Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
وَفِيهِ أَنَّهُ إِفْرَادُ الْحَجِّ بِدُونِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ خِلَافِ الْأَفْضَلِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَيْضًا، فَكَيْفَ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ؟ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ عُمْرَةً حَتَّى يُوَفِّيَ أَعْمَالَهَا مِنَ السَّعْيِ وَالْحَلْقِ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى الطَّوَافِ، كَمَا تُفِيدُهُ رِوَايَةُ: ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، أَيِ: الطَّوَافُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ طَوَافَهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِلْقُدُومِ، وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا لِلْمُفْرِدِ، وَلِلْقَارِنِ أَفْعَالٌ تَتَدَاخَلُ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا.
(ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ) أَيْ: بَعْدَهُ ﵊ (فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ) بِالرَّفْعِ (بَدَأَ بِهِ) الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مِثْلَ ذَلِكَ) بِالنَّصْبِ أَيْ: فَعَلَا مِثْلَ ذَلِكَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ، أَيْ: فِعْلُهُمَا مِثْلُ ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ عُمْرَةٌ مُفْرَدَةٌ بَعْدَ حَجِّهِمْ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: إِنَّ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ لِلْعُمْرَةِ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ لِضَرُورَةِ رَفْضِ عُمْرَتِهَا، ثُمَّ إِتْيَانِ قَضَائِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ لِلْمَصَابِيحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: قَوْلُهُ: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، كَذَا فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ، وَمَعْنَاهُ لَمْ يَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ نَسَقُ الْكَلَامِ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى تَمَامِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ لِمَا فِي سِيَاقِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ ﵀، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ ﵁ وَرِوَايَتُهُ: أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافَ، وَبِهِ انْدَفَعَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀: الصَّوَابُ أَنَّ الْكُلَّ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: إِلَّا أَنْ يَصِحَّ بِذَلِكَ نَقْلٌ مِنْ خَارِجٍ، وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ: " ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ " مَكَانَ: " ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عُمْرَةً " وَمَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَحَلُّلٌ بِالطَّوَافِ مِنَ الْإِحْرَامِ، بَلْ أَقَامُوا عَلَى إِحْرَامِهِمْ حَتَّى نَحَرُوا هَدْيَهُمْ.
стр. 3677
٢٥٦٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ، أَوِ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٥٦٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِالْحَجِّ (أَوْ بِالْعُمْرَةِ) الظَّاهِرُ أَنَّ: " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ لِيَسْتَقِيمَ قَوْلُهُ (كَانَ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ) ظَرْفُ (سَعَى) جَوَابٌ لِلشَّرْطِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفَ " طَافَ " أَيْ: رَمَلَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ: (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ) أَيْ: أَشْوَاطٍ، وَنَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ فِيهِ، لَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ كَمَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، وَالْمُرَادُ بِالرَّمَلِ: الْخَبَبُ، وَهُوَ أَنْ يُقَارِبَ خُطَاهُ بِسُرْعَةٍ مِنْ غَيْرِ عَدْوٍ، وَلَا وَثْبٍ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ دُونَ الْخَبَبِ،، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ الْعَدْوُ الشَّدِيدُ (وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ) أَيْ: صَلَّى (سَجْدَتَيْنِ) أَيْ: رَكْعَتَيْنِ لِلطَّوَافِ (ثُمَّ يَطُوفُ) أَيْ: يَسْعَى (بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُضَارِعِ فِيهِ، وَفِي " يَقْدَمُ " لِحِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3678
٢٥٦٥ - وَعَنْهُ قَالَ: «رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٥٦٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (قَالَ: رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحَجَرِ) أَيِ: الْأَسْوَدِ (إِلَى الْحَجَرِ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَرْمُلْ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ (ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَمَنْ يَسْعَى) أَيْ: يُسْرِعُ، وَيَشْتَدُّ عَدْوًا (بِبَطْنِ الْمَسِيلِ) : اسْمُ مَوْضِعٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَجَعَلَ عَلَامَتَهُ بِالْأَمْيَالِ الْخُضْرِ (إِذَا طَافَ) أَيْ: سَعَى (بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) .
وَالسَّعْيُ: وَاجِبٌ عِنْدَنَا رُكْنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَالْإِسْرَاعُ سُنَّةٌ اتِّفَاقًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، اعْلَمْ أَنَّ رَمَلَهُ ﵊ وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَكَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ، فَلِذَا قَدَّمُوهُ عَلَى خَبَرِ مُسْلِمٍ أَيْضًا الْوَاقِعِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ سَنَةَ سَبْعٍ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا قَدِمُوا لِيَفْعَلُوهَا قَالَ كُفَّارُ مَكَّةَ فِيهِمْ: إِنَّ حُمَّى يَثْرِبَ
стр. 3679
وَهَنَتْهُمْ، وَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ، فَأَمَرَ ﵊ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا فِيمَا يَلِي الْحَجَرَ فَقَطْ، فَتَعَجَّبَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ بَقَاءِ جَلَدِهِمْ، وَقُوَّتِهِمْ، وَلِذَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ (كَأَنَّهُمُ الْغِزْلَانُ) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رِوَايَةُ: لَمْ يَمْنَعْهُ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَمَرَّ شَرْعُهُ بِدَلِيلِ فِعْلِهِ ﵊ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مَعَ زَوَالِ سَبَبِهِ مِنْ إِظْهَارِ الْقُوَّةِ لِلْكُفَّارِ لِيَسْتَحْضِرَ فَاعِلُهُ سَبَبَهُ، وَهُوَ ظُهُورُ الْكُفَّارِ، لَا سِيَّمَا بِذَلِكَ الْمَحَلَّ الْأَشْرَفَ، ثُمَّ انْطِفَاءَهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَيَزِيدُ شُكْرَهُ لِرَبِّهِ عَلَى إِعْزَازِ دِينِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أَحْوَالَ الصَّحَابَةِ ﵃ وَمَا قَاسُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّدَّةِ فِي الْخِدْمَةِ.
وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: فِيمَا الرَّمَلُ وَكَشْفُ الْمَنَاكِبِ فِي الِاضْطِبَاعِ، وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ، وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَتْرُكُ شَيْئًا نَصْنَعُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 3680
٢٥٦٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٥٦٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ) أَيِ: الْأَسْوَدَ الْأَسْعَدَ (فَاسْتَلَمَهُ) أَيْ: لَمَسَهُ، وَقَبَّلَهُ، وَلَيْسَ فِي الْمَشَاهِيرِ السَّجْدَةُ عَلَيْهِ، وَلَا التَّثْلِيثُ لَدَيْهِ (ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ) أَيْ: يَمِينِ نَفْسِهِ مِمَّا يَلِي الْبَابَ، وَقِيلَ: عَلَى يَمِينِ الْحَجَرِ، وَالْمَعْنَى يَدُورُ، وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ عَلَى يَسَارِهِ، لِيَكُونَ الْقَلْبُ الَّذِي هُوَ بَيْتُ الرَّبِّ مُحَاذِيًا لِبَيْتِ اللَّهِ فِي مَقَامِ الْقُرْبِ. (فَرَمَلَ ثَلَاثًا) أَيْ: فِي ثَلَاثِ مَرَّاتٍ مِنَ الْأَشْوَاطِ (وَمَشَى أَرْبَعًا) أَيْ: بِالسُّكُونِ وَالْهَيْنَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3681
٢٥٦٧ - وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٥٦٧ - (وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَكَذَا فِي " الْكَاشِفِ " وَالْمَذْكُورُ فِي " جَامِعِ الْأُصُولِ " أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ عَدِيٍّ مِنَ التَّابِعِينَ اهـ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ: إِنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ عَدِيٍّ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَرَبِيِّ تَابِعِيٌّ بَصْرِيٌّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - اهـ.
فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ " الْكَاشِفِ " وَ " الْجَامِعِ " عَلَى مَا يُوهِمُهُ نَقْلُ الطِّيبِيِّ، وَالصَّحِيحُ مَا فِي " الْكَاشِفِ " لِأَنَّهُ مَنْ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ.
(قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ عَنِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ) أَهُوَ سُنَّةٌ؟ (فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ) أَيْ: بِاللَّمْسِ، وَوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ (وَيُقَبِّلُهُ) . (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 3682
٢٥٦٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٥٦٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ) : أَيْ: مِنْ أَرْكَانِهِ، أَوْ مِنْ أَجْزَائِهِ (إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ) : بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ الْأُولَى، وَيُشَدَّدُ: قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَالْيَمَانِي، وَالْآخَرَانِ يُسَمَّيَانِ الشَّامِيَّيْنِ اهـ. فَفِيهِمَا تَغْلِيبٌ، وَإِنَّمَا اسْتَلَمَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهُمَا بَقِيَا عَلَى بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ ﵊، وَاسْتِلَامُ الْحَجَرِ: لَمْسُهُ إِمَّا بِالْيَدِ، أَوْ بِالْقُبْلَةِ، أَوْ بِهِمَا، وَأَمَّا اسْتِلَامُ الْيَمَانِي، فَبِالْيَدِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِنَا.
قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ ﵀: فِي الْبَيْتِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ؛ الْأَوَّلُ: لَهُ فَضِيلَتَانِ: كَوْنُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِيهِ، وَكَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ﵊، وَالثَّانِي: كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ فَقَطْ، وَلَيْسَ لَلْآخَرَانِ شَيْءٌ مِنْهُمَا، وَلِذَلِكَ يُقَبَّلُ الْأَوَّلُ، وَيُسْتَلَمُ الثَّانِي، وَلَا يُقَبَّلُ الْآخَرَانِ، وَلَا يُسْتَلَمَانِ، هَذَا عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ تَقْبِيلَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي اهـ.
وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا قِيَاسًا عَلَى الرُّكْنِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3683
٢٥٦٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٥٦٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ) : وَهَذَا فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ إِمَّا لِخُصُوصِيَّةٍ، أَوْ لِعُذْرِيَّةٍ، فَإِنَّ الْمَشْيَ فِي الطَّوَافِ عِنْدَنَا وَاجِبٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: إِنَّمَا طَافَ رَاكِبًا مَعَ أَنَّ الْمَشْيَ أَفْضَلُ، لِيَرَاهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَذَلِكَ لِازْدِحَامِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ.
(يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ) : أَيْ: يُشِيرُ إِلَيْهِ بِعَصًا مُعْوَجَّةِ الرَّأْسِ كَالصَّوْلَجَانِ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3684
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: أَخْرَجَ السِّتَّةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ، لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ، وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ.
