← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

٢٧٧٢ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، وَكُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ. ــ ٢٧٧٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ دُخُولًا أَوَّلِيًّا مَعَ النَّاجِينَ ; بَلْ بَعْدَ عَذَابٍ بِقَدْرِ أَكْلِهِ لِلْحَرَامِ مَا لَمْ يُعْفَ عَنْهُ، أَوْ لَا يَدْخُلُ مَنَازِلَهُ الْعَلِيَّةَ، أَوِ الْمُرَادُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَبَدًا إِنِ اعْتَقَدَ حِلَّ الْحَرَامِ، وَكَانَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الزَّجْرُ وَالتَّهْدِيدُ وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ، وَلِذَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِنَوْعٍ مِنَ التَّقْيِيدِ (لَحْمٌ) : أَيْ صَاحِبُ لَحْمٍ (نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ) : بِضَمِّ السِّينِ وَالْحَاءِ وَسُكُونِهَا الْحَرَامُ ; لِأَنَّهُ يُسْحِتُ الْبَرَكَةَ أَيْ يُذْهِبُهَا، وَأُسْنِدَ عَدَمُ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَى اللَّحْمِ لَا إِلَى صَاحِبِهِ إِشْعَارًا بِالْعِلِّيَّةِ، وَأَنَّهُ خَبِيثٌ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَدْخُلَ الطَّيِّبَ ; لِأَنَّ الْخَبِيثَ لِلْخَبِيثِ، وَلِذَا أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مَنْ سُحْتٍ كَانَتِ النَّارُ) وَفِي نُسْخَةٍ كَانَ النَّارُ (أَوْلَى بِهِ) أَيْ: مِنَ الْجَنَّةِ لِتُطَهِّرَهُ النَّارُ عَنْ ذَلِكَ بِإِحْرَاقِهَا إِيَّاهُ، وَهَذَا عَلَى ظَاهِرِ الِاسْتِحْقَاقِ، أَمَّا إِذَا تَابَ أَوْ غُفِرَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَأَرْضَى خُصُومَهُ، أَوْ نَالَتْهُ شَفَاعَةُ شَفِيعٍ، فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ هَذَا الْوَعِيدِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

стр. 3957

٢٧٧٣ - وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَى الدَّارِمِيُّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ. ــ ٢٧٧٣ - (وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ (دَعْ) : أَيِ: اتْرُكْ (مَا يَرِيبُكَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ، وَالرَّيْبُ الشَّكُّ وَقِيلَ: هُوَ الشَّكُّ مَعَ التُّهْمَةِ " إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ ": قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: أَيْ: مَا اعْتَرَضَ لَكَ الشَّكُّ فِيهِ مُنْقَلِبًا عَنْهُ إِلَى مَا لَا شَكَّ فِيهِ، يُقَالُ: دَعْ ذَلِكَ إِلَى ذَلِكَ أَيِ: اسْتَبْدِلْهُ بِهِ. اهـ. وَالْمَعْنَى: اتْرُكْ مَا تَشُكُّ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْهُ أَوَّلًا أَوْ سُنَّةٌ أَوْ بِدْعَةٌ، وَأَعْدِلْ إِلَى مَا لَا تَشُكُّ فِيهِ مِنْهُ، وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَبْنِيَ الْمُكَلَّفُ أَمْرَهُ عَلَى الْيَقِينِ الْبَحْتِ وَالتَّحْقِيقِ الصِّرْفِ، وَيَكُونُ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي دِينِهِ (فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ، وَفِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ ضَبَطَهُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الذَّالِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَفْصَحُ الْوَاقِعُ فِي الْقُرْآنِ وَالثَّانِي لُغَةٌ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ إِذَا قُوبِلَ بِالصِّدْقِ فَهُوَ أَوْلَى لِحُسْنِ الْمُوَازَنَةِ بَيْنَهُمَا، (رِيبَةٌ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَحَقِيقَتُهَا قَلَقُ النَّفْسِ وَاضْطِرَابُهَا، فَإِنَّ كَوْنَ الْأَمْرِ مَشْكُوكًا فِيهِ مِمَّا يَقْلَقُ لَهُ النَّفْسُ، وَكَوْنُهُ صَحِيحًا صَادِقًا مِمَّا تَطْمَئِنُّ لَهُ، وَمِنْهُ رَيْبُ الْمَنُونِ أَيْ مَا يُقْلِقُ النُّفُوسَ مِنْ حَوَادِثِ الدَّهْرِ، وَقِيلَ الْمَوْتُ هَذَا، وَقَدْ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: جَاءَ هَذَا الْقَوْلُ مُمَهِّدًا لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَمَعْنَاهُ إِذَا وَجَدْتَ نَفْسَكَ تَرْتَابُ فِي الشَّيْءِ فَاتْرُكْهُ، فَإِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ تَطْمَئِنُّ إِلَى الصِّدْقِ وَتَرْتَابُ مِنَ الْكَذِبِ، فَارْتِيَابُكَ فِي الشَّيْءِ مُنْبِئٌ عَنْ كَوْنِهِ بَاطِلًا أَوْ مَظَنَّةً لِلْبَاطِلِ فَاحْذَرْهُ، وَاطْمِئْنَانُكَ إِلَى الشَّيْءِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِهِ حَقًّا فَاسْتَمْسِكْ بِهِ، وَالصِّدْقُ وَالْكَذِبُ يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْمَقَالِ وَالْفِعَالَ وَمَا يَحِقُّ أَوْ يَبْطُلُ مِنَ الِاعْتِقَادِ، وَهَذَا الْأَمْرُ مَخْصُوصٌ بِذَوِي النُّفُوسِ الشَّرِيفَةِ الْقُدْسِيَّةِ الطَّاهِرَةِ مِنْ أَوْضَارِ الذُّنُوبِ وَأَوْسَاخِ الْآثَامِ. اهـ

стр. 3958

وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَعْنَاهُ إِذَا كُنْتَ صَحِيحَ الْخَاطِرِ طَاهِرَ الْبَاطِنِ، مُرَاقِبًا لِلْغَيْبِ وَتَعْرِفُ لَمَّةَ الْمَلَكِ مِنْ لَمَّةِ الشَّيْطَانِ، وَالْإِلْهَامَ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَكُنْتَ مُمَيِّزًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ بِنُورِ الْفِرَاسَةِ وَصَفَاءِ الْقَلْبِ. دَعْ مَا يَرِيبُكَ مِنَ الْأُغْلُوطَاتِ وَالشُّبَهَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَالشَّيْطَانِيَّةِ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ مِمَّا يَنْزِلُ بِقَلْبِكَ وَعَقْلِكَ وَرُوحِكَ مِنَ الْإِلْهَامِ الْإِلَهِيِّ وَالْعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ الْمُطَابِقِ لِلْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، وَكَمَا أَنَّ تَرْكَ مَا يَرِيبُكَ مَأْمُورٌ، فَتَرْكُ مَا يُرِيبُ مَأْمُورٌ، فَتَرْكُ مَا يُرِيبُ الْغَيْرَ مِمَّا يَصْعُبُ عَلَى أَفْهَامِ الْعَامَّةِ أَوْلَى كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ الْأَعْلَى -: إِنِّي لَأَكَتْمُ مِنْ عِلْمِي جَوَاهِرَهُ ... كَيْلَا يَرَى الْحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتِنَنَا يَا رُبَّ جَوْهَرِ عِلْمٍ لَوْ أَبُوحُ بِهِ ... لَقِيلَ لِي أَنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الْوَثَنَا وَلَاسْتَحَلَّ رِجَالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي ... يَرَوْنَ أَقْبَحَ مَا يَرَوْنَهُ حَسَنًا (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) ، أَيِ: الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ (وَرَوَى الدَّارِمِيُّ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ) أَيِ الْجُمْلَةَ الْأُولَى فَقَطْ وَهِيَ: (دَعْ مَا يَرِيبُكَ) وَسَمَّاهُ فَصْلًا لِأَنَّ الْأَخِيرَ مُفَرَّعٌ وَالْأَوَّلُ: مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ، فَصَارَا كَالْفَصْلَيْنِ مِنَ الْكَلَامِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا ارْتِبَاطٌ تَامٌّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

стр. 3959

٢٧٧٤ - «وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَا وَابِصَةُ جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ، فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَهُ وَقَالَ: (اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ) ثَلَاثًا. الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٢٧٧٤ - (وَعَنْ وَابِصَةَ) : بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (ابْنِ مَعْبَدٍ) أَيِ الْأَسَدِيِّ، أَسْلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ، كَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ لَا يَمْلِكُ دَمْعَتَهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَا وَابِصَةُ جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ) : بِالْكَسْرِ أَيِ الْإِحْسَانِ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ كُلِّهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩] (وَالْإِثْمِ) : (أَيِ الذَّنْبِ وَحَاصِلُهُمَا الطَّاعَةُ وَالْمَعْصِيَةُ، (فَقُلْتُ: نَعَمْ) ، وَهَذَا مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَمَّا أَضْمَرَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، (قَالَ) : أَيْ وَابِصَةُ (فَجَمَعَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (أَصَابِعَهُ) ، أَيْ أَصَابِعَ يَدِهِ فَضَرَبَ بِهِ صَدْرَهُ) ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ صَدْرِهِ إِلَى وَابِصَةَ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ، وَقَدْ جَزَمَ بِهِ الطِّيبِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي صَدْرِهِ يَعُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَوْهَمَهُ قَوْلُهُ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي غَيْرَ وَابِصَةَ وَهُوَ أَوْلَى بِسِيَاقِ الْمَعْنَى كَمَا أَمَرَ اهـ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ وَضَعَهَا عَلَيْهِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْقَلْبَ فِي الصَّدْرِ، يَعْنِي بِإِزَائِهِ وَجَانِبِهِ مِنَ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ، وَلِيَحْصُلَ لَهُ بِمَمَاسَّةِ الْيَدِ الْكَرِيمَةِ النَّهْيُ التَّامُّ لِفَهْمِ تَلَقِّي الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَيَكُونُ نَظِيرَ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ: أَنَّ التَّقْوَى هَا هُنَا وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. (وَقَالَ: اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ) وَاقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ ﵀ عَلَى الثَّانِي، فَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِتَأْكِيدٍ أَيِ: اطْلُبِ الْفَتْوَى مِنْ قَلْبِكَ، لِأَنَّهُ بَلَغَ فِي سُلُوكِ طَرِيقِ الْكَمَالِ وَطَلَبِ الْوُصُولِ بِعَيْنِ الْوِصَالِ إِلَى مَقَامِ الْقَلْبِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ سَيْرَ الْإِنْسَانِ إِلَى الْحَقِّ إِنَّمَا هُوَ بِالْبَاطِنِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ اسْتِعَانَةِ الظَّاهِرِ لِصُعُودِ الْهَيْئَاتِ الْبَدَنِيَّةِ إِلَى خَيْرِ النَّفْسِ وَالْقَلْبِ، وَهُبُوطِ الْهَيْئَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَالْقَلْبِيَّةِ إِلَى الظَّاهِرِ لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا، وَاشْتِقَاقِ الْفَتْوَى مِنَ الْفَتْوِ لِأَنَّهَا جَوَابٌ فِي حَادِثَةٍ أَوْ إِحْدَاثُ حُكْمٍ، أَوْ تَقْوِيَةُ مُشْكِلٍ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ يَعْنِي أَنَّهُ حَظٌّ فِي الْفَتْوَى مَا يُنْبِئُ عَنْهُ الْفَتْوُ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْحُدُوثِ، (ثَلَاثًا) : ظَرْفٌ لِقَالَ تَأْكِيدًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ: اسْتَفْتِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ تَكَرُّرِ الِاسْتِخَارَةِ (الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ) . قَالَ الْقَاضِي ﵀: الْمَعْنَى أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا أَشْكَلَ عَلَى السَّالِكِ وَالْتَبَسَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ الْقَبِيلَيْنِ هُوَ، فَلْيَتَأَمَّلْ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَلْيَسْأَلِ الْمُجْتَهِدِينَ إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ، فَإِنْ وَجَدَ مَا يَسْكُنُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَيَطْمَئِنُّ بِهِ قَلْبُهُ، وَيَنْشَرِحُ بِهِ صَدْرُهُ، فَلْيَأْخُذْ بِهِ وَلْيَخْتَرْهُ لِنَفْسِهِ، وَإِلَّا فَلْيَدَعْهُ وَلْيَأْخُذْ بِمَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَلَا رِيبَةَ، وَهَذَا

