Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
(لِلَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمُحَرَّمٍ أَيْ لِأَمْرِهِ أَوْ لِأَجْلِ أَوْلِيَائِهِ، إِذْ رُوِيَ أَنَّهُ حَرَّمَهُ عَلَى سَبِيلِ الْحُمَّى لِأَفْرَاسِ الْغُزَاةِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، ثُمَّ نُسِخَ، ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إِنَّهُ لَا يُصَادُ فِيهِ وَلَا يُقْطَعْ شَجَرُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ضَمَانًا وَفِي مَعْنَاهُ النَّقِيعُ أَيْ بِالنُّونِ، وَتَقَدَّمَ نَقْلُ شَرْحِ السُّنَّةِ وَحَاصِلُهُ مَا يُوَافِقُ مَذْهَبَنَا مِنْ أَنَّ النَّقِيعَ حَمَاهُ ﷺ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى حَلِّ صَيْدِهِ وَقَطْعِ نَبَاتِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مَنْعُ الْكَلَإِ مِنَ الْعَامَّةِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ النَّقِيعِ وَلَا بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ أَشْجَارِهِ كَالْمَوْقُوفِ، وَقَالَ شَارِحٌ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ عَلَى سَبِيلِ الْحُرْمَةِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُ لِيَصِيرَ حِمًى لِلْمُسْلِمِينَ أَيْ مَرْعًى لِأَفْرَاسِ الْمُجَاهِدِينَ لَا يَرْعَاهَا غَيْرُهَا، وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ إِنَّهُ ﵊ كَانَ يُرِيدُ غَزْوَةَ الطَّائِفِ، فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَعَهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ فَرَأَى ذَلِكَ التَّحْرِيمَ لِيَرْتَفِقَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثُ الزُّبَيْرِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِيهِ قِصَّةٌ وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانَ الطَّائِفِيُّ وَأَبُوهُ، وَقَدْ سُئِلَ أَبُو حَاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَفِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَذَكَرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ: لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَقَالَ لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ وَكَذَا قَالَ ابْنُ حَبَّانَ. اهـ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ عَدَمُ صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى حُكْمٍ عَظِيمٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى تَحْرِيمٍ (وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ (وَجٌّ، ذَكَرُوا) أَيِ الْعُلَمَاءُ (أَنَّهَا مِنْ نَاحِيَةِ الطَّائِفِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِضَافَةَ بَيَانِيَّةٌ، أَيْ نَاحِيَةٌ هِيَ الطَّائِفُ فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ جَمِيعَ الطَّائِفِ حَرَمٌ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا قَالَ بِهِ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَقْوَالِ اللُّغَوِيِّينَ، وَمُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ أَيْضًا فِي بَيَانِ سَبَبِ جَعْلِهِ حَرَمًا ; إِنَّهُ جَاءَ فِي وَجْهِ تَسْمِيَةِ الطَّائِفِ أَنَّ جِبْرِيلَ اقْتَلَعَ تِلْكَ الْأَرْضَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ثُمَّ حَمَلَهَا عَلَى جَنَاحِهِ وَأَتَى بِهَا مَكَّةَ، فَطَافَ بِهَا بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ وَضَعَهَا ثَمَّةَ، وَلَا بُعْدَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ قِطْعَةً مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ لِيُتَذَكَّرَ سَبَبُ تَحْرِيمِهَا فَيَسْتُرَ تَعْظِيمَ الطَّائِفِ جَمِيعَهَا، وَلَمْ يُحَرَّمْ كُلُّهُ لِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً عَلَى النَّاسِ لِشِدَّةِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَى نَبَاتِهِ وَصَيْدِهِ اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْمُنَاقَضَةِ وَكَذَا الْمُعَارَضَةُ بِمَا فِي تَحْرِيمِ مَكَّةَ إِجْمَاعًا، وَتَحْرِيمُ الْمَدِينَةِ عِنْدَهُمْ إِذَا الْمَشَقَّةُ عَامَّةٌ بَلْ فِي الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ أَكْثَرُ فَتَدَبَّرْ (وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ) أَيْ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ (أَنَّهُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (بَدَلَ أَنَّهَا) وَهُوَ أَمْرٌ سَهْلٌ لِأَنَّ التَّذْكِيرَ بِاعْتِبَارِ الْمَوْضِعِ، وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ.
стр. 3922
٢٧٥٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا ; فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا.
ــ
٢٧٥٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ) أَيْ يُقِيمُ بِهَا حَتَّى يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ ثَمَّةَ (فَلْيَمُتْ بِهَا) أَيْ فَلْيُقِمْ بِهَا حَتَّى يَمُوتَ بِهَا (فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا) أَيْ فِي مَحْوِ سَيِّئَاتِ الْعَاصِينَ، وَرَفْعِ دَرَجَاتِ الْمُطِيعِينَ، وَالْمَعْنَى: شَفَاعَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِأَهْلِهَا لَمْ تُوجَدْ لِمَنْ لَمْ يَمُتْ بِهَا، وَلِذَا قِيلَ الْأَفْضَلُ لِمَنْ كَبُرَ عُمُرُهُ أَوْ ظَهَرَ أَمْرُهُ بِكَشْفٍ وَنَحْوِهِ مَنْ قُرْبِ أَجَلِهِ ; أَنْ يَسْكُنَ الْمَدِينَةَ لِيَمُوتَ فِيهَا، وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عُمَرَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَاجْعَلْ مَوْتِي بِبَلَدِ رَسُولِكَ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صُحِيحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا) وَلَيْسَ هَذَا صَرِيحًا فِي أَفْضَلِيَّةِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ مُطْلَقًا، إِذْ قَدْ يَكُونُ فِي الْمَفْضُولِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْفَاضِلِ مِنْ حَيْثِيَّةٍ، وَتِلْكَ بِسَبَبِ تَفْضِيلِ بُقْعَةِ الْبَقِيعِ عَلَى الْحَجُونِ، إِمَّا لِكَوْنِهِ تُرْبَةَ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، أَوْ لِقُرْبِ ضَجِيعِهِ ﵊ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُهَاجِرُونَ فَإِنَّهُ ذَمَّ لَهُمُ الْمَوْتَ بِمَكَّةَ كَمَا قَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ.
стр. 3923
٢٧٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «آخِرُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْإِسْلَامِ خَرَابًا الْمَدِينَةُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
٢٧٥١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «آخِرُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْإِسْلَامِ خَرَابًا الْمَدِينَةُ» ) خَبَرٌ، وَآخِرُ مُبْتَدَأٌ وَيَجُوزُ عَكْسُهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عِمَارَةَ الْإِسْلَامِ مَنُوطَةٌ بِعِمَارَتِهَا وَهَذَا بِبَرَكَةِ وَجُودِهِ فِيهَا ﷺ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) .
стр. 3924
٢٧٥٢ - «وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَيَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ نَزَلْتَ، فَهِيَ دَارُ هِجْرَتِكَ الْمَدِينَةِ أَوِ الْبَحْرَيْنِ أَوْ قِنَّسْرِينَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٢٧٥٢ - (وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ الْبَجَلِيِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَيَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ) مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ لِقَوْلِهِ (نَزَلْتَ) أَيْ لِلْإِقَامَةِ بِهَا وَالِاسْتِيطَانِ فِيهَا وَقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاسْتِفْهَامِ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَأَغْرَبَ فِي قَوْلِهِ كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ وَهُوَ عَجِيبٌ لِأَنَّهَا هُنَا لَيْسَتِ اسْتِفْهَامِيَّةً كَمَا هُوَ وَاضِحٌ اهـ. وَالْخَطَأُ فِي كَلَامِهِ لَائِحٌ (فَهِيَ دَارُ هِجْرَتِكَ الْمَدِينَةِ) بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنَ الثَّلَاثَةِ (أَوِ الْبَحْرِينِ) وَهُوَ مَوْضِعٌ مَشْهُورٌ إِلَى الْآنَ، وَقِيلَ: مَوْضِعٌ بَيْنَ بَصْرَةَ وَعُمَانَ، وَقِيلَ: بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْيَمَنِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: جَزِيرَةٌ بِبَحْرِ عُمَانَ (أَوْ قِنَّسْرِينَ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ النُّونِ الْأُولَى الْمُشَدَّدِ وَيُكْسَرُ، بَلَدٌ بِالشَّامِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ضَبْطُ الْمَدِينَةِ بِالنَّصْبِ فَيَكُونُ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، وَفِي أُخْرَى بِرَفْعِهَا عَلَى تَقْدِيرِ هِيَ وَفِي الْبَحْرِينِ لُغَاتٌ تَقَدَّمَتْ وَقِنَّسْرِينَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الَّتِي رَآهَا وَهُوَ بِمَكَّةَ أَنَّهَا دَارُ هِجْرَتِهِ، وَأَمَرَ بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا هِيَ الْمَدِينَةُ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَصَحُّ مِنْ هَذَا، وَقَدْ يُجْمَعُ بِأَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ عُيِّنَ لَهُ إِحْدَاهَا وَهِيَ أَفْضَلُهَا.
стр. 3925
٢٧٥٣ - (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٧٥٣ - (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) (وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَيُضَمُّ أَيْ خَوْفُهُ (لَهَا) أَيْ لِسُورِهَا (يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ) أَيْ طُرُقٍ وَأَنْقَابٍ (عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ) أَيِ اثْنَانِ أَوْ نَوْعَانِ يَمِينًا وَشِمَالًا يَحْفَظَانِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 3926
٢٧٥٤ - وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٧٥٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ» ) أَيْ مِثْلَيْهِ فِي الْأَقْوَاتِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَ مَكَّةَ أَفْضَلَ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ مُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ ; فَإِنَّ الْأَوَّلَ ارْتِفَاقٌ حِسِّيٌّ دُنْيَوِيٌّ، وَالثَّانِي أُخْرَوِيٌّ مَعْنَوِيٌّ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ. بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3927
٢٧٥٥ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ زَارَنِي مُتَعَمِّدًا كَانَ فِي جِوَارِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَكَنَ الْمَدِينَةَ وَصَبَرَ عَلَى بَلَائِهَا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا وَشَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الْآمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
ــ
٢٧٥٥ - (وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ الْخَطَّابِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ، وَكَتَبَ مِيرَكُ عَلَى الْهَامِشِ آلَ حَاطِبٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمِلَةِ وَكَسْرِ الطَّاءِ وَوَضَعَ عَلَيْهِ الظَّاهِرَ وَكَتَبَ تَحْتَهُ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ لِلْمُنْذِرِيِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ زَارَنِي مُتَعَمِّدًا) أَيْ لَا يَقْصِدُ غَيْرَ زِيَارَتِي مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تُقْصَدُ فِي إِتْيَانِ الْمَدِينَةِ مِنَ التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْمَعْنَى لَا يَكُونُ مَشُوبًا بِسُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ وَأَغْرَاضٍ فَاسِدَةٍ، بَلْ يَكُونُ عَنِ احْتِسَابٍ وَإِخْلَاصِ ثَوَابٍ، وَعَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْهُ، وَقَالَ أَتَجَرَّدُ لِلزِّيَارَةِ فَكَأَنَّهُ أَخَذَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَبَقِيَّةُ الْعُلَمَاءِ وَسَائِرُ الْعُرَفَاءِ نَظَرُوا إِلَى خُلَاصَةِ الْمَعْنَى، وَلِهَذَا اسْتُحِبَّ لِلزَّائِرِ أَنْ يَنْوِيَ زِيَارَةَ الْمَسْجِدِ الشَّرِيفِ النَّبَوِيِّ وَمَقْبَرَةِ الْبَقِيعِ وَقُبُورِ الشُّهَدَاءِ وَسَائِرِ الْمَشَاهِدِ، إِذْ لَا تَنَافِي بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، أَمَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَشُكْرِ الْوُضُوءِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَسُنَّةٍ أَوْ فَرْضٍ، وَهَذَا أَحَدُ مَعَانِي قَوْلِهِ ﷺ «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» ، وَمَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀ إِلَى قَوْلِهِ الْعَارِفِ وَقَالَ: الْأَوْلَى تَجْرِيدُ النِّيَّةِ لِلزِّيَادَةِ، ثُمَّ إِنْ حَصَلَ لَهُ إِذَا قَدِمَ زِيَارَةَ الْمَسْجِدِ، أَوْ يَسْتَفْتِحْ فَضْلَ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - فِي مَرَّةٍ أُخْرَى يَنْوِيهِمَا فِيهَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةُ تَعْظِيمِهِ ﷺ -
стр. 3928
(كَانَ فِي جِوَارِي) بِكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ فِي مُجَاوَرَتِي أَوْ مُحَافَظَتِي (يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَكَنَ الْمَدِينَةَ) أَيْ أَقَامَ أَوِ اسْتَوْطَنَ بِهَا (وَصَبَرَ عَلَى بَلَائِهَا) مِنْ حَرِّهَا وَضِيقِ عَيْشِهَا، وَفِتْنَةِ مَنْ يَسْكُنُهَا مِنَ الرَّوَافِضِ الَّتِي فِيهَا نَظِيرُ مَا كَانَ يَقَعُ لِلصَّحَابَةِ مِنْ مُنَافِقِيهَا (كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا) أَيْ لِطَاعَتِهِ (وَشَفِيعًا) لِمَعْصِيَتِهِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ (وَمَنْ: مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ) أَيْ مُؤْمِنًا (بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الْآمِنِينَ) أَيْ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ أَوْ مِنْ كُلِّ كُدُورَةٍ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
стр. 3929
٢٧٥٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي» . رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
٢٧٥٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِيَ بَعْدَ مَوْتِي) الْفَاءُ التَّعْقِيبِيَّةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْأَنْسَبَ أَنْ تَكُونَ الزِّيَارَةُ بَعْدَ الْحَجِّ ; كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ تَقْدِيمِ الْفَرْضِ عَلَى السُّنَّةِ، وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَفْصِيلًا حَسَنًا وَهُوَ أَنَّهُ: إِنْ كَانَ الْحَجُّ فَرْضًا فَالْأَحْسَنُ لِلْحَاجِّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجِّ ثُمَّ يُثْنِي بِالزِّيَارَةِ، وَإِنْ بَدَأَ بِالزِّيَارَةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ الْحَجُّ نَفْلًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ فَيَبْدَأُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْحَجِّ أَوْلَى لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَلِتَقْدِيمِ حَقِّ اللَّهِ عَلَى حَقِّهِ ﷺ وَلِذَا تُقَدَّمَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ عَلَى زِيَارَةِ الْمَشْهَدِ الْمُصْطَفَى (كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي) لِأَنَّهُ ﷺ حَيٌّ يُرْزَقُ وَيُسْتَمَدُّ مِنْهُ الْمَدَدُ الْمُطْلَقُ (رَوَاهُمَا) أَيِ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ (الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ، وَفَضَائِلُ الزِّيَارَةِ شَهِيرَةٌ، وَمَنْ أَنْكَرَهَا إِنَّمَا أَنْكَرَ مَا فِيهَا مِنْ بِدَعٍ نَكِيرَةٍ غَالِبُهَا كَبِيرَةٌ، وَقَدْ بَسَطْتُ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَقَامِ بِهِ يَتِمُّ نِظَامُ الْمَرَامِ.
