← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

٢٤٧٤ - (وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ طَمَعٍ يَهْدِي إِلَى طَبَعٍ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ. ــ ٢٤٧٤ - (وَعَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ طَمَعٍ) وَهُوَ نُزُوعُ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْءِ شَهْوَةً لَهُ (يَهْدِي) أَيْ: يُدْنِي وَيُوَصِّلُ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْهِدَايَةُ الْإِرْشَادُ إِلَى الشَّيْءِ وَالدَّلَالَةُ إِلَيْهِ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَاسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى الْإِدْنَاءِ مِنَ الشَّيْءِ وَالْإِيصَالِ إِلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: ذِكْرُ الْهِدَايَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى خَيْرٍ أَوِ الْإِيصَالِ إِلَيْهِ فِيهِ تَهَكُّمٌ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ الْهِدَايَةَ هُنَا بِمَعْنَى الدَّلَالَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ وَبِالتَّجْرِيدِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ وَالْهِدَايَةُ مُتَعَدٍّ تَارَةً بِنَفْسِهِ " اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ " وَتَارَةً بِاللَّامِ كَقَوْلِهِ: " ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] "

стр. 3537

وَتَارَةً بِإِلَى كَقَوْلِهِ: " ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] " فَلَا حَاجَةَ إِلَى اسْتِعْمَالِهَا بِمَعْنَى الْإِدْنَاءِ وَالْإِيصَالِ (إِلَى طَبَعٍ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: عَيْبٍ وَأَصْلُهُ الدَّنَسُ الَّذِي يَعْرِضُ لِلسَّيْفِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيمَا يُشْبِهُ الدَّنَسَ مِنَ الْآثَامِ، وَالْمَعْنَى أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ طَمَعٍ يَسُوقُنِي إِلَى مَا يَشِينُنِي وَيُزْرِي بِي مِنَ الْمَقَابِحِ كَالْمَذَلَّةِ لِلسَّفَلَةِ وَالتَّوَاضُعِ لِأَرْبَابِ الدُّنْيَا وَإِظْهَارِ السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى الطَّمَعِ، وَلِذَا قِيلَ: الطَّمَعُ فَسَادُ الدِّينِ وَالْوَرَعُ صَلَاحُهُ، وَلَمَّا كَانَ الْحِرْصُ مَنْشَأَ الطَّمَعِ وَمَنْبَعَ الطَّبَعِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي مِنَ الْحِرْصِ الَّذِي يَجُرُّ صَاحِبَهُ إِلَى الذُّلِّ وَالْعَيْبِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: الطَّمَعُ هُوَ أَخْذُ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ حَقِّهِ أَوْ مَسْكُهُ عَنْ حَقِّهِ بُخْلًا بِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ) فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ.

стр. 3538

٢٤٧٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٢٤٧٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ) وَهُوَ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ مِنَ الْهِلَالِ (فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ) أَيْ: إِذَا وَقَبَ قِيلَ الْغَاسِقُ هُوَ اللَّيْلُ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَقَوِيَ ظَلَامُهُ مِنْ غَسَقَ يَغْسِقُ إِذَا أَظْلَمَ، وَوُقُوبُهُ دُخُولُ ظَلَامِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ مِنْ شَرِّ اللَّيْلِ يَعْنِي لِأَنَّهُ أَدْهَى فِي الْوَيْلِ وَلِذَا قِيلَ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْهُ لِمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنِ انْبِثَاثِ الشَّرِّ أَكْثَرَ مِمَّا فِي غَيْرِهِ مِنْ قَتْلِ النُّفُوسِ وَاسْتِبَاحَةِ الْفُرُوجِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا تَفْسِيرُ الْآيَةِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَمُؤَوَّلٌ عَلَيْهِ لِيُوَافِقَ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْقَمَرِ أَنَّ يَكُونَ مُرَادَهُ، وَقَوْلُهُ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ يَحْتَمِلُ إِشَارَةً إِلَى الظَّلَامِ حَيْثُ دَخَلَ فِي الْمَغِيبِ، وَلِذَا قِيلَ أُطْلِقَ الْغَاسِقُ هُنَا عَلَى الْقَمَرِ لِأَنَّهُ يُظْلِمُ إِذَا خَسَفَ وَوُقُوبُهُ دُخُولُهُ فِي الْخُسُوفِ يَعْنِي ذَا خَسَفٍ، اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنَ الْآفَاتِ وَالْبَلِيَّاتِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ إِنَّمَا اسْتَعَاذَ مِنْ كُسُوفِهِ لِأَنَّهُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى حُدُوثِ بَلِيَّةٍ وَنُزُولِ نَازِلَةٍ كَمَا قَالَ ﵊: " وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ " وَلِأَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ فِي الْحَدِيثِ كَوَضْعِ الْيَدِ فِي التَّعْيِينِ، وَتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَبَرِ الْمُعَرَّفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُوَ الْقَمَرُ لَا غَيْرَ، قُلْتُ: قَدْ يَرِدُ مِثْلُ هَذَا ادِّعَاءً وَإِرَادَةً لِلْمُبَالَغَةِ وَقَصْدًا لِلتَّخْصِيصِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ أَعْظَمُ أَفْرَادِ نَوْعِهِ وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَيُدْفَعُ قَوْلُهُ، وَتَفْسِيرُ الْغَاسِقِ بِاللَّيْلِ يَأْبَاهُ سِيَاقُ الْحَدِيثِ كُلَّ الْإِبَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلِأَنَّ دُخُولَ اللَّيْلِ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَمَنِّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ قَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ - فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٦٧ - ٧٦] فَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الِامْتِنَانِ، وَأَمَّا الْأُولَى فَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ نِعْمَةٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا - وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا - وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ٩ - ١١] لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ نِعْمَةً أَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ نِقْمَةً، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى فِي صَدْرِ السُّورَةِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ - مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢] تَعْمِيمًا، ثُمَّ قَالَ: " ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣] " إِلَخْ تَخْصِيصًا ثُمَّ مَا يُنْسَبُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ مَعْنَاهُ مِنْ شَرِّ الذِّكْرِ إِذَا قَامَ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الظُّلْمَةِ النَّفْسَانِيَّةِ الَّتِي قَدْ تَجُرُّ إِلَى ظُلْمَةِ الْمَعْصِيَةِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا سَلْبُ كَمَالِ نُورِ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَتُرْدِي إِلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ بَلْ إِلَى ظُلُمَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَأَطْنَبَ ابْنُ حَجَرٍ هُنَا بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ بَلْ بَيْنَ كَلَامِهِ تَعَارُضٌ وَتَدَافُعٌ وَلِذَا أَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ.

стр. 3539

٢٤٧٦ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي: يَا حُصَيْنُ كَمْ تَعْبُدُ إِلَهًا؟ قَالَ أَبِي: سَبْعَةً سِتًّا فِي الْأَرْضِ وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ، فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟ قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ قَالَ يَا حُصَيْنُ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعَانِكَ، قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ حَصِينٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٢٤٧٦ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بِالتَّصْغِيرِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ، سَكَنَ الْبَصْرَةَ إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ أَسْلَمَ هُوَ وَأَبُوهُ ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي) أَيْ: حَالَ كُفْرِهِ (يَا حُصَيْنُ كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ) اللَّامُ لِلْمَعْهُودِ الْحَاضِرِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (إِلَهًا) مَفْعُولُ تَعْبُدُ وَحُذِفَ مُمَيِّزُهَا اسْتِغْنَاءً عَنْهُ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَجَرٍ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا لِكَمِ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ، قَالَ: وَلَا يَضُرُّهُ الْفَصْلُ لِأَنَّهُ غَيْرُ أَجْنَبِيٍّ وَفِيهِ تَوَقُّفٌ. (قَالَ أَبِي: سَبْعَةً) أَيْ: عَبَدَ سَبْعَةً مِنَ الْآلِهَةِ (سِتًّا فِي الْأَرْضِ وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ) أَيْ: عَلَى زَعْمِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَذْكُورُ فِي التَّنْزِيلِ يَغُوثُ وَيَعُوقُ وَنَسْرُ وَاللَّاتُ وَالْمَنَاةُ وَالْعُزَّى كُلُّهَا مُؤَنَّثَةٌ، وَإِنَّمَا قَالَ سَبْعَةً لِدُخُولِ اللَّهِ فِيهَا فَغَلَّبَ جَانِبَ التَّذْكِيرِ ثُمَّ أَنَّثَ سِتًّا وَذَكَّرَ وَاحِدًا اه. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَفِيهِ أَنَّ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرَ مِنْ أَصْنَامِ قَوْمِ نُوحٍ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى تَأْنِيثِهَا، وَإِنَّمَا الْعَرَبُ كَانَتْ لَهُمْ آلِهَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا مَا ذُكِرَ فِي التَّنْزِيلِ وَمِنْهَا مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ حَوْلَ الْبَيْتِ الْمُبَارَكِ حِينَ فَتْحِ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ كَانَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا كُلَّمَا مَرَّ ﵊ بِصَنَمٍ أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَضِيبِهِ وَهُوَ يَقُولُ: " ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] " فَيَقَعُ الصَّنَمُ لِوَجْهِهِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَدْ رَأَى شَخْصٌ مِنَ الْعَرَبِ أَنَّهُ يَبُولُ عَلَى صَنَمِهِ الثَّعْلَبُ قَالَ: أَرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبَانُ بِرَأْسِهِ وَأَسْلَمَ، وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِبَعْضِ الْمُجَدِّدِينَ فِي الْإِسْلَامِ: هَلْ نَفَعَكَ أَصْنَامُكَ؟ وَرُبَّمَا قَالَ: نَعَمْ نَفَعَنِي صَنَمٌ عَمِلْتُهُ مِنَ الْحَيْسِ فَوَقَعَ الْقَحْطُ فَنَفَعَنِي أَكْلُهُ فَتَبَسَّمَ ﷺ » . (قَالَ: فَأَيُّهُمْ) بِضَمِّ الْيَاءِ (تَعُدُّ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ: تَعُدُّهُ إِلَهًا (لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ) وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ، أَوْ تُهَيِّئُهُ لِيَنْفَعَكَ حِينَ تَرْجُو وَتَخَافُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَيُّهُمْ تَخُصُّهُ وَتَلْتَجِئُ إِلَيْهِ إِذَا نَابَتْكَ نَائِبَةٌ، قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ) أَيْ: مَعْبُودٌ فِيهَا أَوْ قَالَهُ عَلَى زَعْمِهِ وَلَعَلَّ سُكُوتَهُ عَنْهُ ﷺ تَأَلُّفًا بِهِ (قَالَ: يَا حُصَيْنُ أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّكَ) بِالْكَسْرِ (لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ) أَيْ: دَعْوَتَيْنِ (تَنْفَعَانِكَ) أَيْ: فِي الدَّارَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا مِنْ بَابِ إِرْخَاءِ الْعِنَانِ وَكَلَامِ الْمُنْصِفِ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ لَهُ بَعْدَ إِقْرَارِهِ أَسْلِمْ وَلَا تُعَانِدْ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: لَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِرْخَاءِ بَلْ مِنْ بَابِ الْإِغْرَاءِ عَلَى الشَّيْءِ بِذِكْرِ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، قُلْتُ: عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ ... فَكُلٌّ إِلَى ذَاكَ الْجَمَالِ يُشِيرُ لِأَنَّ مُؤَدَّى الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَهُوَ بَيَانُ الْهِدَايَةِ بِلُطْفِ الْعِبَارَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] (قَالَ) أَيْ: عِمْرَانُ (فَلَمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي) أَيْ: بِتَعْلِيمِهِمَا (قَالَ: قُلْ) أَيِ: ادْعُ هَذَا الدُّعَاءَ مَتَى مَا شِئْتَ وَأَمَّا تَقْيِيدُهُ بِمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ كَمَا فَعَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ فَبَعِيدٌ جِدًّا (اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَبِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: وَفِّقْنِي إِلَى الرُّشْدِ وَهُوَ الِاهْتِدَاءُ إِلَى الصَّلَاحِ (وَأَعِذْنِي) أَيْ: أَجِرْنِي وَاحْفَظْنِي (مِنْ شَرِّ نَفْسِي) فَإِنَّهَا مَنْبَعُ الْفَسَادِ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اتِّخَاذَ تِلْكَ الْآلِهَةِ لَيْسَ الْأَهْوَى لِلنَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَإِنَّ الرُّشْدَ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ وَالدِّينِ الْقَوِيمِ هُوَ الْعَلِيُّ الْحَكِيمُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ.

стр. 3540

٢٤٧٧ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ فِي النَّوْمِ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونَ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يُعَلِّمُهَا مَنْ بَلَغَ مِنْ وَلَدِهِ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ كَتَبَهَا فِي صَكٍّ ثُمَّ عَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ. ــ ٢٤٧٧ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا فَزِعَ) بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ: خَافَ (أَحَدُكُمْ فِي النَّوْمِ) أَيْ: فِي حَالِ النَّوْمِ أَوْ عِنْدَ إِرَادَتِهِ (فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ) أَيِ: الْكَامِلَةِ الشَّامِلَةِ الْفَاضِلَةِ وَهِيَ أَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ وَآيَاتُ كُتُبِهِ (مِنْ غَضَبِهِ) أَيْ: مِنْ آثَارِهِ (وَعِقَابِهِ) أَيْ: عَذَابِهِ وَحِجَابِهِ (وَشَرِّ عِبَادِهِ) مِنَ الظُّلْمِ وَالْمَعْصِيَةِ وَنَحْوِهِمَا (وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) أَيْ: خَطَرَاتِهِمْ وَوَسَاوِسِهِمْ وَإِلْقَائِهِمِ الْفِتْنَةَ وَالْعَقَائِدَ الْفَاسِدَةَ فِي الْقَلْبِ وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ أَوْ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِعِبَادِهِ الْمَخْصُوصِينَ أَوْ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُبَالَغَةً لِلتَّنْفِيرِ عَنْ جِنْسِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦]

стр. 3541

(وَأَنْ يَحْضُرُونَ) بِحَذْفِ الْيَاءِ وَإِبْقَاءِ الْكَسْرَةِ دَلِيلًا عَلَيْهَا أَيْ: وَمِنْ أَنْ يَحْضُرُونِي فِي صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي وَذِكْرِي وَدَعْوَتِي وَمَوْتِي (فَإِنَّهَا) أَيِ: الْهَمَزَاتِ (لَنْ تَضُرَّهُ) أَيْ: ظَاهِرًا وَبَاطِنًا إِذَا دَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَزَعَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ (وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (يُعَلِّمُهَا) أَيِ: الْكَلِمَاتِ (مَنْ بَلَغَ مِنْ وَلَدِهِ) أَيْ: لِيَتَعَوَّذَ بِهِ (وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ كَتَبَهَا فِي صَكٍّ) أَيْ: كِتَابٍ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ وَالْقَامُوسِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ لُغَةً وَعُرْفًا فِي تَفْسِيرِ الصَّكِّ بِكَتِفٍ مِنْ عَظْمٍ (ثُمَّ عَلَّقَهَا) أَيْ: عَلَّقَ كِتَابَهَا الَّذِي هِيَ فِيهِ (فِي عُنُقِهِ) أَيْ: فِي رَقَبَةِ وَلَدِهِ وَهَذَا أَصْلٌ فِي تَعْلِيقِ التَّعْوِيذَاتِ الَّتِي فِيهَا أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَهَذَا) أَيِ: الْمَذْكُورُ (لَفْظُهُ) أَيْ: لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَخِي خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ وَحْشَةً قَالَ: (إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَقُلْ) فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَصَابَهُ أَرَقٌ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَعَوَّذَ عِنْدَ مَنَامِهِ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ إِلَخْ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ قَالَ «حَدَّثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَهَاوِيلَ يَرَاهَا بِاللَّيْلِ حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا خَالِدُ بْنَ الْوَلِيدِ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ لَا تَقَوُّلُهُنَّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى يُذْهِبَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْكَ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَإِنَّمَا شَكَوْتُ هَذَا إِلَيْكَ رَجَاءَ هَذَا مِنْكَ قَالَ: قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ إِلَخْ) قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا لَيَالِيَ حَتَّى جَاءَ خَالِدٌ ﵀ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَتْمَمْتُ الْكَلِمَاتِ الَّتِي عَلَّمْتَنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى أَذْهَبَ اللَّهُ عَنِّي مَا كَانَ بِي» ، إِنِّي لَوْ دَخَلْتُ عَلَى أَسَدٍ فِي خِيسَتِهِ بِلَيْلٍ، فِي الْقَامُوسِ الْخِيسُ بِالْكَسْرِ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ مَوْضِعُ الْأَسَدِ كَالْخِيسَةِ.

стр. 3542

٢٤٧٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَمَنِ اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٢٤٧٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ) بِأَنْ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، أَوْ قَالَ اللَّهُمَّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أَيْ: كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ أَوْ فِي مَجْلِسٍ بِطَرِيقِ الْإِلْحَاحِ عَلَى مَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ ثَلَاثَ أَوْقَاتٍ وَهِيَ عِنْدَ امْتِثَالِ الطَّاعَةِ وَانْتِهَاءِ الْمَعْصِيَةِ وَإِصَابَةِ الْمُصِيبَةِ، أَوْ عِنْدَ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ وَالْعَمَلِ (قَالَتِ الْجَنَّةُ) بِبَيَانِ الْحَالِ أَوْ بِلِسَانِ الْقَالِ لِقُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى إِنْطَاقِ الْجَمَادَاتِ، أَوِ الْمُرَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنَ الْحُورِ وَالْوِلْدَانِ وَخَزَنَتِهَا (اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ) أَيْ: دُخُولًا أَوَّلِيًّا أَوْ لُحُوقًا آخِرِيًّا (وَمَنِ اسْتَجَارَ) أَيِ: اسْتَحْفَظَ (مِنَ النَّارِ) بِأَنْ قَالَ اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ) أَيِ: احْفَظْهُ أَوْ أَنْقِذْهُ (مِنَ النَّارِ) أَيْ: مِنْ دُخُولِهِ أَوْ خُلُودِهِ فِيهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي وَضْعِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ تَجْرِيدٌ وَنَوْعٌ مِنْ الِالْتِفَاتِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً وَلَا بُعْدَ فِيهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً شَبَّهَ اسْتِحْقَاقَ الْعَبْدِ بِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ فِي تَحَقُّقِهِمَا وَثُبُوتِهِمَا بِنُطْقِ النَّاطِقِ كَأَنَّ الْجَنَّةَ مُشْتَاقَةٌ إِلَيْهِ سَائِلَةٌ دَاعِيَةٌ دُخُولَهُ وَالنَّارَ نَافِرَةٌ مِنْهُ دَاعِيَةٌ لَهُ بِالْبُعْدِ مِنْهَا فَأَطْلَقَ الْقَوْلَ وَأَرَادَ التَّحَقُّقَ وَالثُّبُوتَ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ أَيْ: قَالَ خَزَنَتُهُمَا فَالْقَوْلُ إِذًا حَقِيقِيٌّ، أَقُولُ: لَكِنَّ الْإِسْنَادَ مَجَازِيٌّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْحَمْلُ عَلَى لِسَانِ الْحَالِ وَتَقْدِيرِ الْمُضَافِ مُخَالِفٌ لِلْقَاعِدَةِ الْمُقَرِّرَةِ أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يَحُلِ الْعَقْلُ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَمْ يُصْرَفْ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَنُطْقُ الْجَمَادَاتِ بِالْعُرْفِ وَاقِعٌ كَتَسْبِيحِ الْحَصَى فِي يَدِهِ ﷺ وَحَنِينِ الْجِذْعِ وَغَيْرِهِ اهـ. أَقُولُ: هَذِهِ قَاعِدَةٌ قَرِيبَةٌ إِلَى الْقَوَاعِدِ الظَّوَاهِرِيَّةِ فَإِنَّ الْمُفَسِّرِينَ أَجْمَعُوا عَلَى تَأْوِيلِ (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ يُمْكِنُ بِطَرِيقِ خَرْقِ الْعَادَةِ سُؤَالُ الْقَرْيَةِ وَجَوَانِبُهَا مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ نَظَرًا إِلَى الْمَأْلُوفِ الْمُعْتَادِ، وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ أَطْوَارُ الْآخِرَةِ وَالْأَسْرَارُ الْإِلَهِيَّةُ كُلُّهَا الثَّابِتَةُ بِالنَّقْلِ مِنْ وَرَاءِ طَوْرِ الْعَقْلِ، وَلِذَا أَنْكَرَهَا الْفَلَاسِفَةُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِمَّنِ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَعْقَلُ الْعُقَلَاءِ وَأَنَّهُمْ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّمَا الْأَنْبِيَاءُ مُرْسَلُونَ إِلَى الْأَغْبِيَاءِ بَلْ كَثِيرٌ مِنَ الْفِرَقِ الْإِسْلَامِيَّةِ كَالْمُعْتَزِلَةِ أَنْكَرُوا بَعْضَ الْأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ الَّتِي ثَبَتَتْ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ كَعَذَابِ الْقَبْرِ وَالْمِيزَانِ وَالصِّرَاطِ وَالرُّؤْيَةِ وَأَمْثَالِهَا، وَقَابَلَهُمْ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ فَحَمَلُوا الْقُرْآنَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَثْبَتُوا لِلَّهِ الصِّفَاتِ الْجُسْمَانِيَّةَ وَجَعَلُوا لَهُ الْجَوَارِحَ كَالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَالْأَصَابِعِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمُحَالَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ، وَعَارَضَهُمْ بَعْضُ الْبَاطِنِيَّةِ فَأَوَّلُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ وَصَرَفُوهُمَا عَنْ ظَوَاهِرِهِمَا وَقَالُوا الْمُرَادُ بِمُوسَى الْقَلْبُ وَبِفِرْعَوْنَ النَّفْسُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. وَالْحَقُّ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، الْكَامِلُونَ الْمُعْطُونَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ) وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.

стр. 3543

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٤٧٩ - (عَنِ الْقَعْقَاعِ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ حِمَارًا. فَقِيلَ لَهُ: مَا هُنَّ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ) . رَوَاهُ مَالِكٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٤٧٩ - (عَنِ الْقَعْقَاعِ) بِالْقَافَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ، أَيِ ابْنِ حَكِيمٍ الْمَدَنِيِّ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَا يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ (أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ كَانَ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ ; أَيْ عُلَمَائِهِمْ، أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَسْلَمَ زَمَنَ عُمَرَ ﵁ (قَالَ: لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ) أَيْ أَدْعُو بِهِنَّ (لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ) أَيْ مِنَ السِّحْرِ (حِمَارًا) أَيْ بَلِيدًا أَوْ ذَلِيلًا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ سَحَرَةٌ، وَقَدْ أَغْضَبَهُمْ إِسْلَامِي، فَلَوْلَا اسْتِعَاذَتِي بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ لَتَمَكَّنُوا مِنِّي وَغَلَبُوا عَلَيَّ، وَجَعَلُونِي بَلِيدًا، وَأَذَلُّونِي كَالْحِمَارِ، فَإِنَّهُ مِثْلُ الذِّلَّةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْيَهُودَ سَحَرَتْهُ، وَلَوْلَا اسْتِعَاذَتِي بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ لَتَمَكَّنُوا مِنْ أَنْ يَقْلِبُوا حَقِيقَتِي اهـ. وَفِيهِ أَنَّ قَلْبَ الْحَقَائِقِ لَيْسَ إِلَّا لِلَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥] وَقَالَ ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ سِحْرِهِمُ الَّذِي أُجْمِعَ عَلَيْهِ كَيْدُ السَّحَرَةِ فِي زَمَانِ مُوسَى ﵊ فَإِذَا لَمْ يَقْدِرُوا فِي حَقِّهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَقْدِرُوا عَلَى سَيِّدِ الْخَلْقِ وَمُظْهِرِ الْحَقِّ أَنْ يَقْلِبُوا حَقِيقَتَهُ، وَلِذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَالْمُرَادُ بِالسِّحْرِ مَا يُسْتَعَانُ فِي تَحْصِيلِهِ بِالتَّقَرُّبِ إِلَى الشَّيْطَانِ مِمَّا لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْإِنْسَانُ وَذَلِكَ لَا يَسْتَتِبُّ إِلَّا لِمَنْ يُنَاسِبُهُ فِي الشَّرَارَةِ وَخُبْثِ النَّفْسِ، فَإِنَّ التَّنَاسُبَ شَرْطٌ فِي التَّضَامِّ وَالتَّعَاوُنِ، وَبِهَذَا تَمَيَّزَ السَّاحِرُ عَنِ النَّبِيِّ وَالْوَلِيِّ، وَأَمَّا مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ كَمَا يَفْعَلُهُ أَصْحَابُ الْحِيَلِ بِمَعُونَةِ الْآلَاتِ وَالْأَدْوِيَةِ فَتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا عَلَى التَّجَوُّزِ اهـ. فَإِذَا كَانَ لَيْسَ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ حِمَارًا حَقِيقَةً فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، فَكَيْفَ لِلْمُتَوَسِّلِ إِلَى قُرْبِهِ أَنْ يَقْلِبَ الْحَقِيقَةَ، وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْمَدَارِكِ: وَلِلسِّحْرِ حَقِيقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ - كَثَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - وَتَخْيِيلٌ وَتَمْوِيهٌ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ خَذَلَهُمُ اللَّهُ فَمَعْنَاهُ قَوْلُهُ ﷺ السِّحْرُ حَقٌّ ; أَيْ ثَابِتٌ وَاقِعٌ لَا أَنَّهُ خَيَالٌ فَاسِدٌ كَرُؤْيَةِ الْأَحْوَالِ شَيْئًا وَاحِدًا شَيْئَيْنِ، وَكَتَخَيُّلِ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ خَلَلِ الدِّمَاغِ وَحُصُولِ الْأَفْكَارِ الْفَاسِدَةِ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] وَقَوْلِهِ ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ عِلْمَ السِّحْرِ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِأَنْ يُحْدِثَ اللَّهُ عِنْدَهُ النُّشُوزَ وَالْخِلَافَ وَقَوْلِهِ : ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ فِي سِحْرِ الْيَهُودِ لَهُ ﵊ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ قَوْلُ الْبَغَوِيِّ وَالصَّحِيحُ أَنَّ السِّحْرَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّمْوِيهِ وَالتَّخْيِيلِ، وَالسِّحْرُ وُجُودُهُ حَقِيقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأُمَمِ، حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: السِّحْرُ يَخْبِلُ وَيُمْرِضُ وَقَدْ يَقْتُلُ حَتَّى أَوْجَبَ الْقِصَاصَ عَلَى مَنْ قَتَلَ بِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي قَلْبِ الْأَعْيَانِ فَيَجْعَلُ الْآدَمِيَّ عَلَى صُورَةِ الْحِمَارِ وَيَجْعَلُ الْحِمَارَ عَلَى صُورَةِ الْكَلْبِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ تَخْيِيلٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] لَكِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي الْأَبْدَانِ بِالْأَمْرَاضِ وَالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ اهـ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَلْبِ الْحَقَائِقِ بَعْدَ إِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ عَلَى خِلَافِهِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِثْلُ هَذَا أَبَدًا فِي الْكَوْنِ، وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهِ النَّقْلُ وَالْعَقْلُ، فَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجَائِبِ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَكَوْنُ السِّحْرِ يَقْلِبُ الْآدَمِيَّ حِمَارًا بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ لَا الْحَقِيقَةِ أَوْ وَالْحَقِيقَةِ، عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ خِلَافٍ، أَمْرٌ وَاقِعٌ شُوهِدَ فِي بَعْضِ النَّوَاحِي كَصَعِيدِ مِصْرَ، كَمَا شُوهِدَ فِيهِ أَنَّ رَجُلًا سَافَرَ عَنْ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهَا فَطَالَ ذَكَرُهُ وَصَارَ كُلَّمَا مَشَى طَالَ، فَأَخَذَهُ وَلَفَّ عَلَى رَقَبَتِهِ فَطَالَ، فَلَفَّهُ إِلَى أَنْ أَعْجَزَهُ حَمْلُهُ عَنِ الْمَشْيِ فَوَقَفَ عَيًّا، وَلَمْ يَجِدْ لَهُ مُخَلِّصًا إِلَّا رُجُوعَهُ إِلَيْهَا، فَرَجَعَ فَخَفَّ ثُمَّ لَا يَزَالُ يَخِفُّ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَحَلِّهَا، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ اهـ. وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى قَلْبِ الصُّورَةِ فَضْلًا عَنِ الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا تَخْيِيلُ السِّحْرِ وَتَمْوِيهُهُ الْحَاصِلُ مِنْ ثُبُوتِ أَثَرِ السِّحْرِ، إِذْ رُجُوعُهُ إِلَى حَالَةِ الْأَوَّلِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْقَلْبِ صَرِيحًا، فَإِنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ الْقَلْبُ لَبَقِيَ ذَكَرُهُ فِي حَلْقِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِذْ لَمْ يَقَعْ حِينَئِذٍ سِحْرٌ آخَرُ قَلَبَهُ ثَانِيًا، مَعَ أَنَّ دَعْوَى الْمُشَاهَدَةِ بَاطِلَةٌ إِذْ هِيَ مُجَرَّدُ حِكَايَةٍ فَاسِدَةٍ مِمَّا

стр. 3544

يَسْتَمْرِهَا النَّاسُ وَيَحْكُونَهَا فِي بُيُوتِ الْقَهْوَةِ، وَتَجُوزُ فِي عُقُولِ النِّسَاءِ وَبَعْضِ الرِّجَالِ مِمَّنْ سَخُفَ عَقْلُهُ وَسَخُفَ قَلْبُهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ (فَقِيلَ لَهُ: مَا هُنَّ) أَيْ تِلْكَ الْكَلِمَاتُ (قَالَ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ) أَيْ ذَاتِهِ (الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ) وَلَا مُسَاوِيًا لِعَظَمَتِهِ وَلَا قَرِيبًا مِنْهَا بَلْ وَلَا عَظَمَةَ لِغَيْرِهِ، لِأَنَّ الْكُلَّ عَبِيدُهُ بَلْ وَلَيْسَ فِي الْكَوْنِ وُجُودٌ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُولُ صِفَةً لِلْمُضَافِ أَوِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَالْمُؤَدَّى وَاحِدٌ (وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزْهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ) إِعَادَةٌ لَا لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْمُرَادُ عِلْمُ اللَّهِ الَّذِي يَنْفَدُ الْبَحْرُ قَبْلَ نَفَادِهِ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ الِاسْتِيعَابَ كَقَوْلِهِ: رَطْبٌ وَلَا يَابِسٌ، فَإِنَّ تَكْرِيرَ حَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاسْتِيعَابِ، وَأَرَادَ بِالْكَلِمَاتِ التَّامَّاتِ الْقُرْآنَ فَيُئَوَّلُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، وَالْمُطِيعُ وَالْعَاصِي لَا يَتَجَاوَزَانِ حَالَهُمَا وَمَا عَلَيْهِمَا مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] لِأَنَّ الصِّدْقَ مُلَائِمٌ لِلْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْخَبَرِ مِنَ الْقِصَصِ وَنَبَأِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِمَّا سَبَقَ وَمِمَّا سَيَأْتِي، وَالْبَدَلُ مُوَافِقٌ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَهَذَا مِمَّا يُوجَبُ فِيهِ تَكْرِيرُ لَا وَمَعَ وُجُوبِهِ لَا يُنَافِي تَسْمِيَتَهَا مُؤَكَّدَةً، كَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ شَارِحٍ هُنَا كَمَا هُوَ مُحَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ مِنْ حَوَاشِي الْكَشَّافِ وَغَيْرِهَا فِي: " لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ "، " لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ "، " لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ " اهـ. فَغَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَإِنَّ مَحَلَّ الْوُجُوبِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ إِنَّمَا هُوَ: إِذَا كَانَ الْوَصْفُ نَفْيًا بِلَا فَإِنَّهُ لَزِمَ تَكْرَارَهُ كَمَا فِي مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لَا كِرِيمٍ وَلَا شُجَاعٍ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ تَكْرَارِ لَا إِلَّا فِي الشِّعْرِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الْحَدِيثِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ قَوْلُهُ: وَتَفْسِيرِي الْمُجَاوَزَةَ بِالْإِحْصَاءِ غَيْرُ بَعِيدٍ، لِأَنَّهُ مِنْ أَحْصَى الشَّيْءَ فَقَدْ جَاوَزَهُ إِلَى غَيْرِهِ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْكَلِمَاتِ عُلُومَهُ تَعَالَى فَلَا يُجَاوِزُهُ أَحَدٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ مِنْ مَخْلُوقٍ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ الْمُجَاوَزَةُ وَالْمُخَالَفَةُ لِمَعْلُومَاتِهِ تَعَالَى وَمَعَ صِحَّةِ هَذَا الْمَعْنَى لَا وَجْهَ لِلْعُدُولِ إِلَى مَعْنَى الْإِحْصَاءِ اللَّازِمِ مِنْهُ الْمُجَاوَزَةُ عَلَى زَعْمِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: لَا يُحْصِي عِلْمَهُ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، إِذْ لَا يُفِيدُ التَّأْكِيدُ حِينَئِذٍ أَصْلًا كَمَا لَا يَخْفَى. وَأَيْضًا تَفْسِيرُ الْمُجَاوَزَةِ بِالْإِحْصَاءِ لَا يَصِحُّ عِنْدَ إِرَادَةِ الْمَعْنَى الثَّانِي بِالْكَلِمَاتِ وَهُوَ الْقُرْآنُ، ثُمَّ مِنَ الْعَجِيبِ تَبَجُّحُهُ وَعَلَى زَعْمِهِ تُرَجِّحُهُ بِقَوْلِهِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: الَّتِي إِلَخْ أَحْسَنُ وَأَوْضَحُ مِمَّا ذَكَرَهُ شَارِحٌ فَتَأَمَّلَ هَذَا. وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِأَنَّهُ ﵊ اسْتَعَاذَ بِهِ كَمَا اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ كَرَبِّ النَّاسِ وَبِعِزَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَسْتَعِيذُ بِمَخْلُوقٍ (وَبِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى مَا عَلِمْتُ مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْكَلِمَاتِ وَالْأَسْمَاءِ أَوْ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ (وَمَا لَمْ أَعْلَمْ) أَيْ مِنْهَا وَالْمُرَادُ الْعُمُومُ (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) أَيْ أَنْشَأَ وَقَدَّرَ (وَذَرَأَ) بِالْهَمْزِ أَيْ بَثَّ وَنَشَرَ (وَبَرَأَ) أَيْ أَوْجَدَ مُبَرَّأً عَنِ التَّفَاوُتِ فَخَلَقَ كُلَّ عُضْوٍ عَلَى مَا يَنْبَغِي قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] (رَوَاهُ مَالِكٌ) .

стр. 3545

٢٤٨٠ - ( «وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ كَانَ أَبِي يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، فَكُنْتُ أَقُولُهُنَّ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْتُ: عَنْكَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُهُنَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، وَرَوَى أَحْمَدُ لَفْظَ الْحَدِيثِ وَعِنْدَهُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ. ــ ٢٤٨٠ - (وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) تَابِعِيٌّ وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ (قَالَ كَانَ أَبِي يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ) أَيِ الْمَكْتُوبَةِ أَوْ جِنْسِ الصَّلَاةِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ آخِرَهَا وَعَقِبَهَا قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.

стр. 3546

(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ) أَيْ مِنْ أَنْوَاعِهِ (وَالْفَقْرِ) أَيْ فِتْنَتِهِ أَوْ فَقْرِ الْقَلْبِ الْمُؤَدِّي إِلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ، وَفِي اقْتِرَانِهِ بِالْكُفْرِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا وَرَدَ: كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ وَشَاكِرًا لِمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ (وَعَذَابِ الْقَبْرِ) أَيِ الَّذِي مَنْشَأُهُ الْكُفْرُ وَالْكُفْرَانُ (فَكُنْتُ أَقُولُهُنَّ) أَيْ تَقْلِيدًا لِأَبِي (فَقَالَ أَيْ بُنَيَّ) بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَكَسْرِهَا وَالتَّصْغِيرُ لِلشَّفَقَةِ (عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا) أَيْ هَذَا الدُّعَاءَ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْأَلْيَقَ لِلسَّالِكِ أَنْ يَدْعُوَ بِالدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ وَلَمْ يَخْتَرِعْ مِنْ عِنْدِهِ (قُلْتُ عَنْكَ) أَيْ أَخَذْتُهُ (قَالَ) تَرْقِيَةً لَهُ مِنَ الْمَقَامِ الْأَدْنَى إِلَى الْمَرْتَبَةِ الْأَعْلَى، وَتَنْبِيهًا لَهُ عَلَى تَحْصِيلِ السَّنَدِ إِلَى رَسُولِ الْمَوْلَى (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُهُنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ) بِضَمِّ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ وَالرِّوَايَةِ الْمَعْرُوفَةِ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ الْمُطَرِّزِيُّ: دَبُرُ كُلِّ شَيْءٍ بِفَتْحِ الدَّالِّ ; أَيْ آخِرُ أَوْقَاتِهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا قَالَ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ، وَأَمَّا الْجَارِحَةُ فَبِالضَّمِّ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ نَقْلًا عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: دُبُرُ الشَّيْءِ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ آخِرُ أَوْقَاتِهِ وَالصَّحِيحُ الضَّمُّ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَوْهَرِيُّ وَآخَرُونَ غَيْرَهُ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَفِي الْقَامُوسِ: الدُّبُرُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ نَقِيضُ الْقُبُلِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ عَقِبُهُ وَمُؤَخِّرُهُ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَّا أَنَّهُ) أَيِ التِّرْمِذِيَّ (لَمْ يَذْكُرْ لِي دُبُرَ الصَّلَاةِ وَرَوَى أَحْمَدُ لَفْظَ الْحَدِيثِ) أَيْ دُونَ الْقِصَّةِ (وَعِنْدَهُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) وَفِي الْحِصْنِ أَنَّهُ رَوَى الْحَاكِمُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ السُّنِّيِّ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُمْ رَوَوُا الْقِصَّةَ أَمْ لَا.

