Полный текст (8 767 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
( «وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ السَّبْيِ» ) : أَيْ: يُجَامِعَهَا (حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا) : أَيْ بِحَيْضَةٍ أَوْ شَهْرٍ ( «وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَبِيعَ مَغْنَمًا» ) : أَيْ: شَيْئًا مِنَ الْغَنِيمَةِ (حَتَّى يُقْسَمَ) : أَيْ: بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَيُخْرَجَ مِنْهُ الْخُمُسُ. (رَوَاهُ) : أَيِ: الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ (أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَرَوَى (التِّرْمِذِيُّ) : أَيِ: الْحَدِيثَ " إِلَى قَوْلِهِ: " زَرْعَ غَيْرِهِ) .
стр. 4657
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٣٤٠ - «عَنْ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِاسْتِبْرَاءِ الْإِمَاءِ بِحَيْضَةٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ، وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ، وَيَنْهَى عَنْ سَقْيِ مَاءِ الْغَيْرِ» .
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٣٤٠ - (عَنْ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي) : أَيْ: عَنِ التَّابِعِينَ مُرْسَلًا أَوْ عَنِ الصَّحَابَةِ بِوَاسِطَتِهِمْ مُسْنَدًا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِاسْتِبْرَاءِ الْإِمَاءِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ الْأَمَةِ بِمَعْنَى الْجَارِيَةِ الْمَمْلُوكَةِ (بِحَيْضَةٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ، وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ) ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ بِحَيْضَةٍ إِلَخْ مُدْرَجٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنْ كَانَتِ الْمُسْتَبْرَأَةُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَشْهُرِ، فَهَلْ تُسْتَبْرَأُ بِشَهْرٍ أَمْ ثَلَاثَةٍ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِشَهْرٍ لِأَنَّهُ بَدَلُ قُرْءٍ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ، وَجَمَاعَةُ الثَّلَاثَةِ. (وَيَنْهَى) : عَطْفٌ عَلَى يَأْمُرُ أَيْ: وَكَانَ يَنْهَى (عَنْ سَقْيِ مَاءِ الْغَيْرِ) . أَيْ: إِدْخَالِ مَائِهِ عَلَى مَاءِ غَيْرِهِ فِي زَرْعِهِ مَا سَبَقَ.
стр. 4658
٣٣٤١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ قَالَ: إِذَا وُهِبَتِ الْوَلِيدَةُ الَّتِي تُوطَأُ، أَوْ بِيعَتْ، أَوْ أُعْتِقَتْ فَلْتَسْتَبْرِئْ رَحِمَهَا بِحَيْضَةٍ وَلَا تُسْتَبْرَئُ الْعَذْرَاءُ. رَوَاهُمَا رَزِينٌ.
ــ
٣٣٤١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا وُهِبَتْ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أُعْطِيَتْ بِطَرِيقِ الْهِبَةِ لِأَحَدٍ (الْوَلِيدَةُ) : أَيِ: الْجَارِيَةُ (الَّتِي تُوطَأُ) : أَيْ بِالْفِعْلِ (أَوْ بِيعَتْ، أَوْ أُعْتِقَتْ) : قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: إِذَا مَاتَ مَوْلَى أُمِّ الْوَلَدِ عَنْهَا أَوْ أَعْتَقَهَا، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يَعْنِي إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا وَلَا تَحْتَ زَوْجٍ، وَلَا فِي عِدَّةٍ، فَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ، فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ فِي الْأَوَّلِ، وَفِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ لِلْمَوْلَى لِعَدَمِ ظُهُورِ الْفِرَاشِ مِنَ الْمَوْلَى، وَهَذَا عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَمُحَمَّدٍ، وَقَوْلُهُمْ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَابْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَمُجَاهِدٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَقَوْلُنَا قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ، وَعِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ، وَتَتَزَوَّجُ إِنْ شَاءَتْ إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِمُ الْقِيَاسَ إِلَّا الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَنَا بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَعِنْدَ غَيْرِنَا بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قِيَاسِيَّةٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِمَوْتِ الْمَوْلَى وَعِتْقِهِ كُلٌّ مِنْ أَمْرَيْنِ: زَوَالُ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَزَوَالُ الْفِرَاشِ، فَقَاسُوا عَلَى الْأَوَّلِ وَقَالُوا: هَذَا تَرَبُّصٌ يَجِبُ بِزَوَالِ مِلْكِ الْيَمِينِ فَيُقَدَّرُ بِحَيْضَةٍ كَالِاسْتِبْرَاءِ، وَقُلْنَا تَرَبُّصٌ يَجِبُ بِزَوَالِ الْفِرَاشِ، فَيُقَدَّرُ بِثَلَاثِ حِيَضٍ كَالتَّرَبُّصِ فِي الطَّلَاقِ، وَهَذَا أَرْجَحُ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِي إِثْبَاتِهَا، فَالْقِيَاسُ الْمُوجِبُ لِلْأَكْثَرِ وَاجِبُ الِاعْتِبَارِ. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: فَإِمَامُنَا فِيهِ عُمَرُ ﵁. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ حَدِيثَ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَمَرَ أُمَّ الْوَلَدِ إِذَا أُعْتِقَتْ أَنْ تَعْتَدَّ ثَلَاثَ حِيَضٍ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ ﵁ فَكَتَبَ بِحُسْنِ رَأْيِهِ فَأَمَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْوَفَاةِ كَذَلِكَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنَ الْقَوْلِ بِثَلَاثِ حِيَضٍ فِي الْعِتْقِ مِنْ شَخْصٍ قَوْلُهُ بِهِ فِي الْوَفَاةِ، وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ قَبِيصَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: لَا تُلَبِّسُوا عَلَيْنَا سُنَّةً نَعُدُّهَا: عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، لَكِنْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: قَبِيصَةُ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ عَمْرٍو فَهُوَ مُنْقَطِعٌ وَهُوَ عِنْدَنَا غَيْرُ ضَائِرٍ إِذَا كَانَ قَبِيصَةُ ثِقَةً، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: ثَلَاثُ حِيَضٍ إِذَا مَاتَ عَنْهَا - يَعْنِي أُمَّ الْوَلَدِ - وَأَخْرَجَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَطَاءٍ، فَعَلَى هَذَا تُعَارِضُ النَّقْلَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَالْحَارِثُ ضَعِيفٌ، إِلَّا أَنَّ غَالِبَ نَقْلِ الْمَذَاهِبِ قَلَّ مَا يَخْلُو عَنْ مِثْلِهِ، وَالْمُتَحَقِّقُ أَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ السَّلَفِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى اخْتِلَافِ الرَّأْيِ، وَقَدْ بَيَّنَّا تَرْجِيحَ مَا يُوَافِقُ رَأَيْنَا. (فَلْتَسْتَبْرِئْ) : أَيْ: هِيَ (رَحِمَهَا بِحَيْضَةٍ) : أَيْ: أَوْ بِشَهْرٍ (وَلَا تُسْتَبْرَئُ) : بِالضَّمِّ عَلَى أَنَّهُ نَفْيٌ، وَبِالْجَزْمِ وَالْكَسْرِ لِلِالْتِقَاءِ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ أَيْ لَا تَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِبْرَاءِ. (الْعَذْرَاءُ) . أَيِ الْبِكْرُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: سَبَبُ الِاسْتِبْرَاءِ حُصُولُ الْمِلْكِ، فَمَنْ مَلَكَ جَارِيَةً بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لَزِمَهُ اسْتِبْرَاؤُهَا، سَوَاءٌ كَانَ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ اشْتِغَالُ الرَّحِمِ بِمَائِهِ، أَوْ مِمَّنْ لَا يُتَصَوَّرُ كَامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَنَحْوِهِمَا، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْأَمَةُ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً أَوْ غَيْرَهُمَا بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا، وَسَوَاءٌ اسْتَبْرَأَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ الْبَيْعِ أَمْ لَا. وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي الْبِكْرِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ. وَعَنِ الْمُزَنِيِّ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ اسْتِبْرَاءُ الْحَامِلِ وَالْمَوْطُوءَةِ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَأَنَا أَمِيلُ إِلَى هَذَا، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِإِطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ فِيهِنَّ الصِّغَارَ وَالْأَبْكَارَ وَالْآيِسَاتِ. (رَوَاهُمَا) : أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (رَزِينٌ) .
стр. 4659
٣٣٤٥ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدَيْهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا يُكَلِّفْهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٣٤٥ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِخْوَانُكُمْ ": أَيْ خَوَلُكُمْ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: هُمْ إِخْوَانُكُمْ. وَالْمَعْنَى هُمْ مَمَالِيكُكُمْ. (جَعَلَهُمُ اللَّهُ) : أَيْ فِتْنَةً كَمَا فِي رِوَايَةٍ (تَحْتَ أَيْدِيكُمْ) ، أَيْ تَصَرُّفِكُمْ وَأَمْرِكُمْ وَحُكْمِكُمْ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَجَعَلَ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ إِخْوَانُكُمْ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ مَمَالِيكُكُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَاعْتِبَارُ الْأُخُوَّةِ مِنْ جِهَةِ آدَمَ أَيْ أَنَّكُمْ مُتَفَرِّعُونَ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ. قَالَ تَعَالَى ﷻ : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فَيَكُونُ قَوْلُهُ جَعَلَهُمُ اللَّهُ حَالًا لِمَا فِي الْكَلَامِ مِنْ مَعْنَى التَّشْبِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَجَعَلَهُمُ اللَّهُ خَبَرُهُ، فَعَلَى هَذَا إِخْوَانُكُمْ مُسْتَعَارٌ لِطَيِّ ذِكْرِ الْمُشَبَّهِ، وَفِي تَخْصِيصِ الذِّكْرِ بِالْأُخُوَّةِ إِشْعَارٌ بِعِلَّةِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْإِنْفَاقِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّهُ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ التَّعَطُّفِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَنَاسَبَ لِهَذَا أَنْ يُقَالَ: فَلْيُعِنْهُ ; لِأَنَّ اللَّهَ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدَيْهِ) : وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدَيْهِ (فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ) : أَيْ: مِنْ طَعَامِهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (وَلْيُلْبِسْهُ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (مِمَّا يَلْبَسُ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مِنْ لِبَاسِهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَمْرُ بِإِطْعَامِهِمْ مِمَّا يَأْكُلُ السَّيِّدُ، وَكَذَا إِلْبَاسُهِمْ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَيَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ نَفَقَةُ السَّيِّدِ وَلِبَاسُهُ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ، حَتَّى لَوْ قَتَّرَ السَّيِّدُ عَلَى نَفْسِهِ تَقْتِيرًا خَارِجًا عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ إِمَّا زُهْدًا وَإِمَّا شُحًّا لَا يَحِلُّ لَهُ التَّقْتِيرُ عَلَى الْمَمْلُوكِ، وَإِلْزَامُهُ بِمُوَافَقَتِهِ إِلَّا بِرِضَاهُ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْمُرَادُ مِنْ جِنْسِ مَا يَأْكُلُونَ وَيَلْبَسُونَ لَا مِثْلُهُ، فَإِذَا أَلْبَسَ مِنَ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَهُوَ يَلْبَسُ مِنْهُمَا. الْفَائِقُ: كَفَى بِخِلَافِ إِلْبَاسِهِ نَحْوَ الْخَرَائِقِ وَلَمْ يُتَوَارَثْ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْبَسُونَ مِثْلَهُمْ إِلَّا الْأَفْرَادَ. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَعَلَى الْمَوْلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ إِلَّا الشَّعْبِيُّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلَى مَا إِذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى الِاكْتِسَابِ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى حِينَئِذٍ. (وَلَا يُكَلِّفُهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَزَادَ فِيهِ: " «وَمَنْ لَا يُلَائِمُكُمْ مِنْهُمْ فَبِيعُوهُمْ وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ» ".
