Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٢٥٤٧ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) . .
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٥٤٧ - (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ) أَيْ عَنِ الْمَخِيطِ وَلَبِسَ إِزَارًا وَرِدَاءً، (لِإِهْلَالِهِ) أَيْ لِإِحْرَامِهِ كَمَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، (وَاغْتَسَلَ) أَيْ لِلْإِحْرَامِ وَهُوَ مِنْ سُنَّتِهِ ﵇، وَلَعَلَّهُ يَكُونُ تَفَاؤُلًا عَنْ غَسْلِ الْآثَامِ، وَقَالَ بِوُجُوبِهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: وَيَنْبَغِي أَنْ يُجَامِعَ زَوْجَتَهُ إِنْ كَانَ يُحْرِمُ مِنْ دَارِهِ، لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ ارْتِفَاقٌ لَهُ أَوْ لَهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَسْنَدَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ يَطُوفُ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا» .
стр. 3642
٢٥٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْغِسْلِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
ــ
٢٥٤٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْغِسْلِ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ: مَا يُغْسَلُ بِهِ مِنَ الْخِطْمِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَأْوِيلُهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِذِكْرِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، لِابْتِنَائِهِ عَلَى فَهْمِهِ وَفِقْهِهِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وَيُوَافِقُهُ خَبَرُ الدَّارَقُطْنِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَيْضًا أَنَّهُ ﵊ «- كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ غَسَلَ رَأْسَهُ بِأُشْنَانٍ وَخِطْمِيٍّ» .
стр. 3643
٢٥٤٩ - وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ أَوِ التَّبِعَةِ، (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) . .
ــ
٢٥٤٩ - (وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ) صَحَابِيَّانِ، (عَنْ أَبِيهِ) أَيِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ الْخَزْرَجَيِّ، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنَّ آمُرَ أَصْحَابِي) أَيْ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ، (أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ أَوِ التَّلْبِيَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ هَكَذَا فِي النُّسَخِ كُلِّهَا، وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِالْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، أَقُولُ بَلْ هُوَ تَحْرِيفٌ وَمَنْشَؤُهُ وَهْمٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْإِهْلَالَ كَثِيرًا مَا يَأْتِي بِمَعْنَى الْإِحْرَامِ، فَوَهِمَ النَّاسِخُ وَنَقَلَ بِالْمَعْنَى، وَغَفَلَ أَنَّهُ يَأْتِي بِمَعْنَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَجُرِّدَ هُنَا عَنِ الرَّفْعِ أَوْ أُرِيدَ الْمُبَالَغَةُ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ سُنَّةٌ، فَإِنْ تَرَكَهُ كَانَ مُسِيئًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يُبَالِغُ فِيهِ فَيُجْهِدَ نَفْسَهُ كَيْلَا يَتَضَرَّرَ، ثُمَّ قَالَ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِنَا لَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ بِشِدَّةِ رَفْعِ الصَّوْتِ: وَبَيْنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِشِدَّةٍ، إِذْ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْإِجْهَادِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ عَالِيَهُ طَبْعًا: فَيَحْصُلُ الرَّفْعُ الْعَالِي مَعَ عَدَمِ تَعَبِهِ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ الْمَالِكِيِّ: وَلْيَحْذَرْ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى يَعْقِرُوا حُلُوقَهُمْ، وَبَعْضُهُمْ يَخْفِضُونَ أَصْوَاتَهُمْ حَتَّى لَا يَكَادُ يُسْمَعُ، وَالسُّنَّةُ فِي ذَلِكَ التَّوَسُّطُ اهـ. وَالْمُرَادُ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بَلْ تُسْمِعُ نَفْسَهَا لَا غَيْرَ، كَذَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ، (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ وَيُسَنُّ لِلْمُلَبِّي أَنْ يَضَعَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ.
стр. 3644
٢٥٥٠ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) . .
ــ
٢٥٥٠ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ» ) مِنْ بَيَانُ مَنْ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ لَمَّا نَسَبَ التَّلْبِيَةَ إِلَيْهِ عَبَّرَ عَنْهَا بِمَا يُعَبِّرُ عَنْ أُولِي الْعَقْلِ اهـ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا عَنْ يَمِينِهِ فَلَا إِشْكَالَ، (حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأَرْضُ) أَيْ تَنْتَهِي، (مِنْ هَاهُنَا) أَيْ شَرْقًا، (وَهَاهُنَا) أَيْ غَرْبًا، إِلَى مُنْتَهَى الْأَرْضِ مِنْ جَانِبِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، مِمَّا يَبْلُغُ صَوْتُهُ، وَتَخْصِيصُ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ، فَلَا يُنَافِي الْقُدَّامَ وَالْوَرَاءَ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيْ يُوَافِقُهُ فِي التَّلْبِيَةِ جَمِيعُ مَا فِي الْأَرْضِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، ثُمَّ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى إِدْرَاكِ الْجَمَادَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ الْأُمُورَ الْوَاقِعَةَ فِي الْكَائِنَاتِ، وَعِلْمِهَا بِرَبِّهَا مِنْ تَوْحِيدِ الذَّاتِ وَكَمَالِ الصِّفَاتِ، وَأَنَّ تَلْبِيَتَهَا وَتَسْبِيحَهَا بِلِسَانِ الْقَالِ كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْحَالِ، فَإِنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّسْبِيحَ يَأْبَى عَنْهُ التَّلْبِيَةُ بِالتَّصْرِيحِ، فَيَكُونُ بِلِسَانِ الْقَالِ هُوَ الصَّحِيحُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 3645
٢٥٥١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ ﷺ يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَيَقُولُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ) .
ــ
٢٥٥١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْكَعُ) أَيْ يُصَلِّي، (بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ سُنَّةَ الْإِحْرَامِ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ، يَقْرَأُ فِيهِمَا الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصَ، وَيَنْوِي وَيُلَبِّي عَقِيبَهُمَا، (ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ) أَيْ رَفَعَ صَوْتَهَ، (بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) يَعْنِي التَّلْبِيَةَ الْمَشْهُورَةَ، وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي قَوْلِهِ يَأْتِ التَّلْبِيَةَ السَّابِقَةَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْإِشَارَةَ فِيهَا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، (وَيَقُولُ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ زِيَادَةً عَلَيْهَا، وَذَهَبَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي إِرْجَاعِ ضَمِيرِهِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ أَبِيهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ بِالْأَمْرَيْنِ، فَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْ نَافِعٍ وَلَفْظُهُمَا عَنْهُ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ» ، وَفِي
стр. 3646
رِوَايَةٍ لَهُمَا بَعْدَ ذِكْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَتَى بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَيَقُولُ لَبَّيْكَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ وَهَذَا يُعْلِمُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ أَصْلِ الْمُصَنِّفِ نَحْوَ سَطْرٍ، إِنْ كَانَتْ نُسْخَتُهُ مُوَافِقَةً لِهَذِهِ النُّسْخَةِ الَّتِي شَرَحْتُ عَلَيْهَا.
قُلْتُ النُّسَخُ كُلُّهَا تُوَافِقُهَا، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَصَرَ الْحَدِيثَ اخْتِصَارًا مُخِلًّا، حَيْثُ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مَرْفُوعَةٌ، (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ) كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ، أَوْ لِيَعْطِفَ عَلَيْهِ، (وَسَعْدَيْكَ) أَيْ سَاعَدْتَ عَلَى طَاعَتِكَ مُسَاعَدَةً: وَإِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ، وَهُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى الْمَصْدَرِ كَمَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، فَسَعْدَيْكَ مُثَنًّى مُضَافٌ قُصِدَ بِهِ التَّكْرِيرُ لِلتَّكْفِيرِ كَمَا فِي لَبَّيْكَ، أَيْ أُسْعِدُ إِجَابَتَكَ سَعَادَةً بَعْدَ سَعَادَةٍ بِإِطَاعَتِكَ عِبَادَةً بَعْدَ عِبَادَةٍ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَلَمْ يُسْمَعْ مُفْرَدًا عَنْ لَبَّيْكَ، وَالْإِسْعَادُ الْمُسَاعَدَةُ فِي النِّيَاحَةِ خَاصَّةَ، (وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ) أَيْ مُنْحَصِرٌ فِي قَبْضَتِكَ، مِنْ صِفَتَيِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، أَوْ مِنْ نَعْتِي الْجَمَالِ وَالْجَلَالِ، فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى مَحْمُودٌ فِي كُلِّ الْفِعَالِ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، وَإِلَّا فَالْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ كُلُّهُ بِقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ، أَوْ مِنْ بَابِ حُسْنِ الْأَدَبِ فِي الْإِضَافَةِ وَالنَّسَبِ، كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وَمِنْ هُنَا وَرَدَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَيْ لَا يُنْسَبُ إِلَيْكَ أَدَبًا، وَقَدْ أَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ التَّثْنِيَةَ هُنَا وَفِي " يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ " لَمْ يُقْصَدْ بِهَا حَقِيقَتُهَا، بَلِ التَّكْثِيرُ إِلَى مَا لَا غَايَةَ لَهُ كَمَا فِي لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، لِأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَقْدُورَاتِهِ الْمَكْنِيَّ عَنْهُمَا بِذَلِكَ لَا تُحْصَى، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا تَخْفَى، لِأَنَّ مَآلَ كَلَامِهِ إِلَى اعْتِبَارِ التَّثْنِيَةِ، إِلَّا أَنَّهُمَا مِنْ حَيْثِيَّةِ الْجِنْسِيَّةِ، مَعَ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ ذَهَبُوا إِلَى مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، (لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ) يُرْوَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَالرُّغْبَى بِضَمِّ الرَّاءِ مَعَ الْقَصْرِ، وَنَظِيرُهُ الْعُلْيَا وَالْعُلَى، وَالنَّعْمَاءُ وَالنُّعْمَى، وَعَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَتْحُ مَعَ الْقَصْرِ: أَيِ الطَّلَبُ وَالْمَسْأَلَةُ وَالرَّغْبَةُ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ مُنْتَهٍ إِلَيْهِ إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: وَالْعَمَلُ لَكَ: أَيْ لِوَجْهِكَ وَرِضَاكَ، أَوِ الْعَمَلُ بِكَ أَيْ بِأَمْرِكَ وَتَوْفِيقِكَ، أَوِ الْمَعْنَى: أَمْرُ الْعَمَلِ رَاجِعٌ إِلَيْكَ فِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ، وَأَغْرَبَ الطَّحَاوِيُّ حَيْثُ ذَكَرَ كَرَاهَةَ الزِّيَادَةِ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ سَعْدٍ ثُمَّ قَالَ وَبِهَذَا نَأْخُذُ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيُّ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مِنَ الْكَرَاهَةِ أَنَّ يَزِيدَ الرَّجُلُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَأْثُورَةِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ قَبْلَ هَذَا الْقَوْلِ، وَلَا بَأْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَحَبَّ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، أَوْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ فِي خِلَالِ التَّلْبِيَةِ الْمَسْنُونَةِ، فَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا إِنْ زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ قَالَ صَاحِبُ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: هَذَا بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِهَا، أَمَّا فِي خِلَالِهَا فَلَا، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ) أَيْ وَلِلْبُخَارِيِّ مَعْنَاهُ، وَفِي النَّسَائِيِّ أَنَّهُ ﵊ صَلَّى الظُّهْرَ أَيْ قَصَرَ ثُمَّ رَكِبَ، قِيلَ فَيَكُونُ هُوَ الْمُرَادَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْحَدِيثِ، وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ رَكِبَ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْجَمِيعَ اسْتَحَبُّوا كَوْنَهُ إِثْرَ صَلَاةِ نَافِلَةٍ أَوْ فَرِيضَةٍ، وَحَكَى الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَوْنُهَا بَعْدَ صَلَاةِ فَرْضٍ، لِأَنَّهُ جَاءَ أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ كَانَتَا صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَالصَّوَابُ عَلَى مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.
فَهَذَا اعْتِرَاضً عَلَى الْبَغَوِيِّ، حَيْثُ خَالَفَ اصْطِلَاحَهُ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ، لَكِنْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي تَحْرِيرِهِ لِأَحَادِيثِ الْمِشْكَاةِ أُسْنِدَ هَذَا الْحَدِيثُ لِأَحْمَدَ لَفْظًا وَالْبُخَارِيِّ مَعْنًى، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ يَعْنِي التَّلْبِيَةَ: فَعَلَى هَذَا لَا اعْتِرَاضَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَزِيدُ لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ، لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إِلَيْكَ.
وَصَحَّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَزِيدُونَ فِيهَا ذَا الْمَعَارِجِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَسْمَعُ وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ شَيْئًا.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مَرْفُوعًا ( «لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا» ) هَذَا عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا، وَصَحَّ أَنَّهُ ﵊ قَالَ ( «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» ) مَرَّةً فِي أَسَرِّ أَحْوَالِهِ وَهُوَ بِعَرَفَةٍ، وَأُخْرَى فِي أَشَدِّ أَهْوَالِهِ وَهُوَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِمَا عَدَمُ الِاغْتِرَارِ بِمَا يَسُرُّ وَيُكَدِّرُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِالْعُقْبَى.
стр. 3647
٢٥٥٢ - وَعَنْ عِمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ سَأَلَ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعْفَاهُ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) .
ــ
٢٥٥٢ - (وَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، (ابْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ) أَيْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، يُعْرَفُ بِذِي الشَّهَادَتَيْنِ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، كَانَ مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ صِفِّينَ فَلَمَّا قُتِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ جَرَّدَ سَيْفَهُ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ سَأَلَ اللَّهَ رِضْوَانَهُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا أَيْ رِضَاهُ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى، (وَالْجَنَّةَ) أَيِ الْعُقْبَى، فَإِنَّهَا مَرْضَى الْمَوْلَى، (وَاسْتَعْفَاهُ) أَيْ طَلَبَ عَفْوَهُ، فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى سَأَلَ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ وَرَوَى اسْتِغْفَارَهُ فَيَكُونُ عَنْ عَطْفًا عَلَى رِضْوَانِهِ اهـ. وَفِي الْحِصْنِ بِلَفْظِ اسْتَعْتَقَهُ، (بِرَحْمَتِهِ) أَيْ بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ تَعَالَى، لَا بِكَسْبِ نَفْسِهِ، (مِنَ النَّارِ) أَيْ نَارِ الْعَذَابِ أَوْ نَارِ الْحِجَابِ، فَإِنْهُ أَشَدُّ الْعِقَابِ قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنَ التَّلْبِيَةِ، وَيَخْفِضَ صَوْتَهُ بِذَلِكَ، وَأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَيَسْتَعِيذَ بِهِ مِنَ النَّارِ، وَيَدْعُوَ بِمَا أَحَبَّ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ أَحَبَّ، وَيَسْتَحِبُّ أَنْ يُكَرِّرَ التَّلْبِيَةَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى الْوَلَاءِ، وَلَا يَقْطَعَهَا بِكَلَامٍ، وَلَوْ رَدَّ السَّلَامَ فِي خِلَالِهَا جَازَ وَلَكِنْ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَإِذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ قَالَ (لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ) ثُمَّ التَّلْبِيَةُ مَرَّةً شَرْطٌ عِنْدَنَا، وَالزِّيَادَةُ سُنَّةٌ حَتَّى يَلْزَمَ الْإِسَاءَةُ بِتَرْكِهَا، (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَلِّي عَلَى نَفْسِهِ بَعْدَ تَلْبِيَتِهِ، وَضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ كَالَّذِي قَبْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْفَضَائِلِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ صَوْتُهُ بِهِ أَخْفَضَ مِنَ التَّلْبِيَةِ لِتَظْهَرَ الْمَزِيَّةُ.
стр. 3648
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٥٥٣ - عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَرَادَ الْحَجَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فَاجْتَمَعُوا، فَلَمَّا أَتَى الْبَيْدَاءَ أَحْرَمَ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٥٥٣ - (عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَرَادَ الْحَجَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] الْآيَةَ أَيْ نَادَى بَيْنَهُمْ بِأَنْ أُرِيدُ الْحَجَّ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَإِلَّا ظَهَرَ أَنَّهُ أَمَرَ مُنَادِيًا بِأَنَّهُ ﷺ يُرِيدُ الْحَجَّ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ، (فَاجْتَمَعُوا) أَيْ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي الْمَدِينَةِ، (فَلَمَّا أَتَى الْبَيْدَاءَ) وَهِيَ الْمَفَازَةُ الَّتِي لَا شَيْءَ فِيهَا، وَهِيَ هُنَا اسْمُ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ عِنْدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ، (أَحْرَمَ) أَيْ كَرَّرَ إِحْرَامَهُ أَوْ أَظْهَرَهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ أَحْرَمَ ابْتِدَاءً فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ بَعْدَ رَكْعَتِي الْإِحْرَامِ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ﵀ وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ ﵊ (صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا عَلَا عَلَى جَبَلِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «مَا أَهَلَّ إِلَّا عِنْدَ الْمَسْجِدِ» ، يَعْنِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ مَا أَهَلَّ إِلَّا عِنْدَ الْمَسْجِدِ حِينَ قَامَ بِهِ بِعِيرُهُ، وَفِي أُخْرَى حِينَ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ وَاسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمًا: أَهَلَّ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَفِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ لَمَّا أَرَادَ الْحَجَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فَاجْتَمَعُوا لَهُ فَلَمَّا أَتَى الْبَيْدَاءَ أَحْرَمَ.
стр. 3649
٢٥٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَيْلَكُمْ قَدْ قَدْ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
٢٥٥٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيْلَكُمْ قَدْ قَدْ) بِسُكُونِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا مَعَ التَّنْوِينِ فِيهِمَا، أَيْ كَفَاكُمْ هَذَا الْكَلَامُ فَاقْتَصِرُوا عَلَيْهِ وَلَا تَقُولُوا، (إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ) مَا نَافِيَةٌ: وَقِيلَ مَوْصُولَةٌ قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ) فَإِذَا انْتَهَى كَلَامُهُمْ إِلَى لَا شَرِيكَ لَكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَدْ أَيِ اقْتَصِرُوا عَلَيْهِ، وَلَا تَتَجَاوَزُوا عَنْهُ إِلَى مَا بَعْدَهُ.
