Полный текст (8 767 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
١٤٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا، جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهَا. هَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوَهَا، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ: هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ! فَتَغْلِبُونِي. تَقَحَّمُونَ فِيهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٤٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَثَلِي) ، أَيْ: صِفَتِي الْعَجِيبَةُ الشَّأْنِ مَعَكُمْ أَيُّهَا الْأُمَّةُ أَوْ مَعَ النَّاسِ (كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ) ، أَيْ: أَوْقَدَ وَزِيدَتِ السِّينُ لِلتَّأْكِيدِ (نَارًا) ، أَيْ: عَظِيمَةً (فَلَمَّا أَضَاءَتْ) : الْإِضَاءَةُ فَرْطُ الْإِنَارَةِ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى وَهَاهُنَا مُتَعَدٍّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا وَفَاعِلُهُ (مَا حَوْلَهَا) : وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْأَمَاكِنِ. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ (مَا) مَزِيدَةً أَوْ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي أَضَاءَتْ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ. وَقَوْلُهُ: مَا حَوْلَهَا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، فَالضَّمِيرُ لِلنَّارِ أَيْ أَضَاءَتِ النَّارُ جَوَانِبَ تِلْكَ النَّارِ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: مَا حَوْلَهُ فَالضَّمِيرُ لِلْمُسْتَوْقَدِ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَمَا ظَهَرَ لِي وَجْهُ عُدُولِ صَاحِبِ " الْمِشْكَاةِ " إِلَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَعَ كَوْنِهَا أَصَحُّ، وَمَعَ ثُبُوتِ مُوَافَقَتِهَا لِلَفْظِ الْقُرْآنِ الْأَفْصَحِ وَدَلَالَتِهَا عَلَى الْمَقْصُودِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْضَحِ مَعَ قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: هَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ مَحَلُّ خَطَلٍ (جَعَلَ) ، أَيْ: شَرَعَ (الْفَرَاشُ) : هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ دُوَيْبَةٌ: طَيْرٌ تَتَسَاقَطُ فِي النَّارِ يُقَالُ بِالْفَارِسِيِّ بَرْوَانَهْ (وَهَذِهِ الدَّوَابُّ) : قِيلَ: عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِلْفَرَاشِ وَأَنَّثَهُ نَظَرًا لِخَبَرِهِ أَوْ لِكَوْنِ الْفَرَاشِ اسْمُ جِنْسٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي﴾ [النحل: ٦٨] وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِشَارَةٌ إِلَى غَيْرِ الْفَرَاشِ (الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ) ، أَيْ: عَادَتُهَا إِلْقَاءُ نَفْسِهَا فِي النَّارِ كَالْبَقِّ وَالْبَعُوضِ اهـ. وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، نَعَمْ الْجَرَادُ بَعْضُهُ كَذَلِكَ (يَقَعْنَ) ، أَيِ: الْفَرَاشُ وَالدَّوَابُّ (فِيهَا، وَجَعَلَ) ، أَيِ: الْمُسْتَوْقِدُ (يَحْجُزُهُنَّ) : بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ يَمْنَعُهُنَّ (وَيَغْلِبْنَهُ) ، أَيْ: لِلْوُقُوعِ فِيهَا (فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا) ، أَيْ: يَدْخُلْنَ فِيهَا بِشِدَّةٍ وَمُزَاحَمَةٍ. قِيلَ: التَّقَحُّمُ هُوَ الدُّخُولُ فِي الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ، وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْهَلَاكِ وَإِلْقَاءِ النَّفْسِ فِي الْهَلَاكِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: التَّقَحُّمُ الْإِقْدَامُ وَالْوُقُوعُ فِي أَمْرٍ شَاقٍّ (فَأَنَا) : الْفَاءُ فَصِيحَةٌ، أَيْ: إِذَا صَحَّ هَذَا التَّمْثِيلُ بِأَنِّي كَالْمُسْتَوْقِدِ وَأَنْتُمْ كَالْفَرَاشِ فِيمَا ذُكِرَ فَأَنَا (آخِذٌ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: يُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا اسْمُ فَاعِلٍ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَتَنْوِينِ الذَّالِ، وَالثَّانِي فِعْلٌ مُضَارِعٌ بِضَمِّ الْخَاءِ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَهُمَا صَحِيحَانِ (بِحُجَزِكُمْ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ جَمْعُ حُجْزَةَ وَهِيَ مَعْقَدُ الْإِزَارِ، وَمِنَ السَّرَاوِيلِ مَوْضِعُ التِّكَّةِ.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَيَجُوزُ ضَمُّ الْجِيمِ فِي الْجَمْعِ (عَنِ النَّارِ) ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْحُجَزَ لِأَنَّ مَحَلَّ الزِّنَا الَّذِي هُوَ أَفْحَشُ الْفَوَاحِشِ تَحْتَهَا أَوْ لِأَنَّ أَخْذَ الْوَسَطِ أَقْوَى وَأَوْثَقُ مِنَ الْأَخْذِ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فِي التَّبْعِيدِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَالْأَوَّلُ بِعِيدٌ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهَا) : مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: تَقْتَحِمُونَ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ (هَذِهِ) ، أَيْ: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ أَوْ مَا ذُكِرَ مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ إِلَى هُنَا وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ، وَفِي نُسْخَةٍ هَذَا أَيْ هَذَا اللَّفْظُ (رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهَا) ، أَيْ: رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ مَعْنًى، وَفِي " شَرْحِ ابْنِ حَجْرٍ " مِثْلُهَا وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ رِوَايَةً وَدِرَايَةً (وَقَالَ) ، أَيْ: مُسْلِمٌ (فِي آخِرِهَا) ، أَيْ: آخِرَ رِوَايَتِهِ (قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (فَذَلِكَ) ، أَيِ: الْمَثَلُ الْمَذْكُورُ (مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ) .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا تَأْكِيدٌ احْتِيجَ إِلَيْهِ لِطُولِ الْكَلَامِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ أَوَّلِهِ كَقَوْلِهِ: أَنَا آخِذٌ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَيَانٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَبَيَانُهُ أَنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ: فَأَنَا آخِذٌ إِلَخْ. وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ: فَذَلِكَ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ
стр. 352
أَنَا آخِذٌ إِلَخْ. وَقَوْلُهُ (أَنَا آخِذٌ) : بِالْوَجْهَيْنِ (بِحُجَزِكُمْ) ، أَيْ: لِلتَّبْعِيدِ (عَنِ النَّارِ) : وَأَقُولُ (هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ) : كَرَّرَ لِفَرْطِ الِاهْتِمَامِ، وَالْمَعْنَى أَسْرِعُوا إِلَيِّ وَأَبْعِدُوا أَنْفُسَكُمْ عَنِ النَّارِ، قَالَ الْخَلِيلُ: أَصْلُهُ لُمَّ أَيْ لُمَّ أَنْفُسَكُمْ إِلَيْنَا بِالْقُرْبِ مِنَّا وَهَا لِلتَّنْبِيهِ، وَإِنَّمَا حُذِفَ أَلِفُهَا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَجُعِلَا اسْمًا وَاحِدًا يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ أَصْلُهُ هَلْ أَمْ أَيْ هَلْ لَكَ فِي كَذَا أَمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ قُصِدَ فَرُكِّبَ الْكَلِمَتَانِ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ ضَمِّ اللَّامِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ اقْرُبْ إِلَيْنَا وَابْعُدْ عَنِ النَّارِ، فَالْخِطَابُ عَامٌّ وَمَحَلُّ هَلُمَّ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَمْنَعُكُمْ قَائِلًا: هَلُمَّ (فَتَغْلِبُونِي) : النُّونُ مُشَدَّدَةٌ إِذْ أَصْلُهُ تَغْلِبُونِي فَأَدْغَمَ نُونَ الْجَمْعِ فِي نُونِ الْوِقَايَةِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ بِإِدْغَامِ نُونِ الرَّفْعِ فِي نُونِ التَّأْكِيدِ اهـ. وَرُوِيَ بِتَخْفِيفِهَا عَلَى حَذْفِ إِحْدَى النُّونَيْنِ، وَاخْتَارَ الشَّاطِبِيُّ حَذْفَ الْأَخِيرَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ عَلَى التَّعْكِيسِ كَاللَّامِ فِي لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا (تَقَحَّمُونَ) ، أَيْ: تَتَقَحَّمُونَ (فِيهَا) . وَهُوَ حَالٌ عَنْ فَاعِلِ تَغْلِبُونِي؟ وَقِيلَ: بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَثَلَ بِوُقُوعِ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ لِجَهْلِهِ بِمَا يَعْقُبُ التَّقَحُّمَ فِيهَا مِنَ الِاحْتِرَاقِ وَلِتَحْقِيرِ شَأْنِهَا.
قَالَ: وَهَذِهِ الدَّوَابُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] وَتَخْصِيصُ ذِكْرِ الدَّوَابِّ وَالْفَرَاشِ لَا يُسَمَّى دَابَّةً عُرْفًا لِبَيَانِ جَهْلِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٢٢] الْآيَةَ. كُلُّ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ لِطَالِبِ الدُّنْيَا الْمُتَهَالِكِ فِيهَا جَعَلَ ﵊ الْمُهْلِكَاتِ نَفْسَ النَّارِ وَضْعًا لِلسَّبَبِ مَوْضِعَ الْمُسَبَّبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] وَشَبَّهَ إِظْهَارَهُ بِمَحَارِمِ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ بِبَيَانَاتِهِ الشَّافِيَةِ الْكَافِيَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِاسْتِيقَادِ الرَّجُلِ النَّارَ، وَشَبَّهَ فُشُوَّ ذَلِكَ الْكَشْفِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا بِإِضَاءَةِ تِلْكَ النَّارِ مَا حَوْلَ الْمُسْتَوْقَدِ، وَشَبَّهَ النَّاسَ وَعَدَمَ مُبَالَاتِهِمْ بِذَلِكَ الْبَيَانِ وَالْكَشْفِ وَتَعَدِّيهِمْ حُدُودَ اللَّهِ وَحِرْصِهِمْ عَلَى اللَّذَّاتِ، وَمَنْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُمْ بِأَخْذِ حُجَزِهِمْ بِالْفَرَاشِ الَّتِي يَتَقَحَّمْنَ فِي النَّارِ وَيَغْلِبْنَ الْمُسْتَوْقِدَ، وَكَمَا أَنَّ غَرَضَ الْمُسْتَوْقِدِ هُوَ انْتِفَاعُ الْخَلْقِ بِهِ مِنَ الِاهْتِدَاءِ وَالِاسْتِدْفَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْفَرَاشُ لِجَهْلِهَا جَعَلَتْهُ سَبَبًا لِهَلَاكِهَا، كَذَلِكَ كَانَ الْقَصْدُ بِتِلْكَ الْبَيَانَاتِ اهْتِدَاءَ تِلْكَ الْأُمَّةِ وَاحْتِمَاءَهَا عَمَّا هُوَ سَبَبُ هَلَاكِهِمْ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ جَعَلُوهَا مُوجِبَةً لِتَرَدِّيهِمْ، وَفِي قَوْلِهِ: (آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ) اسْتِعَارَةٌ مَثَّلَتْ حَالَهُ فِي مَنْعِ الْأُمَّةِ عَنِ الْهَلَاكِ بِحَالِ رَجُلٍ آخِذٍ بِحُجْزَةِ صَاحِبِهِ الَّذِي يَهْوِي فِي قَعْرِ بِئْرٍ مُرْدِيَةٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
فِيهِ: أَنَّ هَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا سَبَقَ فَإِيرَادُهُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاتِّفَاقِ هُنَا بِحَسَبِ الْمَعْنَى فِي الْأَكْثَرِ.
стр. 353
١٥٠ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةً قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٠ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ) : الْهُدَى: الدَّلَالَةُ عَلَى الْخَيْرِ مُطْلَقًا أَوِ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْحَقِّ، وَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] وَمِنَ الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ: هُنَا الظَّاهِرُ
стр. 354
وَالْخَفِيُّ، وَالْهُدَى وَسِيلَةٌ إِلَى الْعِلْمِ فَلِذَا قَدَّمَهُ، وَفِي الْعَوَارِفِ: الْعِلْمُ جُمْلَةً مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ لِلْقُلُوبِ وَالْمَعْرِفَةُ تَمْيِيزُ تِلْكَ الْجُمْلَةِ، وَالْهُدَى وِجْدَانُ الْقُلُوبِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: الْعِلْمُ صِفَةٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وَعَطْفُهُ عَلَى الْهُدَى إِمَّا لِرُجُوعِهِ لِلنَّفْسِ وَرُجُوعِهَا لِلْغَيْرِ أَوْ لِأَنَّهَا لِلدَّلَالَةِ وَالْعِلْمِ الْمَدْلُولِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهَا الطَّرِيقَةُ وَالْعَمَلُ، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ: مَنِ ازْدَادَ عِلْمًا وَلَمْ يَزْدَدْ هُدًى - أَيْ قُرْبًا مِنَ اللَّهِ - لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا.
(كَمَثَلِ الْغَيْثِ) ، أَيِ: الْمَطَرِ الْكَثِيرِ، وَاخْتَارَ اسْمَ الْغَيْثِ لِيُؤْذِنَ بِاضْطِرَارِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ إِذْ جَاءَهُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَالْغَيْثُ يُحْيِي الْبَلَدَ الْمَيِّتَ وَالْعِلْمُ يُحْيِي الْقَلْبَ الْمَيِّتَ (أَصَابَ أَرْضًا) ، أَيْ: صَالِحَةً. وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْغَيْثِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ أَوْ زَائِدَةً، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا (فَكَانَتْ مِنْهَا) : أَيْ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ (طَائِفَةٌ) ، أَيْ: قِطْعَةٌ، وَمِنْهَا صِفَةُ طَائِفَةٍ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا فَصَارَتْ حَالًا (طَيِّبَةٌ) : أَيْ غَيْرُ خَبِيثَةٍ بِسِبَاخٍ وَنَحْوِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ: فَكَانَتْ مِنْهَا نَقِيَّةٌ بِنُونٍ فَقَافٍ مَكْسُورَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ وَهِيَ بِمَعْنَى طَيِّبَةٍ اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَصِحُّ هُنَا اهـ. وَطَيِّبَةٌ مَرْفُوعَةٌ عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ (طَائِفَةٌ) ، وَقَوْلُهُ: (قَبِلَتِ الْمَاءَ) ، أَيْ: دَخَلَ الْمَاءُ فِيهَا لِلِينِهَا مَنْصُوبَةٌ بِخَبَرِ كَانَتْ، وَقِيلَ: هِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ كَانَتْ، وَقَبِلَتِ الْمَاءَ صِفَةٌ لِطَيِّبَةٍ وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِي لَفْظِ: أَجَادِبَ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرِوَايَةُ قِيلَتْ بِالتَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ قِيلَ تَصْحِيفٌ، وَقِيلَ: صَحِيحَةٌ، وَمَعْنَاهُ شَرِبَتْ مِنَ الْقِيلِ وَهُوَ شُرْبُ بَعْضِ الْأَنْهَارِ (فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ) : بِالْهَمْزِ مَفْتُوحَتَيْنِ مَقْصُورًا (وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ) : هُمَا مَعَ الْحَشِيشِ أَسْمَاءٌ لِلنَّبَاتِ، لَكِنَّ الْحَشِيشَ مُخْتَصٌّ بِالْيَابِسِ. وَالْعُشْبُ بِالضَّمِّ وَالْكَلَا مَقْصُورًا مُخْتَصَّانِ بِالرَّطْبِ، وَالْكَلَأُ بِالْهَمْزِ عَلَى زِنَةِ جَبَلٍ يَقَعُ عَلَى الْيَابِسِ وَالرَّطْبِ، فَالْكَلَأُ بِالْهَمْزِ أَنْسَبُ لِيَكُونَ عَطْفُ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ (وَكَانَتْ مِنْهَا) : أَيْ مِنَ الْأَرْضِ الصَّالِحَةِ أَوْ مِنَ الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ (أَجَادِبُ) : كَذَا فِي رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ بِالْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ جَمْعُ أَجْدَبَ وَهِيَ الْأَرْضُ الصُّلْبَةُ الَّتِي تُمْسِكُ الْمَاءَ مِنَ الْجَدْبِ وَهُوَ الْقَحْطُ، سَمَّاهَا أَجَادِبَ لِأَنَّهَا لِصَلَابَتِهَا لَا تَنْبُتُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: إِخَاذَاتٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَآخِرُهُ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقُ قَبْلَهَا أَلِفٌ جَمْعُ إِخَاذَةٍ، وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي تُمْسِكُ الْمَاءَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ، وَرُوِيَ أَجَاذِبُ بِجِيمٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَمَعْنَاهُ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ رِوَايَاتٌ أُخَرُ مَرْدُودَةٌ (أَمْسَكَتْ) ، أَيْ: تِلْكَ الْأَرْضُ، أَوِ الْأَجَادِبُ (الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا) : أَيْ بِالْأَجَادِبِ أَوْ بِتِلْكَ الْأَرْضِ (النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا) ، أَيْ: دَوَابَّهُمْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَجُوزُ أَسْقَوْا: قُلْتُ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَارِدٍ وَتَجْوِيزُ اللُّغَوِيِّ غَيْرُ مُرَادٍ (وَزَرَعُوا) . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ: وَرَعَوْا مِنَ الرَّعْيِ، وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ زَرَعُوا وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ اهـ.
وَفِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ: زَرَعُوا مُوَافِقًا لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَهُوَ الْأَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ أَصْلًا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَعَوْا مِنَ الرَّعْيِ، وَرِوَايَةُ: وَزَرَعُوا قِيلَ تَصْحِيفٌ، وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ زَرَعُوا بِهِ غَيْرَ تِلْكَ الْأَرْضِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ رَبْطٌ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ رَعَوْا تَشْوِيشُ النَّشْرِ لِأَنَّ الشُّرْبَ وَالسَّقْيَ لِلْقِسْمِ الثَّانِي، وَالرَّعْيَ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ. قُلْتُ: لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْقِسْمُ الثَّانِي جَامِعًا لِلثَّلَاثِ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الزَّرْعِ وُصُولُ الرَّعْيِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَهْلَ الْقِسْمِ الثَّانِي مَرْزُقُونَ مِنْ جَمِيعِ النِّعَمِ مُنْفِقُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَهُمْ كَامِلُونَ مُكَمِّلُونَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ) ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَيَكُونُ التَّقْسِيمُ
стр. 355
تَرَقِّيًا ثُمَّ تَدَلِّيًا (وَأَصَابَ) ، أَيِ: الْغَيْثُ (مِنْهَا) : أَيْ مِنَ الْأَرْضِ (طَائِفَةً) ، أَيْ: قِطْعَةً (أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ) : تِلْكَ الطَّائِفَةُ (قِيعَانٌ) : بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ قَاعٍ وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ (لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً) : لِأَنَّهَا سَبْخَةٌ (فَذَلِكَ) ، أَيِ: الْمَذْكُورُ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَرْضِ (مِثْلُ مَنْ فَقُهَ) : بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا، وَالْمَشْهُورُ الضَّمُّ إِذَا فَهِمَ وَأَدْرَكَ الْكَلَامَ، وَالضَّمُّ أَجْوَدُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ الشَّرْعِيَّ صَارَ سَجِيَّةً لَهُ (فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ اللَّهُ بِمَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ) ، أَيْ: بِالْعَمَلِ (فَعَلِمَ وَعَلَّمَ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ. هَذَا مَثَلُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى الَّتِي قَبِلَتِ الْمَاءَ وَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ، فَقَبُولُ الْمَاءِ إِشَارَةٌ إِلَى الْعِلْمِ، وَإِنْبَاتُ الْكَلَأِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّعْلِيمِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ) ، أَيْ: بِمَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ (رَأْسًا) ، أَيْ: لِلتَّكَبُّرِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، يُقَالُ: لَمْ يَرْفَعْ فُلَانٌ رَأْسَهُ بِهَذَا أَيْ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ مِنْ غَايَةِ تَكَبُّرِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَدَمُ رَفْعِ رَأْسِهِ بِالْعِلْمِ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ لِعَدَمِ الْعَمَلِ، أَوِ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ إِلَى حُطَامِ الدُّنْيَا، وَهَذَا مِثْلُ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً (وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ) : بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ (وَالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ، وَفِي الْحَدِيثِ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الِاسْتِعْدَادَاتِ لَيْسَتْ بِمُكْتَسَبَةٍ، بَلْ هِيَ مَوَاهِبُ رَبَّانِيَّةٌ وَكَمَالُهَا أَنْ تَسْتَفِيضَ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ، فَلَا خَيْرَ فِيمَنْ يَشْتَغِلُ بِغَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَّ الْفَقِيهَ مَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ.
قَالَ الْمُظْهِرُ: ذَكَرَ فِي تَقْسِيمِ الْأَرْضِ ثَلَاثَةً، وَفِي تَقْسِيمِ النَّاسِ قِسْمَيْنِ: مَنْ فَقُهَ وَمَنْ أَبَى وَلَمْ يَرْفَعْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ مِنَ الْأَرْضِ كَقِسْمٍ وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُنْتَفِعٌ بِهِ، وَكَذَلِكَ النَّاسُ قِسْمَانِ: مَنْ يَقْبَلُ الْعِلْمَ وَأَحْكَامَ الدِّينِ وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْهُمَا، وَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ فَالنَّاسُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَنْ يَقْبَلُ بِقَدْرِ مَا يَعْمَلُ بِهِ وَلَا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الْفَتْوَى وَالتَّدْرِيسِ، وَثَانِيهَا: مَنْ يَبْلُغُهُمَا، وَثَالِثُهَا: مَنْ لَا يَقْبَلُ الْعِلْمَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: اتَّفَقَ الشَّارِحُونَ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَالْحَدِيثُ يَنْصُرُ الْأَوَّلَ، فَعَلَى هَذَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الطَّرَفَانِ الْعَالِي فِي الِاهْتِدَاءِ، وَالْغَالِي فِي الضَّلَالِ، وَتَرَكَ قِسْمَانِ مَنِ انْتَفَعَ بِالْعِلْمِ فِي نَفْسِهِ وَمَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ فِي نَفْسِهِ وَلَكِنْ نَفَعَ فِي غَيْرِهِ اهـ. وَجَعَلَ الْخَطَّابِيُّ الْقِسْمَةَ ثُنَائِيَّةً بِجَعْلِ الْعُلَمَاءِ قِسْمًا وَالْجُهَلَاءِ قِسْمًا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى كَوْنِ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ اهـ.
وَخَالَفَهُمُ ابْنُ حَجْرٍ وَجَعَلَ الْقِسْمَةَ ثُلَاثِيَّةً، وَأَغْرَبَ حَيْثُ جَعَلَ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ أَفْضَلَهَا مَعَ أَنَّ التَّشْبِيهَ بِالْأَرْضِ لَا يُسَاعِدُهُ، ثُمَّ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ حَيْثُ جَعَلَ الطَّبَقَةَ الْعُلْيَا مُنْحَصِرَةً فِي الْفُقَهَاءِ، وَجَعَلَ بَقِيَّةَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْقُرَّاءِ وَغَيْرِهِمْ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى، وَجَعَلَهُمْ كَالْأَتْبَاعِ لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَالصَّوَابُ أَنَّ كُلَّ مَنْ فَاقَ أَقْرَانَهُ فِي فَنٍّ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِالْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ فَهُوَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ الْكَامِلِينَ الْمُكَمِّلِينَ، فَكَأَنَّهُ ذُهِلَ عَنْ قَوْلِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ الْغَزَّالِيِّ: ضَيَّعْتُ قِطْعَةً مِنَ الْعُمُرِ الْعَزِيزِ فِي تَصْنِيفِ الْبَسِيطِ وَالْوَسِيطِ وَالْوَجِيزِ، لَكِنَّهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ - كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠ - ٥٣] فَالْأَظْهَرُ كَلَامُ الْمُظْهِرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ.
ثُمَّ لَا يَخْفَى مَا فِي التَّشْبِيهِ مِنَ اللَّطَافَةِ حَيْثُ جَعَلَ الْعِلْمَ الْحَاصِلَ بِسَبَبِ الْوَحْيِ مُشَبَّهًا بِالْمَاءِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ إِنَّهُ ﵊ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَاسِمٌ وَوَاسِطَةٌ فِي إِيصَالِ الْفَيْضِ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْخَلْقِ مُشَبَّهٌ بِالسَّحَابِ الْعَامِّ لِجَمِيعِ الْعَالَمِ وَقُلُوبِ الْعِبَادِ مُشَبَّهَةٌ بِالْأَرَاضِي الْمُخْتَلِفَةِ، فَالْأَوَّلُ مِنْ تَشْبِيهِ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ وَغَيْرُهُ مِنْ قَبِيلِ
стр. 356
الْمَحْسُوسِ. بِمِثْلِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتَهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] ثُمَّ الْخَبِيثُ كَأَنَّهُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ٩٩] الْآيَهَ وَقَدْ قِيلَ: عَلَى مَا فِي الْبَغَوِيِّ قَوْلُهُ ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنعام: ٩٩] هَذَا مَثَلٌ لِلْقُرْآنِ، وَالْأَوْدِيَةُ مَثَلٌ لِلْقُلُوبِ يُرِيدُ: يَنْزِلُ الْقُرْآنُ فَتَحْتَمِلُ مِنْهُ الْقُلُوبُ عَلَى قَدْرِ الْيَقِينِ وَالْعَقْلِ وَالشَّكِّ وَالْجَهْلِ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ [الرعد: ١٧] رُؤْيَتُكَ لِأَعْمَالِكَ. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد: ١٧] عِنْدَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [الرعد: ١٧] فَهُوَ الْيَقِينُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 357
١٥١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] وَقَرَأَ إِلَى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] . قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِذَا رَأَيْتَ - وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: رَأَيْتُمُ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ، فَاحْذَرُوهُمْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧] ، أَيِ: الْقُرْآنَ (مِنْهُ) : أَيْ بَعْضِهِ ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] : وَهِيَ مَا أَمِنَ مِنِ احْتِمَالِ التَّأْوِيلِ، كَالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ (وَقَرَأَ إِلَى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] يُحْتَمَلُ الِاخْتِصَارُ فِي الذِّكْرِ مِنْ عَائِشَةَ، أَوْ مِمَّنْ دُونَهَا، وَالتَّتِمَّةُ: هُنَّ أَيْ تِلْكَ الْآيَاتُ: ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧] أَيْ أَصْلُهُ، وَأُخَرُ أَيْ آيَاتٌ أُخَرُ ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] الْمُتَشَابَهُ: مَا بَلَغَ فِي الْخَفَاءِ غَايَتُهُ وَلَا يُرْجَى مَعْرِفَتَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] أَيْ مَيْلٌ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] أَيْ يَبْحَثُونَ فِيهِ ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧] ، أَيْ: لِطَلَبِ الْفِتْنَةِ، يَعْنِي إِيقَاعَ الشَّكِّ وَالْخُصُومَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿وَابْتِغَاءِ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] لِاسْتِنْبَاطِ مَعَانِيهِ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] مُبْتَدَأٌ أَيِ الثَّابِتُونَ ﴿فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] ، أَيْ: فِي عِلْمِ الدِّينِ ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] ، أَيْ: بِالْمُتَشَابِهِ وَوَكَلْنَا عِلْمَهُ إِلَى عَالِمِهِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الِاسْتِوَاءِ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفٌ مَجْهُولٌ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ. كُلٌّ أَيْ مِنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ ﴿مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] ، أَيْ: نُزِّلَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ حَقٌّ وَصَوَابٌ وَحِكْمَةُ وُقُوعِ الْمُتَشَابِهِ فِيهِ إِعْلَامٌ (لِلْعُقُولِ) - بِقُصُورِهَا لِتَسْتَسْلِمَ لِبَارِئِهَا وَتَعْتَرِفَ بِعَجْزِهَا وَتَسْلَمَ مِنَ الْغُرُورِ وَالْعَجَبِ وَالتَّكَبُّرِ وَالتَّعَزُّزِ ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ [آل عمران: ٧] ، أَيْ: يَتَّعِظُ وَيَنْتَفِعُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَوْعِظَةِ ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] ، أَيْ: أَصْحَابُ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ مِنْ عِلَلِ الْخَوَاطِرِ السَّقِيمَةِ. (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَإِذَا رَأَيْتَ) : بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ الْعَامِّ، أَيْ: أَيُّهَا الرَّائِي، وَحُكِيَ بِالْكَسْرِ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ لِعَائِشَةَ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ عَامًا (وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: رَأَيْتُمْ) : وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؟) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِمُ الَّذِينَ يَقْتَصِرُونَ عَلَى تَتَبُّعِ الْمُتَشَابِهِ، وَيُحْتَمَلُ الْإِطْلَاقُ سَدًّا لِلْبَابِ (فَأُولَئِكَ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَقِيلَ بِالْكَسْرِ (الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ) : أَهْلَ الزَّيْغِ أَوْ زَائِغَيْنِ لِقَوْلِهِ: فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ (فَاحْذَرُوهُمْ) ، أَيْ: لَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تُكَالِمُوهُمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.
стр. 358
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: رَأَيْتَ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ الْعَامِّ، وَلِهَذَا جَمَعَهُ فِي: فَاحْذَرُوهُمْ وَفِي بَعْضِهَا بِكَسْرِ التَّاءِ عَلَى خِطَابِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ بَيَانًا لِشَرَفِهَا وَغَزَارَةِ عِلْمِهَا كَمَا يُقَالُ: يَا فُلَانُ افْعَلُوا كَيْتَ وَكَيْتَ لِرَئِيسِ الْقَوْمِ إِظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَتَقَدُّمِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَفِيهِ: أَنَّ هَذَا التَّحْقِيقَ يَسْتَدْعِي حُضُورَ قَوْمٍ مَعَهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ خِطَابُ الْمُذَكَّرِ الْجَمْعِ عَلَى تَعْظِيمِهَا تَنْزِيلًا لَهَا مَنْزِلَةَ الرِّجَالِ لِكَمَالِ عَقْلِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: حَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اخْتِلَافٍ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ كَاخْتِلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَذَلِكَ مِثْلُ الِاخْتِلَافِ فِي نَفْسِ الْقُرْآنِ، أَوْ فِي مَعْنًى لَا يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ، أَوْ فِيمَا يُوقِعُ فِي شَكٍّ وَشُبْهَةٍ وَفِتْنَةٍ وَخُصُومَةٍ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ لِاسْتِنْبَاطِ فُرُوعٍ فِي الدِّينِ مِنْهُ، وَمُنَاظَرَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الْفَائِدَةِ وَإِظْهَارِ الْحَقِّ فَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ وَفَضِيلَتُهُ ظَاهِرَةٌ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ إِلَى الْآنَ اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا بِنَاءً عَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْوَقْفِ عَلَى الْجَلَالَةِ لِيُفِيدَ أَنَّ عِلْمَ الْمُتَشَابَهِ عَلَى حَقِيقَةِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُنَافِي هَذَا جَعْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْآخَرِينَ الْوَقْفَ عَلَى الْعِلْمِ الْمُفِيدِ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِيهِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابَهِ؟ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ عَلِمُوهُ لَمْ يُدْرِكُوا حَقِيقَتَهُ الْمُرَادَةَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْهُ، وَإِنَّمَا عَلِمُوهُ بِصَرْفِ ظَاهِرِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى لِاسْتِحَالَتِهِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ظَوَاهِرِ الْمُتَشَابِهَاتِ الْمُسْتَحِيلَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدُ فَأَمْسَكَ أَكْثَرُ السَّلَفِ عَنِ الْخَوْضِ فِي تَعْيِينِ الْمُرَادِ مِنْ ذَلِكَ الْمُتَشَابِهِ، وَفَوَّضُوا عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا أَسْلَمُ لِأَنَّ مَنْ أَوَّلَ لَمْ يَأْمَنْ مِنْ أَنْ يَذْكُرَ مَعْنًى غَيْرَ مُرَادٍ لَهُ تَعَالَى فَيَقَعَ فِي وَرْطَةِ التَّعْيِينِ وَخَطَرِهِ، وَخَاضَ أَكْثَرُ الْخَلَفِ فِي التَّأْوِيلِ، وَلَكِنْ غَيْرَ جَازِمِينَ بِأَنَّ هَذَا مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تِلْكَ النُّصُوصِ، وَإِنَّمَا قَصَدُوا بِذَلِكَ صَرْفَ الْعَامَّةِ عَنِ اعْتِقَادِ ظَوَاهِرِ الْمُتَشَابِهِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ الْمُتَمَسِّكِينَ بِأَكْثَرِ تِلْكَ الظَّوَاهِرِ الْمُوَافِقَةِ لِاعْتِقَادَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحِلُّ تَفْسِيرُ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا بِسَنَدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ خَبَرٍ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَوْ إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 359
١٥٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: «هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، قَالَ: فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، فَقَالَ: إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٥٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ ﵄ (قَالَ: هَجَّرْتُ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ أَتَيْتُ فِي الْهَاجِرَةِ أَيْ الظَّهِيرَةِ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) . قَالَ الْمُظْهِرُ: التَّهْجِيرُ السَّيْرُ فِي الْهَاجِرَةِ وَهِيَ وَقْتُ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَلَعَلَّ خُرُوجَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِيُدْرِكَهُ ﵊ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْحُجْرَةِ فَلَا يَفُوتَهُ شَيْءٌ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ وَالْإِسْرَاعِ إِلَى الْمَسْجِدِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ (يَوْمًا) : أَيْ مِنَ الْأَيَّامِ أَوِ التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ (قَالَ) ، أَيْ: عَبْدُ اللَّهِ (فَسَمِعَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حُجْرَتِهِ (أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ) : صَرَّحَ الرَّضِيُّ بِأَنَّهُ إِذَا أُضِيفَ الْجُزْءَانِ إِلَى مُتَضَمِّنَيْهِمَا، وَكَانَ الْمُتَضَمِّنَانِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فَلَفْظُ الْإِفْرَادِ فِي الْمُضَافِ أَوْلَى مِنْ لَفْظِ الْمُثَنَّى، وَلَفْظُ الْجَمْعِ فِيهِ أَوْلَى مِنَ الْإِفْرَادِ، وَلَكِنْ فِي عَدِّ الْأَصْوَاتِ أَجْزَاءٌ مِنْهُمَا مَحَلُّ نَظَرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ جَمْعَ الْأَصْوَاتِ
стр. 360
عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَإِنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْ كَلِمَاتِ الرَّجُلَيْنِ صَوْتٌ مُعْتَمِدٌ عَلَى مَخْرَجِهِ، وَفِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] أَطْلَقَ قُلُوبَ عَلَى قَلْبَيْنِ، وَلَمْ يُعَبِّرْ بِهِ لِاسْتِثْقَالِ الْجَمْعِ بَيْنَ تَثْنِيَتَيْنِ فِيمَا هُوَ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ (اخْتَلَفَا) : صِفَةُ رَجُلَيْنِ، أَيْ: تَنَازَعَا وَاخْتَصَمَا (فِي آيَةٍ) ، أَيْ: فِي مَعْنَى آيَةٍ مُتَشَابِهَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا فِي لَفْظِهَا اخْتِلَافَ قِرَاءَةٍ (فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْرَفُ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ (فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ مِنْ فَاعِلِ خَرَجَ، وَكَانَ ﵊ لَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا كَانَ يَغْضَبُ لِلَّهِ، فَيَشْتَدُّ بِهِ ذَلِكَ الْغَضَبُ حَتَّى يُرَى أَثَرُهُ مِنْ حُمْرَةِ اللَّوْنِ وَنَحْوِهَا فِي وَجْهِهِ الْكَرِيمِ (فَقَالَ: إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) : أَيْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ) ، أَيِ: الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِمْ بِأَنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا شَاءَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ الْمَنْهِيِّ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 361
١٥٣ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى النَّاسِ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
ــ
١٥٣ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) : ﵁ هُوَ مِنَ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ، يُكْنَى أَبَا إِسْحَاقَ، وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ: مَالِكُ بْنُ وَهِيبٍ الزُّهْرِيُّ الْقُرَشِيُّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقَالَ: كُنْتُ ثَالِثَ الْإِسْلَامِ، وَأَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ مَشْهُورًا بِذَلِكَ، تُخَافُ دَعْوَتُهُ وَتُرْجَى لِاشْتِهَارِ إِجَابَتِهَا عِنْدَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهِ: اللَّهُمَّ سَدِّدْ سَهْمَهُ وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ وَجَمَعَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلِلزُّبَيْرِ أَبَوَيْهِ فَقَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: (فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي) وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمَا، مَاتَ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ عَلَى رِقَابِ الرِّجَالِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ وَالِي الْمَدِينَةِ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ، وَلَهُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَهُوَ آخِرُ الْعَشَرَةِ مَوْتًا، وَلَّاهُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ الْكُوفَةَ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ) ، أَيْ: فِي حَقِّهِمْ وَجِهَتِهِمْ (جُرْمًا) : تَمْيِيزٌ أَيْ ذَنْبًا وَظُلْمًا كَائِنًا فِيهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَصْلُهُ أَجْرَمَ الْمُسْلِمِينَ فَعَدَلَ إِلَى أَعْظَمَ، ثُمَّ فُسِّرَ بِـ (جُرْمًا) لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْأَعْظَمَ نَفْسَهُ جُرْمٌ (مَنْ سَأَلَ) ، أَيْ: نَبِيَّهُ (عَنْ شَيْءٍ) : بِالتَّنْكِيرِ (لَمْ يُحَرَّمْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّحْرِيمِ (عَلَى النَّاسِ) : الْجُمْلَةُ صِفَةُ شَيْءٍ بِأَنْ يَسْأَلَ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَمْ لَا؟ (فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ) .، أَيْ: فَحُرِّمَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لِأَجْلِ سُؤَالِهِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي سُؤَالِهِ، إِذْ أُمِرَ بِالسُّكُوتِ وَنُهِيَ عَنِ النُّطْقِ فَعُوقِبَ بِتَحْرِيمِ مَا سَأَلَ عَنْهُ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا فِي حَقِّ مَنْ سَأَلَ عَبَثًا وَتَكَلُّفَا فِيمَا لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَيْهِ كَمُسَأَلَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي شَأْنِ الْبَقَرَةِ دُونَ مَنْ يَسْأَلُ سُؤَالَ حَاجَةٍ، فَإِنَّهُ يُثَابُ، وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ: أَصْلُ الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْحَظْرِ.
