى مَا النَّافِيَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ إِلَّا زَائِدَةً وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ( «وَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا أَصَابَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ» ) وَفِي نُسْخَةٍ فِي لَيْلَتِهِ تِلْكَ (مِنْ ذَنْبٍ) أَيْ: أَيِّ ذَنَبٍ كَانَ، وَاسْتَثْنَى الْكَبَائِرَ وَكَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَالْإِطْلَاقُ لِلتَّرْغِيبِ مَعَ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ مَا دُونَ الشِّرْكِ لِمَنْ يَشَاءُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، إِلَّا أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ فِي الْحَدِيثِ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ فِي الشَّهَادَتَيْنِ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
следующие страницы →