وَقَوْلُهُ إِلَّا شَرِيكًا الظَّاهِرُ فِيهِ الرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنَ الْمَحَلِّ كَمَا فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، فَاخْتِيرَ فِي الْكَلِمَةِ السُّفْلَى اللُّغَةُ السَّافِلَةُ، كَمَا اخْتِيرَ فِي الْكَلِمَةِ الْعُلْيَا الْعَالِيَةُ، (يَقُولُونَ) أَيِ الْمُشْرِكُونَ، وَهُوَ مَقُولُ ابْنِ عَبَّاسٍ (هَذَا) أَيْ هَذَا الْقَوْلُ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ إِلَّا شَرِيكًا مَعَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ (وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3650
[بَابُ قِصَّةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ]
стр. 3651
(بَابُ قِصَّةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ)
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٢٥٥٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «مَكَثَ بِالْمَدِينَةِ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ قَالَ: اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ. قَالَ جَابِرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَطَافَ سَبْعًا، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ «قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ وَمَشَى إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي ثُمَّ سَعَى حَتَّى إِذَا صَعِدْنَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ نَادَى وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ وَالنَّاسُ تَحْتَهُ فَقَالَ: لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى وَقَالَ: دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ لَا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ قَالَ: قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنَّى أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ قَالَ: فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ فَلَا تَحِلَّ قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةً قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ مِنْ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ. كِتَابَ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ. وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ وَدَفَعَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ ابْنَ عَبَّاسٍ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ. فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى عَلَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
(
بَابٌ فِي قِصَّةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ)
بِفَتْحِ الْوَاوِ مَصْدَرُ وَدَّعَ تَوْدِيعًا، كَسَلَّمَ سَلَامًا، وَكَلَّمَ كَلَامًا، وَقِيلَ بِكَسْرِ الْوَاوِ، فَيَكُونُ مَصْدَرُ الْمُوَادَعَةِ، وَهُوَ إِمَّا لِوَدَاعِهِ النَّاسَ أَوِ الْحَرَمَ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا قَالَ الشُّمُنِّيُّ لَمْ يُسْمَعْ فِي حَاءِ ذِي الْحِجَّةِ إِلَّا الْكَسْرُ قَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ الْحَجَّةَ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَهُوَ مِنَ الشَّوَاذِّ لِأَنَّ الْقَيَّاسَ الْفَتْحُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٥٥٥ - (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ) بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِهَا أَيْ لَبَثَ، (بِالْمَدِينَةِ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ) أَيْ لَكِنَّهُ اعْتَمَرَ كَمَا مَرَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدْ فُرِضَ الْحَجُّ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ اهـ. وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعٍ كَمَا سَبَقَ.
(ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ) أَيْ أَمَرَ بِأَنْ يُنَادَى بَيْنَهُمْ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ نَادَى مُنَادِيًا بِإِذْنِهِ، (فِي الْعَاشِرَةِ) أَيِ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، (أَنَّ) أَيْ بِأَنَّ، (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَاجٌّ) أَيْ مُرِيدٌ لِلْحَجِّ وَقَاصِدُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْكَسْرِ فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقُولِ وَإِنَّمَا أَذَّنَ لِيَكْثُرُوا: فَيُشَاهِدُوا مَنَاسِكَهُ: فَيَنْقُلُوا إِلَى غَيْرِهِمْ، (فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ) تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] أَيْ مُشَاةً ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] أَيْ رَاكِبِينَ عَلَى كُلِّ بَعِيرٍ ضَعِيفٍ ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] أَيْ طَرِيقٍ بِعِيدٍ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ﴾ [الحج: ٢٨] لَهُمْ أَيْ لِيَحْضُرُوا مَنَافِعَ دِينِيَّةً وَدُنْيَوِيَّةً وَأُخْرَوِيَّةٍ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ، قِيلَ وَقَدْ بَلَغَ جُمْلَةُ مَنْ مَعَهُ ﵊ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ تِسْعِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، (فَخَرَجْنَا مَعَهُ) أَيْ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ حَجَّهُ ﵊ كَانَ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ يُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، (حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ) فَنَزَلَ بِهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا وَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ وَالصُّبْحَ وَالظُّهْرَ، وَكَانَ نِسَاؤُهُ كُلُّهُنَّ مَعَهُ: فَطَافَ عَلَيْهِنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ غُسْلًا ثَانِيًا لِإِحْرَامِهِ غَيْرَ غُسْلِ الْجِمَاعِ الْأَوَّلِ.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ ﵊ (صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ، فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سِنَامِهَا الْأَيْمَنِ وَسَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا) أَيْ بِيَدِهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، أَوْ بِإِصْبَعِهِ كَمَا فِي أُخْرَى (وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ) وَالْمُرَادُ بِالنَّاقَةِ فِيهَا الْجِنْسُ، أَوِ الْوَاحِدَةُ مِنْهَا: لِتَعْبِيرِ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ بِالْهَدْيِ فِي التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ، وَلِرِوَايَةِ النَّسَائِيِّ «أَشْعَرَ بَدَنَةً مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَسَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا وَقَلَّدَهَا» ، وَفِي رِوَايَةٍ «أَمَرَ بِبَدَنَتِهِ فَأَشْعَرَ فِي سَنَامِهَا مِنَ الشِّقِّ الْأَيْمَنِ ثُمَّ سَلَتَ عَنْهَا الدَّمَ وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ» ، وَتَقْدِيمُ الْإِشْعَارِ هُوَ الَّذِي صَحَّ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيمِ التَّقْلِيدِ وَإِنْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀، وَصَحَّ مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فَتَدَبَّرْ (فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ) زَوْجَةُ الصِّدِّيقِ ﵄ بَعْدَ مَوْتِ جَعْفَرٍ وَتَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ بَعْدَ مَوْتِ الصِّدِّيقِ وَوَلَدَتْ لَهُ يَحْيَى (بِنْتُ عُمَيْسٍ) بِالتَّصْغِيرِ (مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) وَهُوَ مِنْ أَصْغَرِ الصَّحَابَةِ قَتَلَهُ أَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ بِمِصْرَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ (فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ) أَيْ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ (قَالَ اغْتَسِلِي) دَلَّ عَلَى أَنَّ اغْتِسَالَ النُّفَسَاءِ لِلْإِحْرَامِ سُنَّةٌ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَهُوَ لِلنَّظَافَةِ لَا لِلطَّهَارَةِ وَلِهَذَا لَا يَنُوبُهُ التَّيَمُّمُ، وَكَذَا فِي الْحَائِضِ (وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ) أَيِ اجْعَلِي ثَوْبًا بَيْنَ فَخْذَيْكِ وَشُدِّي فَرْجَكِ بِمَنْزِلَةِ الثَّفْرِ لِلدَّابَّةِ (وَأَحْرِمِي) أَيْ بِالنِّيَّةِ وَالتَّلْبِيَةِ (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ الْإِحْرَامِ (فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ.
стр. 3652
قَالَ ابْنُ الْعَجَمِيِّ فِي مَنْسِكِهِ: يَنْبَغِي إِنْ كَانَ فِي الْمِيقَاتِ مَسْجِدٌ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا فِيهِ، وَلَوْ صَلَّاهُمَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ، وَلَوْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ جَازَ، وَلَا يُصَلِّي فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ وَتُجْزِئُ الْمَكْتُوبَةُ عَنْهُمَا كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
وَقِيلَ صَلَّى الظُّهْرَ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَلَمْ يَنْقُلْ أَنَّهُ ﵊ صَلَّى لِلْإِحْرَامِ رَكْعَتَيْنِ غَيْرَ فَرْضِ الظُّهْرِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ تَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَانَ ﷺ «يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ» أَهَلَّ اهـ.
وَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا يَخْفَى إِذْ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْمُدَّعَى (ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ) بِالْمَدِّ مَعَ فَتْحِ الْقَافِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ وَهُوَ خَطَأٌ، كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ اسْمٌ لِنَاقَتِهِ ﷺ قِيلَ كُلُّ مَا قُطِعَ أُذُنُهُ فَهُوَ جَدْعٌ فَإِذَا بَلَغَ الْقَطْعُ الرُّبْعَ فَهُوَ قَصْوٌ وَإِنْ جَاوَزَ فَهُوَ عَضْبٌ، وَقِيلَ هِيَ الَّتِي قُطِعَ طَرَفُ أُذُنِهَا، وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِهَا لِسَبْقِهَا أَيْ كَانَ عَدْوُهَا أَقْصَى السَّيْرِ وَغَايَةَ الْجَرْيِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ التَّابِعِيُّ: إِنَّ الْقَصْوَاءَ وَالْجَدْعَاءَ اسْمٌ لِنَاقَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ) تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ (أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ أَحْرَمَ رَافِعًا صَوْتَهُ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ حَجَّهُ ﵊ كَانَ إِفْرَادًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ رَفْعُ صَوْتِهِ بِالتَّوْحِيدِ وَبَيَانُهُ (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ) وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي اشْتِرَاطِهِ صِحَّةَ نِيَّةِ الْإِحْرَامِ بِانْضِمَامِ التَّلْبِيَةِ إِلَيْهَا، فَالتَّلْبِيَةُ بِمَنْزِلَةِ تَكْبِيرِ التَّحْرِيمَةِ الْمُقَارَنِ بِالنِّيَّةِ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَلِذَا أُقِيمَ كُلُّ ذِكْرٍ مَقَامَهَا.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: لَفْظُهَا مَصْدَرٌ مُثَنًّى تَثْنِيَةً يُرَادُ بِهَا التَّكْثِيرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أَيْ كَرَّاتٍ كَثِيرَةً وَهُوَ مَلْزُومُ النَّصْبِ وَالْإِضَافَةِ كَمَا تَرَى، وَالنَّاصِبُ لَهُ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ تَقْدِيرُهُ أَجَبْتُ إِجَابَتَكَ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَكَأَنَّهُ مِنْ أَلَبَّ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ، وَيُعْرَفُ بِهَذَا مَعْنَاهُ فَيَكُونُ مَصْدَرًا مَحْذُوفَ الزَّوَائِدِ وَهِيَ إِجَابَةٌ: فَقِيلَ لِدُعَاءِ الْخَلِيلِ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قَالَ رَبِّ فَرَغْتُ، فَقَالَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ رَبِّي وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي؟ قَالَ أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ قَالَ رَبِّي كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ) حَجُّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ يُلَبُّونَ، وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَأَخْرَجَهُ غَيْرُهُ بِأَلْفَاظٍ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ.
وَأَخْرَجَ الْأَزْرَقِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ قَامَ عَلَى الْمَقَامِ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى مَا تَحْتَهُ الْحَدِيثَ، وَأُخْرِجَ عَنْ مُجَاهِدٍ (قَامَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ، فَقَالُوا لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ) فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فَهُوَ مِمَّنْ أَجَابَ إِبْرَاهِيمَ ﵊ يَوْمَئِذٍ (إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ) قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ ﵀ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لَا بِفَتْحِهَا.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يَعْنِي فِي الْوَجْهِ الْأَوْجَهِ، وَأَمَّا فِي الْجَوَازِ فَيَجُوزُ وَالْكَسْرُ عَلَى اسْتِئْنَافِ الثَّنَاءِ، وَتَكُونُ التَّلْبِيَةُ لِلَذَّاتِ وَالْفَتْحُ عَلَى أَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلتَّلْبِيَةِ، أَيْ لَبَّيْكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، وَلَا يَخْفَى تَعْلِيقُ الْإِجَابَةِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا إِلَّا بِالذَّاتِ أَوْلَى مِنْهُ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ هَذَا، وَإِنْ كَانَ اسْتِئْنَافُ الثَّنَاءِ لَا يَتَعَيَّنُ مَعَ الْكَسْرِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ تَعْلِيلًا مُسْتَأْنَفًا كَمَا فِي قَوْلِكَ: عَلِّمِ ابْنَكَ الْعِلْمَ إِنَّ الْعِلْمَ نَافِعُهُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وَهَذَا مُقَرَّرٌ فِي مَسَالِكِ الْعِلَّةِ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ، لَكِنْ لَمَّا جَازَ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا يُحْمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَوْلَوِيَّتِهِ بِخِلَافِ الْفَتْحِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ سِوَى أَنَّهُ تَعْلِيلٌ (لَا شَرِيكَ لَكَ) أَيْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ جَابِرٌ: وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ شَيْئًا وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ.
قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا رَوَى مِنْ زِيَادَةِ النَّاسِ فِي التَّلْبِيَةِ مِنَ الذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ، كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.
стр. 3653
(قَالَ جَابِرٌ لَسْنَا نَنْوِي) أَيْ شَيْئًا مِنَ النِّيَّاتِ (إِلَّا الْحَجَّ) أَيْ نِيَّتَهُ (لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ) أَيْ مَعَ الْحَجِّ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِلْحَصْرِ السَّابِقِ قَبْلَ، أَيْ لَا نَرَى الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ اسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلَ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ كَوْنِ الْعُمْرَةِ مَحْظُورَةً فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ، وَقِيلَ مَا قَصَدْنَاهَا وَلَمْ تَكُنْ فِي ذِكْرِنَا، وَالْمَعْنَى لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ مَقْرُونَةً بِالْحَجَّةِ، أَوِ الْعُمْرَةَ الْمُفْرَدَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ الصَّحَابَةَ خَرَجُوا مَعَهُ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الْحَجَّ، فَبَيَّنَ ﷺ لَهُمْ وُجُوهَ الْإِحْرَامِ، وَجَوَّزَ لَهُمُ الِاعْتِمَارَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ (حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ) أَيْ وَصَلْنَاهُ بَعْدَ مَا نَزَلْ بِذِي طُوًى بَاتَ بِهَا، وَاغْتَسَلَ فِيهَا، وَدَخَلَ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا صَبِيحَةَ الْأَحَدِ رَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَصَدَ الْمَسْجِدَ مِنْ شَقِّ بَابِ السَّلَامِ، وَلَمْ يُصَلِّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ تَحِيَّةَ الْبَيْتِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ هُوَ الطَّوَافُ، فَمِنْ ثَمَّ اسْتَمَرَّ ﵊ عَلَى مُرُورِهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ حَتَّى (اسْتَلَمَ الرُّكْنَ) أَيِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَالِاسْتِلَامُ افْتِعَالٌ مِنَ السَّلَامِ بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الرُّكْنَ بِالْمُحَيَّا لِأَنَّ النَّاسَ يُحَيُّونَهُ بِالسَّلَامِ، وَقِيلَ: مِنَ السِّلَامِ بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ، يُقَالُ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ إِذَا لَثَمَهُ وَتَنَاوَلَهُ، وَالْمَعْنَى وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ وَقَبَّلَهُ، وَقِيلَ: وَضَعَ الْجَبْهَةَ أَيْضًا عَلَيْهِ (فَرَمَلَ) أَيْ أَسْرَعَ يَهُزُّ مَنْكِبَيْهِ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الْأَشْوَاطِ السَّبْعَةِ (وَمَشَى) أَيْ عَلَى السُّكُونِ وَالْهَيْنَةِ (أَرْبَعًا) أَيْ فِي أَرْبَعِ مَرَّاتٍ وَكَانَ مُضْطَبِعًا فِي جَمِيعِهَا (ثُمَّ تَقَدَّمَ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ نُسَخِ مُسْلِمٍ نَفَذَ بِالنُّونِ وَالْفَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تَوَجَّهَ (إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ مَوْضِعِ قِيَامِهِ فَقَرَأَ وَاتَّخِذُوا بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى الْأَمْرِ وَبِفَتْحِهَا عَلَى الْخَبَرِ ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥] أَيْ بَعْضِ حَوَالَيْهِ مُصَلًّى بِالتَّنْوِينِ أَيْ مَوْضِعَ صَلَاةِ الطَّوَافِ (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) كَمَا فِي نُسْخَةٍ (فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ) أَيْ صَلَّى خَلْفَهُ بَيَانًا لِلْأَفْضَلِ (وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) أَيْ بَعْدِ الْفَاتِحَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] أَيْ إِلَى آخِرِهَا فِي إِحْدَاهُمَا وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ أَيْ بِتَمَامِهَا فِي الْأُخْرَى وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ فَلَا إِشْكَالَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: كَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِ السُّنَّةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَانَ مِنَ الظَّاهِرِ تَقْدِيمُ سُورَةِ " الْكَافِرُونَ " كَمَا فِي رِوَايَةِ الْمَصَابِيحِ، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ مُقَدِّمَةَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ لِإِثْبَاتِ التَّوْحِيدِ وَسُورَةَ " الْكَافِرُونَ " لِلْبَرَاءَةِ عَنِ الشِّرْكِ، فَقَدَّمَ الْإِشْرَاكَ اهْتِمَامًا لِشَأْنِهِ لِانْدِرَاسِ آَثَارِ الْأَضْدَادِ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَأَمَّا تَقْدِيمُ سُورَةِ " الْكَافِرُونَ " عَلَى الْإِخْلَاصِ: فَبِنَاءً عَلَى تَقْدِيمِ نَفْيِ الْآلِهَةِ الْبَاطِلَةِ عَلَى إِثْبَاتِ وَاجِبِ الْوُجُودِ كَكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ فِي مَقَامِ الشُّهُودِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ الْمُقَامِ الْآنَ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ ﵊ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ، فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ وَتَضَيَّقُوا أَخَّرَهُ عُمَرُ إِلَى مَحَلِّهِ الْآنَ فَهُوَ غَرِيبٌ وَإِنْ أَخَذَ بِهِ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْفَتْحِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَقَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «طَافَ بِالْبَيْتِ فَرَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ثَلَاثًا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَرَأَ فِيهِمَا ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ) كَالْمُوَدِّعِ لَهُ» فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﵊ لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَأَنَّهُ قَبَّلَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ، بَلْ صَحَّ أَيْضًا أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ عَادَ إِلَى الْحَجَرِ ذَهَبَ إِلَى زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْهَا وَصَبَّ مِنْهَا عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ (ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ) أَيْ بَابِ الصَّفَا (إِلَى الصَّفَا) أَيْ إِلَى جَانِبِهِ
стр. 3654
(فَلَمَّا دَنَا) أَيْ قَرُبَ مِنَ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] جَمْعُ شَعِيْرَةٍ وَهِيَ الْعَلَامَةُ الَّتِي جُعِلَتْ لِلطَّاعَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي الْحَجِّ عِنْدَهَا كَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ (أَبْدَأُ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ وَقَالَ أَبْدَأُ (بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ) أَيِ ابْتِدَاءً بِالصَّفَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَهُ بِذِكْرِهِ فِي كَلَامِهِ، فَالتَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ لَهُ اعْتِبَارٌ فِي الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ إِمَّا وُجُوبًا أَوِ اسْتِحْبَابًا، وَإِنْ كَانَتِ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ فِي الْآيَةِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ابْدَءُوا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ السَّعْيِ لَا عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ، مَعَ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَغَيْرَهُمْ قَالُوا بِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَسَبَبُ نُزُولِهَا مَا ذَكَرَتْ عَائِشَةُ لَمَّا سَأَلَهَا عُرْوَةُ فَقَالَتْ: إِنَّمَا نَزَلَتْ هَكَذَا لِأَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيْ يَخَافُونَ الْحَرَجَ فِيهِ فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊ عَلَى مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّهُ ﵊ ( «اسْتَقْبَلَ النَّاسَ فِي الْمَسْعَى وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» ) وَأَوْرَدَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَابْنُ السَّكَنِ فِي صِحَاحِهِ فَإِنَّمَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ دُونَ الرُّكْنِيَّةِ مَعَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي سَنَدِهِ، وَإِنْ أَجَابَ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ دَلَالَةَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ كِلَاهُمَا ظَنِّيَّةٌ لَا يُفِيدُ الرُّكْنِيَّةَ، (فَبَدَأَ) أَيْ فِي سَعْيِهِ (بِالصَّفَا فَرَقِيَ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ صَعِدَ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الصَّفَا (حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ) أَيْ إِلَى أَنْ رَآهُ (فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَنْصِيصًا عَلَى أَنَّ الْبَيْتَ قَبْلَهُ: وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ هُوَ التَّوَجُّهُ إِلَى الْقِبْلَةِ لَا خُصُوصُ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ، وَهُوَ الْآنَ يُرَى بِلَا رُقِيٍّ فِي قَدْرٍ يَسِيرٍ، وَقِيلَ قَدْرُ الْقَامَةِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَاشِي دُونَ الرَّاكِبِ (فَوَحَّدَ اللَّهَ) أَيْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (وَكَبَّرَهُ) أَيْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ (وَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) إِمَّا تَفْسِيرٌ لِمَا سَبَقَ وَالتَّكْبِيرُ مُسْتَفَادٌ مِنْ مَعْنَاهُ، وَإِمَّا قَوْلٌ آخَرُ غَيْرُ مَا سَبَقَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ قَوْلٌ آخَرُ وَكَأَنَّهُ إِجْمَالٌ وَتَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ (وَحْدَهُ) حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ، أَيْ مُنْفَرِدًا بِالْأُلُوهِيَّةِ أَوْ مُتَوَحِّدًا بِالذَّاتِ (لَا شَرِيكَ لَهُ) فِي الْأُلُوهِيَّةِ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا، أَوْ فِي الصِّفَاتِ فَيَكُونُ تَأْسِيسًا وَهُوَ الْأَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى (لَهُ الْمُلْكُ) أَيْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (وَلَهُ الْحَمْدُ) أَيِ الثَّنَاءُ الْجَمِيلُ ثَابِتٌ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ حَقِيقَةً فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، وَزَادَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ يُحْيِي وَيُمِيتُ (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) أَيْ تَعَلَّقَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ (قَدِيرٌ) أَيْ كَامِلُ الْقُدْرَةِ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ) أَيْ مُنْفَرِدًا بِالْأَفْعَالِ وَخَلْقِ الْأَعْمَالِ (أَنْجَزَ وَعْدَهُ) أَيْ وَفَّى بِمَا وَعَدَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) أَيْ عَبْدَهُ الْخَاصَّ، أَيْ فِي مَقَامِ الِاخْتِصَاصِ نَصْرًا عَزِيزًا وَفَتْحًا مُبِينًا (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِغَيْرِ قِتَالٍ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِمْ أَنْوَاعُ الْكُفَّارِ الَّذِينَ غُلِبُوا بِالْهَزِيمَةِ وَالْفِرَارِ (ثُمَّ) لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ دُونَ التَّرَاخِي (دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ اهـ.
وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَقْصُودِ بَوْنٌ بَيِّنٌ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: كَلِمَةُ ثُمَّ تَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِ الدُّعَاءِ مِنْ ذَلِكَ الذِّكْرِ، وَكَلِمَةُ بَيْنَ تَقْتَضِي تَوَسُّطَهُ بَيْنَ الذِّكْرِ: كَأَنْ يَدْعُوَ مَثَلًا بَعْدَ قَوْلِهِ: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ دَعَا بِمَا شَاءَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الذِّكْرِ، ثُمَّ عَادَ مَرَّةً ثَالِثَةً اهـ.
وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْجَوَابِ فَنَقُولُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ: أَنَّ قَوْلَهُ (قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَالتَّقْدِيرُ: ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ قَالَ ﷺ مِثْلَ هَذَا الذِّكْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَوْ نَقُولُ جَاءَ بَيْنَ بِمَعْنَى الْوَصْلِ وَالْفُرْقَةِ، أَيْ دَعَا وَاصِلًا ذَلِكَ أَوْ مُفَارِقًا ذَلِكَ، يَعْنِي الذِّكْرَ السَّابِقَ بِالدُّعَاءِ اللَّاحِقِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ دَعَا بَعْدَ فَرَاغِ الْمَرَّةِ الْأُولَى مِنَ الذِّكْرِ وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ (ثُمَّ نَزَلَ وَمَشَى إِلَى الْمَرْوَةِ) أَيْ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهَا وَقَاصِدًا جِهَتَهَا (حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ) أَيِ انْحَدَرَتْ مَجَازٌ مِنْ قَوْلِهِمْ صَبَّ الْمَاءَ فَانْصَبَّ (فِي بَطْنِ الْوَادِي) أَيِ الْمَسْعَى وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَفْرَجٌ بَيْنَ جِبَالٍ
стр. 3655
أَوْ تِلَالٍ أَوْ آكَامٍ كَذَا فِي الْقَامُوسِ، يَعْنِي انْحَدَرَتَا بِالسُّهُولَةِ فِي صَيِّبٍ مِنَ الْأَرْضِ وَهُوَ الْمُنْحَدَرُ الْمُنْخَفِضُ مِنْهَا، وَالِانْصِبَابُ الِانْسِكَابُ أَيْ حَتَّى بَلَغَتَا عَلَى وَجْهِ السُّرْعَةِ إِلَى أَرْضٍ مُنْخَفِضَةٍ (ثُمَّ سَعَى) أَيْ عَدَا يَعْنِي سَعَى سَعْيًا شَدِيدًا، كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ الْمِشْكَاةِ، وَلَيْسَ مَوْجُودًا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَفِي بَعْضِ نُسَخٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ إِسْقَاطُ كَلِمَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا وَهِيَ رَمَلَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فِي بَطْنِ الْوَادِي، كَمَا فِي رِوَايَةِ غَيْرِ مُسْلِمٍ، كَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَفِي الْمُوَطَّأِ سَعَى بَدَلَ رَمَلَ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ بِمَعْنَى رَمَلَ وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ مُسْلِمٍ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ، قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ رَمَلَ بِمَعْنَى سَعَى، لَا أَنَّ سَعَى بِمَعْنَى رَمَلَ (حَتَّى إِذَا صَعِدْنَا) بِكَسْرِ الْعَيْنِ كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَأَمَّا مَا فِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْغَيْرِ فَتَصْحِيفٌ، أَيِ ارْتَفَعَتْ قَدَمَاهُ عَنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَفِي نُسْخَةٍ أَصْعَدَتَا بِالْهَمْزِ، وَفِي الْمَصَابِيحِ: إِذَا صَعِدَتْ قَدَمَاهُ قَالَ شَارِحٌ: أَيْ أَخَذَتْ قَدَمَاهُ فِي الصُّعُودِ وَالْإِصْعَادُ الذَّهَابُ فِي الْأَرْضِ وَالْإِبْعَادُ فِي صُعُودٍ أَوْ حُدُورٍ اهـ.
وَفِي الْقَامُوسِ صَعِدَ فِي السُّلَّمِ كَسَمِعَ وَصَعِدَ فِي الْجَبَلِ، وَعَلَيْهِ تَصْعِيدًا وَلَمْ يُسْمَعْ صَعِدَ فِيهِ، وَأَصْعَدَ فِي الْأَرْضِ مَضَى، وَفِي الْوَادِي انْحَدَرَ وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْإِصْعَادُ الذَّهَابُ فِي الْأَرْضِ مُطْلَقًا، وَمَعْنَاهُ فِي الْحَدِيثِ ارْتِفَاعُ الْقَدَمَيْنِ عَنْ بَطْنِ الْوَادِي إِلَى الْمَكَانِ الْعَالِي، لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ أَيْ دَخَلَتْ فِي الْحُدُورِ اهـ.
وَبِهَذِهِ النُّقُولِ يَتَبَيَّنُ تَرْجِيحُ نُسْخَةِ أَصْعَدَتَا بِالْهَمْزِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، (مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ) أَيْ مِثْلَ فِعْلِهِ (عَلَى الصَّفَا) مِنَ الرُّقِيِّ وَالِاسْتِقْبَالِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ مَشَى وَمَا قَبْلَهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْعَ رَاكِبًا، وَهُوَ يُفِيدُ الْوُجُوبَ حَيْثُ لَا عُذْرَ لِقَوْلِهِ ﵊ " «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» " وَأَمَّا رُكُوبُهُ ﵊ كَمَا فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قِيلَ لَهُ: ( «إِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الرُّكُوبَ فِي السَّعْيِ سُنَّةٌ، فَقَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، إِنَّ مُحَمَّدًا كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ هَذَا مُحَمَّدٌ هَذَا مُحَمَّدٌ حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ، وَكَانَ لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرُوا عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ» ) فَلَا يُنَافِي مَا قَدَّمْنَاهُ: بَلْ يُسَاعِدُهُ وَيُعَاضِدُهُ عَلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى سَعْيِهِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ ﵊ طَافَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ رَاكِبًا لِيَسْمَعُوا كَلَامَهُ، وَيَرَوْا مَكَانَهُ، وَلَا تَمَسُّهُ الْأَيْدِي لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا لَا يَدْفَعُونَ عَنْهُ (حَتَّى إِذَا كَانَ) تَامَّةٌ أَيْ وَجَدَ (آخِرُ طَوَافٍ) أَيْ سَعْيٍ (عَلَى الْمَرْوَةِ) مُتَعَلِّقٌ بَكَانَ (قَالَ) جَوَابُ إِذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (فَقَالَ) بِزِيَادَةِ الْفَاءِ، وَأَمَّا مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ (نَادَى وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ وَالنَّاسُ تَحْتَهُ فَقَالَ) فَلَا أَصْلَ لَهُ (لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ) أَيْ لَوْ عَلِمْتُ فِي قَبْلُ (مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) أَيْ مَا عَلِمْتُهُ فِي دُبُرٍ مِنْهُ، وَالْمَعْنَى لَوْ ظَهَرَ لِي هَذَا الرَّأْيُ الَّذِي رَأَيْتُهُ الْآنَ: لَأَمَرْتُكُمْ بِهِ فِي أَوَّلِ أَمْرِي، وَابْتِدَاءِ خُرُوجِي (لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ) بِضَمِّ السِّينِ يَعْنِي لَمَا جَعَلْتُ عَلَيَّ هَدْيًا وَأَشْعَرْتُهُ وَقَلَّدْتُهُ وَسُقْتُهُ بَيْنَ يَدَيَّ، فَإِنَّهُ إِذَا سَاقَ الْهَدْيَ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ، وَلَا يَنْحَرُ إِلَّا يَوْمَ النَّحْرِ، فَلَا يَصِحُّ لَهُ فَسْخُ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَسُقْ إِذْ يَجُوزُ لَهُ فَسْخُ الْحَجِّ، قِيلَ: إِنَّمَا قَالَهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، وَلِيَعْلَمُوا أَنَّ الْأَفْضَلَ لَهُمْ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، إِذْ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الِاقْتِدَاءِ بِفِعْلِهِ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَجْعَلُ التَّمَتُّعَ أَفْضَلَ، وَقِيلَ: رُبَّمَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ مَا أَمَرَهُمْ لِلْإِفْضَاءِ إِلَى النِّسَاءِ قَبْلَ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ (قَالُوا: نَأْتِي عَرَفَةَ وَتَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ) قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا (وَجَعَلْتُهَا) أَيِ الْحَجَّةَ (عُمْرَةً) أَيْ جَعَلْتُ إِحْرَامِي بِالْحَجِّ مَصْرُوفًا إِلَى الْعُمْرَةِ: كَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مُوَافَقَةً (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ) الْفَاءُ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْتُ مِنْ أَنْ أَفْرَدْتُ الْحَجَّ وَسُقْتُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ (لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الْهَدْيُ بِإِسْكَانِ الدَّالِّ وَكَسْرِهَا، وَتُشَدَّدُ الْيَاءُ مَعَ الْكَسْرَةِ، وَتُخَفَّفُ مَعَ الْفَتْحِ (فَلْيَحِلَّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ لِيَصِرْ حَلَالًا، وَلِيَخْرُجْ مِنْ إِحْرَامِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ (وَلْيَجْعَلْهَا) أَيِ الْحَجَّةَ (عُمْرَةً) إِذْ قَدْ أُبِيحَ لَهُ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ الْإِحْرَامَ لِلْحَجِّ، وَالْوَاوُ لِمُطْلِقِ الْجَمْعِ، إِذِ الْجَعْلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْخُرُوجِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْجَعْلِ الْفَسْخُ، وَهُوَ أَنْ يَفْسَخَ نِيَّةَ الْحَجِّ وَيَقْطَعَ أَفْعَالَهُ وَيَجْعَلَ إِحْرَامَهُ وَأَفْعَالَهُ لِلْعُمْرَةِ، أَوِ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ وَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مَعَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَنْ أَحْرَمَ لِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ. إِنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِذَا كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ عُمْرَتِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ.
стр. 3656
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵏: يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ بِمُجَرَّدِ فَرَاغِ أَعْمَالِهَا وَإِنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَاحْتَجُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى حَلِّ الْحَاجِّ مِنْ حَجِّهِ وَإِنْ لَمْ يَنْحَرْ، وَفِيهِ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ مُمْتَنِعٌ، وَأَمَّا جَوَابُهُمْ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهَا مُخْتَصَرَةٌ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْآتِيَةِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَقِبَ رِوَايَةِ جَابِرٍ هَذِهِ لِأَنَّ فِي تِلْكَ (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهَلِّلْ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا) قَالُوا وَهَذَا بَيَّنَ أَنَّ فِي تِلْكَ مَحْذُوفًا: أَيْ وَمَنْ أَحْرَمَ لِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِحَجٍّ، وَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، أَيْ نَدْبًا لِأَنَّ هَذَا مَحَلُّ وِفَاقٍ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ هَذَا التَّأْوِيلُ لِاتِّحَادِ الْقِصَّةِ وَالرَّاوِي فَفِيهِ نَصٌّ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْأَمْرَ أَصْلُهُ لِلْوُجُوبِ وَلَا يُصْرَفُ عَنْهُ إِلَى النَّدْبِ إِلَّا لِمُوجَبٍ صَارِفٍ عَنِ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ، ثُمَّ قَوْلُهُمْ (وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِحَجٍّ) فَفِيهِ أَنَّ فَسْخَ الْعُمْرَةِ بِالْحَجِّ لَا قَائِلَ بِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: لَمَّا أَرَادَ ﷺ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِجَعْلِ الْحَجِّ عُمْرَةً، وَالْإِهْلَالِ بِأَعْمَالِهَا تَأْسِيسًا بِالتَّمَتُّعِ، وَتَقْرِيرًا لِجَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَإِمَاطَةً لِمَا أَلِفُوا مِنَ التَّحَرُّجِ عَنْهَا، قَدَّمَ الْعُذْرَ فِي اسْتِمْرَارِهِ عَلَى مَا أَهَلَّ بِهِ، وَتَرَكَ مُوَافَقَتَهُمْ فِي الْإِهْلَالِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، وَإِظْهَارًا لِلرَّغْبَةِ فِي مُوَافَقَتِهِمْ، وَإِزَاحَةً لِمَا عَرَاهُمْ مِنَ الْغَضَاضَةِ وَكَرَاهَةِ الْمُخَالَفَةِ.
وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى مَنْعِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ خَاصَّةِ تِلْكَ السَّنَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ كَانَ صَرْفَهُمْ عَنْ سُنَنِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُمْكِنُ جَوَازُ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي نُفُوسِهِمْ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رُوِيَ عَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ قَالَ: ( «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسْخُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةً أَوْ لِمَنْ بَعْدَنَا؟ قَالَ: لَكُمْ خَاصَّةً» ) (فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ) بِضَمِّ السِّينِ (ابْنِ جُعْشُمٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَالشِّينِ وَيُفْتَحُ (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلِعَامِنَا هَذَا؟) يَعْنِي الْإِتْيَانَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ مَعَ الْحَجِّ يَخْتَصُّ هَذِهِ السَّنَةَ (أَمْ لِأَبَدٍ) أَيْ مِنَ الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ (فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً) أَيْ جَعَلَ أَوْ أَدْخَلَ وَاحِدَةً (فِي الْأُخْرَى) مَنْصُوبٌ لِعَامِلٍ مُضْمِرٍ، وَالْحَالُ مُؤَكَّدَةٌ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ أَوْ أَرَادَ أَصَابِعَ يَدٍ وَاحِدَةٍ، لَا وَاحِدَةً مِنَ الْأَصَابِعِ، فَيَكُونُ بَدَلَ كُلٍّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبُهَا عَلَى أَنَّهَا بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ أَصَابِعِهِ (وَقَالَ دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ) أَيْ جَوَازُهَا (فِي الْحَجِّ أَيْ فِي أَشْهُرِهِ (مَرَّتَيْنِ) أَيْ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ (لَا) أَيْ لَيْسَ لِعَامِنَا هَذَا فَقَطْ (بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ) كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَجُوزُ الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْمَقْصُودُ إِبْطَالُ مَا زَعَمَهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَجُوزُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقِيلَ مَعْنَى دُخُولِهَا فِي الْحَجِّ أَنَّ فَرْضَهَا سَاقِطٌ بِوُجُوبِ الْحَجِّ، وَفِيهِ أَنَّهُ مَتَى فُرِضَتْ حَتَّى يُقَالَ سَقَطَتْ قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي بُطْلَانَهُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ جَوَازُ الْقِرَانِ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ دَخَلَتْ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَشْبِيكُ الْأَصَابِعِ، وَفِيهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ فَتَدَبَّرْ يَظْهَرْ لَكَ وَجْهُ الصَّوَابِ.
وَقِيلَ جَوَازُ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ ضَعِيفٌ أَقُولُ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ وَسِبَاقِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْفَسْخِ، هَلْ هُوَ خَاصٌّ لِلصَّحَابَةِ، أَمْ لِتِلْكَ السَّنَةِ، أَمْ بَاقٍ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ أَحْمَدُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ: لَيْسَ خَاصًّا بَلْ هُوَ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيَجُوزُ لِكُلِّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ وَلَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ: أَنْ يَقْلِبَ إِحْرَامَهُ عُمْرَةً وَيَتَحَلَّلَ بِأَعْمَالِهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَشَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِيُخَالِفُوا مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ اهـ.
