Полный текст (8 767 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الْإِسْلَامِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَفَتَحَ أَكْثَرَ أَقَالِيمِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي غَايَةِ الصَّلَابَةِ وَكَمَالِ الشَّهَامَةِ وَمَتَانَةِ الرَّأْيِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ، وَخِلَافَتُهُ عَشْرُ سِنِينَ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ، ثُمَّ بُويِعَ لِعُثْمَانَ لِشَوْكَةِ أَقَارِبِهِ، وَبَسْطِ أَيْدِي بَنِي أُمَيَّةَ فِي حُكُومَةِ الْأَطْرَافِ زَمَنَ عُمَرَ، فَلَوْ نُصِّبَ غَيْرُهُ لَوَقَعَ الْخِلَافُ، فَأَظْهَرَ فِي مُدَّةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً مَسَاعِيَ جَمِيلَةً فِي الْإِسْلَامِ، وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ بَعْدَ مَا كَانُوا يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى حَسَبِ السَّمَاعِ، وَبَعْثَ بِهِ إِلَى الْآفَاقِ، وَلِذَا نُسِبَ الْمُصْحَفُ إِلَيْهِ وَجُعِلَ إِمَامًا، ثُمَّ بُويِعَ بَعْدَهُ لِعَلِيٍّ الْمُرْتَضَى لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُمْ، وَسَيِّدُ بَنِي هَاشِمٍ مَا خَلَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَوْ لَمْ تَقَعِ الْخِلَافَةُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ لَحُرِمَ وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْصِبِ الْمَشْكُورِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مُعْجِزَاتِهِ ﵊ الدَّالِّ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ لِأَنَّهُ اسْتَبَدَّ بِذِكْرِ هَذَا الْغَيْبِ وَقَالَ: " «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا» وَوَقَعَ كَمَا قَالَ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَأَمَّا ذِكْرُ سُنَّتِهِمْ فِي مُقَابَلَةِ سُنَّتِهِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُخْطِئُونَ فِيمَا يَسْتَخْرِجُونَ مِنْ سُنَّتِهِ، أَوْ أَنَّ بَعْضَهَا مَا اشْتَهَرَ إِلَّا فِي زَمَانِهِمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ انْتِفَاءَ الْخِلَافَةِ عَنْ غَيْرِهِمْ حَتَّى يُنَافِيَ قَوْلَهُ ﵊ (يَكُونُ فِي أُمَّتِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً) بَلِ الْمُرَادُ تَصْوِيبُ رَأْيِهِمْ وَتَفْخِيمُ أَمْرِهِمْ، وَقِيلَ هُمْ وَمَنْ عَلَى سِيرَتِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ ﵊ فِي إِحْيَاءِ الْحَقِّ وَإِرْشَادِ الْخَلْقِ وَإِعْلَاءِ الدِّينِ وَكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ (تَمَسَّكُوا بِهَا) أَيْ بِالسُّنَّةِ (وَعَضُّوا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى السُّنَّةِ (بِالنَّوَاجِذِ) جَمْعُ نَاجِذَةٍ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الضِّرْسُ الْأَخِيرُ وَقِيلَ هُوَ مُرَادِفُ السِّنِّ وَقِيلَ هُوَ النَّابُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا تَكَامَلَتِ الْأَسْنَانُ فَهِيَ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ ثَنَايَا وَهِيَ أَوَائِلُ مَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مِنْ مُقَدَّمِ الْفَمِ ثُمَّ أَرْبَعُ رَبَاعِيَاتٍ ثُمَّ أَرْبَعُ أَنْيَابٍ ثُمَّ أَرْبَعُ ضَوَاحِكَ ثُمَّ اثْنَا عَشَرَ أَضْرَاسًا وَهُوَ الطَّوَاحِنُ ثُمَّ أَرْبَعُ نَوَاجِذَ وَهِيَ أَوَاخِرُ الْأَسْنَانِ كَذَا نَقَلَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَضْرَاسَ عِشْرُونَ شَامِلَةً لِلضَّوَاحِكِ وَالطَّوَاحِنِ وَالنَّوَاجِذِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْعَضُّ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةٍ مُلَازَمَةِ السُّنَّةِ وَالتَّمَسُّكِ بِهَا فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا أَخْذًا شَدِيدًا يَأْخُذُهُ بِأَسْنَانِهِ أَوِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذِهِ الْوَصِيَّةِ بِالصَّبْرِ عَلَى مُقَاسَاةِ الشَّدَائِدِ كَمَنْ أَصَابَهُ أَلَمٌ لَا يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرَهُ فَيَشْتَدُّ بِأَسْنَانِهِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: هَذِهِ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَ حَالَ الْمُتَمَسِّكِ بِالسُّنَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِجَمِيعِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَيْهِ بِحَالِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِشَيْءٍ بِيَدَيْهِ ثُمَّ يَسْتَعِينُ عَلَيْهِ اسْتِظْهَارًا لِلْمُحَافَظَةِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ تَحْصِيلَ السَّعَادَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ بَعْدَ مُجَانَبَةِ كُلِّ صَاحِبٍ يُفْسِدُ الْوَقْتَ، وَكُلِّ سَبَبٍ يَفْتِنُ الْقَلْبَ مَنُوطٌ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ بِأَنْ يَمْتَثِلَ الْأَمْرَ عَلَى مُشَاهَدَةِ الْإِخْلَاصِ، وَيُعَظِّمَ النَّهْيَ عَلَى مُشَاهَدَةِ الْخَوْفِ، بَلْ بِاقْتِفَاءِ آثَارِ الرَّسُولِ ﷺ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ وَمَصَادِرِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَيَقَظَتِهِ وَمَنَامِهِ، حَتَّى يُلْجِمَ النَّفْسَ بِلِجَامِ الشَّرِيعَةِ، وَيَتَجَلَّى فِي الْقَلْبِ حَقَائِقُ الْحَقِيقَةِ بِتَصْقِيلِهِ مِنْ مَفَاتِحِ الْأَخْلَاقِ وَتَنْوِيرِهِ بِأَنْوَارِ الذِّكْرِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْوِفَاقِ، وَتَعْدِيلِهِ بِإِجْرَاءِ جَمِيعِ حَرَكَاتِ الْجَوَارِحِ عَلَى قَانُونِ الْعَدْلِ حَتَّى يُحْدِثَ فِيهِ هَيْئَةً عَادِلَةً مَسْنُونَةً مِنْ آثَارِ الْفَضْلِ، يَسْتَعِدُّ لِقَبُولِ الْمَعَارِفِ وَالْحَقَائِقِ، وَيَصْلُحُ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ رُوحُ اللَّهِ الْمَخْصُوصُ بِسُلُوكِ أَحْسَنِ الطَّرَائِقِ، هَذَا وَقِيلَ: تَمَسَّكُوا وَعَضُّوا فِعْلَا مَاضٍ صِفَتَانِ لِلْخُلَفَاءِ (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ) : عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: فَعَلَيْكُمْ لِلتَّقْرِيرِ وَالتَّوْكِيدِ، أَيِ: احْذَرُوا عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي أُحْدِثَتْ عَلَى خِلَافِ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَاتَّقُوا أَحْدَاثَهَا (فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ) ، أَيْ: فِي الشَّرِيعَةِ (وَكُلَّ بِدْعَةٍ) : بِنَصْبِ كُلَّ، وَقِيلَ: بِرَفْعِهِ (ضَلَالَةٌ) : إِلَّا مَا خُصَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
стр. 387
(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُمَا) ، أَيِ: التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (لَمْ يَذْكُرَا الصَّلَاةَ) ، أَيْ: لَمْ يُورِدَا أَوَّلَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُ الْعِرْبَاضِ: " صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ " بَلْ قَالَا: " وَعَظَنَا كَمَا فِي " الْمَصَابِيحِ "، فَإِنَّهُ افْتَتَحَ بِقَوْلِهِ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
стр. 388
١٦٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا. ثُمَّ قَالَ: " هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ "، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَقَالَ: " هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ "، وَقَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الْآيَةَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
١٦٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَّ لَنَا) ، أَيْ: لِأَجْلِنَا تَعْلِيمًا وَتَفْهِيمًا وَتَقْرِيبًا لِأَنَّ التَّمْثِيلَ يَجْعَلُ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَعْنَى كَالْمَحْسُوسِ مِنَ الْمُشَاهَدِ فِي الْمَبْنَى (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا) ، أَيْ: مُسْتَوِيًا مُسْتَقِيمًا (ثُمَّ قَالَ: (هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ) ، أَيْ: هَذَا الرَّأْيُ الْقَوِيمُ وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُمَا الِاعْتِقَادُ الْحَقُّ وَالْعَمَلُ الصَّالِحِ، وَهَذَا الْخَطُّ لَمَّا كَانَ مِثَالًا سَمَّاهُ سَبِيلَ اللَّهِ. كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هَذَا هُوَ الْخَطُّ الْمُسْتَوِي، وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا مَثَلُ سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مَثَلًا، وَقِيلَ: تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ مَعْكُوسٌ أَيْ سَبِيلُ اللَّهِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ وَأَصْحَابُهُ مِثْلُ الْخَطِّ فِي كَوْنِهِ عَلَى غَايَةِ الِاسْتِقَامَةِ (ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا) ، أَيْ: سَبْعَةً صِغَارًا مُنْحَرِفَةً (عَنْ يَمِينِهِ) ، أَيْ: عَنْ يَمِينِ الْخَطِّ الْمُسْتَوِي (وَعَنْ شِمَالِهِ) : كَذَلِكَ (وَقَالَ: (هَذِهِ) ، أَيِ: الْخُطُوطُ (سُبُلٌ) ، أَيْ: غَيْرُ سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ سَبِيلٌ لِلشَّيْطَانِ لِقَوْلِهِ (عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ) ، أَيْ: رَأْسِهِ (مِنْهَا) ، أَيْ: مِنَ السُّبُلِ (شَيْطَانٌ) : مِنَ الشَّيَاطِينِ (" يَدْعُو ") ذَلِكَ الشَّيْطَانُ النَّاسَ (إِلَيْهِ) ، أَيْ: إِلَى سَبِيلٍ مِنَ السُّبُلِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَبِيلَ اللَّهِ وَسَطٌ لَيْسَ فِيهِ تَفْرِيطٌ وَلَا إِفْرَاطٌ، بَلْ فِيهِ التَّوْحِيدُ وَالِاسْتِقَامَةُ وَمُرَاعَاةُ الْجَانِبَيْنِ فِي الْجَادَّةِ، وَسُبُلُ أَهْلِ الْبِدَعِ مَائِلَةٌ إِلَى الْجَوَانِبِ، وَفِيهَا تَقْصِيرٌ وَغُلُوٌّ وَمَيْلٌ وَانْحِرَافٌ وَتَعَدُّدٌ وَاخْتِلَافٌ، كَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْمُعَطِّلَةِ وَالْمُشَبِّهَةِ. (وَقَرَأَ) ، أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ حِكَايَةً عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَنَّ هَذَا: بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ، وَتَقْدِيرُهُ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ، أَوْ يُقَدَّرُ اللَّامُ، وَبِالْكَسْرِ اسْتِئْنَافٌ، وَبِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ عَلَى أَنَّ فِيهِ ضَمِيرَ الْقِصَّةِ وَهَذَا رَفْعٌ وَقَوْلُهُ: صِرَاطِي خَبَرٌ وَهُوَ بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا ﴿صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى التَّنْبِيهِ أَوِ الْإِشَارَةِ فَاتَّبِعُوهُ، أَيْ: صِرَاطِي وَسَبِيلِي (الْآيَةَ) : بَعْدَهَا ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] أَيْ سُبُلَ الشَّيَاطِينِ الْمُنْحَرِفَةَ الزَّائِغَةَ الْمُتَشَعِّبَةَ مِنْ طُرُقِ الشِّرْكِ وَالْبِدْعَةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا ﷺ بِقَوْلِهِ: " «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا الَّتِي عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ أَنَا وَأَصْحَابِي» " وَبِهَذَا الْحَدِيثِ يَنْدَفِعُ زَعْمُ كُلِّ فَرِيقٍ أَنَّهُ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ عَنْ سَبِيلِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ سَبِيلِ الْحَقِّ مَعَ السُّبُلِ الْبَاطِلَةِ. ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ، أَيِ: اللَّهُ ﴿بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] أَيْ لِكَيْ تَتَّقُوهُ، أَيْ: عَذَابَهُ أَوْ مُخَالَفَتَهُ أَوْ سَبِيلَ غَيْرِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 389
١٦٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» ) . رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةَ) ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي (أَرْبَعِينِهِ) هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ (الْحُجَّةِ) .
بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
ــ
١٦٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ) ، أَيْ: مَيْلُ نَفْسِهِ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَهْوِي صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا إِلَى الدَّاهِيَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ إِلَى الْهَاوِيَةِ، فَكَأَنَّهُ مِنْ هَوِيَ يَهْوِي هَوًى إِذَا سَقَطَ (تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ) . يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى نَفْيِ أَصْلِ الْإِيمَانِ، أَيْ: حَتَّى يَكُونَ تَابِعًا مُقْتَدِيًا لِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الشَّرْعِ عَنِ اعْتِقَادٍ لَا عَنْ إِكْرَاهٍ وَخَوْفِ سَيْفٍ كَالْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ نَفْيُ الْكَمَالِ، أَيْ: لَا يَكْمُلُ إِيمَانُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَكُونَ مَيْلُ نَفْسِهِ، أَيْ: مَا تَشْتَهِيهِ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنْ وَافَقَهَا هَوَاهُ اشْتَغَلَ بِهَا لِشَرْعِيَّتِهَا لَا لِأَنَّهَا هَوًى، وَإِنْ خَالَفَهَا اجْتَنَبَ هَوَاهُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُؤْمِنًا كَامِلًا. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: أَيْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ - الَّذِي مِنْ أَصْلِ صِفَاتِهِ النَّفْسَانِيَّةِ بَلِ الْمَعْبُودُ الْبَاطِلُ الْمُطَاعُ وَالْمَحْبُوبُ الِاتِّبَاعِ - تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ السُّنَّةِ الزَّهْرَاءِ، وَالْمِلَّةِ النَّقِيَّةِ الْبَيْضَاءِ، حَتَّى تَصِيرَ هُمُومُهُ الْمُخْتَلِفَةُ وَخَوَاطِرُهُ الْمُتَفَرِّقَةُ الَّتِي تَنْبَعِثُ عَنْ هَوَى النَّفْسِ وَمَيْلِ الطَّبْعِ هَمًّا وَاحِدًا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ رَبِّهِ، وَاتِّبَاعِ شَرْعِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَشَفَقَةً عَلَى خَلْقِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
كَانَتْ لِقَلْبِيَ أَهْوَاءٌ مُفَرَّقَةٌ ... فَاسْتَجْمَعَتْ مُذْ رَأَتْكَ الْعَيْنُ أَهْوَاي
فَصَارَ يَحْسُدُنِي مَنْ كُنْتُ أَحْسُدُهُ ... وَصِرْتُ مَوْلَى الْوَرَى مُذْ صِرْتَ مَوْلَايَ
تَرَكْتُ لِلنَّاسِ دُنْيَاهُمْ وَدِينَهُمُ ... شُغُلًا بِحُبِّكَ يَا دِينِي وَدُنْيَايَ
فَلَا يَمِيلُ إِلَّا بِحُكْمِ الدِّينِ، وَلَا يَهْوَى إِلَّا بِأَمْرِ الشَّرْعِ فَهُوَ الْمُؤْمِنُ الْفَرِيدُ الْكَامِلُ الْوَحِيدُ الَّذِي يُقْبَلُ مِنْهُ التَّوْحِيدُ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ مُتَّبِعًا لِمَا هَوَاهُ مُبْتَغِيًا لِمَرْضَاهُ فَهُوَ الْكَافِرُ الْخَاسِرُ فِي دُنْيَاهُ وَعُقْبَاهُ، وَمَنِ اتَّبَعَ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ دُونَ فُرُوعِهَا فَهُوَ الْفَاسِقُ، وَمَنْ عَكَسَ فَهُوَ الْمُنَافِقُ. وَالْهَوَى: مَصْدَرُ هَوِيَهُ: أَحَبَّهُ، وَشَرَعًا: مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ، وَأَمَّا إِذَا وَافَقَ الْهَوَى الْهُدَى، فَهُوَ كَالزُّبْدَةِ عَلَى الْعَسَلِ، وَنُورٌ عَلَى نُورٍ، وَسُرُورٌ عَلَى سُرُورٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] فَإِنْ قُلْتَ: مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ نُورٌ وَضِيَاءٌ، وَالْهَوَى ظُلْمَةٌ فِي النَّفْسِ انْبَعَثَتْ مِنَ الطَّبِيعَةِ التُّرَابِيَّةِ، فَكَيْفَ يَصِيرُ الْهَوَى الظُّلْمَانِيُّ تَبَعًا لِلدِّينِ النُّورَانِيِّ؟ فَالْجَوَابُ: إِنَّ النَّفْسَ لَطِيفَةٌ فِي الْجَسَدِ تَوَلَّدَتْ مِنِ ازْدِوَاجِ الرُّوحِ وَالْبَدَنِ وَاتِّصَالِهِمَا، وَالرُّوحُ لَطِيفٌ رُوحَانِيٌّ، وَالْجَسَدُ كَثِيفٌ ظُلْمَانِيُّ، وَالنَّفْسُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَهُمَا تَقْبَلُ اللَّطَافَةَ الرُّوحَانِيَّةَ وَالْكَثَافَةَ الْجُسْمَانِيَّةَ، وَهَذَا هُوَ التَّسْوِيَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] بِاسْتِقَامَةِ الرُّوحِ الرُّوحَانِيِّ فِي الرُّوحِ الْحَيَوَانِيِّ بِمَثَابَةِ النُّورِ فِي الْحَدَقَةِ، فَصَارَتِ النَّفْسُ بِهَا قَابِلَةً لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْفُجُورِ وَالتَّقْوَى، فَإِذَا غَلَبَ الْأَمْرُ بِالتَّقْوَى صَارَتْ مُزَكَّاةً عَنِ الْكُدُورَاتِ مُتَوَجِّهَةً إِلَى الدِّينِ قَابِلَةً لِلْيَقِينِ، وَإِذَا غَلَبَ الْأَمْرُ بِالْفُجُورِ صَارَتْ تَابِعَةً لِلْهَوَى، سَالِكَةً مَسَالِكِ الرَّدَى.
نُونُ الْهَوَانِ مِنَ الْهَوَى مَسْرُوقَةٌ ... فَصَرِيعُ كُلِّ هَوًى صَرِيعُ هَوَانِ
قَالَ الرَّاغِبُ: مَثَلُ النَّفْسِ فِي الْبَدَنِ كَمُجَاهِدٍ بُعِثَ إِلَى ثَغْرٍ يُرَاعِي أَحْوَالَهُ، وَعَقْلُهُ خَلِيفَةُ مَوْلَاهُ، ضُمَّ إِلَيْهِ لِيُرْشِدَهُ وَيَشْهَدَ لَهُ وَعَلَيْهِ إِذَا عَادَ، وَبَدَنُهُ بِمَنْزِلَةِ مَرْكُوبِهِ، وَهَوَاهُ وَشَهَوَاتُهُ سَائِسٌ خَبِيثٌ ضُمَّ إِلَيْهِ لِيَفْقِدَ مَرْكُوبَهُ، وَالْقُرْآنُ
стр. 390
بِمَنْزِلَةِ كِتَابٍ أَتَاهُ عَنْ مَوْلَاهُ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً، وَالنَّبِيُّ رَسُولٌ أَتَاهُ بِالْكِتَابِ الْمُبِينِ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ جَاهَدَ أَعْدَاءَهُ وَقَهَرَهُمْ وَاسْتَعَانَ بِالْعَقْلِ وَسَلَّطَهُ حُمِدَ إِذَا عَادَ إِلَى حَضْرَتِهِ وَهُوَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ، وَمَنْ ضَيَّعَ ثَغْرَهُ وَأَهْمَلَ رَعِيَّتَهُ وَصَرَفَ هَمَّهُ إِلَى تَفَقُّدِ مَرْكُوبِهِ، وَأَقَامَ سَائِسَ الْمَرْكُوبِ مَقَامَ خَلِيفَةِ رَبِّهِ، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ. (رَوَاهُ) ، أَيِ: الْبَغَوِيُّ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) ، أَيْ: بِإِسْنَادِهِ (وَقَالَ النَّوَوِيُّ) : بِالْقَصْرِ وَيَجُوزُ مَدُّهُ (فِي أَرْبَعِينِهِ) ، أَيِ: الْأَرْبَعِينَ حَدِيثًا الَّذِي صَنَّفَهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَيْنَاهُ) : بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ وَقِيلَ مَجْهُولٌ (فِي كِتَابِ الْحُجَّةِ) ، أَيْ: فِي اتِّبَاعِ الْمَحَجَّةِ اسْمُ كِتَابٍ لِأَبِي الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْأَصْفَهَانِيِّ التَّيْمِيِّ (بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ) .
стр. 391
١٦٨ - وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي، فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً لَا (يَرْضَاهَا) اللَّهُ وَرَسُولُهُ، كَانَ عَلَيْهِ (مِنَ الْإِثْمِ) مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ (أَوْزَارِهِمْ) شَيْئًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٦٨ - (وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: حَارِثٌ (الْمُزَنِيُّ) : أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَدَنِيٌّ، سَكَنَ بِالْإِسْتِعْرَى وَرَاءَ الْمَدِينَةِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ الْوَقَّاصِ، مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ وَلَهُ ثَمَانُونَ سَنَةً. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ أَحْيَا سُنَّةً) ، أَيْ: مَنْ أَظْهَرَهَا وَأَشَاعَهَا بِالْقَوْلِ أَوِ الْعَمَلِ (مِنْ سُنَّتِي) : قَالَ الْأَشْرَفُ: ظَاهِرُ النَّظْمِ يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ مِنْ سُنَنِي، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ اهـ. فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهَا الْجِنْسُ، أَيْ: طَرِيقَةً مِنَ الطُّرُقِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيَّ وَاجِبَةً أَوْ مَنْدُوبَةً أُخِذَتْ عَنِّي بِنَصٍّ أَوِ اسْتِنْبَاطٍ، كَمَا أَفَادَهُ إِضَافَةُ سُنَّةٍ إِلَى الضَّمِيرِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْعُمُومِ (قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي) ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: تُرِكَتْ تِلْكَ السُّنَّةُ عَنِ الْعَمَلِ بِهَا يَعْنِي مَنْ أَحْيَاهَا مِنْ بَعْدِي بِالْعَمَلِ بِهَا أَوْ حَثَّ الْغَيْرَ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا (فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ) ، أَيِ: الثَّوَابِ الْكَامِلِ (مِثْلَ أُجُورِ مَنْ عَمِلَ بِهَا) ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَشْمَلُ بِإِطْلَاقِهِ الْعُمَّالَ قَبْلَ الْإِحْيَاءِ وَبَعْدِهِ، وَفِيهِ أَنَّ شُمُولَهُ لِمَا قَبْلَ الْإِحْيَاءِ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ) : مُتَعَدٍّ وَيُحْتَمَلُ اللُّزُومُ (مِنْ أُجُورِهِمْ) : مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، أَيْ: مِنْ أُجُورِ مَنْ عَمِلَ بِهَا فَأَفْرَدَ أَوَّلًا رِعَايَةً لِلَفْظِهِ وَجَمَعَ ثَانِيًا لِمَعْنَاهُ (شَيْئًا) : مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ بِاعْتِبَارِ الدَّلَالَةِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْحَثِّ وَلِلْعَامِلِينَ بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ، فَلَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ حَتَّى يُتَوَهَّمَ أَنَّ حُصُولَ أَحَدِهِمَا يَنْقُصُ الْآخَرَ (وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً) : يُرْوَى بِالْإِضَافَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنْصَبَ نَعْتًا وَمَنْعُوتًا وَهِيَ مَا أَنْكَرَهُ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ كَالْبِنَاءِ عَلَى الْقُبُورِ وَتَجْصِيصِهَا وَقَيْدُ الْبِدْعَةِ بِالضَّلَالَةِ لِإِخْرَاجِ الْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ كَالْمَنَارَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (لَا يَرْضَاهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ) : صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِلضَّلَالَةِ أَوِ احْتِرَازِيَّةٌ لِلْبِدْعَةِ (كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ) ، أَيِ: الْوِزْرِ (مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ) ، أَيْ: ذَلِكَ الْإِثْمُ (مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا) :
стр. 392
مَفْعُولٌ بِهِ لَا غَيْرُ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ سَبَبًا فِي إِيجَادِ شَيْءٍ صَحَّتْ نِسْبَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ إِلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ وَبِدَوَامِ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ يُضَاعَفُ ثَوَابُهُ وَعِقَابُهُ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِيهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : أَيْ عَنْ بِلَالٍ.
стр. 393
١٦٩ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
ــ
١٦٩ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) ، أَيِ: ابْنِ عَوْفٍ مُزَنِيٍّ مَدَنِيٍّ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) .، أَيْ: جَدُّ كَثِيرٍ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ، كَانَ قَدِيمَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢] رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّارِحُونَ: فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ مِلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ زَيْدَ بْنَ مِلْحَةَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. كَذَا فِي التَّهْذِيبِ، وَعَدَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّابِعِينَ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نُسْخَةٌ مَوْضُوعَةٌ، وَأَمَّا التِّرْمِذِيُّ فَرَوَى عَنْ حَدِيثِهِ: " «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» "، وَصَحَّحَهُ، فَلِذَا لَا يَعْتَمِدُ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَصْحِيحِهِ، كَذَا فِي مِيزَانِ الِاعْتِدَالِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ مُلْحَةَ جَاهِلِيٌّ لَمْ يُدْرِكِ الْإِسْلَامَ.
стр. 394
١٧٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ مِعْقَلَ الْأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ.
إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ وَهُمُ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٧٠ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) : هُوَ مُزَنِيٌّ، كَانَ قَدِيمَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢] سَكَنَ الْمَدِينَةِ وَمَاتَ بِهَا فِي آخِرَ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ وَكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَحُكِيَ الْفَتْحُ وَالضَّمُّ، أَيْ: يَنْضَمُّ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وَاسْتِيلَاءِ الْكَفَرَةِ (إِلَى الْحِجَازِ) : وَهُوَ اسْمُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَحَوَالَيْهِمَا مِنَ الْبِلَادِ، وَسُمِّيتْ حِجَازًا لِأَنَّهَا حَجَزَتْ أَيْ مَنَعَتْ وَفَصَلَتْ بَيْنَ بِلَادِ نَجْدٍ وَالْغَوْرِ قِيلَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ إِنْ سُلِّمَ أَنَّ الدِّينَ وَالْإِيمَانَ مُتَرَادِفَانِ أَنَّهُ يَأْرِزُ أَوَّلًا إِلَى الْحِجَازِ أَجْمَعَ، ثُمَّ إِلَى الْمَدِينَةِ لِأَنَّهَا مُسْتَقَرُّهُ أَوَّلًا فَعَادَ إِلَيْهَا لِتَكَوُّنَ مُسْتَقَرَّهُ آخِرًا أَيْضًا، فَإِنَّ النِّهَايَةَ هِيَ الرُّجُوعُ إِلَى الْبِدَايَةِ، وَلِأَنَّ الْمَدِينَةَ مَغِيبُ النُّبُوَّةِ فَتَصِيرُ مَغِيبَ الشَّرِيعَةِ (كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ) : جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: وَاللَّهِ لَيَعْتَصِمَنَّ (الدِّينُ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: عَطْفٌ عَلَى لَيَأْرِزُ أَوْ عَلَى إِنَّ وَمَعْمُولَهَا، أَيْ: لَيَتَحَصَّنَنَّ وَيَنْضَمَّ وَيَلْتَجِئَ الدِّينُ، أَبْرَزَهُ وَحَقُّهُ الْإِضْمَارُ إِعْلَامًا بِعَظِيمِ شَرَفِهِ وَمَزِيدِ فَخَامَتِهِ، وَمِنْ ثَمَّ ضُوعِفَتْ أَدَوَاتُ التَّأْكِيدِ وَأُتِيَ بِالْقَسَمِ الْمُقَدَّرِ (مِنَ الْحِجَازِ) ، أَيْ: بِمَكَانٍ مِنْهُ أَوْ مَكَانًا مِنْهُ، يُقَالُ: عَقَلَ الْوَعْلُ أَيِ امْتَنَعَ بِالْجِبَالِ الْعَوَالِي يَعْقِلُ عُقُولًا، أَيْ: لَيَمْتَنِعَنَّ بِالْحِجَازِ وَيَتَّخِذَنَّ مِنْهُ حِصْنًا وَمَلْجَأً (مَعْقِلَ الْأُرْوِيَّةِ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَتُكْسَرُ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْأُنْثَى مِنَ الْمَعِزِ الْجَبَلِيِّ، وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْعَقْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ مَكَانٍ أَيْ كَاتِّخَاذِ الْأُرْوِيَّةِ (مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ) : حِصْنًا، وَخَصَّ الْأُرْوِيَّةَ دُونَ الْوَعْلِ لِأَنَّهَا أَقْدَرُ مِنَ الذَّكَرِ عَلَى التَّمَكُّنِ مِنَ الْجِبَالِ الْوَعِرَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الدِّينَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وَاسْتِيلَاءِ الْكَفَرَةِ وَالظَّلَمَةِ عَلَى بِلَادِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَعُودُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا بَدَأَ مِنْهُ.