стр. 362
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّهُ إِنْ سَكَتَ ﵊ عَنْ جَوَابِهِ يَكُونُ رَدْعًا لِسَائِلِهِ، وَإِنْ أَجَابَ عَنْهُ كَانَ تَغْلِيظًا لَهُ، فَيَكُونُ بِسَبَبِهِ تَغْلِيظًا عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَعْظَمَ جُرْمًا لِتَعَدِّي جِنَايَتِهِ إِلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِشُؤْمِ لَجَاجِهِ، وَأَمَّا مَنْ سَأَلَ لِاسْتِبَانَةِ حُكْمٍ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ أَوْ مُبَاحٍ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قِيلَ: لَفْظُ: " فِي الْمُسْلِمِينَ " لَيْسَ لِلْبُخَارِيِّ، وَكَذَا لَفْظُ " عَلَى النَّاسِ
".
стр. 363
١٥٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٥٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ) ، أَيْ: آخِرِ زَمَانِ هَذِهِ الْأُمَّةِ (دَجَّالُونَ) : مِنَ الدَّجَلِ وَهُوَ التَّلْبِيسُ جَمْعُ الدَّجَّالِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْمَكْرِ وَالتَّلْبِيسِ.، أَيِ: الْخَدَّاعُونَ. يَعْنِي: سَيَكُونُ جَمَاعَةٌ يَقُولُونَ لِلنَّاسِ: نَحْنُ عُلَمَاءُ وَمَشَايِخٌ نَدْعُوكُمْ إِلَى الدِّينِ وَهُمْ (كَذَّابُونَ) : فِي ذَلِكَ (يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ) ، أَيْ: يَتَحَدَّثُونَ بِالْأَحَادِيثِ الْكَاذِبَةِ وَيَبْتَدِعُونَ أَحْكَامًا بَاطِلَةً وَاعْتِقَادَاتٍ فَاسِدَةً اهـ. كَلَامُ الْمُظْهِرِ. وَيَجُوزُ أَنْ تُحْمَلَ الْأَحَادِيثُ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، فَيَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْمَوْضُوعَاتِ، وَأَنْ يُرَادَ مَا بَيْنَ النَّاسِ أَيْ يُحَدِّثُونَكُمْ بِالَّذِي مَا سَمِعْتُمْ عَنِ السَّلَفِ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ.
قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْجِدَالِ فِي الصِّفَاتِ، وَعَنِ الْخَوْضِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَتَعَلُّمِهِ. قَالَ مَالِكٌ: إِيَّاكُمْ وَالْبِدَعَ. قِيلَ: وَمَا الْبِدَعُ؟ قَالَ: أَهْلُ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلَا يَسْكُتُونَ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ عِلْمًا لَتَكَلَّمُوا فِيهِ كَمَا تَكَلَّمُوا فِي الْأَحْكَامِ، وَسُئِلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْكَلَامِ فَقَالَ: دَعِ الْبَاطِلَ؛ أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْحَقِّ، اتَّبِعِ السُّنَّةَ وَدَعِ الْبِدْعَةَ. وَقَالَ: وَجَدْتُ الْأَمْرَ فِي الِاتِّبَاعِ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِمَا عَلَيْهِ الْجَمَّالُونَ، وَالنِّسَاءُ فِي الْبُيُوتِ، وَالصِّبْيَانُ فِي الْكُتَّابِ مِنَ الْإِقْرَارِ وَالْعَمَلِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَأَنْ يُبْتَلَى الرَّجُلُ بِمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ خَلَا الشِّرْكِ بِاللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِالْكَلَامِ. وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: لِأَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الشِّرْكِ بِاللَّهِ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ أَلْقَاهُ بِمَسْأَلَةٍ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ. وَقَالَ: رَأْيِي وَحُكْمِي فِي أَهْلِهِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَيُطَافُ بِهِمْ فِي الْأَسْوَاقِ أَوْ فِي الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ، وَيُقَالُ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَاشْتَغَلَ بِالْكَلَامِ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ فِيمَا سَبَقَ: إِنَّ عِلْمَ الْكَلَامِ مِنَ الْبِدْعَةِ الْوَاجِبَةِ؟ أُجِيبُ: بِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ حَيْثُ الضَّرُورَةِ مِنْ غُلُوِّ الْمُبْتَدِعَةِ وَالْمُلْحِدَةِ، فَحِينَئِذٍ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دَفْعُهُمْ، وَالْمَحْذُورُ جَعْلُهُ صَنْعَةً وَعَادَةً، وَلِهَذَا كَانَ تَعَلُّمُ عِلْمِ الْكَلَامِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ كَسَائِرِ الصِّنَاعَاتِ الْمُبَاحَةِ. كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَدْ أَلَّفَ الْإِمَامُ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ ﵀ رِسَالَةً فِي تَحْرِيمِ الْمَنْطِقِ وَالْكَلَامِ، وَفِيهَا اسْتِيفَاءُ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ. (فَإِيَّاكُمْ) ، أَيْ: أَبْعِدُوا أَنْفُسَكُمْ عَنْهُمْ (وَإِيَّاهُمْ) ، أَيْ: بَعِّدُوهُمْ عَنْكُمْ (لَا يُضِلُّونَكُمْ) : اسْتِئْنَافُ جَوَابٍ لِقَائِلٍ: لِمَ نُبْعِدُهُمْ؟ لِئَلَّا يُضِلُّوكُمْ فَحَذَفَ الْجَارَّ وَالنَّاصِبَ فَعَادَ الْفِعْلُ إِلَى الرَّفْعِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: كَأَنَّهُ قِيلَ مَاذَا يَكُونُ بَعْدَ الْحَذَرِ؟ فَأُجِيبَ: لَا يُضِلُّونَكُمُ اهـ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ اهـ.
стр. 364
وَفِيهِ أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ قِرَاءَةَ الْجُمْهُورِ، فَهُوَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَقْصُودِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الرَّفْعَ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، وَيُؤَيِّدُهُ إِنْ قُرِئَ " لَا يَضُرُّكُمْ "، وَيَحْتَمِلُ الْجَزْمَ عَلَى الْجَوَابِ أَوِ النَّهْيِ، وَالْقِيَاسُ الْفَتْحُ، لَكِنَّهُ ضُمَّتِ الرَّاءُ اتْبَاعًا لِضَمَّةِ الضَّادِ الْمَنْقُولَةِ إِلَيْهَا مِنَ الرَّاءِ الْمُدْغَمَةِ، وَيَنْصُرُهُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ " لَا يَضُرَّكُمْ " بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَإِنْ أَرَادَ بِالرَّفْعِ إِثْبَاتَ النُّونِ فَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَعَ أَنَّهُ مِنْ لُغَةِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ، أَوْ نَقُولُ: هُوَ خَبَرٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ مُبَالَغَةً فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِلْأَمْرِ بِالْحَذَرِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابَ الْأَمْرِ لِوُجُودِ النُّونِ (وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ) ، أَيْ: يُوقِعُونَكُمْ فِي الْفِتْنَةِ وَهِيَ الشِّرْكُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] أَوْ يُرَادُ بِهَا عَذَابُ الْآخِرَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 365
١٥٥ - وَعَنْهُ، قَالَ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] الْآيَةَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
١٥٥ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ) ، أَيِ: الْيَهُودُ (يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ (وَيُفَسِّرُونَهَا) ، أَيْ: يُتَرْجِمُونَهَا (بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ) أَعَمُّ مِمَّنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تُصَدِّقُوا) : أَيْ فِيمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكُمْ صِدْقُهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كَذِبًا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ (أَهْلَ الْكِتَابِ) ، أَيِ: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لِأَنَّهُمْ حَرَّفُوا كِتَابَهُمْ (وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ) : أَيْ فِيمَا حَدَّثُوا مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَكُمْ كَذِبُهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا وَإِنْ كَانَ نَادِرًا لِأَنَّ الْكَذُوبُ قَدْ يَصْدُقُ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّوَقُّفِ فِيمَا أُشَكِلُ مِنَ الْأُمُورِ وَالْعُلُومِ، فَلَا يُقْضَى بِجَوَازٍ وَلَا بُطْلَانٍ وَعَلَيْهِ السَّلَفُ وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا أَدْرِي فِيمَا يُسْأَلُونَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: مَنْ أَخْطَأَ لَا أَدْرِي أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ وَ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] ، أَيْ: صَدَّقْنَا مُعْتَرِفِينَ بِهِ أَوْ مُوقِنِينَ بِهِ ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] : مِنَ الْقُرْآنِ (الْآيَةُ) . تَمَامُهَا: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِي مُوسَى وَعِيسَى﴾ [البقرة: ١٣٦] أَيْ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَهَذَا مَحَلُ الشَّاهِدِ وَالْمَقْصُودُ: رَفْعُ النِّزَاعِ ; يَعْنِي تُؤْمِنُ إِيمَانًا إِجْمَالِيًّا ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] ، أَيْ: فِي الْإِيمَانِ بِهِمْ وَبِكُتُبِهِمْ وَنَحْنُ لَهُ، أَيْ: لِلَّهِ أَوْ لِمَا أُنْزِلَ مُسْلِمُونَ، أَيْ: مُطِيعُونَ أَوْ مُنْقَادُونَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 366
١٥٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٥٦ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (كَفَى بِالْمَرْءِ) : مَفْعُولُ كَفَى وَالْبَاءُ، زَائِدَةٌ (كَذِبًا) : تَمْيِيزٌ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْكَافِ وَسُكُونُ الذَّالِ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِثْمًا " بَدَلَ " كَذِبًا (أَنْ يُحَدِّثَ) : فَاعِلُ كَفَى (بِكُلِّ مَا سَمِعَ) : يَعْنِي: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ كَذِبٌ إِلَّا تَحْدِيثُهُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ مِنْ غَيْرِ تَيَقُّنٍ أَنَّهُ صِدْقٌ أَمْ كَذِبٌ، لَكَفَاهُ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ لَا يَكُونَ بَرِيئًا مِنْهُ، وَهَذَا زَجْرٌ عَنِ التَّحْدِيثِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ، بَلْ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَبْحَثَ فِي كُلِّ مَا سَمِعَ خُصُوصًا فِي أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَلِذَا وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ الِاعْتِصَامِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 367
١٥٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّتِهِ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ فِي أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» ".
رَوَاهَ مُسْلِمٌ.