стр. 3930
٢٧٥٧ - وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا وَقَبْرٌ يُحْفَرُ بِالْمَدِينَةِ، فَاطَّلَعَ رَجُلٌ فِي الْقَبْرِ فَقَالَ بِئْسَ مَضْجَعِ الْمُؤْمِنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِئْسَمَا قُلْتَ، قَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا، إِنَّمَا أَرَدْتُ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا مِثْلَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا مِنْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» . رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا.
ــ
٢٧٥٧ - (وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ جَالِسًا) أَيْ فِي الْمَقْبَرَةِ (وَقَبْرٌ يُحْفَرُ بِالْمَدِينَةِ فَاطَّلَعَ) بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ نَظَرَ (رَجُلٌ فِي الْقَبْرِ فَقَالَ بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ مَرْقَدُهُ وَمَدْفَنُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ هَذَا الْقَبْرُ، يَعْنِي: الْمَخْصُوصَ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى كَوْنُ الْمُؤْمِنِ يَضَّجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَكَانِ لَيْسَ مَحْمُودًا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِئْسَ مَا قُلْتَ) أَيْ حَيْثُ أَطْلَقْتَ الذَّمَّ عَلَى مَضْجَعِ الْمُؤْمِنِ مَعَ أَنَّ قَبْرَهُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ (قَالَ الرَّجُلُ إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا) أَيْ هَذَا الْمَعْنَى أَوْ هَذَا الْإِطْلَاقَ (وَإِنَّمَا أَرَدْتُ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ لَهُ، أَوْ أَرَدْتُ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَوْتِ عَلَى الْفِرَاشِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) تَقْرِيرًا لِمُرَادِهِ (لَا مِثْلَ الْقَتْلِ) بِالنَّصْبِ، أَيْ لَيْسَ شَيْءٌ مِثْلَ الْقَتْلِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ثُمَّ ذَكَرَ فَضِيلَةَ مَنْ يَمُوتُ وَيُدْفَنُ فِي الْمَدِينَةِ سَوَاءٌ يَكُونُ بِشَهَادَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَقَالَ (مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ) بِالرَّفْعِ وَقِيلَ بِالنَّصْبِ (أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الْبُقْعَةِ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْمَدِينَةِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ظَرْفٌ لِجَمِيعِ الْمَقُولِ الثَّانِي، أَوْ لِلْفَصْلِ الثَّانِي مِنَ الْكَلَامِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَوْتَ بِالْمَدِينَةِ أَفَضَلُ، بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ إِنَّ الْمُجَاوِرَةَ بِمَكَّةَ أَفَضَلُ أَوْ بِالْمَدِينَةِ أَكَمَلُ، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ دُعَاءِ عُمَرَ ﵁ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَاجْعَلْ مَوْتِي بِبَلَدِ رَسُولِكَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مَعْنَاهُ إِنِّي مَا أَرَدْتُ أَنَّ الْقَبْرَ بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ مُطْلَقًا، بَلْ أَرَدْتُ أَنَّ مَوْتَ الْمُؤْمِنِ فِي الْغُرْبَةِ شَهِيدًا خَيْرٌ مِنْ مَوْتِهِ فِي فِرَاشِهِ وَبَلَدِهِ، وَأَجَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ لَا مِثْلَ الْقَتْلِ أَيْ لَيْسَ الْمَوْتُ بِالْمَدِينَةِ مِثْلَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيِ الْمَوْتِ فِي الْغُرْبَةِ بَلْ هُوَ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ، فَوُضِعَ قَوْلُهُ (مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ إِلَخْ) مَوْضِعَ قَوْلِهِ (بَلْ هُوَ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ) فَإِذًا لَا بِمَعْنَى لَيْسَ، وَاسْمُهُ مَحْذُوفٌ وَالْقَتْلُ خَبَرُهُ. اهـ. وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يُخَالِفُ مَا عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ مِنْ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدُ الْمَوْتِ بِالْمَدِينَةِ، بَلْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى
стр. 3931
أَنَّ الْمَوْتَ فِي الْغُرْبَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَوْتِ بِالْمَدِينَةِ فَتَكُونُ الْفَضِيلَةُ الْكَامِلَةُ أَنْ يُجْمَعَ لَهُ ثَوَابُ الْغُرْبَةِ وَالشَّهَادَةِ بِالدَّفْنِ بِالْمَدِينَةِ وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ (رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا) . لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ، وَهُوَ مَنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَالسَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ وَخَلْقًا سِوَاهُمَا وَرَوَى عَنْهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَشُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ الْمُبَارَكِ ﵏ وَغَيْرُهُمْ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ، وَإِذَا حُذِفَ التَّابِعِيُّ وَذُكِرَ الصَّحَابِيُّ يُسَمَّى الْحَدِيثُ مُرْسَلًا، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْمَدِينَةِ بَلْ لِأَفْضَلِيَّةِ الْبُقْعَةِ الْمَكِينَةِ، وَقَدْ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ، بَلْ مِنَ الْكَعْبَةِ، بَلْ مِنَ الْعَرْشِ الْأَعْظَمِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
стр. 3932
٢٧٥٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ وَفِي رِوَايَةٍ وَقُلْ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٧٥٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ) أَيِ النَّبِيِّ ﷺ (بِوَادِيِ الْعَقِيقِ) مَحَلٌّ قَرِيبٌ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀، وَفِي الْقَامُوسِ: مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ وَمَوْضِعٌ آخَرُ فِي غَيْرِهَا، وَفِي النِّهَايَةِ وَادٍ بِالْمَدِينَةِ وَمَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ (يَقُولُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ مِنْ رَبِّي آتٍ) أَيْ جَاءَنِيَ الْبَارِحَةَ تِلْكَ مِنْ عِنْدِهِ (فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةٌ) بِالرَّفْعِ أَيْ حُسِبَتْ (فِي حَجَّةٍ) وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيِ احْسَبْ صَلَاتَكَ هَذِهِ وَأَعِدْ لَهَا بِعُمْرَةٍ دَاخِلَةٍ فِي حَجَّةٍ، وَالْقَوْلُ يُسْتَعْمَلُ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ كَمَا مَرَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ لِلْإِحْرَامِ، وَقَارِنْ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ اهـ.
وَهَذَا احْتِمَالٌ بَعِيدٌ جِدًّا لِأَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ حَقٌّ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ فَضْلًا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَالصَّوَابُ فِي مَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَابَ الصَّلَاةِ فِيهِ يَعْدِلُ ثَوَابَ عُمْرَةٍ فِي ضِمْنِ حَجَّةٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ إِذَا كَانَتْ مَقْرُونَةً فِي الْحَجَّةِ بِأَنْ يَكُونَ سَفَرُهُمَا وَاحِدًا خَيْرٌ مِنَ الْعُمْرَةِ الْمُفْرَدَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي بِمَعْنَى مَعَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَفِي رِوَايَةٍ وَقُلْ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ) بِالرَّفْعِ أَيْ صَلَاةٌ فِيهِ لِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ لِإِلْحَاقِ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ مُبَالَغَةً وَوَجْهُ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ مُفَوَّضٌ إِلَى صَاحِبِ الشَّرِيعَةْ ﵊ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هُنَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ حَالِهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مِنَ اللَّهِ تَعْجِيلَ الْعُمْرَةِ وَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَقِيلَ لَهُ: صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مِعْرَاجُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَكَ فِي مُقَابَلَتِهَا ثَوَابُ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ بِنِيَّتِكَ عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ وَعُلَمَاءِ الْأَنَامِ عَدُّهُ مِنَ الْمَشَاهِدِ الْعِظَامِ الَّتِي يَزُورُوهَا الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْفَارِسِيَّ ذَكَرَ فِي مَنْسَكِهِ إِنَّهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَخْبَارِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا لِأَنَّهُ قَالَ «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» وَلَا كَانَ مُفْرَدًا لَأَنَّ الْهَدْيَ كَانَ مَعَهُ وَاجِبًا كَمَا قَالَ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْقَارِنِ وَلِأَنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ قَدْ تَكَاثَرَتْ بِأَنَّهُ لَبَّى بِهِمَا جَمِيعًا فَكَانَ مِنْ زَادٍ أَوْلَى قَالَ: وَوَجْهُ الِاخْتِلَافِ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا عَقَدَ إِحْرَامَهُ جَعَلَ يُلَبِّي تَارَةً بِالْحَجِّ وَتَارَةً بِالْعُمْرَةِ وَتَارَةً بِهِمَا جَمِيعًا لَعَلَّهُ أَنْ يَتَبَيَّنَ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَقْصِدُ الْحَجَّ وَيَطْلُبُ كَيْفِيَّةَ الْعَمَلِ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ﵊ فِي وَادِي الْعَقِيقِ فَقَالَ لَهُ قُلْ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ فَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ وَتَبَيَّنَ الْمَطْلُوبُ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّ وُجُوبَ الْهَدْيِ لَمْ يَمْنَعْ كَوْنَهُ مُفْرَدًا بَلْ يَمْنَعْ فَسْخَ الْحَجِّ بِالْعُمْرَةِ؛ إِذْ مُقْتَضَاهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْإِحْرَامِ وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ (لَعَلَّهُ أَنْ يَتَبَيَّنَ) مَعْلُولٌ إِذْ لَا تَصِحُّ النِّيَّةُ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي الْكَيْفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَمَرَ ﵊ بِالْحَجِّ وَقَدْ أَتَى بِالْعُمْرَةِ مِرَارًا فَهُوَ ﵊ إِمَّا أَنْ نَوَى بِهِمَا أَوَّلًا، أَوْ نَوَى الْحَجَّ ثُمَّ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] عَلَى قِرَاءَةِ وَأَقِيمُوا، وَمِنْهَا أَنَّ وَادِيَ الْعَقِيقِ قَرِيبٌ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا، وَإِحْرَامُهُ ﵊ كَانَ فِي ذِي الْحُلَيْفَةِ إِجْمَاعًا، فَالتَّحْقِيقُ مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ هَذَا الْوَادِي بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا يَدْخُلُ فِي فَضْلِهَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 3933
[كِتَابُ الْبُيُوعِ] [ بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ]
стр. 3934
كِتَابُ الْبُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٧٥٩ - عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
كِتَابُ الْبُيُوعِ
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: تَقُولُ الْعَرَبُ: بِعْتُ بِمَعْنَى مَا كُنْتُ مَلَكْتُهُ، وَبِعْتُ بِمَعْنًى لِاشْتَرَيْتُ، وَكَذَلِكَ شَرَيْتُ بِالْمَعْنَيَيْنِ، لِأَنَّ الثَّمَنَ وَالْمُثَمَّنَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَبِيعٌ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: عَرَفَ أَنَّ مَشْرُوعَاتِ الشَّارِعِ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - خَالِصَةٌ، وَحُقُوقَ الْعِبَادِ خَالِصَةٌ، وَمَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْحَقَّانِ، وَحَقُّهُ - تَعَالَى - غَالِبٌ وَمَا اجْتَمَعْنَا فِيهِ، وَحَقُّ الْعِبَادِ غَالِبٌ،، فَحُقُوقُهُ - تَعَالَى - عِبَادَاتٌ وَعُقُوبَاتٌ وَكَفَّارَاتٌ، فَابْتَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِحُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - الْخَالِصَةِ، حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِ أَنْوَاعِهَا، ثُمَّ شَرَعَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَهِيَ الْمُعَامَلَاتُ، ثُمَّ الْبَيْعُ مَصْدَرٌ، فَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَفْعُولُ فَيُجْمَعُ كَالْجَمْعِ الْمَبِيعِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى وَهُوَ الْأَصْلُ، فَجَمْعُهُ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ: فَإِنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ سَلَمًا، وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالْعَيْنِ، وَقَلْبُهُ وَهُوَ الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ، وَصَرْفًا: وَهُوَ بَيْعُ الثَّمَنِ بِالثَّمَنِ، وَمُقَابَضَةً: وَهُوَ بَيْعُ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ وَبِخِيَارٍ وَمُنْجَزًا، وَمُؤَجَّلَ الثَّمَنِ وَمُرَابَحَةً، وَتَوْلِيَةً، وَوَضِيعَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ. وَالْبَيْعُ مِنَ الْأَضْدَادِ يُقَالُ: بَاعَ إِذَا أَخْرَجَ الْعَيْنَ عَنْ مِلْكِهِ إِلَيْهِ، وَبَاعَهُ إِذَا اشْتَرَاهُ، وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ بِالْحَرْفِ يُقَالُ: بَاعَ زَيْدٌ الثَّوْبَ وَبَاعَهُ مِنْهُ.
وَأَمَّا مَفْهُومُهُ لُغَةً وَشَرْعًا فَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: الْبَيْعُ لُغَةً مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ، وَكَذَا فِي الشَّرْعِ، لَكِنَّ زِيدَ فِيهِ قَيْدُ التَّرَاضِي، وَشَرْعِيَّةُ الْبَيْعِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَالسُّنَّةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ وَالنَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَقْرَهُمْ عَلَيْهِ، وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ، وَسَبَبُ شَرْعِيَّتِهِ تَعَلُّقُ الْبَقَاءِ الْمَعْلُومِ فِيهِ لِلَّهِ - تَعَالَى - عَلَى وَجْهٍ جَمِيلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوِ اسْتَقَلَّ بِابْتِدَاءِ بَعْضِ حَاجَاتِهِ مِنْ حَرْثِ الْأَرْضِ، ثُمَّ بَذْرِ الْقَمْحِ وَخِدْمَتِهِ وَحِرَاثَتِهِ وَحَصْدِهِ وَدِرَاسَتِهِ ثُمَّ تَذْرِيَتِهِ ثُمَّ تَنْظِيفِهِ وَطَحْنِهِ بِيَدِهِ وَعَجْنِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ.