стр. 3960

طَرِيقَةُ الْوَرَعِ وَالِاحْتِيَاطِ وَحَاصِلُهُ رَاجِعٌ إِلَى حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا عَطَفَ اطْمِئْنَانَ الْقَلْبِ عَلَى اطْمِئْنَانِ النَّفْسِ لِلتَّقْرِيرِ وَالتَّأْكِيدِ، فَإِنَّ النَّفْسَ إِذَا تَرَدَّدَتْ فِي أَمْرٍ وَتَحَيَّرَتْ فِيهِ، وَزَالَ عَنْهَا الْقَرَارُ اسْتَتْبَعَ ذَلِكَ خَفَقَانًا لِلْقَلْبِ لِلْعَلَاقَةِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْأَوَّلِ لَهَا، فَتُنْقِلُ الْعَلَاقَةُ إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْهَيْئَةِ أَثَرًا فَيَحْدُثُ فِيهِ خَفَقَانٌ وَاضْطِرَابٌ، ثُمَّ رُبَّمَا يَسْرِي هَذَا الْأَثَرُ إِلَى سَائِرِ الْقُوَى، فَتَحُسُّ بِهَا الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ عَنِ النَّفْسِ وَحَدَثَ لَهَا قَرَارٌ وَطُمَأْنِينَةٌ انْعَكَسَ الْأَمْرُ، وَتَبَدَّلَتِ الْحَالُ عَلَى مَا لَهَا مِنَ الْفُرُوعِ وَالْأَعْضَاءِ وَقِيلَ: الْمَعْنِيُّ بِهَذَا الْأَمْرِ أَرْبَابُ الْبَصَائِرِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْفِكَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ وَأَصْحَابُ الْفِرَاسَاتِ مَنْ ذَوِي النُّفُوسِ الْمُرْتَاضَةِ وَالْقُلُوبِ السَّلِيمَةِ، فَإِنَّ نُفُوسَهُمْ بِالطَّبْعِ تَصْبُو إِلَى الْخَيْرِ وَتَنْبُو عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّ الشَّيْءَ يَنْجَذِبُ إِلَى مَا يُلَائِمُهُ وَيَنْفِرُ عَمَّا يُخَالِفُهُ، وَيَكُونُ مَلْهَمَةً لِلصَّوَابِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَبْعَدٍ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِحَمْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ فِيمَنْ يَجْمَعُهُمْ كَلِمَةُ التَّقْوَى وَتُحِيطُ بِهِمْ دَائِرَةُ الدِّينِ أَحَقُّ وَأَهْدَى. اهـ. وَقِيلَ: النَّفْسُ لُغَةً حَقِيقَةُ الشَّيْءِ، وَاصْطِلَاحًا لَطِيفَةٌ فِي الْجَسَدِ تَوَلَّدَتْ مِنِ ازْدِوَاجِ الرُّوحِ بِالْبَدَنِ وَاتِّصَالِهِمَا مَعًا (وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ) : مِنْ حَاكَ يَحِيكُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَكَّ بِكَافٍ مُشَدَّدَةٍ (فِي النَّفْسِ) أَيْ أَثَّرَ فِيهَا وَلَمْ يَسْتَقِرَّ، وَفِي الْمَفَاتِيحِ: أَيْ أَثَرٌ فِي قَلْبِكَ أَوْهَمَكَ أَنَّهُ ذَنْبٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ: إِنَّ الْإِثْمَ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ. (وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ) أَيْ: وَلَمْ يَنْشَرِحْ لَهُ، وَهَذَا لِمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ، فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ (وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ) أَيْ: وَإِنْ قَالُوا لَكَ إِنَّهُ حَقٌّ فَلَا تَأْخُذْ بِقَوْلِهِمْ فَإِنَّهُ قَدْ يُوقِعُ فِي الْغَلَطِ وَأَكْلِ الشُّبْهَةِ، كَأَنْ تَرَى مَنْ لَهُ مَالٌ حَلَالٌ وَحَرَامٌ، فَلَا تَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتِي مَخَافَةَ أَنْ تَأْكُلَ الْحَرَامَ، لِأَنَّ الْفَتْوَى غَيْرُ التَّقْوَى، وَهُوَ شَرْطِيَّةٌ قُطِعَتْ عَنِ الْجَزَاءِ تَتْمِيمًا لِلْكَلَامِ السَّابِقِ وَتَقْرِيرًا لَهُ سَبِيلَ الْمُبَالَغَةِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ الْأَرْبَعِينَ قَوْلُهُ: (وَأَفْتَوْكَ) تَأْكِيدًا وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَنْشَدَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْمَعْنَى: اتَّخِذْ طَاعَةَ الْإِلَهِ سَبِيلًا ... تَجِدِ الْفَوْزَ بِالْجِنَانِ وَتَنْجُو وَاتْرُكِ الْإِثْمَ وَالْفَوَاحِشَ طُرًّا ... يُؤْتِكَ اللَّهُ مَا يَدُومُ وَيَنْجُو (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

стр. 3961

٢٧٧٥ - وَعَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَالَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ بَأْسٌ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٧٧٥ - (وَعَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ) : نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ بَنِي سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ) : أَيْ: لَا يَصِلُ كَوْنُهُ وَحُصُولُهُ وَثُبُوتُهُ (مِنَ الْمُتَّقِينَ) أَيِ: الْكَامِلِينَ (حَتَّى يَدَعَ) : أَيْ يَتْرُكَ (مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ بِأَسٌ) مَفْعُولٌ لَهُ، أَيْ: خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقَعَ فِيمَا فِيهِ بَأْسٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ) ظَرْفُ (يَبْلُغُ) عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ دَرَجَةَ الْمُتَّقِينَ، وَالْمُتَّقِي فِي اللُّغَةِ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَقَاهُ فَاتَّقَى، وَالْوِقَايَةُ فَرْطُ الصِّيَانَةِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: الَّذِي يَقِي نَفْسَهُ تَعَاطَى مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ مِنْ فِعْلٍ وَتَرْكٍ، وَقِيلَ: التَّقْوَى عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ؛ الْأُولَى: التَّقْوَى عَنِ الْعَذَابِ الْمُخَلِّدِ بِالتَّبَرُّئِ مِنَ الشِّرْكِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] " وَالثَّانِيَةُ: التَّجَنُّبُ عَنْ كُلِّ مَا يُؤْثِمُ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ حَتَّى الصَّغَائِرِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ بِالتَّقْوَى فِي الشَّرْعِ وَالْمَعْنَى بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [الأعراف: ٩٦] ، وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَنَزَّهَ عَمَّا يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنِ الْحَقِّ وَيُقْبِلُ بِشَرَاشِرِهِ إِلَى اللَّهِ، وَهِيَ التَّقْوَى الْحَقِيقِيَّةُ الْمَطْلُوبَةُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿اتَّقُوُا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وَالْحَدِيثُ وَإِنِ اسْتُشْهِدَ بِهِ لِلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَبْلَغُ وَأَجْمَعُ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ عَلَيْهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 3962

٢٧٧٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالْمُشْتَرِي لَهَا، وَالْمُشْتَرَى لَهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٧٧٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَمْرِ) : ظَرْفِيَّةٌ مَجَازِيَّةٌ أَوْ تَعْلِيلِيَّةٌ؛ أَيْ فِي شَأْنِهَا أَوْ لِأَجْلِهَا (عَشَرَةً) : أَيْ عَشَرَةَ أَشْخَاصٍ (عَاصِرَهَا) ، بِالنَّصْبِ بَدَلًا مِنَ الْمَفْعُولِ بِهِ، وَهُوَ مَنْ يَعْصِرُهَا بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِغَيْرِهِ (وَمُعْتَصِرَهَا) أَيْ مِنْ يَطْلُبُ عَصْرَهَا لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ) أَيْ: مَنْ يَطْلُبُ أَنْ يَحْمِلَهَا أَحَدٌ إِلَيْهِ، وَأَصْلُهُ الْمَحْمُولَةُ هِيَ، وَحَذْفُهُ إِعْلَامٌ بِجَوَازِ حَذْفِهِ عِنْدَ عَدَمِ الِالْتِبَاسِ (وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا) ، بِالْهَمْزَةِ ; أَيْ: عَاقِدَهَا وَلَوْ كَانَ وَكِيلًا أَوْ دَلَّالًا (وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَالْمُشْتَرِيَ) : أَيْ لِلشُّرْبِ وَالتِّجَارَةِ بِالْوَكَالَةِ وَغَيْرِهَا (لَهَا) أَيْ لِلْخَمْرِ، وَاللَّامُ - لِلتَّعْدِيَةِ أَوْ زَائِدَةٌ فِي الْمَفْعُولِ لِلتَّقْوِيَةِ (وَالْمُشْتَرَى لَهُ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ ; أَيِ: الَّذِي اشْتُرِيَ لَهُ بِالْوَكَالَةِ، وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: وَالْمُشْتَرَاةَ لَهُ، لَكِنَّ حَذْفَ التَّاءِ مِنَ الْمُشْتَرَى لَهُ لُغَةٌ عَلَى مَا فِي التَّسْهِيلِ وَغَيْرِهِ وَعَلَيْهِ: إِنَارَةُ الْعَقْلِ مَكْسُوفٌ بِطَوْعِ هَوًى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَذْكِيرُ الْخَمْرِ بِاعْتِبَارِ مُرَادِفِهَا ; وَهُوَ الْعَقَارُ أَوِ الرَّاحُ أَوِ الْمُدَامُ، أَوْ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا وَهُوَ الْمَشْرُوبُ، وَقِيلَ: تَذْكِيرُ الْخَمْرِ لُغَةٌ، وَالْعَجَبُ مِنَ الشُّرَّاحِ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا بِوَجْهٍ مَا مَعَ أَنَّهُ هَكَذَا مَضْبُوطٌ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَعَنَ مَنْ سَعَى فِيهَا سَعْيًا مَا عَلَى مَا عَدَّدَ مِنَ الْعَاصِرِ وَالْمُعْتَصِرِ وَمَا أَرْدَفَهُمَا، وَإِنَّمَا أَطْنَبَ فِيهِ لِيَسْتَوْعِبَ مَنْ زَاوَلَهَا مُزَاوَلَةً مَا بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَمَنْ بَاعَ الْعِنَبَ مِنَ الْعَاصِرِ وَمَا أَخَذَ ثَمَنَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِاللَّعْنِ، وَهَؤُلَاءِ لَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الْخَمْرُ وَبَاعُوا مَا هُوَ أَصْلٌ لَهَا مِمَّنْ عَلِمُوا أَنَّهُ يَتَّخِذُهَا خَمْرًا، لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ قِيلَ فِيهِمْ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا وَبَاعُوهَا» " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 3963

٢٧٧٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقَيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٧٧٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ) أَيْ ذَاتَهَا لِأَنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ مُبَالَغَةً فِي التَّنَفُّرِ عَنْهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا أَكْلَ ثَمَنِهَا (وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا) وَأُخِّرَ لِتَأَخُّرِ مَرْتَبَتِهِ فِي الْفِعْلِ (وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا) أَيْ مُشْتَرِيَهَا (وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 3964

٢٧٧٨ - «وَعَنْ مَحِيصَةَ ﵁ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أُجْرَةِ الْحَجَّامِ، فَنَهَاهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَأْذِنُهُ حَتَّى قَالَ: (اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ، وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ) » ، رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٧٧٨ - (وَعَنْ مُحَيِّصَةَ) : بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ (أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أُجْرَةِ الْحَجَّامِ) ، أَيْ فِي أَخْذِهَا أَوْ أَكْلِهَا (فَنَهَاهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِلِارْتِفَاعِ عَنْ دَنِيءِ الِاكْتِسَابِ، وَلِلْحَثِّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَعَالِي الْأُمُورِ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُطْعِمَ عَبْدَهُ مَا لَا يَحِلُّ (فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَأْذِنُهُ) أَيْ فِي أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فِي أَكْلِهَا، فَإِنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ كَانَتْ لَهُمْ أَرِقَّاءُ كَثِيرُونَ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ خَرَاجِهِمْ وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ مِنْ أَطْيَبِ الْمَكَاسِبِ، فَلَمَّا سَمِعَ مُحَيِّصَةُ نَهْيَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى أَكْلِ أُجْرَةِ الْحَجَّامِ تَكَرَّرَ فِي أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ (حَتَّى قَالَ) : ﷺ (اعْلِفْهُ) : بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَكَسْرِ لَامٍ، أَيْ أَطْعِمْ بِهِ الْعَلَفَ (نَاضِحَكَ) ، وَهُوَ الْجَمَلُ الَّذِي يُسْقَى بِهِ الْمَاءُ (وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ) أَيْ عَبِيدَكَ وَإِمَائِكَ، لِأَنَّ هَذَيْنِ لَيْسَ لَهُمَا شَرَفٌ يُنَافِيهِ دَنَاءَةُ هَذَا الْكَسْبِ بِخِلَافِ الْحُرِّ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي حُرْمَتِهِ عَلَى الْحُرِّ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى حِلِّ تَنَاوُلِ الْحُرِّ لَهُ، فَيُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى التَّنْزِيهِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 3965