стр. 395
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ بَعْدَ انْضِمَامِ أَهْلِ الدِّينِ إِلَى الْحِجَازِ يَنْقَرِضُونَ عَنْهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ فِيهِ أَحَدٌ (إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ) : بِالْهَمْزَةِ هُوَ الصَّحِيحُ (غَرِيبًا) : أَيْ: كَالْغَرِيبِ أَوْ حَالٍ (وَسَيَعُودُ) ، أَيْ: غَرِيبًا (كَمَا بَدَأَ) ، يَعْنِي: إِنْ أَهَّلَ الدِّينِ فِي الْأَوَّلِ كَانُوا غُرَبَاءَ يُنْكِرُهُمُ النَّاسُ وَلَا يُخَالِطُونَهُمْ، فَكَذَا فِي الْآخَرِ (فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ) : أَيْ: أَوَّلًا وَآخِرًا، وَسُمُّوا غُرَبَاءَ لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِمْ بِالدُّنْيَا وَأَهْلِهَا (وَهُمُ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي) . أَيْ: يَعْمَلُونَ بِهَا وَيُظْهِرُونَهَا بِقَدْرِ طَاقَتِهِمْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 396
١٧١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي كَمَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، حَتَّى إِنَّ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً، لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ. وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً " قَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٧١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي) : الْإِتْيَانُ الْمَجِيءُ بِسُهُولَةٍ، وَعُدِّيَ بِعَلَى لِمَعْنَى الْغَلَبَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْهَلَاكِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ [الذاريات: ٤٢] وَالْمُرَادُ بَعْضُ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ إِمَّا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ أَضَافَهُمْ إِلَى نَفْسِهِ، أَوْ مُطْلَقًا فَيَشْمَلُ مِلَلَ الْكُفْرِ أَيْضًا) (كَمَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) : فَاعِلُ لَيَأْتِيَنَّ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ، وَالْكَافُ مَنْصُوبٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى الْمَصْدَرِ) ، أَيْ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ إِتْيَانًا مِثْلُ الْإِتْيَانِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مُخَالَفَةٌ لِمَا أَنَا عَلَيْهِ مِثْلُ الْمُخَالَفَةِ الَّتِي أَتَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى أَهْلَكَتْهُمْ، وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ الْكَافُ فَاعِلًا أَيْ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مِثْلُ مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ (حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ) : حَذْوَ النَّعْلِ اسْتِعَارَةٌ فِي التَّسَاوِي، وَقِيلَ: الْحَذْوُ: الْقَطْعُ، وَالتَّقْدِيرُ أَيْضًا يُقَالُ: حَذَوْتُ النَّعْلَ بِالنَّعْلِ إِذْ قَدَّرْتَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ طَاقَاتِهَا عَلَى صَاحِبَتِهَا لِتَكُونَا عَلَى السَّوَاءِ وَنَصْبُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ يَحْذُونَهُمْ حَذْوًا مِثْلَ حَذْوِ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، أَيْ: تِلْكَ الْمُمَاثَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي غَايَةِ الْمُطَابَقَةِ وَالْمُوَافَقَةِ كَمُطَابَقَةِ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ (حَتَّى إِنَّ كَانَ مِنْهُمْ) : حَتَّى ابْتِدَائِيَّةٌ وَالْوَاقِعُ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ الْآتِي (لَكَانَ) إِمَّا جَوَابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ وَالْمَجْمُوعُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَإِمَّا إِنْ بِمَعْنَى (لَوْ) كَمَا يَقَعُ عَكْسُهُ، وَلَيْسَتْ (إِنْ) هَذِهِ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ كَمَا زَعَمَ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ، وَفِي الْأَزْهَارِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ مُخَفَّفَةٌ أَيْ حَتَّى إِنَّهُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ حَذْفُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مِنْ إِنَّ الْمَكْسُورَةِ فَمَنَعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَجَوَّزَهُ ابْنُ مَالِكٍ (مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً) : إِتْيَانُهَا كِنَايَةٌ عَنِ الزِّنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا زَوْجَةَ الْأَبِ لَوْ مَوْطُوءَتَهُ وَسَائِرَ مَنْ حُرِّمْنَ عَلَيْهِ بِرِضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْغَرَابَةَ وَالِاسْتِبْعَادَ فِيهِ أَكْثَرُ، وَلِذَا قَيَّدَهُ بِعَلَانِيَةٍ (لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ) ، أَيْ: يَفْعَلُ (ذَلِكَ) ، أَيِ: الْإِتْيَانِ (وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) : يَعْنِي النَّصَارَى أَوْ أَهْلَ الْكِتَابِ.
стр. 397
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَبْرَزَ ضَمِيرَهُمْ زِيَادَةً فِي تَقْبِيحِ صَنِيعِهِمْ وَبَيَانًا لِكَوْنِ ذَلِكَ دَأْبَهُمْ وَعَادَتَهُمُ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أُبْرِزَ حَتَّى لَا يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى غَيْرِهِمْ (تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً) : سَمَّى ﵊ طَرِيقَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِلَّةً اتِّسَاعًا وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَا شَرَعَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ لِيَتَوَصَّلُوا بِهِ إِلَى الْقُرْبِ مِنْ حَضْرَتِهِ تَعَالَى، وَيُسْتَعْمَلُ فِي جُمْلَةِ الشَّرَائِعِ دُونَ آحَادِهَا وَلَا تَكَادُ تُوجَدُ مُضَافَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا إِلَى آحَادِ أُمَّةِ النَّبِيِّ، بَلْ يُقَالُ: مِلَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ مِلَّتُهُمْ، كَذَا ثُمَّ إِنَّهَا اتَّسَعَتْ فَاسْتُعْمِلَتْ فِي الْمِلَلِ الْبَاطِلَةِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا عَظُمَ تَفَرُّقُهُمْ وَتَدَيَّنَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ بِخِلَافِ مَا تَتَدَيَّنُ بِهِ غَيْرُهَا كَانَتْ طَرِيقَةُ كُلٍّ مِنْهُمْ كَالْمِلَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ فِي التَّدَيُّنِ فَسُمِّيَتْ بِاسْمِهَا مَجَازًا، وَقِيلَ: الْمِلَّةُ كُلُّ فِعْلٍ وَقَوْلٍ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَهُوَ قَدْ يَكُونُ حَقًّا وَقَدْ يَكُونُ بَاطِلًا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَفْتَرِقُونَ فِرَقًا تَتَدَيَّنُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا تَتَدَيَّنُ بِهِ الْأُخْرَى (وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً) ، قِيلَ: فِيهِ إِشَارَةٌ لِتِلْكَ الْمُطَابَقَةِ مَعَ زِيَادَةِ هَؤُلَاءِ فِي ارْتِكَابِ الْبِدَعِ بِدَرَجَةٍ، ثُمَّ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أُمَّةَ الدَّعْوَةِ فَيَنْدَرِجُ سَائِرُ الْمِلَلِ الَّذِينَ لَيْسُوا عَلَى قِبْلَتِنَا فِي عَدَدِ الثَّلَاثِ وَالسَّبْعِينَ، وَيَحْتَمِلُ أُمَّةَ الْإِجَابَةِ فَيَكُونُ الْمِلَلُ الثَّلَاثُ وَالسَّبْعُونَ مُنْحَصِرَةً فِي أَهْلِ قِبْلَتِنَا، وَالثَّانِي هُوَ الْأَظْهَرُ، وَنَقَلَ الْأَبْهَرِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُمَّةِ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ (كُلُّهُمْ فِي النَّارِ) : لِأَنَّهُمْ يَتَعَرَّضُونَ لِمَا يُدْخِلُهُمُ النَّارَ فَكُفَّارُهُمْ مُرْتَكِبُونَ مَا هُوَ سَبَبٌ فِي دُخُولِهَا الْمُؤَبَّدَةِ عَلَيْهِمْ وَمُبْتَدِعَتُهُمْ مُسْتَحِقَّةٌ لِدُخُولِهَا إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُمْ (إِلَّا مِلَّةً) : بِالنَّصْبِ أَيْ إِلَّا أَهْلَ مِلَّةٍ (وَاحِدَةً) قَالُوا: مَنْ هِيَ؟) ، أَيْ: تِلْكَ الْمِلَّةُ، أَيْ أَهْلُهَا، النَّاجِيَةُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي) .، أَيْ: هِيَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي، قِيلَ: جَعَلَهَا عَيْنَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مُبَالَغَةً فِي مَدْحِهَا وَبَيَانًا لِبَاهِرِ اتِّبَاعِهَا حَتَّى يُخَيَّلَ إِنَّهَا عَيْنُ ذَلِكَ الْمُتَّبَعِ، أَوِ الْمُرَادُ بِـ (مَا) الْوَصْفِيَّةُ عَلَى حَدِّ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] ، أَيِ: الْقَادِرُ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ سَوَّاهَا، فَكَذَا هُنَا الْمُرَادُ هُمُ الْمُهْتَدُونَ الْمُتَمَسِّكُونَ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، فَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ أَهْلُهَا مَنْ كَانَ عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي مِنَ الِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُعْرَفُ بِالْإِجْمَاعِ، فَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ فَهُوَ حَقٌّ وَمَا عَدَاهُ بَاطِلٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ أُصُولَ الْبِدَعِ كَمَا نُقِلَ فِي الْمَوَاقِفِ ثَمَانِيَةٌ: الْمُعْتَزِلَةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعِبَادَ خَالِقُو أَعْمَالِهِمْ وَبِنَفْيِ الرُّؤْيَةِ وَبِوُجُوبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَهُمْ عِشْرُونَ فِرْقَةً، وَالشِّيعَةُ الْمُفْرِطُونَ فِي مَحَبَّةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَهُمُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ فِرْقَةً، وَالْخَوَارِجُ الْمُفْرِطَةُ الْمُكَفِّرَةُ لَهُ ﵁ وَمَنْ أَذْنَبَ كَبِيرَةً وَهُمْ عِشْرُونَ فِرْقَةً، وَالْمُرْجِئَةُ الْقَائِلَةُ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ، كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ، وَهِيَ خَمْسُ فِرَقٍ، وَالنَّجَّارِيَّةُ الْمُوَافِقَةُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي خَلْقِ الْأَفْعَالِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ وَحُدُوثِ الْكَلَامِ، وَهُمْ ثَلَاثُ فِرَقٍ، وَالْجَبْرِيَّةُ الْقَائِلَةُ بِسَلْبِ الِاخْتِيَارِ عَنِ الْعِبَادِ فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْمُشَبِّهَةُ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ الْحَقَّ بِالْخَلْقِ فِي الْجِسْمِيَّةِ وَالْحُلُولِ فِرْقَةٌ أَيْضًا فَتِلْكَ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ، وَالْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ الْبَيْضَاءِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَالطَّرِيقَةِ النَّقِيَّةِ الْأَحْمَدِيَّةِ، وَلَهَا ظَاهِرٌ سُمِّيَ بِالشَّرِيعَةِ شِرْعَةً لِلْعَامَّةِ، وَبَاطِنٌ سُمِّيَ بِالطَّرِيقَةِ مِنْهَاجًا لِلْخَاصَّةِ وَخُلَاصَةٌ خُصَّتْ بِاسْمِ الْحَقِيقَةِ مِعْرَاجًا لِأَخَصِّ الْخَاصَّةِ، فَالْأَوَّلُ نَصِيبُ الْأَبْدَانِ مِنَ الْخِدْمَةِ، وَالثَّانِي نَصِيبُ الْقُلُوبِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ: وَالثَّالِثُ نَصِيبُ الْأَرْوَاحِ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ وَالرُّؤْيَةِ.
قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَالشَّرِيعَةُ أَمْرٌ بِالْتِزَامِ الْعُبُودِيَّةِ وَالْحَقِيقَةُ مُشَاهَدَةُ الرُّبُوبِيَّةِ فَكُلُّ شَرِيعَةٍ غَيْرُ مُؤَيَّدَةٍ بِالْحَقِيقَةِ فَغَيْرُ مَقْبُولٍ، وَكُلُّ حَقِيقَةٍ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالشَّرِيعَةِ فَغَيْرُ مَحْصُولٍ. فَالشَّرِيعَةُ قِيَامٌ بِمَا أُمِرَ وَالْحَقِيقَةُ شُهُودٌ لِمَا قُضِيَ وَقُدِّرَ وَأُخْفِيَ وَأُظْهِرَ، وَالشَّرِيعَةُ حَقِيقَةٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا وَجَبَتْ بِأَمْرِهِ، وَالْحَقِيقَةُ شَرِيعَةٌ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَعَارِفَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَجَبَتْ بِأَمْرِهِ، وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ مِنْ أَرْبَابِ الْحَالِ:
أَلَا فَالْزَمُوا سُنَّةَ الْأَنْبِيَاءِ ... أَلَا فَاحْفَظُوا سِيرَةَ الْأَصْفِيَاءِ
وَمَنْ يَبْتَدِعْ بِدْعَةً لَمْ يُكَرَّمْ ... بِوِجْدَانِهِ رُتْبَةَ الْأَتْقِيَاءِ
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . أَيْ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو كَذَا.
стр. 398
١٧٢ - وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ: " «ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ» .
ــ
١٧٢ - (وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ) ، أَيْ: أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (وَأَبِي دَاوُدَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ) : أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً (ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) ، أَيْ: أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى اتِّبَاعِ آثَارِهِ ﵊ فِي النَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ، وَلَمْ يَبْتَدِعُوا بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّغْيِيرِ.
قَالَ شُرَيْحٌ: إِنَّ السُّنَّةَ قَدْ سَبَقَتْ قِيَاسَكُمْ فَاتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ فَإِنَّكَ لَمْ تَضِلَّ مَا أَخَذْتَ بِالْأَثَرِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنَّمَا رَأْيِي بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ إِذَا احْتَجْتَ إِلَيْهَا أَكَلْتَهَا، وَعَنْ سُفْيَانَ: لَوْ أَنَّ فَقِيهًا عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ لَكَانَ هُوَ الْجَمَاعَةُ (وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ) : وَفِي الْمَصَابِيحِ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ أَيْ يَظْهَرُ (فِي أُمَّتِي) : وَفِي نُسْخَةٍ: مِنْ أُمَّتِي (أَقْوَامٌ) ، أَيْ: جَمَاعَاتٌ (تَتَجَارَى) : بِالتَّاءَيْنِ أَيْ تَدْخُلُ وَتَجْرِي وَتَسْرِي (بِهِمْ) ، أَيْ: فِي مَفَاصِلِهِمْ (تِلْكَ الْأَهْوَاءُ) : جَمْعُ هَوًى وَهُوَ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى مَا تَشْتَهِيهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْبِدْعَةُ، فَوَضَعَهَا مَوْضِعَهَا وَضْعًا لِلسَّبَبِ مَوْضِعَ الْمُسَبَّبِ لِأَنَّ هَوَى الرَّجُلِ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى إِبْدَاعِ الرَّأْيِ الْفَاسِدِ أَوِ الْعَمَلِ بِهِ، وَذِكْرُ الْأَهْوَاءِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ تَنْبِيهًا عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْهَوَى وَأَصْنَافِ الْبِدَعِ يُقَالُ: تَجَارُوا فِي الْحَدِيثِ إِذَا جَرَى كُلٌّ مِنْهُمْ مَعَ صَاحِبِهِ (كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ) : بِفَتْحَتَيْنِ دَاءٌ مَخُوفٌ يَحْصُلُ مِنْ عَضِّ الْكَلْبِ الْمَجْنُونِ وَيَتَفَرَّقُ أَثَرُهُ (بِصَاحِبِهِ) ، أَيْ: مَعَ صَاحِبِهِ إِلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ، أَيْ: مِثْلُ جَرْيِ الْكَلْبِ فِي الْعُرُوقِ (لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ (وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ) . فَكَذَلِكَ تَدْخُلُ الْبِدَعُ فِيهِمْ وَتُؤَثِّرُ فِي أَعْضَائِهِمْ، قِيلَ: الْكَلْبُ دَاءٌ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَضَّةِ الْكَلْبِ الْكَلِبِ أَيْ الْمَكْلُوبِ، وَهُوَ الْمَجْنُونُ فَيُصِيبُهُ شِبْهُ الْجُنُونِ، وَلَا يَعَضُّ الْمَجْنُونُ أَحَدًا إِلَّا كَلِبَ أَيْ جُنَّ، وَيَعْرِضُ لَهُ أَعْرَاضٌ رَدِيئَةٌ تُشْبِهُ الْمَالِيخُولْيَا مُهْلِكَةٌ غَالِبًا، وَيَمْتَنِعُ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ حَتَّى يَمُوتَ عَطَشًا، وَأَجْمَعَتِ الْعَرَبُ أَنَّ دَوَاءَهُ قَطْرَةٌ مِنْ دَمٍ يُخْلَطُ بِمَاءٍ فَيُسْقَاهُ.
стр. 399
١٧٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٧٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) : ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي) أَوْ قَالَ: (أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ) ، قَالَ الْمُظْهِرُ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى حَقِّيَّةِ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ قِيلَ قَوْلُهُ: أَوْ قَالَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَلَعَلَّ هَذَا أَظْهَرُ فِي الدِّرَايَةِ مِنْهَا لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ يَقْتَضِي هَذِهِ الْفَضِيلَةَ الَّتِي امْتَازَتْ بِهَا أُمَّتُهُ عَنْ سَائِرِ الْأُمَمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ، أَيْ: لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ غَيْرَ الْكُفْرِ، وَلِذَا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ اجْتِمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى الْكُفْرِ مُمْكِنٌ بَلْ وَاقِعٌ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَبْقَى بَعْدَ الْكُفْرِ أُمَّةٌ لَهُ وَالْمَنْفِيُّ اجْتِمَاعُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَى الضَّلَالَةِ، وَإِنَّمَا حَمَلَ الْأُمَّةَ عَلَى أُمَّةِ الْإِجَابَةِ لِمَا وَرَدَ أَنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ إِلَّا عَلَى الْكُفَّارِ، فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اجْتِمَاعَ الْمُسْلِمِينَ حَقٌّ، وَالْمُرَادُ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ، وَلَا عِبْرَةَ بِإِجْمَاعِ الْعَوَامِّ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَنْ عِلْمٍ.
стр. 400
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: قَوْلُهُ: عَلَى ضَلَالَةٍ أَيْ عَلَى خَطَأٍ، وَقِيلَ: عَلَى كُفْرٍ وَمَعْصِيَةٍ (وَيَدُ اللَّهِ) : كِنَايَةٌ عَنِ النُّصْرَةِ وَالْغَلَبَةِ أَوِ الْحِفْظِ وَالرَّحْمَةِ، أَوْ مَعْنَاهُ إِحْسَانُهُ وَتَوْفِيقُهُ لِاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مِنَ الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ (عَلَى الْجَمَاعَةِ) أَيِ: الْمُجْتَمِعِينَ عَلَى الدِّينِ يَحْفَظُهُمُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْخَطَأِ أَوْ لِلتَّوْفِيقِ لِمُوَافَقَةِ إِجْمَاعِ هَذِهِ الْأُمَّةِ (وَمَنْ شَذَّ) أَيِ: انْفَرَدَ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِاعْتِقَادٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ لَمْ يَكُونُوا عَلَيْهِ (شَذَّ فِي النَّارِ) . أَيِ انْفَرَدَ فِيهَا، وَمَعْنَاهُ: انْفَرَدَ عَنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 401
١٧٤ - وَعَنْهُ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « (اتَّبِعُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ، فَإِنَّهُ مَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ» ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ.
ــ
١٧٤ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اتَّبِعُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ) : يُعَبِّرُ بِهِ عَنِ الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ، وَالْمُرَادُ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ قِيلَ: وَهَذَا فِي أُصُولِ الِاعْتِقَادِ كَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْفُرُوعُ كَبُطْلَانِ الْوُضُوءِ بِالْمَسِّ مَثَلًا فَلَا حَاجَةَ فِيهِ إِلَى الْإِجْمَاعِ، بَلْ يَجُوزُ اتِّبَاعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَمَا وَقَعَ مِنَ الْخِلَافِ بَيْنَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ فِي مَسَائِلَ فَهِيَ تَرْجِعُ إِلَى الْفُرُوعِ فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنَّهَا ظَنِّيَّاتٌ، فَلَمْ تَكُنْ مِنَ الِاعْتِقَادِيَّاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْيَقِينِيَّاتِ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ الْخِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي الْكُلِّ لَفْظِيٌّ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ جَمْعُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي طَاعَةِ الْإِمَامِ وَهُوَ السُّلْطَانُ الْأَعْظَمُ، وَقِيلَ: الْجَمَاعَةُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَقِيلَ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لِكَثْرَةِ مَعَانِيهِمَا، وَقِيلَ: كُلُّ عَالَمٍ عَامِلٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. فِي الْأَزْهَارِ: اتَّبِعُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَعَاظِمَ النَّاسِ الْعُلَمَاءُ وَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ وَلَمْ يَقُلِ الْأَكْثَرَ لِأَنَّ الْعَوَامَ وَالْجُهَّالَ أَكْثَرُ عَدَدًا (فَإِنَّهُ) : أَيِ الشَّأْنُ (" مَنْ شَذَّ ") أَيْ فِي الدِّينِ بِخُرُوجِهِ عَنْ مُتَابَعَةِ الْأَكْثَرِينَ (شَذَّ فِي النَّارِ) رَوَاهُ. . . .) : بَعْدَهُ بَيَاضٌ وَأَلْحَقُ مَيْرَكُ شَاهْ (ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ) . وَزَادَ الطِّيبِيُّ: وَابْنُ عَاصِمٍ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ.
стр. 402
١٧٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ) . ثُمَّ قَالَ: (يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحَبَّ سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٧٥ - (وَعَنْ أَنَسٍ) ﵁ (قَالَ: قَالَ لِي) أَيْ وَحْدِي أَوْ مُخَاطِبًا لِي مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا بُنَيَّ) : بِضَمِّ الْبَاءِ تَصْغِيرُ ابْنٍ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا، وَالْكَسْرُ أَكْثَرُ وَهُوَ تَصْغِيرُ لُطْفٍ وَمَرْحَمَةٍ، وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ هَذَا لِمَنْ لَيْسَ ابْنَهُ وَمَعْنَاهُ اللُّطْفُ وَإِنَّكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ وَلَدِي فِي الشَّفَقَةِ (إِنْ قَدَرْتَ) : أَيِ اسْتَطَعْتَ وَالْمُرَادُ اجْتَهِدْ قَدْرَ مَا تَقْدِرُ (أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ) أَيْ تَدْخُلَ فِي وَقْتِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالْمُرَادُ جَمِيعُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ أَيْ: وَلَيْسَ كَائِنًا فِي قَلْبِكَ (غِشٌّ) : ضِدُّ النُّصْحِ الَّذِي هُوَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ (لِأَحَدٍ) : وَهُوَ عَامٌّ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فَإِنَّ نَصِيحَةَ الْكَافِرِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي إِيمَانِهِ وَيَسْعَى فِي خَلَاصِهِ مِنْ وَرْطَةِ الْهَلَاكِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ وَالتَّأَلُّفِ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. (فَافْعَلْ) : جَزَاءُ كِنَايَةٍ عَمَّا سَبَقَ فِي الشَّرْطِ أَيِ افْعَلْ نَصِيحَتَكَ (ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ! وَذَلِكَ) أَيْ خُلُوُّ الْقَلْبِ مِنَ الْغِشِّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ رَفِيعُ الْمَرْتَبَةِ أَيْ بَعِيدُ التَّنَاوُلِ (مِنْ سُنَّتِي) أَيْ طَرِيقَتِي (وَمَنْ أَحَبَّ سُنَّتِي) : فَعَمِلَ بِهَا (فَقَدْ أَحَبَّنِي) أَيْ حُبًّا كَامِلًا لِأَنَّ مُحِبَّةَ الْآثَارِ عَلَامَةٌ عَلَى مَحَبَّةِ مَصْدَرِهَا (وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِيَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِهَا أَيْ مَعِيَّةَ مُقَارَبَةٍ لَا مَعِيَّةً مُتَّحِدَةً فِي الدَّرَجَةِ (فِي الْجَنَّةِ) : فَإِنَّ «الْمَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» كَمَا فِي حَدِيثٍ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩] الْآيَةَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 403
١٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي، فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ» ) . رَوَاهُ. . . .)
ــ
١٧٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ تَمَسَّكَ) أَيْ: عَمِلَ (بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي) أَيْ: عِنْدَ غَلَبَةِ الْبِدْعَةِ وَالْجَهْلِ وَالْفِسْقِ فِيهِمْ (فَلَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ: لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ بِالْعَمَلِ بِهَا بِإِحْيَائِهَا وَتَرْكِهِمْ لَهَا كَالشَّهِيدِ الْمُقَاتِلِ مَعَ الْكُفَّارِ لِإِحْيَاءِ الدِّينِ بَلْ أَكْثَرُ. (رَوَاهُ. . . . . . .) : بَعْدَهُ بَيَاضٌ، وَأُلْحِقَ بِهِ مَيْرَكُ وَغَيْرُهُ: الْبَيْهَقِيَّ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ لَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
стр. 404
١٧٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ «أَتَاهُ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ مِنْ يَهُودَ تُعْجِبُنَا، أَفْتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ ! لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ (شُعَبِ الْإِيمَانِ)
ــ
١٧٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَتَاهُ عُمَرُ فَقَالَ) أَيْ: عُمَرُ (إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ) أَيْ: حِكَايَاتٍ وَمَوَاعِظَ (مِنْ يَهُودَ) : قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْأَصْلُ فِي (يَهُودَ) وَ (مَجُوسَ) تَرْكُ اللَّامِ لِأَنَّهُمَا عَلَمَانِ لِقَوْمَيْنِ، وَمَنْ عَرَفَ فَإِنَّهُ أَجْرَى يَهُودِيًّا وَيَهُودَ مَجْرَى شَعِيرَةٍ وَشَعِيرٍ اهـ.
وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: يَهُودُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعِلْمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْقَبِيلَةِ، وَقِيلَ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لِلْعَلَمِيَّةِ وَوَزْنِ الْفِعْلِ لِأَنَّ أَسْمَاءَ الْقَبَائِلِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَأْنِيثٌ لَفْظِيٌّ يَجُوزُ صَرْفُهَا حَمْلًا عَلَى الْحَيِّ وَعَدَمُ صَرْفِهَا حَمْلًا عَلَى الْقَبِيلَةِ، وَيَهُودُ لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا عَدَمُ الصَّرْفِ (تُعْجِبُنَا) : بِضَمِّ التَّاءِ، وَكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: تَحْسُنُ عِنْدَنَا وَتَمِيلُ قُلُوبُنَا إِلَيْهَا (أَفَتَرَى) : بِفَتْحِ التَّاءِ، أَيْ: أَتُحَسِّنُ لَنَا اسْتِمَاعَهَا فَتَرَى يَعْنِي فَتَأْذَنُ (أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ) : ﵊ زَجْرًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ (أَمُتَهَوِّكُونَ) أَيْ: أَمُتَحَيِّرُونَ فِي دِينِكُمْ حَتَّى تَأْخُذُوا الْعِلْمَ مِنْ غَيْرِ كِتَابِكُمْ وَنَبِيِّكُمْ (أَنْتُمْ) : لِلتَّأْكِيدِ (كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ !) أَيْ: كَتَحَيُّرِهِمْ حَيْثُ نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَ أَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ (لَقَدْ جِئْتُكُمْ) : جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ (بِهَا) أَيْ: بِالْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ بِقَرِينَةِ الْكَلَامِ (بَيْضَاءَ) أَيْ: وَاضِحَةً، حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ " بِهَا " (نَقِيَّةً) : صِفَةُ بَيْضَاءَ، أَيْ: ظَاهِرَةٌ صَافِيَةٌ خَالِصَةٌ خَالِيَةٌ عَنِ الشِّرْكِ وَالشُّبْهَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا أَنَّهَا مَصُونَةٌ عَنِ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ وَالْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ خَافِيَةٌ عَنِ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، لِأَنَّ فِي دِينِ الْيَهُودِ (إِخْرَاجُ رُبُعِ مَالِهِمْ زَكَاةً، وَقَطْعُ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ بَدَلًا عَنِ الْغَسْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَتَحَتُّمِ الْقِصَاصِ فِي دِينِ الْيَهُودِ، وَتَحَتُّمِ الدِّيَةِ فِي دِينِ النَّصَارَى، وَأَخَّرَ (نَقِيَّةً) لِأَنَّهَا صِفَةُ (بَيْضَاءَ) إِذْ يُقَالُ: أَبْيَضُ نَقِيٌّ دُونَ الْعَكْسِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ حَالَانِ مُتَرَادِفَانِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُفَسَّرِ بِالْمِلَّةِ اهـ.
قِيلَ: وَوَصَفَ الْمِلَّةَ بِالْبَيَاضِ تَنْبِيهًا عَلَى كَرَمِهَا وَفَضْلِهَا، وَكَرَمُهَا إِفَادَتُهَا كُلَّ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْبَيَاضَ لَمَّا كَانَ أَفْضَلَ لَوْنٍ عِنْدَ الْعَرَبِ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الْكَرَمِ وَالْفَضْلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ﵊ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ أَتَاهُمْ بِالْأَعْلَى وَالْأَفْضَلِ، وَاسْتِبْدَالُ الْأَدْنَى عَنْهُ مَظِنَّةٌ لِلتَّحَيُّرِ (وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ) أَيْ: مَا جَازَ لَهُ (إِلَّا اتِّبَاعِي) : فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَطْلُبُوا فَائِدَةً مِنْ قَوْمِهِ مَعَ وُجُودِي. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ٨١] الْآيَةَ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيًّا، آدَمَ وَمَنْ بَعْدَهُ إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى قَوْمِهِ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَئِنْ بُعِثَ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيَنْصُرُنَّهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْبَغَوِيِّ، فَيَكُونُ التَّنْكِيرُ فِي " رَسُولٍ " لِلتَّعْظِيمِ فَهُوَ نَبِيُّ الْأَنْبِيَاءِ وَإِمَامُ الرُّسُلِ، وَلِذَا قَالَ: «آدَمَ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رَوَاهُ أَحْمَدُ) ، أَيْ: فِي مُسْنَدِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ رَدِيءَ الْحِفْظِ يَقْلِبُ الْأَسَانِيدَ وَيَرْفَعُ الْمَرَاسِيلَ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْحَدِيثُ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ حَرَامٌ، وَعَنْ مُجَالِدٍ تَجَالُدٌ، وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ رِيَاحٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدِيثُ مُجَالِدٍ حُلْمٌ إِلَّا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ جَاءَ عَنْ غَيْرِ مُجَالِدٍ فَتَأَيَّدَ بِهِ.
стр. 405
١٧٨ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا، وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ، وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ) . فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَكَثِيرٌ فِي النَّاسِ؟ قَالَ: (وَسَيَكُونُ فِي قُرُونٍ بَعْدِي» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٧٨ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا أَيْ: مَنْ كَانَ قُوتُهُ حَلَالًا، وَلَمْ يَقُلْ حَلَالًا، لِأَنَّ الطَّيِّبَ مَا يَفُوحُ عَنْهُ رِيحُ الْوَرِعِ أَخْذًا مِنَ الطَّيِّبِ، فَمَا اكْتُسِبَ عَلَى وَجْهٍ، تَعَلَّقَ بِسَوَابِقِهِ أَوْ قَرَائِنِهِ أَوْ لَوَاحِقِهِ مَعْصِيَةٌ - لَمْ يَكُنْ طَيِّبًا (وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ) أَيْ: فِي مُوَافَقَةِ سُنَّةٍ وَرَدَتْ فِيهِ، أَيْ: وَعَمِلَ كُلَّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ وَكُلَّ قَوْلٍ يَقُولُهُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ، يَعْنِي: وَيَكُونُ مُتَمَسِّكًا فِي كُلِّ عَمَلٍ بِسُنَّةٍ، أَيْ: بِحَدِيثٍ جَاءَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ حَتَّى قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَإِمَاطَةِ الْأَذَى، فَالْمُرَادُ شُمُولُ كُلِّ سُنَّةٍ لَا وَاحِدَةٍ مِنْهَا غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، وَقِيلَ: تَنْكِيرُهَا لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ الْعَمَلَ فِي مُوَافَقَةِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مَعَ أُخْتَيْهَا مِمَّا يُوجِبُ دُخُولَ الْجَنَّةِ، وَقُدِّمَ أَكْلُ الْحَلَالِ لِأَنَّهُ مُوَرِّثٌ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] (وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ) : الْبَائِقَةُ: الدَّاهِيَةُ وَهِيَ الْمِحْنَةُ الْعَظِيمَةُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الشُّرُورُ، وَقَدْ فُسِّرَتِ الْبَوَائِقُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، فَرُوِيَ: ظُلْمُهُ وَغِشُّهُ (دَخَلَ الْجَنَّةَ) : أَيِ: اسْتَحَقَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا) : أَيِ: الرَّجُلُ الْمَوْصُوفُ الْمَذْكُورُ (الْيَوْمَ) : ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ لِخَبَرِ " إِنَّ " (لَكَثِيرٌ فِي النَّاسِ؟) : بِحَمْدِ اللَّهِ، فَمَا حَالُ الْمُسْتَقْبَلِ؟ (قَالَ) : ﵊ (وَسَيَكُونُ) أَيْ هُمْ كَثِيرُونَ الْيَوْمَ وَسَيُوجَدُ مَنْ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ (فِي قُرُونٍ بَعْدِي) .
فِي الْأَزْهَارِ: الْقَرْنُ أَهْلُ عَصْرٍ، وَقِيلَ: أَهْلُ كُلِّ مُدَّةٍ أَوْ طَبَقَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ سَنَةٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ. وَقِيلَ: مِائَةٌ اهـ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْقَرْنَ هَاهُنَا أَهْلُ الْعَصْرِ، فَإِنَّ كُلَّ عَصْرٍ هُوَ أَبْعَدُ مِنْ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَكُونُ الصُّلَحَاءُ فِيهِمْ أَقَلَّ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ، وَلِذَا قَالَ ﵊: " «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمُ» " الْحَدِيثَ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَفْيًا لِلِاسْتِعْجَابِ عَنْ أَصْحَابِهِ ﵃ أَجْمَعِينَ. كَذَا قِيلَ، وَأَقُولُ: وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ حَمْدًا لِلَّهِ وَتَحَدُّثًا بِنِعَمِهِ، فَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَذَا الْقَرْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا الْحَاكِمُ.
стр. 406
١٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا» ) . رُوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
١٧٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّكُمْ) : أَيُّهَا الصَّحَابَةُ (فِي زَمَانٍ) أَيْ: زَمَانٍ عَظِيمٍ مِنْ عِزَّةِ الْإِسْلَامِ وَأَمْنِ أَهْلِهِ، وَهُوَ زَمَانُ نُزُولِ الْوَحْيِ وَسَمَاعِ كَلَامِ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ (مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ) أَيْ: فِيهِ وَهُوَ الرَّابِطُ لِجُمْلَةِ الشَّرْطِ بِمَوْصُوفِهَا وَهُوَ زَمَانٌ (عُشْرَ) : بِسُكُونِ الشِّينِ وَضَمِّهَا (مَا أُمِرَ بِهِ) أَيْ: مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، إِذْ لَا يَجُوزُ صَرْفُ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى عُمُومِ الْمَأْمُورَاتِ لِأَنَّهُ عُرِفَ أَنَّ مُسْلِمًا لَا يُعْذَرُ فِيمَا يُهْمِلُ مِنَ الْفَرْضِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِخَاصَّةِ نَفْسِهِ. هَكَذَا قَالَهُ الشُّرَّاحُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَعَلَّ هَذَا غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِبَابِ التَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْهُمَا، ثُمَّ قَالَ: بَلْ لَوْ حُمِلَ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَهُوَ مَنْ عَمِلَ فِي سُنَّةٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ كَانَ أَنْسَبَ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَيَجْرِي مَعْنَى قَوْلِهِ " مَا أُمِرَ بِهِ " فِي أَمْرِ النَّدْبِ اهـ.
стр. 407
وَفِيهِ أَنَّ الْهَلَاكَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِ النَّدْبِ مُطْلَقًا فَضْلًا عَنْ عُشْرِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ وَافَقَنِي فِي الْمَحَلَّيْنِ (هَلَكَ) : لِأَنَّ الدِّينَ عَزِيزٌ وَالْحَقُّ ظَاهِرٌ، وَفِي أَنْصَارِهِ كَثْرَةٌ فَالتَّرْكُ يَكُونُ تَقْصِيرًا مِنْكُمْ فَلَا يُعْذَرُ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي التَّهَاوُنِ (ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ) : يَضْعُفُ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَيَكْثُرُ الظَّلَمَةُ وَالْفُسَّاقُ وَقَلَّ أَنْصَارُهُ، فَيُعْذَرُ الْمُسْلِمُونَ فِي التَّرْكِ إِذْ ذَاكَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ لَا لِلتَّقْصِيرِ (مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا) : لِانْتِفَاءِ تِلْكَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 408
١٨٠ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ) ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] » رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
١٨٠ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْهُدَى (إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ) أَيْ: أُعْطَوْهُ وَهُوَ حَالٌ، وَقَدَّمَ مَقْدِرَةً وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَعَمُّ عَامَّ الْأَحْوَالِ، وَصَاحِبُهَا الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي خَبَرِ " كَانَ "، وَالْمَعْنَى مَا كَانَ ضَلَالَتُهُمْ وَوُقُوعُهُمْ فِي الْكُفْرِ إِلَّا بِسَبَبِ الْجِدَالِ وَهُوَ الْخُصُومَةُ بِالْبَاطِلِ مَعَ نَبِيِّهِمْ، وَطَلَبُ الْمُعْجِزَةِ مِنْهُ عِنَادًا أَوْ جُحُودًا، وَقِيلَ: مُقَابَلَةُ الْحُجَّةِ بِالْحُجَّةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ هُنَا الْعِنَادُ، وَالْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ ضَرْبُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ لِتَرْوِيجِ مَذَاهِبِهِمْ وَآرَاءِ مَشَايِخِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ نُصْرَةٌ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ لَا الْمُنَاظَرَةُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَإِظْهَارِ الْحَقِّ فَإِنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ (ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ) أَيِ: اسْتِشْهَادٌ عَلَى مَا قَرَّرَهُ (مَا ضَرَبُوهُ) أَيْ: هَذَا الْمَثَلُ (لَكَ) : يَا مُحَمَّدُ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: آلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ؟ أَرَادُوا بِالْآلِهَةِ هُنَا الْمَلَائِكَةَ يَعْنِي: الْمَلَائِكَةُ خَيْرٌ أَمْ عِيسَى؟ يُرِيدُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ خَيْرٌ مِنْ عِيسَى، فَإِذَا عَبَدَتِ النَّصَارَى عِيسَى فَنَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ أَيْ: مَا قَالُوا ذَلِكَ الْقَوْلَ ﴿إِلَّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨] أَيْ إِلَّا لِمُخَاصَمَتِكَ وَإِيذَائِكَ بِالْبَاطِلِ لَا لِطَلَبِ الْحَقِّ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَالْأَصَحُّ فِي مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ ابْنَ الزَّبْعَرِيِّ جَادَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] آلِهَتُنَا أَيِ الْأَصْنَامُ خَيْرٌ عِنْدَكَ أَمْ عِيسَى؟ فَإِنْ كَانَ فِي النَّارِ فَلْتَكُنْ آلِهَتُنَا مَعَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ ذَكَرَ مِثْلَ مَا ذَكَرْتُهُ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَأَوَّلًا: أَنَّ (مَا) لِغَيْرِ ذَوِي الْعُقُولِ، فَالْإِشْكَالُ نَشَأَ عَنِ الْجَهْلِ بِالْقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ، وَثَانِيًا: أَنَّ عِيسَى وَالْمَلَائِكَةَ خُصُّوا عَنْ هَذَا بِقُولِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ - بَلْ هُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ٤٢] : أَيِ الْكُفَّارُ ﴿قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] : أَيْ: كَثِيرُو الْخُصُومَةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا الْحَاكِمُ.