стр. 4660
٣٣٤٦ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ فَقَالَ لَهُ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ ; فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَفَى بِالرَّجُلِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ: " «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٣٤٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) ، بِالْوَاوِ أَيِ ابْنِ الْعَاصِ، وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ عُمَرَ بِضَمِّ الْعَيْنِ، فَالْوَاوُ: وَحَالَ (جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ أَيْ وَكِيلٌ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْخَازِنُ وَالْوَكِيلُ الْحَافِظُ لِمَا تَحْتَ يَدِهِ وَالْقَائِمُ بِأُمُورِ الرَّجُلِ بِلُغَةِ الْفُرْسِ (فَقَالَ) : أَيْ عَبْدُ اللَّهِ (لَهُ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ) : أَيِ الْمَمَالِيكَ (قُوتَهُمْ) ؟ بِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ (قَالَ: لَا. قَالَ: فَانْطَلِقْ) : أَيِ اذْهَبْ (فَأَعْطِهِمْ ; فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَفَى بِالرَّجُلِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ ") : أَيْ: يَمْنَعَ (عَمَّنْ يَمْلِكُ) : وَفِي مَعْنَاهُ مَا يَمْلِكُ (قُوتَهُ) : مَفْعُولُ يَحْبِسُ (وَفِي رِوَايَةٍ: كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا مِنَ التَّضْيِيعِ أَوِ الْإِضَاعَةِ (مَنْ يَقُوتُ) : أَيْ قُوتَ مَنْ يَلْزَمُهُ قُوتُهُ مِنْ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ وَعَبِيدِهِ، مِنْ قَاتَهُ يَقُوتُهُ إِذَا أَعْطَاهُ قُوتَهُ، وَيُقَالُ: أَقَاتَهُ يُقِيتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَصَدَّقُ بِمَا لَا يَفْضُلُ عَنْ قُوتِ الْأَهْلِ يَلْتَمِسُ بِهِ الثَّوَابَ ; لِأَنَّهُ يَنْقَلِبُ إِثْمًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ تَضْيِيعُ أَمْرِ مَنْ يَقُوتُهُ وَهُوَ الْبَارِي تَعَالَى الَّذِي يَقُوتُ الْخَلَائِقَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . قَالَ مِيرَكُ: الرِّوَايَةُ الْأُولَى مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ
стр. 4661
مَعْنَاهَا، وَكَذَلِكَ النَّسَائِيُّ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ وَالنِّسَائِيُّ، وَلَيْسَتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي أَحَدِهِمَا، وَإِيرَادُ الْمُصَنِّفِ فِي الصِّحَاحِ يُوهِمُ ذَلِكَ، كَذَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ، فَتَأَمَّلْ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ فِي آخِرِهَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ اه وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: نَسَبَ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ إِلَى أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالْحَاكِمِ، وَالْبَيْهَقِيِّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو بِالْوَاوِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى إِلَى مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرٍو بِالْوَاوِ بِلَفْظِ: " «كَفَى إِثْمًا أَنْ تَحْبِسَ عَمَّنْ تَمْلِكُ قُوتَهُ» ". بِصِيغَةِ الْخِطَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 4662
٣٣٤٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا صَنَعَ لِأَحَدِكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ وَقَدْ وَلِيَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهًا قَلِيلًا فَلْيَضَعْ فِي يَدِهِ مِنْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٣٤٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا صَنَعَ ") : أَيْ طَبَخَ لِأَحَدِكُمْ خَادِمُهُ) : أَيْ عَبْدُهُ أَوْ أَمَتُهُ أَوْ مُطْلَقًا (طَعَامَهُ) : أَيْ طَعَامًا لَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ طَعَامًا (ثُمَّ جَاءَ) : أَيْ جَاءَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (بِهِ) أَيْ بِطَعَامِهِ (وَقَدْ وَلِيَ بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ تَوَلَّى أَوْ قَرُبَ (حَرَّهُ) : أَيْ نَارَهُ أَوْ تَعَبَهُ (وَدُخَانَهُ) : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ أَوِ الْأَوَّلُ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الْجَوَارِحِ وَالثَّانِي بِبَعْضٍ آخَرَ (فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ) : أَمْرٌ مِنَ الْإِقْعَادِ لِلِاسْتِحْبَابِ (فَلْيَأْكُلْ) : أَيْ مَعَهُ، وَلَا يَسْتَنْكِفْهُ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْجَبَابِرَةِ فَإِنَّهُ أَخُوهُ، وَأَيْضًا أَفْضَلُ الطَّعَامِ مَا كَثُرَتْ عَلَيْهِ الْأَيْدِي عَلَى مَا وَرَدَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَوْلُهُ: وَلِيَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْوِلَايَةِ أَيْ تَوَلَّى ذَلِكَ، وَأَنْ يَكُونَ مِنَ الْوَلْيِ وَهُوَ الْقُرْبُ وَالدُّنُوُّ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَاسَى كُلْفَةَ اتِّخَاذِهِ وَحَمَلَهَا عَنْكَ فَيَنْبَغِي أَنْ تُشَارِكَهُ فِي الْحَظِّ مِنْهُ، (فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهًا) : أَيْ كَثِيرًا آكِلُوهُ فَقَوْلُهُ (قَلِيلًا) : حَالٌ، وَقِيلَ: الْمَشْفُوْهُ الْقَلِيلُ، مِنْ قَوْلِهِمْ رَجُلٌ مَشْفُوهٌ إِذَا كَثُرَ سُؤَالُ النَّاسِ إِيَّاهُ حَتَّى نَفَذَ مَا عِنْدَهُ، وَمَاءٌ مَشْفُوهٌ إِذَا كَثُرَ نَازِلُوهُ فَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الشَّفَهِ فَقَلِيلًا بَدَلٌ مِنْهُ أَوْ تَفْسِيرٌ لَهُ، كَذَا حَقَّقَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ مِنْ أَئِمَّتِنَا. وَفِي الْفَائِقِ: الْمَشْفُوهُ الْقَلِيلُ، وَأَصْلُ الْمَاءِ الَّذِي كَثُرَتْ عَلَيْهِ الشِّفَاهُ حَتَّى قَلَّ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ كَانَ مَكْثُورًا عَلَيْهِ أَيْ كَثُرَتْ أَكَلَتُهُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: عَلَى قَوْلِ مَنْ يُفَسِّرُ الْمَشْفُوهَ بِالْقَلِيلِ فَقَلِيلًا بَدَلٌ مِنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لَهُ (فَلْيَضَعْ) : أَيِ الْمَخْدُومُ (فِي يَدِهِ) : أَيْ فِي يَدِ الْخَادِمِ (مِنْهُ) أَيْ مِنَ الطَّعَامِ (أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ بِمَعْنَى بَلْ، وَسَبَبُهُ أَنْ لَا يَصِيرَ مَحْرُومًا فَإِنَّ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ، وَالْأُكْلَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَا يُؤْكَلُ دُفْعَةً وَهُوَ اللُّقْمَةُ، فِي الْقَامُوسِ وَالنِّهَايَةِ: وَالْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ اللُّقْمَةُ الْمَأْكُولَةُ وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ مِنَ الْأَكْلِ، وَفِي الْفَائِقِ: الْأَكْلَةُ بِالْفَتْحِ اللُّقْمَةُ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الْأُكْلَةُ فِيهِمَا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْمُوَاسَاةِ فِي الطَّعَامِ لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ صَنَعَهُ أَوْ حَمَلَهُ ; لِأَنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ نَفْسُهُ وَشَمَّ رَائِحَتَهُ وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: ( «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ قَدْ كَفَاهُ عِلَاجَهُ وَدُخَانَهُ فَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ» أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 4663
٣٣٤٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٣٤٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ "، أَيْ أَخْلَصَ الْخِدْمَةَ أَوْ طَلَبَ الْخَيْرَ لَهُ مِنَ النَّصِيحَةِ وَهِيَ طَلَبُ الْخَيْرِ لِلْمَنْصُوحِ لَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يُقَالُ: نَصَحْتُهُ وَنَصَحْتُ لَهُ، وَاللَّامُ مَزِيدَةٌ لِلْمُبَالَغَةِ، وَنَصِيحَةُ الْعَبْدِ لِلسَّيِّدِ امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَالْقِيَامُ عَلَى مَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ سَيِّدِهِ (وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ) : وَفِي رِوَايَةٍ: " وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ ") أَيْ طَاعَتَهُ الشَّامِلَةَ لِلْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ، وَالتَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ إِمَّا لِلتَّرَقِّي وَإِمَّا لِلِاهْتِمَامِ بِحَقِّ الْمَخْلُوقِ لِاحْتِيَاجِهِ بِخِلَافِ الْخَالِقِ لِاسْتِغْنَائِهِ (فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ) . وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ أَيْ مُضَاعَفٌ، فَإِنَّ الْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ، وَهُوَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْقِيَامِ بِالطَّاعَتَيْنِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ طَاعَةُ مَالِكِهِ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَبْدَ مُكَلَّفٌ بِأَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى الْحُرِّ فَيُثَابُ عَلَيْهِ، وَمِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ يُفَضَّلُ عَلَى الْحُرِّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْدُ الْحُفَّاظِ الْأَحَادِيثَ فِيمَنْ يُؤْتَى أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ.