٢٧٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الزَّمَّارَةِ» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ". ــ ٢٧٧٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَكَسْبِ الزَّمَّارَةِ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيِ: الزَّانِيَةِ، إِمَّا مِنْ زَمَّرْتُ فُلَانًا بِكَذَا أَيْ أَغْرَيْتُهُ ; لِأَنَّهَا تُغْرِي الرِّجَالَ عَلَى الْفَاحِشَةِ، وَتُولِعُهُمْ بِالْإِقْدَامِ عَلَيْهَا، أَوْ مِنْ زَمَّرْتُ الْقِرْبَةَ أَيْ مَلَأْتُهَا، فَالزَّانِيَةُ تَمْلَأُ رَحِمَهَا بِنُطَفٍ شَتَّى، أَوْ لِأَنَّهَا تُبَاشِرُ زُمَرًا مِنَ النَّاسِ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ تَفْسِيرَهُ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّهَا الزَّانِيَةُ، وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا الْحَرْفَ إِلَّا فِيهِ، وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أُخِذَ، وَقَدْ نَقَلَ الْهُورِيُّ عَنِ الْأَزْهَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَهْيٌ عَنْ كَسْبِ الْمَرْأَةِ الْمُغَنِّيَةِ، يُقَالُ: غِنَاءٌ زَمِيرٌ أَيْ حَسَنٌ، وَيُقَالُ: زَمَّرَ أَيْ غَنَّى، وَزَمَّرَ الرَّجُلُ إِذَا زَمَّرَ الْمِزْمَارَ فَهُوَ زَمَّارٌ، وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: زَامِرَةٌ، وَقِيلَ الزَّمَّارَةُ الَّتِي تُزَمِّرُ بِالنَّايِ، وَهُوَ حَرَامٌ ; لِأَنَّ النَّايَ مِنْ صَنِيعِ شَارِبِي الْخَمْرِ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَسْمِيَةُ الزَّانِيَةِ زَمَّارَةً، لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الزَّوَانِي الَّتِي اشْتَهَرَتْ بِذَلِكَ الْعَمَلِ الْفَاحِشِ، وَاتَّخَذَتْهُ حِرْفَةً كَوْنُهُنَّ مُغَنِيَاتٍ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ تَقْدِيمُ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الزَّايِ، وَهِيَ الَّتِي تُومِي بِشَفَتَيْهَا وَعَيْنَيْهَا وَالزَّوَانِي يَفْعَلْنَ ذَلِكَ قَالَ الشَّاعِرُ: رَمَزَتْ إِلَيَّ مَخَافَةً مِنْ بَعْلِهَا ... مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْدُوَ هُنَاكَ كَلَامُهَا (رَوَاهُ) : أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ.

стр. 3966

٢٧٨٠ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَبِيعُوا الْقَيْنَاتِ، وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ، وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ، وَفِي مِثْلِ هَذَا نَزَلَتْ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] » رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرٍ: نُهِيَ عَنْ أَكْلِ الْهِرِّ فِي بَابِ " مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. ــ ٢٧٨٠ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَبِيعُوا الْقَيْنَاتِ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ (وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ) : فِي الصِّحَاحِ: الْقَيْنُ الْأَمَةُ مُغَنِّيَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ يُرَادُ بِهَا الْمُغَنِّيَةُ، لِأَنَّهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ مُغْنِيَةً فَلَا وَجْهَ لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِهَا وَشِرَائِهَا (وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ) أَيِ الْغِنَاءَ فَإِنَّهَا رُقْيَةُ الزِّنَا (وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ) قِيلَ: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُنَّ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ الْقَاضِي: النَّهْيُ مَقْصُورٌ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِأَجْلِ التَّغَنِّي، وَحُرْمَةُ ثَمَنِهَا دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ بَيْعِهَا، وَالْجُمْهُورُ صَحَّحُوا بَيْعَهَا، وَالْحَدِيثُ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ، لِلطَّعْنِ فِي رِوَايَتِهِ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّ أَخْذَ الثَّمَنِ عَلَيْهِنَّ حَرَامٌ كَأَخْذِ ثَمَنِ الْعِنَبِ مِنَ النَّبَّاذِ ; لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ وَتَوَصَّلٌ إِلَى حُصُولِ مُحَرَّمٍ، لَا لِأَنَّ الْبَيْعَ غَيْرُ صَحِيحٍ. اهـ. وَوَافَقَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (وَفِي مِثْلِ هَذَا) : أَيِ الشِّرَاءِ لِأَجْلِ الْغِنَاءِ (نَزَلَتْ) : وَفِي نُسْخَةٍ: أُنْزِلَتْ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] : أَيْ يَشْتَرِي الْغِنَاءَ وَالْأَصْوَاتَ الْمُحَرَّمَةَ الَّتِي تُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْإِضَافَةُ فِيهِ بِمَعْنَى " مِنْ " لِلْبَيَانِ نَحْوُ: جُبَّةٌ خَزٍّ وَبَابُ سَاجٍ ; أَيْ يَشْتَرِي اللَّهْوَ مِنَ الْحَدِيثِ، لِأَنَّ اللَّهْوَ يَكُونُ مِنَ الْحَدِيثِ: وَمِنْ غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الْمُنْكَرِ فَيَدْخُلُ فِيهِ نَحْوُ السَّمَرِ بِالْأَسَاطِيرِ، وَبِالْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا، وَالتَّحَدُّثِ بِالْخُرَافَاتِ وَالْمَضَاحِيكِ وَالْغِنَاءِ وَتَعَلُّمِ الْمُوسِيقَى وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، يَعْنِي مِنْ فُضُولِ الْكَلَامِ، نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ يَشْتَرِي الْمُغَنِّيَاتِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ ﵀: الْإِضَافَةُ بِمَعْنَى " مِنْ " وَهِيَ تَبْيِينِيَّةٌ إِنْ أُرِيدَ بِالْحَدِيثِ: الْمُنْكَرُ، وَتَبْعِيضِيَّةٌ إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْأَعَمُّ مِنْهُ قِيلَ: نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ

стр. 3967

اشْتَرَى كُتُبَ الْأَعَاجِمِ، وَكَانَ يُحَدِّثُ بِهَا قُرَيْشًا، وَيَقُولُ: إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ يُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثِ عَادٍ وَثَمُودَ، فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثِ رُسْتُمَ وَإِسْفَنْدَيَارَ وَالْأَكَاسِرَةِ، وَقِيلَ: كَانَ يَشْتَرِي الْقَيْنَاتِ وَيَحْمِلُهُنَّ عَلَى مُعَاشَرَةِ مَنْ أَرَادَ الْإِسْلَامَ وَمَنَعَهُ عَنْهُ، لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ دِينِهِ، أَوْ قِرَاءَةِ كِتَابِهِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الْيَاءِ بِمَعْنَى لِيَثْبُتَ عَلَى ضَلَالِهِ، وَيَزِيدَ فِيهِ، وَاللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ، بِغَيْرِ عِلْمٍ: أَيْ بِحَالِ مَا يَشْتَرِي أَوْ بِالتِّجَارَةِ، حَيْثُ اسْتَبْدَلَ اللَّهْوَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَيَتَّخِذُهَا - أَيِ السَّبِيلَ - هُزُوًا أَيْ سُخْرِيَةً وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى يَشْتَرِي، وَنَصَبَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَطْفًا عَلَى لِيُضِلَّ، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦] لِإِهَانَتِهِمُ الْحَقَّ بِإِيثَارِ الْبَاطِلِ عَلَيْهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ يُنْسَبُ إِلَى الضَّعْفِ (فِي الْحَدِيثِ) : أَيْ فِي رِوَايَتِهِ. (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرٍ) أَيِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ فِي هَذَا الْبَابِ وَهُوَ (نُهِيَ عَنْ أَكْلِ الْهِرِّ فِي بَابِ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ) : لِأَنَّهُ أَنْسَبُ لَهُ مَعْنًى (إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -) .

стр. 3968

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٧٨١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «طَلَبُ كَسْبِ الْحَلَالِ فَرِيضَةٌ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٢٧٨١ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) : أَيِ: ابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ (طَلَبُ كَسْبِ الْحَلَالِ فَرِيضَةٌ) : أَيْ عَلَى مَنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِمَنْ يَلْزَمُ مُؤْنَتَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْحَلَالِ غَيْرُ الْحَرَامِ الْمُتَيَقَّنِ لِيَشْمَلَ الْمُشْتَبَهِ لِمَا مَرَّ فِي الْأَحَادِيثِ: أَنَّ التَّنَزُّهَ عَنِ الْمُشْتَبَهِ احْتِيَاطٌ لَا فَرْضٌ، ثُمَّ هَذِهِ الْفَرِيضَةُ لَا يُخَاطَبُ بِهَا كُلُّ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ (بَعْدَ الْفَرِيضَةِ) : كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّ فَرْضِيَّةَ طَلَبِ كَسْبِ الْحَلَالِ لَا تَكُونُ فِي مَرْتَبَةِ فَرْضِيَّةِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهَا، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ فَرِيضَةٌ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ الْعَامَّةِ الْوُجُوبِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ فَرِيضَةٌ مُتَعَاقِبَةٌ يَتْلُو بَعْضُهَا الْبَعْضَ لَا غَايَةٌ لَهَا، إِذْ كَسْبُ الْحَلَالِ أَصْلُ الْوَرِعِ وَأَسَاسُ التَّقْوَى (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) : وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَرَوَى الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «طَلَبُ الْحَلَالِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» ".

стр. 3969

٢٧٨٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أُجْرَةِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ، إِنَّمَا هُمْ مُصَوِّرُونَ، وَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مِنْ عَمَلِ أَيْدِيهِمْ. رَوَاهُ رَزِينٌ. ــ ٢٧٨٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أُجْرَةِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ) أَيْ عَنْ أَخْذِهَا مَعَ كَوْنِ الْقُرْآنُ صِفَةَ اللَّهِ الْقَدِيمِ (فَقَالَ: لَا بَأْسَ) لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ يُطْلَقُ عَلَى مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ مِنَ النُّقُوشِ ; فَهُمْ إِنَّمَا يَأْخُذُونَ الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَةِ تِلْكَ النُّقُوشِ الدَّالَّةِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَلِذَا قَالَ (إِنَّمَا مُصَوِّرُونَ) أَيْ يَنْقُشُونَ صُوَرَ الْحُرُوفِ (وَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مِنْ عَمَلِ أَيْدِيهِمْ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الصُّورَةُ الْهَيْئَةُ وَالنَّقْشُ، وَالْمُرَادُ هَا هُنَا النَّقْشُ، وَفِي (إِنَّمَا) إِشْعَارٌ بِالْمَجْمُوعِ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ النَّقْشَ وَنَفَى الْمَنْقُوشَ، وَالْقُرْآنُ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنِ الْمَجْمُوعِ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالْمَقْرُوءِ أَوِ الْكِتَابَةِ وَالْمَكْتُوبِ، فَالْمَكْتُوبُ وَالْمَقْرُوءُ هُوَ الْقَدِيمُ، وَالْكِتَابَةُ وَالْقِرَاءَةُ لَيْسَتَا مِنَ الْقَدِيمِ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَفْعَالِ الْقَارِئِ وَالْكَاتِبِ، فَلَمَّا نَظَرَ السَّائِلُ عَلَى تَمَيُّزِ مَعْنَى الْمَقْرُوءِ وَالْمَكْتُوبِ، وَأَنَّهُمَا مِنْ صِفَاتِ الْإِنْسَانِ جَوَّزَهَا (رَوَاهُ رَزِينٌ) .