стр. 3547

٢٤٨١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالدَّيْنِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْدِلُ الْكُفْرَ بِالدَّيْنِ قَالَ: نَعَمْ» ) . وَفِي رِوَايَةٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ قَالَ رَجُلٌ: وَيُعْدَلَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. ــ ٢٤٨١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالدَّيْنِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْدِلُ الْكُفْرَ) أَيْ تُسَاوِيهِ وَتُقَارِنُهُ (بِالدَّيْنِ قَالَ نَعَمْ) فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ يُخَافُ عَلَيْهِ فِي دَيْنِهِ مِنَ الشَّيْنِ، حَيْثُ يَكْذِبُ فِي حَدِيثِهِ وَيَخْلِفُ فِي وَعْدِهِ فَيَكُونُ كَالْمُنَافِقِ (وَفِي رِوَايَةٍ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ قَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ رَجُلٌ: وَيُعْدَلَانِ؟ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ أَيْ يُعْدَلُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، أَيْ يَسْتَوِيَانِ (قَالَ نَعَمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ نَعَمْ أُسَاوِي الدَّائِنَ بِالْمُنَافِقِ لِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَالْفَقِيرُ الَّذِي لَمْ يَصْبِرْ عَلَى فَقْرِهِ أَسْوَءُ حَالًا مِنَ الدَّائِنِ وَقَدْ رُويَ كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا اهـ. وَلِأَنَّ الدَّائِنَ رُبَّمَا يَكُونُ مُتَحَمِّلًا وَعَلَى رَبِّهِ مُتَوَكِّلًا، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .

стр. 3548

[بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٤٨٢ - (عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي وَكُلَّ ذَلِكَ عِنْدِي، اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ) . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ــ (بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، أَيِ الدُّعَاءُ الْجَامِعُ لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ فِي أَلْفَاظٍ يَسِيرَةٍ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ بِلَفْظِ الدَّعَوَاتِ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ، وَقَوْلُهُ: قُمْ قَوْلُهُ أَيِ الدَّعَوَاتُ الْجَامِعَةُ فَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ غَيْرُ مُطَابِقٍ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ فَتَأَمَّلَ لِيَظْهَرَ لَكَ الْخِلَافُ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٤٨٢ - (عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي» ) أَيْ سَيِّئَتِي (وَجَهْلِي) أَيْ فِيمَا يَجِبُ عَلَيَّ عِلْمُهُ وَعَمَلُهُ (وَإِسْرَافِي) أَيْ تَقْصِيرِي وَتَجَاوُزِي عَنْ حَدِّي (فِي أَمْرِي) قَالَ مِيرَكُ ﵀: الْخَطِيئَةُ الذَّنْبُ، وَيَجُوزُ تَسْهِيلُ الْهَمْزَةِ فَيُقَالُ: خَطِّيَّةٌ بِالتَّشْدِيدِ، وَالْجَهْلُ ضِدُّ الْعِلْمِ، وَالْإِسْرَافُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِي كُلِّ شَيْءٍ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ فِي أَمْرِي أَنْ يَتَعَلَّقَ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ (وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ وَاعْتِرَافٌ بِإِحَاطَةِ عِلْمِهِ تَعَالَى وَإِقْرَارُهُ بِعَجْزِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ نَفْسِهِ، وَلِذَا قِيلَ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي) هُوَ نَقِيضُ الْهَزْلِ (وَهَزْلِي) وَهُوَ الْمِزَاحُ أَيْ مَا وَقَعَ مِنِّي فِي الْحَالَيْنِ، أَوْ هُوَ التَّكَلُّمُ بِالسُّخْرِيَةِ وَالْبُطْلَانِ (وَخَطَئِي) مِمَّا يَقَعُ فِيهِ تَقْصِيرٌ مِنِّي، فِي الصِّحَاحِ الْخَطَأُ نَقِيضُ الصَّوَابِ وَقَدْ يُمَدُّ وَالْخَطَأُ الذَّنْبُ (وَعَمْدِي) أَيْ وَتَعَمُّدِي فِي ذَنْبِي (وَكُلَّ ذَلِكَ) أَيْ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْعُيُوبِ (عِنْدِي) أَيْ مَوْجُودٌ مُمْكِنٌ وَهُوَ كَالتَّذْيِيلِ لِلسَّابِقِ قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَنَا مُتَّصِفٌ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَاغْفِرْ لِي، قَالَهُ تَوَاضُعًا وَهَضْمًا، وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ عَدَّ تَرْكَ الْأَوْلَى وَفَوَاتَ الْكَمَالِ ذَنْبًا، وَقِيلَ: أَرَادَ مَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، وَحِكَايَتُهُ هَذَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مَعَ سُكُوتِهِ عَلَيْهِمَا عَجِيبَةٌ، فَإِنَّ الْأَصَحَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - مَعْصُومُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَصَغَائِرِهَا عَمْدِهَا وَسَهْوِهَا اهـ. وَتَعَجُّبُهُ مِنْ أَكْبَرِ الْعَجَائِبِ لِأَنَّ النَّوَوِيَّ قَدَّمَ الْمُخْتَارَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ بِقَوْلِهِ: قَالَهُ هَضْمًا لِنَفْسِهِ وَقُوَاهُ بِنَقْلِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ خِلَافُ الْأَوْلَى، ثُمَّ عَبَّرَ عَنْ غَيْرِ الْمُخْتَارِ بِقِيلَ، وَقِيلَ إِشَارَةٌ إِلَى ضَعْفِهِمَا عِنْدَهُ، فَمِثْلُ هَذَا لَا يُعَدُّ سُكُوتًا عَلَيْهِ حَتَّى يَتَعَجَّبَ مِنْهُ، ثُمَّ مِنَ الْغَرَائِبِ قَوْلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي أَيْ أَنَا مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَا أُرِيدُ بِمَا سَبَقَ التَّجَوُّزَ، بَلْ لَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنَّفُ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أَوْ نُسْخَةٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَيَجُوزُ الِاكْتِفَاءُ بِأَحَدِهِمَا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا الْحَقِيقَةُ، أَيْ بِأَحَدِ الِاعْتِبَارَاتِ السَّابِقَةِ فَهَذَا كَالتَّذْيِيلِ لِمَا سَبَقَهُ اهـ. وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ الْمُنَاقَضَةُ وَالْمُعَارَضَةُ بَيْنَ كَلَامِهِ سَابِقًا وَتَمَامِهِ لَاحِقًا، هَذَا وَاعْلَمْ مُجْمَلًا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَنِ الْكَذِبِ خُصُوصًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الشَّرَائِعِ، أَمَّا عَمْدًا فَبِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا سَهْوًا فَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَفِي عِصْمَتِهِمْ عَنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنَ الْكُفْرِ قَبْلَ الْوَحْيِ وَبَعْدَهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا عَنْ تَعَمُّدِ الْكَبَائِرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْحَشْوِيَّةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ امْتِنَاعَهُ بِدَلِيلِ السَّمْعِ أَوِ الْعَقْلِ، فَعِنْدَنَا بِالسَّمْعِ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ بِالْعَقْلِ، وَأَمَّا سَهْوًا فَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَتَجُوزُ عَمْدًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْجِبَائِيِّ، وَتَجُوزُ سَهْوًا بِالِاتِّفَاقِ إِلَّا مَا يَدُلُّ عَلَى الْخِسَّةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَالتَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ، لَكِنِ الْمُحَقِّقُونَ اشْتَرَطُوا أَنْ يُنَبِّهُوا عَلَيْهِ فَيَنْتَهُوا عَنْهُ وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الْوَحْيِ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَا دَلِيلَ عَلَى امْتِنَاعِ صُدُورِ الْكَبِيرَةِ قَبْلُ يُوجِبُ النَّفْرَةَ كَعُهْرِ الْأُمَّهَاتِ، وَالصَّغَائِرِ الدَّالَّةِ عَلَى الْخِسَّةِ، وَمَنَعَ الشِّيعَةُ صُدُورَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ، وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى امْتِنَاعِهَا لِأَنَّهَا تُوجِبُ النَّفْرَةَ الْمَانِعَةَ عَنِ اتِّبَاعِهِ فَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ الْبَعْثَةِ، وَالْحَقُّ مِنْهُ مَا الْوَحْيُ وَبَعْدَهُ لَكِنَّهُمْ جَوَّزُوا الْكُفْرَ تُقْيَةً قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ ﵀: إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمَا نُقِلَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِمَّا يُشْعِرُ بِكَذِبٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، فَمَا كَانَ مَنْقُولًا بِطَرِيقِ الْآحَادِ فَمَرْدُودٌ، وَمَا كَانَ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ فَمَصْرُوفٌ عَنْ ظَاهِرِهِ إِنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَمَحْمُولٌ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى، أَوْ كَوْنِهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ الْمَبْسُوطَةِ، وَقِيلَ: تَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ أَوِ اسْتِغْفَارًا لَهُمْ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ) أَيْ مِنَ الذُّنُوبِ أَوْ مِنْ

стр. 3549

التَّقْصِيرِ فِي الْعَمَلِ، (وَمَا أَخَّرْتُ) أَيْ وَمَا يَقَعُ مِنِّي بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَاضِي لِأَنَّ الْمُتَوَقَّعَ كَالْمُتَحَقَّقِ أَوْ مَعْنَاهُ مَا تَرَكْتُ مِنَ الْعَمَلِ، أَوْ قُلْتُ سَأَفْعَلُ أَوْ سَوْفَ أَتْرُكُ، (وَمَا أَسْرَرْتُ) أَيْ أَخْفَيْتُ مِنَ الذُّنُوبِ، (وَمَا أَعْلَنْتُ) أَيْ أَظْهَرْتُ مِنَ الْعُيُوبِ، (وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ) أَيْ أَنْتَ تُقَدِّمُ مَنْ تَشَاءُ بِتَوْفِيقِكَ إِلَى رَحْمَتِكَ، (وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) أَيْ أَرَدْتَهُ مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ تُرِيدُهُ مُوهِمٌ فَتَنَبَّهْ، (قَدِيرٌ) كَامِلُ الْقُدْرَةِ تَامُّ الْإِرَادَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْمَفْهُومُ مِنَ الْحِصْنِ أَنَّ قَوْلَهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ إِلَى قَوْلِهِ مِنِّي مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ بِرِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

стр. 3550

٢٤٨٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٤٨٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي) أَيْ عَنِ الْخَطَأِ (دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي) أَيْ مَا يَعْتَصِمُ بِهِ فِي الصِّحَاحِ، الْعِصْمَةُ الْمَنْعُ وَالْحِفْظُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣] أَيْ بِعَهْدِهِ وَهُوَ الدِّينُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّ الدِّينَ حَافَظُ جَمِيعِ أُمُورِي فَإِنَّ مَنْ فَسَدَ دِينُهُ فَسَدَتْ جَمِيعُ أُمُورِهِ وَخَابَ وَخَسِرَ فِي غَيْبَتِهِ وَحُضُورِهِ وَخَزْلِهِ وَسُرُورِهِ (وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ) أَيْ مَنْ يُعِينُنِي عَلَى الْعِبَادَةِ (الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي) قِيلَ مَعْنَاهُ: احْفَظْ مِنَ الْفَسَادِ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا (وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي) مَصْدَرُ عَادَ إِذَا رَجَعَ، أَيْ وَفِّقْنِي لِلطَّاعَةِ الَّتِي هِيَ إِصْلَاحُ مَعَادِي (وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً) أَيْ سَبَبَ زِيَادَةٍ (لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى شَهَادَةٍ وَاعْتِقَادٍ حَسَنٍ وَتَوْبَةٍ، حَتَّى يَكُونَ مَوْتِي سَبَبَ خَلَاصِي عَنْ مَشَقَّةِ الدُّنْيَا وَحُصُولِ رَاحَةٍ فِي الْعُقْبَى قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: إِصْلَاحُ الدُّنْيَا عِبَارَةٌ عَنِ الْكَفَافِ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَأَنَّهُ يَكُونُ حَلَالًا وَمُعِينًا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَإِصْلَاحُ الْمَعَادِ اللُّطْفُ وَالتَّوْفِيقُ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، وَطَلَبُ الرَّاحَةِ بِالْمَوْتِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ ﷺ إِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمٍ فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ وَهَذَا هُوَ النُّقْصَانُ الَّذِي يُقَابِلُ الزِّيَادَةَ فِي الْقَرِينَةِ السَّابِقَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3551

٢٤٨٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٤٨٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى» ) أَيِ الْهِدَايَةَ الْكَامِلَةَ (وَالتُّقَى) أَيِ التَّقْوَى الشَّامِلَةَ (وَالْعَفَافَ) بِالْفَتْحِ أَيِ الْكَفَافَ، وَقِيلَ: الْعِفَّةُ عَنِ الْمَعَاصِي، يُقَالُ: عَفَّ عَنِ الْحَرَامِ يَعِفُّ عَفًّا وَعِفَّةً وَعَفَافًا أَيْ كَفَّ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْفُتُوحِ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْعَفَافُ إِصْلَاحُ النَّفْسِ وَالْقَلْبِ، (وَالْغِنَى) أَيْ غِنَى الْقَلْبِ أَوِ الِاسْتِغْنَاءِ عَمَّا فِي أَيْدِ النَّاسِ قَالَ الطِّيبِيُّ: أَطْلَقَ الْهُدَى وَالتُّقَى لِيَتَنَاوَلَ كُلَّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَهْتَدِيَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَكُلَّ مَا يَجِبُ أَنْ يُتَّقَى مِنْهُ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَرَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ، وَطَلَبُ الْعَفَافِ وَالْغِنَى تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 3552

٢٤٨٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُلِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ وَبِالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٤٨٥ - (وَعَنْ عَلِيَّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي) أَيْ ثَبِّتْنِي عَلَى الْهُدَى أَوْ دُلَّنِي عَلَى الْكَمَالَاتِ الزَّائِدَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ، (وَسَدِّدْنِي) أَيِ اجْعَلْنِي مُسْتَقِيمًا، قِيلَ السَّدَادُ إِصَابَةُ الْقَصْدِ فِي الْأَمْرِ وَالْعَدْلُ فِيهِ، يَعْنِي أَسْأَلُ غَايَةَ الْهُدَى وَنِهَايَةَ السَّدَادِ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] وَ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾ [الفاتحة: ٦] أَيِ اهْدِنِي هِدَايَةً لَا أَمِيلُ بِهَا إِلَى طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ

стр. 3553

(وَاذْكُرْ) عُطِفَ عَلَى قُلْ أَيِ اقْصِدْ، (وَتَذَكَّرْ) يَا عَلِيُّ، (بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ) أَيِ الْمُسْتَقِيمَ، (وَبِالسَّدَادِ) بِفَتْحِ السِّينِ (سَدَادَ السَّهْمِ) أَيِ الْقَوِيمِ، وَقِيلَ الْمَعْنَى: كُنْ فِي سُؤَالِكَ الْهِدَايَةَ وَالسَّدَادَ كَالسَّهْمِ الْمُسَدَّدِ وَالرَّاكِبِ مَتْنَ الْمَنْهَجِ الْمُسْتَقِيمِ، وَفِيهِ تَصْوِيرُ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي النُّفُوسِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَمَرَهُ بِأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ الْهُدَى وَالسَّدَادَ وَأَنْ يَكُونَ فِي ذِكْرِهِ مُخْطِرًا بِبَالِهِ، وَالْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ فِي سُؤَالِهِ طَالِبًا غَايَةَ الْعَدْلِ وَنِهَايَةَ السَّدَادِ إِذِ الْمَطْلُوبُ هِدَايَةٌ كَهِدَايَةِ مَنْ رَكِبَ مَتْنَ الطَّرِيقِ، وَسَدَادًا يُشْبِهُ سَدَادَ السَّهْمِ نَحْوَ الْغَرَضِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3554

٢٤٨٦ - (وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَّمُهُ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٤٨٦ - (وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِي، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ» ) أَيْ جِنْسَ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا أَوِ الصَّلَاةَ الَّتِي تَحْضُرُهُ فَإِنَّهُ فَرْضُ عَيْنِهِ، (ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) أَيْ بِمَحُو ذُنُوبِي (وَارْحَمْنِي) أَيْ بِسَتْرِ عُيُوبِي (وَاهْدِنِي) أَيْ إِلَى سَبِيلِ السَّلَامَةِ أَوْ ثَبِّتْنِي عَلَى نَهْجِ الِاسْتِقَامَةِ (وَعَافِنِي) أَيْ مِنَ الْبَلَايَا وَالْخَطَايَا (وَارْزُقْنِي) أَيْ رِزْقًا حَلَالًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3555

٢٤٨٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٤٨٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ) ﵁ (قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ لِكَوْنِهِ دُعَاءً جَامِعًا وَلِكَوْنِهِ مِنَ الْقُرْآنِ مُقْتَبَسًا وَجَعَلَ اللَّهُ دَاعِيَهُ مَمْدُوحًا (اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا) أَيْ قَبْلَ الْمَوْتِ (حَسَنَةً) أَيْ كُلَّ مَا يُسَمَّى نِعْمَةً وَمِنْحَةً عَظِيمَةً وَحَالَةً مُرْضِيَةً (وَفِي الْآخِرَةِ) أَيْ بَعْدَ الْمَوْتِ (حَسَنَةً) أَيْ مَرْتَبَةً مُسْتَحْسَنَةً (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أَيِ احْفَظْنَا مِنْهُ وَمَا يُقَرِّبُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: حَسَنَةُ الدُّنْيَا اتِّبَاعُ الْهُدَى وَحَسَنَةُ الْآخِرَةِ مُوَافَقَةُ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَعَذَابُ النَّارِ حِجَابُ الْمَوْلَى، لَعَلَّهُ ﷺ كَانَ يُكْثِرُ هَذَا الدُّعَاءَ لِأَنَّهُ مِنَ الْجَوَامِعِ الَّتِي تَحُوزُ جَمِيعَ الْخَيْرَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ ﷺ كَرَّرَ الْحَسَنَةَ وَنَكَّرَهَا، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي أَنَّ النَّكِرَةَ إِذَا أُعِيدَتْ كَانَتْ غَيْرَ الْأُولَى، فَالْمَطْلُوبُ فِي الْأُولَى الْحَسَنَاتُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنَ الِاسْتِقَامَةِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْوَسَائِلِ إِلَى اكْتِسَابِ الطَّاعَاتِ وَالْمَبَرَّاتِ بِحَيْثُ تَكُونُ مَقْبُولَةً عِنْدَ اللَّهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الثَّوَابِ وَالرِّضْوَانِ فِي الْعُقْبَى اهـ. وَفِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ مِنْهَا، قَوْلُ بَعْضِهِمْ: فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً أَيِ الطَّاعَةَ وَالْقَنَاعَةَ أَوِ الْعَافِيَةَ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً أَيْ تَخْفِيفَ الْحِسَابِ وَرَفْعَ الْعَذَابِ وَدُخُولَ الْجَنَّةِ وَحُصُولَ الرُّؤْيَةِ، وَلَعَلَّ الِاكْتِفَاءَ فِي طَلَبِ الْحِفْظِ بِعَذَابِ النَّارِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ أَمْرٌ سَهْلٌ بَلْ يَكُونُ سَبَبًا لِمَحْوِ السَّيِّئَاتِ أَوْ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ وَقِنَا كُلَّ سَيِّئَةٍ فِي الدُّنْيَا بِخِلَافِ الْحَسَنَةِ الشَّامِلَةِ فِي الدُّنْيَا الْعُقْبَى، عَبَّرَ عَنِ السَّيِّئَةِ بِقَوْلِهِ عَذَابَ النَّارِ، وَالْمُرَادُ سَيِّئَةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا عَذَابُ النَّارِ احْتِرَازًا مِنْ سَيِّئَةٍ تَمْحُوهَا التَّوْبَةُ أَوِ الشَّفَاعَةُ أَوِ الْمَغْفِرَةُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ تَتْمِيمٌ، أَيْ إِنْ صَدَرَ مِنَّا مَا يُوجِبُهُ مِنَ التَّقْصِيرِ وَالْعِصْيَانِ فَاعْفُ عَنَّا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عَذَابُ النَّارِ أَيِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ وَهِيَ الْحِجَابُ وَالشُّمُولُ، النَّارُ لِهَذَا تَغْلِيبًا وَمَجَازًا مَشْهُورًا، يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّتْمِيمِ اهـ. وَهُوَ خَطَأٌ سَبَبُهُ عَدَمُ الْفَهْمِ الْمُسْتَقِيمِ فِي مَعْنَى التَّتْمِيمِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْتَى بِهِ إِلَّا بَعْدَ حُصُولِ التَّعْمِيمِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ بَعْدَ حُصُولِ الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا وَوُصُولِ الْحَسَنَةِ فِي الْعُقْبَى عَذَابُ النَّارِ لَا يَبْقَى لَا بِمَعْنَى الْعِقَابِ وَلَا بِمَعْنَى الْحِجَابِ، فَمَا بَقِيَ الْكَلَامُ إِلَّا تَتْمِيمًا يَعْنِي عَلَى الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ لَوْ وَقَعَ الذَّنْبُ وَالتَّقْصِيرُ فَلَا تُؤَاخِذْنَا بِالتَّعْذِيبِ وَالتَّعْزِيرِ وَهَذَا الَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنَ التَّقْرِيرِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَلَفْظُ الْحِصْنِ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا إِلَخْ، وَقَالَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ وَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أَوْ نُسْخَةٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا أَوْلَى وَيَجُوزُ الِاكْتِفَاءُ بِأَحَدِهِمَا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا.