стр. 409
١٨١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: ( «لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] » رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٨١ - (وَعَنْ أَنَسٍ) ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّكْرَارِ وَالِاسْتِمْرَارِ (لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أَيْ: بِالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ كَصَوْمِ الدَّهْرِ وَإِحْيَاءِ اللَّيْلِ كُلِّهِ وَاعْتِزَالِ النِّسَاءِ لِئَلَّا تَضْعُفُوا عَنِ الْعِبَادَةِ وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ وَالْفَرَائِضِ (فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) : بِالنَّصْبِ جَوَابُ النَّهْيِ أَيْ: يَفْرِضُهَا عَلَيْكُمْ فَتَقَعُوا فِي الشِّدَّةِ، أَوْ بِأَنْ يُفَوِّتَ عَلَيْكُمْ بَعْضَ مَا وَجَبَ عَلَيْكُمْ بِسَبَبِ ضَعْفِكُمْ مِنْ تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ كَذَا قَالَهُ الشُّرَّاحُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى: لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، بِإِيجَابِ الْعِبَادَاتِ الشَّاقَّةِ عَلَى سَبِيلِ النَّذْرِ أَوِ الْيَمِينِ، فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَيُوجِبَ عَلَيْكُمْ بِإِيجَابِكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَتَضْعُفُوا عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّهِ وَتَمَلُّوا وَتَكْسَلُوا وَتَتْرُكُوا الْعَمَلَ فَتَقَعُوا فِي عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُلَائِمُ لِلتَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّ قَوْمًا) أَيْ: مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) : بِالْعِبَادَاتِ الشَّاقَّةِ، وَالرِّيَاضَاتِ الصَّعْبَةِ، وَالْمُجَاهَدَاتِ التَّامَّةِ، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِإِتْمَامِهَا وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهَا، وَقِيلَ: شَدَّدُوا حِينَ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ فَسَأَلُوهُ عَنْ لَوْنِهَا وَسِنِّهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهَا. (فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) : بِأَنْ أَمَرَهُمْ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ عَلَى صِفَةٍ، لَمْ تُوجَدْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ إِلَّا بَقَرَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَبِعْهَا صَاحِبُهَا إِلَّا بِمِلْءِ جِلْدِهَا ذَهَبًا، وَيُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ (فَتِلْكَ) : الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وَتِلْكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي الذِّهْنِ مِنْ تَصَوُّرِ جَمَاعَةٍ بَاقِيَةٍ مِنْ أُولَئِكَ الْمُشَدِّدِينَ بَقِيَتْ فِي الصَّوَامِعِ يُفَسِّرُهَا قَوْلُهُ (بَقَايَاهُمْ) أَيْ: بَقَايَا قَوْمٍ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ (فِي الصَّوَامِعِ) : جَمْعُ صَوْمَعَةٍ، وَهِيَ مَوْضِعُ عِبَادَةِ الرُّهْبَانِ مِنَ النَّصَارَى. قِيلَ: هُوَ بِنَاءٌ صَغِيرٌ عَلَى شَكْلِ دَائِرَةٍ (وَالدِّيَارِ) : جَمْعُ الدَّيْرِ، وَهُوَ الْكَنِيسَةُ وَهِيَ مَعْبَدُ الْيَهُودِ، قِيلَ: وَهُوَ بِنَاءٌ وَسِيعٌ فِيهِ مَحَلُّ الْعِبَادَةِ، وَبَاقِيهِ لِنَحْوِ نُزُولِ الْمَارَّةِ وَإِيوَاءِ الْغَرِيبِ (رَهْبَانِيَّةً) : نُصِبَ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، أَيِ: ابْتَدَعُوا رَهْبَانِيَّةً (ابْتَدَعُوهَا) يُقَالُ: ابْتَدَعَ إِذَا أَتَى بِشَيْءٍ بَدِيعٍ أَيْ: جَدِيدٍ لَمْ يَفْعَلْهُ قَبْلَهُ أَحَدٌ، وَالرَّهْبَانِيَّةُ بِالْفَتْحِ الْخَصْلَةُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى الرُّهْبَانِ، وَهُوَ الْخَائِفُ، فُعْلَانٌ مِنْ رَهِبَ رَهْبَةً أَيْ خَافَ، وَبِالضَّمِّ نِسْبَةً إِلَى الرُّهْبَانِ جَمْعُ رَاهِبٍ، وَفِي الْآيَةِ قُرِئَتْ بِالضَّمِّ شَاذًّا، وَقِيلَ: الرَّهْبَةُ الْخَوْفُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْعِبَادَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَالِانْقِطَاعِ عَنِ النَّاسِ، وَيُطْلَقُ عَلَى عِبَادَةِ الرُّهْبَانِ، وَهُوَ جَمْعُ الرَّاهِبِ أَيْ: عَابِدُ النَّصَارَى وَهِيَ مَا يَفْعَلُونَ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ (مَا كَتَبْنَاهَا) أَيْ: مَا فَرَضْنَا تِلْكَ الرَّهْبَانِيَّةَ (عَلَيْهِمْ) : مِنْ تَرْكِ التَّلَذُّذِ بِالْأَطْعِمَةِ وَتَرْكِ التَّزَوُّجِ وَالِاعْتِزَالِ عَنِ النَّاسِ، وَالتَّوَطُّنِ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ وَالْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ عَنِ الْعُمْرَانِ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيمَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧] اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ: وَلَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوهَا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ. قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] أَيْ: لَمْ يَرْعَوُا الرَّهْبَانِيَّةَ حَقَّ رِعَايَتِهَا وَضَيَّعُوا وَكَفَرُوا بِدِينِ عِيسَى، فَتَهَوَّدُوا وَتَنَصَّرُوا وَدَخَلُوا فِي دِينِ مُلُوكِهِمْ وَتَرَكُوا التَّرَهُّبَ، وَأَقَامَ مِنْهُمْ أُنَاسٌ عَلَى دِينِ عِيسَى ﵊، حَتَّى أَدْرَكُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَآمَنُوا بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧] كَذَا فِي الْمَعَالِمِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 410
١٨٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: حَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَمُحْكَمٍ، وَمُتَشَابِهٍ، وَأَمْثَالٍ. فَأَحِلُّوا الْحَلَالَ، وَحَرِّمُوا الْحَرَامَ، وَاعْمَلُوا بِالْمُحْكَمِ، وَآمِنُوا بِالْمُتَشَابِهِ، وَاعْتَبِرُوا بِالْأَمْثَالِ» ) . هَذَا لَفَظُ الْمَصَابِيحِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) ، وَلَفْظُهُ ( «فَاعْمَلُوا بِالْحَلَالِ، وَاجْتَنِبُوا الْحَرَامَ، وَاتَّبِعُوا الْمُحْكَمَ» ) .
ــ
١٨٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (نَزَلَ الْقُرْآنُ) أَيْ: بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ (عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ) : مِنْ وُجُوهِ الْكَلَامِ (حَلَالٍ) : بِالْجَرِّ، وَهُوَ بَدَلٌ بَعْدَ الْعَطْفِ قَبْلَ الرَّبْطِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] وَقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] وَغَيْرِهِمَا. (وَحَرَامٍ) : كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣] الْآيَةَ وَغَيْرِهَا (وَمُحْكَمٍ) : كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْمَوْعِظَةِ (وَمُتَشَابِهٍ) : كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَجَاءَ رَبُّكَ) وَأَمْثَالِ ذَلِكَ (وَأَمْثَالٍ) : يَعْنِي قَصَصَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ كَقَوْمِ نُوحٍ وَصَالِحٍ وَغَيْرِهِمَا كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْثَالَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١] وَلِذَا عَقَّبَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] (فَأَحِلُّوا الْحَلَالَ) : أَيِ: اعْتَقِدُوا حِلِّيَّتَهُ وَجَوِّزُوا مَنْفَعَتَهُ (وَحَرَّمُوا الْحَرَامَ) أَيِ: اجْتَنِبُوهُ وَاعْتَقِدُوا حُرْمَتَهُ وَاحْكُمُوا بِمَضَرَّتِهِ (وَاعْمَلُوا بِالْمُحْكَمِ) : مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ (وَآمِنُوا بِالْمُتَشَابِهِ) مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ بِكَيْفِيَّتِهِ (وَاعْتَبِرُوا بِالْأَمْثَالِ) : أَيِ: الظَّاهِرِيَّةِ أَوِ الْمَعْنَوِيَّةِ (هَذَا) : أَيِ الْمَذْكُورُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ (لَفْظُ الْمَصَابِيحِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) أَيْ: مَعْنَاهُ وَحَذَفَ هَذَا لِلْعِلْمِ بِهِ (وَلَفْظُهُ) أَيْ: لَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ (فَاعْمَلُوا بِالْحَلَالِ) : وَلَا تَجْتَنِبُوهُ (وَاجْتَنِبُوا الْحَرَامَ) : وَلَا تَرْتَكِبُوهُ (وَاتَّبِعُوا الْمُحْكَمَ) : وَلَا تَتْرُكُوهُ فَفِيهِ نَوْعُ اعْتِرَاضٍ مِنَ الْمُصَنِّفِ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ.
стр. 411
١٨٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «الْأَمْرُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَاتَّبِعْهُ، وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَاجْتَنِبْهُ، وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَكِلْهُ إِلَى اللَّهِ » ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٨٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْأَمْرُ) : وَاحِدُ الْأُمُورِ أَيِ: الْحُكْمُ وَالشَّأْنُ وَالْحَالُ فِي الْأَعْمَالِ التَّكْلِيفِيَّةِ (ثَلَاثَةٌ) أَيْ: ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ (" أَمْرٌ ") أَيْ: مِنْهَا أَمْرٌ أَوْ أَحَدُهُمَا أَمْرٌ (بَيِّنٌ رُشْدُهُ) أَيْ ظَاهِرٌ صَوَابُهُ كَأُصُولِ الْعِبَادَاتِ، مِثْلَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ (فَاتَّبِعْهُ، وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ) أَيْ ضَلَالَتُهُ، كَمُوَافَقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَعْيَادِهِمْ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَنْسَبُ بِحُسْنِ الْمُقَابَلَةِ أَنْ يُقَالَ فِي الْأَوَّلِ كَأُصُولِ الْعَقَائِدِ
стр. 412
مِنَ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْقِيَامَةِ، وَفِي الثَّانِي كَقَتْلِ النَّفْسِ وَالزِّنَا (فَاجْتَنِبْهُ) : أَيِ احْتَرِزْ عَنْهُ (وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ، وَضُبِطَ فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا تَكُونَ الضَّمَّةُ مَكْتُوبَةً أَوْ تُكْتَبَ بِالْحُمْرَةِ لِيَكُونَ فَرْقًا بَيْنَ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَالْقَطْعِ، حَتَّى فِي الْمُصْحَفِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْقَارِعَةِ﴾ [القارعة: ١] وَ ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ [التكاثر: ١] ثُمَّ هَمْزَةُ " اخْتُلِفَ " مَضْمُومَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ، وَإِذَا سَقَطَتْ فِي الدَّرَجِ يَجُوزُ ضَمُّ التَّنْوِينِ وَكَسْرُهُ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ اشْتَبَهَ وَخَفِيَ حُكْمُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ، أَيْ: وَالْأَدِلَّةُ، وَقِيلَ: الْأَوْلَى أَنَّ يُفَسَّرَ هَذَا الْحَدِيثُ بِمَا وَرَدَ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ اهـ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَا لَمْ يُبَيِّنْهُ الشَّرْعُ مِثْلَ الْمُتَشَابِهَاتِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيِ اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حُكْمَهُ، كَتَعْيِينِ وَقْتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَحُكْمِ أَطْفَالِ الْكَفَرَةِ (فَكِلْهُ) : أَمَرٌ مِنْ وَكَلَ يَكِلُ (إِلَى اللَّهِ أَيْ: فَوِّضْ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا تَقُلْ فِيهِ شَيْئًا مِنْ نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 413
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٨٤ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ، يَأْخُذُ الشَّاذَّةَ وَالْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ وَإِيَاكُمْ وَالشِّعَابَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
١٨٤ - (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ) : الذِّئْبُ مُسْتَعَارٌ لِلْمُفْسِدِ وَالْمُهْلِكِ وَهُوَ بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ (كَذِئْبِ الْغَنَمِ) أَيْ: فِي الْعَدَاوَةِ وَالْإِهْلَاكِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] الْآيَةَ (يَأْخُذُ) أَيْ: ذِئْبَ الْغَنَمِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: صِفَةُ الذِّئْبِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّكِرَةِ كَمَثَلِ الْحِمَارِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْهُ وَالْعَامِلُ مَعْنَى التَّشْبِيهِ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا قَالَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآيَةِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَدِيثِ فَالْإِطْلَاقُ أَوْلَى مِنَ التَّقْيِيدِ، وَالْمَعْنَى يَأْخُذُ غَالِبًا أَوْ بِالسُّهُولَةِ مِنْ غَيْرِ تَدَارُكٍ (الشَّاذَّةَ) : بِتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيِ: النَّافِرَةَ الَّتِي لَمْ تُؤْنَسْ بِأَخَوَاتِهَا، وَلَمْ تَخْتَلِطْ بِهِنَّ (وَالْقَاصِيَةَ) : الَّتِي قَصَدَتِ الْبُعْدَ عَنْهُنَّ لِأَجْلِ الْمَرْعَى مَثَلًا لَا لِلتَّنَفُّرِ (وَالنَّاحِيَةَ) : الَّتِي غُفِلَ عَنْهَا، وَبَقِيَتْ فِي جَانِبٍ مِنْهَا فَإِنَّ النَّاحِيَةَ هِيَ الَّتِي صَارَتْ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْأَرْضِ عَنْ أَخَوَاتِهَا لِغَفْلَتِهَا. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ النَّاحِيَةَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ النُّونِ مَعَ الْجِيمِ: النَّجَاءُ السُّرْعَةُ، يُقَالُ: نَجَا يَنْجُو إِذَا أَسْرَعَ، وَنَجَا مِنَ الْأَمْرِ إِذَا خَلَصَ وَأَنْجَى غَيْرَهُ، وَمِنْهُ: إِنَّمَا يَأْخُذُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ وَالشَّاذَّةَ وَالنَّاجِيَةَ، أَيِ: السَّرِيعَةَ، هَكَذَا رُوِيَ عَنِ الْحَرْبِيِّ بِالْجِيمِ اهـ.