وَفِي الْكَتَّانِ وَالصُّوفِ لُبْسُهُ، وَبِنَاءُ مَا يُظِلُّهُ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَدْفَعَهُ الْحَاجَةُ إِلَى أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مُزَاوَلَةَ شَيْءٍ، فَلَوْ لَمْ يُشْرَعِ الْبَيْعُ سَبَبًا لِلتَّمْلِيكِ فِي الْبَدَلَيْنِ لَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى التَّغَالُبِ وَالْمُقَاهَرَةِ، أَوِ السُّؤَالِ، وَالشِّحَاذَةِ أَوْ يَصْبِرَ حَتَّى يَمُوتَ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا مَا لَا يَخْفَى مِنَ الْفَسَادِ، وَفِي الثَّانِي مِنَ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، وَيُزْرِي بِصَاحِبِهِ، فَكَانَ فِي شَرْعِيَّتِهِ بَقَاءُ الْمُكَلَّفِينَ الْمُحْتَاجِينَ وَدَفْعُ حَاجَاتِهِمْ عَلَى النِّظَامِ الْحَسَنِ.
[١] بَابُ الْكَسْبِ
أَيْ تَبْيِينُ فَضْلِهِ وَتَعْيِينُ طَيِّبِهِ وَخَبِيثِهِ (وَطَلَبِ الْحَلَالِ) : أَيْ: وَاجْتِنَابِ الْحَرَامِ الَّذِي مِنْ لَوَازِمِهِ، وَكَوْنُهُ فَرْضًا بَعْدَ الْفَرْضِ أَوْ قَبْلَهُ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٧٥٩ - (عَنِ الْمِقْدَامِ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ (ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ أَبْدًا (خَيْرًا) : أَيْ: أَفْضَلَ أَوْ أَحَلَّ أَوْ أَطْيَبَ (مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ) : بِالثَّنْيَةِ لِأَنَّ غَالِبَ الْمُزَاوِلَةِ بِهِمَا (وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵊) : وَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَخُصَّ بِالذِّكْرِ لِتَعْلِيمِ اللَّهِ - تَعَالَى - إِيَّاهُ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] . (كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ) : قَالَ الْمُظْهِرُ: فِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى الْكَسْبِ الْحَلَالِ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ فَوَائِدَ كَثِيرَةً. مِنْهَا: إِيصَالُ النَّفْعِ إِلَى الْمُكْتَسِبِ بِأَخْذِ الْأُجْرَةِ إِنْ كَانَ الْعَمَلُ لِغَيْرِهِ،
стр. 3935
وَبِحُصُولِ الزِّيَادَةِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ إِنْ كَانَ الْعَمَلُ تِجَارَةً: وَمِنْهَا: إِيصَالُ النَّفْعِ إِلَى النَّاسِ بِتَهْيِئَةِ أَسْبَابِهِمْ مِنْ حَوْلِ ثِيَابِهِمْ وَخِيَاطَتِهِمْ وَنَحْوِهَا، مِمَّا يَحْصُلُ بِالسَّعْيِ، كَغَرْسِ الْأَشْجَارِ، وَزَرْعِ الْأَقْوَاتِ وَالثِّمَارِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَشْتَغِلَ الْكَاسِبُ بِهِ فَيَسْلَمَ عَنِ الْبَطَالَةِ وَاللَّهْوِ. وَمِنْهَا: كَسْرُ النَّفْسِ بِهِ فَيَقِلُّ طُغْيَانُهَا وَمَرَحُهَا. وَمِنْهَا: أَنْ يَتَعَفَّفَ عَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ وَالِاحْتِيَاجِ إِلَى الْغَيْرِ، وَشَرْطُ الْمُكْتَسِبِ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ الزِّرْقَ مِنَ الْكَسْبِ، بَلْ مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ الرَّزَّاقِ ذِي الْقُوَّةِ الْمَتِينِ، ثُمَّ فِي قَوْلِهِ: " وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ " الْخَ. تَوْكِيدٌ لِلتَّحْرِيضِ، وَتَقْرِيرٌ لَهُ يَعْنِي: الِاكْتِسَابُ مِنْ سُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ كَانَ يَعْمَلُ السَّرْدَ وَيَبِيعُهُ لِقُوتِهِ فَاسْتَنُّوا بِهِ. اهـ.
وَرُوِيَ أَنَّ دَاوُدَ ﵊ كَانَ فِي خِلَافَتِهِ يَتَجَسَّسُ النَّاسَ فِي أَمْرِهِ، وَيَسْأَلُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ كَيْفَ سِيرَةُ دَاوُدَ فِيكُمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ دَاوُدُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ دَاوُدُ إِلَّا أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَسَأَلَ دَاوُدُ رَبَّهُ أَنْ يُغْنِيَهُ عَنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَعَلَّمَهُ اللَّهُ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ، وَيَبِيعُ كُلَّ دِرْعٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ: كَانَ يَعْمَلُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْعًا وَيَبِيعُهُ بِسِتَّةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَيُنْفِقُ أَلْفَيْنِ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَيَتَصَدَّقُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ عَلَى فُقَرَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ الْكَسْبُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ وَاجِبٌ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ مُبَاحٌ إِذْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْفَخْرَ وَالتَّكَاثُرَ، وَقِيلَ: الِاشْتِغَالُ بِهِ مَكْرُوهٌ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَشْتَغِلَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] قُلْنَا: الْمُرَادُ بِالْعِبَادَةِ الْمَعْرِفَةُ، وَهِيَ لَا تُنَافِي الْكَسْبَ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى حَقِيقَتِهَا فَالْمُرَادُ بِهَا الْمَفْرُوضَةُ، وَهِيَ أَيْضًا غَيْرُ مُنَافِيَةٍ لَهُ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَغْرِقُ الْأَوْقَاتَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 3936
٢٧٦٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ، أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ! يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ !» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٧٦٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ) : أَيْ: مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ، وَمُتَّصِفٌ بِالْكِمَالَاتِ مِنَ النُّعُوتِ (لَا يَقْبَلُ) : أَيْ: مِنَ الصَّدَقَاتِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ (إِلَّا طَيَّبًا) : أَيْ: مُنَزَّهًا عَنِ الْعُيُوبِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ فِي النِّيَّةِ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: الطَّيِّبُ ضِدُّ الْخَبِيثِ، فَإِذَا وُصِفَ بِهِ - تَعَالَى - أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ، مُقَدَّسٌ عَنِ الْآفَاتِ، وَإِذَا وُصِفَ بِهِ الْعَبْدُ مُطْلَقًا أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ الْمُتَعَرِّي عَنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ، وَقَبَائِحِ الْأَعْمَالِ، وَالْمُتَحَلِّي بِأَضْدَادِ ذَلِكَ، وَإِذَا وُصِفَ بِهِ الْأَمْوَالُ أُرِيدَ بِهِ كَوْنُهُ حَلَالًا مِنْ خِيَارِ الْأَمْوَالِ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنِ الْعُيُوبِ، فَلَا يُقْبَلُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَقَرَّبَ إِلَيْهِ إِلَّا بِمَا يُنَاسِبُهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ خِيَارُ أَمْوَالِكُمُ الْحَلَالِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] (وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ) : " مَا " مَوْصُولَةٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَكْلُ الْحَلَالِ وَتَحْسِينُ الْأَمْوَالِ (فَقَالَ) : ابْتِدَاءٌ بِمَا خَتَمَ بِهِ رِعَايَةً لِتَقَدُّمِ الْمُرْسَلِينَ وَتَقَدُّمُهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وُجُودًا وَرُتْبَةً ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] : آخِرُهُ ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَهَذَا النِّدَاءُ خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ لَا عَلَى أَنَّهُمْ خُوطِبُوا بِذَلِكَ دُفْعَةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّهُمْ أُرْسِلُوا فِي أَزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، بَلْ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ خُوطِبَ بِهِ فِي زَمَانِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا النِّدَاءُ يَوْمَ الْمِيثَاقِ لِخُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ - تَعَالَى - لَيْسَ عِنْدَهُ صَبَاحٌ وَلَا مَسَاءٌ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ إِبَاحَةَ الطَّيِّبَاتِ شَرْعٌ قَدِيمٌ، وَاعْتِرَاضٌ عَلَى الرَّهْبَانِيَّةِ فِي رَفْضِهِمُ اللَّذَّاتِ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ أَكْلَ الطَّيِّبَاتِ مُوَرِّثٌ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَهُوَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -. (وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا﴾ [البقرة: ١٧٢] : الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ أَوْ لِلْوُجُوبِ، كَمَا لَوْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ أَوْ لِلنَّدْبِ كَمُوَافَقَةِ الضَّيْفِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] : أَيْ: حَلَالَاتِهِ أَوْ مُسْتَلَذَّاتِهِ وَتَتِمَّتِهِ: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهَ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ
стр. 3937
- تَعَالَى - خَلَقَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لِعَبِيدِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَأَنَّهُ خَلَقَ عَبِيدَهُ لِمَعْرِفَةٍ وَطَاعَةٍ كَمَا قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ - مَا أُرِيدَ مِنْهُمْ مَنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧] (ثُمَّ ذَكَرَ ": أَيِ: الرَّسُولُ ﷺ (الرَّجُلَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ لِلْمَفْعُولِيَّةِ (يُطِيلُ السَّفَرَ) : أَيْ: زَمَانَهُ وَيُكْثِرُ مُبَاشَرَتَهُ فِي الْعِبَادَاتِ، كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْجِهَادِ وَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الْخَيْرَاتِ. (أَشْعَثَ، أَغْبَرَ) : حَالَانِ مُتَدَاخِلَانِ، أَوْ مُتَرَادِفَانِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (يَمُدُّ يَدَيْهِ) : أَيْ مَادًّا يَدَيْهِ رَافِعًا بِهِمَا (إِلَى السَّمَاءِ) : لِأَنَّهَا قِبْلَةُ الدُّعَاءِ قَائِلًا مُكَرِّرًا (يَا رَبِّ! يَا رَبِّ!) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الدُّعَاءَ بِلَفْظِ الرَّبِّ مُؤَثِّرٌ فِي الْإِجَابَةِ لِإِيذَانِهِ بِالِاعْتِرَافِ بِأَنَّ وَجُودَهُ فَائِضٌ عَنْ تَرْبِيَتِهِ وَإِحْسَانِهِ وَجُودِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَلِذَا قَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: مَنْ حَزَبَهُ أَمْرٌ فَقَالَ خَمْسَ مَرَّاتٍ: رَبَّنَا نَجَّاهُ اللَّهُ مِمَّا يَخَافُ، وَأَعْطَاهُ مَا أَرَادَ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - حَكَى عَنْهُمْ فِي آلِ عِمْرَانَ: أَنَّهُمْ قَالُوا خَمْسًا (] فَاسْتَجَابَ [لَهُمْ رَبُّهُمْ) (وَمَطْعَمُهُ) : مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَوِ اسْمُ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ، طَعَامُهُ (حَرَامٌ) : وَالْجُمْلَةُ حَالٌ أَيْضًا، وَكَذَا قَوْلُهُ (وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ) : بِضَمِّ الْغَيْنِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمُخَفَّفَةِ، كَذَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ ﵀، وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: وَقَعَتْ مُقَيَّدَةً بِالتَّشْدِيدِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ وَالْمَعْنَى رُبِّيَ (بِالْحَرَامِ) : أَيْ: مِنْ صِغَرِهِ إِلَى كِبَرِهِ.
قَالَ الْأَشْرَفُ: ذُكِرَ قَوْلُهُ: " وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ " بَعْدَ قَوْلِهِ " وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ " إِمَّا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِمَّنْ كَوْنُ الْمَطْعَمُ حَرَامًا التَّغْذِيَةُ بِهِ، وَإِمَّا تَنْبِيهًا بِهِ عَلَى اسْتِوَاءِ حَالَيْهِ، أَعْنِي كَوْنَهُ مُنْفِقًا فِي حَالِ كِبَرِهِ وَمُنْفَقًا عَلَيْهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ فِي وُصُولِ الْحَرَامِ إِلَى بَاطِنِهِ، فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: " مَطْعَمُهُ حَرَامٌ " إِلَى حَالِ كِبَرِهِ وَبِقَوْلِهِ: " وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ " إِلَى حَالِ صِغَرِهِ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى أَنْ لَا تَرْتِيبَ فِي الْوَاوِ، وَذَهَبَ الْمُظْهِرُ إِلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَرَجَّحَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ، وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ فَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ عَدَمَ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ مُصِرًّا عَلَى تَلَبُّسِ الْحَرَامِ وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: " يُطِيلُ " مَحَلُّهُ نَصْبُ صِفَةٍ لِلرَّجُلِ، لِأَنَّ جِنْسَ الْمَعْرِفَةِ بِمَنْزِلَةِ النَّكِرَةِ كَقَوْلِهِ: (
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
) قُلْتُ: وَكَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ - يُرِيدُ الرَّاوِي - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَّبَ كَلَامَهُ بِذِكْرِ الرَّجُلِ الْمَوْصُوفِ اسْتِبْعَادًا، أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقْبَلُ دُعَاءَ آكِلِ الْحَرَامِ لِبُغْضِهِ الْحَرَامَ، وَبُعْدِ مُنَاسَبَتِهِ عَنْ جَنَابِهِ الْأَقْدَسِ، فَأَوْقَعَ فِعْلَهُ عَلَى الرَّجُلِ وَنَصَبَهُ، وَلَوْ حَكَى لَفْظَ الرَّسُولِ ﷺ رَفَعَ الرَّجُلَ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ يُطِيلُ، وَقَوْلُهُ: أَشْعَثَ وَأَغْبَرَ حَالَانِ مُرَادِفَتَانِ مِنْ فَاعِلِ يَمُدُّ أَيْ يَمُدُّ يَدَيْهِ قَائِلًا: يَا رَبِّ، وَقَوْلُهُ: وَمَطْعَمُهُ، وَمَشْرَبُهُ، وَمَلْبَسُهُ، وَغُذِّيَ، حَالٌ مِنْ فَاعِلِ قَائِلًا، وَكُلُّ هَذِهِ الْحَالَاتِ دَالَّةٌ عَلَى غَايَةِ اسْتِحْقَاقِ الدَّاعِي لِلْإِجَابَةِ، وَدَلَّتْ تِلْكَ الْخَيْبَةُ عَلَى أَنَّ الصَّارِفَ قَوِيٌّ وَالْحَاجِزَ مَانِعٌ شَدِيدٌ. اهـ.