стр. 4664
٣٣٤٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نِعِمَّا لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ بِحُسْنِ عِبَادَةِ رَبِّهِ وَطَاعَةِ سَيِّدِهِ نِعِمَّا لَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٣٤٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نِعِمَّا ") : بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَيَجُوزُ اخْتِلَاسُ عَيْنِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ النُّونِ، وَقُرِئَ بِالثَّلَاثِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ إِحْدَاهَا: كَسْرُ النُّونِ مَعَ إِسْكَانِ الْعَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ كَسْرُهَا، وَالثَّالِثَةُ فَتْحُ النُّونِ مَعَ كَسْرِ الْعَيْنِ اهـ. وَقَوْلُهُ إِسْكَانُ الْعَيْنِ فِيهِ مُسَامَحَةٌ ; لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الِاخْتِلَاسُ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْإِخْفَاءِ إِذْ يَتَعَسَّرُ بَلْ يَتَعَذَّرُ الْإِسْكَانُ مَعَ تَشْدِيدِ الْمِيمِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَمَا فِي نِعِمَّا نَكِرَةٌ غَيْرُ مَوْصُولَةٍ وَلَا مَوْصُوفَةٍ. بِمَعْنَى شَيْءٍ أَيْ نِعْمَ شَيْئًا (لِلْمَمْلُوكِ) : وَقَوْلُهُ (أَنْ يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ) : مَخْصُوصٌ بِالْمَدْحِ وَالتَّقْدِيرُ تَوْفِيَةُ اللَّهِ إِيَّاهُ (بِحُسْنِ عِبَادَةِ رَبِّهِ وَطَاعَةِ سَيِّدِهِ) ، وَالْمَعْنَى: نِعْمَ شَيْئًا لَهُ وَفَاتُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ثُمَّ فِي طَاعَةِ سَيِّدِهِ (نِعِمَّا لَهُ) . كَرَّرَهُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَحْسِينِ أَمْرِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: نِعِمَّا لَهُ فَنِعِمَّا لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالِ الدُّنْيَا، وَالْآخَرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُخْرَى. وَحُكِيَ أَنَّ بَعْضَ الْأَغْنِيَاءِ أَعْتَقَ عَبْدًا صَالِحًا لَهُ فَقَالَ لَهُ: بِئْسَ مَا فَعَلْتَ نَقَصْتَ أَجْرِي مِنْ عِنْدِ رَبِّي. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4665
٣٣٥٠ - وَعَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ فَقَدْ بَرِئَتْ فِيهِ الذِّمَّةُ ".» وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٣٥٠ - (وَعَنْ جَرِيرٍ) : أَيِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ ") : أَيْ هَرَبَ مِنْ مَالِكِهِ (لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ) . أَيْ كَامِلَةٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ لَا تَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ مَقْبُولَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَةً فِي الشَّرْعِ. (وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ عَنْهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (قَالَ: " «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ قَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» ) . أَيْ ذِمَّةُ الْإِسْلَامِ وَعَهْدُهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ لَا يَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ حَالَةَ الْإِبَاقِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي إِذَا أَبَقَ إِلَى دِيَارِ الْكُفَّارِ وَارْتَدَّ فَقَدْ بَرِئَ مِنْهُ عَهْدُ الْإِسْلَامِ وَيَجُوزُ قَتْلُهُ، وَإِنْ أَبِقَ إِلَى بَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ لَا عَلَى نِيَّةِ الِارْتِدَادِ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، بَلْ هُوَ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي جَوَازِ ضَرْبِهِ. (وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: " «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ» ) : أَيْ قَارَبَ الْكُفْرَ، أَوْ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، أَوْ عَمِلَ عَمَلَ الْكَافِرِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ الزَّجْرُ. وَقَالَ الْمُظْهِرَ: أَيْ سَتَرَ نِعْمَةَ السَّيِّدِ عَلَيْهِ (حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ) . يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِكُلٍّ مِنَ الرِّوَايَاتِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هَذَا وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُعْرِبِينَ: أَيُّ مُبْتَدَأٌ وَمَا زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أَيْ: أَيُّ عَبْدٍ، وَأَبَقَ: خَبَرُهُ ; لِأَنَّ الشَّرْطِيَّةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةً لَا صِفَةَ عَبْدٍ ; لِأَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ لَا يُوصَفُ، وَفِيهِ بَحْثٌ، وَلِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ يَبْقَى بِلَا خَبَرٍ وَمَا بَعْدَهُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَأَبَقَ مَاضٍ لَفْظًا، وَمُسْتَقْبَلٌ مَجْزُومٌ مَعْنًى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 4666
٣٣٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٣٥١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ) : أَيْ بِالزِّنَا (وَهُوَ) : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ مَمْلُوكَهُ (بَرِيءٌ) : أَيْ: فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (مِمَّا قَالَ) . سَيِّدُهُ فِي حَقِّهِ (جُلِدَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ ضُرِبَ بِالْجِلْدِ عَلَى جِلْدِهِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : أَيْ حَدًّا كَمَا فِي رِوَايَةٍ، يَعْنِي عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَقْتَ فَضِيحَةِ الْعِبَادِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) : أَيِ الْعَبْدُ (كَمَا قَالَ) : أَيْ كَمَا قَالَهُ السَّيِّدُ فِي الْوَاقِعِ وَلَمْ يَكُنْ بَرِيئًا، فَإِنَّهُ لَا يُجْلَدُ لِكَوْنِهِ صَادِقًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الِاسْتِثْنَاءُ مُشْكِلٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَهُوَ بَرِيءٌ يَأْبَاهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُئَوَّلَ قَوْلُهُ وَهُوَ بَرِيءٌ أَيْ يَعْتَقِدُ أَوْ يَظُنُّ بَرَاءَتَهُ، وَيَكُونُ الْعَبْدُ كَمَا قَالَ فِي قَذْفِهِ لَا مَا اعْتَقَدَهُ، فَحِينَئِذٍ لَا يُجْلَدُ لِكَوْنِهِ صَادِقًا فِيهِ، وَفِيهِ أَنَّ مَرْجِعَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي مُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ لَا اعْتِقَادِ الْمُخْبِرِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْجَلْدُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُعَزَّرُ قَاذِفُهُ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِمُحْصَنٍ سَوَاءٌ فِيهِ مَنْ هُوَ كَامِلُ الرِّقِّ أَوْ فِي شَائِبَةِ الْحُرِّيَّةِ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا: " أَيُّمَا عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ قَالَ أَوْ قَالَتْ لِوَلِيدَتِهَا: يَا زَانِيَةُ وَلَمْ تَطَّلِعْ مِنْهَا عَلَى زِنًا جَلَدَتْهَا وَلِيدَتُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ; لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُنَّ فِي الدُّنْيَا ".
стр. 4667
٣٣٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ، أَوْ لَطَمَهُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٣٥٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا) : أَيْ مَمْلُوكًا (لَهُ حَدًّا) : أَيْ ضَرْبَ حَدٍّ فَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَوْ لِلْحَدِّ فَهُوَ مَفْعُولٌ لَهُ، وَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا (لَمْ يَأْتِهِ) ، أَيْ لَمْ يَأْتِ مُوجِبَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ لَمْ يَأْتِهِ صِفَةُ " حَدًّا "، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ رَاجِعٌ إِلَيْهِ أَيْ لَمْ يَأْتِ مُوجِبَهُ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَهُوَ تَقْيِيدٌ لِمَا أُطْلِقَ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي لِأَبِي مَسْعُودٍ. (أَوْ لَطَمَهُ) ، وَعَطَفَ عَلَى مَجْمُوعِ ضَرَبَ غُلَامَهُ حَدًّا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مَا ضَرَبَهُ تَأْدِيبًا. (فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ) : أَيْ مُكَفِّرَ فِعْلِهِ وَمُسْقِطَ إِثْمِهِ (أَنْ يُعْتِقَهُ. أَيْ لِيُقَاوِمَ فَرَحَهُ بِحُزْنِهِ وَرَضًى بِهِ عَنْهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَمَّارٍ مَرْفُوعًا: " «مَنْ ضَرَبَ مَمْلُوكَهُ ظُلْمًا أُقِيدَ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ".
стр. 4668
٣٣٥٣ - «وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: " اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ ". فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ. فَقَالَ: " أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ - أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ -» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٣٥٣ - (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا) : أَيْ كَلَامًا لِقَائِلٍ يَقُولُ: (اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ) : أَيْ يَا أَبَا مَسْعُودٍ (لَلَّهُ) : بِفَتْحِ اللَّامِ (أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ) أَيْ أَتَمُّ وَأَبْلَغُ مِنْ قُدْرَتِكَ عَلَى عَبْدِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: عُلِّقَ عَمَلُ اعْلَمْ بِاللَّامِ الِابْتِدَائِيَّةِ، وَلَلَّهُ مُبْتَدَأٌ وَأَقْدَرُ خَبَرُهُ وَعَلَيْكَ صِلَةُ أَقْدَرَ، وَمِنْكَ مُتَعَلِّقُ أَفْعَلَ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ أَقْدَرُ ; لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ، وَلَا بِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ مِنْكَ أَيْ مِنْ قُدْرَتِكَ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُظْهِرُ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَأْبَاهُ، بَلْ هُوَ حَالٌ مِنَ الْكَافِ أَيْ أَقْدَرُ مِنْكَ حَالَ كَوْنِكَ قَادِرًا عَلَيْهِ (فَالْتَفَتُّ) : أَيْ نَظَرْتُ (إِلَى خَلْفِي فَإِذَا هُوَ) : أَيْ مِنْ خَلْفِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ مِنْ خَلْفِي (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ) : أَيْ بِبَرَكَةِ نَظَرِهِ الْإِكْسِيرِ وَنُصْحِهِ الْأَثِيرِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ) . أَيْ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ (فَقَالَ: " أَمَا ") : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (لَوْ لَمْ تَفْعَلْ) : أَيْ لَوْ مَا فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ مِنَ الْإِعْتَاقِ (لَلَفَحَتْكَ النَّارُ) : أَيْ أَحْرَقَتْكَ (أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ) : أَيْ أَصَابَتْكَ إِنْ ضَرَبْتَهُ ظُلْمًا وَلَمْ يَعْفُ عَنْكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالْمَمَالِيكِ وَحُسْنِ صُحْبَتِهِمْ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ عِتْقَهُ هَذَا لَيْسَ وَاجِبًا، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْدُوبٌ وَجَاءَ كَفَّارَةَ ذَنْبِهِ فِيهِ، وَإِزَالَةَ إِثْمِ ظُلْمِهِ عَنْهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 4669
