Полный текст (8 767 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
٢٨٦٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٨٦٤ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ) أَيِ ابْنِ عَمْرٍو عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ (قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَمُوَحَّدَةٍ اسْمٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَدْفُوعِ وَكَانَ بَيْعَ الْعَرَبِ. قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: فِيهِ سِتُّ لُغَاتٍ: عُرْبَانُ وَأُرْبَانُ وَعَرْبُونٌ وَأَرْبُونٌ بِضَمِّ الْأَوَّلِ وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ فِيهِنَّ وَفَتْحِ الْأَوَّلِ فِي الْأَخِيرَيْنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَيِ الْبَيْعُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْعُرْبَانِ فِي النِّهَايَةِ هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ السِّلْعَةَ وَيَدْفَعَ إِلَى صَاحِبِهَا شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَمْضَى الْبَيْعَ حَسَبَ وَإِنْ لَمْ يُمْضِ الْبَيْعَ كَانَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ وَلَمْ يَرْتَجِعْهُ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ بَيْعٌ بَاطِلٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِمَا فِيهِ مِنَ الشُّرُوطِ وَالْغَرَرِ، وَأَجَازَهُ أَحْمَدُ وَرَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِجَازَتَهُ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ مُنْقَطِعٌ. (رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ.
стр. 4062
٢٨٦٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٢٨٦٥ - (وَعَنْ عَلِيٍّ) ﵁ (قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ» ) (مُفْتَعَلٌ) مِنَ الضُّرِّ وَأَصْلُهُ مُضْتَرُّ فَأُدْغِمَتِ الرَّاءُ وَقُلِبَتِ التَّاءُ طَاءً لِأَجْلِ الضَّادِ. فِي النِّهَايَةِ: هَذَا يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى الْعَقْدِ مِنْ طَرِيقِ الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ وَهَذَا بَيْعٌ فَاسِدٌ لَا يَنْعَقِدُ، وَالثَّانِي أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى الْبَيْعِ لِدَيْنٍ رَكِبَهُ أَوْ مُؤنَةٍ تُرْهِقُهُ فَيَبِيعُ مَا فِي يَدَيْهِ بِالْوَكْسِ لِلضَّرُورَةِ وَهَذَا سَبِيلُهُ فِي حَقِّ الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ أَنْ لَا يُبَايِعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَكِنْ يُعَارُ وَيُقْرَضُ إِلَى الْمَيْسَرَةِ أَوْ يَشْتَرِي إِلَى الْمَيْسَرَةِ أَوْ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ بِقِيمَتِهَا فَإِنْ عُقِدَ الْبَيْعُ مَعَ الضَّرُورَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحَّ مَعَ كَرَاهَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَهُ، وَمَعْنَى الْبَيْعِ هَا هُنَا الشِّرَاءُ أَوِ الْمُبَايَعَةُ أَوْ قَبُولُ الْبَيْعِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀ وَالْمُرَادُ بِالْمُكْرَهِ الْمُكْرَهُ بِالْبَاطِلِ، وَأَمَّا الْمُكْرَهُ بِحَقٍّ فَلَا كَمَنْ أَكْرَهَ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِوَفَاءِ دَيْنٍ وَنَحْوَهُ بِبَيْعِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ (وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ) هُوَ مَا كَانَ لَهُ ظَاهِرٌ يُغْرِي الْمُشْتَرِي وَبَاطِنٌ مَجْهُولٌ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ ﵀: الْغَرَرُ مَا كَانَ عَلَى غَيْرِ عَهْدٍ وَثِقَةٍ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبُيُوعُ الَّتِي لَا يُحِيطُ بِكُنْهِهَا الْمُتَبَايِعَانِ مِنْ كُلِّ مَجْهُولٍ وَتَقَدَّمَتْ أَمْثِلَتُهُ (وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 4063
٢٨٦٦ - «وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِلَابٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ فَنَهَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُطْرِقُ الْفَحْلَ فَنُكْرَمُ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي الْكَرَامَةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٢٨٦٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِلَابٍ) بِكَسْرِ الْكَافِ، قَبِيلَةٌ (سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ) أَيْ (إِجَارَةِ مَائِهِ وَضِرَابِهِ (فَنَهَاهُ) أَيْ نَهْيَ تَحْرِيمٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُطْرِقُ الْفَحْلَ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الرَّاءِ نُعِيرُهُ لِلضِّرَابِ، فِي النِّهَايَةِ: وَفِي الْحَدِيثِ: وَمِنْ حَقِّهَا إِطْرَاقُ فَحْلِهَا أَيْ إِعَارَتُهُ لِلضِّرَابِ، وَالطَّرْقُ فِي الْأَصْلِ مَاءُ الْفَحْلِ، وَقِيلَ هُوَ الضِّرَابُ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الْمَاءُ (فَنُكْرَمُ) عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُعْطِينَا صَاحِبُ الْأُنْثَى شَيْئًا بِطَرِيقِ الْهَدِيَّةِ وَالْكَرَامَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ (فَرَخَّصَ لَهُ فِي الْكَرَامَةِ) أَيْ فِي قَبُولِ الْهَدِيَّةِ دُونَ الْكِرَاءِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَعَارَهُ الْفَحْلَ لِلْإِنْزَاءِ فَأَكْرَمَهُ الْمُسْتَعِيرُ بِشَيْءٍ جَازَ لَهُ قَبُولُهُ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَخَذُ الْكِرَاءِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 4064
٢٨٦٧ - «وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَبِيعَ مَا لَيْسَ عِنْدِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ وَلَيْسَ عِنْدِي فَأَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ. قَالَ: لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» .
ــ
٢٨٦٧ - (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَزَايٍ بَعْدَهَا (قَالَ «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَبِيعَ مَا لَيْسَ عِنْدِي» ) كَعَبْدٍ آبِقٍ وَلَمْ يُدْرَ مَحَلَّهُ وَطَائِرٍ فِي الْهَوَاءِ وَسَمَكٍ فِي الْمَاءِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أَيْ لِلتِّرْمِذِيِّ (وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ) أَيْ أَيْضًا (قَالَ) أَيْ حَكِيمٌ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ) أَيِ الْمَبِيعَ كَالصَّيْدِ بِمَعْنَى الْمَصِيدِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] أَيْ مِصْيَدُهُ (لَيْسَ عِنْدِي) حَالٌ مِنَ الْبَيْعِ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ بِالْوَاوِ (فَأَبْتَاعُ) أَيْ أَشْتَرِي (لَهُ مِنَ السُّوقِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مِنْ أَحَدٍ مَتَاعًا فَيَكُونُ حَلَالًا وَهَذَا يَصِحُّ، وَالثَّانِي: أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ مَتَاعًا لَا يَمْلِكُهُ ثُمَّ يَشْتَرِيهِ مِنْ مَالِكِهِ وَيَدْفَعُهُ إِلَيْهِ وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْبَيْعِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: قَالَ (لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) أَيْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مِلْكِكَ حَالَ الْعَقْدِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ هَذَا فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ دُوَنَ بُيُوعِ الصِّفَاتِ، فَلِذَا قِيلَ: السَّلَمُ فِي شَيْءٍ مَوْصُوفٍ عَامِّ الْوُجُودِ عِنْدَ الْمَحَلِّ الْمَشْرُوطِ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ حَالَ الْعَقْدِ، وَفِي مَعْنَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُ فِي الْفَسَادِ بَيْعُ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَبَيْعُ الْمَبيِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَفِي مَعْنَاهُ بَيْعُ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يُجِيزُ مَالِكُهُ أَمْ لَا؟ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀. قَالَ جَمَاعَةٌ يَكُونُ الْعَقْدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَدَ ﵏.
стр. 4065
٢٨٦٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ» . رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٢٨٦٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» ) أَيْ صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَعَقْدٍ وَاحِدٍ. قَالَ الْمُظْهِرُ: وَكَذَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فَسَّرُوا الْبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أَوْ بِعِشْرِينَ نَسِيئَةً إِلَى شَهْرٍ، فَهُوَ فَاسِدٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَيُّهُمَا جَعَلَ الثَّمَنَ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي جَارِيَتَكَ بِكَذَا، فَهَذَا أَيْضًا فَاسِدٌ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَشَرْطٌ، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى جَهَالَةِ الثَّمَنِ لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِبَيْعِ الْجَارِيَةِ لَا يَجِبُ، وَقَدْ جَعَلَهُ مِنَ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ فَهُوَ شَرْطٌ لَا يَلْزَمُ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ بَطَلَ بَعْضُ الثَّمَنِ فَيَصِيرُ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَبْلَغِ فِي مُقَابَلَةِ الثَّانِي مَجْهُولًا. (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 4066
٢٨٦٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٢٨٦٩ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ» ) الصَّفْقَةُ الْبَيْعُ، سُمِّيَ بِهَا لِأَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ عِنْدَ الْبَيْعِ ضَرْبُ كُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدِينَ يَدَهُ عَلَى يَدِ صَاحِبِهِ (رَوَاهُ) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ إِلَى شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ.
стр. 4067
٢٨٧٠ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ، وَلَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» ".
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
ــ
٢٨٧٠ - (وَعَنْهُ) أَيْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحِلُّ سَلَفٌ) بِفَتْحَتَيْنِ (وَبَيْعٌ) أَيْ مَعَهُ يَعْنِي مَعَ السَّلَفِ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَشْرُوطًا فِي الْآخَرِ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: السَّلَفُ يُطْلَقُ عَلَى السَّلَمِ وَالْقَرْضِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا شَرْطُ الْقَرْضِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، أَيْ لَا يَحِلُّ بَيْعٌ مَعَ شَرْطِ سَلَفٍ بِأَنْ يَقُولَ مَثَلًا: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنْ تُقْرِضَنِي عَشَرَةً، نَفَى الْحِلَّ اللَّازِمَ لِلصِّحَّةِ لِيَدُلَّ عَلَى الْفَسَادِ مِنْ طَرِيقِ الْمُلَازَمَةِ، وَالْعِلَّةُ فِيهِ وَفَى كُلِّ عَقْدٍ تَضَمَّنَ شَرْطًا لَا يَثْبُتُ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ مَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ السَّالِفِ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يُقْرِضَهُ قَرْضًا وَيَبِيعَ مِنْهُ شَيْئًا بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ ; لِأَنَّ قَرْضَهُ رَوَّجَ مَتَاعَهُ بِهَذَا الثَّمَنِ، وَكُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا حَرَامٌ (وَلَا شَرْطَانَ فِي بَيْعٍ) فُسِّرَ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا لِلْبَيْعَتَيْنِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا بِشَرْطَيْنِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُ مِنْكَ هَذَا الثَّوْبَ بِكِذَا عَلَى أَنْ أُقَصِّرَهُ وَأَخِيطَهُ، وَكَبَيْعٍ بِشَرْطِ أَنْ يُؤَجِّرَ دَارَهُ وَيُعِيرَ عَبْدَهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ، وَبَنَى عَلَى مَفْهُومِهِ جَوَازَ الشَّرْطِ الْوَاحِدِ وَهُوَ ضَعِيفٌ إِذْ لَا فَرْفَ بَيْنَ الشَّرْطِ الْوَاحِدِ وَالشَّرْطَيْنِ فِي الْمَعْنَى، وَلِأَنَّهُ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» ، وَلَعَلَّ تَخْصِيصَ الشَّرْطَيْنِ لِلْعَادَةِ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ، هَذَا وَمَفْهُومُ الْمُخَالِفِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا مُطْلَقًا، وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ غَيْرُ حُجَّةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ مَنْ يُجَوِّزُ الْمَفْهُومَ أَيْضًا، ثُمَّ الْمُرَادُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ) يُرِيدُ بِهِ الرِّبْحَ الْحَاصِلَ مِنْ بَيْعِ مَا اشْتَرَاهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَيَنْتَقِلَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ إِلَى ضَمَانِهِ فَإِنَّ بَيْعَهُ فَاسِدٌ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الرِّبْحَ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِنَّمَا يَحِلُّ أَنْ لَوْ كَانَ الْخُسْرَانُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْخُسْرَانُ عَلَيْهِ كَالْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ إِذَا تَلِفَ فَإِنَّ ضَمَانَهُ عَلَى الْبَائِعِ وَلَا يَحِلُّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَرِدَّ مَنَافِعَهُ الَّتِي انْتَفَعَ بِهَا الْبَائِعُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يَدْخُلْ بِالْقَبْضِ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فَلَا يَحِلُّ لَهُ رَبِحُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بَيْعُهُ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالرِّبْحِ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ حَقِيقَةَ الرِّبْحِ الشَّامِلِ لِلزَّوَائِدِ الْحَاصِلَةِ مِنَ الْمَبِيعِ كَاللَّبَنِ وَالْبَيْضِ (وَلَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) سَبَقَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) .