وَفِي قَوْلِهِ: وَكُلُّ هَذِهِ الْحَالَاتِ تَوَسُّعٌ لِخُرُوجِ مَطْعَمِهِ الْخَ. فَإِنَّهَا حَالَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الدَّاعِي عَدَمَ الْإِجَابَةِ كَمَا قَالَ: (فَأَنَّى) : أَيْ: فَكَيْفَ أَوْ فَمِنْ أَيْنَ؟ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلِاسْتِبْعَادِ مِنْ أَنْ (يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟) : أَيْ: لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَوْ لِأَجْلِ مَا ذُكِرَ مِنْ حَالِ الرَّجُلِ. قَالَ الْأَشْرَفُ ﵀: وَفِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ حِلَّ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ مِمَّا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إِجَابَةُ الدُّعَاءِ، وَلِذَا قِيلَ: إِنَّ لِلدُّعَاءِ خَبًّا حِينَ أَكَلَ الْحَلَالَ وَصَدَقَ الْمَقَالَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀ تَعَالَى: أَرَادَ بِالرَّجُلِ الْحَاجَّ الَّذِي أَثَّرَ فِيهِ السَّفَرُ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْجَهْدُ، وَأَصَابَهُ الشَّعَثُ، وَعَلَاهُ الْغَبَرَةُ فَطَفِقَ يَدْعُو اللَّهَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَعِنْدَهُ أَنَّهُمَا مِنْ مَظَانِّ الْإِجَابَةِ، فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُ، وَلَا يُعْبَأُ بِبُؤْسِهِ وَشَقَائِهِ لِأَنَّهُ مُلْتَبِسٌ بِالْحَرَامِ صَارِفُ النَّفَقَةِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فَإِذَا كَانَ حَالُ الْحَاجِّ الَّذِي هُوَ سَبِيلُ اللَّهِ هَذَا فَمَا بَالُ غَيْرِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ أَمْرُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «طُوبَى لِعَبْدٍ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغَبَّرَةٍ قَدَمَاهُ» ". اهـ
стр. 3938
وَاعْلَمْ أَنَّ طِيبَ الْمَطْعَمِ لَهُ خَاصِّيَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَتَأْكِيدُ اسْتِعْدَادِهِ لِقَبُولِ أَنْوَارِ الْمَعْرِفَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ بِنَاءَ الْأَمْرِ بَعْدَ حِفْظِ السُّنَّةِ وَمُجَانَبَةِ كُلِّ صَاحِبٍ يُفْسِدُ الْوَقْتَ، وَكُلِّ سَبَبٍ يَفْتِنُ الْقَلْبَ عَلَى صَوْنِ الْيَدِ عَنِ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةِ، وَأَقَلُّهُ أَنْ يَحْتَرِزَ مِمَّا حَرَّمَهُ فَتْوَى الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ وَرَعُ الْعَامَّةِ، ثُمَّ يَمْتَنِعَ عَمَّا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ احْتِمَالُ التَّحْرِيمِ، وَإِنْ أَفْتَى الْمُفْتِي بِحِلِّهِ، وَهُوَ وَرَعُ الصَّالِحِينَ، ثُمَّ تَرَكَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ مَخَافَةَ مَا فِيهِ بَأْسٌ، وَهُوَ وَرَعُ الْمُتَّقِينَ، ثُمَّ الْحَذَرُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يُرَادُ بِتَنَاوُلِهِ الْقُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، أَوْ يَتَطَرَّقُ إِلَى بَعْضِ أَسْبَابِهِ مَعْصِيَةٌ أَوْ كَرَاهَةٌ، وَهُوَ وَرَعُ الصِّدِّيقِينَ. هَذَا وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا يُوجَدُ الْحَلَالُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَلْيَكْتَفِ السَّالِكُ مِنْ غَيْرِهِ بِمَا يَحْفَظُ رَوْعًا لِئَلَّا يَمُوتَ جُوعًا قَالَ بَعْضُ الظُّرَفَاءِ:
يَقُولُ لِيَ الْجَهُولُ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... دَعِ الْمَالَ الْحَرَامَ وَكُنْ قَنُوعًا
فَلَمَّا لَمْ أَجِدْ مَالًا حَلَالًا ... وَلَمْ آكُلْ حَرَامًا مِتُّ جُوعًا
لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يُرَاعَى دَرَجَاتُ الْحَرَمِ وَالشُّبْهَةِ فَمَهْمَا وَجَدَ مَا يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى الْحَلَالِ لَا يَتَنَاوَلُ مِمَّا يَكُونُ أَبْعَدَ مِنْهُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: الْمُضْطَرُّ إِذَا وَجَدَ غَنَمًا مَيْتًا فَلَا يَأْكُلْ مِنَ الْحِمَارِ الْمَيِّتِ، وَإِذَا وَجَدَ الْحِمَارَ فَلَا يَتَنَاوَلُ مِنَ الْكَلْبِ، وَإِذَا وَجَدَ الْكَلْبَ لَا يَقْرَبُ مِنَ الْخِنْزِيرِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ كَسُفَهَاءِ الْفُقَهَاءِ حَيْثُ يَقُولُونَ: الْحَلَالُ مَا حَلَّ بِنَا، وَالْحَرَامُ مَا حَرُمَ مِنَّا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3939
٢٧٦١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَأْتِي عَلَى الْمَرْءِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٧٦١ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ " أَيْ: فِيهِ (مَا أَخَذَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ أَهْلِ الزَّمَانِ (أَمِنَ الْحَلَالِ) : أَيْ: هُوَ (أَمْ مِنَ الْحَرَامِ) : فَضَمِيرُ مِنْهُ رَاجِعٌ إِلَى الزَّمَانِ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ الْمَالُ، وَإِنَّمَا أُبْهِمَ لِيَشْتَمِلَ أَنْوَاعَ الْمَأْخُوذِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا. قِيلَ: الضَّمِيرُ فِي " مِنْهُ " ضَمِيرُ شَيْءٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ هُنَا، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَالُ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ بِرِوَايَةٍ أُخْرَى، وَفِيهَا لَفْظُ: الْمَالِ، يَعْنِي لَا يُبَالِي بِمَا أَخَذَهُ مِنَ الْمَالِ، وَبِمَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْمَالِ أَحَلَالٌ هُوَ أَمْ حَرَامٌ؟ لَا تَفَاوُتَ بَيْنِهِمَا. ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ " مَا " مَوْصُولَةً أَوْ مَوْصُوفَةً، وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ رَاجِعٌ إِلَيْهَا، وَمِنْ زَائِدَةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، وَمَا مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: لَا يُبَالِي. بِمَا أَخَذَ مِنَ الْمَالِ وَأَمْ مُتَّصِلَةٌ وَمُتَعَلِّقٌ مِنْ مَحْذُوفٍ، وَالْهَمْزَةُ قَدْ سُلِبَ عَنْهَا مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، وَجُرِّدَتْ لِمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ فَقَوْلُهُ: مِنَ الْحَلَالِ أَخَذَ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ فِي مَوْضِعِ الِابْتِدَاءِ، وَلَا يُبَالِي خَبَرٌ مُقَدَّمٌ يَعْنِي الْأَخْذَ مِنَ الْحَلَالِ. وَمِنَ الْحَرَامِ مُسْتَوٍ عِنْدَهُ، (وَلَا يُبَالِي بِأَيِّهِمَا أَخَذَ) ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرَتْهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] أَيْ: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ إِنْذَارُكَ وَعَدَمُهُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 3940
٢٧٦٢ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبَهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٧٦٢ - وَعَنِ النُّعْمَانِ: بِضَمِّ النُّونِ (ابْنِ بَشِيرٍ) : قَالَ الْمُصَنِّفُ: لِأَبَوَيْهِ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْحَلَالُ بَيِّنٌ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: وَاضِحٌ لَا يَخْفَى حَدُّهُ بِأَنْ وَرَدَ نَصٌّ عَلَى حِلِّهِ أَوْ مُهِّدَ أَصْلٌ يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُ الْجُزَيْئَاتِ مِنْهُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فَإِنَّ اللَّامَ لِلنَّفْعِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْحِلُّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَضَرَّةٌ (وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ) : أَيْ: ظَاهِرٌ لَا تَخْفَى حُرْمَتُهُ بِأَنْ وَرَدَ
стр. 3941
نَصٌّ عَلَى حُرْمَتِهِ، كَالْفَوَاحِشِ وَالْمَحَارِمِ وَمَا فِيهِ حَدٌّ وَعُقُوبَةٌ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهَا، أَوْ مُهِّدَ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ نَحْوُ: " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " (وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: أُمُورٌ مُلْتَبِسَةٌ غَيْرُ مُبَيَّنَةٍ لِكَوْنِهَا ذَاتَ جِهَةٍ إِلَى كُلٍّ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، (لَا يَعْلَمُهُنَّ) : أَيْ: حَقِيقَتَهُنَّ (كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) : لِتَعَارُضِ الْأَمَارَتَيْنِ، وَقَلِيلٌ مِنْهُمْ وَهُمُ الْمُجْتَهِدُونَ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ بِقُوَّةِ تَرْجِيحِ إِحْدَى الْعَلَامَتَيْنِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: جُمْلَةُ الشُّبَهَاتِ الْمُعَارِضَةِ فِي الْأُمُورِ قِسْمَانِ. أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ فِي تَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ، فَالْوَرَعُ تَرْكُهُ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، فَعَلَيْهِ التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ، وَلَا يَنْحَرِفُ عَنْهُ إِلَّا بِيَقِينِ عِلْمٍ.
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى عِظَمِ مَوْقِعِ هَذَا الْحَدِيثِ وَكَثْرَةِ فَوَائِدِهِ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الْإِسْلَامِ، قِيلَ: هِيَ ثَلَاثٌ: حَدِيثُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ، وَحَدِيثُ: مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرَكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَسَبَبُ عِظَمِ مَوْقِعِهِ أَنَّهُ ﷺ نَبَّهَ فِيهِ عَلَى صَلَاحِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ وَغَيْرِهَا بِأَنْ يَكُونَ حَلَالًا، وَأَرْشَدَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَلَالِ بِأَنْ أَوْضَحَ ذَلِكَ بِضَرْبِ الْمَثَلِ بِالْحِمَى، وَأَتَمَّ ذَلِكَ بَيَانُ مَنْبَعِ الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ وَمَعْدِنِهِمَا، فَقَوْلُهُ: " الْحَلَالُ بَيِّنٌ " الْخَ. مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: حَلَالٌ بَيِّنٌ كَالْخُبْزِ وَالْفَوَاكِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَطْعُومَاتِ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ وَالنَّظَرُ وَالنِّكَاحُ وَالْمَشْيُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ. وَحَرَامٌ بَيِّنٌ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ الْمَسْفُوحِ، وَكَذَلِكَ الزِّنَا وَالْكَذِبُ وَالْغَيْبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَالنَّظَرُ إِلَى الْأَمْرَدِ، وَإِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وَالْمُتَشَابِهُ هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، فَاشْتُبِهَ عَلَى النَّاظِرِ بِأَيِّهِمَا يَلْحَقُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ "، وَفِيهِ أَنَّهُ يَعْلَمُهَا قَلِيلٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ أَوِ اسْتِصْحَابٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا تَرَدَّدَ الشَّيْءُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ أَوْ إِجْمَاعٌ اجْتَهَدَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُ فَأَلْحَقَهُ بِأَحَدِهَا بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، فَإِذَا أَلْحَقَهُ بِهِ صَارَ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا، فَإِذَا فَقَدَ هَذِهِ الدَّلَائِلَ فَالْوَرَعُ تَرْكُهُ، لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: (فَمَنِ اتَّقَى الشُّبَهَاتِ) : أَيِ: اجْتَنَبَهَا (اسْتَبْرَأَ) : أَيْ: بَالَغَ فِي الْبَرَاءَةِ أَوْ حَصَّلَ الْبَرَاءَةَ بِالصِّيَانَةِ (لِدِينِهِ) : مِنَ الذَّمِّ الشَّرْعِيِّ (وَعِرْضِهِ) : مِنْ كَلَامِ الطَّاعِنِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَخْرَجٌ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي حُكْمِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَالْأَصَحُّ أَنْ لَا يُحْكُمَ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ وَلَا إِبَاحَةٍ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْعِ، وَالثَّانِي أَنَّ حُكْمَهُ التَّحْرِيمُ، وَالثَّالِثُ الْإِبَاحَةُ. (وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبَهَاتِ) : أَيْ: هَجَمَ عَلَيْهَا وَتَخَطَّى خُطَطَهَا وَلَمْ يَتَوَقَّفْ دُونَهَا (وَقَعَ فِي الْحَرَامِ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْوُقُوعُ فِي الشَّيْءِ السُّقُوطُ فِيهِ، وَكُلُّ سُقُوطٍ شَدِيدٍ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِذَلِكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ يُكْثِرُ تَعَاطِي الشُّبَهَاتِ يُصَادِفُ الْحَرَامَ وَإِنْ لَمْ يَعْمَدْهُ، وَقَدْ يَأْثَمُ بِذَلِكَ إِذَا قَصَّرَ فِي التَّحَرِّي، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَعْتَادُ التَّسَاهُلَ، وَيَتَمَرَّنُ عَلَيْهِ، وَيَجْسُرُ عَلَى شُبْهَةٍ ثُمَّ شُبْهَةٍ أَغْلَظَ مِنْهَا وَهَلُمَّ جَرَّا، إِلَى أَنْ يَقَعَ فِي الْحَرَامِ عَمْدًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمُ: الْمَعَاصِي تَسُوقُ إِلَى الْكُفْرِ، (كَالرَّاعِي) : ضَرْبُ مَثَلٍ، وَفَائِدَتُهُ تَجْلِيَةُ الْمَعَانِ الْمَعْقُولَةِ بِصُوَرِ الْمَحْسُوسَاتِ لِزِيَادَةِ الْكَشْفِ، وَلَهُ شَأْنٌ عَجِيبٌ فِي إِبْرَازِ الْحَقَائِقِ، وَرَفْعِ الْأَسْتَارِ عَنْ وُجُوهِ الدَّقَائِقِ، وَلِذَا كَثُرَ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، وَالْمَعْنَى: حَالُ مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبَهَاتِ حَيْثُ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقَعُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، كَحَالِ الرَّاعِي أَيِ: الرَّاتِعِ (يَرْعَى) : صِفَةُ الرَّاعِي لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى كَالنَّكِرَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا (حَوْلَ الْحِمَى) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ مِيمٍ مُخَفَّفَةٍ، وَهُوَ الْمَرْعَى الَّذِي يَحْمِيهِ السُّلْطَانُ مِنْ أَنْ يَرْتَعَ مِنْهُ غَيْرُ رُعَاةِ دَوَابِّهِ، وَهَذَا الْمَنْعُ غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِهِ " «لَا حِمًى إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» " (يُوشِكُ) : أَيْ: يَقْرُبُ وَيَسْرُعُ (أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ) : أَيْ: فِي نَفْسِ الْحِمَى بِنَاءً عَلَى تَسَاهُلِهِ فِي الْمُحَافَظَةِ، وَجَرَاءَتِهِ عَلَى الرَّعْيِ، وَعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَيَسْتَحِقُّ عِقَابَ الْمَلِكِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِلَفْظِ: أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَفِي لَفْظِ: أَنْ يُوَاقِعَهُ، فَالرَّاعِي يَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنَى مَنْ يَرْعَى الْغَنَمَ وَالْإِبِلَ وَنَحْوَهَا. (أَلَا) : مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَحَرْفِ النَّفْيِ، لِإِعْطَاءِ مَعْنَى التَّنْبِيهِ عَلَى تَحَقُّقِ مَا بَعْدَهَا (وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ) : أَيْ: عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ، أَوْ إِخْبَارٌ عَمَّا