وَيَحْتَاجُ الْكَلَامُ فِي سَنَدِ الْمَنْعِ وَبَيَانِ الْمُخَصِّصِ لِإِلْزَامِ الْخِصَامِ، ثُمَّ رَأَيْتُ مَا يَدُلُّ لِلْجُمْهُورِ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (كَانَتِ الْمُتْعَةُ أَيِ الْفَسْخُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً) وَحَدِيثُ النَّسَائِيِّ (يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسْخُ الْحَجِّ لِلْعُمْرَةِ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً، فَقَالَ ﵊ لَنَا خَاصَّةً) هَذَا وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ ﵊ لَمَا نَزَلَ بِسَرِفَ حَاضَتْ عَائِشَةُ بَعْدَ مَا سَمِعَتْهُ ﵊ يَقُولُ « (مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً: فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلَا» ) فَبَكَتْ فَقَالَ (مَا يُبْكِيكِ) فَذَكَرَتْ لَهُ مَا سَمِعَتْهُ وَأَنَّهَا بِسَبَبِهِ مُنِعَتِ الْعُمْرَةَ لِحَيْضِهَا، فَقَالَ (لَا «يَضُرُّكِ إِنَّمَا أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ فَكُونِي فِي حَجِّكِ» ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ ( «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» ) وَمَا صَرَّحَتْ بِهِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ مُحْرِمَةً بِحَجٍّ تُعَارِضُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنْهَا: وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، زَادَ أَحْمَدُ (وَلَمْ أَسُقْ هَدْيًا) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا ( «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُلَبِّي لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً» ) وَجُمِعَ بِأَنَّهَا أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ مُفْرِدَةً كَبَعْضِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْسَخُوا الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ فَفَعَلَتْ، فَصَارَتْ مُتْعَةً ثُمَّ لَمَّا دَخَلَتْ مَكَّةَ حَائِضًا وَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا الطَّوَافُ أَمَرَهَا أَنْ تُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَرَدَّ
стр. 3657
مَالِكٌ رِوَايَةَ إِحْرَامِهَا بِالْعُمْرَةِ وَأَوَّلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ فَسْخَ الْعُمْرَةِ وَجَعْلَهَا حَجًّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، بِخِلَافِ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِهِ إِلَى الْآنَ، عَلَى أَنَّ رَفْضَهَا لِعُمْرَتِهَا بِالْكُلِّيَّةِ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ: يُحْتَمَلُ أَنَّ أَمْرَهُ لَهَا بِرَفْضِ عُمْرَتِهَا تَرْكُ التَّحَلُّلِ مِنْهَا، وَإِدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا حَتَّى تَصِيرَ قَارِنَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ ﵊ أَمَرَهَا بِنَقْضِ شَعْرِهَا وَمَشْطِ رَأْسِهَا، وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ فَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ أَيْ عَنْ أَعْمَالِهَا لِأَجْلِ رَفْضِهَا.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀ وَإِنَّهَا قَالَتْ: وَارْجِعْ بِحَجٍّ لِاعْتِقَادِهَا أَنَّ إِفْرَادَ الْعُمْرَةِ بِالْعَمَلِ، أَفْضَلُ وَرُدَّ هَذَا التَّأْوِيلُ بِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ لَيْسَ مَعَهَا عُمْرَةٌ، وَهَذَا صَرِيحٌ لِقَوْلِ أَئِمَّتِنَا إِنَّهَا تَرَكَتِ الْعُمْرَةَ وَحَجَّتْ مُفْرِدَةً، وَأَخَذُوا مِنْهُ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ إِذَا أَهَلَّتْ بِالْعُمْرَةِ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ قَبْلَ الطَّوَافِ أَنْ تَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، وَتُهِلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدَةً، وَكَذَا إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، وَوَقَفَ الْقَارِنُ قَبْلَ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ رَافِضًا لِعُمْرَتِهِ، فَيَقْضِيهَا وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِرَفْضِهَا، وَلَا يُنَافِيهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ فَحَاضَتْ بِسَرِفَ فَقَالَ لَهَا أَهِلِّي بِالْحَجِّ، فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ وَسَعَتْ أَيْ بَعْدَ الْوُقُوفِ قَالَ لَهَا قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا رَفَضَتْ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ لَا أَنَّهَا فَسَخَتِ الْعُمْرَةَ بِالْحَجِّ، إِذْ لَا قَائِلَ بِهِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ، ثُمَّ لَمَّا شَكَتْ إِلَيْهِ أَنَّهَا تَجِدُ فِي نَفْسِهَا أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ إِلَّا بَعْدَ الْحَجِّ وَالنَّاسُ يَرْجِعُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ كَامِلَةٍ أَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ: «طَوَافُكَ يَسَعُكِ لِحَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ» . أَيْ يَقُومُ مَقَامَهُمَا فِي الْجُمْلَةِ وَأَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ.
(وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ ) وَهُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ جَمْعُ بَدَنَةٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يُتَقَرَّبُ بِذَبْحِهِ مِنَ الْإِبِلِ (فَقَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ (مَاذَا قُلْتَ) لَهَا، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ (فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ فِيمَنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا) قَالَ النَّوَوِيُّ: قُلْنَا ظَنًّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، فَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ بِالْعِرَاقِ يَقُولُ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: صَدَقَتْ صَدَقَتْ مَاذَا قُلْتَ (حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ) أَيْ أَلْزَمْتَهُ عَلَى نَفْسِكَ بِالنِّيَّةِ وَالتَّلْبِيَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] (قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ إِحْرَامِ الرَّجُلِ عَلَى إِحْرَامِ غَيْرِهِ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (فَإِنَّ مَعِي) بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا أَيْ إِذَا عَلَّقْتَ إِحْرَامَكَ بِإِحْرَامِي، فَإِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ وَمَعِي (الْهَدْيُ) وَلَا أَقْدِرُ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْعُمْرَةِ بِالتَّحَلُّلِ (فَلَا تَحِلَّ) نَهْيٌ أَوْ نَفْيٌ أَيْ لَا تَحِلَّ أَنْتَ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْإِحْرَامِ كَمَا لَا أَحِلُّ، حَتَّى تَفْرُغَ مِنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ.
(قَالَ) أَيْ جَابِرٌ (فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ) أَيْ مِنَ الْإِبِلِ (الَّذِي قَدِمَ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الْهَدْيِ (عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ) أَيْ لَهُ ﷺ (وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةً) أَيْ مِنَ الْهَدْيِ (قَالَ) أَيْ جَابِرٌ (فَحَلَّ النَّاسُ) أَيْ خَرَجَ مِنَ الْإِحْرَامِ مَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا (كُلُّهُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قِيلَ هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ لَمْ تَحِلَّ وَلَمْ تَكُنْ مِمَّنْ سَاقَ الْهَدْيَ، أَقُولُ لَعَلَّهَا مَا أُمِرَتْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ أَوْ كَانَتْ مُعْتَمِرَةً وَأُمِرَتْ بِإِدْخَالِ الْحَجِّ عَلَيْهَا لِتَكُونَ قَارِنَةً كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا (وَقَصَّرُوا) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَإِنَّمَا قَصَّرُوا مَعَ أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ لِأَنْ يَبْقَى لَهُمْ بَقِيَّةٌ مِنَ الشَّعَرِ حَتَّى يُحْلَقَ فِي الْحَجِّ اهـ. وَلِيَكُونَ شَعَرُهُمْ فِي مِيزَانِ حَجَّتِهِمْ أَيْضًا سَبَبًا لِزِيَادَةِ أَجْرِهِمْ، وَلِيَكُونُوا دَاخِلِينَ فِي الْمُقَصِّرِينَ وَالْمُحَلِّقِينَ، جَامِعِينَ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالرُّخْصَةِ وَالْعَزِيمَةِ (إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ ضَمِيرِ حَلُّوا (وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) عَطْفًا عَلَى الْمُسْتَثْنَى (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الْحُجَّاجَ يَرْتَوُونَ وَيَشْرَبُونَ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ وَيَسْقُونَ الدَّوَابَّ لِمَا بَعْدَهُ، وَقَيْلَ لِأَنَّ الْخَلِيلَ تَرَوَّى فِيهِ أَيْ تَفَكَّرَ فِي ذَبْحِ
стр. 3658
إِسْمَاعِيلَ وَأَنَّهُ كَيْفَ يَصْنَعُ حَتَّى جَزَمَ عَزْمَهُ يَوْمَ الْعَاشِرِ بِذَبْحِهِ (تَوَجَّهُوا) أَيْ أَرَادُوا التَّوَجُّهَ (إِلَى مِنًى) يُنَوَّنُ وَقِيلَ لَا يُنَوَّنُ فَيُكْتَبُ بِالْأَلِفِ، سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهُ يُمْنَى الدِّمَاءُ فِي أَيَّامِهَا، أَيْ يُرَاقُ وَيُسْفَكُ أَوْ لِأَنَّهُ يُعْطَى الْحُجَّاجُ مُنَاهُمْ بِإِكْمَالِ أَفْعَالِ الْحَجِّ فِيهَا (فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ) أَيْ أَحْرَمَ بِهِ مَنْ كَانَ خَرَجَ عَنْ إِحْرَامِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعُمْرَةِ (وَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ ) أَيْ حِينَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَسَارَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى مِنًى (فَصَلَّى بِهَا) أَيْ بِمِنًى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ (الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعَشَاءَ وَالْفَجْرَ) أَيْ فِي أَوْقَاتِهَا (ثُمَّ مَكَثَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا، أَيْ لَبَثَ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَجْرِ (قَلِيلًا) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى إِسْفَارِ الْفَجْرِ (حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ) عَطْفٌ عَلَى رَكِبَ أَوْ حَالٌ، أَيْ وَقَدْ أَمَرَ بِضَرْبِ خَيْمَةٍ (مِنْ شَعَرٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا (تُضْرَبُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِنَمِرَةَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، مَوْضِعٌ عَنْ يَمِينِ الْخَارِجِ مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ إِذَا أَرَادَ الْمَوْقِفَ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: جَبَلٌ قَرِيبٌ مِنْ عَرَفَاتٍ وَلَيْسَ مِنْهَا (فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ مِنْ مِنًى إِلَيْهَا (وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ) أَيْ لِلْحَجِّ (عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ وَلَمْ يَشُكُّوا فِي أَنَّهُ يُخَالِفُهُمْ فِي الْمَنَاسِكِ: بَلْ تَيَقَّنُوا بِهَا إِلَّا فِي الْوُقُوفِ فَإِنَّهُمْ جَزَمُوا بِأَنَّهُ يُوَافِقُهُمْ فِيهِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ كَانُوا يَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَهُوَ جَبَلٌ فِي الْمُزْدَلِفَةِ يُقَالُ لَهُ قُزَحٌ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُحَدِّثِينِ وَقِيلَ إِنَّهُ كُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَقِيلَ بِكَسْرِهَا، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) وَيَقُولُونَ نَحْنُ حَمَامُ الْحَرَمِ فَلَا نَخْرُجُ مِنْهُ، وَقَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُوَافِقُهُمْ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ صَرِيحًا أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ مَعَ عَامَّةِ النَّاسِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، أَيْضًا كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ (فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ جَاوَزَ الْمُزْدَلِفَةَ وَلَمْ يَقِفْ بِهَا، وَسَارَ مِنْ طَرِيقِ ضَبَّ وَهُوَ جَبَلٌ مُتَّصِلٌ بِثَبِيرٍ وَهِيَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ فِي أَصْلِ الْمَأْزِمَيْنِ عَلَى يَمِينِكَ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى عَرَفَةَ (حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ) أَيْ قَارَبَهَا (فَوَجَدَ الْقُبَّةَ) أَيِ الْخَيْمَةَ الْمَعْهُودَةَ (قَدْ ضُرِبَتْ) أَيْ بُنِيَتْ (لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا) أَيْ بِالْخَيْمَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ اسْتِظْلَالِ الْمُحْرِمِ بِالْخَيْمَةِ وَنَحْوِهَا، خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي مِثْلِ هَوْدَجٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (حَتَّى إِذَا زَاغَتِ) أَيْ نَزَلَ بِهَا وَاسْتَمَرَّ فِيهَا حَتَّى إِذَا مَالَتِ (الشَّمْسُ) وَزَالَتْ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ مِنْ جَانِبِ الشَّرْقِ إِلَى جَانِبِ الْغَرْبِ (أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ) أَيْ بِإِحْضَارِهَا (فَرُحِلَتْ لَهُ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ مُخَفَّفًا، أَيْ شُدَّ الَّذِي عَلَيْهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ (فَأَتَى) أَيْ فَرَكِبَهَا فَأَتَى (بَطْنَ الْوَادِي) مَوْضِعٌ بِعَرَفَاتٍ يُسَمَّى عُرَنَةَ وَلَيْسَتْ مِنْ عَرَفَاتٍ خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَمِنْهَا بَعْضُ مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْجُودِ الْيَوْمَ، وَاخْتُلِفَ فِي مُحْدِثِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَهُ مُصَلًّى، وَقِيلَ إِبْرَاهِيمُ الْقُبَيْسِيُّ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ أَحَدُ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ كَانَ فِي أَوَّلِ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ أَيْ فَنُسِبَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ بَانِيَهُ أَوْ مُجَدِّدَهُ (فَخَطَبَ النَّاسَ) أَيْ وَعَظَهُمْ وَخَطَبَ خُطْبَتَيْنِ الْأُولَى لِتَعْرِيفِهِمُ الْمَنَاسِكَ وَالْحَثِّ عَلَى كَثْرَةِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ بِعَرَفَةَ، وَالثَّانِيَةُ قَصِيرَةٌ جِدًّا لِمُجَرَّدِ الدُّعَاءِ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: إِذَا قَامَ إِلَيْهَا شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ لِيَفْرَغَا مَعًا كَمَا بَيَّنَهُ الْبَيْهَقِيُّ (وَقَالَ إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ) أَيْ تَعَرُّضَهَا (حَرَامٌ عَلَيْكُمْ) أَيْ لَيْسَ لِبَعْضِكُمْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِبَعْضٍ فَيُرِيقَ دَمَهُ أَوْ يَسْلُبَ مَالَهُ (كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) يَعْنِي تَعَرُّضَ بَعْضِكُمْ دِمَاءَ بَعْضٍ وَأَمْوَالِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَيْامِ كَحُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لَهُمَا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) أَيْ ذِي الْحِجَّةِ (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) أَيْ مَكَّةَ أَوِ الْحَرَمِ الْمُحْتَرَمِ، وَفِيهِ تَأْكِيدٌ حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ حُرْمَةِ الزَّمَانِ وَاحْتِرَامِ الْمَكَانِ فِي تَشْبِيهِ حُرْمَةِ الْأَمْوَالِ وَالْأَبْدَانِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَفًّا وَنَشْرًا مُشَوَّشًا بِأَنْ تَكُونَ حُرْمَةُ النَّفْسِ كَحُرْمَةِ الْبَلَدِ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ مُسْتَقِرٌّ فِي مَكَانِهِ، وَحُرْمَةُ الْمَالِ كَحُرْمَةِ الزَّمَانِ فَإِنَّهُ غَادٍ وَرَائِحٍ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قُوَّةِ حُرْمَةٍ النَّفْسِ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْبَلَدِ مُؤَبَّدَةٌ وَحُرْمَةَ الزَّمَانِ مُؤَقَّتَةٌ، وَمَعَ هَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِهَا نَسْخُهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ تَابِعَةٍ لَهَا بَلْ مُشَبَّهَةٌ بِهَا، وَالتَّشْبِيهُ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَلِهَذَا قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: شَبَّهَ فِي التَّحْرِيمِ بِيَوْمِ عَرَفَةَ وَذِي الْحِجَّةِ وَالْبَلَدِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ أَشَدَّ التَّحْرِيمِ
стр. 3659
لَا يُسْتَبَاحُ فِيهِمْ شَيْءٌ (أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ (كُلُّ شَيْءٍ) أَيْ فَعَلَهُ أَحَدُكُمْ (مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ (تَحْتَ قَدَمَيَّ) بِالتَّثْنِيَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِفْرَادِ وَالْأَوَّلُ أَدَلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ (مَوْضُوعٌ) أَيْ كَالشَّيْءِ الْمَوْضُوعِ تَحْتَ الْقَدَمِ وَهُوَ مَجَازٌ عَنْ إِبْطَالِهِ، وَالْمَعْنَى عَفَوْتُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَعَلَهُ رَجُلٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَتَجَافَيْتُ عَنْهُ، حَتَّى صَارَ كَالشَّيْءِ الْمَوْضُوعِ تَحْتَ الْقَدَمِ، تَقُولُ الْعَرَبُ فِي الْأَمْرِ الَّذِي لَا تَكَادُ تُرَاجِعُهُ وَتَذْكُرُهُ: جَعَلْتُ ذَلِكَ دُبُرَ أُذُنِي وَتَحْتَ قَدَمَيَّ (وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ) أَيْ مَتْرُوكَةٌ لَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ، أَعَادَهَا لِلِاهْتِمَامِ أَوْ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْكَلَامِ (وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ) أَيْ أَضَعُهُ وَأَتْرُكُهُ (مِنْ دِمَائِنَا) أَيِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، كَذَا قِيلَ وَالظَّاهِرُ مِنْ دِمَائِنَا أَنَّ الْمُرَادَ دِمَاءُ أَقَارِبِنَا وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: ابْتَدَأَ فِي وَضْعِ الْقَتْلِ وَالدِّمَاءِ بِأَهْلِ بَيْتِهِ وَأَقَارِبِهِ: لِيَكُونَ أَمْكَنَ فِي قُلُوبِ السَّامِعِينَ، وَأَسَدَّ لِبَابِ الطَّمَعِ بِتَرَخُّصٍ فِيهِ (دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ) اسْمُهُ إِيَاسُ (ابْنِ الْحَارِثِ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وَرَوَى عَنْهُ وَكَانَ أَسَنَّ مِنْهُ، تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁ (وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ، أَيْ كَانَ لِابْنِهِ ظِئْرٌ تُرْضِعُهُ (فِي بَنِي سَعْدٍ) وَصَحَّ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ خَطَّأَهُمْ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّ الصَّوَابَ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ، وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُ ذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ إِضَافَةُ الدَّمِ إِلَى رَبِيعَةَ لِأَنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ، أَوْ هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ: أَيْ دَمُ قَتِيلِ رَبِيعَةَ اعْتِمَادًا عَلَى اشْتِهَارِ الْقِصَّةِ (فَقَتَلَهُ) أَيِ ابْنَ رَبِيعَةَ (هُذَيْلٌ) وَكَانَ طِفْلًا صَغِيرًا يَحْبُو بَيْنَ الْبُيُوتِ فَأَصَابَهُ حَجَرٌ فِي حَرْبِ بَنِي سَعِدٍ مَعَ قَبِيلَةِ هُذَيْلٍ فَقَتَلَهُ هُذَيْلٌ (وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ) يُرِيدُ أَمْوَالَهُمُ الْمَغْصُوبَةَ وَالْمَنْهُوبَةَ، وَإِنَّمَا خَصَّ الرِّبَا تَأْكِيدًا لِأَنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ مَعْقُولٌ فِي صُورَةِ مَشْرُوعٍ، وَلِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (وَأَوَّلُ رِبًا) أَيْ زَائِدٌ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ (أَضَعُ مِنْ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) قِيلَ إِنَّهُ بَدَلٌ مِنْ رِبَانَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ الْخَبَرُ وَقَوْلُهُ (فَإِنَّهُ) أَيِ الرِّبَا أَوْ رِبَا عَبَّاسٍ (مَوْضُوعٌ كُلُّهُ) تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ، وَالْمُرَادُ الزَّائِدُ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وَلِأَنَّ الرِّبَا هُوَ الزِّيَادَةُ (فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ) أَيْ فِي حَقِّهِنَّ وَالْفَاءُ فَصِيحَةٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَفِي رِوَايَةِ الْمَصَابِيحِ بِالْوَاوِ وَكِلَاهُمَا سَدِيدٌ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا سَبَقَ، مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، أَيِ اتَّقُوا اللَّهَ فِي اسْتِبَاحَةِ الدِّمَاءِ وَفِي نَهْبِ الْأَمْوَالِ وَفِي النِّسَاءِ (فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هَكَذَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُصُولِ وَفِي بَعْضِهَا (بِأَمَانَةِ اللَّهِ) أَيْ بِعَهْدِهِ مِنَ الرِّفْقِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ (وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ) أَيْ بِشَرْعِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ " فَانْكِحُوا "، وَقِيلَ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ: أَيْ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا وَفِي نُسْخَةٍ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ (وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ) أَيْ مِنَ الْحُقُوقِ (أَنْ لَا يُوطِئْنَ) بِهَمْزَةٍ أَوْ بِإِبْدَالِهَا مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ (فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ لَا يَأْذَنَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ مَنَازِلَ الْأَزْوَاجِ، وَالنَّهْيُ يَتَنَاوَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ (فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ) أَيِ الْإِيطَاءَ الْمَذْكُورَ (فَاضْرِبُوهُنَّ) قِيلَ الْمَعْنَى: لَا يَأْذَنَّ لِأَحَدٍ مِنَ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ، فَيَتَحَدَّثُ إِلَيْهِنَّ، وَكَانَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ انْتَهَوْا عَنْهُ، وَلَيْسَ هَذَا كِنَايَةً عَنِ الزِّنَا وَإِلَّا كَانَ عُقُوبَتَهُنَّ الرَّجْمُ دُونَ الضَّرْبِ (ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مُجَرِّحٍ أَوْ شَدِيدٍ شَاقٍّ (وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ) مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَفِي مَعْنَاهُ سُكْنَاهُنَّ (وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) بِاعْتِبَارِ حَالِكُمْ فَقْرًا وَغِنًى أَوْ بِالْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ مِنَ التَّوَسُّطِ الْمَمْدُوحِ (وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا) أَيْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَمَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ (لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ تَرْكِي إِيَّاهُ فِيكُمْ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀، أَوْ بَعْدَ التَّمَسُّكِ بِهِ وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ كَمَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ (إِنَّ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ) أَيْ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ
стр. 3660
(كِتَابَ اللَّهِ) بِالنَّصْبِ بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ لِمَا فِي التَّفْسِيرِ بَعْدَ الْإِبْهَامِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ الْقُرْآنِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِأَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ كِتَابُ اللَّهِ، وَبِهَا اقْتَصَرَ عَلَى الْكِتَابِ لِأَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فَيَلْزَمُ مِنَ الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ الْعَمَلُ بِالسُّنَّةِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْأَصِيلَ هُوَ الْكِتَابُ (وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ عَنْ تَبْلِيغِي وَعَدَمِهِ (فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ) أَيْ فِي حَقِّي (قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ) أَيِ الرِّسَالَةَ (وَأَدَّيْتَ) أَيِ الْأَمَانَةَ (وَنَصَحْتَ) أَيِ الْأُمَّةَ (فَقَالَ) أَيْ أَشَارَ (بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ) بِالْجَرِّ وَأُخْتَيْهِ مِنَ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ (يَرْفَعُهَا) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ قَالَ أَيْ رَافِعًا إِيَّاهَا أَوْ مِنَ السَّبَّابَةِ أَيْ مَرْفُوعَةً (إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا) بِضَمِّ الْكَافِ وَالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ، أَيْ يُشِيرُ بِهَا (إِلَى النَّاسِ) كَالَّذِي يَضْرِبُ بِهَا الْأَرْضَ، وَالنَّكْتُ ضَرْبُ رَأْسِ الْأَنَامِلِ إِلَى الْأَرْضِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْمُوَحَّدَةِ فِي النِّهَايَةِ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ يُمِيلُهَا إِلَيْهِمْ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يُشْهِدَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ.
