← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

٢٦٩٧ - «وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَخَلَّفَ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رَآهُ أَبُو قَتَادَةَ فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فَأَبَوْا، فَتَنَاوَلَهُ فَحَمَلَ عَلَيْهِ، فَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَكَلَ فَأَكَلُوا، فَنَدِمُوا، فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلُوهُ قَالَ " هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ " قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَأَكَلَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا؟ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ " قَالُوا: لَا قَالَ: " فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» ". ــ ٢٦٩٧ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : سَنَةَ الْحُدَيْبِيَةِ (فَتَخَلَّفَ) : أَيْ: تَأَخَّرَ أَبُو قَتَادَةَ (مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ) : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى أَبِي قَتَادَةَ، أَوِ النَّبِيِّ ﷺ (وَهُمْ) : أَيِ: الْبَعْضُ (مُحْرِمُونَ، وَهُوَ) : أَيْ: أَبُو قَتَادَةَ (غَيْرُ مُحْرِمٍ) : وَفِي رِوَايَةِ الْمَالِكِيِّ: أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، وَأَبُو قَتَادَةَ مُبْتَدَأٌ وَلَمْ يُحْرِمْ خَبَرُهُ، وَإِلَّا بِمَعْنَى لَكِنَّ نَظِيرُهُ: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ﴾ [هود: ٨١] بِالرَّفْعِ فِي قِرَاءَةِ أَبِي كَثِيرٍ وَأَبِي عَمْرٍو، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ امْرَأَتَكَ بَدَلًا مِنْ أَحَدٍ لِأَنَّهَا تُسِرُّ مَعَهُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ النَّصْبِ. (فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ أَبُو قَتَادَةَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ) : أَيِ: الْحِمَارَ أَوْ أَبَا قَتَادَةَ بِأَنْ لَمْ يَقُولُوا: هَذَا حِمَارٌ بَلْ سَكَتُوا. (حَتَّى رَآهُ أَبُو قَتَادَةَ) : وَفِي الْمَصَابِيحِ: حَتَّى رَآهُ فَقَطْ، أَيْ: حَتَّى رَأَى أَبُو قَتَادَةَ الْحِمَارَ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الدَّلَالَةُ عَلَى الصَّيْدِ وَلَا الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، (فَرَكِبَ) : أَيْ: أَبُو قَتَادَةَ بَعْدَ مَا رَأَى الْحِمَارَ (فَرَسًا لَهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ) : أَيْ: يُعْطُوهُ (سَوْطَهُ، فَأَبَوْا) : لِعَدَمِ جَوَازِ الْمُعَاوَنَةِ، (فَتَنَاوَلَهُ) : أَيْ: أَخْذَهُ بِيَدِهِ (فَحَمَلَ عَلَيْهِ) : أَيْ:

стр. 3852

وَجْهُ الْفَرَسِ نَحْوُهُ فَأَدْرَكَهُ (فَعَقَرَهُ) : أَيْ: قَتَلَهُ، وَأَصْلُ الْعَقْرِ الْجَرْحُ (ثُمَّ) : أَيْ: بَعْدَ طَبْخِهِ (أَكَلَ) : أَيْ: أَبُو قَتَادَةَ مِنْهُ (فَأَكَلُوا) : تَبَعًا لَهُ (فَنَدِمُوا) : لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُ الصَّيْدِ مُطْلَقًا، (فَلَمَّا أَدْرَكُوا) : أَيْ: لَحِقُوا (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلُوهُ) : أَيْ: عَنْهُ هَلْ يَجُوزُ أَكْلُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: " هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ، فَأَخَذَهَا) : أَيْ: رِجْلَهُ (النَّبِيُّ ﷺ فَأَكَلَهَا) : إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْجَوَابَ بِالْفِعْلِ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، وَلَا تَنَافِي لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ جَرَى لِأَبِي قَتَادَةَ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ قَضِيَّتَانِ، وَلِهَذَا يُرَدُّ قَوْلُ مَنْ حَرَّمَهُ مُطْلَقًا - ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ - وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ امْتَنَعَ أَوَّلًا خَشْيَةَ أَنَّ أَحَدًا أَمْرَهُ أَوْ أَعَانَهُ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ أَمْرُهُ أَكَلَ مِنْهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا) : أَيْ: لِلشَّيْخَيْنِ الْمَعْلُومُ مِنْ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ (فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ) : أَيْ: بِالصَّرِيحِ أَوِ الدَّلَالَةِ (أَنْ يَحْمِلَ) : أَيْ: بِالْقَصْدِ (وَعَلَيْهَا) : أَيْ: عَلَى الْحِمَارِ أَوِ الصَّيْدِ وَتَأْنِيثُهُ، بِاعْتِبَارِ الدَّابَّةِ (أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا) : عَطْفٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدَّلَالَةِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْأُولَى بِاللِّسَانِ وَالثَّانِيَةَ بِالْيَدِ، وَقِيلَ: الْأُولَى فِي الْغَائِبِ وَالثَّانِيَةُ فِي الْحُضُورِ، وَقِيلَ: كِلْتَاهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهِيَ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَعَلَى الْحَلَالِ فِي الْحَرَمِ، ثُمَّ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ شَرَائِطٌ مَحَلُّهَا كُتُبُ الْفِقْهِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَخْرَجَ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ «عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَسِيرٍ لَهُمْ، بَعْضُهُمْ مُحْرِمٌ وَبَعْضُهُمْ لَيْسَ بِمُحْرِمٍ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَدْ رَأَيْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَأَخَذْتُ الرُّمْحَ فَاسْتَعَنْتُهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي فَاخْتَلَسْتُ سَوْطًا مِنْ بَعْضِهِمْ، وَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ فَأَصَبْتُهُ، فَأَكَلُوا مِنْهُ، وَاسْتَبْقَوْا قَالُوا: فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ؟ " (قَالُوا: لَا قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» ) : وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: " «هَلْ أَشَرْتُمْ هَلْ أَعَنْتُمْ؟ قَالُوا: لَا قَالَ: " فَكُلُوا» ) اهـ. وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُمْ رَأَوْهَا ; فَضَحِكُوا، فَأَبْصَرَهَا، فَاسْتَعَانَهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُوهُ» ، وَفِي أُخْرَى «رَآهُمْ يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا، فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ، فَوَقَعَ السَّوْطُ، فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ بِشَيْءٍ إِنَّا مُحْرِمُونَ، وَفِي أُخْرَى: فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي، فَلَمْ يُؤْذِنُونِي بِهِ، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ، فَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، فَقُلْتُ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ. فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ» . وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ صَحِيحَةٌ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا بِضَحِكِهِمْ، وَلَا بِتَرَائِيهِمْ إِلَيْهِ إِعْلَامَهُ، وَإِلَّا لِحَرُمَ، فَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّلَالَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْخَفِيَّةِ اتِّفَاقًا.

стр. 3853

٢٦٩٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ: الْفَأْرَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٦٩٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " خَمْسٌ) : أَيْ: مِنَ الدَّوَابِّ كَمَا فِي رِوَايَةِ (لَا جُنَاحَ) : أَيْ: لَا إِثْمَ وَلَا جَزَاءَ، وَالْمَعْنَى لَا حَرَجَ (عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ) : أَيْ: فِي أَرْضِهِ (وَالْإِحْرَامِ) : أَيْ: فِي حَالِهِ (الْفَأْرَةُ) : بِالْهَمْزِ، وَيُبَدَّلُ أَيِ الْوَحْشِيَّةُ وَالْأَهْلِيَّةُ (وَالْغُرَابُ) : أَيِ: الْأَبْقَعُ الْأَبْلَقُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ، وَخَرَجَ الزَّاغُ وَهُوَ أَسْوَدُ مُحْمَرُّ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَيُسَمَّى غُرَابُ الزَّرْعَ لِأَنَّهُ يَأْكُلُهُ (وَالْحِدَأَةُ) : عَلَى وَزْنِ الْعِنَبَةِ. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ الْحِدَأَةَ فِعَلَةٍ بِالْكَسْرِ وَكَذَا الْحِدَا، وَقَدْ يُفْتَحُ، وَهُوَ طَائِرٌ مَعْرُوفٌ. وَالْحُدَيَّا تَصْغِيرُ حِدٍّ لُغَةٌ فِي الْحِدَأِ، أَوْ تَصْغِيرُ حِدَأَةٍ قُلِبَتِ الْهَمْزَةُ بَعْدَ يَاءِ التَّصْغِيرِ يَاءً، وَأُدْغِمَ يَاءُ التَّصْغِيرِ فِيهِ فَصَارَ حُدَيَّةً، ثُمَّ حُذِفَتِ التَّاءُ وَعُوِّضَ عَنْهَا الْأَلْفُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى التَّأْنِيثِ أَيْضًا، (وَالْعَقْرَبُ) : وَفِي مَعْنَاهَا الْحَيَّةُ بَلْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. (وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) : وَفِي حُكْمِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ السَّبْعُ الصَّائِلُ عِنْدَنَا، وَيُؤَيِّدُنَا رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ الَّتِي حَسَّنَهَا، وَلَوْ ضَعَّفَهَا غَيْرَ زِيَادَةِ السَّبْعِ الْعَادِيِّ، وَأَمَّا زِيَادَةُ أَنَّ الْمُحْرِمَ يَرَى الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْغُرَابِ الْأَسْوَدِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀: أَيْ: لَا يَتَأَكَّدُ نَدْبُ قَتْلِهِ تَأَكُّدَهُ فِي الْحَيَّةِ وَنَحْوِهَا فَغَيْرُ مُوَجَّهٍ، وَيَحْرُمُ قَتْلُ كَلْبٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَا مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا مَضَرَّةَ، وَفَسَّرَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْكَلْبَ الْعَقُورَ بِالسَّبْعِ الَّذِي يُعْقَرُ وَيُقْتَلُ، كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : نَقْلُهُ ابْنُ الْهُمَامِ عَنِ الصَّحِيحَيْنِ، لَكِنْ بِلَفْظِ: " «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ» " اهـ. وَصَحَّ: «أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا» .

стр. 3854

٢٦٩٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٦٩٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " خَمْسٌ) : بِالتَّنْوِينِ مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: (فَوَاسَقُ) أَيْ: مُؤْذِيَاتٌ صِفَتُهُ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ بِتَنْوِينِهِمَا خَطَأٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ بِنَصْبِ فَوَاسَقَ عَلَى الذَّمِّ. بِمُخَالَفَةِ الرِّوَايَةِ وَضَعْفِ الدِّرَايَةِ، وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: (يُقْتَلْنَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَرُوِيَ بِلَا تَنْوِينٍ مُضَافًا إِلَى فَوَاسِقَ قَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ: الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ جَمْعُ فَاسِقَةٍ، وَأَرَادَ بِفِسْقِهِنَّ خَبَثَهُنَّ وَكَثْرَةَ الضَّرَرِ مِنْهُنَّ (فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ) : أَيْ: حَلَالًا كَانَ أَوْ مُحْرِمًا (الْحَيَّةُ) : بِأَنْوَاعِهَا، وَفِي مَعْنَاهَا الْعَقْرَبُ (وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ) : أَيِ: الَّذِي فِيهِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ، لَا مَا خَالَطَ بَيَاضُهُ لَوْنًا آخَرَ - كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ - فَتَدَبَّرْ. (وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا) : تَصْغِيرُ حِدَّا وَاحِدُهُ حِدَأَةٌ، تَصْغِيرُهَا حُدَيَّاةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ " «خَمْسٌ مِنَ الْفَوَاسِقِ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» ". وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: الْحَيَّةُ عِوَضُ الْعَقْرَبِ، وَقَالَ، أَيْ فِي مُسْلِمٍ: الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ.

