Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
٢٦٦٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ، فَقَالَتْ: مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَقْرَى حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ " قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: " فَانْفِرِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٦٦٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ) : أَيْ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ الْيَهُودِيِّ الْخَيْبَرِيِّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ سِبْطِ هَارُونَ أَخِي مُوسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (لَيْلَةَ النَّفْرِ) : أَيْ: لَيْلَةَ يَوْمِ النَّفْرِ؛ لِأَنَّ النَّفْرَ لَمْ يُشْرَعْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بَلْ فِي يَوْمِهَا، وَالنَّفْرُ يَحْتَمِلُ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ، فَتَدَبَّرْ. (فَقَالَتْ) : أَيْ: صَفِيَّةُ لِلنَّبِيِّ ﵊ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ الْكِرَامِ: (مَا أُرَانِي) : بِصِيغَةُ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِرَاءَةِ أَيْ: مَا أَظُنُّ نَفْسِي (إِلَّا حَابِسَتَكُمْ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَفَتْحِ التَّاءِ نَصْبًا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَفِي
стр. 3817
نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ: مَانِعَتُكُمْ عَنِ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، بَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَى أَنْ أَظْهَرَ، فَأَطُوفَ طَوَافَ الْوَدَاعِ، ظَنًّا مِنْهَا أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ كَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِالْأَعْذَارِ، وَلَمَّا ظَنَّ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ بَلَغَهُ حَدِيثُهَا أَنَّهَا قَالَتْ قَوْلَهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَطُفْ لِلزِّيَارَةِ ( «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَقْرَى حَلْقَى» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَكَذَا رُوِيَ عَلَى وَزْنِ فَعْلَى بِلَا تَنْوِينٍ، وَالظَّاهِرُ عَقْرًا، وَحَلْقًا بِالتَّنْوِينِ، أَيْ: عَقَرَهَا وَحَلَّقَهَا اللَّهُ حَلْقًا، يَعْنِي قَتَلَهَا وَجَرَحَهَا، أَوْ أَصَابَ حَلْقَهَا بِوَجَعٍ، وَهَذَا دُعَاءٌ لَا يُرَادُ وُقُوعُهُ، بَلْ عَادَةُ الْعَرَبِ: التَّكَلُّمُ بِمِثْلِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ، وَقِيلَ: هُمَا صِفَتَانِ لِلْمَرْأَةِ، يَعْنِي أَنَّهَا تُحَلِّقُ قَوْمَهَا، وَتَعْقِرُهُمْ، أَيْ: تَسْتَأْصِلُهُمْ مِنْ شُؤْمِهَا اهـ.
وَقِيلَ: إِنَّهُمَا مَصْدَرَانِ، وَالْعَقْرُ الْجَرْحُ وَالْقَتْلُ وَقَطْعُ الْعَصَبِ، وَالْحَلْقُ إِصَابَةُ وَجَعٍ فِي الْحَلْقِ أَوِ الضَّرْبُ عَلَى الْحَلْقِ، أَوِ الْحَلْقُ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ عِنْدَ شِدَّةِ الْمُصِيبَةِ، وَحَقُّهُمَا أَنْ يُنَوَّنَا، لَكِنْ أُبْدِلَ التَّنْوِينُ بِالْأَلِفِ إِجْرَاءً لِلْوَصْلِ مَجْرَى الْوَقْفِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُسَاعِدُهُ رَسْمُهَا بِالْيَاءِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا تَأْنِيثُ فَعْلَانَ، أَيْ: جَعَلَهَا عَقْرَى، أَيْ: عَاقِرًا أَيْ: عَقِيمًا، وَحَلْقَى أَيْ: جَعَلَهَا صَاحِبَةَ وَجَعِ الْحَلْقِ، ثُمَّ هَذَا وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِثْلُ: تَرِبَتْ يَدَاهُ، وَثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، مِمَّا يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَهْوِيلِ الْخَبَرِ، وَأَنَّ مَا سَمِعَهُ لَا يُوَافِقُهُ لَا لِلْقَصْدِ إِلَى وَقُوعِ مَدْلُولِهِ الْأَصْلِيِّ، وَالدَّلَالَةِ عَلَى الْتِمَاسِهِ (أَطَافَتْ) : أَيْ: صَفِيَّةُ (يَوْمَ النَّحْرِ) أَيْ: طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَلَمَّا أَعْرَضَ عَنْهَا، وَسَأَلَ مِنْ غَيْرِهَا ظَنًّا أَنَّهَا قَصَّرَتْ فِي تَأْخِيرِ طَوَافِ فَرْضِهَا (قَالَ: نَعَمْ) : فِي جَوَابِهِ ثُمَّ لَمَّا الْتَفَتَ إِلَيْهَا حِينَ تَبَيَّنَ عَدَمَ تَقْصِيرِهَا (قَالَ) : إِذَا كُنْتِ طُفْتِ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ (فَانْفِرِي) : بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيِ اخْرُجِي إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ طَوَافِ الْوَدَاعِ، فَإِنَّ وُجُوبَهُ سَاقِطٌ بِالْعُذْرِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3818
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٦٧٠ - عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ ﵁، قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: " أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. قَالَ: " فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَدًا، وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تُحَقِّرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٦٧٠ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) : أَيْ: يَوْمَ النَّحْرِ كَمَا سَبَقَ (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) : قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ [التوبة: ٣] أَيْ: إِعْلَامٌ ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَيْ: يَوْمَ الْعِيدِ لِأَنَّ فِيهِ تَمَامُ الْحَجِّ، وَمُعْظَمُ أَفْعَالِهِ، وَلِأَنَّ الْإِعْلَامَ كَانَ فِيهِ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ وَقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ عِنْدَ الْجَمَرَاتِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (فَقَالَ: " وَهَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ". وَقِيلَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، لِقَوْلِهِ ﷺ : (الْحَجُّ عَرَفَةُ) ، وَوَصَفَ الْحَجَّ بِالْأَكْبَرِ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ، أَوْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَجِّ مَا يَقَعُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ أَعْمَالِهِ، فَإِنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ بَاقِي الْأَعْمَالِ، أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحَجَّ اجْتَمَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَوَافَقَ عَلَيْهِ أَعْيَادُ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ لِأَنَّهُ ظَهَرَ فِيهِ عِزُّ الْمُسْلِمِينَ، وَذُلُّ الْمُشْرِكِينَ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، إِذْ مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، أَوْ يُسَمَّى بِالْحَجِّ الْأَكْبَرِ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ حَجُّ الْمَسَاكِينِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ حَجُّ الْمُسْلِمِينَ - ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ - أَوْ لِأَنَّهُ وَافَقَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ الْمُشْتَهِرُ بِالْحَجِّ الْأَكْبَرِ الَّذِي وَرَدَ فِي حَقِّهِ: إِنَّ حَجَّهُ كَسَبْعِينَ حَجَّةً، وَفِيهِ: كَتَبْتُ رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً، أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحَجَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ قَوْلُهُمْ: يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ بِظَاهِرِهِ يُنَافِي جَوَابَهُمُ السَّابِقَ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. وَلَعَلَّ هَذَا فِي يَوْمٍ آخَرَ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، أَوْ أَحَدُ الْجَوَابَيْنِ صَدَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ. (قَالَ: " فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ) : احْتِرَازٌ عَنِ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ (حَرَامٌ) : أَيْ: مُحَرَّمٌ مَمْنُوعٌ (كَحُرْمَةِ يَوْمِكِمْ هَذَا فِي بَلَدِكِمْ) : أَيْ: حَرَمِكُمْ (هَذَا) : وَلَعَلَّ تَرْكَ الشَّهْرِ اقْتِصَارٌ مِنَ الرَّاوِي.
стр. 3819
(أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أَيْ: لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ كَمَا صَدَرَ عَنْ بَعْضِ الْجَهَلَةِ، وَهُوَ نَفْيٌ مَعْنَاهُ نَهْيٌ نَحْوُ قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] كَمَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ وَنَظِيرُهُ الدُّعَاءُ: بِغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ مِنِ اغْفِرْهُ وَارْحَمْهُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: خَبَرٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ، يَعْنِي كَأَنَّهُ نَهَاهُ، فَقَصَدَ أَنْ يَنْتَهِيَ فَأَخْبَرَهُ بِهِ، وَالْمُرَادُ الْجِنَايَةُ عَلَى الْغَيْرِ، إِلَّا أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا لِلْجِنَايَةِ عَلَى نَفْسِهِ أَنْذَرَهَا فِي صُورَتِهَا لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى الِامْتِنَاعِ، وَيَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ خَبَرًا بِحَسْبِ الْمَعْنَى. (أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ ( «لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ» ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَزِيدِ قُبْحٍ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَأْكِيدَ " لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ "، فَإِنَّ عَادَتَهُمْ جَرَتْ بِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَقَارِبَ الشَّخْصِ بِجِنَايَتِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا ظُلْمٌ يُؤَدِّي إِلَى ظُلْمٍ آخَرَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا نَفْيٌ فَيُوَافِقُ قَوْلَهُ - تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَإِنَّمَا خُصَّ الْوَلَدُ وَالْوَالِدُ لِأَنَّهُمَا أَقْرَبُ الْأَقَارِبِ، فَإِذَا لَمْ يُؤَاخَذْ بِفِعْلِهِ فَغَيْرُهُمَا أَوْلَى، وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيمَةِ أَبِيهِ وَضُبِطَ بِالْوَجْهَيْنِ (أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ) : وَهُوَ إِبْلِيسُ الرَّئِيسُ، أَوِ الْجِنْسُ الْخَسِيسُ (قَدْ يَئِسَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: أَيِسَ أَيْ قَنَطَ (أَنْ يُعْبَدَ) : أَيْ: مِنْ أَنْ يُطَاعَ فِي عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ عَبَدَهُ أَحَدٌ مِنَ الْكُفَّارِ (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) : أَيْ: مَكَّةَ (لَا أَبَدًا) : أَيْ: عَلَانِيَةً إِذْ قَدْ يَأْتِي الْكُفَّارُ مَكَّةَ خِفْيَةً (وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ) : أَيِ انْقِيَادٌ أَوْ إِطَاعَةٌ (فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ) : أَيْ: مِنَ الْقَتْلِ وَالنَّهْبِ، وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْكَبَائِرِ وَتَحْقِيرِ الصَّغَائِرِ، (فَسَيَرْضَى) : بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَجْهُولِ أَيِ: الشَّيْطَانُ (بِهِ) : أَيْ: بِالْمُحْتَقَرِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الذَّنْبُ الْأَكْبَرُ، وَلِهَذَا تَرَى الْمَعَاصِيَ مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَنَحْوِهِمَا تُوجَدُ كَثِيرًا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقَلِيلًا فِي الْكَافِرِينَ، لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ مِنَ الْكُفَّارِ بِالْكُفْرِ فَلَا يُوَسْوِسُ لَهُمْ فِي الْجُزْئِيَّاتِ، وَحَيْثُ لَا يَرْضَى عَنِ الْمُسْلِمِينَ بِالْكُفْرِ فَيَرْمِيهِمْ فِي الْمَعَاصِي.
وَرُويَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: الصَّلَاةُ الَّتِي لَيْسَ لَهَا وَسْوَسَةٌ إِنَّمَا هِيَ صَلَاةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَمِنَ الْأَمْثَالِ: لَا يَدْخُلُ اللِّصُّ فِي بَيْتٍ إِلَّا فِيهِ مَتَاعٌ نَفِيسٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: (فِيمَا تَحْتَقِرُونَ) أَيْ مِمَّا يَتَهَجَّسُ فِي خَوَاطِرِكُمْ، وَتَتَفَوَّهُونَ عَنْ هَنَّاتِكُمْ وَصَغَائِرِ ذُنُوبِكُمْ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى هَيْجِ الْفِتَنِ وَالْحُرُوبِ كَقَوْلِهِ ﷺ : " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحَرُّشِ بَيْنَهُمْ " (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
стр. 3820
٢٦٧١ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، وَعَلِيٌّ يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٦٧١ - (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ) : نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ مُزَيْنَةَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى) : أَيْ: أَوَّلَ النَّحْرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ) : أَيْ: بَيْضَاءَ يُخَالِطُهَا قَلِيلُ سَوَادٍ، وَلَا يُنَافِيهِ حَدِيثُ قُدَامَةَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى نَاقَةٍ صَهْبَاءَ. (وَعَلِيٌّ يُعَبِّرُ عَنْهُ) : أَيْ: يُبَلِّغُ حَدِيثَهُ مَنْ هُوَ بَعِيدٌ عَنِ النَّبِيِّ، فَهُوَ ﵁ وَقَفَ حَيْثُ يَبْلُغُهُ صَوْتُ النَّبِيِّ ﷺ وَيَفْهَمُهُ فَيُبَلِّغُهُ لِلنَّاسِ وَيُفْهِمَهُمْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: بِزِيَادَةِ بَيَانٍ فَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ (وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ) : أَيْ بَعْضُهُمْ قَاعِدُونَ وَبَعْضُهُمْ قَائِمُونَ، وَهُمْ كَثِيرُونَ حَيْثُ بَلَغُوا مِائَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)
стр. 3821
٢٦٧٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى اللَّيْلِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٦٧٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ) : أَيْ: جَوَّزَ تَأْخِيرَهُ (يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى اللَّيْلِ) : إِمَّا مُطْلَقًا أَوْ لِلنِّسَاءِ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ أَوْ مِنًى قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَوَّلُ وَقْتِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ لَيْلَةَ الْعِيدِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ الْعِيدِ وَآخِرُهُ مَتَى طَافَ جَازَ اهـ. لَكِنْ يَجِبُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَقَعَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهَا لَزِمَهُ دَمٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 3822
٢٦٧٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٦٧٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ) : بِضَمِّ الْمِيمِ (فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ) : أَيْ: فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ لِتَقَدُّمِ السَّعْيِ عَلَيْهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 3823
٢٦٧٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» " رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
ــ
٢٦٧٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) : أَيْ: وَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ (فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ: أَيْ: جِمَاعَهُنَّ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَنِكَاحُهُنَّ (رَوَاهُ) : أَيْ: صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ) : أَيْ: بِسَنَدِهِ " وَقَالَ: إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ ".
стр. 3824
٢٦٧٥ - وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " «إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» ".
ــ
٢٦٧٥ - (وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) : بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا (قَالَ: إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ) : أَيْ: جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَحَلَقَ وَلَوْ قَبْلَ الذَّبْحِ (فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ) : أَيْ: جِمَاعَهُنَّ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَلَوْ قَبْلَ السَّعْيِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ آخَرَ هُوَ فِيهِ أَيْضًا. وَقَالَ: " «إِذَا رَمَيْتَ وَحَلَقْتُمْ وَذَبَحْتُمْ» ". وَقَالَ: لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ» ، فَلَا يُعَارِضُهُ مَا اسْتَدَلَّ لِمَالِكٍ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ إِنْ رَمَى الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ حَتَّى يَزُورَ الْبَيْتَ» وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا اهـ.
وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ مِنَ السَّنَةِ حُكْمُهُ الرَّفْعُ، وَكَذَا مَا عَنْ عُمَرَ بِطْرِيقٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ مَا حُرِّمَ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، ذَكَرَهُ وَانْقِطَاعُهُ فِي الْإِمَامِ، كَذَا حَقَّقَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ السَّمْعِيَّاتِ يُفِيدُ أَنَّهُ أَيِ: الرَّمْيُ هُوَ السَّبَبُ لِلتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَعَنْ هَذَا نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵀: أَنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَنَا لِأَنَّ التَّحَلُّلَ وَالْوَاجِبَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِهِ، وَيَحْمِلُونَ مَا ذَكَرْنَا عَلَى إِضْمَارِ الْحَلْقِ أَيْ: إِذَا رَمَى وَحَلَقَ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي بَعْضِ نُسَخِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَطْفِهِ عَلَى الشَّرْطِ. وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] هُوَ الْحَلْقُ وَاللُّبْسُ عَلَى مَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ إِنَّهُ الْحَلْقُ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] الْآيَةَ. أَخْبَرَ بِدُخُولِهِمْ مُحَلِّقِينَ، فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ الْمُحَلِّقِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَالَةَ الدُّخُولِ فِي الْعُمْرَةِ، لِأَنَّهَا حَالٌ مُقَدَّرَةٌ، ثُمَّ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْوُجُوبِ الْحَامِلِ عَلَى الْوُجُودِ، فَيُوجَدُ الْمُخْبَرُ بِهِ ظَاهِرًا وَغَالِبًا، لِيُطَابِقَ الْأَخْبَارَ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ ظَنِّيٌ، فَيَثْبُتُ بِهِ الْوُجُوبُ لَا الْقَطْعُ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: يُسَنُّ تَأْخِيرُ الْوَطْءِ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى مَا قَالُوهُ فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِقَوْلِهِ ﵊: " «أَيَّامُ مِنًى أَكْلٌ وَشُرْبٌ وَبِعَالٌ» " أَيْ جِمَاعٌ.
стр. 3825
٢٦٧٦ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَيُطِيلُ الْقِيَامَ وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ فَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٦٧٦ - (وَعَنْهَا) : أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ ( «قَالَتْ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ» ) : أَيْ: طَافَ لِلزِّيَارَةِ فِي آخِرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُوَ أَوَّلُ أَيَّامِ النَّحْرِ (حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى ثُمَّ أَفَاضَ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ لِاتِّفَاقِهَا عَلَى أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بَعْدَ الطَّوَافِ مَعَ اخْتِلَافِهَا أَنَّهُ صَلَّاهَا بِمَكَّةَ أَوْ مِنًى. نَعَمْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى يَوْمٍ آخَرَ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، بِأَنْ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى وَنَزَلَ فِي آخِرِ يَوْمِهِ مَعَ نِسَائِهِ لِطَوَافِ زِيَارَتِهِنَّ. وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ ﵀ فِي قَوْلِهِ: حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ: (وَالْعَصْرَ مَعًا) فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَوَقَفَ، ثُمَّ أَفَاضَ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَمَا سَبَقَ اهـ. وَبَعَّدَهُ حَيْثُ لَيْسَ هَذَا فِي مَحَلِّهِ لَا يَخْفَى، بَلْ لَا يَصِحُّ كَمَا يُعْلَمُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ لِقَوْلِهَا: (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَمَكَثَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا أَيْ لَبِثَ وَبَاتَ (بِهَا) : أَيْ: بِمِنًى ( «لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، كُلَّ جَمْرَةٍ» ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَائِيَّةِ (وَبِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى) أَيْ: أُولَى الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ (وَالثَّانِيَةِ) : وَهِيَ الْوُسْطَى (فَيُطِيلُ الْقِيَامَ) : لِلْأَذْكَارِ مِنَ التَّكْبِيرِ وَالتَّوْحِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّمْجِيدِ. (وَيَتَضَرَّعُ) : أَيْ: إِلَى اللَّهِ بِأَنْوَاعِ الدَّعَوَاتِ وَعَرْضِ الْحَاجَاتِ (وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ) : وَهِيَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ (فَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) : أَيْ: لِلدُّعَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْعُو عِنْدَهَا أَوْ بَعْدَهَا، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِضِيقِ الْمَقَامِ وَازْدِحَامِ الْأَنَامِ، وَإِلَّا فَالدُّعَاءُ انْسَبُ بَعْدَ الِاخْتِتَامِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ بِقَوْلِهِ: تَفَاؤُلًا بِقَبُولِ الْوَقُوفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ ابْنُ حَبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ.
стр. 3826
٢٦٧٧ - وَعَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ ﵃ قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ: أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَيَرْمُوهُ فِي أَحَدِهِمَا» . رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ.
ــ
٢٦٧٧ - (وَعَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ فَتَشْدِيدِ الدَّالِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (ابْنِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ) : أَيْ: عَاصِمٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الصَّحِيحُ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: قَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ، فَقِيلَ: إِنَّ اسْمَهُ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَقِيلَ هُوَ ابْنُ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، وَأَبُو الْبَدَّاحِ لَقَبٌ غَلَبَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كُنْيَتُهُ أَبُو عَمْرٍو، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ فَقِيلَ: لَهُ إِدْرَاكٌ، وَقِيلَ: إِنَّ الصُّحْبَةَ لِأَبِيهِ وَلَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. (قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرِعَاةِ الْإِبِلِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ، جَمْعُ رَاعٍ أَيْ: لِرِعَاتِهَا (فِي الْبَيْتُوتَةِ) : أَيْ: فِي تَرْكِهَا (أَنْ يَرْمُوا) : أَيْ: جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (يَوْمَ النَّحْرِ) : أَيْ: فِي أَوَّلِ أَيَّامِهِ (ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَيَرْمُوهُ) : أَيْ: رَمْيَ الْيَوْمَيْنِ (فِي أَحَدِهِمَا) : أَيْ: فِي أَحَدِ الْيَوْمَيْنِ لِأَنَّهُمْ مَشْغُولُونَ بِرَعْيِ الْإِبِلِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: رَخَّصَ لَهُمْ أَنْ لَا يَبِيتُوا بِمِنًى لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَأَنْ يَرْمُوا يَوْمَ الْعِيدِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَطْ، ثُمَّ لَا يَرْمُوا فِي الْغَدِ، بَلْ يَرْمُوا بَعْدَ الْغَدِ رَمْيَ الْيَوْمَيْنِ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ، وَلَمْ يُجَوِّزِ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَمَالِكٌ ﵀ أَنْ يُقَدِّمُوا الرَّمْيَ فِي الْغَدِ اهـ. هُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا. (وَرَوَاهُ مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) : وَغَيْرُهُمْ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ ﷺ رَخَّصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ أَنْ يَتْرُكُوا الْمَبِيتَ بِمِنًى، وَأَنْ يَرْمُوا يَوْمًا وَيَدَعُوا يَوْمًا ثُمَّ يَتَدَارَكُونَهُ» .
стр. 3827
[بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ]
стр. 3828
(١١) بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٦٧٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: " لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسُ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: " «وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» ".