стр. 414
وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ هُوَ الْحَاءُ، وَأَمَّا الْجِيمُ فَإِنَّمَا هُوَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، وَلِهَذَا أَطْبَقَتْ نُسَخُ الْمِشْكَاةِ عَلَى الْحَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ) : بِالْكَسْرِ وَالنَّصْبِ مِنَ الشِّعْبِ، وَهُوَ الْوَادِي مَا اجْتَمَعَ مِنْهُ طَرَفٌ وَتَفَرَّقَ طَرَفٌ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: شَعَّبْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَمَّعْتَهُ، وَشَعَّبْتُهُ إِذَا فَرَّقْتَهُ، وَالْمُرَادُ الْمُنْعَطَفَاتُ فِي الْأَوْدِيَةِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ السِّبَاعِ وَالْهَوَامِّ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالسُّرَّاقِ وَأَمَاكِنِ الْجِنِّ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ التَّمْثِيلِ أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: وَإِيَّاكُمْ، وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: (وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ) : تَقْرِيرًا بَعْدَ تَقْرِيرٍ (وَالْعَامَّةٍ) أَيْ عَامَّةِ الْجَمَاعَةِ، يَعْنِي: عَلَيْكُمْ بِمُتَابَعَةِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، أَوْ عَلَيْكُمْ بِمُخَالَطَةِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِيَّاكُمْ وَمُفَارَقَتَهُمْ وَالْعُزْلَةَ عَنْهُمْ وَاخْتِيَارَ الْجِبَالِ وَالشِّعَابِ الْبَعِيدَةِ عَنِ الْعُمْرَانِ، وَهَذَا أَظْهَرُ لِلَفْظِ التَّمْثِيلِ وَالْأَوَّلُ أَوْفَقُ لِمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 415
١٨٥ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
١٨٥ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا) أَيْ: وَلَوْ سَاعَةً، أَوْ وَلَوْ فِي قَلِيلٍ مِنَ الْأَحْكَامِ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: مُفَارَقَةُ الْجَمَاعَةِ تَرْكُ السُّنَّةِ وَاتِّبَاعُ الْبِدْعَةِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُفَارَقَةَ الْجَمَاعَةِ مُتَارَكَةُ إِجْمَاعِهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (فَقَدْ خَلَعَ) أَيْ: نَزَعَ (رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ) أَيْ: ذِمَّتَهُ (مِنْ عُنُقِهِ) : إِلَّا أَنْ يَحْمِلَ الْإِسْلَامُ عَلَى كَمَالِهِ، أَوِ الْمُرَادُ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّخْوِيفِ وَالتَّنْفِيرِ عَنْ هَذِهِ الْمُفَارَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى ذَلِكَ تُؤَدِّي إِلَى الْخَلْعِ الْحَقِيقِيِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الرِّبْقَةُ: عُرْوَةٌ فِي حَبْلٍ تُجْعَلُ فِي عُنُقِ الْبَهِيمَةِ أَوْ يَدِهَا تَمْسِكُهَا، فَاسْتُعِيرَتْ لِانْقِيَادِ الرَّجُلِ وَاسْتِسْلَامِهِ لِأَحْكَامِ الشَّرْعِ وَخَلْعُهَا ارْتِدَادُهُ وَخُرُوجُهُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 416
١٨٦ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ﵁ مُرْسَلًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ» ". رَوَاهُ فِي (الْمُوَطَّأِ)
ــ
١٨٦ - (وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) : ﵁ وَهُوَ الْإِمَامُ مَالِكٌ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ (مُرْسَلًا) : اعْلَمْ أَنَّ الْمُرْسَلَ هُوَ أَنْ يَقُولَ التَّابِعِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ أَنَّ قَوْلَ مَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ أَيْضًا يُسَمَّى مُرْسَلًا، وَبِهِ ذَهَبَ الْخَطِيبُ، لَكِنْ قَالَ: إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُوصَفُ بِهِ رِوَايَةُ التَّابِعِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اهـ.
فَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهِ ; فَإِنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ) أَيْ: شَيْئَيْنِ عَظِيمَيْنِ أَوْ حَكَمَيْنِ بِفَتْحِهِمَا (لَنْ تَضِلُّوا) ؟ أَيْ: لَنْ تَقَعُوا فِي الضَّلَالَةِ (مَا تَمَسَّكْتُمْ) أَيْ: مُدَّةَ تَمَسُّكِكُمْ (بِهَا) أَيْ: بِالْأَمْرَيْنِ مَعًا (كِتَابَ اللَّهِ) : أَيِ: الْقُرْآنَ (وَسُنَّةَ رَسُولِهِ) أَيْ: حَدِيثَ رَسُولِهِ، وَهُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، أَوْ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي. وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ بِتَقْدِيرِهِمَا، ثُمَّ فِي الْعُدُولِ عَنْ سُنَّتِي مُبَالَغَةٌ فِي زِيَادَةِ شَرَفِهِ وَالْحَثِّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِسُنَّتِهِ بِذِكْرِهِ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ خِلَافَتُهُ عَنِ اللَّهِ وَقِيَامُهُ بِرِسَالَتِهِ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ لَيْسَ إِلَّا مِنْ تِلْكَ الرِّسَالَةِ لَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ.
стр. 417
(رَوَاهُ) أَيْ: مَالِكٌ وَفِيهِ أَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ مَالِكٍ فِي (الْمُوَطَّأِ) : فَكَانَ حَقُّ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ التَّابِعِيَّ مَكَانَ مَالِكٍ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ يَقُولُ فِي الْآخِرِ: رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا لِأَنَّهُ مِنَ الْمُخْرِجِينَ، أَوْ يَقُولُ: كَذَا فِي الْمُوَطَّأِ مَعَ أَنَّهُ يَبْقَى مُنَاقَشَةٌ أُخْرَى فِي قَوْلِهِ: " عَنْ " فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى رَاوٍ عَنْهُ وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ، ثُمَّ الْمُوَطَّأُ بِالْهَمْزِ، وَقِيلَ بِالْأَلْفِ كِتَابٌ مَشْهُورٍ مُصَنَّفٌ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ، قَرَأَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَقِّهِ: هُوَ أَصَحُّ الْكُتُبِ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ، لَكِنَّ هَذَا قَبْلَ وُجُودِ الصَّحِيحَيْنِ وَإِلَّا فَصَحِيحُ الْبُخَارِيِّ هُوَ الْأَصَحُّ مُطْلَقًا عَلَى الْأَصَحِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 418
١٨٧ - وَعَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ الثُّمَالِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ ; فَتَمَسُّكٌ بِسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ إِحْدَاثِ بِدْعَةٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٨٧ - (وَعَنْ غُضَيْفٍ) : بِالْمُعْجَمَتَيْنِ مُصَغَّرًا، وَقِيلَ بِالظَّاءِ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ غُضَيْفٍ فَأَثْبَتَ صُحْبَتَهُ، وَغُضَيْفٌ تَابِعِيٌّ وَهُوَ أَشْبَهُ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: يُكَنَّى أَبَا أَسْمَاءَ، شَامِيٌّ، أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ وَقَالَ: وُلِدْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعْتُهُ وَصَافَحَنِي، وَسَمِعَ عُمَرَ، وَأَبَا ذَرٍّ، وَعَائِشَةَ، وَرَوَى عَنْهُ مَكْحُولٌ وَسُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ (ابْنِ الْحَارِثِ الثُّمَالِيِّ) : بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ نِسْبَةً إِلَى ثُمَالَةَ بَطْنٌ مِنَ الْأَزْدِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَا أَحْدَثَ) أَيْ: أَبْدَعَ وَجَدَّدَ (قَوْمٌ بِدْعَةً) أَيْ: مُزَاحِمَةً لِسُنَّةٍ (إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا) أَيْ: مِقْدَارُهَا فِي الْكَمِّيَّةِ أَوِ الْكَيْفِيَّةِ (مِنَ السُّنَّةِ) وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: سُمِّيَ الضِّدُّ مِثْلًا لِأَنَّهُ أَقْرَبُ خُطُورًا بِالْبَالِ عِنْدَ ذِكْرِهِ، وَأَسْرَعُ ثُبُوتًا عِنْدَ ارْتِفَاعِهِ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا تَنَاسُبٌ مَا (فَتَمَسُّكٌ) : جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ إِذَا عَزَمْتَ ذَلِكَ فَتَمَسُّكٌ (بِسُنَّةٍ) أَيْ: صَغِيرَةٍ أَوْ قَلِيلَةٍ كَإِحْيَاءِ آدَابِ الْخَلَاءِ مَثَلًا عَلَى مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيُّ: أَيْ سُنَّةٍ قَذِرَةٍ، فَلَغْزَةُ قَلَمٍ وَزَلَّةُ قَدَمٍ مِمَّا يَنْفُرُ عَنْهُ الطَّبْعُ وَيَمُجُّهُ السَّمْعُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَوْلَا اشْتِهَارُ عِلْمِ الرَّجُلِ وَتَحْقِيقِهِ وَحُسْنِ حَالِهِ وَطَرِيقِهِ لَقُضِيَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، كَيْفَ؟ ! وَأَصْحَابُنَا مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ مَنِ اسْتَقْذَرَ شَيْئًا مَنْسُوبًا إِلَيْهِ ﵊ كَفَرَ وَالسُّنَّةُ مَنْسُوبَةٌ إِلَيْهِ فَوَصْفُهَا بِالْقَذَارَةِ يُوقِعُ فِي تِلْكَ الْوَرْطَةِ لَوْلَا إِمْكَانُ تَأْوِيلِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَصِفْهَا بِالْقَذَارَةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا سُنَّةً، بَلْ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقِ فِعْلِهَا بِمُسْتَقْذَرٍ، وَهَذَا بِفَرْضِ قَبُولِهِ إِنَّمَا يَمْنَعُ الْكُفْرَ فَحَسْبُ لَا الشَّنَاعَةَ وَالْقُبْحَ وَسُوءَ الْأَدَبِ! (خَيْرٌ مِنْ إِحْدَاثِ بِدْعَةٍ) أَيْ: أَفْضَلُ مِنْ حَسَنَةٍ عَظِيمَةٍ كَبِنَاءِ رِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ قَبِيلِ: الْعَسَلُ أَحْلَى مِنَ الْخَلِّ، وَعَلَى حَدِّ: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ، فَالتَّقْدِيرُ حِينَئِذٍ التَّمَسُّكُ بِسُنَّةٍ فِيهِ خَيْرٌ عَظِيمٌ، وَبِبِدْعَةٍ لَا خَيْرَ فِيهِ
стр. 419
أَصْلًا، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَمَا مَثَّلَهُ الطِّيبِيُّ أَوَّلًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْبِدْعَةَ الْحَسَنَةَ مُلْحَقَةٌ بِالسُّنَنِ الْمَنْصُوصَةِ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ تُؤْلَفْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ سُمِّيَتْ بِدْعَةً، وَأَمَا ثَانِيًا فَنَحْوُ الْمَدْرَسَةِ نَفْعُهَا عَامٌّ دَائِمٌ وَثَوَابُهَا مُتَضَاعِفٌ بَاقٍ بِبَقَائِهَا، فَكَيْفَ يُفَضَّلُ عَلَيْهَا مَا نَفْعُهُ قَاصِرٌ وَثَوَابُهُ مُنْقَطِعٌ بِانْقِضَاءِ فِعْلِهِ هَذَا مِمَّا لَا يُعْقَلُ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ ﵊ الْمُبَالَغَةُ فِي مُتَابَعَتِهِ، وَأَنَّ سُنَّتَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا سُنَّةٌ أَفْضَلُ مِنْ بِدْعَةٍ وَلَوْ كَانَتْ مُسْتَحْسَنَةً مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهَا مُتَعَدِّيَةً أَوْ قَاصِرَةً أَوْ دَائِمَةً أَوْ مُنْقَطِعَةً، أَلَا تَرَى أَنَّ تَرْكَ سُنَّةٍ أَيِّ سُنَّةٍ تَكَاسُلًا يُوجِبُ اللَّوْمَ وَالْعِتَابَ وَتَرْكُهَا اسْتِخْفَافًا يُثْبِتُ الْعِصْيَانَ وَالْعِقَابَ وَإِنْكَارُهَا يَجْعَلُ صَاحِبَهُ مُبْتَدِعًا بِلَا ارْتِيَابٍ، وَالْبِدْعَةُ وَلَوْ كَانَتْ مُسْتَحْسَنَةٌ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا جَعْلُ خَيْرٍ بِغَيْرِ مَعْنَى التَّفْضِيلِ فَبَعِيدٌ، بَلْ تَحْصِيلُ حَاصِلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ فَائِدَةٌ تَامَّةٌ وَلَا مُبَالَغَةٌ كَامِلَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) ، قَالَ مَيْرَكُ: بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.