стр. 3556

الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٤٨٨ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو يَقُولُ: رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، رَبِّ اجْعَلْنِي شَاكِرًا لَكَ، ذَاكِرًا لَكَ، رَاهِبًا لَكَ، مِطْوَاعًا لَكَ، مُخْبِتًا إِلَيْكَ، أَوَّاهًا مُنِيبًا. رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٤٨٨ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو يَقُولُ) بَدَلٌ أَوْ حَالٌ، (رَبِّ أَعِنِّي) أَيْ وَفِّقْنِي لِذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، (وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ) أَيْ لَا تُغَلِّبْ عَلَيَّ مَنْ يَمْنَعُنِي مِنْ طَاعَتِكَ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، (وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ) أَيِ أَغْلِبْنِي عَلَى الْكُفَّارِ وَلَا تُغْلِبْهُمْ عَلَيَّ أَوِ انْصُرْنِي عَلَى نَفْسِي فَإِنَّهَا أَعْدَى أَعْدَائِي وَلَا تَنْصُرِ النَّفْسَ الْأَمَّارَةَ عَلَيَّ بِأَنْ أَتَّبِعَ الْهَوَى وَأَتْرُكَ الْهُدَى، (وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَكْرُ الْخِدَاعُ وَهُوَ مِنَ اللَّهِ إِيقَاعُ بَلَائِهِ بِأَعْدَائِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، وَقِيلَ: هُوَ اسْتِدْرَاجُ الْعَبْدِ بِالطَّاعَةِ فَيَتَوَهَّمُ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ وَهِيَ مَرْدُودَةٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمَكْرُ الْحِيلَةُ، وَالْفِكْرُ فِي دَفْعِ عَدُوٍّ بِحَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ الْعَدُوُّ فَالْمَعْنَى اللَّهُمَّ اهْدِنِي إِلَى طَرِيقِ دَفْعِ أَعْدَائِي عَنِّي وَلَا تَهْدِ عَدُوِّي إِلَى طَرِيقِ دَفْعِهِ إِيَّايَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] يُظْهِرُ لَهُمُ الْكَرَامَاتِ حَتَّى يَظُنُّوا أَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ ثُمَّ يَأْخُذُهُمْ عَلَى غَفْلَةٍ وَغِرَّةٍ وَيُمِيتُهُمْ عَلَى غَفْلَةٍ، (وَاهْدِنِي) أَيْ دُلَّنِي عَلَى الْخَيْرَاتِ أَوْ عَلَى عُيُوبِ نَفْسِي، (وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي) أَيْ وَسَهِّلِ اتِّبَاعَ الْهِدَايَةِ أَوْ طُرُقَ الدَّلَالَةِ لِي حَتَّى لَا أَسْتَثْقِلَ الطَّاعَةَ وَلَا أَشْتَغِلَ عَنِ الْعِبَادَةِ، (وَانْصُرْنِي) أَيْ بِالْخُصُوصِ، (عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ) أَيْ ظَلَمَنِي وَتَعَدَّى عَلَيَّ قَالَ تَأْكِيدٌ لِأَعِنِّي إِلَخْ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِقَوْلِهِ: وَانْصُرْنِي فِي الْأَوَّلِ، (رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ) قُدِّمَ الْمُتَعَلِّقِ لِلِاهْتِمَامِ وَالِاخْتِصَاصِ أَوْ لِتَحْقِيقِ مَقَامِ الْإِخْلَاصِ، (شَاكِرًا) أَيْ عَلَى النَّعْمَاءِ وَالْآلَاءِ (لَكَ ذَاكِرًا) فِي الْأَوْقَاتِ وَالْآنَاءِ (لَكَ رَاهِبًا) أَيْ خَائِفًا فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَفِي الْحِصْنِ لَكَ شَكَّارًا لَكَ رَهَّابًا عَلَى وَزْنِ فَعَّالٍ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ مُنْقَطِعًا عَنِ الْخَلْقِ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا مِنْ لَوَازِمِ مَعْنَاهُ الْأَعَمُّ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ هُوَ بِإِشَارَةِ الصُّوفِيَّةِ أَشْبَهُ، وَأَمَّا مَعْنَى الْعِبَارَةِ فَمَا قَدَّمْنَاهُ مَعَ أَنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ مَنْسُوخَةٌ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمُرَادُ الصُّوفِيَّةِ بِالِانْقِطَاعِ إِنَّمَا هُوَ انْصِرَافُ الْهِمَّةِ عَنِ الْخَلْقِ وَالتَّعَلُّقُ بِالْحَقِّ وَهَذَا تَارَةً يَصْدُرُ وَيَنْشَأُ مِنْ غَايَةِ الرَّهْبَةِ وَتَارَةً يَصْدُرُ مِنْ غَايَةِ الرَّغْبَةِ. وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ وَالْعُزْلَةَ بِوَصْفٍ مِنْ جِهَةِ الرَّجَاءِ وَالتَّرْغِيبِ أَفْضَلُ مِنْ حُصُولِ الْخَوْفِ وَالتَّرْهِيبِ، وَلَهُمْ مَقَامٌ فَوْقَ ذَلِكَ وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ وَكُلُّ قَوْمٍ فِي مِنْهَاجِ مَذْهَبِهِمْ، وَمَرْتَبَةُ الْجَامِعِيَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ هِيَ أَكْمَلُ الْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ وَالْحَالَاتِ السَّنِّيَّةِ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الدَّعَوَاتُ الْإِلَهِيَّةُ وَالتَّضَرُّعَاتُ الْبَهِيَّةُ الَّتِي تُنْبِئُ عَنْ كَمَالِ الْعُبُودِيَّةِ عِنْدَ التَّجَلِّيَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ، (لَكَ مِطْوَاعًا) بِكَسْرِ الْمِيمِ مِفْعَالٌ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ كَثِيرُ الطَّوْعِ وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مُطِيعًا أَيْ مُنْقَادًا، (لَكَ مُخْبِتًا) أَيْ خَاضِعًا خَاشِعًا مُتَوَاضِعًا مِنَ الْخَبْتِ وَهُوَ الْمُطَمْئِنُ مِنَ الْأَرْضِ يُقَالُ أَخْبَتَ الرَّجُلُ إِذَا نَزَلَ الْخَبْتَ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ الْخَبْتُ اسْتِعْمَالَ اللِّينِ وَالتَّوَاضُعِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣] أَيِ اطْمَأَنُّوا إِلَى ذِكْرِهِ أَوْ سَكَنَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَى أَمْرِهِ، وَأُقِيمَ اللَّامُ مَقَامَ إِلَى لِتُفِيدَ الِاخْتِصَاصَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ - الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥] (إِلَيْكَ أَوَّاهًا) أَيْ مُتَضَرِّعًا فَعَّالٌ لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ أَوَّهَ تَأْوِيهًا وَتَأَوَّهَ تَأَوُّهًا إِذَا قَالَ: أَوَّهْ، أَيْ قَائِلًا كَثِيرًا لَفْظَ أَوَّهْ، وَهُوَ صَوْتُ الْحَزِينِ، أَيِ اجْعَلْنِي حَزِينًا وَمُتَفَجِّعًا عَلَى التَّفْرِيطِ، أَوْ هُوَ قَوْلُ النَّادِمِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ الْمُقَصِّرِ فِي طَاعَتِهِ، وَقِيلَ: الْأَوَّاهُ الْبَكَّاءُ (مُنِيبًا) أَيْ رَاجِعًا، قِيلَ: التَّوْبَةُ رُجُوعٌ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْإِنَابَةُ مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ وَالْفِكْرَةِ وَالْأَوْبَةُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ وَالْمُشَاهَدَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا اكْتُفِيَ فِي قَوْلِهِ أَوَّاهًا مُنِيبًا بِصِلَةٍ وَاحِدَةٍ لِكَوْنِ الْإِنَابَةِ لَازِمَةً لِلتَّأَوُّهِ وَرَدِيفًا لَهُ فَكَأَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] اهـ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا يَصِحُّ ذِكْرُهُ.

стр. 3557

(رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي) يَجْعَلُهَا صَحِيحَةً بِشَرَائِطِهَا وَاسْتِجْمَاعِ آدَابِهَا فَإِنَّهَا لَا تَتَخَلَّفُ عَنْ حَيِّزِ الْقَبُولِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: تَكُونُ نَصُوحًا فَلَا أَنْكُثُهَا أَبَدًا فَمُوهِمٌ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ النَّصُوحِ عَدَمُ النِّكْثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] بِفَتْحِ النُّونِ، أَيْ بَالِغَةً فِي النُّصْحِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةُ التَّائِبِ فَإِنَّهُ يَنْصَحُ نَفْسَهُ بِالتَّوْبَةِ وُصِفَتْ بِهِ التَّوْبَةُ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ مُبَالَغَةً، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ بِضَمِّ النُّونِ وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى النُّصْحِ، وَتَقْدِيرُهُ ذَاتَ نُصُوحٍ أَوْ تَنْصَحُ نُصْحًا لِأَنْفُسِكُمْ، وَفُسِّرَ نَصُوحًا بِصَادِقَةٍ وَخَالِصَةٍ، وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّصُوحِ تَائِبٌ مَشْهُورٌ فَغَيْرُ مُرَادٍ بِالْآيَةِ إِجْمَاعًا لِلْمُفَسِّرِينَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ لَا عَدَمِ النِّكْثِ عَلَى الصَّحِيحِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مَرْفُوعًا أَنَّ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ أَنْ يَتُوبَ ثُمَّ لَا يَعُودَ إِلَى الذَّنْبِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ إِلَى الضَّرْعِ فَمَحْمُولٌ عَلَى كَمَالِهِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ حُسْنُ خَاتِمَتِهِ وَمَآلِهِ (وَاغْسِلْ حَوْبَتِي) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيَضُمُّ أَيِ امْحُ ذَنْبِي قِيلَ هِيَ مَصْدَرُ حُبْتُ أَيْ أَثِمْتُ، تَحَوَّبَ حُوبَةً وَحُوبًا وَحَابَةً وَالْحُوبُ بِالضَّمِّ، وَالْحَابُ الْإِثْمُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَزْجُورًا عَنْهُ، إِذِ الْحُوبُ فِي الْأَصْلِ لِزَجْرِ الْإِبِلِ، وَذَكَرَ الْمَصْدَرَ دُونَ الِاسْمِ وَهُوَ الْحُوبُ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ مِنْ فِعْلِ الذَّنْبِ أَبْلَغُ مِنْهُ مِنْ نَفْسِ الذَّنْبِ كَذَا قِيلَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَاعَاةً لِلسَّجْعِ وَقَدْ جَاءَ فِي التَّنْزِيلِ " ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] " ثُمَّ ذَكَرَ الْغَسْلَ لِيُفِيدَ إِزَالَتَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَالتَّنَزُّهُ وَالتَّقَصِّي عَنْهُ كَالتَّنَزُّهِ عَنِ الْقَذِرِ الَّذِي يَسْتَنْكِفُ عَنْ مُجَاوَرَتِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ أَزِلْ آثَامِي بِتَبْدِيلِهَا حَسَنَاتٍ فَأَمْرٌ خَارِجٌ عَنِ اللُّغَةِ وَمَفْهُومِ الْحَدِيثِ، (وَأَجِبْ دَعْوَتِي) أَيْ دُعَائِي، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ ذُكِرَ لِأَنَّهُ مِنْ فَوَائِدَ قَبُولُ التَّوْبَةِ فَمُوهِمٌ أَنَّهُ لَا تُجَابُ دَعْوَةُ غَيْرِ التَّائِبِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لِمَا صَحَّ مِنْ أَنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا، وَفِي رِوَايَةٍ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا، (وَثَبِّتْ حُجَّتِي) أَيْ عَلَى أَعْدَائِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى أَوْ ثَبِّتْ قَوْلِي وَتَصْدِيقِي فِي الدُّنْيَا وَعِنْدَ جَوَابِ الْمَلَكَيْنِ، (وَسَدِّدْ) أَيْ صَوِّبْ وَقَوِّمْ، (لِسَانِي) حَتَّى لَا يَنْطِقَ إِلَّا بِالصِّدْقِ وَلَا يَتَكَلَّمَ إِلَّا بِالْحَقِّ، (وَاهْدِ قَلْبِي) أَيْ إِلَى مَعْرِفَةِ رَبِّي، (وَاسْلُلْ) بِضَمِّ اللَّامِ الْأُولَى أَيْ أَخْرِجْ (سَخِيمَةَ صَدْرِي) أَيْ غِشَّهُ وَغِلَّهُ وَحِقْدَهُ وَحَسَدَهُ وَنَحْوَهَا، مِمَّا يَنْشَأُ مِنَ الصَّدْرِ وَيَسْكُنُ فِي الْقَلْبِ مِنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَلْبِي بَدَلَ صَدْرِي قِيلَ السَّخِيمَةُ الضَّغَنُ وَالْحِقْدُ مِنَ السُّخْمَةِ وَهُوَ السَّوَادُ وَمِنْهُ سُخَامُ الْقِدْرِ وَقِيلَ السَّخِيمَةُ الضَّغِينَةُ وَإِضَافَتُهَا إِلَى الصَّدْرِ لِأَنَّ مَبْدَأَهَا الْقُوَّةُ الْغَضَبِيَّةُ الَّتِي فِي الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ فِي الصَّدْرِ، وَسَلُّهَا إِخْرَاجُهَا وَتَنْقِيَةُ الصَّدْرِ مِنْهَا مِنْ سَلَّ السَّيْفَ إِذَا أَخْرَجَهُ مِنَ الْغِمْدِ قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ مَا الْفَائِدَةُ فِي تَرْكِ الْعَاطِفِ فِي قَوْلِهِ رَبِّ اجْعَلْنِي إِلَى مُنِيبًا وَفِي الْإِتْيَانِ بِهِ فِي الْقَرَائِنِ اللَّاحِقَةِ قُلْتُ: أَمَّا التُّرْكُ فَلِلتَّعْدَادِ وَالْإِحْصَاءِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ لِلَّهِ غَيْرَ مَعْدُودٍ وَلَا دَاخِلٍ تَحْتَ مَحْدُودٍ فَيَنْعَطِفُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلِذَا قَدَّمَ الصِّلَةَ عَلَى مُتَعَلِّقَاتِهَا وَأَمَّا الْإِتْيَانُ بِالْعَاطِفِ فِيمَا كَانَ لِلْعَبْدِ فَلِانْضِبَاطِهِ اهـ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ عِنْدَ تَأَمُّلِهِ وَإِنْ قَالَ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِتَأَمُّلِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) وَقَالَ الْجَزَرِيُّ رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ.

стр. 3558

٢٤٨٩ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ. فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنَ الْعَافِيَةِ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. ــ ٢٤٨٩ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ) ﵁ (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى) قِيلَ إِنَّمَا بَكَى لِأَنَّهُ عَلِمَ وُقُوعَ أُمَّتِهِ فِي الْفِتَنِ وَغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى جَمْعِ الْمَالِ وَتَحْصِيلِ الْجَاهِ فَأَمَرَهُمْ بِطَلَبِ الْعَفْوِ وَالْعَافِيَةِ لِيَعْصِمَهُمْ مِنَ الْفِتَنِ (فَقَالَ سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ) أَيْ مَحْوَ الذُّنُوبِ وَسَتْرَ الْعُيُوبِ، (وَالْعَافِيَةَ) قِيلَ هُوَ أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ مِنَ النَّاسِ وَيُعَافِيَهُمْ مِنْكَ، وَقِيلَ أَنْ تَعْفُوَ عَنْهُمْ وَيَعْفُوا عَنْكَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ السَّلَامَةُ فِي الدِّينِ مِنَ الْفِتْنَةِ وَفِي الْبَدَنِ مِنْ

стр. 3559

سَيِّئِ الْأَسْقَامِ وَشِدَّةِ الْمِحْنَةِ وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ مَعْنَى الْمُعَافَاةِ كَمَا لَا يَخْفَى (فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ) أَيْ عِلْمَ الْيَقِينِ وَهُوَ الْإِيمَانُ وَالْبَصِيرَةُ فِي الدِّينِ، (خَيْرًا مِنَ الْعَافِيَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهِيَ السَّلَامَةُ مِنَ الْآفَاتِ فَيَنْدَرِجُ فِيهَا الْعَفْوُ اهـ. يَعْنِي وَلِعُمُومِ مَعْنَى الْعَافِيَةِ الشَّامِلَةِ لِمَعْنَى الْعَفْوِ اكْتَفَى بِذِكْرِهَا عَنْهُ وَالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ سَابِقًا لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّهُ أَهَمُّ أَنْوَاعِهِ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ خُلَاصَةَ كَلَامِ الطِّيبِيِّ: فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ أَفْرَدَ الْعَافِيَةَ بَعْدَ جَمْعِهَا: قُلْتُ لِأَنَّ مَعْنَى الْعَفْوِ مَحْوُ الذُّنُوبِ وَمَعْنَى الْعَافِيَةِ السَّلَامَةُ عَنِ الْأَسْقَامِ وَالْبَلَايَا فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْعَفْوِ بِهَا لِشُمُولِهَا لَهُ وَوَجْهُ الْغَرَابَةِ أَنَّ أَخْذَ الذُّنُوبِ مِنَ الْبَلَايَا لَيْسَ مِنْ كِتَابِ اللُّغَةِ وَلَا مِنْ بَابِ التَّعَارُفِ وَإِنْ كَانَتِ الصُّوفِيَّةُ قَدْ يُعَبِّرُونَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ بِالْبَلِيَّةِ وَلَكِنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الْعِبَارَاتِ لَا مِنْ أَرْبَابِ الْإِشَارَاتِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا) أَيْ غَرِيبٌ إِسْنَادُهُ لَا مَتْنُهُ وَفِي الْحِصْنِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، مِنْ حَدِيثِ الصِّدِّيقِ قَالَ مِيرَكُ وَلَفْظُ الْحَاكِمِ سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالْيَقِينَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ.