ــ
(١١) بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ
أَيْ: مِنَ الْمَحْظُورَاتِ، يَعْنِي: وَمَا لَا يَجْتَنِبُهُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٦٧٨ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ» ) : مِنْ لَبِسَ بِكَسْرِ الْبَاءِ يَلْبَسُ بِفَتْحِهَا لُبْسًا بِضَمِّ اللَّامِ، لَا مِنْ لَبَسَ بِفَتْحٍ يَلْبِسُ بِكَسْرِهَا لَبْسَا بِالْفَتْحِ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الْخَلْطِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢] وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ مَعَ كَمَالِ وُضُوحِهِ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الطَّلَبَةِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا فَيَقَعُونَ فِي اللَّبْسِ لِلِالْتِبَاسِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: عَمَّا يَلْبَسُ، أَوْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ (سَأَلَ) يَتَعَدَّى إِلَى الثَّانِي بِعَنْ وَإِلَى الْأَوَّلِ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ يَنْعَكِسُ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] وَ ﴿عَنِ الْمَحِيضِ - عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ٢٢٢ - ١] وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ " مَا " اسْتِفْهَامِيَّةً أَيْ: سَأَلْتُهُ مَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥] (مِنَ الثِّيَابِ) ؟ أَيْ: مِنْ أَنْوَاعِ الثِّيَابِ وَهُوَ بَيَانٌ وَالْمَعْنَى سُئِلَ عَمَّا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ مِنَ اللِّبَاسِ وَمَا يَحْرُمُ (فَقَالَ: " لَا تَلْبَسُوا) : أَيْ: أَيُّهَا الْمُحْرِمُونَ أَوْ مُرِيدُو الْإِحْرَامِ مِنَ الرِّجَالِ (الْقُمُصَ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ قَمِيصٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَجَابَ بِمَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ لِأَنَّهُ مُنْحَصِرٌ (وَلَا الْعَمَائِمَ) : جَمْعُ الْعِمَامَةِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ (وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ) : جَمْعٌ أَوْ جَمْعُ الْجَمْعِ (وَلَا الْبَرَانِسَ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ النُّونِ جَمْعُ الْبُرْنُسِ بِضَمِّهِمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ قَلَنْسُوَةٌ طَوِيلَةٌ كَانَ يَلْبَسُهَا النُّسَّاكُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ، وَفِي النِّهَايَةِ: ثَوْبٌ يَكُونُ رَأْسُهُ مُلْتَزِقًا مِنْ جُبَّةٍ أَوْ ذِرَاعِهِ اهـ. وَالْمُرَادُ مُطْلَقُ الْقَلَنْسُوَةِ، وَكُلُّ مَا يُغَطِّي الرَّأْسَ إِلَّا مَا لَا يُعَدُّ مِنَ اللُّبْسِ عُرْفًا كَوَضْعِ الْإِجَّانَةِ، وَحَمْلِ الْعِدْلِ عَلَى الرَّأْسِ. (وَلَا الْخِفَافَ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ جَمْعُ خُفٍّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنْ لُبْسِ شَيْءٍ بِمَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. (إِلَّا أَحَدٌ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ وَاوِ الضَّمِيرِ ( «لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسُ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» ) : أَيِ: اللَّذَيْنِ وَسَطَ الْقَدَمَيْنِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ حَيْثُ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْكَعْبَيْنِ هُنَا الْمُرَادُ بِهِمَا فِي الْوُضُوءِ " وَلَا تَلْبَسُوا ": نُكْتَةُ الْإِعَادَةِ - وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ - اشْتِرَاكُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي هَذَا الْحُكْمِ إِمَّا عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيبِ أَوْ عَلَى التَّبَعِيَّةِ. (مِنَ الثِّيَابِ) : بَيَانٌ قُدِّمَ عَلَى الْمُبَيَّنِ هُوَ (شَيْئًا) : صِفَتُهُ (مَسَّهُ) : أَيْ: صَبَغَهُ (زَعْفَرَانٌ) : لِمَا فِيهِ مِنَ الطِّيبِ (وَلَا وَرْسٌ) : وَهُوَ نَبْتٌ أَصْفَرُ مُشَابِهٌ لِلزَّعْفَرَانِ يُصْبَغُ بِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ الْعُصْفُرُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: " وَلَا تَنْتَقِبُ) : نَفِيٌ أَوْ فِي مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ أَو الِافْتِعَالِ أَيْ: لَا تَسْتُرْ وَجْهَهَا بِالْبُرْقُعِ وَالنِّقَابِ (الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ) وَلَوْ سَدَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا شَيْئًا مُجَافِيًا جَازَ، وَتَغْطِيَةُ وَجْهِ الرَّجُلِ حَرَامٌ كَالْمَرْأَةِ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ ﵏ فِي رِوَايَةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ (وَلَا تَلْبَسْ) : بِالْوَجْهَيْنِ أَيِ: الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ (الْقُفَّازَيْنِ) : الْقُفَّازُ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَبِالزَّايِ، شَيْءٌ تَلْبَسُهُ نِسَاءُ الْعَرَبِ فِي أَيْدِيهِنَّ يُغَطِّي الْأَصَابِعَ وَالْكَفَّ وَالسَّاعِدَيْنِ مِنَ الْبَرْدِ، وَيَكُونُ فِيهِ قُطْنٌ مَحْشُوٌّ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقِيلَ: يَكُونُ لَهُ أَزْرَارٌ يُزَرُّ عَلَى السَّاعِدِ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَخْرَجَ السِّتَّةُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ؟ قَالَ: (لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ
стр. 3829
أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ فَيَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ، فَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ (الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ» ) . زَادُوا إِلَّا مُسْلِمًا وَابْنَ مَاجَهْ: " «وَلَا تَنْتَقِبِ " الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ» قِيلَ: قَوْلُهُ: وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ إِلَى آخِرِهِ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَدُفِعَ بِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى الِاخْتِلَافِ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ مَوْقُوفًا، لَكِنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ، إِذْ قَدْ يُفْتِي الرَّاوِي بِمَا يَرْوِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْنِدَهُ أَحْيَانًا، مَعَ أَنَّ هُنَا قَرِينَةً عَلَى الرَّفْعِ، وَهِيَ أَنَّهُ وَرَدَ إِفْرَادُ النَّهْيِ عَنِ النِّقَابِ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» ". وَلِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنْهُمَا فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ. أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ الْمَذْكُورِ وَإِبَاحَةِ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ ; هِيَ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّرَفُّهِ وَيَتَّصِفَ بِصِفَةِ الْخَاشِعِ الذَّلِيلِ، وَلِيَكُونَ عَلَى ذِكْرِهِ دَائِمًا أَنَّهُ مُحَرِمٌ، فَيُكْثِرُ الدُّعَاءَ، وَلَا يَفْتُرُ عَنِ الْأَذْكَارِ، وَيَصُونُ نَفْسَهَ عَنِ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ، وَلِيَتَذَكَّرْ بِهِ الْمَوْتَ وَلُبْسَ الْأَكْفَاءِ، وَالْبَعْثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ، وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ التَّنَعُّمِ وَزِينَةِ الدُّنْيَا وَمَلَاذِّهَا، إِذِ الْحَاجُّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ، وَأَنْ يَجْمَعَ هَمَّهُ لِمَقَاصِدِ الْآخِرَةِ، وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ الصَّيْدِ تَعْظِيمُ بَيْتِ اللَّهِ وَحُرْمَةُ مَنْ قَتَلَ صَيْدَهَ وَقَطَعَ شَجَرَهُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ قَالَ أَحْمَدُ: يَجُوزُ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ بِحَالِهِمَا، وَلَا يَجِبُ قَطْعُهُمَا إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَزْعُمُونَ نَسْخَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُصَرِّحِ بِقَطْعِهِمَا، وَزَعَمُوا إِلَى قَطْعِهِمَا إِضَاعَةَ مَالٍ، وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَجُوزُ لُبْسُهُمَا إِلَّا بَعْدَ قَطْعِهِمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مُقَيَّدٌ، وَالْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ إِضَاعَةُ مَالٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ الْإِضَاعَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ، وَأَمَّا مَا أُمِرَ بِهِ فَلَيْسَ بِإِضَاعَةٍ، بَلْ حَقٌّ يَجِبُ الْإِذْعَانُ لَهُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي لَابِسِ الْخُفَّيْنِ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵏ وَمَنْ وَافَقَهُمَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بِهِ فِيهِ لِبَيَّنَهَا ﵊. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ﵏: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَمَا إِذَا احْتَاجَ إِلَى حَلْقِ الرَّأْسِ فَيَحْلِقُهُ وَيَفْدِي، وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ مِنَ التَّحْقِيقِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. ثُمَّ نَحْوَ الْهَوْدَجِ إِنْ مَسَّ الرَّأْسَ فَمَحْظُورٌ وَإِلَّا فَلَا. وَكَذَا أَسْتَارُ الْكَعْبَةِ وَسَقْفُ الْخَيْمَةِ.
وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ أَنَّ عُمَرَ ﵁، مَا ضَرَبَ فُسْطَاطًا فِي سَفَرِ حَجِّهِ، وَعَنِ ابْنِهِ أَنَّهُ أَمَرَ مَنِ اسْتَظَلَّ عَلَى بَعِيرٍ بِأَنْ يَبْرُزَ لِلشَّمْسِ، وَعَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: " «مَا مِنْ مُحْرِمٍ يَضْحَى لِلشَّمْسِ حَتَّى تَغْرُبَ إِلَّا غَرَبَتْ بِذُنُوبِهِ حَتَّى يَعُودَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» "، فَلَا مُتَمَسِّكَ فِي ذَلِكَ لِمَنْعِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ الِاسْتِظْلَالَ، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ جُلُوسِهِ فِي خَيْمَةٍ وَتَحْتَ سَقْفٍ، وَلِأَنَّ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ لَا نَهْيَ فِيهِ، أَوْ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ، وَالْخَبَرُ ضَعِيفٌ مَعَ أَنَّهُ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: عَلَى أَنَّ خَبَرَ مُسْلِمٍ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ مَا خَالَفَهُ، وَهُوَ «أَنَّهُ ﵊ سُتِرَ بِثَوْبٍ مِنَ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» ، فَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ صَرَاحَةً أَنَّهُ كَانَ حَالَ إِحْرَامِهِ، وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ.
стр. 3830
٢٦٧٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: " إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُحْرِمُ نَعْلَيْنِ لَبَسَ خُفَّيْنِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا لَبَسَ سَرَاوِيلَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٦٧٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: " إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُحْرِمُ نَعْلَيْنِ لَبَسَ الْخُفَّيْنِ» ) : أَيْ: بَعْدَ قَطْعِهِمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ " «وَإِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا لَبَسَ سَرَاوِيلَ» ": وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَيْسَ لَهُ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ، فَقِيلَ: يَشُقُّهُ وَيَأْتَزِرُ بِهِ وَلَوْ لَبَسَهُ مِنْ غَيْرِ فَتْقٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: يَجُوزُ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ مِنْ غَيْرِ فَتْقٍ عِنْدَ عَدَمِ الْإِزَارِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ لُزُومِ الدَّمِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ ارْتِكَابُ الْمَحْظُورِ لِلضَّرُورَةِ مَعَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، كَالْحَالِقِ لِلْأَذَى، وَلُبْسِ الْمَخِيطِ لِلْعُذْرِ، وَقَدْ صَرَّحَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ فِي الْآثَارِ بِإِبَاحَةِ ذَلِكَ مَعَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ. فَقَالَ بَعْدَ مَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَنَحْوَهُ: ذَهَبَ إِلَى هَذِهِ الْآثَارِ قَوْمٌ فَقَالُوا: مَنْ لَمْ يَجِدْهُمَا لَبَسَهُمَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: أَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ لُبْسِ الْمُحْرِمِ الْخُفَّيْنِ وَالسَّرَاوِيلِ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ، فَنَحْنُ نَقُولُ ذَلِكَ، وَنُبِيحُ لَهُ لُبْسَهُ لِلضَّرُورَةِ الَّتِي هِيَ بِهِ وَلَكِنْ نُوجِبُ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ
стр. 3831
الْكَفَّارَةَ، وَلَيْسَ فِيمَا رَأَيْتُمُوهُ نَفْيٌ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَلَا فِيهِ وَلَا فِي قَوْلِنَا خِلَافُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّا لَمْ نَقُلْ: لَا يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، وَلَا السَّرَاوِيلَ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَلَوْ قُلْنَا ذَلِكَ كُنَّا مُخَالِفِينَ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ قَدْ أَبَحْنَا لَهُ اللِّبَاسَ، كَمَا أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْكَفَّارَةَ بِالدَّلَائِلِ الْقَائِمَةِ الْمُوجِبَةِ لِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَبَ هَذَا أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ﵏ تَعَالَى - اهـ.
وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ جَمَاعَةَ: وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ الْخُفَّيْنِ مِنَ الْكَعْبَيْنِ وَلَبَسَهُمَا وَلَا فِدْيَةَ عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ اهـ، وَأَغْرَبَ الطَّبَرَيُّ، وَالنَّوَوِيُّ، وَالْقُرْطُبِيُّ، وَابْنُ حَجَرٍ ﵏، فَحَكَوْا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ إِذَا لَبَسَ الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْقَطْعِ عِنْدَ عَدَمِ النَّعْلَيْنِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، بَلْ قَالَ فِي مَطْلَبِ الْفَائِقِ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَيْسَ لَهَا وُجُودٌ فِي الْمَذْهَبِ بَلْ هِيَ مُنْتَقَدَةٌ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فَتْقُ السَّرَاوِيلِ، حَتَّى يَصِيرَ غَيْرَ مَخِيطٍ كَمَا قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ قِيَاسًا عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَأَمَّا اعْتِرَاضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ فِيهِ إِضَاعَةَ مَالٍ فَمَرْدُودٌ بِمَا تَقَدَّمَ، نَعَمْ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ بَعْدَ الْفَتْقِ لَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ مِنْ غَيْرِ فَتْقٍ، بَلْ هُوَ مُتَعَيِّنٌ وَاجِبٌ إِلَّا أَنَّهُ يَفْدِي، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ: امْتِنَاعُ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ عَلَى هَيْئَتِهِ مُطْلَقًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ عَنْهُمَا.