стр. 4068
٢٨٧١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالنَّقِيعِ بِالدَّنَانِيرِ فَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدِّرْهَمِ فَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّنَانِيرَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ " قَالَ: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٨٧١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالنَّقِيعِ) فِي النِّهَايَةِ وَكَذَا فِي شَرْحِ التُّورِبِشْتِيِّ: هُوَ بِالنُّونِ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ يَسْتَنْقِعُ فِيهِ الْمَاءُ أَيْ يَجْتَمِعُ اهـ قِيلَ ثُمَّ يَنْضَبُ وَيَنْبُتُ الْعُشْبُ، وَحَكَمَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ بِالْبَاءِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ السُّوقَ فِي الْغَرْقَدِ فِي أَكْثَرِ الْأَيَّامِ، وَقَوْلُهُ: كُنْتُ أَبِيعُ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ وَأَمَّا الْنَقِيعُ بِالنُّونِ فَهُوَ حِمًى عَلَى بُعْدِ عِشْرِينَ فَرْسَخًا فَلَا يُنَاسِبُ الِاسْتِمْرَارَ اهـ وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنْ كَانَ لَهُ سُوقٌ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فَلَا يُنَافِيهِ الِاسْتِمْرَارُ وَالدَّوَامُ (بِالدَّنَانِيرِ) أَيْ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِهَا تَارَةً (فَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ) أَيْ تَارَةً أُخْرَى (" فَآخُذُ ") بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ (مَكَانَهَا الدَّنَانِيرَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ) قِيلَ كَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَأْتِيَهُ ﷺ فَيَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ إِرَادَتِهِ وَقَبْلَ فِعْلِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَمُجْتَهِدِيهِمْ فَاجْتَهَدَ فَرَأَى جَوَازَهُ فَفَعَلَهُ ثُمَّ سَأَلً لِيَظْهَرَ لَهُ أَنَّ اجْتِهَادَهُ مُطَابِقٌ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَمْ لَا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِهِ ﷺ بَلْ وَبِحَضْرَتِهِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالظُّنُونِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ، وَأَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الْيَقِينِ أَوْلَى مِنَ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى الْمَظْنُونِ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ (فَقَالَ لَا بَأْسَ) أَيْ لَا حُرْمَةَ وَلَا كَرَاهَةَ (أَنْ تَأْخُذَهَا) أَيْ فِي أَخْذِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ ضُبِطَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى (إِنْ) شَرْطِيَّةٌ ثُمَّ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ رَاجِعٌ إِلَى أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ عَلَى الْبَدَلِ كَمَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ (بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا) أَيْ عَنِ الْمَجْلِسِ (وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ) أَيْ مِنْ عَمَلِ الْوَاجِبِ بِحُكْمِ عَقْدِ الصَّرْفِ وَهُوَ قَبْضُ الْبَدَلَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، أَيْ: شَيْءٌ مِنْ عُلْقَةِ الِاسْتِبْدَالِ وَهُوَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ فِي بَيْعِ النَّقْدِ بِالنَّقْدِ وَلَوْ مَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ اهـ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لَا تَتَعَيَّنُ حَتَّى لَوْ أَرَاهُ دِرْهَمًا اشْتَرَى بِهِ فَبَاعَهُ ثُمَّ حَبَسَهُ وَأَعْطَاهُ دِرْهَمًا آخَرَ جَازَ إِذَا كَانَا مُتَّحِدِي الْمَالِيَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَإِنَّمَا نَكَّرَهُ أَيْ لَفْظَ (شَيْءٌ) وَأَبْهَمَهُ لِلْعِلْمِ بِالْمُرَادِ وَأَنَّ تَقَابُضَ النَّقْدَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ مِمَّا هُوَ مَشْهُورٌ لَا يَلْتَبِسُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَقَوْلُهُ ﷺ لَا بَأَسَ فِي الْجَوَابِ ثُمَّ تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ أَنْ تَأْخُذَهَا إِلَخْ مِنْ بَابِ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَ بَدَلَ الدَّنَانِيرِ الدَّرَاهِمَ وَبِالْعَكْسِ بِشَرْطِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ، وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ بِسِعْرِ الْيَوْمِ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِحْبَابِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ يَشْتَرَطُ السَّنَةَ، يَشْتَرِطُ قَبْضَ مَا يُسْتَبْدَلُ فِي الْمَجْلِسِ سَوَاءٌ اسْتَبْدَلَ عَلَيْهِ مَا يُوَافِقُ فِي عِلَّةِ الرِّبَا وَإِنَّمَا شَرَطَهُ النَّبِيُّ ﷺ ; لِأَنَّهُمَا أَعْنِي الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ مِمَّا يُوَافِقَانِ فِي عِلَّةِ الرِّبَا، وَالتَّقَابُضُ فِي أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ شَرْطٌ، وَلَوِ اسْتَبْدَلَ عَنِ الدَّيْنِ شَيْئًا مُؤَجَّلًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ بَيْعُ كَالِئٍ بِكَالِئٍ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 4069
٢٨٧٢ - وَعَنِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ أَخْرَجَ كِتَابًا: هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا وَأَمَةً لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٢٨٧٢ - (وَعَنِ الْعَدَّاءِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ آخِرُهُ هَمْزٌ، صَحَابِيٌّ قَلِيلُ الْحَدِيثِ أَسْلَمَ بَعْدَ حُنَيْنٍ وَهُوَ مِنْ أَعْرَابِ الْبَصْرَةِ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ (ابْنِ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَذَالٍ مُعْجَمَةٍ (أَخْرَجَ كِتَابًا) أَيْ مَكْتُوبًا (هَذَا) بَدَلٌ (مَا اشْتَرَى الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اشْتَرَى) تَفْسِيرٌ بَعْدَ إِجْمَالٍ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ مُحَمَّدٍ (عَبْدًا أَوْ أَمَةً) شَكٌّ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (لَا دَاءَ) أَيْ فِيهِ مِنْ جُنُونٍ وَجُذَامٍ وَبَرَصٍ وَنَحْوَهَا (وَلَا غَائِلَةَ) كَزِنًا وَسَرِقَةٍ وَشُرْبِ خَمْرٍ (وَلَا خِبْثَةَ) بِكَسْرِ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ فَمُثَلَّثَةٍ أَيْ لَا خَبَاثَةَ فِي أَصْلِهِ يَنْشَأُ عَنْهَا أَفْعَالٌ قَبِيحَةٌ وَأَخْلَاقٌ شَنِيعَةٌ كَكَوْنِهِ ابْنِ الزِّنَا أَوْ فَاسِقًا أَوْ مُقَامِرًا أَوْ كَذَّابًا أَوْ فِي مِلْكَةٍ يَنْشَأُ عَنْهَا شُبْهَةٌ أَوْ حُرِّيَّةٌ فِي وَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ كَكَوْنِهِ مَسْبِيًّا مِمَّنْ يَشُكُّ فِي سَبْيِهِ أَوْ مِمَّنْ يَتَيَقَّنُ فِي حُرْمَتِهِ كَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُعَاهَدِينَ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀.
стр. 4070
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْمُرَادُ بِالدَّاءِ الْعَيْبُ الْمُوجِبُ لِلْخِيَارِ وَبِالْغَائِلَةِ مَا فِيهِ اغْتِيَالُ مَالِ الْمُشْتَرِي مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ سَارِقًا أَوْ آبِقًا. وَبِالْخِبْثَةِ أَنْ يَكُونَ خَبِيثَ الْأَصْلِ لَا يَطِيبُ لِلْمُلَّاكِ أَوْ مُحَرَّمًا كَالْمُسْبَئِ مِنْ أَوْلَادِ الْمُعَاهَدِينَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ فَعَبَّرَ عَنِ الْحُرْمَةِ بِالْخِبْثَةِ أَنْ يَكُونَ خَبِيثًا كَمَا عَبَّرَ عَنِ الْحِلِّ بِالطَّيِّبِ (بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ) نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ إِنَّمَا بَاعَهُ بَيْعَ الْمُسْلِمِ مِنَ الْمُسْلِمِ أُضِيفَ إِلَى الْفَاعِلِ وَنُصِبَ بِهِ الْمَفْعُولُ، ذَكَرُهُ الطِّيبِيِّ. وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِ (بَيْعُ) عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هُوَ أَوْ هَذَا أَوْ عَكْسُهُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا بَايَعَ الْمُسْلِمَ يَرَى لَهُ مِنَ النُّصْحِ أَكْثَرَ مِمَّا يَرَى لِغَيْرِهِ بَلْ أَرَادَ بِذَلِكَ بَيَانَ حَالِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا تَعَاقَدَا فَإِنَّ مِنْ حَقِّ الدِّينِ وَوَاجِبِ النَّصِيحَةِ أَنْ يُصَدِّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَبِمَنْ لَهُ مَا خَفِيَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ بَاعَهُ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ وَاشْتَرَاهُ شِرَاءَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِ طَرَفَيِ الْعَقْدِ عَنِ الْآخَرِ اهـ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ بَيْعًا مُشْتَمِلًا لِجَمِيعِ شَرَائِحِ الْبَيْعِ كَبَيْعِ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ فِي شَرَائِطِهِ إِشَارَةً بِذَلِكَ إِلَى رِعَايَةِ حُقُوقِ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا الْبَيْعِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَنْعٌ مِنَ الْمُعَامَلَةِ مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀ مِنْ أَنَّ بَيْعَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِاشْتَرَى إِذْ هُوَ يُطْلَقُ عَلَى بَيْعٍ كَعَكْسِهِ فَهُوَ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ اشْتَرَى، فَانْدَفَعَ قَوْلُ شَارِحٍ: التَّقْدِيرُ بَاعَهُ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ أَوِ اشْتَرَاهُ شِرَاءَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ إِلَخْ. . . فَبَعِيدٌ عَنِ التَّحْقِيقِ وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
стр. 4071
٢٨٧٣ - وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَاعَ حِلْسًا وَقَدَحًا فَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْحِلْسَ وَالْقَدَحَ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: آخُذُهَا بِدِرْهَمٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ فَبَاعَهُمَا مِنْهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٨٧٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَاعَ حِلْسًا) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ كِسَاءً يُوَضْعُ عَلَى الْبَعِيرِ تَحْتَ الْقَتْبِ لَا يَفْرُقُهُ، ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَقِيلَ: بِسَاطٌ يُفْتَرَشُ (وَقَدَحًا أَيْ أَرَادَ بَيْعَهُمَا وَقَضِيَّتُهُ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةً قَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ شَيْءٌ؟ قَالَ لَيْسَ لِي إِلَّا حِلْسٌ وَقَدَحٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِعْهُمَا وَكُلْ بِثَمَنِهِمَا، ثُمَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَكَ شَيْءٌ فَسَلِ الصَّدَقَةَ» فَبَاعَهُمَا ﷺ (فَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْحِلْسَ وَالْقَدَحَ؟ قَالَ رَجُلٌ: آخُذُهُمَا) أَيْ أَنَا (بِدِرْهَمٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ) فِيهِ جَوَازُ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّمَنِ إِذَا لَمْ يَرْضَ الْبَائِعُ بِمَا عَيَّنَ الطَّالِبُ فَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ هَذَا لَيْسَ بِسَوْمٍ لِأَنَّ السَّوْمَ هُوَ أَنْ يَقِفَ الرَّاغِبُ وَالْبَائِعُ عَلَى الْبَيْعِ وَلَمْ يَعْقِدَاهُ فَيَقُولُ الْآخَرُ لِلْبَائِعِ: أَنَا أَشْتَرِيهِ وَهَذَا حَرَامٌ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ، وَأَمَّا السَّوْمُ بِالسِّلْعَةِ الَّتِي تُبَاعُ لِمَنْ يُرِيدُ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ (فَأَعْطَاهُ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ فَبَاعَهُمَا مِنْهُ) ظَاهِرُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعَاطَاةَ كَافِيَةٌ فِي الْبَيْعِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4072
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٨٧٤ - عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ بَاعَ عَيْبًا عَنْهُ لَمْ يُنَبِّهْ لَمْ يَزَلْ فِي مَقْتِ اللَّهِ أَوْ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَلْعَنُهُ» . " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٨٧٤ - (عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ بَاعَ عَيْبًا) أَيْ مَعِيبًا قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَصْدَرَ إِذَا وُضِعَ مَوْضِعَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ كَانَ لِلْمُبَالَغَةِ نَحْوَ رَجُلٍ عَدْلٍ أَيْ هُوَ مُجَسَّمٌ مِنَ الْعَدْلِ، جَعَلَ الْمَعِيبَ نَفْسَ الْعَيْبِ دَلَالَةً عَلَى شَنَاعَةِ هَذَا الْبَيْعِ وَأَنَّهُ عَيَّنَ الْعَيْبَ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا قَالَ ﷺ : " «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» " وَيُقَدِّرُ ذَا عَيْبٍ وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّقْرِيرِ (لَمْ يُنَبِّهْ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ لَمْ يَذْكُرِ الْبَائِعُ عَيْبَهُ لِلْمُشْتَرِي (لَمْ يَزَلْ فِي مَقْتِ اللَّهِ) فِيهِ مُبَالَغَتَانِ فَإِنَّ الْمَقْتَ أَشَدُّ الْغَضَبِ وَجَعَلَهُ ظَرْفًا لَهُ (أَوْ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَلْعَنُهُ) أَوْ لِلشَّكِّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4073
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٢٨٧٥ - (بَابٌ) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ وَحْدَهُ.