ــ
١٥٧ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا مِنْ نَبِيٍّ) : زِيَادَةُ (مِنْ) لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ، وَهُوَ يُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثٍ أَنَّ نَبِيًّا يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَمْ يَتْبَعْهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا وَاحِدٌ
стр. 368
(بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّتِهِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: (أُمَّةٍ قَبْلِي) : قِيلَ: عَلَى رِوَايَةِ أُمَّتِهِ بِالْهَاءِ يَتَعَلَّقُ قَبْلِي بِبَعَثَ أَوْ يَكُونُ حَالًا مِنْ أُمَّتِهِ، وَعَلَى رِوَايَةِ فِي أُمَّةٍ يَكُونُ قَبْلِي صِفَةً لِأُمَّةٍ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: نَحْنُ نَرْوِي مِنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ فِي أُمَّةٍ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِالْهَاءِ بَعْدَ التَّاءِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ وَالْأَمْثَلُ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَقَدْ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَالْجَامِعِ وَالْمَشَارِقِ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: الرِّوَايَةُ بِالْهَاءِ أَصَحُّ. قِيلَ قَوْلُهُ: نَبِيٌّ نَكِرَةٌ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُؤْتَى بِأُمَّةٍ نَكِرَةً إِذِ الْمَعْنَى مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ لِاقْتِضَاءِ مَا النَّافِيَةِ وَمِنَ الْاسْتِغْرَاقِيَّةِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ (إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فِي أُمَّتِهِ عِبَارَةٌ عَنِ النَّكِرَةِ فَهُوَ كَالتَّعْرِيفِ بِاللَّامِ بَعْدَ النَّكِرَةِ (حَوَارِيُّونَ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَخُفِّفَ فِي الشَّوَاذِّ أَيْ نَاصِرُونَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: حَوَارِيُّ الرَّجُلِ صَفْوَتُهُ وَخَالِصَتُهُ الَّذِي أُخْلِصَ وَنُقِيَّ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَقِيلَ: صَاحِبُ سِرِّهِ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُلُوصِ نِيَّتِهِ وَصَفَاءِ طَوِيَّتِهِ مِنَ الْحَوَرِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ شِدَّةُ الْبَيَاضِ، وَقِيلَ: الْحَوَارِيُّ الْقِصَارُ بِلُغَةِ النَّبْطِ، وَكَانَ أَصْحَابُ عِيسَى قَصَّارِينَ لِأَنَّهُمْ يُحَوِّرُونَ الثِّيَابَ أَيْ يُبَيِّضُونَهَا فَغَلَبَ عَلَيْهِمُ الِاسْمُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَنْ يَنْصُرُ نَبِيًّا وَيَتَّبِعُ هُدَاهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ تَشْبِيهًا بِأُولَئِكَ (وَأَصْحَابٌ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا، وَأَنْ يَكُونَ الْأَصْحَابُ غَيْرَ الْحَوَارِيِّينَ أَعَمُّ مِنْهُمْ (يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ) ، أَيْ: بِهَدْيِهِ وَسِيرَتِهِ (وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ) ، أَيْ: يَتْبَعُونَهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ (ثُمَّ) : إِمَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي التَّرَاخِي الزَّمَانِيِّ وَإِمَّا عَلَى مَعْنَى الْبُعْدِ فِي الْمَرْتَبَةِ (إِنَّهَا) : الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ (تَخْلُفُ) : بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ تَحْدُثُ (مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ) : بِضَمِّ الْخَاءِ جَمْعُ خَلْفٍ بِسُكُونِ اللَّامِ مَعَ فَتْحِ الْخَاءِ الرَّدِيءُ مِنَ الْأَعْقَابِ، أَوْ وَلَدُ السُّوءِ كَعَدْلٍ وَعُدُولٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩] وَالْخَلَفُ بِفَتْحَتَيْنِ يُجْمَعُ عَلَى أَخْلَافٍ كَمَا يُقَالُ: سَلَفٌ وَأَسْلَافٌ وَهُوَ الصَّالِحُ مِنْهُمْ (يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) : وَصْفُ الْخُلُوفِ بِأَنَّهُمْ مُتَّصِفُونَ وَمُتَمَدِّحُونَ. بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ حَيْثُ يَقُولُونَ: فَعَلْنَا مَا أُمِرْنَا وَلَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ فَعَلُوا مَا نُهُوا عَنْهُ وَهُوَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: (وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ) : وَهُوَ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] وَقَوْلِهِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] وَأَمَّا السَّلَفُ الصَّالِحُ ; فَإِنَّهُمْ لَمَّا اقْتَدَوْا بِسُنَّةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَسِيرَةِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ ﷺ انْخَرَطُوا فِي سِلْكِ الَّذِينَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (فَمَنْ جَاهَدَهُمْ) : جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَمَنْ حَارَبَهُمْ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ (بِيَدِهِ فَهُوَ) : بِضَمِّ الْهَاءِ وَتُسَكَّنُ (مُؤْمِنٌ) : بِالْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ (وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ) ، أَيْ: أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ (بِقَلْبِهِ) : بِأَنْ يَغْضَبَ عَلَيْهِمْ وَلَوْ قَدَرَ لَحَارَبَهُمْ بِالْيَدِ أَوْ بِاللِّسَانِ (فَهُوَ مُؤْمِنٌ) ، قِيلَ: التَّنْكِيرُ فِي مُؤْمِنٍ لِلتَّنْوِيعِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ دَلَّ عَلَى كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَالثَّالِثَ عَلَى نُقْصَانِهِ، وَالثَّانِي عَلَى الْقَصْدِ فِيهِ (وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ) : هِيَ اسْمُ لَيْسَ، وَمِنَ الْإِيمَانِ صِفَتُهُ قُدِّمَتْ فَصَارَتْ حَالًا، وَرَاءَ ذَلِكَ خَبَرُهُ، ثُمَّ ذَهَبَ الْمُظْهِرُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِيمَانِ فِي
стр. 369
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَارَ بِهِ إِلَى الْإِيمَانِ فِي الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثِ مِنْ مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُنْكِرْ بِالْقَلْبِ رَضِيَ بِالْمُنْكَرِ وَهُوَ كُفْرٌ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْمُصَدَّرَةُ بِلَيَسَ مَعْطُوفَةً عَلَى الْجُمْلَةِ قَبْلَهَا بِكَمَالِهَا كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ، أَيْ: وَرَاءَ الْجِهَادِ بِالْقَلْبِ يَعْنِي مَنْ لَمْ يُنْكِرْهُمْ بِالْقَلْبِ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ جِهَادِهِمْ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ مِنَ الْإِيمَانِ لِأَنَّ أَدْنَى مَرَاتِبِ أَهْلِ الْإِيمَانِ أَنْ لَا يَسْتَحْسِنَ الْمَعَاصِيَ وَيُنْكِرَهَا بِقَلْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ دَائِرَةِ الْإِيمَانِ وَدَخَلَ فِيمَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَ اللَّهِ وَاعْتَقَدَ بُطْلَانَ أَحْكَامِهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 370
١٥٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا. وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
١٥٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْهُدَى إِمَّا الدَّلَالَةُ الْمُوصِلَةُ أَوْ مُطْلَقُ الدَّلَالَةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يُهْدَى بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَهُوَ بِحَسَبَ التَّنْكِيرِ شَائِعٌ فِي جِنْسِ مَا يُقَالُ هُدًى أَعْظَمُهُ هُدَى مَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا، وَأَدْنَاهُ هُدَى مَنْ دَعَا إِلَى إِمَاطَةِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لَهُ، أَيْ: لِلدَّاعِي (مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ) : فَعَمِلَ بِدَلَالَتِهِ أَوِ امْتَثَلَ أَمْرَهُ (لَا يَنْقُصُ) : بِضَمِّ الْقَافِ (ذَلِكَ) : إِشَارَةٌ إِلَى مَصْدَرِ كَانَ، كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الْأَجْرِ (مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) .
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ تَمْيِيزٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّقْصَ يَأْتِي لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ شَيْئًا مَفْعُولٌ بِهِ أَيْ شَيْئًا مِنْ أُجُورِهِمْ أَوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ شَيْئًا مِنَ النَّقْصِ (وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ) ، أَيْ: مَنْ أَرْشَدَ غَيْرَهُ إِلَى فِعْلِ إِثْمٍ وَإِنْ قَلَّ أَوْ أَمَرَهُ بِهِ أَوْ أَعَانَهُ عَلَيْهِ (كَانَ عَلَيْهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ [لَهُ] : فَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ أَوْ لِلْمُشَاكَلَةِ مِنَ الْإِثْمِ (مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا) .
قَالَ الْقَاضِي: أَفْعَالُ الْعِبَادِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُوجِبَةً لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ إِلَّا أَنَّ عَادَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ جَرَتْ بِرَبْطِهَا بِهَا ارْتِبَاطَ الْمُسَبَّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ، وَفِعْلُ الْعَبْدِ مَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي صُدُورِهِ بِوَجْهٍ، فَكَمَا يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى مَا يُبَاشِرُهُ يَتَرَتَّبُ أَيْضًا عَلَى مَا هُوَ مُسَبَّبٌ عَنْ فِعْلِهِ كَالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ وَالْبَحْثِ عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْجِهَةُ الَّتِي اسْتَوْجَبَ بِهَا الْمُسَبَّبُ الْأَجْرَ غَيْرَ الْجِهَةِ الَّتِي اسْتَوْجَبَ بِهَا الْمُبَاشِرُ لَمْ يَنْقُصْ أَجْرُهُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا اهـ.
وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ لَهُ ﷺ مِنْ مُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ بِحَسَبِ تَضَاعُفِ أَعْمَالِ أُمَّتِهِ بِمَا لَا يُعَدُّ وَلَا يُحَدُّ. وَكَذَا السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَكَذَا بَقِيَّةُ السَّلَفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلَفِ، وَكَذَا الْعُلَمَاءُ الْمُجْتَهِدُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَتْبَاعِهِمْ، وَبِهِ يُعْرَفُ فَضْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى الْمُتَأَخِّرِينَ - فِي كُلِّ طَبَقَةٍ وَحِينٍ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَنْبِيهٌ: لَوْ تَابَ الدَّاعِي لِلْإِثْمِ وَبَقِيَ الْعَمَلُ بِهِ فَهَلْ يَنْقَطِعُ إِثْمُ دَلَالَتِهِ بِتَوْبَتِهِ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا أَوْ لَا لِأَنَّ شَرْطَهَا رَدُّ الظُّلَامَةِ وَالْإِقْلَاعِ وَمَا دَامَ الْعَمَلُ بِدَلَالَتِهِ مَوْجُودًا فَالْفِعْلُ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ وَلَمْ يُقْلِعْ؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَقْلًا وَالْمُنْقَدِحُ الْآنَ الثَّانِي اهـ. وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ أَنْ نَقُولَ بِعَدَمِ صِحَّةِ تَوْبَتِهِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، ثُمَّ رَدُّ الْمَظَالِمِ مُقَيَّدٌ بِالْمُمْكِنِ، وَإِقْلَاعُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ حَتْمًا، وَأَيْضًا اسْتِمْرَارُ ثَوَابِ الِاتِّبَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى اسْتِدَامَةِ رِضَا الْمَتْبُوعِ بِهِ، فَإِذَا تَابَ وَنَدِمَ انْقَطَعَ، كَمَا أَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى الْهُدَى إِنْ وَقَعَ فِي الرَّدَى - نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُ - انْقَطَعَ ثَوَابُ الْمُتَابَعَةِ لَهُ، وَأَيْضًا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْكُفَّارِ دُعَاةً إِلَى الضَّلَالَةِ، وَقُبِلَ مِنْهُمُ الْإِسْلَامُ لِمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، فَالتَّوْبَةُ كَذَلِكَ بَلْ أَقْوَى، فَإِنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 371
١٥٩ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
١٥٩ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، فِي الْأَزْهَارِ: بَدَا بِلَا هَمْزَةٍ أَيْ ظَهَرَ، لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطْنَاهُ بِالْهَمْزَةِ مِنَ الِابْتِدَاءِ، كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: بَدَأَ بِالْهَمْزَةِ مِنَ الِابْتِدَاءِ كَذَا ضَبَطَاهُ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَمَّا بَدَأَ أَوَّلَ الْوَهْلَةِ نَهَضَ بِإِقَامَتِهِ وَالذَّبِّ عَنْهُ نَاسٌ قَلِيلُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَشَرَّدُوهُمْ عَنِ الْبِلَادِ فَأَصْبَحُوا غُرَبَاءَ أَوْ فَيُصْبِحُ أَحَدُهُمْ مُعْتَزِلًا مَهْجُورًا كَالْغُرَبَاءِ، ثُمَّ يَعُودُ آخِرًا إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ لَا يَكَادُ يُوجَدُ مِنَ الْقَائِلِينَ بِهِ إِلَّا الْأَفْرَادُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَسَيَعُودُ) ، أَيْ: فِي آخِرِ الزَّمَانِ (كَمَا بَدَأَ (: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الْحَالَةِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ، لِقِلَّةٍ مَنْ كَانُوا يَتَدَيَّنُونَ بِهِ فِي الْأَوَّلِ وَقِلَّةِ مَنْ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ فِي الْآخَرِ) فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ (: الْمُتَشَبِّثِينَ بِذَيْلِهِ يَعْنِي: الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ لِصَبْرِهِمْ عَلَى الْأَذَى، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْغُرَبَاءِ الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ هَجَرُوا إِلَى اللَّهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ سُنَّتِهِ كَمَا وَرَدَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ الْآتِي لِلتِّرْمِذِيِّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: إِمَّا أَنْ يُسْتَعَارَ الْإِسْلَامُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْغُرْبَةُ هِيَ الْقَرِينَةُ فَيَرْجِعُ مَعْنَى الْوَحْدَةِ وَالْوَحْشَةِ إِلَى نَفْسِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِمَّا أَنْ يَجْرِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَالْكَلَامُ عَلَى التَّشْبِيهِ وَالْوَحْشَةِ بِاعْتِبَارِ ضَعْفِ الْإِسْلَامِ وَقِلَّتِهِ، فَعَلَى هَذَا: غَرِيبًا إِمَّا حَالٌ أَيْ بَدَأَ الْإِسْلَامُ مُشَابِهًا لِلْغَرِيبِ أَوْ مَفْعُولًا مُطْلَقًا أَيْ ظُهُورَ الْغُرَبَاءِ فَرِيدًا وَحِيدًا لَا مَأْوَى لَهُ حَتَّى تَبَوَّأَ دَارَ الْإِيمَانِ. أَعْنِي: طِيبَةً فَطُوبَى لَهُ وَطَابَ عَيْشًا، ثُمَّ أَتَمَّ اللَّهُ نُورَهُ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ فَيَعُودُ آخِرَ الْأَمْرِ وَحِيدًا شَرِيدًا إِلَى طِيبَةَ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لَهُ، وَلَهْفِي عَلَيْهِ كَمَا وَرَدَ: الْإِيمَانُ لَيَأْرِزُ اهـ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 372
١٦٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: (ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ) فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ، وَحَدِيثَيْ مُعَاوِيَةَ وَجَابِرٍ: (لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي) . وَالْآخَرُ (لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي) فِي بَابِ: ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٦٠ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ) : بِالْكَسْرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَرُوِيَ بِالْفَتْحِ، وَحُكِيَ بِالضَّمِّ (إِلَى الْمَدِينَةِ) ، أَيْ: يَأْوِي وَيَنْضَمُّ وَيَنْقَبِضُ وَيَلْتَجِئُ إِلَيْهَا أَيْ تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا) ، أَيْ: ثُقْبِهَا. مِنْ أَرِزَتِ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا إِذَا رَجَعَتْ إِلَى ذَنَبِهَا الْقَهْقَرَى، قِيلَ: هِيَ أَشَدُّ فِرَارًا وَانْضِمَامًا مِنْ غَيْرِهَا، فَلِهَذَا شُبِّهَ بِهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ يَفِرُّونَ بِإِيمَانِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ وِقَايَةً بِهَا عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهَا وَطَنُهُ الَّذِي ظَهَرَ وَقَوِيَ بِهَا، وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ آخِرِ الزَّمَانِ حِينَ يَقِلُّ الْإِسْلَامُ، وَقِيلَ: هَذَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِاجْتِمَاعِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِيهَا، أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَدِينَةِ جَمِيعُ الشَّامِ فَإِنَّهَا مِنَ الشَّامِ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْمَدِينَةُ وَجَوَانِبُهَا وَحَوَالَيْهَا لِيَشْمَلَ مَكَّةَ فَيُوَافِقَ رِوَايَةَ الْحِجَازِ وَهَذَا أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: (ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ) ، أَيْ: إِلَى آخِرِهِ (فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ) : مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: سَنَذْكُرُ (وَحَدِيثَيْ مُعَاوِيَةَ) : بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَجَابِرٍ) : عَطْفٌ عَلَى مُعَاوِيَةَ (لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي) ، أَيْ: أَحَدِهِمَا أَوْ لَهُ هَذَا (وَ) : الْآخَرُ (لَا يَزَالُ) : بِالْيَاءِ أَوِ التَّاءِ (طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي) : كِلَاهُمَا (فِي بَابِ ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) . وَهُوَ اعْتِذَارٌ مُتَضَمِّنٌ لِاعْتِرَاضٍ؛ تَأَمَّلْ.