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٣٥٤ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ لِي مَالًا، وَإِنَّ وَالِدِي يَحْتَاجُ إِلَى مَالِي. قَالَ: " أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ، إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، كُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٣٥٤ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) ، أَيْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الطِّيبِيُّ (أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ لِي مَالًا، وَإِنَّ وَالِدِي يَحْتَاجُ إِلَى مَالِي. قَالَ: " أَنْتَ وَمَالُكَ ") : بِضَمِّ اللَّامِ (لِوَالِدِكَ) ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، عَنْ سَمُرَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ (إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ) : أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الطَّيِّبِ وَهُوَ الْحَلَالُ يَعْنِي: أَوْلَادُكُمْ مِنْ أَحَلِّ أَكْسَابِكُمْ وَأَفْضَلِهَا، فَمَا كَسَبَتْ أَوْلَادُكُمْ فَإِنَّهُ حَلَالٌ لَكُمْ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْوَلَدُ أَطْيَبَ كَسْبٍ وَأَحَلَّهُ ; لِأَنَّهُ أَصْلُهُ. قَالَهُ الْقَاضِي أَيْ مِنْ أَطْيَبِ مَا وُجِدَ بِسَبَبِكُمْ وَبِتَوَسُّطِ سَعْيِكُمْ، أَوْ إِكْسَابُ أَوْلَادِكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ فَحَذْفُ الْمُضَافِ (" كُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادُكُمْ ") . فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ أَوْ أَلَمَّ بِأَمَتِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَا حَاجَةَ إِلَى التَّقْدِيرِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: " إِنَّ
стр. 4670
أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ ". خِطَابٌ عَامٌّ وَتَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: " أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ ". وَإِذَا كَانَ الْوَلَدُ كَسْبًا لِلْوَالِدِ. بِمَعْنَى أَنَّهُ طَلَبَهُ وَسَعَى فِي تَحْصِيلِهِ ; لِأَنَّ الْكَسْبَ مَعْنَاهُ الطَّلَبُ وَالسَّعْيُ فِي تَحْصِيلِ الرِّزْقِ وَالْمَعِيشَةِ، وَالْمَالُ تَبَعٌ لَهُ، كَانَ الْوَلَدُ نَفْسَ الْكَسْبِ مُبَالَغَةً، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ التَّنْزِيلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﷻ : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] سَمَّاهُ مَوْلُودًا لَهُ إِيذَانًا بِأَنَّ الْوَالِدَاتِ إِنَّمَا وَلَدَتْ لَهُمْ، وَلِذَلِكَ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِمْ، وَأُنْشِدَ لِلْمَأْمُونِ بْنِ الرَّشِيدِ:
فَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أَوْعِيَةٌ ... مُسْتَوْدَعَاتٌ وَلِلْآبَاءِ أَبْنَاءُ
فَإِنْ قُلْتَ: الِانْتِقَالُ مِنْ قَوْلِهِ: " أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ " إِلَى قَوْلِهِ: " إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ ". هَلْ يُسَمَّى الْتِفَاتًا؟ قُلْتُ: لَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ انْتِقَالًا مِنْ إِحْدَى الصِّيَغِ الثَّلَاثِ إِلَى الْأُخْرَى) أَعْنِي: الْحِكَايَةَ وَالْخِطَابَ وَالْغَيْبَةَ لِمَفْهُومٍ وَاحِدٍ، بَلْ هُوَ انْتِقَالٌ مِنَ الْخَاصِّ إِلَى الْعَامِّ فَيَكُونُ تَلْوِينًا لِلْخِطَابِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ ﷺ : " «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ» ". وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ مِلْكًا نَاجِزًا فِي مَالِهِ. قُلْنَا: نَعَمْ لَوْ لَمْ يُقَيِّدْهُ حَدِيثٌ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهَا مَرْفُوعًا ( «إِنَّ أَوْلَادَكُمْ هِبَةٌ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، وَأَمْوَالُهُمْ لَكُمْ إِذَا احْتَجْتُمْ إِلَيْهَا» ) : وَمِمَّا يَقْطَعُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ مُئَوَّلٌ أَنَّهُ تَعَالَى وَرَّثَ الْأَبَ مِنِ ابْنِهِ السُّدُسَ مَعَ وَلَدِ وَلَدِهِ، فَلَوْ كَانَ الْكُلُّ مِلْكَهُ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ مَعَ وُجُودِهِ. قَالَ: وَالنَّفَقَةُ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ وَاجِبَةٌ يُجْبَرُ عَلَيْهَا. وَقَالَ أَحْمَدُ: عَلَى كُلِّ وَارِثٍ مَحْرَمًا كَانَ أَوْ لَا. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجِبُ لِغَيْرِ الْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ، وَجْهُهُ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْإِشَارَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] لِنَفْيِ الْمُضَارَّةِ لَا لِإِيجَابِ النَّفَقَةِ، فَلَا يَبْقَى دَلِيلًا عَلَى إِيجَابِ النَّفَقَةِ فَيَبْقَى عَلَى الْعَدَمِ لِعَدَمِ دَلِيلِهَا الشَّرْعِيِّ. قُلْنَا: نَفْيُهَا لَا يُخْتَصُّ بِالْوَارِثِ، ثُمَّ دَلِيلًا هُوَ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ مِنَ الْإِشَارَةِ الْمَقْرُونَةِ بِالْكَافِ فَإِنَّهَا بِحَسَبِ الْوَضْعِ لِلْبَعِيدِ دُونَ الْقَرِيبِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّهُ تَعَالَى عَلَّقَهَا بِالْوَارِثِ، فَقَيْدُ الْمَحْرَمِيَّةِ زِيَادَةٌ. قُلْنَا: فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " وَعَلَى الْوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِثْلُ ذَلِكَ ". فَيَكُونُ بَيَانًا لِلْقِرَاءَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ. فَإِنْ قِيلَ: الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ. بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ مُطْلَقِ الْقَاطِعِ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ أُجِيبَ: بِادِّعَاءِ شُهْرَتِهَا. وَاسْتُدِلَّ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِمَا فِي النَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ طَارِقٍ قَالَ: «قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُوَ يَقُولُ: " يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا "، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ وَأَدْنَاكَ» . وَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، «عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةِ الْقُشَيْرِيِّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمَّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أُمَّكَ ". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ( «فَإِنْ فَضَلَ مِنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذَوِي قَرَابَتِكَ» ) . فَهَذِهِ تُفِيدُ وُجُوبَ النَّفَقَةِ بِلَا تَقْيِيدٍ بِالْإِرْثِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْبَاقِيَ لَا يُفِيدُ وُجُوبَ النَّفَقَةِ أَصْلًا، لِأَنَّهُ جَوَابُ قَوْلِ السَّائِلِ: مَنْ أَبَرُّ؟ وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ سُؤَالًا عَنِ الْبِرِّ الْمَفْرُوضِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ سُؤَالًا عَنِ الْأَفْضَلِ مِنْهُ، فَيَكُونُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ مُعَارِضًا لِلنَّصِّ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، عَلَى أَنَّ الْقَائِلَ أَلْزَمَهُمْ أَنَّ الْوَارِثَ أُرِيدَ بِهِ الْقَرِيبُ عُبِّرَ بِهِ خُصُوصًا عَلَى رَأْيِكُمْ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ قَرِيبٍ وَارِثٌ لِتَوْرِيثِكُمْ ذَوِي الْأَرْحَامِ مَعَ قَوْلِكُمْ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَهْلِيَّةُ الْإِرْثِ فِي الْجُمْلَةِ. قَالُوا: إِذَا كَانَ لَهُ خَالٌ وَابْنُ عَمٍّ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى خَالِهِ وَمِيرَاثَهُ لِابْنِ عَمِّهِ.
стр. 4671
٣٣٥٥ - وَعَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ لَيْسَ لِي شَيْءٌ، وَلِي يَتِيمٌ، فَقَالَ: " كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُبَادِرٍ وَلَا مُتَأَثِّلٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٣٥٥ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ لَيْسَ لِي شَيْءٌ) : أَيْ شَيْءٌ أَسْتَغْنِي بِهِ إِذِ الْفَقْرُ عِنْدَنَا مَنْ لَا يَمْلِكُ نِصَابًا أَوْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مُطْلَقًا، فَالْمُرَادُ بِالْفَقْرِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ أَوِ الِاصْطِلَاحِيُّ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ الطِّيِبِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: لَيْسَ لِي شَيْءٌ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِفَقِيرٍ عَلَى تَفْسِيرِ الشَّافِعِيِّ لِلْفَقِيرِ، وَمُمَيِّزَةٌ عَلَى تَفْسِيرِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَهُ، (وَلِي يَتِيمٌ (: أَرَادَ أَنَّهُ قَيِّمٌ لَهُ، وَلِذَا أَضَافَ الْيَتِيمَ إِلَى نَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ. (فَقَالَ: " «كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ» ") : أَيْ غَيْرَ مُفَرِّطٍ وَمُتَصَرِّفٍ فَوْقَ الْحَاجَةِ (وَلَا مُبَادِرٍ) : بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ الْحَاضِرَةِ الْمُصَحَّحَةِ أَيْ: مُسْتَعْجِلٍ فِي الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ قَبْلَ حُضُورِ الْحَاجَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ مُبَادِرٍ بُلُوغَهُ وَكِبَرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] وَقَالَ الْقَاضِي: أَيْ لَا يُسْرِفُ فِي الْأَكْلِ فَيَأْكُلَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَلَا يُبَذِّرُ فَيَتَّخِذَ مِنْهُ أَطْعِمَةً لَا تَلِيقُ بِالْفُقَرَاءِ، وَيُعَدُّ ذَلِكَ تَبْذِيرًا مِنْهُمْ، وَرُوِيَ: وَلَا مُبَادِرٍ بِالدَّالِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْجَالٍ وَمُبَادَرَةٍ إِلَى أَخْذِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَقِرَ إِلَيْهِ مَخَافَةَ أَنْ يَبْلُغَ الصَّبِيُّ فَيَنْزِعَ مَالَهُ مِنْ يَدِهِ (وَلَا مُتَأَثِّلَ) : بِتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: غَيْرَ جَامِعٍ مَالًا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، مِثْلَ: أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ مَالِهِ رَأْسَ مَالٍ فَيَتَّجِرَ فِيهِ اهـ.
وَهُوَ صَرِيحٌ أَنَّ أَصْلَ الْحَدِيثِ فِي الْمَصَابِيحِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فِي قَوْلِهِ مُبَادِرٍ، وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِمَا فِي التَّنْزِيلِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ [النساء: ٦] فَإِنْ قُلْتَ: أَيْنَ الْمُوَافَقَةُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: وَلَا مُتَأَثِّلٍ لَيْسَ فِي التَّنْزِيلِ، قُلْتُ: لَعَلَّهُ كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: وَلَا مُبَادِرٍ أَيْ يُبَادِرُ فِي تَصَرُّفِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَيَجْعَلُهُ رَأْسَ مَالٍ لِيَرْبَحَ بِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَبْلُغَ فَيَنْزِعَ مَالَهُ مِنْ يَدِهِ، فَإِذَا بَلَغَ أَعْطَاهُ رَأْسَ مَالِهِ وَأَخَذَ الرِّبْحَ لِنَفْسِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4672
٣٣٥٦ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ: الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ.