стр. 3560

٢٤٩٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ قَالَ: سَلْ رَبَّكَ الْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ثُمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَدْ أَفْلَحْتَ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. ــ ٢٤٩٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ قَالَ سَلْ رَبَّكَ الْعَافِيَةَ» ) أَيْ فِي الدِّينِ وَالْبَدَنِ، (وَالْمُعَافَاةَ) أَيْ مِنَ الْخَلْقِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُخَالَطَتِهِمْ مِنَ الْفِتَنِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنَ الْعَافِيَةِ الْمُسَامَحَةُ فِي حَقِّ اللَّهِ وَمِنَ الْمُعَافَاةِ الْمُسَامَحَةُ فِي حَقِّ الْعِبَادِ، (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا وَيَحْصُلُ الضَّرَرُ فِيهِمَا، (ثُمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلَ ذَلِكَ الْقَوْلِ فَنَصْبُهُ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ، (ثُمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ) أَيْ مُبَيِّنًا لَهُ أَفْضَلِيَّةَ الدُّعَاءِ، (فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَدْ أَفْلَحْتَ) أَيْ خَلُصْتَ مِنْ خَوْفِكَ وَظَفِرْتَ بِمَقْصُودِكَ قِيلَ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ كَلِمَةٌ أَجْمَعَ مِنَ الْفَلَاحِ إِلَّا الْعَافِيَةَ وَكَذَا النَّصِيحَةَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا) تَمْيِيزٌ عَنِ الثَّانِي فَإِنَّ الْغَرَابَةَ تَارَةً تَكُونُ فِي الْمَتْنِ وَأُخْرَى فِي الْإِسْنَادِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَأَمَّا الْحَسَنُ فَلَا يَكُونُ إِلَّا بِاعْتِبَارِ إِسْنَادِهِ فَلَيْسَ فِيهِ إِيهَامٌ لِيَحْتَاجَ إِلَى رَفْعِهِ بِالتَّمْيِيزِ فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ تَمْيِيزٌ عَنْ حَسَنٍ وَغَرِيبٍ وَكَذَا فِي نَظَائِرِهِمَا إِنَّمَا نَشَأَ عَنْ كَثْرَةِ غَفْلَةٍ أَوْ قِلَّةِ تَمْيِيزٍ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَدْعُو اللَّهَ بِهِ فَقَالَ سَلْ رَبَّكَ الْعَافِيَةَ فَمَكَثْتُ أَيْامًا ثُمَّ جِئْتُ فَقَلْتُ يَا رَسُولَ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُهُ رَبِّي فَقَالَ يَا عَمِّ سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ يَا عَمِّ أَكْثِرِ الدُّعَاءَ بِالْعَافِيَةِ، أَيْ لِأَنَّهَا لِتَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ وَلِدَفْعِ الْبَلَايَا كَافِيَةٌ.

стр. 3561

٢٤٩١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ ﵁ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ. وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ مَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٢٤٩١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمَيِّ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ أَنْصَارِيٌّ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشَرَةَ سَنَةً ( «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ» ) يَحْتَمِلُ إِضَافَتَهُ

стр. 3562

إِلَى الْفَاعِلِ وَإِلَى الْمَفْعُولِ وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ وَهُوَ الْأَصْلُ مَعَ أَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ قَالَ تَعَالَى: " ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] "، وَالثَّانِي أَظْهَرُ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَزَلِيٌّ وَلَا يَتَعَلَّقُ الدُّعَاءُ إِلَّا بِالْحَادِثِ وَلِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ (وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ) عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْهُ وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِيَنْفَعُنِي، وَكَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ وَهُوَ: مَنْ يَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِحُبِّهِ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ إِلَيْكَ مُوهِمٌ فَتَأَمَّلْهُ، (اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي) وَلَفْظُ الْحِصْنِ كَمَا رَزَقْتَنِي، (مِمَّا أُحِبُّ) أَيِ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي أُحِبُّهَا مِنْ صِحَّةِ الْبَدَنِ وَقُوَّتِهِ وَأَمْتِعَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأُمْنِيَةِ وَالْفَرَاغِ، (فَاجْعَلْهُ قُوَّةً) أَيْ عُدَّةً، (لِي فِيمَا تُحِبُّ) بِأَنْ أَصْرِفَهُ فِيمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ مِنَ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ، (اللَّهُمَّ مَا زَوَيْتَ) فِي الْحِصْنِ اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ مِنَ الزَّيِّ بِمَعْنَى الْقَبْضِ وَالْجَمْعِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊ «اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الْأَرْضَ وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ» أَيِ اطْوِهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، أَيْ مَا قَبَضْتَهُ وَنَحَّيْتَهُ وَبَعَّدْتَهُ (عَنِّي) بِأَنْ مَنَعْتَنِي وَلَمْ تُعْطِنِي (مِمَّا أُحِبُّ) أَيْ مِمَّا أَشْتَهِيهِ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْأَوْلَادِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ (فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا) أَيْ سَبَبَ فَرَاغِ خَاطِرِي (فِيمَا تُحِبُّ) أَيْ مِنَ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ وَالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي مَا صَرَفْتَ عَنِّي مِنْ مَحَابِّي فَنَحِّهِ عَنْ قَلْبِي وَاجْعَلْهُ سَبَبًا لِفَرَاغِي لِطَاعَتِكَ وَلَا تَشْغَلْ بِهِ قَلْبِي فَيُشْغَلَ عَنْ عِبَادَتِكَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ اجْعَلْ مَا نَحَّيْتَهُ عَنِّي مِنْ مَحَابِّي عَوْنًا لِي عَلَى شُغْلِي بِمَحَابِّكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَرَاغَ خِلَافُ الشُّغْلِ فَإِذَا زَوَى عَنْهُ الدُّنْيَا لِيَتَفَرَّغَ بِمَحَابِّ رَبِّهِ كَانَ ذَلِكَ الْفَرَاغُ عَوْنًا لَهُ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَفِي الْحَدِيثِ قَالَ عُمَرُ ﵁ عَجِبْتُ لِمَا زَوَى اللَّهُ عَنْكَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 3563

٢٤٩٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيْبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ٢٤٩٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ) أَيْ قَلَّ تَرْكُهُ لَهُمْ (اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا) أَيِ اجْعَلْ لَنَا قِسْمًا وَنَصِيبًا (مِنْ خَشْيَتِكَ) وَهُوَ خَوْفٌ مَعَ التَّعْظِيمِ (مَا تَحُولُ بِهِ) أَيْ مِقْدَارًا تَحْجُبُ أَنْتَ بِسَبَبِهِ (بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ) فَإِنَّهُ لَا أَمْنَعَ لَهَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا فِي الْحَدِيثِ نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ مُبَالَغَةٌ فِي كَمَالِهِ، بِأَنَّ تَرْكَ عِصْيَانِهِ نَشَأَ عَنِ الْمَحَبَّةِ لَا عَنِ الرَّهْبَةِ مَعَ الْخَشْيَةِ أَخَصُّ مِنَ الْخَوْفِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ وَفِي نُسْخَةٍ يَحُولُ بِالتَّحْتِيَّةِ، وَتَرَكَ بِهِ أَيْ قَدْرًا يَمْنَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا مِنْ حَالَ يَحُولُ حَيْلُولَةً، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَيْ بِسَبَبِهِ أَوْ هِيَ بَاءُ الْآلَةِ وَكِلَاهُمَا مَجَازٌ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ مَعَ أَنَّ إِطْلَاقَ الْآلَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى خَطَأٌ فَاحِشٌ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَجَازِ ضِدُّ الْحَقِيقَةِ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ فَقَدْ صَرَّحَ أَرْبَابُهَا بِأَنَّهُمَا حَقِيقَتَانِ فِي مَعْنَيَيْهِمَا فَفِي الْقَامُوسِ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ " فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ " " ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤] " وَلِلِاسْتِعَانَةِ نَحْوَ: كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ وَنَجَرْتُ بِالْقُدُومِ وَمِنْهُ بَاءُ الْبَسْمَلَةِ اهـ. وَفِي إِيرَادِ الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ تَنْبِيهٌ وَتَوْجِيهٌ وَجِيهٌ لِمَا قُلْنَا مِنْ صِحَّةِ إِطْلَاقِ السَّبَبِيَّةِ فِي فِعْلِهِ تَعَالَى وَفِي فِعْلِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْآلَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ فَإِنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ (وَمِنْ طَاعَتِكَ) بِإِعْطَاءِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَالتَّوْفِيقِ لَهَا (مَا تُبَلِّغُنَا) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ تَوَصِّلُنَا أَنْتَ (بِهِ جَنَّتَكَ) أَيْ دَرَجَاتِهَا الْعَلِيَّةَ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: (مَا) أَيْ نَصِيبًا وَافِرًا يَحْصُلُ لَنَا تُبَلِّغُنَا فَظَاهِرُهُ أَنَّ تُبَلِّغُنَا بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَطَأِ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، ثُمَّ قَوْلُهُ بِأَنْ تُدْخِلَنَا مَعَ النَّاجِينَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلْمَقَامِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْكِرَامِ مِنْ أَرْبَابِ الْفُهُومِ عَلَى الْكَلَامِ، (وَمِنَ الْيَقِينِ) أَيِ الْيَقِينِ بِكَ وَبِأَنْ لَا مَرَدَّ لِقَضَائِكَ وَبِأَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبْتَهُ عَلَيْنَا وَبِأَنَّ مَا قَدَّرْتَهُ لَا يَخْلُو عَنْ حِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مَزِيدِ الْمَثُوبَةِ، (مَا تُهَوِّنُ بِهِ) أَيْ تُسَهِّلُ أَنْتَ بِذَلِكَ الْيَقِينِ، (عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا) وَفِي رِوَايَةٍ مَصَائِبَ الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا مُثَوَّبَاتُ الْأُخْرَى لَا يَغْتَمُّ بِمَا أَصَابَهُ وَلَا يَحْزَنُ بِمَا نَابَهُ، وَرُويَ مَا يُهَوِّنُ عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ بِهِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ يُهَوِّنُ بِالْيَاءِ آخِرَ الْحُرُوفِ وَإِثْبَاتُ بِهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ، (وَمَتِّعْنَا) أَيِ اجْعَلْنَا مُتَمَتِّعِينَ مُنْتَفِعِينَ، (بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا) بِأَنْ نَسْتَعْمِلَهَا فِي طَاعَتِكَ لِيَكُونَ لَنَا بِهَا.

стр. 3564

نَفَعًا وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: التَّمَتُّعُ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ إِبْقَاؤُهُمَا صَحِيحَيْنِ إِلَى الْمَوْتِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالسَّمْعِ مَا يُسْمَعُ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَبِالْبَصَرِ اعْتِبَارَ مَا يُرَى وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْقُوَى، (مَا أَحْيَيْتَنَا) أَيْ مُدَّةَ حَيَاتِنَا قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا خُصُّ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ بِالتَّمَتُّعِ مِنَ الْحَوَاسِّ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ الْمُوصِلَةَ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ إِنَّمَا تَحْصُلُ مِنْ طَرِيقِهِمَا، لِأَنَّ الْبَرَاهِينَ إِنَّمَا تَكُونُ مَأْخُوذَةً مِنَ الْآيَاتِ وَذَلِكَ بِطَرِيقِ السَّمْعِ، أَوْ مِنَ الْآيَاتِ الْمَنْصُوبَةِ فِي الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ، فَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْبَصَرِ فَسَأَلَ التَّمَتُّعَ بِهِمَا حَذَرًا مِنَ الِانْخِرَاطِ فِي سِلْكِ الَّذِينَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً، وَلَمَّا حَصَلَتِ الْمَعْرِفَةُ بِالْأَوَّلِينَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْعِبَادَةُ، فَسَأَلَ الْقُوَّةَ لِيَتَمَكَّنَ بِهَا مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ اهـ. وَبِالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ فِي تَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلَى الْبَصَرِ إِشَارَةً إِلَى أَفْضَلِيَّتِهِ، خُصُوصًا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ حَتَّى فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ بِالْفِعْلِ مَعَ وُجُودِ الْآيَاتِ الْآفَاقِيَّةِ وَالْأَنْفُسِيَّةِ حِينَئِذٍ، مَعَ أَنَّهُ إِذَا خُلِقَ أَبْكَمَ فَيَبْعُدُ أَنْ يَعَرِفَ اللَّهَ تَعَالَى بِمُجَرَّدِ عَقْلِهِ، وَكَذَا بَعْدَ الْبَعْثَةِ لَا شَكَّ أَنَّ الِانْتِفَاعَ الدِّينِيَّ بِالسَّمْعِ أَكْثَرُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِالْبَصَرِ، وَلِذَا اتَّفَقُوا عَلَى قَبُولِ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ بِخِلَافِ إِيمَانِ صَاحِبِ الْفَتْرَةِ ; فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحَقُّقُهُ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ الْمُجَرَّدِ فَقَطْ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، هَذَا وَالْمُرَادُ بِالْقُوَّةِ قُوَّةُ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ وَالْحَوَاسِّ أَوْ جَمِيعِهَا فَيَكُونُ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ وَجْهُ ذِكْرِ هَذَيْنِ دُونَ بَقِيَّةِ الْحَوَاسِّ، ثُمَّ رَأَيْتُ الشَّارِحَ صَرَّحَ بِمَا ذَكَرْتُهُ فَقَالَ: وَإِنَّمَا خُصُّ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ فَمَرْدُودٌ ; لِأَنَّ مُرَادَ الطِّيبِيِّ أَنَّهُ إِنَّمَا خُصُّ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ سَابِقًا مَعَ دُخُولِهِمَا فِي تَعْمِيمِ قُوَّتِنَا لَاحِقًا لَا أَنَّهُ إِنَّمَا خُصَّا بِالذِّكْرِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهَا مِنَ الْقُوَى الظَّاهِرِيَّةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ، فَقَالَ لِأَنَّ الْفَرْقَ دَقِيقٌ وَبِالتَّأَمُّلِ حَقِيقٌ، (وَاجْعَلْهُ) أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَعْنِي اجْعَلْ مَا مُتِّعْنَا بِهِ، (الْوَارِثَ) أَيِ الْبَاقِيَ (مِنَّا) بِأَنْ يَبْقَى مَا مَتَّعْتَنَا بِهِ إِلَى الْمَوْتِ قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ الزَّمَخْشَرِيُّ أَعَادَ الضَّمِيرَ إِلَى الْمَصْدَرِ الْمَحْذُوفِ أَيِ اجْعَلِ الْجَعْلَ أَوْ جَعَلًا الْوَارِثَ مِنْ عَشِيرَتِنَا، فَمِنَّا مَفْعُولٌ ثَانٍ لِجَعَلَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ الضَّمِيرُ لِلْمَصْدَرِ أَيِ اجْعَلِ الْجَعْلَ، وَالْوَارِثُ هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ وَمِنَّا فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي أَيِ اجْعَلِ الْوَارِثَ مِنْ نَسْلِنَا لَا كَلَالَةً خَارِجَةً عَنَّا قَالَ صَاحِبُ كَشْفِ الْكَشَّافِ وَهُوَ مَعْنًى مَقْصُودٌ لِلْعُقَلَاءِ حَكَاهُ تَعَالَى عَنْ زَكَرِيَّا ﵊ فِي قَوْلِهِ ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا - يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥ - ٦] وَهَذَا أَوْلَى لِاسْتِحْقَاقِهِ بِالْفَائِدَةِ فَإِنَّ فِي قَوْلِنَا مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا مَا يُغْنِي عَنْ جَعْلِهَا كَالْوَارِثِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّأْوِيلِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ أَيْضًا ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩] وَأَطَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَعَقُّبِ هَذَا الْقَوْلِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَلِذَا أَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِهِ وَعَنْ جَوَابِ اعْتِرَاضَاتِهِ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلتَّمْتِيعِ وَهُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ وَالْوَارِثُ هُوَ الثَّانِي وَمِنَّا صِلَتُهُ، أَيِ اجْعَلِ التَّمْتِيعَ بَاقِيًا مِنَّا وَمَأْثُورًا فِيمَنْ بَعْدَنَا، وَقِيلَ الْمَعْنَى: وَفِّقْنَا لِحِيَازَةِ الْعِلْمِ لَا الْمَالِ حَتَّى يَكُونَ الْعِلْمُ هُوَ الَّذِي يَبْقَى مِنَّا، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْقُوَّةِ بِتَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ أَيِ اجْعَلِ الْمَذْكُورَ بَاقِيًا لَازِمًا عِنْدَ الْمَوْتِ لُزُومَ الْوَارِثِ قَالَ صَاحِبُ الْكَشْفِ: يُرِيدُ اجْعَلْهَا سَالِمَةً لَازِمَةً مَعَنَا إِلَى الْمَوْتِ، وَبُولِغَ فِيهِ فَقِيلَ: اجْعَلْهَا كَأَنَّهَا تَبْقَى بَعْدَهُ ; لِأَنَّ الْوَارِثَ يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقِيلَ الضَّمِيرُ لِلتَّمْتِيعِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ التَّمْتِيعُ وَالْمَعْنَى اجْعَلْ تَمَتُّعَنَا بَاقِيًا مِنَّا مَحْفُوظًا لَنَا إِلَى يَوْمِ الْحَاجَةِ، وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُبْقِيَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ إِذَا أَدْرَكَهُ الْكِبَرُ، وَضَعُفَ مِنْهُ سَائِرُ الْقُوَى ; لِيَكُونَا وَارِثَيْ سَائِرِ الْقُوَى وَالْبَاقِينَ بَعْدَهَا اهـ. وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ قُوَّةُ السَّامِعَةِ وَالْبَاصِرَةِ أَنْفَعَ الْقُوَى خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ أَوَّلًا ثُمَّ عَمَّمَ، وَقِيلَ الْأَوْلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ هَذَا الْفَيْضُ الْإِلَهِيُّ عَنْهُ وَعَنِ أَتْبَاعِهِ لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَهُدًى لِلْمُتَّقِينَ (وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا) بِالْهَمْزِ بَعْدَ الْمُثَلَّثَةِ الْمَفْتُوحَةِ، أَيْ إِدْرَاكَ ثَأْرِنَا مَقْصُورًا (عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا) وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ تَعَدَّى فِي طَلَبِ ثَأْرِهِ فَأَخَذَ بِهِ غَيْرَ الْجَانِي كَمَا كَانَ مَعْهُودًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنَرْجِعَ ظَالِمِينَ بَعْدَ أَنْ كُنَّا مَظْلُومِينَ، وَأَصْلُ الثَّأْرِ الْحِقْدُ وَالْغَضَبُ، يُقَالُ ثَأَرْتُ الْقَتِيلَ وَبِالْقَتِيلِ أَيْ قَتَلْتُ قَاتِلَهُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ مِنَ الثَّوَرَانِ يُقَالُ ثَارَ أَيْ هَاجَ غَضَبُهُ فَخَطَأٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ فَإِنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مَهْمُوزُ الْعَيْنِ وَالَّذِي قَالَهُ مُعْتَلُّ الْعَيْنِ فَلَا اتِّحَادَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَادَّةِ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ الْقَامُوسُ وَالنِّهَايَةُ، وَلَعَلَّهُ قَرَأَ ثَارَنَا بِالْأَلْفِ أَوْ كَانَ فِي نُسْخَتِهِ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَإِنَّ الْهَمْزَةَ السَّاكِنَةَ جَازَ إِبْدَالُهَا عِنْدَ الْكُلِّ، أَوِ اجْعَلْ إِدْرَاكَ ثَأْرِنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا فَنُدْرِكَ فَيَكُونُ بِمَعْنَى قَوْلِهِ (وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا)