стр. 3970

٢٧٨٣ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: " عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٢٧٨٣ - (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْكَسْبِ) : أَيْ أَنْوَاعِهِ (أَطْيَبُ) ؟ أَيْ أَحَلُّ وَأَفْضَلُ (قَالَ: " عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ) ، أَيْ مِنْ زِرَاعَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ (وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ) : بِالْجَرِّ صِفَةُ بَيْعٍ وَ (كُلُّ) عَطْفٌ عَلَى (عَمَلٍ) ، وَالْمُرَادُ بِالْمَبْرُورِ أَنْ يَكُونَ سَالِمًا مِنْ غِشٍّ وَخِيَانَةٍ، أَوْ مَقْبُولًا فِي الشَّرْعِ بِأَنْ لَا يَكُونَ فَاسِدًا وَلَا خَبِيثًا أَيْ رَدِيًّا، أَوْ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ بِأَنْ يَكُونَ مُثَابًا بِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) وَكَذَا الْبَزَّارُ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ

стр. 3971

٢٧٨٤ - وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ لِمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ جَارِيَةٌ تَبِيعُ اللَّبَنَ، وَيَقْبِضُ الْمِقْدَامُ ثَمَنَهُ، فَقِيلَ لَهُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَتَبِيعُ اللَّبَنَ؟ وَتَقْبِضُ الثَّمَنَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَمَا بَأْسٌ بِذَلِكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ. ــ ٢٧٨٤ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ) : لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ (قَالَ: كَانَتْ لِمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ جَارِيَةٌ) : أَيْ مَمْلُوكَةٌ (تَبِيعُ اللَّبَنَ وَيَقْبِضُ الْمِقْدَامُ ثَمَنَهُ، فَقِيلَ لَهُ: سُبْحَانَ اللَّهِ!) : تَعَجُّبًا وَتَنْزِيهًا (أَتَبِيعُ) : أَيِ الْجَارِيَةُ (اللَّبَنَ؟) بِحَضْرَتِكَ وَأَنْتَ وَاقِفٌ عِنْدَهَا كَالْحَارِسِ لَهَا (وَتَقْبِضُ) : أَيْ أَنْتَ (الثَّمَنَ؟) وَهَذَا لَا يَلِيقُ بِمِثْلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (تَبِيعُ) مُسْنَدًا إِلَى الْجَارِيَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، أَنْكَرَ بَيْعَ الْجَارِيَةِ وَقَبْضَ الْمِقْدَامِ ثَمَنَهُ، فَالْإِنْكَارُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَعْنَى الدَّنَاءَةِ أَيْ: أَتَرْتَضِي بِفِعْلِ الْجَارِيَةِ الدَّنِيَّةِ شَيْئًا دَنِيًّا فَتَقْبِضُهُ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إِلَى الْمِقْدَامِ عَلَى الْمَجَازِ، فَالْإِنْكَارُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْبَيْعِ وَالْقَبْضِ (فَقَالَ: نَعَمْ!) أَيِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ (وَمَا بَأْسٌ) : أَيْ لَيْسَ بَأْسٌ (بِذَلِكَ) لِعَدَمِ نَقْصٍ شَرْعِيٍّ إِذْ لَا حُرْمَةَ فِيهِ، وَلَا كَرَاهَةَ بِنَاءً عَلَى أَنْ لَا بَأْسَ لِنَفْيِهِمَا، وَ (مَا) : بِمَعْنَى لَيْسَ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِهِ وَلَمْ يَجِئْ مَا بِمَعْنَى لَا الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْسِ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ» ) . أَيْ بِالْمَالِ الْمُعَبِّرِ بِهِمَا عَنْهُ، فَإِنَّهُمَا الْأَصْلُ وَالْمُرَادُ كَسْبُهُمَا وَجَمْعُهُمَا مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ، فَإِنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ لَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِمُ النَّقْصُ صَارُوا لَا يَعْتَدُّونَ بِأَرْبَابِ الْكَمَالِ، وَيَخْدِمُونَ أَصْحَابَ الْأَمْوَالِ، وَأَمَّا أَهْلُ اللَّهِ فَأَعْرَضُوا عَنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مَعْنَاهُ لَا يَنْفَعُ النَّاسَ إِلَّا الْكَسْبُ، إِذْ لَوْ تَرَكُوهُ لَوَقَعُوا فِي الْحَرَامِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ التَّكَسُّبَ يُدْنِيكَ مِنَ الدُّنْيَا قَالَ: لَيْسَ أَدْنَانِي مِنَ الدُّنْيَا، لَقَدْ صَانَنِي عَنْهَا، وَكَانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ: اتَّجِرُوا وَاكْسِبُوا فَإِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ إِذَا احْتَاجَ أَحَدُكُمْ كَانَ أَوَّلَ مَا يَأْكُلُ دِينَهُ، وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ وَكَانَتْ لَهُ بِضَاعَةٌ يُقَلِّبُهَا وَيَقُولُ: لَوْلَا هَذِهِ لَتَمَنْدَلَ بِي بَنُو الْعَبَّاسِ: أَيْ: لَجَعَلُونِي كَالْمِنْدِيلِ يَمْسَحُونَ بِي أَوْسَاخَهُمْ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .

стр. 3972

٢٧٨٥ - وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ أُجَهِّزُ إِلَى الشَّامِ، وَإِلَى مِصْرَ. فَجَهَّزْتُ إِلَى الْعِرَاقِ فَأَتَيْتُ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! كُنْتُ أُجَهِّزُ إِلَى الشَّامِ فَجَهَّزْتُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَقَالَتْ: لَا تَفْعَلْ! مَا لَكَ وَلِمَتْجَرِكَ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِذَا سَبَّبَ اللَّهُ لِأَحَدِكُمْ رِزْقًا مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَدَعْهُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ لَهُ أَوْ يَتَنَكَّرَ لَهُ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٧٨٥ - (وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ أُجَهِّزُ) : بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ أَيْ أُهَيِّئُ التِّجَارَةَ (إِلَى الشَّامِ) ، أَيْ تَارَةً (وَإِلَى مِصْرَ) أُخْرَى وَمَا كُنْتُ أَتَعَدَّى عَنْهُمَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ كُنْتُ أُجَهِّزُ وُكَلَائِي بِبِضَاعَتِي وَمَتَاعِي إِلَى الشَّامِ وَإِلَى مِصْرَ (فَجَهَّزْتُ إِلَى الْعِرَاقِ) ، أَيْ مَائِلًا إِلَى سَفَرِهِ (فَأَتَيْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (عَائِشَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! كُنْتُ) : أَيْ: قَبْلَ هَذَا (أُجَهِّزُ إِلَى الشَّامِ) : أَيْ وَإِلَى مِصْرَ، إِنَّمَا اخْتَصَرَ لِلْوُضُوحِ أَوْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ تَجْهِيزَهُ إِلَى مِصْرَ كَانَ قَلِيلًا نَادِرًا (فَجَهَّزْتُ إِلَى الْعِرَاقِ) أَيِ الْآنَ (فَقَالَتْ: لَا تَفْعَلْ!) أَيْ هَذَا التَّجْهِيزَ وَالتَّبْدِيلَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، لَا سِيَّمَا وَالْمَسَافَةُ بَعِيدَةٌ وَهِيَ مُشْعِرَةٌ إِلَى الْحِرْصِ الْمَذْمُومِ. (مَا لَكَ وَلِمَتْجَرِكَ؟) : اسْمٌ لِمَكَانٍ مِنَ التِّجَارَةِ، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ وَقَعَ لَكَ وَمَا حَصَلَ لِمَتْجَرِكَ مِنَ الْبَاعِثِ عَلَى الْعُدُولِ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ؟ أَوَصَلَ إِلَيْكَ خُسْرَانٌ مِنْهُ، حَتَّى يَصُدَّكَ فِي مَحَلِّ تِجَارَتِكَ الَّذِي عَوَّدَكَ اللَّهُ الرِّبْحَ فِيهِ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا سَبَّبَ اللَّهُ لِأَحَدِكُمْ رِزْقًا مِنْ وَجْهٍ) : بِأَنْ جَعَلَ رِزْقَ أَحَدِكُمْ مُسَبَّبًا عَنْ وُصُولِ تِجَارَتِهِ إِلَى مَحَلٍّ مَثَلًا (فَلَا يَدَعْهُ) أَيْ: لَا يَتْرُكْ ذَلِكَ السَّبَبَ أَوِ الرِّزْقَ (حَتَّى يَتَغَيَّرَ لَهُ) أَيْ بِعَدَمِ الرِّبْحِ (أَوْ يَتَنَكَّرَ لَهُ) : بِخُسْرَانِ رَأْسِ الْمَالِ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَقِيلَ أَوْ لِلشَّكِّ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَصَابَ مَنْ أَمْرٍ مُبَاحٍ خَيْرًا وَجَبَ عَلَيْهِ مُلَازَمَتُهُ، وَلَا يَعْدِلُ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا لِصَارِفٍ قَوِيٍّ لِأَنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 3973

٢٧٨٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ غُلَامٌ يُخْرِّجُ لَهُ الْخَرَاجَ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ، يَأْكُلُ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: تَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الْكَهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، قَالَتْ: فَأَدْخَلَ! أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٢٧٨٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ غُلَامٌ) : أَيْ عَبْدٌ (يُخَرِّجُ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ يُعْطِي (لَهُ الْخَرَاجَ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ، أَيْ يَكْسَبُ لَهُ مَالَ الْخَرَاجِ، وَالْخَرَاجُ هُوَ الضَّرِيبَةُ عَلَى الْعَبْدِ مِمَّا يَكْسِبُهُ فَيَجْعَلُ لِسَيِّدِهِ شَطْرًا مِنْ ذَلِكَ، (فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ) ، أَيْ: مِنَ الْمَأْكُولِ (فَأَكَلَ) : أَيْ فَشَرَعَ فِي الْأَكْلِ (مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ الْغُلَامُ: تَدْرِي) أَيْ: تَعْلَمُ (مَا هَذَا؟) أَيِ: الشَّيْءُ الْمَأْكُولُ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟) : أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ (قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) : أَيْ: أَخْبَرْتُ بِمَغِيبٍ مُوهِمًا أَنِّي مُسْتَنِدٌ فِي إِخْبَارِي إِلَى الْكَهَانَةِ (وَمَا أُحْسِنُ الْكَهَانَةَ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَيُكْسَرُ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ: مَا أَعْرِفُهَا بِالْوَجْهِ الْحَسَنِ (إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ أَيْ لَمْ أَكُنْ أُجِيدُ الْكَهَانَةَ لَكِنْ خَدَعْتُهُ (فَلَقِيَنِي) : أَيِ الْآنَ (فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ) أَيْ بِمُقَابَلَةِ كَهَانَتِي هَذَا الشَّيْءَ، وَقِيلَ الْبَاءُ زَائِدَةٌ (فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، قَالَتْ: فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ) : أَيْ: لِلْوَرَعِ (كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ) : لِغِلَظِ حُرْمَتِهِ حَيْثُ اجْتَمَعَتِ الْكَهَانَةُ وَالْخَدِيعَةُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لِكَوْنِهِ حُلْوَانًا لِلْكَاهِنِ لَا لِلْخِدَاعِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَخَذَ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّ مَنْ أَكَلَ الْحَرَامَ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ أَوْ جَاهِلٌ، ثُمَّ عَلِمَ لَزِمَهُ أَنْ يَتَقَيَّأَ جَمِيعَ مَا أَكَلَهُ فَوْرًا. اهـ. وَقَدْ جَعَلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ بَابِ الْوَرَعِ حَيْثُ قَالَ: وَحُكْمُ الْوَرِعِ أَنْ لَا تَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَحَدٍ حَتَّى تَبْحَثَ عَنْهُ غَايَةَ الْبَحْثِ، فَتَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِيهِ بِحَالٍ، وَإِلَّا فَتَرُدَّهُ، فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّ غُلَامًا لَهُ أَتَاهُ بِلَبَنٍ فَشَرِبَهُ، فَقَالَ الْغُلَامُ: كُنْتُ إِذَا جِئْتُكَ بِشَيْءٍ تَسْأَلُنِي عَنْهُ، وَلَمْ تَسْأَلْنِي عَنْ هَذَا اللَّبَنِ؟ قَالَ: وَمَا قِصَّتُهُ؟ قَالَ: رَقَيْتُ قَوْمًا رُقَى الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعْطَوْنِي هَذَا، فَتَقَيَّأَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ مَقْدِرَتِي فَمَا بَقِيَ فِي الْعُرُوقِ فَأَنْتَ حَسْبُهُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 3974

٢٧٨٧ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ جَسَدٌ غُذِّيَ بِحَرَامٍ» ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) . ــ ٢٧٨٧ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) : أَيْ بِسَلَامٍ مَعَ أَهْلِ الْكِرَامِ (جَسَدٌ) : أَيْ لِآدَمِيٍّ (غُذِّيَ) أَيْ رُبِّيَ (بِالْحَرَامِ) وَفِي نُسْخَةٍ: بِحَرَامٍ أَيْ بِنَوْعٍ مِنَ الْحَرَامِ.