стр. 3855

الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٧٠٠ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ فِي الْإِحْرَامِ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٧٠٠ - (عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ فِي الْإِحْرَامِ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ) : أَيْ: بِأَنْفُسِكُمْ مُبَاشَرَةً (أَوْ يُصَادُ لَكُمْ) : رُوِيَ بِالرَّفْعِ وَبِالنَّصْبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الظَّاهِرُ الْجَزْمُ، وَغَايَةُ التَّوْجِيهِ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى الْمَعْنَى، أَيْ: مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ، اهـ. وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: بِالنَّصْبِ بِإِضْمَارِ أَنْ وَأَوْ بِمَعْنَى (إِلَّا) يَعْنِي لَحْمَ صَيْدٍ ذَبْحُهُ حَلَالٌ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةِ الْمُحْرِمِ وَإِعَانَتِهِ حَلَالٌ لَكُمْ، إِلَّا أَنْ يُصَادَ لِأَجْلِكُمْ، وَبِهَذَا يَسْتَدِلُّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى حُرْمَةِ لَحْمِ مَا صَادَهُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يُهْدَى إِلَيْكُمُ الصَّيْدُ دُونَ اللَّحْمِ، أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنْ يُصَادَ بِأَمْرِكُمْ، فَلَا يَحْرُمُ لَحْمُ صَيْدٍ ذَبَحَهُ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ أَوْ دَلَالَتِهِ اهـ. وَتَحْقِيقُ النَّصْبِ مَا فِي الْمَفَاتِيحِ أَنْ " أَوْ " بِمَعْنَى إِلَّا أَنْ، وَمَا لَمْ تَصِيدُوهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ فِي الْإِحْرَامِ حَلَالٌ إِلَّا أَنْ تَصِيدُوهُ إِلَّا أَنْ يُصَادَ لَكُمُ اهـ. فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي مِنْ مَفْهُومِ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لُغَةٌ شَهِيرَةٌ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ - تَعَالَى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَرَفْعِ يَصْبِرُ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَخْبَارُ تُنَمَّى اهـ. وَهُوَ خَطَأٌ فَاحِشٌ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللُّغَةَ الْمَشْهُورَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي حَرْفِ الْعِلَّةِ مَقَامَ لَامِ الْفِعْلِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ خِلَافُهُ، وَثَانِيهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: وَرَفْعِ (يَصْبِرُ) قِرَاءَةً شَاذَّةً، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ مَنْ مَوْصُولَةً لَا جَازِمَةً، وَالْكَلَامُ فِي الْمَجْزُومِ فَذِكْرُهُ مُخِلٌّ بِالْمَرَامِ، أَمَّا الْقِرَاءَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ بِرِوَايَةِ بَعْضِ السَّبْعَةِ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَجَزْمِ يَصْبِرُ، فَحُمِلَ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ، أَوْ عَلَى تَوَلُّدِ الْيَاءِ مِنْ إِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ كَمَا فِي لُغَةِ: ضَرَبْتِيهِ خِطَابًا لِلْمُؤَنَّثِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَوْ ذَبَحَ مُحْرِمٌ صَيْدًا أَوْ حَلَالٌ صَيْدَ الْحَرَمِ صَارَ مِيتَةً اتِّفَاقًا بَلْ إِجْمَاعًا.

стр. 3856

٢٧٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. ــ ٢٧٠١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ) : قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا عَدَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ صَيْدَ الْبَحْرِ مِنْ حَيْثُ مِيتَتِهِ، وَلِمَا قِيلَ: مِنْ أَنَّ الْجَرَادَ يَتَوَلَّدُ مِنَ الْحِيتَانِ كَالدِّيدَانِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتَلُ الْجَرَادِ، وَلَزِمَهُ بِقَتْلِهِ قِيمَتُهُ اهـ. وَلَا يَصِحُّ التَّفْرِيعُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الثَّانِي.

стр. 3857

وَفِي الْهِدَايَةِ: أَنَّ الْجَرَادَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا فِي أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةٍ أَوْ غَزْوَةٍ، فَاسْتَقْبَلَنَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُ بِسِيَاطِنَا وَقِسِيِّنَا، فَقَالَ ﷺ : " كُلُوهُ، فَإِنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ» ". وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ أَصْلًا، لَكِنْ تَظَاهَرَ عَنْ عُمَرَ إِلْزَامُ الْجَزَاءِ فِيهَا. فِي الْمُوَطَّأِ، أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُمَرَ عَنْ جَرَادَةٍ قَتَلَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ عُمَرُ لِكَعْبٍ: - تَعَالَى - حَتَّى تَحْكُمَ، فَقَالَ كَعْبٌ: دِرْهَمٌ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّكَ لَتَجِدُ الدَّرَاهِمَ لَتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِقِصَّتِهِ، وَتَبِعَ عُمَرُ أَصْحَابَ الْمَذَاهِبِ - وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ اهـ. أَقُولُ لَوْ صَحَّ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ الْمَذْكُورُ سَابِقًا، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْجَرَادَ عَلَى نَوْعَيْنِ: بِحْرِيٌّ وَبَرِّيٌّ، فَيُعْمَلُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِحُكْمِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ بِالِاتِّفَاقِ.

стр. 3858

٢٧٠٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٧٠٢ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ» ) : بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَهُوَ الَّذِي يُقْصَدُ بِالْقَتْلِ وَالْجِرَاحَةِ، كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ وَغَيْرِهِمَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 3859

٢٧٠٣ - «وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِيِ عَمَّارٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ عَنِ الضَّبُعِ أَصَيْدٌ هِيَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَيُؤْكَلُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ــ ٢٧٠٣ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ (قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) : أَيِ: الْأَنْصَارِيَّ (عَنِ الضَّبُعِ أَصَيْدٌ هِيَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَيُؤْكَلُ؟) : بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ) : أَيْ: أَسَمِعْتَهُ (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ) : بِهَذَا أَخَذَ الشَّافِعِيُّ، وَيَأْتِي دَلِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (رَوَاهُ، التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .

стр. 3860

٢٧٠٤ - «وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الضَّبُعِ قَالَ: " هُوَ صَيْدٌ، وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشًا إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٢٧٠٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الضَّبُعِ قَالَ: هُوَ صَيْدٌ) : تَذْكِيرُهُ بِاعْتِبَارِ خَبَرِهِ أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ، فَيَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وَتَأْنِيثُهُ وَفِي رِوَايَةٍ: هِيَ صَيْدٌ. (وَيَجْعَلُ) : أَيْ: قَاتِلُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ (فِيهِ) : أَيْ: فِي جَزَاءِ قَتْلِهِ (كَبْشًا إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ) : بِالِاصْطِيَادِ أَوِ الِاشْتِرَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةً عَلَيْنَا إِذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِهِ حَرَامًا كُلَّهَ وَبَيْنَ كَوْنِهِ صَيْدًا، وَيَلْزَمُ الْكَبْشُ فِي قَتْلِهِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ دَلِيلًا لِلْخَصْمِ حَيْثُ إِنَّهُ يَخُصُّ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ. بِمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَانْفَرَدَ بِزِيَادَةِ فِيهِ كَبْشٌ، وَالْبَاقُونَ رَوَوْهُ وَلَمْ يَذْكُرُوهَا فِيهِ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 3861

الضَّبُعُ صَيْدٌ فَإِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَفِيهِ كَبْشٌ مُسِنٌّ وَيُؤْكَلُ» ". وَهَذَا دَلِيلُ أَكْلِهِ عِنْدَ الْخَصْمِ وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. (وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 3862

٢٧٠٥ - وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ جَزِيٍّ ﵁ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الضَّبُعِ. قَالَ: أَوَيَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟ ". وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَكْلِ الذِّئْبِ. قَالَ: " أَوَيَأْكُلُ الذِّئْبَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ؟» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ. ــ ٢٧٠٥ - (وَعَنْ خُزَيْمَةَ) : بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ (ابْنُ جَزِيٍّ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ، وَقِيلَ بِسُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، وَقِيلَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ، وَقِيلَ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الضَّبُعِ قَالَ: " أَوَ يَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟) : دَلَّ عَلَى حُرْمَةِ أَكْلِ الضَّبُعِ، كَمَا قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ﵏ (وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَكْلِ الذِّئْبِ) : بِالْهَمْزِ وَيُبَدَّلُ (قَالَ: " أَوَ يَأْكُلُ) : أَيْ: أَجْهِلْتَ حُكْمَهُ وَيَأْكُلُ (الذِّئْبَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ) : أَيْ: إِيمَانٌ أَوْ تَقْوًى أَوْ عِرْفَانٌ ; صِفَةُ أَحَدٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَفِي الذِّئْبِ خَيْرٌ، وَهُوَ مِنَ الضَّوَارِي، فَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مَحْذُوفَةٌ، وَهُوَ تَكَلُّفٌ بَلْ تَعَسُّفٌ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ) : وَفِيهِ أَنَّ الْحَسَنَ أَيْضًا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ اجْتِهَادَ الْمُسْتَنِدِ إِلَيْهِ سَابِقًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِسْنَادِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ: " «وَمَنْ يَأْكُلُ ضَبُعَ» ": وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ، وَمَعَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ فَالْأَحْوَطُ حُرْمَتُهُ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊ " «الضَّبُعُ لَسْتُ آكِلَهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» " كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، فَيُفِيدُ مَا اخْتَارَهُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ، إِذِ الْمَكْرُوهُ عِنْدَهُ مَا أَثَّمَ أَكْلُهُ، وَلَا يُقْطَعُ بِتَحْرِيمِهِ، وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ أَئِمَّتِنَا أَنَّ أَكْلَهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، لَا أَنَّهُ حَرَامٌ مَحْضٌ لِعَدَمِ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ مَعَ اخْتِلَافٍ فِقْهِيٍّ.