стр. 3832
٢٦٨٠ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵄ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ، وَهَذِهِ عَلَيَّ. فَقَالَ: " أَمَا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٦٨٠ - (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ عَلَى الصَّحِيحِ، مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ مِنْ حُدُودِ الْحَرَمِ، أَحْرَمَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ لِلْعُمْرَةِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّنْعِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ الْقَوْلِيَّ أَقْوَى عِنْدَهُ، لِأَنَّ الْقَوْلَ لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ قَصْدِهِ، وَالْفِعْلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اتِّفَاقِيًّا لَا قَصْدِيًّا، وَقَدْ أَمَرَ ﷺ عَائِشَةَ ﵂ أَنْ تَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيمِ، وَهُوَ أَقْرَبُ الْمَوَاضِعِ مِنَ الْحَرَمِ. (إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ) : مَنْسُوبٌ إِلَى الْأَعْرَابِ، وَهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ، أَيْ بَدَوِيٌّ (عَلَيْهِ جُبَّةٌ) : ثَوْبٌ مَعْرُوفٌ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: جُبَّةُ الْبَرْدِ، جَنَّةُ الْبَرْدِ. (وَهُوَ) : أَيِ الرَّجُلُ (مُتَمَضِّحٌ بِالْخَلُوقِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ يُتَّخَذُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ حَتَّى كَادَ يَتَقَاطَرَ الطِّيبُ مِنْ بَدَنِهِ، ( «فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ وَهَذِهِ» ) : أَيْ: الْجُبَّةُ (عَلَيَّ. فَقَالَ: " أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ) : أَيْ: لُصِقَ بِبَدَنِكَ مِنَ الْجُبَّةِ ( «فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا» ) : بِكَسْرِ الزَّايِ أَيِ: اقْلَعْهَا فَوْرًا وَأَخْرِجْهَا، ذِكْرُ الثَّلَاثِ إِنَّمَا هُوَ لِتَوَقُّفِ إِزَالَةِ الْخَلُوقِ عَلَيْهَا غَالِبًا، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ إِزَالَةُ الْعَيْنِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبَسَ جَاهِلًا فِدْيَةٌ عَلَيْهِ، إِذْ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا، وَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ فِي قَوْلِهِ ﵊: " فَانْزِعْهَا " رَدٌّ لِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ فِي قَمِيصٍ أَوْ جُبَّةٍ مُزِّقَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا اعْتِذَارُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀ بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْمُتَعَمَّدِ لِتَعَدِّيهِ، وَالَّذِي فِي الْخَبَرِ فِي جَاهِلٍ مَعْذُورٍ فَلَا يَصِحُّ، إِذِ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. ( «ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ» ) وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّاءِ أَيِ اجْتَنِبْ فِي الْعُمْرَةِ مَا تَجْتَنِبُ مِنْهُ فِي الْحَجِّ، أَوِ افْعَلِ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَالْحَلْقَ، وَبِالْجُمْلَةِ الْأَفْعَالَ الْمُشْتَرِكَةَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَفْعَلُهَا فِي الْحَجِّ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ عَالِمًا بِصِفَةِ الْحَجِّ دُونَ الْعُمْرَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ وَالْمُرَادُ بِالتَّشْبِيهِ زِيَادَةُ الْإِفَادَةِ، وَأَنْ يَجْتَنِبَ فِي إِحْرَامِ الْحَجِّ مَا يَجْتَنِبُ فِي الْعُمْرَةِ، لِأَنَّ التَّشْبِيهَ قَدْ يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الِاشْتِرَاكِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى إِذَا كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُخَاطَبِ، وَمِنْهُ عِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: يَغْسِلُ فَمَهُ بِمِيَاهٍ كَأَنْفِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَأَمَّا الِاكْتِحَالُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ ; فَإِنْ كَانَ لِلزِّينَةِ فَمَكْرُوهٌ وَمَنَعَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلَانِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ إِذَا ارْتُكِبَتْ عَمْدًا يَجِبُ فِيهَا الْفِدْيَةُ إِجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا فَلَا يَلْزَمُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ ﵏ وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ ﵏ وَمَنْ تَبِعَهُمَا.
стр. 3833
٢٦٨١ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٦٨١ - (وَعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَنْكِحِ الْمُحْرِمُ» ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَتَحْرِيكِ الْحَاءِ بِالْكَسْرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ مِنَ النُّسَخِ، أَيْ: لَا يَتَزَوَّجُ لِنَفْسِهِ امْرَأَةً مِنْ نَكَحَ (وَلَا يُنْكَحْ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ مَجْزُومًا، أَيْ: لَا يُزَوَّجُ الرَّجُلُ امْرَأَةً إِمَّا بِالْوِلَايَةِ أَوْ بِالْوِكَالَةِ مِنْ أَنْكَحَ (وَلَا يَخْطُبْ) : بِضَمِّ الطَّاءِ مِنَ الْخِطْبَةِ بِكَسْرِ الْخَاءِ، أَيْ: لَا يَطْلُبُ امْرَأَةً لِنِكَاحٍ، وَرَوَى الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثَ بِالنَّفْيِ وَالنَّهْيِ، وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهَا عَلَى صِيغَةِ النَّهْيِ أَصَحُّ عَلَى أَنَّ النَّفْيَ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَيْضًا، بَلْ أَبْلَغُ، وَالْأَوَّلَانِ لِلتَّحْرِيمِ، وَالثَّالِثُ لِلتَّنْزِيهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ وَلَا إِنْكَاحُهُ عِنْدَهُ، وَالْكُلُّ لِلتَّنْزِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيُّ. زَادَ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ: وَلَا يَخْطُبُ. وَزَادَ ابْنُ حَبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَلَا يَخْطُبْ عَلَيْهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأَبُو عِيسَى، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي كُتُبِهِمْ، وَالَّذِي وَجَدْنَاهُ الْأَكْثَرُ فِيمَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْإِثْبَاتُ، وَهُوَ الرَّفْعُ فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ.
стр. 3834
٢٦٨٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٦٨٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) : وَهِيَ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ، وَكَانَتْ أُخْتُهَا أَمُّ الْفَضْلِ لُبَابَةُ الْكُبْرَى تَحْتَ الْعَبَّاسِ، وَأُخْتُهَا لِأُمِّهَا أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ تَحْتَ جَعْفَرٍ، وَسَلْمَى بِنْتُ عُمَيْسٍ تَحْتَ حَمْزَةَ، وَكَانَتْ جَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْعَبَّاسِ، فَأَنْكَحَهَا النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَمَّا رَجَعَ بَنَى بِهَا بِسَرِفَ حَلَالًا.
وَمِنْ غَرِيبِ التَّارِيخِ أَنَّهَا دُفِنَتْ بِسَرِفَ أَيْضًا، وَهُوَ مِنَ الْمَشَاهِدِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ قَرِيبَ مَكَّةَ دُونَ الْوَادِي الْمَشْهُورِ بِوَادِي فَاطِمَةَ. قَالَ الطَّبَرَيُّ: وَهُوَ عَلَى عَشْرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ: وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَمَاتَتْ بِسَرِفَ، وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: وَهُوَ مُحْرِمٌ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الْحَرَمِ ; فَفِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ، وَلَيْسَ نَظِيرُهُ
قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا
. أَيْ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ، لِأَنَّ الصَّارِفَ عَنِ الْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ ظَاهِرٌ، مَعَ احْتِمَالِ تَحَقُّقِهِ ; لِيَنَالَ ثَوَابَ الْمُتَلَبِّسِ بِالنُّسُكِ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَخَاتِمَةِ أَمْرِهِ، عَلَى أَنَّهُ لَا حَرْفَ لِلْمَدِينَةِ عِنْدَنَا فِي مَعْنَى حَرَمِ مَكَّةَ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ، مَعَ أَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الْحَرَمِ بَلْ كَانَ ثَابِتًا فِيهِ، نَعَمْ لَوْ أُوِّلَ بِمُرِيدِ الْإِحْرَامِ كَانَ لَهُ وَجْهٌ، إِلَّا أَنَّهُ يَرُدُّهُ مَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ بَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ.
стр. 3835
٢٦٨٣ - وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، ابْنِ أُخْتِ مَيْمُونَةَ «عَنْ مَيْمُونَةَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِ السُّنَّةِ ﵀: وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، وَظَهَرَ أَمْرُ تَزْوِيجِهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ بِسَرِفَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ.
ــ
٢٦٨٣ - (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، ابْنِ أُخْتِ مَيْمُونَةَ، عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا) : أَيْ: دَخَلَ بِهِمَا أَوْ أَظْهَرَ زَوَاجَهَا (وَهُوَ حَلَالٌ) أَيْ غَيْرُ مُحْرِمٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَالَّذِي قَبْلَهُ فِي نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ، وَاعْتَمَدُوا عَلَى أَحَادِيثَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ: يَصِحُّ نِكَاحُهُ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ.
(قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ) : أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ ﵀ (الْأَكْثَرُونَ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ، يَعْنِي الْأَئِمَّةَ الثَّلَاثَةَ وَأَتْبَاعَهُمْ (عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا وَظَهَرَ أَمْرُ تَزْوِيجِهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ ثُمَّ بَنَى) : أَيْ دَخَلَ بِهَا (وَهُوَ حَلَالٌ بِسَرِفَ) : عَلَى وَزْنِ كَتِفٍ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، وَقِيلَ مُنْصَرِفٌ (فِي طَرِيقِ مَكَّةَ) : أَيْ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ عُمْرَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: حَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ لَمْ يَقْوَ قُوَّةَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، فَإِنَّهُ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السِّتَّةُ، وَحَدِيثُ زَيْدٍ: لَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيُّ وَلَا النَّسَائِيُّ، وَأَيْضًا لَا يُقَاوَمُ بِابْنِ عَبَّاسٍ حِفْظًا وَاتِّفَاقًا، وَلِذَا قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ لِلزُّهْرِيِّ: وَمَا يُدْرِي ابْنُ الْأَصَمِّ أَعْرَابِيُّ كَذَا وَكَذَا بِشَيْءٍ. قَالَ: أَتَجْعَلُهُ مِثْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
стр. 3836
وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولُ بَيْنَهُمَا، لَمْ يُخَرَّجْ فِي وَاحِدٍ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ، وَإِنْ رُوِيَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حَبَّانَ، فَلَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الصِّحَّةِ، وَلِذَا لَمْ يَقُلِ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ سِوَى: حَدِيثٌ حَسَنٌ. قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ غَيْرَ حَمَّادٍ عَنْ مُطَرِّفٍ، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، فَمُنْكَرٌ عَنْهُ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِ بَعْدَ مَا اشْتُهِرَ إِلَى أَنْ كَادَ أَنْ يَبْلُغَ الْيَقِينَ عَنْهُ فِي خِلَافِهِ، وَلِذَا بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ ذَلِكَ عَارَضَهُ بِأَنْ أَخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ طَرِيقًا. أَنَّهُ «تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ» ، وَفِي لَفْظٍ: «وَهُمَا مُحْرِمَانِ» . وَقَالَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ قَامَ رُكْنُ الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثَيْ عُثْمَانَ وَابْنِ الْأَصَمِّ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَقْوَى مِنْهُمَا سَنَدًا، فَإِنْ رَجَّحْنَا بِاعْتِبَارِهِ كَانَ التَّرْجِيحُ مَعْنًى أَوْ بِقُوَّةِ ضَبْطِ الرُّوَاةِ وَفِقْهِهِمْ، فَإِنَّ الرُّوَاةَ عَنْ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ لَيْسُوا كَمَنْ رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَلِكَ فِقْهًا وَضَبْطًا، كَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ﵏ فَكَذَلِكَ وَإِنْ تَرَكْنَاهَا أَيِ الْأَدِلَّةَ تَسَاقَطَ لِلتَّعَارُضِ وَصِرْنَا إِلَى الْقِيَاسِ، فَهُوَ مَعْنِيٌّ لِأَنَّهُ عَقْدٌ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الَّتِي يُتَلَفَّظُ بِهِمَا مِنْ شِرَاءِ الْأُمَّةِ لِلتَّسَرِّي وَغَيْرِهِ، وَلَا يَمْنَعُ شَيْءٌ مِنَ الْعُقُودِ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ، وَلَوْ حُرِّمَ لَكَانَ غَايَتُهُ أَنْ يَنْزِلَ مَنْزِلَةَ نَفْسِ الْوَطْءِ وَأَثَرِهِ فِي فَسَادِ الْحَجِّ، لَا فِي بُطْلَانِ الْعَقْدِ نَفْسِهِ، وَإِنْ رَجَّحْنَا مِنْ حَيْثُ الْمَتْنِ كَانَ مَعْنِيٌّ لِأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ نَافِيَةٌ، وَرِوَايَةُ يَزِيدَ مُثْبِتَةٌ لِمَا عُرِفَ، وَأَنَّ الْمُثْبِتَ هُوَ الَّذِي يُثْبِتُ أَمْرًا عَارِضًا عَلَى الْحَالَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْحَلُّ طَارِئٌ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَالنَّافِي هُوَ أَرْجَحُ لِمَنْعِهَا لِأَنَّهُ يَنْفِي طَرُوَ طَارِئٍ، وَلَا يَشُكُّ أَنَّ الْإِحْرَامَ أَصْلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَلِّ الطَّارِئِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَهُ كَيْفِيَّاتٌ خَاصَّةٌ مِنَ التَّجَرُّدِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، فَكَانَ نَفْيًا مِنْ جِنْسِ مَا يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ، فَيُعَارَضُ الْإِثْبَاتُ وَيُرَجَّحُ بِخَارِجٍ، وَهُوَ زِيَادَةُ قُوَّةِ السَّنَدِ، وَفِقْهُ الرَّاوِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَلِّ اللَّاحِقِ، وَأَمَّا عَلَى إِرَادَةِ الْحَلِّ السَّابِقِ عَلَى الْإِحْرَامِ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ ﷺ بَعَثَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَزَوَّجَاهُ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، كَذَا فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِلْمُسْتَغْفَرِيِّ، فَابْنُ عَبَّاسٍ مُثْبِتٌ وَيَزِيدُ نَافٍ، وَيُرَجَّحُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِذَاتِ الْمَتْنِ لِتَرَجُّحِ الْمُثْبِتِ عَلَى النَّافِي، وَإِنْ وُفِّقْنَا لِدَفْعِ التَّعَارُضِ ; فَيَحْمِلُ لَفْظَ التَّزَوُّجِ فِي حَدِيثِ ابْنِ الْأَصَمِّ عَلَى الْبِنَاءِ بِهَا مَجَازٌ بِعَلَاقَةِ السَّبَبِيَّةِ الْعَادِيَّةِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ ﷺ : " «لَا يَنْكِحِ الْمُحْرِمُ» " إِمَّا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَالنِّكَاحِ الْوَطْءِ.