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ جَابِرٍ إِلَى قَوْلِهِ: " لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ " وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ» ، وَهُنَا إِشْكَالٌ حَدِيثِيٌّ، وَهُوَ أَنَّ الثَّابِتَ بِلَا شُبْهَةٍ أَنَّهُ رَمَلَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ الطَّوِيلُ، فَارْجِعْ إِلَيْهِ، وَهَذَا يُنَافِي طَوَافَهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَإِنْ أُجِيبَ بِحَمْلِ حَدِيثِ الرَّاحِلَةِ عَلَى الْعُمْرَةِ دَفَعَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي مُسْلِمٍ (طَافَ ﵊ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَنْصَرِفَ النَّاسُ عَنْهُ) وَمَرْجِعُ الضَّمِيرِ فِيهِ أَنَّهُ احْتَمَلَ كَوْنَهُ لِلرُّكْنِ، يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ طَافَ مَاشِيًا لَانْصَرَفَ النَّاسُ عَنِ الْحَجَرِ كُلَّمَا مَرَّ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَوْقِيرًا لَهُ أَنْ يُزَاحِمَ، لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ كَوْنَ مَرْجِعِهِ النَّبِيِّ ﷺ يَعْنِي لَوْ لَمْ يَرْكَبْ لَانْصَرَفَ النَّاسُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ رَامَ الْوُصُولَ إِلَيْهِ لِسُؤَالٍ، أَوْ لِرُؤْيَةٍ، أَوْ لِاقْتِدَاءٍ لَا يَقْدِرُ لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ حَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ مِنْ غَيْرِ تَحْصِيلِ حَاجَتِهِ، فَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ لِمُوَافَقَةِ هَذَا الِاحْتِمَالِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فَيَحْصُلُ اجْتِمَاعُ الْحَدِيثَيْنِ دُونَ تَعَارُضِهِمَا.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ فِي الْحَجِّ لِلْآفَاقِيِّ طَوْفَةً، فَيُمْكِنُ كَوْنُ الْمَرْوِيِّ مِنْ رُكُوبِهِ كَانَ فِي طَوَافِ الْفَرْضِ يَوْمَ النَّحْرِ لِيُعَلِّمَهُمْ، وَمَشْيُهُ كَانَ طَوَافَ الْقُدُومِ، وَهُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ الطَّوِيلُ؛ لِأَنَّهُ حُكِيَ فِي طَوَافِهِ الَّذِي بَدَأَ بِهِ أَوَّلَ دُخُولِ مَكَّةَ، كَمَا يُفِيدُهُ سَوْقُهُ لِلنَّاظِرِ فِيهِ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَهَلْ يُجْمَعُ بَيْنَ مَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ إِنَّمَا طَافَ رَاكِبًا لِيُشْرِفَ، وَيَرَاهُ النَّاسُ، فَيَسْأَلُونَهُ، وَبَيْنَ مَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ إِنَّمَا طَافَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَشْتَكِي، كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، أَنَّهُ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَعَ عِكْرِمَةَ، فَجَعَلَ حَمَّادٌ يَصْعَدُ الصَّفَا، وَعِكْرِمَةُ لَا يَصْعَدُهَا، فَقَالَ حَمَّادٌ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَا تَصْعَدُ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ؟ فَقَالَ: هَكَذَا كَانَ طَوَافُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قَالَ حَمَّادٌ ﵀: فَلَقِيتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَهُوَ شَاكٍ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ بِمِحْجَنٍ، فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَمَنْ أَحَلَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْعَدْ. اهـ.
فَالْجَوَابُ: نَعَمْ؛ بِأَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْعُمْرَةِ، فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَمَلَ بِالْبَيْتِ؟ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ، وَهَذَا لَازِمٌ أَنْ يَكُونَ فِي الْعُمْرَةِ إِذْ لَا مُشْرِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمَكَّةَ، فَالْجَوَابُ: يُحْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى عُمْرَةٍ غَيْرِ الْأُخْرَى، وَالْمُنَاسِبُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَوْنُهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ; لِأَنَّ الْإِرَادَةَ تُفِيدُهُ، فَلْيَكُنْ ذَلِكَ الرُّكُوبُ لِلشِّكَايَةِ فِي غَيْرِهَا، وَهِيَ عُمْرَةُ الْجِعِرَّانَةِ اهـ.
وَلَا مَانِعَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعِلَلِ، لِرُكُوبِهِ ﷺ أَوْ نَقُولُ: حَمَلَ الْمُطَّلِعُ عَلَى الشِّكَايَةِ رُكُوبَهُ لِعُذْرِ الْمَرَضِ، وَغَيْرُ الْمَطَّلِعِ حَمَلَهُ عَلَى مَا رَأَى مِنْ رَأْيِهِ، وَهَذَا عِنْدِي هُوَ الْجَوَابُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ حَمَلَ رُكُوبَهُ عَلَى أَنْ لَا يَنْصَرِفَ النَّاسُ عَنِ الرُّكْنِ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْعِلَّةِ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مَانِعَةً عَنِ الْأَمْرِ الْأَفْضَلِ، فَضْلًا عَنِ الْوَاجِبِ، فَتَأَمَّلْ، وَاخْتَرْ أَحْسَنَ الْعِلَلِ لِئَلَّا تَقَعَ فِي الزَّلَلِ، وَالْخَطَلِ.
ثُمَّ رَأَيْتُ الْجَمْعَ الذَّي اخْتَارَهُ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀ غَيْرَ مَنْطَبِقٍ عَلَى مَا فِي ظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْآتِي عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعِرَّانَةِ، فَهَلُّوا بِالْبَيْتِ، وَحَمَلَهُ عَلَى فِعْلِ الصَّحَابَةِ دُونَ فِعْلِهِ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ مِنَ الْغَرِيبِ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: طَافَ ﵊ رَاكِبًا، فَلَمْ يَكُنْ يَمَسُّ بِمَا فِي يَدِهِ الْحَجَرَ، بَلْ مَا فَوْقَهُ مِنَ الرُّكْنِ الْمُحَاذِي لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّ الرَّاكِبَ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِشَارَةِ يَدِهِ إِلَى مُحَاذَاةِ الرُّكْنِ حَقِيقَةً، فَمَا الْحَاجَةُ إِلَى ارْتِكَابِ الْمَجَازِ فِي صَنْعَتِهِ؟ وَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ مِنْ فَوْقِ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ، وَنَحْوِهِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ كَمَا لَا يَخْفَى.
стр. 3685
٢٥٧٠ - وَعَنْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٥٧٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ) أَيِ: الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الِاسْتِلَامِ، كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا. (وَكَبَّرَ) أَيْ: قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَالَ: " بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ " وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ قَالَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ ".
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " بِلَفْظِ: " وَقُولُوا «بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ إِيمَانًا بِاللَّهِ، وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ » - " وَصَحَّ عَنْ عَلَيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ: " بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ ". وَالْمُرَادُ بِالْعَهْدِ: عَهْدُ الْمِيثَاقِ.
وَفِي خَبَرِ الطَّبَرَانِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ عِنْدَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي، وَاللَّهُ أَكْبَرُ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الرُّكْنَيْنِ.
стр. 3686
٢٥٧١ - وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٥٧١ - (وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ) أَيْ: رَاكِبًا (وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ) أَيْ: يُشِيرُ إِلَيْهِ (بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ) أَيْ: بَدَلَ الْحَجَرِ لِلْمَاشِي (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3687
٢٥٧٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: (لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ؟ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٢٥٧٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَذْكُرُ) أَيْ: فِي تَلْبِيَتِنَا، أَوْ فِي مُحَاوَرَتِنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ: لَا تَقْصِدُ (إِلَّا الْحَجَّ) فَإِنَّهُ الْأَصْلُ الْمَطْلُوبُ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ، فَإِنَهَا أَمْرٌ مَنْدُوبٌ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِهَا فِي اللَّفْظِ عَدَمُ وُجُودِهَا فِي النِّيَّةِ (فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ) أَيْ: نَازِلِينَ بِهَا، أَوْ وَاصِلِينَ إِلَيْهَا، وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ مَمْنُوعًا، وَمَصْرُوفًا بِتَأْوِيلِ الْبُقْعَةِ، أَوِ الْمَكَانِ اسْمُ مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْ مَكَّةَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ، أَوِ اثْنَى عَشَرَ، كَذَا قِيلَ، وَالْأَخِيرَانِ لَا يَصِحَّانِ. (طَمِثْتُ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُكْسَرُ أَيْ: حِضْتُ (فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي) أَيْ: ظَنًّا مِنِّي أَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ الْحَجَّ (فَقَالَ: لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟) بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّهَا، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ أَيْ: حِضْتِ، وَأَمَّا الْوِلَادَةُ، فَيُقَالُ فِيهِ: نُفِسْتِ بِالضَّمِّ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ (قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: " فَإِنَّ ذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ أَيْ: نِفَاسَكِ بِمَعْنَى حَيْضِكِ (شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ) أَيْ: قَدَّرَهُ (عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) تَبَعًا لِأُمِّهِنَّ حَوَّاءَ لَمَّا أَكَلَتْ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَأَدْمَتْهَا، فَقَالَ - تَعَالَى - لَهَا: لَئِنْ أَدْمَتْهَا لَأُدْمِيَنَّكِ وَبَنَاتِكِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهَا إِذِ الْبَلِيَّةُ إِذَا عَمَّتْ طَابَتْ. ( «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْمَفْعُولِ بِهِ، و " لَا " زَائِدَةٌ. (حَتَّى تَطْهُرِي) أَيْ: بِالِانْقِطَاعِ، وَالِاغْتِسَالِ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: " حَتَّى تَغْتَسِلِي ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ يُنَافِي قَوْلَهَا السَّابِقَ: وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ قَوْلُهَا: لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ أَيْ: مَا كَانَ قَصْدُنَا الْأَصْلِيُّ مِنْ هَذَا السَّفَرِ إِلَّا الْحَجَّ بِأَحَدِ أَنْوَاعِهِ مِنَ الْقِرَانِ، وَالتَّمَتُّعِ، وَالْإِفْرَادِ، فَمِنَّا مَنْ أَفْرَدَ وَمِنَّا مَنْ قَرَنَ، وَمِنَّا مَنْ تَمَتَّعَ، وَأَنِّي قَصَدْتُ التَّمَتُّعَ فَاعْتَمَرْتُ، ثُمَّ لَمَّا حَصَلَ لِي عُذْرُ الْحَيْضِ، وَاسْتَمَرَّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، وَوَقْتِ وُقُوفِ الْحَجِّ، أَمَرَنِي أَنْ أَرْفُضَهَا وَأَفْعَلَ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ، وَكَذَلِكَ السَّعْيُ إِذْ لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ الطَّوَافِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا تَقْدِيرُ ابْنِ حَجْرٍ، " فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: أَهِلِّي بِالْحَجِّ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ ثَانِيًا، وَأَنَا أَبْكِي " فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا مَرَّ " فَتَدَبَّرْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3688
٢٥٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ، أَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ: ( «أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٥٧٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ) أَيْ: أَرْسَلَنِي (فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ: جَعَلَهُ أَمِيرَ قَافِلَةِ الْحَجِّ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ (عَلَيْهَا) مُتَعَلِّقٌ بِأَمْرِهِ أَيْ: عَلَى الْحَجَّةِ (قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) أَيْ: بِسَنَةٍ (يَوْمَ النَّحْرِ) ظَرْفُ " بَعَثَ " (فِي رَهْطٍ) أَيْ: فِي جُمْلَةِ رَهْطٍ، أَيْ: مَعَ رَهْطٍ (أَمَرَهُ) بِالتَّخْفِيفِ (يُؤَذِّنَ) بِالتَّشْدِيدِ، وَفِي نُسْخَةٍ: (أَنْ يُؤْذِنَ) ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الرَّهْطِ، وَالْإِفْرَادُ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الِالْتِفَاتِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ قُلْتُ: أَوْ عَلَى التَّجْرِيدِ، أَوِ التَّقْدِيرِ، أَمَرَ أَحَدَ الرَّهْطِ أَنْ يُنَادِيَ (فِي النَّاسِ: " أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ (لَا يَحُجُّ) بِضَمِّ الْجِيمِ نَهْيٌ، أَوْ نَفْيٌ مَعْنَاهُ نَهْيٌ، وَيُفْتَحُ، وَيُكْسَرُ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ: لَا يَحُجَّنَّ (بَعْدَ الْعَامِ) أَيْ: بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ (مُشْرِكٌ) أَيْ: كَافِرٌ، أَيْ: لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] (وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ) أَيْ: مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِعَامٍ دُونَ عَامٍ، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ نَزَلَ رَدًّا لِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ مَعَ الْعُرْيِ، يَعْنِي زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ رَبَّهُمْ فِي ثِيَابٍ أَذْنَبُوا فِيهَا، وَلِلْإِيمَاءِ إِلَى كَمَالِ التَّجْرِيدِ عَنِ الذُّنُوبِ، أَوْ تَفَاؤُلًا بِالتَّعَرِّي مِنَ الْعُيُوبِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3689
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٥٧٤ - عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ، قَالَ: «سُئِلَ جَابِرٌ عَنِ الرَّجُلِ يَرَى الْبَيْتَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ نَكُنْ نَفْعَلُهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٥٧٤ - (وَعَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَابِعِيٌّ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ. (قَالَ: سُئِلَ جَابِرٌ عَنِ الرَّجُلِ يَرَى الْبَيْتَ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي يَرَى الْبَيْتَ (يَرْفَعُ يَدَيْهِ) أَيْ: هُوَ مَشْرُوعٌ أَمْ لَا؟ (فَقَالَ: قَدْ حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ نَكُنْ نَفْعَلُهُ) أَيْ: رَفْعَ الْيَدِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ فِي الدُّعَاءِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ ﵏ تَعَالَى، خِلَافًا لِأَحْمَدَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ - تَعَالَى، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ أَيْضًا، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا أَنَّهُ يُسَنُّ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ، أَوْ وَصَلَ لِمَحَلٍّ يَرَى مِنْهُ الْبَيْتَ، إِنْ لَمْ يَرَهُ لِعَمًى، أَوْ فِي ظُلْمَةٍ أَنْ يَقِفَ، وَيَدْعُوَ رَافِعًا يَدَيْهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀ تَعَالَى: أَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ عُمَرَ ﵁ كَلِمَةً مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ سَمِعَهَا غَيْرِي، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِذَا رَأَى الْبَيْتَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، فَحَيِّنَا بِالسَّلَامِ.