стр. 373
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٦١ - عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ ﵁ قَالَ: «أُتِي نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: لِتَنَمْ عَيْنُكَ، وَلِتَسْمَعْ أُذُنُكَ، وَلِيَعْقِلْ قَلْبُكَ. قَالَ: (فَنَامَتْ عَيْنِي، وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَعَقَلَ قَلْبِي) . قَالَ: فَقِيلَ لِي: سَيِّدٌ بَنَى دَارًا، فَصَنَعَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَأَرْسَلَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ، دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ، لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَسَخِطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ) . قَالَ: (فَاللَّهُ السَّيِّدُ، وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي، وَالدَّارُ الْإِسْلَامُ، وَالْمَأْدُبَةُ الْجَنَّةُ» ) . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
١٦١ - (عَنْ رَبِيعَةَ) : هُوَ ابْنُ عَمْرٍو (الْجُرَشِيُّ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ نَاحِيَةٌ مِنَ الْيَمَنِ، وَقَدْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ. كَذَا فِي الِاسْتِيعَابِ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (﵁ قَالَ: أُتِيَ) : عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ: أَتَاهُ آتٍ (فَقِيلَ لَهُ) ، أَيْ: لِلنَّبِيِّ ﷺ (لِتَنَمْ عَيْنَكَ، وَلِتَسْمَعْ: بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا (أُذُنُكَ) : بِضَمِّ الذَّالِ وَسُكُونِهَا (وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكَ) . قَالَ الْمُظْهِرُ، أَيْ: أَتَى مَلَكٌ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَمَعْنَاهُ لَا تَنْظُرْ بِعَيْنِكَ إِلَى شَيْءٍ وَلَا تُصْغِ بِأُذُنِكَ إِلَى شَيْءٍ وَلَا تُجْرِ شَيْئًا فِي قَلْبِكَ أَيْ كُنْ حَاضِرًا حُضُورًا تَامًّا لِتَفْهَمَ هَذَا الْمَثَلَ (قَالَ (فَنَامَتْ عَيْنِي) : بِالْإِفْرَادِ، وَفِي نُسْخَةٍ عَيْنَايَ (وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَعَقَلَ قَلْبِي) : يَعْنِي فَأَجَابَهُ بِأَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ، قِيلَ: الْأَوَامِرُ الثَّلَاثَةُ وَارِدَةٌ عَلَى الْجَوَارِحِ ظَاهِرًا وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لَهُ ﵊ بِأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْخِلَالِ الثَّلَاثِ: نَوْمُ الْعَيْنِ وَحُضُورُ السَّمْعِ وَالْقَلْبِ، وَعَلَى هَذَا جَوَابُهُ بِقَوْلِهِ: فَنَامَتْ: أَيِ امْتَثَلَتْ لِمَا أَمَرْتُ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّةَ قَوْلٌ وَلَا جَوَابٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] الْكَشَّافُ: أَخَطَرَ بِبَالِكَ النَّظَرُ فِي الدَّلَائِلِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ وَالْإِسْلَامِ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ فَنَظَرَ فَعَرَفَ، وَالْمَعْنَى فِي الْحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ فِيهِ ﷺ الْمَعَانِيَ فَاجْتَمَعَتْ فِيهِ، كَذَا حَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ، وَرَدَّهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ بِأَنْ يُرَكَّبَ فِي الْجَمَادِ عَقْلٌ وَيُخَاطَبُ، وَيَكُونُ مَعْنَى أَسْلَمَ اسْتَسْلِمْ لِأَمْرِي اسْتِسْلَامًا يَلِيقُ بِخَلَّتِكَ وَجُعِلُ النَّوْمُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ بِهِ الْإِخْبَارُ عَنْهُ، أَيْ: أَنْتَ نَائِمٌ سَامِعٌ وَاعٍ لِأَنَّ الْمَلَكَ إِنَّمَا جَاءَهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِمْرَارِ فِي الْكُلِّ قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ نَوْمَ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا لَا يَسْتَوْلِي عَلَى قُلُوبِهِمْ لَا يَسْتَوْلِي عَلَى أَسْمَاعِهِمْ، وَكَانَ فِي وَجْهِهِ أَنَّ نَوْمَهُمْ إِنَّمَا يَسْتَوْلِي عَلَى ظَوَاهِرَ أَبْدَانِهِمْ، وَمِنْهَا الْعَيْنُ دُونَ اللَّطِيفَةِ الَّتِي تَسْمَعُ لِأَنَّهَا فِي جَوْفِ الرَّأْسِ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ كَالْقَلْبِ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ السَّمَاعَ الْبَاطِنِيَّ غَيْرُ مَسْلُوبٍ عَنْهُ بِالنَّوْمِ فَإِنَّهُ مِنْ أَحْوَالِ الْقَلْبِ، وَأَمَّا السَّمَاعُ الظَّاهِرِيُّ فَمَوْقُوفٌ عَلَى السَّمَاعِ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الظَّاهِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ. (قَالَ) : ﵊ (فَقِيلَ لِي) ، أَيْ: بِطَرِيقِ الْمَثَلِ مِنْ جِهَةِ الْمَلَكِ (سَيِّدٌ) ، أَيْ: سَيِّدٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ كَثِيرُ الْإِحْسَانِ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يَعْنِي هُوَ وَقَوْلُهُ: (بَنَى دَارًا) : صِفَتُهُ أَيْ مِثْلُ سَيِّدٍ بَنَى دَارًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَبَنَى خَبَرُهُ وَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ سَوَّغَهُ كَوْنُهُ فَاعِلًا مَعْنًى (فَصَنَعَ مَأْدُبَةً) : بِضَمِّ الدَّالِ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ أَنَّ طَعَامًا (وَأَرْسَلَ دَاعِيًا) : يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الطَّعَامِ (فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ، دَخَلَ الدَّارَ) : بِالْإِكْرَامِ (وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ) : عَلَى وَجْهِ الْإِنْعَامِ (وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ) : بِسَبَبِ الْإِجَابَةِ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ
стр. 374
(وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ) : تَكَبُّرًا وَعِنَادًا أَوْ جَهْلًا وَاسْتِبْعَادًا (لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ) : بَلْ طُرِدَ مِنَ الْبَابِ (وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ) : بَلْ عُذِّبَ بِالْحِجَابِ (وَسَخَطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ) : فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنْوَاعُ الْعَذَابِ؟ قِيلَ: السُّخْطُ فَوْقَ الْغَضَبِ وَالْمُقْتُ فَوْقَ السُّخْطِ (قَالَ) ، أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ أَوِ الْمَلَكُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ، وَالتَّقْدِيرُ إِنْ أَرَدْتَ بَيَانَ هَذَا الْمِثَالِ (فَاللَّهُ السَّيِّدُ) ، أَيِ: الْبَانِي الْمُرْسِلُ، وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ السَّيِّدِ عَلَيْهِ تَعَالَى (وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي، وَالدَّارُ الْإِسْلَامُ، وَالْمَأْدُبَةُ الْجَنَّةُ) : كَانَ مُقْتَضَى ظَاهِرِ مَقَامِ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَذْكُورَاتِ فِي التَّمْثِيلِ كُلَّهَا مُبْتَدَآتٍ وَيُخْبِرَ عَنْهَا بِالصِّفَاتِ الْمُتَمَيِّزَاتِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَغْيِيرِ الْأُسْلُوبِ أَنَّ اللَّهَ وَمُحَمَّدًا عَلَمَانِ وَالْعَلَمُ لِكَوْنِهِ أَعْرَفَ مِنَ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمَعَانِي فِي الْفَرْقِ بَيْنَ: زَيْدٌ أَخُوكَ، وَعَمْرٌو الْمُنْطَلِقُ، وَعَكْسُهُمَا حَيْثُ قَالُوا وَالضَّابِطُ فِي التَّقْدِيمِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلشَّيْءِ صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِ التَّعْرِيفِ وَعَرَفَ السَّامِعُ اتِّصَافَهُ بِإِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَأَيُّهُمَا كَانَ بِحَيْثُ يَعْرِفُ السَّامِعُ اتِّصَافَ الذَّاتِ بِهِ وَهُوَ كَالطَّالِبِ بِحَسَبِ زَعْمِكَ أَنْ تَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالْأُخْرَى يَجِبُ أَنْ تُقَدِّمَ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَيْهِ تَجْعَلُهُ مُبْتَدَأً، أَوْ أَيُّهُمَا كَانَ بِحَيْثُ يَجْهَلُ اتِّصَافَ الذَّاتِ بِهِ وَهُوَ كَالطَّالِبِ أَنْ تَحْكُمَ بِثُبُوتِهِ لِلذَّاتِ أَوِ انْتِفَائِهِ عَنْهُ يَجِبُ أَنْ يُؤَخِّرَ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَيْهِ فَتَجْعَلَهُ خَبَرًا.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ شَبَّهَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ الْجَنَّةَ بِالدَّارِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِسْلَامَ بِالدَّارِ وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مَأْدُبَةً؟ أُجِيبُ: بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ سَبَبًا لِدُخُولِهَا اكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِالْمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ، وَلَمَّا كَانَ الدَّعْوَةُ إِلَى الْجَنَّةِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ وُضِعَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ، وَلَمَّا كَانَ نَعِيمُ الْجَنَّةِ وَبَهْجَتُهَا هُوَ الْمَطْلُوبُ الْأَصْلِيُّ جَعَلَ الْجَنَّةَ نَفْسَ الْمَأْدُبَةِ مُبَالَغَةً. كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَوْسَعُ مِنَ الْجَنَّةِ. قُلْتُ: هُوَ كَذَلِكَ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ حَدِيثُ: «مَا وَسِعَنِي أَرْضِي وَلَا سَمَائِي وَلَكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ» (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
стр. 375
١٦٢ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ)
ــ
١٦٢ - (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ) : مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْمُهُ أَسْلَمُ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ، كَانَ قِبْطِيًّا وَكَانَ لِلْعَبَّاسِ فَوَهَبَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا بُشِّرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِسْلَامِ عَبَّاسٍ أَعْتَقَهُ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ بَدْرٍ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مَاتَ قَبْلَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِيَسِيرٍ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا أُلْفِيَنَّ) : بِالنُّونِ الْمُؤَكِّدَةِ مِنَ الْإِلْفَاءِ أَيْ لَا أَجِدَنَّ. (أَحَدَكُمْ) : وَهُوَ كَقَوْلِكَ لَا أُرِيَنَّكِ هَاهُنَا نَهَى نَفْسَهُ أَنْ تَرَاهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَالْمُرَادُ نَهْيُهُمْ عَنْ تِلْكَ الْحَالَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ (مُتَّكِئًا) : حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ ثَانٍ (عَلَى أَرِيكَتِهِ) ، أَيْ: سَرِيرِهِ الْمُزَيَّنِ بِالْحُلَلِ وَالْأَثْوَابِ فِي قُبَّةٍ أَوْ بَيْتٍ كَمَا لِلْعَرُوسِ يَعْنِي الَّذِي لَزِمَ الْبَيْتَ وَقَعَدَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ التَّرَفُّهُ وَالدَّعَةُ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُتَكَبِّرِ الْمُتَجَبِّرِ الْقَلِيلِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ (يَأْتِيهِ الْأَمْرُ) ، أَيِ: الشَّأْنُ مِنْ شُئُونِ الدِّينِ، وَقِيلَ اللَّامُ زَائِدَةٌ (مِنْ أَمْرِي) : بَيَانُ الْأَمْرِ أَوْ مَعْنَاهُ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِي أَيِ الشَّأْنِ مِنْ شُئُونِي (مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ) : بَدَلٌ مِنْ أَمْرِي (أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ) : عَطَفَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الشَّأْنَ أَعَمُّ مِنَ الْأَمْرِ (فَيَقُولُ) : مُرَتَّبٌ عَلَى
стр. 376
يَأْتِيهِ، وَالْجُمْلَةُ كَمَا هِيَ حَالٌ أُخْرَى مِنَ الْمَفْعُولِ وَيَكُونُ النَّهْيُ مُنْصَبًّا عَلَى الْمَجْمُوعِ، أَيْ: لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مُتَّكِئٌ وَيَأْتِيهِ الْأَمْرُ فَيَقُولُ (لَا أَدْرِي) ، أَيْ: لَا أَعْلَمُ غَيْرَ الْقُرْآنِ وَلَا أَتَّبِعُ غَيْرَهُ أَوْ لَا أَدْرِي قَوْلَ الرَّسُولِ (مَا وَجَدْنَا) : مَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ (فِي كِتَابِ اللَّهِ) ، أَيِ: الْقُرْآنِ (اتَّبَعْنَاهُ) : يَعْنِي: وَمَا وَجَدْنَاهُ فِي غَيْرِهِ لَا نَتَّبِعُهُ، أَيْ: وَهَذَا أَمْرُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ ﵊ أَوْ نَهَى عَنْهُ لَمْ نَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَا نَتَّبِعْهُ، وَالْمَعْنَى لَا يَجُوزُ الْإِعْرَاضُ عَنْ حَدِيثِهِ ﵊، لِأَنَّ الْمُعْرِضَ عَنْهُ مَعْرِضٌ عَنِ الْقُرْآنِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] وَأَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ بِالْقُرْآنِ، كَذَا فِي الدُّرِّ، ثُمَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ ﵊ كَانَ مُجْتَهِدًا يُنَزِّلُ اجْتِهَادَهُ مَنْزِلَةَ الْوَحْيِ لِأَنَّهُ لَا يُخْطِئُ، وَإِذَا أَخْطَأَ يُنَبِّهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ) . الْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بَالْبَيْهَقِيِّ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ الْمُقَدَّرِ.
стр. 377
١٦٣ - وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ ; أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمُ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ» ) .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: (كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ) .
ــ
١٦٣ - (وَعَنِ الْمِقْدَامِ) : آخِرُهُ مِيمٌ كَأَوَّلِهِ، وَهُوَ أَبُو كَرِيمَةَ عَلَى الْأَشْهَرِ وَهُوَ كِنْدِيٌّ يُعَدُّ فِي أَهْلِ الشَّامِ وَحَدِيثُهُ فِيهِمْ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مَاتَ بِالشَّامِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، وَلَهُ إِحْدَى وَتِسْعُونَ سَنَةً، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (ابْنِ مَعْدِ يكَرِبَ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَأَمَّا الْبَاءُ فَيَجُوزُ كَسْرُهَا مَعَ التَّنْوِينِ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهُ عَلَى الْبِنَاءِ كَذَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ، وَالثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ النُّسَخِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَلَا) : حَرْفُ تَنْبِيهٍ، أَيْ: أُنَبِّهُكُمْ فَتَنَبَّهُوا (إِنِّي أُوتِيتُ) ، أَيْ: أَتَانِيَ اللَّهُ (الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ) ، أَيْ: أُعْطِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَ الْقُرْآنِ - حَالَ كَوْنِهِ مُنْضَمًّا - (مَعَهُ) : وَهُوَ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الْوَحْيِ الْبَاطِنِ غَيْرِ الْمَتْلُوِّ مِثْلَ مَا أُعْطِي مِنَ الظَّاهِرِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ أُوتِيَ الْكِتَابَ وَحْيًا وَأُوتِيَ مِنَ التَّأْوِيلِ مِثْلَهُ، أَيْ: أُذِنَ لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ فِي الْكِتَابِ فَيُعَمِّمَ وَيُخَصِّصَ وَيَزِيدَ وَيَنْقُصَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ وَلُزُومِ قَبُولِهِ كَالظَّاهِرِ الْمَتْلُوِّ مِنَ الْقُرْآنِ يَعْنِي: أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَأَحْكَامًا وَمَوَاعِظَ وَأَمْثَالًا تُمَاثِلُ الْقُرْآنَ فِي كَوْنِهَا وَاجِبَةَ الْقَبُولِ أَوْ فِي الْمِقْدَارِ (أَلَا) : فِي تَكْرِيرِ كَلِمَةِ التَّنْبِيهِ تَوْبِيخٌ وَتَقْرِيعٌ نَشَأَ مِنْ غَضَبٍ عَظِيمٍ عَلَى مَنْ تَرَكَ السُّنَّةَ وَالْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ اسْتِغْنَاءً بِالْكِتَابِ، فَكَيْفَ بِمَنْ رَجَّحَ الرَّأْيَ عَلَى الْحَدِيثِ. كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَلِذَا رَجَّحَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ الْحَدِيثَ وَلَوْ ضَعِيفًا عَلَى الرَّأْيِ وَلَوْ قَوِيًّا (يُوشِكُ) : بِكَسْرِ الشِّينِ وَالْفَتْحُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، أَيْ: يَقْرُبُ (رَجُلٌ شَبْعَانٌ) : بِالضَّمِّ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ.
قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا وَصَفَهُ بِالشِّبَعِ لِأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِمَّا الْبَلَادَةُ وَسُوءُ الْفَهْمِ، وَمِنْ أَسْبَابِهِ الشِّبَعُ وَكَثْرَةُ الْأَكْلِ، وَإِمَّا الْحَمَاقَةُ وَالْبَطَرُ وَمِنْ مُوجِبَاتِهِ التَّنَعُّمُ وَالْغُرُورُ بِالْمَالِ وَالْجَاهِ وَالشِّبَعُ يُكْنَى بِهِ عَنْ ذَلِكَ (عَلَى أَرِيكَتِهِ) ، أَيْ: مُتَّكِئًا أَوْ جَالِسًا عَلَيْهَا، وَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِحَمَاقَةِ الْقَائِلِ وَبَطَرِهِ وَسُوءِ أَدَبِهِ.
стр. 378
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: الْمُتَّكِئُ الْقَاعِدُ الْمُتَقَوِّي عَلَى وِطَاءٍ مُتَمَكِّنًا، وَالْعَامَّةُ لَا تَعْرِفُ الْمُتَّكِئَ إِلَّا مِنْ مَالٍ فِي قُعُودِهِ مُعْتَمِدًا عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ اهـ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاتِّكَاءَ عَامٌّ فِي اللُّغَةِ شَامِلٌ لِكَلَامِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَقَامُ يَخُصُّهُ، وَلِذَا قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: فَقَوْلُهُ ﵊: " «أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا» أَيْ جَالِسًا جُلُوسَ الْمُتَمَكِّنِ الْمُتَرَبِّعِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْهَيْئَاتِ الْمُسْتَدْعِيَةِ لِكَثْرَةِ الْأَكْلِ، بَلْ كَانَ جُلُوسُهُ لِلْأَكْلِ مُسْتَوْفِزًا مُقْعِيًا غَيْرَ مُتَرَبِّعٍ وَلَا مُتَمَكِّنٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمَيْلَ عَلَى شِقٍّ كَمَا يَظُنُّهُ عَوَامُّ الطَّلَبَةِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَقَامَنَا يَقْتَضِي الْمَيْلَ إِلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ النَّاشِئِ عَنِ التَّكَبُّرِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مَنْ كَثُرَ أَكْلُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِمْسَاكِ نَفْسِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " شَبْعَانٌ " كِنَايَةً عَنْ غُرُورِهِ بِكَثْرَةِ عِلْمِهِ وَادِّعَائِهِ أَنْ لَا مَزِيدَ عَلَى فَضْلِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ السَّالِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دَائِمًا حَرِيصًا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَالْجِيعَانِ " فِي طَلَبِ الرِّزْقِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وَقَالَ ﵊: «مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ الْعِلْمِ وَطَالَبُ الدُّنْيَا» : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُبَايَنَةِ بَيْنَهُمَا. (يَقُولُ) ، أَيْ: لِأَصْحَابِهِ وَهُوَ خَبَرٌ يُوشِكُ (عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ) ، أَيِ: الْزَمُوهُ وَاعْمَلُوا بِهِ وَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى غَيْرِهِ (فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ) ، أَيْ: فِي الْقُرْآنِ (مِنْ حَلَالٍ) : بَيَانٌ لِمَا (فَأَحِلُّوهُ) : أَيِ اعْتَقِدُوهُ حَلَالًا أَوْ احْكُمُوا بِأَنَّهُ حَلَالٌ وَاسْتَعْمِلُوهُ (وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ) ، أَيِ: اجْتَنِبُوهُ أَوِ انْسُبُوهُ إِلَى الْحَرَامِ اعْتِقَادًا وَحُكْمًا. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَكَرَهُ رَدًّا عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَوَارِجُ وَأَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِظَوَاهِرِ الْقُرْآنِ وَتَرَكُوا السُّنَّةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْ بَيَانَ الْقُرْآنِ فَتَحَيَّرُوا وَضَلُّوا (وَإِنَّ) : هَذَا ابْتِدَاءُ الْكَلَامِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ وَفِيهِ الْتِفَاتٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي وَهُوَ بِعِيدٌ (مَا حَرَّمَ) .