وَالْمُرَادُ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ التَّمْكِينُ مِنَ الْوَطْءِ، وَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الشَّخْصِ، أَيْ: لَا تُمَكِّنُ الْمُحْرِمَةُ مِنَ الْوَطْءِ زَوْجَهَا، أَوْ عَلَى نَهْيِ الْكَرَاهَةِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلَائِلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ فِي شُغُلٍ عَنْ مُبَاشَرَةِ عُقُودِ الْأَنْكِحَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ شَغْلَ قَلْبِهِ عَنِ الْإِحْسَانِ فِي الْعِبَادَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ خِطْبَةِ مُرَاوِدَاتٍ وَدَعْوَةٍ وَاجْتِمَاعَاتٍ، وَيَتَضَمَّنُ تَنْبِيهَ النَّفْسِ لِطَلَبِ الْجِمَاعِ، وَهَذَا مَحْمَلُ قَوْلِهِ: (وَلَا يَخْطُبْ) وَلَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ ﷺ بَاشَرَ الْمَكْرُوهَ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: الْكَرَاهَةُ هُوَ ﵊ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، وَلَا بَعْدُ لِاخْتِلَافِ حُكْمٍ فِي حَقِّهِ وَحَقِّنَا لِاخْتِلَافِ الْمَنَاطِ فِيهِ وَفِينَا، كَالْوِصَالِ نَهَانَا عَنْهُ وَفَعَلَهُ اهـ. كَلَامُ الْمُحَقِّقِ مُخْتَصَرًا.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ فِعْلِهِ ﷺ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، بَلْ هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ - وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِإِرْسَالِ جَمَاعَةٍ إِلَى أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ لِيَحْضُرَ نِكَاحَ مُحْرِمَيْنِ فَامْتَنَعَ، وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ، فَسَكَتُوا عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ قَاطِعَةٍ، وَكَذَا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَأَجْمَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا.
стр. 3837
٢٦٨٤ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٦٨٤ - (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ) : يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ غَسْلُ رَأْسِهِ بِحَيْثُ لَا يَنْتِفُ شَعْرًا بِلَا خِلَافٍ، أَمَّا لَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ، فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَقَالَا: صَدَقَةُ: لَوْ غَسَلَ بِأُشْنَانٍ فِيهِ طِيبٌ، فَإِنْ كَانَ مَنْ رَآهُ سَمَّاهُ أُشْنَانًا فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَإِنْ سَمَّاهُ طِيبًا فَعَلَيْهِ الدَّمُ، كَذَا فِي قَاضِي خَانَ. وَلَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بِالْحُرْضِ وَالصَّابُونِ وَالسِّدْرِ وَنَحْوِهِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي رِوَايَةٍ «كَانَ يَغْتَسِلُ وَهُوَ مُحْرِمٌ» . وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ أَنَّهُ دَخَلَ حَمَّامًا بِالْجُحْفَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَقَالَ: مَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِأَوْسَاخِنَا شَيْئًا، يَعْنِي: فَلَيْسَ فِيهِ فِدْيَةٌ، فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَالِكٍ أَنَّ فِي إِزَالَةِ الْوَسَخِ صَدَقَةٌ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْصِدَ بِغَسْلِهِ إِزَالَةَ الْوَسَخِ لِقَوْلِهِ ﵊: " «الْمُحْرِمُ أَشْعَثُ أَغْبَرُ» ".
стр. 3838
٢٦٨٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٦٨٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: رَخَّصَ الْجُمْهُورُ فِي الْحِجَامَةِ إِذَا لَمْ يَقْطَعْ شَعْرًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنِ الْمُحْرِمِ أَيَحُكُّ جَسَدَهُ؟ قَالَتْ: فَلْيَحُكَّ وَلْيُسَدِّدْ.
стр. 3839
٢٦٨٦ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁، حَدَّثَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّجُلِ إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ ضَمَّدَهَا بِالصَّبِرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٦٨٦ - (وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁، حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الرَّجُلِ) : أَيْ فِي حَقِّهِ وَشَأْنِهِ، وَكَذَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ (إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ) : أَيْ: حِينَ شَكَا وَجَعَهُمَا أَوْ ضَعْفَ نَظَرِهِمَا (وَهُوَ مُحْرِمٌ ضَمَّدَهَا) : بِصِيغَةِ الْمَاضِي مُشَدَّدًا، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْأَمْرِ لِلْإِبَاحَةِ (بِالصَّبْرِ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَهُوَ دَوَاءٌ مَعْرُوفٌ، أَيِ: اكْتَحَلَ عَيْنَيْهِ بِالصَّبْرِ كَذَا فَسَّرُوا التَّضْمِيدَ، وَأَوْرَدَ فِي تَاجِ الْمَصَادِرِ فِي بَابِ التَّفْعِيلِ فِي الْحَدِيثِ ضَمَّدَ عَيْنَيْهِ أَيْ: وَضَعَ عَلَيْهِمَا الدَّوَاءَ. قَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ: هُوَ شَيْءٌ أَحْمَرُ يُجْعَلُ فِي الْعَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْكُحْلِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الصَّبْرُ كَكَتِفٍ وَلَا يُسَكَّنُ إِلَّا فَضَرُورَةُ شِعْرٍ، عُصَارَةُ شَجَرٍ، مَنْ ضَمَّدَ الْجُرْحَ يُضَمِّدُهُ، وَضَمَّدَهُ شَدَّهُ بِالضِّمَادِ وَهِيَ الْعِصَابَةُ كَالضِّمَادِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَصْلُ الضَّمْدِ الشَّدُّ، يُقَالُ: ضَمَّدَ رَأْسَهُ وَجَرَحَهُ إِذَا شَدَّهُ بِالضِّمَادِ، وَهُوَ خِرْقَةٌ يُشَدُّ بِهَا الْعُضْوُ الْمَأْفُوفُ أَيِ الْمُصَابُ بِالْآفَةِ، ثُمَّ قِيلَ: لِوَضْعِ الدَّوَاءِ عَلَى الْجُرْحِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُشَدَّ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ إِنِ اكْتَحَلَ الْمُحْرِمُ بِكُحْلٍ فِيهِ طِيبٌ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَلَوِ اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ عَصَبَ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهِ سِوَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُكْرَهُ، وَأَمَّا لَوْ غَطَّى رُبُعَ رَأْسِهِ أَوْ وَجْهِهِ فَصَاعِدًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَفِي أَقَلَّ مِنَ الرُّبُعِ صَدَقَةٌ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: فِي الْإِثْمِدِ وَالْكُحْلِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ زِينَةٌ، نَحْنُ نَكْرَهُهُ وَلَا نُحَرِّمُهُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ ﵏ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى حِلِّهِ حَيْثُ لَا طِيبَ فِيهِ، وَأَمَّا الْحِنَّاءُ فَهُوَ طِيبٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا. وَرُوِيَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ يَخْتَضِبْنَ بِالْحِنَّاءِ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ، أَيْ: مُرِيدَاتٌ لِلْإِحْرَامِ.
стр. 3840
٢٦٨٧ - «وَعَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلَالًا، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ، يَسْتُرُهُ فِي الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٦٨٧ - (وَعَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ، قَالَتْ: رَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلَالًا، وَأَحَدَهُمَا) : أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ أَحَدَهُمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِلَالٌ (آخِذٌ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : وَالْخِطَامُ بِكَسْرِ الْخَاءِ بِمَعْنَى الزِّمَامِ وَالْمِهَارُ كَكِتَابٍ (وَالْآخَرُ) : وَهُوَ أُسَامَةُ (رَافِعٌ) : بِالتَّنْوِينِ (ثَوْبَهُ) : أَيْ ثَوْبًا فِي يَدِهِ (يَسْتُرُهُ) : أَيْ: يُظِلُّهُ بِثَوْبٍ مُرْتَفِعٍ عَنْ رَأْسِهِ، بِحَيْثُ لَمْ يَصِلِ الثَّوْبُ إِلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (مِنَ الْحَرِّ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِظْلَالِ لِلْمُحْرِمِ، وَفِيهِ أَنَّ دَلَالَتَهُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ، وَقَوْلُهُ (حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) : نَصًّا فِي كَوْنِهِ أَوَّلَ أَيَّامٍ، فَالْأَوْلَى لِلِاسْتِدْلَالِ الِاسْتِظْلَالُ بِالْقُبَّةِ الْمَضْرُوبَةِ فِي عَرَفَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3841
٢٦٨٨ - «وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهِ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، وَالْقَمْلُ تَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: " أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ " قَالَ: نَعَمْ قَالَ: " فَاحْلِقْ رَأْسَكَ وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ - وَالْفَرَقُ: ثَلَاثَةُ آصُعٍ - " أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٦٨٨ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْجِيمِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهِ) : فِيهِ تَجْرِيدٌ أَوِ الْتِفَاتٌ أَوْ نَقْلٌ بِالْمَعْنَى (وَهُوَ) أَيْ كَعْبٌ (بِالْحُدَيْبِيَةِ) : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ (قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ) : أَيْ: وَهُوَ يَتَوَقَّعُ دُخُولَهَا حِينَ لَمْ يَقَعْ مَنْعٌ عَنْ وُصُولِهَا (وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ يُوقِدُ) : مِنَ الْإِيقَادِ (تَحْتَ قِدْرٍ، وَالْقَمْلُ) : أَيْ: جِنُّهُ (تَتَهَافَتُ) : بِالتَّاءَيْنِ أَيْ: تَتَسَاقَطُ مِنْ رَأْسِهِ (عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ: ﷺ (أَيُؤْذِيكَ) : بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ (هَوَامُّكَ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ جَمْعُ هَامَّةٍ، وَهِيَ الدَّابَّةُ الَّتِي تَسِيرُ عَلَى السُّكُونِ كَالنَّمْلِ وَالْقَمْلِ (قَالَ) أَيْ: كَعْبٌ (نَعَمْ) : وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ هَوَامَّ الرَّأْسِ عُذْرٌ مَعَ أَنَّهَا لَا تُؤْذِي غَالِبًا، ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ. (قَالَ: فَاحْلِقْ رَأْسَكَ) : أَمَرَ أَمْرَ إِبَاحَةٍ (وَأَطْعِمْ) : وُجُوبٌ (فَرْقًا) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: بِالتَّحْرِيكِ مِكْيَالٌ يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ مُدًّا أَوْ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وَفِي الْمَفَاتِيحِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْمُحْدَثُونَ عَلَى السُّكُونِ، وَكَلَامُ الْعَرَبِ عَلَى التَّحْرِيكِ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْقُتَيْبِيُّ، فَقَالَ: الْفَرْقُ بِسُكُونِ الرَّاءِ مِنَ الْأَوَانِي وَالْمَقَادِيرِ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَبِالْفَتْحِ مِكْيَالٌ يَسَعُ ثَمَانِينَ رِطْلًا اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ مَا يَأْتِي فِي الْأَصْلِ.
(بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَلِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ صَاعٍ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ الْأَطْعِمَةِ. قُلْتُ: إِنَّهُ مُطْلَقٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْغَرْدِ الْأَكْمَلِ وَهُوَ الْبُرُّ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا. (وَالْفَرَقُ) : بِالتَّحْرِيكِ وَيُسَكَّنُ (ثَلَاثَةُ آصُعٍ) : كَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَشَرْحِ السُّنَّةِ. وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: أُصُوعٍ وَكِلَاهُمَا جَمْعُ أَصَاعٍ، أَوْ خَطَأَ مَنْ قَالَ: آصُعٍ لَحْنٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: صَحَّ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْقَلْبِ وَأَصْلُهُ أَصُوعُ اهـ. وَالْمُرَادُ بِالْقَلْبِ قَلْبُ الْمَكَانِيِّ بِأَنْ تَجْعَلَ الْوَاوَ مَكَانَ الصَّادِ، وَعَكْسُهُ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَةِ الْوَاوِ إِلَى الصَّادِ، ثُمَّ تُقْلَبُ الْوَاوُ أَلْفًا لِتَحَرُّكِهَا فِي الْأَصْلِ وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ جُمْلَةٌ مُعْتَرَضَةٌ. (أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً) أَيِ: اذْبَحْ ذَبِيحَةً، وَالْحَدِيثُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَأَوْ لِلتَّخْيِيرِ فِيهِمَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي رِوَايَةٍ: احْلِقْ ثُمَّ اذْبَحْ نُسُكًا، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ.