стр. 3863

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٧٠٦ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ: «كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ وَنَحْنُ حُرُمٌ، فَأُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ، فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ، وَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ وَافَقَ مَنْ أَكَلَهُ قَالَ: فَأَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » - رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٧٠٦ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) : وَهُوَ أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (وَنَحْنُ) : أَيْ: كُلُّنَا (حُرُمٌ) : بِضَمَّتَيْنِ أَيْ: مُحْرِمُونَ (فَأُهْدِيَ لَهُ) : أَيْ: لِطَلْحَةَ (طَيْرٌ) : أَيْ: مَشْوِيٌّ أَوْ مَطْبُوخٌ (وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ) : اعْتِمَادًا عَلَى الصَّدَاقَةِ، وَتَجْوِيزًا لِلْمُحْرِمِ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ (وَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ) : ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ، (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ وَافَقَ مَنْ أَكَلَهُ) : أَيْ: بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ، وَالْمُرَادُ بِطَيْرٍ إِمَّا جِنْسٌ وَكَانَ مُتَعَدِّدًا، وَإِمَّا طَيْرٌ كَبِيرٌ كَفَى جَمَاعَةً (قَالَ) : أَيْ: طَلْحَةُ (فَأَكَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ: مِثْلَ ذَلِكَ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَأَكَلْنَاهُ أَيْ نَظِيرَهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3864

[بَابُ الْإِحْصَارِ وَفَوْتِ الْحَجِّ]

стр. 3865

(١٣) بَابُ الْإِحْصَارِ وَفَوْتِ الْحَجِّ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٧٠٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَلَقَ رَأَسَهُ وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ [١٣] بَابُ الْإِحْصَارِ أَيِ: الْمَنْعُ أَوِ الْحَبْسُ لُغَةً، وَالْمَنْعُ عَنِ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ شَرْعًا، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يَتَحَقَّقُ الْإِحْصَارُ عِنْدَنَا بِالْعَدُوِّ وَغَيْرِهِ، كَالْمَرَضِ، وَهَلَاكِ النَّفَقَةِ، مَوْتِ مَحْرَمِ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا فِي الطَّرِيقِ اهـ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ خُصَّ الْإِحْصَارُ بِالْعَدُوِّ الْكَافِرِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْإِحْصَارَ الْمَنْعُ بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوٍّ أَوْ حَبْسٍ، وَالْحَصْرُ التَّضْيِيقُ، ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ مُعْتَرِضًا عَلَى النَّوَوِيِّ، حَيْثُ نَقَلَهُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْ أَنَّ الْإِحْصَارَ فِي الْعَدُوِّ أَشْهَرُ، وَالْحَصْرُ فِي الْمَرَضِ أَكْثَرُ فَتَأَمَّلْ وَتَدَبَّرْ، خُذْ مَا صَفَا وَدَعْ مَا كَدِرَ. (وَفَوْتُ الْحَجِّ) بِأَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا وَلَمْ يُدْرِكْ مَكَانَ الْوُقُوفِ، وَهُوَ عَرَفَةُ فِي زَمَانِهِ، وَهُوَ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ إِلَى طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَلَوْ سَاعَةً، وَهُنَا فَرْعٌ غَرِيبٌ وَأَمْرٌ عَجِيبٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ الْعِشَاءَ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَخَافَ لَوْ ذَهَبَ إِلَى عَرَفَاتٍ تَفُوتُ الْعِشَاءُ، وَلَوِ اشْتَغَلَ بِالْعِشَاءِ يَفُوتُ الْوُقُوفُ فَقِيلَ: يَشْتَغِلُ بِالْعِشَاءِ وَإِنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ، وَقِيلَ يَدَعُ الصَّلَاةَ وَيَذْهَبُ إِلَى عَرَفَةَ. وَقَالَ صَاحِبُ النُّخْبَةِ: يُصَلِّي الْفَرْضَ فِي الطَّرِيقِ مَاشِيًا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ ثُمَّ يَقْضِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ احْتِيَاطًا. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٧٠٧ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ مُنِعَ عَنْ عُمْرَتِهِ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا فِي عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ (فَحَلَقَ رَأْسَهُ) : أَيْ: بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ (وَجَامَعَ نِسَاءَهُ) : أَيْ: بَعْدَ تَحَلُّلِهِ الْكَامِلِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَنَحَرَ هَدْيَهُ) : إِذِ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّهُ ﵊ تَحَلَّلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا رَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ، وَكَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ فَنَحَرَ ثُمَّ حَلَقَ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا. وَفِي الْهِدَايَةِ: ثُمَّ تَحَلَّلَ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ قَبْلَ الذَّبْحِ حَتَّى لَوْ ظَنَّ الْمُحْصَرُ أَنَّ الْهَدْيَ قَدْ ذُبِحَ فِي يَوْمِ الْمُوَاعَدَةِ، فَفَعَلَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَدَمُ الذَّبْحِ إِذْ ذَاكَ كَانَ عَلَيْهِ مُوجَبُ الْجِنَايَةِ، وَكَذَا لَوْ ذَبَحَ فِي الْحِلِّ عَلَى ظَنٍّ أَنَّهُ ذُبِحَ فِي الْحَرَمِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُقَالُ أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ أَوِ السُّلْطَانُ إِذَا مَنَعَهُ، فَإِذَا أُحْصِرَ الْمُحْرِمُ بِعَدُوٍّ فَلَهُ التَّحَلُّلُ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَيَجُوزُ ذَبْحُ هَدْيِ الْمُحْرِمِ حَيْثُ أُحْصِرَ، وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُ بَاقِي الْهَدَايَا إِلَّا فِي الْحَرَمِ. وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يُرَاقُ هَدْيُ الْمُحْصَرِ أَيْضًا إِلَّا فِي الْحَرَمِ، (حَتَّى اعْتَمَرَ) : غَايَةٌ لِلْمَجْمُوعِ أَيْ: تَحَلَّلَ حَتَّى اعْتَمَرَ أَيْ قَضَى (عَامًا قَابِلًا) : أَيْ: آتِيًا يَعْنِي السَّنَةَ السَّابِعَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ الَّتِي اعْتَمَرَ فِيهَا قَضَاءً لِعُمْرَةٍ حَلَّ مِنْهَا، وَقَضَاؤُهَا كَانَ وَاجِبًا، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، حَيْثُ يُسَمُّونَ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: وَيُؤَيِّدُ عَدَمَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ أَنَّ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَقِيلَ أَكْثَرَ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ مَعَهُ هَذِهِ الْعُمْرَةَ إِلَّا نَحْوُ نِصْفِهِمْ، وَلَوْ وَجَبَ الْقَضَاءُ لَقَضَى الْكُلُّ أَوِ الْأَكْثَرُ اهـ. وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ لَا يَخْفَى إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ فَوْرًا، وَلَا بِكَوْنِهِ مَعَهُ ﷺ وَلَا يَكُونُ الْأَكْثَرُ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ، فَيَحُوزُ وُقُوعُهُ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ فَتَأَمَّلْ وَتَدَبَّرْ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3866

٢٧٠٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَالَ كَفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدَايَاهُ وَحَلَقَ وَقَصَّرَ أَصْحَابُهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٧٠٨ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ مُعْتَمِرِينَ (فَحَالَ كَفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ) أَيْ مَنَعُونَا عَنْ طَوَافِهِ (فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدَايَاهُ وَحَلَقَ) أَيْ ثُمَّ حَلَقَ كَمَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ (وَقَصَّرَ أَصْحَابُهُ) أَيْ بَعْضُهُمْ وَحَلَقَ الْبَاقُونَ وَفِي شَرْحِ الْآثَارِ لِلطَّحَّاوِيِّ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي الْمُحْصَرِ إِذَا نَحَرَ هَدْيَهُ هَلْ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِقَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ يَحْلِقُ وَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ. اهـ. وَمَالَ الطَّحَّاوِيُّ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَلْقُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلِفِعْلِهِ ﵊ وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3867

٢٧٠٩ - وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٧٠٩ - (وَعَنِ الْمِسْوَرِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ (ابْنِ مَخْرَمَةَ) بِخَاءٍ مُعْجَمَهٍ سَاكِنَةٍ بَيْنَ فَتْحَتَيْنِ (قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ» ) أَيْ بِالنَّحْرِ قَبْلَ الْحَلْقِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3868

٢٧١٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: " «أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيَهْدِيَ، أَوْ يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٧١٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: أَلَيْسَ) : اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ (حَسْبُكُمْ) : أَيْ: كَافِيكُمْ (سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ) : أَيْ: قَوْلُهُ ﷺ ؟ إِنْ) : شَرْطِيَّةٌ (حُبِسَ أَحَدُكُمْ) : أَيْ: مَنَعَ مَانِعٌ (عَنِ الْحَجِّ) : أَيْ: رُكْنِهِ الْأَعْظَمِ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يُمْنَعِ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ (وَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) وَسَعَى بَيْنَهُمَا (ثُمَّ حَلَّ) : أَيْ: بِالْحَلْقِ وَنَحْوِهِ (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا) : أَيْ: قَضَاءً لِمَا فَاتَهُ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْعُمْرَةِ لِاسْتِوَاءِ النُّسُكَيْنِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] مَعَ اتِّفَاقِ الشَّافِعِيَّةِ لَنَا فِي أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِيهِمَا تَطَوُّعًا لَزِمَ إِتْمَامُهُمَا وَقَضَاؤُهُمَا إِنْ أَفْسَدَهَا، وَعِنْدَنَا يَلْزَمُ النَّفْلُ بِالشُّرُوعِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: إِذَا أُحْصِرَ الْمُحْرِمُ بِمَرَضٍ أَوْ عُذْرٍ غَيْرِ الْعَدُوِّ ; يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ وَفَاتَ الْحَجُّ تَحَلَّلَ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵀: لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ ﵏. وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ كَمَا فِي الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ، وَلِقَوْلِهِ ﵊ الْآتِي: " مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ " إِلَخْ (فَيُهْدِي، أَوَيَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) : اعْلَمْ أَنَّ الْفَائِتَ إِذَا كَانَ مُفْرَدًا فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْحَجِّ مَنْ قَابِلٍ، وَلَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ، وَلَا دَمَ، بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: عَلَيْهِ الدَّمُ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ﵏ وَأَشَارَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ إِلَى اسْتِحْبَابِ الدَّمِ لِلْفَائِتِ عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ الْفَائِتُ قَارِنًا فَإِنَّهُ يَطُوفُ لِلْعُمْرَةِ وَيَسْعَى، ثُمَّ يَطُوفُ طَوَافًا آخَرَ لِفَوَاتِ الْحَجِّ، وَيَسْعَى لَهُ وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَقَدْ بَطَلَ عَنْهُ دَمُ الْقُرْآنِ، وَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا بَطَلَ تَمَتُّعُهُ وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُهُ، وَإِنْ سَاقَهُ مَعَهُ يَفْعَلُ بِهِ مَا يَشَاءُ، وَعَلَى الْكُلِّ لَا يَجِبُ فِي عَامِ الْقَضَاءِ إِلَّا الْحَجُّ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3869

٢٧١١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: " لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ؟ " قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً. فَقَالَ لَهَا: " حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٧١١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ) : بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، بِنْتِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ (بِنْتِ الزُّبَيْرِ) : أَيِ: ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ وَزَوْجَةِ الْمِقْدَادِ، وَزَعْمُ أَنَّهَا أَسْلَمِيَّةٌ غَلَطٌ فَاحِشٌ (فَقَالَ) : أَيْ: وَهِيَ فِي الْمَدِينَةِ (لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ؟) : أَيْ: مَعَنَا فَإِنَّا نُحِبُّ أَنْ تَتَوَجَّهِي لِلْحَجِّ مَعَنَا (قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَجِدُنِي) : أَيْ: نَفْسِي (إِلَّا وَجِعَةً) : بِكَسْرِ الْجِيمِ تَعْنِي أَجِدُ فِي نَفْسِيَ ضَعْفًا مِنَ الْمَرَضِ، لَا أَدْرِي أَقْدِرُ عَلَى تَمَامِ الْحَجِّ أَمْ لَا. (قَالَ لَهَا: حُجِّي) : أَيْ: أَحْرِمِي بِالْحَجِّ (وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي) : عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ (اللَّهُمَّ مَحِلِّي) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، أَيْ مَحِلُّ خُرُوجِي مِنَ الْحَجِّ، وَمَوْضِعُ حَلَالِي مِنَ الْإِحْرَامِ يَعْنِي: زَمَانُهُ أَوْ مَكَانُهُ (حَيْثُ حَبَسْتَنِي) أَيْ: مَنَعْتَنِي يَا اللَّهُ، يَعْنِي مَكَانَ مَنْعِي فِيهِ مِنَ الْحَجِّ لِلْمَرَضِ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: وَهَذَا تَفْسِيرُ الِاشْتِرَاطِ، يَعْنِي: اشْتَرِطِي أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْإِحْرَامِ حَيْثُ مَرِضْتُ وَعَجَزْتُ عَنْ إِتْمَامِ الْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَرَ الْإِحْصَارَ بِالْمَرَضِ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِأَنْ يَقُولَ: لَوْ كَانَ الْمَرَضُ يُنْتِجُ التَّحَلُّلَ لَمْ يَأْمُرْهَا بِالِاشْتِرَاطِ لِعَدَمِ الْإِفَادَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ، وَمَنْ يَرَى الْإِحْصَارَ بِالْمَرَضِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَسْتَدِلُّ بِحَدِيثِ.