стр. 3565

أَيْ لَا تُصِبْنَا بِمَا يُنْقِصُ دِينَنَا مِنِ اعْتِقَادِ السُّوءِ وَأَكْلِ الْحَرَامِ وَالْفَتْرَةِ فِي الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا، (وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا) أَيْ لَا تَجْعَلْ طَلَبَ الْمَالِ وَالْجَاهِ أَكْبَرَ قَصْدِنَا أَوْ حُزْنِنَا، بَلِ اجْعَلْ أَكْبَرَ قَصْدِنَا أَوْ حُزْنِنَا مَصْرُوفًا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ، وَفِيهِ أَنَّ قَلِيلًا مِنَ الْهَمِّ فِيمَا لَابُدَ مِنْهُ فِي أَمْرِ الْمَعَاشِ مُرَخَّصٌ فِيهِ ; بَلْ مُسْتَحَبٌّ ; بَلْ وَاجِبٌ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَخَرَجَ بِأَكْبَرَ مَا لَوْ سَاوَى هَمَّ الْخَيْرِ وَهَمَّ الدُّنْيَا، أَوْ نَقُصَ الثَّانِي إِذْ صَاحِبُهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَا يُنَاسِبُ الدُّعَاءَ سِيَّمَا مِنْ صَاحِبِ الْحَالَةِ الْقَوِيَّةِ، وَالْمَرْتَبَةِ الْعَلِيَّةِ وَتَعْلِيمِ الْأُمَّةِ بِالزُّهْدِ فِي الْأُمُورِ الْمَرْوِيَّةِ، ثُمَّ أَغْرَبَ حَيْثُ تَرَجَّحَ وَتَعَبَّثَ، كَلَامُ الطِّيبِيِّ تَبَجُّحٌ، (وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا) أَيْ غَايَةَ عِلْمِنَا، أَيْ تَجْعَلْنَا حَيْثُ لَا نَعْلَمُ وَلَا نَتَفَكَّرُ إِلَّا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، بَلِ اجْعَلْنَا مُتَفَكِّرِينَ فِي أَحْوَالِ الْآخِرَةِ، مُتَفَحِّصِينَ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَالْمَبْلَغُ الْغَايَةُ الَّتِي يَبْلُغُهُ الْمَاشِي وَالْمُحَاسَبُ فَيَقِفُ عِنْدَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٢٩ - ٣٠] وَقَالَ ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] وَفِي الْحَدِيثِ مَدْحُ مَنْ يَكُونُ بِعَكْسِ حَالِهِمْ مِنَ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ: أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ ; أَيْ لَا يَعْلَمُونَ أُمُورَ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ عَالِمُونَ مُوقِنُونَ، (وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا) أَيْ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، أَوْ مِنَ الْأُمَرَاءِ الظَّالِمِينَ، أَوْ مِنَ السُّفَهَاءِ الْجَاهِلِينَ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ لَا تَجْعَلْنَا مَغْلُوبِينَ لِلْكُفَّارِ وَالظَّلَمَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ، وَلَا تَجْعَلِ الظَّالِمِينَ عَلَيْنَا حَاكِمِينَ فَإِنَّ الظَّالِمَ لَا يَرْحَمُ الرَّعِيَّةَ، ثُمَّ قَالَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ مَنْ لَا يَرْحَمُنَا عَلَى مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ فِي الْقَبْرِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْرَارُ مَعَ قَوْلِهِ وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا اهـ. وَالْأُولَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ فَيَكُونُ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ لِأَنَّهُ عَلَى فَرْضِ التَّخْصِيصِ لَا تَخْلِيصَ عَنِ التَّكْرَارِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ طَلَبِ الْأُمُورِ السَّابِقَةِ مِنَ الْخَشْيَةِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَالطَّاعَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: مَنْ لَا يَرْحَمُنَا لِكُفْرٍ، أَوْ عُتُوٍّ، أَوْ بِدْعَةٍ، أَوْ مِحْنَةٍ، نَحْوَ مَالٍ يُرِيدُهُ مِنَّا بِأَنْ تُجْعَلَ لَهُ قُوَّةٌ وَشَوْكَةٌ يَتَمَكَّنُ بِهَا عَلَى مَا يُرِيدُهُ مِنَّا، فَكُلُّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: مَنْ عَادَانَا، فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ وَبِمَا قَرَّرْتُهُ يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا لَا يُغْنِي عَنْ هَذَا، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ. ثُمَّ قَوْلُهُ وَإِنَّمَا سَأَلُوا ذَلِكَ لِضَعْفِهِمْ عَنِ احْتِمَالِ فِتْنَةِ الصَّبْرِ عَنِ الْأَذِيَّةِ، خَطَأٌ فَاحِشٌ فَإِنَّ السَّائِلَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ الْكَامِلُونَ النَّازِلُ فِي حَقِّهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وَإِنَّمَا سَأَلَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا إِظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّةِ، وَإِيمَاءً إِلَى أَنَّ الْعَافِيَةَ أَوْسَعُ مِنَ الِابْتِلَاءِ بِالْبَلِيَّةِ، وَهَذَا كُلُّهُ قَبْلَ وُقُوعِ الْبَلَاءِ وَأَمَّا بَعْدُهُ فَيُحْكَمُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] خِطَابًا لَهُ ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] فَيَرْجِعُونَ إِلَيْهِ تَعَالَى بِطَلَبِ التَّحَمُّلِ، وَيَدْعُونَ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ.

стр. 3566

٢٤٩٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي وَزِدْنِي عِلْمًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. ــ ٢٤٩٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ) أَيْ فِي دُعَائِهِ (اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي) أَيْ بِالْعَمَلِ بِعِلْمِي، (وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي) أَيْ عِلْمًا يَنْفَعُنِي هُوَ أَوِ الْعَمَلُ بِهِ فِي دِينِي وَآخِرَتِي، (وَزِدْنِي عِلْمًا) أَيْ لَدُنَّيًّا يَتَعَلَّقُ بِذَاتِكَ وَأَسْمَائِكَ وَصِفَاتِكَ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِفَضِيلَةِ زِيَادَةِ الْعِلْمِ عَلَى الْعَمَلِ قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ اجْعَلْنِي عَامِلًا بِعِلْمِي وَعَلِّمْنِي عِلْمًا أَعْمَلُ بِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَعْنَى مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ثُمَّ طَلَبَ زِيَادَةَ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ نِهَايَةُ السُّلُوكِ وَهُوَ أَنْ يُوصِّلَ إِلَى مَخْدَعِ الْوِصَالِ قِيلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ، (الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) أَيْ مُلَائِمٍ لِلنَّفْسِ وَغَيْرِهَا حَمْدًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا أَوْلَاهُ اسْتِجْلَابًا لِلْمَزِيدِ قَالَ تَعَالَى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] ، وَاسْتَعَاذَ مِنْ حَالِ أَهْلِ الْقَطِيعَةِ وَالْبُعْدِ فَقَالَ (وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ) مِنَ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ وَالْعِقَابِ فِي الْعُقْبَى (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) ، وَكَذَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا) ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ وَلَفْظُهُمَا: اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي وَارْزُقْنِي عِلْمًا تَنْفَعُنِي بِهِ.

стр. 3567

٢٤٩٤ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْمًا فَمَكَثْنَا سَاعَةً، فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا، ثُمَّ قَالَ: أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ٢٤٩٤ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ إِذَا أُنْزِلَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِنْزَالِ، (سُمِعَ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ، (عِنْدَ وَجْهِهِ) أَيْ عِنْدَ قُرْبِ وَجْهِهِ بِحَذْفِ الْمُضَافِ (كَدَوِيِّ النَّحْلِ) أَيْ مِثْلِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ وَالدَّوِيُّ صَوْتٌ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهَذَا الصَّوْتُ هُوَ صَوْتُ جِبْرِيلَ ﵊، يَبْلُغُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَحْيَ، وَلَا يَفْهَمُ الْحَاضِرُونَ مِنْ صَوْتِهِ شَيْئًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ سُمِعَ مِنْ جَانِبِ وَجْهِهِ وَجِهَتِهِ صَوْتٌ خَفِيٌّ كَانَ الْوَحْيُ كَانَ يُؤَثِّرُ فِيهِمْ وَيَنْكَشِفُ لَهُمُ انْكِشَافًا غَيْرَ تَامٍّ، فَصَارُوا كَمَنْ يَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتٍ وَلَا يَفْهَمُهُ، أَوْ أَرَادَ لِمَا جَمَعُوهُ مِنْ غَطِيطِهِ وَشِدَّةِ تَنَفُّسِهِ عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ عِنْدَ الْقُرْبِ مِنْ وَجْهِهِ، وَادَّعَى أَنَّ هَذَا أَوْضَحُ وَهُوَ غَيْرُ وَاضِحٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ أَوْضَحَ، مَعَ أَنَّ الطِّيبِيَّ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ حَاصِلَ الْمَعْنَى، وَإِلَّا فَلَا أَحَدَ يَقْرُبُ مِنْ وَجْهِهِ الشَّرِيفِ لِيَسْمَعَ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، وَكَانَ يَحْصُلُ لَهُ ﷺ عِنْدَ سَمَاعِ الْوَحْيِ مِنَ الْغَطِيطِ وَشِدَّةِ التَّنَفُّسِ وَتَوَاتُرِ النَّفَسِ النَّاشِئِ عَنْ مَجِيءِ الْمَلَكِ لَهُ فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ إِذْ لَا تَحْتَمِلُ ذَلِكَ الْقُوَّةُ الْبَشَرِيَّةُ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ مَا، وَكَانَ يَتَفَصَّدُ عَرَقًا مِنْ ثِقَلِ الْوَحْيِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] عَلَى مَا قِيلَ وَلَوْ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ مِنْ شِدَّةِ مَا يَجِدُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ يُؤْخَذُ عَنِ الدُّنْيَا حَتَّى يُمَكِنَهُ التَّلَقِّي مِنَ الْمَلَكِ إِذَا أَتَاهُ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُهُ التَّلَقِّي مَعَهَا، (فَأُنْزِلْ عَلَيْهِ) أَيِ الْوَحْيُ، (يَوْمًا) أَيْ نَهَارًا أَوْ وَقْتًا، (فَمَكَثْنَا) فَتْحُ الْكَافِ وَضَمُّهَا أَيْ لَبِثْنَا، (سَاعَةً) أَيْ زَمَنًا يَسِيرًا نَنْتَظِرُ الْكَشْفَ عَنْهُ، (فَسُرِّيَ) بِضَمِّ السِّينِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ كُشِفَ، (عَنْهُ) وَزَالَ عَنْهُ مَا اعْتَرَاهُ مِنْ بَرْحَاءِ الْوَحْيِ وَشِدَّتِهِ، (فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) أَيْ جِهَةَ الْكَعْبَةِ، (وَرَفَعَ يَدَيْهِ) إِيمَاءً إِلَى طَلَبِ الدَّارَيْنِ، (وَقَالَ اللَّهُمَّ زِدْنَا) أَيْ مِنَ الْخَيْرِ وَالتَّرَقِّي أَوْ كَثِّرْنَا، (وَلَا تَنْقُصْنَا) أَيْ خَيْرَنَا وَمَرْتَبَتَنَا وَعَدَدَنَا قَالَ الطِّيبِيُّ: عُطِفَتْ هَذِهِ النَّوَاهِي عَلَى الْأَوَامِرِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّأْكِيدِ، وَحَذُفُ الْمَفْعُولَاتِ لِلتَّعْمِيمِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَبَعًا لِلطِّيبِي أَنَّهُ أَفَادَ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي هُنَا، وَفِيمَا يَأْتِي إِجْرَاءٌ لِهَذَا مَجْرَى فُلَانٍ يُعْطَى مُبَالَغَةً وَتَعْمِيمًا اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ قَالَ الشَّارِحُ وَلَا تَنْقُصْنَا وَنَحْوُهُ تَأْكِيدٌ، وَهُوَ عَجِيبٌ إِذِ الْمُرَادُ اللَّهُمَّ زِدْنَا عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَقْتَ هَذَا الطَّلَبِ، وَلَا تَنْقُصْنَا عَنْهُ، وَحِينَئِذٍ فَالزِّيَادَةُ الْمَسْئُولَةُ أَوَّلًا غَيْرُ عَدَمِ النَّقْصِ الْمَسْئُولِ ثَانِيًا فَلَا تَأْكِيدَ هُنَا اهـ. وَهُوَ غَرِيبٌ إِذِ الْعِلْمُ بِالْمُرَادِ بِعِيدٌ غَيْرُ قَرِيبٍ، وَعَلَى فَرْضِهِ إِذَا كَانَ الدُّعَاءُ بِالْأَمْرِ مُقَيَّدًا بِزَمَانِهِ ; فَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ بِالنَّهْيِ، فَرَجَعَ إِلَى مَعْنَى التَّأْكِيدِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ الْمَفْهُومُ الْمُخَالِفُ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُ بِالتَّقْيِيدِ فِي الْقَرِينَتَيْنِ، (وَأَكْرِمْنَا) بِقَضَاءِ مَأْرَبِنَا فِي الدُّنْيَا وَرَفْعِ مَنَازِلِنَا فِي الْعُقْبَى، (وَلَا تُهِنَّا) أَيْ لَا تُذِلَّنَا، أَيْ بِضِدِّ ذَلِكَ وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ بِأَنْ تُنْزِلَنَا إِلَى هُوَّةِ غَضَبِكَ هَذَا مَعْلُومٌ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ فِيمَا سَيَأْتِي ارْضَ عَنَّا فَبَطَلُ قَوْلُهُ، وَكَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَأْكِيدَ هُنَا أَيْضًا لِاخْتِلَافِ الْمَطْلُوبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ وَأَصْلُهُ وَلَا تُهْوِنْنَا فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الْوَاوِ إِلَى الْهَاءِ فَالْتَقَتْ سَاكِنَةً مَعَ النُّونِ الْأُولَى السَّاكِنَةِ فَحُذِفَتْ وَأُدْغِمَتِ النُّونُ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ اهـ. (وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا) بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ تَمْنَعْنَا أَوْ لَا تَجْعَلْنَا مَحْرُومِينَ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: التَّأْكِيدُ هُنَا وَاضِحٌ، قُلْتُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَا سَبَقَ عَلَيْهِمَا فَتَدَبَّرْ، (وَآثِرْنَا) أَيِ اخْتَرْنَا بِرَحْمَتِكَ وَعِنَايَتِكَ وَحَسْنِ رِعَايَتِكَ، (وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا) أَيْ غَيْرَنَا بِلُطْفِكَ وَحِمَايَتِكَ ; وَقَالَ الْقَاضِي: أَيْ لَا تُغَلِّبْ عَلَيْنَا أَعْدَاءَنَا، (وَأَرْضِنَا) مِنَ الْإِرْضَاءِ ; أَيْ بِمَا قَضَيْتَ عَلَيْنَا بِإِعْطَاءِ الصَّبْرِ وَتَوْفِيقِ الشُّكْرِ وَتَحَمُّلِ الطَّاعَةِ، (وَارْضَ عَنَّا) أَيْ بِالطَّاعَةِ الْيَسِيرَةِ الْحَقِيرَةِ الَّتِي فِي جُهْدِنَا وَلَا تُؤَاخِذْنَا بِسُوءِ أَعْمَالِنَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ رِضًا لَا سُخْطَ بَعْدَهُ اهـ. فَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّأْكِيدَ فَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّقْيِيدَ فَخَطَأٌ فَاحِشٌ، لِأَنَّ الرِّضَا صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ أَزَلِيَّةٌ لَا تَغَيُّرَ فِيهَا بَعْدَ تَعَلُّقِهَا، (ثُمَّ قَالَ: أُنْزِلَ عَلَيَّ) أَيْ آنِفًا، (عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ) أَيْ قَامَ بِهِنَّ، (دَخَلَ الْجَنَّةَ) أَيْ مَعَ الْأَبْرَارِ، (ثُمَّ قَرَأَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) أَيْ فَازُوا فَوْزًا عَظِيمًا، (حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ) تَمَامَهَا ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] أَيْ خَاضِعُونَ قَلْبًا وَقَالِبًا ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ﴾ [المؤمنون: ٣] أَيْ عَمَّا لَا يَعْنِيهِمْ قَوْلًا وَفِعْلًا ﴿مُعْرِضُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ﴾ [المؤمنون: ٣ - ٤] أَيْ لِأَدَاءِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ بَعْدَ قِيَامِهِمْ بِالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَتَرْكِهِمُ الْأَخْلَاقَ الرَّدِيَّةَ ﴿فَاعِلُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ - إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٤ - ٦] أَيْ مِنَ النِّسَاءِ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] أَيْ مِنَ السَّرَارِي ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] قِيلَ لَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ وَأَلْفُ سَرِيَّةٍ ثُمَّ اشْتَرَى سَرِيَّةً

стр. 3568

فَلَامَهُ أَحَدٌ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٧] ، كَالِاسْتِمْنَاءِ عَلَى قَصْدِ الشَّهْوَةِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] ، أَيِ الْمُتَجَاوِزُونَ عَنْ حَدِّ الْحَلَالِ الْوَاقِعُونَ فِي حَدِّ الْحَرَامِ، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨] ، أَيْ وَمُحَافِظُونَ، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ﴾ [المعارج: ٣٣] أَيْ بِأَدَائِهَا، ﴿قَائِمُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٣٣ - ٩] ، أَيْ بِشُرُوطِهَا وَآدَابِهَا ﴿يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] خَتَمَ بِمَا بَدَأَ بِهِ اهْتِمَامًا بِأَمْرِ الصَّلَاةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَهَذِهِ عَشْرُ آيَاتٍ قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ﴾ [المؤمنون: ٦١] أَيِ الْمَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ ﴿هُمُ الْوَارِثُونَ - الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١] وَهُوَ أَعْلَى الْجَنَّةِ ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] أَيْ بَاقُونَ دَائِمُونَ بِبَقَائِهِ، مُتَلَذِّذُونَ بِنِعْمَةِ لِقَائِهِ، رَزَقَنَا اللَّهُ مَعَ أَوْلِيَائِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ ﵀.

