Полный текст (8 767 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
٣٣٧٢ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ، وَبَيْنَ الْأَخِ وَبَيْنَ أَخِيهِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
٣٣٧٢ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى) : أَيِ الْأَشْعَرِيِّ (قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ،، وَبَيْنَ الْأَخِ وَبَيْنَ أَخِيهِ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إِدْخَالِ " بَيْنَ " بَيْنَ الْمُظْهَرَيْنِ، وَرَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ وَهْمٌ وَتَصْرِيحٌ بِأَنَّ التَّفْرِيقَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْوِلَادِ، بَلْ يَشْتَمِلُ كُلَّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ) .
стр. 4692
٣٣٧٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِالسَّبْيِ أَعْطَى أَهْلَ الْبَيْتِ جَمِيعًا، كَرَاهِيَةَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٣٧٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُتِيَ) : أَيْ جِيءَ (بِالسَّبْيِ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيِ الْأُسَارَى (أَعْطَى أَهْلَ الْبَيْتِ) : مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَقَوْلُهُ: (جَمِيعًا) : حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُعْطَى لَهُ مَتْرُوكٌ مَنْسِيٌّ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ سِيقَ لِلْمُعْطَى، وَكَأَنَّهُ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْأَهَالِي، وَلِذَلِكَ أَكَّدَهُ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] الْكَشَّافَ: وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَ الْمَفْعُولِ بِهِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ ذِكْرُهُ الْمُعَزَّزُ بِهِ وَهُوَ شَمْعُونُ، وَمَا لَطُفَ فِيهِ مِنَ التَّدْبِيرِ حَتَّى عَزَّ الْحَقُّ وَذَلَّ الْبَاطِلُ، وَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ مُنْصَبًّا إِلَى غَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ جُعِلَ سِيَاقُهُ لَهُ وَتَوَجُّهُهُ إِلَيْهِ كَانَ مَا سِوَاهُ مَرْفُوضٌ مَطْرُوحٌ. (كَرَاهِيَةَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ وَالْكَرَاهِيَةُ مُخَفَّفَةُ الْيَاءِ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْعِلَّةِ وَأَنْ مَصْدَرِيَّةٌ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ
стр. 4693
٣٣٧٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمُ الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَيَجْلِدُ عَبْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ» ". رَوَاهُ رَزِينٌ.
ــ
٣٣٧٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَلَا " بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (أُنَبِّئُكُمْ) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَفِي النُّسْخَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِتَخْفِيفِهَا مِنَ الْإِنْبَاءِ، وَالْمَعْنَى: أَلَا أُخْبِرُكُمْ (بِشِرَارِكُمْ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ الشَّرِّ (الَّذِي) : أَيِ الْفَرِيقُ أَوِ الْجَمْعُ الَّذِي (يَأْكُلُ وَحْدَهُ) : أُفْرِدَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى مَرْجِعِهِ، وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ أَوْ بِتَأْوِيلِ مُنْفَرِدًا أَيْ بُخْلًا وَتَكَبُّرًا (يَجْلِدُ عَبْدَهُ) : أَيْ يَضْرِبُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ (وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ عَطِيَّتَهُ عَنْ مُسْتَحِقِّهَا، وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْبُخْلِ وَسُوءِ الْخُلُقِ. (رَوَاهُ رَزِينٌ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ مُعَاذٍ: " أَلَا أُنَبِّئُكَ بِشَرِّ النَّاسِ؟ مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ، وَمَنَعَ رِفْدَهُ، وَسَافَرَ وَحْدَهُ، وَضَرَبَ عَبْدَهُ، أَلَا أُنَبِّئُكَ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ يُبْغِضُ النَّاسَ وَيُبْغِضُونَهُ، أَلَا أُنَبِّئُكَ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، أَلَا أُنَبِّئُكَ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟ مَنْ أَكَلَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ ". وَقَالَ مِيرَكُ: يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ الْمُنْذِرِيِّ فِي التَّرْغِيبِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: ( «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى إِنْ شِئْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " إِنَّ شِرَارَكُمُ الَّذِي يَنْزِلُ وَحْدَهُ، وَيَجْلِدُ عَبْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ؟ " قَالُوا: بَلَى. قَالَ: الَّذِينَ لَا يُقِيلُونَ عَثْرَةً وَلَا يَقْبَلُونَ مَعْذِرَةً وَلَا يَغْفِرُونَ ذَنْبًا ". قَالَ: (أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ؟) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: " مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ»
".
стр. 4694
٣٣٧٥ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ أَخْبَرْتَنَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَكْثَرُ الْأُمَمِ مَمْلُوكِينَ وَيَتَامَى قَالَ: نَعَمْ فَأَكْرِمُوهُمْ كَكَرَامَةِ أَوْلَادِكُمْ وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ قَالُوا: فَمَا يَنْفَعُنَا قَالَ: " فَرَسٌ تَرْتَبِطُهُ، تُقَاتِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " وَمَمْلُوكٌ يَكْفِيكَ فَإِذَا صَلَّى فَهُوَ أَخُوكَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٣٧٥ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ ") : أَيِ الْمَلِكُ الَّذِي يُسِيءُ إِلَى مَمْلُوكِهِ (قَالُوا) : أَيْ بَعْضُ أَصْحَابِهِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ أَخْبَرْتَنَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَكْثَرُ الْأُمَمِ مَمْلُوكِينَ وَيَتَامَى؟) : ذِكْرُ الْيَتَامَى مُسْتَطْرَدٌ (قَالَ: نَعَمْ ") : أَيْ أَنْتُمْ أَكْثَرُ الْأُمَمِ مَمَالِيكَ، فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ (فَأَكْرِمُوهُمْ كَكَرَامَةِ أَوْلَادِكُمْ) : أَيْ مِنَ الشَّفَقَةِ بِهِمْ وَالْمَرْحَمَةِ عَلَيْهِمْ، فَلَا تُحَمِّلُوهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ (وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ) : وَتَرَكَ ذِكْرَ الْكُسْوَةِ اكْتِفَاءً أَوْ مُقَايَسَةً. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: تَوْجِيهُهُ أَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرْتَ أَنَّ سَيِّئَ الْمَلَكَةِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَأُمَّتُكَ إِذَا أَكْثَرُوا الْمَمَالِيكَ لَا يَسَعُهُمْ مُدَارَاتُهُمْ، فَيُسِيئُونَ مَعَهُمْ فَمَا حَالُهُمْ وَمَآلُهُمْ، فَأَجَابَ ﵊ جَوَابَ الْحَكِيمِ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ فَأَكْرِمُوهُمْ " إِلَخْ. (قَالُوا: فَمَا يَنْفَعُنَا) : مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يُفِيدُنَا (الدُّنْيَا؟) : أَيْ مِنْهَا أَوْ فِيهَا (قَالَ: " فَرَسٌ تَرْتَبِطُهُ، تُقَاتِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ") : اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ارْتِبَاطَ الْفَرَسِ فِيهِ نَفْعٌ أُخْرَوِيٌّ، وَكَذَا فِيهِ نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ مِنْ حُصُولِ الْغَنِيمَةِ، وَالْأَمْنِ مِنَ الْعَدُوِّ وَغَيْرِهِمَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] فَلَا يَتَوَجَّهُ قَوْلُ الطِّيبِيِّ ﵀، وَكَذَا الْجَوَابُ الثَّانِي وَارِدٌ عَلَى أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ ; لِأَنَّ الْمُرَابَطَةَ وَالْجِهَادَ مَعَ الْكُفَّارِ لَيْسَ مِنَ الدُّنْيَا (" وَمَمْلُوكٌ يَكْفِيكَ ") : أَيْ أُمُورَكَ الدُّنْيَوِيَّةَ الشَّاغِلَةَ عَنِ الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ (فَإِذَا صَلَّى) : أَيِ الْمَمْلُوكُ (فَهُوَ أَخُوكَ) : أَيِ الْمُؤْمِنُ أَوْ كَأَخِيكَ فَهُوَ مِنَ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4695
[بَابُ بُلُوغِ الصَّغِيرِ وَحَضَانَتِهِ فِي الصِّغَرِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٣٧٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَدَّنِي، ثُمَّ عُرِضْتُ عَلَيْهِ عَامَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: هَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْمُقَاتِلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(١٨) بَابُ بُلُوغِ الصَّغِيرِ أَيْ بِالسِّنِّ (وَحَضَانَتِهِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِهِ أَيْ تَرْبِيَتِهِ (فِي الصِّغَرِ) : قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الْحَضَانَةُ الْقِيَامُ بِأَمْرِ مَنْ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَلَا يَهْتَدِي لِمَصَالِحِهِ، وَفِي الْمُغْرِبِ: الْحِضْنُ مَا دُونَ الْإِبِطِ، وَالْحَاضِنَةُ الْمَرْأَةُ تُؤَكِّلُ الصَّبِيَّ فَتَرْفَعُهُ وَتُرَبِّيهِ، وَقَدْ حَضَنَتْ وَلَدَهَا حَضَانَةً وَفِي الْقَامُوسِ: حَضَنَ الصَّبِيَّ حِضْنًا وَحِضَانَةً بِالْكَسْرِ، جَعَلَهُ فِي حِضْنِهِ أَوْ رَبَّاهُ كَاحْتَضَنَهُ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْحَاضِنُ الْمُرَبِّي وَالْكَافِلُ، وَالْأُنْثَى حَاضِنَةٌ، وَالْحَضَانَةُ بِالْفَتْحِ فِعْلُهَا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٣٧٦ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: عُرِضْتُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لِلذَّهَابِ إِلَى الْغَزْوِ (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : مِنْ بَابِ عَرْضِ الْعَسْكَرِ عَلَى الْأَمِيرِ (عَامَ أُحُدٍ) : أَيْ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ، وَكَانَتْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ (وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنَيْنِ وَسُكُونِ الشِّينِ وَتُكْسَرُ، (سَنَةً) وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَرَدَّنِي) : أَيْ مِنَ الرَّوَاحِ إِلَى الْحَرْبِ لِصِغَرِي (ثُمَّ عُرِضْتُ عَلَيْهِ عَامَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ
стр. 4696
سَنَةً، فَأَجَازَنِي) : أَيْ فِي الْمُقَاتَلَةِ أَوِ الْمُبَايَعَةِ، وَقِيلَ: كَتَبَ الْجَائِزَةَ لِي وَهِيَ رِزْقُ الْغُزَاةِ (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) : أَيْ لَمَّا جَمَعَ هَذَا الْحَدِيثَ (هَذَا) : أَيِ السِّنُّ الْمَذْكُورُ (فَرْقُ مَا بَيْنَ الْمُقَاتِلَةِ) : بِكَسْرِ التَّاءِ (وَالذُّرِّيَّةِ) : يُرِيدُ إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً دَخَلَ فِي زُمْرَةِ الْمُقَاتِلِينَ، وَأُثْبِتَ فِي الدِّيوَانِ اسْمُهُ، وَإِذَا لَمْ يَبْلُغْهَا عُدَّ مِنَ الذُّرِّيَّةِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالُوا: إِذَا اسْتَكْمَلَ الْغُلَامُ أَوِ الْجَارِيَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً كَانَ بَالِغًا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا، وَإِذَا احْتَلَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَبْلَ بُلُوغِهِ هَذَا الْمَبْلَغَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ تِسْعِ سِنِينَ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا حَاضَتِ الْجَارِيَةُ بَعْدَ تِسْعٍ وَلَا حَيْضَ وَلَا احْتِلَامَ قَبْلَ بُلُوغِ التِّسْعِ. وَفِي الْهِدَايَةِ: بُلُوغُ الْغُلَامِ بِالِاحْتِلَامِ وَالْإِحْبَالِ وَالْإِنْزَالِ إِذَا وَطِئَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَحَتَّى يَتِمَّ لَهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً، وَبُلُوغُ الْجَارِيَةِ بِالْحَيْضِ وَالِاحْتِلَامِ وَالْحَبَلِ؛ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَحَتَّى يَتِمَّ لَهَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَقَالَا إِذَا تَمَّ لِلْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَقَدْ بَلَغَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ اهـ. وَأَوَّلُ وَقْتِ بُلُوغِ الْغُلَامِ عِنْدَنَا اسْتِكْمَالُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَتِسْعِ سِنِينَ لِلْجَارِيَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4697
٣٣٧٧ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: «صَالَحَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ، وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابِلٍ وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا دَخَلَهَا وَمَضَى الْأَجَلُ خَرَجَ، فَتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يَا عَمِّ! يَا عَمِّ! فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ. قَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَخَذْتُهَا وَهِيَ بِنْتُ عَمِّي. وَقَالَ جَعْفَرٌ: بِنْتُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي. وَقَالَ زَيْدٌ: بِنْتُ أَخِي فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: " الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ ". قَالَ لَعَلِيٍّ: " أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ ". وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: " أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي ". وَقَالَ لِزَيْدٍ: " أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٣٧٧ - (وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) : صَحَابِيَّانِ (قَالَ؟ صَالَحَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ) : بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ مُصَغَّرًا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِتَشْدِيدِهِمَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَفِي النِّهَايَةِ: هِيَ بِئْرٌ قُرْبَ مَكَّةَ، قُلْتُ: هِيَ قُرْبَ حَدَّةَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ، وَالْآنَ مَشْهُورَةٌ بِبِئْرِ شُمَيْسٍ، وَهِيَ مِنْ أَوَاخِرِ أَرْضِ الْحَرَمِ وَالْمُرَادُ حَوْلَهَا. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: بَعْضُ الْحُدَيْبِيَةِ مِنَ الْحَرَمِ، وَالْمَعْنَى صَالَحَ كُفَّارَ مَكَّةَ بِرُجُوعِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَعَدَمِ مُقَاتَلَتِهِ ذَلِكَ الْعَامَ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ) : أَيْ أُمُورٍ وَأَحْكَامٍ (عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ) : أَيِ النَّبِيَّ ﷺ (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ؟ بَيَانٌ لِمَنْ (رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَاهُمْ) : أَيِ الْمُشْرِكِينَ (مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ) : أَيْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ (وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا) : أَيْ يَجِيءَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ وَيَدْخُلَهَا (مِنْ قَابِلٍ) : أَيْ عَامٍ آتٍ وَيَقْضِيَ بِهَا عُمْرَتَهُ (وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) : أَيْ لِلطَّاعَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ (فَلَمَّا دَخَلَهَا وَمَضَى الْأَجَلُ) : أَيِ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ الْمُعَيَّنَةُ وَهَى ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ (خَرَجَ) : أَيْ: أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، أَوْ شَرَعَ فِي الْخُرُوجِ مِنْهَا، (فَتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ) : أَيِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ قَدِ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَهِيَ يَتِيمَةٌ (تُنَادِي: يَا عَمِّ! يَا عَمِّ) : مُكَرَّرًا لِلتَّأْكِيدِ، وَأَصْلُهُ يَا عَمِّي فَحُذِفَتِ الْيَاءُ اكْتِفَاءً بِالْكَسْرَةِ، وَإِنَّمَا قَالَتْ هَذَا مَعَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ ابْنَ أَخِي أَبِيهَا، وَأَبُوهَا هُوَ عَمُّهُ، لِأَنَّهُ ﷺ وَحَمْزَةَ وَزَيْدًا ارْتَضَعُوا فَهُوَ عَمُّهَا رَضَاعًا (فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ) : أَيْ فَقَصَدَ تَنَاوُلَهَا، (فَاخْتَصَمَ فِيهَا) : أَيْ فِي حَضَانَتِهَا (عَلِيٌّ وَزَيْدٌ) : أَيِ ابْنُ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَهُ وَزَوَّجَهُ زَيْنَبَ (وَجَعْفَرٌ) : أَيِ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ أَكْبَرَ مِنْ عَلِيٍّ بِعَشْرِ سِنِينَ (فَقَالَ) : وَفِي نُسْخَةِ الْعَفِيفِ، قَالَ (عَلِيٌّ: أَنَا أَخَذْتُهَا) : أَيْ سَبَقْتُهَا فِي الْأَخْذِ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَهَا فِي مَعْنَى اللُّقَطَةِ وَاللَّقِيطِ (وَهِيَ بِنْتُ عَمِّي) : حَالٌ (وَقَالَ جَعْفَرٌ: بِنْتُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي) : أَيْ فَأَنَا أَحَقُّ بِهَا (وَقَالَ زَيْدٌ: بِنْتُ أَخِي) : أَيْ رَضَاعًا وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَمْزَةَ (فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ لِخَالَتِهَا
стр. 4698
وَقَالَ: " الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ ". وَقَالَ لَعَلِيٍّ: " أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ ". وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: " أَشْبَهْتَ خَلْقِي) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ (وَخُلُقِي) بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي (وَقَالَ لِزَيْدٍ: أَنْتَ أَخُونَا) : أَيْ فِي الْإِسْلَامِ (وَمَوْلَانَا) : أَيْ وَلِيُّنَا وَحَبِيبُنَا. وَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ اللَّطِيفَةُ وَالْبِشَارَاتُ الشَّرِيفَةُ اسْتِطَابَةٌ لِقُلُوبِهِمْ، وَتَسْلِيَةٌ لِحُزْنِهِمْ فِي تَقْدِيمِ الْخَالَةِ عَلَيْهِمْ، وَفِي الْفَائِقِ: لَمَّا قَالَ ﷺ لِزَيْدٍ: " أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا ". حَجَلَ أَيْ رَفَعَ رِجْلًا وَقَفَزَ أَيْ: وَثَبَ عَلَى الْأُخْرَى مِنَ الْفَرَحِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَخُونَا هَذِهِ الْمُؤَاخَاةُ وَبِقُولِهِ: مَوْلَانَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُدْعَى بِحِبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اهـ.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْمَدْعُوَّ بِحِبِّهِ إِنَّمَا كَانَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِابْنِ الْهُمَامِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلَدِ أُمٌّ تَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ فَأُمُّ الْأُمِّ أَوْلَى مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَإِنْ عَلَتْ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أُمُّ الْأَبِ أَوْلَى، وَعَنْ زُفَرَ: الْأُخْتُ الشَّقِيقَةُ وَالْخَالَةُ أُمٌّ. وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ( «وَأَمَّا أَنْتَ يَا زَيْدُ فَأَخُونَا وَمَوْلَانَا، وَالْجَارِيَةُ عِنْدَ خَالَتِهَا فَإِنَّ الْخَالَةَ وَالِدَةٌ» ") . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذَا كُلُّهُ تَشْبِيهٌ، فَيُحْتَمَلُ كَوْنُهُ فِي ثُبُوتِ الْحَضَانَةِ، أَوْ كَوْنِهَا أَحَقَّ بِهِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهَا، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ مُتَيَقَّنٌ، فَيَثْبُتُ فَلَا يُقَيَّدُ الْحُكْمُ بِأَنَّهَا أَحَقُّ مِنْ أَحَدٍ بِخُصُوصِهِ أَصْلًا مِمَّنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْحَضَانَةِ، فَيَبْقَى الْمَعْنَى الَّذِي عَيَّنَّاهُ بِلَا مُعَارِضٍ، وَهُوَ أَنَّ الْجَدَّةَ أُمٌّ، وَلِهَذَا تُحْرِزُ مِيرَاثَ الْأُمِّ مِنَ السُّدُسِ، وَعَلَيْهِ الشَّفَقَةُ تَتْبَعُ الْوِلَادَةَ ظَاهِرًا، فَكَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَى الْأَخَوَاتِ أَوْلَى مِنَ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُفْلَى وَلَا عُلْيَا، فَالْأَخَوَاتُ أَوْلَى مِنَ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4699
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٣٧٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄: «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٣٧٨ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ ظَرْفًا حَالَ حَمْلِهِ (وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ حَالَ رَضَاعِهِ (وَحِجْرِي) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفَتْحٍ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الْهُمَامِ (لَهُ) : أَيْ لِابْنِي حَالَ فِصَالَهُ وَفِطَامَهُ (حِوَاءً) : بِالْكَسْرِ أَيْ مَكَانًا يَحْوِيهِ وَيَحْفَظُهُ وَيَحْرُسُهُ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْحِوَاءُ بِالْكَسْرِ بَيْتٌ مِنَ الْوَبَرِ اهـ. فَالْكَلَامُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ أَوِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْحِجْرُ مُثَلَّثٌ الْمَنْعُ وَحِضْنُ الْإِنْسَانِ، وَفِي الْمَشَارِقِ أَجْلَسْتُهُ فِي حَجْرِي بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَهُوَ الثَّوْبُ وَالْحِضْنُ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَصْدَرُ فَالْفَتْحُ لَا غَيْرُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الِاسْمُ فَالْكَسْرُ لَا غَيْرُ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ بِالْكَسْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، قَالَ وَقَوْلُهُ: رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي، وَفِي حِجْرِي مَيْمُونَةُ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرُ وَمَعْنَاهُ الْحَضَانَةُ وَالتَّرْبِيَةُ (وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ) بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ يَأْخُذَهُ (مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ ") : أَيْ بِوَلَدِكِ (مَا لَمْ تَنْكِحِي) : بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ أَيْ مَا لَمْ تَتَزَوَّجِي، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَلَعَلَّ هَذَا الصَّبِيَّ مَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ فَقَدَّمَ الْأُمَّ بِحَضَانَتِهِ، وَالَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَعْنِي الْآتِيَ كَانَ مُمَيِّزًا فَخَيَّرَهُ اهـ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 4700
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَعَمْرٌو هَذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ فَإِذَا أَرَادَ بِجَدِّهِ مُحَمَّدًا كَانَ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا، وَإِذَا أَرَادَ بِهِ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ مُتَّصِلًا، فَمَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ يَصِيرُ مُحْتَمِلًا لِلْإِرْسَالِ وَالِاتِّصَالِ، وَهَذَا نَصَّ عَلَى جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي: فَتَعَيَّنَ الِاتِّصَالُ وَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ، ثُمَّ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ بِإِطْلَاقِهِ دَلِيلٌ لَنَا وَلِأَنَّ الْأُمَّ أَشْفَقُ عَلَيْهِ أَبَدًا لِحِكْمَةِ خُصُوصِ هَذَا الشَّرْعِ، وَأَقْدَرُ عَلَى الْحَضَانَةِ لِقِيَامِهَا بِمَصَالِحِهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الصِّدِّيقُ عَلَى مَا فِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ﵀ قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ عُمَرَ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَاصِمًا، ثُمَّ فَارَقَهَا عُمَرُ، فَرَكِبَ يَوْمًا إِلَى قُبَاءٍ فَمَرَّ فَوَجَدَ ابْنَهُ يَلْعَبُ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَأَخَذَ بِعَضُدِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الدَّابَّةِ، فَأَدْرَكَتْهُ جَدَّةُ الْغُلَامِ فَنَازَعَتْهُ إِيَّاهُ فَأَقْبَلَا حَتَّى أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ عُمَرُ: ابْنِي. وَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: ابْنِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. فَمَا رَاجَعَهُ عُمَرُ الْكَلَامَ، وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَزَادَ ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا تُولَدُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا» ". وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ طَلَّقَ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَبِي لَيْلَى فَتَزَوَّجَتْ، فَجَاءَ عُمَرُ فَأَخَذَ ابْنَهُ فَأَدْرَكَتْهُ شَمُوسُ ابْنَةُ عَاصِمٍ الْأَنْصَارِيَّةُ، وَهِيَ أُمُّ جَمِيلَةَ فَأَخَذَتْهُ، فَتَرَافَعَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ابْنِهَا. فَأَخَذَتْهُ. وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ أُمَّ عَاصِمٍ ثُمَّ أَتَى عَلَيْهَا وَفِي حِجْرِهَا عَاصِمٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ فَتَجَاذَبَاهُ بَيْنَهُمَا حَتَّى بَكَى الْغُلَامُ، فَانْطَلَقَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ: مِسْحُهَا وَحِجْرُهَا وَرِبْحُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْكَ حَتَّى يَشِبَّ الصَّبِيُّ فَيَخْتَارَ لِنَفْسِهِ.
стр. 4701
٣٣٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٣٣٧٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : خَيَّرَ غُلَامًا) : أَيْ وَلَدًا بَلَغَ سِنَّ الْبُلُوغِ وَتَسْمِيَتُهُ غُلَامًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] وَقِيلَ غُلَامًا مُمَيِّزًا (بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ) . وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالْوَلَدُ إِذَا صَارَ مُسْتَغْنِيًا بِأَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ وَيَشْرَبَ وَحْدَهُ وَيَلْبَسَ وَحْدَهُ، قِيلَ: وَيَسْتَنْجِيَ وَحْدَهُ وَيَتَوَضَّأَ وَحْدَهُ فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ، وَالْخَصَّافُ قَدَّرَ الِاسْتِغْنَاءِ بِسَبْعِ سِنِينَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَكَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ لَا مَا قِيلَ أَنَّهُ يُقَدَّرُ بِتِسْعٍ ; لِأَنَّ الْأَبَ مَأْمُورٌ بِأَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَهَا وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْوَلَدُ عِنْدَهُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ السِّنَّ الَّذِي يَكُونُ الْأَبُ أَحَقَّ بِهِ كَسَبْعٍ مَثَلًا أَخَذَهُ الْأَبُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِ الْغُلَامِ ذَلِكَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُخَيَّرُ الْغُلَامُ فِي سُبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ يُخَيَّرُ فِي سَبْعٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 4702
٣٣٨٠ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي وَقَدْ سَقَانِي وَنَفَعَنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ. فَأَخَذَ يَدَ أُمِّهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٣٣٨٠ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي وَقَدْ سَقَانِي وَنَفَعَنِي) تُرِيدُ أَنَّ ابْنَهَا بَلَغَ مَبْلَغًا تَنْتَفِعُ بِخِدْمَتِهِ (قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا ". فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ.
стр. 4703
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٣٨١ - عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ سُلَيْمَانَ مَوْلًى لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَارِسِيَّةٌ، مَعَهَا ابْنٌ لَهَا، وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَادَّعَيَاهُ، فَرَطَنَتْ لَهُ تَقُولُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اسْتَهِمَا عَلَيْهِ. رَطَنَ لَهَا بِذَلِكَ. فَجَاءَ زَوْجُهَا، وَقَالَ: مَنْ يُحَاقُّنِي فِي ابْنِي؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَقُولُ هَذَا إِلَّا أَنِّي كُنْتُ قَاعِدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ - وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ: مِنْ عَذْبِ الْمَاءِ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اسْتَهِمَا عَلَيْهِ ". فَقَالَ زَوْجُهَا مَنْ يُحَاقُّنِي فِي وَلَدِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ ". فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٣٨١ - (عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ سُلَيْمَانَ) : بِالتَّصْغِيرِ، كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ. وَفِي هَامِشِ أَصْلِ السَّيِّدِ: صَوَابُهُ سَلْمَانُ أَيْ بِالْفَتْحِ وَالسُّكُونِ (مَوْلًى لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ: أَبُو مَيْمُونَةَ الْفَارِسِيُّ الْمَدَنِيُّ الْأَوْبَارُ، قِيلَ: اسْمُهُ سُلَيْمٌ أَوْ سَلْمَانُ، وَقِيلَ: أُسَامَةُ، ثِقَةٌ مِنَ الثَّامِنَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْفَارِسِيِّ وَالْأَوْبَارِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَدَنِيٌّ يَرْوِي عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ. قَالَ: وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ أَنَّ أَبَاهُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الْهِلَالُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أُسَامَةَ مَنْسُوبٌ إِلَى جَدِّهِ، وَهُوَ هِلَالُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ الْفِهْرِيُّ ذَكَرَهُ فِي التَّابِعِينَ اهـ.