стр. 3870

الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ الْآتِي، وَبِمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الِاشْتِرَاطَ وَيَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ؟ وَيَقُولُ: فَائِدَةُ الِاشْتِرَاطِ تَعْجِيلُ التَّحَلُّلِ، لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُشْتَرَطْ لَتَأَخَّرَ تُحَلُّلُهَا إِلَى حِينِ بُلُوغِ الْهَدْيِ مَحِلِّهِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْمُحْصَرَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ بِالْحَرَمِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ اهـ. وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ فَإِنَّ عِنْدَنَا اشْتِرَاطَ ذَلِكَ كَعَدَمِهِ، وَلَا يُفِيدُ شَيْئًا. وَهَذَا هُوَ الْمَسْطُورُ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ بِإِحْصَارِ الْمَرَضِ بِدُونِ الشَّرْطِ وَمَعَ الشَّرْطِ قِيلَ أَيْضًا: لَا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ، وَجَعَلَ هَذَا الْحُكْمَ مَخْصُوصًا بِضُبَاعَةَ، كَمَا أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ فِي رَفْضِ الْحَجِّ وَلَيْسَ يَضُرُّهُمْ ذَلِكَ اهـ. وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَنَا كَمَا لَا يَخْفَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3871

الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٧١٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبَدِّلُوا الْهَدْيَ الَّذِي نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٧١٢ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ) : أَيْ: بَعْضَ أَصْحَابِهِ (أَنْ يُبَدِّلُوا) : بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، أَيْ: يَعْرِضُوا (الْهَدْيَ الَّذِي نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ (فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ) : يَعْنِي: أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَنْحَرُوا بَدَلَ مَا نَحَرُوا فِي السَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ; لِعَدَمِ إِجْزَاءِ الْأَوَّلِ بَعْدَ وُقُوعِهِ فِي الْحَرَمِ، كَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يُوجِبُ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُحْصَرِ إِذَا حَلَّ حَيْثُ أُحْصِرَ، وَمَنْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ لَا يُذْبَحُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْإِبْدَالِ، لِأَنَّهُمْ نَحَرُوا هَدَايَاهُمْ فِي الْحُدَيْبِيَةَ خَارِجَ الْحَرَمِ اهـ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ وَمَنْ تَبِعَهُ ذَبَحُوا دَمَ إِحْصَارِهِمْ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ (رَوَاهُ) : هُنَا بَيَاضٌ فِي الْأَصْلِ، وَفِي نُسْخَةٍ أَلْحَقَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ فِي نُسْخَةٍ: وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، الْفَصْلُ الثَّالِثُ. كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَهُوَ غَلَطٌ إِذِ الْحَدِيثُ الْآتِي وَقَعَ فِي الْمَصَابِيحِ بِلَفْظِ: مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ أَوْ مَرِضَ، وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ زِيَادَةِ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ.

стр. 3872

٢٧١٣ - وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كُسِرَ، أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " أَوْ مَرِضَ ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَفِي " الْمَصَابِيحِ ": ضَعِيفٌ. ــ ٢٧١٣ - (وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ كُسِرَ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ (أَوْ عَرِجَ) : بِكَسْرٍ وَبِفَتْحٍ فِي الْقَامُوسِ: عَرَجَ أَصَابَهُ شَيْءٌ فِي رِجْلِهِ وَلَيْسَ بِخِلْقَةٍ، فَإِذَا كَانَ خِلْقَهً فَعَرِجَ كَفَرِحَ أَوْ بِثُلُثٍ فِي غَيْرِ الْخِلْقَةِ، وَزَادَ فِي الْمَصَابِيحِ أَوْ مَرِضَ، يَعْنِي مَنْ حَدَثَ لَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ مَانِعٌ غَيْرُ إِحْصَارِ الْعَدُوِّ (فَقَدْ حَلَّ) : أَيْ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْإِحْرَامَ وَيَرْجِعَ إِلَى وَطَنِهِ. (وَعَلَيْهِ مِنْ قَابِلٍ) : أَيْ: يَقْضِي ذَلِكَ الْحَجَّ مِنَ السَّنَةِ الْآتِيَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: دَلَّ عَلَى جَوَازِ التَّحَلُّلِ بِوَاسِطَةِ الْمَرَضِ، وَقِيلَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَجُوزُ وَمَعَ اشْتِرَاطٍ كَمَا فِي حَدِيثِ ضُبَاعَةَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى " أَوْ مَرِضَ " وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: صَحِيحٌ (وَفِي " الْمَصَابِيحِ ". ضَعِيفٌ) . أَقُولُ: يُحْمَلُ عَلَى سَنَدِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ضَعْفِ سَنَدِهِ ضِعْفُ سَنَدِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ، كَمَا لَا يَخْفَى. وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّعَارُضِ وَرُجِّحَ تَحْسِينُ التِّرْمِذِيِّ عَلَى تَضْعِيفِ الْبَغَوَيِّ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَا: صَدَقَ.

стр. 3873

رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَفِي شَرْحِ الْآثَارِ عَنْ عَلْقَمَةَ. قَالَ: لُدِغَ صَاحِبٌ لَنَا وَهُوَ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ، فَذَكَرْنَاهُ لِأَبِي مَسْعُودٍ ﵁ فَقَالَ: يَبْعَثُ بِهَدْيٍ وَيُوَاعِدُ أَصْحَابَهُ مَوْعِدًا فَإِذَا نَحَرَ عَنْهُ حَلَّ، وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ.

стр. 3874

٢٧١٤ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ. أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ ــ ٢٧١٤ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ) : غَيْرُ مُنْصَرِفٍ وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيُضَمُّ (الدِّيلِيِّ) : بِكَسْرِ الدَّالِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَقِيلَ: بِضَمِّ الدَّالِّ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَكَانَ الْيَاءِ، وَحِينَئِذٍ تُكْتَبُ بِصُورَةِ الْوَاوِ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " الْحَجُّ عَرَفَةُ) : أَيْ: مَلَاكُ الْحَجِّ وَمُعْظَمُ أَرْكَانِهِ وُقُوفُ عَرَفَةَ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ (مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ) أَيِ: الْوُقُوفَ بِهَا (لَيْلَةَ جَمْعٍ) : أَيْ: وَلَوْ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ وَهِيَ لَيْلَةُ الْعِيدِ (قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ) : فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوُقُوفَ يَفُوتُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ وَقْتَهُ يَمْتَدُّ إِلَى مَا بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ (فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ) : أَيْ: لَمْ يَفُتْهُ وَأَمِنَ مِنَ الْفَسَادِ إِذَا لَمْ يُجَامِعْ قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَأَمَّا إِذَا فَاتَهُ الْوُقُوفُ حَتَّى أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ إِحْرَامِهِ إِلَى قَابِلٍ، كَمَا نُقِلَ الْإِجْمَاعُ فِي ذَلِكَ إِلَّا رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ، فَإِنِ اسْتَدَامَ إِحْرَامُهُ إِلَى قَابِلٍ لَمْ يُجْزِئْهُ الْحَجُّ. (أَيَّامَ مِنًى ثَلَاثَةٌ) : أَرَادَ بِهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ (فَمَنْ تَعَجَّلَ) : أَيْ: لِلنَّفْرِ (فِي يَوْمَيْنِ) : أَيِ: الْيَوْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) : وَسَقَطَ عَنْهُ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، وَرَمَى الْيَوْمَ الثَّالِثِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَتَعَجَّلَ جَاءَ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا، وَهُنَا لَازِمٌ لِمُقَابَلَةِ قَوْلِهِ: (وَمَنْ تَأَخَّرَ) : أَيْ: لِرَمْيِ يَوْمِ الثَّالِثِ (فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) : وَهُوَ أَفْضَلُ لِكَوْنِ الْعَمَلُ فِيهِ أَكْمَلَ لِعِلْمِهِ ﷺ وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا فِئَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا تَرَى الْمُتَعَجِّلَ آثِمًا، وَأُخْرَى تَرَى الْمُتَأَخِّرَ آثِمًا فَوَرَدَ التَّنْزِيلُ بِنَفْيِ الْحَرَجِ عَنْهُمَا، وَدَلَّ فِعْلُهُ ﵊ عَلَى بَيَانِ الْأَفْضَلِ مِنْهُمَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ.

стр. 3875

[بَابُ حَرَمِ مَكَّةَ] َ - حَرَسَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٧١٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ. وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا، وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتُهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ إِلَّا الْإِذْخِرَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ (بَابُ حَرَمِ مَكَّةَ) أَيْ: حُرْمَةِ حَزْمِهَا (حَرَسَهَا اللَّهُ - تَعَالَى -) أَيْ حَمَاهَا وَحَفِظَهَا مِنَ الْآفَاتِ الْحِسِّيَّةِ وَالْعَاهَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٧١٥ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ) نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ (لَا هِجْرَةَ) مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَفْرُوضَةً (بَعْدَ الْفَتْحِ) كَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ (وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) أَيْ بَقِيَ فَرْضُ الْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ الْخَالِصَةِ، يَعْنِي الْإِخْلَاصَ فِي الْعَمَلِ الشَّامِلِ لِلْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: أَيُّ قَصْدٍ وَعَزْمٍ عَلَى إِعْلَاءِ الدِّينِ بِالْهِجْرَةِ عَنِ الْمَعَاصِي قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: كَانَتِ الْهِجْرَةُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ انْقَطَعَتْ تِلْكَ الْهِجْرَةُ الْمَفْرُوضَةُ، فَلَا تُنَالُ بِالْهِجْرَةِ تِلْكَ الدَّرَجَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لِلْمُهَاجِرِينَ، لَكِنْ يُنَالُ الْأَجْرُ بِالْجِهَادِ وَإِحْسَانِ النِّيَّةِ، وَأَمَّا الْهِجْرَةُ الَّتِي تَكُونُ لِصَلَاحِ دِينِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ مَدَى الدَّهْرِ، وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ

стр. 3876

أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ وَهُوَ إِخْبَارُهُ أَنَّ مَكَّةَ تَدُومُ دَارَ الْإِسْلَامِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا هِجْرَةٌ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ إِذَا طُلِبْتُمْ لِلنَّفْرِ وَهُوَ الْخُرُوجُ إِلَى الْجِهَادِ، وَوَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ: فَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ. بِالْفَاءِ مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ الْمُتَعَمَّدَةِ فَتُكَلَّفَ بِقَوْلِهِ مُقَدِّرًا وَإِذَا وَجَبَ الْجِهَادُ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ فَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ (فَانْفِرُوا) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيِ اخْرُجُوا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] (وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ) أَعَادَهُ تَأْكِيدًا، أَوْ إِشَارَةً إِلَى وُقُوعِ هَذَا الْقَوْلِ وَقْتًا آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ - وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ (إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ) أَيْ مَكَّةَ يَعْنِي حَرَمَهَا، أَوِ الْمُرَادُ بِالْبَلَدِ أَرْضُ الْحَرَمِ جَمِيعُهَا (حُرْمَةُ اللَّهِ) أَيْ حَرُمَ عَلَى النَّاسِ هَتْكُهُ وَأَوْجَبَ تَعْظِيمَهُ (يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) أَيْ تَحْرِيمُهُ شَرِيعَةٌ سَالِفَةٌ، مُسْتَمِرَّةٌ وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إِنَّهُ كَتَبَ اللَّهُ فِي اللَّوْحِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ سَيُحْرِمُ مَكَّةَ، وَالتَّحْقِيقُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ أَظْهَرَ حُرْمَتَهَا، وَحَدَّدَ بُقْعَتَهَا، وَرَفَعَ كَعْبَتَهَا، بَعْدَمَا انْدَرَسَتْ بِسَبَبِ الطُّوفَانِ الَّذِي هَدَمَ بِنَاءَ آدَمَ وَبَيَّنَ حُدُودَ الْحَرَمِ (فَهُوَ) أَنَّ الْبَلَدَ (حَرَامٌ) أَيْ مُحَرَّمٌ مُحْتَرَمٌ (بِحُرْمَةِ اللَّهِ) أَيْ بِتَحْرِيمِهِ - تَعَالَى - (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) إِيمَاءً إِلَى عَدَمِ نَسْخِهِ (وَإِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (لَنْ يَحِلَّ) أَيْ لَمْ يَحِلَّ (الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِيَ، وَلَمْ يَحِلَّ) أَيِ الْقِتَالُ لِي (إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) دَلَّ عَلَى أَنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كَانَ عُنْوَةً وَقَهْرًا كَمَا هُوَ عِنْدَنَا، أَيْ أُحِلَّ لِي سَاعَةَ إِرَاقَةِ الدَّمِ دُونَ الصَّيْدِ وَقَطْعِ الشَّجَرِ (فَهُوَ) أَيِ الْبَلَدُ (حَرَامٌ) أَيْ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بَعْدَ تِلْكَ السَّاعَةِ (بِحُرْمَةِ اللَّهِ) أَيِ الْمُؤَبَّدَةِ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أَيِ النَّفْخَةِ الْأُولَى (لَا يُعَضَدُ) أَيْ لَا يُقْطَعُ (شَوْكُهُ) أَيْ وَلَوْ يَحْصُلُ التَّأَذِّي بِهِ وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ﵏ أَنَّهُ يَجُوزُ قَطْعُ الشَّوْكِ الْمُؤْذِي فَمُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ النَّصِّ، وَلِذَا جَرَى جَمْعٌ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ عَلَى حُرْمَةِ قَطَعِهِ مُطْلَقًا، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَاخْتَارَهُ فِي عِدَّةِ كُتُبِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِ: كُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إِبَاحَةِ قَطْعِ الشَّوْكِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْظُورُ مِنْهُ الشَّوْكَ الَّذِي يَرْعَاهُ الْإِبِلُ وَهُوَ مَا دَقَّ دُونَ الصُّلْبِ الَّذِي لَا تَرْعَاهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْحَطَبِ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِأَهْلِ الْعِلْمِ عُلَمَاءَ الْمَالِكِيَّةِ ﵏ (وَلَا يُنَفَّرُ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ (صَيْدُهُ) أَيْ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِالِاصْطِيَادِ وَالْإِيحَاشِ وَالْإِيهَاجِ (وَلَا يُلْتَقَطُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (لُقَطُهُ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ، أَيْ لَا تُؤْخَذُ سَاقِطَتُهُ (إِلَّا مِنْ عَرَّفَهَا) بِالتَّشْدِيدِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، إِذَا التَّقْدِيرُ لَا يَلْتَقِطُهَا أَحَدٌ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهَا وَلَمْ يَأْخُذْهَا لِنَفْسِهِ وَانْتِفَاعِهَا، قِيلَ: أَيْ لَيْسَ فِي لُقَطَةِ الْحَرَمِ إِلَّا التَّعْرِيفُ فَلَا يَتَمَلَّكُهَا أَحَدٌ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهَا، وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَقِيلَ: حُكْمُهَا كَحُكْمِ غَيْرِهَا، وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِهَا أَنْ لَا يُتَوَهَّمُ تَخْصِيصُ تَعْرِيفِهَا بِأَيَّامِ الْمَوْسِمِ وَعَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ (وَلَا يُخْتَلَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (خَلَاهَا) . بِفَتْحِ الْخَاءِ مَقْصُورًا، أَيْ: لَا يُقْتَطَعُ نَبَاتُهَا وَحَشِيشُهَا. قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: الْخَلَا مَقْصُورًا الرَّطْبُ مِنَ النَّبَاتِ، كَمَا أَنَّ الْحَشِيشَ هُوَ الْيَابِسُ مِنْهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ فِي حُرْمَةِ الْقَطْعِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ. اهـ. وَهَذَا خِلَافُ الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ. قَالَ الشَّمَنِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَكَذَا إِنْ ذَبَحَ الْحَلَالُ صَيْدَ الْحَرَمِ أَيْ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ وَيُهْدِي بِهَا أَوْ يُطْعِمُ وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، أَوْ قَطَعَ حَشِيشَةً أَوْ شَجَرَةً إِلَّا مَمْلُوكًا ; أَيْ: لِلْقَاطِعِ أَوْ مُنْبِتًا أَوْ جَافًّا ; أَيْ: يَابِسًا. (فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ) بِالنَّصْبِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالرَّفْعِ وَهُوَ تَلْقِينٌ وَالْتِمَاسٌ ; أَيْ: قُلْ إِلَّا الْإِذْخِرَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا ذَالٌ مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ، وَهُوَ نَبْتٌ عَرِيضُ الْأَوْرَاقِ (فَإِنَّهُ) : أَيِ: الْإِذْخِرُ نَافِعٌ وَمُحْتَاجٌ إِلَيْهِ (لِقَيْنِهِمْ) : الْقَيْنُ الْحَدَّادُ، وَكَذَا الصَّيَّاغُ فَإِنَّهُمْ يَحْرِقُونَهُ بَدَلَ الْحَطَبَ وَالْفَحْمَ. (وَلِبُيُوتِهِمْ) أَيْ لِسَقْفِهَا وَكَذَا لِسَقْفِ قُبُورِهِمْ، وَالْمَعْنَى لِبُيُوتِهِمْ حَالَ حَيَاتِهِمْ وَمَمَاتِهِمْ، (فَقَالَ: " إِلَّا الْإِذْخِرَ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3877

٢٧١٦ - وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَةُ إِلَّا مُنْشِدٌ» ". ــ ٢٧١٦ - (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (وَلَا يَلْتَقِطُ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ: لَا يَأْخُذُ (سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ) أَيْ: مُعَرِّفٌ. قَالَ الشَّمَنِيُّ: رَوَى أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعَضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ " فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا. فَقَالَ ﵊: " إِلَّا الْإِذِخِرَ» . وَالْخَلَا بِالْقَصْرِ: الْحَشِيشُ الرَّطْبُ، وَاخْتِلَاؤُهُ قَطْعُهُ وَلَا يُرْعَى الْحَشِيشُ، وَجَوَّزَهُ أَبُو يُوسُفَ ﵀ دَفَعًا لِلْحَرَجِ عَنِ الزَّائِرِينَ وَالْمُقِيمِينَ اهـ كَلَامُهُ. وَهُوَ تَعْلِيلٌ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ فَلَا يَتِمُّ مَرَامُهُ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَيَجُوزُ رَعْيُ نَبَاتِ الْحَرَمِ وَشَجَرِهِ، لِأَنَّ الْبَهَائِمَ كَانَتْ تُسَاقُ فِيهِ غَيْرَ مَرْبُوطَةِ الْأَفْوَاهِ فِي زَمَنِهِ ﷺ وَزَمَنِ أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ، فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْبَهَائِمَ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الرَّاعِي، وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ فِي اسْتِثْنَاءِ الدَّوَابِّ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ " وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى الْكَرَاهَةِ نَقْلُ تُرَابِ الْحَرَمِ وَحَجَرِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ إِلَى حَرَمِ الْمَدِينَةِ "، كَمَا يُمْنَعُ نَقْلُ تُرَابِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَحَجَرِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَلَوْ إِلَى حَرَمِ مَكَّةَ، وَيُكْرَهُ نَقْلُ تُرَابِ الْحِلِّ إِلَيْهِ، قَالُوا: وَالْفَرْقُ أَنَّ إِهَانَةَ الشَّرِيفِ أَقْبَحُ مِنْ رِفْعَةِ الْوَضِيعِ، وَأَمَّا نَقْلُ مَاءِ زَمْزَمَ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ فَمَنْدُوبٌ اتِّفَاقًا، لِأَنَّهُ ﷺ اسْتَهْدَاهُ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِمُزَادَتَيْنِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. قَالَ: وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ ﵊ حَمَلَهُ فِي الْأَدَاوِي وَالْقِرَبِ، وَكَانَ يَصُبُّ عَلَى الْمَرِيضِ وَيَسْتَشْفِيهِمْ بِهِ» ، وَصَحَّ «عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ تَنْقُلُهُ وَتُخْبِرُ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَنْقُلُهُ» .

стр. 3878

٢٧١٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٧١٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ) . أَيْ بِلَا ضَرُورَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمُطْلَقًا عِنْدَ الْحَسَنِ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ دُخُولُهُ ﵊ عَامَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ بِمَا شَرَطَهُ مِنَ السِّلَاحِ فِي الْقِرَابِ، وَدُخُولُهُ ﵊ عَامَ الْفَتْحِ مُتَهَيِّئًا لِلْقِتَالِ، كَذَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ ﵀، وَتَبِعَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، وَابْنُ حَجَرٍ ﵀، وَفِيهِ بَحْثٌ ظَاهِرٌ، إِذِ الْمُرَادُ بِحَمْلِ السِّلَاحِ ظَاهِرًا بِحَيْثُ يَكُونُ سَبَبًا لِرُعْبِ مُسْلِمٍ أَوْ أَذْيِ أَحَدٍ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ الْيَوْمَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَمْنَعُ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ الْحُجَّاجِ، وَأَمَّا عَامُ الْفَتْحِ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ هَذَا الْحُكْمِ، فَإِنَّهُ كَانَ أُبِيحَ لَهُ مَا لَمْ يُبَحْ لِغَيْرِهِ مِنْ نَحْوِ حَمْلِ السِّلَاحِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 3879

٢٧١٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ: " اقْتُلْهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٧١٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، شِبْهُ قَلَنْسُوَةٍ مِنَ الدِّرْعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: دَلَّ عَلَى جَوَازِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِمَنْ لَا يُرِيدُ النُّسُكَ، وَهَذَا أَصَحُّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ﵀ قَالَ الشَّمَنِيُّ ﵀: وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَا تُجَاوِزُوا الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ» ". وَأَيْضًا الْإِحْرَامُ لِتَعْظِيمِ الْبُقْعَةِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَغَيْرُهُمَا، وَدُخُولُهُ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ حُكْمٌ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ: " «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِيَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حَرَامًا» . يَعْنِي فِي الدُّخُولِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حِلِّ الدُّخُولِ بَعْدَهُ ﵊ لِقِتَالٍ. (فَلَمَّا نَزَعَهُ) : أَيِ: الْمِغْفَرَ مِنْ رَأْسِهِ (جَاءَ رَجُلٌ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ فَضْلُ بْنُ عُبَيْدٍ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ. (وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ (مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: " اقْتُلْهُ) .