стр. 3975

٢٧٨٨ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لَبَنًا، وَأَعْجَبَهُ، وَقَالَ لِلَّذِي سَقَاهُ: مَنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا اللَّبَنُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَا قَدْ سَمَّاهُ، فَإِذَا نَعَمٌ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَهُمْ يَسْقُونَ، فَحَلَبُوا لِي مِنْ أَلْبَانِهَا، فَجَعَلْتُهُ فِي سِقَائِيَ، وَهُو هَذَا. فَأَدْخَلَ عُمَرُ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَهُ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". ــ ٢٧٨٨ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّهُ قَالَ: شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَبَنًا، وَأَعْجَبَهُ قَالَ لِلَّذِي سَقَاهُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا اللَّبَنُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ) : أَيْ: مَرَّ عَلَى بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ (قَدْ سَمَّاهُ) ، أَيْ زَيْدٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بِاسْمِهِ الْمُعَيَّنِ (فَإِذَا) : لِلْمُفَاجَأَةِ (نَعَمٌ) : بِفَتْحَتَيْنِ (مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ) أَيْ مِنَ الْأَنْعَامِ الْمَأْخُوذَةِ لِلزَّكَاةِ مِنَ الْإِبِلِ أَوِ الْغَنَمِ، (وَهُمْ) : أَيْ رُعَاةُ النَّعَمِ (يَسْقُونَ) ، أَيْ إِبِلَهُمْ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ مِنَ اللَّبَنِ (فَحَلَبُوا لِي مِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَجَعَلْتُهُ) : أَيْ لَبَنَهَا الْمَحْلُوبَ (فِي سِقَائِي) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (وَهُوَ) : أَيِ اللَّبَنُ (هَذَا) أَيِ الَّذِي أَعْجَبَكَ (فَأَدْخَلَ عُمَرُ يَدَهُ) : أَيْ فِي فِيهِ (فَاسْتَقَاءَهُ) أَيْ طَلَبَ إِخْرَاجَهُ وَاسْتِفْرَاغَهُ (رَوَاهُمَا) : أَيِ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ رَوَاهُ (الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يُوجَدْ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَكَانَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا مَكْتُوبًا فِي الْحَاشِيَةِ، وَالصَّوَابُ حَذْفُهُ. اهـ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ بِعَيْنِهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَلِأَنَّ الطِّيبِيَّ مَا عَدَّهُ مِنْ أَحَادِيثِ هَذَا الْفَصْلِ، بَلْ جَعَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ هُوَ السَّادِسُ، وَحَدِيثَ أَبِي بَكْرٍ هُوَ السَّابِعُ، وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ هُوَ الثَّامِنُ، وَإِذَا كَانَ الصَّوَابُ حَذْفُهُ، فَالصَّوَابُ نُسْخَةُ: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ كَمَا لَا يَخْفَى.

стр. 3976

٢٧٨٩ - «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: مَنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَفِيهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهَ صَلَاةً مَا دَامَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَدْخَلَ أُصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَقَالَ: صُمَّتَا إِنْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ» : رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ " وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. ــ ٢٧٨٩ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَنْ يَشْتَرِي ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ) : أَيْ مَثَلًا (وَفِيهِ) : أَيْ فِي ثَمَنِهِ (دِرْهَمٌ) : أَيْ شَيْءٌ قَلِيلٌ (حَرَامٌ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ صَلَاةً) : أَيْ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا كَمَالَ الثَّوَابِ، وَإِنْ كَانَ مُثَابًا بِأَصْلِ الثَّوَابِ، وَأَمَّا أَصْلُ الصَّلَاةِ فَصَحِيحَةٌ بِلَا كَلَامٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ مِنْهُ، لَكِنِ الْمَعْنَى لَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً مَقْبُولَةً مَعَ كَوْنِهَا مُجْزِئَةً مُسْقِطَةً لِلْقَضَاءِ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ اهـ. وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] وَالثَّوَابُ إِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْقَبُولِ، كَمَا أَنَّ الصِّحَّةَ مُتَرَتِّبَةُ عَلَى حُصُولِ الشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ، وَالتَّقْوَى لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الطَّاعَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (مَا دَامَ) : أَيْ ذَلِكَ الثَّوْبُ (عَلَيْهِ. ثُمَّ أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ) : أَيِ الْمُسَبِّحَتَيْنِ (أُذُنَيْهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فِي أُذُنَيْهِ بِضَمَّتَيْنِ وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ (وَقَالَ: صُمَّتَا) : بِضَمِّ مُهْمِلَةٍ وَشَدِّ مِيمٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالضَّمِيرُ لِلْأُذُنَيْنِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْأَظْهَرُ أَنْ تَكُونَ مَفْتُوحَةَ الصَّادِ، وَإِنْ صَحَّ ضَمُّهَا فَالْمَعْنَى سُدَّتَا مِنْ صَمَمْتُ الْقَارُورَةَ سَدَّدْتُهَا، وَهُوَ دُعَاءٌ عَلَى أُذُنَيْهِ تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا لِإِثْبَاتِ السَّمَاعِ عَلَى مِنْوَالِ قَوْلِهِمْ: سَمِعْتُهُ بِأُذُنِي اهـ. يَعْنِي أَنَّهُ نَظِيرُهُ لَا أَنَّهُ مِثْلُهُ فَتَأَمَّلْ (إِنْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ سَمِعْتُهُ) : أَيْ مَسْمُوعًا لِي مِنْهُ (يَقُولُهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: اسْمُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَخَبَرُهُ سَمِعْتُهُ نَحْوَ: زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ وَزَيْدٌ انْطَلَقَ أَبُوهُ، وَهُوَ مِنَ الْإِسْنَادِ السَّبَبِيِّ لِأَنَّ الْخَبَرَ مُسْنَدٌ إِلَى مُتَعَلِّقِ الْمُبْتَدَأِ وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: صُمَّتَا، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ أَنْ لَوْ قِيلَ إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ. قَالُوا: زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ أَبْلَغُ مَنْ ضَرَبْتُ زِيْدًا، فَإِنَّهُمْ قَدَّمُوا الْمَفْعُولَ لِأَنَّ الْغَرَضَ هُنَا لَيْسَ ذِكْرَ الْفَاعِلِ، وَإِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ الْمَفْعُولِ فَقُدِّمَ عِنَايةً بِذِكْرِهِ، ثُمَّ لَمْ يُقْنَعْ بِذَلِكَ حَتَّى أَزَالُوهُ عَنْ لَفْظِ الْفَضْلَةِ وَجَعَلُوهُ رَبَّ الْجُمْلَةِ لَفْظًا، فَرَفَعُوهُ بِالِابْتِدَاءِ وَصَارَ قَوْلُهُ: ضَرَبْتُهُ ذَيْلًا لَهُ وَفَضْلَةً وَمُلْحَقَةً بِهِ اهـ. كَلَامُهُ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْقَصْدُ صُدُورُ هَذَا الْقَوْلِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الْمُهْتَمُّ بِشَأْنِهِ وَسَمَاعُهُ مِنْهُ تَابِعٌ لَهُ، وَعَلَى عَكْسِ هَذَا لَوْ قِيلَ: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ) .

стр. 3977

[بَابُ الْمُسَاهَلَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٧٩٠ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ (٢) بَابُ الْمُسَاهَلَةِ أَيِ: الْمُسَامَحَةِ وَالْمُجَامَلَةِ (فِي الْمُعَامَلَةِ) : فَإِنَّهُ مِنَ الصَّدَقَةِ الْخَفِيَّةِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٧٩٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " رَحِمَ اللَّهُ!) : دُعَاءٌ أَوْ خَبَرٌ (رَجُلًا) أَيْ شَخْصًا (سَمْحًا) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ سَهْلًا وَجَوَادًا، يَتَجَاوَزُ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ (إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى) : أَيْ إِذَا طَلَبَ دَيْنًا لَهُ عَلَى غَرِيمٍ يَطْلُبُهُ بِالرِّفْقِ وَاللُّطْفِ لَا بِالْخُرْقِ وَالْعُنْفِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ: رَوَى الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى» .

стр. 3978

٢٧٩١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ رَجُلًا كَانَ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ أَتَاهُ الْمَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ مَنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُ. قِيلَ لَهُ: انْظُرْ. قَالَ: مَا أَعْلَمُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا وَأُجَازِيهِمْ فَأُنْظِرُ الْمُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ، فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٧٩١ - (وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَانَ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ ") بِحَذْفِ صَدْرِ الصِّلَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ عَلَى الْأَصْلِ، فَإِنَّ الصِّلَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا جُمْلَةً (" أَتَاهُ الْمَلَكُ ") : أَيْ: عِزْرَائِيلُ ﵊ أَوْ بَعْضُ أَتْبَاعِهِ، وَجُمِعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُقَدِّمَاتِ قَدْ يَتَوَلَّاهَا هُوَ وَقَدْ يَتَوَلَّاهَا أَتْبَاعُهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ وَمَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ أَوِ الْعَذَابِ يَتَنَاوَلُونَهَا مِنْهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] وَأَمَّا الْقَابِضُ الْحَقِيقِيُّ فَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] (" فَقِيلَ لَهُ ") : أَيْ قَالَهُ سُبْحَانَهُ أَوْ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ، وَمَا أَبْعَدَ مَنْ قَالَ: أَوْ بَعْضُ النَّاسِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ قَبْلَ قَبْضِ رُوحِهِ كَمَا يَقْتَضِيهِ أَوَّلُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا السُّؤَالُ مِنْهُ كَانَ فِي الْقَبْرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْقِيَامَةِ. (" هَلْ عَمِلْتَ مِنْ شَيْءٍ ") وَفِي نُسْخَةٍ بِتَقْدِيمِ اللَّامِ أَيْ: هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ عَلِمْتَ بِهِ. (" قَالَ: مَا أَعْلَمُ. قِيلَ لَهُ: انْظُرْ ") : أَيْ: تَفَكَّرْ وَتَدَبَّرْ (" قَالَ: مَا أَعْلَمُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ ") : أَيْ قَبْلَ ذَلِكَ (" أُبَايِعُ النَّاسَ ") : أَيْ أُعَامِلُهُمْ (فِي الدُّنْيَا) : أَيْ فِي أُمُورِهَا (وَأُجَازِيهِمْ) : أَيْ أَحْسِنُ إِلَيْهِمْ حِينَ أَتَقَاضَاهُمْ (فَأُنْظِرُ الْمُوسِرَ) : مِنَ الْإِنْظَارِ، أَيْ أُمْهِلُ الْغَنِيَّ (وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ) : أَيْ أَعْفُو عَنِ الْفَقِيرِ وَإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ عَنِ الدَّيْنِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ (فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ) : قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: فِيهِ فَضْلُ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ وَالْوَضْعِ عَنْهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَفَضْلُ الْمُسَامَحَةِ فِي الِاقْتِضَاءِ مِنَ الْمُوسِرِ، وَفِيهِ عَدَمُ احْتِقَارِ أَفْعَالِ الْخَيْرِ، فَلَعَلَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِلسَّعَادَةِ وَالرَّحْمَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3979

٢٧٩٢ - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ نَحْوَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ: " «فَقَالَ اللَّهُ أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي» ". ــ ٢٧٩٢ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ نَحْوَهُ) : أَيْ بِمَعْنَاهُ (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) : قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ - عَلَيْهِ رَحْمَةُ الْبَارِي، قُلْتُ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ ﵀ مَوْقُوفًا، عَلَى حُذَيْفَةَ، وَمَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، كَذَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ وَهْمٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ لَيْسَ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ رِوَايَةٌ. قَالُوا: وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا هُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ وَحْدَهُ، وَلَعَلَّهُ هَذَا مِمَّا تَصَرَّفَ فِيهِ النُّسَّاخُ وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ، ذَكَرَهُ مِيرَكُ. (فَقَالَ اللَّهُ أَنَا أَحَقُّ بِذَا) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِذَلِكَ أَيْ بِالتَّجَاوُزِ (" مِنْكَ ") : أَيْ لِأَنِّي قَدِيرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ (تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي) : أَيِ الْمَوْصُوفِ بِصِفَتِي، وَالْمُتَخَلِّقِ بِخُلُقِي كَمَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْإِضَافَةِ التَّشْرِيفِيَّةِ.