стр. 3942
يَكُونُ عَلَيْهِ ظُلَمَةُ الْإِسْلَامِيَّةِ (حِمًى) : يَمْنَعُ النَّاسَ عَنْهُ وَيُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَاوَ هِيَ الِابْتِدَائِيَّةُ الَّتِي تَسَمَّى النُّحَاةُ الِاسْتِئْنَافِيَّةَ عَلَى انْقِطَاعِ مَا بَعْدَهَا عَمَّا قَبْلَهَا فِي الْجُلِّ، كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا عَاطِفَةٌ لِمَا يُفْهَمُ مِنْ لَفْظِهِ: (أَلَا) أُنَبِّهَ، وَمِنْ قَوْلِهِ: (إِن لِكُلِّ مَلِكٍ) (حَقًّا) ، فَبِهَذَا التَّأْوِيلِ صَحَّ الْعَطْفُ، إِذْ عَطْفُ الْمُفْرَدِ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِاعْتِبَارِ أَنْ يَتَضَمَّنَ الْمُفْرَدُ مَعْنَى الْفِعْلِ كَمَا حُقِّقَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] (أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ) : وَهِيَ أَنْوَاعُ الْمَعَاصِي، فَمَنْ دَخَلَهُ بِارْتِكَابِ شَيْءٍ مِنْهَا اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهَا، فَمِنْهَا مَا لَا يُغْفَرُ وَهُوَ الشِّرْكُ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَالْكُلُّ مَغْفُورٌ بِالتَّوْبَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ شَبَّهَ الْمَحَارِمَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مَمْنُوعٌ التَّبْسِيطُ فِيهَا بِحِمَى السُّلْطَانِ، وَلَمَّا كَانَ التَّوَرُّعُ وَالتَّهَتُّكُ مِمَّا يَسْتَتْبِعُ مَيَلَانَ الْقَلْبِ إِلَى الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةٌ) وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّحْمِ قَدْرَ مَا يُمْضَغُ، وَسُمِّيَ الْقَلْبُ بِهَا لِأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنَ الْجَسَدِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْمُرَادُ تَصْغِيرُ الْقَلْبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي الْجَسَدِ، مَعَ أَنَّ صَلَاحَ الْجَسَدِ وَفَسَادَهُ تَابِعَانِ لَهُ. (إِذَا صَلَحَتْ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا، فَالْأَوَّلُ أَوْ صَحَّ أَيْ: إِذَا تَنَوَّرَتْ بِالْإِيمَانِ وَالْعِرْفَانِ وَالْإِيقَانِ (صَلُحَ الْجَسَدُ) : أَيْ: أَعْضَاؤُهُ (كُلُّهُ) : بِالْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَحْوَالِ " وَإِذَا فَسَدَتْ " بِفَتْحِ السِّينِ وَقِيلَ ضَمُّهَا أَيْضًا أَيْ: (إِذَا تَلَفَتْ وَأَظْلَمَتْ بِالْجُحُودِ وَالشَّكِّ وَالْكُفْرَانِ (فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ) : أَيْ: بِالْفُجُورِ وَالْعِصْيَانِ، فَعَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهَا وَيَمْنَعَهَا عَنِ الِانْهِمَاكِ فِي الشَّهَوَاتِ، حَتَّى لَا يُغَادِرَ إِلَى الشُّبَهَاتِ، وَلَا يَسْتَعْمِلَ جَوَارِحَهُ بِاقْتِرَافِ الْمُحَرَّمَاتِ. (وَأَلَا وَهِيَ) : أَيِ الْمُضْغَةُ الْمَوْصُوفَةُ (الْقَلْبُ) : فَهُوَ كَالْمَلِكِ، وَالْأَعْضَاءُ كَالرَّعِيَّةِ، فَأَهَمُّ الْأُمُورِ مُرَاعَاتُهُ، فَإِنْ صَدَرَ عَنْهُ إِرَادَةٌ صَالِحَةٌ تَحَرَّكُ الْجَسَدُ حَرَكَةً صَالِحَةً وَبِالْعَكْسِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا قِيلَ: النَّاسُ عَلَى دِينِ مُلُوكِهِمْ، وَالْإِنَاءُ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ، وَالْقَلْبُ لُغَةً صَرْفُ الشَّيْءِ إِلَى عَكْسِهِ، وَمِنْهُ الْقَلْبُ سُمِّيَ بِهِ لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ حَدِيثُ: «إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» ". وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: " «مَثَلُ الْقَلْبِ كَرِيشَةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ» ". وَلِهَذَا «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» ". وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
قَدْ سُمِّيَ الْقَلْبُ قَلْبًا مِنْ تَقَلُّبِهِ ... فَاحْذَرْ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ قَلْبٍ وَتَحْوِيلِ
وَلَهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ الْمُضْغَةُ الصُّنُوبَرِيَّةُ الْمُودَعَةُ فِي التَّجْوِيفِ الْأَيْسَرِ مِنَ الصَّدْرِ، وَهُوَ مَحَلُّ اللَّطِيفَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ. وَلِذَا نُسِبَ إِلَيْهِ الصَّلَاحُ وَالْفَسَادُ، وَبَاطِنٌ وَهُوَ اللَّطِيفَةُ النُّورَانِيَّةُ الرَّبَّانِيَّةُ الْعَالِمَةُ الَّتِي هِيَ مَهْبِطُ الْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ، وَبِهَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ إِنْسَانًا، وَبِهَا يَسْتَعِدُّ لِامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَبِهَا صَلَاحُ الْبَدَنِ وَفَسَادُهُ، وَهِيَ خُلَاصَةٌ تَوَلَّدَتْ مِنَ الرُّوحِ الرُّوحَانِيِّ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالنَّفْسِ النَّاطِقَةِ. قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] وَالرُّوحُ قَالَ : ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] وَهُوَ مَقَرُّ الْإِيمَانِ " ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] "، كَمَا أَنَّ الصَّدْرَ مَحَلُّ الْإِسْلَامِ ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢] وَالْفُؤَادُ مَقَرُّ الْمُشَاهَدَةِ ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] " وَاللُّبُّ مَقَامُ التَّوْحِيدِ ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩] الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ قِشْرِ الْوُجُودِ الْمُجَازَيِّ، وَبَقُوا بِلُبِّ الْوُجُودِ الْحَقِيقِيِّ، لَكِنَّ مَعْرِفَتَهُ كَمَا هِيَ مُتَعَذَّرَةٌ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى حَقِيقَتِهَا عَلَى أَرْبَابِ الْحَقَائِقِ مُتَعَسِّرَةٌ، هَذَا وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ صَلَاحَهُ إِنَّمَا هُوَ بِأَنْ يَتَغَذَّى بِالْحَلَالِ فَيَصْفُو، وَيَتَأَطَّرُ الْقَلْبُ بِصَفَائِهِ وَيَتَنَوَّرُ، فَيَنْعَكِسَ نُورُهُ إِلَى الْجَسَدِ فَيَصْدُرُ مِنْهُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِصَلَاحِهَا، وَإِذَا تَغَذَّى بِالْحَرَامِ يَصِيرُ مَرْتَعًا لِلشَّيْطَانِ وَالنَّفْسِ، فَيَتَكَدَّرُ وَيَتَكَدَّرُ الْقَلْبُ فَيُظْلِمُ، وَتَنْعَكِسُ ظُلْمَتُهُ إِلَى الْبَدَنِ فَلَا يَصْدُرُ مِنْهُ إِلَّا الْمَعَاصِي، وَهُوَ الْمُرَادُ بِفَسَادِهَا. هَذَا زُبْدَةُ كَلَامِ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ، وَخُلَاصَةُ تَحْقِيقِ بَعْضِ الْمُدَقِّقِينَ.
стр. 3943
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي الْوَرَعِ، وَهُوَ أَنَّ مَا اشْتَبَهَ أَمْرُهُ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ مُتَقَدِّمٌ، فَالْوَرَعُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَجْتَنِبَهُ، فَإِنَّهُ إِذْ لَمْ يَتْرُكْهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ وَاعْتَادَهُ جَرَّ ذَلِكَ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ، فَلَوْ وَجَدَ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا لَا يَدْرِي هَلْ هُوَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فَالْوَرَعُ أَنْ يَجْتَنِبَهُ، وَلَا عَلَيْهِ إِنْ تَنَاوَلَهُ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ مُعَامَلَةُ مَنْ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ أَوْ خَالَطَهُ رِبًا، فَالْأَوْلَى أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْهَا وَيَتْرُكَهَا، وَلَا يَحْكُمَ بِفَسَادِهَا مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّ عَيْنَهُ حَرَامٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَهَنَ دِرْعَهُ مِنْ يَهُودِيٍّ بِشَعِيرٍ أَخْذَهُ لِقُوتِ أَهْلِهِ، مَعَ أَنَّهُمْ يُرْبُونَ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ وَيَسْتَحِلُّونَ أَثْمَانَ الْخُمُورِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَسْأَلُ السَّلَاطِينَ فَإِنْ أَعْطَوْكَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ يُصِيبُونَ مِنَ الْحَلَالِ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطُونَكَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَأْخُذُ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ، وَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ لَمْ يَقْبَلُوا جَوَائِزَ السُّلْطَانِ، فَقِيلَ لِابْنِ الْمُسَيَّبِ؟ قَالَ: قَدْ رَدَّهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي عَلَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدٌ الْغَزَالِيُّ ﵀: إِنَّ السَّلَاطِينَ فِي زَمَانِنَا هَذَا ظُلَمَةٌ، قَلَّمَا يَأْخُذُونَ شَيْئًا عَلَى وَجْهِهِ بِحَقِّهِ، فَلَا تَحِلُّ مُعَامَلَتُهُمْ وَلَا مُعَامَلَةُ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ حَتَّى الْقَاضِي، وَلَا التِّجَارَةُ الَّتِي فِي الْأَسْوَاقِ الَّتِي بَنَوْهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالْوَرَعُ اجْتِنَابُ الرُّبَطِ وَالْمَدَارِسِ وَالْقَنَاطِرِ الَّتِي بَنَوْهَا بِالْأَمْوَالِ الْمَغْصُوبَةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ مَالِكُهَا. وَرَوَى ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: كُنْتُ لَيْلَةً مَعَ سُفْيَانِ الثَّوْرِيِّ فَرَأَى نَارًا مِنْ بَعِيدٍ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقُلْتُ: نَارُ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ، فَقَالَ: اذْهَبْ بِنَا فِي طَرِيقٍ آخَرَ لِأَنَّهُ يَسْتَضِيءُ بِنَارِهِمْ، قُلْتُ: وَمَا أَنْسَبُ قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
стр. 3944
٢٧٦٣ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٧٦٣ - (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ) : اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْكَلْبِ مُعَلَّمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَأَجَابَ عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ لَفْظَ الْخَبِيثِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُرْمَةِ لِمَا فِي الْخَبَرِ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ اتِّفَاقًا فَقَوْلُهُ: خَبِيثٌ أَيْ: لَيْسَ بِطَيِّبٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ، وَإِطْلَاقُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ حُصُولِهِ بِأَدْنَى الْمَكَاسِبِ، (وَمَهْرُ الْبَغِيِّ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهُوَ فَعَوْلٌ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْفَاعِلَةِ مِنْ بَغَتِ الْمَرْأَةُ بِغَاءً بِالْكَسْرِ إِذَا زَنَتْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣] وَالْمَعْنَى مَهْرُ الزَّانِيَةِ (خَبِيثٌ) أَيْ: حَرَامٌ إِجْمَاعًا لِأَنَّهَا تَأْخُذُهُ عِوَضًا عَنِ الزِّنَا الْمُحَرَّمِ، وَوَسِيلَةُ الْحَرَامِ حَرَامٌ، وَسَمَّاهُ مَهْرًا مَجَازًا لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبُضْعِ (وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ) : أَيْ: مَكْرُوهٌ لِدَنَاءَتِهِ. قَالَ الْقَاضِي: الْخَبِيثُ فِي الْأَصْلِ مَا يُكْرَهُ لِرَدَاءَتِهِ وَخِسَّتِهِ، وَيُسْتَعْمَلُ لِلْحَرَامِ مِنْ حَيْثُ كَرِهَهُ الشَّارِحُ وَاسْتَرْذَلَهُ، كَمَا يُسْتَعْمَلُ الطَّيِّبُ لِلْحَلَالِ. قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] أَيِ الْحَرَامَ بِالْحَلَالِ، وَلَمَّا كَانَ مَهْرُ الزَّانِيَةِ وَهُوَ مَا تَأْخُذُهُ عِوَضًا عَنِ الزِّنَا حَرَامًا ; كَانَ الْخَبِيثُ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ بِمَعْنَى الْحَرَامِ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا لِأَنَّهُ ﷺ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ الثَّانِي، وَأَمَّا نَهْيُ بَيْعِ الْكَلْبِ، فَمَنْ صَحَّحَهُ كَالْحَنَفِيَّةِ فَسَّرَهُ بِالدَّنَاءَةِ، وَمَنْ لَمْ يُصَحِّحْهُ كَأَصْحَابِنَا فَسَّرَهُ بِأَنَّهُ حَرَامٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 3945
٢٧٦٤ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٧٦٤ - (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ» ) : هُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى مَا كَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ حِينَ أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَكَانَ الِانْتِفَاعُ بِهِ يَوْمَئِذٍ مُحَرَّمًا، ثُمَّ رُخِّصَ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ قَضَى فِي كَلْبِ صَيْدٍ قَتَلَهُ رَجُلٌ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَقَضَى فِي كَلْبِ مَاشِيَةٍ بِكَبْشٍ، ذَكَرَهُ
стр. 3946
ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَأَنْ لَا قِيمَةَ عَلَى مُتْلِفِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُعَلَّمًا أَوْ لَا. وَسَوَاءٌ كَانَ يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ أَمْ لَا. وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بَيْعَ الْكَلْبِ الَّذِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَأَوْجَبَ الْقِيمَةَ عَلَى مُتْلِفِهِ. وَعَنْ مَالِكٍ ﵀ رِوَايَاتٌ. الْأُولَى: لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَتَجِبُ الْقِيمَةُ، وَالثَّانِيَةُ: كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَالثَّالِثَةُ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ. (وَمَهْرُ الْبَغِيِّ) : سَبَقَ بَيَانُهُ (وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ) : بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، مَا يُعْطَاهُ عَلَى كَهَانَتِهِ قَالَ الْهَرَوِيُّ: أَصْلُهُ مِنَ الْحَلَاوَةِ شَبَّهُ الْمُعْطَى بِالشَّيْءِ الْحُلْوِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَأْخُذُهُ سَهْلًا بِلَا كُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ، وَالْكَاهِنُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى الْأَخْبَارَ عَنِ الْكَائِنَاتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَيَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأَسْرَارِ، وَكَانَتْ فِي الْعَرَبِ كَهَنَةٌ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِنَ الْأُمُورِ الْكَائِنَةِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ لَهُمْ تَابِعَةً مِنَ الْجِنِّ تُلْقِي إِلَيْهِمُ الْأَخْبَارَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ يُدْرِكُ الْأُمُورَ بِفَهْمٍ أُعْطِيَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْأُمُورَ بِمُقَدِّمَاتٍ وَأَسْبَابٍ يَسْتَدِلُّ بِهِمَا عَلَى مَوَاقِعِهَا ; كَالشَّيْءِ يُسْرَقُ فَيَعْرِفُ الْمَظْنُونَ بِهِ لِلسَّرِقَةِ، وَمِنْهُمُ الْمَرْأَةُ بِالزَّنْيَةِ فَيَعْرِفُ مَنْ صَاحَبَهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّي الْمُنَجِّمَ كَاهِنًا حَيْثُ إِنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ الْأُمُورِ كَإِتْيَانِ الْمَطَرِ، وَمَجِيءِ الْوَبَاءِ وَظُهُورِ الْقِتَالِ، وَطَالِعِ نَحْسٍ أَوْ سَعِيدٍ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ إِتْيَانِ الْكَاهِنِ يَشْتَمِلُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ، وَعَلَى النَّهْيِ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ وَالرُّجُوعِ إِلَى قَوْلِهِمْ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3947
٢٧٦٥ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الْبَغِيِّ، وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَالْمُصَوِّرَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٧٦٥ - (وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) : مُصَغَّرًا بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: بَيْعُ الدَّمِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ نَجِسٌ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ نَهْيَهُ عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ عَلَى أَجْرِ الْحَجَّامِ، وَجَعَلَهُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ (وَثَمَنِ الْكَلْبِ) : وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ (وَكَسْبِ الْبَغِيِّ) أَيْ: مَكْسُوبِهَا (وَلَعَنَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (آكِلَ الرِّبَا) : أَيْ: آخِذَهُ (وَمُؤْكِلَهُ) : بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ وَاوًا. أَيْ: مُعْطِيَهُ، وَمُطْعِمَهُ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُغْتَبِطًا وَالْآخَرُ مُهْتَضِمًا (وَالْوَاشِمَةَ) أَيِ: الْمَرْأَةُ الَّتِي تَشِمُ، فِي النِّهَايَةِ: الْوَشْمُ أَنْ يُغْرَزَ الْجِلْدُ بِإِبْرَةٍ، ثُمَّ يُحْشَى بِكُحْلٍ أَوْ نِيلٍ فَيَزْرَقُّ أَوْ يَخْضَرُّ (وَالْمُسْتَوْشِمَةَ) : أَيِ: الَّتِي يُفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا: وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْفُسَّاقِ وَالْجُهَّالِ، وَلِأَنَّهُ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ، وَفِي الرَّوْضَةِ: لَوْ شَقَّ مَوْضِعًا مِنْ بَدَنِهِ وَجَعَلَ فِيهِ وِعَاءً أَوْ وَشَمَ يَدَهُ أَوْ غَيْرَهَا، فَإِنَّهُ يُنَجَّسُ عِنْدَ الْغَرْزِ، وَفِي تَعْلِيقِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ يُزِيلُ الْوَشْمَ بِالْعِلَاجِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا بِالْجِرَاحِ لَا يُجْرَحُ وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، (وَالْمُصَوِّرَ) : أَرَادَ بِهِ الَّذِي يُصَوِّرُ صُوَرَ الْحَيَوَانِ دُونَ مَنْ يُصَوِّرُ صُوَرَ الْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتِ، لِأَنَّ الْأَصْنَامَ الَّتِي كَانَتْ تُعْبَدُ كَانَتْ عَلَى صُوَرِ الْحَيَوَانَاتِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ كُلُّ صُورَةٍ مُصَوَّرَةٍ فِي رِقٍّ أَوْ قِرْطَاسٍ مِمَّا يَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الصُّورَةَ وَكَانَ الرِّقُّ تَبَعًا لَهُ، فَأَمَّا الصُّوَرُ الْمُصَوَّرَةُ فِي الْأَوَانِي وَالْقِصَاعِ، فَإِنَّهَا تَبَعٌ لِتِلْكَ الظُّرُوفِ بِمَنْزِلَةِ الصُّوَرِ الْمُصَوَّرَةِ عَلَى جُدُرِ الْبُيُوتِ وَالسُّقُوفِ وَفِي الْأَنْمَاطِ وَالسُّتُورِ، فَبَيْعُهَا صَحِيحٌ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 3948
٢٧٦٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ: فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ فَإِنَّهُ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: " لَا، هُوَ حَرَامٌ " ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ " قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٧٦٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: وَهُوَ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: عَامَ الْفَتْحِ نَحْوُ قَوْلِهِمْ: رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي وَأَخَذْتُهُ بِيَدِي اهـ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا لَا يَخْفَى، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي قَوْلِهِ عَامَ الْفَتْحِ أَنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بِالْمَدِينَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ، نَعَمْ. الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا تَحْقِيقُ السَّمَاعِ، وَتَقْرِيرُهُ (أَنَّ اللَّهَ) : أَيْ بِالْحَقِيقَةِ (وَرَسُولُهُ) أَيْ: بِالْمَجَازِ وَالتَّبَعِيَّةِ (حَرَّمَ بِيعَ الْخَمْرِ) : أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ حُرْمَةَ الْخَمْرِ وَجَعَلَهَا رِجْسًا وَحَرَّمَ بَيْعَهَا، وَرَسُولُهُ أَيْضًا بَيَّنَ حُرْمَتَهَا فِي أَحَادِيثِهِ وَكَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ) : أَيْ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَذِكْرُ اللَّهِ - تَعَالَى - قَبْلَ ذِكْرِ رَسُولِهِ ﷺ تَوْطِئَةً لِذِكْرِهِ إِيذَانًا بِأَنَّ تَحْرِيمَ الرَّسُولِ بَيْعَ الْمَذْكُورَاتِ لِتَحْرِيمِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِأَنَّهُ رَسُولُهُ وَخَلِيفَتُهُ، (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ) : أَيْ: أَخْبِرْنِي
стр. 3949
(شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟) : أَيْ: حُكْمَهَا (فَإِنَّهَا) : أَيْ: شُحُومُهَا، أَوِ الضَّمِيرُ لِلْقَضِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَإِنَّهُ بِالتَّذْكِيرِ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلشَّأْنِ (تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ) : بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ السَّفِينَةِ أَيْ أَخْشَابَهَا (وَيُدَّهَنُ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، وَفِي نُسْخَةٍ تَشْدِيدِ الْهَاءِ، (بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: يُنَوِّرُ (بِهَا النَّاسُ) : الْمِصْبَاحَ أَوْ بُيُوتَهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالطَّلَبِ الْمُسْتَفَادِ مِنَ السِّينِ أَنَّهُمْ لِشِدَّةِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَى ذَلِكَ التَّنْوِيرِ يَسْعَوْنَ فِي تَحْصِيلِهَا مَا أَمْكَنَ، وَيَجُوزُ كَوْنُ السِّينِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ (فَقَالَ " لَا) : أَيْ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ (هُوَ) : أَيِ الِانْتِفَاعُ بِهِ (حَرَامٌ) : أَيْ: مَمْنُوعٌ: قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ رَاجِعٌ إِلَى مُقَدَّرٍ بَعْدَ كَلِمَةِ الِاسْتِخْبَارِ، وَكَلِمَةُ (لَا) رَدٌّ لِذَلِكَ الْمُقَدَّرِ، وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَمْرَيْنِ أَحَدِهِمَا: أَخْبِرْنِي أَيَحِلُّ انْتِفَاعُ شُحُومِ الْمَيْتَةِ، وَالثَّانِي: هُوَ الْمُرَادُ: قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: مَعْنَى قَوْلِهِ: " لَا هُوَ حَرَامٌ " لَا تَبِيعُوهَا فَإِنَّ بَيْعَهَا حَرَامٌ، فَالضَّمِيرُ فِي (هُوَ) يَعُودُ إِلَى الْبَيْعِ لَا الِانْتِفَاعِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا لِعُمُومِ النَّهْيِ ; إِلَّا مَا خُصَّ وَهُوَ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ، فَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا جَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِالْأَدْهَانِ الْمُنَجَّسَةِ مِنَ الْخَارِجِ كَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَغَيْرِهَا بِالِاسْتِصْبَاحِ وَنَحْوِهِ، بِأَنْ يَجْعَلَ الزَّيْتَ صَابُونَ أَوْ يَطْعَمَ الْعَسَلَ الْمُتَنَجِّسَ النَّحْلِ وَالْمِيتَةَ وَالْكِلَابَ وَالطَّعَامَ وَالدَّوَابَّ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَأَصْحَابُهُ بِيعَ الزَّيْتِ النَّجِسِ إِذَا بَيَّنَهُ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَفِي عُمُومِ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يُحَرَّمُ بَيْعُ جُثَّةِ الْكَافِرِ الْمَقْتُولِ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ نَوْفَلًا الْمَخْزُومِيَّ قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَبَذَلَ الْكُفَّارُ فِي جَسَدِهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَقْبَلْهَا النَّبِيُّ ﷺ » .
(ثُمَّ قَالَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (عِنْدَ ذَلِكَ) : مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَرَأَيْتَ الْخَ (قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ) : أَيْ: أَهْلَكَهُمْ وَلَعَنَهُمْ، وَيُحْتَمَلُ إِخْبَارٌ وَدُعَاءٌ وَهُوَ مِنْ بَابِ عَاقَبْتُ اللِّصَّ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: أَيْ: عَادَاهُمْ، وَقِيلَ: قَتَلَهُمْ، فَأُخْرِجَ فِي صُورَةِ الْمُغَالَبَةِ (إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا) : بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ فِي نُسَخِ الْمِشَكَاةِ: وَقَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ: قَوْلُهُ: شُحُومَهُمَا أَيْ: بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ، الضَّمِيرُ يَعُودُ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمَنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] وَرُوِيَ (شُحُومَهُا) ، فَالضَّمِيرُ يَعُودُ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ اسْمُ جِنْسٍ يَجُوزُ تَأْنِيثُهُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى (أَجْمَلُوهُ) : بِالْجِيمِ أَيْ أَذَابُوهُ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الشُّحُومِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى الشَّحْمِ الْمَفْهُومِ مِنَ الشُّحُومِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَا هُوَ فِي مَعْنَى الشُّحُومِ، إِذْ لَوْ قِيلَ حَرَّمَ شُحُومَهَا لَمْ يَخِلَّ بِالْمَعْنَى فَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠] اهـ.
وَفِي النِّهَايَةِ: جَمَّلْتُ الشَّحْمَ وَأَجْمَلْتُهُ أَذَبْتُهُ، وَفِي الْقَامُوسِ: جَمَّلَ الشَّحْمَ أَذَابَهُ كَأَجْمَلَهُ وَاجْتَمَلَهُ، فَقَوْلُ الطِّيبِيِّ ﵀: جَمَّلْتُ أَفْصَحُ مِنْ أَجْمَلْتُ لَيْسَ مِنَ الْجَمِيلِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا فَصِيحَانِ بَلِ الْأَجْمَلُ، أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَجْمَلَ أَبْلَغُ لِإِفَادَةِ الْمُبَالِغَةِ، لِأَنَّ زِيَادَةَ الْمَبْنَى تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى، فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ بَالَغُوا فِي هَذَا الْفِعْلِ وَاسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْهُ (ثُمَّ بَاعُوهُ) أَيْ: صُورَةً، وَإِلَّا فَهُوَ بَاطِلٌ حَقِيقَةً (فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ) : فِيهِ زِيَادَةُ تَوْبِيخٍ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ كُلِّ حَيْدَةٍ تَحْتَالُ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى مُحَرَّمٍ وَأَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِتَغَيُّرِ هَيْئَاتِهِ وَتَبْدِيلِ اسْمِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3950
٢٧٦٧ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٧٦٧ - (وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا) : بِالتَّخْفِيفِ أَيْ: أَذَابُوهَا بِالنَّارِ لِيَزُولَ عَنْهَا اسْمُ الشُّحُومِ وَيَصِيرَ وَدَكًا (فَبَاعُوهَا) ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 3951
٢٧٦٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٢٧٦٨ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ) : بِتَشْدِيدِ السِّينِ الْمَكْسُورَةِ وَالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَهُوَ الْهِرُّ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا يَنْفَعُ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِكَيْ يَعْتَادَ النَّاسُ هِبَتَهُ وَإِعَارَتَهُ وَالسَّمَاحَةَ بِهِ، كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، فَإِنْ كَانَ نَافِعًا وَبَاعَهُ صَحَّ الْبَيْعُ وَكَانَ ثَمَنُهُ حَلَالًا، هَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعَيْنِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ فَلَيْسَ كَمَا قَالَا، بَلْ هُوَ صَحِيحٌ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَغَيْرُهُ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ غَلَطٌ، لِأَنَّ مُسْلِمًا قَدْ رَوَاهُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَهُمَا ثِقَتَانِ. اهـ.