قَالَ الْقَاضِي ﵀: هَكَذَا الرِّوَايَةُ وَهُوَ بَعِيدُ الْمَعْنَى قَالَ: قِيلَ صَوَابُهُ يَنْكُبُهَا بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ قَالَ: وَرُوِّينَاهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ (اللَّهُمَّ اشْهَدْ) أَيْ عَلَى عِبَادِكَ بِأَنَّهُمْ قَدْ أَقَرُّوا بِأَنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀ وَالْمَعْنَى اللَّهُمَّ اشْهَدْ أَنْتَ إِذْ كَفَى بِكَ شَهِيدًا (اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) كَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ يَتَلَفَّظَ الرَّاوِي بِاللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَوْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ مَرَّةً ثُمَّ يَقُولَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ) أَيْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، وَهَذَا الْجَمْعُ كَجَمْعِ الْمُزْدَلِفَةِ جَمْعُ نُسُكٍ عِنْدَنَا، وَجَمْعُ سَفَرٍ عَنْدَ الشَّافِعِيِّ خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ (وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) أَيْ مِنَ السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ كَيْلَا يُبْطِلَ الْجَمْعَ، لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَاجِبَةٌ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: وَفِي عِبَارَتِهِ مَا لَا يَخْفَى، فَإِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَ فِعْلَهُ ﵊ دَلِيلًا لِلْمُوَالَاةِ لَا مُعَلِّلًا بِبُطْلَانِ الْجَمْعِ عَلَى الْمُخَالَفَةِ (ثُمَّ رَكِبَ) أَيْ وَسَارَ (حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ) أَيْ أَرْضَ عَرَفَاتٍ، أَوِ اللَّامُ لِلْعَهْدِ وَالْمُرَادُ مَوْقِفُهُ الْخَاصُّ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ (فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ) بِالْجَرِّ وَأُخْتَيْهِ (إِلَى الصَّخَرَاتِ) بِفَتْحَتَيْنِ الْأَحْجَارِ الْكِبَارِ قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هُنَّ حَجَرَاتٌ مُفْتَرِشَاتٌ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي بِوَسَطِ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، فَهَذَا هُوَ الْمَوْقِفُ الْمُسْتَحَبُّ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَلْيَقْرُبْ مِنْهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ بَيْنَ الْعَوَامِّ مِنَ الِاعْتِنَاءِ بِصُعُودِ الْجَبَلِ وَتَوَهُّمِهِمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوُقُوفُ إِلَّا فِيهِ فَغَلَطٌ، وَالصَّوَابُ جَوَازُ الْوُقُوفِ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، وَأَمَّا وَقْتُ الْوُقُوفِ فَهُوَ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يَدْخُلُ وَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ (وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: رُوِيَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ، وَرُوِيَ بِالْجِيمِ وَفَتَحِ الْبَاءِ قَالَ الْقَاضِي ﵀: الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالْحَدِيثِ، وَحَبْلُ الْمُشَاةِ مُجْتَمَعُهُمْ وَحَبْلُ الرَّمْلِ مَا طَالَ مِنْهُ، وَأَمَّا بِالْجِيمِ فَمَعْنَاهُ طَرِيقُهُمْ وَحَيْثُ تَسْلُكُ الرَّجَّالَةُ اهـ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: بِالْحَاءِ، أَيْ طَرِيقُهُمُ الَّذِي يَسْلُكُونَهُ فِي الرَّمْلِ.
وَقَالَ التُّورِبِشِتِيُّ ﵀: حَبْلُ الْمُشَاةِ مَوْضِعٌ، وَقِيلَ: اسْمُ مَوْضِعٍ مِنْ رَمْلٍ مُرْتَفِعٍ كَالْكُثْبَانِ، وَقِيلَ: الْجَبَلُ الرَّمْلُ الْمُسْتَطِيلُ، وَإِنَّمَا أَضَافَهَا إِلَى الْمُشَاةِ لِأَنَّهَا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَصْعَدَ إِلَيْهَا إِلَّا الْمَاشِي، أَوْ لِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهَا تَرَقِّيًا مِنْهُ مَوَاقِفَ الرُّكَّابِ، وَدُونَ حَبْلِ الْمُشَاةِ وَدُونَ الصَّخَرَاتِ اللَّاصِقَةِ بِسَفْحِ الْجَبَلِ مَوْقِفُ الْإِمَامِ، وَبِهِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَرَّى الْوُقُوفَ (وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا) أَيْ قَائِمًا بِرُكْنِ الْوُقُوفِ رَاكِبًا عَلَى النَّاقَةِ (حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ) أَيْ أَكْثَرُهَا أَوْ كَادَتْ أَنْ تَغْرُبَ (وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا) أَيْ ذَهَابًا قَلِيلًا (حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ) أَيْ جَمِيعُهُ، هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ، قِيلَ صَوَابُهُ: حِينَ غَابَ الْقُرْصُ وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ لَا يَظْهَرُ مَعْنًى لِقَوْلِهِ ذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حِينَ غَابَ الْقُرْصُ وَكَأَنَّ الْقَائِلَ غَفَلَ عَنْ قَيْدِ
стр. 3661
الْعِلَّةِ وَذُهِلَ عَنِ الرِّوَايَةِ الَّتِي تُطَابِقُ الدِّرَايَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَيَكُونَ بَيَانًا لِلْغَيْبُوبَةِ فَإِنَّهَا قَدْ تُطْلَقُ عَلَى مُعْظَمِ الْقُرْصِ (وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ) أَيْ أَرْدَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَلْفَهُ (وَدَفَعَ) أَيِ ارْتَحَلَ وَمَضَى، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيِ ابْتَدَأَ السَّيْرَ وَدَفَعَ نَفْسَهُ وَنَحَّاهَا أَوْ دَفَعَ نَاقَتَهُ وَحَمَلَهَا عَلَى السَّيْرِ (حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ) وَفِي رِوَايَةٍ وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ أَيْ ضَمَّ (وَضَيَّقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى أَنَّ رَأْسَهَا لِيُصِيبَ مَوْرِكَ رِجْلِهِ) بِالْجِيمِ مَعَ كَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْحَاءِ وَفَتْحِهَا، وَالْمَوْرِكُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَثْنِي الرَّاكِبُ رِجْلَهُ عَلَيْهِ قُدَّامَ وَاسِطَةِ الرَّحْلِ إِذَا مَلَّ مِنَ الرُّكُوبِ، وَضَبَطَهُ الْقَاضِي بِفَتْحِ الرَّاءِ قَالَ: وَهُوَ قِطْعَةُ أَدَمٍ يَتَوَرَّكُ عَلَيْهَا الرَّاكِبُ، تُجْعَلُ فِي مُقَدَّمِ الرَّحْلِ شِبْهُ الْمِخَدَّةِ الصَّغِيرَةِ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ وَيَقُولُ: بِيَدِهِ الْيُمْنَى أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، بِالنَّصْبِ أَيِ الْزَمُوهَا (كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيِ التَّلِّ اللَّطِيفِ مِنَ الرَّمْلِ (أَرْخَى لَهَا) أَيْ لِلنَّاقَةِ (قَلِيلًا) أَيْ إِرْخَاءً قَلِيلًا أَوْ زَمَانًا قَلِيلًا (حَتَّى تَصْعَدَ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ وَضَمِّهَا يُقَالُ صَعِدَ فِي الْجَبَلِ وَأَصْعَدَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣] ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ ثُمَّ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، قِيلَ سُمِّيَتْ بِهَا لِمَجِيءِ النَّاسِ إِلَيْهَا فِي زُلَفٍ مِنَ اللَّيْلِ، أَيْ سَاعَاتٍ قَرِيبَةٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير: ١٣] أَيْ قَرُبَتْ، وَأَمَّا ازْدِحَامُ النَّاسِ بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ فَبِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَفَاسِدُ صَرِيحَةٌ (فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) أَيْ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ (بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ) وَبِهِ قَالَتِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، وَزُفَرُ ﵀ لِمَا سَيَأْتِي (وَلَمْ يُسَبِّحْ) أَيْ لَمْ يُصَلِّ (بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (شَيْئًا) أَيْ مِنَ النَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُصَلِّي بَعْدَهُمَا سُنَّةَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ وَالْوِتْرَ لِقَوْلِهِ (ثُمَّ اضْطَجَعَ) أَيْ لِلنَّوْمِ بَعْدَ رَاتِبَةِ الْعِشَاءِ وَالْوِتْرِ كَمَا فِي رِوَايَةِ (حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ) تَقْوِيَةً لِلْبَدَنِ وَرَحْمَةً لِلْأُمَّةِ، وَلِأَنَّ فِي نَهَارِهِ عِبَادَاتٍ كَثِيرَةً يَحْتَاجُ إِلَى النَّشَاطِ فِيهَا، وَهُوَ لَا يُنَافِي الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ ( «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ أَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» ) فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْيِيَهُ بِالذِّكْرِ وَالْفِكْرِ دُونَ النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ مُطَابِقًا لِلسُّنَّةِ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ إِحْيَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ أَكْثَرِهَا، ثُمَّ الْمَبِيتُ عِنْدَنَا سُنَّةٌ، وَعَلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ﵏ وَقِيلَ وَاجِبٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِ كَالْوُقُوفِ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَجِلَّةِ، وَقَالَ مَالِكٌ: النُّزُولُ وَاجِبٌ وَالْمَبِيتُ سُنَّةٌ، وَكَذَا الْوُقُوفُ بَعْدَهُ ثُمَّ الْمَبِيتُ بِمُعْظَمِ اللَّيْلِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بِحُضُورِ لَحْظَةٍ بِالْمُزْدَلِفَةِ (فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ) أَيْ طَلَعَ الْفَجْرُ (بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ) أَيْ بِغَلَسٍ (ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ) مَوْضِعٌ خَاصٌّ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بِبِنَاءٍ مَعْلُومٍ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ مَعْلَمٌ لِلْعِبَادِ، وَالْمَشَاعِرُ الْمَعَالِمُ الَّتِي نَدَبَ اللَّهُ إِلَيْهَا وَأَمَرَ بِالْقِيَامِ فِيهَا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَقَدْ يُكْسَرُ وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى رَقِيَ عَلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْمُزْدَلِفَةِ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ مَا فِي الْبُخَارِيِّ كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُقَدِّمُ ضَعْفَةَ أَهْلِهِ فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ هِيَ (فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ فَكَبَّرَهُ) أَيْ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ (وَهَلَّلَهُ) أَيْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (وَوَحَدَهُ) أَيْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. . . إِلَخْ. (فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا) أَيْ أَضَاءَ الْفَجْرُ إِضَاءَةً تَامَّةً (فَدَفَعَ) أَيْ ذَهَبَ إِلَى مِنًى (قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ) أَيْ بَدَلَ أُسَامَةَ (حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، وَالتَّحَسُّرُ الْإِعْيَاءُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] سُمِّيَ لِأَنَّ فِيلَ أَصْحَابِ الْفِيلِ حَسَرَ فِيهِ أَيْ أَعْيَا، وَكُلٌّ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ الْحَرَمَ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، لَكِنَّ الْمُرَجَّحَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهُ وَإِنَّمَا أَصَابَهُمُ الْعَذَابُ قُبَيْلَ الْحَرَمِ قُرْبَ عَرَفَةَ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا وَاحِدٌ أَخْبَرَ مَنْ وَرَاءَهُمْ، فَقِيلَ حِكْمَةُ الْإِسْرَاعِ فِيهِ نُزُولُ نَارٍ فِيهِ عَلَى مَنِ اصْطَادَ فِيهِ، وَلِذَا يُسَمِّي أَهْلُ مَكَّةَ هَذَا الْوَادِي وَادِي النَّارِ.
وَصَحَّ أَنَّهُ ﵊ لَمَّا أَتَى دِيَارَ ثَمُودَ أَسْرَعَ وَأَمَرَهُمْ بِالْإِسْرَاعِ خَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، أَوْ مُخَالَفَةَ النَّصَارَى فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقِفُونَ فِيهِ، فَأُمِرْنَا بِمُخَالَفَتِهِمْ وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يَقِفُونَ فِيهِ بَدَلَ الْمُزْدَلِفَةِ أَوْ بَعْدَهُ زِيَادَةً عَلَيْهِ
стр. 3662
وَفِي الْجُمْلَةِ يَظْهَرُ وَجْهُ تَخْصِيصِ الْإِسْرَاعِ بِالرُّجُوعِ مِنْ عَرَفَةَ دُونَ التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا، عَلَى أَنَّهُ ﵊ ذَهَبَ إِلَى عَرَفَاتٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّبِّ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُسْتَحَبَّ الْإِسْرَاعُ فِيهِ لِكُلِّ مَارٍّ مِنْ حَاجٍّ وَغَيْرِهِ ذَاهِبًا وَآيِبًا لِكَوْنِهِ مَحَلَّ نُزُولِ الْعَذَابِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ إِنَّمَا سُمِّيَ لِإِسْرَاعِ الرُّكَّابِ وَالْمُشَاةِ فِيهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ وَجْهُ التَّسْمِيَةِ وَإِنَّمَا يُسْرِعُ لِأَجْلِ نُزُولِ الْعَذَابِ فِيهِ (فَحَرَّكَ) أَيْ أَسْرَعَ نَاقَتَهُ (قَلِيلًا) أَيْ تَحْرِيكًا قَلِيلًا أَوْ زَمَانًا قَلِيلًا أَوْ مَكَانًا قَلِيلًا أَيْ يَسِيرًا، وَصَحَّ أَنَّهُ ﵊ لَمَّا أَتَى مُحَسِّرًا أَسْرَعَ نَاقَتَهُ حَتَّى جَاوَزَ الْوَادِي قَالَ النَّوَوِيُّ: قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ.
وَأَمَّا مَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُسَامَةَ أَنَّهُ ﵊ تَرَكَهُ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى مِنًى فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ تَرَكَهُ عِنْدَ الزَّحْمَةِ لِأَنَّ الْإِثْبَاتَ مُقَدَّمٌ لَا سِيَّمَا وَهُوَ أَكْثَرُ رُوَاةً وَأَصَحُّ إِسْنَادًا، وَقَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَسْرَعَ فِي بَعْضِهِ وَتَرَكَ الْإِسْرَاعَ فِي كُلِّهِ مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ اسْتِبْقَاؤُهُ خَشْيَةَ الْمُزَاحَمَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْوَحْشَةِ مَعَ وُجُودِ الْكَثْرَةِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ الْمَارُّ بِهِ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بَعْضَهُ مَرْفُوعًا. إِلَيْكَ تَغْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا قَدْ ذَهَبَ الشَّحْمُ الَّذِي يَزِينُهَا الْوَضِينُ بِطَّانٌ عَرِيضٌ يُنْسَجُ مِنْ سُيُورٍ أَوْ شَعَرٍ أَوْ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ جِلْدٍ كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ أَيْضًا: اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ (ثُمَّ سَلَكَ) أَيْ دَخَلَ (الطَّرِيقَ الْوُسْطَى) وَهِيَ غَيْرُ طَرِيقِ ذَهَابِهِ إِلَى عَرَفَاتٍ بَلْ إِنَّمَا هِيَ (الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى) أَيْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (حَتَّى أَتَى) عَطْفٌ عَلَى سَلَكَ، أَيْ حَتَّى وَصَلَ (الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ) أَيِ الْعَقَبَةِ، وَلَعَلَّ الشَّجَرَةَ إِذْ ذَاكَ كَانَتْ مَوْجُودَةً هُنَاكَ (فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ) بِالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ الرَّمْيُ بِرُءُوسِ الْأَصَابِعِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: بَدَلٌ مِنَ الْحَصَيَاتِ وَهُوَ بِقَدْرِ حَبَّةِ الْبَاقِلَاءِ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: أَمَّا قَوْلُهُ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ اهـ. كَلَامُ النَّوَوِيُّ.
وَعِنْدِي أَنَّ اتِّصَالَ حَصَى الْخَذْفِ بِقَوْلِهِ: مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا حَصَى الْخَذْفِ، فَهَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ وَكَذَا نَقْلَهُ الْقَاضِي ﵀ عَنْ مُعْظَمِ النُّسَخِ قَالَ: وَصَوَابُهُ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ مُسْلِمٍ.
هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي ﵀ قُلْتُ: وَالَّذِي فِي النُّسَخِ مِنْ غَيْرِ لَفْظَةِ " مِثْلَ " هُوَ الصَّوَابُ بَلْ لَا يَتَّجِهُ غَيْرُهُ وَلَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إِلَّا كَذَلِكَ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: حَصَى الْخَذْفِ مُتَعَلِّقٌ بِحَصَيَاتٍ أَيْ رَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَصَى الْخَذْفِ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، فَحَصَى الْخَذْفِ مُتَّصِلٌ بِحَصَيَاتٍ وَاعْتَرَضَ بَيْنَهُمَا، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ أَقْرَبُ لَفْظًا وَأَنْسَبُ مَعْنًى وَمَعَ هَذَا لَا اعْتِرَاضَ وَلَا تَخْطِئَةَ عَلَى إِحْدَى النُّسْخَتَيْنِ، فَإِنَّ تَعَلُّقَهُ بِحَصَاةٍ أَوْ حَصَيَاتٍ لَا يُنَافِي وُجُودَ " مِثْلَ " لَفْظًا أَوْ تَقْدِيرًا غَايَتُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَوْجُودًا فَهُوَ وَاضِحٌ مَعْنًى وَإِلَّا فَيَكُونُ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ وَهُوَ حَذْفُ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ، أَيْ كَحَصَى الْخَذْفِ، بَلْ لَا يَظْهَرُ لِلتَّعَلُّقِ غَيْرُ هَذَا الْمَعْنَى، فَالرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ وَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ عَنْ جَابِرٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ (وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ) وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْهُ بِلَفْظِ (رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ) يُرَجِّحُ وُجُودَ الْمِثْلِ وَيُؤَيِّدُهُ تَقْدِيرُهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَفِي نُسْخَةٍ (رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فَرَمَاهَا، أَوِ اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَكَذَا فِي عِبَارَةِ الشَّافِعِيِّ ﵀ مَا يُفِيدُ جَوَازَ الرَّمْيِ مِنْ فَوْقِهَا وَقِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الْجَمَرَاتِ حَيْثُ يَجُوزُ مِنْ جَوَانِبِهَا وَإِنْ كَانَ الْجَانِبُ الْمُسْتَحَبُّ وَاحِدًا، وَأَمَّا التَّأْوِيلُ بِأَنَّهُ رَمَاهَا مِنْ فَوْقِهَا إِلَى أَسْفَلِهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي لَا إِلَى ظَهْرِهَا فَبَعِيدٌ جِدًّا، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقِيَاسُ الدِّرَايَةِ فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀: أَنَّ الرَّمْيَ مِنْ فَوْقِهَا بَاطِلٌ لَيْسَ تَحْتَهُ طَائِلٌ (ثُمَّ انْصَرَفَ) أَيْ رَجَعَ مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (إِلَى الْمَنْحَرِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ مَوْضِعِ
стр. 3663
النَّحْرِ وَالْآنَ يُقَالُ لَهُ الْمَذْبَحُ لِعَدَمِ النَّحْرِ أَوْ تَغْلِيبًا لِلْأَكْثَرِ كَمَا غَلَبَ فِي الْأَوَّلِ، فَلَا فَضْلَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ مِنْ صُورَةِ مَسْجِدٍ بُنِيَ قَرِيبٍ مِنَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى مُنْحَرِفٍ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى جِهَةِ الْيَمَنِ، وَبُنِيَ بِإِزَائِهِ عَلَى الطَّرِيقِ مَسْجِدٌ تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ مَسْجِدَ النَّحْرِ: فَلَيْسَ هُوَ بَلِ الْأَصَحُّ أَنَّ مَنْحَرَهُ ﵊ فِي مِعْوَلِهِ الَّذِي بِقُرْبِ مَسْجِدِ الْخَيْفِ مُتَقَدِّمًا عَلَى قِبْلَةِ مَسْجِدِ الْخَيْفِ (فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةَ) بِعَدَدِ سِنِي عُمْرِهِ (بِيَدِهِ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَفْظَ الْمِشْكَاةِ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ بِدُونِ لَفْظِ بَدَنَةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي ﵀ عَنْ جَمِيعِ الرُّوَاةِ سِوَى ابْنِ مَاهَانَ فَإِنَّهُ رَوَاهُ بَدَنَةً قَالَ: وَكِلَاهُمَا صَوَابٌ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ (ثُمَّ أَعْطَى) أَيْ بَقِيَّةَ الْبُدْنِ (عَلِيًّا فَنَحَرَ) أَيْ عَلِيٌّ (مَا غَبَرَ) أَيْ بَقِيَ مِنَ الْمِائَةِ (وَأَشْرَكَهُ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا (فِي هَدْيِهِ) بِأَنْ أَعْطَاهُ بَعْضَ الْهَدَايَا لِيَنْحَرَ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَقِيَّةِ الْبُدْنِ أَيْضًا وَيَكُونُ عَدَدَ سِنِي عُمْرِهِ ﵁ عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ شَارَكَهُ فِي نَفْسِ الْهَدْيِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَشْرِيكًا حَقِيقَةً بَلْ أَعْطَاهُ قَدْرًا يَذْبَحُهُ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ الْبُدْنَ الَّتِي جَاءَتْ مَعَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَكَانَتْ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَأَعْطَى عَلِيًّا الْبُدْنَ الَّتِي جَاءَتْ مَعَهُ مِنَ الْيَمَنِ، وَهِيَ تَمَامُ الْمِائَةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ ﵊ أَشْرَكَ عَلِيًّا فِي ثَوَابِ هَدْيِهِ لِأَنَّ الْهَدْيَ يُعْطَى حُكْمَ الْأُضْحِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَعْجِيلِ ذَبْحِ الْهَدَايَا وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا يُؤَخَّرُ بَعْضُهَا إِلَى أَيْامِ التَّشْرِيقِ.
(ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ) بِفَتْحِ الْبَاءِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّحْمِ (فَجُعِلَتْ) أَيِ الْقِطَعُ (فِي قِدْرٍ) فِي الْقَامُوسِ الْقِدْرُ بِالْكَسْرِ مَعْلُومٌ، أُنْثَى أَوْ يُؤَنَّثُ (فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا) الضَّمِيرُ يَعُودُ إِلَى الْقِدْرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْهَدَايَا، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀ (وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا) أَيْ مِنْ مَرَقِ الْقِدْرِ أَوْ مَرَقِ لُحُومِ الْهَدَايَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ اهـ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَقِيلَ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [البقرة: ٥٨] (ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَفَاضَ) أَيْ أَسْرَعَ (إِلَى الْبَيْتِ) أَيْ بَيْتِ اللَّهِ لِطَوَافِ الْفَرْضِ، وَيُسَمَّى طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَالرُّكْنِ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَا يُجَوِّزُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ بِنِيَّةِ غَيْرِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ حَيْثُ قَالَ: لَوْ نَوَى غَيْرَهُ كَنَذْرٍ أَوْ وَدَاعٍ وَقَعَ عَنِ الْإِفَاضَةِ (فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ) قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، فَحَذَفَ ذِكْرَ الطَّوَافِ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ فَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا فِي أَحَادِيثِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ ﷺ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ مَرَّةً أُخْرَى بِأَصْحَابِهِ حِينَ سَأَلُوهُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مُتَنَفِّلًا بِالظُّهْرِ الثَّانِيَةِ بِمِنًى.
أَقُولُ إِنَّهُ لَا يُحْمَلُ فِعْلُهُ ﷺ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَلَفِ فِي جَوَازِهِ، فَيُؤَوَّلُ بِأَنَّهُ صَلَّى بِمَكَّةَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ وَقْتَ الظُّهْرِ، وَرَجَعَ إِلَى مِنًى فَصَلَّى الظُّهْرَ بِأَصْحَابِهِ، أَوْ يُقَالُ الرِّوَايَتَانِ حَيْثُ تَعَارَضَتَا فَقَدْ تَسَاقَطَتَا، فَتَتَرَجَّحُ صَلَاتُهُ بِمَكَّةَ لِكَوْنِهَا فِيهَا أَفْضَلَ، وَيُؤَيِّدُهُ ضِيقُ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ ﵊ رَجَعَ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَشْعَرِ، وَرَمَى بِمِنًى، وَنَحَرَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ وَطَبَخَ لَحْمَهَا وَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ وَطَافَ وَسَعَى، فَشَكَّ أَنَّهُ أَدْرَكَهُ الْوَقْتُ بِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ أَخَّرَهَا عَنْ وَقْتِ الْمُخْتَارِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْوَارِدُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ ﷺ أَخَّرَ الزِّيَارَةَ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى اللَّيْلِ، فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَادَ لِلزِّيَارَةِ مَعَ نِسَائِهِ، لَا لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ.
قُلْتُ لَا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، لَكِنْ لَا مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ لَفْظًا وَلَا مَعْنًى وَلَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، مَعَ الْغَرَابَةِ فِي عَرْضِ كَلَامِهِ إِلَى أَنَّهُ عَادَ لِلزِّيَارَةِ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ جَوَّزَ تَأْخِيرَ الزِّيَارَةِ مُطْلَقًا إِلَى اللَّيْلِ أَوْ أَمَرَ بِتَأْخِيرِ زِيَارَةِ نِسَائِهِ إِلَى اللَّيْلِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ (فَذَهَبَ مَعَهُنَّ) غَيْرُ صَحِيحٍ إِذْ لَمْ يَثْبُتُ عَوْدُهُ ﵊ مَعَهُنَّ فِي اللَّيْلِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 3664
(فَأَتَى عَلَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) وَهُمْ أَوْلَادُ الْعَبَّاسِ وَجَمَاعَتُهُ لِأَنَّ سِقَايَةَ الْحَاجِّ كَانَتْ وَظِيفَةً (يَسْقُونَ) أَيْ مَرَّ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَنْزِعُونَ الْمَاءَ مِنْ زَمْزَمَ وَيَسْقُونَ النَّاسَ (عَلَى زَمْزَمَ) قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: مَعْنَاهُ يَغْرِفُونَ بِالدِّلَاءِ وَيَصُبُّونَهُ فِي الْحَوْضِ وَنَحْوِهَا فَيَسْلُبُونَهُ (فَقَالَ انْزِعُوا) أَيِ الْمَاءَ أَوِ الدِّلَاءَ (بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) يَعْنِي الْعَبَّاسَ، وَمُتَعَلِّقِيهِ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: دَعَا لَهُمْ بِالْقُوَّةِ عَلَى النَّزْعِ وَالِاسْتِقَاءِ، يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ أَيِ النَّزْعَ عَمَلٌ صَالِحٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ لِكَثْرَةِ ثَوَابِهِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ لَهُمْ (فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ) أَيْ لَوْلَا مَخَافَةَ كَثْرَةِ الِازْدِحَامِ عَلَيْكُمْ بِحَيْثُ تُؤَدِّي إِلَى إِخْرَاجِكُمْ عَنْ رَغْبَةٍ فِي النَّزْعِ (لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ) وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: مَعْنَاهُ لَوْلَا خَوْفِي أَنْ يَعْتَقِدَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ: فَيَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَغْلِبُونَكُمْ وَيَدْفَعُونَكُمْ عَنِ الِاسْتِقَاءِ لَاسْتَقَيْتُ مَعَكُمْ لِكَثْرَةِ فَضِيلَةِ هَذَا الِاسْتِقَاءِ (فَنَاوَلُوهُ) أَيْ أَعْطَوْهُ (دَلْوًا) رِعَايَةً لِلْأَفْضَلِ (فَشَرِبَ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الدَّلْوِ أَوْ مِنَ الْمَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ فَشَرِبَ مِنْهَا، وَفِي الْقَامُوسِ الدَّلْوُ مَعْرُوفٌ وَقَدْ يُذَكَّرُ، قِيلَ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ قَائِمًا وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ ﵊ شُرِبَهُ قَائِمًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ لِعُذْرٍ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ مِنَ الطِّينِ أَوِ الِازْدِحَامِ، فَإِنَّهُ صَحَّ نَهْيُهُ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا بَلْ أَمَرَ مَنْ شَرِبَ قَائِمًا أَنْ يَتَقَيَّأَ مَا شَرِبَهُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إِنَّ الشُّرْبَ قَائِمًا بِدُونِ الْعُذْرِ حَرَامٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَيْ فِي صَحِيحِهِ وَرَوَاهُ غَيْرُهُ كَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبَى دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَعَبَدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالْبَزَّارُ وَالدَّارِمِيُّ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ) فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ فَقُلْتُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي فَنَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا شِئْتَ فَسَأَلْتُهُ وَهُوَ أَعْمَى وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ بِكَسْرِ النُّونِ وَهِيَ نَوْعٌ مِنَ الْمَلَاحِفِ مَنْسُوجَةٍ، قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ مُلْتَحِفًا بِهَا كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهَا مِنْ صِغَرِهَا وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ فَصَلَّيْنَا، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، الْحَدِيثَ وَهُوَ أَصْلٌ كَبِيرٌ وَأَجْمَعُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ.
стр. 3665
٢٥٥٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا، وَفِي رِوَايَةٍ فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ قَالَتْ: فَحِضْتُ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِالْحَجِّ وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ: فَفَعَلْتُ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، بَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٢٥٥٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ خَرَجْنَا) أَيْ مَعَاشِرُ الصَّحَابَةِ أَوْ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ) أَيْ مُفْرَدَةٍ، وَالْمَعْنَى أَحْرَمَ بِهَا أَوْ لَبَّى بِهَا مَقْرُونَةً بِالنِّيَّةِ (وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) أَيْ مُفْرَدٍ أَوْ مَقْرُونٍ بِعُمْرَةٍ (فَلَمَّا قَدِمْنَا) أَيْ كُلُّنَا (مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ وَهُوَ الظَّاهِرُ (مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ) أَيْ مِنَ الْإِهْدَاءِ، أَيْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ (فَلْيَحْلِلْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ، أَيْ فَلْيَخْرُجْ مِنَ الْإِحْرَامِ بِحَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ (وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى) أَيْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ (فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ) أَيْ مُنْضَمًّا مَعَهَا، وَالْمَعْنَى فَلْيُدْخِلِ الْحَجَّ فِي الْعُمْرَةِ لِيَكُونَ قَارِنًا (ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا) يَعْنِي لَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِحْرَامِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ، حَتَّى يُتِمَّ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ جَمِيعًا (وَفِي رِوَايَةٍ فَلَا يَحِلُّ) بِالنَّفْيِ وَيَحْتَمِلُ النَّهْيَ (حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ) أَيْ يَوْمَ الْعِيدِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ نَحْرُ الْهَدْيِ قَبْلَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى مَعَ قَوْلِهِ: فِي رِوَايَةٍ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) : يَحِلُّ إِذَا طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَعْنِي قَوْلَهُ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ الْمُعْتَمِرَ بِأَنْ يَقْرِنَ الْحَجَّ بِالْعُمْرَةِ، فَلَا يَحِلُّ إِلَّا بِنَحْرِ هَذَا الْهَدْيِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُخْرَى لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ اهـ.
وَلَوْ صَحَّ جَعْلُ قَوْلِهِ: (وَفِي رِوَايَةٍ فَلَا يَحِلُّ) بَدَلَ قَوْلِهِ (ثُمَّ لَا يَحِلُّ) لَانْحَلَّ الْإِشْكَالُ، وَلِلْحَنَفِيَّةِ وُجُوهٌ أُخَرُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى قَابِلَةٌ أَنَّ تُحْمَلَ عَلَى الثَّانِيَةِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، كَمَا لَا يَخْفَى وَتَحْقِيقُهُ تَقَدَّمَ وَاللَّهُ تَعَالَى
стр. 3666
أَعْلَمُ (وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) سَاقَ الْهَدْيَ أَوَّلًا قَرَنَ مَعَهُ عُمْرَةً أَوْ لَا (فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ) أَيْ إِلَّا مَنْ أُمِرَ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ (قَالَتْ: فَحِضْتُ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ) أَيْ لِلْعُمْرَةِ (وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أَيْ وَلَمْ أَسْعَ بَيْنَهُمَا، إِذْ لَا يَصِحُّ السَّعْيُ إِلَّا بَعْدَ الطَّوَافِ، وَإِلَّا فَالْحَيْضُ لَا يَمْنَعُ مِنَ السَّعْيِ (فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَلَمْ أُهِلَّ) أَيْ: لَمْ أُحْرِمْ أَوَّلًا (إِلَّا بِعُمْرَةٍ فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي) أَيْ شَعَرَهُ (وَأَمْتَشِطَ وَأُهِلَّ بِالْحَجِّ) أَيْ أَمَرَنِي أَنْ أُحْرِمَ بِالْحَجِّ (وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ) أَيْ أَرْفُضَهَا.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: أَيْ أَمَرَنِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ وَأَتْرُكَهَا بِاسْتِبَاحَةِ الْمَحْظُورَاتِ مِنَ التَّمْشِيطِ وَغَيْرِهِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِأَفْعَالِهَا بِسَبَبِ الْحَيْضِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ أَمَرَنِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ، وَأَسْتَبِيحَ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَأُحْرِمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْتُ مِنْهُ أُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ، أَيْ قَضَاءً وَهَذَا ظَاهِرٌ (فَفَعَلْتُ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي بَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) ﵀ قِيلَ جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَيُمْكِنُ أَنَّهُ جَوَابٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَوْلُهُ فَقَالَ بِالْفَاءِ أَوْ بِالْوَاوِ عَطْفٌ (وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي) أَيْ بَدَلَهَا، نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ عُمْرَتِي الَّتِي رَفَضْتُهَا (مِنَ التَّنْعِيمِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَعْتَمِرَ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: هُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَرْسَخٌ، وَبِهَذَا تَمَسَّكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَهَا بِتَرْكِ الْعُمْرَةِ رَأْسًا، بَلْ أَمَرَهَا بِتَرْكِ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ مِنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَإِدْخَالِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ لِتَكُونَ قَارِنَةً، أَقُولُ: الْقَارِنُ لَا يَسْتَبِيحُ بِالْمَحْظُورِ فَانْقَلَبَ الْمَحْظُورُ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا عُمْرَتُهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْحَجِّ فَكَانَتْ تَطَوُّعًا لِتَطِبْ نَفْسُهَا لِئَلَّا تَظُنَّ خَوْفَ نُقْصَانٍ بِتَرْكِ أَعْمَالِ عُمْرَتِهَا، أَقُولُ: حَاشَاهَا أَنَّ تَظُنَّ هَذَا الظَّنَّ وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ قَارِنًا مَعَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ بِتَدَاخُلِ الْأَفْعَالِ (قَالَتْ: فَطَافَ) أَيْ طَوَافَ الْعُمْرَةِ (الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ) أَيِ الَّذِينَ أَفْرَدُوا الْعُمْرَةَ عَنِ الْحَجِّ (بِالْبَيْتِ) مُتَعَلِّقٍ بِطَافَ (وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) وَالطَّوَافُ يُرَادُ بِهِ الدَّوْرُ الَّذِي يَشْمَلُ السَّعْيَ فَصَحَّ الْعَطْفُ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْدِيرِ عَامِلٍ، وَجَعْلُهُ نَظِيرَ:
" عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا ".