стр. 3980

٢٧٩٣ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٧٩٣ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَإِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ ") أَيِ: اتَّقُوا كَثْرَتَهَا وَلَوْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَقَعُ كَذِبًا، وَلِذَا وَرَدَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» ، وَيُؤَيِّدَهُ حَدِيثُ: الرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى، فَقَيَّدَ الْكَثْرَةَ احْتِرَازًا عَنِ الْقِلَّةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَلَا يَدْخُلُ التَّحْذِيرُ، وَلِذَا جَاءَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ: رَجُلٌ جَعَلَ اللَّهُ بِضَاعَتَهُ لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ وَلَا بَيْعٌ إِلَّا بِيَمِينِهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: إِيَّاكُمْ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّحْذِيرِ، أَيْ: قُوا أَنْفُسَكُمْ عَنْ إِكْثَارِ الْحَلِفِ، وَإِكْثَارُ الْحَلِفِ عَنْ أَنْفُسِكُمْ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّنْفِيرِ، وَالنَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ الْحَلِفِ فِيهِ لَا تَقْتَضِي جَوَازَ قِلَّتِهَا، لِأَنَّ النَّهْيَ وَارِدٌ عَلَى أَهْلِ السُّوقِ وَعَادَتُهُمْ كَثْرَةُ الْحَلِفِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَّفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] اهـ. وَفِيهِ أَنَّ جَوَازَ قِلَّتِهَا مَعَ صِدْقِهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، (فَإِنَّهُ) : أَيْ إِكْثَارُ الْحَلِفِ (يُنَفِّقُ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِتَخْفِيفِهَا، وَنَقَلَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ فِي شَرْحِهِ قَالَ شَارِحٌ: وَيُنَفِّقُ مِنَ التَّنْفِيقِ أَيِ

стр. 3981

التَّرْوِيجِ، لَا مِنَ الْإِنْفَاقِ، وَنَصَّ الشَّارِحُ الْأَوَّلُ عَلَى الرَّاوِيَةِ بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ، أَيْ يُرَوِّجُ الْمَتَاعَ وَيُكْثِرُ الرَّغَبَاتِ فِيهِ. (ثُمَّ يَمْحَقُ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ أَيْ: يُذْهِبُ الْبَرَكَةَ، وَثُمَّ لِلتَّرَاخِي فِي الزَّمَانِ أَيْ: يُنَفِّقُ حَالًا وَيَمْحَقُ مَآلًا، كَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦] وَإِنْ كَثُرَ أَوْ قَلَّ، أَوْ فِي الرُّتْبَةِ أَيْ فَمَحْقَةٌ أَبْلَغُ وَأَقْوَى، وَالْمُرَادُ مِنَ الْمَحْقِ عَدَمُ انْتِفَاعِهِ دِينًا وَدُنْيَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 3982

٢٧٩٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٧٩٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الْحَلِفُ ") : أَيْ إِكْثَارُهُ أَوِ الْكَاذِبُ مِنْهُ (مَنْفَقَةٌ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ، وَكَذَا مَمْحَقَةٌ. ذَكَرَهُ مِيرَكُ (" لِلسِّلْعَةِ ") : بِالْكَسْرِ أَيْ مَظِنَّةٌ وَسَبَبٌ لِنِفَاقِهَا أَيْ: رَوَاجِهَا فِي ظَنِّ الْحَالِفِ (" مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ") : أَيْ: سَبَبٌ لِذَهَابِ بَرَكَةِ الْمَكْسُوبِ إِمَّا بِتَلَفٍ يَلْحَقَهُ فِي مَالِهِ، أَوْ بِإِنْفَاذِهِ فِي غَيْرِ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ إِلَيْهِ فِي الْعَاجِلِ، أَوْ ثَوَابُهُ فِي الْآجِلِ، أَوْ بَقِيَ عِنْدَهُ وَحَرُمَ نَفْعُهُ، أَوْ وَرِثَهُ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ، وَرُوِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.

стр. 3983

٢٧٩٥ - «وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ". قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانٌ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٢٧٩٥ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ثَلَاثَةٌ ") : أَيْ: أَشْخَاصٌ (" لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ") : أَيْ كَلَامَ لُطْفٍ وَعِنَايَةٍ (" وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ") : أَيْ نَظَرَ رَحْمَةٍ وَرِعَايَةٍ (" وَلَا يُزَكِّيهِمْ ") : أَيْ لَا يُنَمِّي أَعْمَالَهُمْ وَلَا يُطَهِّرُهُمْ مِنَ الْخَبَائِثِ (" وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ") : أَيْ مُؤْلِمٌ (قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا) : أَيْ: حُرِمُوا مِنَ الْخَيْرِ (وَخَسِرُوا) : أَيْ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ (مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " الْمُسْبِلُ ") : أَيْ إِزَرَاهُ عَنْ كَعْبَيْهِ، وَالْمُطَوِّلُ سِرْوَالَهُ إِلَى الْأَرْضِ كِبْرًا وَاخْتِيَالًا، (وَالْمَنَّانُ) : أَيِ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّهُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَقِيلَ: أَيْ يَمُنُّ بِمَا يُعْطِيهِ لِغَيْرِهِ بِأَنَّهُ يَذْكُرُ وَلَوْ لِوَاحِدٍ، فَالْمُبَالَغَةُ غَيْرُ شَرْطٍ كَأَعْطَيْتُ فُلَانًا كَذَا وَفُلَانٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ الْقَوْلَ اهـ. فَهِيَ مِنَ الْمِنَّةِ الَّتِي هِيَ الِاعْتِدَادُ بِالصَّنِيعَةِ، وَهِيَ إِنْ وَقَعَتْ فِي الصَّدَقَةِ أَبْطَلَتِ الْمَثُوبَةَ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْمَعْرُوفِ كَدَّرَتِ الصَّنِيعَةَ. " وَالْمُنَفِّقُ ": بِالتَّشْدِيدِ فِي أُصُولِنَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: بِالتَّخْفِيفِ أَيِ الْمُرَوِّجِ " سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ ": وَفِي رِوَايَةٍ بِالْحَلِفِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ وَهُوَ كَاذِبٌ، وَهُوَ يَقُولُ لِلْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ هَذَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَاللَّهِ ; لِيَظُنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّ ذَلِكَ الْمَتَاعَ يُسَاوِي مِائَةَ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَيَرْغَبُ فِي شِرَائِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ.

стр. 3984

الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٧٩٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصَّدِيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٧٩٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " التَّاجِرُ ") أَيِ: الْمُشْتَغِلُ بِنَحْوِ بَيْعٍ وَتِجَارَةٍ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ أَفْضَلَ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ الْبُنُّ ثُمَّ الْعِطْرُ (" الصَّدُوقُ ") : أَيْ كَثِيرُ الصِّدْقِ قَوْلًا وَفِعْلًا (" الْأَمِينُ ") : أَيِ الْمَوْصُوفُ بِالْأَمَانَةِ الْمَحْفُوظُ مِنَ الْخِيَانَةِ، وَالصِّيغَتَانِ لِلْمُبَالَغَةِ، فَمَنِ اتَّصَفَ بِهِمَا اتَّصَفَ بِسَائِرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَيَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْشَرَ أَوْ يَكُونَ فِي الْجَنَّةِ. (مَعَ النَّبِيِّينَ) : أَيْ لِإِطَاعَتِهِمْ (وَالصَّدِيقِينَ ") : لِمُوَافَقَتِهِمْ فِي صِفَتِهِمْ (" وَالشُّهَدَاءِ ") لِشَهَادَتِهِمْ عَلَى صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ) .

стр. 3985

٢٧٩٧ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ ٢٧٩٧ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) : بِلَا وَاوٍ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ: التَّاجِرُ الْأَمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي رِوَايَةِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: التَّاجِرُ الصَّدُوقُ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

стр. 3986

٢٧٩٨ - وَعَنْ قَيْسِ بنِ أَبِي غَرَزَةَ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُسَمَّى فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّمَاسِرَةَ، فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلِفُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٢٧٩٨ - (وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ) : بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ وَزَايٍ مَفْتُوحَاتٍ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، وَكَذَا الْمُصَنِّفُ وَقَالَ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي ذِكْرِ التِّجَارَةِ (قَالَ: كُنَّا) : أَيْ نَحْنُ مَعَاشِرَ التُّجَّارِ (نُسَمَّى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: نُدْعَى (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّمَاسِرَةَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ، وَهُمُ الْآنَ الْمُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي لِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ جَمْعُ السِّمْسَارِ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْقَيِّمُ عَلَى الشَّيْءِ الْحَافِظُ لَهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الْمُتَوَسِّطِ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمُقَوِّمِ (فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ) : أَيْ مِنِ اسْمِنَا الْأَوَّلِ، قِيلَ: لِأَنَّ اسْمَ التَّاجِرِ أَشْرَفُ مِنِ اسْمِ السِّمْسَارِ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ. وَلَعَلَّ وَجْهَ الْأَحْسَنِيَّةِ أَنَّ السَّمَاسِرَةَ تُطْلَقُ الْآنَ عَلَى الْمَكَّاسِينَ، أَوْ لَعَلَّ هَذَا الِاسْمَ فِي عَهْدِهِ ﷺ كَانَ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ فِيهِ نَقْصٌ اهـ. وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ ﵀: وَذَلِكَ أَنَّ التِّجَارَةَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي رَأْسِ الْمَالِ طَلَبًا لِلرِّبْحِ، وَالسَّمْسَرَةُ كَذَلِكَ، لَكِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - ذَكَرَ التِّجَارَةَ فِي كِتَابِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ عَلَى سَبِيلِ الْمَدْحِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ [الصف: ١٠] وَقَوْلُهُ ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] وَقَوْلُهُ: ﴿تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] اهـ. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَيْضًا قَوْلُهُ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهُمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧] تَنْبِيهًا لَهُمْ بِهَذَا الِاسْمِ عَلَى أَنْ يَكُونُوا مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ النُّعُوتِ خُصُوصًا، وَفِي هَذَا الِاسْمِ إِيمَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] الْآيَةَ. (فَقَالَ: " «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ» ) : أَيْ غَالِبًا، وَهُوَ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُورَدُ لَا عَنْ رَوِيَّةٍ وَفِكْرٍ، فَيَجْرِي مَجْرَى اللَّغْوِ وَهُوَ صَوْتُ الْعَصَافِيرِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَا لَا يَعْنِيهِ، وَمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَمَا لَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ الْقَبِيحِ كَالشَّتْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] وَعَلَى الْفِعْلِ الْبَاطِلِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] . (" وَالْحَلِفُ ") : أَيْ إِكْثَارُهُ أَوِ الْكَاذِبُ مِنْهُ (" فَشُوبُوهُ ") بِضَمِّ أَوَّلِهِ، أَيِ اخْلُطُوا مَا ذَكَرَهُ مِنَ اللَّغْوِ وَالْحَلِفِ (" بِالصَّدَقَةِ) : فَإِنَّهَا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَأَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، كَذَا قِيلَ، وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢] . وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: رُبَّمَا يَحْصُلُ مِنَ الْكَلَامِ السَّاقِطِ وَكَثْرَةِ الْحَلِفِ كُدُورَةٌ فِي النَّفْسِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى إِزَالَتِهَا وَصَفَائِهَا، فَأَمَرَ بِالصَّدَقَةِ لِتَنْزِيلِ تِلْكَ الْكُدُورَةِ وَتَصْفِيَتِهَا. وَقَالَ: وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِكَثْرَةِ التَّصَدُّقِ، فَإِنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ الصَّافِي لَا يَكْتَسِبُ مِنَ الْكُدُورَةِ إِلَّا كُدُورَةً اهـ. وَلَكِنْ وَرَدَ: أَنَّهُ سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَفِي التَّنْزِيلِ:

стр. 3987

٢٧٩٩ - وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ قَالَ: " «التُّجَّارُ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلَّا مَنِ اتَّقَى وَبَرَّ وَصَدَقَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٢٧٩٩ - (وَعَنْ عُبَيْدٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ رِفَاعَةَ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ (عَنْ أَبِيهِ) ، أَيْ: رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " التُّجَّارُ ") : بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ جَمْعُ تَاجِرٍ (" يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا ") : جَمْعُ فَاجِرٍ مِنَ الْفُجُورِ، وَهُوَ الْمَيْلُ عَنِ الْقَصْدِ، وَالْكَاذِبُ فَاجِرٌ لِمَيْلِهِ عَنِ الصِّدْقِ (" إِلَّا مَنِ اتَّقَى ") ، أَيِ: اللَّهَ - تَعَالَى - بِأَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ كَبِيرَةً وَلَا صَغِيرَةً مِنْ غِشٍّ وَخِيَانَةٍ، أَيْ: أَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ فِي تِجَارَتِهِ، أَوْ قَامَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ (" وَبِرَّ وَصَدَقَ ") ، أَيْ: فِي يَمِينِهِ وَسَائِرِ كَلَامِهِ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: لَمَّا كَانَ مِنْ دَيْدَنِ التُّجَّارِ التَّدْلِيسُ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالتَّهَالُكُ عَلَى تَرْوِيجِ السِّلَعِ بِمَا يَتَيَسَّرُ لَهُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ وَنَحْوِهَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْفُجُورِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُمْ مَنِ اتَّقَى الْمَحَارِمَ وَبَرَّ فِي يَمِينِهِ وَصَدَقَ فِي حَدِيثِهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّارِحُونَ، وَحَمَلُوا الْفُجُورَ عَلَى اللَّغْوِ وَالْحَلِفِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) . أَيْ عَنْهُ.