ــ
٣٣٥٦ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ: " الصَّلَاةَ ") بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ أَيِ الْزَمُوا الصَّلَاةَ أَوْ أَقِيمُوا أَوِ احْفَظُوا الصَّلَاةَ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى حُقُوقِهَا (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) : بِحُسْنِ الْمَلَكَةِ وَالْقِيَامِ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ حُقُوقَ الزَّكَاةِ وَإِخْرَاجَهَا مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي تَمْلِكُهَا الْأَيْدِي كَأَنَّهُ ﵇ عَلِمَ بِمَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَإِنْكَارِهِمْ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، وَامْتِنَاعِهِمْ عَنْ أَدَائِهَا إِلَى الْقَائِمِ بَعْدَهُ فَقَطَعَ حُجَّتَهُمْ بِأَنْ جَعَلَ آخِرَ كَلَامِهِ الْوَصِيَّةَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَقَرَنَهُمَا، وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَإِنَّمَا قَرَنَ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِالصَّلَاةِ وَالْوَصِيَّةِ بِالْأَرِقَّاءِ إِعْلَامًا بِأَنَّهُ لَا سَعَةَ فِي تَرْكِ حُقُوقِهِمْ مِنْ نَفَقَةٍ وَكُسْوَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُعَلِّمُوهُمْ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ كَمَا لَا سَعَةَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ لِلْجَزَرِيِّ، زَادَ فِي النِّهَايَةِ: فَعَقَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ هَذَا الْمَعْنَى أَيِ الْمَعْنَى الثَّانِي، وَقَالَ: لِأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: وَإِنَّمَا قَالَ أَرَادَ بِهِ الزَّكَاةَ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ إِذَا ذُكِرَ فِيهِمَا الصَّلَاةُ فَالْغَالِبُ أَنَّ تُذْكَرَ الزَّكَاةُ. قَالَ
стр. 4673
الْقَاضِي ﵀: وَفِي حَذْفِ الْفِعْلِ وَهُوَ إِمَّا احْفَظُوا أَيِ احْفَظُوهَا بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ بِحُسْنِ الْمِلْكِيَّةِ وَالْقِيَامِ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْكُسْوَةِ وَالطَّعَامِ، أَوِ احْذَرُوا أَيِ احْذَرُوا تَضْيِيعَهَا، وَخَافُوا مَا رَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَذَابِ تَفْخِيمًا لِأَمْرِهِ وَتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْأَمْرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمُ الْمَمَالِيكَ، وَإِنَّمَا قَرَنَهُ بِالصَّلَاةِ لِيُعْلِمَ أَنَّ الْقِيَامَ بِمِقْدَارِ حَاجَتِهِمْ مِنَ الْكُسْوَةِ وَالطَّعَامِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ مَلَكَهُمْ وُجُوبَ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا سَعَةَ فِي تَرْكِهَا، وَقَدْ ضَمَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْبَهَائِمَ الْمُسْتَمْلَكَةَ فِي هَذَا الْحُكْمِ إِلَى الْمَمَالِيكِ وَإِضَافَةُ الْمِلْكِ إِلَى الْيَمِينِ كَإِضَافَتِهِ إِلَى الْيَدِ، وَالْأَكْسَابُ وَالْأَمْلَاكُ تُضَافُ إِلَى الْأَيْدِي لِتَصَرُّفِ الْمَالِكِ فِيهَا وَتَمَكُّنِهِ مِنْ تَحْصِيلِهَا بِالْيَدِ، وَإِضَافَتُهَا فِي الْيَمِينِ أَبْلَغُ وَأَنْفَذُ مِنْ إِضَافَتِهَا إِلَى الْيَدِ لِكَوْنِ الْيَمِينِ أَبْلَغَ فِي الْقُوَّةِ وَالتَّصَرُّفِ، وَأَوْلَى بِتَنَاوُلِ مَا كَرُمَ وَطَابَ، وَأَرَى فِيهَا وَجْهًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْمَمَالِيكَ خُصُّوا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْأَيْمَانِ تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفِ الْإِنْسَانِ وَكَرَامَتِهِ، وَتَبْيِينًا لِفَضْلِهِ عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمِلْكِ، وَتَمْيِيزًا لَهُ بِلَفْظِ الْيَمِينِ عَنْ جَمِيعِ مَا احْتَوَتْهُ الْأَيْدِي وَاشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْأَمْلَاكُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ ضِيقُ الْمَكَانِ مِنْ تَوْصِيَتِهِ أُمَّتَهُ فِي آخِرِ عَهْدِهِ أَنْ يُقَدَّرَ احْذَرُوا كَقَوْلِهِمْ: أَهْلَكَ وَاللَّيْلَ وَرَأْسَكَ وَالسَّيْفَ، وَأَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَنَابَ بِالصَّلَاةِ عَنْ جَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ، إِذِ الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَبِمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ عَنْ جَمِيعِ مَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ مِلْكًا وَقَهْرًا، وَلِهَذَا خُصَّ الْيَمِينُ كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَكُنَّا الْأَيْمَنِينَ إِذَا الْتَقَيْنَا ... وَكَانَ الْأَيْسَرِينَ بَنُو أَبِينَا
فَنَبَّهَ بِالصَّلَاةِ عَلَى تَعْظِيمِ أَمْرِ اللَّهِ، وَبِمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ عَلَى الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَلِأَنَّ مَا عَامٌّ فِي ذَوِي الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا خُصَّ بِذَوِي الْعِلْمِ يُرَادُ بِهِ الصِّفَةُ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ التَّعْظِيمَ وَالتَّحْقِيرَ، فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَمَالِيكِ يَقْتَضِي تَحْقِيرَ شَأْنِهِمْ، وَكَوْنَهُمْ مُسَخَّرِينَ لِمَوَالِيهِمْ، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِعُمُومِهِ، فَيَدْخُلُ الْمَمَالِيكُ فِيهِ أَيْضًا. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْقَاضِي عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ ; لِأَنَّ الْإِجْبَارَ نَوْعُ قَضَاءٍ، وَالْقَضَاءُ يَعْتَمِدُ الْمَقْضِيَّ لَهُ، وَيَعْتَمِدُ أَهْلِيَّةَ الِاسْتِحْقَاقِ فِي الْمَقْضِيِّ لَهُ وَلَيْسَ فَلَيْسَ، وَيُؤْمَرُ بِهِ دِيَانَةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَكُونُ آثِمًا مُعَاقَبًا بِحَبْسِهَا عَنِ الْبَيْعِ مَعَ عَدَمِ الْإِنْفَاقِ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «امْرَأَةٌ دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ لَا هِيَ أَطْلَقَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ وَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا» ". وَقَدْ قَالَ عُلَمَاءُنَا: خُصُومَةُ الذِّمِّيِّ وَالدَّابَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدُّ مِنْ خُصُومَةِ الْمُسْلِمِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ، يَعْنِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: «وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ» ، وَنَهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَهُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «أَنَّهُ ﵊: كَانَ يَنْهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ» . (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") .
стр. 4674
٣٣٥٧ - وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ.
ــ
٣٣٥٧ - (وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» ". مَرَّتَيْنِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَنَسٍ. وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
стр. 4675
٣٣٥٨ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٣٥٨ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ: أَيِ ابْتِدَاءً مَعَ النَّاجِينَ (سَيِّئُ الْمَلَكَةِ) : أَيْ سَيِّئُ الصَّنِيعِ إِلَى مَمَالِيكِهِ وَالْمَلَكَةُ مُحَرَّكَةٌ الْمَمْلَكَةُ. فِي النِّهَايَةِ: أَيِ الَّذِي يُسِيءُ صُحْبَةَ الْمَمَالِيكِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَعْنِي: سُوءُ الْمَلَكَةِ يَدُلُّ عَلَى سُوءِ الْخُلُقِ، وَهُوَ مَشْئُومٌ وَهُوَ يُورِثُ الْخِذْلَانَ وَدُخُولَ النَّارِ، وَلِذَلِكَ قُوبِلَ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي: سُوءُ الْخُلُقِ بِحُسْنِ الْمَلَكَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4676
٣٣٥٩ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ مَكِيثٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «حُسْنُ الْمَلَكَةِ يُمْنٌ، وَسُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلَمْ أَرَ فِي غَيْرِ الْمَصَابِيحِ مَا زَادَ عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَالصَّدَقَةُ تَمْنَعُ السُّوءَ، وَالْبِرُّ زِيَادَةٌ فِي الْعُمُرِ.
ــ
٣٣٥٩ - (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ مَكِيثٍ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، كَذَا ضَبَطَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَالَ: جُهَنِيٌّ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ: هِلَالٌ وَالْحَارِثُ. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: حُسْنُ الْمَلَكَةِ) : بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ حُسْنُ الصَّنِيعِ إِلَيْهِمْ (يُمْنٌ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، يَعْنِي: إِذَا أَحْسَنَ الصَّنِيعَ بِالْمَمَالِيكِ يُحْسِنُونَ خِدْمَتَهُ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ، كَمَا أَنَّ سُوءَ الْمَلَكَةِ يُؤَدِّي إِلَى الشُّؤْمِ وَالْهَلَكَةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: " وَسُوءُ الْخُلُقِ ": بِضَمَّتَيْنِ وَسُكُونِ الثَّانِي أَيِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْهُ (شُومٌ) : سُوءُ الْمَلَكَةِ بِضَمٍّ فَسُكُونِ وَاوٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِسُكُونِ هَمْزٍ، فَفِي الْقَامُوسِ: الشُّؤْمُ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ ضِدُّ الْيُمْنِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الشُّؤْمُ ضِدُّ الْيُمْنِ، وَأَصْلُهُ الْهَمْزُ فَخُفِّفَ وَاوًا وَغَلَبَ عَلَيْهَا التَّخْفِيفُ حَتَّى لَمْ يُنْطَقْ بِهَا مَهْمُوزَةً قَالَ الْقَاضِي ﵀: أَيْ حُسْنُ الْمَلَكَةِ يُوجِبُ الْيُمْنَ إِذِ الْغَالِبُ أَنَّهُمْ إِذَا رَأَوُا السَّيِّدَ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ كَانُوا أَشْفَقَ عَلَيْهِ وَأَطْوَعَ لَهُ وَأَسْعَى فِي حَقِّهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ، وَسُوءُ الْخُلُقِ يُورِثُ الْبُغْضَ وَالنُّفْرَةَ وَيُثِيرُ اللَّجَاجَ وَالْعِنَادَ وَقَصْدَ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا. كِلَاهُمَا عَنْ بَعْضِ بَنِي رَافِعِ بْنِ مَكِيثٍ وَلَمْ يُسَمَّ عَنْهُ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مَكِيثٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُرْسَلًا، ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
قَالَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ: (وَلَمْ أَرَ فِي غَيْرِ " الْمَصَابِيحِ ": مَا) : مَفْعُولُ لَمْ أَرَ أَيِ الَّذِي (زَادَ) : أَيِ الْمَصَابِيحَ، وَالْمُرَادُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي أَصْلِ الْمِشْكَاةِ (فِيهِ) : أَيْ فِي الْمَصَابِيحِ (مِنْ قَوْلِهِ) : بَيَانٌ لِمَا زَادَ أَيْ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَالصَّدَقَةُ تَمْنَعُ مِيتَةَ السُّوءِ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا وَهِيَ نَوْعٌ مِنَ الْمَوْتِ أَيِ: الصَّدَقَةُ تَمْنَعُ مَوْتَ الْفَجْأَةِ فَإِنَّهُ مَوْتٌ سَيِّئٌ لِإِتْيَانِهِ بَغْتَةً لَا يَقْدِرُ الْمَرْءُ فِيهِ عَلَى التَّوْبَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" وَالْبِرُّ ") : أَيِ الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ، أَوْ طَاعَةُ الْخَالِقِ (زِيَادَةٌ فِي الْعُمُرِ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي أَيْ يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مَحْسُوسَةً بِأَنْ عَلَّقَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ عُمُرَ فُلَانٍ كَذَا سَنَةً، وَلَوْ أَحْسَنَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إِلَى خَلْقِهِ زِيدَ عَلَيْهِ كَذَا سَنَةً، كَمَا أَنَّهُ قَدَّرَ إِذَا مَرِضَ وَدُوِيَ يَشْفَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مَعْنَوِيَّةً بِحُصُولِ الْبَرَكَةِ وَالْخَيْرِ فِي الْعُمُرِ، أَوِ الثَّنَاءِ الْجَمِيلِ بَعْدَهُ، فَإِنَّهُ زِيَادَةُ عُمُرٍ حُكْمًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١] قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ ﵀: الْمِيتَةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْحَالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ مِنْ مَوْتِهِ كَالْجِلْسَةِ وَالرِّكْيَةِ، يُقَالُ: فُلَانٌ مَاتَ مِيتَةً حَسَنَةً أَوْ مِيتَةً سَيِّئَةً، وَقَوْلُهُ: الْبِرُّ زِيَادَةٌ فِي الْعُمُرِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالزِّيَادَةِ الْبَرَكَةَ فِيهِ، فَإِنَّ الَّذِي بُورِكَ فِي عُمُرِهِ يَتَدَارَكُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ مَا لَا يَتَدَارَكُهُ غَيْرُهُ فِي السَّنَةِ مِنْ سِنِي عُمُرِهِ، أَوْ أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ مَا عَلِمَ مِنْهُ مِنَ الْبِرِّ سَبَبًا لِلزِّيَادَةِ فِي الْعُمُرِ، وَسَمَّاهُ زِيَادَةً بِاعْتِبَارِ طُولِهِ، وَذَلِكَ كَمَا جَعَلَ التَّدَاوِيَ سَبَبًا لِلسَّلَامَةِ، وَالطَّاعَةَ سَبَبًا لِنَيْلِ الدَّرَجَاتِ، وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ مُقَدَّرًا كَالْعُمُرِ، قَالَ مِيرَكُ: يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْجَزَرِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى مَا فِي الْمَصَابِيحِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِتَمَامِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ.
فَاعْتِرَاضُ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ، فَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " حُسْنُ الْمَلَكَةِ يُمْنٌ، وَسُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ مَكِيثٍ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ: «حُسْنُ الْمَلَكَةِ نَمَاءٌ وَسُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ، وَالْبِرُّ زِيَادَةٌ فِي الْعُمُرِ، وَالصَّدَقَةُ تَمْنَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» ". وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ، وَلَفْظُهُ: " «حُسْنُ الْمَلَكَةِ يُمْنٌ، وَسُوءُ الْخُلُقِ شُؤْمٌ، وَطَاعَةُ الْمَرْأَةِ نَدَامَةٌ، وَالصَّدَقَةُ تَدْفَعُ الْقَضَاءَ السُّوءَ» ".
стр. 4677
٣٣٦٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ، فَارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، لَكِنْ عِنْدَهُ: " فَلْيُمْسِكْ " بَدَلَ: " فَارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ.