стр. 3880

قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَكَانَ قَدِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَتَلَ مُسْلِمًا كَانَ يَخْدِمُهُ وَاتَّخَذَ جَارِيَتَيْنِ تُغَنِّيَانِ بِهَجْوِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ وَأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ يَعْنِي قِصَاصًا، وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الْحَرَمَ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى مَنْ جَنَى خَارِجَهُ وَالْتَجَأَ إِلَيْهِ، أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا قَتَلَهُ لِارْتِدَادِهِ انْفِرَادًا، أَوْ مَعَ انْضِمَامِ قَتْلِ النَّفْسِ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ قَتَلَهُ قِصَاصًا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ لَهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَتْلَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْقِصَاصِ عَدَمُ وُجُودِ شُرُوطِهِ مِنَ الْمُطَالَبَةِ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ، وَبِهِ بَطَلَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، وَتَأْوِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ بِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أُحِلَّتْ لَهُ، وَحِينَئِذٍ مَكَّةُ كَغَيْرِهَا بِخِلَافِهَا بَعْدَهَا مَرْدُودٌ بِوَضْعِ الْمِغْفَرِ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وَضْعِهِ نَقَضُ أَمْرِهِ، وَنَهْيُهُ فِي حُكْمِهِ مِنْ يَوْمِهِ عَلَى أَنَّهُ ﵊ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ أَذِنَ فِي قَتْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَإِنْ كَانُوا مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، مِنْهُمْ هَذَا وَهُوَ أَشَدُّهُمْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3881

٢٧١٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٧١٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ» ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ (سَوْدَاءُ) : قِيلَ: إِنَّهُ بِسَبَبِ الْمِغْفَرِ (بِغَيْرِ إِحْرَامٍ) : تَقَدَّمَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، وَلَعَلَّ دُخُولَهُ ﵊ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ عُرِفَ مِنْ عَدَمِ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ، وَإِلَّا فَالْإِحْرَامُ هُوَ النِّيَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَالتَّلْبِيَةُ مَعَهَا عِنْدَنَا، وَهُوَ لَا يُنَافِي اللُّبْسَ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ لِلضَّرُورَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَظَاهِرُهُ مَعَ مَا قَبْلَهُ أَنَّهُ كَانَ جَامِعًا بَيْنَ لُبْسِ الْمِغْفَرِ وَالْعِمَامَةِ، وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْ عِيَاضٍ وَأَقَرَّهُ مِنْهُ، وَتَبِعَهُمَا الطَّيْبِيُّ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ دَخَلَ أَوَّلًا وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، ثُمَّ بَعْدَ إِزَالَتِهِ عَنْ رَأْسِهِ وَضَعَ الْعِمَامَةَ عَلَيْهِ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ كَانَتْ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ» اهـ. وَفِي جَمْعِهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى، إِذْ لَا مَانِعَ أَنَّهُ حَالَ الدُّخُولِ كَانَ بِهِمَا ثُمَّ قَلَعَ الْمِغْفَرَ وَأَبْقَى الْعِمَامَةَ، هَذَا وَفِي الْجُمْلَةِ جَازَ لُبْسُ السَّوَادِ فِي الْعِمَامَةِ وَغَيْرِهَا وَأَنَّ الْأَفْضَلَ الْبَيَاضُ نَظَرًا إِلَى أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ ﵊ فِعْلًا وَأَمْرًا، وَأَغْرَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلِهِمْ: لُبْسُ الْخَطِيبِ السَّوَادَ بِدْعَةٌ فَلْيَتْرُكْهُ وَيَلْبَسِ الْأَبْيَضَ إِلَّا أَنْ أُكْرِهَ بِخُصُوصِهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْعَبَّاسِيُّونَ، وَمَا أَحْسَنَ عِبَارَةُ الطِّيبِيِّ فِيهِ جَوَازُ لُبْسِ السَّوَادِ فِي الْخُطْبَةِ وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ أَفْضَلَ.

стр. 3882

٢٧٢٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٧٢٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَغْزُو) : أَيْ: يَقْصِدُ (جَيْشٌ) : أَيْ: عَسْكَرٌ عَنْ عَظِيمٍ فِي آخِرِ الزَّمَانِ (الْكَعْبَةَ) : أَيْ: لِيُخَرِّبَهَا (فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ) : أَيْ بُقْعَةٍ فَيْحَاءَ وَمَفَازَةٍ وَسْعَاءَ مِنْهَا، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْمَحَلِّ الْمَعْرُوفِ قُرْبَ الْمَدِينَةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ (يُخْسَفُ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ) . أَيْ: يُخْسَفُ بِكُلِّهِمُ الْأَرْضَ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ) : أَيِ: الْحَالُ وَهُوَ مِنْ حُسْنِ السُّؤَالِ (يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: إِنْ كَانَ جَمْعَ سُوقٍ، فَالتَّقْدِيرُ: أَهْلُ أَسْوَاقِهِمْ، وَإِنْ كَانَ جَمْعَ سُوقَةٍ، وَهِيَ الرَّعَايَا فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّقْدِيرِ. (وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟) : أَيْ: فِي الْكُفْرِ وَالْقَصْدِ بِتَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ، عَطْفٌ عَلَى أَسْوَاقِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ مَنْ لَا يَقْصِدُ تَخْرِيبَ الْكَعْبَةِ، بَلْ هُمُ الضُّعَفَاءُ وَالْأُسَارَى. (قَالَ: " يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ) ، فَيَدْخُلُ فِيهِمْ هَؤُلَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمْ لِأَنَّهُمْ كَثَّرُوا فِي سَوَادِهِمْ وَأَعَانُوهُمْ عَلَى فَسَادِهِمْ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] (ثُمَّ يُبْعَثُونَ) : أَيْ: كُلُّهُمْ (عَلَى نِيَّاتِهِمْ) . أَيْ: يُبْعَثُ مَنْ كَانَ نِيَّتَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ كَانَ نِيَّتَهُ الْكُفْرُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3883

٢٧٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٧٢١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا (ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ) : وَإِنَّمَا صُغِّرَ سَاقَاهُ لِأَنَّ سَاقَيْهِ قَصِيرَتَانِ (مِنَ الْحَبَشَةِ) : أَيْ: مِنَ الْكُفَّارِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3884

٢٧٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٧٢٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَأَنِّي بِهِ) : أَيْ: مُلْتَبِسٌ إِلَيْهِ وَانْظُرُ إِلَيْهِ، يُرِيدُ بِهِ مَنْ يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ، وَكَأَنَّهُ ﵊ ذَكَرَهُ بَعْدَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ أَحَدٌ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْمُظْهِرُ مِنْ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمَجْرُورَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، إِذْ لَمْ يُعْرَفِ اتِّصَالُ الْحَدِيثَيْنِ لَا سِيَّمَا مَعَ اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ التَّقْدِيرُ: كَأَنِّي بِرَجُلٍ أَسْوَدَ أَفْحَجَ إِلَخْ. (أَسْوَدَ) : وَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْمَصَابِيحِ، ثُمَّ هُوَ إِمَّا بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي بِهِ، أَوْ حَالٌ عَنْهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (أَفْحَجَ) : بِتَقْدِيمِ الْحَاءِ عَلَى الْجِيمِ، وَهُوَ الَّذِي يَتَدَانَى صُدُورُ قَدَمَيْهِ وَيَتَبَاعَدُ عَقِبَاهُ، وَيَتَفَحَّجُ سَاقَاهُ، وَمَعْنَاهُ يَتَفَرَّجُ، وَالْفُحْجُ بِجِيمَيْنِ فَتْحُ مَا بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ، وَهُوَ أَقْبَحُ مِنَ الْفَحْجِ (يَقْلَعُهَا) : أَيْ: بِنَاءَ الْكَعْبَةِ (حَجَرًا حَجَرًا) : حَالَانِ نَظِيرُ بَوَّبْتُهُ بَابًا بَابًا، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا بَدَلَانِ عَنْ ضَمِيرِ الْكَعْبَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا بِنَاؤُهَا، وَأَيْضًا الْحَجَرُ جَامِدٌ، وَالْبَابُ مُشْتَقٌّ فَلَا يُقَالُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ قِيلَ: وَيَرْمُونَهَا فِي الْبَحْرِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُهَنْدِسُونَ أَنَّ بَقَاءَهُمَا الْمُدَّةَ الْمَدِيدَةَ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَةِ الْعَدِيدَةِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3885

الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٧٢٣ - عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «احْتِكَارُ الطَّعَامِ فِي الْحَرَمِ إِلْحَادٌ فِيهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٧٢٣ - (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " احْتِكَارُ الطَّعَامِ فِي الْحَرَمِ) : وَهُوَ اشْتِرَاءُ الْقُوتِ فِي حَالَةِ الْغَلَاءِ لِيُبَاعَ إِذَا اشْتَدَّ غَلَاهُ، وَهُوَ حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ وَفِي الْحَرَمِ أَشَدُّ (إِلْحَادٌ فِيهِ) : أَيْ: مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ فِي الْحَرَمِ قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] . (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 3886

٢٧٢٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَكَّةَ: " «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. ــ ٢٧٢٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَكَّةَ) : أَيْ: خِطَابًا لَهَا حِينَ وَدَاعِهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَهْمِهَا وَسَمَاعِهَا، وَذَلِكَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ (مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ) : صِيغَةُ تَعَجُّبٍ (وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ) ، عَطْفٌ عَلَيْهِ، وَالْأُولَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَدِّ ذَاتِهَا أَوْ لِلْإِطْلَاقِ، وَالثَّانِيَةُ لِلتَّخْصِيصِ (وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي) : أَيْ صَارُوا سَبَبًا لِخُرُوجِي (مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ) . وَهَذَا دَلِيلٌ لِلْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَدِينَةِ، خِلَافًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ وَقَدْ صَنَّفَ السُّيُوطِيُّ رِسَالَةً فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا) : تَمْيِيزٌ.

