Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
٢٤٩٦ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَمَالِي وَأَهْلِي، وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ» ) قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَكَرَ دَاوُدَ يُحَدِّثُ عَنْهُ: يَقُولُ: ( «كَانَ أَعْبَدَ الْبَشَرِ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٢٤٩٦ -[وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ) : اسْمُ كَانَ بِحَذْفِ إِنَّ كَمَا فِي: أَحْضُرَ الْوَغَى أَيْ قَوْلُهُ: ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ» ) : مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، إِذْ فِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: حُبِّي إِيَّاكَ، فَإِنَّهُ فَاتِحَةُ كُلِّ كَمَالٍ فَغَفْلَةٌ عَنِ اصْطِلَاحِ أَرْبَابِ الْحَالِ، ( «وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ» ) : كَمَا سَبَقَ، أَمَّا الْإِضَافَةُ إِلَى الْمَفْعُولِ فَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَحَبَّتِكَ لِلْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ، وَأَمَّا الْإِضَافَةُ إِلَى الْفَاعِلِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ أَيْضًا، كَمَا
стр. 3572
وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ: «وَحَبِّبْنَا إِلَى أَهْلِهَا وَحَبِّبْ صَالِحِي أَهْلِهَا إِلَيْنَا» . وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ مِنْ سُؤَالِ حُبِّ الْمَسَاكِينِ فَمُحْتَمَلٌ، (وَالْعَمَلَ) : بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ أَيْ: وَحُبَّ الْعَمَلِ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مَفْعُولِهِ فَقَطْ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْيِيدِهِ لِقَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: الصَّالِحِ فَإِنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (الَّذِي يُبَلِّغُنِي) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ يُوصِلُنِي وَيُحَصِّلُ لِي (حُبَّكَ) : يَحْتَمِلُ الِاحْتِمَالَيْنِ ( «اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ» ) : أَيْ: حُبِّي إِيَّاكَ ( «أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَمَالِي وَأَهْلِي» ) : أَيْ: مِنْ حُبِّهِمَا حَتَّى أُوثِرَهُ عَلَيْهِمَا. قَالَ الْقَاضِي عَدَلَ عَنِ اجْعَلْ نَفْسَكَ مُرَاعَاةً لِلْأَدَبِ، حَيْثُ لَمْ يَرِدْ أَنْ يُقَابِلَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهُ إِنَّمَا عَدَلَ لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. قُلْتُ: بَلْ إِطْلَاقٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّنْزِيلِ مُشَاكَلَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الْمُشَاكَلَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الثَّانِي لَا فِي الْأَوَّلِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَيَانِيُّونَ، لَكِنِّي وَجَدْتُ الْمُشَاكَلَةَ فِي الْأَوَّلِ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيِّ: «وَثَبَتَ عَلَيْنَا حَيَّةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (اقْتُلُوهَا) فَذَهَبَتْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهًا» ) .
وَأَمَّا قَوْلُ السُّيُوطِيِّ ﵀: وَقَدْ يَتَقَدَّمُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] نَعَمْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ مُشَاكَلَةٍ أَيْضًا: أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ إِطْلَاقَ النَّفْسِ بِمَعْنَى الذَّاتِ يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ النَّفْسَ بِمَعْنَى التَّنَفُّسِ فَلَا يُطْلَقُ، وَحَيْثُ أَنَّ اللَّفْظَ مُوهِمٌ، فَجَوَازُ الْإِطْلَاقِ تَوْقِيفِيٌّ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَتَجْوِيزُ الشَّارِحِ هَذِهِ الْمُشَاكَلَةَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ مَا وَرَدَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مُوهِمٌ نَقْصًا لَا يَجُوزُ إِلَّا بِاللَّفْظِ الْوَارِدِ فِيهِ، وَأَمَّا اخْتِرَاعُ لَفْظٍ آخَرَ وَذِكْرُهُ فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ قُلْنَا بِمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْبَاقِلَّانِيُّ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ الَّتِي لَمْ تَرِدْ، لِأَنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ عِنْدَهُمَا فِيمَا لَا يُوهِمُ نَقْصًا بِوَجْهٍ فَمُمْتَنِعٌ بِاتِّفَاقِ الْكُلِّ، وَهَذَا أَبْلَغُ رَادٍّ لِكَلَامِ الشَّارِحِ، فَأَعْرِضْ عَنْهُ وَلَا تَلْفِتْ إِلَيْهِ، فَأَمْرٌ غَرِيبٌ وَنَهْيٌ عَجِيبٌ وَمَنْشَؤُهُ عَدَمُ فَهْمِهِ، وَاقْتِصَارُ عِلْمِهِ عَلَى فِقْهِهِ فَإِنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ أَنَّ مُقْتَضَى الْمُقَابَلَةِ الْمُبَالَغَةُ فِي كَلَامِهِ ﵊ أَنْ يُقَالَ اجْعَلْ حُبَّ نَفْسِكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، لَكِنَّهُ ﷺ عَدَلَ إِلَيْهِ تَأَدُّبًا مِنْ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ مُقَابِلًا لِنَفْسِهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَلَوْلَا هَذِهِ الْمُلَاحَظَةُ وَأَطْلَقَ فَرْضًا، لَكَانَ هَذَا الْإِطْلَاقُ جَائِزًا مِنْهُ ﵊ لِأَنَّهُ الشَّارِعُ، وَحِينَئِذٍ كَانَ يَصِحُّ كَلَامُهُ بِالْمُشَاكَلَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَقَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا وَرَدَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى إِلَخْ. تَطْوِيلٌ عَبَثٌ، إِذْ لَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَقَوْلُهُ أَمَّا اخْتِرَاعُ لَفْظٍ آخَرَ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنَ الشَّارِعِ، فَهَذَا كُفْرٌ مَحْضٌ لِأَنَّهُ وَرَدَ عَنْهُ ﷺ إِطْلَاقُ النَّفْسِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ مُشَاكَلَةٍ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ، فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِهِ فَحَشْوٌ، إِذْ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ مَذْهَبِ الْغَزَالِيِّ وَالْبَاقِلَّانِيِّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: فَخَارِجٌ عَنِ الْمَبْحَثِ أَيْضًا إِذْ بَحْثُ الْمُشَاكَلَةِ أَعَمُّ مِنَ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ، وَأَيْضًا مَذْهَبُهُمَا فِي الْمُخْتَرَعِ لَا فِيمَا وَرَدَ مِنَ الشَّارِعِ، وَلَوْ وَرَدَ مِنْهُ فَرْضًا، فَلَهَذَا أَبْلَغُ رَادٍّ لِكَلَامِهِ وَفَهْمِ مَرَامِهِ، فَأَعْرِضْ عَنْهُ وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَيْهِ
(وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ) : دَلَّ عَلَى كَوْنِهِ مَحْبُوبًا جِدًّا أَعَادَ مِنْ هَاهُنَا لِبَدَلِ اسْتِقْلَالِ الْمَاءِ الْبَارِدِ فِي كَوْنِهِ مَحْبُوبًا، وَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَإِنَّهُ يَعْدِلُ بِالرُّوحِ. وَعَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ: لَيْسَ لِلْمَاءِ قِيمَةٌ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَى إِذَا وُجِدَ، وَلَا يُبَاعُ إِذَا فُقِدَ. وَعَنْ بَعْضِ الْعُرَفَاءِ إِذَا شَرِبْتُ الْمَاءَ الْبَارِدَ أَحْمَدُ رَبِّي مِنْ صَمِيمِ قَلْبِي، وَيُمْكِنُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ رُوحِهِ، لِأَنَّ حَيَاتَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَاءِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ نَفْسِي مُرَادَاتُهَا وَمُشْتَهَيَاتُهَا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: عَجِيبٌ قَوْلُ الشَّارِحِ وَعَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ: لَيْسَ لِلْمَاءِ قِيمَةٌ إِلَخْ. فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لِلْمَاءِ كَانَ بَاطِلًا بَلْ هُوَ مِثْلِيٌّ تَارَةً وَمُتَقَوِّمٌ أُخْرَى، وَإِنْ كُنِيَ بِذَلِكَ عَنْ نَفَاسَةِ الْمَاءِ كَانَتِ الْعِبَارَةُ قَاصِرَةً، وَكَانَ يَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الشَّرْبَةَ قَدْ تُسَاوِي دَنَانِيرَ، لَا لِكَوْنِ
стр. 3573
ذَلِكَ قِيمَةً لَهُ، بَلْ لِتُوَقُّفِ الْحَيَاةِ عَلَيْهِ، فَمَبْنِيٌّ عَلَى زَعْمِهِ الْبَاطِلِ مِنْ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْفِقْهِ مُنْحَصِرَةٌ فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ، إِذِ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ مِنَ الْمِثْلِيِّ وَالْقِيمِيِّ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْجُهَلَاءِ فَضْلًا عَنِ الْفُضَلَاءِ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْفَاضِلَ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ نَفَاسَةَ الْمَاءِ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْمَاءِ عِنْدَ أَحَدٍ لَا يَشْتَرِيهِ، فَلَا يَكُونُ قِيمَةً لَهُ عِنْدَهُ، وَإِذَا فُقِدَ بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ عِنْدَ أَحَدٍ بِالْبَيْعِ صَحَّ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِي بِهِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ قُصُورُ عِبَارَةِ فُقَهَائِهِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الشَّرْبَةَ قَدْ تُسَاوِي دَنَانِيرَ لَا لِكَوْنِ ذَلِكَ قِيمَةً لَهُ، فَإِنَّهُ ظَاهِرُ الْمُنَاقَضَةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ يُسَاوِي شَيْئًا سَوَاءً كَانَ مَاءً أَوْ حَجَرًا أَوْ طَعَامًا أَوْ شَجَرًا، لَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ قِيمَةً لَهُ، فَتَصْحِيحُ كَلَامِهِمْ نَفْيُ الْقِيمَةِ الْعَادِيَّةِ ثُمَّ قَوْلُهُ: بَلْ لِتَوَقُّفِ الْحَيَاةِ عَلَيْهِ، لَا يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ مِنْ كَلَامِهِمْ، أَوْ مِنْ كَلَامِهِ، مَعَ أَنَّهُ الظَّاهِرُ لِعَدَمِ مُتَعَلِّقِ اللَّامِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ لَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ لِأَنَّهُ سَاوَى دَنَانِيرَ عَلَى خِلَافِ جَرْيِ الْعَادَةِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِي لِتَوَقُّفِ الْحَيَاةِ عَلَيْهِ، لَا لِكَوْنِهِ يُسَوَّى بِالدَّنَانِيرِ، وَلَا لِكَوْنِهَا قِيمَةً لَهُ، وَهَذَا سَفْسَافٌ مِنَ الْكَلَامِ لِأَنَّ حَجَرًا إِذَا سَوَى أُلُوفًا مِنَ الدَّنَانِيرِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، لَا يُقَالُ فِيهِ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ قِيمَةً لَهُ، فَإِذَا كَانَ يَشْتَرِي الْمَاءَ بِالدَّنَانِيرِ لِتَوُقُّفِ الْحَيَاةِ عَلَيْهِ كَيْفَ يُقَالُ إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ قِيمَةً لَهُ؟
وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ مُخَالَفَةُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لِلْفُقَهَاءِ حَيْثُ قَالُوا: الْمَاءُ إِذَا تَجَاوَزَ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ جَازَ التَّيَمُّمُ، وَأَبَى الْحَسَنُ فَقَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدِي جَمِيعُ مَالِ الدُّنْيَا فَأَدْفَعُهُ إِلَى الْمَاءِ وَأَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَصِحُّ لِيَ التَّيَمُّمُ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ اخْتَارَ مَذْهَبَ الْخَوَاصِّ وَالْفُقَهَاءِ إِلَى الْحَرَجِ الْعَامِّ رَحْمَةً عَلَى الْعَوَامِّ.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْمُعْتَرِضَ مَا فَهِمَ كَلَامَ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا حَقَّ التَّفَهُّمِ، بَلْ أَخَذَ عَنْهُمْ تَقْلِيدًا، وَتَوَهَّمَ التَّقَدُّمَ.
وَمِمَّا يُلَائِمُ قَضِيَّةَ عِزَّةِ الْمَاءِ مَا حُكِيَ أَنَّ مَلِكًا وَقَعَ فِي صَحْرَاءَ وَغَلَبَ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَظَهَرَ لَهُ مِنْ رِجَالِ الْغَيْبِ شَخْصٌ مَعَهُ مَاءٌ، فَطَلَبَ مِنْهُ فَأَبَى، فَعَرَضَ عَلَيْهِ نِصْفَ مُلْكِهِ، فَأَعْطَاهُ ثُمَّ حَصَلَ لَهُ بَعْدَ الشُّرْبِ عُسْرُ الْبَوْلِ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصَّبْرَ عَلَيْهِ فَقَالَ لِلشَّخْصِ: إِنْ دَاوَيْتَهُ فَأُعْطِيكَ مُلْكِي كُلَّهُ، فَدَعَا لَهُ فَحَصَلَ لَهُ الْفَرَجُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمُلْكَ فَقَالَ: مُلْكٌ يَسْوِي نِصْفُهُ لِدُخُولِ شَرْبَةٍ، وَنِصْفُهُ لِخُرُوجِهَا لَا قِيمَةَ لَهُ. فَكَيْفَ أَخْتَارُهُ؟
وَكَذَا يَتَبَيَّنُ مَا وَرَدَ عَنْهُ: ﷺ ( «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ لَمَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» ) يَعْنِي: فَالْحِكْمَةُ فِي إِطْعَامِهِمْ وَإِسْقَائِهِمْ وَإِبْقَائِهِمْ وَزِيَادَةِ إِنْعَامِهِمْ أَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ.