стр. 3988

٢٨٠٠ - وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " عَنِ الْبَرَاءِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ مِنَ الْفَصْلِ الثَّالِثِ ــ ٢٨٠٠ - (وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ الْبَرَاءِ) . (وَقَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ (التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) .

стр. 3989

[بَابُ الْخِيَارِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٨٠١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَّفَرَقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " «إِذَا تَبَايَعَ الْمُتَبَايِعَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مِنْ بَيْعِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ، فَإِذَا كَانَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ قَدْ وَجَبَ» ". وَفَى رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ " «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَخْتَارَا» " وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ " أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ " بَدَلَ " أَوْ يَخْتَارَا ". ــ (٣) بَابُ الْخِيَارِ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الِاسْمُ مِنَ الِاخْتِيَارِ، وَهُوَ طَلَبُ خَيْرِ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا إِمْضَاءُ الْبَيْعِ أَوْ فَسْخُهُ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٢٨٠١ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْمُتَبَايِعَانِ ") أَيِ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ ") خَبَرٌ لِقَوْلِهِ كُلُّ وَاحِدٍ، أَيْ مَحْكُومٌ بِالْخِيَارِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: الْمُتَبَايِعَانِ أَيْ خِيَارُ الْقَبُولِ لَا خِيَارَ الْمَجْلِسِ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - (عَلَى صَاحِبِهِ) ، أَيِ: الْآخَرِ مِنْهُمَا وَالْجَارُ مُتَعَلِّقٌ بِالْخِيَارِ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: الْمُرَادُ بِالْخِيَارِ هُنَا هُوَ بَيْنَ قَوْلِ الْبَائِعِ: بِعْتُكَ وَبَيْنَ قَوْلِ صَاحِبِهِ: قَبِلْتُ مِنْكَ اهـ. وَبَيَانُهُ، أَنَّهُ إِذَا أَوْجَبَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِالْبَيْعِ فَالْآخَرُ بِالْخِيَارِ، فَإِنْ شَاءَ قَبِلَ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَقْبَلْ، وَلِلْمُوجِبِ خِيَارُ الرُّجُوعِ عَمَّا قَالَ قَبْلَ قَوْلِ صَاحِبِهِ قَبِلْتُ، وَهَذَا الْخِيَارُ ثَابِتٌ (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) ، أَيْ: قَوْلًا، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَوْلًا بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: بِعْتُ، وَقَالَ الْآخَرُ: اشْتَرَيْتُ لَمْ يَبْقَ الْخِيَارُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى خُيِّرَ الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا عَنْ بَيْعِهِمَا، وَمَا قِيلَ أَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ ابْنَ عُمَرَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَقَدْ حَمَلَ التَّفَرُّقَ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ فَيَتَعَيَّنُ طَرْحُ التَّأْوِيلِ الْمُخَالِفِ لِذَلِكَ، فَفَقِهَ أَنَّ تَأْوِيلَ الرَّاوِي لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ رَدًّا لِلِاحْتِمَالِ مَعَ تَأْيِيدِهِ بِرِوَايَةِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا عَنْ بَيْعِهِمَا، وَفِي هَذَا التَّأْوِيلِ جَمْعٌ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ. وَقَوْلُهُ: (إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ) : اسْتِثْنَاءٌ مِمَّا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَيْ

стр. 3990

كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ، فَأَثْبَتُوا لَهُمَا خِيَارَ الْمَجْلِسِ، وَقَالُوا: سَمَّاهُمَا الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِأَنَّ الْبَيْعَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ مِنْ أَفْعَالِ الْفَاعِلِينَ، وَهِيَ لَا تَقَعُ إِلَّا بَعْدَ حُصُولِ الْفِعْلِ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ بَعْدَ الضِّدِّ تَفَرُّقٌ إِلَّا التَّمْيِيزَ بِالْأَبْدَانِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُمَا إِذَا تَعَاقَدَا صَحَّ الْبَيْعُ وَلَا خِيَارَ لَهُمَا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَا وَقَالُوا: الْمُرَادُ مِنَ التَّفَرُّقِ هُوَ التَّفَرُّقُ بِالْأَقْوَالِ، وَنَظِيرُهُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُمَا بِالْمُتَبَايِعَيْنِ، فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُتَسَاوِيَيْنِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا يُؤَوَّلُ إِلَيْهِ أَوْ يَقْرُبُ مِنْهُ قَالَ الْقَاضِي: الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ مَفْهُومِ الْغَايَةِ، وَالْمَعْنَى: الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِذَا تَفَرَّقَا سَقَطَ الْخِيَارُ وَلَزِمَ الْبَيْعُ إِلَى بَيْعِ الْخِيَارِ، أَيْ بَيْعًا شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ، فَإِنَّ الْجَوَازَ بَعْدُ بَاقٍ إِلَى أَنْ يَمْضِيَ الْأَمَدُ الْمَضْرُوبُ لِلْخِيَارِ الْمَشْرُوطِ، وَقِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ أَصْلِ الْحُكْمِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ إِلَّا فِي بَيْعِ إِسْقَاطِ الْخِيَارِ وَنَفْيِهِ أَيْ: فِي بَيْعٍ شُرِطَ فِيهِ نَفْيُ الْخِيَارِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، وَمِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ نَشَأَ الْخِلَافُ فِي صِحَّةِ شَرْطِ نَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِيمَا بَيْنَ الْقَائِلِينَ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِعِلَّةِ الْإِضْمَارِ وَإِيلَاءِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْمُتَعَلِّقِ بِهِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِلَّا بَيْعًا جَرَى التَّخَايُرُ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ، يَقُولُ: اخْتَرْتُ، فَإِنَّ الْعَقْدَ يُلْزَمُ بِهِ وَيَسْقُطُ الْخِيَارُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا بَعْدُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ " أَوْ " فِي قَوْلِهِ أَيِ الْآتِي أَوْ يَخْتَارُ مِثْلَهَا فِي قَوْلِكِ: لَأَلْزَمَنَّكَ أَوْ تُعْطِينِي حَقِّي، أَيْ إِلَّا أَنْ يَخْتَارَا. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَوْلُهُ إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ الْمُرَادُ مِنْهُ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى خِيَارَ الْمَجْلِسِ خِيَارَ الشَّرْطِ، وَقَدْ أَنْكَرَ الْخَطَّابِيُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَصَرَّحَ بِالْقَوْلِ بِفَسَادِهِ وَقَالَ: الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَمِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، وَالْأَوَّلُ إِثْبَاتُ الْخِيَارِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا اسْتَثْنَى عَنْهُ إِثْبَاتًا مِثْلَهُ، وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ صَدَرَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةٍ، لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا دَلِيلًا ظَاهِرًا عَلَى نَفْيِ الْخِيَارِ بَعْدَ وُجُوبِ الْبَيْعِ، فَوَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ عَنِ الْمَعْنَى الْمَنْفِيِّ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَهُوَ الْحَقُّ لِأَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا يَتِمُّ بِآخِرِهِ، وَهَذَا مِنْ حَيْثُ الِاجْتِهَادِ، وَأَمَّا النَّصُّ فَلَا يُسَاعِدُهُ إِلَى وُجُوبِ الْبَيْعِ وَنَفْيِ الِاخْتِيَارِ، إِمَّا بِالشَّرْطِ أَوْ بِلَفْظِ اخْتَرْ ; لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ التَّالِيَةَ بَيَانٌ لَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . (وَفَّى رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " إِذَا تَبَايَعَ الْمُتَبَايِعَانِ ") ، أَيْ: قَارَبَ عَقْدُهُمَا أَوْ شَرَعَ أَحَدُهُمَا فِي الْعَقْدِ (" فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مِنْ بَيْعِهِ ") ، أَيْ: مِنْ إِتْمَامِ عَقْدِهِ (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) ، أَيْ: قَوْلًا أَوْ بَدَنًا (أَوْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ) ، أَيْ: خِيَارِ شَرْطٍ، وَيَكُونُ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ " أَوْ " بِمَعْنَى إِلَّا وَأَنْ مُقَدَّرَةٌ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَوْ عَلَى مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ، كَذَا ذَكَرُهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمِدُ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنَ الطِّيبِيِّ ﵀ مَعَ أَنَّ وَجْهَ الرَّفْعِ عَلَى مَا قَالَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى يَتَفَرَّقَا، وَلَمْ يُجْزَمِ الثَّانِي بَعْدَ جَزْمِ الْأَوَّلِ جَمْعًا بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، أَوْ عَلَى مَجْمُوعِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يُحْمَلُ أَنِ الْمُقَدَّرَةَ عَلَى أَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ، إِذْ قَدْ يَرْتَفِعُ الْفِعْلُ بَعْدَ أَنْ كَقِرَاءَةِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ قَوْلَهُ - تَعَالَى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] بِرَفْعِ الْفِعْلِ عَلَى مَا فِي الْمَعْنَى، (فَإِذَا كَانَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ فَقَدْ وَجَبَ) ، أَيِ: الْعَقْدُ أَوْ ثَبَتَ خِيَارُ الشَّرْطِ وَلَا يَسْقُطُ بِالتَّفَرُّقِ (وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: " «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَخْتَارَا» ") ، أَيْ: إِلَّا أَنْ يَخْتَارَا الشَّرْطَ (وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: " أَوْ يَقُولَ ") : بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى مَا سَبَقَ (أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ ") : بَدَلَ بِالنَّصْبِ أَيْ: وَقَعَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، أَوْ يَقُولَ الخ (بَدَلَ " أَوْ يَخْتَارَا ") فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الِاعْتِرَاضِ مِنْ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ، حَيْثُ أَوْهَمَ لِذِكْرِهِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ رِوَايَةَ: أَوْ يَخْتَارَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ. وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْقِيقِ الْمَقَامِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.