قِيلَ: وَفِي عِبَارَةِ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ أَنَّ أَبَا مَيْمُونَةَ سَلْمَانَ مَوْلًى مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قَالَ: وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ: عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، وَقِيلَ أُسَامَةُ، وَسَتَأْتِي عِبَارَةُ النَّسَائِيِّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا مَيْمُونَةَ قَالَ: (بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَارِسِيَّةٌ) ، بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ عَجَمِيَّةٌ (مَعَهَا ابْنٌ لَهَا وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَادَّعَيَاهُ) ، أَيِ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا الِابْنَ (فَرَطَنَتْ) فِي النِّهَايَةِ: الرَّطَانَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَالتَّرَاطُنُ كَلَامٌ لَا يَفْهَمُهُ الْجُمْهُورُ، وَإِنَّمَا هُوَ مُوَاضَعَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ، وَالْعَرَبُ تَخُصُّ بِالرِّطَانَةِ غَالِبَ كَلَامِ الْعَجَمِ، وَفِي الصِّحَاحِ: رَطَنْتُ لَهُ إِذَا كَلَّمْتَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ، فَالْمَعْنَى تَكَلَّمَتْ بِالْفَارِسِيَّةِ (لَهُ) : أَيْ لَأَبِي هُرَيْرَةَ (تَقُولُ) : أَيِ الْمَرْأَةُ مَا مَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ: زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي) أَيْ يَأْخُذَهُ مِنِّي وَيَصْحَبَهُ (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اسْتَهِمَا عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الِابْنِ، وَالْمَعْنَى: اقْتَرِعِي أَنْتِ وَأَبُوهُ، فَفِيهِ تَغْلِيبُ الْحَاضِرِ عَلَى الْغَائِبِ (رَطَنَ) : أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْ مُتَرْجِمُهُ (لَهَا) : أَيْ لِلْمَرْأَةِ (بِذَلِكَ) . أَيْ بِمَا قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ (فَجَاءَ زَوْجُهَا) : أَيْ فَتَقَدَّمَ لِلْخُصُومَةِ (وَقَالَ: مَنْ يُحَاقُّنِي) : بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مَنْ يُنَازِعُنِي (فِي ابْنِي) ؟ أَيْ فِي حَقِّهِ (فَقَالَ أَبُوِ هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَقُولُ هَذَا) : أَيْ هَذَا الْقَوْلَ وَهَذَا الْحُكْمَ (إِلَّا أَنِّي) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ لِأَنِّي (كُنْتُ قَاعِدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي وَقَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ) : بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ فَنُونٍ مَفْتُوحَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ (وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ) : أَيْ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَهُ، (مِنْ عَذْبِ الْمَاءِ) : مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، أَيِ الْمَاءِ الْعَذْبِ وَهُوَ الْحُلْوُ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊: " اسْتَهِمَا عَلَيْهِ ". فَقَالَ زَوْجُهَا: مَنْ يُحَاقُّنِي فِي وَلَدِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊: أَيْ لِلْوَلَدِ (هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ) فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ وَالدَّارِمِيُّ (لَكِنَّهُ) : أَيِ النَّسَائِيَّ (ذَكَرَ الْمُسْنَدَ) . أَيْ دُونَ الْمَوْقُوفِ، فَإِنَّ عِبَارَةَ النَّسَائِيِّ هَكَذَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا زِيَادٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ
стр. 4704
نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا فَقَالَ: مَنْ يُقَاسِمُنِي فِي ابْنِي؟ فَقَالَ: (يَا غُلَامُ هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ) فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ» .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَخْرَجَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْأَرْبَعَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ فِيهِ قِصَّةٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ قَبْلَ أَنْ يَرْوِيَ الْحَدِيثَ حَاصِلُهَا، أَنَّهُ خَيَّرَ غُلَامًا فِي وَاقِعَةٍ رُفِعَتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ رَوَى الْحَدِيثَ: وَلَفْظُهُ: «سَمِعْتُ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا قَاعِدٌ عِنْدَهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، وَقَدْ نَفَعَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊: (اسْتَهِمَا عَلَيْهِ) . فَقَالَ زَوْجُهَا: مَنْ يُحَاقُّنِي فِي وَلَدِي، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: (هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ) . فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ» ، فَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ، يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ بِالْمَعْنَى عَلَى عَدَمِ التَّخْيِيرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَجَابَ عَنِ الْحَدِيثِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ﵊ دَعَا أَنْ يُوَفَّقَ لِاخْتِيَارِ الْأَنْظَرِ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الطَّلَاقِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْفَرَائِضِ عِنْدَ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ، فَجَاءَ بِابْنٍ لَهُمَا - ابْنٍ لَهُ - صَغِيرٍ لَمْ يَبْلُغْ، فَأَجْلَسَ النَّبِيُّ ﵊ الْأَبَ هُنَا وَالْأُمَّ هَنَا ثُمَّ خَيَّرَهُ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ اهْدِهِ لِأَبِيهِ) . وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: أَنَّهُ أَسْلَمَ وَأَبَتْ أُمُّهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﵊ فَقَالَتِ: ابْنَتِي وَهِيَ فَطِيمٌ، وَقَالَ رَافِعٌ: ابْنَتِي، فَأَقْعَدَ النَّبِيُّ ﵊ الْأُمَّ نَاحِيَةً وَالْأَبَ نَاحِيَةً وَأَقْعَدَهَا نَاحِيَةً وَقَالَ لَهُمَا: (ادْعُوَاهَا) فَمَالَتِ الصَّبِيَّةُ إِلَى أُمِّهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﵊: (اللَّهُمَّ اهْدِهَا) فَمَالَتْ إِلَى أَبِيهَا فَأَخَذَهَا. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَسَمَّى الْبِنْتَ عُمَيْرَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ أَنَّ أَبَوَيْنِ اخْتَصَمَا فِي وَلَدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحَدُهُمَا كَافِرٌ، فَخَيَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَتَوَجَّهَ إِلَى الْكَافِرِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اهْدِهِ) . فَتَوَجَّهَ إِلَى الْمُسْلِمِ، فَقَضَى لَهُ بِهِ. ثَانِيهِمَا: أَنَّهُ كَانَ بَالِغًا بِدَلِيلِ الِاسْتِقَاءِ مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، وَمَنْ هُوَ دُونَ الْبُلُوغِ لَا يُرْسَلُ إِلَى الْآبَارِ لِلِاسْتِقَاءِ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِ مِنَ السُّقُوطِ فِيهِ لِقِلَّةِ عَقْلِهِ وَتَحَجُّزِهِ عَنْهُ غَالِبًا، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِذَا بَلَغَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالسَّكَنِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَيِّهِمَا أَرَادَ إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ سَفِيهًا مُفْسِدًا، فَحِينَئِذٍ يَضُمُّهُ إِلَى نَفْسِهِ اعْتِبَارًا لِنَفْسِهِ بِمَالِهِ، وَلِهَذَا صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُخَيِّرُوا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قِصَّةِ عُمَرَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَّا مَا أَسْنَدَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ خَيَّرَ ابْنًا فَاخْتَارَ أُمَّهُ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ، فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ مَيْلَ الِابْنِ إِلَى أُمِّهِ، وَهِيَ فِي الْوَاقِعِ أَحَقُّ بِحَضَانَتِهِ، فَأَحَبَّ تَطْيِبَ قَلْبِ الْأَبِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ لِلشَّرْعِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُرَاجِعْ أَبَا بَكْرٍ الْكَلَامَ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ عَدَمَ الْمُرَاجَعَةِ لَيْسَ دَلِيلًا ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ إِمَامًا يَجِبُ نَفَاذُ مَا حَكَمَ بِهِ رَأْيُهُ، وَإِنْ خَالَفَ رَأْيَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَالْوَجْهُ مَا ذَكَرْنَا لِيُوَافِقَ الْمَرْوِيَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ.
стр. 4705
[كِتَابُ الْعِتْقِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٣٨٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊: " «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(١٣) كِتَابُ الْعِتْقِ
فِي الْمُغْرِبِ: الْعِتْقُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَمْلُوكِيَّةِ، يُقَالُ: أُعْتِقَ الْعَبْدُ عِتْقًا وَعَتَاقًا وَعَتَاقَةً وَهُوَ عَتِيقٌ وَأَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ، ثُمَّ جُعِلَ عِبَارَةً عَنِ الْكَرَمِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ كَالْحُرِّيَّةِ فَقِيلَ: فَرَسٌ عَتِيقٌ رَابِعٌ، وَعِتَاقُ الْحَمْلِ وَالطَّيْرِ كَرَائِمُهَا، وَقِيلَ: مَدَارُ التَّرْكِيبِ عَلَى التَّقَدُّمِ، وَمِنْهُ الْعَاتِقُ لِمَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْعُنُقِ لِتَقَدُّمِهِ، وَالْعَتِيقُ وَالْقَدِيمُ. وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَا يَخْفَى مَا فِي الْإِعْتَاقِ مِنَ الْمَحَاسِنِ، فَإِنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ، فَالْعِتْقُ إِزَالَةُ أَثَرِ الْكُفْرِ وَهُوَ إِحْيَاءٌ حُكْمِيٌّ، فَإِنَّ الْكَافِرَ مَيِّتٌ مَعْنًى، فَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِحَيَاتِهِ وَلَمْ يَذُقْ حَلَاوَتَهُ الْعُلْيَا فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ رُوحٌ قَالَ تَعَالَى ﷻ : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أَيْ كَافِرًا فَهَدَيْنَاهُ، ثُمَّ أَثَرُ ذَلِكَ الْكُفْرِ الرِّقُّ الَّذِي هُوَ سَلْبُ أَهْلِيَّتِهِ لِمَا تَأَهَّلَ لَهُ الْعُقَلَاءُ مِنْ ثُبُوتِ الْوِلَايَاتِ عَلَى الْغَيْرِ مِنْ إِنْكَاحِ الْبَنَاتِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ وَالشَّهَادَاتِ، وَامْتِنَاعِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ، كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ
стр. 4706
وَنَحْوِهَا، وَفِي هَذَا كُلِّهِ مِنَ الضَّرَرِ مَا لَا يَخْفَى، فَإِنَّهُ صَارَ بِذَلِكَ مُلْحَقًا بِالْأَمْوَاتِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الصِّفَاتِ، فَكَانَ الْعِتْقُ إِحْيَاءً لَهُ مَعْنًى، وَلِذَا كَانَ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - جَزَاؤُهُ - عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا كَانَ الْعِتْقُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ - الْإِعْتَاقَ مِنْ نَارِ الْجَحِيمِ، كَمَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ سَيِّدِ الْأَخْيَارِ، وَالْعِتْقُ وَالْعَتَاقُ لُغَةً عِبَارَتَانِ عَنِ الْقُوَّةِ، وَمِنْهُ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ عَنْ مِلْكِ أَحَدٍ فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ، وَقِيلَ: لِلْقَدِيمِ عَتِيقٌ لِقُوَّةِ سَبْقِهِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الصِّدِّيقُ عَتِيقًا لِجَمَالِهِ، وَقِيلَ: لِقِدَمِهِ فِي الْخَيْرِ، وَقِيلَ: لِعِتْقِهِ مِنَ النَّارِ، وَقِيلَ: لِشَرَفِهِ، فَإِنَّهُ قُوَّةٌ فِي الْحَسَبِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا ذُكِرَ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْكَرِيمِ بِمَعْنَى الْحَسِيبِ، وَقِيلَ: قَالَتْ أُمُّهُ لَمَّا وَضَعَتْهُ: هَذَا عَتِيقُكَ مِنَ الْمَوْتِ، وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُهُ الْعَلَمُ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ وَصْفِهِ لَهُ الْجَمَالَ أَوْ تَفَاؤُلًا بِالْحَسَبِ الْمُنِيفِ أَوْ بِعَدَمِ الْمَوْتِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعْهُودَاتِ تَرْجِعُ إِلَى زِيَادَةِ قُوَّةٍ فِي مَعَانِيهَا، وَإِذَا كَانَ الْعِتْقُ لُغَةً الْقُوَّةَ فَالْإِعْتَاقُ إِثْبَاتُ الْقُوَّةِ كَمَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: الْعِتْقُ فِي الشَّرْعِ خُلُوصٌ حُكْمِيٌّ يَظْهَرُ فِي الْآدَمِيِّ عَمَّا بَيَّنَاهُ سَابِقًا بِالرِّقِّ، وَلَا يَخْفَى ثُبُوتُ الْقُدْرَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ حُرًّا بَالِغًا مَالِكًا، وَحُكْمُهُ زَوَالُ الرِّقِّ عَنْهُ، وَصِفَتُهُ فِي الِاخْتِيَارِيِّ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ غَالِبًا، وَقَدْ يَكُونُ مَعْصِيَةً، كَمَا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ يَذْهَبُ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ يَرْتَدُّ، أَوْ يُخَافُ مِنْهُ السَّرِقَةُ، أَوْ قَطْعُ الطَّرِيقِ، وَيَنْفُذُ عِتْقُهُ مَعَ تَحْرِيمِهِ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَالْكَفَّارَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا كَالْعِتْقِ لِزَيْدٍ، وَالْقُرْبَةُ مَا يَكُونُ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: إِذَا كَانَ الْعَبْدُ الْكَافِرُ أَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ يَكُونُ عِتْقُهُ أَفْضَلَ مِنْ عِتْقِ الْمُسْلِمِ، لِقَوْلِهِ ﵊: (أَفْضَلُهَا أَغْلَاهَا) بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ، فَبَعِيدٌ عَنِ الصَّوَابِ وَيَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِالْأَغْلَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ تَمْكِينٌ لِلْمُسْلِمِ مِنْ مَقَاصِدِهِ وَتَفْرِيغِهِ، وَالْوَجْهُ الظَّاهِرُ فِي اسْتِحْبَابِ عِتْقِ الْكَافِرِ تَحْصِيلُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا تَفْرِيغُهُ لِلتَّأَمُّلِ فَيُسْلِمُ فَهُوَ احْتِمَالٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٣٨٢ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً) : الرَّقَبَةُ عُضْوٌ خَاصٌّ مِمَّا يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الذَّاتُ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْجُزْءِ وَإِرَادَةِ الْكُلِّ، فِي النِّهَايَةِ: الرَّقَبَةُ فِي الْأَصْلِ الْعِتْقُ، فَجُعِلَتْ كِنَايَةً عَنْ جَمِيعِ ذَاتِ الْإِنْسَانِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِبَعْضِهِ، فَإِذَا قَالَ: أَعْتَقَ رَقَبَةً فَكَأَنَّهُ قَالَ أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، فَالْمَعْنَى مَنْ أَعْتَقَ نَفْسًا مَمْلُوكَةً (مُسْلِمَةً) : وَالتَّقْيِيدُ بِالْإِسْلَامِ لِيَكُونَ ثَوَابُهُ أَكْثَرَ (أَعْتَقَ اللَّهُ) : ذَكَرَ أَعْتَقَ لِلْمُشَاكَلَةِ وَالْمَعْنَى أَنْجَاهُ (بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ) : أَيْ مِنَ الْمُعْتِقِ (عُضْوًا) : أَيْ مِنْهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، وَكَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ وَالسُّيُوطِيُّ أَيْ عُضْوًا كَائِنًا مِنَ الْمُعْتِقِ (مِنَ النَّارِ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَعْتَقَ الثَّانِي أَيْ أَنْقَذَهُ مِنْهَا (حَتَّى فَرْجَهُ) : بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى (عُضْوًا) وَمَا بَعْدَ حَتَّى هُنَا أَدْوَنُ مِمَّا قَبْلَهُ كَقَوْلِهِمْ: حَجَّ النَّاسُ حَتَّى الْمُشَاةُ، أَيْ حَتَّى أَعْتَقَ اللَّهُ فَرْجَهُ (بِفَرْجِهِ) : أَيْ سَوَاءً كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. قَالَ الْأَشْرَفُ ﵀: إِنَّمَا خَصَّ الْفَرْجَ بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُ مَحَلُّ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: مَاتَ النَّاسُ حَتَّى الْكِرَامُ، فَيُفِيدُ قُوَّةً. قَالَ الْمُظْهِرَ: ذِكْرُ الْفَرْجِ تَحْقِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي الْأَعْضَاءِ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذِكْرِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي تَعَلُّقِ الْإِعْتَاقِ بِجَمِيعِ أَعْضَاءِ بَدَنِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ: ( «أَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَجُلًا مُسْلِمًا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ﷻ جَاعِلٌ وِقَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهَا عَظْمًا مِنْ عِظَامِ مُحَرِّرِهِ مِنَ النَّارِ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ﷻ جَاعِلٌ وِقَاءَ كُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهَا عَظْمًا مِنْ عِظَامِ مُحَرِّرِهَا مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ السُّلَمِيِّ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُسْتَحَبُّ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُعْتَقُ خَصِيًّا كَيْلَا يَكُونَ نَاقِصَ الْعُضْوِ، لِيَكُونَ مُعْتِقُهُ قَدْ نَالَ الْمَوْعُودَ فِي عِتْقِ أَعْضَائِهِ كُلِّهَا مِنَ
стр. 4707
النَّارِ، بِإِعْتَاقِهِ إِيَّاهُ مِنَ الرِّقِّ فِي الدُّنْيَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﷺ قَالَ: " «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَءًا مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» ". وَفِي لَفْظٍ: " «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنَ النَّارِ حَتَّى الْفَرْجَ بِالْفَرْجِ» ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي الْأَحْكَامِ، وَالْبَاقُونَ فِي الْعِتْقِ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «أَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ رَجُلًا مُسْلِمًا كَانَ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنَ النَّارِ» ". وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ: " «وَأَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزِئُ مَكَانُ عَظْمَيْنِ مِنْهُمَا عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ» ". وَهَذَا يَسْتَقِلُّ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ مِنِ اسْتِحْبَابِ عِتْقِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ، لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ عِتْقَهُ بِعِتْقِ الْمَرْأَتَيْنِ بِخِلَافِ عِتْقِهِ رَجُلًا اهـ.
لَكِنْ يَبْقَى قَوْلُهُ: وَالْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَعَلَّ مَأْخَذَهُ حَدِيثُ الْفَرْجِ بِالْفَرْجِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: ( «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَءًا مُسْلِمًا فَهُوَ فِكَاكُهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزِئُ بِكُلِّ عَظْمٍ مِنْهُ عَظْمًا مِنْهُ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً فَهِيَ فِكَاكُهَا مِنَ النَّارِ، تُجْزِئُ بِكُلِّ عَظْمٍ مِنْهَا عَظْمًا مِنْهَا، وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ فَهُمَا فِكَاكُهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزِئُ بِكُلِّ عَظْمَيْنِ مِنْهُمَا عَظْمًا مِنْهُ» ) . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ.
стр. 4708
٣٣٨٣ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﵊: «أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ) قَالَ: قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا) . قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: (تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ) . قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: (تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ ; فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ) » . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٣٨٣ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ) أَيْ: أَيُّ أَنْوَاعِهِ مِنْ عَمَلِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ (أَفْضَلُ) أَيْ وَفِي الثَّوَابِ أَكْمَلُ (قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ) ، أَيِ ابْتِدَاؤُهُ لِكَوْنِهِ شَرْطَ صِحَّةِ بَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ، أَوْ تَجْدِيدُهُ سَاعَةً فَسَاعَةً وَبَقَاؤُهُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ (وَجِهَادٌ) : أَيْ مُجَاهَدَةٌ مَعَ الْكُفَّارِ (فِي سَبِيلِهِ) . أَيْ فِي طَرِيقِ دِينِ اللَّهِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ، أَوِ الْمُرَادُ مُطْلَقُ الْجِهَادِ الشَّامِلِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ الْمُسَمَّى بِالْجِهَادِ الْأَكْبَرِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُجَاهَدَةُ مَعَ نَفْسِهِ الَّتِي هِيَ أَعْدَى عَدُوِّهِ، وَ " سُبُلَنَا " شَرْعُهُ الْمُسْتَقِيمُ وَدِينُهُ الْقَوِيمُ مِنِ امْتِثَالِ جَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ وَانْتِهَاءِ جَمِيعِ الْمَنْهِيَّاتِ، فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وَنَظِيرُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: (قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ) (قَالَ) : أَيْ أَبُو ذَرٍّ (فَقُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ) : أَيْ مِنْ جِهَةِ عِتْقِهَا (أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَغْلَاهَا ثَمَنًا) ، بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَيُرْوَى بِالْمُهْمَلَةِ كَذَا فِي التَّنْقِيحِ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀: بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَالنَّسَفِيِّ بِمُعْجَمَةٍ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ اهـ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ، كَمَا رُوِيَ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحَزُّهَا أَيْ: أَشَدُّهَا وَأَقْوَاهَا عَلَى النَّفْسِ. (وَأَنْفَسُهَا) : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ السِّينِ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ لِلنَّفِيسِ أَيْ: أَحَبُّهَا وَأَكْرَمُهَا (عِنْدَ أَهْلِهَا) . أَيْ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ) أَيْ عَجْزًا لَا كَسَلًا قَالَهُ السُّيُوطِيُّ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ فَإِنْ لَمْ أَقْدِرْ عَلَى فِعْلِهِ (قَالَ: (تُعِينُ) : بِالرَّفْعِ فَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ، فَالتَّقْدِيرُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ أَيَّ شَيْءٍ يَقُومُ مَقَامَهُ فَقَالَ: أَنْ تُعِينَ (صَانِعًا) : مِنَ الصَّنْعَةِ أَيْ مَا بِهِ مَعَاشُ الرَّجُلِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْحِرْفَةُ وَالتِّجَارَةُ أَيْ صَانِعًا لَمْ يَتِمَّ كَسْبُهُ لِعِيَالِهِ، أَوْ ضَعِيفًا عَاجِزًا فِي صُنْعِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ ضَائِعًا أَيْ ذَا ضَيَاعٍ مِنَ الضَّيَاعِ أَيْ: إِعَانَةُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَهِّدًا
стр. 4709
بِتَعَهُّدٍ مِنْ فَقْرٍ أَوْ عِيَالٍ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْبُخَارِيِّ: قَوْلُهُ: تُعِينُ ضَائِعًا بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتِيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَضَبْطُ مَنْ قَالَ مِنْ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ رُوِيَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ هِشَامًا إِنَّمَا رَوَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْيَاءِ، وَقَدْ نَسَبَهُ الزُّهْرِيُّ إِلَى التَّصْحِيفِ، وَوَافَقَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ لِمُقَابَلَتِهِ بِالْأَخْرَقِ اهـ.
وَقَوْلُهُ بَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْيَاءِ مَحْمُولَانِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ قَبْلَ الْإِعْلَالِ، إِذْ يَجِبُ قَلْبُهَا هَمْزَةً كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي نَحْوِ: قَائِلٍ وَبَائِعٍ وَعَائِشٍ وَأَمْثَالِهَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّنْقِيحِ: قَوْلُهُ: ضَائِعًا بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ هَكَذَا رِوَايَةُ هِشَامٍ الَّتِي رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ مِنْ جِهَتِهِ، أَيْ: ذَا ضَيَاعٍ مِنْ فَقْرٍ أَوْ عِيَالٍ أَوْ حَالٍ قَصَّرَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا، وَرُوِيَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِنَّهُ الصَّوَابُ لِمُقَابَلَتِهِ الْأَخْرَقَ، وَقَالَ مَعْمَرٌ: كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: صَحَّفَ هِشَامٌ، إِنَّمَا هُوَ الصَّانِعُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (أَوْ تَصْنَعُ) : بِالْإِعْرَابَيْنِ (لِأَخْرَقَ) . أَيْ مَنْ لَيْسَ لَهُ كَسْبٌ مِنْ خَرِقَ كَفَرِحَ خَرَقًا بِالتَّحْرِيكِ جَهِلَ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: " أَخْرَقَ " أَيِ الْجَاهِلِ بِمَا يَعْمَلُهُ أَوْ لَيْسَ فِي يَدِهِ صَنْعَةٌ يَتَكَسَّبُ بِهَا. قَالَ الْقَاضِي: الْأَخْرَقُ هُنَا الَّذِي لَا يُحْسِنُ صَنْعَةً. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: رَجُلٌ أَخْرَقُ لَا صَنْعَةَ لَهُ، وَالْجَمْعُ خُرْقٌ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ. (قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: (تَدَعُ) : بِالضَّبْطَيْنِ أَيْ تَتْرُكُ (النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ) ، أَيْ مِنْ إِيصَالِ الشَّرِّ إِلَيْهِمْ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى تَتْرُكُهُمْ مِنْ أَجْلِ شَرِّهِمْ، (فَإِنَّهَا) : أَيْ تَرْكُ النَّاسِ مِنَ الشَّرِّ (صَدَقَةٌ) ، فَالضَّمِيرُ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ، وَأَنَّثَهُ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْفَعْلَةِ أَوِ الْخَصْلَةِ (تَصَدَّقُ) : أَصْلُهُ تَتَصَدَّقُ (بِهَا) : أَيْ بِهَذِهِ الصَّدَقَةِ (عَلَى نَفْسِكَ) . أَيْ: تَحْفَظُهَا عَمَّا يُرْدِيهَا وَيَعُودُ وَبَالُهُ عَلَيْهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4710
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٣٨٤ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﵊ فَقَالَ: عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ: " لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ وَفُكَّ الرَّقَبَةِ) . قَالَ: أَوَلَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: " لَا ; عِتْقُ النَّسَمَةِ أَنْ تَفَرَّدَ بِعِتْقِهَا. وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا، وَالْمِنْحَةَ الْوَكُوفَ، وَالْفَيْءَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ» ) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٣٨٤ - (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ، صَحَابِيَّانِ (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﵊ فَقَالَ: عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ) . بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِـ " عَمَلًا "، وَجُوِّزَ جَزْمُهُ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَيَجُوزُ إِسْكَانُهُ، وَالْمُرَادُ إِدْخَالُ الْجَنَّةِ ابْتِدَاءً مَعَ النَّاجِينَ قَالَ: (لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ) . اللَّامُ الْأُولَى مُوَطِّأَةٌ لِلْقَسَمِ، وَمَعْنَى الشَّرْطِيَّةِ أَنَّكَ إِنْ أَقْصَرْتَ فِي الْعِبَارَةِ بِأَنْ جِئْتَ بِعِبَارَةٍ قَصِيرَةٍ فَقَدْ أَطْنَبْتَ فِي الطَّلَبِ حَيْثُ مِلْتَ إِلَى مَرْتَبَةٍ كَبِيرَةٍ، أَوْ سَأَلْتَ عَنْ أَمْرٍ ذِي طُولٍ وَعَرْضٍ، إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ وَالْجَوَابُ (أَعْتِقِ النَّسَمَةَ) : بِفَتْحَتَيْنِ وَهِيَ الرُّوحُ أَوِ النَّفْسُ، أَيْ أَعْتِقْ ذَا نَسَمَةٍ (وَفُكَّ) : بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْكَافِ وَيَجُوزُ كَسْرُهُ أَيْ وَأَخْلِصِ (الرَّقَبَةَ) : أَيْ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ، وَفِي الْكَلَامِ تَفَنُّنٌ، وَلِذَا أَظْهَرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ (قَالَ) : أَيِ الْأَعْرَابِيُّ (أَوَلَيْسَا) : أَيِ الْإِعْتَاقُ وَالْفَكُّ (وَاحِدًا) : أَيْ فِي الْمَعْنَى (قَالَ: لَا) : أَيْ بَلْ فَرْقٌ بَيْنَهُمَا (عِتْقُ النَّسَمَةَ) : أَيْ أَعْتِقْهَا فَعَبَّرَ بِحَاصِلِ الْمَصْدَرِ عَنِ الْمَصْدَرِ (أَنْ تَفَرَّدَ) : أَصْلُهُ أَنْ تَتَفَرَّدَ مِنَ