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: مَا مَوْصُولَةٌ مَعْنًى مَفْصُولَةٌ لَفْظًا أَيْ الَّذِي حَرَّمَهُ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ: فِي (غَيْرِ) الْقُرْآنِ (كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ) ، أَيْ: فِي الْقُرْآنِ وَفِي الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّحْرِيمِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ التَّحْلِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ إِبَاحَتُهَا.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: مَا حَرَّمَ وَأَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَرَّمَ وَأَحَلَّ اللَّهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ (أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمُ الْحِمَارُ) : شُرُوعٌ فِي بَيَانِ مَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَثَرٌ فِي الْكِتَابِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لَا التَّحْدِيدِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ أَيْ أَثَرٌ ظَاهِرٌ وَإِلَّا فَفِي آيَةِ ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] الْأَثَرُ وُجُودٌ وَلَكِنَّهُ خَفِّيٌّ دَقِيقٌ أَدْرَكَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَكَرِهَ لَحْمَ الْخَيْلِ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الْأَهْلِيُّ) : التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ لِنَفْيِ عُمُومِ الْحُكْمِ لِأَنَّ الْبَرِّيَّ حَلَالٌ (وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) ، أَيْ: سِبَاعُ الْوُحُوشِ
стр. 379
كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ أَوْ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطُّيُورِ كَمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَنَّهَا مِنَ الْخَبَائِثِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (وَلَا لُقَطَةُ) : بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَا يُلْتَقَطُ مِمَّا ضَاعَ مِنْ شَخْصٍ بِسُقُوطٍ أَوْ غَفْلَةٍ (مُعَاهِدٍ) ، أَيْ: كَافِرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ بِأَمَانٍ فِي تِجَارَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَفِي مَعْنَاهُ: الذِّمِّيُّ (إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا) ، أَيْ: يَتْرُكُهَا لِمَنْ أَخَذَهَا اسْتِغْنَاءً عَنْهَا بِأَنْ كَانَتْ شَيْئًا حَقِيرًا يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَطْلُبُهُ كَالنَّوَاةِ وَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَنَحْوِهِمَا، فَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَهَذَا تَخْصِيصٌ بِالْإِضَافَةِ وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي لُقَطَةِ الْمُسْلِمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ التَّخْصِيصِ الِاهْتِمَامَ بِشَأْنِ الْمُعَاهَدِ لِعَهْدِهِ لِأَنَّ النَّفْسَ رُبَّمَا تَتَسَاهَلُ فِي لُقَطَتِهِ لِكَوْنِهِ كَافِرًا وَلِأَنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الْمُسَامَحَةِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذِهِ يُمْكِنُ أَخْذُهَا مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] إِذِ الِالْتِقَاطُ اكْتِسَابٌ فَاللُّقَطَةُ مِنَ الْكَسْبِ، وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بِأَنَّ مَنْ تَمَلَّكَ لُقَطَةً بِشُرُوطِهَا لَا يُحَاسَبُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ بِخِلَافِ الدُّيُونِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتٍ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] إِنَّمَا هِيَ فِي الْأَعْمَالِ مِنَ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ مِنْ أَنَّ اللَّامَ لِلْمَنْفَعَةِ وَعَلَى لِلْمَضَرَّةِ مَعَ عَدَمِ مُلَاءَمَتِهِ لِقَوْلِهِ: إِذِ الِالْتِقَاطُ اكْتِسَابٌ وَاللُّقَطَةُ مِنَ الْكَسْبِ (وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ) : أَخْرَجَهُ مِنْ سِيَاقِ الْمَنْهِيَّاتِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: وَلَا يَحِلُّ لِلْمُضِيفِ أَنْ لَا يُكْرِمَ ضَيْفَهُ وَأَبْرَزَهُ فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَلَكِنْ خَارِجٌ مِنْ سَمْتِ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ وَهَدْيِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَيَسْتَأْهِلُ صَاحِبُهُ أَنْ يُخْذَلَ وَيُسْتَهْجَنَ فِعْلُهُ، وَيُجَازَى بِكُلِّ قَبِيحٍ، وَالْمَعْنَى: مَنِ اسْتَضَافَ قَوْمًا (فَعَلَيْهِمْ) : أَيْ عَلَى الْقَوْمِ (أَنْ يُقِرُّوهُ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ أَيْ يُضِيفُوهُ مَنْ قَرَيْتُ الضَّيْفَ قِرًى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ وَقِرَاءً بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ إِذَا أَحْسَنْتَ إِلَيْهِ.
قَالَ الْأَشْرَفُ، أَيْ: سُنَّةً وَاسْتِحْبَابًا لِأَنَّ قِرَى الضَّيْفِ غَيْرُ وَاجِبٍ قَطْعًا لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ " اهـ.
وَقِيلَ: وَاجِبٌ لِأَنَّ كَلِمَةَ عَلَى لِلْوُجُوبِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ. وَأَجَابَ عَنْهُ الْأَكْثَرُونَ الْقَائِلُونَ بِنَدْبِ الْإِضَافَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ» " وَلِقَوْلِهِ ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُضْطَرِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ إِطْعَامُهُ إِجْمَاعًا، وَقِيلَ هَذَا كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ ﵊ كَانَ يَبْعَثُ الْجُيُوشَ إِلَى الْغَزْوِ، وَكَانُوا يَمُرُّونَ فِي طَرِيقِهِمْ بِأَحْيَاءِ الْعَرَبِ لَيْسَ هُنَاكَ سُوقٌ يَشْتَرُونَ مِنْهُ الطَّعَامَ وَلَا مَعَهُمْ زَادٌ، فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَتَهُمْ لِئَلَّا يَنْقَطِعُوا عَنِ الْغَزْوِ، فَلَمَّا قَوِيَ الْإِسْلَامُ وَغَلَبَتِ الشَّفَقَةُ وَالرَّحْمَةُ عَلَى النَّاسِ نُسِخَ الْوُجُوبُ وَبَقِيَ الْجَوَازُ وَالِاسْتِحْبَابُ (فَإِنْ لَمْ يُقْرُوهُ فَلَهُ) ، أَيْ: لِلنَّازِلِ (أَنْ يُعْقِبَهُمْ) : مِنَ الْإِعْقَابِ بِأَنْ يَتْبَعَهُمْ وَيُجَازِيَهُمْ مِنْ صَنِيعِهِ يُقَالُ: أَعْقَبَهُ بِطَاعَتِهِ إِذَا جَازَاهُ، وَرُوِيَ بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْقَافِ (بِمِثْلِ قِرَاهُ) : بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ لَا غَيْرُ. قَالَ فِي نِهَايَةِ الْجَزَرِيِّ، أَيْ: فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ عِوَضًا عَمَّا حَرَمُوهُ مِنَ الْقِرَى، يُقَالُ: عَقَّبَهُمْ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا، وَأَعْقَبَهُمْ إِذَا أَخَذَ مِنْهُمْ عُقْبَى وَعَقَبَةً، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ بَدَلًا عَمَّا فَاتَهُ، وَهَذَا فِي الْمُضْطَرِّ أَوْ مَنْسُوخٌ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ الْآتِي: وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ. . . . إِلَى قَوْلِهِ: إِذَا أَعْطُوكُمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: لِلضَّيْفِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الَّذِينَ
стр. 380
نَزَلَ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ سُكَّانِ الْبَادِيَةِ إِذَا وَضَعَ عَلَيْهِمُ الْإِمَامُ ضِيَافَةَ الْمُسْلِمِ الْمَارِّ بِهِمْ بِقَدْرِ ضِيَافَتِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ يُقَدَّرُ قَهْرًا أَوْ خِفْيَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْأَمْرَ بِأَخْذِ مِقْدَارِ الْقِرَى مِنْ مَالِ الْمَنْزُولِ بِهِ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي نُسِخَتْ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّمَا ذَكَرَ ﷺ مَا حَرَّمَهُ فَأَيْنَ مَا أَحَلَّهُ؟ قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَهُ أَيْضًا بِالنَّصِّ حَيْثُ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا. وَقَالَ: فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ. . . . إِلَخْ. وَعَجِيبٌ مِنَ الطِّيبِيِّ حَيْثُ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِمَا لَا يَدْفَعُهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ النَّظَرِ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فَخُصَّتْ مِنْهَا أَشْيَاءٌ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ وَبَقَى مَا عَدَاهَا فِي مَعْرِضِ التَّحْلِيلِ، وَخُصَّ مِنْهَا بِنَصِّ الْحَدِيثِ بَعْضٌ فَبَقِيَ سَائِرُهَا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، فَكَأَنَّهُ ﵊ نَصَّ عَلَى تَحْلِيلِهَا فَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ اهـ.
وَكَلَامُ الطِّيبِيُّ كَالْمِسْكِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْلِيلِ الِابْتِدَائِيِّ نَصًّا، بَلْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عِلَّةِ التَّحْرِيمِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَهُوَ احْتِيَاجُ النَّاسِ إِلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ تَقْرِيعٌ عَلَى مُخَالَفَتِهِمْ فِي قَبُولِ الْأَمْرِ الْوَاجِبِ وَمُجَازَاةٍ لَهُمْ، بَلْ فِي الْحَقِيقَةِ إِجَازَةٌ لِأَنْ يَأْخُذُ حَقَّهُ بِيَدِ الْقُوَّةِ مِنْهُمْ، فَأَيْنَ هَذَا مِنَ التَّحْلِيلِ الَّذِي هُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ الْحَرَامِ حَلَالًا مَعَ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِالْمُضْطَرِّ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْإِبَاحَةِ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ تَحْلِيلٌ مُخْتَصٌّ بِالْحَدِيثِ مَعَ نَصِّهِ فِي الْكِتَابِ الْقَدِيمِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ (وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ) ، بِالْمَعْنَى (وَكَذَا) : رَوَى نَحْوَهُ (ابْنُ مَاجَهْ) ، لَكِنْ إِلَى قَوْلِهِ: (كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ) .
стр. 381
١٦٤ - وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " «أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ؟ ! أَلَا وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ أَمَرْتُ وَوَعَظْتُ وَنَهَيْتُ عَنَ أَشْيَاءَ إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ إِذَا أَعْطَوْكُمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ» "
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي إِسْنَادِهِ: أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ الْمِصِّيصِيُّ، قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ.
ــ
١٦٤ - (وَعَنِ الْعِرْبَاضِ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ الْبَكَّائِينَ الْمُشْتَاقِينَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: كَبُرَتْ سِنِّي وَوَهَنَ عَظْمِي فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ (ابْنُ سَارِيَةَ) : يُكْنَى أَبَا نَجِيحٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، سَكَنَ الشَّامَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، رَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمَرْوِيَّاتُهُ أَحَدٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ، أَيْ: خَطِيبًا أَوْ خَطَبَ (فَقَالَ: (أَيَحْسَبُ) : بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا أَيْ أَيَظُنُّ (أَحَدُكُمْ) : حَالَ كَوْنِهِ (مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَظُنُّ) : قَالَ الْأَشْرَفُ: بَدَلٌ مِنْ يَحْسَبُ بَدَّلَ الْفِعْلَ مِنَ الْفِعْلِ أَيْ لِلْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] . (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ؟ !) ، أَيِ: الْعَظِيمِ الشَّأْنِ الْكَثِيرِ الْبَيَانِ (أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ (وَإِنِّي) : الْوَاوُ لِلْحَالِ (وَاللَّهِ قَدْ أَمَرْتُ وَوَعَظْتُ وَنَهَيْتُ) : فِيهِ ثَلَاثُ تَأْكِيدَاتٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَاوُ هُنَا بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ فِي " وَإِنَّمَا " فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ لِأَنَّ الْهَمْزَةَ لِلْإِنْكَارِ، أَيْ: هَمْزَةُ أَيَحْسَبُ، وَوَهَمَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: فَالْهَمْزَةُ فِي أَيَحْسَبُ لِلْإِنْكَارِ، وَكَذَا فِي أَلَا، وَحَرْفُ التَّنْبِيهِ مُقْحَمٌ. . . . إِلَخْ. مَعَ مُنَاقَضَتِهِ لِقَوْلِهِ السَّابِقِ مِنْ أَنَّ أَلَا لِلتَّنْبِيهِ مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلَا النَّافِيَةُ تُفِيدُ تَحَقُّقَ مَا بَعْدَهَا، وَمِنْ ثَمَّ صُدِّرَتْ بِمَا يُصَدَّرُ بِهِ جَوَابُ الْقَسَمِ وَمِثْلُهَا (أَمَا) اهـ.
стр. 382
وَوَقَعَ فِي (أَمَا) فِيمَا تَقَدَّمَ كَمَا وَقَعَ هُنَا فِي (أَلَا) ، نَعَمْ أَصْلُ هَذِهِ الْهَمْزَةِ لِلْإِنْكَارِ لِأَنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ أَفَادَتِ التَّحْقِيقَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ لَكِنَّهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلِانْفِصَالِ فَتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ مَزَلَّةٌ لِلرِّجَالِ، وَالْمَعْنَى أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَصَرَ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْقُرْآنِ، وَالْحَالُ أَنِّي قَدْ حَرَّمْتُ، فَأَقْحَمَ حَرْفَ التَّنْبِيهِ الْمُتَضَمِّنَ لِلْإِنْكَارِ بَيْنَ الْحَالِ وَعَامِلِهَا، كَمَا أُقْحِمَ حَرْفُ الْإِنْكَارِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر: ١٩] جَاءَتِ الْهَمْزَةُ مُؤَكِّدَةً مُعَادَةً بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ الْمُتَضَمِّنِ لِلشَّرْطِ وَبَيْنَ الْخَبَرِ، ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ (عَنْ أَشْيَاءَ) : مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ فَحَسْبُ وَمُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ وَالْمَوْعِظَةِ مَحْذُوفٌ أَيْ بِأَشْيَاءَ (إِنَّهَا) ، أَيِ: الْأَشْيَاءَ الْمَأْمُورَةَ وَالْمَنْهِيَّةَ عَلَى لِسَانِي بِالْوَحْيِ الْخَفِيِّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحَيٌّ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (لَمِثْلُ الْقُرْآنِ) : فِي الْمِقْدَارِ (أَوْ أَكْثَرُ) ، أَيْ: بَلُ أَكْثَرُ، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَوْ فِي قَوْلِهِ: أَوْ أَكْثَرُ لَيْسَ لِلشَّكِّ بَلْ إِنَّهُ ﵊ لَا يَزَالُ يَزْدَادُ عِلْمًا طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ، إِلْهَامًا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، وَمُكَاشَفَةً لَحْظَةً فَلَحْظَةً فَكُوشِفَ لَهُ أَنَّ مَا أُوتِيَ مِنَ الْأَحْكَامِ غَيْرَ الْقُرْآنِ مِثْلُهُ، ثُمَّ كُوشِفَ لَهُ بِالزِّيَادَةِ مُتَّصِلًا بِهِ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ. وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] بِنَاءً عَلَى بَقَائِهِ عَلَى عُمُومِهِ أَيْ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ، يُجَابُ بِأَنَّ نِسْبَةَ هَذَا إِلَيْهِ ﷺ إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ وَاسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَلِذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَخْرَجَ مَا يُؤَيِّدُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ " «إِنِّي لَا أُحِلُّ إِلَّا مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَلَا أُحَرِّمُ إِلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ» ". وَقَالَ: جَمِيعُ مَا تَقُولُهُ الْأَئِمَّةُ شَرْحٌ لِلسُّنَّةِ، وَجَمِيعُ السُّنَّةِ شَرْحٌ لِلْقُرْآنِ. وَقَالَ: مَا نَزَلَ بِأَحَدٍ مِنَ الدِّينِ نَازِلَةٌ إِلَّا وَهِيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِحَدِيثٍ أَنْبَأْتُكُمْ بِتَصْدِيقِهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. وَعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: مَا بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَلَى وَجْهِهِ إِلَّا وَجَدْتُ مِصْدَاقَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ) : مِنَ الْإِحْلَالِ (أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا (أَهْلِ الْكِتَابِ) : يَعْنِي أَهْلَ الذِّمَّةِ الَّذِينَ قَبِلُوا الْجِزْيَةَ (إِلَّا بِإِذْنٍ) : كَذَا فِي أَصْلِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ وَلَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ " إِلَّا بِإِذْنِهِمْ " أَيْ إِلَّا أَنْ يَأْذَنُوا لَكُمْ بِالطَّوْعِ وَالرَّغْبَةِ كَمَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ (وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ) : يُرِيدُ الضَّرْبَ الْمَعْرُوفَ بِالْخَشَبِ يَعْنِي لَا يَجُوزُ أَنْ تَضْرِبُوا نِسَاءَهُمْ وَتَأْخُذُوا طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْهُنَّ بِالْقَهْرِ، وَقِيلَ: الضَّرْبُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ يَعْنِي لَا تَظُنُّوا أَنَّ نِسَاءَهُمْ مُحَلَّلَاتٌ لَكُمْ كَنِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ (وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ) ، أَيْ: بِالْقَهْرِ مِنْ بَسَاتِينِهِمْ فَضْلًا عَنْ بَقِيَّةِ أَمْوَالِهِمْ (إِذَا أَعْطَوْكُمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ) ، أَيْ: مِنَ الْجِزْيَةِ، وَالْحَاصِلُ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِإِيذَائِهِمْ فِي الْمَسْكَنِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ إِذَا أَعْطَوُا الْجِزْيَةَ، وَإِذَا أَبَوْا عَنْهَا انْتَقَضَتْ ذِمَّتُهُمْ وَحَلَّ دَمُهُمْ وَمَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ، وَصَارُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي قَوْلٍ صَحِيحٍ. كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا وُضِعَ قَوْلُهُ الَّذِي عَلَيْهِمْ مَوْضِعَ الْجِزْيَةِ لِيُؤْذِنَ بِفَخَامَةِ الْعِلَّةِ، وَبِأَنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ مُعَلَّلٌ بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِمْ، وَلَوْ صَرَّحَ بِهَا لَمْ يُفَخَّمْ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ أَعَمُّ مِنَ الْجِزْيَةِ فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُحْدِثُوا بِيعَةً وَلَا كَنِيسَةً فِي دَارِنَا وَأَنْ يَتَمَيَّزُوا فِي زِيِّهِمْ وَمَرْكَبِهِمْ وَسُرُجِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ فَلَا يَرْكَبُوا خَيْلًا وَلَا يَلْبَسُوا مَا يَخُصُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالشَّرَفِ وَيَرْكَبُوا عَلَى سُرُجٍ كَالْإِكَافِ وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، فَلَا وَجْهَ
стр. 383
لِتَخْصِيصِ الَّذِي عَلَيْهِمْ بِالْجِزْيَةِ فَقَطْ كَمَا لَا يَخْفَى غَايَتُهُ أَنَّهُ وَضَعَ " أَعْطَوْا " مَوْضِعَ " فَعَلُوا " تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْجِزْيَةِ فَإِنَّهَا مُعْظَمُ مَا عَلَيْهِمْ (رَوَاهُ) : كَذَا فِي أَصْلِ الْمِشْكَاةِ بَعْدَ قَوْلِهِ " رَوَاهُ " وَسَبَبُهُ تَقَدَّمَ فِي الْخُطْبَةِ فَأَلْحَقَهُ مِيرَكُ شَاهْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ. وَقَالَ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي إِسْنَادِهِ: أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ الْمِصِّيصِيُّ، تُكُلِّمَ فِيهِ اهـ. وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ الْأَوْلَى نِسْبَةً إِلَى بَلَدٍ بِالشَّامِ.