стр. 3842
الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٦٨٩ - «عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ، مُعَصْفَرٍ، أَوْ خَزٍّ، أَوْ حُلِيٍّ، أَوْ سَرَاوِيلَ، أَوْ قَمِيصٍ، أَوْ خُفٍّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٦٨٩ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ) : أَيْ: عَنْ لُبْسِهِمَا فِي أَيْدِيهِنَّ (وَالنِّقَابِ) : أَيْ: الْبُرْقُعِ فِي وُجُوهِهِنَّ بِحَيْثُ يَصِلُ إِلَى بَشْرَتِهِنَّ (وَمَا مَسَّ) أَيْ: وَعَمَّا صَبَغَهُ (الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: كَأَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَا تَلْبَسُ النِّسَاءُ الْقُفَّازَيْنِ وَلْتَلْبَسْ (بَعْدَ ذَلِكَ) : أَيْ ذَكَرَ (مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ) أَيْ: أَنْوَاعِهَا (مُعَصْفَرٍ) : بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ أَيِ الْمَصْبُوغِ بِالْعُصْفُرِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ، وَأَمَّا الْمَفْهُومُ مِنَ الْمَذْهَبِ، فَهُوَ الْعُمُومُ، فَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَالْوَالِجِيِ وَغَيْرِهِمَا، أَنَّهُ لَوْ لَبَسَ الْمُحْرِمُ مَصْبُوغًا بِعُصْفُرٍ أَوْ وَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ مُشَبَّعًا يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فَصَدَقَةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى مُعَصْفَرٍ مَغْسُولٍ لَا يُوجَدُ مِنْهُ رَائِحَةٌ، أَوْ يُفَسَّرُ الْمُعَصْفَرُ بِمَا يُصْبَغُ بِالطَّبْنِ الْأَرْمَنِيِّ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: الْعُصْفُرُ لَيْسَ بِطِيبٍ فَيُكَذِّبُهُ رِيحُهُ. (أَوْ خَزٍّ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ الْمُشَدَّدَةِ، ثَوْبٌ مِنْ إِبْرِيسِمٍ وَصُوفٍ، وَفِي الْمُغْرِبِ: الْخَزُّ اسْمُ دَابَّةٍ، سُمِّيَ الْمُتَّخَذُ مِنْ وَبَرِهَا خَزًّا (أَوْ حُلِيٍّ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، مَا يَلْبَسُهُ النِّسَاءُ مِنْ آلَاتِ الزِّينَةِ، كَالْخُرْصِ فِي الْأُذُنِ، وَالْحَجْلِ فِي الرِّجْلِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: جُعِلَ الْحُلِيُّ مِنَ الثِّيَابِ تَغْلِيبًا، أَوْ أُدْخِلَ فِي الثِّيَابِ مَجَازًا لِعَلَاقَةِ إِطْلَاقِ اللُّبْسِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢] (أَوْ سَرَاوِيلَ) : اخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ جَمْعٌ أَوْ مُفْرَدٌ (أَوْ قَمِيصٌ أَوْ خُفٌّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ ﵀: رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ مَا خَلَا ابْنَ إِسْحَاقَ اهـ. وَأَنْتَ عَلِمْتَ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ حُجَّةٌ - قَالَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، فَالْحَدِيثُ حَسَنٌ.
стр. 3843
٢٦٩٠ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا جَاوَزُوا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ» . رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مَعْنَاهُ.
ــ
٢٦٩٠ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانِ) : بِضَمِّ الرَّاءِ، جَمْعُ الرَّكْبِ (يَمُرُّونَ) : أَيْ: مَارِّينَ (بِنَا) : أَيْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ (وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمَاتٌ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ أَيْ: مَكْشُوفَاتُ الْوُجُوهِ (فَإِذَا جَاوَزُوا) : أَيْ: مَرُّوا (بِنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ: جَاوَزُونَا كَذَا كَتَبَهُ السَّيِّدُ عَلَى الْهَامِشِ، وَجَعَلَهُ ظَاهِرًا مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ مَعْنًى، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَقَعَ الْإِرْسَالُ حِينَ الْمُجَاوَزَةِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى الْمُرُورِ، وَلَكِنْ: لَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْأَظْهَرِيَّةِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إِذَا أَرَادُوا الْمُجَاوَزَةَ وَالْمُرُورَ بِنَا، وَكُتِبَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى كَذَلِكَ بِلَفْظِ حَاذَوْنَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَفِي نُسْخَةٍ: فَإِذَا جَاوَزْنَا، وَلَا وَجْهَ لَهُ أَصْلًا.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ فَإِذَا جَاوَزُوا بِنَا، هَكَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَفِي الْمَصَابِيحِ حَاذَوْنَا اهـ. وَهُوَ بِفَتْحِ الذَّالِ مِنَ الْمُحَاذَاةِ. بِمَعْنَى الْمُقَابَلَةِ، وَهُوَ أَظْهَرُ مَعْنًى مِنَ الْكُلِّ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. (سَدَلَتْ) : أَيْ أَرْسَلَتْ (إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا) : بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ بُرْقُعَهَا أَوْ طَرْفَ ثَوْبِهَا (مَنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا) : بِحَيْثُ لَمْ يَمَسُّ الْجِلْبَابُ بَشَرَةَ الْوَجْهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: سَدَلَتْ لَيْسَ هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَلَا لَفْظُ ابْنِ مَاجَهِ اهـ. فَكَأَنَّ لَفْظَهُمَا دُلَّتْ مِنَ التَّدْلِيَةِ كَمَا هُوَ لَفْظُ الْمَصَابِيحِ، فَتَكُونُ رِوَايَتُهُ بِالْمَعْنَى (فَإِذَا جَاوَزُونَا) : أَنْ تَعَدَّوا عَنَّا وَتَقَدَّمُوا عَلَيْنَا (كَشَفْنَاهُ) : أَيْ: أَزَلْنَا الْجِلْبَابَ، وَرَفَعْنَا النِّقَابَ، وَتَرَكْنَا الْحِجَابَ، وَلَوْ جُعِلَ الضَّمِيرُ إِلَى الْوَجْهِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ فَلَهُ وَجْهٌ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : أَيْ: بِهَذَا اللَّفْظِ (وَلِابْنِ مَاجَهْ مَعْنَاهُ) .
стр. 3844
٢٦٩١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ وَهُوَ مُحْرِمٌ غَيْرَ الْمُقَتَّتِ " يَعْنِي غَيْرَ الْمُطَيَّبِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٢٦٩١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدَّهِنُ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ (بِالزَّيْتِ وَهُوَ مُحْرِمٌ غَيْرِ الْمُقَتَّتِ) : بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْأُولَى حَالٌ مِنَ الزَّيْتِ أَوْ صِفَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ مَا يُطْبَخُ فِيهِ الرَّيَاحِينُ حَتَّى تُرِيحَهُ (يَعْنِي) : هُوَ كَلَامُ بَعْضِ الرُّوَاةِ يَعْنِي يُرِيدُ ابْنُ عُمَرَ بِغَيْرِ الْمُقَتَّتِ (غَيْرِ الْمُطَيَّبِ) : اعْلَمْ أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا ادَّهَنَ بِدُهْنٍ مُطَيَّبٍ كَدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ وَالْوَرْدِ وَسَائِرِ الْأَدْهَانِ الَّتِي فِيهَا الطِّيبُ عُضْوًا كَامِلًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنِ ادَّهَنَ بِزَيْتٍ أَوْ خَلٍّ وَهُوَ الشَّيْرَجُ، أَيْ: دُهْنُ السِّمْسِمِ غَيْرَ مَخْلُوطَيْنِ بِطِيبٍ وَأَكْثَرَ مِنْهُ ; فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَصَدَقَةٌ عِنْدَهُمَا، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا كَانَا خَالِصَيْنِ عَنِ الطِّيبِ غَيْرَ مَطْبُوخَيْنِ، أَمَّا الْمُطَيَّبُ مِنْهُ وَهُوَ مَا أُلْقِيَ فِيهِ الْأَنْوَارُ كَالْوَرْدِ وَنَحْوِهِ، فَيَجِبُ الدَّمُ بِاسْتِعْمَالِهِ اتِّفَاقًا، وَكَذَا إِذَا كَانَ الزَّيْتُ مَطْبُوخًا فَفِيهِ الدَّمُ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَيْضًا الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا اسْتَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِنِ اسْتَقَلَّ مِنْهُ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ اتِّفَاقًا، ثُمَّ هَذَا إِذَا اسْتَعْمَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّطَيُّبِ، وَإِنِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّدَاوِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 3845
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٦٩٢ - «عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَجَدَ الْقُرَّ، فَقَالَ: أَلْقِ عَلَيَّ ثَوْبًا يَا نَافِعُ ; فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ بُرْنُسًا. فَقَالَ: تُلْقِي عَلَيَّ هَذَا وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ» ؟ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٦٩٢ - (عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَجَدَ الْقُرَّ) : بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِهَا وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَيِ الْبَرَدَ مُطْلَقًا وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالشِّتَاءِ (فَقَالَ: أَلْقِ) : أَمْرٌ مِنَ الْإِلْقَاءِ، أَيِ: اطْرَحْ (عَلِيَّ ثَوْبًا يَا نَافِعُ ; فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ بُرْنُسًا) أَيْ: ثَوْبًا مُلْتَزِقَ الرَّأْسِ (فَقَالَ: تُلْقِي عَلِيَّ) : بِحَذْفِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ (هَذَا) : أَيِ: الثَّوْبَ الْمَخِيطَ (وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ) : فَجَعَلَ طَرْحَهُ عَلَيْهِ لُبْسًا، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ لُبْسُ الْمَخِيطِ، وَتَغْطِيَةُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ بِالْمَخِيطِ، وَغَيْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، وَالْمَخِيطُ هُوَ الْمَلْبُوسُ الْمَعْمُولُ عَلَى قَدْرِ الْبَدَنِ، أَوْ قَدْرِ عُضْوٍ مِنْهُ بِحَيْثُ يُحِيطُ بِهِ سَوَاءٌ بِخِيَاطَةٍ أَوْ نَسْجٍ أَوْ لَصْقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَتَفْسِيرُ لُبْسِ الْمَخِيطِ عَلَى وَجْهِ الْمُعْتَادِ أَنْ لَا يَحْتَاجَ فِي حِفْظِهِ إِلَى تَكَلُّفٍ عِنْدَ الِاشْتِغَالِ بِالْعَمَلِ، وَضِدُّهُ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلُبْسُ الْمَخِيطِ أَنْ يَجْعَلَ بِوَاسِطَةِ الْخِيَاطَةِ اشْتِمَالَهُ عَلَى الْبَدَنِ وَاسْتِمْسَاكَهُ، فَأَيُّهُمَا انْتَفَى لُبْسُ الْمَخِيطِ، فَإِنْ أَدْخَلَ مَنْكِبَيْهِ الْقَبَاءَ دُونَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ، أَوْ لَبَسَ الطَّيْلَسَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُزَرَّ عَلَيْهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ الِاسْتِمْسَاكِ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ زَرَّ الْقَبَاءَ أَوِ الطَّيْلَسَانَ يَوْمًا لَزِمَ دَمٌ لِحُصُولِ الِاسْتِمْسَاكِ بِالزَّرِّ مَعَ الِاشْتِمَالِ بِالْخِيَاطَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَقَدَ الرِّدَاءَ أَوْ شَدَّ الْإِزَارَ بِحَبَلٍ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ لِلتَّشَبُّهِ بِالْمَخِيطِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِانْتِفَاءِ الِاشْتِمَالِ بِوَاسِطَةِ الْخِيَاطَةِ اهـ.
وَلَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كَرِهَ ذَلِكَ لِلتَّشَبُّهِ بِالْمَخِيطِ، وَأَطْلَقَ اللُّبْسَ عَلَى الطَّرْحِ مَجَازًا، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَلْقَى عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ: غَطَّى رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ أَلْقَى هَذَا الْإِلْقَاءَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ ﷺ نَهَى الْمُحْرِمَ عَنْ سَتْرِ الرَّأْسِ وَتَغْطِيَتِهِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَنَقَلَ الْعِزُّ بْنُ جَمَاعَةَ عَنْ تَصْرِيحِ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَاقْتِضَاءُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَوْ بِزَوَالِ الْعُذْرِ يَجِبُ النَّزْعُ فَوْرًا.