ــ
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٢٨٧٥ - (بَابٌ) بِالرَّفْعِ وَالسُّكُونِ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنِ ابْتَاعَ) أَيِ اشْتَرَى (نَخْلًا) أَيْ فِيهِ ثَمَرٌ (بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ التَّأْبِيرُ تَلْقِيحُ النَّخْلِ وَهُوَ أَنْ يُوضَعَ شَيْءٌ مِنْ طَلْعِ فَحْلِ النَّخْلِ فِي طَلْعِ الْأُنْثَى إِذَا انْشَقَّ فَتَصْلُحُ ثَمَرَتُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ - تَعَالَى - (فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ) أَيِ الْمُشْتَرِي بِأَنْ يَقُولَ: اشْتَرَيْتُ النَّخْلَةَ بِثَمَرَتِهَا هَذِهِ وَكَذَا فِي غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ عِنْدَنَا. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ﵏ فِي غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ: تَكُونُ الثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْبَائِعُ لِنَفْسِهِ أَخْذًا بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ مِنَ الْحَدِيثِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀. وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَعْنَى إِنْ بَاعَ نَخْلًا مُثْمِرَةً قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا تَبْقَى لَهُ إِلَّا إِذَا اشْتُرِطَ دُخُلُوهَا فِي الْعَقْدِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَذَا إِنِ انْشَقَّ وَلَمْ يُؤَبَّرْ بَعْدُ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْإِفْرَازِ هُوَ الظُّهُورُ الْمُمَاثِلُ لِانْفِصَالِ الْجَنِينِ وَلَعَلَّهُ عَبَّرَ عَنِ الظُّهُورِ بِالتَّأْبِيرِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْهُ غَالِبًا أَمَّا لَوْ بَاعَ قَبْلَ أَوَانِ الظُّهُورِ تَتْبَعُ الْأَصْلَ وَتَنْتَقِلُ إِلَى الْمُشْتَرِي قِيَاسًا عَلَى الْجَنِينِ وَأَخْذًا مِنْ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ تَبْقَى الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ بِكُلِّ حَالٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: الثَّمَرَةُ تَتْبَعُ الْأَصْلَ وَتَنْتَقِلُ إِلَى الْمُشْتَرِي بِكُلِّ حَالٍ (وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا) أَيْ قَنًّا (وَلَهُ) أَيْ لِلْعَبْدِ (مَالٌ) وَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا مِلْكَ لَهُ خِلَافًا لِمَالِكٍ (فَمَالُهُ) بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ فَمَا فِي يَدِ الْعَبْدِ (لِلْبَائِعِ) أَيْ بَاقٍ عَلَى أَصْلِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ مِلْكًا لِلْبَائِعِ قَبْلَ الْبَيْعِ (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ) .
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا مِلْكَ لَهُ بِحَالٍ فَإِنَّ السَّيِّدَ لَوْ مَلِكَهُ لَا يُمْلَكُ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ كَالْبَهَائِمِ، وَقَوْلُهُ: وَلَهُ مَالٌ إِضَافَةُ مَجَازٍ لَا إِضَافَةُ مَلِكٍ كَمَا يُضَافُ السَّرْجُ إِلَى الْفَرَسِ، وَالْأُكَافُ إِلَى الْحِمَارِ، وَالْغَنَمُ إِلَى الرَّاعِي، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، أَصْنَافُ الْمِلْكِ إِلَيْهِ وَإِلَى الْبَائِعِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ كُلُّهُ مِلْكًا لِلِاثْنَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَثَبَتَ أَنَّ إِضَافَةَ الْمَالِ إِلَى الْعَبْدِ مَجَازٌ أَيْ لِلِاخْتِصَاصِ وَإِلَى الْمَوْلَى حَقِيقَةٌ أَيِ الْمِلْكِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ مَالًا مَلَكَهُ لَكِنَّهُ إِذَا بَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ كَانَ الْمَالُ دَرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْعَبْدِ وَتِلْكَ الدَّرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَكَذَا إِنْ كَانَ الدَّنَانِيرُ أَوِ الْحِنْطَةُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُمَا بِذَهَبٍ أَوْ حِنْطَةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ إِنِ اشْتَرَطَهُ الْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَ دَرَاهِمَ وَالثَّمَنُ دَرَاهِمُ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ثِيَابَ الْعَبْدِ الَّتِي عَلَيْهِ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا لِأَنَّهُ مَالٌ فِي الْجُمْلَةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَدْخُلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَاتِرُ الْعَوْرَةِ فَحَسْبُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ شَيْءٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ اسْمَ الْعَبْدِ لَا يَتَنَاوَلُ الثِّيَابَ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ) أَيِ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ مِنَ الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ (وَحْدَهُ) أَيْ دُونَ الْفَصْلِ الثَّانِي فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى.
стр. 4074
٢٨٧٦ - وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا فَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ، فَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَيْسَ يَسِيرُ مِثْلَهُ ثُمَّ قَالَ: " بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ " قَالَ: فَبِعْتُهُ فَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ وَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَيَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِبِلَالٍ: " «اقْضِهِ وَزِدْهُ " فَأَعْطَاهُ، وَزَادَهُ قِيرَاطًا» .
ــ
٢٨٧٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ) أَيْ فِي مَسِيرِ سَفَرِهِ (عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا) أَيْ أَصَابَهُ الْعَيَاءُ وَصَارَ ذَا عَيَاءٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَعْيَا يَجِيءُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا أَيْ صَارَ ذَا عِيٍّ عَنِ السَّيْرِ أَوْ أَصَابَهُ الْعِيُّ وَالْعَجْزُ (فَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ) أَيْ بِجَابِرٍ أَوْ عَلَى الْجَمَلِ (فَضَرَبَهُ) أَيِ الْجَمَلَ (فَسَارَ) أَيْ بِبَرَكَتِهِ ﷺ (سَيْرًا لَيْسَ يَسِيرُ مِثْلَهُ) أَيْ فِي الْعَادَةِ (ثُمَّ قَالَ: بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ فِي النِّهَايَةِ هِيَ بِغَيْرِ أَلِفٍ لُغَةٌ عَامِرِيَّةٌ وَغَيْرُ الْعَامِرِيَّةِ أُوقِيَّةٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَوَزْنُهَا أُفْعُولَةٌ وَالْأَلِفُ زَائِدَةٌ وَالْجَمْعُ الْأَوَاقِيُّ مُشَدَّدًا وَقَدْ يُخَفَّفُ اهـ.
стр. 4075
وَالدِّرْهَمُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا وَالْقِيرَاطُ خَمْسُ شُعَيْرَاتٍ مُتَوَسِّطَاتٌ، وَفِي الْقَامُوسِ الْأُوقِيَّةُ بِالضَّمِّ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ كَالْوُقِيَّةِ بِالضَّمِّ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ مُشَدَّدَةً وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا جَمْعُهُ أَوَاقِيُّ وَأَوَاقٍ وَوَقَايَا، وَفِي الْمِصْبَاحِ: الْأُوقِيَّةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالتَّشْدِيدِ وَهِيَ عِنْدَ الْعَرَبِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَهِيَ فِي تَقْدِيرِ أُفْعُولَةٍ كَالْأُعْجُوبَةِ وَالْأُحْدُوثَةِ وَالْجَمْعُ الْأَوَاقِيُّ بِالتَّشْدِيدِ وَلِلتَّخْفِيفِ لِلتَّخْفِيفِ. قَالَ ثَعْلَبٌ: فِي بَابِ الْمَضْمُومِ أَوَّلِهِ وَهِيَ الْأُوقِيَّةُ وَالْوُقِيَّةُ لُغَةً وَهِيَ بِضَمِّ الْوَاوِ هَكَذَا مَضْبُوطَةٌ فِي كِتَابِ ابْنِ السِّكِّيتِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: قَالَ اللَّيْثُ: الْوُقِيَّةُ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ وَهِيَ مَضْبُوطَةٌ بِالضَّمِّ أَيْضًا. قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: هَكَذَا مَضْبُوطَةٌ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ وَجَرَى عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ لُغَةٌ حَكَاهَا بَعْضُهُمْ وَجَمْعُهَا وَقَايَا كَعَطِيَّةٍ وَعَطَايَا وَفِي " الْحَدِيثِ " أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِطَلَبِ الْبَيْعِ مِنْ مَالِكِ السِّلْعَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِضْهَا لِلْبَيْعِ (قَالَ فَبِعْتُهُ فَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ رُكُوبَهُ مَصْدَرُ حَمَلَ يَحْمِلُ حُمْلَانًا أَيْ شَرَطْتُ أَنْ أَحْمِلَهُ رَحْلِي وَمَتَاعِي (إِلَى أَهْلِي) فَرَضِيَ ﷺ بِهَذَا الشَّرْطِ. احْتَجَّ أَحْمَدُ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ دَابَّةٍ وَاسْتِثْنَاءِ ظَهْرِهَا لِنَفْسِهِ مُدَّةً مَعَ لُزُومِ الشُّرُوطِ، وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ خَاصٌّ بِجَابِرٍ وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَوْ أَنَّهُ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ وُجُودِ الْبَيْعِ فَوَعَدَهُ ﷺ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا حَقِيقَةَ بَيْعٍ إِذْ لَا قَبْضَ وَلَا تَسْلِيمَ وَإِنَّمَا أَرَادَ ﷺ أَنْ يَنْفَعَهُ بِشَيْءٍ فَاتَّخَذَ بَيْعَهُ الْجَمَلَ ذَرِيعَةً إِلَى ذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵊ عِنْدَ إِعْطَاءِ الْوُقِيَّةِ: مَا كُنْتُ لِآخُذَ جَمَلَكَ فَخُذْ جَمَلَكَ فَخُذْ جَمَلَكَ " ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ احْتَجَّ أَحْمَدُ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى جَوَازِ بِيْعِ دَابَّةٍ يَشْتَرِطُ الْبَائِعُ لِنَفْسِهِ رُكُوبَهَا، وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ ذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْمَسَافَةُ قَرِيبَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ سَوَاءٌ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ أَوْ قَرُبَتْ، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا وَبِالْحَدِيثِ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا احْتِمَالَاتٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْبَيْعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَضُرُّ الشَّرْطُ إِذَا كَانَ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ، وَلَعَلَّ الشَّرْطَ كَانَ سَابِقًا فَلَمْ يُؤَثِّرْ ثُمَّ تَبَرَّعَ ﷺ بِإِرْكَابِهِ (فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ وَنَقَدَنِي) أَيْ أَعْطَانِي (وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ) أَيِ الْجَمَلَ (عَلَيَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ " أَنَّهُ قَالَ لِبِلَالٍ: اقْضِهِ وَزِدْهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ وَاسْتِحْبَابِ أَدَاءِ الدَّيْنِ وَإِرْجَاحِ الْوَزْنِ. (فَأَعْطَاهُ وَزَادَ قِيرَاطًا) وَهُوَ نِصْفُ دَانَقٍ وَهُوَ سُدُسُ دِرْهَمٍ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ جَوَازُ هِبَةِ الْمَشَاعِ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْقِيرَاطِ هِبَةٌ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ عَنْ جُمْلَةِ الثَّمَنِ. الْقِيرَاطُ الَّذِي زَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفَارِقُنِي أَبَدًا فَجَعَلْتُهُ، فَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَأَعْطَاهُ قِيرَاطًا لَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: هَذَا كِيسٌ فَلَمْ يَزَلْ عِنْدِي حَتَّى جَاءَ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ فَأَخَذُوهُ فِيمَا أَخَذُوا.