(قَالَ) أَيْ: أَبُو الدَّرْدَاءِ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَكَرَ) : أَيْ: هُوَ (دَاوُدَ يُحَدِّثُ عَنْهُ) : أَيْ: يَحْكِي (يَقُولُ) : بَدَلٌ مِنْ يُحَدِّثُ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُحَدِّثُ، (كَانَ) : أَيْ: دَاوُدُ (أَعْبَدَ الْبَشَرِ) : أَيْ: فِي زَمَانِهِ، كَذَا قَيَّدَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْإِطْلَاقِ لَا مَحْذُورَ فِيهِ، إِلَّا لَا يَلْزَمُ مِنَ الْأَعْبَدِيَّةِ الْأَعْلَمِيَّةُ فَضْلًا مِنَ الْأَفْضَلِيَّةِ، وَقِيلَ: هُوَ أَكْثَرُهُمْ شُكْرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] أَيْ بَالِغْ فِي شُكْرِي، وَابْذُلْ وُسْعَكَ فِيهِ، كَذَا وَذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّهُ أَكْثَرُ الْبَشَرِ شُكْرًا عَلَى الْإِطْلَاقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ نُوحٍ ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] نَعَمْ يُفْهَمُ مِنْ كَوْنِهِ نَبِيًّا أَنَّهُ أَكْثَرُ أَهْلِ زَمَنِهِ شُكْرًا، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] حَيْثُ اكْتَفَى مِنْ آلِ دَاوُدَ بِمُطْلَقِ عَمَلِ الشُّكْرِ، ثُمَّ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ الْمُنَزَّلِ مَنْزِلَةَ التَّعْلِيلِ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَرْتَبَةَ الشَّكُورِ إِنَّمَا هِيَ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَبِقَدْرِ مُتَابَعَتِهِمْ حَاصِلَةٌ لِلْأَصْفِيَاءِ، وَبِهَذَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: أَيْ بَالِغْ فِي شُكْرِكَ، وَإِلَّا فَهُوَ غَيْرُ مَأْخُوذٍ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: يُحَدِّثُ يُرْوَى مَرْفُوعًا جَزَاءً لِلشَّرْطِ إِذَا كَانَ مَاضِيًا وَالْجَزَاءُ مُضَارِعًا يَسُوغُ فِيهِ الْوَجْهَانِ اهـ. وَمُرَادُهُ أَنَّ الرَّفْعَ مُتَعَيِّنٌ، وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ إِذَا يَجْزِمُ كَمَا ذَكَرُوا فِي قَوْلِهِ:
وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَحَمَّلِ فَإِنَّ الشَّرْطَ الْجَازِمَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مَاضِيًا وَالْجَزَاءُ مُضَارِعًا يَسُوغُ فِيهِ الْوَجْهَانِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ جَازِمًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَيَتَعَيَّنُ الرَّفْعُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَلَا يَجُوزُ الْجَزْمُ لِعَدَمِ وُرُودِهِ رِوَايَةً.
لَكِنْ لَوْ وَرَدَ لَهُ وَجْهٌ فِي الدِّرَايَةِ فَبَطَلَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀ نَقْلًا وَاعْتِرَاضًا، حَيْثُ قَالَ بِالرَّفْعِ وَالسُّكُونِ، كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي كُلِّ جَزَاءٍ شَرْطُهُ مَاضٍ، كَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَهُوَ وَهْمٌ، فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي الشَّرْطِ الْجَازِمِ وَمَا هُنَا إِذَا وَهُوَ غَيْرُ جَازِمٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
стр. 3574
٢٤٩٧ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: «صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلَاةً، فَأَوْجَزَ فِيهَا. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَفَّفْتَ وَأَوْجَزْتَ الصَّلَاةَ. فَقَالَ. أَمَا عَلَيَّ ذَلِكَ، لَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ هُوَ أَبِي، غَيْرَ أَنَّهُ كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: (اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِينِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَى وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَى بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ. وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زِيِّنَا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ» ) . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
٢٤٩٧ - (وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وُلِدَ السَّائِبُ السَّنَةَ الثَّالِثَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ حَضَرَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ أَبِيهِ يَزِيدَ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ. (قَالَ: صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلَاةً) : يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَكْتُوبَةً أَوْ نَافِلَةً، (فَأَوْجَزَ: أَيْ: اقْتَصَرَ، (فِيهَا) : أَيْ: مَعَ تَمَامِ أَرْكَانِهَا وَسُنَنِهَا، (فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ) : أَيْ: مِمَّنْ حَضَرَهَا (لَقَدْ خَفَّفْتَ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: الْأَرْكَانَ بِأَنْ فَعَلْتَ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا الرُّكْنُ (وَأَوْجَزْتَ) : أَيْ: اقْتَصَرْتَ بِأَنْ أَتَيْتَ أَقَلَّ مَا يُؤَدَّى بِهِ السُّنَنُ، وَقَوْلُهُ: (الصَّلَاةُ) : تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ، (فَقَالَ: أَمَا) : بِالتَّخْفِيفِ (عَلَيَّ) : بِالتَّشْدِيدِ (ذَلِكَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْهَمْزَةُ فِي أَمَا لِلْإِنْكَارِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَتَقُولُ هَذَا أَيْ: اسْكُتْ مَا عَلَيَّ ضَرَرٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِلنِّدَاءِ، وَالْمُنَادَى بَعْضُ الْقَوْمِ أَيْ: يَا فُلَانُ! لَيْسَ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةَ تَنْبِيهٍ ثُمَّ قَالَ: عَلَيَّ ذَلِكَ بَيَانَهُ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَمَا يُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِلِاسْتِفْتَاحِ عَلَى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ ﵊: ( «مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ» ) وَقَوْلُهُ: لَقَدْ إِلَخْ. بَيَانٌ لِكَوْنِهِ مَعَ أَنَّهُ أَوْجَزَ أَتَى بِهَذَا الدُّعَاءِ الطَّوِيلِ لِنَفَاسَتِهِ وَالِاتِّبَاعِ فِيهِ، وَهَذَا أَظْهَرُ مِنِ احْتِمَالَاتِ الطِّيبِيِّ ﵀، فَإِنَّ كُلَّهَا تَكَلُّفٌ وَمَا ذَكَرْتُهُ أَخَفُّ تَكَلُّفًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ لَنَا أَنَّ مَا ظَهَرَ لَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ مِنْ وُجُوهٍ: أَمَّا أَوَّلًا: فَقَوْلُهُ عَلَى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، فَإِنَّ عَلَى لِلْوُجُوبِ وَالتَّخْفِيفُ بِالِاتِّفَاقِ مَنْدُوبٌ.
وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ إِمَامًا لِيَسْتَدِلَّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ.
وَأَمَّا ثَالِثًا: فَلِأَنَّ تَطْوِيلَهُ بِالدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ مُخَالِفٌ لِلتَّخْفِيفِ الْمَسْطُورِ، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ كَانَ مُنْفَرِدًا وَخَفَّفَ فِي بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ وَطَوَّلَ فِي الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ إِمَامٌ وَخَفَّفَ فِي الْأَرْكَانِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ وَطُوَّلَ فِي الدُّعَاءِ الَّذِي مِنْ جُمْلَةِ السُّنَنِ الْمَرْوِيَّةِ.
(لَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا) : أَيْ: فِي آخِرِهَا أَوْ سُجُودِهَا (بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ) : أَيْ: دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا (فَلَمَّا قَامَ) : أَيْ عَمَّارٌ: (تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ هُوَ أَبِي) هَذَا مِنْ كَلَامِ عَطَاءٍ أَيْ: ذَلِكَ الرَّجُلُ أَبِي (غَيْرَ أَنَّهُ) : أَيْ: أَبِي (كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ) : أَيْ: بِرَجُلٍ وَلَمْ يَقُلْ تَبِعْتُهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَتَقْدِيرُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ إِلَّا أَنَّهُ كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ بِالرَّجُلِ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ التَّصْرِيحِ مُبَالَغَةُ الْإِخْفَاءِ خَوْفًا مِنَ الرِّيَاءِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: كَنَّى بِهِ تَوَاضُعًا إِذْ لَوْ قَالَ: فَتَبِعْتُهُ لَرُبَّمَا تُوُهِّمَ مِنْهُ أَنَّ فِيهِ مَدْحًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ السَّائِبُ: (فَسَأَلَهُ) : أَيْ: الرَّجُلُ عَمَّارًا (عَنِ الدُّعَاءِ) : أَيْ: فَأَخْبَرَهُ (ثُمَّ جَاءَ) : أَيْ: الرَّجُلُ (فَأَخْبَرَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَأَخْبَرَ (بِهِ) : أَيْ: بِالدُّعَاءِ [الْقَوْمَ: (اللَّهُمَّ) : أَيْ: وَهُوَ هَذَا (بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ) : الْبَاءُ لِلِاسْتِعْطَافِ أَيْ: أَنْشُدُكَ بِحَقِّ عِلْمِكَ الْمُغَيَّبَاتِ عَنْ خَلْقِكَ (وَقُدْرَتِكَ) : أَيْ: بِقُدْرَتِكَ (عَلَى الْخَلْقِ) : أَيْ: عَلَى خَلْقِ كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَشِيئَتُكَ، أَوْ عَلَى الْمَخْلُوقَاتِ بِأَنْ تَفْعَلَ فِيهِمْ مَا تَقْضِي إِرَادَتُكَ (أَحْيِنِي) : أَيْ: أَمِدَّنِي بِالْحَيَاةِ (مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ) : (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ (خَيْرًا لِي) : بِأَنْ يَغْلِبَ خَيْرِي عَلَى شَرِّي ( «وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي» ) : بِأَنْ تَغْلِبَ سَيِّئَاتِي عَلَى حَسَنَاتِي، أَوْ بِأَنْ تَقَعَ الْفِتَنُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، (اللَّهُمَّ) : اعْتِرَاضٌ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى الْأَوَّلِ بِحَذْفِ الْعَاطِفِ، كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الدَّعَوَاتِ الْحَدِيثِيَّةِ، وَمِنْهُ تَكْرَارُ رَبِّنَا مِنْ غَيْرِ عَاطِفٍ فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَلَا يَضُرُّهُ الْوَاوُ
стр. 3575
فِي قَوْلِهِ: وَأَسْأَلُكَ، لِأَنَّهَا نَظِيرَةُ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا﴾ [آل عمران: ١٩٤] (وَأَسْأَلُكَ) : عَطْفٌ عَلَى أَنْشُدُكَ الْمُقَدَّرِ (خَشْيَتَكَ) : أَيْ: الْخَوْفَ مِنْ مُخَالَفَتِكَ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ مُعَاقَبَتِكَ (فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) : أَيْ: فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ( «وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ» ) : أَيْ: فِي حَالِ رِضَا الْخَلْقِ وَغَضَبِهِمْ، أَوْ فِي حَالِ رِضَائِي وَغَضَبِي، أَيْ أَكُونُ مُسْتَمِرًّا عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِي وَأَوْقَاتِي.
وَزَادَ فِي الْحِصْنِ: وَكَلِمَةَ الْإِخْلَاصِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِكَلِمَةِ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] أَيْ: دَعْوَةُ التَّوْحِيدِ الْمُطْلَقِ وَالشَّرْعِ الْمُحَقَّقِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ الْحُكْمُ بِالْعَدْلِ، وَبِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ التَّوْحِيدُ أَوِ النَّصِيحَةُ الْخَالِصَةُ عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، فَحِينَئِذٍ يَتَنَازَعَانِ فِي الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ.
وَأَمَّا تَفْسِيرُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀: كَلِمَةَ الْحَقِّ بِمَا لَا إِثْمَ فِيهِ، فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ، بَلْ غَيْرُ صَحِيحٍ، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ ﷺ يَسْأَلُ اللَّهَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الْكَلَامِ الْمُبَاحِ، وَهُوَ ﵊ يَقُولُ: ( «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ) . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] .
(وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ) : أَيْ: الِاقْتِصَادَ وَهُوَ التَّوَسُّطُ (فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى) : وَهُوَ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ: الْكَفَافُ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَتْرُوكَةٌ مِنَ الْحِصْنِ.
وَذَهَبَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ تَوْفِيقُ الْقَصْدِ، وَقَالَ: لِأَنَّ غَيْرَ الْقَصْدِ مَذْمُومٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] الْآيَةَ.
وَالظَّاهِرَةُ أَنَّ الْمَقَامَ بِأَبِيٍّ عَنِ الْحَمْلِ عَلَيْهِ سَابِقًا وَلَاحِقًا، فَإِنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِي امْتِثَالِ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَإِلَّا فَالْأَوْلَى بِالذِّكْرِ كَثِيرٌ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ مَأْمُورٍ وَلَا مُبَاشَرَةُ مَحْظُورٍ.
( «وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ» ) : بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: لَا يَفْنَى وَلَا يَنْقُصُ، وَهُوَ نُعَيْمُ الْجَنَّةِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ.
( «وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ» ) : وَلَفْظُ الْحِصْنِ: وَقُرَّةَ عَيْنٍ بِالْعَطْفِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْفِعْلِ (لَا تَنْقَطِعُ) : وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَا يَتَلَذَّذُ بِهِ الْإِنْسَانُ الْكَامِلُ، وَقِيلَ يُحْتَمَلُ طَلَبُ نَسْلٍ لَا يَنْقَطِعُ، وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] وَقِيلَ: أَرَادَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الصَّلَاةِ، وَقَدْ وَرَدَ: وَقُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ.
( «وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا» ) : وَهُوَ مَقْصُورٌ مَصْدَرٌ مَحْضٌ، وَالِاسْمُ الرِّضَا الْمَمْدُودُ كَذَا وَذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ. (بَعْدَ الْقَضَاءِ) : فَإِنَّهُ الْمَقَامُ الْأَفْخَمُ وَبَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، قِيلَ فِي وَجْهِ الْأَوَّلِ كَأَنَّهُ طَلَبَ الرِّضَا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْقَضَاءِ وَتُقَرِّرِهِ، وَسُئِلَ أَبُو عُثْمَانَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ: ﷺ «أَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ» ، عَزْمٌ عَلَى الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ قَالَ: لِأَنَّ الرِّضَا قَبْلَ الْقَضَاءِ عَزْمٌ عَلَى الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ وَهُوَ الرِّضَا، كَذَا فِي الْغُنْيَةِ لِلْقُطْبِ الرَّبَّانِيِّ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ الْبَارِي.
( «وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ» ) : أَيْ: طِيبَهُ وَحُسْنَهُ، وَفِي الْحِصْنِ: وَبَرْدَ الْعَيْشِ (بَعْدَ الْمَوْتِ) لِأَنَّهُ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ. ( «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ» ) : وَفِي الْحِصْنِ: بِالْعَطْفِ بِدُونِ أَسْأَلُكَ (إِلَى وَجْهِكَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَيَّدَ النَّظَرَ بِاللَّذَّةِ، لِأَنَّ النَّظَرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِمَّا نَظَرُ هَيْبَةٍ وَجَلَالٍ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، وَإِمَّا نَظَرُ لُطْفٍ وَجَمَالٍ فِي الْجَنَّةِ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ الْمُرَادَ هَذَا، (وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ) : أَيْ: أَبَدًا سَرْمَدًا (فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ) : أَيْ: شِدَّةٍ (مُضِرَّةٍ) : الْجَارُّ إِمَّا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وَالشَّوْقُ إِلَى لِقَائِكَ أَيْ: أَسْأَلُكَ شَوْقًا لَا يُؤَثِّرُ فِي سَيْرِي وَسُلُوكِي، بِحَيْثُ يَمْنَعُنِي عَنْ ذَلِكَ، وَأَنْ يَضُرَّنِي مَضَرَّةً، وَإِمَّا مُتَعَلِّقٌ بِأَحْيِنِي، الثَّانِي أَظْهَرُ مَعْنًى، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لَفْظًا، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي كَوْنُهُ فِي الْحِصْنِ بِلَفْظِ: أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مُتَعَلِّقُ الظَّرْفِ مُشْكِلٌ، وَلَعَلَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْقَرِينَةِ الْأَخِيرَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِكَ، سَأَلَ شَوْقًا إِلَى اللَّهِ بِحَيْثُ يَكُونُ ضَرَّاءَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ أَيْ: شَوْقًا لَا يُؤَثِّرُ فِي سَيْرِي وَسُلُوكِي، وَإِنْ ضَرَّنِي مَضَرَّةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَّصِلَ بِقَوْلِهِ: أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَمَعْنَى ضَرَّاءَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ الضُّرُّ الَّذِي يُصْبَرُ عَلَيْهِ كَمَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ ﵊: ( «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» ) اهـ.