стр. 420
١٨٨ - وَعَنْ حَسَّانَ، قَالَ: مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلَّا نَزَعَ اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا، ثُمَّ لَا يُعِيدُهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
١٨٨ - (وَعَنْ حَسَّانَ) : غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَلَى أَنَّهُ فَعْلَانُ، وَقَدْ يَنْصَرِفُ عَلَى أَنَّهُ فَعَّالٌ، وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُكَنَّى أَبَا الْوَلِيدِ الْأَنْصَارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ، وَهُوَ مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَجْمَعَتِ الْعَرَبُ عَلَى أَنَّ أَشْعَرَ أَهْلِ الْمَدَرِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، رَوَى عَنْهُ عُمَرُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ، وَمَاتَ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، وَقِيلَ: سَنَةُ خَمْسِينَ، وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، عَاشَ مِنْهَا سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَامِ (قَالَ) أَيْ: حَسَّانُ (مَا ابْتَدَعَ قُوْمٌ بِدْعَةً) أَيْ سَيِّئَةً مُزَاحِمَةً لِسُنَّةٍ (فِي دِينِهِمْ إِلَّا نَزَعَ اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا) أَيْ فِي الْعَدَدِ وَالْقَدْرِ، أَوْ مِنْ شَآمَةِ ارْتِكَابِ الْبِدْعَةِ يُحْرَمُونَ مِنْ بَرَكَاتِ السُّنَّةِ (ثُمَّ لَا يُعِيدُهَا) : أَيِ اللَّهُ تِلْكَ الْحَسَنَةَ (إِلَيْهِمْ) أَيْ إِلَى ذَلِكَ الْقَوْمِ الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى ابْتِدَاعِ السَّيِّئَةِ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ كَانَتْ مُتَأَصِّلَةً مُسْتَقِرَّةً فِي مَكَانِهَا، فَلَمَّا أُزِيلَتْ عَنْهُ لَمْ يُمْكِنْ إِعَادَتُهَا كَمَا كَانَتْ أَبَدًا فَمَثَلُهَا كَمَثَلِ شَجَرَةٍ ضَرَبَتْ عُرُوقَهَا فِي تُخُومِ الْأَرْضِ، فَإِذَا قُلِعَتْ لَمْ يُمْكِنْ إِعَادَتُهَا كَمَا كَانَتْ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) . أَيْ: مَوْقُوفًا، لَكِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى إِخْبَارٍ بِغَيْبٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ثُمَّ. . إِلَى. . . إِلَخْ. فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.
стр. 421
١٨٩ - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ، فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) مُرْسَلًا.
ــ
١٨٩ - (وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ) : بِفَتْحِ السِّينِ الطَّائِفِيِّ، يُعَدُّ فِي التَّابِعِينَ، ثِقَةٌ صَحِيحُ الْحَدِيثِ، حَدِيثُهُ فِي أَهْلِ مَكَّةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ وَقَّرَ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: عَظَّمَ أَوْ نَصَرَ (صَاحِبَ بِدْعَةٍ) : سَوَاءٌ كَانَ دَاعِيًا لَهَا أَمْ لَا. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: كَأَنْ قَامَ وَصَدَّرَهُ فِي مَجْلِسٍ أَوْ خَدَمَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يُلْجِئُهُ إِلَى ذَلِكَ (فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ) أَيْ: إِسْلَامِهِ أَوْ كَمَالِ إِسْلَامِهِ أَوْ عَلَى هَدْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْإِسْلَامِ السُّنَّةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ، فَإِذَا كَانَ حَالُ الْمُوَقِّرِ كَذَا، فَمَا حَالُ الْمُبْتَدِعِ؟ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ سُنَّةٍ كَانَ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ، وَكَذَا مَنْ أَهَانَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ يُخَالِفُ حُكْمَهُ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مُرْسَلًا) . لِإِسْقَاطِ الصَّحَابِيِّ مِنَ السَّنَدِ.
стр. 422
١٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَنْ تَعَلَّمَ كِتَابَ اللَّهِ ثُمَّ اتَّبَعَ مَا فِيهِ ; هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ فِي الدُّنْيَا، وَوَقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: مَنِ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللَّهِ لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] . رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
١٩٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ) أَيْ مَوْقُوفًا (مَنْ تَعَلَّمَ كِتَابَ اللَّهِ) : نَظَرًا أَوْ حِفْظًا أَوْ عِلْمًا بِمَعْنَاهُ (ثُمَّ اتَّبَعَ مَا فِيهِ) : مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ (هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ) : ضَمَّنَ هَدَى مَعْنَى آمَنَ، فَعَدَّاهُ بِمَنْ أَيْ آمَنَهُ اللَّهُ مِنِ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ مَنِ اتَّبَعَ الْقُرْآنَ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْهِدَايَةِ، وَوَقَاهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الضَّلَالَةِ مَا دَامَ يَعِيشُ (فِي الدُّنْيَا، وَوَقَاهُ) أَيْ: حَفِظَهُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ) أَيْ: مُنَاقَشَتَهُ الْمُؤَدِّيَةَ إِلَى السُّوءِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ نُوقِشَ فِي الْحِسَابِ عُذِّبَ» "
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ سَعَادَةَ الدَّارَيْنِ مَنُوطَةٌ بِمُتَابَعَةِ كِتَابِ اللَّهِ اهـ. وَمُتَابَعَتُهُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﵊ وَمُتَابَعَتِهِ، فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ شَرْعًا لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ. (وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ:) أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (مَنِ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللَّهِ) أَيْ: فِي الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا (لَا يَضِلُّ) أَيْ: لَا يَقَعُ فِي الضَّلَالَةِ (فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى) أَيْ: لَا يَتْعَبُ وَلَا يُعَذَّبُ (فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ) اسْتِشْهَادًا لِمَا قَالَهُ ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾ [طه: ١٢٣] أَيْ مَا يُهْدَى بِهِ، أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمَصْدَرُ مُبَالَغَةً، وَهُوَ الْقُرْآنُ بِقَرِينَةِ الْإِضَافَةِ أَيِ: الْهِدَايَةُ الْمَخْصُوصَةُ بِي الْمَنْسُوبَةُ إِلَيَّ، وَفِي مَعْنَاهَا الْهِدَايَةُ النَّبَوِيَّةُ وَالسُّنَّةُ الْمُصْطَفَوِيَّةُ، وَلِذَا قَالَ فِي الْمَعَالِمِ أَيِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] : ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفْيَ الضَّلَالَةِ فِي الدُّنْيَا، وَنَفْيَ التَّعَبِ فِي الْآخِرَةِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ.
وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَّرِيُّ: مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى وَهُوَ مُلَازَمَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لَا يَضِلُّ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُعِدَّ التَّعَبَ الدُّنْيَوِيَّ مَعَ النَّعِيمِ الْأُخْرَوِيِّ تَعَبًا أَوْ لِانْشِرَاحِ صَدْرِهِ وَاطْمِئْنَانِ قَلْبِهِ وَتَسْلِيمِهِ تَحْتَ الْقَضَاءِ مَعَ الرِّضَا ارْتَفَعَ التَّعَبُ كُلُّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ رَزِينٌ) .
стр. 423
١٩١ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَنْ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرَخَاةٌ، وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: اسْتَقِيمُوا عَلَى الصِّرَاطِ وَلَا تَعْوَجُّوا، وَفَوْقَ ذَلِكَ دَاعٍ يَدْعُو، كُلَّمَا هَمَّ عَبْدٌ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ! لَا تَفْتَحْهُ ; فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ ". ثُمَّ فَسَّرَهُ فَأَخْبَرَ: " أَنَّ الصِّرَاطَ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَأَنَّ الْأَبْوَابَ الْمُفَتَّحَةَ مَحَارِمُ اللَّهِ، وَأَنَّ السُّتُورَ الْمُرَخَاةَ حُدُودُ اللَّهِ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ مِنْ فَوْقِهِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ» ". رَوَاهُ رَزِينٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
١٩١ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا) أَيْ: بَيَّنَ مَثَلًا (صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) : بَدَلٌ مِنْ مَثَلًا عَلَى إِهْدَامِ الْمُبْدَلِ، كَمَا فِي قَوْلِكَ: زِيدٌ رَأَيْتُ غُلَامَهُ رَجُلًا صَالِحًا (وَعَنْ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ) : بِفَتْحِ النُّونِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ نَقَلَهُ مَيْرَكُ أَيْ: عَنْ طَرَفَيْهِ وَجَانِبَيْهِ يَعْنِي يَمِينَهُ وَيَسَارَهُ (سُورَانِ) : وَالْجُمْلَةُ حَالٌ عَنْ صِرَاطًا (فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ) : الْجُمْلَةُ صِفَةُ سُورَانِ أَيْ: جِدَارَانِ فَاصِلَانِ بَيْنَ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَطَرَفَيْهِ الْخَارِجَيْنِ عَنِ الصِّرَاطِ الْقَوِيمِ، الْمُشَبَّهَيْنِ بِسُورِ الْبَلَدِ مِنْ جَنَبَتَيْهِ، أَحَدُ جَانِبَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَالْآخَرُ مِنَ الْعَدُوِّ وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ) : جَمْعُ السِّتْرِ بِالْكَسْرِ (مُرَخَاةٌ) أَيْ: مُرْسَلَةٌ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْأَبْوَابِ فِي " مُفَتَّحَةٌ "، وَوَضْعُ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إِلَى صَاحِبِهَا لِإِفَادَةِ التَّفْخِيمِ (وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّرَاطِ) أَيْ: عَلَيْهِ (دَاعٍ) : عَطُوفٌ عَلَى وَعَنْ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ (يَقُولُ) : أَيِ الدَّاعِي (اسْتَقِيمُوا) : أَيِ اسْتَوُوا (عَلَى الصِّرَاطِ وَلَا تَعْوَجُّوا) : بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ مِنَ الِاعْوِجَاجِ، كَذَا فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ وَغَيْرِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ، أَيْ: لَا تَمِيلُوا إِلَى الْأَطْرَافِ.
стр. 424
قَالَ الطِّيبِيُّ: عَطَفَ عَلَى " اسْتَقِيمُوا " عَلَى الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، لِأَنَّ مَفْهُومَ كُلٍّ مِنْهُمَا يُقَرِّرُ مَنْطُوقَ الْآخَرِ وَبِالْعَكْسِ (وَفَوْقَ ذَلِكَ) : عَطْفٌ عَلَى: وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّرَاطِ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الصِّرَاطُ أَوِ الدَّاعِي (دَاعٍ يَدْعُو، كُلَّمَا هَمَّ عَبْدٌ) أَيْ: قَصَدَ وَأَرَادَ (أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا) أَيْ: قَدْرًا يَسِيرًا (مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ) أَيْ: سُتُورِهَا.
قَالَ الطِّيبِيُّ: كُلَّمَا ظَرْفٌ يَسْتَدْعِي الْجَوَابَ وَهُوَ: قَالَ اهـ. وَالضَّمِيرُ فِي (قَالَ) : رَاجِعٌ إِلَى الدَّاعِي (وَيْحَكَ) : زَجْرٌ لَهُ عَنْ تِلْكَ الْهِمَّةِ، وَهِيَ كَلِمَةُ تَرَحُّمٍ وَتَوَجُّعٍ تُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، يَعْنِي ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِمُجَرَّدِ الزَّجْرِ عَمَّا هَمَّ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ (لَا تَفْتَحْهُ) أَيْ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ أَيْ سُتُورِهَا. وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأَبْوَابَ مَرْدُودَةٌ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ سَابِقًا " أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ ": غَيْرُ مُغْلَقَةٍ اهـ. وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ (فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ) أَيْ: تَدْخُلْهُ يَعْنِي: لَا تَقْدِرُ أَنْ تَمْلِكَ نَفْسَكَ وَتُمْسِكَهَا عَنِ الدُّخُولِ بَعْدَ الْفَتْحِ. (ثُمَّ فَسَّرَهُ) أَيْ: أَرَادَ تَفْسِيرَهُ (فَأَخْبَرَ: أَنَّ الصِّرَاطَ هُوَ الْإِسْلَامُ) : وَهُوَ طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْعَبْدِ الِاسْتِقَامَةُ عَلَيْهِ (وَأَنَّ الْأَبْوَابَ الْمُفَتَّحَةَ مَحَارِمُ اللَّهِ) : فَإِنَّهَا أَبْوَابٌ لِلْخُرُوجِ عَنْ كَمَالِ الْإِسْلَامِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَالدُّخُولِ فِي الْعَذَابِ وَالْمَلَامَةِ (وَأَنَّ السُّتُورَ الْمُرَخَاةَ حُدُودُ اللَّهِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَمَحَارِمِ اللَّهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] اهـ.
وَالظَّاهِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ السُّتُورِ الْأُمُورُ الْمَسْتُورَةُ غَيْرُ الْمُبَيَّنَةِ مِنَ الدِّينِ الْمُسَمَّاةُ بِالشُّبْهَةِ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِ " حَوْلَ الْحِمَى " فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ. (وَأَنَّ الدَّاعِيَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَالدَّاعِي بِالرَّفْعِ (عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ مِنْ فَوْقِهِ) أَيْ: فَوْقِ الصِّرَاطِ أَوْ مِنْ فَوْقِ الدَّاعِي الْأَوَّلِ (هُوَ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ لَمَّةُ الْمَلَكِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، وَاللَّمَّةُ الْأُخْرَى هِيَ لَمَّةُ الشَّيْطَانِ اهـ. أَيِ: الَّتِي أَثَرُهَا الْهَمُّ، وَكَانَ الْأَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ: وَالْهَمُّ لَمَّةُ الشَّيْطَانِ. (رَوَاهُ رَزِينٌ) . أَيْ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 425
١٩٢ - وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ أَخْصَرَ مِنْهُ.
ــ
١٩٢ - (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ النَّوَّاسِ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ (ابْنِ سِمْعَانَ) : بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا، وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، كِلَابِيٌّ سَكَنَ الشَّامَ، وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْهُمْ، رَوَى عَنْهُ جُبَيْرُ بْنُ نَفِيرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ الْخَوْلَانِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ. (وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ) أَيْ: رَوَى عَنِ النَّوَّاسِ (إِلَّا أَنَّهُ) : أَيِ: التِّرْمِذِيُّ (ذَكَرَ أَخْصَرَ مِنْهُ) . أَيْ: مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، أَوْ أَخْصَرَ مِمَّا ذَكَرَ غَيْرُهُ.
следующие страницы →