стр. 4076
٢٨٧٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وُقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عُدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ فَعَلْتُ وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي. فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " خُذِيهَا وَأَعْتِقِيهَا " ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ " أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ رِجَالٍ " يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ فَقَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٨٧٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ) وَهِيَ جَارِيَةٌ حَبَشِيَّةٌ أَوْ أَمَةٌ صَحَابِيَّةٌ (فَقَالَتْ إِنِّي كَاتَبْتُ) أَيِ اشْتَرَيْتُ نَفْسِي وَقَبِلْتُ الْكِتَابَةَ (عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وُقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي) أَيْ فِي أَدَاءِ الْكِتَابَةِ (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ) أَيْ رَضُوا (أَنْ أَعُدَّهَا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ أُعْطِيَهَا وَالضَّمِيرُ لِلتِّسْعِ الْأَوَاقِ (لَهُمْ عُدَّةً وَاحِدَةً) أَيْ جُمْلَةً حَاضِرَةً (وَأُعْتِقَكِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (فَعَلْتُ وَيَكُونُ) بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ (وَلَاؤُكِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ (لِي فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا) أَيْ عَنْ جَمِيعِ الصُّوَرِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ: الِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ لِأَنَّ فِي أَبَى مَعْنَى النَّفْيِ. الْكَشَّافُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] قَدْ أُجْرِيَ أَبَى مَجْرَى لَمْ يُرِدْ، أَلَا
стр. 4077
تَرَى كَيْفَ قُوبِلَ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] بِقَوْلِهِ ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٢] وَأَوْقَعَهُ مَوْقِعَ لَمْ يُرِدْ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُذِيهَا) أَيِ اشْتَرِيهَا (وَأَعْتِقِيهَا) ظَاهِرُهُ جَوَازُ بَيْعِ رَقَبَةِ الْمُكَاتِبِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَجَوَابُهُ: أَنْ بَرِيرَةَ بِيعَتْ بِرِضَاهَا وَذَلِكَ فَسْخُ الْكِتَابَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ أَوْ أَنَّهَا عَجَزَتْ نَفْسُهَا عَنْ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ فَوَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى الرَّقَبَةِ دُونَ الْمُكَاتَبِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهَا: فَأَعِينِينِي. قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ مُقَدِّمَةِ هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ النَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَالُوا: يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَكِنْ لَا تَنْفَسِخُ كِتَابَتُهُ حَتَّى لَوْ أَدَّى النُّجُومَ إِلَى الْمُشْتَرِي عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلْبَائِعِ الَّذِي كَاتَبَهُ. وَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ الْحَدِيثَ بِأَنَّهُ جَرَى بِرِضَاهَا وَكَانَ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْكِتَابَةِ مِنْهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ عَاجِزَةً عَنِ الْأَدَاءِ فَلَعَلَّ السَّادَةَ عَجَّزُوهَا وَبَاعُوهَا، وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِهِ مَعَ نُجُومِ الْكِتَابَةِ فَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيُّ وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ، وَأَوَّلَ قَوْمٌ حَدِيثَ بَرِيرَةَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَالضَّمِيرُ لِتِسْعِ أَوَاقٍ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْكِتَابَةُ وَبِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَكِ " وَيَرُدُّهُ عِتْقُ عَائِشَةَ ﵂ إِيَّاهَا وَمَا رَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي» " وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ قَالَ «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا» وَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ فَدَلِيلٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ مُشْتَرِيَ النُّجُومِ لَا يَعُدُّهَا وَلَا يُؤَدِّيهَا وَإِنَّمَا يُعْطِي بَدَلَهَا وَأَمَا مُشْتَرِي الرَّقَبَةِ إِذَا اشْتَرَاهَا بِمِثْلِ مَا انْعَقَدَتْ بِهِ الْكِتَابَةُ فَإِنَّهُ يَعُدُّهُ، وَفَحْوَى الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الرَّقَبَةِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ شَرَطُوا الْوَلَاءَ لِأَنْفُسِهِمْ وَشَرْطُ الْوَلَاءِ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِعَائِشَةَ ﵂ فِي إِجَابَتِهِمْ بِالشِّرَاءِ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ وَلَمْ يُقَرِّرِ الْعَقْدَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ النَّخَعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ﵏ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى فَسَادِهِ، وَالْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ اخْتَلَفُوا فِي الشَّرْطِ، فَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ لِأَنَّهُ ﷺ أَذِنَ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَسَدَ لَانْفَسَدَ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ وَلَمْ يَثْبُتْ فَيُفْسِدُ الْعَقْدَ لِلنَّصِّ وَالْمَعْنَى الْمَذْكُورَيْنِ قِيلَ مِنْهُمْ مَنْ أَلْغَاهُ كَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي ثَوْرٍ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْوَلَاءِ وَفَسَادِ الشَّرْطِ أَنَّهُ ﷺ قَرَّرَ الْعَقْدَ وَأَنْفَذَهُ وَحَكَمَ بِبُطْلَانِ الشَّرْطِ وَقَالَ " «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنِ اعْتَقَ» " وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو ثَوْرٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى فَسَادِ الْعَقْدِ لِمَا سَبَقَ مِنَ النَّصِّ وَالْمَعْنَى وَقَالُوا: مَا جَرَى الشَّرْطُ فِي بَيْعِ بَرِيرَةَ وَلَكِنَّ الْقَوْمَ ذَكَرُوا ذَلِكَ طَمَعًا فِي وَلَاتِهَا جَاهِلِينَ بِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْمُعْتِقِ وَمَا رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ قَالَ " خُذِيهَا وَاشْتَرِطِيهَا " زِيَادَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا، وَالتَّارِكُونَ لَهَا كَابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ: عَنْ عَائِشَةَ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْهُمَا أَكْثَرُ عَدَدًا أَوْ أَشَدُّ اعْتِبَارًا فَلَا تَسْمَعْ لِأَنَّ السَّهْوَ عَلَى وَاحِدٍ أَجْوَزُ مِنْهُ عَلَى جَمَاعَةٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ كَيْفَ يَجُوزُ فِي صِفَةِ الرَّسُولِ وَمَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى النَّاسِ شَرْطًا بَاطِلًا وَيَأْمُرَ أَهْلَهُ بِإِجَابَتِهِمْ إِلَى الْبَاطِلِ، وَهُوَ عَلَى أَهْلِهِ فِي اللَّهِ أَشَدُّ وَأَغْلَظُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَعَلَي هَذَا التَّقْدِيرِ وَالِاحْتِمَالِ يَنْهَدِمُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الِاسْتِدْلَالِ وَلَا يَكُونُ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ شَرْطِ الْعِتْقِ فِي الْعَقْدِ وَصِحَّتِهِ. (ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ) أَيْ خَطِيبًا (فَحَمِدَ اللَّهَ) أَيْ عَلَى نِعَمِهِ (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) أَيْ فِي كَرَمِهِ (ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ) فَصْلًا لِلْخِطَّابِ وَقَصْدًا لِلْعِتَابِ (فَمَا بَالُ رِجَالٍ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنَ الْمِشْكَاةِ بِالْفَاءِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ بِلَا فَاءٍ. قَالَ الْمَالِكِيُّ أَمَّا حَرْفٌ قَائِمٌ مَقَامَ أَدَاةِ الشَّرْطِ وَالْفِعْلِ الَّذِي عَلَيْهَا فَلِذَلِكَ يُقَدِّرُهَا النَّحْوِيُّونَ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ وَحَقُّ الْمُتَّصِلِ بِالْمُتَّصِلِ بِهَا أَنْ تَصْحَبَهُ الْفَاءُ نَحْوَ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [فصلت: ١٥] وَلَا تُحْذَفُ هَذِهِ الْفَاءُ غَالِبًا إِلَّا فِي شِعْرٍ أَوْ مَعَ يَشْتَرِطُونَ قَوْلَ أَغْنَى عَنْهُ مَقُولَةً نَحْوَ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ أَيْ فَيُقَالُ لَهُمْ أَكَفَرْتُمْ وَقَوْلُهُ ﷺ «أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ» وَقَوْلُ
стр. 4078
عَائِشَةَ: وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا، فَقَدْ خُولِفَتِ الْقَاعِدَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَيُعْلَمُ بِالتَّحْقِيقِ عَدَمُ التَّضْيِيقِ وَأَنَّ مَنْ خَصَّهُ بِالشِّعْرِ أَوْ بِالصُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ مِنَ النَّثْرِ مُقَصِّرٌ فِي فَتْوَاهُ وَعَاجِزٌ عَنْ نُصْرَةِ دَعْوَاهُ. (يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ) أَيْ تِلْكَ الشُّرُوطِ (فِي كِتَابِ اللَّهِ) أَيْ عَلَى وَفْقِ حُكْمِ كِتَابِهِ وَمُوجِبِ قَضَائِهِ أَوِ الْمُرَادُ بِكِتَابِ اللَّهِ حُكْمُ اللَّهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْقُرْآنَ ; لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَوِ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْمَكْتُوبُ أَيْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْقُرْآنُ وَنَظِيرُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي الْوَاشِمَةِ: مَالِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ثُمَّ اسْتُدِلَّ عَلَى كَوْنِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ) مَا شَرْطِيَّةٌ وَمِنْ زَائِدَةٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ غَيْرُ مُوجِبٍ وَالْجَزَاءُ قَوْلُهُ (فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ) إِنْ وَصْلِيَّةٌ لِلْمُبَالَغَةِ وَلَا مَفْهُومَ لِلْعَدَدِ. قَالَ الطَّيِبِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَلَوْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ وَهُوَ مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي يُتْبَعُ بِهِ الْكَلَامُ السَّابِقُ بِلَا جَزَاءٍ مُبَالَغَةً وَتَقْرِيرًا (فَقَضَاءُ اللَّهِ) أَيْ حُكْمُهُ (أَحَقُّ) أَيْ بِالِاتِّبَاعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْفَاءُ فِيهِ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ وَلَفْظُ الْقَضَاءِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ " لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ " قَضَاؤُهُ وَحُكْمُهُ (وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ) أَيْ بِالْعَمَلِ بِهِ يُرِيدُ بِهِ ﷺ مَا أَظْهَرُهُ وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ لَا لِلْجِنْسِ، فَانْدَفَعَ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ مِنْ بُطْلَانِ وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ بِإِرَدَاةِ اللَّامِ لِلْجِنْسِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي هَذَا الشَّرْطِ إِشْكَالٌ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْبَيْعَ وَكَيْفَ وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلْخِدَاعِ وَالتَّغْرِيرِ أَمْ كَيْفَ أَذِنَ لِأَهْلِهِ مَا لَا يَصِحُّ؟ وَلِهَذَا الْأَشْكَالِ أَنْكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مِنْ قَوْلِهِ " «وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ» " وَقَالَ الْجُمْهُورُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ صَحِيحَةٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهَا فَقِيلَ " لَهُمْ " بِمَعْنَى " عَلَيْهِمْ " كَمَا قَالَ تَعَالَي ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] أَيْ عَلَيْهِمْ ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أَيْ فَعَلَيْهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ ﷺ أَنْكَرَ عَلَيْهِمُ الِاشْتِرَاطَ، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ لَمْ يُنْكِرْهُ وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا أَنْكَرَ مَا أَرَادُوا اشْتِرَاطَهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَالْأَصَحُّ فِي تَأْوِيلِهِ مَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ: أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ خَاصٌّ فِي قَضِيَّةِ عَائِشَةَ ﵂ وَاحْتَمَلَ هَذَا الْأُذُنُ وَإِبْطَالُهُ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ الْخَاصَّةَ وَهِيَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا. قَالُوا: وَالْحِكْمَةُ فِي إِذْنِهِ ثُمَّ إِبْطَالِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي قَطْعِ عَادَتِهِمْ فِي ذَلِكَ وَزَجْرِهِمْ عَلَى مِثْلِهِ كَمَا أَذِنَ لَهُمْ ﷺ فِي الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِنَسْخِهِ وَجَعْلِهِ عُمْرَةً لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي زَجْرِهِمْ وَقَطْعِهِمْ عَمَّا اعْتَادُوهُ مِنْ مَنْعِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَقَدْ تُحْتَمَلُ الْمَفْسَدَةُ الْيَسِيرَةُ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: الشَّرْطُ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوَهُ أَقْسَامٌ مِنْهَا شَرْطٌ يَقْتَضِيهِ إِطْلَاقُ الْعَقْدِ بِأَنَّ شَرْطَ تَسْلِيمِهِ إِلَى الْمُشْتَرِي أَوْ تَبْقِيَةَ الثَّمَرَةِ عَلَى الشَّجَرِ إِلَى أَوَانِ الْجُذَاذِ، وَمِنْهَا شَرْطٌ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَتَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ كَاشْتِرَاطِ التَّضْمِينِ وَالْخِيَارِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذَانَ شَرْطَانِ جَائِزَانِ وَلَا يُؤَثِّرَانِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ بِلَا خَوْفٍ، وَمِنْهَا اشْتِرَاطُ الْعِتْقِ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ تَرْغِيبًا فِي الْعِتْقِ لِقُوَّتِهِ وَسِرَايَتِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4079
٢٨٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٨٧٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» ) لِأَنَّهُ كَالنَّسَبِ، فَكَمَا أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ النَّسَبُ إِلَى غَيْرِهِ كَذَلِكَ الْوَلَاءُ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى غَيْرِ الْمُعْتِقِ ; لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِتْقِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: بَيْعُ الْوَلَاءِ وَهِبَتُهُ لَا يَصِحَّانِ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ عَنْ مُسْتَحَقِّهِ فَإِنَّهُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَأَجَازَ بَعْضُ السَّلَفِ نَقْلَهُ، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْحَدِيثُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَلَفْظُهُ: " «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» " وَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ.
стр. 4080
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٨٧٩ - عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خُفَافٍ قَالَ: ابْتَعْتُ غُلَامًا فَاسْتَغْلَلْتُهُ ثُمَّ ظَهَرْتُ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ، فَخَاصَمْتُ فِيهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَضَى لِي بِرَدِّهِ، وَقَضَى عَلَيَّ بِرَدِّ غَلَّتِهِ، فَأَتَيْتُ عُرْوَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: أَرُوحُ إِلَيْهِ الْعَشِيَّةَ فَأُخْبِرُهُ «أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي مِثْلِ هَذَا: " أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ» " فَرَاحَ إِلَيْهِ عُرْوَةُ فَقَضَى لِي أَنْ آخُذَ الْخَرَاجَ مِنَ الَّذِي قَضَى بِهِ عَلَيِّ لَهُ. رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٨٧٩ - (عَنْ مَخْلَدِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ الْمُعْجَمَةِ، غِفَارِيٌّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (ابْنِ خُفَافٍ) : بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ الْأُولَى كَذَا فِي التَّقْرِيبِ. وَيُقَالُ إِنَّ لِخُفَافٍ وَلِأَبِيهِ وَلِجَدِّهِ صُحْبَةً كَذَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّابِعِينَ. (قَالَ: ابْتَعْتُ غُلَامًا) أَيِ اشْتَرَيْتُهُ (فَاسْتَغْلَلْتُهُ) أَيْ أَخَذْتُ مِنْهُ غَلَّتَهُ يَعْنِي كِرَاءَهُ وَأُجْرَتَهُ، فِي النِّهَايَةِ: الْغَلَّةُ الدَّاخِلُ الَّذِي يَحْصُلُ مِنَ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ وَاللَّبَنِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّتَاجِ وَنَحْوَ ذَلِكَ (ثُمَّ ظَهَرْتُ) أَيِ اطَّلَعْتُ (مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْغُلَامِ (عَلَى عَيْبٍ) أَيْ قَدِيمٍ (فَخَاصَمْتُ فِيهِ) أَيْ حَاكَمْتُ فِي حَقِّ الْغُلَامِ أَوْ فِي عَيْبِهِ بَائِعَهُ (إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَضَى) أَيْ حَكَمَ (لِي بِرَدِّهِ) أَيْ عَلَيْهِ (وَقَضَى عَلَيَّ بِرَدِّ غَلَّتِهِ) أَيْ إِلَيْهِ (فَأَتَيْتُ عُرْوَةَ فَأَخْبَرْتُهُ) أَيْ بِمَا جَرَى (فَقَالَ: أَرُوحُ إِلَيْهِ) ، أَيْ: أَذْهَبُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (الْعَشِيَّةَ) ، أَيْ: آخِرَ النَّهَارِ أَوْ أَوَّلَ اللَّيْلِ (فَأُخْبِرُهُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّ الْخَرَاجَ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (بِالضَّمَانِ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْبَاءُ فِي بِالضَّمَانِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ الْخَرَاجُ مُسْتَحَقٌّ بِالضَّمَانِ أَيْ بِسَبَبِهِ وَقِيلَ الْبَاءُ لِلْمُقَابَلَةِ، وَالْمُضَافُ مَحْذُوفٌ أَيْ مَنَافِعُ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْقَبْضِ تَبْقَى لِلْمُشْتَرِي فِي مُقَابَلَةِ الضَّمَانِ اللَّازِمِ عَلَيْهِ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ وَنَفَقَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ " مَنْ عَلَيْهِ غُرْمُهُ فَعَلَيْهِ غُنْمُهُ " وَالْمُرَادُ بِالْخَرَاجِ مَا يَحْصُلُ مِنْ غَلَّةِ الْعَيْنِ الْمُبْتَاعَةِ عَبْدًا كَانَ أَوْ أَمَةٍ أَوْ مِلْكًا وَذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَيَسْتَغِلَّهُ زَمَانًا ثُمَّ يَعْثُرُ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ لَمْ يُطْلِعْهُ الْبَائِعُ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَلَهُ رَدُّ الْعَيْنِ الْمَعِيبَةِ وَأَخْذُ الثَّمَنِ وَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مَا اسْتَغَلَّهُ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ لَكَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ شَيْءٌ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِيمَا يَحْدُثُ فِي يَدِ الْمَشْتَرِي مِنْ نِتَاجِ الدَّابَّةِ وَوَلَدِ الْأَمَةِ وَلَبَنِ الْمَاشِيَةِ وَصُوفِهَا وَثَمَرِ الشَّجَرَةِ أَنَّ الْكُلَّ يَبْقَى لِلْمُشْتَرِي وَلَهُ رَدُّ الْأَصْلِ بِالْعَيْبِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ حُدُوثَ الْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يَمْنَعُ رَدًّا لِأَصْلٍ بِالْعَيْبِ بَلْ يَرْجِعُ بِالْأَرْشِ. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ يَرُدُّ الْوَلَدَ مَعَ الْأَصْلِ وَلَا يَرُدُّ الصُّوفَ، وَلَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوُطِئَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِالشُّبْهَةِ أَوْ وَطِئِهَا ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا رَدَّهَا وَالْمَهْرُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ هُوَ الْوَاطِئَ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَافْتُضَّتْ فَلَا رَدَّ لَهُ لِأَنَّ زَوَالَ الْبَكَارَةِ نَقْصٌ حَدَثَ فِي يَدِهِ بَلْ يَسْتَرِدُّ مِنَ الثَّمَنِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنْ قِيمَتِهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ (فَرَاحَ إِلَيْهِ عُرْوَةُ فَقَضَى) ، أَيْ: عُمَرُ (لِي أَنْ آخُذَ الْخَرَاجَ مِنَ الَّذِي قَضَى بِهِ عَلَيَّ لَهُ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ أَنَّ الْقَاضِي إِذَا أَخْطَأَ فِي الْحُكْمِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ يَقِينًا لَزِمَهُ النَّقْضُ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِخَبَرِ عُرْوَةَ. (رَوَاهُ) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ.
стр. 4081
٢٨٨٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيِّ قَالَ: «الْبَيِّعَانِ إِذَا اخْتَلَفَا وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ» .
ــ
٢٨٨٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّة الْمَكْسُورَةِ أَيِ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ أَوْ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ أَوِ الْأَجَلِ وَغَيْرِهَا مِنَ الشُّرُوطِ وَصِفَاتِ الْعَقْدِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ) أَيْ مَعَ يَمِينِهِ (وَالْمُبْتَاعُ) أَيِ الْمُشْتَرِي (بِالْخِيَارِ) أَيْ إِنْ شَاءَ رَضِيَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ، وَإِنْ شَاءَ حَلَفَ هُوَ أَيْضًا بِأَنَّهُ مَا اشْتَرَاهُ بِكَذَا بَلْ بِكَذَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، ثُمَّ إِذَا تَحَالَفَا فَإِنْ رَضِيَ
стр. 4082
أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ الْآخَرِ فَذَلِكَ وَإِلَّا فَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ بَاقِيًا كَانَ الْمَبِيعُ أَوْ لَا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ لَا يَتَحَالَفَانِ عِنْدَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ بَلِ الْقَوْلُ حِينَئِذٍ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ، وَرِوَايَةُ (الْمَبِيعُ قَائِمٌ) تُقَوِّي مَذْهَبَهُمَا كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيِّ قَالَ: الْبَيِّعَانِ إِذَا اخْتَلَفَا وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ) أَيْ بَاقٍ (بِعَيْنِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ) أَيْ شُهُودٌ (فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ) أَيْ بِحَلِفِهِ فَإِذَا حَلَفَ فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ كَمَا سَبَقَ (أَوْ يَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ) وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَبِيعُ بَاقِيًا عِنْدَ النِّزَاعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ وَلَمْ يَحْلِفِ الْبَائِعُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ ﵀
-.