стр. 3576
وَقَوْلُهُ: بِحَيْثُ يَكُونُ " ضَرَّاءَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ " غَيْرَ صَحِيحٍ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ لَيْسَ شَوْقًا بِحَيْثُ يَكُونُ ضَرَّاءَ، وَلِذَا دَخَلَ غَيْرُ عَلَيْهَا ثُمَّ وَصَفَهَا بِمُضِرَّةٍ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ الضَّرَّاءُ إِذْ لَمْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَإِنْ ضَرَّنِي مُضِرَّةٌ) وَيُمْكِنُ حَمْلُ عِبَارَتِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ بِأَدْنَى عِنَايَةٍ وَحَاصِلُ الْمَعْنَى إِنِّي أَسْأَلُكَ شَوْقًا لَا يَضُرُّنِي فِي بَدَنِي بِأَنْ أَفْعَلَ مَا لَا طَاقَةَ لِي بِهِ وَلَا فِي قَلْبِي بِأَنْ تَغْلِبَ عَلَيَّ الْجَذْبَةُ بِحَيْثُ أَخْرُجُ عَنْ طَوْرِ عَقْلِي، فَيَفُوتُنِي مَرْتَبَةُ الْجَمْعِ، وَلِذَا قَالَ: (وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ) : لِأَنَّ الْفِتْنَةَ تَعُمُّ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاكِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، وَالْمُضِلَّةُ مَا يُوجِبُ الِانْحِرَافَ عَنِ الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، ( «اللَّهُمَّ زِيِّنَا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ» ) : أَيْ: بِثَبَاتِهِ وَزِيَادَةِ ثَمَرَاتِهِ مِنْ حُسْنِ الْعَمَلِ وَإِتْيَانِ الْعِرْفَانِ، (وَاجْعَلْنَا هُدَاةً) : جَمْعُ هَادٍ أَيْ: هَادِينَ إِلَى الدِّينِ (مَهْدِيِّينَ) : وَفِي الْحِصْنِ: مُهْتَدِينَ أَيْ: ثَابِتِينَ عَلَى الْهِدَايَةِ وَطَرِيقِ الْيَقِينِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَصَفَ الْهُدَاةَ بِالْمَهْدِيِّينَ لِأَنَّ الْهَادِيَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَهْدِيًّا فِي نَفْسِهِ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ هَادِيًا لِغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ يُوقِعُ الْخَلْقَ فِي الضَّلَالِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ. قُلْتُ: وَمِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ أَيْضًا. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ.
стр. 3577
٢٤٩٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي: (الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) .
ــ
٢٤٩٨ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ الْفَجْرِ) : أَيْ: فِي دُبُرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَعِبَارَةُ الْأَذْكَارِ: إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا» ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: مَقْبُولًا (وَرِزْقًا طَيِّبًا) : أَيْ: حَلَالًا فِي مُخْتَصَرِ الطِّيبِيِّ ﵀: فَإِنَّهُ أُسٌّ لَهُمَا وَلَا يُعْتَدُّ بِهِمَا دُونَهُ. أَقُولُ وَلِهَذَا قُدِّمَ عَلَيْهِمَا فِي رِوَايَةِ الْحِصْنِ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ، وَابْنِ السُّنِّي وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ ﵀: إِنْ قُلْتَ كَانَ مِنَ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَدِّمَ الرِّزْقَ الْحَلَالَ عَلَى الْعِلْمِ، لِأَنَّ الرِّزْقَ إِذَا لَمْ يَكُنْ طَيِّبًا لَمْ يَكُنِ الْعِلْمُ نَافِعًا، وَالْعَمَلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ عِلْمٍ نَافِعٍ لَمْ يَكُنْ مُتَقَبَّلًا قُلْتُ: أَخَّرَهُ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ إِنَّمَا يُعْتَدُّ بِهِمَا إِذَا تَأَسَّسَا عَلَى الرِّزْقِ الْحَلَالِ، وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الْعُلْيَا، وَلَوْ قَدَّمَ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ، كَمَا إِذَا سُئِلْتَ عَنْ رَجُلٍ؟ فَقِيلَ لَكَ: هُوَ عَالِمٌ عَامِلٌ، فَقُلْتَ: مِنْ أَيْنَ مَعَاشُهُ؟ فَقِيلَ: لَكَ مِنْ أَوْزَارِ السُّلْطَانِ اسْتَنْكَفْتَ مِنْهُ، وَلَمْ تَنْظُرْ إِلَى عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ وَتَجْعَلْهُمَا هَبَاءً مَنْثُورًا اهـ.
وَحَاصِلُ السُّؤَالِ أَنَّ تَقْدِيمَ الرِّزْقِ هُوَ الْمُقَدَّمُ حِسًّا لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِتَحْصِيلِهِمَا، وَلِذَا قَدَّمَهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] .
وَلِذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ: الطَّاعَةُ مَخْزُونَةٌ فِي خَزَائِنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِفْتَاحُهَا الدُّعَاءُ، وَأَسْنَانُهُ الْحَلَالُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ فِي جَوْفِهِ حَرَامٌ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعِلْمَ النَّافِعَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ نَتِيجَةُ الرِّزْقِ الْحَلَالِ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ لِلتَّرَقِّي لَا لِلتَّدَلِّي، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الْعُلْيَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا قَيْدٌ لِكَمَالِ مَا قَبْلَهُ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ مَعَاشُهُ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ قَدَّمَ الْعِلْمَ إِيمَاءً بِأَنَّهُ الْأَسَاسُ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ الدِّينِ مِنَ الِاعْتِقَادِ وَالْأَحْوَالِ، وَصِحَّةِ الْأَعْمَالِ وَمَعْرِفَةِ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ، ثُمَّ أَتَى بِنَتِيجَةِ الْعِلْمِ وَهُوَ الْعَمَلُ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ فَكَأَنَّهُ جَاهِلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] فَإِنَّ الْبَغَوِيَّ ﵀ قَالَ: أَجْمَعَ السَّلَفُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ جَاهِلٌ.
وَأَقُولُ: بَلْ أَشَدُّ مِنْهُ لِقَوْلِهِ: ﷺ ( «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ» ) . وَوَرَدَ: وَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مَرَّةً وَوَيْلٌ لِلْعَالِمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، بَلْ قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ ﵀: إِنَّ أَقَلَّ الْعِلْمِ بَلْ أَدْنَى الْإِيمَانِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الدُّنْيَا فَانِيَةٌ وَالْعُقْبَى بَاقِيَةٌ، وَنَتِيجَتُهُ أَنْ يُؤْثِرَ الْبَاقِي عَلَى الْفَانِي، ثُمَّ لَمَّا كَانَ الرِّزْقُ الْحَلَالُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ خُصَّ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ كَالْأَسَاسِ الظَّاهِرِيِّ فِي نَتِيجَةِ الْعِلْمِ وَصِحَّتِهِ، وَتَرَتُّبِ الْعَمَلِ وَإِخْلَاصِهِ وَقَبُولِهِ.
стр. 3578
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀: قَدَّمَهُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْأَوَّلِ أَنْ يُنَوِّرَ الْقَلْبَ، وَيَزِيدَ فِي الْعِلْمِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ رُبَّمَا أَظْلَمَ الْقَلْبَ، وَنَقَصَ مِنَ الْعِلْمِ. وَالثَّالِثِ أَنَّهُ يُظْلِمُ الْقَلْبَ وَيُبْعِدُ مِنَ اللَّهِ وَيُوجِبُ مَقْتَهُ وَخِذْلَانَهُ، فَمَعَ رَكَاكَةِ لَفْظِهِ وَغَلَاقَةِ مَعْنَاهُ لَا يُلَائِمُ أَرْبَابَ الْعِبَارَاتِ، وَلَا يُنَاسِبُ مَرَامَ أَصْحَابِ الْإِشَارَاتِ (رَوَاهُ) : أَيْ: بِهَذَا اللَّفْظِ [أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) ،: وَزَادَ فِي الْأَذْكَارِ، وَابْنُ السُّنِّيِّ، فَلَعَلَّهُ لَهُ رِوَايَتَانِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 3579
٢٤٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «دُعَاءٌ حَفِظْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا أَدَعُهُ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أُعْظِمُ شُكْرَكَ، وَأُكْثِرُ ذِكْرَكَ، وَأَتَّبِعُ نُصْحَكَ، وَأَحْفَظُ وَصِيَّتَكَ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٢٤٩٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دُعَاءٌ) : مُبْتَدَأٌ (حَفِظْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ مُسَوِّغٌ وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ: (لَا أَدَعُهُ) : أَيْ: لَا أَتْرُكُهُ لِنَفَاسَتِهِ. (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أُعْظِمُ) : بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ وَرَفْعِ الْمِيمِ، وَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ بِتَقْدِيرِ أَنْ أَوْ بِغَيْرِهِ مُعْظِمًا (شُكْرَكَ) : أَيْ: بَعْدَ تَعْظِيمِ نِعْمَتِكَ اللَّازِمِ مِنْهَا تَعْظِيمُ الْمُنَعَّمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اجْعَلْنِي. بِمَعْنَى صَيِّرْنِي، وَلِذَلِكَ أَتَى بِالْمَفْعُولِ الثَّانِي فِعْلًا، لِأَنَّهُ صَارَ مَنْ دَوَاخِلِ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ اهـ.
وَهُوَ مُوهِمٌ أَنَّ جَعْلَ مَتَى يَكُونُ بِمَعْنَى صَارَ يُؤْتَى بِالْمَفْعُولِ الثَّانِي فِعْلًا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ: ٩] بَلْ مُرَادُهُ أَنَّ جَعَلَ لَيْسَ بِمَعْنَى خَلَقَ كَمَا يُسْتَعْمَلُ تَارَةً نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] فَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَيُسْتَعْمَلُ مَرَّةً بِمَعْنَى صَارَ، فَحِينَئِذٍ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: أَعُدُّهُ عَظِيمًا أَوْ آتِي بِهِ عَظِيمًا، فَلَا يَخْفَى عَدَمُ ظُهُورِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ عُدُولِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ.
(وَأُكْثِرُ) : مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا (ذِكْرَكَ) : أَيْ: لِسَانًا وَجِنَانًا، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀: تَصْرِيحٌ مِمَّا عُلِمَ قَبْلَهُ إِطْنَابًا وَاسْتِلْذَاذًا بِالْخِطَابِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا يَكُونُ الثَّانِي مَفْهُومَ مَنْطُوقِ الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ.
(وَأَتَّبِعَ) : بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْأَوْلَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ (نُصْحَكَ) بِضَمِّ النُّونِ أَيْ: نَصِيحَتَكَ (وَأَحْفَظُ وَصِيَّتَكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: النَّصِيحَةُ وَالْوَصِيَّةُ مُتَقَارِبَانِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، فَإِنَّ النَّصِيحَةَ هِيَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ، فَيُرَادُ بِهَا حُقُوقُ الْعِبَادِ، وَبِالْوَصِيَّةِ مُتَابَعَةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 3580
٢٥٠٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصِّحَّةَ، وَالْعِفَّةَ، وَالْأَمَانَةَ، وَحُسْنَ الْخُلُقِ، وَالرِّضَى بِالْقَدَرِ» ) .
ــ
٢٥٠٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: بِالْوَاوِ [قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصِّحَّةَ» ) : أَيْ: صِحَّةَ الْبَدَنِ مِنْ سَيِّئِ الْأَسْقَامِ أَوْ صِحَّةِ الْأَحْوَالِ، وَالْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ (وَالْعِفَّةَ) : أَيْ: التَّحَرُّزَ عَنِ الْحَرَامِ، وَالِاجْتِنَابَ عَنِ الْآثَامِ (وَالْأَمَانَةَ) : بِتَرْكِ خِيَانَةِ الْأَنَامِ (وَحُسْنَ الْخُلُقِ) : بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِهَا أَيْ: حُسْنَ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، (وَالرِّضَا بِالْقَدَرِ) : أَيْ: بِمَا جَرَى بِهِ الْإِقْلَاعُ.
стр. 3581
٢٥٠١ - وَعَنْ أُمِّ مَعْبَدٍ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ، وَعَمَلِي مِنَ الرِّيَاءِ، وَلِسَانِي مِنَ الْكَذِبِ، وَعَيْنِي مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ» ) رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي: (الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) .
ــ
٢٥٠١ - (وَعَنْ أُمِّ مَعْبَدٍ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيَّةِ، قَالَتْ: [سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ» ) : أَيْ: بِتَحْصِيلِ الْيَقِينِ فِي الدِّينِ، وَتَسْوِيَةِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. (وَعَمَلِي مِنَ الرِّيَاءِ) : بِالْهَمْزِ وَقَدْ يُبَدَّلُ أَيْ: مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ بِتَوْفِيقِ الْإِخْلَاصِ، (وَلِسَانِي مِنَ الْكَذِبِ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ، وَيَجُوزُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الذَّالِ، وَخُصَّ مِنْ مَعَاصِي اللِّسَانِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُهُ وَأَقْبَحُهُ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الْخَلْقِ، (وَعَيْنِي مِنَ الْخِيَانَةِ) : أَيْ: بِأَنْ يَنْظُرَ بِهَا إِلَى مَا لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ، أَوْ
стр. 3582
يُشِيرُ بِهَا إِلَى مَا يَتَرَتَّبُ الْفَسَادُ عَلَيْهِ، ( «فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ» ) : قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] الْخَائِنَةُ صِفَةُ النَّظْرَةِ كَالنَّظْرَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْمُحَرَّمِ، وَاسْتِرَاقُ النَّظَرِ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ، كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الرِّيَبِ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُرَادَ الْخَائِنَةُ مِنَ الْأَعْيُنِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) لَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ قَالَ صَاحِبُ الْمَدَارِكِ قَوْلُهُ: (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) : أَيْ: وَمَا تُسِرُّهُ مِنْ أَمَانَةٍ أَوْ خِيَانَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى أَجْنَبِيَّةٍ بِشَهْوَةٍ مُسَارَقَةً، ثُمَّ يَتَفَكَّرُ بِقَلْبِهِ فِي جَمَالِهَا، وَلَا يَعْلَمُ بِنَظْرَتِهِ وَفِكْرَتِهُ مَنْ بِحَضْرَتِهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ.
فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ: الْخَائِنَةُ مِنْهَا وَهِيَ الَّتِي تَتَعَمَّدُ ذَلِكَ النَّظَرَ الْمُحَرَّمَ مَعَ اسْتِرَاقِهِ، حَتَّى لَا يَفْطِنَ أَحَدٌ لَهُ مَرْدُودٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يُرَادُ بِخَائِنَةِ الْأَعْيُنِ أَنْ يُظْهِرَ الْإِنْسَانُ خِلَافَ مَا يُبْطِنُ كَأَنْ يُشِيرَ بِطَرَفِ عَيْنِهِ إِلَى قَتْلِ إِنْسَانٍ، مَعَ أَنَّهُ يُظْهِرُ لَهُ الرِّضَا عَنْهُ قُلْتُ: هَذِهِ عِبَارَةٌ غَرِيبَةٌ وَإِشَارَةٌ عَجِيبَةٌ، مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مُطَابِقَةٍ لِلْقَضِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْحُجَّةِ الْمَسْطُورَةِ بِقَوْلِهِ: وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أَيْ: «مِمَّنْ أُهْدِرُ دَمُهُمْ يَوْمَئِذٍ جِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَشَفَعَ فِيهِ عُثْمَانُ ﵁ فَسَكَتَ ﷺ هُنَيْهَةً ثُمَّ شَفَعَ عُثْمَانُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: (هَلَّا بَادَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى قَتْلِهِ حِينَ سَكَتُّ) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَّا أَشَرْتَ إِلَيْنَا بِقَتْلِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: ﷺ (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يِكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» ) وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَئِمَّتُنَا: مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ، وَهِيَ أَنْ يُبْطِنَ خِلَافَ مَا يُظْهِرُ إِلَّا فِي التَّوْرِيَةِ بِالْحَرْبِ أَوْ فِيهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ وَجْهُ الِاخْتِصَاصِ بِهِ ﷺ . ثُمَّ قَالَ: قَوْلُهُ: (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) أَيْ تُكِنُّهُ الْقُلُوبُ وَتُضْمِرُهُ الْأَفْئِدَةُ مِنْ تَوَالِي خَطِرَاتِهَا الْمُتَنَافِيَةِ، وَفِي تَرَقٍّ لِأَنَّ هَذِهِ الْخَطِرَاتِ أَقْبَحُ مِنْ تِلْكَ النَّظَرَاتِ.
قُلْتُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْخَطِرَاتِ مَعْفُوٌّ عَنْهَا بِخِلَافِ النَّظَرَاتِ الْمُعْتَمَدِ بِهَا. ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ الْكَشَّافِ: وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُرَادَ الْخَائِنَةُ مِنَ الْأَعْيُنِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) لَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ اهـ. فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ أَيْ تَفْسِيرَ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ. بِمَا مَرَّ عَنِ الْفُقَهَاءِ، فَهُوَ وَاضِحٌ لِأَنَّ خَائِنَتَهَا حِينَئِذٍ مِمَّا تُخْفِيهِ الصُّدُورُ، فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْأَعَمِّ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ مِنَ التَّغَايُرِ الْحَقِيقِيِّ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ مِنْ تَفْسِيرِهَا بِمَا مَرَّ أَوَّلًا كَانَ مُنْدَفِعًا بِمَا قَرَّرْتُهُ مِنَ التَّرَقِّي الْمَذْكُورِ، وَبِهَذَا الْفَرْقِ الَّذِي قَرَّرْتُ بِهِ كَلَامَهُ مِنْ إِيضَاحِهِ عَلَى الْأَوَّلِ وَانْدِفَاعِهِ عَلَى الثَّانِي يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ هُنَا فَتَأَمَّلْهُ اهـ.
وَقَدْ تَأَمَّلْنَا، فَوَجَدْنَا أَنَّ الْكَشَّافَ وَالطِّيبِيَّ إِمَامَانِ مُحَقِّقَانِ مُدَقِّقَانِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَالتَّفْسِيرِ، عَارِفَانِ بِجَوَازِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَهُوَ فِي الْكِتَابِ كَثِيرٌ فَالْمُرَادُ مِنْ كَلَامِهِمَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] يَعْلَمُ الْأَحْوَالَ الْمُخْتَلِفَةَ فِي الصُّدُورِ، وَحُسْنُ التَّقَابُلِ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفِينَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى " خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ " الْأَحْوَالَ الْكَامِنَةَ الْكَائِنَةَ فِي الْأَعْيُنِ، إِذْ هِيَ ذَاتٌ فِي مُقَابَلَةِ الصَّدْرِ، وَالْعِلْمُ بِالذَّوَاتِ أَمْرٌ ظَاهِرٌ، فَتَعَلُّقُهُ بِالْأَسْقَامِ الْمَخْفِيَّةِ أَبْلَغُ وَأَفْيَدُ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّرَقِّي مِنَ الدَّقِيقِ إِلَى الْأَدَقِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُمَا) : أَيْ: الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ [الْبَيْهَقِيُّ فِي: (الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ) .
стр. 3583
٢٥٠٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ، فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ) ؟ ! . قَالَ نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ: (اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا) . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ (سُبْحَانَ اللَّهِ! لَا تُطِيقُهُ وَلَا تَسْتَطِيعُهُ: أَفَلَا قُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؟) قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ بِهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٥٠٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَ) : مِنَ الْعِيَادَةِ أَيْ: زَارَ (رَجُلًا) : أَيْ مَرِيضًا (مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ ضَعُفَ مِنْ خَفَتَ إِذَا ضَعُفَ وَسَكَنَ (فَصَارَ) : أَيْ: بِسَبَبِ الضَّعْفِ (مِثْلَ الْفَرْخِ!) : وَهُوَ وَلَدُ الطَّيْرِ أَيْ مِثْلُهُ فِي كَثْرَةِ النَّحَافَةِ، وَقِلَّةِ الْقُوَّةِ. [فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ» ؟) : قِيلَ: شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ ﵊ أَيْ: هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ مِنَ الْأَدْعِيَةِ الَّتِي يُسْأَلُ فِيهَا مَكْرُوهٌ، أَوْ هَلْ سَأَلْتَ اللَّهَ الْبَلَاءَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ؟ وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ عَائِدٌ إِلَى الْبَلَاءِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْحَالُ، وَيُنْبِئُ عَنْهُ خَفَتَ، فَيَكُونُ قَدْ عَمَّ أَوَّلًا وَخَصَّ ثَانِيًا، وَجَعَلَ ابْنُ حَجَرٍ: (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ، وَجَعَلَ الدُّعَاءَ مُخْتَصًّا بِالتَّلْوِيحِ، وَالسُّؤَالَ بِالتَّصْرِيحِ وَهُوَ وَجْهٌ وَجِيهٌ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: وَانْدَفَعَ بِهِ مَا لِلشَّارِحِ هُنَا مِنَ التَّكَلُّفِ الْبَعِيدِ، وَالتَّأْوِيلِ الْغَرِيبِ فَمَدْفُوعٌ، فَإِنَّ الشَّارِحَ أَيْضًا جَعَلَ (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ حَمَلَ الدُّعَاءَ وَالسُّؤَالَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَفَرَّقَ فِي مَفْعُولَيْهِمَا بِأَنْ جَعَلَ الْمَفْعُولَ الْأَوَّلَ عَامًّا وَالْمَفْعُولَ الثَّانِيَ خَاصًّا، فَتَقَرَّبْ وَلَا تَبْعُدْ فَتُسْتَبْعَدَ، ثُمَّ مِنَ الْغَرِيبِ أَنَّهُ ذَكَرَ وَرَقَتَيْنِ مِنَ الْكَلَامِ فِي تَصْحِيحِ قَوْلِهِ: وَانْتَقَلَ انْتِقَالَاتٍ عَجِيبَةً لَا دَخْلَ لِلْمَقْصُودِ فِيهَا أَبَدًا.
(قَالَ: نَعَمْ) : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ (أَوْ) لِلشَّكِّ مِنَ الْرَاوِي لَا لِلتَّرْدِيدِ مِنْهُ ﷺ . ( «كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ» ) :
стр. 3584
شَرْطِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ [فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ (سُبْحَانَ اللَّهِ!) : تَنْزِيهٌ لَهُ تَعَالَى عَنِ الظُّلْمِ وَعَنِ الْعَجْزِ، أَوْ تَعَجُّبٌ مِنَ الدَّاعِي فِي هَذَا الْمَطْلَبِ وَهُوَ أَقْرَبُ. (لَا تُطِيقُهُ) : أَيْ فِي الدُّنْيَا (وَلَا تَسْتَطِيعُهُ) : فِي الْعُقْبَى أَوْ كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ، فَبَطَلَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، فَمَآلُ الْجُمْلَتَيْنِ وَاحِدٌ، إِذْ يُحْتَمَلُ اخْتِلَافُهُمَا بِخِلَافِ تَعَلُّقِهَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: (لَا تُطِيقُهُ) بَعْدَ مَا صَارَ الرَّجُلُ كَالْفَرْخِ، وَبَعْدَ قَوْلِهِ: كُنْتُ أَقُولُ لِحِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ الْحَالُ وَالِاسْتِقْبَالُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: أَيْ لَا تُطِيقُ هَذَا الْعَذَابَ الَّذِي سَأَلْتَهُ لَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا، وَلَا فِيمَا سِوَاهَا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ عُمُومُ النَّفْيِ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ الطِّيبِيِّ إِلَخْ فَتَأَمَّلْ. فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَكْفِيهِ الْإِشَارَةُ، وَالْغَافِلَ لَا تَنْفَعُهُ كَثْرَةُ الْعِبَارَةِ.
(أَفَلَا قُلْتَ) : أَيْ بَدَلَ مَا قُلْتَ: ( «اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً» ) : أَيْ عَافِيَةً (وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) : أَيْ مُعَافَاةً (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؟) قَالَ،: أَيْ: أَنَسٌ (فَدَعَا) : أَيِ الرَّجُلُ (اللَّهَ بِهِ) : أَيْ بِهَذَا الدُّعَاءِ الْجَامِعِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مُلْتَبِسًا بِقَوْلِهِ هَذَا الدُّعَاءَ، أَوْ مُسْتَغْنًى عَنْهُ نَشَأَ عَنِ الْغَفْلَةِ عَنْ قَوْلِهِ: ﷺ ( «هَلْ دَعَوْتَ اللَّهَ بِشَيْءٍ» ؟) فَإِنَّ الْبَاءَ لِلتَّعْدِيَةِ أَيِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي (فَشَفَاهُ اللَّهُ) : أَيْ: بِالدَّوَاءِ النَّافِعِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3585
٢٥٠٣ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ ( «لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ) . قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ (يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٢٥٠٣ -[وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ (لَا يَنْبَغِي) : أَيْ: لَا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ) : أَيْ: بِاخْتِيَارِهِ، فَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَخْلُو مِنْ عِلَّةٍ أَوْ قِلَّةٍ أَوْ ذِلَّةٍ قَالُوا: (وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟) : وَجْهُ اسْتِبْعَادِهِمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى حُبِّ إِعْزَازِ نَفْسِهِ، (قَالَ (يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ) : بَيَانٌ لِمَا لَا يُطِيقُ، الظَّاهِرَةُ أَنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى إِلَى وَفِي نُسْخَةٍ بِحَذْفِهَا وَمِنَ الْعَجِيبِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ قِيلَ: بَيَانٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : أَيْ: فِي سُنَنِهِمَا. [وْالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ] .
стр. 3586
٢٥٠٤ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (قُلْ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَرِيرَتِي خَيْرًا مِنْ عَلَانِيَتِي، وَاجْعَلْ عَلَانِيَتِي صَالِحَةً، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ صَالِحِ مَا تُؤْتِي النَّاسَ مِنَ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ غَيْرِ الضَّالِّ وَلَا الْمُضِلِّ» ) . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
ــ
٢٥٠٤ - (وَعَنْ عُمَرَ) ﵁ (قَالَ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ دُعَاءً (قَالَ) : بَيَانُ عَلَّمَنِي (قُلِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَرِيرَتِي) ، هِيَ وَالسِّرُّ بِمَعْنًى، وَهُوَ مَا يُكْتَمُ (خَيْرًا مِنْ عَلَانِيَتِي) : بِالتَّخْفِيفِ ( «وَاجْعَلْ عَلَانِيَتِي صَالِحَةً» ) : طَلَبَ أَوَّلًا سَرِيرَةً خَيْرًا مِنَ الْعَلَانِيَةِ، ثُمَّ عَقَّبَ بِطَلَبِ عَلَانِيَةٍ صَالِحَةٍ، لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ السَّرِيرَةَ رُبَّمَا تَكُونُ خَيْرًا مِنْ عَلَانِيَةٍ غَيْرِ صَالِحَةٍ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ صَالِحِ مَا تُؤْتِي النَّاسَ» ) : قِيلَ: مِنْ زَائِدَةٌ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَخْفَشِ وَقَوْلُهُ (مِنَ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ) : بَيَانُ (مَا) وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ (غَيْرِ الضَّالِّ) ، أَكِيدٌ بِنَفْسِهِ (وَلَا الْمُضِلِّ) : أَيْ لِغَيْرِهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: مَجْرُورٌ بَدَلٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّالُّ بِمَعْنَى النِّسْبَةِ أَيْ غَيْرِ ذِي ضَلَالٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
وَأَجْمَعُ مَا وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ: ( «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ لِي خَيْرًا» ) . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ كُلُّهُمْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا.
وَقَدْ جَمَعْتُ الدَّعَوَاتِ النَّبَوِيَّةَ بَعْدَ الدَّعَوَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَخَتَمْتُهَا بِالصَّلَوَاتِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ فِي كَرَارِيسَ لَطِيفَةٍ مُرْضِيَّةٍ هِيَ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا مِنْ سَائِرِ الْأَحْزَابِ وَالْأَوْرَادِ كَأَوْرَادِ الْفَتْحِيَّةِ، وَأَحْزَابِ الْزَيْنِيَّةِ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ جَامِعَةٌ لِلشَّمَائِلِ السَّنِيَّةِ وَمَانِعَةٌ مِنَ الْأَخْلَاقِ الرَّدِيَّةِ، فَهِيَ زُبْدَةُ رَسَائِلِ الصُّوفِيَّةِ الصَّفِيَّةِ.