стр. 3991

٢٨٠٢ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُوِرَكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٨٠٢ - (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) : بِكَسْرِ مُهْمَلَةٍ فَزَايٍ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا» ") ، أَيْ: فِي صِفَةِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا (" وَبَيَّنَا ") ، أَيْ: عَيْبَ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ (" بُورِكَ ") ، أَيْ: كَثُرَ النَّفْعُ (" لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا ") ، أَيْ: وَشِرَائِهِمَا، أَوِ الْمُرَادُ فِي عَقْدِهِمَا (" وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أُزِيلَتْ وَذَهَبَتْ (" بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ

стр. 3992

٢٨٠٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي أُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ: " إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ " فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٢٨٠٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي أُخْدَعُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْمُتَكَلِّمِ (فِي الْبُيُوعِ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَيُكْسَرُ قَالَ الْقَاضِي: ذَلِكَ الرَّجُلُ حِبَّانُ ابْنُ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْمَازِنِيُّ، وَقَدْ صُرِّحَ بِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ (فَقَالَ: " (إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ ") : بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِلَامٍ مُخَفَّفَةٍ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ أَيْ: لَا غَبْنَ وَلَا خَدِيعَةَ لِي فِي هَذَا الْبَيْعِ. قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي بَيْعِهِ كَانَ لَهُ الرَّدُّ إِذَا غُبِنَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا رَدَّ لَهُ مُطْلَقًا، وَالْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَنْ أَهْلِ الْبَصَارَةِ فَيَحْتَرِزُ صَاحِبُهُ عَنْ مَظَانِّ الْغَبْنِ وَيَرَى لَهُ كَمَا يَرَى لِنَفْسِهِ، وَكَانَ النَّاسُ أَحِقَّاءَ بِرِعَايَةِ الْإِخْوَانِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ قِيلَ: زَادَ فِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا، فَيُفِيدُ الْحَدِيثُ أَنَّ لَا خِلَابَةَ لَفْظٌ وُضِعَ شَرْعًا لِاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَوْ جُعِلَ مَعْنَاهُ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَزَعَمَ أَنَّهُ خَاصٌّ بِمَنْ خَاطَبَهُ ﷺ لَيْسَ بِذَاكَ إِذْ لَا بُدَّ لِلْخُصُوصِيَّةِ مِنْ دَلِيلٍ اهـ وَفِي كَوْنِ (خِلَابَةَ) لَفْظًا وُضِعَ شَرْعًا لِمَا ذُكِرَ مَحَلُّ مَبْحَثٍ يَخْفَى. قَالَ الْقَاضِي: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَبْنَ لَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ وَلَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ، لِأَنَّهُ لَوْ أَفْسَدَ الْبَيْعَ أَوْ أَثْبَتَ الْخِيَارَ لَنَبَّهَ الرَّسُولُ ﷺ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالشَّرْطِ. أَقُولُ: الْغَبْنُ الْفَاحِشُ يُفْسِدُ الْبَيْعَ وَيُثْبِتُ الْخِيَارَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ، وَالرَّجُلُ أَرَادَ مُطْلَقَ الْغَبْنِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُشْتَرِي ذَا بَصِيرَةٍ فَلَهُ الْخِيَارُ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِذَا كَانَ الْغَبْنُ فَاحِشًا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَسَدَ الْبَيْعُ، وَأَنَّهُ إِذَا ذُكِرَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي الْعَقْدِ ثُمَّ ظَهَرَتْ فِيهِ غَبِينَةٌ وَكَانَ الْخِيَارُ لَهُ وَكَأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ غَيْرَ زَائِدٍ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، فَيُضَاهِي مَا إِذَا شَرَطَا وَصَفْاً مَقْصُودًا فِي الْمَبِيعِ فَبَانَ خِلَافُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ مُجَرَّدَ هَذَا اللَّفْظِ لَا يُوجِبُ الْخِيَارَ بِالْغَبْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّصَ الْحَدِيثَ بِحِبَّانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ﷺ أَمَرَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَتَصْدِيرِ الشَّرْطِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَحْرِيضًا لِلْمُعَامِلِ عَلَى حِفْظِ الْأَمَانَةِ وَالتَّحَرُّزِ عَنِ الْخِلَابَةِ. فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُ " «قُلْ لَا خِلَابَةَ، وَاشْتَرِطِ الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ» " وَعَلَى هَذَا لَمْ يُخْتَصَّ الْخِيَارُ بِالْغَبْنِ، بَلْ لِلشَّارِطِ فَسْخُهُ فِي الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ غَبْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ بَعْدَ مُضِيِّهَا، وَإِنْ ظَهَرَ الْغَبْنُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَقَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْقَوْلَ لِيَتَلَفَّظَ بِهِ عِنْدَ الْبَيْعِ لِيُنَبِّهَ بِهِ صَاحِبَهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الْبَصَائِرِ فِي مَعْرِفَةِ السِّلَعِ وَمَقَادِيرِ الْقِيمَةِ فِيهَا، فَيَمْتَنِعُ بِذَلِكَ عَنْ مَظَانِّ الْغَبْنِ وَيَرَى لَهُ كَمَا يَرَى لِنَفْسِهِ، وَكَانَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَحِقَّاءَ بِأَنْ يُعِينُوا أَخَاهُمُ الْمُسْلِمَ وَيَنْظُرُوا لَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْظُرُونَ لِأَنْفُسِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ وَلَا خِلَابَةَ لِنَفْيِ الْجِنْسِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ عَلَى الْحِجَازِ أَيْ: لَا خِدَاعَ فِي الدِّينِ لِأَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 3993

الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٨٠٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٢٨٠٤ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَى أَنْ يَكُونَ صَفْقَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ» ") : يَعْنِي إِذَا تَفَرَّقَا بَطَلَ خِيَارُهُمَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ بَيْعَ خِيَارٍ أَيْ بَيْعًا شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ: قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْبَيْعِ أَوِ الْعَهْدِ: فِي النِّهَايَةِ: هُوَ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ، وَيَضَعُ أَحَدُهُمَا يَدَهُ فِي يَدِ الْآخَرِ كَمَا يَفْعَلُ، وَهَى الْمَرَّةُ مِنَ التَّصْفِيقِ بِالْيَدَيْنِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَنْقَطِعُ خِيَارُهُمَا بِالتَّفَرُّقِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بَيْعًا شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ كَمَا مَرَّ اهـ وَالْحَاصِلُ أَنَّ وَضْعَ الْيَدِ عَلَى الْيَدِ أَمْرٌ غَالِبِيٌّ عُرْفِيٌّ، لَا أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ شَرْعِيٌّ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالتَّفَرُّقِ تَفَرُّقُ الْأَيْدِي فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ، وَبِهِ يَتَقَوَّى مَذْهَبُنَا حَيْثُ يَشْمَلُ التَّفَرُّقَ الْقَوْلِيَّ وَالْبَدَنِيَّ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا قَالَ الْقَاضِي ﵀: الْمَفْهُومُ مِنَ التَّفَرُّقِ هُوَ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ، وَعَلَيْهِ إِطْبَاقُ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الطَّلَاقُ تَفَرُّقًا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سِعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] لِأَنَّهُ يُوجِبُ تَفَرُّقَهُمَا بِالْأَبْدَانِ اهـ مَعَ أَنَّهُ يُدْفَعُ أَيْضًا بِأَنَّ تَمَامَ الْعَقْدِ بِالْقَوْلِ أَيْضًا يُوجِبُ تَفَرُّقَهُمَا بِالْأَبْدَانِ وَيَثْبُتُ جَوَازُهُ لَهُمَا فَأَمَّا الْإِيجَابُ الشَّرْعِيُّ فَلَا دَخْلَ لَهُ فِي الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ ﵀ مَا يُؤَيِّدُ الْمَرَامَ. (وَلَا يَحِلُّ) ، أَيْ: فِي الْوَرَعِ (" لَهُ ") ، أَيْ: لِأَحَدِهِمَا (" أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ ") أَيْ بِالْبَدَنِ بِأَنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ وَيَخْرُجَ (" خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ ") ، أَيْ: يَطْلُبُ مِنْهُ الْإِقَالَةَ، وَهُوَ إِبْطَالُ الْبَيْعِ، وَهُوَ دَلِيلٌ صَرِيحٌ لِمَذْهَبِنَا لِأَنَّ الْإِقَالَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ لَمَا طَلَبَ مِنْ صَاحِبِهِ الْإِقَالَةَ. قَالَ الْمُظْهِرُ: إِبْطَالُ الْبَيْعِ بَعْدَ انْعِقَادِهِ أَيِ الْفَسْخُ، وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي الْإِقَالَةِ أَنْ يَرْفَعَ الْعَاقِدُ أَنَّ الْبَيْعَ بَعْدَ لُزُومِهِ بِتَرَاضِيهِمَا، وَالْفَسْخُ يُسْتَعْمَلُ فِي رَفْعِ الْعِقْدِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ أَيْ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُتَّقِي أَنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَيَخْرُجَ مِنْ أَنْ يَفْسِخَ الْعَاقِدُ الْآخَرُ الْبَيْعَ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ، لِأَنَّ هَذَا يُشْبِهُ الْخَدِيعَةَ اهـ. وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ تَأْوِيلَ الْإِقَالَةِ بِالْفَسْخِ الْمُقَيَّدِ خِلَافَ الظَّاهِرِ، وَأَمَّا مَا رُوِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ إِذَا بَايَعَ رَجُلًا فَأَرَادَ أَنْ لَا يُقِيلَهُ قَامَ يَمْشِي هُنَيْهَةً، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُفَارَقَةَ بِالْأَبْدَانِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ اهـ فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ اعْتِبَارَهُ فِي رَأْيِ صَحَابِيٍّ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 3994

٢٨٠٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَا يَتَفَرَّقَنَّ اثْنَانِ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٢٨٠٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَتَفَرَّقَنَّ اثْنَانِ) ، أَيْ: مُتَبَايِعَانِ (إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ) : هُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْله - تَعَالَى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَبَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِصِدْقِ تِجَارَةٍ عَنْ تَرَاضٍ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى التَّخْيِيرِ، فَقَدْ أَبَاحَ - تَعَالَى - أَكْلَ الْمُشْتَرَى قَبْلَ التَّخْيِيرِ، فَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ أَنَّهُمَا لَا يَتَفَارَقَانِ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ بَيْنَهُمَا، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِعْطَاءِ الثَّمَنِ وَقَبْضِ الْمَبِيعِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَحْصُلُ الضَّرَرُ وَالضِّرَارُ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ فِي الشَّرْعِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يُشَاوِرَ مُرِيدُ الْفِرَاقِ صَاحِبَهُ،

стр. 3995

أَلَكَ رَغْبَةٌ فِي الْمَبِيعِ؟ فَإِنْ أُرِيدَ الْإِقَالَةَ أَقَالَهُ، فَيُوَافِقُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مَعْنًى، وَهَذَا فِي تَنْزِيهٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حِلِّ الْمُفَارَقَةِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الْآخَرِ وَلَا عِلْمِهِ، وَيُرِيدُ مَذْهَبُنَا أَيْضًا إِطْلَاقَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَهَذَا عَقْدٌ قَبْلَ التَّخْيِيرِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أَمْرٌ بِالتَّوَثُّقِ بِالشَّهَادَةِ حَتَّى لَا يَقَعَ التَّجَاحُدُ لِلْبَيْعِ وَالْبَيْعُ يُصَدَّقُ قَبْلَ الْخِيَارِ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَلَوْ ثَبَتَ الْخِيَارُ وَعَدَمُ اللُّزُومِ قَبْلَهُ كَانَ إِبْطَالًا لِهَذِهِ النُّصُوصِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀ الْمَلِكُ الْمُسْتَعَانُ: وَأَمَّا حَدِيثُ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ حَيْثُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ( «إِذَا ابْتَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ وَلِيَ الْخِيَارُ» ) فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ وَأَخَّرَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خِيَارَ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالِاشْتِرَاطِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ لَا أَصْلِ الْخِيَارَ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّفَرُّقُ الَّذِي هُوَ غَايَةُ قَبُولِ الْخِيَارِ بِتَفَرُّقِ الْأَقْوَالِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْآخَرُ بَعْدَ الْإِيجَابِ: لَا أَشْتَرِي أَوْ يَرْجِعُ الْمُوجِبُ قَبْلَ الْقَبُولِ وَإِسْنَادُ التَّفَرُّقِ إِلَى النَّاسِ مُرَادًا تَفَرُّقُ أَقْوَالِهِمْ كَثِيرٌ فِي الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ: قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «افْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» " وَحِينَئِذٍ فَيُرَادُ بِأَحَدِهِمَا فِي قَوْلِهِ: أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرِ الْمُوجِبَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ إِيجَابِهِ لِلْآخَرِ اخْتَرْ أَتَقْبَلُ أَوْ لَا؟ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: اخْتَرْ يَلْزَمُ الْبَيْعُ، بَلْ حَتَّى يَخْتَارَ الْبَيْعَ بَعْدَ قَوْلِهِ: اخْتَرْ فَكَذَا اخْتِيَارُ الْقَبُولِ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَعَلَى النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَتِمُّ بِلَا خِيَارِ الْمَجْلِسِ، بَلْ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الرِّضَا فَكَذَا الْبَيْعُ اهـ مُلَخَّصًا. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: عَنْ تَرَاضٍ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ أَيْ: لَا يَتَفَرَّقَنَّ اثْنَانِ إِلَّا تَفَرُّقًا صَادِرًا عَنْ تَرَاضٍ. قَالَ الْأَشْرَفُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ بَيْنَ الْعَاقِدِينَ لِانْقِطَاعِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ إِلَّا بِرِضَاهُمَا اهـ، وَتَقَدَّمُ أَنَّهُ يَجُوزُ إِجْمَاعًا وَالنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ قَالَ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لَهُمَا، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِهَذَا الْقَوْلِ حِينَئِذٍ اهـ وَأَنْتَ عَلِمْتَ مَعْنَى الْقَوْلِ فِيمَا سَبَقَ وَتُحِقِّقَ.
следующие страницы →