وَأَسْنَدَ الشَّافِعِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: (اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا، وَتَعْظِيمًا، وَتَكْرِيمًا، وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ، وَكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ، وَاعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا، وَتَكْرِيمًا، وَتَعْظِيمًا، وَبِرًّا) » . وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ مُرْسَلٍ مُعْضَلٍ، وَيُعَضِّدُهُ الْخَبَرُ الضَّعِيفُ بِرَفْعِ الْأَيْدِي فِي اسْتِقْبَالِ الْبَيْتِ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ.
وَأَمَّا خَبَرُ التِّرْمِذِيِّ، وَحَسَّنَهُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا، أَيِ: الرَّفْعَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ إِلَّا الْيَهُودَ. قَدْ حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفَكُنَّا نَفْعَلُهُ، أَوْ لَا؟
فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الْمُثْبِتِينَ لِلرَّفْعِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَعَهُمْ زِيَادَةُ عِلْمٍ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ﵀: رِوَايَةُ غَيْرِ جَابِرٍ: فِي إِثْبَاتِ الرَّفْعِ أَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالْقَوْلُ فِي مِثْلِ هَذَا قَوْلُ مَنْ أَثْبَتَ.
أَقُولُ: الْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُحْمَلَ الْإِثْبَاتُ عَلَى أَوَّلِ رُؤْيَةٍ، وَالنَّفْيُ عَلَى كُلِّ مَرَّةٍ.
стр. 3690
٢٥٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ مَكَّةَ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ أَتَى الصَّفَا، فَعَلَاهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْبَيْتِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللَّهَ مَا شَاءَ وَيَدْعُو» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٥٧٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: تَوَجَّهَ مِنَ الْمَدِينَةِ (فَدَخَلَ مَكَّةَ) أَيْ: لِلْحَجِّ، أَوْ لِلْعُمْرَةِ (فَأَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ) أَيْ: تَوَجَّهَ إِلَيْهِ، أَوْ (إِلَى) بِمَعْنَى (عَلَى) (فَاسْتَلَمَهُ) أَيْ: بِاللَّمْسِ، وَالتَّقْبِيلِ (ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ) أَيْ: سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ (ثُمَّ أَتَى الصَّفَا) أَيْ: بَعْدَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ (فَعَلَاهُ) أَيْ: صَعِدَهُ (حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْبَيْتِ) ، وَرَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ جَابِرٍ، فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، وَأَنَّهُ فَعَلَ فِي الْمَرْوَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَهَذَا كَانَ فِي الصَّفَا بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الزَّمَنِ، وَأَمَّا الْآنَ، فَالْبَيْتُ يُرَى مِنْ بَابِ الصَّفَا قَبْلَ رَقْيَةٍ، لِمَا حَدَثَ مِنِ ارْتِفَاعِ الْأَرْضِ ثَمَّةَ حَتَّى انْدَفَنَ كَثِيرٌ مِنْ دَرَجِ الصَّفَا، وَقِيلَ: بِوُجُوبِ الرُّقِيِّ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الرُّقِيُّ الْآنَ فِي الْمَرْوَةِ، فَلَا يُمْكِنُ كَمَا أَنَّ رُؤْيَةَ الْبَيْتِ مِنْهَا لَا تُمْكِنُ، لَكِنْ يَصْدُرُ الْعَقْدُ الْمُشْرِفُ عَلَيْهَا دَكَّةً، فَيُسْتَحَبُّ رُقِيُّهَا عَمَلًا بِالْوَارِدِ مَا أَمْكَنَ (فَرَفَعَ يَدَيْهِ) أَيْ: لِلدُّعَاءِ عَلَى الصَّفَا لَا لِرُؤْيَةِ الْبَيْتِ لِمَا سَبَقَ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ مِنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَعَ التَّكْبِيرِ عَلَى هَيْئَةِ رَفْعِهِمَا فِي صَلَاةٍ، فَلَا أَصْلَ لَهُ (فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللَّهَ مَا شَاءَ) أَيْ: مِنَ التَّكْبِيرِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَالتَّحْمِيدِ، وَالتَّوْحِيدِ (وَيَدْعُو) : أَيْ: بِمَا شَاءَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنْ لَا تَعْيِينَ فِي دَعَوَاتِ الْمَنَاسِكِ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ خُشُوعَ النَّاسِكِ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لِأَنَّ تَوْقِيتَهَا يَذْهَبُ بِالرِّقَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَمَنْ يُكَرِّرُ مَحْفُوظَهُ، وَإِنْ تَبَرَّكَ بِالْمَأْثُورِ فَحَسَنٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 3691
٢٥٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ جَمَاعَةً وَقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
ــ
٢٥٧٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ) احْتِرَازٌ مِنَ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ (مِثْلُ الصَّلَاةِ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَجُوِّزَ النَّصْبُ أَيْ: نَحْوَهَا (إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ) أَيْ: تَعْتَادُونَ الْكَلَامَ فِيهِ، إِمَّا مُتَّصِلٌ أَيْ مِثْلُهَا فِي كُلِّ مُعْتَبَرٍ فِيهَا وَجُودًا وَعَدَمًا إِلَّا التَّكَلُّمَ يَعْنِي: وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْمُنَافِيَاتِ مِنَ الْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَسَائِرِ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ، وَإِمَّا مُنْقَطِعٌ أَيْ: لَكِنْ رُخِّصَ لَكُمْ فِي الْكَلَامِ، وَفِي الْعُدُولِ - عَنْ قَوْلِهِ: " إِلَّا الْكَلَامَ " إِلَى مَا قَالَ - نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ لَا تَخْفَى، وَيُعْلَمُ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ عَدَمُ شَرْطِيَّةِ الِاسْتِقْبَالِ، وَلَيْسَ لِأَصْلِ الطَّوَافِ وَقْتٌ مَشْرُوطٌ، وَبَقِيَ بَقِيَّةُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ مِنَ الطَّهَارَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَالْحَقِيقِيِّةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، كَالصَّلَاةِ وَوَاجِبَاتٍ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مِثْلِ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ مُشَارِكًا لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ مِنَ الْآحَادِ، وَهُوَ ظَنِّيٌّ لَا تَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضِيَّةُ، مَعَ الِاتِّفَاقِ أَنَّهُ يُعْفَى عَنِ النَّجَاسَةِ الَّتِي بِالْمَطَافِ إِذَا شَقَّ اجْتِنَابُهَا؛ لِأَنَّ فِي زَمَنِهِ ﵊ وَزَمَنِ أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ نَزَلَ فِيهِ نَجَاسَةُ ذَرَقِ الطُّيُورِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنَ الطَّوَافِ بِهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَلَا أَمَرَ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ بِتَطْهِيرِ مَا هُنَالِكَ. (فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ) : أَيْ: مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَإِفَادَةِ عِلْمٍ اسْتَفَادَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُشَوِّشُ عَلَى الطَّائِفِينَ، وَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِمَّا يَتَكَلَّمُ الْعَوَامُّ فِي طَوَافِهِمْ هَذِهِ الْأَيَّامَ مِنْ كَلَامِ الدُّنْيَا، بَلْ مِنْ مُوجِبَاتِ الْآثَامِ، فَالنَّهْيُ الْمُؤَكَّدُ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، أَوِ التَّنْزِيهِ، وَفِي قَوْلِ: " مِثْلُ الصَّلَاةِ " تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنَ الطَّوَافِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : أَيْ: مَرْفُوعًا، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ﵀، وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ النُّطْقَ، فَمَنْ نَطَقَ لَا يَنْطِقُ إِلَّا بِخَيْرٍ. (وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ جَمَاعَةً) : أَيْ: مِنَ الرُّوَاةِ (وَقَفُوهُ) : أَيِ: الْحَدِيثَ (عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) : أَيْ: وَلَمْ يَرْفَعُوهُ عَنْهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.
стр. 3692
٢٥٧٧ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَهُوَ أَشَدُّ (بَيَاضًا) مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ــ
٢٥٧٧ - وَعَنْهُ: أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ» " جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ) أَيْ: صَارَتْ ذُنُوبُ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ
стр. 3693
يَمْسَحُونَ الْحَجَرَ سَبَبًا لِسَوَادِهِ، وَالْأَظْهَرُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، إِذْ لَا مَانِعَ نَقْلًا. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: هَذَا الْحَدِيثُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي تَنْظِيمِ شَأْنِ الْحَجَرِ، وَتَفْظِيعِ أَمْرِ الْخَطَايَا، وَالذُّنُوبِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَجَرَ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ، وَالْكَرَامَةِ، وَالْيُمْنِ، وَالْبَرَكَةِ شَارَكَ جَوَاهِرَ الْجَنَّةِ، فَكَأَنَّهُ نَزَلَ مِنْهَا، وَأَنَّ خَطَايَا بَنِي آدَمَ تَكَادُ تُؤَثِّرُ فِي الْجَمَادِ، فَتَجْعَلُ الْمُبَيَّضَ مِنْهُ أَسْوَدَ، فَكَيْفَ بِقُلُوبِهِمْ؟ أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُكَفِّرٌ لِلْخَطَايَا مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ كَأَنَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَمِنْ كَثْرَةِ تَحَمُّلِهِ أَوْزَارَ بَنِي آدَمَ صَارَ كَأَنَّهُ ذُو بَيَاضٍ شَدِيدٍ، فَسَوَّدَتْهُ الْخَطَايَا، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ فِيهِ نُقَطٌ بِيضٌ، ثُمَّ لَا زَالَ السَّوَادُ يَتَرَاكَمُ عَلَيْهَا حَتَّى عَمَّهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا أَذْنَبَ نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ أُخْرَى، وَهَكَذَا حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ جَمِيعُهُ، وَيَصِيرُ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمْ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] » . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَجَرَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ الْبَيْضَاءِ فِي غَايَةٍ مِنَ الصَّفَاءِ، وَيَتَغَيَّرُ بِمُلَاقَاةِ مَا لَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ حَتَّى يَسْوَدَّ لَهَا جَمِيعُ الْأَجْزَاءِ، وَفَى الْجُمْلَةِ الصُّحْبَةُ لَهَا تَأْثِيرٌ بِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ أَنَسٍ، وَالنَّسَائِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسٍ: الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنْ حِجَارَةِ الْجَنَّةِ. وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَابْنِ عَدِيٍّ، وَالْبَيْهَقِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَكَانَ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ حَتَّى سَوَّدَتْهُ خَطَايَا أَهْلِ الشِّرْكِ. وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ: الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنْ حِجَارَةِ الْجَنَّةِ، وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجَنَّةِ غَيْرُهُ، وَكَانَ أَبْيَضَ كَالْمَاءِ، وَلَوْلَا مَسَّهُ مِنْ رِجْسِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا مَسَّهُ ذُو عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ.