(ثُمَّ حَلُّوا) أَيْ خَرَجُوا مِنَ الْإِحْرَامِ (ثُمَّ طَافُوا طَوَافَهَا) أَيْ لِلْحَجِّ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى) أَيْ إِلَى مَكَّةَ (وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) أَيِ ابْتِدَاءً أَوْ إِدْخَالًا لِأَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ (فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) أَيْ يَوْمَ النَّحْرِ لَهُمَا جَمِيعًا، وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَعِنْدَنَا يَلْزَمُ الْقَارِنُ طَوَافَانِ: طَوَافٌ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافٌ بَعْدَهُ لِلْحَجِّ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
أَقُولُ: لَا شَكَّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ قَارِنًا كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ صَحَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ طَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ وَطَافَ لِلزِّيَارَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَكَيْفَ يَكُونُ طَوَافُهُمْ وَاحِدًا وَهُمْ لَا يُخَالِفُونَهُ ﵊ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ هَذَا أَيْضًا مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِبَعْضِ الصَّحَابَةِ (رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ) أَوِ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا لِلْحَجِّ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ مِنًى لِمَا تَقَدَّمَ لَهُمْ مِنْ طَوَافٍ آخَرَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ (وَاحِدًا) تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ تَعَدُّدِ الطَّوَافِ لِلْقَارِنِ بَعْدَ الْوُقُوفِ، فَيَكُونُ مُرَادُهَا - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - بِالطَّوَافِ طَوَافَ الْفَرْضِ، وَإِنَّمَا كَانَ الطَّوَافُ الْأَوَّلُ طَوَافَ الْقُدُومِ وَالتَّحِيَّةِ وَهُوَ سُنَّةٌ إِجْمَاعًا، أَوْ طَوَافَ فَرَضِ عُمْرَةٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ عِنْدَنَا لِحَدِيثِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَارِنًا فَطَافَ طَوَافَيْنِ وَسَعَى بِسَعْيَيْنِ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄ قَالَ الْقَارِنُ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ ﵀ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3667
٢٥٥٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «تَمَتَّعَ رَسُولُ - اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ؛ فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا، فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
٢٥٥٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بَنْ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) قِيلَ: الْمُرَادُ التَّمَتُّعُ اللُّغَوِيُّ، وَهُوَ الْقِرَانُ آخِرًا، وَمَعْنَاهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، فَصَارَ قَارِنًا فِي آخِرِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ كَمَا مَرَّ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَبَدَأَ، فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ) ، وَهَذَا الْإِدْخَالُ أَفْضَلُ مِنْ عَكْسِهِ، مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ صَرِيحًا فِي أَحَادِيثَ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، فَكَيْفَ يُصَارُ إِلَيْهِ، وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ مُعَارَضًا، فَالَّذِي أَذِنَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِهِ أَنَّهُ ﷺ لَا يَبْتَدِئُ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ، وَقَدِ اعْتَمَرَ مِرَارًا بَعْدَ الْهِجْرَةِ، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا أَوَّلًا وَمَعْنَى قَوْلِهِ (فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ) أَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ قَدَّمَ ذِكْرَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ الْوَجْهُ الْمَسْنُونُ فِي الْقِرَانِ دُونَ الْعَكْسِ، ثُمَّ كَانَ أَكْثَرُ مَا يَذْكُرُ فِي إِحْرَامِهِ الْحَجَّ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ الْمَفْرُوضُ، وَالْعُمْرَةَ سُنَّةٌ تَابِعَةٌ، وَلَاشَكَّ أَنَّ حَمْلَ فِعْلِهِ ﷺ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْحَمْلِ عَلَى عِبَادَةٍ وَاحِدَةٍ، (فَتَمَتَّعَ النَّاسُ) أَيْ أَكْثَرُهُمْ، هَذَا التَّمَتُّعُ اللُّغَوِيُّ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ (مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) أَيْ بِضَمِّهَا إِلَيْهِ (فَكَانَ مِنَ النَّاسِ) أَيِ: الَّذِينَ أَحْرَمُوا بِالْعُمْرَةِ (مَنْ أَهْدَى) أَيْ: سَاقَ الْهَدْيَ (وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ) أَيِ: الْمُعْتَمِرِينَ ( «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ» ) ، وَفِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ ( «وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ» ) أَيْ: طَوَافَ الْعُمْرَةِ (وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ) أَيْ: إِبْقَاءً لِلشَّعْرِ لِتَحَلُّلِ الْحَجِّ (وَلْيَحْلِلْ) أَيْ: لِيَخْرُجَ مِنْ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ بِاسْتِمْتَاعِ الْمَحْظُورَاتِ (ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ) أَيْ: لِيُحْرِمَ بِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَرَمِ (وَلْيُهْدِ) أَيْ: لِيَذْبَحِ الْهَدْيَ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الرَّمْيِ، قَبْلَ الْحَلْقِ (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) أَيْ: فِي أَشْهُرِهِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ (وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) تَوْسِعَةً، وَلَوْ صَامَ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِمَكَّةَ جَازَ عِنْدَنَا.
(فَطَافَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ) أَيْ: طَوَافَ الْعُمْرَةِ (وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ) أَيِ: الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ (أَوَّلَ شَيْءٍ) أَيْ: مِنْ أَفْعَالِ الطَّوَافِ بَعْدَ النِّيَّةِ (ثُمَّ خَبَّ) أَيْ: رَمَلَ (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ) أَيْ: فِي ثَلَاثَةِ أَشْوَاطٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِظْهَارًا لِلْجَلَادَةِ وَالرُّجُولِيَّةِ فِي نَفْسِهِ، وَفِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَيْلَا يَظُنَّ الْكُفَّارُ أَنَّهُمْ عَاجِزُونَ ضُعَفَاءُ، قُلْتُ: هَذَا كَانَ عِلَّةَ فِعْلِهِ ﷺ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ السُّنَّةُ بَعْدَ زَوَالِ الْعِلَّةِ (وَمَشَى) أَيْ: بِسُكُونٍ، وَهَيْنَةٍ (أَرْبَعًا) أَيْ: فِي أَرْبَعِ مَرَّاتٍ مِنَ الْأَشْوَاطِ (فَرَكَعَ) أَيْ: صَلَّى (حِينَ قَضَى) أَيْ: أَدَّى، وَأَتَمَّ (طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ " رَكَعَ " (رَكْعَتَيْنِ) أَيْ: صَلَاةَ الطَّوَافِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا، سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (ثُمَّ سَلَّمَ) أَيْ: مِنْ صَلَاتِهِ، أَوْ عَلَى الْحَجَرِ، بِأَنِ اسْتَلَمَهُ (فَانْصَرَفَ) أَيْ: عَنِ الْبَيْتِ، أَوْ عَنِ الْمَسْجِدِ (فَأَتَى الصَّفَا) ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَالْمَرْوَةَ (فَطَافَ) أَيْ: سَعَى (بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ) أَيْ: أَشْوَاطٍ (ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ) ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِالْحَلْقِ فِيمَا عَدَا الْجِمَاعَ (وَأَفَاضَ) أَيْ: إِلَى مَكَّةَ (فَطَافَ بِالْبَيْتِ) أَيْ: طَوَافَ الْإِفَاضَةِ (ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ) وَهُوَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي الْمُحَلِّلُ لِلنِّسَاءِ (وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ) أَيْ: مُطْلَقًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3668
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: " «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُجَّاجًا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَزَلْنَا، فَجَلَسَتْ عَائِشَةُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ زَامِلَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَزَامِلَةُ أَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً مَعَ غُلَامٍ لِأَبِي بَكْرٍ، فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْهِ، فَطَلَعَ، وَلَيْسَ مَعَهُ بَعِيرُهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: أَيْنَ بَعِيرُكَ؟ فَقَالَ: أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ، وَطَفِقَ يَضْرِبُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْتَسِمُ وَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ، وَمَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَبْتَسِمُ» " وَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: تَمَامُ الْحَجِّ ضَرْبُ الْجَمَّالِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَّةِ الصِّدِّيقِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ قَرَّرَهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ، وَلَمَّا بَلَغَ ﷺ الْأَبْوَاءَ، وَوَدَّانَ أَهْدَى لَهُ الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى فِي وَجْهِهِ أَيْ: مِنَ التَّغَيُّرِ لَا مِنَ الْغَضَبِ - كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ - قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى " «أَنَّهُ بَعْضُ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ يَقْطُرُ دَمُهُ» " وَعَيَّنَ بَعْضٌ فِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ الْعَجُزُ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ شِقُّهُ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ، وَغَيْرُهُ أَنَّهُ أَهْدَى إِلَيْهِ هَدَايَا، وَبَعْضَ مَذْبُوحٍ، وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا أَنَّهُ رُدَّ عَلَيْهِ، إِلَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: «أَنَّهُ أَهْدَى لَهُ عَجُزَ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ، وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ، فَأَكَلَ مِنْهُ» ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا، فَلَعَلَّهُ رَدَّ الْحَيَّ، وَقَبِلَ اللَّحْمَ، وَإِنَّمَا رَدَّ الْحَيَّ لِكَوْنِهِ صَيْدًا، وَرَدَّ اللَّحْمَ تَارَةً لِكَوْنِهِ ظَنَّ أَنَّهُ صِيدَ لَهُ، وَقَبِلَ أُخْرَى حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُصَدْ لِأَجْلِهِ، وَيَحْتَمِلُ حَمْلُ قَبُولِهِ عَلَى حَالِ رُجُوعِهِ ﵊ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ جَازِمٌ بِوُقُوعِ ذَلِكَ فِي الْجُحْفَةِ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ وَفِيهِ أَنَّهُ حَالَ الرُّجُوعِ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، فَلَا يُتَصَوَّرُ عَدَمُ قَبُولِهِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ ﵀: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَحْضَرَ الْحِمَارَ مَذْبُوحًا، ثُمَّ قَطَعَ مِنْهُ جُزْءًا بِحَضْرَتِهِ، فَقَدَّمَهُ لَهُ، فَمَنْ قَالَ: أَهْدَى حِمَارًا أَرَادَ ابْتِدَاءً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ مَا قَدَّمَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَهْدَاهُ لَهُ حَيًّا، فَلَمَّا رَدَّهُ ذَكَّاهُ، وَأَتَاهُ بِبَعْضِهِ ظَانًّا أَنَّ الرَّدَّ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِجُمْلَتِهِ، فَأَعْلَمَهُ بِامْتِنَاعِهِ أَنَّ حُكْمَ الْجُزْءِ حُكْمُ الْكُلِّ، وَالْجَمْعُ مَهْمَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ تَوْهِيمِ بَعْضِ الرُّوَاةِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ حُكْمَ الْكُلِّ حَيًّا مُغَايِرٌ لِلْجُزْءِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ صَيْدٌ لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ، وَأَمَّا الْجُزْءُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ فَيَحِلَّ، أَوْ صِيدَ لَهُ فَيَحْرُمُ، وَقَالَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لَحْمُ الصَّيْدِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ أَخْذًا بِقَضِيَّةِ الصَّعْبِ، وَالْجُمْهُورُ أَخَذُوا بِخَبَرِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ فِي الصَّيْدِ الَّذِي صَادَهُ أَبُو قَتَادَةَ، وَهُوَ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِينَ: هُوَ حَلَالٌ فَكُلُوهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: " «هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ، فَأَخَذَهَا ﷺ فَأَكَلَهَا» .
стр. 3669
٢٥٥٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْهَدْيُ فَلْيَحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ، فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي.
ــ
٢٥٥٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا) الِاسْتِمْتَاعُ هُنَا تَقْدِيمُ الْعُمْرَةِ، وَالْفَرَاغُ مِنْهَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ﷺ كَانَ مُتَمَتِّعًا، فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ اسْتَمْتَعَ بِأَنْ قَدَّمَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ، وَاسْتَبَاحَ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعُمْرَةِ حَتَّى يُحْرِمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْحَجِّ، أَقُولُ: هَذَا خَطَأٌ لَا دَلَالَةَ لِلْحَدِيثِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ ﵊ مَا اسْتَبَاحَ الْمَحْظُورَاتِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ قَالَ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا أَوَّلَ قَوْلَهُ: " اسْتَمْتَعْنَا " بِأَنِ اسْتَمْتَعَ مَنْ أَمَرْتُهُ مِنْ أَصْحَابِي بِتَقْدِيمِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، فَأَضَافَ فِعْلَهُمْ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْآمِرُ اهـ. وَهُوَ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ لُغَوِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ بِمَعْنَى الِانْتِفَاعِ (فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْهَدْيُ فَلْيَحِلَّ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ (الْحِلَّ) نَصْبُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقَوْلُهُ: (كُلَّهُ) تَأْكِيدٌ لَهُ أَيِ: الْحِلَّ التَّامَّ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: فَلْيَجْعَلْ حَلَالًا عَلَى نَفْسِهِ جَمِيعَ مَا حَلَّ لَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَفْعَالِهَا. اهـ كَلَامُهُ.
وَهُوَ نَاظِرٌ إِلَى قَوْلِهِ " فَلْيُحِلَّ " بِضَمِّ الْيَاءِ، وَهُوَ كَذَا فِي نُسْخَةٍ (فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ) أَيْ: فِي أَشْهُرِهِ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي أَنَّ دُخُولَهَا فِيهِ فِي أَشْهُرِهِ لَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ السَّنَةِ، بَلْ يَجُوزُ فِي جَمِيعِ السِّنِينَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ) أَيْ: فِي الْمَصَابِيحِ (عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي) ، وَهُوَ اعْتِذَارٌ مِنْ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ عَنْ تَرْكِهِ، وَلِئَلَّا يُشْكِلَ قَوْلُهُ.
стр. 3670
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٥٥٩ - عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ فِي نَاسٍ مَعِي قَالَ: «أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالْحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ: حِلُّوا، وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ، قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا، فَنَأْتِيَ عرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ، قَالَ: يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِينَا، فَقَالَ: قَدْ " عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَصْدَقُكُمْ، وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ فَحِلُّوا، فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا. قَالَ عَطَاءٌ قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ سِعَايَتِهِ، فَقَالَ: بِمَ أَهْلَلْتَ، قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَأَهْدِ، وَامْكُثْ حَرَامًا، قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَقَالَ: لِأَبَدٍ» . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٥٥٩ - (عَنْ عَطَاءٍ) أَيِ: ابْنِ رَبَاحٍ - تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ مَكِّيٌّ - (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي نَاسٍ مَعِي قَالَ: أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، أَوْ بِتَقْدِيرِ " يَعْنِي " أَوْ أَعْنِي، أَيْ: أَحْرَمْنَا (بِالْحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ) أَيْ: عَلَى زَعْمِ جَابِرٍ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ وَحْدَهَا، أَوْ أَرَادَ بِالْأَصْحَابِ أَكْثَرَهُمْ، أَوْ بَعْضَهُمْ، أَوْ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَهُوَ سَاكِتٌ عَنْ حَجِّهِ ﷺ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا (قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ لَا غَيْرَ (فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ) أَيْ: نَفْسَخَ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ (قَالَ عَطَاءٌ) أَيْ: رَاوِيًا عَنْ جَابِرٍ (قَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (حِلُّوا) بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَتَشْدِيدِ اللَّامِ (وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ) تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِلِاهْتِمَامِ، وَتَنْصِيصٌ لِدَفْعِ الْإِيهَامِ مِنَ الْإِبْهَامِ.
(قَالَ عَطَاءٌ وَلَمْ يَعْزِمْ) أَيْ: يُوجِبِ النَّبِيُّ ﷺ (عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ) يَعْنِي لَمْ يَجْعَلِ الْجِمَاع عَزِيمَةً عَلَيْهِمْ، بَلْ جَعَلَهُ رُخْصَةً لَهُمْ، بِخِلَافِ الْفَسْخِ، فَإِنَّهُ كَانَ عَزِيمَةً، فَأَمْرُ (حِلُّوا) لِلْوُجُوبِ (وَأَصِيبُوا) لِلْإِبَاحَةِ، أَوْ لِلِاسْتِحْبَابِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: قَالَ عَطَاءٌ ﵁ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ جَابِرٍ: " فَأَمَرَنَا " ثُمَّ فَسَّرَ هَذَا التَّفْسِيرَ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ جَزْمًا (فَقُلْنَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ) أَيْ: حِينَ لَمْ يَبْقَ (بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ) أَيْ: مِنَ اللَّيَالِي بِحِسَابِ لَيْلَةِ عَرَفَةَ، أَوْ مِنَ الْأَيَّامِ بِحِسَابِ يَوْمِ الْأَحَدِ الَّذِي لَا كَلَامَ فِيهِ (أَمَرَنَا) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (أَنْ نُفْضِيَ) مِنَ الْإِفْضَاءِ أَيْ: نَصِلْ (إِلَى نِسَائِنَا) ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] (فَنَأْتِي) بِالرَّفْعِ أَيْ: فَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَأْتِي (عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ قُرْبِ الْجِمَاعِ، وَكَانَ هَذَا عَيْبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَيْثُ يَعُدُّونَهُ نَقْصًا فِي الْحَجِّ.
(قَالَ) أَيْ: عَطَاءٌ ﵁ (يَقُولُ) أَيْ: يُشِيرُ (جَابِرٌ بِيَدِهِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ) أَيْ: إِشَارَتِهِ (بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا) أَيْ: يَدَهُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ تَشْبِيهَ تَحْرِيكِ الْمَذَاكِيرِ بِتَشْبِيهِ الْيَدِ، أَوْ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْلِيلِ الْمُدَّةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَرَفَةَ، أَوْ إِيمَاءٌ إِلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ، وَالتَّأَسُّفِ لَدَيْهِمْ (قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ ﵁ (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِينَا) أَيْ: خَطِيبًا (فَقَالَ قَدْ عَلِمْتُمْ) أَيِ اعْتَقَدْتُمْ (أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ) أَيْ: أَدْيَنُكُمْ، أَوْ أَخْشَاكُمْ (وَأَصْدَقُكُمْ) أَيْ: قَوْلًا (وَأَبَرُّكُمْ) أَيْ: عَمَلًا (وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) مَا مَوْصُولَةٌ مَحَلُّهَا النَّصْبُ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ) وَكُنْتُ حَلَلْتُ مَعَكُمْ أَرَادَ بِهِ ﷺ تَطْيِيبَ قُلُوبِهِمْ، وَتَسْكِينَ نُفُوسِهِمْ فِي صُورَةِ الْمُخَالَفَةِ بِفِعْلِهِ، وَهُمْ يُحِبُّونَ مُتَابَعَتَهُ، وَكَمَالَ مُوَافَقَتِهِ وَلِمَا فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الْكَرَاهِيَةِ الطَّبِيعِيَّةِ فِي الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَمُقَارَبَةِ النِّسَاءِ قُرْبَ عَرَفَةَ (فَحِلُّوا) بِكَسْرِ الْحَاءِ أَمْرٌ لِلتَّأْكِيدِ (فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا) أَيْ: مُنْشَرِحِينَ، مُنْبَسِطِينَ حَيْثُ ظَهَرَ لَنَا عُذْرُ الْمُخَالَفَةِ، وَحِكْمَةُ عَدَمِ الْمُوَافَقَةِ.