стр. 4083
٢٨٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَفِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " بِلَفْظِ الْمَصَابِيحِ " عَنْ شُرَيْحٍ الشَّامِيِّ مُرْسَلًا.
ــ
٢٨٨١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا) أَيْ بَيْعَهُ (أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ) أَيْ غَفَرَ زَلَّتَهُ وَخَطِيئَتَهُ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فِيهِ إِيذَانٌ بِنُدْبِيَّةِ الْإِقَالَةِ إِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْإِقَالَةُ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ جَائِزَةٌ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ وَهِيَ فَسْخُ الْبَيْعِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) أَيْ مُتَّصِلًا، وَكَذَا الْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْهُ بِلَفْظِ: " «مَنْ أَقَالَ نَادِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» " (وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ) بِلَفْظِ " الْمَصَابِيحِ " وَهُوَ: " «مَنْ أَقَالَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ صَفْقَةً كَرِهَهَا أَقَالَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (عَنْ شُرَيْحٍ) بِالتَّصْغِيرِ (الشَّامِيِّ مُرْسَلًا) فِيهِ اعْتِرَاضٌ لِلْمُصَنِّفِ عَلَى الْبَغَوِيِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فِيهِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَرَكَ الْأَوْلَى حَيْثُ ذَكَرَ الْمُرْسَلَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُتَّصِلَ.
стр. 4084
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٨٨٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اشْتَرَى رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ عَقَارًا مِنْ رَجُلٍ فَوَجَدَ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ عَنِّي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ الْعَقَارَ وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ. فَقَالَ بَائِعُ الْأَرْضِ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ قَالَ أَحَدُهُمَا لِي غُلَامٌ وَقَالَ الْآخَرُ لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقُوا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٢٨٨٢ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اشْتَرِي رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ عَقَارًا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْأَرْضُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا (مِنْ رَجُلٍ) مُتَعَلِّقٌ بِاشْتَرَى وَمِنَ الْأُولَي بَيَانِيَّةٌ أَوْ بَعْضِيَّةٌ (فَوَجَدَ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ) فِيهِ وُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ (فِي عَقَارِهِ جَرَّةً) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ (فِيهَا ذَهَبٌ فَقَالَ لَهُ) أَيْ لِلْبَائِعِ (الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ) فِيهِ مَا سَبَقَ (خُذْ ذَهَبَكَ عَنِّي) أَيْ مِنِّي أَوْ مُوَلِّيًا عَنِّي (إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ الْعَقَارَ وَلَمْ أَبْتَعْ) أَيْ لَمْ أَشْتَرِ (مِنْكَ الذَّهَبَ فَقَالَ بَائِعُ الْأَرْضِ إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا) أَيْ تَبَعًا لَهَا (فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ) قِيلَ إِنَّهُ دَاوُدُ ﵊ (قَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِي غُلَامٌ) أَيْ صَبِيٌّ (وَقَالَ الْآخَرُ لِي جَارِيَةٌ) أَيْ بِنْتٌ (فَقَالَ أَنْكِحُوا) أَيْ زَوِّجُوا (الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقُوا) أَيْ بَعْضَهُ أَوْ مَا زَادَ عَلَى نَفَقَتِهِمَا. قَالَ النَّوَوِيُّ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَأَنَّ الْقَاضِيَ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِصْلَاحُ بَيْنَهُمَا كَمَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4085
[بَابُ السَّلَمِ وَالرَّهْنِ]
стр. 4086
بَابُ السَّلَمِ وَالرَّهْنِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٨٨٣ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ، فَقَالَ: " مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(بَابُ السَّلَمِ وَالرَّهْنِ)
السَّلَمُ بِفَتْحَتَيْنِ أَنْ تُعْطِيَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فِي سِلْعَةٍ مَعْلُومَةٍ إِلَى أَمْرٍ مَعْلُومٍ فَكَأَنَّكَ قَدْ أَسْلَمْتَ الثَّمَنَ إِلَى صَاحِبِ السِّلْعَةِ وَسَلَّمْتَهُ إِلَيْهِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الرَّهْنُ مَا يُوضَعُ وَثِيقَةً لِلدَّيْنِ وَالرِّهَانُ مِثْلُهُ لَكِنْ يَخْتَصُّ بِمَا يُوضَعُ فِي الْخِطَارِ وَأَصْلُهُمَا مَصْدَرٌ يُقَالُ. رَهَنْتُ الرَّهْنُ وَأَرْهَنْتُهُ رِهَانًا فَهُوَ رَهِينٌ وَمَرْهُونٌ وَيُقَالُ فِي جَمْعِ الرَّهْنِ رِهَانٌ وَرُهُنٌ وَرُهُونٌ وَارْتَهَنْتُ أَخَذْتُ الرَّهْنَ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٢٨٨٣ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ) أَيْ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ (وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَالْإِسْلَافُ إِعْطَاءُ الثَّمَنِ فِي مَبِيعٍ إِلَى مُدَّةٍ أَيْ يَشْتَرُونَ الثَّمَنَ فِي الْحَالِ وَيَأْخُذُونَ السِّلْعَةَ فِي الْمَالِ (السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ) مَنْصُوبَاتٌ إِمَّا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ يَشْتَرُونَ إِلَى السَّنَةِ وَإِمَّا عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ إِسْلَافُ السَّنَةِ (فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَتَعْيِينِ الْأَجَلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ إِنَّ جَهَالَةَ أَحَدِهِمَا مَفْسَدَةٌ لِلْبَيْعِ، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ فِي مَكِيلٍ فَلْيَكُنْ كَيْلُهُ مَعْلُومًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا اشْتِرَاطُ كَوْنِ السَّلَمِ مُؤَجَّلًا بَلْ يَجُوزُ حَالًا لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ مُؤَجَّلًا جَازَ مَعَ الْفَوْرِ فَجَوَازُ الْحَالِ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الْغَرَرِ وَلَيْسَ ذِكْرُ الْأَجَلِ فِي الْحَدِيثِ لِاشْتِرَاطِ الْأَجَلِ بَلْ مَعْنَاهُ إِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ حَالًا فَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ وَأَجْمَعُوا عَلَى اشْتِرَاطِ وَصْفِهِ بِمَا ضُبِطَ بِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.
стр. 4087
٢٨٨٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: «اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٢٨٨٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: «اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ» ) فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الشِّرَاءِ بِالنَّسِيئَةِ، وَعَلَى جَوَازِ الرَّهْنِ بِالدَّيْنِ وَعَلَى جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْخُضَرِ وَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ قَيَّدَهُ بِالسَّفَرِ وَعَلَى جَوَازِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ مَالُهُمْ لَا يَخْلُو عَنِ الرِّبَا وَثَمَنِ الْخَمْرِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ التَّقَلُّلِ فِي الدُّنْيَا وَمُلَازِمَةِ الْفَقْرِ وَفِيهِ جَوَازُ رَهْنِ آلَةِ الْحَرْبِ عِنْدَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْحُكْمُ بِثُبُوتِ أَمْلَاكِهِمْ عَلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَإِنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] مُبَيَّنٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِذْ دَلِيلُ خِطَابِهِ مَتْرُوكٌ بِهِ وَأَمَّا مُعَامَلَتُهُ مَعَ الْيَهُودِيِّ وَرَهْنُهُ عِنْدَهُ دُونَ الصَّحَابَةِ فَقِيلَ فَعَلَهُ بَيَانًا لِجَوَازِ ذَلِكَ وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ طَعَامٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَةِ صَاحِبِهِ إِلَّا عِنْدَهُ وَقِيلَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَا يَأْخُذُونَ رَهْنَهُ وَلَا يَتَقَاضُونَهُ الثَّمَنَ فَعَدَلَ إِلَى الْيَهُودِيِّ لِئَلَّا يُضَيِّقَ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ مُعَامَلَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْكُفَّارِ إِذَا لَمْ يَتَحَقَقْ تَحْرِيمُ مَا مَعَهُمْ لَكِنْ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ بَيْعُ السِّلَاحِ وَمَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ فِي إِقَامَةِ دِينِهِمْ وَلَا بَيْعُ الْمُصْحَفِ وَلَا عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ مُطْلَقًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ يَجُوزُ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ حَالٍ وَمُؤَجَّلٍ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَمَا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ بَيْعٌ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ وَفِي لَفْظِ الصَّحِيحَيْنِ: طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ، وَقَدْ سُمِّيَ هَذَا الْيَهُودِيُّ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ أَخْرَجَهُ عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّهُ ﵊ رَهَنَ دِرْعًا عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ» ، رَجُلٍ مِنْ بَنِي ظَفَرَ فِي شَعِيرِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا لِأَنَّ جَهَالَتَهُ تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ فِي التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ فَهَذَا يُطَالِبُهُ فِي قَرِيبِ الْمُدَّةِ وَذَلِكَ فِي بَعِيدِهَا، وَلِأَنَّهُ ﵊ فِي مَوْضِعِ شَرْطِ الْأَجَلِ وَهُوَ السَّلَمُ أَوْجَبَ فِيهِ التَّعْيِينَ حَيْثُ قَالَ: " «مَنْ أَسْلَفَ فِي ثَمَرَةٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» " وَعَلَى كُلِّ ذَلِكَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ.
стр. 4088
٢٨٨٥ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدِرْعُهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٨٨٥ - (وَعَنْهَا) أَيْ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (قَالَتْ تُوُفِّيَ) بِضَمَّتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ «قُبِضَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْقَضِيَّةَ السَّابِقَةَ بِعَيْنِهَا وَأَنْ تَكُونَ غَيْرَهَا وَأَمَّا خَبَرُ: " «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» " كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقِيلَ: أَيْ مَحْبُوسَةٌ عَنْ مَقَامِهَا الْكَرِيمِ، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: أَيْ: أَمْرُهَا مَوْقُوفٌ لَا يُحْكَمُ لَهَا بِنَجَاةٍ وَلَا هَلَاكٍ حَتَّى يُنْظَرَ، أَهَلْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ أَمْ لَا؟ اهـ.