стр. 3694
٢٥٧٨ - وَعَنْهُ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَجَرِ: " وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٥٧٨ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَجَرِ) : أَيْ: فِي شَأْنِهِ، وَوَصْفِهِ (وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : أَيْ: لَيُظْهِرَنَّهُ حَوْلَ كَوْنِهِ (لَهُ عَيْنَانِ) : أَيْ: ظَاهِرَانِ (يُبْصِرُ بِهِمَا) : وَيَعْرِفُ الْمُبْطِلَ مِنَ الْمُحِقِّ، وَالْمُتَأَدِّبَ مِنْ غَيْرِهِ (وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ) : أَيْ: يُثْنِي ثَنَاءً جَمِيلًا (عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ) : وَقِيلَ: (عَلَى) بِمَعْنَى اللَّامِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ التَّوْحِيدُ، وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ الْأَكِيدِ، وَلِذَا يُقَالُ: اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَالْبَيْهَقِيُّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
стр. 3695
٢٥٧٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " «إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لَأَضَاءَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٢٥٧٩ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ الرُّكْنَ) أَيِ: الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ (وَالْمَقَامَ) : أَيْ: مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ ﵊ ( «يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ» ) : الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ (طَمَسَ اللَّهُ) أَيْ: أَذْهَبَ (نُورَهُمَا) : أَيْ: بِمِسَاسِ الْمُشْرِكِينَ لَهُمَا، وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي طَمْسِهِمَا لِيَكُونَ الْإِيمَانُ غَيْبِيًّا لَا عَيْنِيًّا (وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ) : عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ، وَيَجُوزُ الْمَفْعُولِ (نُورَهُمَا لَأَضَاءَا) : بِالتَّثْنِيَةِ ( «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ، وَالْمَغْرِبِ» ) : فَأَضَاءَهُ مُتَعَدٍّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ، أَيْ: لَأَضَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِمَا أَعْلَمُ، أَوْ هِيَ لَازِمٌ أَيْ: لَاسْتَنَارَ بِهِمَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
стр. 3696
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا صَحَّ أَيْضًا، وَلَوْلَا مَا مَسَّهُمَا مِنْ خَطَايَا بَنِي آدَمَ لَأَضَاءَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَإِنَّهُمَا لَمَّا مَسَّتْهُمَا تِلْكَ الْخَطَايَا طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الرُّكْنِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَتْهُ الْكَفَرَةُ الْقَرَامِطَةُ بَعْدَ أَنْ غَلَبُوا بِمَكَّةَ حَتَّى مَلَئُوا الْمَسْجِدَ، وَزَمْزَمَ مِنَ الْقَتْلَى، وَضَرَبَ الْحَجَرَ بَعْضُهُمْ بِدَبُّوسٍ، قَالَ: إِلَى كَمْ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ ثُمَّ ذَهَبُوا بِهِ إِلَى بِلَادِهِمْ نِكَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَكَثَ عِنْدَهُمْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ لَمَّا صُولِحُوا بِمَالٍ كَثِيرٍ عَلَى رَدِّهِ قَالُوا: إِنَّهُ اخْتَلَطَ بَيْنَ حِجَارَةٍ عِنْدَنَا، وَلَمْ نُمَيِّزْهُ الْآنَ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَتْ لَكُمْ عَلَامَةٌ تُمَيِّزُهُ فَأْتُوا بِهَا وَمَيِّزُوهُ، فَسُئِلَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَنْ عَلَامَةٍ تُمَيِّزُهُ؟ فَقَالُوا: إِنَّ النَّارَ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ، فَذَكَرُوا لَهُمْ ذَلِكَ، فَامْتَحَنُوا وَصَارَ كُلُّ حَجَرٍ يُلْقُونَهُ فِي النَّارِ يَنْكَسِرُ حَتَّى جَاءُوا إِلَيْهِ، فَلَمْ تَقْدِرِ النَّارُ عَلَى أَدْنَى تَأْثِيرٍ فِيهِ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ هُوَ فَرَدُّوهُ. قِيلَ: وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّهُ فِي الذَّهَابِ مَاتَ تَحْتَهُ مِنْ شِدَّةِ ثِقَلِهِ إِبِلٌ كَثِيرَةٌ، وَفِي الْعَوْدِ حَمَلَهُ جَمَلٌ أَجْوَبُ إِلَى مَكَّةَ، وَلَمْ يَتَأَثَّرْ بِهِ.
стр. 3697
٢٥٨٠ - وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ﵁، «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ زِحَامًا مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُزَاحِمُ عَلَيْهِ. قَالَ: إِنْ أَفْعَلْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ مَسْحَهُمَا كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا " وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا، فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ " وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا أَحَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ حَسَنَةً» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٢٥٨٠ - (وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) : بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا عَاصِمٍ اللَّيْثِيَّ الْحِجَازِيَّ قَاضِيَ أَهْلِ مَكَّةِ، وُلِدَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُقَالُ: رَآهُ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي كِبَارِ التَّابِعِينَ، سَمِعَ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْهُ نَفَرٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمَاتَ قَبْلَ ابْنِ عُمَرَ. أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُزَاحِمُ) : أَيْ: يُغَالِبُ النَّاسَ (عَلَى الرُّكْنَيْنِ زِحَامًا) : أَيْ: غَيْرَ مُؤْذٍ وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: زِحَامًا عَظِيمًا، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي جَمِيعِ الْأَشْوَاطِ، أَوْ فِي أَوَّلِهِ، وَأَخِرِهِ، فَإِنَّهُمَا آكَدُ أَحْوَالِهَا، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ ": وَلَا أُحِبُّ الزِّحَامَ فِي الِاسْتِلَامِ إِلَّا فِي بَدْءِ الطَّوَافِ، وَآخِرِهِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ ازْدِحَامٌ لَا يَحْصُلُ فِيهِ أَذًى لِلْأَنَامِ، لِقَوْلِهِ ﵊ لَعُمَرَ: «إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ، وَهَلِّلْ، وَكَبِّرْ» ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ. (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُزَاحِمُ عَلَيْهِ ": أَيْ: عَلَى مَا ذَكَرَ، أَوْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ رُبَّمَا دَمِيَ أَنْفُهُ مِنْ شِدَّةِ تَزَاحُمِهِ، وَكَأَنَّهُمْ تَرَكُوهُ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَذَى، فَالِاقْتِدَاءُ بِفِعْلِهِمْ سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ أَوْلَى.
(قَالَ) : ابْنُ عُمَرَ اسْتِدْلَالًا لِفِعْلِهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيِ: اعْتِذَارًا، وَلَا يَخْفَى (إِنْ أَفْعَلْ) : أَيْ: هَذَا الزِّحَامَ فَلَا أُلَامُ، فَإِنْ شَرْطِيَّةٌ، وَالْجَزَاءُ مُقَدَّرٌ، وَدَلِيلُ الْجَوَابِ قَوْلُهُ: (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ مَسْحَهُمَا) : أَيْ: لَمْسَهُمَا (كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا) : أَيْ: مِنَ الصَّغَائِرِ. (وَسَمِعْتُهُ) : أَيْ: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيْضًا، وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: قَالَ الرَّاوِي: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ الثَّانِي، وَالثَّالِثُ مَوْقُوفَيْنِ، عَلَى أَنَّهُمَا فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ؛ فَتَدَبَّرْ. (يَقُولُ: مَنْ طَافَ هَذَا الْبَيْتَ أُسْبُوعًا) : أَيْ: سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (فَأَحْصَاهُ ") : بِأَنْ يُكْمِلَهُ، وَيُرَاعِيَ مَا يُعْتَبَرُ فِي الطَّوَافِ مِنَ الشُّرُوطِ، وَالْآدَابِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: يُحْصِيهِ أَيْ: يَعُدُّهُ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ: سَبْعَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ بِحَيْثُ يَعُدُّهَا، وَلَا يَتْرُكُ بَيْنَ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ يَوْمًا اهـ. وَهُوَ غَيْرُ مَفْهُومٍ مِنَ الْحَدِيثِ كَمَا لَا يَخْفَى (وَكَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ، وَسَمِعْتُهُ) : أَيْ: أَيْضًا (يَقُولُ: " لَا يَضَعُ) : أَيِ: الطَّائِفُ. (قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى) : الظَّاهِرُ لَا يَرْفَعُهَا، فَكَأَنَّهُ عَدَّ أُخْرَى بِاخْتِلَافِ وَصْفِ الْوَضْعِ، وَالرَّفْعِ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا يَضَعُ قَدَمًا مَرَّةً وَلَا يَرْفَعُ قَدَمًا مَرَّةً أُخْرَى (إِلَّا حَطَّ اللَّهُ) : أَيْ: وَضَعَ، وَمَحَا (عَنْهُ بِهَا) : أَيْ: بِكُلِّ قَدَمٍ، أَوْ بِكُلِّ مَرَّةٍ مِنَ الْوَضْعِ، وَالرَّفْعِ (خَطِيئَةً، وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً) : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَفًّا وَنَشْرًا، فَبِوَضْعِ الْقَدَمِ وَضْعُ السَّيِّئَةِ، وَبِرَفْعِهَا إِثْبَاتُ الْحَسَنَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِرَفْعِ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ هَذَا الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ قَامَ بِالْآدَابِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ مِنَ الزِّحَامِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى أَذَى الْأَنَامِ كَالْمُدَافَعَةِ، وَالْمُسَابَقَةِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، فَهُوَ مُوجِبٌ لِزِيَادَةِ الْآثَامِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 3698
٢٥٨١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٥٨١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ) هُوَ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، أَخَذَ عَنْهُ أَهْلُ مَكَّةَ الْقِرَاءَةَ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ) : أَيْ: يَدْعُو، وَيَقْرَأُ (رَبَّنَا) : مَنْصُوبٌ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ (آتِنَا) : أَيْ: أَعْطِنَا (فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) : أَيِ: الْعِلْمَ، وَالْعَمَلَ، أَوِ الْعَفْوَ، وَالْعَافِيَةَ، وَالرِّزْقَ الْحَسَنَ، أَوْ حَيَاةً طَيِّبَةً، أَوِ الْقَنَاعَةَ، أَوْ ذُرِّيَّةً صَالِحَةً (وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) : أَيِ: الْمَغْفِرَةَ، وَالْجَنَّةَ، وَالدَّرَجَةَ الْعَالِيَةَ، أَوْ مُرَافَقَةَ الْأَنْبِيَاءِ، أَوِ الرِّضَاءَ، أَوِ الرُّؤْيَةَ، أَوِ اللِّقَاءَ (وَقِنَا) : أَيِ: احْفَظْنَا (عَذَابَ النَّارِ) أَيْ: شَدَائِدَ جَهَنَّمَ مِنْ حَرِّهَا، وَزَمْهَرِيرِهَا، وَسَمُومِهَا، وَجُوعِهَا، وَعَطَشِهَا، وَنَتْنِهَا، وَضِيقِهَا، وَعَقَارِبِهَا، وَحَيَّاتِهَا، وَفَسَّرَ عَلِيٌّ ﵁ الْحَسَنَةَ الْأُولَى بِالْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ، وَالثَّانِيَةَ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَعَذَابَ النَّارِ بِالْمَرْأَةِ السَّلِيطَةِ، وَذَكَرَ شَيْخُنَا السَّيِّدُ زَكَرِيَّا، عَنْ شَيْخِهِ قُطْبِ الْبَارِي أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيِّ: أَنَّ فِي الْآيَةِ سَبْعِينَ قَوْلًا، أَحْسَنُهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَسَنَةِ الْأُولَى اتِّبَاعُ الْمَوْلَى، وَالثَّانِيَةِ الرَّفِيقُ الْأَعْلَى، وَبِعَذَابِ النَّارِ حِجَابُ الْمَوْلَى. وَعِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَسَنَةِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَسَنَةِ أَيُّ حَسَنَةٍ كَانَتْ، وَالنَّكِرَةُ قَدْ تُفِيدُ الْعُمُومَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] وَكَذَلِكَ يُرَادُ بِالْعَذَابِ أَنْوَاعُ الْعِقَابِ، وَأَصْنَافُ الْعِتَابِ، وَإِنْ كَانَ أَشَدُّ الْعَذَابِ هُوَ الْحِجَابَ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 3699
٢٥٨٢ - وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ﵂ قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي بِنْتُ أَبِي تُجْرَاةَ قَالَتْ: دَخَلْتُ مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ دَارَ آلِ أَبِي حُسَيْنٍ، نَنْظُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَرَأَيْتُهُ يَسْعَى، وَإِنَّ مِئْزَرَهُ لَيَدُورُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ( «اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» ) . رَوَاهُ فِي: " شَرْحِ السُّنَّةِ " وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مَعَ اخْتِلَافٍ.