стр. 3587
[كِتَابُ الْمَنَاسِكِ]
стр. 3588
(كِتَابُ الْمَنَاسِكِ)
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٢٥٠٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ. فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٥٠٥ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَطَبَنَا) أَيْ وَعَظَنَا أَوْ خَطَبَ لَنَا عَامَ فُرِضَ الْحَجُّ فِيهِ، أَوْ ذَكَرَ لَنَا فِي أَثْنَاءِ خِطْبَةٍ لَهُ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَلَيْكُمُ الْحَجُّ فَحُجُّوا) فَحَجَّ بِالنَّاسِ ثَمَانٍ، وَهِيَ عَامُ الْفَتْحِ عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَحَجَّ بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ حَجَّتُهُ ﷺ سَنَةَ عَشْرٍ كَذَا وَذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فَرْضِيَّةُ الْحَجِّ كَانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ، أَوْ سَنَةَ خَمْسٍ، أَوْ سَنَةَ سِتٍّ وَتَأْخِيرُهُ ﵊ لَيْسَ يَتَحَقَّقُ فِيهِ تَعْرِيضُ الْفَوَاتِ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلْفَوْرِ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعِيشُ حَتَّى يَحُجَّ وَيُعَلِّمَ النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ تَكْمِيلًا لِلتَّبْلِيغِ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ ﵊ أَخَّرَهُ عَنْ سَنَةِ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ لِعَدَمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ عَنْ سَنَةِ ثَمَانٍ فَلِأَجْلِ النَّسِيءِ، وَأَمَّا تَأَخُّرُهُ عَنْ سَنَةِ تِسْعٍ فَلِمَا ذَكَرْنَا فِي رِسَالَةٍ مُسَمَّاةٍ بِالتَّحْقِيقِ فِي مَوْقِفِ الصِّدِّيقِ.
هَذَا وَقِيلَ وَجَبَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ حَتَّى تَحَصَّلَ أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: «كَانَ ﵊ يَحُجُّ كُلَّ سَنَةٍ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ» ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ حَجَّ حِجَجًا لَا يُعْلَمُ عَدَدُهَا.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ «أَنَّهُ ﵊ حَجَّ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ حِجَجًا» ، وَأَمَّا مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ حَجَّتَيْنِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِمِ ثَلَاثًا فَمَبْنِيٌّ عَلَى عِلْمِهِ وَلَا يُنَافِي إِثْبَاتَ زِيَادَةِ ذِكْرِهِ (فَقَالَ رَجُلٌ) يَعْنِي الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ (أَكُلَّ عَامٍ) بِالنَّصْبِ لِمُقَدَّرٍ: أَيْ تَأْمُرُنَا أَنْ نَحُجَّ بِكُلِّ عَامٍ، أَوْ أَفُرِضَ عَلَيْنَا أَنْ نَحُجَّ كُلَّ عَامٍ؟ (يَا رَسُولَ اللَّهِ) قِيلَ: إِنَّمَا صَدَرَ هَذَا السُّؤَالُ عَنْهُ لِأَنَّ الْحَجَّ فِي تَعَارُفِهِمْ هُوَ الْقَصْدُ بَعْدَ الْقَصْدِ، فَكَانَتِ الصِّيغَةُ مُوهِمَةً لِلتَّكْرَارِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَبْنَى السُّؤَالِ قِيَاسُهُ عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَزَكَاةِ الْأَمْوَالِ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ تَكْرَارَهُ كُلَّ عَامٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحَالِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْكَمَالِ.
(فَسَكَتَ) أَيْ عَنْهُ أَوْ عَنْ جَوَابِهِ أَوْ لِأَنَّ السُّكُوتَ جَوَابُ الْجَاهِلِ فَإِنَّ حُسْنَ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ (حَتَّى قَالَهَا) أَيِ الْأَقْرَعُ الْكَلِمَةَ الَّتِي تَكَلَّمَهَا (ثَلَاثًا) قِيلَ: إِنَّمَا سَكَتَ زَجْرًا لَهُ عَنِ السُّؤَالِ الَّذِي كَانَ السُّكُوتُ عَنْهُ أَوْلَى لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْكُتُ عَمَّا تَحْتَاجُ الْأُمَّةُ إِلَى كَشْفِهَا، فَالسُّؤَالُ عَنْ مِثْلِهِ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَقَدْ نَهَوْا عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] وَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ ضَرْبٌ مِنَ الْجَهْلِ، ثُمَّ لَمَّا رَآهُ ﷺ لَا يَنْزَجِرُ وَلَا يَقْنَعُ إِلَّا بِالْجَوَابِ الصَّرِيحِ صَرَّحَ بِهِ (فَقَالَ: لَوْ قَلْتُ نَعَمْ) أَيْ فَرْضًا وَتَقْدِيرًا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ ﵊ انْتِظَارًا لِلْوَحْيِ أَوِ الْإِلْهَامِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيجَابَ كَانَ مُفَوَّضًا إِلَيْهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ قَوْلَهُ: لَوْ قَلْتُ نَعَمْ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ أَوْ بِوَحْيٍ نَازِلٍ أَوْ بِرَأْيٍ يَرَاهُ إِنْ جَوَّزْنَا لَهُ الِاجْتِهَادَ - ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - وَفِيهِ أَنَّ التَّفْوِيضَ إِلَيْهِ أَيْضًا أَعَمُّ فَلَا يَكُونُ مَرْدُودًا مَعَ أَنَّ الْقَوْلَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مُجَرَّدًا عَنْ وَحْيٍ جَلِيٍّ أَوْ خَفِيٍّ مَرْدُودٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (لَوَجَبَتْ) أَيْ هَذِهِ الْعِبَادَةُ أَوْ فَرِيضَةُ الْحَجِّ الْمَدْلُولُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: فُرِضَ، أَوِ الْحَجَّةُ كُلَّ عَامٍ أَوْ حَجَّاتٌ كَثِيرَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لَوَجَبَ، بِغَيْرِ تَاءٍ أَيْ لَوَجَبَ الْحَجُّ كُلَّ عَامٍ (وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ) أَوْ مَا قَدَرْتُمْ كُلُّكُمْ إِتْيَانَ الْحَجِّ فِي كُلِّ عَامٍ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (ثُمَّ قَالَ ذَرُونِي) أَيِ اتْرُكُونِي (مَا تَرَكْتُمْ) أَيْ مُدَّةَ تَرْكِي إِيَّاكُمْ مِنَ التَّكْلِيفِ (فَإِنَّمَا هَلَكَ) وَفِي نُسْخَةٍ أُهْلِكَ، بِالْهَمْزِ، عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ (مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أَيْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ) كَسُؤَالِ الرُّؤْيَةِ وَالْكَلَامِ وَقَضِيَّةِ الْبَقَرَةِ (وَاخْتِلَافِهِمْ) عَطْفٌ عَلَى الْكَثْرَةِ لَا عَلَى السُّؤَالِ لِأَنَّ نَفْسَ الِاخْتِلَافِ مُوجِبٌ لِلْهَلَاكِ مِنْ غَيْرِ الْكَثْرَةِ (عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) يَعْنِي إِذَا أَمَرَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ بَعْدَ السُّؤَالِ أَوْ
стр. 3589
قَبْلَهُ وَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِمْ فَهَلَكُوا وَاسْتَحَقُّوا الْإِهْلَاكَ (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ) أَيْ مِنَ الْفَرَائِضِ (فَأْتُوا مِنْهُ) أَيِ افْعَلُوهُ (مَا اسْتَطَعْتُمْ) فَإِنَّ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذَا مِنْ أَجْلِ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ وَمِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ وَيَنْدَرِجُ فِيهِ مَا لَا يُحْصَى مِنَ الْأَحْكَامِ كَالصَّلَاةِ بِأَنْوَاعِهَا فَإِنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَرْكَانِهَا وَشُرُوطِهَا يَأْتِي بِالْبَاقِي مِنْهَا (وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ) أَيْ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ (فَدَعُوهُ) أَيِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ حَتَّى قِيلَ إِنَّ التَّوْبَةَ عَنْ بَعْضِ الْمَعَاصِي غَيْرُ صَحِيحَةٍ مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ صِحَّتُهَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3590
٢٥٠٦ - عَنْهُ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٢٥٠٦ - وَعَنْهُ أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ) أَيِ الْأَعْمَالِ (أَفْضَلُ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَدِ اخْتَلَفَتِ الْأَحَادِيثُ فِي مُفَاضَلَةِ الْأَعْمَالِ عَلَى وَجْهٍ يُشْكِلُ التَّوْفِيقَ بَيْنَهَا وَالْوَجْهُ مَا بَيَّنَّا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ (قَالَ إِيمَانٌ) التَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ (بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) وَالْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ الْقَلْبِيُّ وَهُوَ مِنْ أَعْمَالِ الْبَاطِنِ (قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ الْجِهَادُ) التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِهَادُ الْخَالِصُ، وَفِي نُسْخَةٍ جِهَادٌ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لِأَنَّ الْمُجَاهِدَ لَا يَكُونُ إِلَّا مُصَلِّيًا وَصَائِمًا (قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ) أَيْ مَقْبُولٌ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: بَرَّهُ أَيْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ يُقَالُ بَرَّ اللَّهُ عَمَلَهُ أَيْ قَبِلَهُ كَأَنَّهُ أَحْسَنَ إِلَى عَمَلِهِ بِقَبُولِهِ، وَقِيلَ أَيْ مُقَابَلٌ بِالْبَرِّ وَهُوَ الثَّوَابُ أَوْ هُوَ الَّذِي لَمْ يُخَالِطْهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَآثِمِ وَفِي الدُّرِّ لِلسُّيُوطِيِّ ﵀، أَخْرَجَ الْأَصْبَهَانِيُّ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ مَا الْحَجُّ الْمَبْرُورُ قَالَ أَنْ يَرْجِعَ زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الْآخِرَةِ اهـ.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَكَ وَجْهُ التَّرْتِيبِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ إِذْ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ أَفْضَلُ مُطْلَقًا ثُمَّ الْجِهَادُ إِذْ لَا يَكُونُ عَادَةً إِلَّا مَعَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَزِيَادَةِ الرَّغْبَةِ فِي الْآخِرَةِ بِالسَّعْيِ إِلَى وَسِيلَةِ سَعَادَةِ الشَّهَادَةِ، ثُمَّ الْحَجُّ الْجَامِعُ بَيْنَ الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، وَمُفَارَقَةِ الْوَطَنِ الْمَأْلُوفِ وَتَرْكِ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ أَوْ يُقَالُ ذَكَرَهُ ﷺ عَلَى تَرْتِيبِ فَرْضِيَّتِهَا فَوَجَبَ الْجِهَادُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ثُمَّ فُرِضَ الْحَجُّ تَكْمِلَةً لِلْأَرْكَانِ قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3591
٢٥٠٧ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٢٥٠٧ - وَعَنْهُ أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ حَجَّ لِلَّهِ) أَيْ خَالِصًا لَهُ تَعَالَى (فَلَمْ يَرْفُثْ) أَيْ فِي حَجِّهِ بِتَثْلِيثِ الْفَاءِ وَالضَّمُّ أَشْهَرُ قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ الرَّفَثُ يُطْلَقُ عَلَى الْجِمَاعِ، وَعَلَى التَّعْرِيضِ، وَعَلَى الْفُحْشِ فِي الْقَوْلِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَفَاؤُهُ مُثَلَّثَةٌ فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ وَالْأَفْصَحُ الْفَتْحُ فِي الْمَاضِي وَالضَّمُّ فِي الْمُضَارِعِ (وَلَمْ يَفْسُقْ) بِضَمِّ السِّينِ أَيْ لَمْ يَفْعَلْ فِيهِ كَبِيرَةٌ، وَلَا أَصَرَّ عَلَى صَغِيرَةٍ، وَمِنَ الْكَبَائِرِ تَرَكُ التَّوْبَةِ عَنِ الْمَعَاصِي قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] ( «رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَقِيلَ بِالْجَرِّ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ مُشَابِهًا فِي الْبَرَاءَةِ عَنِ الذُّنُوبِ لِنَفْسِهِ فِي يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ فِيهِ، وَالرَّفَثُ التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ الْجِمَاعِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ هُوَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يُرِيدُهُ الرَّجُلُ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَقِيلَ الرَّفَثُ فِي الْحَجِّ إِتْيَانُ النِّسَاءِ، وَالْفُسُوقُ السِّبَابُ، وَالْجِدَالُ الْمُمَارَاةُ مَعَ الرُّفَقَاءِ وَالْخَدَمِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجِدَالَ فِي الْحَدِيثِ اعْتِمَادًا عَلَى الْآيَةِ، أَوْ لِدُخُولِهِ فِي الْفِسْقِ أَوِ الرَّفَثِ، وَقِيلَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّهْيُ لَا النَّفْيُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ الرَّفَثُ الْفُحْشُ مِنَ الْقَوْلِ، وَكَلَامُ الْجِمَاعِ عِنْدَ النِّسَاءِ وَالْفِسْقُ هُوَ الْخُرُوجُ عَنْ حَدِّ الِاسْتِقَامَةِ يَعْنِي الْعِصْيَانَ، وَيَوْمَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ مُضَافٌ إِلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، قِيلَ رَجَعَ بِمَعْنَى صَارَ خَبَرُهُ كَيَوْمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ كَيَوْمَ حَالًا أَيْ رَجَعَ إِلَى وَطَنِهِ مُشَابِهًا يَوْمَهُ بِيَوْمِ وِلَادَتِهِ فِي خُلُوِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ، لَكِنْ عَلَى هَذَا يَخْرُجُ الْمَكِّيُّ عَمَّا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى فَرَغَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ اهـ.
وَقَدْ بُنِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] عَلَى خِلَافٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ فِي مَعْنَى الرُّجُوعِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ هُنَا، فَنَقُولُ فِي الْحَدِيثِ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَلَا يَخْرُجُ الْمَكِّيُّ فَتَأَمَّلْ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ يُفِيدُ غُفْرَانَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ السَّابِقَةِ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ أَنَّ الْمُكَفِّرَاتِ مُخْتَصَّةٌ بِالصَّغَائِرِ عَنِ السَّيِّئَاتِ الَّتِي لَا تَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِحُقُوقِ الْعِبَادِ مِنَ التَّبِعَاتِ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى
стр. 3592
إِرْضَائِهِمْ مَعَ أَنَّ مَا عَدَا الشِّرْكَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَقَدْ كَتَبْتُ رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَنْ حَجَّ بِقَصْدِ الْحَجِّ وَالتِّجَارَةِ كَانَ ثَوَابُهُ دُونَ ثَوَابِ التَّخَلِّي عَنِ التِّجَارَةِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْحَاجِّ التَّاجِرِ ثَوَابٌ لِقَوْلِهِ ﵊ مَنْ حَجَّ لِلَّهِ أَيْ خَالِصًا لِرِضَاهُ إِلَّا أَنَّهُ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّاسَ تَحَرَّجُوا مِنَ التِّجَارَةِ وَهُمْ حُرُمٌ بِالْحَجِّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَنْ يَكْرِيَ جِمَالَهُ لِلْحَجِّ وَيَحُجَّ، وَأَنَّ نَاسًا يَقُولُونَ لَهُ لَا حَجَّ لَكَ، فَقَالَ إِنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ وَقَالَ لَكَ حَجٌّ» وَجَاءَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ لَوْ آجَرُ نَفْسِي مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَأَنْسَكُ أَلِيَ أَجْرٌ قَالَ أُولَئِكَ لَهُمْ نُصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ وَاللَّهُ الْمُلْهِمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 3593
٢٥٠٨ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٢٥٠٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعُمْرَةُ) أَيِ الْمُنْضَمَّةُ أَوِ الْمَوْصُولَةُ أَوِ الْمُنْتَهِيَةُ (إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا) أَيْ مِنَ الصَّغَائِرِ (وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ) أَيْ ثَوَابٌ (إِلَّا الْجَنَّةُ) بِالرَّفْعِ أَوِ النَّصْبِ وَهُوَ نَحْوُ: لَيْسَ الطِّيبُ إِلَّا الْمِسْكُ، فَإِنَّ بَنِي تَمِيمٍ يَرْفَعُونَهُ حَمْلًا لَهَا عَلَى مَا فِي الْإِهْمَالِ عِنْدَ انْتِقَاضِ النَّفْيِ، كَمَا حَمَلَ أَهْلُ الْحِجَازِ مَا عَلَى لَيْسَ كَذَا فِي مُغْنِي اللَّبِيبِ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَالْعُمْرَةُ بِالضَّمِّ وَالسُّكُونِ عَلَى مَا تَوَاتَرَ فِي الْقِرَاءَاتِ وَثَبَتَ فِي اللُّغَاتِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي قَوْلِهِ الْعُمْرَةُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَوْ ضَمٍّ وَبِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَهِيَ لُغَةً الزِّيَارَةُ وَشَرْعًا قَصَدُ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ.