стр. 3887

٢٧٢٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا عَلَى الْحَزْوَرَةِ، فَقَالَ: " «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٧٢٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا عَلَى الْحَزْوَرَةِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: عَلَى وَزْنِ الْقَسْوَرَةِ مَوْضِعٌ بِمَكَّةَ، وَبَعْضُهُمْ شَدَّدَهَا أَيِ: الرَّاءَ، وَالْحَزْوَرَةُ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى التَّلِّ الصَّغِيرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ هُنَاكَ كَانَ تَلًّا صَغِيرًا، وَقِيلَ: لِأَنَّ وَكِيعَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ إِيَادٍ كَانَ وَلِيَ أَمْرَ الْبَيْتِ بَعْدَ جُرْهُمٍ فَبَنَى صَرْحًا هُنَاكَ، وَجَعَلَ فِيهَا أُمَّهُ، يُقَالُ: لَهَا حَزْوَرَةُ فَسُمِّيَتْ مَكَّةُ بِهَا اهـ. وَقِيلَ: اسْمُ سُوقٍ بِمَكَّةَ وَهُوَ الْآنَ مَعْرُوفٌ بِالْغَرْوَرَةِ، وَهُوَ بَابُ الْوَدَاعِ. (فَقَالَ) : أَيْ: مُخَاطِبًا لِلْكَعْبَةِ وَمَا حَوْلَهَا مِنْ حَرَمِهَا، وَفِيهِ تَأْنِيسٌ فِي الْجُمْلَةِ لِقَوْلِ أَئِمَّتِنَا الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُوَدِّعِ أَنْ يَكُونَ مُلْتَفِتًا إِلَى مَا وَرَاءَهُ، كَالْمُتَنَدِّمِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا، بَلْ كَالْكُرْهِ فِي الِانْصِرَافِ عَنْهَا، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْأَدَبِ فِي مُفَارَقَةِ بَيْتِ الرَّبِّ، وَأَمَّا الْقَهْقَرَى وَإِنْ كَانَتْ بِدْعَةً إِلَّا أَنَّهَا لَا تُزَاحِمُ سُنَّةً، وَلَا تَدْفَعُهَا مَرَّةً فَهِيَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: بَلْ رَفَعَهُ أَنَّ مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ. ( «وَاللَّهِ إِنَّكِ لِخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ» ) : فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَدِينَةِ كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ إِلَّا الْبُقْعَةَ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ ﵊ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ، بَلْ مِنَ الْعَرْشِ إِجْمَاعًا وَتَمَحَّلَ الْمَالِكِيَّةُ فِي رَدِّ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ الْمَبْنَى وَالْمَعْنَى بِمَا اعْتَرَفَ بِهِ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ، أَنَّهُ تَشَبُّثٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّهُمْ عَارَضُوا هَذَا الْحَدِيثَ الثَّابِتَ بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ ; بَلْ مَوْضُوعَةٍ مِنْهَا: «اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ الْبِلَادِ إِلَيَّ فَأَسْكِنِّي فِي أَحَبِّ الْبِلَادِ إِلَيْكَ» ، فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ دِحْيَةَ، بَلْ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى إِخْرَاجِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ قَالُوا: مِنْ كَمَالِ تَسَاهُلِهِ فِي كِتَابِهِ عُطِّلَ تَمَامُ النَّفْعِ بِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ يَكُونُ التَّقْدِيرُ بَعْدَ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ ﵊ لَمْ يَكُنْ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيْهِ إِلَّا مَا كَانَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَيْضًا لِمَا أَنَّهُ ﵊ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، أَوِ الْبَحْرِينِ، أَوْ قِنَّسْرِينَ، فَدَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ لِيَخْتَارَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ خَيْرَ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَأَحْفَظَهَا مِنَ الْفِتَنِ وَالْفَسَادِ، وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ. (وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ) : أَيْ: بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ (مَا خَرَجْتُ) : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَهُوَ الضَّرُورَةُ الدِّينِيَّةُ أَوِ الدُّنْيَوِيَّةُ، وَلِذَا قِيلَ: الدُّخُولُ فِيهَا سَعَادَةٌ، وَالْخُرُوجُ مِنْهَا شَقَاوَةٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَغَيْرُهُمَا وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. وَأَمَّا خَبَرُ الطَّبَرَانِيِّ: الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ فَضَعِيفٌ ; بَلْ مُنْكَرٌ وَأَنَّهُ كَمَا قَالَ الذَّهَبِيُّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى زَمَانِهِ لِكَثْرَةِ الْفَوَائِدِ فِي حَضْرَتِهِ، وَمُلَازِمَةِ خِدْمَتِهِ لِأَنَّ شَرَفَ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِذَاتِهِ، بَلْ بِوُجُودِهِ ﵊ فِيهِ، وَنُزُولِهِ مَعَ بَرَكَاتِهِ، وَنَاهِيكَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبُقْعَتَيْنِ أَنَّ السَّفَرَ إِلَى مَكَّةَ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِلَى الْمَدِينَةِ سُنَّةٌ بِلَا نِزَاعٍ، وَأَيْضًا نَفْسُ الْمَدِينَةِ لَيْسَ أَفْضَلَ مِنْ مَكَّةَ اتِّفَاقًا، إِذَا لَا تَضَاعُفَ فِيهِ أَصْلًا، بَلِ الْمُضَاعَفَةُ فِي الْمَسْجِدَيْنِ، فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي قَالَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ: " «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ» ". وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ مِثْلُهُ بِالرَّأْيِ: صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵊. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَرَاهَةِ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَعَدَمِهَا، فَذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُخْتَارَ اسْتِحْبَابًا إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْوُقُوعُ فِي الْمَحْذُورِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ﵏ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ إِلَى كَرَاهَتِهَا، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارِ هِجْرَةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ: مَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا عَلَى الْحَجِّ وَالرُّجُوعِ، وَهُوَ أَيِ الْأَوَّلُ أَعْجَبُ، وَهَذَا أَيِ: الثَّانِي أَحْوَطُ لِمَا فِي خِلَافِهِ مِنْ تَعْرِيضِ النَّفْسِ عَلَى الْخَطَرِ، إِذْ طَبْعُ الْإِنْسَانِ التَّبَرُّمُ وَالْمَلَلُ مِنْ تَوَارُدِ مَا خَالَفَ هَوَاهُ فِي الْمَعِيشَةِ، وَزِيَادَةُ الِانْبِسَاطِ الْمُخِلِّ بِمَا يَجِبُ مِنْ

стр. 3888

الِاحْتِرَامِ لِمَا يَكْثُرُ تَكَرُّرُهُ عَلَيْهِ وَمُدَاوَمَةُ نَظَرِهِ إِلَيْهِ، وَأَيْضًا الْإِنْسَانُ مَحَلُّ الْخَطَأِ، كَمَا قَالَ ﵊: " «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَؤُهُ الْمُضَاعَفُ يُضَاعَفُ» " أَيْ: كَمِّيَّةً عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِنْ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّهَا فِي حَرَمِ اللَّهِ أَفْحَشُ وَأَغْلَظُ، أَيْ تُضَاعَفُ كَيْفِيَّةً فَتَنْهَضُ سَبَبًا لِغِلْظِ الْمُوجَبِ وَهُوَ الْعِقَابُ، وَيُمْكِنُ كَوْنُ هَذَا هُوَ مَحْمَلُ الْمَرْوِيِ مِنَ التَّضَاعُفِ كَيْلَا يُعَارِضَ قَوْلَهُ - تَعَالَى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] أَعْنِي أَنَّ السَّيِّئَةَ تَكُونُ فِيهِ سَبَبًا لِمِقْدَارٍ مِنَ الْعِقَابِ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ مِقْدَارِهِ عَنْهَا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى مِقْدَارِ سَيِّئَاتٍ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ سَبَبٌ لِمَقْتِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَإِذَا كَانَ سَجِيَّةَ الْبَشَرِ، فَالسَّبِيلُ التَّرَوُّحُ عَنْ سَاحَتِهِ، وَقَلَّ مَنْ يَطْمَئِنُّ إِلَى نَفْسِهِ فِي دَعْوَاهَا الْبَرَاءَةَ هَذِهِ الْأُمُورَ - إِلَّا وَهُوَ فِي ذَلِكَ مَغْرُورٌ، أَلَا تَرَى إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُحَبَّبِينَ إِلَيْهِ الْمَدْعُوِّ لَهُ، كَيْفَ اتَّخَذَ الطَّائِفَ دَارًا وَقَالَ: لَأَنْ أُذْنِبَ خَمْسِينَ ذَنْبًا بِرَكِيَّةٍ - وَهُوَ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الطَّائِفِ - أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُذْنِبَ ذَنْبًا وَاحِدًا بِمَكَّةَ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَا مِنْ بَلْدَةٍ يُؤْخَذُ الْعَبْدُ فِيهَا بِالْهِمَّةِ قَبْلَ الْعَمَلِ إِلَّا مَكَّةَ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِلَّذِي جَاءَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَطْلُبُ الْعِلْمَ: ارْجِعْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَإِنَّا نَسْمَعُ أَنَّ سَاكِنَ مَكَّةَ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَكُونَ الْحَرَمُ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْحِلِّ ; لِمَا يُسْتَحَلُّ مِنْ حَرَمِهَا. وَعَنْ عُمَرَ ﵁ خَطِيئَةٌ أُصِيبُهَا بِمَكَّةَ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ سَبْعِينَ خَطِيئَةً بِغَيْرِهَا. نِعْمَ أَفْرَادٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ اسْتَخْلَصَهُمْ وَخَلَّصَهُمْ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الطِّبَاعِ، فَأُولَئِكَ هُمْ أَهْلُ الْجَوَازِ الْفَائِزُونَ بِفَضِيلَةِ مَنْ يُضَاعَفُ لَهُ الْحَسَنَاتُ وَالصَّلَاةُ مِنْ غَيْرِ مَا يُحْبِطُهَا مِنَ السَّيِّئَاتِ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْهُ ﷺ : " «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ فِي مَسْجِدِهِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْتُهُ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ طَافَ أُسْبُوعًا يُحْصِيهِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ ". قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " مَا رَفَعَ رَجُلٌ قَدَمًا وَلَا وَضَعَهَا إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ» ". وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْهُ ﷺ : " «مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ بِمَكَّةَ فَصَامَهُ، وَقَامَ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِيمَا سِوَاهُ، وَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَبِكُلِّ لَيْلَةٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَكُلِّ يَوْمٍ حِمْلَانِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» "، وَلَكِنَّ الْفَائِزَ بِهَذَا مَعَ السَّلَامَةِ مِنْ إِحْبَاطِهَا أَقَلُّ الْقَلِيلِ، فَلَا يُبْنَى الْفِقْهُ بِاعْتِبَارِهِمْ وَلَا بِذِكْرِ حَالِهِمْ قَيْدًا فِي جَوَازِ الْجِوَارِ، لِأَنَّ شَأْنَ النُّفُوسِ الدَّعْوَى الْكَاذِبَةُ، وَالْمُبَادِرَةُ إِلَى الدَّعْوَةِ الْمُهْلِكَةِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى مَا يُشْتَرَطُ فِيمَا يُتَوَجَّهُ إِلَيْهِ وَتَطَلَّبَهُ، وَإِنَّهَا لَأَكْذَبُ مَا يَكُونُ إِذَا حَلَفَتْ، فَكَيْفَ إِذَا ادَّعَتْ وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ كَوْنُ الْجِوَارُ فِي الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ كَذَلِكَ، فَإِنَّ تَضَاعُفَ السَّيِّئَاتِ وَتَعَاظُمَهَا وَإِنْ فُقِدَ فِيهَا، فَمُخَالِفَةُ السَّلَامَةِ وَقِلَّةِ الْأَدَبِ إِلَى الْإِخْلَالِ بِوَاجِبِ التَّوْقِيرِ، وَالْإِحْلَالُ قَائِمٌ أَيْضًا، وَهُوَ أَيْضًا مَانِعٌ إِلَّا لِلْأَفْرَادِ ذَوِي الْمَلَكَاتِ، فَإِنَّ مَقَامَهُمْ وَمَوْتَهُمْ فِيهَا السَّعَادَةُ الْكَامِلَةُ. فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: " «لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي ; إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ شَهِيدًا» ". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ غَيْرَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ ﵊: " «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا» " اهـ. وَلَوْ أَدْرَكَ الْأَوَّلُونَ مَا انْتَهِي إِلَيْهِ الْآخَرُونَ كَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ زَمَانِنَا الْغَافِلُونَ، لَحَكَمُوا بِحُرْمَةِ الْمُجَاوَرَةِ فِي الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مِنْ شُيُوعِ الظُّلْمِ، وَكَثْرَةِ الْجَهْلِ، وَقِلَّةِ الْعِلْمِ، وَظُهُورِ الْمُنْكَرَاتِ، وَفُشُوِّ الْبِدَعِ وَالسَّيِّئَاتِ، وَأَكْلِ الْحَرَامِ وَالشُّبَهَاتِ. وَفِي الْحَقِيقَةِ لَيْسُوا بِمُجَاوِرِينَ، بَلْ لَهُمْ مَقَاصِدُ فَاسِدَةٌ صَارُوا بِهَا مُقِيمِينَ غَيْرَ مُسَافِرِينَ، مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ جِرَايَةٍ أَوْ " جَامَكِيَّةٍ " أَوْ صُرَّةٍ أَوْ شُهْرَةٍ، غَالِبُهُمْ يَأْكُلُونَهَا، غَيْرَ اسْتِحْقَاقٍ لِحَالَتِهِمْ وَمِنْ غَيْرِ قِيَامٍ بِوَظَائِفِ خِدْمَتِهِمْ، وَمِنْ غَيْرِ رِعَايَةٍ لِشُرُوطِ الْأَوْقَافِ فِي مُدَاخَلَاتِهِمْ، لَكِنَّ هَذِهِ الْبَلِيَّةَ حَيْثُ عَمَّتِ الْبِلَادَ وَطَمَّتِ فِي الْبِلَادِ " طَابَتْ "، حَتَّى عَلَى الزُّهَّادِ وَالْعُبَّادِ. قَالَ - تَعَالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١] لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. قَالَ - تَعَالَى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ، " وَلَعَلَّهُ لَا يُؤَاخِذُنَا بِالْفِعْلِ وَالْإِحْسَانِ ".