ــ
٢٥٨٢ - (وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ) : أَيِ: الْحَجَبِيِّ، اخْتُلِفَ فِي رُؤْيَتِهَا ﷺ قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ. (قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي بِنْتُ أَبَى تُجْرَاةَ) : بِضَمِّ التَّاءِ، وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَقِيلَ: بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِتَاءٍ فَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ، فَجِيمٍ سَاكِنَةٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْهُمَامِ: اسْمُهَا: حَبِيبَةُ، إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ. (قَالَتْ: دَخَلْتُ مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ دَارَ آلِ أَبِي حُسَيْنٍ، نَنْظُرُ (إِلَى) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) : أَيْ: لِنَتَشَرَّفَ بِرُؤْيَتِهِ، وَلِنَسْتَفِيدَ مِنْ عِلْمِهِ، وَبَرَكَتِهِ (فَرَأَيْتُهُ يَسْعَى) : أَيْ: يُسْرِعُ (وَإِنَّ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (مِئْزَرَهُ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ، وَيُبْدَلُ (لَيَدُورُ) : أَيْ: حَوْلَ رِجْلَيْهِ (مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ) : يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَاشِيًا. وَجَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي حَدِيثٍ حَسَنٍ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا وَرَدَ أَنَّهُ ﵊ سَعَى رَاكِبًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لَا مَكَانَ الْجَمْعِ، بِأَنَّ مَشْيَهُ كَانَ فِي سَعْيِ عُمْرَةٍ مِنْ عُمَرِهِ، أَوْ كَانَ مَشْيُهُ فِي سَعْيِ الْحَجِّ بَعْدَ مَشْيِهِ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَرُكُوبُهُ فِي سَعْيِ عُمْرَتِهِ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ رَاكِبًا، وَأَمَّا الْجَمْعُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ بِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْعَى مَاشِيًا، فَتَزَاحَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَرَكِبَ فِيمَا بَقِيَ، فَبَعِيدٌ جِدًّا، وَقَدْ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ كَرَاهَةَ الرُّكُوبِ بِلَا عُذْرٍ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقَوْلُ النَّوَوِيِّ ﵀: مَذْهَبُنَا أَنَّ الرُّكُوبَ بِلَا عُذْرٍ خِلَافُ الْأُولَى، لَا مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُوَجَّهٍ. (وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ) : أَيْ: فِي السَّعْيِ ( «اسْعَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: فَرَضَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ فَرْضٌ؛ مَنْ لَمْ يَسْعَ بَطَلَ حَجُّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ ﵏ تَعَالَى - اهـ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: السَّعْيُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ ظَنِّيٌّ، وَكَذَا الْمَشْيُ فِيهِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَبِتَرْكِ الْوَاجِبِ يَجِبُ دَمٌ. (رَوَاهُ) : أَيِ: الْمُصَنِّفُ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : أَيْ: بِإِسْنَادِهِ (وَرَوَاهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَرَوَى (أَحْمَدُ مَعَ اخْتِلَافٍ) : فِي لَفْظِهِ.
стр. 3700
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ: إِنَّهُ ﵊ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ فِي الْمَسْعَى وَقَالَ: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اسْعَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» ". وَقَدْ قَالَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَنَسٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ ﵏: إِنَّ السَّعْيَ تَطَوُّعٌ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨] الْآيَةَ. فَالْأَوْسَطُ الْأَعْدَلُ أَنَّهُ وَاجِبٌ لَا فَرْضٌ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَالْجَوَابُ: إِنَّا قُلْنَا بِمُوجَبِهِ إِذْ مِثْلُهُ لَا يَزِيدُ عَلَى إِفَادَةِ الْوُجُوبِ، وَقَدْ قُلْنَا بِهِ. وَأَمَّا الرُّكْنُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَنَا بِدَلِيلٍ بِهِ، فَإِثْبَاتُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّعْيِ الْمَكْتُوبِ الْجَرْيُ الْكَائِنُ فِي بَطْنِ الْوَادِي إِذَا رَجَعْتَهُ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّعْيِ الطَّوَافُ بَيْنَهُمَا، اتَّفَقَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ لَهُمْ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْجَرْيِ الشَّدِيدِ الْمَسْنُونِ، لَمَّا وَصَلَ إِلَى مَحَلِّهِ شَرْعًا أَعْنِي بَطْنَ الْوَادِي، وَلَا يُسَنُّ جَرْيٌ شَدِيدٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ، بِخِلَافِ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ إِنَّمَا هُوَ مَشْيٌ فِيهِ شِدَّةٌ وَتَصَلُّبٌ، ثُمَّ قِيلَ فِي سَبَبِ شَرْعِيَّةِ الْجَرْيِ فِي بَطْنِ الْوَادِي: أَنَّ هَاجَرَ ﵂ لَمَّا تَرَكَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵊ عَطِشَتْ، فَخَرَجَتْ تَطْلُبُ الْمَاءَ وَهِيَ تُلَاحِظُ إِسْمَاعِيلَ ﵊ خَوْفًا عَلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى بَطْنِ الْوَادِي، تَغَيَّبَ عَنْهَا، فَسَعَتْ لِتُسْرِعَ الصُّعُودَ مِنْهُ فَتَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَجُعِلَ ذَلِكَ نُسُكًا إِظْهَارًا لِتَشَرُّفِهِمَا، وَتَفْخِيمًا لِأَمْرِهِمَا.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ لَمَّا أُمِرَ بِالْمَنَاسِكِ عَرَضَ الشَّيْطَانُ لَهُ عِنْدَ السَّعْيِ، فَسَابَقَهُ فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا سَعَى سَيِّدُنَا وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ إِظْهَارًا لِلْمُشْرِكِينَ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ فِي الْوَادِي الْجَلَدَ، وَمَحْمَلُ هَذَا الْوَجْهِ مَا كَانَ مِنَ السَّعْيِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، ثُمَّ بَقِيَ بَعْدَهُ كَالرَّمَلِ، إِذْ لَمْ يَبْقَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُشْرِكٌ بِمَكَّةَ، وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنْ لَا يُشْتَغَلَ بِطَلَبِ الْمَعْنَى فِيهِ، وَفِي نَظَائِرِهِ مِنَ الرَّمْيِ، وَغَيْرِهِ، بَلْ هِيَ أُمُورٌ تَوْقِيفِيَّةٌ يُحَالُ الْعِلْمُ فِيهَا إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَالْمَسْعَى: هُوَ الْمَكَانُ الْمَعْرُوفُ الْيَوْمَ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَيْهِ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وَلَا يُنَافِيهِ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ أَنَّ أَكْثَرَهُ فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا تَوَهَّمَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فَتَدَبَّرْ.
стр. 3701
٢٥٨٣ - وَعَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرٍ، لَا ضَرْبَ، وَلَا طَرْدَ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ» ، رَوَاهُ فِي: " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
٢٥٨٣ - (وَعَنْ قُدَامَةَ) : بِضَمِّ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرٍ» ) : أَيْ: فِي وَقْتٍ غَيْرِ مَا سَبَقَ (لَا ضَرْبَ وَلَا طَرْدَ) : بِالْفَتْحِ، وَالرَّفْعِ مُنَوَّنًا فِيهِمَا (وَلَا إِلَيْكَ) : أَيْ: ابْعُدْ (إِلَيْكَ) : أَيْ: تَنَحَّ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ مَا كَانَ يَضْرِبُونَ النَّاسَ، وَلَا يَطْرُدُونَهُمْ، وَلَا يَقُولُونَ: تَنَحَّوْا عَنِ الطَّرِيقِ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُلُوكِ، وَالْجَبَابِرَةِ، وَالْمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِالَّذِينِ كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ اهـ.
وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ ﵀: أَنَّ أَوَّلَ بِدْعَةٍ ظَهَرَتْ قَوْلُ النَّاسِ: الطَّرِيقَ الطَّرِيقَ. أَقُولُ: قَدْ رَضِينَا فِي هَذَا الزَّمَانِ بِإِلَيْكَ وَإِلَيْكَ، وَبِ (الطَّرِيقَ الطَّرِيقَ) عَلَيْكَ، فَإِنَّهُ نَشَأَ نَاسٌ يَدْفَعُونَ بِأَيْدِيهِمْ، وَأَرْجُلِهِمْ، وَيَدُوسُونَ بِدَوَابِّهِمْ، وَهُمْ سَاكِتُونَ. ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] . (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) .
стр. 3702
٢٥٨٤ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٥٨٤ - (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ مُضْطَبِعًا) : بِكَسْرِ الْبَاءِ (بِبُرْدٍ) : أَيْ: يَمَانِيٍّ (أَخْضَرَ) : أَيْ: فِيهِ خُطُوطٌ خُضْرٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الضَّبْعُ وَسَطُ الْعَضُدِ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْإِبِطِ، وَالِاضْطِبَاعُ: أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ الْإِبِطِ الْأَيْمَنِ، وَيُلْقِيَ طَرَفَيْهِ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ مِنْ جِهَتَيْ صَدْرِهِ، وَظَهْرِهِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِإِبْدَاءِ الضَّبْعَيْنِ.