стр. 3846
٢٦٩٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ قَالَ: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٦٩٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ نُونٌ بَعْدَهَا هَاءٌ ; اسْمُ أُمِّهِ، وَلِذَا كُتِبَتْ أَلِفٌ فِي ابْنِ بُحَيْنَةَ (قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاءِ، مَوْضِعٌ (مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ) : أَيْ: إِلَى الْمَدِينَةِ (فِي وَسَطِ رَأْسِهِ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَيُسَكَّنُ، وَهَذَا الِاحْتِجَامُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ إِزَالَةِ الشَّعْرِ، فَيُحْمَلُ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ - وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ: كَرَاهَةٌ الْحِجَامَةِ حَالَ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ قَطْعَ شَعْرٍ. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِيهَا الْفِدْيَةُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3847
٢٦٩٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٢٦٩٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ) : وَهَذَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ قَطْعِ الشَّعْرِ، فَلَا إِشْكَالَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالْعُذْرِ، ثُمَّ يُمْكِنُ تَعَدُّدُ الِاحْتِجَامِ فِي إِحْرَامٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي إِحْرَامَيْنِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ إِطْلَاقَ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ كَرَاهَتَهَا، وَكَذَا إِطْلَاقُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ فِيهَا الْفِدْيَةُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 3848
٢٦٩٥ - «وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
ــ
٢٦٩٥ - (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ) : مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ (قَالَ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَبَنَى بِهَا» ) : أَيْ: دَخَلَ عَلَيْهَا، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الزِّفَافِ (وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولُ) : أَيْ: الْوَاسِطَةُ (بَيْنَهُمَا) : تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنَ ابْنِ الْهُمَامِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) .
стр. 3849
[بَابُ الْمُحْرِمِ يَجْتَنِبُ الصَّيْدَ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٦٩٦ - «عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ﵁ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا. وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِيهِ وَجْهَهُ قَالَ: " إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[١٢] بَابُ الْمُحْرِمِ يَجْتَنِبُ الصَّيْدَ
يَجُوزُ سُكُونُهُ عَلَى الْوَقْفِ وَرَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هَذَا، وَيُحْتَمَلُ الْإِضَافَةُ (الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْدَ) : أَيِ: اصْطِيَادَهُ وَقَتْلَهُ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ، وَأَكْلُهُ وَإِنْ ذَكَّاهُ مُحْرِمٌ آخَرُ، وَالْمُرَادُ بِالصَّيْدِ حَيَوَانٌ مُتَوَحِّشٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ بِأَنْ كَانَ تَوَالُدُهُ وَتَنَاسُلُهُ فِي الْبَرِّ، أَمَّا صَيْدُ الْبَحْرِ، فَيَحِلُّ اصْطِيَادُهُ لِلْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ جَمِيعًا مَأْكُولًا أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] وَالْإِجْمَاعُ عَلَى هَذَا النَّصِّ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ فِي الْحَرَمِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ، ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ، وَأَمَّا صَيْدُ الْحَرَمِ فَلَا خُصُوصِيَّةَ لَهُ بِالْحَرَمِ، فَإِدْرَاجُ ابْنِ حَجَرٍ إِيَّاهُ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، ثُمَّ تَخَصُّصُهُ بِالْحَرَمِ الْمَكِّيِّ. وَقَوْلُهُ: وَقِيسَ لِمَكَّةَ بَاقِي الْحَرَمِ غَرِيبٌ جِدًّا - وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ - ثُمَّ الْبَرِّيُّ الْمَأْكُولُ حَرَامٌ اصْطِيَادُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْكُولِ فَقَسَمَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يَكُونُ مُؤْذِيًا طَبْعًا مُبْتَدِئًا بِالْأَذَى غَالِبًا، فَلِلْمُحْرِمِ أَنْ يَقْتُلَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ نَحْوُ: الْأَسَدِ، وَالذِّئْبِ، وَالنِّمِرِ، وَالْفَهْدِ. وَنَوْعٌ لَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى غَالِبًا، كَالضَّبْعِ وَالثَّعْلَبِ وَغَيْرِهِمَا، فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ إِنْ عَدَا عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ. وَقَالَ زُفَرُ: يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ وَإِنْ لَمْ يَعْدُ عَلَيْهِ لَا يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَهُ بِالْقَتْلِ، وَإِنْ قَتَلَهُ ابْتِدَاءً فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ عِنْدَنَا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٦٩٦ - (عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ) : بِتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ (أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا) : أَيْ:
стр. 3850
حَيًّا، وَقِيلَ: أَيْ بَعْضُهُ كَمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَاتٌ أُخَرُ لِمُسْلِمٍ، إِذْ فِي بَعْضِهَا لَحْمَهُ، وَفِي بَعْضِهَا عَجُزُهُ، وَفِي بَعْضِهَا رِجْلُهُ، وَفِي بَعْضِهَا شِقُّهُ، وَفِي بَعْضِهَا " عُضْوًا " مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ، فَرِوَايَةُ لَحْمِهِ أَيْ: بَعْضِهِ. وَرِجْلِهِ أَيْ مَعَ الْعَجُزِ، وَهُوَ الشِّقُّ الْمَذْكُورُ فِي الْأُخْرَى، وَرِوَايَةُ " عُضْوًا " هُوَ الرِّجْلُ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا، فَاجْتَمَعَتِ الرِّوَايَاتُ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَهْدَاهُ حَيًّا أَوَّلًا ثُمَّ أَهْدَى بَعْضَهُ مَذْبُوحًا، (وَهُوَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (بِالْأَبْوَاءِ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ; قَرْيَةٌ مِنْ عَمَلِ الْفَرْعِ عَلَى عَشْرَةِ فَرَاسِخَ مِنَ الْمَدِينَةِ، يَمُرُّ بِهَا سَالِكُ الطَّرِيقِ الْقَدِيمَةِ الشَّرْقِيَّةِ الَّتِي كَانَ ﵊ يَسْلُكُهَا، وَهِيَ غَيْرُ الْمَسْلُوكَةِ الْيَوْمَ، يَفْتَرِقَانِ قَرِيبَ الْجُحْفَةِ، وَيَجْتَمِعَانِ قُرْبَ الْمَدِينَةِ. (أَوْ بِوَدَّانَ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ قَرِيبَةٍ جَامِعَةٍ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْأَبْوَاءِ، وَهِيَ بَيْنَ الْأَبْوَاءِ وَالْجُحْفَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مَوْضِعَانِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، (فَرَدَّ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (عَلَيْهِ) : أَيْ: عَلَى الصَّعْبِ صَيْدَهُ، (فَلَمَّا رَأَى) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (مَا فِي وَجْهِهِ) : أَيْ: فِي وَجْهِ الصَّعْبِ مِنَ التَّغَيُّرِ النَّاشِئِ مِنْ أَثَرِ التَّأَذِّي مِنْ رَدِّهِ عَلَيْهِ الصَّيْدَ. (قَالَ) : أَيِ: اعْتِذَارًا وَتَسْلِيَةً لَهُ (إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ) : بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ وَضَمِّهَا أَيِ: الصَّيْدَ (عَلَيْكَ) : أَيْ: لِشَيْءٍ (إِلَّا أَنَّا) : أَيْ: لِأَنَّا (حُرُمٌ) : بِضَمَّتَيْنِ أَيْ مُحْرِمُونَ، وَالْحُرُمُ جَمْعُ حَارِمٍ وَهُوَ مِنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ الصَّيْدِ إِذَا كَانَ حَيًّا، وَإِنْ جَازَ لَهُ قَبُولُهُ لَحْمَةً، وَقِيلَ: الْمُهْدَى كَانَ لَحْمُ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْبَلْ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ صَيْدٌ لِأَجْلِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ ﵀ اهـ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ «أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ لَحْمَ حِمَارٍ» وَفِي لَفْظٍ: رِجْلَ حِمَارٍ، وَفِي لَفْظٍ: عَجُزَ حِمَارٍ، وَفِي لَفْظٍ: شِقَّ حِمَارٍ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي حُرْمَةَ أَكَلِ الْمُحْرِمِ لَحْمَ الصَّيْدِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ صِيدَ لَهُ أَوْ بِأَمْرِهِ أَمْ لَا. وَهُوَ مَذْهَبٌ نُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ عَلَيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مَذْهَبُنَا مَذْهَبُ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَعَائِشَةَ ﵂ أَخْرَجَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٌ، وَالثَّوْرِيُّ ﵏، لَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ مِمَّا يَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَحْرُمُ، وَيَكُونُ مَيْتَةً إِنْ صَادَهُ أَوْ صِيدَ لَهُ، أَوْ دَلَّ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ. قَالُوا: وَزَعَمَ أَنَّ حَدِيثَ الصَّعْبِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَيَكُونُ نَاسِخًا لِحَدِيثِ أَنَّ قَتَادَةَ الْآتِي غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ شَرْطَ النَّسْخِ تَعَذُّرُ الْجَمْعِ، وَتَعْلِيلُ الرَّدِّ بِكَوْنِهِمْ حُرُمًا إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ ظَنَّ أَنَّهُ صِيدَ لَهُ، وَيَأْتِي حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَيْثُ «أَكَلَ ﷺ مِمَّا اصْطَادَهُ تَارَةً، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ أُخْرَى» لَوْ صَحَّ ذَلِكَ، وَصَحَّ «أَنَّهُ ﵊ أَتَى بِالْعَرَجِ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِحِمَارٍ عَقِيرَةٍ فَأَبَاحَهُ لَهُ صَاحِبُهُ فَأَمَرَ ﷺ أَبَا بَكْرٍ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ» ، وَصَحَّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ اسْتُفْتِيَ فِي أَكْلِ مُحْرِمٍ مِنْ لَحْمِ مَا صَادَهُ حَلَالٌ، فَأَفْتَى بِحِلِّهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ عُمَرُ فَقَالَ: لَوْ أَفْتَيْتَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَأَوْجَعْتُكَ.
стр. 3851
٢٦٩٧ - «وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَخَلَّفَ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رَآهُ أَبُو قَتَادَةَ فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فَأَبَوْا، فَتَنَاوَلَهُ فَحَمَلَ عَلَيْهِ، فَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَكَلَ فَأَكَلُوا، فَنَدِمُوا، فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلُوهُ قَالَ " هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ " قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَأَكَلَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا؟ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ " قَالُوا: لَا قَالَ: " فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» ".