стр. 3889

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٧٢٦ - عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعُدُوِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغَدٍ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: " «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا. فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالُ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ! أَنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: الْخَرْبَةُ: الْخِيَانَةُ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٧٢٦ - (وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعُدُوِيِّ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالدَّالِ (أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ) أَيِ: ابْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيِّ الْقُرَشِيِّ، كَانَ أَمِيرًا بِالْمَدِينَةِ نَائِبًا عَنِ ابْنِ عَمِّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ لِقِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ الْخَلِيفَةِ بِالْحَقِّ فِي مَكَّةَ وَأَعْمَالِهَا وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا لَا الشَّامَ، فَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا (وَهُوَ) : أَيْ: عَمْرُو (يَبْعَثُ الْبُعُوثَ) : أَيْ: يُرْسِلُ الْجُيُوشَ (إِلَى مَكَّةَ) وَالْبَعْثُ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْجُنْدِ يُرْسِلُهَا الْأَمِيرُ إِلَى قِتَالِ فِرْقَةٍ وَفَتْحِ بِلَادٍ. (ائْذَنْ لِي) : بِفَتْحِ الذَّالِ وَتُبَدَّلُ هَمْزَتُهُ الثَّانِيَةُ بِالْيَاءِ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ أَمْرٌ مِنَ الْإِذْنِ. بِمَعْنَى الْإِجَازَةِ (أَيُّهَا الْأَمِيرُ! أُحَدِّثْكَ) : بِالْجَزْمِ وَقِيلَ بِالرَّفْعِ (قَوْلًا) : أَيْ: حَدِيثًا (قَامَ بِهِ) : أَيْ: بِذَلِكَ الْقَوْلِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ خَطِيبًا، وَالْمَعْنَى حَدَّثَ بِهِ (الْغَدَ) أَيِ: الْيَوْمَ الثَّانِي (مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ) : بِضَمِّ الذَّالِ وَسُكُونِهَا (وَوَعَاهُ قَلْبِي) ، أَيْ: حَفِظَهُ (وَأَبْصَرَتْهُ) : أَيْ: قَائِلَهُ (عَيْنَايَ) : فِيهِ تَأْكِيدَاتٌ لَا تَخْفَى (حِينَ تَكَلَّمَ حَمِدَ اللَّهَ) : جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ أَيْ: شَكَرَ اللَّهَ شُكْرًا جَزِيلًا (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) ، أَيْ: ثَنَاءً جَمِيلًا (ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ) : أَنْ جَعَلَهَا مُحَرَّمَةً مُعَظَّمَةً وَأَهْلُهَا تَبَعٌ لَهَا فِي الْحُرْمَةِ (وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ) ، أَيْ: مِنْ عِنْدِهِمْ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ حَرَّمَهَا إِبْرَاهِيمُ بِأَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - (فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأُخَرِ) : اكْتَفَى بِطُرُقَيِ الْمُؤْمِنِ بِهِ عَنْ بَقِيَّتِهِ (أَنْ يَسْفِكَ) : أَيْ: يَسْكُبَ (بِهَا دَمًا) أَيْ: بِالْجُرْحِ وَالْقَتْلِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ دَمًا مُهْدَرًا وَفْقُ قَوَاعِدِنَا، وَإِلَّا فَالدَّمُ الْمَعْصُومُ يَسْتَوِي فِيهِ الْحَرَمُ وَغَيْرُهُ فِي حُرْمَةِ سَفْكِهِ (وَلَا يَعْضِدَ) : بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّهَا أَيْ: وَلَا يَقْطَعَ (بِهَا شَجَرَةً) ، وَفِي مَعْنَاهَا النَّبَاتُ وَالْحَشِيشُ (لِأَنْ) : شَرْطِيَّةٌ (أَحَدٌ) : فَاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا يُفَسِّرُهُ (تَرَخَّصَ) : نَحْوَ قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] وَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] ، (بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ (فِيهَا. فَقُولُوا: لَهُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ) : أَيْ: أَجَازَ (لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ) . وَبِهِ تَمَّ جَوَابُ الْمُتَرَخِّصِ ثُمَّ ابْتَدَأَ عَطَفَ عَلَى الشَّرْطِ فَقَالَ: (وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) : الْتِفَاتٌ فِي الْكَلَامِ خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَهُ ابْنُ حَجَرٍ فَتَدَبَّرْ (وَقَدْ عَادَتْ) : أَيْ: رَجَعَتْ (حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ) : أَيْ: يَوْمَ الْخُطْبَةِ الْمَذْكُورَةِ (كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ) : أَيْ: مَا عَدَا تِلْكَ السَّاعَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَمْسِ الزَّمَنُ الْمَاضِي (وَلْيُبْلِّغِ) : بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا وَتَشْدِيدِ اللَّامِ (الشَّاهِدُ) : أَيِ: الْحَاضِرُ (الْغَائِبَ " فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟) : مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ (قَالَ) : أَيْ: أَبُو شُرَيْحٍ (قَالَ) : أَيْ: عَمْرٌو (أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ) . أَيِ الْحَدِيثَ أَوِ الْحُكْمَ (مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النِّدَاءُ تَتِمَّةً: لِمَا قَبْلَهُ أَوْ تَمْهِيدًا لِمَا بَعْدَهُ (إِنَّ الْحَرَمَ) : أَيْ مَكَّةَ كَمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ (لَا يُعِيذُ) : أَيْ: لَا يُجِيرُ (عَاصِيًا) : أَيْ: بِنَحْوِ الْخُرُوجِ عَلَى الْخَلِيفَةِ، زَعْمًا مِنْهُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ هُوَ الْخَلِيفَةُ بِحَقٍّ، وَالْحَالُ أَنَّهُ بَاطِلٌ (وَلَا فَارًّا) : أَيْ: هَارِبًا (بِدَمٍ) ، أَيْ قَتْلٍ بِالْكُلِّيَّةِ بِمُجَرَّدِ الِالْتِجَاءِ إِلَى الْحَرَمِ عَلَى وَجْهِ الِالْتِجَاءِ، فَإِنَّهُ يَطْلُبُ فِي الْجُمْلَةِ بِأَنْ يُضَيَّقَ عَلَيْهِ وَلَا يُطْعَمُ وَلَا يُسْقَى وَلَا يُبَاعُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ، لِيَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ مُضْطَرًّا فَيُقْتَصُّ مِنْهُ، فَبَطَلَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ فِيهِ دَلِيلًا لِمَذْهَبِنَا أَنَّهُ يَسْتَوْفِي مَنْ فِي الْحَرَمِ مَا لَزِمَهُ مِنْ قَوَدٍ أَوْ حَدٍّ، عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى مَنْصِبِهِ عَدَمُ اعْتِبَارِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ الْعَدْلِ إِجْمَاعًا، فَكَيْفَ بِالظَّالِمِ اتِّفَاقًا (وَلَا فَارًّا) أَيْ شَارِدًا (بِخَرْبَةٍ) . بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ، وَقَدْ يُقَالُ بِضَمِّ الْخَاءِ أَيْ بِجِنَايَةٍ وَأَصْلُهَا سَرِقَةُ الْإِبِلِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي الْبُخَارِيِّ: الْخَرْبَةُ: الْجِنَايَةُ) . وَفِي نُسْخَةٍ: الْخِيَانَةُ ضِدَّ الْأَمَانَةِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: عِنْدَ الْخَرْبَةِ الْبَلِيَّةُ.

стр. 3890

٢٧٢٧ - وَعَنْ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ ﵁: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ حَقَّ تَعْظِيمِهَا، فَإِذَا ضَيَّعُوا ذَلِكَ هَلَكُوا» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٧٢٧ - (وَعَنْ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ) أَخُو أَبِي جَهْلٍ إِلَّا أَنَّهُ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تَزَالُ) : بِالتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ (هَذِهِ الْأُمَّةُ) : أَيْ: أُمَّةُ الْإِجَابَةِ (بِخَيْرٍ) : التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ (مَا عَظَّمُوا) : أَيْ: مُدَّةَ تَعْظِيمِهِمْ (هَذِهِ الْحُرْمَةَ) : أَيْ: حَرَمَهَا مَكَّةَ وَحَرَمَهُ الْمَعْهُودَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ بِأَجْمَعِهَا (حَقَّ تَعْظِيمِهَا، فَإِذَا ضَيَّعُوا ذَلِكَ) : أَيِ التَّعْظِيمَ، أَوْ مَا ذَكَرَهُ: مِنَ الْحُرْمَةِ (هَلَكُوا) أَيْ: بِالْإِهَانَةِ وِفَاقًا. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
следующие страницы →