стр. 3703
قِيلَ: إِنَّمَا فَعَلَهُ إِظْهَارًا لِلتَّشْجِيعِ كَالرَّمَلِ اهـ. وَهُوَ وَالرَّمَلُ سُنَّتَانِ فِي كُلِّ طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ، وَالِاضْطِبَاعُ سُنَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَشْوَاطِ، بِخِلَافِ الرَّمَلِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ الِاضْطِبَاعُ فِي غَيْرِ الطَّوَافِ، وَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ مِنَ الِاضْطِبَاعِ مِنِ ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ حَجًّا، أَوْ عُمْرَةً لَا أَصْلَ لَهُ، بَلْ يُكْرَهُ حَالَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَسْقُطُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ إِذَا كَانَ لَابِسًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
стр. 3704
٢٥٨٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ ثَلَاثًا، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٥٨٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعِرَّانَةِ) : قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ الْأَفْصَحُ التَّخْفِيفُ. فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ ثَلَاثًا، وَجَعَلُوا) : أَيْ: حِينَ أَرَادُوا الشُّرُوعَ فِي الطَّوَافِ (أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ) : بِالْأَلِفِ مَمْدُودَةً جَمْعُ إِبِطٍ (ثُمَّ قَذَفُوهَا) : أَيْ: طَرَحُوهَا (عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى) : أَيِ: اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ إِلَى أَنْ فَرَغُوا مِنَ الطَّوَافِ: (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ، وَحَسَّنَهُ غَيْرُهُ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ كَلَامُ ابْنِ حَجَرٍ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَقَدْ أَغْرَبَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي قَوْلِهِ: يُسَنُّ الِاضْطِبَاعُ فِي السَّعْيِ قِيَاسًا عَلَى الطَّوَافِ، مَعَ تَرْكِهِ ﵊ الِاضْطِبَاعَ فِي السَّعْيِ، وَعَدَمِ الْعِلَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ فِي الطَّوَافِ، وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِمَا صَحَّ أَنَّهُ ﵊ طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ طَارِحًا رِدَاءَهُ، فَغَرِيبٌ، وَمَسْلَكٌ عَجِيبٌ لِدَلَالَتِهِ عَلَى خِلَافِ الْمُدَّعَى كَمَا لَا يَخْفَى.
стр. 3705
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٥٨٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «مَا تَرَكْنَا اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ: الْيَمَانِي وَالْحَجَرِ فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ مُذْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٥٨٦ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا تَرَكْنَا اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ: الْيَمَانِي) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَتَشْدِيدِهَا مَجْرُورًا (وَالْحَجَرِ) : أَيِ: الْأَسْوَدِ (فِي شِدَّةٍ) : أَيْ: زِحَامٍ (وَلَا رَخَاءٍ) : أَيْ: خَلَاءٍ (مُذْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي خَبَرِ الْبَيْهَقِيِّ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، أَنَّهُ ﵊ أَتَى الْحَجَرَ فَقَبَّلَهُ، وَاسْتَلَمَ الْيَمَانِيَ، فَقَبَّلَ يَدَهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ خَبَرَ أَحْمَدَ، أَنَّهُ ﵊ قَبَّلَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا غَيْرُ ثَابِتٍ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ، أَوْ ضَعِيفٌ، وَإِنْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيثَ الْبَيْهَقِيِّ مَعَ ضَعْفِهِ لَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَحْمَدَ مَعَ تَقْوِيَتِهِ بِتَصْحِيحِ الْحَاكِمِ لِسَنَدِهِ، فَالْأَوْلَى أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى وُقُوعِهِ حَالَ نُدْرَتِهِ، ثُمَّ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: لَا قَائِلَ بِهِ غَفْلَةً عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ ﵀ مِنْ أَنَّهُ قَالَ: حُكْمُ الرُّكْنَيْنِ سَوَاءٌ، ثُمَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، مَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ﵊» ، وَهُمَا الشَّامِيَّانِ، وَيُسَمَّيَانِ الْعِرَاقِيَّيْنِ وَالْغَرْبِيَّيْنِ، وَأَمَّا اسْتِلَامُ جَمْعٍ مِنْهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُعَاوِيَةُ لَهُمَا، فَهُوَ مَذْهَبٌ لَهُمْ خَالَفُوا فِيهِ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ، وَمِنْ ثَمَّ خَالَفَهُمَا جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ مُعَاوِيَةَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا. فَأَجَابَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ ﵀: بِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ اسْتِلَامَهُمَا هَجْرًا لِلْبَيْتِ، وَلَكِنْ يُسْتَلَمُ مَا اسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيُمْسَكُ عَمَّا أَمْسَكَ عَنْهُ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْخِلَافَ انْقَرَضَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُمَا لَا يُسْتَلَمَانِ، وَفِي هَذَا الْإِجْمَاعِ خِلَافٌ لِلْأُصُولِيِّينَ، كَذَا حَقَّقَهُ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ.
стр. 3706
٢٥٨٧ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: قَالَ نَافِعٌ: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ» .
ــ
٢٥٨٧ - (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (قَالَ نَافِعٌ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ) : وَلَعَلَّ هَذَا فِي وَقْتِ الزِّحَامِ. قَالَ فِي " الْبِدَايَةِ ": وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَمَسَّ الْحَجَرُ شَيْئًا فِي يَدِهِ، أَوْ يَمَسَّهُ بِيَدِهِ، وَيُقَبِّلَ مَا مَسَّ بِهِ فَعَلَ، وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى قَاضِيخَانْ مَسْحَ الْوَجْهِ بِالْيَدِ مَكَانَ تَقْبِيلِ الْيَدِ. (وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ) : أَيْ: الِاسْتِلَامُ الْمُطْلَقُ، أَوِ الْمَخْصُوصُ. إِذْ ثَبَتَ الِاسْتِلَامُ، وَالتَّقْبِيلُ عَنْهُ ﵊، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي مُسْنَدِهِ «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَبَّلَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ ﵁ قَبَّلَهُ، وَسَجَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ هَكَذَا» ، فَفَعَلْتُ. وَرَوَى الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّهُ ﵊ سَجَدَ عَلَى الْحَجَرِ حِينَ قَبَّلَهُ بِجَبْهَتِهِ» ، وَشَذَّ مَالِكٌ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ عِيَاضٌ، وَغَيْرُهُ فِي إِنْكَارِهِ نَدْبَ تَقْبِيلِ الْيَدِ: وَقَوْلُهُ: إِنَّ السُّجُودَ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ.
стр. 3707
٢٥٨٨ - «وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي. فَقَالَ: " طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ " فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِـ الطُّورِ ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٥٨٨ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي) : أَيْ: شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي مَرِيضَةٌ، وَالشِّكَايَةُ: الْمَرَضُ. (فَقَالَ: " «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» ) : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ رَاكِبًا لَيْسَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﵊. (فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي) : أَيْ: صَلَاةَ الصُّبْحِ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ ﵀. (إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ) : أَيْ: مُتَّصِلًا إِلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا مُتَحَلِّقِينَ حَوْلَهَا (يَقْرَأُ " ﴿وَالطُّورِ - وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢] أَيْ: بِهَذِهِ السُّورَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا هُوَ عَادَتُهُ ﷺ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَرَأَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ. وَكَانَ الْأَوْلَى لِلرَّاوِي أَنْ يَقُولَ: يَقْرَأُ " الطُّورَ " وَيَكْتَفِي بِالطُّورِ، وَلَمْ يَقُلْ: " ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَقَدْ صَحَّتِ الْأَحَادِيثُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، بِأَنَّهُ ﵊ رَكِبَ، وَأَنَّهُ مَشَى، وَجُمِعَ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى طَوَافِ الرُّكْنِ، وَالثَّانِي عَلَى طَوَافِ الْقُدُومِ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ وَالْأَوْلَى عَكْسُ هَذَا الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ فِي الرُّكْنِ أَنْسَبُ وَالرُّكُوبَ فِي الْقُدُومِ أَقْرَبُ.
стр. 3708
٢٥٨٩ - وَعَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ قَالَ: " «رَأَيْتُ عُمَرَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ، وَيَقُولُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٥٨٩ - (وَعَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ ﵁ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ، وَيَقُولُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنْفَعُ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: (لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ) أَيْ: فِي حَدِّ الذَّاتِ (وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ) ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ مِنْهُ ﵁ إِلَى أَنَّ هَذَا أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ فَنَفْعَلُ، وَعَنْ عِلَّتِهِ لَا نَسْأَلُ، وَإِيمَاءٌ إِلَى التَّوْحِيدِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ الْعَمَلِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ بَعْضُ قَرِيبِي الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ مِمَّنْ أَلِفُوا عِبَادَةَ الْأَحْجَارِ، فَيَعْتَقِدُونَ نَفْعَهُ، وَضُرَّهُ بِالذَّاتِ، فَبَيَّنَ ﵁ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ، وَلَا يَنْفَعُ لِذَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ امْتِثَالُ مَا شُرِعَ فِيهِ يَنْفَعُ بِاعْتِبَارِ الْجَزَاءِ، وَلِيَشِيعَ فِي الْمَوْسِمِ، فَيَشْتَهِرَ ذَلِكَ فِي الْبُلْدَانِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَقْبِيلِهِ اهـ.
وَفِيهِ أَنْ لَا يُظَنَّ بِأَرْبَابِ الْعُقُولِ - وَلَوْ كَانُوا كُفَّارًا - أَنْ يَعْتَقِدُوا أَنَّ الْحَجَرَ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ بِالذَّاتِ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُعَظِّمُونَ الْأَحْجَارَ، أَوْ يَعْبُدُونَهَا، مُعَلِّلِينَ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ، وَمُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، فَهُمْ كَانُوا
стр. 3709
يَمْسَحُونَهَا، وَيُقَبِّلُونَهَا تَسَبُّبًا لِلنَّفْعِ، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ الْأَشْيَاءَ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ ; فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى الْكَعْبَةِ بِنَاءً عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ، وَيُقَبِّلُونَ الْحَجَرَ بِنَاءً عَلَى مُتَابَعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ فِي حَدِّ الذَّاتِ، وَلَا فِي نَظَرِ الْعَارِفِ بِالْمَوْجُودَاتِ بَيْنَ بَيْتٍ وَبَيْتٍ، وَلَا بَيْنَ حَجَرٍ وَحَجَرٍ، فَسُبْحَانَ مَنْ عَظَّمَ مَا شَاءَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ مِنَ الْأَفْرَادِ الْإِنْسَانِيَّةِ، كَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْحَيَوَانِيَّةِ كَنَاقَةِ اللَّهِ، وَالْجَمَادِيَّةِ ; كَبَيْتِ اللَّهِ، وَالْمَكَانِيَّةِ كَحَرَمِ اللَّهِ، وَالزَّمَانِيَّةِ كَلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَسَاعَةِ الْجُمُعَةِ، وَخَلَقَ خَوَاصَّ الْأَشْيَاءِ فِي مَكْتُوبَاتِهِ، وَجَعَلَ التَّفَاوُتَ وَالتَّمَايُزَ بَيْنَ أَجْزَاءِ أَرْضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: وَرَوَى الْحَاكِمُ حَدِيثَ عُمَرَ، وَزَادَ فِيهِ: فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ، وَلَوْ عَلِمْتَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَقُلْتَ كَمَا أَقُولُ ; ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَلَمَّا أَقَرُّوا أَنَّهُ الرَّبُّ ، وَأَنَّهُمُ الْعَبِيدُ كَتَبَ مِيثَاقَهُمْ فِي رَقٍّ، وَأَلْقَمَهُ فِي هَذَا الْحَجَرِ، وَأَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَهُ عَيْنَانِ، وَلِسَانٌ، وَشَفَتَانِ يَشْهَدُ لِمَنْ وَافَاهُ، فَهُوَ أَمِينُ اللَّهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَقَالَ لَهُ عُمَرَ ﵁: لَا أَبْقَانِي اللَّهُ بِأَرْضٍ لَسْتَ بِهَا يَا أَبَا الْحَسَنِ. وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، فَإِنَّهُمَا لَمْ يَحْتَجَّا بِأَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، وَمِنْ غَرَائِبِ الْمُتُونِ مَا فِي ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي آخِرِ مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، قَالَ رَجُلٌ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ «أَنَّهُ ﵊ وَقَفَ عِنْدَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: " إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ، وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أُقَبِّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ» " فَلْيُرَاجَعْ إِسْنَادُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، فَإِنْ صَحَّ يُحْكَمُ بِبُطْلَانِ حَدِيثِ الْحَاكِمِ لِبُعْدِ أَنْ يَصْدُرَ هَذَا الْجَوَابُ عَنْ عَلِيٍّ، أَعْنِي قَوْلَهُ: " بَلْ يَضُرُّ، وَيَنْفَعُ " بَعْدَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا يَضُرُّ، وَلَا يَنْفَعُ " ; لِأَنَّهُ صُورَةُ مُعَارَضَةٍ، لَا جَرَمَ أَنَّ الذَّهَبِيَّ قَالَ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنِ الْعَبْدِيِّ: إِنَّهُ سَاقِطٌ، وَعُمَرُ ﵁ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ، أَوِ النَّبِيُّ ﷺ إِزَالَةً لِوَهْمِ الْجَاهِلِيَّةِ عَنِ اعْتِقَادِ الْحِجَارَةِ الَّتِي هِيَ أَصْنَامٌ اهـ.
فَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : أَنَّهُ ( «لَوْلَا أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أُقَبِّلَكَ لَمَا قَبَّلْتُكَ» ) إِيمَاءً إِلَى الْعُبُودِيَّةِ عَلَى الطَّرِيقَةِ التَّعَبُّدِيَّةِ، وَالتَّنَزُّلِ وَالتَّوَاضُعِ تَحْتَ الْأَحْكَامِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَإِلَّا فَالْعَقْلُ يَتَحَيَّرُ فِي تَقْبِيلِ سَيِّدِ الْكَوْنَيْنِ - الَّذِي لَوْلَاهُ لَمَا خُلِقَ الْأَفْلَاكُ - لِحَجَرٍ مِنَ الْأَحْجَارِ الَّذِي مِنْ جِنْسِ الْجَمَادَاتِ الَّذِي مِنْ أَحْقَرِ أَجْنَاسِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَوْ أَنَّهُ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ حَقِيقَةً، وَلَوْ كَانَ لَهُ عَيْنَانِ وَلِسَانٌ، وَفِي جَوْفِهِ مِيثَاقُ الرَّحْمَنِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ تَنَزُّلَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَالتَّجَلِّيَاتِ السُّبْحَانِيِّةِ حَيْثُ جَعَلَ لِعَبِيدِهِ حَرَمًا يَأْوُونَ إِلَيْهِ، وَيَلْتَجِئُونَ لَدَيْهِ، وَيَتَوَجَّهُونَ، وَيُقْبِلُونَ عَلَيْهِ عِنْدَ صَلَاتِهِمْ، وَسَائِرِ عِبَادَاتِهِمْ، وَحَلَالَاتِهِمْ، وَيَمِينًا يُقَبِّلُونَهَا، وَيَمْسَحُونَ أَيْدِيَهُمْ، وَيَضَعُونَ وُجُوهَهُمْ عَلَيْهَا، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ " «الْحَجَرُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ» ". رَوَاهُ الْخَطِيبُ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ جَابِرٍ، مَرْفُوعًا. وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا ( «الْحَجَرُ يَمِينُ اللَّهِ فَمَنْ مَسَحَهُ فَقَدْ بَايَعَ اللَّهَ» ) ، وَهَذَا كُلُّهُ تَأْنِيسٌ لِعِبَادِهِ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى أَغْلَبِهِمُ التَّعَلُّقُ بِالْأَمْرِ الْمَحْسُوسِ فِي بِلَادِهِ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: فِيهِ أَنَّ هَذَا التَّقْبِيلَ لَا يَكُونُ لَهُ صَوْتٌ، وَهَلْ يُسْتَحَبُّ السُّجُودُ عَلَى الْحَجَرِ عَقِيبَ التَّقْبِيلِ؟ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُهُ، وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ بِجَبْهَتِهِ، وَقَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ قَبَّلَهُ، ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ، فَفَعَلْتُهُ» . رَوَاهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، إِلَّا أَنَّ الشَّيْخَ قِوَامَ الدِّينِ الْكَاكِيَّ قَالَ: وَعِنْدَنَا الْأَوْلَى أَنْ لَا يَسْجُدَ لِعَدَمِ الرِّوَايَةِ فِي الْمَشَاهِيرِ، وَنَقَلَ السُّجُودَ عَنْ أَصْحَابِنَا الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي مَنَاسِكِهِ اهـ.
أَقُولُ: الْأَوْلَى أَنْ يَسْجُدَ بَعْضَ الْأَيَّامِ عِنْدَ عَدَمِ الزِّحَامِ، أَوْ فِي أَوَّلِهِ، وَأَخِرِهِ تَبَرُّكًا بِفِعْلِهِ ﵊، لِجَوَازِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ، وَلَوْ ضَعِيفًا، فَكَيْفَ وَقَدْ صَحَّحُوهُ؟ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَجَرَ، ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَهُ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي، فَقَالَ: " يَا عُمَرُ، هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ» ".
стр. 3710
٢٥٩٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «وُكِّلَ بِهِ سَبْعُونَ مَلَكًا - يَعْنِي الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ - فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ - قَالُوا: آمِينَ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٥٩٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (وُكِّلَ بِهِ سَبْعُونَ مَلَكًا يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ بِمَرْجِعِ الضَّمِيرِ (الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ) : بِالتَّخْفِيفِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْقَائِلُ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَوْ غَيْرُهُ بِطَرِيقِ الِاعْتِرَاضِ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ عَلَى طَرِيقِ التَّفْسِيرِ. " «فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ» ) : أَيْ: عَنِ الذُّنُوبِ (وَالْعَافِيَةَ) أَيْ: عَنِ الْعُيُوبِ (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَفًّا وَنَشْرًا مُشَوَّشًا (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، قَالُوا: أَمِينَ) : وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ; لِأَنَّهُ إِذَا وَصَلَ إِلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِي، وَشَرَعَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ وَهُوَ مَارٌّ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَقَعُ بَيْنَهُمَا، إِذْ لَا يَجُوزُ الْوُقُوفُ لِلدُّعَاءِ فِي الطَّوَافِ كَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الْعَوَامِّ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الْأَدْعِيَةَ الْمَأْثُورَةَ عَنِ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ: وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَسْتَوْفِيَ مَا أُثِرَ مِنَ الْأَدْعِيَةِ، وَالْأَذْكَارِ فِي الطَّوَافِ كَانَ وُقُوفُكَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ أَكَثَرَ مِنْ مَشْيِكَ بِكَثِيرٍ، وَإِنَّمَا أَثَرْتَ هَذِهِ بِتَأَنٍّ، وَمُهْلَةٍ لَا رَمَلٍ، ثُمَّ وَقَعَ لِبَعْضِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْطِنِ كَذَا كَذَا، وَلِآخَرَ فِي آخَرَ كَذَا، وَلِآخَرَ فِي نَفْسِ أَحَدِهِمَا شَيْئًا آخَرَ، فَجَمَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ الْكُلَّ، لَا أَنَّ الْكُلَّ وَقَعَ فِي الْأَصْلِ الْوَاحِدِ، بَلِ الْمَعْرُوفُ فِي الطَّوَافِ مُجَرَّدُ ذِكْرِ اللَّهِ، وَلَمْ نَعْلَمْ خَبَرًا رُوِيَ فِيهِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الطَّوَافِ. قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ ﵊ لَمْ يَقْرَأْ فِي الطَّوَافِ شَيْئًا: الْقُرْآنَ بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ لِيُعْلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِ الطَّوَافِ، فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ: " الطَّوَافُ كَالصَّلَاةِ ". (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، إِلَّا أَنَّهُ مَقْبُولٌ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ.
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ، أَنَّهُ ﵊ قَالَ: " «مَا انْتَهَيْتُ إِلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِي قَطُّ إِلَّا وَجَدْتُ جِبْرِيلَ عِنْدَهُ، قَالَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: قُلْ: وَمَا أَقُولُ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَاقَةِ، وَمَوَاقِفِ الْخِزْيِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " ثُمَّ قَالَ جِبْرِيلُ: " إِنَّ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ هَذَا قَالُوا: آمِينَ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " سَبْعُونَ " بِالْوَاوِ، وَعَلَى الْإِهْمَالِ لُغَةٌ فِي الْأَعْمَالِ، أَوْ عَلَى أَنَّ فِي (أَنَّ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَلَيْسَ نَظِيرُهُ: " «إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي مُلْهَمُونَ» " كَمَا تَوَهَّمَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ لَا مَكَانَ كَوْنِ كَانَ تَامَّةً أَيْ: إِنْ وُجِدَ فِي أُمَّتِي مُلْهَمُونَ.
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ: " «مَا مَرَرْتُ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِي إِلَّا وَعِنْدَهُ مَلَكٌ يُنَادِي يَقُولُ: آمِينَ آمِينَ؟ فَإِذَا مَرَرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» ".
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: " «عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِي مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضَ ; فَإِذَا مَرَرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا﴾ [البقرة: ٢٠٠] الْآيَةَ. فَإِنَّهُ يَقُولُ: آمِينَ آمِينَ» ".
وَرَوَى الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ الْيَمَانِيَيْنِ: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ قَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي، وَبَارِكْ فِيهِ، وَاخَلُفْ عَلَيَّ كُلَّ غَائِبَةٍ لِي بِخَيْرٍ» ". وَأَخْرَجَ الْأَزْرَقِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِي قَالَ: " بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ، وَالْفَقْرِ وَمَوَاقِفِ الْخِزْي فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ، وَجَاءَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا لِابْنِ الْمُسَيَّبِ، لَكِنْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ زَادَ بَعْضُهُمْ لَهُ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقُولُ هَذَا، وَإِنْ كُنْتُ مُسْرِعًا؟ قَالَ: " نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ أَسْرَعَ مِنْ بَرْقِ الْخُلَّبِ» وَهُوَ سَحَابٌ لَا مَطَرَ فِيهِ.
стр. 3711
٢٥٩١ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِـ " سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، مُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَمَنْ طَافَ فَتَكَلَّمَ، وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ - خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ بِرِجْلَيْهِ كَخَائِضِ الْمَاءِ بِرِجْلَيْهِ» ". (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
ــ
٢٥٩١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا) أَيْ: سَبْعَ مَرَّاتٍ مِنَ الْأَشْوَاطِ (وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِسُبْحَانَ اللَّهِ) أَيِ: الْمُنَزَّهِ عَنِ الْمَكَانِ، وَهُوَ وَاجِبُ النَّصْبِ فَمَحَلُّهُ مَجْرُورٌ. (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ: فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الْحِكَايَةِ (وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أَيْ: فِي نَظَرِ أَهْلِ الْعِرْفَانِ فِي كُلِّ آنٍ (اللَّهُ أَكْبَرُ) أَيْ: مِنْ أَنْ يُعْرَفَ لَهُ شَأْنٌ (وَلَا حَوْلَ) : عَنْ مَعْصِيَتِهِ (وَلَا قُوَّةَ) عَلَى طَاعَتِهِ (إِلَّا بِاللَّهِ) ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ (مُحِيَتْ) بِتَاءِ التَّأْنِيثِ - فِي جَمِيعِ النُّسَخِ - (عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ) أَيْ: بِكُلِّ خُطْوَةٍ، أَوْ لِكُلِّ كَلِمَةٍ، أَوْ بِالْمَجْمُوعِ (وَكُتِبَ) - بِالتَّذْكِيرِ أَيْضًا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ: أَيْ: أُثْبِتَ (لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ) : عَلَى وَجْهِ التَّبْدِيلِ، أَوْ عَلَى طَرِيقِ التَّوْفِيقِ. (وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ) - بِالتَّذْكِيرِ أَيْضًا: أَيْ: فِي الْجَنَّاتِ الْعَالِيَاتِ. (وَمَنْ طَافَ فَتَكَلَّمَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ (وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ) أَيْ: فِي حَالِ الطَّوَافِ (خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ) : أَيْ: دَخَلَ فِي بَحْرِ الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ (بِرِجْلِيْهِ كَخَائِضِ الْمَاءِ بِرِجْلَيْهِ) وَإِنَّمَا كَرَّرَ الْكَلَامَ لِيُنَاطَ بِهِ غَيْرُ مَا يُنَطْ بِهِ أَوَّلًا، الْمَعْقُولُ فِي صُورَةِ الْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: مَنْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ الذِّكْرِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ، وَفِيهِ الْإِشَارَةُ بِأَنَّ الثَّوَابَ الْحَاصِلَ دُونَ الْأَوَّلِ بِوَاسِطَةِ تَكَلُّمِهِ فِي طَوَافِهِ بِغَيْرِ الذِّكْرِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مُنَافٍ لِكَمَالِ الْأَدَبِ، وَإِيقَاعِ الْعِبَادَةِ بِغَيْرِ وَجْهِهَا اهـ.