стр. 4711
التَّفَرُّدِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنَ التَّفْرِيدِ، وَفِي أُخْرَى مِنَ الْإِفْرَادِ، وَالْمَعْنَى أَنْ تَنْفَرِدَ وَتَسْتَقِلَّ (بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا) . قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَوَجْهُ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْعِتْقَ إِزَالَةُ الرِّقِّ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْمَالِكِ الَّذِي يُعْتِقُ، وَأَمَّا الْفَكُّ فَهُوَ السَّعْيُ فِي التَّخْلِيصِ، فَيَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَنْ أَدَّى النَّجْمَ عَنِ الْمُكَاتَبِ أَوْ أَعَانَهُ. (وَالْمِنْحَةَ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ هِيَ الْعَطِيَّةُ، وَالْمُرَادُ هُنَا نَاقَةٌ أَوْ شَاةٌ يُعْطِيهَا صَاحِبُهَا لِيُنْتَفَعَ بِلَبَنِهَا وَوَبَرِهَا مَادَامَتْ تَدِرُّ، وَقَوْلُهُ: (الْوَكُوفَ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ صِفَةٌ لَهَا وَهِيَ الْكَثِيرَةُ اللَّبَنِ مِنْ وَكَفَ الْبَيْتُ إِذَا قَطَرَ (وَالْفَيْءَ) : بِالْهَمْزِ فِي آخِرِهِ أَيِ التَّعَطُّفَ وَالرُّجُوعَ بِالْبِرِّ، وَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ فِيهِمَا النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ: وَامْنَحِ الْمِنْحَةَ وَآثِرِ الْفَيْءَ لِيَحْسُنَ الْعَطْفُ عَلَى الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالرَّفْعِ، فَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فَعَلَى الِابْتِدَاءِ. وَالتَّقْدِيرُ: وَمِمَّا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ الْمِنْحَةُ وَالْفَيْءُ (عَلَى ذِي الرَّحِمِ) : أَيْ عَلَى الْقَرِيبِ (الظَّالِمِ) ، أَيْ عَلَيْكَ بِقَطْعِ الصِّلَةِ وَغَيْرِهِ (فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ) : أَيْ مَا ذُكِرَ (فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ وَاسْقِ) : بِهَمْزِ وَصْلٍ أَوْ قَطْعٍ وَهُوَ أَنْسَبُ هُنَا (الظَّمْآنَ) : أَيِ الْعَطْشَانَ (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) ، أَيِ اجْمَعْ بَيْنَ الْإِحْسَانِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ (فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ) : أَيْ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ، أَوْ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، أَوْ مِنَ الْأَمْرِ الْأَخِيرِ وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ (فَكُفَّ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهُ وَكَسْرُهُ أَيْ: فَامْنَعْ لِسَانَكَ (إِلَّا مِنْ خَيْرٍ) . وَنَظِيرُهُ حَدِيثُ: ( «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» ) . قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْخَيْرِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ، فَالْمُبَاحُ لَيْسَ بِخَيْرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ هُنَا مَا يُقَابِلُ الشَّرَّ فَيَشْمَلُ الْمُبَاحَ، وَإِلَّا فَلَا يَسْتَقِيمُ الْحَصْرُ أَوْ يَنْقَلِبُ الْمُبَاحُ مَنْدُوبًا، وَهَذَا فَذْلَكَةُ الْحَدِيثِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ أَيْ حَالُهُ أَوْ زَمَانُهُ، كَمَا هُوَ فِي عَصْرِنَا، وَلِذَا قِيلَ: وَقَتُنَا وَقْتُ السُّكُوتِ، وَلُزُومِ الْبُيُوتِ، وَالْقَنَاعَةِ بِالْقُوتِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
стр. 4712
٣٣٨٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: ( «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِيُذْكَرَ اللَّهُ فِيهِ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَعْتَقَ نَفْسًا مُسْلِمَةً كَانَتْ فِدْيَتَهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٣٣٨٥ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ) : بِفَتَحَاتٍ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: كُنْيَتُهُ أَبُو نَجِيحٍ السُّلَمِيُّ، قِيلَ: كَانَ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا) : أَيْ مَوْضِعًا يُصَلَّى فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا (لِيُذْكَرَ اللَّهُ فِيهِ) ، أَيْ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ (بُنِيَ لَهُ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (بَيْتٌ) : أَيْ قَصْرٌ عَظِيمٌ (فِي الْجَنَّةِ) . فَالْمُضَاعَفَةُ فِي الْكَيْفِيَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ فِي الْكَمِّيَّةِ أَيْضًا بِأَنْ بُنِيَ فِيهَا بَيْتٌ كَبِيرٌ أَضْعَافَ قَدْرِ مِسَاحَةِ مَسْجِدِهِ (وَمَنْ أَعْتَقَ نَفْسًا مُسْلِمَةً، كَانَتْ) : أَيْ هِيَ (فِدْيَتَهُ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ فِدَاءَهُ وَفِكَاكَهُ (مِنْ جَهَنَّمَ وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً) : أَيِ ابْيَضَّ فِي لِحْيَتِهِ أَوْ بَدَنِهِ شَعَرَةٌ بَيْضَاءُ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، أَيْ فِي الْغَزْوِ أَوِ الْحَجِّ أَوْ طَلَبِ الْعِلْمِ. أَوْ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ. (كَانَتْ) : أَيْ صَارَتْ شَيْبَتُهُ (لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : أَيْ يَتَخَلَّصُ مِنْ ظُلُمَاتِهِ (رَوَاهُ) :
стр. 4713
أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ فِي: (شَرْحِ السُّنَّةِ) . أَيْ: بِإِسْنَادِهِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَعْنِي صَاحِبَ الْمِشْكَاةِ مَا وَجَدَ الْحَدِيثَ فِي غَيْرِ شَرْحِ السُّنَّةِ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْحَدِيثَ بِمَجْمُوعِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، وَإِلَّا فَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ مُفَرَّقًا، فَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: ( «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» ) . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. عَنْ عَلِيٍّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُثْمَانَ، وَلَفْظُهُ: ( «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ» ) .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ( «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمِفْحَصِ قَطَاةٍ لِبَيْضِهَا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» ) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: ( «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ أَوْسَعَ مِنْهُ» ) . وَرَوَاهُ فِي الْأَوْسَطِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «مَنْ بَنَى لِلَّهِ بَيْتًا يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ» ) . وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي مِنَ الْحَدِيثِ، فَنَظَائِرُهُ تَقَدَّمَتْ أَوَّلَ الْبَابِ، وَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَخِيرُ فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ: ( «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِلَفْظِ: ( «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا مَا لَمْ يُغَيِّرْهَا» ) .
стр. 4714
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٣٨٦ - عَنِ الْغَرِيفِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، قَالَ: أَتَيْنَا وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ ﵁ فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا حَدِيثًا لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ، فَغَضِبَ وَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَقْرَأُ وَمُصْحَفُهُ مُعَلَّقٌ فِي بَيْتِهِ فَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ. فَقُلْنَا: إِنَّمَا أَرَدْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﵊. فَقَالَ: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﵊ فِي صَاحِبٍ لَنَا أَوْجَبَ يَعْنِي: النَّارَ بِالْقَتْلِ. فَقَالَ: (أَعْتِقُوا عَنْهُ يُعْتِقِ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٣٨٦ - (عَنِ الْغَرِيفِ) : بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِكَسْرِ الرَّاءِ فَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَفَاءٍ (الدَّيْلَمِيِّ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ. قَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ: الْغَرِيفُ هَذَا لَقَبٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَفِي التَّقْرِيبِ: الْغَرِيفُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ابْنُ عَيَّاشٍ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَمُعْجَمَةٍ ابْنِ فَيْرُوزٍ الدَّيْلَمِيُّ، وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ، مَقْبُولٌ مِنَ الْخَامِسَةِ، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ: هُوَ الْغَرِيفُ ابْنُ عَيَّاشٍ الدَّيْلَمِيُّ، وَكَذَا الْمُصَنَّفُ فِي أَسْمَاءِ التَّابِعِينَ. (قَالَ: أَتَيْنَا وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ) كَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَيُقَالُ: إِنَّهُ خَدَمَ النَّبِيَّ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ (فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا) : بِصِيغَةِ الْأَمْرِ (حَدِيثًا لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ) ، بِزِيَادَةِ (لَا) لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ (فَغَضِبَ) : أَيْ تَغَيَّرَ وَظَهَرَ عَلَيْهِ أَثَارُ الْغَضَبِ (وَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَقْرَأُ) : أَيِ الْقُرْآنَ لَيْلًا وَنَهَارًا لَا يَغِيبُ عَنْهُ سَاعَةً (وَمُصْحَفُهُ مُعَلَّقٌ فِي بَيْتِهِ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تُفِيدُ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى مُرَاجَعَتِهِ إِلَيْهِ عِنْدَ وُقُوعِ التَّرَدُّدِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ مَا سَبَقَ (فَيَزِيدُ) : أَيْ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ يَزِيدُ (وَيَنْقُصُ) . أَيْ فِي قِرَاءَتِهِ سَهْوًا وَغَلَطًا، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فِيهِ مُبَالَغَةٌ، لَا أَنَّهُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فِي الْمَقْرُوءِ، وَفِيهِ جَوَازُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى وَنُقْصَانِ الْأَلْفَاظِ وَزِيَادَتِهَا مَعَ رِعَايَةِ الْمَعْنَى وَالْمَقْصِدِ مِنْهُ (فَقُلْنَا: إِنَّمَا أَرَدْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ) : أَيْ مَا أَرَدْنَا بِقَوْلِنَا حَدِيثًا لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ مَا عَنَيْتَ بِهِ مِنِ اتِّقَاءِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِي الْأَلْفَاظِ، وَإِنَّمَا أَرَدْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ. (مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ) . يَعْنُونَ، وَحَدِيثُهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ أَوْ يَنْقُصَهُ عَمْدًا، أَوْ لَا زِيَادَةَ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَا نُقْصَانَ فِي حُكْمِهِ أَبَدًا، (فَقَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﵊ فِي صَاحِبٍ) : أَيْ جِئْنَاهُ فِي شَأْنِ صَاحِبٍ (لَنَا) : مِنْ شَفَاعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (أَوْجَبَ) : أَيْ مِنْ وَصْفِهِ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ لَوْلَا الْغُفْرَانُ (يَعْنِي) : هَذَا كَلَامُ الْغَرِيفِ، يُرِيدُ أَنْ وَاثِلَةَ يُرِيدُ بِالْمَفْعُولِ الْمَحْذُوفِ فِي أَوْجَبَ (النَّارَ) : وَقَوْلُهُ (بِالْقَتْلِ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَوْجَبَ مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ وَاثِلَةَ، فَجُمْلَةُ (يَعْنِي النَّارَ) مُعْتَرِضَةٌ لِلْبَيَانِ، وَلَوْ قَالَ الرَّاوِي: أَوْجَبَ بِالْقَتْلِ يَعْنِي النَّارَ لَكَانَ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى، (فَقَالَ: (أَعْتِقُوا) : أَيْ: يَا أَقَارِبَ الْقَاتِلِ أَوْ أَصْحَابَهُ أَوِ الْخِطَابُ لِلْقَاتِلِ، وَجُمِعَ تَغْلِيبًا أَوْ تَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ فِي مِثْلِ فِعْلِهِ (عَنْهُ) : أَيْ عَنْ قَتْلِهِ وَعِوَضِهِ (يُعْتِقِ اللَّهُ) : بِالْجَزْمِ
стр. 4715
مَكْسُورٌ فِي الْوَصْلِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ اسْتِئْنَافًا (بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ) : أَيْ مِنَ الْعَتِيقِ (عُضْوًا مِنْهُ) ، أَيْ: مِنَ الْقَاتِلِ (مِنَ النَّارِ) . مُتَعَلِّقٌ بِيُعْتِقْ، وَلَعَلَّ الْمَقْتُولَ كَانَ مِنَ الْمُعَاهَدِينَ وَقَدْ قَتَلَهُ خَطَأً، وَظَنُّوا أَنَّ الْخَطَأَ مُوجِبٌ لِلنَّارِ لِمَا فِيهِ مِنْ نَوْعِ تَقْصِيرٍ حَيْثُ لَمْ يَذْهَبْ طَرِيقَ الْحَزْمِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 4716
٣٣٨٧ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الشَّفَاعَةُ، بِهَا تُفَكُّ الرَّقَبَةُ» ) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
٣٣٨٧ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ) : بِضَمَّتَيْنِ وَبِفَتْحِ الدَّالِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الشَّفَاعَةُ، بِهَا تُفَكُّ الرَّقَبَةُ) . أَيْ تُخَلِّصُهَا مِنَ الْعِتْقِ أَوْ مِنَ الْأَسْرِ أَوْ مِنَ الْحَبْسِ، وَهُوَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ اسْتِئْنَافٌ، وَبِهَا مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلَيْهِ، وَفِي نُسْخَةٍ الَّتِي بِهَا تُفَكُّ الرَّقَبَةُ عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ لِلشَّفَاعَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَلَوْ رُوِيَ شَفَاعَةٌ نَكِرَةً كَانَ صِفَةً لَهُ، وَلَوْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ جِنْسٌ عَلَى مِنْوَالِ قَوْلِهِمْ.