وَالْحَدِيثُ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي تَجْوِيزِهِمْ بِيعَ الْكَلْبِ، لِأَنَّ الْمُنَاسِبَةَ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ فِي النَّهْيِ تُوجِبُ ذَلِكَ: قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَكَرِهَ بَعْضٌ بَيْعَ السِّنَّوْرِ الْأَهْلِيِّ وَالْوَحْشِيِّ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَحَمَلَهُ الْأَكْثَرُونَ عَلَى الْوَحْشِيِّ مِنْهَا لِلْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ رُبِطَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لَأَنَّ نَفْعَهُ صَيْدُ الْفَأْرَةِ، وَلَوْ لَمْ يُرْبَطْ لَرُبَّمَا يَنْفِرُ فَيَضِيعُ الْمَالُ الْمَصْرُوفُ فِي ثَمَنِهِ.
стр. 3952
٢٧٦٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٧٦٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ) : بِفَتْحِ مُهْمِلَةٍ فَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ; عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ اسْمُهُ نَافِعٌ أَوْ دِينَارٌ أَوْ مَسِيرَةُ أَقْوَالٌ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ) : أَيْ: سَادَاتِهِ (أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: شَيْئًا مِمَّا وُظِّفُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمُقَاطَعَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ مُخَارَجَةِ الْعَبْدِ بِرِضَاهُ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: اكْتَسِبْ وَأَعْطِنِي مِنْ كَسْبِكَ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا وَالْبَاقِي لَكَ، فَيَقُولُ الْعَبْدُ: رَضِيتُ بِهِ، وَفِيهِ إِبَاحَةُ نَفْسِ الْحِجَامَةِ وَأَنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الْأَدْوِيَةِ، وَإِبَاحَةُ التَّدَاوِي، وَإِبَاحَةُ الْأَجْهِزَةِ عَلَى الْمُعَالَجَةِ لِلطَّبِيبِ وَفِيهِ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ بِالتَّخْفِيفِ إِلَى أَصْحَابِ الْحُقُوقِ وَالدُّيُونِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 3953
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٧٧٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالدَّارِمِيِّ " «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ» ".
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٧٧٠ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ) أَيْ: أَحَلَّهُ، وَمَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ (مِنْ كَسْبِكُمْ) : أَيِ: الْحَاصِلُ مِنْ وِجْهَةِ الْوَاصِلِ مِنْ جِهَةِ صِنَاعَةٍ، أَوْ تِجَارَةٍ، أَوْ زِرَاعَةٍ (وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مَنْ كَسْبِكُمْ) : أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهِ لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا بِوَاسِطَةِ تَزَوُّجِكُمْ، فَيَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مَنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ إِذَا كُنْتُمْ مُحْتَاجِينَ وَإِلَّا فَلَا، إِلَّا أَنْ طَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ - هَكَذَا قَرَّرَهُ عُلَمَاؤُنَا - وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ وَاجِبَةٌ إِذَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ عَاجِزَيْنِ عَنِ السَّعْيِ، عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالدَّارِمِيِّ: ( «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: تَسْمِيَةُ الْوَلَدِ بِالْكَسْبِ مَجَازٌ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَطَّانِ
стр. 3954
وَالْمُنْذِرِيُّ، «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا وَوَلَدًا، وَأَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِيَ قَالَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» " وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَصْغَرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَعَنْ جَابِرٍ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَيْهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مَالِيَ، فَقَالَ ﵊: " ادْعُهُ لِي "، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ ﵊ " إِنَّ ابْنَكَ يَزْعُمُ أَنَّكَ تَأْخُذُ مَالَهُ " فَقَالَ " سَلْهُ هَلْ لِعَمَّتِهِ وَقَرَابَاتِهِ أَوْ لِمَا أُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِي وَعِيَالِي؟ قَالَ: فَهَبَطَ جِبْرِيلُ ﵊ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الشَّيْخَ قَالَ فِي نَفْسِهِ شِعْرًا لَمْ تَسْمَعْهُ أُذُنَاهُ ; فَقَالَ ﵊: (قُلْتَ فِي نَفْسِكَ شِعْرًا لَمْ تَسْمَعْهُ أُذُنَاكَ ; فَهَاتِهِ " فَقَالَ: لَا نَزَالُ يَزِيدُنَا اللَّهُ بِكَ بَصِيرَةً وَيَقِينًا ثُمَّ أَنَشَأَ يَقُولُ:
غَذَوْتُكَ مَوْلُودًا وَمُنْتُكَ يَافِعًا ... تَعَلُّ بِمَا أَجْنِي عَلَيْكَ وَتَنْهَلُ
إِذَا لَيْلَةٌ ضَاقَتْكَ بِالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ ... لِسُقْمِكَ إِلَّا سَامَرًا أَتَمَلْمَلُ
تَخَافُ الْوَرَى نَفْسِي عَلَيْكَ وَإِنَّهَا ... لَتَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ حَتْمٌ مُوَكَّلُ
كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي ... طَرَقْتَ بِهِ دُونِي فَعَيْنَاكَ تُهْمِلُ
كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي ... إِلَيْكَ مَرَامًا فِيكَ قَدْ كُنْتُ آمُلُ
جَعَلْتَ جَزَائِيَ غِلْظَةً وَفَظَاظَةً ... كَأَنَّكَ أَنْتَ الْمُنَعِمُ الْمُتَفَضِّلُ
فَلَيْتَكَ إِذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي ... فَعَلْتَ كَمَا جَارُ الْمُجَاوِرِ يَفْعَلُ
قَالَ: فَبَكَى ﵊ ثُمَّ أَخَذَ بِتَلَابِيبِ ابْنِهِ وَقَالَ: " اذْهَبْ أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» " وَرُوِيَ حَدِيثُ جَابِرٍ الْأَوَّلُ فِي طُرُقٍ كَثِيرَةٍ.
стр. 3955
٢٧٧١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالًا حَرَامًا فَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ فَيُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَا يُنْفِقُ مِنْهُ ; فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ، وَلَا يَتْرُكُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلَّا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، إِنَّ الْخَبِيثَ لَا يَمْحُو الْخَبِيثَ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَكَذَا فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
٢٧٧١ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالًا حَرَامًا فَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ) : بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى يَكْسِبُ وَقَوْلُهُ: (فَيُنْفَقُ مِنْهُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مَرْفُوعٌ أَيْضًا، عَطْفٌ عَلَى فَيُتَصَدَّقُ يَعْنِي لَا يُوجَدُ الْكَسْبُ الْحَرَامُ الْمُسْتَعْقِبُ لِلتَّصَدُّقِ (فَالْقَبُولُ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَيُقْبَلَ، بِالنَّصْبِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُحْتَمَلُ النَّصُّ جَوَابًا لِلنَّفْيِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ أَيْ: فَلَا يَكُونُ اجْتِمَاعُ الْكَسْبِ وَالتَّصَدُّقِ سَبَبًا لِلْقَبُولِ، وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُنْفَقُ مِنْهُ) : بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَيُتَصَدَّقُ عَلَى تَقْدِيرِ الْمَعْطُوفِ لَا الِانْسِحَابِ، وَقَوْلُهُ: (فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْجَوَابِ وَكَذَا قَوْلُهُ (وَلَا يَتْرُكُهُ) : عَطْفٌ عَلَى فَيُتَصَدَّقُ، وَقَوْلُهُ (خَلْفَ ظَهْرِهِ) : كِنَايَةٌ عَنِ الْمَوْتِ (إِلَّا كَانَ) : أَيِ الْمَتْرُوكُ أَوْ ذَلِكَ الْكَسْبُ الْحَرَامُ (زَادَهُ) : أَيْ زِوَادَتَهُ مُنْتَهِيًا (إِلَى النَّارِ) لِأَنَّهُ لَمَّا عَصَى بِجَمْعِ الْمَالِ مِنْ وَجْهٍ حَرَامٍ، ثُمَّ مَاتَ وَتَرَكَهُ لِوَرَثَةٍ كَانَ عَلَيْهِ إِثْمُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْ: مَنْ كَانَ سَبَبًا فِي ارْتِكَابِ غَيْرِهِ مَعْصِيَةً حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الْوَعِيدُ، وَزَادَهُ بِزَايٍ مُعْجَمَةٍ، وَالتَّقْدِيرُ حَالَ كَوْنِهِ مُوَصِّلًا لَهُ إِلَى النَّارِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَرُوِيَ بِمُهْمَلَةٍ مِنَ الرَّوْدِ مَانِعُهُ عَنِ الْجَنَّةِ، وَمُلْجِئُهُ إِلَى النَّارِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْحَدِيثُ مِنَ التَّقْسِيمِ الْحَاضِرِ لِأَنَّ مَنِ اكْتَسَبَ الْمَالَ إِمَّا أَنْ يَدَّخِرَ لِلْآخِرَةِ فَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ أَوَّلًا. وَالثَّانِي إِمَّا أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ أَوَّلًا.
وَالثَّانِي هُوَ مَا يَدَّخِرُهُ لِدُنْيَاهُ وَأَخْذُهُ كَذَا لِنَفْسِهِ فَبَيَّنَ ﷺ أَنَّ الْحَرَامَ لَا يُجْدِيهِ وَلَا يَنْفَعُهُ فِيمَا قَصَدَهُ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُوَ السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ عَدَمِ الْقَبُولِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ التَّصَدُّقَ بِالْمَالِ الْحَرَامِ سَيِّئَةٌ، وَلَا يَمْحُوَ اللَّهُ الْأَعْمَالَ السَّيِّئَاتِ بِالسَّيِّئَاتِ، بَلْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالٍ حَرَامٍ وَرَجَا الثَّوَابَ كَفَرَ، وَلَوْ عَرَفَ الْفَقِيرُ وَدَعَا لَهُ كَفَرَ (وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ) أَيِ: التَّصَدُّقِ بِالْحَلَالِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَهَذِهِ الْجُمَلُ كُلُّهَا مُقَدِّمَةٌ وَتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ (إِنَّ الْخَبِيثَ لَا يَمْحُو الْخَبِيثَ) : أَيِ: النَّجِسُ لَا يُطَهِّرُ النَّجِسَ بَلِ الطَّهُورُ يُطَهِّرُهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيِ الْمَالُ الْحَرَامُ لَا يُجْدِيَ الْبَتَّةَ فَعَبَّرَ عَنْ عَدِيمِ النَّفْعِ بِالْخَبِيثِ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَكَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : لِصَاحِبِ الْمَصَابِيحِ بِإِسْنَادِهِ
стр. 3956
٢٧٧٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، وَكُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
٢٧٧٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ دُخُولًا أَوَّلِيًّا مَعَ النَّاجِينَ ; بَلْ بَعْدَ عَذَابٍ بِقَدْرِ أَكْلِهِ لِلْحَرَامِ مَا لَمْ يُعْفَ عَنْهُ، أَوْ لَا يَدْخُلُ مَنَازِلَهُ الْعَلِيَّةَ، أَوِ الْمُرَادُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَبَدًا إِنِ اعْتَقَدَ حِلَّ الْحَرَامِ، وَكَانَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الزَّجْرُ وَالتَّهْدِيدُ وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ، وَلِذَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِنَوْعٍ مِنَ التَّقْيِيدِ (لَحْمٌ) : أَيْ صَاحِبُ لَحْمٍ (نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ) : بِضَمِّ السِّينِ وَالْحَاءِ وَسُكُونِهَا الْحَرَامُ ; لِأَنَّهُ يُسْحِتُ الْبَرَكَةَ أَيْ يُذْهِبُهَا، وَأُسْنِدَ عَدَمُ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَى اللَّحْمِ لَا إِلَى صَاحِبِهِ إِشْعَارًا بِالْعِلِّيَّةِ، وَأَنَّهُ خَبِيثٌ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَدْخُلَ الطَّيِّبَ ; لِأَنَّ الْخَبِيثَ لِلْخَبِيثِ، وَلِذَا أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مَنْ سُحْتٍ كَانَتِ النَّارُ) وَفِي نُسْخَةٍ كَانَ النَّارُ (أَوْلَى بِهِ) أَيْ: مِنَ الْجَنَّةِ لِتُطَهِّرَهُ النَّارُ عَنْ ذَلِكَ بِإِحْرَاقِهَا إِيَّاهُ، وَهَذَا عَلَى ظَاهِرِ الِاسْتِحْقَاقِ، أَمَّا إِذَا تَابَ أَوْ غُفِرَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَأَرْضَى خُصُومَهُ، أَوْ نَالَتْهُ شَفَاعَةُ شَفِيعٍ، فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ هَذَا الْوَعِيدِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 3957
٢٧٧٣ - وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَى الدَّارِمِيُّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ.