(قَالَ عَطَاءٌ قَالَ جَابِرٌ ﵁ فَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ سِعَايَتِهِ) بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ: مِنْ عَمَلِهِ مِنَ الْقَضَاءِ، وَغَيْرِهِ فِي الْيَمَنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: مِنْ تَوْلِيَةِ اسْتِخْرَاجِ الصَّدَقَاتِ مِنْ أَرْبَابِهَا، وَبِهِ سُمِّيَ عَامِلُ الزَّكَاةِ السَّاعِيَ، وَلَا
стр. 3671
مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قَالَ) أَيْ: عَلِيٌّ ﵁ (بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَأَهْدِ) أَيْ: فِي وَقْتِ الْهَدْيِ دَمَ الْقِرَانِ (وَامْكُثْ) أَيِ: الْآنَ (حَرَامًا) أَيْ: مُحْرِمًا (قَالَ) أَيْ: جَابِرٌ (وَأَهْدَى) أَيْ: أَتَى بِالْهَدْيِ (لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا) أَيْ: مِنَ الْيَمَنِ كَمَا سَبَقَ، أَوْ ذَبَحَ لِنَفْسِهِ هَدْيًا فِي نُسُكِهِ (فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا) أَيْ: جَوَازُ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَوْ جَوَازُ فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ السَّنَةِ (أَمْ لِأَبَدٍ؟ قَالَ: لِأَبَدٍ) ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَالثَّانِي قَوْلُ أَحْمَدَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3672
٢٥٦٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ خَمْسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ، قَالَ: أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ، فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ، وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلَّ كَمَا حَلُّوا» . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
ــ
٢٥٦٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَرْبَعٍ) أَيْ: لَيَالٍ (مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ خَمْسٍ) شَكٌّ مِنْهَا، أَوْ مِنَ الرَّاوِي عَنْهَا (فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ) أَيْ: مَلْآنُ مِنَ الْغَضَبِ حِينَ تَأَخَّرَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ لِإِحْدَى الْعِلَلِ الْمُشْتَهِرَةِ (فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ) دُعَاءٌ، أَوْ إِخْبَارٌ (قَالَ: أَوَ مَا شَعَرْتِ) أَيْ: أَوَ مَا عَلِمْتِ (أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ) أَيْ: بَعْضَهُمْ (بِأَمْرٍ) ، وَهُوَ فَسْخُ الْحَجِّ (فَإِذَا هُمْ) أَيْ: بَعْضُهُمْ (يَتَرَدَّدُونَ) أَيْ: فِي طَاعَةِ الْأَمْرِ وَمُسَارَعَتِهِ، أَوْ فِي أَنَّ هَذِهِ الْإِطَاعَةَ هَلْ هِيَ نُقْصَانٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَجِّهِمْ ( «وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ» ) أَيِ: الْهَدْيَ بِمَكَّةَ، أَوْ فِي الطَّرِيقِ (ثُمَّ أَحِلَّ) أَيْ: بِالْفَسْخِ (كَمَا حَلُّوا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ﵀ تَعَالَى -.
стр. 3673
[بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ وَالطَّوَافِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٥٦١ - عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طُوًى حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَغْتَسِلَ وَيُصَلِّيَ، فَيَدْخُلَ مَكَّةَ نَهَارًا، وَإِذَا نَفَرَ مِنْهَا مَرَّ بِذِي طُوًى، وَبَاتَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
ــ
(٣) بَابٌ: دُخُولُ مَكَّةَ أَيْ: آدَابُ دُخُولِهَا (وَالطَّوَافُ) عَطْفٌ عَلَى الْمُضَافِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٥٦١ - (عَنْ نَافِعٍ) أَيْ: مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ: لَا يَجِيئُهَا (إِلَّا بَاتَ) أَيْ: نَزَلَ فِي اللَّيْلِ (بِذِي طُوًى) بِفَتْحِ الطَّاءِ، وَضَمِّهَا، وَكَسْرِهَا، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، وَأَشْهَرُ، ثُمَّ الضَّمُّ أَكْثَرُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْقُرَّاءِ، وَيُصْرَفُ، وَلَا يُصْرَفُ، مَوْضِعٌ بِمَكَّةَ دَاخِلَ الْحَرَمِ، وَقِيلَ: اسْمُ بِئْرٍ عِنْدَ مَكَّةَ فِي طَرِيقِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَغْتَسِلَ، وَيُصَلِّيَ، فَيَدْخُلَ مَكَّةَ نَهَارًا) ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀ : فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَدْخُلَهَا نَهَارًا لِيَرَى الْبَيْتَ مِنَ الْبُعْدِ اهـ.
وَقِيلَ: لِيَسْلَمَ عَنِ الْحَرَامِيَّةِ بِمَكَّةَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ يَنْزِلُ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَلِلِاغْتِسَالِ، وَالنَّظَافَةِ (وَإِذَا نَفَرَ) أَيْ: خَرَجَ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ مَكَّةَ (مَرَّ بِذِي طُوًى وَبَاتَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ) ، انْتِظَارًا لِأَصْحَابِهِ، وَاهْتِمَامًا لِجَمْعِ أَسْبَابِهِ (وَيَذْكُرُ) عَطْفٌ عَلَى " لَا يَقْدَمُ " أَيْ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَذْكُرُ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذَكَرَ فِي وَقْتَيِ الْوُلُوجِ وَالْخُرُوجِ، وَمَا أَحْسَنَ مَنْ قَالَ مِنْ أَرْبَابِ الْحَالِ:
وَسَنَا بَرْقٍ نَفَى عَنِّي الْكَرَى لَمْ يَزَلْ يَلْمَعُ بِي مِنْ ذِي طَوَى مَنْزِلٌ سَلْمَى بِهِ نَازِلَةٌ طَيِّبُ السَّاحَةِ مَعْمُورُ الْفَنَا فِي " النِّهَايَةِ ": لَا يَضُرُّهُ لَيْلًا دَخَلَهَا أَوْ نَهَارًا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: لَمَّا رَوَى النَّسَائِيُّ أَنَّهُ ﵊ دَخَلَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، دَخَلَهَا فِي حَجِّهِ نَهَارًا، وَلَيْلًا فِي عُمْرَتِهِ، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنِ الدُّخُولِ لَيْلًا، فَلَيْسَ تَقْرِيرًا لِلسُّنَّةِ، بَلْ شَفَقَةً عَلَى الْحَاجِّ مِنَ السُّرَّاقِ.
وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانُوا يَدْخُلُونَ الْحَرَمَ مُشَاةً حُفَاةً، وَيَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، وَيَقْضُونَ الْمَنَاسِكَ حُفَاةً مُشَاةً، وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵁: أَنَّهُ كَانَ حَجَّ الْبَيْتَ سَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَضَعُونَ نِعَالَهُمْ بِالتَّنْعِيمِ، وَيَدْخُلُونَهَا حُفَاةً تَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3674
٢٥٦٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ «لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٥٦٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ : أَيْ: عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ مَعَهُ حِينَئِذٍ (لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ) أَيْ: وَصَلَ إِلَى قُرْبِهَا (دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا) وَكَذَا دَخَلَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ مِنْهَا (وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا) أَيْ: لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهَا، وَالْمُرَادُ بِأَعْلَاهَا ثَنِيَّةُ كَدَاءٍ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمَدِّ وَالتَّنْوِينِ، وَعَدَمُهُ نَظَرًا إِلَى أَنَّهُ عَلِمَ الْمَكَانَ، أَوِ الْبُقْعَةَ، وَهِيَ الَّتِي يَنْحَدِرُ مِنْهَا إِلَى الْمَقْبَرَةِ الْمُسَمَّاةِ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْمَعْلَاةِ، وَتُسَمَّى بِالْحَجُونِ عَنِ الْخَاصَّةِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الثَّنِيَّةِ الَّتِي قَبْلَهُ بِيَسِيرٍ، وَالثَّنِيَّةُ: الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، وَبِأَسْفَلِهَا ثَنِيَّةُ كُدًى بِضَمِّ الْكَافِ وَالْكَسْرِ، وَالتَّنْوِينِ، وَتَرْكِهِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى الْآنَ بِبَابِ الشَّبِيكَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ دُخُولُ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَالْخُرُوجُ مِنَ السُّفْلَى، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الثَّنِيَّةُ عَلَى طَرِيقِ مَكَّةَ كَالْمَدَنِيِّ، أَوْ لَا كَالْيَمَنِيِّ، قِيلَ: إِنَّمَا فَعَلَ ﷺ هَذِهِ الْمُخَالَفَةَ فِي الطَّرِيقِ دَاخِلًا، أَوْ خَارِجًا لِلْفَأْلِ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ إِلَى أَكْمَلَ مِنْهُ، كَمَا فَعَلَ فِي الْعِيدِ، وَلِيَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ، وَلِيَتَبَرَّكَ بِهِ أَهْلُهُمَا اهـ.
أَوْ لِمُنَاسَبَةِ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا لِلدَّاخِلِ الْمُقْبِلِ عَلَى وَجْهِ الْبَيْنِ، وَلِمُنَاسَبَةِ السُّفْلَى لِمُوَدِّعِهِ بِالذَّهَابِ إِلَى قَفَاهُ، أَوْ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ إِلَى مَكَّةَ يُنَاسِبُهُ الظُّهُورُ، وَالْإِعْلَانُ، بِخِلَافِ الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ يُلَائِمُهُ الْخَفَاءُ، وَالْكِتْمَانُ، فَإِنَّ الدُّخُولَ فِيهِ حَسَنَةٌ، وَالْخُرُوجَ مِنْهَا فِي صُورَةٍ سَيِّئَةٌ، وَلِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ كَانَ عَلَى الْعُلْيَا حِينَ قَالَ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] كَمَا رَوَاهُ السُّهَيْلِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ نَادَى عَلَى حَجَرِهِ الْمُسَمَّى بِالْمَقَامِ، وَعَلَى الْعُلْيَا أَيْضًا: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ بَنَى لَكُمْ بَيْتًا فَحُجُّوهُ، فَأَجَابَتْهُ النُّطَفُ فِي الْأَصْلَابِ وَالْأَرْحَامِ: لَبَّيْكَ.
وَكُلُّ مَنْ كُتِبَ لَهُ تَكْرِيرُ النُّسُكِ تَكَرَّرَتْ إِجَابَتُهُ بِقَدْرِ مَا كُتِبَ لَهُ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَجَابَتْهُ الْأَرْوَاحُ، وَالْأَشْبَاحُ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَقُضِيَ أَنْ تَشْرُفَ بِزِيَارَةِ بَيْتِ اللَّهِ، وَتَسْمَعَ نِدَاءَ مَنْ نَادَاهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3675
٢٥٦٣ - وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁ قَالَ: قَدْ «حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً. ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ، فَإِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ مِثْلَ ذَلِكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٥٦٣ - (وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵂ قَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ) أَيْ: جَدَّدَ الْوُضُوءَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ، أَوِ الْمُرَادُ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، وَعَلَى كُلٍّ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى كَوْنِ الطَّهَارَةِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّتَهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ بِدُونِهَا، فَعِنْدَنَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا شَرْطٌ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ ﵊: " «وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» " إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ النُّطْقَ فَمَدْفُوعٌ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، مَعَ أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِالشَّيْءِ لَا يَسْتَدْعِي الْمُشَارَكَةَ مَعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَلَا تَرَى إِلَى جَوَازِ الْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ فِي الطَّوَافِ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ عَدَمِ جَوَازِهِمَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي قَوْلِهِ: وَلَمْ يَنْظُرِ الْجُمْهُورُ إِلَى ضَعْفِ إِسْنَادِ رَفْعِهِ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ ﵃ أَجْمَعِينَ) ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ حُجَّتِهِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ إِفَادَةٌ شَرْطِيَّةٌ (ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ) أَيْ: طَوَافَ الْعُمْرَةِ لِكَوْنِهِ قَارِنًا، أَوْ مُتَمَتِّعًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ طَوَافَ الْقُدُومِ لِتَدَاخُلِ الْأَفْعَالِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِلْقَارِنِ، وَهَذَا وَهْمٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُفْرِدِ، وَالْقَارِنِ يُسَنُّ لَهُ طَوَافُ الْقُدُومِ اتِّفَاقًا، بَلْ قَالَ مَالِكٌ: بِوُجُوبِهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ طَوَافُ الرُّكْنِ حِينَئِذٍ مِنْهُمَا، إِذْ هُوَ فِي حَقِّهِمَا إِنَّمَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ بَعْدَ الْوُقُوفِ إِجْمَاعًا، وَطَوَافُ الْقُدُومِ يَفُوتُ بِالْوُقُوفِ إِجْمَاعًا (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ) بِالتَّأْنِيثِ، وَالتَّذْكِيرِ (عُمْرَةً) أَيْ: ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ عُمْرَةٌ، فَإِنَّهُ اكْتَفَى بِالْعُمْرَةِ الْمَقْرُونَةِ بِالْحَجِّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: يَعْنِي إِفْرَادَ الْحَجَّ،
стр. 3676
وَفِيهِ أَنَّهُ إِفْرَادُ الْحَجِّ بِدُونِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ خِلَافِ الْأَفْضَلِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَيْضًا، فَكَيْفَ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ؟ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ عُمْرَةً حَتَّى يُوَفِّيَ أَعْمَالَهَا مِنَ السَّعْيِ وَالْحَلْقِ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى الطَّوَافِ، كَمَا تُفِيدُهُ رِوَايَةُ: ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، أَيِ: الطَّوَافُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ طَوَافَهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِلْقُدُومِ، وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا لِلْمُفْرِدِ، وَلِلْقَارِنِ أَفْعَالٌ تَتَدَاخَلُ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا.
(ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ) أَيْ: بَعْدَهُ ﵊ (فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ) بِالرَّفْعِ (بَدَأَ بِهِ) الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مِثْلَ ذَلِكَ) بِالنَّصْبِ أَيْ: فَعَلَا مِثْلَ ذَلِكَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ، أَيْ: فِعْلُهُمَا مِثْلُ ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ عُمْرَةٌ مُفْرَدَةٌ بَعْدَ حَجِّهِمْ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: إِنَّ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ لِلْعُمْرَةِ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ لِضَرُورَةِ رَفْضِ عُمْرَتِهَا، ثُمَّ إِتْيَانِ قَضَائِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ لِلْمَصَابِيحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: قَوْلُهُ: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، كَذَا فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ، وَمَعْنَاهُ لَمْ يَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ نَسَقُ الْكَلَامِ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى تَمَامِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ لِمَا فِي سِيَاقِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ ﵀، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ ﵁ وَرِوَايَتُهُ: أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافَ، وَبِهِ انْدَفَعَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀: الصَّوَابُ أَنَّ الْكُلَّ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: إِلَّا أَنْ يَصِحَّ بِذَلِكَ نَقْلٌ مِنْ خَارِجٍ، وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ: " ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ " مَكَانَ: " ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عُمْرَةً " وَمَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَحَلُّلٌ بِالطَّوَافِ مِنَ الْإِحْرَامِ، بَلْ أَقَامُوا عَلَى إِحْرَامِهِمْ حَتَّى نَحَرُوا هَدْيَهُمْ.
стр. 3677
٢٥٦٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ، أَوِ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٥٦٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِالْحَجِّ (أَوْ بِالْعُمْرَةِ) الظَّاهِرُ أَنَّ: " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ لِيَسْتَقِيمَ قَوْلُهُ (كَانَ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ) ظَرْفُ (سَعَى) جَوَابٌ لِلشَّرْطِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفَ " طَافَ " أَيْ: رَمَلَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ: (ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ) أَيْ: أَشْوَاطٍ، وَنَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ فِيهِ، لَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ كَمَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، وَالْمُرَادُ بِالرَّمَلِ: الْخَبَبُ، وَهُوَ أَنْ يُقَارِبَ خُطَاهُ بِسُرْعَةٍ مِنْ غَيْرِ عَدْوٍ، وَلَا وَثْبٍ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ دُونَ الْخَبَبِ،، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ الْعَدْوُ الشَّدِيدُ (وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ) أَيْ: صَلَّى (سَجْدَتَيْنِ) أَيْ: رَكْعَتَيْنِ لِلطَّوَافِ (ثُمَّ يَطُوفُ) أَيْ: يَسْعَى (بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُضَارِعِ فِيهِ، وَفِي " يَقْدَمُ " لِحِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3678
٢٥٦٥ - وَعَنْهُ قَالَ: «رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٥٦٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (قَالَ: رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحَجَرِ) أَيِ: الْأَسْوَدِ (إِلَى الْحَجَرِ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَرْمُلْ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ (ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَمَنْ يَسْعَى) أَيْ: يُسْرِعُ، وَيَشْتَدُّ عَدْوًا (بِبَطْنِ الْمَسِيلِ) : اسْمُ مَوْضِعٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَجَعَلَ عَلَامَتَهُ بِالْأَمْيَالِ الْخُضْرِ (إِذَا طَافَ) أَيْ: سَعَى (بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) .
وَالسَّعْيُ: وَاجِبٌ عِنْدَنَا رُكْنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَالْإِسْرَاعُ سُنَّةٌ اتِّفَاقًا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، اعْلَمْ أَنَّ رَمَلَهُ ﵊ وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَكَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ، فَلِذَا قَدَّمُوهُ عَلَى خَبَرِ مُسْلِمٍ أَيْضًا الْوَاقِعِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ سَنَةَ سَبْعٍ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا قَدِمُوا لِيَفْعَلُوهَا قَالَ كُفَّارُ مَكَّةَ فِيهِمْ: إِنَّ حُمَّى يَثْرِبَ
стр. 3679
وَهَنَتْهُمْ، وَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ، فَأَمَرَ ﵊ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا فِيمَا يَلِي الْحَجَرَ فَقَطْ، فَتَعَجَّبَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ بَقَاءِ جَلَدِهِمْ، وَقُوَّتِهِمْ، وَلِذَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ (كَأَنَّهُمُ الْغِزْلَانُ) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رِوَايَةُ: لَمْ يَمْنَعْهُ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَمَرَّ شَرْعُهُ بِدَلِيلِ فِعْلِهِ ﵊ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مَعَ زَوَالِ سَبَبِهِ مِنْ إِظْهَارِ الْقُوَّةِ لِلْكُفَّارِ لِيَسْتَحْضِرَ فَاعِلُهُ سَبَبَهُ، وَهُوَ ظُهُورُ الْكُفَّارِ، لَا سِيَّمَا بِذَلِكَ الْمَحَلَّ الْأَشْرَفَ، ثُمَّ انْطِفَاءَهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فَيَزِيدُ شُكْرَهُ لِرَبِّهِ عَلَى إِعْزَازِ دِينِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أَحْوَالَ الصَّحَابَةِ ﵃ وَمَا قَاسُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّدَّةِ فِي الْخِدْمَةِ.
وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: فِيمَا الرَّمَلُ وَكَشْفُ الْمَنَاكِبِ فِي الِاضْطِبَاعِ، وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ، وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَتْرُكُ شَيْئًا نَصْنَعُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 3680
٢٥٦٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٥٦٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ) أَيِ: الْأَسْوَدَ الْأَسْعَدَ (فَاسْتَلَمَهُ) أَيْ: لَمَسَهُ، وَقَبَّلَهُ، وَلَيْسَ فِي الْمَشَاهِيرِ السَّجْدَةُ عَلَيْهِ، وَلَا التَّثْلِيثُ لَدَيْهِ (ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ) أَيْ: يَمِينِ نَفْسِهِ مِمَّا يَلِي الْبَابَ، وَقِيلَ: عَلَى يَمِينِ الْحَجَرِ، وَالْمَعْنَى يَدُورُ، وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ عَلَى يَسَارِهِ، لِيَكُونَ الْقَلْبُ الَّذِي هُوَ بَيْتُ الرَّبِّ مُحَاذِيًا لِبَيْتِ اللَّهِ فِي مَقَامِ الْقُرْبِ. (فَرَمَلَ ثَلَاثًا) أَيْ: فِي ثَلَاثِ مَرَّاتٍ مِنَ الْأَشْوَاطِ (وَمَشَى أَرْبَعًا) أَيْ: بِالسُّكُونِ وَالْهَيْنَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
следующие страницы →