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي لِبُعْدِ الْمَرْمَى، وَلَوْ قِيلَ: إِنَّهُ حَالٌ كَانَ أَبْعَدَ، وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِفَكِّ الرَّقَبَةِ خَلَاصُ الرَّجُلِ مِنْ شِدَّةِ الْعَذَابِ بِسَبَبِ الشَّفَاعَةِ، عَلَى أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةً كَأَنَّهُ قِيلَ: أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الشَّفَاعَةُ، قِيلَ: لِمَاذَا؟ أُجِيبَ: بِهَا يَتَخَلَّصُ الْإِنْسَانُ مِنَ الشِّدَّةِ. الْتَأَمَ الْكَلَامُ وَصَحَّ الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] لَكِنْ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ، عَنْ سَمُرَةَ: ( «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الشَّفَاعَةُ تَفُكُّ بِهَا الْأَسِيرَ، وَتَحْقِنُ بِهَا الدَّمَ، وَتَجُرُّ بِهَا الْمَعْرُوفَ وَالْإِحْسَانَ إِلَى أَخِيكَ، وَتَدْفَعُ عَنْهُ الْكَرِيهَةَ» ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْخِطَابِ فِي الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ.
стр. 4717
[بَابُ إِعْتَاقِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَشِرَاءِ الْقَرِيبِ وَالْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٣٨٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊: ( «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(١) بَابُ إِعْتَاقِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَشِرَاءِ الْقَرِيبِ وَالْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٣٨٨ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊: (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ حِصَّةً وَنَصِيبًا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ (لَهُ فِي عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ) : أَيْ لِلْمُعْتِقِ (مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ) : أَيْ: قِيمَةً بَاقِيَةً. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْمُعْتَبَرُ يَسَارُ التَّيْسِيرِ، وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ مِنَ الْمَالِ قَدْرَ قِيمَةِ نَصِيبِ السَّاكِتِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ: يُسْتَثْنَى الْكَفَافُ، وَكَذَا الْمَنْزِلُ وَالْخَادِمُ وَثِيَابُ الْبَدَنِ لِابْتِسَارِ الْغَنِيِّ الْمَحْرَمِ لِلصَّدَقَةِ، كَمَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ ; لِأَنَّ يَسَارَ التَّيْسِيرِ يَعْدِلُ النَّظَرَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ جَانِبِ الْمُعْتِقِ، وَجَانِبِ الْمُعْتَقِ
стр. 4718
جَانِبُ السَّاكِتِ ; لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُعْتِقِ الْقُرْبَةُ وَتَتْمِيمُهَا بِضَمَانِهِ، وَمَقْصُودَ السَّاكِتِ بَدَلَ حِصَّتِهِ، وَتَحْقِيقُهَا بِالضَّمَانِ أَسْرَعُ مِنَ الِاسْتِسْعَاءِ، فَكَانَ اعْتِبَارُ نِصَابِ التَّيْسِيرِ أَسْرَعَ فِي تَحَقُّقِ مَقْصُودِهِ فَوَجَبَ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ تَعْلِيلٌ لِلنَّصِّ، وَإِلَّا فَصَرِيحُ النَّصِّ أَوْجَبَ الضَّمَانَ عِنْدَ مُجَرَّدِ مِلْكِ الْقِيمَةِ لِلْحِصَّةِ، لِأَنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ) بِاتِّفَاقِ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَيْهِ، (قُوِّمَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ) : أَيْ بَاقِي الْعَبْدِ أَوْ كُلُّهُ، وَوُضِعَ الْمُظْهَرُ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ جَمِيعًا (قِيمَةَ عَدْلٍ) : أَيْ: تَقْوِيمَ عَدْلٍ مِنَ الْمُقَوِّمِينَ أَوِ الْمُرَادُ قِيمَةُ وَسَطٍ (فَأُعْطِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (شُرَكَاؤُهُ) : مَرْفُوعٌ عَلَى نِيَابَةِ الْفَاعِلِ (حِصَصَهُمْ) : مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ جَمْعٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَعَتَقَ) : بِالْفَتْحِ (عَلَيْهِ الْعَبْدُ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (وَإِلَّا) : أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ذَلِكَ الثَّمَنَ (فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ عَنْهُ (مَا عَتَقَ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَهُوَ مُوسِرٌ بِقِيمَةِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ يُعْتَقُ كُلُّهُ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ وَلَا يَتَوَقَّفُ إِلَى أَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَلَا عَلَى اسْتِسْعَاءٍ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ كُلُّهُ لِلْمُعْتِقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَدَاءِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْتَقْ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَمَا وَجَبَتِ الْقِيمَةُ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى تَقْدِيرِ انْتِقَالٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ إِتْلَافٍ وَلَمْ يُوجَدِ الْأَخِيرَانِ فَيَتَعَيَّنُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُهُ وَنَصِيبُ الشَّرِيكِ رَقِيقٌ لَا يُكَلَّفُ إِعْتَاقَهُ وَلَا يُسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي فَكِّهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ إِذَا كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَةِ بَاقِيهِ سَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّرِيكُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا وَلَا خِيَارَ لِلشَّرِيكِ فِي هَذَا وَلَا لِلْعَبْدِ وَلَا لِلْمُعْتِقِ، بَلْ يَنْفُذُ الْحُكْمُ وَإِنْ كَرِهُوهُ كُلُّهُمْ مُرَاعَاةً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحُرِّيَّةِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، وَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عَتَقَ أَيْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا فَشَرِيكُهُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مُنْجَزًا أَوْ مُضَافًا إِلَى مُدَّةِ الِاسْتِسْعَاءِ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ فِيهَا أَوْ ضَمِنَ الْمُعْتَقُ مُوسِرًا قِيمَةَ حَظِّهِ لَا مُعْسِرًا، وَالْوَلَاءُ لَهُمَا إِنْ أَعْتَقَهُ أَوِ اسْتَسْعَاهُ، وَلِلْمُعْتِقِ إِنْ ضَمِنَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا فَالسِّعَايَةُ فَقَطْ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ، وَقَالَا: لَيْسَ لِلسَّاكِتِ إِلَّا الضَّمَانُ مَعَ الْيَسَارِ وَالسِّعَايَةُ مَعَ الْإِعْسَارِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ إِذَا ضَمِنَ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ.
قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُبْتَنَى عَلَى حَرْفَيْنِ. أَحَدُهُمَا: تَجَزُّءُ الْإِعْتَاقِ عِنْدَهُ، وَعَدَمُهُ عِنْدَهُمَا، فَيَسْعَى وَهُوَ حُرٌّ مَدْيُونٌ، وَالثَّانِي: أَنَّ يَسَارَ الْمُعْتَقِ لَا يَمْنَعُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا يَمْنَعُ، لَهُمَا فِيهِ أَنَّ جَمِيعَ النُّصُوصِ الَّتِي ظَاهِرُهَا تَجَزُّءُ الْإِعْتَاقِ كَقَوْلِهِ: (فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) وَحَدِيثِ (فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ) وَقَوْلِهِ: (مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ، ثُمَّ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا) فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَكَذَا مَا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسْلِمٍ (مَنْ أَعْتَقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ فَيُعْتَقَ) وَالَّتِي ظَاهِرُهَا عَدَمُ تَجَزُّئِهِ كَحَدِيثِ ابْنِ الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ غُلَامٍ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵊ فَقَالَ: (لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ، وَأَجَازَ عِتْقَهُ) ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ رَزِينٌ (فِي مَالِهِ) ، وَفِي لَفْظٍ: (هُوَ حُرٌّ كُلُّهُ لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ) . وَحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: (مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ أَوْ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ الْعَدْلِ فَهُوَ عَتِيقٌ) كُلُّهَا تُفِيدُ أَنَّ حُكْمَ السَّاكِتِ عِنْدَ يَسَارِهِ التَّضْمِينُ لَيْسَ غَيْرُهُ، وَلِذَا اخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ قَوْلَهُمَا: وَوُجِّهَ أَنَّهُ قَسَمَ فَجَعَلَ الْحُكْمَ عِنْدَ يَسَارِهِ تَضْمِينَهُ، وَعِنْدَ إِعْسَارِهِ الِاسْتِسْعَاءَ، وَفِي الْكَافِي: جَعَلَ فَائِدَةَ الْقِسْمَةِ نَفْيَ الضَّمَانِ لَوْ كَانَ فَقِيرًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ كَمَا تُفِيدُ نَفْيَ الضَّمَانِ لَوْ كَانَ فَقِيرًا تُفِيدُ نَفْيَ الِاسْتِسْعَاءِ لَوْ كَانَ مُوسِرًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.
стр. 4719
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْحَدِيثُ أَفَادَ تَصَوُّرَ عِتْقِ الْبَعْضِ فَقَطْ، يَعْنِي: وَهُوَ دَلِيلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَالَ: وَفِي رِوَايَةٍ: (وَرَقَّ مِنْهُ مَا رَقَّ) ، وَلَكِنْ قَالَ أَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ: هِيَ ضَعِيفَةٌ مَكْذُوبَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُ أَيُّوبَ: لَا نَدْرِي أَشَيْءٌ قَالَهُ نَافِعٌ أَوْ هُوَ شَيْءٌ فِي الْحَدِيثِ؟ فَلَا يَضُرُّ إِذِ الظَّاهِرُ بَلِ الْوَاجِبُ أَنَّهُ مِنْهُ إِذْ لَا يَجُوزُ إِدْرَاجُ مِثْلِ هَذَا مِنْ غَيْرِ نَصٍّ قَاطِعٍ فِي إِفَادَةِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : " «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا فِي مَمْلُوكِهِ فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ مَالُهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» ". أَيْ لَا يُغَلِي عَلَيْهِ الثَّمَنَ أَفَادَ عَدَمَ سَرَايَةِ الْعِتْقِ إِلَى الْكُلِّ بِمُجَرَّدِ عِتْقِ الْبَعْضِ، وَإِلَّا لَكَانَ قَدْ خَلُصَ قَبْلَ تَخْلِيصِ الْمُعْتِقِ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ لَهُمَا أَيْ لِصَاحِبَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي مَمْلُوكِهِ أَوْ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ عَدْلٍ فَهُوَ عِتْقٌ» ". وَفِي لَفْظٍ: فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ؟ فَإِنَّمَا يَقْتَضِي عِتْقَ كُلِّهِ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَتَهُ، وَلَيْسَ مُدَّعَاهُمَا ذَلِكَ، بَلْ إِنَّهُ يُعْتَقُ كُلُّهُ بِمُجَرَّدِ إِعْتَاقِ بَعْضِهِ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ لَا. فَقَدْ أَفَادَتِ الْأَحَادِيثُ أَنَّ الْعِتْقَ مِمَّا يَقْتَصِرُ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ السِّرَايَةِ، وَإِنْ وَرَدَتْ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَقَ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا لَا يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ كَانَ إِعْتَاقُ الْبَعْضِ إِعْتَاقَ الْكُلِّ لَضَمِنَ مُطْلَقًا، كَمَا إِذَا أَتْلَفَهُ بِالسَّيْفِ أَوْ بِالشَّهَادَةِ بِهِ لِإِنْسَانٍ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَحَيْثُ ثَبَتَ الِاقْتِصَارُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعِتْقِ فِي قَوْلِهِ: (فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) زَوَالَ الْمِلْكِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ بِخِلَافِ مَا قِيلَ: إِنَّ قَوْلَ عُمَرَ قَوْلُهُمَا، فَقَدْ أَسْنَدَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ لَنَا غُلَامٌ شَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ، فَأَبْلَى فِيهَا وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ أُمِّي وَأَخِي الْأَسْوَدِ، فَأَرَادُوا عِتْقَهُ، وَكُنْتُ يَوْمَئِذٍ صَغِيرًا، فَذَكَرَ الْأَسْوَدُ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ: أَعْتِقُوا أَنْتُمْ، فَإِذَا بَلَغَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَرَغِبَ فِيمَا رَغِبْتُمْ أَعْتَقَ، وَإِلَّا فَضَمِنَكُمْ أَثْبَتَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْإِعْتَاقَ بَعْدَ بُلُوغِهِ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ فِي الْعَبْدِ إِعْتَاقُهُمَا.