стр. 3594
٢٥٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٢٥٠٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ» ) أَيْ كَائِنَةً ( «تَعْدِلُ حَجَّةً» ) أَيْ تُعَادِلُ وَتُمَاثِلُ فِي الثَّوَابِ، وَبَعْضُ الرِّوَايَاتِ حَجَّةً مَعِي وَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي إِلْحَاقِ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ تَرْغِيبًا، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ فَضِيلَةَ الْعِبَادَةِ تَزِيدُ بِفَضِيلَةِ الْوَقْتِ فَيَشْمَلُ يَوْمَهُ وَلَيْلَهُ أَوْ بِزِيَادَةِ الْمَشَقَّةِ فَيَخْتَصُّ بِنَهَارِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قِيلَ الْمُرَادُ عُمْرَةٌ آفَاقِيَّةٌ، وَلَا تَجُوزُ الْعُمْرَةُ الْمَكِّيَّةُ عِنْدَ الْحَنْبَلِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُمْ سَبَبُ وُرُودِ الْحَدِيثِ وَهُوَ «أَنَّ امْرَأَةً شَكَتْ إِلَيْهِ ﷺ تَخَلُّفَهَا عَنِ الْحَجِّ مَعَهُ، فَقَالَ لَهَا اعْتَمِرِي، وَكَانَ مِيقَاتُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ» .
وَأَيْضًا لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ ﷺ إِيقَاعُهَا فِي رَمَضَانَ: مَعَ إِدْرَاكِهِ أَيْامًا مِنْهُ فِي مَكَّةَ بَعْدَ فَتْحِهَا: مَعَ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَامٍ بِهَا وَإِنَّمَا وَقَعَ عُمَرُهُ كُلُّهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَقِيلَ قَدِ اعْتَمَرَ مَرَّةً فِي رَجَبٍ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ وَأَنْكَرَتْهُ عَائِشَةُ ﵂.
وَقَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ وَتَبِعَهُ الْمُزَنِيُّ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي الْعَامِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِلَّا أَنَّ عُلَمَاءَنَا وَالشَّافِعِيَّ ﵀ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ الْعُمْرَةُ بِوُقُوعِ أَفْعَالِهَا فِي رَمَضَانَ لَا إِحْرَامُهَا كَمَا مَالَ إِلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ فَتَدَبَّرْ.
стр. 3595
٢٥١٠ - وَعَنْهُ قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ، قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِ أَجَرٌ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
٢٥١٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ (لَقِيَ رَكْبًا» ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ جَمْعُ رَاكِبٍ أَوِ اسْمُ جَمْعٍ كَصَاحِبٍ، وَهُمُ الْعَشَرَةُ فَمَا فَوْقَهَا مِنْ أَصْحَابِ الْإِبِلِ فِي السَّفَرِ دُونَ بَقِيَّةِ الدَّوَابِّ ثُمَّ اتَّسَعَ لِكُلِّ جَمَاعَةٍ (بِالرَّوْحَاءِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ مَوْضِعٌ مِنْ أَعْمَالِ الْفَرْعِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْهَا، (فَقَالَ مَنِ الْقَوْمُ) بِالِاسْتِفْهَامِ (قَالُوا) أَيْ بَعْضُهُمْ (الْمُسْلِمُونَ) أَيْ نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ (فَقَالُوا مَنْ أَنْتَ قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ (رَسُولُ اللَّهِ) أَيْ أَنَا (فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا) أَيْ أَخْرَجَتْهُ مِنَ الْهَوْدَجِ رَافِعَةً لَهُ عَلَى يَدَيْهَا (فَقَالَتْ أَلِهَذَا) أَيْ يَحْصُلُ لِهَذَا الصَّغِيرِ (حَجٌّ) أَيْ ثَوَابُهُ (قَالَ نَعَمْ) أَيْ لَهُ حَجُّ النَّفْلِ (وَلَكِ أَجْرٌ) أَيْ أَجْرُ السَّبَبِيَّةِ وَهُوَ تَعْلِيمُهُ إِنْ كَانَ مُمَيِّزًا أَوْ أَجْرُ النِّيَابَةِ فِي الْإِحْرَامِ وَالرَّمْيِ وَالْإِيقَافِ وَالْحَمْلِ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3596
٢٥١١ - وَعَنْهُ قَالَ: «إِنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٢٥١١ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ إِنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، أَبُو قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ سُمُّوا بِهِ وَيَجُوزُ مَنْعُهُ وَصَرْفُهُ (قَالَتْ) فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ «أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، وَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ بَصَرَهُ إِلَّا مِنْ حَقٍّ، وَسَمْعَهُ إِلَّا مِنْ حَقٍّ وَلِسَانَهُ إِلَّا مِنْ حَقٍّ: غُفِرَ لَهُ» أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، كَذَا فِي الدُّرِّ لِلسُّيُوطِيِّ.
فَقَالَتْ (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ) أَيْ فِي أَمْرِهِ وَشَأْنِهِ، وَيُمْكِنُ فِي بِمَعْنَى مِنَ الْبَيَانِيَّةِ (أَدْرَكَتْ) أَيِ الْفَرِيضَةُ (أَبِي) مَفْعُولٌ (شَيْخًا) حَالٌ (كَبِيرًا) نَعْتٌ لَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ بِأَنَّ أَسْلَمَ شَيْخًا وَلَهُ الْمَالُ، أَوْ حَصَلَ لَهُ الْمَالُ فِي هَذَا الْحَالِ (لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ) نَعْتٌ آخَرُ أَوِ اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ، أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى رُكُوبِهَا قَالَ ابْنُ الْمَلِكَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الزَّمِنِ، وَالشَّيْخِ الْعَاجِزِ عَنِ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ اهـ، يَعْنِي خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀ يَعْنِي إِذَا لَمْ يَسْبِقِ الْوُجُوبُ حَالَةَ الشَّيْخُوخَةِ بِأَنْ لَمْ يَمْلِكْ مَا يُوَصِّلُهُ إِلَّا بَعْدَهَا، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَيْهِ، إِذَا مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَمُؤْنَةَ مَنْ يَرْفَعُهُ وَيَضَعُهُ وَيَقُودُهُ إِلَى الْمَنَاسِكِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَإِذَا عَجَزَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْجَاجُ لِلُزُومِهِ الْأَصْلَ وَهُوَ الْحَجُّ بِالْبَدَنِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَدَلُ وَهُوَ الْإِحْجَاجُ وَجَّهَ قَوْلَهُمَا حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ «إِنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ عَنْهُ أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْهُ، قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ» وَلَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَيَّدَ الْإِيجَابَ بِهِ، وَالْعَجْزُ لَازِمٌ مَعَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا الِاسْتِطَاعَةِ، (أَفَأَحُجُّ عَنْهُ) أَيْ أَيَصِحُّ مِنْ أَنْ أَكُونَ نَائِبَةً عَنْهُ فَأَحُجُّ عَنْهُ (قَالَ نَعَمْ) دَلَّ عَلَى أَنَّ حَجَّ الْمَرْأَةِ يَصِحُّ عَنِ الرَّجُلِ، وَقِيلَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَلْبَسُ فِي الْإِحْرَامِ مَا لَا يَلْبَسُهُ الرَّجُلُ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَجُوزُ الْحَجُّ عَنِ الْحَيِّ، سَوَاءً وَجَدَ الْمَالَ قَبْلَ الْعَجْزِ أَوْ بَعْدَهُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ هُوَ أَنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي وَهُوَ عَاجِزٌ أَيَصِحُّ مِنِّي أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ تَبَرُّعًا قَالَ نَعَمْ، ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنِ الْآمِرِ وَهُوَ مُخْتَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ﵀، وَجَمْعٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
(وَذَلِكَ) أَيِ الْمَذْكُورُ جَرَى (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَقِيلَ بِكَسْرِهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ وَدَّعَ النَّاسَ فِيهَا، وَلَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ غَيْرَهَا، وَكَانَتْ فِي سَنَةِ عَشْرٍ مِنَ الْهِجْرَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3597
٢٥١٢ - وَعَنْهُ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكَنْتَ قَاضِيَهُ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَاقْضِ دَيْنَ اللَّهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٢٥١٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( «قَالَ أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا) بِالْكَسْرِ (مَاتَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ» ) بِالْإِضَافَةِ (قَالَ نَعَمْ) قِيلَ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّائِلَ وَرِثَ مِنْهَا، فَسَأَلَ مَا سَأَلَ، فَقَاسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَقَّ اللَّهِ عَلَى حَقِّ الْعِبَادِ ( «قَالَ فَاقْضِ دَيْنَ اللَّهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» ) أَيْ مِنْ دِينِ الْعِبَادِ وَهَذَا الْإِجْمَالُ لَا يُنَافِي التَّفْصِيلَ الْفِقْهِيَّ عِنْدَنَا، أَنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ الْإِحْجَاجُ عَلَى الْوَارِثِ إِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ وَإِلَّا فَيَكُونُ تَبَرُّعًا.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ حُجِّي عَنْهَا» ، وَصَحَّ أَيْضًا «أَنَّ رَجُلًا مِنْ خَثْعَمٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، وَالْحَجُّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ أَنْتَ أَكْبَرُ وَلَدٍ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ تَقْضِيهِ عَنْهُ أَكَانَ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَاحْجُجْ عَنْهُ» .
стр. 3598
٢٥١٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً قَالَ: اذْهَبْ فَاحْجُجْ مَعَ امْرَأَتِكَ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٢٥١٣ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَخْلُوَنَّ) أَكَّدَ النَّهْيَ مُبَالَغَةً (رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ) أَيْ أَجْنَبِيَّةٍ (وَلَا تُسَافِرَنَّ) أَيْ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيْامٍ بِلَيَالِيهَا عِنْدَنَا (امْرَأَةٌ) أَيْ شَابَّةٌ أَوْ عَجُوزَةٌ (إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ)
стр. 3599
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي الصَّحِيحَيْنِ «لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» ، وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ ثَلَاثَةَ أَيْامٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ «لَا تَحُجُّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ «لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» .
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الْحَجِّ عَلَيْهَا إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَحْرَمٌ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَلْزَمُهَا إِذَا كَانَ مَعَهَا جَمَاعَةُ النِّسَاءِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَلْزَمُهَا إِذَا كَانَ مَعَهَا امْرَأَةٌ ثِقَةٌ اهـ.
وَقَالَ الشُّمُنِّيُّ مَذْهَبُ مَالِكٍ إِذَا وَجَدَتِ الْمَرْأَةُ صُحْبَةً مَأْمُونَةً لَزِمَهَا الْحَجُّ لِأَنَّهُ سَفَرٌ مَفْرُوضٌ كَالْهِجْرَةِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ إِذَا وَجَدَتْ نِسْوَةً ثِقَاتٍ فَعَلَيْهَا أَنْ تَحُجَّ مَعَهُنَّ، ثُمَّ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمَرْأَةِ أَيْضًا أَنْ لَا تَكُونَ مُعْتَدَّةً، وَالْمُرَادُ بِالْمَحْرَمِ مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ: بِسَبَبِ قَرَابَةٍ أَوْ رِضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا لَيْسَ بِمَجُوسِيٍّ وَلَا غَيْرِ مَأْمُونٍ.
(فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْتُتِبْتُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ (فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ كُتِبَ وَأُثْبِتَ اسْمِي فِيمَنْ يَخْرُجُ فِيهَا يُقَالُ اكْتَتَبْتُ الْكِتَابَ أَيْ كَتَبْتُهُ، وَيُقَالُ اكْتَتَبَ الرَّجُلُ إِذَا كَتَبَ نَفْسَهُ فِي دِيوَانِ السُّلْطَانِ، وَاكْتَتَبَ أَيْضًا إِذَا طَلَبَ أَنْ يُكْتَبَ فِي الزَّمْنَى وَلَا يُنْدَبُ لِلْجِهَادِ (وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي) أَيْ أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ (حَاجَّةً) أَيْ مُحْرِمَةً لِلْحَجِّ، أَوْ قَاصِدَةً لَهُ يَعْنِي وَلَيْسَ مَعَهَا أَحَدٌ مِنَ الْمَحَارِمِ (قَالَ اذْهَبْ فَاحْجُجْ) بِضَمِّ الْجِيمِ الْأُولَى (مَعَ امْرَأَتِكَ) وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ «قَالَ ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَهَا» قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ فِيهِ تَقْدِيمُ الْأَهَمِّ إِذْ فِي الْجِهَادِ يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3600
٢٥١٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٢٥١٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْجِهَادِ قَالَ جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ» ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ لَا جِهَادَ عَلَيْكُنَّ وَعَلَيْكُنَّ الْحَجُّ إِذَا اسْتَطَعْتُنَّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3601
٢٥١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٢٥١٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ» ) نَفْيٌ مَعْنَاهُ نَهْيٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ النَّهْيِ ( «مَسِيرَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» ) فِي الْهِدَايَةِ يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ إِلَى مَا دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ مَرْفُوعًا «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» ، وَأَخْرَجَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ وَفِي لَفْظٍ: يَوْمٍ وَفِي لَفْظِ أَبِي دَاوُدَ بَرِيدًا يَعْنِي فَرْسَخَيْنِ وَاثَّنَيْ عَشَرَ مِيلًا عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمِهِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ قِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ ثَلَاثَةَ أَيْامٍ، فَقَالَ: وَهِمُوا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ لَيْسَ فِي هَذِهِ تَبَايُنٌ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﷺ قَالَهَا فِي مَوَاطِنَ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسَبِ الْأَسْئِلَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ تَمْثِيلًا لِأَقَلِّ الْأَعْدَادِ وَالْيَوْمُ الْوَاحِدُ أَوَّلُ الْعَدَدِ وَأَقَلُّهُ وَالِاثْنَانِ أَوَّلُ الْكَثِيرِ وَأَقَلُّهُ وَالثَّلَاثَةُ أَوَّلُ الْجَمْعِ فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ هَذَا فِي قِلَّةِ الزَّمَنِ لَا يَحِلُّ لَهَا السَّفَرُ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمٍ فَكَيْفَ إِذَا زَادَ؟ ! اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ نَبَّهَ بِمَنْعِ الْخُرُوجِ أَقَلَّ كُلِّ عَدَدٍ عَلَى مَنْعِ خُرُوجِهَا عَنِ الْبَلَدِ مُطْلَقًا إِلَّا بِمَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا أَنَّ حَمْلَ السَّفَرِ عَلَى اللُّغَوِيِّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» ، وَالسَّفَرُ لُغَةً يُطْلَقُ عَلَى دُونِ ذَلِكَ اهـ. كَلَامُ الْمُحَقِّقِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْمَحْرَمُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا وَالْمُسَافِرَةُ مَعَهَا كُلُّ مَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لِحُرْمَتِهَا فَخَرَجَتْ بِالتَّأْبِيدِ أُخْتُ الزَّوْجَةِ وَعَمَّتُهَا وَخَالَتُهَا وَخَرَجَتْ بِسَبَبٍ أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَبِنْتُهَا فَإِنَّهُمَا يُحَرَّمَانِ أَبَدًا، وَلَيْسَتَا مُحَرَّمَيْنِ لِأَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ لَا يُوصَفُ بِالْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا لِحُرْمَتِهَا الْمُلَاعَنَةُ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا عُقُوبَةٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ التَّحْدِيدَ، بَلْ كُلُّ مَا يُسَمَّى سَفَرًا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا زَوْجٌ أَوْ مَحْرَمٌ أَوْ نِسَاءٌ ثِقَاتٌ سَوَاءٌ كَانَتِ الْمَرْأَةُ شَابَّةً أَوْ كَبِيرَةً نَعَمْ لِلْمَرْأَةِ الْهِجْرَةُ عَنْ دَارِ الْكُفْرِ بِلَا مَحْرَمٍ اهـ.
وَيُحْمَلُ عَلَيْهَا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «يُوشِكُ أَنَّ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ الْحِيرَةِ تَؤُمُّ الْبَيْتَ لَا جِوَارَ مَعَهَا لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَفِي مَعْنَاهَا الْمَأْسُورَةُ إِذَا خَلُصَتْ.
стр. 3602
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ إِلَّا الْهِجْرَةَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّ إِقَامَتَهَا فِي دَارِ الْكُفْرِ إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ إِظْهَارَ الدِّينِ حَرَامٌ اهـ. وَتَسْتَوِي فِيهَا الشَّابَّةُ وَالْعَجُوزُ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَظِنَّةُ الشَّهْوَةِ إِذْ لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3603
٢٥١٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ وَكَذَاكَ وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٢٥١٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَقَّتَ) بِتَشْدِيدِ الْقَافِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) قِيلَ الْوَقْتُ نِهَايَةُ الزَّمَانِ الْمَفْرُوضِ وَالْمِيقَاتُ الْوَقْتُ الْمَضْرُوبُ لِلْفِعْلِ وَالْمَوْضِعِ أَيْضًا، يُقَالُ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَحْرِمُونَ مِنْهُ، وَمَعْنَى وَقَّتَ جَعَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِيقَاتَ الْإِحْرَامِ أَيْ بَيَّنَ حَدَّ الْإِحْرَامِ وَعَيَّنَ مَوْضِعَهُ، (لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ) عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَعَشْرُ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀، وَهُوَ مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ بَنِي جُشْمٍ، وَالْحُلَيْفَةُ تَصْغِيرُ الْحَلَفَةِ مِثَالُ الْقَصَبَةِ وَهِيَ نَبْتٌ فِي الْمَاءِ وَجَمْعُهَا حُلَفَاءُ، وَقَدِ اشْتُهِرَ الْآنَ بِبِئْرِ عَلِيٍّ وَلَمْ يُعْرَفْ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ، وَمَا قِيلَ إِنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - قَاتَلَ الْجِنَّ فِي بِئْرٍ فِيهَا كَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهُ (وَلِأَهْلِ الشَّامِ) أَيْ مِنْ طَرِيقِهِمُ الْقَدِيمِ لِأَنَّهُمُ الْآنَ يَمُرُّونَ عَلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ إِذَا لَمْ يَمُرُّوا بِطَرِيقِ الْمَدِينَةِ، وَإِلَّا لَزِمَهُمُ الْإِحْرَامُ مِنَ الْحُلَيْفَةِ إِجْمَاعًا عَلَى مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ، أَقُولُ: وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْهُ وَعَجِيبٌ، فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَأَبَا ثَوْرٍ يَقُولُونَ بِأَنَّ لَهُ التَّأْخِيرَ إِلَى الْجُحْفَةِ، وَعِنْدَنَا مَعْشَرَ الْحَنَفِيَّةِ يَجُوزُ لِلْمَدَنِيِّ أَيْضًا تَأْخِيرُهُ إِلَى الْجُحْفَةِ فَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ بَاطِلَةٌ مَعَ وُقُوعِ النِّزَاعِ، ثُمَّ زَادَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَتِهِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ (الْجُحْفَةَ) وَهِيَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ، مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مِنَ الْجَانِبِ الشَّامِيِّ يُحَاذِي ذَا الْحُلَيْفَةِ عَلَى خَمْسِينَ فَرْسَخًا مِنْ مَكَّةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَكَانَ اسْمُهُ مَهْيَعَةُ فَأَجْحَفَ السَّيْلُ بِأَهْلِهَا فَسُمِّيَتْ جُحْفَةً، يُقَالُ: أَجْحَفَ إِذَا ذُهِبَ بِهِ وَسَيْلٌ جُحَافٌ إِذَا جَرَفَ الْأَرْضَ وَذَهَبَ بِهِ وَالْآنَ مَشْهُورٌ بِالرَّابِغِ (وَلِأَهْلِ نَجْدٍ) أَيْ نَجْدِ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ (قَرْنَ الْمَنَازِلِ) بِسُكُونِ الْوَاوِ وَتَحْرِيكِهَا خَطًّا جَبَلٌ مُدَوَّرٌ أَمْلَسُ كَأَنَّهُ بَيْضَةٌ مُشْرِفٌ عَلَى عَرَفَاتٍ (وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ) جَبَلٌ بَيْنَ جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَيُقَالُ أَلَمْلَمُ بِالْهَمْزَةِ (فَهُنَّ) أَيْ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ (لَهُنَّ) أَيْ لِأَهْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀ تَبَعًا لِلطِّيبِي: الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ لِهَذِهِ الْمَوَاقِيتِ أَيْ لِأَهْلِهَا عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ( «وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» ) أَيْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهِنَّ الْمُقِيمِينَ بِهِنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ اهـ. وَهَذَا غَيْرُ صَوَابٍ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْفَاءَ فِي فَهُنَّ تَفْرِيعٌ لِمَا بَعْدَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ ذَكَرَهُ إِجْمَالًا بَعْدَ تَفْصِيلٍ لِيَعْطِفَ عَلَيْهِ حُكْمَ مَا لَمْ يُذْكَرْ مِنَ الْمَوَاضِعِ اسْتِيفَاءً لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: فَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ مَوَاقِيتٌ لِهَذِهِ الْبُلْدَانِ أَيْ لِأَهْلِهِنَّ الْمَوْجُودِينَ سَوَاءً الْمُقِيمُونَ وَالْمُسَافِرُونَ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ أَيْ مَرَّ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْبُلْدَانِ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرُويَ هُنَّ لَهُمْ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَالتَّقْدِيرُ هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ، وَأَمَا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ إِنَّمَا هِيَ لِلْآفَاقِيِّينَ بِأَنْ لَا يَتَجَاوَزُوا عَنْهَا وُجُوبًا مِنْ غَيْرِ إِحْرَامٍ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ الَّذِي يُرِيدُونَ دَاخِلَهُ وَأَمَّا أَهْلُ الْمَوَاقِيتِ نَفْسِهَا فَحُكْمُهُمْ كَمَنْ دَاخِلِهَا مِنْ أَرْضِ الْحِلِّ فِي أَنَّ مِيقَاتَهُمُ الْحِلُّ وَلَهُمْ تَجَاوُزُ مِيقَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِحْرَامٍ إِذَا لَمْ يُرِيدُوا النُّسُكَ، فَإِنْ أَرَادُوهُ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ إِلَّا مُحْرِمِينَ (لِمَنْ كَانَ) بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ لِإِعَادَةِ الْجَارِ (يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) أَيْ مَكَانَ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ وَهُوَ الْحَرَمُ عِنْدَنَا وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ أَقْوَالٌ وَتَفْصِيلٌ وَأَحْوَالٌ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَفِي تَقْيِيدِ لُزُومِ الْإِحْرَامِ بِإِرَادَةِ النُّسُكِ أَظْهَرُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا تَخْفَى (فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ مَنْ كَانَ بَيْتُهُ أَقْرَبَ إِلَى مَكَّةَ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ اهـ. وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ أَيْ بَيْنَ الْمَوَاقِيتِ نَفْسِهَا: بَيْنَ الْحَرَمِ وَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيُّ ﷺ حُكْمَ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ نَفْسِهَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ دَاخِلِ الْمَوَاقِيتِ خِلَافًا لِلطَّحَاوِيِّ حَيْثُ جَعَلَ حُكْمَهَا حُكْمَ الْآفَاقِيِّ (فَمُهَّلُهُ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ مَوْضِعُ إِحْرَامِهِ (مِنْ أَهْلِهِ) أَيْ مِنْ بَيْتِهِ وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَوَاقِيتِ وَلَا يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ إِلَيْهَا (وَكَذَاكَ وَكَذَاكَ) أَيِ الْأَدْوَنُ فَالْأَدْوَنُ إِلَى آخَرِ الْحِلِّ (حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ) بِالرَّفْعِ وَالْجَرِّ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ.
стр. 3604
أَيْ حَتَّى أَهْلُ الْحَرَمِ (يُهِلُّونَ) أَيْ يُحْرِمُونَ بِالْحَجِّ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ مَكَّةَ تَوَابِعِهَا مِنْ أَرْضِ الْحَرَمِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْمُهَّلُ مَوْضِعُ الْإِهْلَالِ وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ أَيْ مَوْضِعُ الْإِحْرَامِ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْمَكِّيَّ مِيقَاتُهُ مَكَّةُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ يَخْرُجُ إِلَى الْحِلِّ لِأَنَّهُ ﵊ أَمْرَ عَائِشَةَ ﵂ بِالْخُرُوجِ فَهَذَا الْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِالْحَجِّ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَأَفْضَلُ بِقَاعِ الْحِلِّ الْجِعْرَانَةُ: لِأَنَّهُ ﵊ «أَحْرَمَ بِهَا مِنْهَا فِي رُجُوعِهِ مِنْ حُنَيْنٍ ثَانِي عَشَرَ الْقَعْدَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ لَيْلًا وَرَجَعَ لَيْلًا خِفْيَةً» ، وَمِنْ ثَمَّ أَنْكَرَهَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ.
فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي أُصُولِهِ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِ، خِلَافَ مَذْهَبِنَا الْمَبْنِيِّ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يَقَعُ اتِّفَاقِيًّا بِخِلَافِ الْقَوْلِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا قَصْدِيًّا، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ ﵊ كَانَ رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ: وَالْجِعْرَانَةُ عَلَى طَرِيقِهِ، فَإِحْرَامُهُ مِنْهُ كَانَ مُتَعَيِّنًا، نَعَمْ لَوْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَأَحْرَمَ مِنْهُ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ فِي كَوْنِهِ أَفْضَلَ وَنَظِيرُهُ إِحْرَامُ عَلِيٍّ مِنْ يَلَمْلَمَ، حَيْثُ كَانَ عَلَى طَرِيقِهِ مِنَ الْيَمَنِ وَالشِّيعَةُ يَخْرُجُونَ مِنْ مَكَّةَ إِلَيْهِ، وَيُحْرِمُونَ لَدَيْهِ وَهُوَ عَكْسُ الْمَوْضُوعِ، بَلْ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّ إِحْرَامَهُ ﵊ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ سَنَةَ سَبْعٍ كَانَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ فَقَدْ أَخْطَأَ، بَلْ كَانَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَكَذَا كَانَ إِحْرَامُهُ مِنْ عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ هَمَّ بِالِاعْتِمَارِ مِنْهَا فَقَدْ وَهِمَ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3605
٢٥١٧ - وَعَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
ــ
٢٥١٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ» ) أَيْ مَوْضِعُ إِحْرَامِهِمُ اسْمُ مَكَانٍ هُنَا، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ أَيْ إِحْرَامُهُمْ، وَأَصْلُهُ مَوْضِعُ إِهْلَالِهِمْ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الزَّمَنِ وَالْمَصْدَرُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا يَخْفَى، إِذِ اسْمُ الْمَفْعُولِ الْمَزِيدُ فِيهِ مُشْتَرَكَ بَيْنَ الْمَصْدَرِ وَاسْمِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ مِنْ مُتُونِ عِلْمِ الصَّرْفِ (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) أَيْ مِنْ طَرِيقِهِ (وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ) بِالرَّفْعِ أَيْ مُهَلُّ الطَّرِيقِ الْآخَرِ لَهُمْ (الْجُحْفَةُ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ إِذَا جَاءُوا مِنْ طَرِيقِ الْجُحْفَةِ فَهِيَ مُهَلُّهُمُ اهـ.
وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ مَنْ جَاوَزَ وَقْتَهُ غَيْرُ مُحْرِمٍ ثُمَّ أَتَى وَقْتًا آخَرَ وَأَحْرَمَ مِنْهُ أَجْزَأَهُ وَلَوْ كَانَ أَحْرَمَ مِنْ وَقْتِهِ كَانَ أَحَبَّ، وَقِيلَ التَّأْخِيرُ مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ التَّأْخِيرُ أَنْسَبُ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ، الشَّافِعِيُّ (إِذْ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ الْمُجَاوَزَةُ إِلَى الْمِيقَاتِ الْآخَرِ، وَلِذَا تَكَلَّفَ ابْنُ حَجَرٍ فِي حِلِّهِ حَيْثُ قَالَ: أَيْ وَمُهَلُّ أَهْلِ الطَّرِيقِ الْآخَرِ الَّذِي لَا يَمُرُّ سَالِكُهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَلَا يُجَاوِزُهَا يُمْنَةً أَوْ يُسْرَةً هُوَ الْجُحْفَةُ (وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ) وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ وَهِيَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ مَوْضِعٌ فِيهِ عِرْقٌ وَهُوَ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ وَقِيلَ كَوْنُ ذَاتِ عِرْقٍ مِيقَاتًا ثَبَتَ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ ﵁ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا فُتِحَ الْمِصْرَانِ الْبَصْرَةُ وَالْكُوفَةُ فِي زَمَنِ عُمَرَ ﵁ أَيْ أُسِّسَا حِينَئِذٍ إِذْ هُمَا إِسْلَامِيَّتَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَأْتِيَ قَرْنًا يَشُقُّ عَلَيْنَا قَالَ فَانْظُرُوا حُدُودَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ، فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يَبْلُغْهُ الْخَبَرُ، فَاجْتَهَدَ فِيهِ فَأَصَابَ، وَوَافَقَ السُّنَّةَ فَهُوَ مِنْ عَادَاتِهِ فِي مُوَافَقَاتِهِ، وَلِهَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّ الْعِرَاقَ لَمْ يُفْتَحْ إِلَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ ﵊ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ سَيُفْتَحُ فَوَقَّتَ لِأَهْلِهِ ذَلِكَ، كَمَا وَقَّتَ لِأَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ مَا مَرَّ قَبْلَ فَتْحِهِمَا أَيْضًا، ثُمَّ كَأَهْلِ الْعِرَاقِ أَهْلُ خُرَاسَانَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَمُرُّ بِذَاتِ عِرْقٍ وَلَا يُنَافِيهِ أَيْضًا خَبَرُ التِّرْمِذِيَّ وَحَسَّنَهُ، وَإِنِ اعْتُرِضَ بِأَنَّ فِيهِ ضَعْفًا مِنْ أَنَّهُ ﵊ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ فَإِنَّ عِرْقًا جَبَلٌ مُشْرِفٌ عَلَى الْعَقِيقِ وَقَرْيَةُ ذَاتِ عِرْقٍ خُرِّبَتْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ يَجِبُ عَلَى الْعِرَاقِيِّ أَنْ يَتَحَرَّاهَا وَيَطْلُبَ آثَارَهَا الْقَدِيمَةَ لِيُحْرِمَ مِنْهَا.
وَأَقُولُ إِذَا أَحْرَمَ مِنَ الْعَقِيقِ يَكُونُ أَحْوَطَ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَنَظِيرُهُ الْجُحْفَةُ وَرَابِغٌ فَإِنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا، فَالِاحْتِيَاطُ فِي الْإِحْرَامِ بِالسَّابِقِ (وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ) بِسُكُونِ الرَّاءِ وَوَهِمَ الْجَوْهَرِيُّ فِي قَوْلِهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ فَإِنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ يُنْسَبُ إِلَيْهَا أُوَيْسٌ الْقَرْنِيُّ (وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
стр. 3606
٢٥١٨ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ: إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ عُمْرَةً مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٢٥١٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ» ) عَلَى زِنَةِ عُمَرَ لَكِنَّهُ مَصْرُوفٌ جَمْعُ عُمْرَةٍ (كُلُّهُنَّ) أَيْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ (فِي ذِي الْقَعْدَةِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَيُكْسَرُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْمَرَّةِ أَوِ الْهَيْئَةِ (إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا (عُمْرَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَوْصُوفٌ بِقَوْلِهِ (مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ) بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ أَحَدُ حُدُودِ الْحَرَمِ عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ (فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ) وَهِيَ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ (فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مِنَ الْجِعْرَانَةِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَهُوَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ أَوْ تِسْعَةِ أَمْيَالٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ (حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ) أَيْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ (فِي ذِي الْقَعْدَةِ) أَيْ كَانَتْ فِيهَا (وَعُمْرَةً) أَيْ مَقْرُونَةً مَعَ حَجَّتِهِ وَهِيَ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ إِحْرَامِهَا كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ فَإِنَّهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَفْعَالِهَا، وَحِينَئِذٍ يُرَدُّ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ مِنْ تَدَاخُلِ الْأَفْعَالِ لِلْقَارِنِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِهَا حَقِيقَةً بَلْ حُكْمًا، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ، ثُمَّ قَوْلُ أَنَسٍ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ هَمَّ بِالدُّخُولِ مُحْرِمًا بِهَا، إِلَّا أَنَّهُ ﵊ صُدَّ عَنْهُ وَأُحْصِرَ مِنْهُ، فَفِي الْجُمْلَةِ إِطْلَاقُ الْعُمْرَةِ عَلَيْهَا مَعَ عَدَمِ أَفْعَالِهَا، بِاعْتِبَارِ النِّيَّةِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الْمَثُوبَةُ.
ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ بَيْنَ حِدَّةٍ بِالْمُهْمَلَةِ وَمَكَّةَ، تُسَمَّى الْآنَ بِئْرَ شُمَيْسٍ بِالتَّصْغِيرِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ سِتَّةُ فَرَاسِخَ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ ثَلَاثُ فَرَاسِخَ وَكَذَا كَانَ إِحْرَامُ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ.
وَتَأْوِيلُ الشَّافِعِيَّةِ الْقَضَاءَ بِالْقَضِيَّةِ مِنَ الْمُقَاضَاةِ وَالتَّقَاضِي وَهُوَ الصُّلْحُ نَشَأَ مِنَ الْمَادَّةِ التَّعَصُّبِيَّةِ، وَبَحْثُهُ يَطُولُ فَأَعْرَضْنَا عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ، مَعَ أَنَّهُ فِي قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يَأْتِيَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ مُحْرِمًا، وَأَنَّهُمْ يُمَكِّنُونَهُ مِنْ مَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيْامٍ حَتَّى يَقْضِيَ عُمْرَتَهُ: حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ وَبَيِّنَةٌ بَاهِرَةٌ عَلَيْهِ وَمَنْ مَالَ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَمَّا قَدِمَ ﵊ مِنَ الطَّائِفِ، نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ وَقَسَّمَ فِيهَا الْغَنَائِمَ، ثُمَّ اعْتَمَرَ مِنْهَا وَذَلِكَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ شَوَّالٍ» ، فَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمُحَدِّثِينَ مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3607
٢٥١٩ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
ــ
٢٥١٩ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ» ) لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا وَلَمْ يَفْعَلْ أَفْعَالَهَا لِكَوْنِهِ مُحْصَرًا وَالْعُمْرَةُ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ لَمْ تَكُنْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَّا بِاعْتِبَارِ إِحْرَامِهَا، وَأَمَّا أَفْعَالُهَا فَكَانَتْ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَتَأْوِيلُنَا هَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ لِمَا مَرَّ فِيهَا أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ أَنْكَرَهَا لِخَفَائِهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 3608
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٢٥٢٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ لَوْ قُلْتُهَا نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا. وَالْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ» (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) .
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٢٥٢٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَيُّهَا النَّاسُ) خِطَابٌ عَامٌّ يَخْرُجُ مِنْهُ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ) أَيْ فَرَضَ (عَلَيْكُمُ الْحَجَّ) أَيْ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ أَفِي كُلِّ عَامٍ) أَيِ أَكُتِبَ فِي كُلِّ عَامٍ (يَا رَسُولَ اللَّهِ) قِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وَالثَّانِي طَاعَةٌ مَالِيَّةٌ وَالْحَجُّ مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا (قَالَ لَوْ قُلْتُهَا) أَيْ فِي جَوَابِ كَلِمَةِ الْأَقْرَعِ (نَعَمْ) أَيْ بِالْوَحْيِ أَوِ الِاجْتِهَادِ (لَوَجَبَتْ) أَيِ الْحَجَّةُ فِي كُلِّ عَامٍ (وَلَوْ وَجَبَتْ) أَيْ بِالْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ ابْتِدَاءً أَوْ بِنَاءً عَلَى الْجَوَابِ (لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا) أَيْ لِكَمَالِ الْمَشَقَّةِ فِيهَا (وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا) أَيْ وَلَمْ تُطِيقُوا لَهَا وَلَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا فَهُوَ إِمَّا عَطْفُ تَفْسِيرٍ
стр. 3609
وَالْخِطَابُ إِجْمَالِيٌّ لِلْأُمَّةِ أَوْ لِلْحَاضِرِينَ وَالْبَاقُونَ عَلَى التَّبَعِيَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ فِي رِوَايَةٍ وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا أَيْ كُلُّكُمْ مِنْ حَيْثُ الْمَجْمُوعُ وَإِمَّا عَطْفُ تَغَايُرٍ وَعَدَمُ الِاسْتِطَاعَةِ مُخْتَصٌّ بِمَنْ يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ الْحَرَمِ، وَهَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ أُرِيدَ بِهَا الْقُدْرَةُ عَلَى الْفِعْلِ، وَالِاسْتِطَاعَةُ فِي الْآيَةِ إِنَّمَا هِيَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ لَوْ قُلْتُهَا نَعَمْ إِنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ لِمَا عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ وَهُوَ حَجَّةٌ كُلَّ عَامٍ فَلَا طَائِلَ تَحْتَهُ، لَا بِحَسَبِ الْمَبْنَى وَلَا بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى (الْحَجُّ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ وَالْحَجُّ (مَرَّةٌ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ وُجُوبُهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ (وَمَنْ زَادَ فَتَطَوُّعٌ) أَيْ وَمَنْ زَادَ عَلَى مَرَّةٍ فَحَجَّتُهُ أَوْ فَزِيَادَتُهُ تَطَوُّعٌ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا الْحَجُّ فَرْضُ كِفَايَةٍ بَعْدَ أَدَاءِ فَرْضِ الْعَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ فِي الشَّرْعِ، نَعَمْ يُنْدَبُ لِلْقَادِرِ أَنْ لَا يَتْرُكَ الْحَجَّ فِي كُلِّ خَمْسِ سِنِينَ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ أَنَّهُ ﵊ " «قَالَ إِنَّ عَبْدًا صَحَّحْتُ لَهُ جِسْمَهُ وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِي الْمَعِيشَةِ يَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لَا يَفِدُ إِلَيَّ فَهُوَ مَحْرُومٌ» " وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ بِوُجُوبِهِ فِي كُلِّ خَمْسِ سِنِينَ وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا زَعْمُ وُجُوبِهِ كُلَّ سَنَةٍ عَلَى مَا نَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ فَمِنَ الْمُحَالِ إِمْكَانُهُ لِأَنَّهُ فِي حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ عَلَى هَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) أَيْ فِي مُسْنَدِهِ (وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَقَالَ الشُّمُنِّيُّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 3610
٢٥٢١ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] » (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ وَالْحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ) .
ــ
٢٥٢١ - (وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً» ) أَيْ وَلَوْ بِالْإِجَارَةِ (تُبَلِّغُهُ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِهَا أَيْ تَوَصِّلُهُ، وَالضَّمِيرُ الْمُؤَنَّثُ لِلرَّاحِلَةِ وَتَقْيِيدُهَا يُغْنِي عَنْ تَقْيِيدِ الزَّادِ أَوِ الْمَجْمُوعِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الِاسْتِطَاعَةِ (إِلَى بَيْتِ اللَّهِ) أَيْ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنَ الْمَوَاقِفِ الْعِظَامِ، وَتَرَكَ ذِكْرَ نَفَقَةِ الْعُودِ لِلظُّهُورِ أَوْ لِعَدَمِ لُزُومِ الرُّجُوعِ (وَلَمْ يَحُجَّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَكَسْرُهَا وَكَأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لَمْ تَكُنْ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ فَقَدَّرَ ثُمَّ تَرَكَ الْمَجِيءَ إِلَيْهِ لِلْحَجِّ (فَلَا عَلَيْهِ) أَيْ فَلَا بَأْسَ وَلَا مُبَالَاةَ وَلَا تَفَاوُتَ عَلَيْهِ (أَنْ يَمُوتَ) أَيْ فِي أَنْ يَمُوتَ أَوْ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ (يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا) فِي الْكُفْرِ إِنِ اعْتَقَدَ عَدَمَ الْوُجُوبِ وَفِي الْعِصْيَانِ إِنِ اعْتَقَدَ الْوُجُوبَ، وَقِيلَ هَذَا مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ الشَّدِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْوَعِيدِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا خَصَّ الطَّائِفَتَيْنِ بِالذِّكْرِ لِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِمَا بِالْحَجِّ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَاصَّةً اهـ. وَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ ظَاهِرَةٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ وَجْهَ التَّخْصِيصِ كَوْنُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ عَامِلَيْنِ بِهِ فَشُبِّهَ بِهِمَا مَنْ تَرَكَ الْحَجَّ حَيْثُ لَمْ يَعْمَلْ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ كَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْمَعْنَى أَنَّ وَفَاتَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ: وَوَفَاتَهُ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ سَوَاءٌ، وَالْمَقْصُودُ التَّغْلِيظُ فِي الْوَعِيدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " وَمَنْ كَفَرَ " اهـ.
يَعْنِي حَيْثُ إِنَّهُ وَقَعَ مَوْضِعَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ حَيْثُ عَدَلَ عَنْ (عَنْهُ) إِلَى عَنِ الْعَالَمِينَ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ: غَنِيٌّ عَنْهُ وَعَنْهُمْ وَعَنْ عِبَادَتِهِمْ، وَإِنَّمَا هُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ إِيجَادًا وَإِمْدَادًا وَنَفْعُ الطَّاعَةِ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ وَالْقِيَامُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ.
هَذَا وَقَدْ قَدَّرَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ فَلَا تَفَاوُتَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ الْحَجِّ، وَأَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَيْ كَافِرًا لِاسْتِوَاءِ هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ حَقِيقَةً: إِنْ تَرَكَ الْحَجَّ مَعَ الْقُدْرَةِ مُسْتَحِلًّا لِعَدَمِ وُجُوبِهِ وَجَعَلَهُ عَلَى وِزَانِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] فِي التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ الْأَكِيدِ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ صِحَّتِهِ، وَتَقْرِيرُهُ مَعَ التَّكَلُّفِ فِي تَقْدِيرِهِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي تَحْرِيرِهِ، وَلَمْ يُفِدْ فَائِدَةً فِي تَعْبِيرِهِ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَبْلَغُ فِي مَقَامِ تَحْذِيرِهِ، وَأَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ مَا فِي ضَمِيرِهِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَى الْحَجِّ الْمُوجِبِ لِتَكْفِيرِهِ بَعْدَ تَكْفِيرِهِ، ثُمَّ فِي رِوَايَةٍ: فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، يُبْطِلُ تَقْدِيرَ ابْنِ حَجَرٍ فَتَدَبَّرْ فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّقْدِيرِ إِذَا كَانَ الْكَلَامُ صَحِيحًا بِدُونِ التَّغْيِيرِ، (وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ شَرْطِ الزَّادِ
следующие страницы →