стр. 3569

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٤٩٥ - عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي فَقَالَ (إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ) . قَالَ: فَادْعُهُ. قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ الْوُضُوءَ وَيَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي لِيَقْضِيَ لِي فِي حَاجَتِي هَذِهِ، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ لِي» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٤٩٥ - (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ) : بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا (قَالَ: إِنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ) : أَيْ: ضَعِيفَ النَّظَرِ، أَوْ أَعْمًى ( «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي» ) : أَيْ: مِنْ ضَرَرِي فِي نَظَرِي [فَقَالَ: (إِنْ شِئْتَ) : أَيْ: اخْتَرْتَ الدُّعَاءَ (دَعَوْتُ) : أَيْ: لَكَ (وَإِنْ شِئْتَ) : أَيْ: أَرَدْتَ الصَّبْرَ وَالرِّضَا (صَبَرْتَ فَهُوَ) : أَيْ: الصَّبْرُ (خَيْرٌ لَكَ) : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ ثُمَّ صَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ» ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَلَوْ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ فِيهِ نَظَرٌ لِمُخَالَفَتِهِ نَصَّ الْحَدِيثِ، وَلِعَدَمِ الضَّرُورَةِ الْكَامِلَةِ فِي فَقْدِ إِحْدَاهُمَا لِحُصُولِ أَصْلِ الْمَقْصُودِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، (قَالَ) : أَيِ: الرَّجُلُ (فَادْعُهُ) بِالضَّمِيرِ: أَيِ: ادْعُ اللَّهَ أَوِ اسْأَلِ الْعَافِيَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ لِلسَّكْتِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِنَّمَا اخْتَارَ الدُّعَاءَ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ الْأَمْرَيْنِ مَعَ إِمْكَانِ حُصُولِ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ الْجَمْعِ، بَلْ فِيهِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ هُنَاكَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ الْخُلُوِّ فِيهِ أَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَاخْتَارَ الْمَفْضُولَ مِنْهُمَا لَا حَرَجَ عَلَيْهِ، عَلَى أَنْ يَحْتَمِلَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ ظَنَّ أَنَّ فِي عَوْدِ بَصَرِهِ إِلَيْهِ مَصَالِحَ دِينِيَّةً يَفُوقُ ثَوَابُهَا ثَوَابَ الصَّبْرِ. قُلْتُ: عَلَى هَذِهِ لِلضَّرَرِ، لِأَنَّهُ كَيْفَ يَظُنُّ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ ﵊، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ حَيْثُ قَالَ: أَسْنَدَ النَّبِيُّ ﷺ الدُّعَاءَ إِلَى نَفْسِهِ، وَكَذَا طَلَبَ الرَّجُلُ أَنْ يَدْعُوَ هُوَ ﷺ ، ثُمَّ أَمَرَهُ ﷺ أَنْ يَدْعُوَ هُوَ، أَيِ الرَّجُلُ كَأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَرْضَ مِنْهُ اخْتِيَارَهُ الدُّعَاءَ لَمَّا قَالَ: الصَّبْرُ خَيْرٌ لَكَ، لَكِنْ فِي جَعْلِهِ شَفِيعًا لَهُ وَوَسِيلَةً فِي اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ مَا يُفْهَمُ أَنَّهُ ﷺ شَرِيكٌ فِيهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَكَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ الشَّارِحِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ رَدَّهُ بِقَوْلِهِ لَكِنْ فِي جَعْلِهِ إِلَخْ. فَحَصَلَ مِنْهُ خَبَاطَاتٌ عَجِيبَةٌ وَخَيَالَاتٌ غَرِيبَةٌ. (فَأَمَرَهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: قَالَ: أَيْ عُثْمَانُ فَأَمَرَهُ (أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ الْوُضُوءَ) : أَيْ: يَأْتِي بِكَمَالَاتِهِ مِنْ سُنَنِهِ وَآدَابِهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: أَيْ يَأْتِي بِوَاجِبَاتِهِ أَوْ وَمُكَمِّلَاتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ لَقَالَ فَيَتَوَضَّأَ، فَلَا بُدَّ فِي قَوْلِهِ فَيُحْسِنَ الْوُضُوءَ مِنْ تَحْصِيلِ الْمُكَمِّلَاتِ لِيَكُونَ فِي الزِّيَادَةِ إِفَادَةٌ حَسَنَةٌ، أَيْ: وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ. [وَيَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ) : أَيْ: أَطْلُبُكَ مَقْصُودِي فَالْمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ أَيْ: أَدْعُوكَ فَيَكُونُ أَلْطَفَ سُؤَالٍ إِلَى أَشْرَفِ نَوَالٍ (وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ (مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ) : أَيْ: دَافَعِ الرَّحْمَةِ وَكَاشِفِ الْغُمَّةِ، وَشَفِيعِ الْأُمَّةِ الْمَنْعُوتِ بِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، الْمُرْسَلِ إِلَى أُمَّةٍ مَرْحُومَةٍ مِنْ عِنْدِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ،

стр. 3570

وَمَا أَحْسَنَ مَوْقِعَ الرَّحْمَةِ فِي مَوْضِعِ كَشْفِ الْغُمَّةِ وَمَوْقِعِ الشَّفَاعَةِ لِلْأُمَّةِ (إِنِّي تَوَجَّهْتُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: أَتَوَجَّهُ (بِكَ) : وَالْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَاءِ الْأُولَى حَيْثُ جَعَلَهَا لِلتَّعْدِيَةِ مَعَ أَنَّ الْفِعْلَ وَاحِدٌ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْمُتَوَجَّهَ بِهِ فِي الْأَوَّلِ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَيَتَعَيَّنُ مَعْنَى التَّعْدِيَةِ، وَفِي الثَّانِي هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَصْرُ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الِاسْتِعَانَةِ فِي غَيْرِهِ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجَازًا، وَلَمَّا خَفِيَ هَذَا الْفَرْقُ الْجَلِيُّ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ اعْتَرَضَ عَلَى الطِّيبِيِّ ﵀، وَأَشَارَ أَنَّهَا لِلتَّعْدِيَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي رِوَايَةٍ يَا مُحَمَّدُ ﷺ (إِنِّي تَوَجَّهْتُ (إِلَى رَبِّي لِيَقْضِيَ) : بِالْغَيْبَةِ أَيْ رَبِّي، وَقِيلَ بِالْخِطَابِ أَيْ: لِتَوَقُّعِ الْقَضَاءِ (لِي فِي حَاجَتِي هَذِهِ) : وَجَعَلَهَا مَكَانًا لَهُ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي. وَيَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي وَ (لِي) لِلْإِجْمَالِ حَتَّى يَفْصِلَ لِيَكُونَ أَوْقَعَ عَلَى طَرِيقَةِ: " اشْرَحْ لِي صَدْرِي "، كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَكَانَ ابْنُ حَجَرٍ مَا فَهِمَ كَلَامَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ. وَقَالَ: اللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ، وَفِي لِلْمَكَانِ الْمَجَازِيِّ مُبَالَغَةً وَكَلَامُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلِاخْتِصَاصِ، إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ تَضْيِيقُ الْوَاسِعِ كَمَا وَرَدَ أَنَّهُ قَالَ أَعْرَابِيٌّ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَغْفِرْ مَعَنَا أَحَدًا، فَقَالَ: (لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا» ) أَيْ: ضَيَّقْتَ مَا وَسَّعَهُ اللَّهُ فَخَصَصْتَ بِهِ نَفْسَكَ دُونَ غَيْرِكَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمَحَلُّ الْإِشْكَالِ فِيهِ أَنَّ الْقَضَاءَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، فَمَا الْحِكْمَةُ فِي زِيَادَةٍ فِي؟ فَأَجَابُوا فِيهِ وَأَمْثَالِهِ: أَنَّ التَّعْدِيَةَ بِفِي إِنَّمَا هُوَ لِتَضْمِينِ مَعْنَى الْإِيقَاعِ الَّذِي لَا يَتَعَدَّى إِلَّا بِفِي، وَلَا يُتَصَوَّرُ الْقَضَاءُ فِي مَكَانٍ حَقِيقِيٍّ حَتَّى يُقَالَ هُنَا لِلْمَكَانِ الْمَجَازِيِّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ لِلْمَجَازِيِّ كَمَا فِي قَوْلِكَ: نَظَرْتُ فِي الْكِتَابِ فَأَيُّ مُبَالَغَةٍ فِيهِ، فَتَأَمَّلَ فِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ. وَفِي أَصْلِ الْحِصْنِ: وَأَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِيَقْضِيَ لِي عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ، (اللَّهُمَّ) : الْتِفَاتٌ ثَانٍ (فَشَفِّعْهُ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: اقْبَلْ شَفَاعَتِي (فِي) : أَيْ: فِي حَقِّي. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْفَاءُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَتَوَجَّهُ أَيْ: اجْعَلْهُ شَفِيعًا لِي (" فَشَفِّعْهُ ") وَقَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ) : مُعْتَرِضَةٌ، وَقَوْلُهُ: إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: إِنِّي أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ فِيهِ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] سَأَلَ اللَّهَ أَوَّلًا بِطَرِيقِ الْخِطَابِ، ثُمَّ تَوَسَّلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ عَلَى طَرِيقَةِ الْخِطَابِ ثَانِيًا، ثُمَّ ذَكَرَ إِلَى خِطَابِ اللَّهِ طَالِبًا مِنْهُ أَنْ يَقْبَلَ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَقِّهِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) : رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.

стр. 3571

٢٤٩٦ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَمَالِي وَأَهْلِي، وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ» ) قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَكَرَ دَاوُدَ يُحَدِّثُ عَنْهُ: يَقُولُ: ( «كَانَ أَعْبَدَ الْبَشَرِ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ــ ٢٤٩٦ -[وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ) : اسْمُ كَانَ بِحَذْفِ إِنَّ كَمَا فِي: أَحْضُرَ الْوَغَى أَيْ قَوْلُهُ: ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ» ) : مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، إِذْ فِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: حُبِّي إِيَّاكَ، فَإِنَّهُ فَاتِحَةُ كُلِّ كَمَالٍ فَغَفْلَةٌ عَنِ اصْطِلَاحِ أَرْبَابِ الْحَالِ، ( «وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ» ) : كَمَا سَبَقَ، أَمَّا الْإِضَافَةُ إِلَى الْمَفْعُولِ فَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَحَبَّتِكَ لِلْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ، وَأَمَّا الْإِضَافَةُ إِلَى الْفَاعِلِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ أَيْضًا، كَمَا

стр. 3572

وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ: «وَحَبِّبْنَا إِلَى أَهْلِهَا وَحَبِّبْ صَالِحِي أَهْلِهَا إِلَيْنَا» . وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ مِنْ سُؤَالِ حُبِّ الْمَسَاكِينِ فَمُحْتَمَلٌ، (وَالْعَمَلَ) : بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ أَيْ: وَحُبَّ الْعَمَلِ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ فَقَطْ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْيِيدِهِ لِقَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: الصَّالِحِ فَإِنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (الَّذِي يُبَلِّغُنِي) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ يُوصِلُنِي وَيُحَصِّلُ لِي (حُبَّكَ) : يَحْتَمِلُ الِاحْتِمَالَيْنِ ( «اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ» ) : أَيْ: حُبِّي إِيَّاكَ ( «أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَمَالِي وَأَهْلِي» ) : أَيْ: مِنْ حُبِّهِمَا حَتَّى أُوثِرَهُ عَلَيْهِمَا. قَالَ الْقَاضِي عَدَلَ عَنِ اجْعَلْ نَفْسَكَ مُرَاعَاةً لِلْأَدَبِ، حَيْثُ لَمْ يَرِدْ أَنْ يُقَابِلَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهُ إِنَّمَا عَدَلَ لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. قُلْتُ: بَلْ إِطْلَاقٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّنْزِيلِ مُشَاكَلَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الْمُشَاكَلَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الثَّانِي لَا فِي الْأَوَّلِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَيَانِيُّونَ، لَكِنِّي وَجَدْتُ الْمُشَاكَلَةَ فِي الْأَوَّلِ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيِّ: «وَثَبَتَ عَلَيْنَا حَيَّةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (اقْتُلُوهَا) فَذَهَبَتْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهًا» ) . وَأَمَّا قَوْلُ السُّيُوطِيِّ ﵀: وَقَدْ يَتَقَدَّمُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] نَعَمْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ مُشَاكَلَةٍ أَيْضًا: أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ إِطْلَاقَ النَّفْسِ بِمَعْنَى الذَّاتِ يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ النَّفْسَ بِمَعْنَى التَّنَفُّسِ فَلَا يُطْلَقُ، وَحَيْثُ أَنَّ اللَّفْظَ مُوهِمٌ، فَجَوَازُ الْإِطْلَاقِ تَوْقِيفِيٌّ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَتَجْوِيزُ الشَّارِحِ هَذِهِ الْمُشَاكَلَةَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ مَا وَرَدَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مُوهِمٌ نَقْصًا لَا يَجُوزُ إِلَّا بِاللَّفْظِ الْوَارِدِ فِيهِ، وَأَمَّا اخْتِرَاعُ لَفْظٍ آخَرَ وَذِكْرُهُ فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ قُلْنَا بِمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْبَاقِلَّانِيُّ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ الَّتِي لَمْ تَرِدْ، لِأَنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ عِنْدَهُمَا فِيمَا لَا يُوهِمُ نَقْصًا بِوَجْهٍ فَمُمْتَنِعٌ بِاتِّفَاقِ الْكُلِّ، وَهَذَا أَبْلَغُ رَادٍّ لِكَلَامِ الشَّارِحِ، فَأَعْرِضْ عَنْهُ وَلَا تَلْفِتْ إِلَيْهِ، فَأَمْرٌ غَرِيبٌ وَنَهْيٌ عَجِيبٌ وَمَنْشَؤُهُ عَدَمُ فَهْمِهِ، وَاقْتِصَارُ عِلْمِهِ عَلَى فِقْهِهِ فَإِنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ أَنَّ مُقْتَضَى الْمُقَابَلَةِ الْمُبَالَغَةُ فِي كَلَامِهِ ﵊ أَنْ يُقَالَ اجْعَلْ حُبَّ نَفْسِكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، لَكِنَّهُ ﷺ عَدَلَ إِلَيْهِ تَأَدُّبًا مِنْ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ مُقَابِلًا لِنَفْسِهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَلَوْلَا هَذِهِ الْمُلَاحَظَةُ وَأَطْلَقَ فَرْضًا، لَكَانَ هَذَا الْإِطْلَاقُ جَائِزًا مِنْهُ ﵊ لِأَنَّهُ الشَّارِعُ، وَحِينَئِذٍ كَانَ يَصِحُّ كَلَامُهُ بِالْمُشَاكَلَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَقَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا وَرَدَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى إِلَخْ. تَطْوِيلٌ عَبَثٌ، إِذْ لَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَقَوْلُهُ أَمَّا اخْتِرَاعُ لَفْظٍ آخَرَ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنَ الشَّارِعِ، فَهَذَا كُفْرٌ مَحْضٌ لِأَنَّهُ وَرَدَ عَنْهُ ﷺ إِطْلَاقُ النَّفْسِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ مُشَاكَلَةٍ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ، فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِهِ فَحَشْوٌ، إِذْ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ مَذْهَبِ الْغَزَالِيِّ وَالْبَاقِلَّانِيِّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: فَخَارِجٌ عَنِ الْمَبْحَثِ أَيْضًا إِذْ بَحْثُ الْمُشَاكَلَةِ أَعَمُّ مِنَ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ، وَأَيْضًا مَذْهَبُهُمَا فِي الْمُخْتَرَعِ لَا فِيمَا وَرَدَ مِنَ الشَّارِعِ، وَلَوْ وَرَدَ مِنْهُ فَرْضًا، فَلَهَذَا أَبْلَغُ رَادٍّ لِكَلَامِهِ وَفَهْمِ مَرَامِهِ، فَأَعْرِضْ عَنْهُ وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَيْهِ (وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ) : دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ مَحْبُوبًا جِدًّا أَعَادَ مِنْ هَاهُنَا لِبَدَلِ اسْتِقْلَالِ الْمَاءِ الْبَارِدِ فِي كَوْنِهِ مَحْبُوبًا، وَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَإِنَّهُ يَعْدِلُ بِالرُّوحِ. وَعَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ: لَيْسَ لِلْمَاءِ قِيمَةٌ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَى إِذَا وُجِدَ، وَلَا يُبَاعُ إِذَا فُقِدَ. وَعَنْ بَعْضِ الْعُرَفَاءِ إِذَا شَرِبْتُ الْمَاءَ الْبَارِدَ أَحْمَدُ رَبِّي مِنْ صَمِيمِ قَلْبِي، وَيُمْكِنُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ رُوحِهِ، لِأَنَّ حَيَاتَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَاءِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ نَفْسِي مُرَادَاتُهَا وَمُشْتَهَيَاتُهَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: عَجِيبٌ قَوْلُ الشَّارِحِ وَعَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ: لَيْسَ لِلْمَاءِ قِيمَةٌ إِلَخْ. فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لِلْمَاءِ كَانَ بَاطِلًا بَلْ هُوَ مِثْلِيٌّ تَارَةً وَمُتَقَوِّمٌ أُخْرَى، وَإِنْ كُنِيَ بِذَلِكَ عَنْ نَفَاسَةِ الْمَاءِ كَانَتِ الْعِبَارَةُ قَاصِرَةً، وَكَانَ يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الشَّرْبَةَ قَدْ تُسَاوِي دَنَانِيرَ، لَا لِكَوْنِ