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ نَهْيُهُ ﵊ عَنِ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ بِقَوْلِهِ: " «فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَيَكُونَ مَكْرُوهًا» ". قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: الْكَلَامُ الْمُبَاحُ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ، يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ اهـ.
فَكَيْفَ فِي الطَّوَافِ، وَهُوَ حُكْمًا فِي الصَّلَاةِ، وَالْكَرَاهَةُ تُنَافِي أَصْلَ الثَّوَابِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَيْضًا يَلْزَمُ بِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ شَيْءٍ، وَتَقَرُّرِهِ، بَلْ مَعَ زِيَادَةِ تَفْرِيعِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ الثَّوَابَ حَاصِلٌ لِأَصْلِ الطَّوَافِ، فَيُئَوَّلُ الْكَلَامُ إِلَى أَنَّ مَنْ طَافَ فَتَكَلَّمَ بِالْمُبَاحِ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ الْكَلَامُ إِلَى هَذَا الْقَيْدِ ; بَلِ الْإِطْلَاقُ، أَوْ نَفْيُ الْكَلَامِ مُطْلَقًا أَوْلَى.
وَأَقُولُ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ: إِنَّ الظَّاهِرَ فِي مَعْنَاهُ - مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فِي مَبْنَاهُ - أَنْ يُقَالَ: وَمَنْ طَافَ فَتَكَلَّمَ أَيْ: بِغَيْرِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ مِنْ أَخْبَارِ الْعُلَمَاءِ الْأَبْرَارِ، وَأَسْرَارِ الْمَشَايِخِ الْأَخْيَارِ - فَيُفِيدُ التَّقْيِيدُ حِينَئِذٍ زِيَادَةَ مَثُوبَاتِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، فَإِنَّهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّ آدَمَ ﵊ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، فَصَافَحَتْهُ وَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: بَرَّ حَجُّكَ يَا آدَمُ، طُفْ بِهَذَا الْبَيْتِ، فَإِنَّا قَدْ طُفْنَا قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، قَالَ لَهُمْ آدَمُ ﵊: فَمَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي طَوَافِكُمْ؟ قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ آدَمُ ﵊ وَأَنَا أَزِيدُ فِيهَا: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُ نَحْوُهُ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 3712
[بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ]
стр. 3713
[٤] بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٥٩٢ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ ﵁ «أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ مِنَّا فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[٤] بَابٌ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ أَيِ: الْحُضُورُ (بِعَرَفَةَ) أَيْ: وَلَوْ سَاعَةً فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هِيَ اسْمٌ لِبُقْعَةٍ مَعْرُوفَةٍ اهـ. فَالْجَمْعُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] بِاعْتِبَارِ أَجْزَائِهَا وَأَمَاكِنِهَا. قَالَ الرَّاغِبُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَعَرُّفِ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ بِالْعِبَادَاتِ هُنَاكَ، وَقِيلَ: لِلتَّعَارُفِ فِيهِ بَيْنَ آدَمَ وَحَوَّاءَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَقِيلَ: لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵊ أَرَى إِبْرَاهِيمَ ﷺ الْمَنَاسِكَ أَيْ: مَوَاضِعَ النُّسُكِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَكَانَ يَقُولُ لَهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ: أَعَرَفْتَ هَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَقِيلَ: هُوَ يَوْمُ اصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفَ أَهْلُ الْحَجِّ، وَقِيلَ: يُعَرِّفُهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - يَوْمَئِذٍ بِالْمَغْفِرَةِ، وَالْكَرَامَةِ، أَيْ: يُطَيِّبُهُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦] أَيْ: طَيَّبَهَا، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ قَالَ فِي غَرِيبِ " الْمُوَطَّأِ " لَهُ: سُمِّيَتْ عَرَفَةَ: لِخُضُوعِ النَّاسِ وَاعْتِرَافِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَقِيلَ: لِصَبْرِهِمْ عَلَى الْقِيَامِ، وَالدُّعَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَارِفَ يَصْبِرُ اهـ. إِذْ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ شَيْءٍ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى مَشَقَّتِهِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٥٩٢ - (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ) نِسْبَةً إِلَى ثَقِيفٍ - بِالْمُثَلَّثَةِ، وَالْقَافِ - قَبِيلَةٌ بِالطَّائِفِ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ (أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُمَا) وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (غَادِيَانِ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْغُدُوِّ، أَيْ: ذَاهِبَانِ أَوَّلَ النَّهَارِ (مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ) أَيْ: لِلْوُقُوفِ (كَيْفَ كُنْتُمْ؟) أَيْ: مَعَاشِرَ الصَّحَابَةِ (تَصْنَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ) أَيْ: يَوْمِ عَرَفَةَ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ؟ إِذِ الْعِبْرَةُ بِتِلْكَ الْأَيَّامِ الْمَقْرُونَةِ بِالْمَعِيَّةِ (فَقَالَ) أَيْ: أَنَسٌ (كَانَ يُهِلُّ) أَيْ: يُلَبِّي (مِنَّا الْمُهِلُّ) : أَيِ: الْمُلَبِّي، أَوِ الْمُحْرِمُ (فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ: لَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ ; فَيُفِيدُ التَّقْرِيرَ مِنْهُ ﵊ وَالْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ (وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ مِنَّا فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَهَذَا رُخْصَةٌ، وَلَا حَرَجَ فِي التَّكْبِيرِ، بَلْ يَجُوزُ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ، وَلَكِنْ لَيْسَ التَّكْبِيرُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ سُنَّةَ الْحُجَّاجِ، بَلِ السُّنَّةُ لَهُمُ التَّلْبِيَةُ إِلَى رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ الْحَاجِّ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ التَّكْبِيرُ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ اهـ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ تَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ وَاجِبَةٌ فِي الْمَذْهَبِ، أَوْ سُنَّةٌ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَدَلِيلُ السُّنَّةِ أَنْهَضُ ; وَهُوَ مُوَاظَبَتُهُ ﵊ وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] فَالظَّاهِرُ مِنْهَا ذِكْرُ اسْمِهِ عَلَى الذَّبِيحَةِ نَسْخًا لِذِكْرِهِمْ عَلَيْهَا غَيْرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ; بِدَلِيلِ ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] اهـ.
فَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] قَالَ: وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ (فَأَخَذَا) أَيْ: صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ بَعْدَ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: " كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ
стр. 3714
أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ " قَالَ: وَأَمَّا جَعْلُ التَّكْبِيرَاتِ ثَلَاثًا فِي الْأُولَى، كَمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ، وَيَبْدَأُ الْمُحْرِمُ بِالتَّكْبِيرِ، ثُمَّ بِالتَّلْبِيَةِ اهـ. وَيَجِبُ التَّكْبِيرُ عِنْدَ أَبَى حَنِيفَةَ ﵀ بِشَرْطِ الْإِقَامَةِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالذُّكُورَةِ، وَكَوْنِ الصَّلَاةِ فَرِيضَةً بِجَمَاعَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ فِي مِصْرَ، وَعِنْدَهَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " «غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، مِنَّا الْمُلَبِّي، وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ» ".
стр. 3715
٢٥٩٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «نَحَرْتُ هَاهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ؛ فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» ) . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
٢٥٩٣ - (عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " نَحَرْتُ هَاهُنَا) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: إِشَارَةً إِلَى مِنًى اهـ. وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ مَوْضِعٌ مَخْصُوصٌ مِنْ مَوَاضِعِ مِنًى لِقَوْلِهِ: (وَمِنًى) : مُبْتَدَأٌ (كُلُّهَا) : أَيْ: كُلُّ مَوَاضِعِهَا تَأْكِيدٌ (مَنْحَرٌ) : أَيْ: مَحَلُّ نَحْرٍ، وَهُوَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّحْرَ لَا يَخْتَصُّ بِمَنْحَرِهِ ﷺ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَسْجِدِ الْخَيْفِ كَمَا سَيَأْتِي قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: (نَحَرْتُ هَاهُنَا) أَيْ: فِي مَحَلِّ مَنْحَرِهِ الْمَشْهُورِ، وَقَدْ بُنِيَ عَلَيْهِ بِنَاءَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى: مَسْجِدَ النَّحْرِ، أَحَدُهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ، وَالْآخَرُ مُنْحَرِفٌ عَنْهَا، قِيلَ: وَهُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرُوهُ بِمَحَلِّ نَحْرِهِ ﷺ (فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ) : أَيْ: مَنَازِلِكُمْ (وَوَقَفْتُ هَاهُنَا) أَيْ: قُرْبَ الصَّخَرَاتِ (وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ) : أَيْ: إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ (وَوَقَفْتُ هَاهُنَا) أَيْ: عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَهُوَ الْبِنَاءُ الْمَوْجُودُ بِهَا الْآنَ (وَجَمْعٌ) أَيِ: الْمُزْدَلِفَةُ (كُلُّهَا مَوْقِفٌ) أَيْ: إِلَّا وَادِيَ مُحَسِّرٍ، قِيلَ: (جَمْعٌ) عَلَمٌ لِمُزْدَلِفَةَ ; لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهِ، وَقِيلَ ; لِاقْتِرَابِهَا مِنْ مِنًى، مِنَ الِازْدِلَافِ: الِاقْتِرَابِ، وَالدَّالُ مُبْدَلَةٌ مِنَ التَّاءِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير: ١٣] وَقَوْلِهِ ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] أَيْ: قُرْبَى.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْإِشَارَاتِ صَادِرَةً فِي بُقْعَةٍ أُخْرَى، وَأَنْ يَكُونَ الْكُلُّ فِي بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ بِنَاءً عَلَى اسْتِحْضَارِ الْبُقْعَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَالَ الْإِشَارَةِ فِي خَيَالِ الْمُخَاطَبِ، فَلِذَا قَالَ (هَاهُنَا) فِي الْكُلِّ وَلَمْ يَقُلْ (هُنَاكَ) أَوْ (ثَمَّةَ) اهـ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي ; فَالْبُقْعَةُ الْوَاحِدَةُ إِنَّمَا هِيَ مِنًى لِقَوْلِهِ: " نَحَرْتُ " وَالْأَوَامِرُ فِي الْحَدِيثِ لِلرُّخْصَةِ، وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ مُتَابَعَةُ السُّنَّةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
следующие страницы →