стр. 4720
٣٣٨٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا فِي عَبْدٍ أُعْتِقَ كُلُّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٣٨٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ: نَصِيبًا (فِي عَبْدٍ) وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ عَبْدٍ (أُعْتِقَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ: الْعَبْدُ (كُلُّهُ) : أَيْ عَلَى الْمُعْتِقِ (إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ) : أَيْ: يَبْلُغُ قِيمَةَ بَاقِيهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يَسْتَسْعِيهِ فِي غَيْرِ مَا أَعْتَقَهُ (غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ) : بِنَصْبِ (غَيْرَ) عَلَى أَنَّهُ حَالٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: مَعْنَى الِاسْتِسْعَاءِ أَنَّ الْعَبْدَ يُكَلَّفُ بِالِاكْتِسَابِ وَالطَّلَبِ حَتَّى يُحَصِّلَ قِيمَةَ نَصِيبِ الشَّرِيكِ الْآخَرِ، فَإِذَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ عَتَقَ، كَذَا فَسَّرَهُ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَهُ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ بِقَدْرِ مَا لَهُ فِيهِ مِنَ الرِّقِّ، فَعَلَى هَذَا تَتَّفِقُ الْأَحَادِيثُ، وَمَعْنَى (غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ) . أَيْ لَا يُكَلَّفُ بِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ لَا يَسْتَغْلِي عَلَيْهِ فِي الثَّمَنِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀: فِي ذِكْرِ الِاسْتِسْعَاءِ هُنَا خِلَافٌ بَيْنَ الرُّوَاةِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ وَهِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ، وَهُمَا أَثْبَتُ مِمَّنْ لَمْ يَذْكُرَا فِيهِ الِاسْتِسْعَاءَ، وَوَافَقَهُمَا هَمَّامٌ، فَفَصَلَ الِاسْتِسْعَاءَ عَنِ الْحَدِيثِ، فَجَعَلَهُ مِنْ رَأْيِ قَتَادَةَ قَالَ: وَعَلَى هَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيَّ يَقُولُ: مَا أَحْسَنَ مَا رَوَاهُ هَمَّامٌ وَضَبَطَهُ، فَفَصَلَ قَوْلَ قَتَادَةَ عَنِ الْحَدِيثِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: إِسْقَاطُ السِّعَايَةِ مِنَ الْحَدِيثِ أَوْلَى مِنْ ذِكْرِهَا، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الَّذِينَ لَمْ يَذْكُرُوا السِّعَايَةَ أَثْبَتُ مِمَّنْ ذَكَرَهَا. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى بَعْضَ عَبْدٍ عَتَقَ ذَلِكَ الْقَدْرُ، وَيَسْعَى فِي بَقِيَّةِ قِيمَتِهِ لِمَوْلَاهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي الْحَالِ، وَالِاسْتِسْعَاءُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ فَيَأْخُذَ نِصْفَ قِيمَتِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ، ذَكَرَهُ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ، وَسَيَجِيءُ أَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ السِّعَايَةِ فَعَلَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهُ عَمَلٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِسْعَاءِ غَيْرُ هَذَا، وَإِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ، فَتَكُونُ الْإِجَارَةُ تَنْفُذُ عَلَيْهِ جَبْرًا، وَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا إِذَا عَيَّنَ مِقْدَارًا كَرُبُعِكَ حُرٌّ وَنَحْوِهِ،
стр. 4721
فَلَوْ قَالَ: بَعْضُكَ حُرٌّ أَوْ جُزْءٌ مِنْكَ أَوْ شِقْصُكَ أُمِرَ بِالْبَيَانِ، وَقَالَا: يُعْتَقُ كُلُّهُ إِذِ الْعِتْقُ عِنْدَهُمَا لَا يَتَجَزَّأُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀، فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَوْلَى وَاحِدًا، أَوْ كَانَ الشَّرِيكُ وَالْمُعْتِقُ مُوسِرَيْنِ، أَمَّا إِذَا كَانَ لِشَرِيكَيْنِ وَالْمُعْتِقُ مُعْسِرٌ فَيَبْقَى مِلْكُ السَّاكِتِ كَمَا كَانَ حَتَّى جَازَ لَهُ بَيْعُهُ عِنْدَهُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ: أَنَّ السَّاكِتَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ وَلَا سِعَايَةَ أَصْلًا، وَسَبَبُ هَذَا الْقَوْلِ إِعْلَالُهُمْ لَفْظَ السِّعَايَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّسَائِيُّ: أَثْبَتُ أَصْحَابِ قَتَادَةَ شُعْبَةُ وَهِشَامٌ عَلَى خِلَافِ سَعْدِ بْنِ أَبِي عُرْوَةَ، يَعْنِي فِي ذِكْرِ السِّعَايَةِ. قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ هَمَّامًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، فَجَعَلَ الْكَلَامَ الْأَخِيرَ: (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ) مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: أَحَادِيثُ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ كَتَبَهَا إِمْلَاءً، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيَّ يَقُولُ: مَا أَحْسَنَ مَا رَوَاهُ هَمَّامٌ وَضَبَطَهُ، وَفَصَلَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﵊ عَنْ قَوْلِ قَتَادَةَ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي عُرْوَةَ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ قَتَادَةَ، وَجَعَلَ الِاسْتِسْعَاءَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﵊ وَأَحْسَبُهُمَا وَهِمَا فِيهِ كَمُخَالَفَةِ شُعْبَةَ وَهِشَامٍ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَاضْطَرَبَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ فِي السِّعَايَةِ فَمَرَّةً يَذْكُرُهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مَتْنِ الْحَدِيثِ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي السِّتَّةِ عَنْهُ ﵊ يَعْنِي الْحَدِيثَ أَوَّلَ الْبَابِ.
قَالَ صَاحِبُ تَنْقِيحِ التَّحْقِيقِ: فِيمَا قَالُوهُ نَظَرٌ، فَإِنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ مِنَ الْأَثْبَاتِ عَنْ قَتَادَةَ، وَلَيْسَ بِدُونِ هَمَّامٍ عَنْهُ، وَقَدْ تَابَعَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى ذِكْرِ الِاسْتِسْعَاءِ، وَرَفْعِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﵊ وَهُوَ جَرِيرُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ، وَيَحْيَى بْنُ صُبَيْحٍ الْخُرَاسَانِيُّ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَحَسْبُكَ بِذَيْنِكَ بِرَفْعِهِمَا الِاسْتِسْعَاءَ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ أُخَرُ ضَعِيفَةٌ مِثْلُ: إِنَّهُ لَا يُعْتَقُ شَيْءٌ أَصْلًا وَلَوْ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ، لِأَنَّهُ لَا يَعْتِقُ الْبَاقِيَ، وَيَسْتَمِرُّ عَلَى مَمْلُوكِيَّتِهِ وَأَنَّ لَهُ التَّضْمِينَ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ زُفَرَ، وَبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ، وَأَنْ يُعْتَقَ الْبَاقِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ النَّافِينَ: رِوَايَةُ صِحَّةِ الِاسْتِسْعَاءِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهَا أَنَّهُ يُسْتَسْعَى إِنِ اخْتَارَ ذَلِكَ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ.
стр. 4722
٣٣٩٠ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُ وَذَكَرَ (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أُصَلِّيَ عَلَيْهِ) بَدَلَ (وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا) .
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ: (لَوْ شَهِدْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ لَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ) .
ــ
٣٣٩٠ - (وَعَنْ عِمْرَانَ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (ابْنِ حُصَيْنٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ) : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ (فَدَعَا بِهِمْ) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ طَلَبَهُمْ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ) : بِتَشْدِيدِ الزَّايِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّخْفِيفِ. قَالَ النَّوَوِيُّ يَرْحَمُهُ اللَّهُ: بِتَشْدِيدِ الزَّايِ وَتَخْفِيفِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ السِّكِّيتُ وَغَيْرُهُ أَيْ فَقَسَمَهُمْ (أَثْلَاثًا) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: ثَلَاثًا مَصْدَرٌ أَيْ: مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ: ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ الْمُنْجَزَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ كَالْمُعَلَّقِ بِالْمَوْتِ فِي الِاعْتِبَارِ مِنَ الثُّلُثِ، وَكَذَلِكَ التَّبَرُّعُ الْمُنْجَزُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ (ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ) : أَيْ: بَيْنَ الْأَثْلَاثِ أَوْ بَيْنَ الْمَمْلُوكِينَ السِّتَّةِ. (فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً) : أَيْ: أَبْقَى حُكْمَ الرِّقِّ عَلَى الْأَرْبَعَةِ. قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَهَذَا ; لِأَنَّ أَكْثَرَ عَبِيدِهِمُ الزُّنُوجُ وَهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي الْقِيمَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: يُعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ قِسْطَهُ وَيَسْعَى فِي الْبَاقِي، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَشُرَيْحٌ الْبَصْرِيُّ. (وَقَالَ لَهُ) : أَيْ: فِي شَأْنِهِ (قَوْلًا شَدِيدًا) : أَيْ: كَرَاهِيَةً لِفِعْلِهِ وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ
стр. 4723
النَّسَائِيُّ) : وَفِي نُسْخَةٍ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ (عَنْهُ) : أَيْ: عَنْ عِمْرَانَ وَذَكَرَ: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أُصَلِّيَ عَلَيْهِ) بَدَلَ: (وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا) . قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَحْدَهُ كَانَ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ تَشْدِيدًا وَتَغْلِيظًا وَزَجْرًا لِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُلَائِمُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: وَقَالَ: لَوْ شَهِدْتُهُ) : أَيْ: حَضَرْتُهُ (قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ لَمْ يُدْفَنْ) : أَيْ: وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ لَمْ يُقْبَرْ (فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ) فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الزَّجْرِ الشَّدِيدِ وَالتَّهْدِيدِ الْأَكِيدِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْهَمِّ عَدَمُ الْفِعْلِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 4724
٣٣٩١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٣٩١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (وَلَا يَجْزِي) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْيَاءِ فِي آخِرِهِ أَيْ: لَا يُكَافِئُ (وَلَدٌ وَالِدَهُ) : أَيْ: إِحْسَانَ وَالِدِهِ (إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ) : أَيْ: يُصَادِفَهُ (مَمْلُوكًا) : مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي (يَجِدَهُ) (فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ) : بِالنَّصْبِ فِيهِمَا: قَالَ الْقَاضِي ﵀: ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّ الْأَبَ لَا يُعْتَقُ عَلَى وَلَدِهِ إِذَا تَمَلَّكَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ تَرْتِيبُ الْإِعْتَاقِ عَلَى الشِّرَاءِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَقُ بِمُجَرَّدِ التَّمَلُّكِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْشِئَ فِيهِ عِتْقًا، وَأَنَّ قَوْلَهُ: (فَيُعْتِقَهُ) مَعْنَاهُ: فَيُعْتِقُهُ بِالشِّرَاءِ لَا بِإِنْشَاءِ عِتْقٍ، وَالتَّرْتِيبُ بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ دُونَ الْإِنْشَاءِ.
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَالُوا إِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ أَحَدًا مِنْ آبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ أَوْ أَحَدًا مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ أَوْ مَلَكَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْشِئَ فِيهِ عِتْقًا. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي حَدِيثُ: ( «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ» ) قَالَ الْمُظْهِرَ: فَعَلَى هَذَا الْفَاءُ فِي (فَيُعْتِقَهُ) لِلسَّبَبِيَّةِ يَعْنِي فَيُعْتِقَهُ بِسَبَبِ شِرَائِهِ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى قَوْلِهِ: أَعْتَقْتُكَ بَعْدَ الشِّرَاءِ بَلْ عَتَقَ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِسَبَبِ الشِّرَاءِ يَجْعَلُ الْفَاءَ فِي (فَيُعْتِقَهُ) لِلتَّعْقِيبِ لَا لِلسَّبَبِيَّةِ، وَإِذَا صَحَّ الشِّرَاءُ ثَبَتَ الْمِلْكُ وَالْمِلْكُ يُفِيدُ التَّصَرُّفَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا لَا يَشْفِي الْغَلِيلَ ; لِأَنَّ الْأُبُوَّةَ تَقْتَضِي الْمَالِكِيَّةَ كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ» . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَالشِّرَاءُ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْمِلْكِ، وَالْعِتْقُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ مَنْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي يَقْتَضِي تَمْلِيكَهُ إِيَّاهُ ثُمَّ إِعْتَاقَهُ عَنْهُ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَمْعٌ بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ، فَالْحَدِيثُ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ بِالْمُحَالِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْمَعْنَى لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَمْلِكَهُ فَيُعْتِقَهُ وَهُوَ مُحَالٌ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﷻ : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] الْكَشَّافَ: يَعْنِي إِنْ أَمْكَنَكُمْ أَنْ تَنْكِحُوا مَا قَدْ سَلَفَ فَانْكِحُوهُ، فَلَا يَحِلُّ لَكُمْ غَيْرُهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَالْغَرَضُ الْمُبَالَغَةُ فِي تَحْرِيمِهِ وَسَدُّ الطَّرِيقَةِ إِلَى إِبَاحَتِهِ كَمَا يُعَلَّقُ بِالْمُحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] إِذْ جُعِلَتِ التَّوْبَةُ نَفْسَ الْقَتْلِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمْ.
стр. 4725
٣٣٩٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ دَبَّرَ مَمْلُوكًا) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﵊ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ ابْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﵊ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا، يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ اقْضِ دَيْنَكَ.