وَسَوَاءٌ أَتَرَكَ الْمَيِّتُ وَفَاءً أَمْ لَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا، وَشَذَّ الْمَاوَرْدِيُّ وَقَالَ: إِنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً. كَذَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ لَمْ يَشِذَّ إِذْ وَافَقَهُ جَمَاعَةٌ حَيْثُ حَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى مَنْ لَمْ يَتْرُكْ عِنْدَ صَاحِبِ الدَّيْنِ مَا يَحْصُلُ بِهِ وَفَاءٌ وَأَيْضًا الْأَنْبِيَاءُ مُسْتَثْنَوْنَ، وَأَيْضًا قَالُوا: مَحَلُّهُ فِيمَا إِذَا اسْتَدَانَ لِمَعْصِيَةٍ أَوْ نِيَّتُهُ أَنْ لَا يَرُدَّهَا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَضَى عِدَاتِ النَّبِيِّ ﷺ جَمْعُ عِدَةٍ بِمَعْنَى وَعْدٍ، وَأَنَّ عَلِيًّا قَضَى دُيُونَهُ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ فَكَّ الدِّرْعَ وَأَسْلَمَهَا إِلَى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 4089
٢٨٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٢٨٨٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " الظَّهْرُ ") أَيْ ظَهْرُ الدَّابَّةِ وَقِيلَ: الظَّهْرُ الْإِبِلُ الْقَوِيُّ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَلَعَلَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ لِرُكُوبِ الظَّهْرِ (يُرْكَبُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِنَفَقَتِهِ) أَيْ بِسَبَبِهَا أَوْ بِمِقْدَارِهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ جَازَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَرْكَبَهُ وَيَحْمِلَ عَلَيْهِ حَمْلَهُ بِسَبَبِ أَنَّ عَلَفَهُ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ﵏ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ كَفَّنَهُ الْمَالِكُ (وَلَبَنُ الدَّرِّ) أَيْ ذَاتِ الدَّرِّ وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّبَنَ (يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ) أَيْ يَشْرَبُهُ الْمُنْفِقُ عَلَيْهَا (إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ أَنَّ دَوَامَ قَبْضِ الْمَرْهُونِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الرَّهْنِ لِأَنَّهُ لَا يَرْكَبُهُ الْمَالِكُ إِلَّا وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ قَبْضِ الْمَرْهُونِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْهُونَ لَا يَحْمِلُ وَمَنَافِعَهُ لَا تُعَطَّلُ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ غُنْمُهُ عَلَيْهِ غُرْمُهُ، وَالْعُلَمَاءُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ مُطْلَقًا وَنَفَقَتَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ، وَالْفُرُوعُ تَتْبَعُ الْأُصُولَ، وَالْغُرْمُ بِالْغُنْمِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَبْدًا فَمَاتَ كَانَ كَفَنُهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ رَوَى ابْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» " وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنَ الْمَرْهُونِ بِحَلْبٍ وَرُكُوبٍ دُونَ غَيْرِهِمَا وَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ النَّفَقَةِ، وَاحْتَجَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنْ يُقَالَ: دَلَّ الْحَدِيثُ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى إِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِنْفَاقِ، وَانْتِفَاعُ الرَّاهِنِ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ إِبَاحَتَهُ مُسْتَفَادَةٌ لَهُ مِنْ تَمَلُّكِ الرَّقَبَةِ لَا مِنَ الْإِنْفَاقِ، وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ جَوَازَ الِانْتِفَاعِ مَقْصُورٌ عَلَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ، وَجَوَازُ انْتِفَاعِ الرَّاهِنِ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْهِمَا، فَإِذًا الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرُّكُوبِ وَالْحَلْبِ مِنَ الْمَرْهُونِ بِالنَّفَقَةِ، وَأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَزِمَهُ النَّفَقَةُ، وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِأَنَّهُ مِنَ الرِّبَا فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى انْتِفَاعِ الْمُرْتَهِنِ بِمَنَافِعِ الْمَرْهُونِ بِدَيْنِهِ، وَكُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فَهُوَ رِبًا، وَالْأَوْلَى أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْبَاءَ فِي بِنَفَقَتِهِ لَيْسَتْ لِلْبَدَلِيَّةِ بَلْ لِلْمَعِيَّةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الظَّهْرَ يُرْكَبُ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ فَلَا يَمْنَعُ الرَّهْنُ الرَّاهِنَ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِالْمَرْهُونِ، وَلَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْإِنْفَاقُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 4090
الْفَصْلُ الثَّانِي
٢٨٨٧ - (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ الرَّهْنَ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٢٨٨٧ - (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا يَغْلَقُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَا يَمْنَعُ (الرَّهْنُ) أَيْ عَقْدُهُ (الرَّهْنَ) أَيِ الْمَرْهُونَ (مِنْ صَاحِبِهِ) أَيْ مَالِكِ الْمَرْهُونِ (الَّذِي رَهَنَهُ) أَيْ صَاحِبُهُ بِحَيْثُ يَزُولُ عَنْهُ مَنْفَعَتُهُ بَلْ يَكُونُ الْمَرْهُونُ كَالْبَاقِي فِي مِلْكِ الرَّاهِنِ وَفَى النِّهَايَةِ أَيْ لَا يَسْتَفِكُّهُ صَاحِبُهُ وَكَانَ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الرَّاهِنَ. إِذَا لَمْ يَرُدَّ مَا عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ مَلَكَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فَأَبْطَلَهُ الْإِسْلَامُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الرَّهْنُ الْأَوَّلُ مَصْدَرٌ وَالثَّانِي مَفْعُولٌ فِي الْغَرِيبَيْنِ أَيْ لَا يَسْتَحِقُّهُ مُرْتَهِنُهُ إِذَا لَمْ يَرُدَّ الرَّاهِنُ - مَا رَهَنَهُ بِهِ فِي الْفَائِقِ: يُقَالُ غَلِقَ الرَّهْنُ غُلُوقًا إِذَا بَقَى فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ.
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ﵀ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ غَلْقِ الرَّهْنِ؟ فَقَالَ: يَقُولُ إِنْ لَمْ أَفُكُّهُ إِلَى غَدٍ فَهُوَ لَكَ، وَزَادَ فِي النِّهَايَةِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ ﵀ يُقَالُ غَلِقَ الْبَابُ وَانْغَلَقَ وَاسْتَغْلَقَ إِذَا عَسُرَ فَتْحُهُ وَالْغَلْقُ فِي الرَّهْنِ ضِدَّ الْفَكِّ فَإِذَا بَقِيَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ﵀ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ غَلْقِ الرَّهْنِ فَقَالَ: يَقُولُ إِنْ لَمْ أَفُكُّهُ إِلَى غَدٍ فَهُوَ لَكَ وَزَادَ فِي النِّهَايَةِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ ﵀ يُقَالُ غَلِقَ الْبَابُ وَانْغَلَقَ وَاسْتَغْلَقَ إِذَا عَسُرَ فَتْحُهُ وَالْغَلْقُ فِي الرَّهْنِ ضِدَّ الْفَكِّ فَإِذَا فَكَّ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ فَقَدْ أَطْلَقَهُ مِنْ وَثَاقِهِ (لَهُ) أَيْ لِلرَّاهِنِ (غُنْمُهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ فَوَائِدُهُ وَنَمَاؤُهُ (وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَدَاءُ مَا يَفُكُّ بِهِ الرَّهْنَ وَمَنْ لَا يَرَى الرَّهْنَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ يُفَسِّرُهُ بِأَنَّ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ وَضَمَانَهُ إِذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ كَذَا ذَكَرَهُ عُلَمَاؤُنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: غُنْمُهُ زِيَادَتُهُ وَغُرْمُهُ هَلَاكُهُ وَنَقْصُهُ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّوَائِدَ الَّتِي تَحْصُلُ مِنْهُ تَكُونُ لِلرَّاهِنِ وَعَلَى أَنَّهُ إِذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ وَلَا يَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ شَيْءٌ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَإِذَا دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنَافِعَ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دَوَامَ الْقَبْضِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الرَّهْنِ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَرْكَبُهَا إِلَّا وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ. قَالَ فِي الْمُغْرِبِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُرْجِعُ الرَّهْنَ إِلَى رَبِّهِ فَيَكُونُ غُنْمُهُ لَهُ وَيَرْجِعُ رَبُّ الْحَقِّ عَلَيْهِ بِحَقِّهِ فَيَكُونُ غُرْمُهُ عَلَيْهِ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ: مِنْ صَاحِبِهِ، قِيلَ: الْمُرَادُ لِصَاحِبِهِ، وَقِيلَ: مِنْ ضَمَانِ صَاحِبِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ ضَمِنَ، غَلَقَ مَنَعَ أَيْ: لَا يَمْنَعُ الرَّهْنُ الْمَرْهُونَ مِنْ تَصَرُّفِ مَالِكِهِ مَا ثُمَّ جِيءَ بِمَا بَعْدَهُ بَيَانًا لِذَلِكَ، وَقُدِّمَ الْخَبَرُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ تَخْصِيصًا يَعْنِي لَا يَمْنَعُ مِنْ تَصَرُّفِهِ فَلَهُ نَفْعُهُ لَا لِغَيْرِهِ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ. لَا عَلَى غَيْرِهِ وَفِيهِ أَنْ لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ مِنَ الرَّهْنِ إِلَّا تَوْثِقَةُ دَيْنِهِ، وَإِنْ نَقَصَ وَهَلَكَ فَلَهُ الرُّجُوعُ إِلَى الرَّاهِنِ (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا) أَيْ عَنْ سَعِيدٍ التَّابِعِيِّ بِحَذْفِ الصَّحَابِيِّ.
стр. 4091
٢٨٨٨ - وَرُوِيَ مِثْلُهُ أَوْ مِثْلُ مَعْنَاهُ لَا يُخَالِفُهُ عَنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَّصِلًا.
ــ
٢٨٨٨ - (وَرُوِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ لَفْظِ الْحَدِيثِ (أَوْ مِثْلُ مَعْنَاهُ) وَفِي نُسْخَةٍ رَوَى بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ فَالضَّمِيرُ إِلَى الشَّافِعِيِّ وَبِنَصْبِ مِثْلَ (لَا يُخَالِفُهُ) وَفِي نُسْخَةٍ وَلَا يُخَالِفُهُ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ سَعِيدٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) مُتَعَلِّقٌ بِرَوَى وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي يُخَالِفُهُ يَعُودُ إِلَى الْفَاعِلِ الْمَتْرُوكِ مِنْ رُوِيَ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَجْهُولًا أَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَعْلُومًا فَقَوْلُهُ " لَا يُخَالِفُ " حَالٌ مُؤَكَّدَةٌ عَنْ قَوْلِهِ: " مِثْلَهُ أَوْ مِثْلَ مَعْنَاهُ " وَضَمِيرُ " عَنْهُ " لِسَعِيدٍ عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي " لَا يُخَالِفُ " لِلرَّاوِي الْمَتْرُوكِ كَمَا مَرَّ وَعَلَى الثَّانِي أَيْ عَلَى كَوْنِ رَوَى مَعْلُومًا لِلشَّافِعِيِّ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَا يُخَالِفُ الْمُرْوَى أَوِ الرَّاوِي الْمَرْوِيَّ فَتَأَمَّلْ (مُتَّصِلًا) حَالٌ مِنَ الْحَدِيثِ أَوْ إِسْنَادُهُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ وَحَّدْنَاهُ فِي الْكِتَابِ أَيِ الْمَصَابِيحِ مَوْصُولًا مُسْنَدًا إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ الْحَقَّ بِهِ فَإِنَّ الصَّحِيحَ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَلَى هَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ وَلَمْ يُوصِلْهُ غَيْرُ ابْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ.