ــ
٣٣٦٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ) : أَيِ الْخُدْرِيِّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ) : أَيْ مَثَلًا (فَذَكَرَ اللَّهَ) : عَطْفٌ عَلَى الشَّرْطِ، وَجَوَابُهُ قَوْلُهُ (فَارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ) : أَيِ امْنَعُوهَا عَنْ ضَرْبِهِ تَعْظِيمًا لِذِكْرِهِ تَعَالَى. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذَا إِذَا كَانَ الضَّرْبُ لِتَأْدِيبِهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ حَدًّا فَلَا، وَكَذَا إِذَا اسْتَغَاثَ مَكْرًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : أَيْ فِي سُنَنِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ لَكِنْ عِنْدَهُ) : أَيْ لَكِنْ لَفْظُ الْحَدِيثِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ: (فَلْيُمْسِكْ) : أَيْ يَدَهُ عَنِ الضَّرْبِ (بَدَلٌ، فَارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ) : وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ ". وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ، وَفِيهِ خَطَرٌ لِبَعْضِ الْأَجْزَاءِ.
стр. 4678
٣٣٦١ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٣٣٦١ - (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ: أَيِ الْأَنْصَارِيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ فَرَّقَ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ قَطَعَ وَفَصَلَ (بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا) أَيْ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ خُدْعَةٍ بِقَطِيعَةٍ وَأَمْثَالِهَا. وَفِي مَعْنَى الْوَالِدَةِ الْوَالِدُ، بَلْ وَكُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَرَادَ بِهِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْجَارِيَةِ وَوَلَدِهَا بِالْهِبَةِ وَغَيْرِهَا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْجَدَّةِ وَحُكْمُ الْأَبِ وَالْجَدِّ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمُ الْبَيْعَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَعَلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، كَمَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْبَهَائِمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا كُرِهَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ السَّبَايَا فِي الْبَيْعِ، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَلَا بَأْسَ، وَرَخَّصَ أَكْثَرُهُمْ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ، وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ: أَيِ الْآتِي، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْكِبَرِ الْمُبِيحِ لِلتَّفْرِيقِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ أَنْ يَبْلُغَ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِيًا. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: حَتَّى يُثْغِرَ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَبِرَ وَاحْتَلَمَ. وَجَوَّزَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ الصَّغِيرَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَغِيرًا لَا يَجُوزُ (فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ) : أَيْ مِنْ أَوْلَادِهِ وَوَالِدَيْهِ وَغَيْرِهِمَا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : أَيْ فِي مَوْقِفٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْأَحْبَابُ، وَيُشَفِّعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عِنْدَ رَبِّ الْأَرْبَابِ، فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ - وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦] قَالَ الْأَشْرَفُ: لَمْ يُفَرِّقِ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا بِلَفْظَةِ بَيْنَ وَفَرَّقَ فِي جُزْأَيْهِ حَيْثُ كَرَّرَ بَيْنَ فِي الثَّانِي لِيَدُلَّ عَلَى عِظَمِ هَذَا الْأَمْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ بِالْبَيْنِ فَكَيْفَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ ذَوَاتِهِمَا؟ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَالَ الْحَرِيرِيُّ فِي دُرَّةِ الْغَوَّاصِ: وَمِنْ أَوْهَامِ الْخَوَاصِّ أَنْ يُدْخِلُوا بَيْنَ الْمُظْهَرَيْنِ وَهُوَ وَهْمٌ، وَإِنَّمَا اعْتَادُوا بَيْنَ الْمُضْمَرِ وَالْمُظْهَرِ قِيَاسًا عَلَى الْمَجْرُورِ بِالْحَرْفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﷻ : ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] ; لِأَنَّ الْمُضْمَرَ الْمُتَّصِلَ كَاسْمِهِ، فَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَى جُزْءِ الْكَلِمَةِ بِخِلَافِ الْمُظْهَرِ لِاسْتِقْلَالِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، (مَنْ فَرَّقَ فَلَيْسَ مِنَّا) .
стр. 4679
٣٣٦٢ - «وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: وَهَبَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ فَبِعْتُ أَحَدَهُمَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا عَلِيُّ مَا فَعَلَ غُلَامُكَ فَأَخْبَرْتُهُ ". فَقَالَ (رُدُّهُ رُدُّهُ) » رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٣٦٢ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: وَهَبَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ فَبِعْتُ أَحَدَهُمَا فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يَا عَلِيُّ مَا فَعَلَ) : بِالْفَتْحِ أَيْ صَنَعَ (غُلَامُكَ) : أَيِ الْغَائِبُ (فَأَخْبَرْتُهُ) : أَعْلَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِبَيْعِهِ (فَقَالَ: (رُدُّهُ) : أَيِ الْبَيْعَ (رُدُّهُ) : تَكْرِيرُ تَأْكِيدٍ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، وَأَنَّ الْبَيْعَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَفِي رِوَايَةٍ: (أَدْرِكْ أَدْرِكْ) وَاعْلَمْ أَنَّهُ كُرِهَ تَفْرِيقُ صَغِيرٍ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ لَا بِعِتْقٍ عَنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، وَهُمَا فِي مِلْكِهِ بِلَا حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: إِذَا كَانَتِ الْقَرَابَةُ قَرَابَةَ الْوِلَادِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِدُونِ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ: " أَدْرِكْ أَدْرِكْ ". وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ نَافِذًا لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِدْرَاكُ، وَلَوْ كَانَ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ كَدَفْعِ أَحَدِهِمَا بِالْجِنَايَةِ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَا يُكْرَهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4680
٣٣٦٣ - وَعَنْهُ، «أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ جَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَرَدَّ الْبَيْعَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُنْقَطِعًا.
ــ
٣٣٦٣ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ (أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ جَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا) : أَيْ بِبَيْعِ أَحَدِهِمَا فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ) : أَيِ التَّفْرِيقَ (فَرَدَّ) : أَيْ عَلِيٌّ (الْبَيْعَ) : أَيِ الْعَقْدَ أَوِ الْمَبِيعَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُنْقَطِعًا) : أَيْ مَحْذُوفًا فِيهِ بَعْضُ رِجَالِ إِسْنَادِهِ.
стр. 4681
٣٣٦٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ يَسَّرَ اللَّهُ حَتْفَهُ، وَأَدْخَلَهُ جَنَّتَهُ: رِفْقٌ بِالضَّعِيفِ، وَشَفَقَةٌ عَلَى الْوَالِدَيْنِ، وَإِحْسَانٌ إِلَى الْمَمْلُوكِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٣٣٦٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ثَلَاثٌ " أَيْ خِصَالٌ " مَنْ كُنَّ ": أَيْ تِلْكَ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ (فِيهِ) : أَيْ مُجْتَمِعَةً (يَسَّرَ اللَّهُ حَتْفَهُ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ سَهَّلَ مَوْتَهُ، وَأَزَالَ سَكْرَتَهُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَدَلُهُ: نَشَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ كَنَفَهُ، وَنَسَبَهُ إِلَى التِّرْمِذِيِّ عَنْ جَابِرٍ، فَهُمَا رِوَايَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا تَصْحِيفٌ عَنِ الْآخَرِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْكَنَفُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالنُّونِ هُوَ الْجَانِبُ وَالنَّاحِيَةُ، وَيَضَعُ كَنَفَهُ عَلَيْهِ أَيْ يَسْتُرُهُ، وَقِيلَ: يَرْحَمُهُ وَيَلْطُفُ بِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ فِي النِّهَايَةِ: يُقَالُ: مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ عَلَى فِرَاشِهِ كَأَنَّهُ سَقَطَ لِأَنْفِهِ فَمَاتَ، وَالْحَتْفُ الْهَلَاكُ كَانُوا يَتَخَيَّلُونَ أَنَّ رُوحَ الْمَرِيضِ تَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ، فَإِنْ جُرِحَ خَرَجَتْ مِنْ جِرَاحَتِهِ. (وَأَدْخَلَهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَأُدْخِلَ (جَنَّتَهُ) : أَيْ: مَعَ النَّاجِينَ ابْتِدَاءً (رِفْقٌ) : أَيْ لُطْفٌ (بِالضَّعِيفِ) : أَيْ جِسْمًا أَوْ حَالًا أَوْ عَقْلًا (وَشَفَقَةٌ) : أَيْ مَرْحَمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالْخَوْفِ (عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَإِحْسَانٌ) أَيْ إِيصَالُ خَيْرٍ زَائِدٍ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ (إِلَى الْمَمْلُوكِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ: أَيْ تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُ رُوَاتِهِ.
стр. 4682
٣٣٦٥ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهَبَ لِعَلِيٍّ ﵁ غُلَامًا، فَقَالَ: " لَا تَضْرِبْهُ فَإِنِّي نُهِيتُ عَنْ ضَرْبِ أَهْلِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ يُصَلِّي» ". هَذَا لَفْظُ " الْمَصَابِيحِ ".
ــ
٣٣٦٥ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ) : أَيِ الْبَاهِلِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهَبَ لِعَلِيٍّ غُلَامًا فَقَالَ: " لَا تَضْرِبْهُ فَإِنِّي نُهِيتُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ نَهَانِي رَبِّي (عَنْ ضَرْبِ أَهْلِ الصَّلَاةِ) : أَيْ فِي غَيْرِ الْحَدِّ وَمَا فِي مَعْنَاهُ
стр. 4683
(وَقَدْ رَأَيْتُهُ يُصَلِّي) : وَلَعَلَّ مُرَادَهُ ﷺ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ضَرْبِ التَّأْدِيبِ حَيْثُ تَأَدَّبَ مَعَ مَوْلَاهُ الْحَقِيقِيِّ بِالْقِيَامِ بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ عَلَى مَا يَنْبَغِي، وَالصَّلَاةُ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْفَى وَيُسَامَحَ، ثُمَّ رَأَيْتُ الطِّيبِيَّ ﵀، قَالَ: وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ غَالِبًا لَا يَأْتِي بِمَا يَسْتَحِقُّ الضَّرْبَ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ رَفَعَ عَنْهُ الضَّرْبَ فِي الدُّنْيَا نَرْجُو مِنْ كَرَمِهِ وَلُطْفِهِ أَنْ لَا يُخْزِيَهُ فِي الْآخِرَةِ بِدُخُولِ النَّارِ؟ : ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] (هَذَا) : أَيِ الْمَذْكُورُ فِي الْمِشْكَاةِ (لَفْظُ: " الْمَصَابِيحِ ") .
стр. 4684
٣٣٦٦ - وَفِي " الْمُجْتَبَى " لِلدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ضَرْبِ الْمُصَلِّينَ» .
ــ
٣٣٦٦ - (وَفِي الْمُجْتَبَى لِلدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ضَرْبِ الْمُصَلِّينَ) : قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ: حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَلَفْظُهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْبَلَ مِنْ خَيْبَرَ وَمَعَهُ غُلَامَانِ، وَهَبَ أَحَدَهُمَا لِعَلِيٍّ وَقَالَ: " لَا تَضْرِبْهُ ". وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَفِيهِ أَبُو غَالِبٍ الْبَصْرِيُّ، صَاحِبُ أَبِي أُمَامَةَ حَسَنُ الْحَدِيثِ، رَوَى لَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَ حَدِيثَهُ، كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ.