стр. 384
١٦٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، فَقَالَ " أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» .
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا الصَّلَاةَ.
ــ
١٦٥ - (وَعَنْهُ) ، أَيْ: عَنِ الْعِرْبَاضِ (قَالَ: صَلَّى بِنَا) ، أَيْ: إِمَامًا لَنَا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ) : أَقْحَمَ ذَاتَ لِدَفْعِ الْمَجَازِ أَيْ نَهَارًا (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) : تَأْكِيدٌ (فَوَعَظَنَا) : بِفَتْحِ الظَّاءِ، أَيْ: نَصَحَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَوْعِظَةً) : وَهِيَ مَا يُوعَظُ بِهِ (بَلِيغَةً) ، أَيْ: تَامَّةً فِي الْإِنْذَارِ قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، أَيْ: وَجِيزَةَ اللَّفْظِ كَثِيرَةَ الْمَعْنَى، أَوْ بَالَغَ فِيهَا بِالْإِنْذَارِ وَالتَّخْوِيفِ اهـ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ، أَيْ: بَالَغَ فِيهَا الْإِنْذَارَ وَالتَّخْوِيفَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣] وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَجَازَةَ اللَّفْظِ وَكَثْرَةَ الْمَعْنَى مَعَ الْبَيَانِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي لِأَنَّ قَوْلَهُ. ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ يَدُلُّ عَلَيْهِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِرَادَةِ وَجَازَةِ اللَّفْظِ عَدَمُ إِفَادَةِ الْإِنْذَارِ الَّذِي سَبَّبَ الْبُكَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (ذَرَفَتْ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ، أَيْ: دَمَعَتْ (مِنْهَا الْعُيُونُ) : أَيْ: سَالَتْ مِنْ مَوْعِظَتِهِ دُمُوعُ الْعُيُونِ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣] (وَوَجِلَتْ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْوَجَلُ خَوْفٌ مَعَ الْحَذَرِ، أَيْ: خَافَتْ (مِنْهَا الْقُلُوبُ) : لِتَأْثِيرِهَا فِي النُّفُوسِ وَاسْتِيلَاءِ سُلْطَانِ الْخَشْيَةِ عَلَى الْقُلُوبِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَرَفَتْ أَيْ سَالَتْ وَإِسْنَادُهُ إِلَى الْعُيُونِ مُبَالَغَةٌ وَفَائِدَةُ تَقْدِيمِ ذَرَفَتْ عَلَى وَجِلَتْ وَحَقُّهُ التَّأْخِيرُ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَوْعِظَةَ أَثَّرَتْ فِيهِمْ وَأَخَذَتْ بِمَجَامِعِهِمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْخِيرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: وَجْهُهُ أَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ، يُسْتَدَلُّ بِالدَّمْعَةِ عَلَى الْخَشْيَةِ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ مُوجِبَةً لِلدَّمْعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَقَالَ رَجُلٌ) : وَفِي الْأَرْبَعِينَ: قُلْنَا (يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّ) : بِالتَّشْدِيدِ (هَذِهِ) ، أَيْ: هَذِهِ الْمَوْعِظَةَ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ: كَأَنَّهَا (مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ) : بِالْإِضَافَةِ فَإِنَّ الْمُوَدِّعَ بِكَسْرِ الدَّالِ عِنْدَ الْوَدَاعِ لَا يَتْرُكُ شَيْئًا مِمَّا يَهُمُّ الْمُوَدَّعَ بِفَتْحِ الدَّالِ، أَيْ: كَأَنَّكَ تُوَدِّعُنَا بِهَا لِمَا رَأَى مِنْ مُبَالَغَتِهِ ﵊ فِي الْمَوْعِظَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا رَأَى تَأْثِيرًا عَجِيبًا مِنْ مَوْعِظَتِهِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ بِحَيْثُ أَدَّى إِلَى الْبُكَاءِ، فَشَبَّهَ مَوْعِظَتَهُ بِمَوْعِظَةِ الْمُوَدِّعِ مِنْ حَيْثُ التَّأْثِيرِ وَالْبُكَاءِ، أَوْ لِكَمَالِ التَّأْثِيرِ تَوَهَّمُوا أَنَّهُ يُعْقِبُهُ الزَّوَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ. (فَأَوْصِنَا) ، أَيْ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمُرْنَا بِمَا فِيهِ كَمَالُ صَلَاحِنَا وَإِرْشَادِنَا فِي مَعَاشِنَا وَمَعَادِنَا بَعْدَ وَفَاتِكَ (فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ) ، أَيْ: بِمَخَافَتِهِ وَالْحَذَرِ مِنْ مَعْصِيَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبِلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] ، أَيْ: بِأَقْسَامِهَا الثَّلَاثَةِ وَهِيَ تَقْوَى الشِّرْكِ وَالْمَعْصِيَةِ وَتَقْوَى مَا سِوَى اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لِأَنَّ التَّقْوَى امْتِثَالُ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَنْهِيَّاتِ، وَهِيَ زَادُ الْآخِرَةِ تُنْجِيكُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَبَدِيِّ وَتُبَلِّغُكُمْ إِلَى دَارِ السُّرُورِ، وَتُوجِبُ الْوُصُولَ إِلَى عَتَبَةِ الْجَلَالِ وَالْقُدْسِ وَالنُّورِ.
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مَنِ التُّقَى ... وَلَاقَيْتَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ كَمِثْلِهِ ... وَأَنَّكَ لَمْ تَرْصُدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا
стр. 385
وَهَذَا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ (وَالسَّمْعِ) ، أَيْ: وَبِسَمْعِ كَلَامِ الْخَلِيفَةِ وَالْأَئِمَّةِ (وَالطَّاعَةِ) : لِمَنْ يَلِي أَمْرَكُمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ عَادِلًا كَانَ أَوْ جَائِرًا، وَإِلَّا فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ مُحَارَبَتُهُ (وَإِنْ كَانَ) ، أَيِ: الْمُطَاعُ يَعْنِي مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ عَلَيْكُمْ (عَبْدًا حَبَشِيًّا) : فَأَطِيعُوهُ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى نَسَبِهِ بَلِ اتَّبِعُوهُ عَلَى حَسَبِهِ، وَلَفْظُ الْأَرْبَعِينَ: وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، أَيْ: صَارَ أَمِيرًا أَدْنَى الْخَلْقِ فَلَا تَسْتَنْكِفُوا عَنْ طَاعَتِهِ، أَوْ وَلَوِ اسْتَوْلَى عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ فَأَطِيعُوهُ مَخَافَةَ إِثَارَةِ الْفِتَنِ، فَعَلَيْكُمُ الصَّبْرَ وَالْمُدَارَاةَ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَقِيلَ: هَذَا وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الْحَثِّ وَالْمُبَالَغَةِ عَلَى طَاعَةِ الْحُكَّامِ لَا التَّحْقِيقِ، كَمَا قَالَ ﵊: " «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» " وَقِيلَ: ذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ الْمَثَلِ إِذْ لَا تَصِحُّ خِلَافَتُهُ لِقَوْلِهِ ﵊: " «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» ".
قُلْتُ: لَكِنْ تَصِحُّ إِمَارَتُهُ مُطْلَقًا، وَكَذَا خِلَافَتُهُ تَسَلُّطًا كَمَا هُوَ فِي زَمَانِنَا فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ، وَكَأَنَّ ذِكْرَ الْحَبَشِيِّ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ وَإِلَّا فَغَيْرُهُ كَالزِّنْجِيِّ أَخَسُّ مِنْهُ فَكَانَ أَنْسَبَ بِالْغَايَةِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْحَبَشِيِّ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ فَيَشْمَلُ الزِّنْجِيَّ وَالْهِنْدِيَّ ثُمَّ التُّرْكِيُّ يُعْلَمُ بِالْأَوْلَى (فَإِنَّهُ) ، أَيِ: الشَّأْنُ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ: وَإِنَّهُ بِالْوَاوِ (مَنْ يَعِشْ) : بِالْجَزْمِ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ: بِالرَّفْعِ (مِنْكُمْ بَعْدِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ جَعَلَ مَا بَعْدَهَا سَبَبًا لِمَا قَبْلَهَا يَعْنِي مِنْ قَبْلِ وَصِيَّتِي وَالْتَزَمَ تَقْوَى اللَّهِ وَقَبِلَ طَاعَةَ مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُهَيِّجِ الْفِتَنَ أَمِنَ بَعْدِي مِمَّا يَرَى مِنَ الِاخْتِلَافِ الْكَثِيرِ وَتَشَعُّبِ الْآرَاءِ وَوُقُوعِ الْفِتَنِ اهـ.
وَكَتَبَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ تَحْتَهُ: وَفِيهِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ نَظَرِهِ ظَاهِرًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَدَمُ ظُهُورِ وَجْهِ السَّبَبِيَّةِ، وَثَانِيهِمَا: عَدَمُ وُجُودِ الْأَنْسَبِيَّةِ بَلِ الْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ، وَالْمَعْنَى الْزَمُوا مَا قُلْتُ لَكُمْ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي لَا مُخَلِّصَ لَهُ إِلَّا نَصِيحَتِي (فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا) ، أَيْ: مِنْ مِلَلٍ كَثِيرَةٍ كَلٌّ يَدَّعِي اعْتِقَادًا غَيْرَ اعْتِقَادِ الْآخَرِ إِشَارَةٌ إِلَى ظُهُورِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ أَوِ اخْتِلَافًا عَلَى الْمُلْكِ وَغَيْرِهِ كَثِيرًا يُؤَدِّي إِلَى الْفِتَنِ وَظُهُورِ الْمَعَاصِي وَوَلَايَةُ الْأَخِسَّاءِ حَتَّى الْعَبِيدِ (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي) : اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْزَمُوا، أَيْ: بِطَرِيقَتِي الثَّابِتَةِ عَنِّي وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا (وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ) : فَإِنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا إِلَّا بِسُنَّتِي، فَالْإِضَافَةُ إِلَيْهِمْ إِمَّا لِعَمَلِهِمْ بِهَا أَوْ لِاسْتِنْبَاطِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ إِيَّاهَا (الْمَهْدِيِّينَ) ، أَيِ: الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ إِلَى الْحَقِّ. قِيلَ: هُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ ﵃، لِأَنَّهُ ﵊ قَالَ: " «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً» ". وَقَدِ انْتَهَتْ بِخِلَافَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَوَصْفُ الرَّاشِدِينَ بِالْمَهْدِيِّينَ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ هَادِيًا لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ يُوقِعُ الْخَلْقَ فِي الضَّلَالَةِ مِنْ حَيْثُ لَا يُشْعِرُهُمْ، الصِّدِّيقُ، وَالْفَارُوقُ، وَذُو النُّورَيْنِ، وَأَبُو تُرَابٍ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى ﵃ أَجْمَعِينَ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ وَوَاظَبُوا عَلَى اسْتِمْطَارِ الرَّحْمَةِ مِنَ السَّحَابَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَخَصَّهُمُ اللَّهُ بِالْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ وَالْمَنَاقِبِ السَّنِيَّةِ، وَوَطَّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَشَاقِّ الْأَسْفَارِ وَمُجَاهَدَةِ الْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَنْصِبِ الْخِلَافَةِ الْعُظْمَى وَالتَّصَدِّي إِلَى الرِّئَاسَةِ الْكُبْرَى لِإِشَاعَةِ أَحْكَامِ الدِّينِ وَإِعْلَاءِ أَعْلَامِ الشَّرْعِ الْمَتِينِ رَفْعًا لِدَرَجَاتِهِمْ وَازْدِيَادًا لِمَثُوبَاتِهِمْ، فَخَلَفَ الصِّدِّيقُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ لِحِلْمِهِ وَوَقَارِهِ وَسَلَامَةِ نَفْسِهِ وَلِينِ جَانِبِهِ، وَالنَّاسُ مُتَحَيِّرُونَ، وَالْأَمْرُ غَيْرُ ثَابِتٍ، فَحَمَى بَيْضَةَ الدِّينِ، وَدَفَعَ غَوَائِلَ الْمُرْتَدِّينَ، وَجَمَعَ الْقُرْآنَ، وَفَتَحَ بَعْضَ الْبُلْدَانِ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ الْفَارُوقَ لِأَنَّ الْأَمْرَ مُسْتَقِرٌّ وَالْقَوْمَ مُطِيعٌ وَالْفِتَنَ سَاكِنَةٌ، فَرَفَعَ رَايَاتِ
стр. 386
الْإِسْلَامِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَفَتَحَ أَكْثَرَ أَقَالِيمِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي غَايَةِ الصَّلَابَةِ وَكَمَالِ الشَّهَامَةِ وَمَتَانَةِ الرَّأْيِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ، وَخِلَافَتُهُ عَشْرُ سِنِينَ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ، ثُمَّ بُويِعَ لِعُثْمَانَ لِشَوْكَةِ أَقَارِبِهِ، وَبَسْطِ أَيْدِي بَنِي أُمَيَّةَ فِي حُكُومَةِ الْأَطْرَافِ زَمَنَ عُمَرَ، فَلَوْ نُصِّبَ غَيْرُهُ لَوَقَعَ الْخِلَافُ، فَأَظْهَرَ فِي مُدَّةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً مَسَاعِيَ جَمِيلَةً فِي الْإِسْلَامِ، وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ بَعْدَ مَا كَانُوا يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى حَسَبِ السَّمَاعِ، وَبَعْثَ بِهِ إِلَى الْآفَاقِ، وَلِذَا نُسِبَ الْمُصْحَفُ إِلَيْهِ وَجُعِلَ إِمَامًا، ثُمَّ بُويِعَ بَعْدَهُ لِعَلِيٍّ الْمُرْتَضَى لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُمْ، وَسَيِّدُ بَنِي هَاشِمٍ مَا خَلَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَوْ لَمْ تَقَعِ الْخِلَافَةُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ لَحُرِمَ وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْصِبِ الْمَشْكُورِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِهِ ﵊ الدَّالِّ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ لِأَنَّهُ اسْتَبَدَّ بِذِكْرِ هَذَا الْغَيْبِ وَقَالَ: " «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا» وَوَقَعَ كَمَا قَالَ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَأَمَّا ذِكْرُ سُنَّتِهِمْ فِي مُقَابَلَةِ سُنَّتِهِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُخْطِئُونَ فِيمَا يَسْتَخْرِجُونَ مِنْ سُنَّتِهِ، أَوْ أَنَّ بَعْضَهَا مَا اشْتَهَرَ إِلَّا فِي زَمَانِهِمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ انْتِفَاءَ الْخِلَافَةِ عَنْ غَيْرِهِمْ حَتَّى يُنَافِيَ قَوْلَهُ ﵊ (يَكُونُ فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً) بَلِ الْمُرَادُ تَصْوِيبُ رَأْيِهِمْ وَتَفْخِيمُ أَمْرِهِمْ، وَقِيلَ هُمْ وَمَنْ عَلَى سِيرَتِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ ﵊ فِي إِحْيَاءِ الْحَقِّ وَإِرْشَادِ الْخَلْقِ وَإِعْلَاءِ الدِّينِ وَكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ (تَمَسَّكُوا بِهَا) أَيْ بِالسُّنَّةِ (وَعَضُّوا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى السُّنَّةِ (بِالنَّوَاجِذِ) جَمْعُ نَاجِذَةٍ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الضِّرْسُ الْأَخِيرُ وَقِيلَ هُوَ مُرَادِفُ السِّنِّ وَقِيلَ هُوَ النَّابُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا تَكَامَلَتِ الْأَسْنَانُ فَهِيَ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ ثَنَايَا وَهِيَ أَوَائِلُ مَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مِنْ مُقَدَّمِ الْفَمِ ثُمَّ أَرْبَعُ رَبَاعِيَاتٍ ثُمَّ أَرْبَعُ أَنْيَابٍ ثُمَّ أَرْبَعُ ضَوَاحِكَ ثُمَّ اثْنَا عَشَرَ أَضْرَاسًا وَهُوَ الطَّوَاحِنُ ثُمَّ أَرْبَعُ نَوَاجِذَ وَهِيَ أَوَاخِرُ الْأَسْنَانِ كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَضْرَاسَ عِشْرُونَ شَامِلَةً لِلضَّوَاحِكِ وَالطَّوَاحِنِ وَالنَّوَاجِذِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْعَضُّ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةٍ مُلَازَمَةِ السُّنَّةِ وَالتَّمَسُّكِ بِهَا فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا أَخْذًا شَدِيدًا يَأْخُذُهُ بِأَسْنَانِهِ أَوِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذِهِ الْوَصِيَّةِ بِالصَّبْرِ عَلَى مُقَاسَاةِ الشَّدَائِدِ كَمَنْ أَصَابَهُ أَلَمٌ لَا يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَهُ فَيَشْتَدُّ بِأَسْنَانِهِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: هَذِهِ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَ حَالَ الْمُتَمَسِّكِ بِالسُّنَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِجَمِيعِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَيْهِ بِحَالِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِشَيْءٍ بِيَدَيْهِ ثُمَّ يَسْتَعِينُ عَلَيْهِ اسْتِظْهَارًا لِلْمُحَافَظَةِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ تَحْصِيلَ السَّعَادَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ بَعْدَ مُجَانَبَةِ كُلِّ صَاحِبٍ يُفْسِدُ الْوَقْتَ، وَكُلِّ سَبَبٍ يَفْتِنُ الْقَلْبَ مَنُوطٌ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ بِأَنْ يَمْتَثِلَ الْأَمْرَ عَلَى مُشَاهَدَةِ الْإِخْلَاصِ، وَيُعَظِّمَ النَّهْيَ عَلَى مُشَاهَدَةِ الْخَوْفِ، بَلْ بِاقْتِفَاءِ آثَارِ الرَّسُولِ ﷺ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ وَمَصَادِرِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَيَقَظَتِهِ وَمَنَامِهِ، حَتَّى يُلْجِمَ النَّفْسَ بِلِجَامِ الشَّرِيعَةِ، وَيَتَجَلَّى فِي الْقَلْبِ حَقَائِقُ الْحَقِيقَةِ بِتَصْقِيلِهِ مِنْ مَفَاتِحِ الْأَخْلَاقِ وَتَنْوِيرِهِ بِأَنْوَارِ الذِّكْرِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْوِفَاقِ، وَتَعْدِيلِهِ بِإِجْرَاءِ جَمِيعِ حَرَكَاتِ الْجَوَارِحِ عَلَى قَانُونِ الْعَدْلِ حَتَّى يُحْدِثَ فِيهِ هَيْئَةً عَادِلَةً مَسْنُونَةً مِنْ آثَارِ الْفَضْلِ، يَسْتَعِدُّ لِقَبُولِ الْمَعَارِفِ وَالْحَقَائِقِ، وَيَصْلُحُ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ رُوحُ اللَّهِ الْمَخْصُوصُ بِسُلُوكِ أَحْسَنِ الطَّرَائِقِ، هَذَا وَقِيلَ: تَمَسَّكُوا وَعَضُّوا فِعْلَا مَاضٍ صِفَتَانِ لِلْخُلَفَاءِ (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ) : عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: فَعَلَيْكُمْ لِلتَّقْرِيرِ وَالتَّوْكِيدِ، أَيِ: احْذَرُوا عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي أُحْدِثَتْ عَلَى خِلَافِ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَاتَّقُوا أَحْدَاثَهَا (فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ) ، أَيْ: فِي الشَّرِيعَةِ (وَكُلَّ بِدْعَةٍ) : بِنَصْبِ كُلَّ، وَقِيلَ: بِرَفْعِهِ (ضَلَالَةٌ) : إِلَّا مَا خُصَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
стр. 387
(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُمَا) ، أَيِ: التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (لَمْ يَذْكُرَا الصَّلَاةَ) ، أَيْ: لَمْ يُورِدَا أَوَّلَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُ الْعِرْبَاضِ: " صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ " بَلْ قَالَا: " وَعَظَنَا كَمَا فِي " الْمَصَابِيحِ "، فَإِنَّهُ افْتَتَحَ بِقَوْلِهِ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
стр. 388
١٦٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا. ثُمَّ قَالَ: " هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ "، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَقَالَ: " هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ "، وَقَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الْآيَةَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
١٦٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَّ لَنَا) ، أَيْ: لِأَجْلِنَا تَعْلِيمًا وَتَفْهِيمًا وَتَقْرِيبًا لِأَنَّ التَّمْثِيلَ يَجْعَلُ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَعْنَى كَالْمَحْسُوسِ مِنَ الْمُشَاهَدِ فِي الْمَبْنَى (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا) ، أَيْ: مُسْتَوِيًا مُسْتَقِيمًا (ثُمَّ قَالَ: (هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ) ، أَيْ: هَذَا الرَّأْيُ الْقَوِيمُ وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُمَا الِاعْتِقَادُ الْحَقُّ وَالْعَمَلُ الصَّالِحِ، وَهَذَا الْخَطُّ لَمَّا كَانَ مِثَالًا سَمَّاهُ سَبِيلَ اللَّهِ. كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هَذَا هُوَ الْخَطُّ الْمُسْتَوِي، وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا مَثَلُ سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مَثَلًا، وَقِيلَ: تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ مَعْكُوسٌ أَيْ سَبِيلُ اللَّهِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ وَأَصْحَابُهُ مِثْلُ الْخَطِّ فِي كَوْنِهِ عَلَى غَايَةِ الِاسْتِقَامَةِ (ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا) ، أَيْ: سَبْعَةً صِغَارًا مُنْحَرِفَةً (عَنْ يَمِينِهِ) ، أَيْ: عَنْ يَمِينِ الْخَطِّ الْمُسْتَوِي (وَعَنْ شِمَالِهِ) : كَذَلِكَ (وَقَالَ: (هَذِهِ) ، أَيِ: الْخُطُوطُ (سُبُلٌ) ، أَيْ: غَيْرُ سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ سَبِيلٌ لِلشَّيْطَانِ لِقَوْلِهِ (عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ) ، أَيْ: رَأْسِهِ (مِنْهَا) ، أَيْ: مِنَ السُّبُلِ (شَيْطَانٌ) : مِنَ الشَّيَاطِينِ (" يَدْعُو ") ذَلِكَ الشَّيْطَانُ النَّاسَ (إِلَيْهِ) ، أَيْ: إِلَى سَبِيلٍ مِنَ السُّبُلِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَبِيلَ اللَّهِ وَسَطٌ لَيْسَ فِيهِ تَفْرِيطٌ وَلَا إِفْرَاطٌ، بَلْ فِيهِ التَّوْحِيدُ وَالِاسْتِقَامَةُ وَمُرَاعَاةُ الْجَانِبَيْنِ فِي الْجَادَّةِ، وَسُبُلُ أَهْلِ الْبِدَعِ مَائِلَةٌ إِلَى الْجَوَانِبِ، وَفِيهَا تَقْصِيرٌ وَغُلُوٌّ وَمَيْلٌ وَانْحِرَافٌ وَتَعَدُّدٌ وَاخْتِلَافٌ، كَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْمُعَطِّلَةِ وَالْمُشَبِّهَةِ. (وَقَرَأَ) ، أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَنَّ هَذَا: بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ، وَتَقْدِيرُهُ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ، أَوْ يُقَدَّرُ اللَّامُ، وَبِالْكَسْرِ اسْتِئْنَافٌ، وَبِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ عَلَى أَنَّ فِيهِ ضَمِيرَ الْقِصَّةِ وَهَذَا رَفْعٌ وَقَوْلُهُ: صِرَاطِي خَبَرٌ وَهُوَ بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا ﴿صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى التَّنْبِيهِ أَوِ الْإِشَارَةِ فَاتَّبِعُوهُ، أَيْ: صِرَاطِي وَسَبِيلِي (الْآيَةَ) : بَعْدَهَا ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] أَيْ سُبُلَ الشَّيَاطِينِ الْمُنْحَرِفَةَ الزَّائِغَةَ الْمُتَشَعِّبَةَ مِنْ طُرُقِ الشِّرْكِ وَالْبِدْعَةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا ﷺ بِقَوْلِهِ: " «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا الَّتِي عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ أَنَا وَأَصْحَابِي» " وَبِهَذَا الْحَدِيثِ يَنْدَفِعُ زَعْمُ كُلِّ فَرِيقٍ أَنَّهُ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ عَنْ سَبِيلِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ سَبِيلِ الْحَقِّ مَعَ السُّبُلِ الْبَاطِلَةِ. ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ، أَيِ: اللَّهُ ﴿بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] أَيْ لِكَيْ تَتَّقُوهُ، أَيْ: عَذَابَهُ أَوْ مُخَالَفَتَهُ أَوْ سَبِيلَ غَيْرِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 389
١٦٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» ) . رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةَ) ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي (أَرْبَعِينِهِ) هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ (الْحُجَّةِ) .
بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
ــ
١٦٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ) ، أَيْ: مَيْلُ نَفْسِهِ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَهْوِي صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا إِلَى الدَّاهِيَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ إِلَى الْهَاوِيَةِ، فَكَأَنَّهُ مِنْ هَوِيَ يَهْوِي هَوًى إِذَا سَقَطَ (تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ) . يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى نَفْيِ أَصْلِ الْإِيمَانِ، أَيْ: حَتَّى يَكُونَ تَابِعًا مُقْتَدِيًا لِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ عَنِ اعْتِقَادٍ لَا عَنْ إِكْرَاهٍ وَخَوْفِ سَيْفٍ كَالْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ نَفْيُ الْكَمَالِ، أَيْ: لَا يَكْمُلُ إِيمَانُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَكُونَ مَيْلُ نَفْسِهِ، أَيْ: مَا تَشْتَهِيهِ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنْ وَافَقَهَا هَوَاهُ اشْتَغَلَ بِهَا لِشَرْعِيَّتِهَا لَا لِأَنَّهَا هَوًى، وَإِنْ خَالَفَهَا اجْتَنَبَ هَوَاهُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلًا. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: أَيْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ - الَّذِي مِنْ أَصْلِ صِفَاتِهِ النَّفْسَانِيَّةِ بَلِ الْمَعْبُودُ الْبَاطِلُ الْمُطَاعُ وَالْمَحْبُوبُ الِاتِّبَاعِ - تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ السُّنَّةِ الزَّهْرَاءِ، وَالْمِلَّةِ النَّقِيَّةِ الْبَيْضَاءِ، حَتَّى تَصِيرَ هُمُومُهُ الْمُخْتَلِفَةُ وَخَوَاطِرُهُ الْمُتَفَرِّقَةُ الَّتِي تَنْبَعِثُ عَنْ هَوَى النَّفْسِ وَمَيْلِ الطَّبْعِ هَمًّا وَاحِدًا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ رَبِّهِ، وَاتِّبَاعِ شَرْعِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَشَفَقَةً عَلَى خَلْقِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
كَانَتْ لِقَلْبِيَ أَهْوَاءٌ مُفَرَّقَةٌ ... فَاسْتَجْمَعَتْ مُذْ رَأَتْكَ الْعَيْنُ أَهْوَاي
فَصَارَ يَحْسُدُنِي مَنْ كُنْتُ أَحْسُدُهُ ... وَصِرْتُ مَوْلَى الْوَرَى مُذْ صِرْتَ مَوْلَايَ
تَرَكْتُ لِلنَّاسِ دُنْيَاهُمْ وَدِينَهُمُ ... شُغُلًا بِحُبِّكَ يَا دِينِي وَدُنْيَايَ
فَلَا يَمِيلُ إِلَّا بِحُكْمِ الدِّينِ، وَلَا يَهْوَى إِلَّا بِأَمْرِ الشَّرْعِ فَهُوَ الْمُؤْمِنُ الْفَرِيدُ الْكَامِلُ الْوَحِيدُ الَّذِي يُقْبَلُ مِنْهُ التَّوْحِيدُ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ مُتَّبِعًا لِمَا هَوَاهُ مُبْتَغِيًا لِمَرْضَاهُ فَهُوَ الْكَافِرُ الْخَاسِرُ فِي دُنْيَاهُ وَعُقْبَاهُ، وَمَنِ اتَّبَعَ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ دُونَ فُرُوعِهَا فَهُوَ الْفَاسِقُ، وَمَنْ عَكَسَ فَهُوَ الْمُنَافِقُ. وَالْهَوَى: مَصْدَرُ هَوِيَهُ: أَحَبَّهُ، وَشَرَعًا: مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ، وَأَمَّا إِذَا وَافَقَ الْهَوَى الْهُدَى، فَهُوَ كَالزُّبْدَةِ عَلَى الْعَسَلِ، وَنُورٌ عَلَى نُورٍ، وَسُرُورٌ عَلَى سُرُورٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] فَإِنْ قُلْتَ: مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ نُورٌ وَضِيَاءٌ، وَالْهَوَى ظُلْمَةٌ فِي النَّفْسِ انْبَعَثَتْ مِنَ الطَّبِيعَةِ التُّرَابِيَّةِ، فَكَيْفَ يَصِيرُ الْهَوَى الظُّلْمَانِيُّ تَبَعًا لِلدِّينِ النُّورَانِيِّ؟ فَالْجَوَابُ: إِنَّ النَّفْسَ لَطِيفَةٌ فِي الْجَسَدِ تَوَلَّدَتْ مِنِ ازْدِوَاجِ الرُّوحِ وَالْبَدَنِ وَاتِّصَالِهِمَا، وَالرُّوحُ لَطِيفٌ رُوحَانِيٌّ، وَالْجَسَدُ كَثِيفٌ ظُلْمَانِيُّ، وَالنَّفْسُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَهُمَا تَقْبَلُ اللَّطَافَةَ الرُّوحَانِيَّةَ وَالْكَثَافَةَ الْجُسْمَانِيَّةَ، وَهَذَا هُوَ التَّسْوِيَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] بِاسْتِقَامَةِ الرُّوحِ الرُّوحَانِيِّ فِي الرُّوحِ الْحَيَوَانِيِّ بِمَثَابَةِ النُّورِ فِي الْحَدَقَةِ، فَصَارَتِ النَّفْسُ بِهَا قَابِلَةً لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْفُجُورِ وَالتَّقْوَى، فَإِذَا غَلَبَ الْأَمْرُ بِالتَّقْوَى صَارَتْ مُزَكَّاةً عَنِ الْكُدُورَاتِ مُتَوَجِّهَةً إِلَى الدِّينِ قَابِلَةً لِلْيَقِينِ، وَإِذَا غَلَبَ الْأَمْرُ بِالْفُجُورِ صَارَتْ تَابِعَةً لِلْهَوَى، سَالِكَةً مَسَالِكِ الرَّدَى.
نُونُ الْهَوَانِ مِنَ الْهَوَى مَسْرُوقَةٌ ... فَصَرِيعُ كُلِّ هَوًى صَرِيعُ هَوَانِ
قَالَ الرَّاغِبُ: مَثَلُ النَّفْسِ فِي الْبَدَنِ كَمُجَاهِدٍ بُعِثَ إِلَى ثَغْرٍ يُرَاعِي أَحْوَالَهُ، وَعَقْلُهُ خَلِيفَةُ مَوْلَاهُ، ضُمَّ إِلَيْهِ لِيُرْشِدَهُ وَيَشْهَدَ لَهُ وَعَلَيْهِ إِذَا عَادَ، وَبَدَنُهُ بِمَنْزِلَةِ مَرْكُوبِهِ، وَهَوَاهُ وَشَهَوَاتُهُ سَائِسٌ خَبِيثٌ ضُمَّ إِلَيْهِ لِيَفْقِدَ مَرْكُوبَهُ، وَالْقُرْآنُ
стр. 390
بِمَنْزِلَةِ كِتَابٍ أَتَاهُ عَنْ مَوْلَاهُ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً، وَالنَّبِيُّ رَسُولٌ أَتَاهُ بِالْكِتَابِ الْمُبِينِ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ جَاهَدَ أَعْدَاءَهُ وَقَهَرَهُمْ وَاسْتَعَانَ بِالْعَقْلِ وَسَلَّطَهُ حُمِدَ إِذَا عَادَ إِلَى حَضْرَتِهِ وَهُوَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ، وَمَنْ ضَيَّعَ ثَغْرَهُ وَأَهْمَلَ رَعِيَّتَهُ وَصَرَفَ هَمَّهُ إِلَى تَفَقُّدِ مَرْكُوبِهِ، وَأَقَامَ سَائِسَ الْمَرْكُوبِ مَقَامَ خَلِيفَةِ رَبِّهِ، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ. (رَوَاهُ) ، أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) ، أَيْ: بِإِسْنَادِهِ (وَقَالَ النَّوَوِيُّ) : بِالْقَصْرِ وَيَجُوزُ مَدُّهُ (فِي أَرْبَعِينِهِ) ، أَيِ: الْأَرْبَعِينَ حَدِيثًا الَّذِي صَنَّفَهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَيْنَاهُ) : بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ وَقِيلَ مَجْهُولٌ (فِي كِتَابِ الْحُجَّةِ) ، أَيْ: فِي اتِّبَاعِ الْمَحَجَّةِ اسْمُ كِتَابٍ لِأَبِي الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْأَصْفَهَانِيِّ التَّيْمِيِّ (بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ) .
следующие страницы →