ــ
٢٧٧٣ - (وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ (دَعْ) : أَيِ: اتْرُكْ (مَا يَرِيبُكَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ، وَالرَّيْبُ الشَّكُّ وَقِيلَ: هُوَ الشَّكُّ مَعَ التُّهْمَةِ " إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ ": قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: أَيْ: مَا اعْتَرَضَ لَكَ الشَّكُّ فِيهِ مُنْقَلِبًا عَنْهُ إِلَى مَا لَا شَكَّ فِيهِ، يُقَالُ: دَعْ ذَلِكَ إِلَى ذَلِكَ أَيِ: اسْتَبْدِلْهُ بِهِ. اهـ. وَالْمَعْنَى: اتْرُكْ مَا تَشُكُّ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْهُ أَوَّلًا أَوْ سُنَّةٌ أَوْ بِدْعَةٌ، وَأَعْدِلْ إِلَى مَا لَا تَشُكُّ فِيهِ مِنْهُ، وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَبْنِيَ الْمُكَلَّفُ أَمْرَهُ عَلَى الْيَقِينِ الْبَحْتِ وَالتَّحْقِيقِ الصِّرْفِ، وَيَكُونُ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي دِينِهِ (فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ، وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ ضَبَطَهُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الذَّالِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَفْصَحُ الْوَاقِعُ فِي الْقُرْآنِ وَالثَّانِي لُغَةٌ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ إِذَا قُوبِلَ بِالصِّدْقِ فَهُوَ أَوْلَى لِحُسْنِ الْمُوَازَنَةِ بَيْنَهُمَا، (رِيبَةٌ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَحَقِيقَتُهَا قَلَقُ النَّفْسِ وَاضْطِرَابُهَا، فَإِنَّ كَوْنَ الْأَمْرِ مَشْكُوكًا فِيهِ مِمَّا يَقْلَقُ لَهُ النَّفْسُ، وَكَوْنُهُ صَحِيحًا صَادِقًا مِمَّا تَطْمَئِنُّ لَهُ، وَمِنْهُ رَيْبُ الْمَنُونِ أَيْ مَا يُقْلِقُ النُّفُوسَ مِنْ حَوَادِثِ الدَّهْرِ، وَقِيلَ الْمَوْتُ هَذَا، وَقَدْ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: جَاءَ هَذَا الْقَوْلُ مُمَهِّدًا لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَمَعْنَاهُ إِذَا وَجَدْتَ نَفْسَكَ تَرْتَابُ فِي الشَّيْءِ فَاتْرُكْهُ، فَإِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ تَطْمَئِنُّ إِلَى الصِّدْقِ وَتَرْتَابُ مِنَ الْكَذِبِ، فَارْتِيَابُكَ فِي الشَّيْءِ مُنْبِئٌ عَنْ كَوْنِهِ بَاطِلًا أَوْ مَظَنَّةً لِلْبَاطِلِ فَاحْذَرْهُ، وَاطْمِئْنَانُكَ إِلَى الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِهِ حَقًّا فَاسْتَمْسِكْ بِهِ، وَالصِّدْقُ وَالْكَذِبُ يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْمَقَالِ وَالْفِعَالَ وَمَا يَحِقُّ أَوْ يَبْطُلُ مِنَ الِاعْتِقَادِ، وَهَذَا الْأَمْرُ مَخْصُوصٌ بِذَوِي النُّفُوسِ الشَّرِيفَةِ الْقُدْسِيَّةِ الطَّاهِرَةِ مِنْ أَوْضَارِ الذُّنُوبِ وَأَوْسَاخِ الْآثَامِ. اهـ
стр. 3958
وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَعْنَاهُ إِذَا كُنْتَ صَحِيحَ الْخَاطِرِ طَاهِرَ الْبَاطِنِ، مُرَاقِبًا لِلْغَيْبِ وَتَعْرِفُ لَمَّةَ الْمَلَكِ مِنْ لَمَّةِ الشَّيْطَانِ، وَالْإِلْهَامَ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَكُنْتَ مُمَيِّزًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ بِنُورِ الْفِرَاسَةِ وَصَفَاءِ الْقَلْبِ. دَعْ مَا يَرِيبُكَ مِنَ الْأُغْلُوطَاتِ وَالشُّبَهَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَالشَّيْطَانِيَّةِ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ مِمَّا يَنْزِلُ بِقَلْبِكَ وَعَقْلِكَ وَرُوحِكَ مِنَ الْإِلْهَامِ الْإِلَهِيِّ وَالْعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ الْمُطَابِقِ لِلْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، وَكَمَا أَنَّ تَرْكَ مَا يَرِيبُكَ مَأْمُورٌ، فَتَرْكُ مَا يُرِيبُ مَأْمُورٌ، فَتَرْكُ مَا يُرِيبُ الْغَيْرَ مِمَّا يَصْعُبُ عَلَى أَفْهَامِ الْعَامَّةِ أَوْلَى كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ الْأَعْلَى -:
إِنِّي لَأَكَتْمُ مِنْ عِلْمِي جَوَاهِرَهُ ... كَيْلَا يَرَى الْحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتِنَنَا
يَا رُبَّ جَوْهَرِ عِلْمٍ لَوْ أَبُوحُ بِهِ ... لَقِيلَ لِي أَنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الْوَثَنَا
وَلَاسْتَحَلَّ رِجَالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي ... يَرَوْنَ أَقْبَحَ مَا يَرَوْنَهُ حَسَنًا
(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) ، أَيِ: الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ (وَرَوَى الدَّارِمِيُّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ) أَيِ الْجُمْلَةَ الْأُولَى فَقَطْ وَهِيَ: (دَعْ مَا يَرِيبُكَ) وَسَمَّاهُ فَصْلًا لِأَنَّ الْأَخِيرَ مُفَرَّعٌ وَالْأَوَّلُ: مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ، فَصَارَا كَالْفَصْلَيْنِ مِنَ الْكَلَامِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا ارْتِبَاطٌ تَامٌّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
стр. 3959
٢٧٧٤ - «وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَا وَابِصَةُ جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ، فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَهُ وَقَالَ: (اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ) ثَلَاثًا. الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٧٧٤ - (وَعَنْ وَابِصَةَ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (ابْنِ مَعْبَدٍ) أَيِ الْأَسَدِيِّ، أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ، كَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ لَا يَمْلِكُ دَمْعَتَهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَا وَابِصَةُ جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ) : بِالْكَسْرِ أَيِ الْإِحْسَانِ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ كُلِّهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩] (وَالْإِثْمِ) : (أَيِ الذَّنْبِ وَحَاصِلُهُمَا الطَّاعَةُ وَالْمَعْصِيَةُ، (فَقُلْتُ: نَعَمْ) ، وَهَذَا مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَمَّا أَضْمَرَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، (قَالَ) : أَيْ وَابِصَةُ (فَجَمَعَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (أَصَابِعَهُ) ، أَيْ أَصَابِعَ يَدِهِ فَضَرَبَ بِهِ صَدْرَهُ) ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ صَدْرِهِ إِلَى وَابِصَةَ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ، وَقَدْ جَزَمَ بِهِ الطِّيبِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي صَدْرِهِ يَعُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَوْهَمَهُ قَوْلُهُ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي غَيْرَ وَابِصَةَ وَهُوَ أَوْلَى بِسِيَاقِ الْمَعْنَى كَمَا أَمَرَ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ وَضَعَهَا عَلَيْهِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْقَلْبَ فِي الصَّدْرِ، يَعْنِي بِإِزَائِهِ وَجَانِبِهِ مِنَ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ، وَلِيَحْصُلَ لَهُ بِمَمَاسَّةِ الْيَدِ الْكَرِيمَةِ النَّهْيُ التَّامُّ لِفَهْمِ تَلَقِّي الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَيَكُونُ نَظِيرَ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ: أَنَّ التَّقْوَى هَا هُنَا وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. (وَقَالَ: اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ) وَاقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ ﵀ عَلَى الثَّانِي، فَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِتَأْكِيدٍ أَيِ: اطْلُبِ الْفَتْوَى مِنْ قَلْبِكَ، لِأَنَّهُ بَلَغَ فِي سُلُوكِ طَرِيقِ الْكَمَالِ وَطَلَبِ الْوُصُولِ بِعَيْنِ الْوِصَالِ إِلَى مَقَامِ الْقَلْبِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ سَيْرَ الْإِنْسَانِ إِلَى الْحَقِّ إِنَّمَا هُوَ بِالْبَاطِنِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ اسْتِعَانَةِ الظَّاهِرِ لِصُعُودِ الْهَيْئَاتِ الْبَدَنِيَّةِ إِلَى خَيْرِ النَّفْسِ وَالْقَلْبِ، وَهُبُوطِ الْهَيْئَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَالْقَلْبِيَّةِ إِلَى الظَّاهِرِ لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا، وَاشْتِقَاقِ الْفَتْوَى مِنَ الْفَتْوِ لِأَنَّهَا جَوَابٌ فِي حَادِثَةٍ أَوْ إِحْدَاثُ حُكْمٍ، أَوْ تَقْوِيَةُ مُشْكِلٍ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ يَعْنِي أَنَّهُ حَظٌّ فِي الْفَتْوَى مَا يُنْبِئُ عَنْهُ الْفَتْوُ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْحُدُوثِ، (ثَلَاثًا) : ظَرْفٌ لِقَالَ تَأْكِيدًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ: اسْتَفْتِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ تَكَرُّرِ الِاسْتِخَارَةِ (الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ) .
قَالَ الْقَاضِي ﵀: الْمَعْنَى أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا أَشْكَلَ عَلَى السَّالِكِ وَالْتَبَسَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ الْقَبِيلَيْنِ هُوَ، فَلْيَتَأَمَّلْ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَلْيَسْأَلِ الْمُجْتَهِدِينَ إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ، فَإِنْ وَجَدَ مَا يَسْكُنُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَيَطْمَئِنُّ بِهِ قَلْبُهُ، وَيَنْشَرِحُ بِهِ صَدْرُهُ، فَلْيَأْخُذْ بِهِ وَلْيَخْتَرْهُ لِنَفْسِهِ، وَإِلَّا فَلْيَدَعْهُ وَلْيَأْخُذْ بِمَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَلَا رِيبَةَ، وَهَذَا
стр. 3960
طَرِيقَةُ الْوَرَعِ وَالِاحْتِيَاطِ وَحَاصِلُهُ رَاجِعٌ إِلَى حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا عَطَفَ اطْمِئْنَانَ الْقَلْبِ عَلَى اطْمِئْنَانِ النَّفْسِ لِلتَّقْرِيرِ وَالتَّأْكِيدِ، فَإِنَّ النَّفْسَ إِذَا تَرَدَّدَتْ فِي أَمْرٍ وَتَحَيَّرَتْ فِيهِ، وَزَالَ عَنْهَا الْقَرَارُ اسْتَتْبَعَ ذَلِكَ خَفَقَانًا لِلْقَلْبِ لِلْعَلَاقَةِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْأَوَّلِ لَهَا، فَتُنْقِلُ الْعَلَاقَةُ إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْهَيْئَةِ أَثَرًا فَيَحْدُثُ فِيهِ خَفَقَانٌ وَاضْطِرَابٌ، ثُمَّ رُبَّمَا يَسْرِي هَذَا الْأَثَرُ إِلَى سَائِرِ الْقُوَى، فَتَحُسُّ بِهَا الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ عَنِ النَّفْسِ وَحَدَثَ لَهَا قَرَارٌ وَطُمَأْنِينَةٌ انْعَكَسَ الْأَمْرُ، وَتَبَدَّلَتِ الْحَالُ عَلَى مَا لَهَا مِنَ الْفُرُوعِ وَالْأَعْضَاءِ وَقِيلَ: الْمَعْنِيُّ بِهَذَا الْأَمْرِ أَرْبَابُ الْبَصَائِرِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْفِكَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ وَأَصْحَابُ الْفِرَاسَاتِ مَنْ ذَوِي النُّفُوسِ الْمُرْتَاضَةِ وَالْقُلُوبِ السَّلِيمَةِ، فَإِنَّ نُفُوسَهُمْ بِالطَّبْعِ تَصْبُو إِلَى الْخَيْرِ وَتَنْبُو عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّ الشَّيْءَ يَنْجَذِبُ إِلَى مَا يُلَائِمُهُ وَيَنْفِرُ عَمَّا يُخَالِفُهُ، وَيَكُونُ مَلْهَمَةً لِلصَّوَابِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَبْعَدٍ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِحَمْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ فِيمَنْ يَجْمَعُهُمْ كَلِمَةُ التَّقْوَى وَتُحِيطُ بِهِمْ دَائِرَةُ الدِّينِ أَحَقُّ وَأَهْدَى. اهـ.
وَقِيلَ: النَّفْسُ لُغَةً حَقِيقَةُ الشَّيْءِ، وَاصْطِلَاحًا لَطِيفَةٌ فِي الْجَسَدِ تَوَلَّدَتْ مِنِ ازْدِوَاجِ الرُّوحِ بِالْبَدَنِ وَاتِّصَالِهِمَا مَعًا (وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ) : مِنْ حَاكَ يَحِيكُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَكَّ بِكَافٍ مُشَدَّدَةٍ (فِي النَّفْسِ) أَيْ أَثَّرَ فِيهَا وَلَمْ يَسْتَقِرَّ، وَفِي الْمَفَاتِيحِ: أَيْ أَثَرٌ فِي قَلْبِكَ أَوْهَمَكَ أَنَّهُ ذَنْبٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ: إِنَّ الْإِثْمَ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ. (وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ) أَيْ: وَلَمْ يَنْشَرِحْ لَهُ، وَهَذَا لِمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ، فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ (وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ) أَيْ: وَإِنْ قَالُوا لَكَ إِنَّهُ حَقٌّ فَلَا تَأْخُذْ بِقَوْلِهِمْ فَإِنَّهُ قَدْ يُوقِعُ فِي الْغَلَطِ وَأَكْلِ الشُّبْهَةِ، كَأَنْ تَرَى مَنْ لَهُ مَالٌ حَلَالٌ وَحَرَامٌ، فَلَا تَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتِي مَخَافَةَ أَنْ تَأْكُلَ الْحَرَامَ، لِأَنَّ الْفَتْوَى غَيْرُ التَّقْوَى، وَهُوَ شَرْطِيَّةٌ قُطِعَتْ عَنِ الْجَزَاءِ تَتْمِيمًا لِلْكَلَامِ السَّابِقِ وَتَقْرِيرًا لَهُ سَبِيلَ الْمُبَالَغَةِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ الْأَرْبَعِينَ قَوْلُهُ: (وَأَفْتَوْكَ) تَأْكِيدًا وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَنْشَدَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْمَعْنَى:
اتَّخِذْ طَاعَةَ الْإِلَهِ سَبِيلًا ... تَجِدِ الْفَوْزَ بِالْجِنَانِ وَتَنْجُو
وَاتْرُكِ الْإِثْمَ وَالْفَوَاحِشَ طُرًّا ... يُؤْتِكَ اللَّهُ مَا يَدُومُ وَيَنْجُو
(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
следующие страницы →