стр. 4092
٢٨٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ أَهْلِ مَكَّةَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٢٨٨٩ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ) وَفِي نُسْخَةٍ رَسُولَ اللَّهِ ( ﷺ قَالَ: الْمِكْيَالُ) أَيِ الْمُعْتَبَرُ (مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ زِرَاعَاتٍ فَهُمْ أَعْلَمُ بِأَحْوَالِ الْمَكَايِيلِ (وَالْمِيزَانُ) أَيِ الْمُعْتَبَرُ (مِيزَانُ أَهْلِ مَكَّةَ) لِأَنَّهُمْ أَهْلُ تِجَارَاتٍ فَعَهْدُهُمْ بِالْمَوَازِينِ وَعِلْمُهُمْ بِالْأَوْزَانِ أَكْثَرُ، كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْحَدِيثُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَنَحْوِهَا حَتَّى لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ فِي الدَّرَاهِمِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ بِوَزْنِ مَكَّةَ، وَالصَّاعُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، كُلُّ صَاعٍ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 4093
٢٨٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ " إِنَّكُمْ قَدْ وُلِّيتُمْ أَمْرَيْنِ هَلَكَتْ فِيهِمَا الْأُمَمُ السَّابِقَةُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٢٨٩٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ إِنَّكُمْ) مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِلطَّائِفَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ جَمِيعًا أَوِ الْمُرَادُ بِأَصْحَابِ الْكَيْلِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَبِأَصْحَابِ الْمِيزَانِ أَهْلُ مَكَّةَ، وَخَاطَبَ كُلًّا مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ، وَجَمَعَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ السَّامِعِ فَيَكُنْ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] (قَدْ وُلِّيتُمْ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ (أَمْرَيْنِ) أَيْ جُعِلْتُمْ حَاكِمًا فِي أَمْرَيْنِ وَإِنَّمَا قَالَ أَمْرَيْنِ، أَبْهَمَهُ وَنَكَّرَهُ لِيَدُلَّ عَلَى التَّفْخِيمِ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ فِي حَقِّهِمْ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] (هَلَكَتْ فِيهِمَا الْأُمَمُ السَّابِقَةُ قَبْلَكُمْ) كَقَوْمِ شُعَيْبٍ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنَ النَّاسِ تَامًّا وَإِذَا أَعْطَوْهُمْ أَعْطَوْهُمْ نَاقِصًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 4094
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٨٩١ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : " «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٢٨٩١ - (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ» ) بِصِيغَةِ النَّهْيِ وَقِيلَ بِالنَّفْيِ وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ إِلَى شَيْءٍ (إِلَى غَيْرِهِ) أَيْ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ (قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ فِي غَيْرِهِ إِلَى " مَنْ " فِي قَوْلِهِ " مَنْ أَسْلَفَ " يَعْنِي لَا يَبِيعُهُ مَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ إِلَى شَيْءٍ أَيْ لَا يُبَدِّلُ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِشَيْءٍ آخَرَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4095
[بَابُ الِاحْتِكَارِ]
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ)
٢٨٩٢ - عَنْ مَعْمَرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عُمَرَ ﵁ " «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ فِي بَابِ الْفَيْءِ» " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ــ
(بَابُ الِاحْتِكَارِ)
هُوَ حَبْسُ الطَّعَامِ حِينَ احْتِيَاجِ النَّاسِ بِهِ حَتَّى يَغْلُوَ
٢٨٩٢ - (عَنْ مَعْمَرٍ) بِفَتْحِ الْمِيمَيْنِ مَعَ سُكُونِ مُهْمَلَةٍ بَيْنَهُمَا أَيِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ» ) بِالْهَمْزِ أَيْ عَاصٍ آثِمٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الِاحْتِكَارُ الْمُحَرَّمُ هُوَ فِي الْأَقْوَاتِ خَاصَّةً بِأَنْ يَشْتَرِيَ الطَّعَامَ فِي وَقْتِ الْغَلَاءِ وَلَا يَبِيعُهُ فِي الْحَالِ بَلْ يَدَّخِرُهُ لِيَغْلُوَ، فَأَمَّا إِذَا جَاءَ مِنْ قَرْيَتِهِ أَوِ اشْتَرَاهُ فِي وَقْتِ الرُّخْصِ وَادَّخَرَهُ وَبَاعَهُ فِي وَقْتِ الْغَلَاءِ فَلَيْسَ بِاحْتِكَارٍ وَلَا تَحْرِيمَ فِيهِ وَأَمَّا غَيْرُ الْأَقْوَاتِ فَلَا يَحْرُمُ الِاحْتِكَارُ فِيهِ بِكُلِّ حَالٍ اهـ. وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الِاحْتِكَارَ حَرَامٌ مِنَ الْمَطْعُومِ وَغَيْرِهِ، كَذَا
стр. 4096
ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ لَا يَحْتَكِرُ. (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ فِي بَابِ الْفَيْءِ ") : أَيِ: الْغَنِيمَةِ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) : لِأَنَّ مُنَاسَبَتَهُ بِالْفَيْءِ ظَاهِرَةٌ وَكَانَ الْبَغَوِيُّ ﵀ إِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا نَظَرًا إِلَى أَنَّ لَهُ تَعَلُّقًا بِالْبَابِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ فِيهِ بَيَانَ أَنَّ حَبْسَ الطَّعَامِ لِنَفَقَةِ الْعِيَالِ لَيْسَ بِاحْتِكَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 4097
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٢٨٩٣ - عَنْ عُمَرَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
٢٨٩٣ - (عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " الْجَالِبُ ") أَيِ: التَّاجِرُ (مَرْزُوقٌ) : أَيْ: يَحْصُلُ الرِّبْحُ مِنْ غَيْرِ إِثْمٍ (وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ) : أَيْ: آثِمٌ بَعِيدٌ عَنِ الْخَيْرِ مَا دَامَ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ وَلَا تَحْصُلُ لَهُ الْبَرَكَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: " قُوبِلَ الْمَلْعُونِ بِالْمَرْزُوقِ وَالْمُقَابِلُ الْحَقِيقِيُّ مَرْحُومٌ أَوْ مَحْرُومٌ لِيَعُمَّ، فَالتَّقْدِيرُ التَّاجِرُ مَرْحُومٌ وَمَرْزُوقٌ لِتَوْسِعَتِهِ عَلَى النَّاسِ وَالْمُحْتَكِرُ مَحْرُومٌ وَمَلْعُونٌ لِتَضْيِيقِهِ عَلَيْهِمْ ". (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: " «الْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» ".
стр. 4098
٢٨٩٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ، بِدَمٍ وَلَا مَالٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٢٨٩٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: غَلَا السِّعْرُ) : أَيِ: ارْتَفَعَتِ الْقِيمَةُ (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ) : أَيْ: فِي زَمَانِهِ (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَعِّرْ لَنَا) : أَمْرٌ مِنَ التَّسْعِيرِ وَهُوَ مِنْ وَضْعِ السِّعْرِ عَلَى الْمَتَاعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: " السِّعْرُ الْقِيمَةُ لِيَشِيعَ الْبَيْعُ فِي الْأَسْوَاقِ بِهَا ". قِيلَ: " سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَرْتَفِعُ وَالتَّرْكِيبُ لِمَا ارْتَفَعَ وَالتَّسْعِيرُ تَقْدِيرُهَا ". (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ) : بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ الْمَكْسُورَةِ (الْقَابِضُ الْبَاسِطُ) : سَبَقَ مَعْنَاهُمَا فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى (الرَّازِقُ) : وَفِي نُسْخَةٍ " الرَّزَّاقٌ " بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: " إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ " إِلَخْ جَوَابٌ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ لِلِامْتِنَاعِ عَنِ التَّسْعِيرِ جِيءَ بِإِنِّ، وَضَمِيرِ الْفَصْلِ مِنِ اسْمِ إِنَّ، وَالْخَبَرِ مُعَرَّفًا بِاللَّامِ لِيَدُلَّ عَلَى التَّوْكِيدِ وَالتَّخْصِيصِ، ثُمَّ رُتِّبَ هَذَا الْحُكْمُ عَلَى الْأَخْبَارِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَوَالِيَةِ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ، وَكَوْنُهُ قَابِضًا عِلَّةٌ لِغَلَاءِ السِّعْرِ، وَكَوْنُهُ بَاسِطًا لِرُخْصِهِ، وَكَوْنُهُ رَازِقًا يُقَتِّرُ الرِّزْقَ عَلَى الْعِبَادِ وَيُوَسِّعُهُ، فَمَنْ حَاوَلَ التَّسْعِيرَ فَقَدْ عَارَضَ اللَّهَ وَنَازَعَهُ فِيمَا يُرِيدُهُ وَيَمْنَعُ الْعِبَادَ حُقُوقَهَمْ مِمَّا أَوْلَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ وَإِلَى الْمَعْنَى الْأَخِيرِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (بِمَظْلِمَةٍ) : بِكَسْرِ اللَّامِ ; مَا أُخِذَ مِنْكَ ظُلْمًا كَذَا ذَكَرَهُ، وَفِي الْمُغْرِبِ: الْمَظْلِمَةُ: الظُّلْمُ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ: " وَهَذَا مَظْلِمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ " اسْمٌ لِلْمَأْخُوذِ فِي قَوْلِهِمْ: عِنْدَ فُلَانٍ مَظْلِمَتِي وَظَلَامِي، أَيْ: حَقِّي الَّذِي أُخِذَ مِنِّي ظُلْمًا (بِدَمٍ) : بَدَلٌ مِنْ مَظْلِمَةٍ (وَلَا مَالٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: جِيءَ بِلَا النَّافِيَةِ لِلتَّوْكِيدِ مِنْ غَيْرِ تَكْرِيرٍ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَالِ هَذَا التَّسْعِيرُ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَظْلُومِ وَهُوَ كَأَرْشِ جِنَايَةٍ، وَإِنَّمَا أُتِيَ بِمَظْلِمَةٍ تَوْطِئَةً لَهُ، قَالَ الْقَاضِي: " قَوْلُهُ: إِنِّي لَأَرْجُو إِلَخْ ; إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَانِعَ لَهُ مِنَ التَّسْعِيرِ مَخَافَةُ أَنْ يَظْلِمَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ فَإِنَّ التَّسْعِيرَ تَصَرُّفٌ فِيهَا بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا فَيَكُونُ ظُلْمًا، وَمِنْ مَفَاسِدِ التَّسْعِيرِ تَحْرِيكُ الرَّغَبَاتِ وَالْحَمْلُ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنِ الْبَيْعِ وَكَثِيرًا مَا يُؤَدِّي إِلَى الْقَحْطِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: " «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ الْمُسَعِّرُ وَإِنِّي لَأَرْجُو اللَّهَ أَنْ أَلْقَى وَلَا يَطْلُبُنِي أَحَدٌ بِمَظْلِمَةٍ ظَلَمْتُهَا إِيَّاهُ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 4099
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٨٩٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ وَالْإِفْلَاسِ» . " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ.
ــ
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ)
٢٨٩٥ - (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ» ) : أَضَافَ إِلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِلْمُحْتَكِرِ إِيذَانًا بِأَنَّهُ قُوتُهُمْ وَمَا بِهِ مَعَاشُهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] أَضَافَ الْأَمْوَالَ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ مَا يُقِيمُ بِهِ النَّاسُ مَعَايِشَهُمْ (ضَرَبَهُ اللَّهُ) : أَيْ: أَلْصَقَهُ وَأَلْزَمَهُ (بِالْجُذَامِ) : بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ: بِعَذَابِ الْجُذَامِ وَهُوَ تَشَقُّقُ الْجِلْدِ وَتَقَطُّعُ اللَّحْمِ وَتَسَاقُطُهُ (وَالْإِفْلَاسُ) : فِيهِ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَدْنَى مَضَرَّةٍ لِلْمُسْلِمِينَ ابْتَلَاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَرَادَ نَفْعَهُمْ أَصَابَهُ اللَّهُ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ خَيْرًا (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : أَيْ: فِي سُنَنِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ) : وَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ.
стр. 4100
٢٨٩٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُرِيدُ بِهِ الْغَلَاءَ، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ» ". رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
٢٨٩٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا) : لَمْ يُرِدْ بِأَرْبَعِينَ التَّوْقِيتَ وَالتَّحْدِيدَ ; بَلِ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَجْعَلَ الِاحْتِكَارَ حِرْفَتَهُ وَيُرِيدَ بِهِ نَفْعَ نَفْسِهِ وَضَرَّ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (يُرِيدُ بِهِ الْغَلَاءَ) : لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يَتَمَرَّنُ فِيهِ الْمَرْءُ فِي حِرْفَتِهِ هَذِهِ الْمُدَّةُ، وَقَوْلُهُ (فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ) : أَيْ: نَقَضَ مِيثَاقَ اللَّهِ وَعَهْدَهُ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ بَرَاءَتَهُ عَلَى بَرَاءَةِ اللَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ إِيفَاءَ عَهْدِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى إِيفَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَهْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وَهَذَا تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ وَتَهْدِيدٌ جَسِيمٌ فِي الِاحْتِكَارِ. (رَوَاهُ رَزِينٌ) : وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: " «مَنِ احْتَكَرَ حُكْرَةً يُرِيدُ أَنْ يُغَلِيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ خَاطِئٌ وَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ".
следующие страницы →