стр. 3573

ذَلِكَ قِيمَةً لَهُ، بَلْ لِتُوَقُّفِ الْحَيَاةِ عَلَيْهِ، فَمَبْنِيٌّ عَلَى زَعْمِهِ الْبَاطِلِ مِنْ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْفِقْهِ مُنْحَصِرَةٌ فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ، إِذِ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ مِنَ الْمِثْلِيِّ وَالْقِيمِيِّ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْجُهَلَاءِ فَضْلًا عَنِ الْفُضَلَاءِ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْفَاضِلَ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ نَفَاسَةَ الْمَاءِ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْمَاءِ عِنْدَ أَحَدٍ لَا يَشْتَرِيهِ، فَلَا يَكُونُ قِيمَةً لَهُ عِنْدَهُ، وَإِذَا فُقِدَ بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ عِنْدَ أَحَدٍ بِالْبَيْعِ صَحَّ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِي بِهِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ قُصُورُ عِبَارَةِ فُقَهَائِهِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الشَّرْبَةَ قَدْ تُسَاوِي دَنَانِيرَ لَا لِكَوْنِ ذَلِكَ قِيمَةً لَهُ، فَإِنَّهُ ظَاهِرُ الْمُنَاقَضَةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ يُسَاوِي شَيْئًا سَوَاءً كَانَ مَاءً أَوْ حَجَرًا أَوْ طَعَامًا أَوْ شَجَرًا، لَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ قِيمَةً لَهُ، فَتَصْحِيحُ كَلَامِهِمْ نَفْيُ الْقِيمَةِ الْعَادِيَّةِ ثُمَّ قَوْلُهُ: بَلْ لِتَوَقُّفِ الْحَيَاةِ عَلَيْهِ، لَا يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ مِنْ كَلَامِهِمْ، أَوْ مِنْ كَلَامِهِ، مَعَ أَنَّهُ الظَّاهِرُ لِعَدَمِ مُتَعَلِّقِ اللَّامِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ لَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ لِأَنَّهُ سَاوَى دَنَانِيرَ عَلَى خِلَافِ جَرْيِ الْعَادَةِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِي لِتَوَقُّفِ الْحَيَاةِ عَلَيْهِ، لَا لِكَوْنِهِ يُسَوَّى بِالدَّنَانِيرِ، وَلَا لِكَوْنِهَا قِيمَةً لَهُ، وَهَذَا سَفْسَافٌ مِنَ الْكَلَامِ لِأَنَّ حَجَرًا إِذَا سَوَى أُلُوفًا مِنَ الدَّنَانِيرِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، لَا يُقَالُ فِيهِ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ قِيمَةً لَهُ، فَإِذَا كَانَ يَشْتَرِي الْمَاءَ بِالدَّنَانِيرِ لِتَوُقُّفِ الْحَيَاةِ عَلَيْهِ كَيْفَ يُقَالُ إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ قِيمَةً لَهُ؟ وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ مُخَالَفَةُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لِلْفُقَهَاءِ حَيْثُ قَالُوا: الْمَاءُ إِذَا تَجَاوَزَ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ جَازَ التَّيَمُّمُ، وَأَبَى الْحَسَنُ فَقَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدِي جَمِيعُ مَالِ الدُّنْيَا فَأَدْفَعُهُ إِلَى الْمَاءِ وَأَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَصِحُّ لِيَ التَّيَمُّمُ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ اخْتَارَ مَذْهَبَ الْخَوَاصِّ وَالْفُقَهَاءِ إِلَى الْحَرَجِ الْعَامِّ رَحْمَةً عَلَى الْعَوَامِّ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْمُعْتَرِضَ مَا فَهِمَ كَلَامَ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا حَقَّ التَّفَهُّمِ، بَلْ أَخَذَ عَنْهُمْ تَقْلِيدًا، وَتَوَهَّمَ التَّقَدُّمَ. وَمِمَّا يُلَائِمُ قَضِيَّةَ عِزَّةِ الْمَاءِ مَا حُكِيَ أَنَّ مَلِكًا وَقَعَ فِي صَحْرَاءَ وَغَلَبَ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَظَهَرَ لَهُ مِنْ رِجَالِ الْغَيْبِ شَخْصٌ مَعَهُ مَاءٌ، فَطَلَبَ مِنْهُ فَأَبَى، فَعَرَضَ عَلَيْهِ نِصْفَ مُلْكِهِ، فَأَعْطَاهُ ثُمَّ حَصَلَ لَهُ بَعْدَ الشُّرْبِ عُسْرُ الْبَوْلِ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصَّبْرَ عَلَيْهِ فَقَالَ لِلشَّخْصِ: إِنْ دَاوَيْتَهُ فَأُعْطِيكَ مُلْكِي كُلَّهُ، فَدَعَا لَهُ فَحَصَلَ لَهُ الْفَرَجُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمُلْكَ فَقَالَ: مُلْكٌ يَسْوِي نِصْفُهُ لِدُخُولِ شَرْبَةٍ، وَنِصْفُهُ لِخُرُوجِهَا لَا قِيمَةَ لَهُ. فَكَيْفَ أَخْتَارُهُ؟ وَكَذَا يَتَبَيَّنُ مَا وَرَدَ عَنْهُ: ﷺ ( «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ لَمَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» ) يَعْنِي: فَالْحِكْمَةُ فِي إِطْعَامِهِمْ وَإِسْقَائِهِمْ وَإِبْقَائِهِمْ وَزِيَادَةِ إِنْعَامِهِمْ أَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو الدَّرْدَاءِ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَكَرَ) : أَيْ: هُوَ (دَاوُدَ يُحَدِّثُ عَنْهُ) : أَيْ: يَحْكِي (يَقُولُ) : بَدَلٌ مِنْ يُحَدِّثُ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُحَدِّثُ، (كَانَ) : أَيْ: دَاوُدُ (أَعْبَدَ الْبَشَرِ) : أَيْ: فِي زَمَانِهِ، كَذَا قَيَّدَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْإِطْلَاقِ لَا مَحْذُورَ فِيهِ، إِلَّا لَا يَلْزَمُ مِنَ الْأَعْبَدِيَّةِ الْأَعْلَمِيَّةُ فَضْلًا مِنَ الْأَفْضَلِيَّةِ، وَقِيلَ: هُوَ أَكْثَرُهُمْ شُكْرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] أَيْ بَالِغْ فِي شُكْرِي، وَابْذُلْ وُسْعَكَ فِيهِ، كَذَا وَذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّهُ أَكْثَرُ الْبَشَرِ شُكْرًا عَلَى الْإِطْلَاقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ نُوحٍ ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] نَعَمْ يُفْهَمُ مِنْ كَوْنِهِ نَبِيًّا أَنَّهُ أَكْثَرُ أَهْلِ زَمَنِهِ شُكْرًا، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] حَيْثُ اكْتَفَى مِنْ آلِ دَاوُدَ بِمُطْلَقِ عَمَلِ الشُّكْرِ، ثُمَّ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ الْمُنَزَّلِ مَنْزِلَةَ التَّعْلِيلِ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَرْتَبَةَ الشَّكُورِ إِنَّمَا هِيَ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَبِقَدْرِ مُتَابَعَتِهِمْ حَاصِلَةٌ لِلْأَصْفِيَاءِ، وَبِهَذَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: أَيْ بَالِغْ فِي شُكْرِكَ، وَإِلَّا فَهُوَ غَيْرُ مَأْخُوذٍ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: يُحَدِّثُ يُرْوَى مَرْفُوعًا جَزَاءً لِلشَّرْطِ إِذَا كَانَ مَاضِيًا وَالْجَزَاءُ مُضَارِعًا يَسُوغُ فِيهِ الْوَجْهَانِ اهـ. وَمُرَادُهُ أَنَّ الرَّفْعَ مُتَعَيِّنٌ، وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ إِذَا يَجْزِمُ كَمَا ذَكَرُوا فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَحَمَّلِ فَإِنَّ الشَّرْطَ الْجَازِمَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مَاضِيًا وَالْجَزَاءُ مُضَارِعًا يَسُوغُ فِيهِ الْوَجْهَانِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ جَازِمًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَيَتَعَيَّنُ الرَّفْعُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَلَا يَجُوزُ الْجَزْمُ لِعَدَمِ وُرُودِهِ رِوَايَةً. لَكِنْ لَوْ وَرَدَ لَهُ وَجْهٌ فِي الدِّرَايَةِ فَبَطَلَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀ نَقْلًا وَاعْتِرَاضًا، حَيْثُ قَالَ بِالرَّفْعِ وَالسُّكُونِ، كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي كُلِّ جَزَاءٍ شَرْطُهُ مَاضٍ، كَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَهُوَ وَهْمٌ، فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي الشَّرْطِ الْجَازِمِ وَمَا هُنَا إِذَا وَهُوَ غَيْرُ جَازِمٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.

стр. 3574

٢٤٩٧ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: «صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلَاةً، فَأَوْجَزَ فِيهَا. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَفَّفْتَ وَأَوْجَزْتَ الصَّلَاةَ. فَقَالَ. أَمَا عَلَيَّ ذَلِكَ، لَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ هُوَ أَبِي، غَيْرَ أَنَّهُ كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: (اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِينِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَى وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَى بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ. وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زِيِّنَا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ» ) . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. ــ ٢٤٩٧ - (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وُلِدَ السَّائِبُ السَّنَةَ الثَّالِثَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ حَضَرَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ أَبِيهِ يَزِيدَ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ. (قَالَ: صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلَاةً) : يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَكْتُوبَةً أَوْ نَافِلَةً، (فَأَوْجَزَ: أَيْ: اقْتَصَرَ، (فِيهَا) : أَيْ: مَعَ تَمَامِ أَرْكَانِهَا وَسُنَنِهَا، (فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ) : أَيْ: مِمَّنْ حَضَرَهَا (لَقَدْ خَفَّفْتَ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: الْأَرْكَانَ بِأَنْ فَعَلْتَ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا الرُّكْنُ (وَأَوْجَزْتَ) : أَيْ: اقْتَصَرْتَ بِأَنْ أَتَيْتَ أَقَلَّ مَا يُؤَدَّى بِهِ السُّنَنُ، وَقَوْلُهُ: (الصَّلَاةُ) : تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ، (فَقَالَ: أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ (عَلَيَّ) : بِالتَّشْدِيدِ (ذَلِكَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْهَمْزَةُ فِي أَمَا لِلْإِنْكَارِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَتَقُولُ هَذَا أَيْ: اسْكُتْ مَا عَلَيَّ ضَرَرٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِلنِّدَاءِ، وَالْمُنَادَى بَعْضُ الْقَوْمِ أَيْ: يَا فُلَانُ! لَيْسَ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةَ تَنْبِيهٍ ثُمَّ قَالَ: عَلَيَّ ذَلِكَ بَيَانَهُ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَمَا يُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِلِاسْتِفْتَاحِ عَلَى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ ﵊: ( «مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ» ) وَقَوْلُهُ: لَقَدْ إِلَخْ. بَيَانٌ لِكَوْنِهِ مَعَ أَنَّهُ أَوْجَزَ أَتَى بِهَذَا الدُّعَاءِ الطَّوِيلِ لِنَفَاسَتِهِ وَالِاتِّبَاعِ فِيهِ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنِ احْتِمَالَاتِ الطِّيبِيِّ ﵀، فَإِنَّ كُلَّهَا تَكَلُّفٌ وَمَا ذَكَرْتُهُ أَخَفُّ تَكَلُّفًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لَنَا أَنَّ مَا ظَهَرَ لَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ مِنْ وُجُوهٍ: أَمَّا أَوَّلًا: فَقَوْلُهُ عَلَى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، فَإِنَّ عَلَى لِلْوُجُوبِ وَالتَّخْفِيفُ بِالِاتِّفَاقِ مَنْدُوبٌ. وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ إِمَامًا لِيَسْتَدِلَّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ. وَأَمَّا ثَالِثًا: فَلِأَنَّ تَطْوِيلَهُ بِالدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ مُخَالِفٌ لِلتَّخْفِيفِ الْمَسْطُورِ، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ كَانَ مُنْفَرِدًا وَخَفَّفَ فِي بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ وَطَوَّلَ فِي الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ إِمَامٌ وَخَفَّفَ فِي الْأَرْكَانِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ وَطُوَّلَ فِي الدُّعَاءِ الَّذِي مِنْ جُمْلَةِ السُّنَنِ الْمَرْوِيَّةِ. (لَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا) : أَيْ: فِي آخِرِهَا أَوْ سُجُودِهَا (بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ) : أَيْ: دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا (فَلَمَّا قَامَ) : أَيْ عَمَّارٌ: (تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ هُوَ أَبِي) هَذَا مِنْ كَلَامِ عَطَاءٍ أَيْ: ذَلِكَ الرَّجُلُ أَبِي (غَيْرَ أَنَّهُ) : أَيْ: أَبِي (كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ) : أَيْ: بِرَجُلٍ وَلَمْ يَقُلْ تَبِعْتُهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَتَقْدِيرُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ إِلَّا أَنَّهُ كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ بِالرَّجُلِ اهـ. وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ التَّصْرِيحِ مُبَالَغَةُ الْإِخْفَاءِ خَوْفًا مِنَ الرِّيَاءِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: كَنَّى بِهِ تَوَاضُعًا إِذْ لَوْ قَالَ: فَتَبِعْتُهُ لَرُبَّمَا تُوُهِّمَ مِنْهُ أَنَّ فِيهِ مَدْحًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ السَّائِبُ: (فَسَأَلَهُ) : أَيْ: الرَّجُلُ عَمَّارًا (عَنِ الدُّعَاءِ) : أَيْ: فَأَخْبَرَهُ (ثُمَّ جَاءَ) : أَيْ: الرَّجُلُ (فَأَخْبَرَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَأَخْبَرَ (بِهِ) : أَيْ: بِالدُّعَاءِ [الْقَوْمَ: (اللَّهُمَّ) : أَيْ: وَهُوَ هَذَا (بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ) : الْبَاءُ لِلِاسْتِعْطَافِ أَيْ: أَنْشُدُكَ بِحَقِّ عِلْمِكَ الْمُغَيَّبَاتِ عَنْ خَلْقِكَ (وَقُدْرَتِكَ) : أَيْ: بِقُدْرَتِكَ (عَلَى الْخَلْقِ) : أَيْ: عَلَى خَلْقِ كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَتُكَ، أَوْ عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ بِأَنْ تَفْعَلَ فِيهِمْ مَا تَقْضِي إِرَادَتُكَ (أَحْيِنِي) : أَيْ: أَمِدَّنِي بِالْحَيَاةِ (مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ) : (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ (خَيْرًا لِي) : بِأَنْ يَغْلِبَ خَيْرِي عَلَى شَرِّي ( «وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي» ) : بِأَنْ تَغْلِبَ سَيِّئَاتِي عَلَى حَسَنَاتِي، أَوْ بِأَنْ تَقَعَ الْفِتَنُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، (اللَّهُمَّ) : اعْتِرَاضٌ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى الْأَوَّلِ بِحَذْفِ الْعَاطِفِ، كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الدَّعَوَاتِ الْحَدِيثِيَّةِ، وَمِنْهُ تَكْرَارُ رَبِّنَا مِنْ غَيْرِ عَاطِفٍ فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَلَا يَضُرُّهُ الْوَاوُ

стр. 3575

فِي قَوْلِهِ: وَأَسْأَلُكَ، لِأَنَّهَا نَظِيرَةُ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا﴾ [آل عمران: ١٩٤] (وَأَسْأَلُكَ) : عَطْفٌ عَلَى أَنْشُدُكَ الْمُقَدَّرِ (خَشْيَتَكَ) : أَيْ: الْخَوْفَ مِنْ مُخَالَفَتِكَ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ مُعَاقَبَتِكَ (فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) : أَيْ: فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ( «وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ» ) : أَيْ: فِي حَالِ رِضَا الْخَلْقِ وَغَضَبِهِمْ، أَوْ فِي حَالِ رِضَائِي وَغَضَبِي، أَيْ أَكُونُ مُسْتَمِرًّا عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِي وَأَوْقَاتِي. وَزَادَ فِي الْحِصْنِ: وَكَلِمَةَ الْإِخْلَاصِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِكَلِمَةِ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] أَيْ: دَعْوَةُ التَّوْحِيدِ الْمُطْلَقِ وَالشَّرْعِ الْمُحَقَّقِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ الْحُكْمُ بِالْعَدْلِ، وَبِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ التَّوْحِيدُ أَوِ النَّصِيحَةُ الْخَالِصَةُ عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، فَحِينَئِذٍ يَتَنَازَعَانِ فِي الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ. وَأَمَّا تَفْسِيرُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀: كَلِمَةَ الْحَقِّ بِمَا لَا إِثْمَ فِيهِ، فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ، بَلْ غَيْرُ صَحِيحٍ، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ ﷺ يَسْأَلُ اللَّهَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الْكَلَامِ الْمُبَاحِ، وَهُوَ ﵊ يَقُولُ: ( «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ) . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] . (وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ) : أَيْ: الِاقْتِصَادَ وَهُوَ التَّوَسُّطُ (فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى) : وَهُوَ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ: الْكَفَافُ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَتْرُوكَةٌ مِنَ الْحِصْنِ. وَذَهَبَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ تَوْفِيقُ الْقَصْدِ، وَقَالَ: لِأَنَّ غَيْرَ الْقَصْدِ مَذْمُومٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] الْآيَةَ. وَالظَّاهِرَةُ أَنَّ الْمَقَامَ بِأَبِيٍّ عَنِ الْحَمْلِ عَلَيْهِ سَابِقًا وَلَاحِقًا، فَإِنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِي امْتِثَالِ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَإِلَّا فَالْأَوْلَى بِالذِّكْرِ كَثِيرٌ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ مَأْمُورٍ وَلَا مُبَاشَرَةُ مَحْظُورٍ. ( «وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ» ) : بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: لَا يَفْنَى وَلَا يَنْقُصُ، وَهُوَ نُعَيْمُ الْجَنَّةِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ. ( «وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ» ) : وَلَفْظُ الْحِصْنِ: وَقُرَّةَ عَيْنٍ بِالْعَطْفِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْفِعْلِ (لَا تَنْقَطِعُ) : وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا يَتَلَذَّذُ بِهِ الْإِنْسَانُ الْكَامِلُ، وَقِيلَ يُحْتَمَلُ طَلَبُ نَسْلٍ لَا يَنْقَطِعُ، وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] وَقِيلَ: أَرَادَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الصَّلَاةِ، وَقَدْ وَرَدَ: وَقُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ. ( «وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا» ) : وَهُوَ مَقْصُورٌ مَصْدَرٌ مَحْضٌ، وَالِاسْمُ الرِّضَا الْمَمْدُودُ كَذَا وَذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ. (بَعْدَ الْقَضَاءِ) : فَإِنَّهُ الْمَقَامُ الْأَفْخَمُ وَبَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، قِيلَ فِي وَجْهِ الْأَوَّلِ كَأَنَّهُ طَلَبَ الرِّضَا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْقَضَاءِ وَتُقَرِّرِهِ، وَسُئِلَ أَبُو عُثْمَانَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ: ﷺ «أَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ» ، عَزْمٌ عَلَى الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ قَالَ: لِأَنَّ الرِّضَا قَبْلَ الْقَضَاءِ عَزْمٌ عَلَى الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ وَهُوَ الرِّضَا، كَذَا فِي الْغُنْيَةِ لِلْقُطْبِ الرَّبَّانِيِّ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ الْبَارِي. ( «وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ» ) : أَيْ: طِيبَهُ وَحُسْنَهُ، وَفِي الْحِصْنِ: وَبَرْدَ الْعَيْشِ (بَعْدَ الْمَوْتِ) لِأَنَّهُ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ. ( «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ» ) : وَفِي الْحِصْنِ: بِالْعَطْفِ بِدُونِ أَسْأَلُكَ (إِلَى وَجْهِكَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَيَّدَ النَّظَرَ بِاللَّذَّةِ، لِأَنَّ النَّظَرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِمَّا نَظَرُ هَيْبَةٍ وَجَلَالٍ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، وَإِمَّا نَظَرُ لُطْفٍ وَجَمَالٍ فِي الْجَنَّةِ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ الْمُرَادَ هَذَا، (وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ) : أَيْ: أَبَدًا سَرْمَدًا (فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ) : أَيْ: شِدَّةٍ (مُضِرَّةٍ) : الْجَارُّ إِمَّا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وَالشَّوْقُ إِلَى لِقَائِكَ أَيْ: أَسْأَلُكَ شَوْقًا لَا يُؤَثِّرُ فِي سَيْرِي وَسُلُوكِي، بِحَيْثُ يَمْنَعُنِي عَنْ ذَلِكَ، وَأَنْ يَضُرَّنِي مَضَرَّةً، وَإِمَّا مُتَعَلِّقٌ بِأَحْيِنِي، الثَّانِي أَظْهَرُ مَعْنًى، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لَفْظًا، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي كَوْنُهُ فِي الْحِصْنِ بِلَفْظِ: أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مُتَعَلِّقُ الظَّرْفِ مُشْكِلٌ، وَلَعَلَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْقَرِينَةِ الْأَخِيرَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِكَ، سَأَلَ شَوْقًا إِلَى اللَّهِ بِحَيْثُ يَكُونُ ضَرَّاءَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ أَيْ: شَوْقًا لَا يُؤَثِّرُ فِي سَيْرِي وَسُلُوكِي، وَإِنْ ضَرَّنِي مَضَرَّةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَّصِلَ بِقَوْلِهِ: أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَمَعْنَى ضَرَّاءَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ الضُّرُّ الَّذِي يُصْبَرُ عَلَيْهِ كَمَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ ﵊: ( «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» ) اهـ.
следующие страницы →