стр. 4685
٣٣٦٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ تَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ، فَصَمَتَ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ قَالَ: " أَعْفُو عَنْهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
٣٣٦٨ - وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
ــ
٣٣٦٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) : بِلَا وَاوٍ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَمْ تَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَسَكَتَ) : هُوَ هَكَذَا ثَابِتٌ فِي نُسَخِ الْمِشْكَاةِ الْمُصَحَّحَةِ الْمُعْتَمَدَةِ خِلَافًا لِمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الطِّيبِيِّ ﵀ بَعْدَ قَوْلِهِ: (ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ، فَصَمَتَ) : حَيْثُ قَالَ: " ثُمَّ " فِيهِ يَدُلُّ عَلَى التَّرَاخِي بَيْنَ السُّؤَالَيْنِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ. وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ فَصَمَتَ بِالْفَاءِ السَّبَبِيَّةِ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ فِي النَّوْبَةِ الْأُولَى بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ، يَعْنِي لَمَّا رَأَى ذَلِكَ الِاهْتِمَامَ وَالِاعْتِنَاءَ صَمَتَ إِمَّا لِلتَّفَكُّرِ وَإِمَّا لِإِنْزَالِ الْوَحْيِ، (فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ) : أَيِ الْمَرَّةُ الثَّالِثَةُ مِنْ إِعَادَةِ الْمَسْأَلَةِ (قَالَ: أَعْفُو عَنْهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً) : الْمُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ مُقْتَبَسٌ مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﷻ : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وَلِذَا وَرَدَ: اغْفِرْ فَإِنْ عَاقَبْتَ فَعَاقِبْ بِقَدْرِ الذَّنْبِ وَاتَّقِ الْوَجْهَ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ جَزْءٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ التَّكْثِيرُ وَالتَّحْدِيدُ، وَنَصْبُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ سَبْعِينَ عَفْوَةً. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَا وَاوٍ.
٣٣٦٨ - (وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : أَيْ بِالْوَاوِ قَالَ مِيرَكُ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ، ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ: وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا مِنْ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَيْ بِالْوَاوِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبَّاسِ بْنِ خُلَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَمِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَيْ بِالْوَاوِ، وَذَكَرَ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرٍ أَنَّ عَبَّاسَ بْنَ خُلَيْدٍ يَرْوِي عَنْهُمَا كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ يُونُسَ فِي تَارِيخِ مِصْرَ، وَلَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ رِوَايَتَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ. وَكَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ وَقَعَ فِي التِّرْمِذِيِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِلَا وَاوٍ، وَهَذَا خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ عِبَارَةُ الْمُؤَلِّفِ فَتَأَمَّلْ وَاللَّهُ الْعَاصِمُ.
стр. 4686
وَقَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ بْنِ خُلَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، قَالَ: وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ بْنِ خُلَيْدٍ عَنْهُمَا وَقَالَ: وَهُوَ حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 4687
٣٣٦٩ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ لَاءَمَكُمْ مِنْ مَمْلُوكِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُ مِمَّا تَكْسُونَ، وَمَنْ لَا يُلَائِمُكُمْ مِنْهُمْ فَبِيعُوهُ، وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٣٦٩ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ لَاءَمَكُمْ) : بِالْهَمْزِ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ الْمُعْتَمَدَةِ الْحَاضِرَةِ مِنَ الْمُلَاءَمَةِ. وَفِي النِّهَايَةِ: أَيْ وَافَقَكُمْ وَسَاعَدَكُمْ، وَقَدْ يُخَفَّفُ الْهَمْزُ فَيَصِيرُ يَاءً. وَفِي الْحَدِيثِ يُرْوَى بِالْيَاءِ مُنْقَلِبَةً عَنِ الْهَمْزِ ذَكَرَ الطِّيِبِيُّ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا التَّخْفِيفَ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِلْقِيَاسِ وَمُخَالِفٌ لِلرَّسْمِ أَيْضًا، وَلَعَلَّ مَحَلَّ التَّخْفِيفِ قَوْلُهُ الْآتِي وَمَنْ لَا يُلَائِمُكُمْ، فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلرَّسْمِ وَالْقِيَاسِ فِيهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَالْمَعْنَى مَنْ نَاسَبَكُمْ (مِنْ مَمْلُوكِيكُمْ، فَأَطْعِمُوهُ مِمَّا تَأْكُلُونَ) : أَيْ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ بَعْضِهِ (وَاكْسُوهُ) بِهَمْزِ وَصْلٍ وَضَمِّ سِينٍ أَيْ أَلْبِسُوهُ (مِمَّا تَكْسُونَ) : أَيْ أَنْفُسَكُمْ يَعْنِي مِمَّا تَلْبَسُونَ أَنْتُمْ، أَوْ مِمَّا تَكْسُونَ مَمَالِيكَكُمْ عُرْفًا وَعَادَةً وَأُسْوَةً لِأَمْثَالِهِمْ (وَمَنْ لَا يُلَائِمُكُمْ مِنْهُمْ فَبِيعُوهُ، وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ) أَيْ وَلَا تُعَذِّبُوهُمْ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ إِفَادَةً لِلْعُمُومِ فَيَشْمَلُهُمْ وَسَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ وَالْبَهَائِمِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّكُمْ لَا تُعَذِّبُوا أَنْفُسَكُمْ أَيْضًا، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: مَا أَرَادَ أَنْ يُحْسِنَ أَدَبَ مَمْلُوكِهِ فَيُسِيءَ أَدَبَهُ وَكَذَا بِالْعَكْسِ، فَلَا بُدَّ مِنِ احْتِمَالِ أَحَدِهِمَا، وَفِي الْمُلَاءَمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ حُصُولِ الْمُوَافَقَةِ الْكَامِلَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَعْنِي أَنْتُمْ وَهُمْ سَوَاءٌ فِي كَوْنِكُمْ خَلْقَ اللَّهِ، وَلَكُمْ فَضْلٌ عَلَيْهِمْ بِأَنْ مَلَكَتْهُمْ أَيْمَانُكُمْ، فَإِنْ وَافَقُوكُمْ فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَاتْرُكُوهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [النحل: ٧١] أَيْ جَعَلَكُمْ مُتَفَاوِتِينَ فِي الرِّزْقِ فَرَزَقَكُمْ أَكَثْرَ مِمَّا رَزَقَ مَمَالِيكَكُمْ وَهُمْ بَشَرٌ مِثْلَكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَرُدُّوا فَضْلَ مَا رُزِقْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَتَسَاوَوْا مَعَكُمْ فِي الْمَلْبَسِ وَالْمَطْعَمِ اهـ.
وَالتَّحْقِيقُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ مَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ حَيْثُ قَالَ: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ (فَمِنْكُمْ غَنِيٌّ، وَمِنْكُمْ فَقِيرٌ، وَمِنْكُمْ مَوَالٍ يَتَوَالَوْنَ رِزْقَهُمْ وَرِزْقَ غَيْرِهِمْ، وَمِنْكُمْ مَمَالِيكُ حَالُهُمْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ﴾ [النحل: ٧١] أَيْ. بِمُعْطِي رِزْقِهِمْ أَيْ رِزْقِ أَنْفُسِهِمْ ﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١] فَإِنَّ مَا يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ رِزْقَهُمُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ: ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [النحل: ٧١] فَالْمَوَالِي وَالْمَمَالِيكُ سَوَاءٌ فِي أَنَّ اللَّهَ رَزَقَهُمْ، فَالْجُمْلَةُ لَازِمَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْمَنْفِيَّةِ أَوْ مُقَرِّرَةٌ لَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ وَاقِعَةً مَوْقِعَ الْجَوَابِ كَأَنَّهُ قِيلَ: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [النحل: ٧١] فَيَسْتَوُوا فِي الرِّزْقِ عَلَى أَنَّهُ رَدٌّ وَإِنْكَارٌ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ فِي الْأُلُوهِيَّةِ، وَلَا يَرْضَوْنَ أَنْ يُشَارِكَهُمْ عَبِيدُهُمْ فِيمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَيُسَاوُوهُمْ فِيهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 4688
٣٣٧٠ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ ﵁ قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ، فَقَالَ: " اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ ". فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً وَاتْرُكُوهَا صَالِحَةً» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٣٧٠ - (وَعَنْ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هِيَ أُمُّ جَدِّ سَهْلٍ، وَقِيلَ أُمُّهُ، وَإِلَيْهَا يُنْسَبُ وَبِهَا يُعْرَفُ، وَاسْمُ أَبِيهِ الرَّبِيعُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَ سَهْلٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَعِيرٍ، قَدْ لَحِقَ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ لَصِقَ (ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ) أَيْ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ (فَقَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ
стр. 4689
فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ) : قَالَ الْقَاضِي: الْمُعْجَمَةُ الَّتِي لَا تَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ، فَإِنَّهَا لَا تُطِيقُ أَنْ تُفْصِحَ عَنْ حَالِهَا، وَتَتَضَرَّعَ إِلَى صَاحِبِهَا مِنْ جُوعِهَا وَعَطَشِهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ عَلَفِ الدَّوَابِّ، وَأَنَّ الْحَاكِمَ يُجْبِرُ الْمَالِكَ عَلَيْهِ اهـ. وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الْإِجْبَارِ، وَتَقَدَّمَ دَلِيلُ نَفْيِهِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا (فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً) : أَيْ قَوِيَّةً لِلرُّكُوبِ (وَاتْرُكُوهَا) : أَيْ: عَنِ الرُّكُوبِ قَبْلَ الْإِعْيَاءِ (صَالِحَةً) أَيْ ; لِأَنْ تُرْكَبَ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فِيهِ تَرْغِيبٌ إِلَى تَعَهُّدِهَا أَيْ تَعَهُّدِهَا بِالْعَلَفِ لِتَكُونَ مُهَيَّأَةً لَائِقَةً لِمَا تُرِيدُونَ مِنْهَا، فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَرْكَبُوهَا فَارْكَبُوهَا وَهَى صَالِحَةٌ لِلرُّكُوبِ قَوِيَّةٌ عَلَى الْمَشْيِ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَتْرُكُوهَا لِلْأَكْلِ فَتُعِدُّوهَا لِتَكُونَ سَمِينَةً صَالِحَةً لِلْأَكْلِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ: " «ارْكَبُوا هَذِهِ الدَّوَابَّ سَالِمَةً، وَابْتَدِعُوهَا سَالِمَةً، وَلَا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ لِأَحَادِيثِكُمْ فِي الطُّرُقِ وَالْأَسْوَاقِ، فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبِهَا، وَأَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنْهُ»
".