ــ
٢٦٩٧ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : سَنَةَ الْحُدَيْبِيَةِ (فَتَخَلَّفَ) : أَيْ: تَأَخَّرَ أَبُو قَتَادَةَ (مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ) : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى أَبِي قَتَادَةَ، أَوِ النَّبِيِّ ﷺ (وَهُمْ) : أَيِ: الْبَعْضُ (مُحْرِمُونَ، وَهُوَ) : أَيْ: أَبُو قَتَادَةَ (غَيْرُ مُحْرِمٍ) : وَفِي رِوَايَةِ الْمَالِكِيِّ: أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، وَأَبُو قَتَادَةَ مُبْتَدَأٌ وَلَمْ يُحْرِمْ خَبَرُهُ، وَإِلَّا بِمَعْنَى لَكِنَّ نَظِيرُهُ: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ﴾ [هود: ٨١] بِالرَّفْعِ فِي قِرَاءَةِ أَبِي كَثِيرٍ وَأَبِي عَمْرٍو، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ امْرَأَتَكَ بَدَلًا مِنْ أَحَدٍ لِأَنَّهَا تُسِرُّ مَعَهُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ النَّصْبِ. (فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ أَبُو قَتَادَةَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ) : أَيِ: الْحِمَارَ أَوْ أَبَا قَتَادَةَ بِأَنْ لَمْ يَقُولُوا: هَذَا حِمَارٌ بَلْ سَكَتُوا. (حَتَّى رَآهُ أَبُو قَتَادَةَ) : وَفِي الْمَصَابِيحِ: حَتَّى رَآهُ فَقَطْ، أَيْ: حَتَّى رَأَى أَبُو قَتَادَةَ الْحِمَارَ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الدَّلَالَةُ عَلَى الصَّيْدِ وَلَا الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، (فَرَكِبَ) : أَيْ: أَبُو قَتَادَةَ بَعْدَ مَا رَأَى الْحِمَارَ (فَرَسًا لَهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ) : أَيْ: يُعْطُوهُ (سَوْطَهُ، فَأَبَوْا) : لِعَدَمِ جَوَازِ الْمُعَاوَنَةِ، (فَتَنَاوَلَهُ) : أَيْ: أَخْذَهُ بِيَدِهِ (فَحَمَلَ عَلَيْهِ) : أَيْ:
стр. 3852
وَجْهُ الْفَرَسِ نَحْوُهُ فَأَدْرَكَهُ (فَعَقَرَهُ) : أَيْ: قَتَلَهُ، وَأَصْلُ الْعَقْرِ الْجَرْحُ (ثُمَّ) : أَيْ: بَعْدَ طَبْخِهِ (أَكَلَ) : أَيْ: أَبُو قَتَادَةَ مِنْهُ (فَأَكَلُوا) : تَبَعًا لَهُ (فَنَدِمُوا) : لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُ الصَّيْدِ مُطْلَقًا، (فَلَمَّا أَدْرَكُوا) : أَيْ: لَحِقُوا (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلُوهُ) : أَيْ: عَنْهُ هَلْ يَجُوزُ أَكْلُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: " هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ، فَأَخَذَهَا) : أَيْ: رِجْلَهُ (النَّبِيُّ ﷺ فَأَكَلَهَا) : إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْجَوَابَ بِالْفِعْلِ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، وَلَا تَنَافِي لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ جَرَى لِأَبِي قَتَادَةَ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ قَضِيَّتَانِ، وَلِهَذَا يُرَدُّ قَوْلُ مَنْ حَرَّمَهُ مُطْلَقًا - ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ - وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ امْتَنَعَ أَوَّلًا خَشْيَةَ أَنَّ أَحَدًا أَمْرَهُ أَوْ أَعَانَهُ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ أَمْرُهُ أَكَلَ مِنْهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
(وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا) : أَيْ: لِلشَّيْخَيْنِ الْمَعْلُومُ مِنْ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ (فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ) : أَيْ: بِالصَّرِيحِ أَوِ الدَّلَالَةِ (أَنْ يَحْمِلَ) : أَيْ: بِالْقَصْدِ (وَعَلَيْهَا) : أَيْ: عَلَى الْحِمَارِ أَوِ الصَّيْدِ وَتَأْنِيثُهُ، بِاعْتِبَارِ الدَّابَّةِ (أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا) : عَطْفٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدَّلَالَةِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْأُولَى بِاللِّسَانِ وَالثَّانِيَةَ بِالْيَدِ، وَقِيلَ: الْأُولَى فِي الْغَائِبِ وَالثَّانِيَةُ فِي الْحُضُورِ، وَقِيلَ: كِلْتَاهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهِيَ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَعَلَى الْحَلَالِ فِي الْحَرَمِ، ثُمَّ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ شَرَائِطٌ مَحَلُّهَا كُتُبُ الْفِقْهِ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَخْرَجَ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ «عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَسِيرٍ لَهُمْ، بَعْضُهُمْ مُحْرِمٌ وَبَعْضُهُمْ لَيْسَ بِمُحْرِمٍ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَدْ رَأَيْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَأَخَذْتُ الرُّمْحَ فَاسْتَعَنْتُهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي فَاخْتَلَسْتُ سَوْطًا مِنْ بَعْضِهِمْ، وَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ فَأَصَبْتُهُ، فَأَكَلُوا مِنْهُ، وَاسْتَبْقَوْا قَالُوا: فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ؟ " (قَالُوا: لَا قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» ) : وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: " «هَلْ أَشَرْتُمْ هَلْ أَعَنْتُمْ؟ قَالُوا: لَا قَالَ: " فَكُلُوا» ) اهـ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُمْ رَأَوْهَا ; فَضَحِكُوا، فَأَبْصَرَهَا، فَاسْتَعَانَهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُوهُ» ، وَفِي أُخْرَى «رَآهُمْ يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا، فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ، فَوَقَعَ السَّوْطُ، فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ بِشَيْءٍ إِنَّا مُحْرِمُونَ، وَفِي أُخْرَى: فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي، فَلَمْ يُؤْذِنُونِي بِهِ، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ، فَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، فَقُلْتُ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ. فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ» . وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ صَحِيحَةٌ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا بِضَحِكِهِمْ، وَلَا بِتَرَائِيهِمْ إِلَيْهِ إِعْلَامَهُ، وَإِلَّا لِحَرُمَ، فَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّلَالَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْخَفِيَّةِ اتِّفَاقًا.
стр. 3853
٢٦٩٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ: الْفَأْرَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٦٩٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " خَمْسٌ) : أَيْ: مِنَ الدَّوَابِّ كَمَا فِي رِوَايَةِ (لَا جُنَاحَ) : أَيْ: لَا إِثْمَ وَلَا جَزَاءَ، وَالْمَعْنَى لَا حَرَجَ (عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ) : أَيْ: فِي أَرْضِهِ (وَالْإِحْرَامِ) : أَيْ: فِي حَالِهِ (الْفَأْرَةُ) : بِالْهَمْزِ، وَيُبَدَّلُ أَيِ الْوَحْشِيَّةُ وَالْأَهْلِيَّةُ (وَالْغُرَابُ) : أَيِ: الْأَبْقَعُ الْأَبْلَقُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ، وَخَرَجَ الزَّاغُ وَهُوَ أَسْوَدُ مُحْمَرُّ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَيُسَمَّى غُرَابُ الزَّرْعَ لِأَنَّهُ يَأْكُلُهُ (وَالْحِدَأَةُ) : عَلَى وَزْنِ الْعِنَبَةِ. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ الْحِدَأَةَ فِعَلَةٍ بِالْكَسْرِ وَكَذَا الْحِدَا، وَقَدْ يُفْتَحُ، وَهُوَ طَائِرٌ مَعْرُوفٌ. وَالْحُدَيَّا تَصْغِيرُ حِدٍّ لُغَةٌ فِي الْحِدَأِ، أَوْ تَصْغِيرُ حِدَأَةٍ قُلِبَتِ الْهَمْزَةُ بَعْدَ يَاءِ التَّصْغِيرِ يَاءً، وَأُدْغِمَ يَاءُ التَّصْغِيرِ فِيهِ فَصَارَ حُدَيَّةً، ثُمَّ حُذِفَتِ التَّاءُ وَعُوِّضَ عَنْهَا الْأَلْفُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى التَّأْنِيثِ أَيْضًا، (وَالْعَقْرَبُ) : وَفِي مَعْنَاهَا الْحَيَّةُ بَلْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. (وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) : وَفِي حُكْمِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ السَّبْعُ الصَّائِلُ عِنْدَنَا، وَيُؤَيِّدُنَا رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ الَّتِي حَسَّنَهَا، وَلَوْ ضَعَّفَهَا غَيْرَ زِيَادَةِ السَّبْعِ الْعَادِيِّ، وَأَمَّا زِيَادَةُ أَنَّ الْمُحْرِمَ يَرَى الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْغُرَابِ الْأَسْوَدِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ ﵀: أَيْ: لَا يَتَأَكَّدُ نَدْبُ قَتْلِهِ تَأَكُّدَهُ فِي الْحَيَّةِ وَنَحْوِهَا فَغَيْرُ مُوَجَّهٍ، وَيَحْرُمُ قَتْلُ كَلْبٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَا مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا مَضَرَّةَ، وَفَسَّرَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْكَلْبَ الْعَقُورَ بِالسَّبْعِ الَّذِي يُعْقَرُ وَيُقْتَلُ، كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : نَقْلُهُ ابْنُ الْهُمَامِ عَنِ الصَّحِيحَيْنِ، لَكِنْ بِلَفْظِ: " «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ» " اهـ. وَصَحَّ: «أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا» .
стр. 3854
٢٦٩٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٦٩٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " خَمْسٌ) : بِالتَّنْوِينِ مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: (فَوَاسَقُ) أَيْ: مُؤْذِيَاتٌ صِفَتُهُ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ بِتَنْوِينِهِمَا خَطَأٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ بِنَصْبِ فَوَاسَقَ عَلَى الذَّمِّ. بِمُخَالَفَةِ الرِّوَايَةِ وَضَعْفِ الدِّرَايَةِ، وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: (يُقْتَلْنَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَرُوِيَ بِلَا تَنْوِينٍ مُضَافًا إِلَى فَوَاسِقَ قَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ: الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ جَمْعُ فَاسِقَةٍ، وَأَرَادَ بِفِسْقِهِنَّ خَبَثَهُنَّ وَكَثْرَةَ الضَّرَرِ مِنْهُنَّ (فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ) : أَيْ: حَلَالًا كَانَ أَوْ مُحْرِمًا (الْحَيَّةُ) : بِأَنْوَاعِهَا، وَفِي مَعْنَاهَا الْعَقْرَبُ (وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ) : أَيِ: الَّذِي فِيهِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ، لَا مَا خَالَطَ بَيَاضُهُ لَوْنًا آخَرَ - كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ - فَتَدَبَّرْ. (وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا) : تَصْغِيرُ حِدَّا وَاحِدُهُ حِدَأَةٌ، تَصْغِيرُهَا حُدَيَّاةٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ " «خَمْسٌ مِنَ الْفَوَاسِقِ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» ". وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: الْحَيَّةُ عِوَضُ الْعَقْرَبِ، وَقَالَ، أَيْ فِي مُسْلِمٍ: الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ.
стр. 3855
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٧٠٠ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ فِي الْإِحْرَامِ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٧٠٠ - (عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ فِي الْإِحْرَامِ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ) : أَيْ: بِأَنْفُسِكُمْ مُبَاشَرَةً (أَوْ يُصَادُ لَكُمْ) : رُوِيَ بِالرَّفْعِ وَبِالنَّصْبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الظَّاهِرُ الْجَزْمُ، وَغَايَةُ التَّوْجِيهِ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى الْمَعْنَى، أَيْ: مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ، اهـ. وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: بِالنَّصْبِ بِإِضْمَارِ أَنْ وَأَوْ بِمَعْنَى (إِلَّا) يَعْنِي لَحْمَ صَيْدٍ ذَبْحُهُ حَلَالٌ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةِ الْمُحْرِمِ وَإِعَانَتِهِ حَلَالٌ لَكُمْ، إِلَّا أَنْ يُصَادَ لِأَجْلِكُمْ، وَبِهَذَا يَسْتَدِلُّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى حُرْمَةِ لَحْمِ مَا صَادَهُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يُهْدَى إِلَيْكُمُ الصَّيْدُ دُونَ اللَّحْمِ، أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنْ يُصَادَ بِأَمْرِكُمْ، فَلَا يَحْرُمُ لَحْمُ صَيْدٍ ذَبَحَهُ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ أَوْ دَلَالَتِهِ اهـ. وَتَحْقِيقُ النَّصْبِ مَا فِي الْمَفَاتِيحِ أَنْ " أَوْ " بِمَعْنَى إِلَّا أَنْ، وَمَا لَمْ تَصِيدُوهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ فِي الْإِحْرَامِ حَلَالٌ إِلَّا أَنْ تَصِيدُوهُ إِلَّا أَنْ يُصَادَ لَكُمُ اهـ. فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي مِنْ مَفْهُومِ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لُغَةٌ شَهِيرَةٌ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ - تَعَالَى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَرَفْعِ يَصْبِرُ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالْأَخْبَارُ تُنَمَّى
اهـ.
وَهُوَ خَطَأٌ فَاحِشٌ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللُّغَةَ الْمَشْهُورَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي حَرْفِ الْعِلَّةِ مَقَامَ لَامِ الْفِعْلِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ خِلَافُهُ، وَثَانِيهُمَا: أَنَّ قَوْلَهُ: وَرَفْعِ (يَصْبِرُ) قِرَاءَةً شَاذَّةً، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ مَنْ مَوْصُولَةً لَا جَازِمَةً، وَالْكَلَامُ فِي الْمَجْزُومِ فَذِكْرُهُ مُخِلٌّ بِالْمَرَامِ، أَمَّا الْقِرَاءَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ بِرِوَايَةِ بَعْضِ السَّبْعَةِ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَجَزْمِ يَصْبِرُ، فَحُمِلَ عَلَى تِلْكَ اللُّغَةِ، أَوْ عَلَى تَوَلُّدِ الْيَاءِ مِنْ إِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ كَمَا فِي لُغَةِ: ضَرَبْتِيهِ خِطَابًا لِلْمُؤَنَّثِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَوْ ذَبَحَ مُحْرِمٌ صَيْدًا أَوْ حَلَالٌ صَيْدَ الْحَرَمِ صَارَ مِيتَةً اتِّفَاقًا بَلْ إِجْمَاعًا.
следующие страницы →