стр. 4690
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٣٧١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الفاتحة: ١٥٢ - ٣٢٢٨٠] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] الْآيَةَ انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَإِذَا فَضَلَ مِنْ طَعَامِ الْيَتِيمِ وَشَرَابِهِ شَيْءٌ حُبِسَ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِمْ، وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٣٧١ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الفاتحة: ١٥٢ - ٣٢٢٨٠] أَيْ بِالنَّهْيِ عَنْ قُرْبَانِهِ مُبَالَغَةً وَزَجْرًا عَنْ أَخْذِهِ وَأَكْلِهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] الْآيَةَ يَعْنِي حَيْثُ ذَكَرَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] (انْطَلَقَ) : أَيْ شَرَعَ وَذَهَبَ (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ) أَيْ أَفْرَزَ طَعَامَ الْيَتِيمِ أَوْ طَعَامَ نَفْسِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: (مِنْ طَعَامِهِ) : بِالْعَكْسِ (وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَإِذَا فَضَلَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ زَادَ (مِنْ طَعَامِ الْيَتِيمِ وَشَرَابِهِ شَيْءٌ حَبَسَ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: أَمْسَكَ لَهُ (حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ) : أَيْ: يَفْسُدَ أَوْ إِلَى أَنْ يَفْسُدَ بَعْضُهُ (فَاشْتَدَّ ذَلِكَ) : أَيْ صَعُبَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْعَزْلِ وَالْفَسَادِ (عَلَيْهِمْ) : لِلتَّعَبِ فِي الْأَوَّلِ، وَالتَّضْيِيعِ فِي الثَّانِي (فَذَكَرُوا ذَلِكَ) : أَيْ: الِاشْتِدَادَ عَلَيْهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] : أَيْ بِالْإِفْرَازِ (لَهُمْ) : أَيْ لِلْيَتَامَى (خَيْرٌ) : أَيْ مِنَ الْمُخَالَطَةِ (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) وَتَتِمَّتُهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] أَيْ لَأَوْقَعَكُمْ فِي الْعَنَتِ وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَالْحَرَجُ فَحَصَلَ لَهُمْ رُخْصَةٌ (فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِمْ، وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِمْ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: قَالُوا فِي رُفْقَةٍ فِي سَفَرٍ أُغْمِيَ عَلَى أَحَدِهِمْ أَوْ مَاتَ، فَأَنْفَقُوا عَلَيْهِ أَوْ جَهَّزُوهُ مِنْ مَالِهِ لَا يَضْمَنُونَ اسْتِحْسَانًا، وَمَاتَ شَخْصٌ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، خَرَجُوا إِلَى الْحَجِّ فَمَاتَ وَاحِدٌ، فَبَاعُوا مَا كَانَ لَهُ مَعَهُمْ، فَلَمَّا وَصَلُوا سَأَلُوا مُحَمَّدًا فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ لَمْ تَكُونُوا فُقَهَاءَ، وَكَذَا بَاعَ مُحَمَّدٌ مَرَّةً كُتَبَ تِلْمِيذٍ لَهُ مَاتَ، فَأَنْفَقَ فِي تَجْهِيزِهِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ لَمْ يُوصِ بِذَلِكَ فَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] . (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 4691
٣٣٧٢ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ، وَبَيْنَ الْأَخِ وَبَيْنَ أَخِيهِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
٣٣٧٢ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى) : أَيِ الْأَشْعَرِيِّ (قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ،، وَبَيْنَ الْأَخِ وَبَيْنَ أَخِيهِ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إِدْخَالِ " بَيْنَ " بَيْنَ الْمُظْهَرَيْنِ، وَرَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ وَهْمٌ وَتَصْرِيحٌ بِأَنَّ التَّفْرِيقَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْوِلَادِ، بَلْ يَشْتَمِلُ كُلَّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ) .
стр. 4692
٣٣٧٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِالسَّبْيِ أَعْطَى أَهْلَ الْبَيْتِ جَمِيعًا، كَرَاهِيَةَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٣٧٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُتِيَ) : أَيْ جِيءَ (بِالسَّبْيِ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيِ الْأُسَارَى (أَعْطَى أَهْلَ الْبَيْتِ) : مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَقَوْلُهُ: (جَمِيعًا) : حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُعْطَى لَهُ مَتْرُوكٌ مَنْسِيٌّ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ سِيقَ لِلْمُعْطَى، وَكَأَنَّهُ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْأَهَالِي، وَلِذَلِكَ أَكَّدَهُ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] الْكَشَّافَ: وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَ الْمَفْعُولِ بِهِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ ذِكْرُهُ الْمُعَزَّزُ بِهِ وَهُوَ شَمْعُونُ، وَمَا لَطُفَ فِيهِ مِنَ التَّدْبِيرِ حَتَّى عَزَّ الْحَقُّ وَذَلَّ الْبَاطِلُ، وَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ مُنْصَبًّا إِلَى غَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ جُعِلَ سِيَاقُهُ لَهُ وَتَوَجُّهُهُ إِلَيْهِ كَانَ مَا سِوَاهُ مَرْفُوضٌ مَطْرُوحٌ. (كَرَاهِيَةَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ وَالْكَرَاهِيَةُ مُخَفَّفَةُ الْيَاءِ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْعِلَّةِ وَأَنْ مَصْدَرِيَّةٌ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ
стр. 4693
٣٣٧٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمُ الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَيَجْلِدُ عَبْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ» ". رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
٣٣٧٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَلَا " بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (أُنَبِّئُكُمْ) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَفِي النُّسْخَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِتَخْفِيفِهَا مِنَ الْإِنْبَاءِ، وَالْمَعْنَى: أَلَا أُخْبِرُكُمْ (بِشِرَارِكُمْ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ الشَّرِّ (الَّذِي) : أَيِ الْفَرِيقُ أَوِ الْجَمْعُ الَّذِي (يَأْكُلُ وَحْدَهُ) : أُفْرِدَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى مَرْجِعِهِ، وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ أَوْ بِتَأْوِيلِ مُنْفَرِدًا أَيْ بُخْلًا وَتَكَبُّرًا (يَجْلِدُ عَبْدَهُ) : أَيْ يَضْرِبُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ (وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ عَطِيَّتَهُ عَنْ مُسْتَحِقِّهَا، وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْبُخْلِ وَسُوءِ الْخُلُقِ. (رَوَاهُ رَزِينٌ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ مُعَاذٍ: " أَلَا أُنَبِّئُكَ بِشَرِّ النَّاسِ؟ مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ، وَمَنَعَ رِفْدَهُ، وَسَافَرَ وَحْدَهُ، وَضَرَبَ عَبْدَهُ، أَلَا أُنَبِّئُكَ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ يُبْغِضُ النَّاسَ وَيُبْغِضُونَهُ، أَلَا أُنَبِّئُكَ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، أَلَا أُنَبِّئُكَ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ أَكَلَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ ". وَقَالَ مِيرَكُ: يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ الْمُنْذِرِيِّ فِي التَّرْغِيبِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: ( «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى إِنْ شِئْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " إِنَّ شِرَارَكُمُ الَّذِي يَنْزِلُ وَحْدَهُ، وَيَجْلِدُ عَبْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ؟ " قَالُوا: بَلَى. قَالَ: الَّذِينَ لَا يُقِيلُونَ عَثْرَةً وَلَا يَقْبَلُونَ مَعْذِرَةً وَلَا يَغْفِرُونَ ذَنْبًا ". قَالَ: (أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ؟) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ»
".
стр. 4694
٣٣٧٥ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ أَخْبَرْتَنَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَكْثَرُ الْأُمَمِ مَمْلُوكِينَ وَيَتَامَى قَالَ: نَعَمْ فَأَكْرِمُوهُمْ كَكَرَامَةِ أَوْلَادِكُمْ وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ قَالُوا: فَمَا يَنْفَعُنَا قَالَ: " فَرَسٌ تَرْتَبِطُهُ، تُقَاتِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " وَمَمْلُوكٌ يَكْفِيكَ فَإِذَا صَلَّى فَهُوَ أَخُوكَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٣٧٥ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ ") : أَيِ الْمَلِكُ الَّذِي يُسِيءُ إِلَى مَمْلُوكِهِ (قَالُوا) : أَيْ بَعْضُ أَصْحَابِهِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ أَخْبَرْتَنَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَكْثَرُ الْأُمَمِ مَمْلُوكِينَ وَيَتَامَى؟) : ذِكْرُ الْيَتَامَى مُسْتَطْرَدٌ (قَالَ: نَعَمْ ") : أَيْ أَنْتُمْ أَكْثَرُ الْأُمَمِ مَمَالِيكَ، فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ (فَأَكْرِمُوهُمْ كَكَرَامَةِ أَوْلَادِكُمْ) : أَيْ مِنَ الشَّفَقَةِ بِهِمْ وَالْمَرْحَمَةِ عَلَيْهِمْ، فَلَا تُحَمِّلُوهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ (وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ) : وَتَرَكَ ذِكْرَ الْكُسْوَةِ اكْتِفَاءً أَوْ مُقَايَسَةً. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: تَوْجِيهُهُ أَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرْتَ أَنَّ سَيِّئَ الْمَلَكَةِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَأُمَّتُكَ إِذَا أَكْثَرُوا الْمَمَالِيكَ لَا يَسَعُهُمْ مُدَارَاتُهُمْ، فَيُسِيئُونَ مَعَهُمْ فَمَا حَالُهُمْ وَمَآلُهُمْ، فَأَجَابَ ﵊ جَوَابَ الْحَكِيمِ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ فَأَكْرِمُوهُمْ " إِلَخْ. (قَالُوا: فَمَا يَنْفَعُنَا) : مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يُفِيدُنَا (الدُّنْيَا؟) : أَيْ مِنْهَا أَوْ فِيهَا (قَالَ: " فَرَسٌ تَرْتَبِطُهُ، تُقَاتِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ") : اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ارْتِبَاطَ الْفَرَسِ فِيهِ نَفْعٌ أُخْرَوِيٌّ، وَكَذَا فِيهِ نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ مِنْ حُصُولِ الْغَنِيمَةِ، وَالْأَمْنِ مِنَ الْعَدُوِّ وَغَيْرِهِمَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] فَلَا يَتَوَجَّهُ قَوْلُ الطِّيبِيِّ ﵀، وَكَذَا الْجَوَابُ الثَّانِي وَارِدٌ عَلَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ ; لِأَنَّ الْمُرَابَطَةَ وَالْجِهَادَ مَعَ الْكُفَّارِ لَيْسَ مِنَ الدُّنْيَا (" وَمَمْلُوكٌ يَكْفِيكَ ") : أَيْ أُمُورَكَ الدُّنْيَوِيَّةَ الشَّاغِلَةَ عَنِ الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ (فَإِذَا صَلَّى) : أَيِ الْمَمْلُوكُ (فَهُوَ أَخُوكَ) : أَيِ الْمُؤْمِنُ أَوْ كَأَخِيكَ فَهُوَ مِنَ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4695
[بَابُ بُلُوغِ الصَّغِيرِ وَحَضَانَتِهِ فِي الصِّغَرِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٣٧٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَدَّنِي، ثُمَّ عُرِضْتُ عَلَيْهِ عَامَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: هَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْمُقَاتِلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(١٨) بَابُ بُلُوغِ الصَّغِيرِ أَيْ بِالسِّنِّ (وَحَضَانَتِهِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِهِ أَيْ تَرْبِيَتِهِ (فِي الصِّغَرِ) : قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الْحَضَانَةُ الْقِيَامُ بِأَمْرِ مَنْ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَلَا يَهْتَدِي لِمَصَالِحِهِ، وَفِي الْمُغْرِبِ: الْحِضْنُ مَا دُونَ الْإِبِطِ، وَالْحَاضِنَةُ الْمَرْأَةُ تُؤَكِّلُ الصَّبِيَّ فَتَرْفَعُهُ وَتُرَبِّيهِ، وَقَدْ حَضَنَتْ وَلَدَهَا حَضَانَةً وَفِي الْقَامُوسِ: حَضَنَ الصَّبِيَّ حِضْنًا وَحِضَانَةً بِالْكَسْرِ، جَعَلَهُ فِي حِضْنِهِ أَوْ رَبَّاهُ كَاحْتَضَنَهُ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْحَاضِنُ الْمُرَبِّي وَالْكَافِلُ، وَالْأُنْثَى حَاضِنَةٌ، وَالْحَضَانَةُ بِالْفَتْحِ فِعْلُهَا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٣٧٦ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: عُرِضْتُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لِلذَّهَابِ إِلَى الْغَزْوِ (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : مِنْ بَابِ عَرْضِ الْعَسْكَرِ عَلَى الْأَمِيرِ (عَامَ أُحُدٍ) : أَيْ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ، وَكَانَتْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ (وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنَيْنِ وَسُكُونِ الشِّينِ وَتُكْسَرُ، (سَنَةً) وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَرَدَّنِي) : أَيْ مِنَ الرَّوَاحِ إِلَى الْحَرْبِ لِصِغَرِي (ثُمَّ عُرِضْتُ عَلَيْهِ عَامَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ
следующие страницы →