ــ
٣٣٩٢ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ دَبَّرَ مَمْلُوكًا) : أَيْ: قَالَ مَثَلًا: عَبْدِي دُبُرَ مَوْتِي حُرٌّ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ) : بِالرَّفْعِ (بَلَغَ) : أَيْ: ذَلِكَ (النَّبِيَّ ﵊ فَقَالَ: (مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمٌ) : بِالتَّصْغِيرِ (ابْنُ النَّحَّامِ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى مَا ضَبَطَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَوْلُهُ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَاشْتَرَاهُ ابْنُ النَّحَّامِ بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ. قَالُوا: وَهُوَ غَلَطٌ، وَصَوَابُهُ فَاشْتَرَاهُ النَّحَّامُ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ هُوَ نُعَيْمٌ وَهُوَ النَّحَّامُ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵊ ( «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ فِيهَا نَحْمَةً لِنُعَيْمٍ» ) وَالنَّحْمَةُ: الصَّوْتُ، وَقِيلَ: هِيَ السَّعْلَةُ، وَقِيلَ: النَّحْنَحَةُ. قَالَ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ كَمَا فِي الِاسْتِقْرَاضِ: نُعَيْمُ ابْنُ النَّحَّامِ هُوَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالنَّحَّامُ بِالنُّونِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ لَقَبُ نُعَيْمٍ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَقَبُ أَبِيهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ غَلَطٌ لِقَوْلِهِ ﵊ " «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ فِيهَا نَحْمَةً مِنْ نُعَيْمٍ» ) لَكِنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَلَا تُرَدُّ بِهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ، فَلَعَلَّ أَبَاهُ أَيْضًا كَانَ يُقَالُ لَهُ: النَّحَّامُ، وَنُعَيْمٌ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسِيدٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، أَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْلَ عُمَرَ، فَكَتَمَ إِسْلَامَهُ وَأَرَادَ الْهِجْرَةَ، فَسَأَلَهُ بَنُو عَدِيٍّ أَنْ يُقِيمَ عَلَى أَيِّ دِينٍ شَاءَ لِأَنَّهُ كَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَيْتَامِهِمْ، ثُمَّ هَاجَرَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَاسْتُشْهِدَ فِي فُتُوحِ الشَّامِ. (بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ) : بِكَسْرِ النُّونِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ) : بِفَتْحَتَيْنِ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي عَدِيٍّ قَوْمِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﵊ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: (ابْدَأْ بِنَفْسِكَ) : أَيْ فِي الْإِنْفَاقِ (فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا) : أَيْ: فَإِنَّهَا أَحَقُّ بِهَا وَأَهْلُهَا فَإِنَّهَا مَرْكَبُ الرُّوحِ فِي سُلُوكِهَا (فَإِنْ فَضَلَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ زَادَ (شَيْءٌ) : أَيْ مِنْهَا (فَلِأَهْلِكَ) : أَيْ: مِمَّا يَعُولُكَ (فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ) : أَيْ: إِمَّا وُجُوبًا أَوِ اسْتِحْبَابًا (فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: جَوَابٌ لِلشَّرْطِ كِنَايَةً عَنِ التَّفْرِيقِ أَشْتَاتًا عَلَى مَنْ جَاءَهُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَأَمَامَهُ (يَقُولُ) : أَيِ: الرَّاوِي (بَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ) : تَفْسِيرٌ لِلتَّفْرِيقِ، وَهَكَذَا نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي تَدْبِيرِ الْمُدَبِّرِ فَأَجَازَ جَمَاعَةٌ الْإِطْلَاقَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا بَاعَتْ مُدَبَّرَةً لَهَا سَحَرَتْهَا، فَأَمَرَتِ ابْنَ أَخِيهَا أَنْ يَبِيعَهَا مِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُسِيءُ مَلَكَتَهَا. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إِذَا كَانَ التَّدْبِيرُ مُطْلَقًا، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِذَا مُتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَيِّدَ بِشَرْطٍ أَوْ زَمَانٍ، وَقَاسُوا الْمُدَبَّرَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ لِتَعَلُّقِ عِتْقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَوْتِ الْمَوْلَى عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى التَّدْبِيرِ الْمُقَيِّدِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ مُتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ فِي شَهْرِي هَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ هَذَا الْمُدَبَّرِ عِنْدَهُمْ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ فِي بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، وَإِذَا أُطْلِقَ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّدْبِيرُ الْمُطْلَقُ لَا غَيْرُهُ وَلَيْسَ كَأُمِّ الْوَلَدِ ; لِأَنَّ سَبَبَ الْعِتْقِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ أَشَدُّ تَأْكِيدًا مِنْهُ فِي الْمُدَبَّرِ، وَبِدَلِيلِ أَنَّ اسْتِغْرَاقَ التَّرِكَةِ بِالدَّيْنِ لَا يَمْنَعُ عِتْقَ أُمِّ الْوَلَدِ، وَيَمْنَعُ عِتْقَ الْمُدَبَّرِ، وَأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ تَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالْمُدَبَّرُ عِتْقُهُ مِنَ الثُّلُثِ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ وَطْءِ الْمُدَبَّرَةِ كَمَا يَجُوزُ وَطْءُ أُمِّ الْوَلَدِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَمُوَافِقِيهِ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَقِيَاسًا عَلَى الْمُوصَى بِعِتْقِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْإِجْمَاعِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ
стр. 4726
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَالسَّلَفُ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَجْمَعِينَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا بَاعَهُ النَّبِيُّ ﵊ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى سَيِّدِهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: (اقْضِ دَيْنَكَ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: التَّدْبِيرُ لُغَةً النَّظَرُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَشَرْعًا الْعِتْقُ الْمُوقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ مُعَلَّقًا بِالْمَوْتِ مُطْلَقًا لَفْظًا أَوْ مَعْنًى. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِمَمْلُوكِهِ: إِذَا مُتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي، أَوْ أَنْتَ مُدَبَّرٌ، أَوْ دَبَّرْتُكَ، فَقَدْ صَارَ مُدَبَّرًا ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ صَرِيحَةٌ فِي التَّدْبِيرِ، فَإِنَّهُ أَيِ التَّدْبِيرَ إِثْبَاتُ الْعِتْقِ عَنْ دُبُرٍ، وَهَذِهِ تُفِيدُ ذَلِكَ بِالْوَضْعِ، ثُمَّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ الْمُدَبَّرَ الْمُطْلَقَ، وَهُوَ الَّذِي عُلِّقَ عِتْقُهُ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى وَلَا هِبَتُهُ وَلَا إِخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِ إِلَّا لِحُرِّيَّةٍ بِلَا بَدَلٍ أَوْ لِكِتَابَةٍ أَوْ عِتْقِ ذَلِكَ عَلَى مَالٍ، وَمَا سِوَاهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَا تُبْطِلُ حَقَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ تَجُوزُ، فَيَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُ وَإِجَارَتُهُ، وَأَخْذُ أُجْرَتِهِ، وَتَزْوِيجُ الْمُدَبَّرَةِ وَوَطْؤُهَا وَأَخْذُ مَهْرِهَا وَأَرْشُ جِنَايَتِهَا ; لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ ثَابِتٌ وَبِهِ يُسْتَفَادُ وَلَايَةُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَاعَهُ النَّبِيُّ ﵊ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِثَمَنِهِ إِلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ غُلَامًا عَنْ دُبُرٍ، وَكَانَ مُحْتَاجًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَبَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ وَقَالَ: (اقْضِ دَيْنَكَ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ، وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِسَنَدِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵊ بَاعَ الْمُدَبَّرَ، وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا مَرِضَتْ فَتَطَاوَلَ مَرَضُهَا، فَذَهَبَ بَنُو أُخْتِهَا فَذَكَرُوا مَرَضَهَا إِلَى طَبِيبٍ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُخْبِرُونِي عَنِ امْرَأَةٍ مَطْبُوبَةٍ. قَالَ: فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ، فَإِذَا جَارِيَةٌ لَهَا سَحَرَتْهَا، وَكَانَتْ قَدْ دَبَّرَتْهَا فَدَعَتْهَا ثُمَّ سَأَلَتْهَا: مَاذَا أَرَدْتِ؟ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ تَمُوتِي حَتَّى أُعْتَقَ.
قَالَتْ: فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ تُبَاعِي مِنْ أَسْوَأِ الْعَرَبِ مَلَكَةً، فَبَاعَتْهَا وَأَمَرَتْ بِثَمَنِهَا، فَجُعِلَ فِي مِثْلِهَا. رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْحُرَّ كَانَ يُبَاعُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ بَاعَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ شَرَفٌ فِي دَيْنِهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ذَكَرَهُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، فَلَمْ تَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ الْآنَ بَعْدَ النَّسْخِ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ اسْتِصْحَابَ مَا كَانَ ثَابِتًا مِنْ جَوَازِ بَيْعِهِ قَبْلَ التَّدْبِيرِ، إِذْ لَمْ يُوجِبَ التَّدْبِيرُ زَوَالَ الرِّقِّ عَنْهُ، ثُمَّ رَأَيْنَا أَنَّهُ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ وَلَا يُوهَبُ وَهُوَ حُرٌّ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ» ، وَقَدْ رَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵊ لَكِنْ ضَعَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ رَفْعَهُ، وَصَحَّحَ وَقْفَهُ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فَعَلَى تَقْدِيرِ الرَّفْعِ لَا إِشْكَالَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْوَقْفِ فَقَوْلُ الصَّحَابَةِ حِينَئِذٍ لَا يُعَارِضُهُ النَّصُّ أَلْبَتَّةَ، لِأَنَّهُ وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا، وَإِنَّمَا يُعَارِضُهُ لَوْ قَالَ يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ، فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ تَقْلِيدِهِ فَظَاهِرٌ، وَعَلَى عَدَمِ تَقْلِيدِهِ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى السَّمَاعِ ; لِأَنَّ مَنْعَ بَيْعِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَبَطَلَ مَا قِيلَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَأَيْضًا: ثَبَتَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ أَنَّ عَطَاءً وَطَاوُسًا يَقُولَانِ عَنْ جَابِرٍ فِي الَّذِي أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ كَانَ عِتْقُهُ عَنْ دُبُرِهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَهُ فَيَقْضِيَ دَيْنَهُ، الْحَدِيثَ.
فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: شَهِدْتُ الْحَدِيثَ مِنْ جَابِرٍ، إِنَّمَا أَذِنَ فِي بَيْعِ خِدْمَتِهِ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ ﵀ الْكُوفِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، وَلَكِنَّ حَدِيثَهُ هَذَا مُرْسَلٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: هُوَ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَوْفِيِّ وَهُوَ ثِقَةٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ اهـ.
стр. 4727
فَلَوْ تَمَّ تَضْعِيفُ عَبْدِ الْغَفَّارِ لَمْ يَضُرَّ لَكِنَّ الْحَقَّ عَدَمُهُ، وَإِنْ كَانَ مُتَشَيِّعًا فَقَدْ صَرَّحَ أَبُو جَعْفَرٍ وَهُوَ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ بْنُ الْإِمَامِ عَلِيٍّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ، بِأَنَّهُ شَهِدَ حَدِيثَ جَابِرٍ وَأَنَّهُ أَجَازَ لَنَا فِي بَيْعِ مَنَافِعِهِ، وَلَا يُمْكِنُ لِثِقَةٍ إِمَامٍ ذَلِكَ إِلَّا لِعِلْمِهِ ذَلِكَ مِنْ جَابِرٍ رَاوِي الْحَدِيثِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: يُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى الْمُدَبَّرِ الْمُقَيَّدِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ بَاعَ خِدْمَةَ الْعَبْدِ مِنْ بَابِ دَفْعِ الصَّائِلِ ; لِأَنَّ النَّصَّ مُطْلَقٌ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا لِمُعَارَضَةِ نَصٍّ آخَرَ يَمْنَعُ مِنَ الْعَمَلِ بِطَلَاقِهِ، فَأَنْتَ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ الْحُرَّ كَانَ يُبَاعُ لِلدَّيْنِ ثُمَّ نُسِخَ، وَأَنَّ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ بَاعَ مُدَبَّرًا لَيْسَ إِلَّا حِكَايَةَ الرَّاوِي نَقْلًا جُزْئِيًّا لَا عُمُومَ لَهَا، وَأَنَّ قَوْلَهُ: عَتَقَ عَنْ دُبُرٍ، أَوْ دَبَّرَ أَعَمُّ مِنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، إِذْ يَصْدُقُ عَلَى الَّذِي دَبَّرَ مُقَيَّدًا أَنَّهُ أَعْتَقَ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ، وَأَنَّ مَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ، وَحَدِيثُ أَبِي جَعْفَرٍ مُرْسَلٌ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، وَقَدْ أَقَمْنَا الدَّلَالَةَ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِ الْمُرْسَلِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْمُسْنَدِ بَعْدُ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، عَلِمْتَ قَطْعًا أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ مُوجِبَةٌ، بَلْ سَالِمَةٌ عَنِ الْمُعَارِضِ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ عِمْرَانَ لَمْ يَصِحَّ رَفْعُهُ بِعَضُدِهِ وَلَا يُعَارِضُهُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ تَدْبِيرُهَا مُقَيَّدًا لِأَنَّهُ أَيْضًا وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا، فَلَمْ يَتَنَاوَلْ حَدِيثُ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ ﵄ مَحَلَّ نِزَاعٍ أَلْبَتَّةَ، فَكَيْفَ وَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى السَّمَاعِ لِمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ عَلَّقَ التَّدْبِيرَ بِمَوْتِهِ عَلَى صِفَةٍ مِثْلِ أَنْ يَقُولَ: إِنْ مُتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أَوْ سَفَرِي هَذَا، أَوْ مَرَضِ كَذَا، أَوْ قُتِلْتُ، أَوْ غَرِقْتُ فَلَيْسَ بِمُدَبَّرٍ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ ; لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَمْ تَنْعَقِدْ فِي الْحَالِ لِلتَّرَدُّدِ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ هَلْ تَقَعُ أَمْ لَا؟ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ الْمُطْلَقِ ; لِأَنَّ تَعَلُّقَ عِتْقِهِ بِمُطْلَقِ الْمَوْتِ وَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، ثُمَّ إِنْ مَاتَ الْمَوْلَى عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَتَقَ كَمَا يُعْتَقُ الْمُدَبَّرُ يَعْنِي مِنَ الثُّلُثِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُ التَّدْبِيرِ لَهُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ بِتَحَقُّقِ تِلْكَ الصِّفَةِ فِيهِ، فَإِذْ ذَلِكَ يَصِيرُ مُدَبَّرًا مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، بَلْ لَا يُمْكِنُ، وَإِنْ بَرِئَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ، أَوْ رَجَعَ مِنْ ذَلِكَ السَّفَرِ، ثُمَّ مَاتَ لَمْ يُعْتَقْ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ قَدِ انْعَدَمَ.
стр. 4728
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٣٩٣ - عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ قَالَ: ( «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ فَهُوَ حُرٌّ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٣٩٣ - (عَنِ الْحَسَنِ) : أَيِ الْبَصْرِيِّ (عَنْ سَمُرَةَ) : أَيِ ابْنِ جُنْدُبٍ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ مَلَكَ) : أَيْ بِنَحْوِ شِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إِرْثٍ (ذَا رَحِمٍ) : أَيْ قَرَابَةٍ (مَحْرَمٍ) : احْتِرَازٌ عَنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ بِالْجَرِّ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ صِفَةُ ذَا رَحِمٍ لَا نَعْتُ رَحِمٍ، وَلَعَلَّهُ مِنْ بَابِ جَرِّ الْجِوَارِ كَقَوْلِهِ: بَيْتُ ضَبٍّ خَرِبٍ، وَمَاءُ شَنٍّ بَارِدٍ، وَلَوْ رُوِيَ مَرْفُوعًا لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، (فَهُوَ) : أَيْ ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (حُرٌّ) : أَيْ عَتَقَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ مِلْكِهِ، وَهُوَ أَصْرَحُ وَأَعَمُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ.
وَفِي النِّهَايَةِ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي عِتْقِ الْأَقَارِبِ إِذَا مَلَكُوا فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: لَا يُعْتَقُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ سَوَاءٌ الْوَلَدُ وَالْوَالِدُ وَغَيْرُهُمَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِنْشَاءِ عِتْقٍ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَقَالَ الْجُمْهُورُ ﵏: يَحْصُلُ الْعِتْقُ فِي الْأُصُولِ وَإِنْ عَلَوْا، وَفِي الْفُرُوعِ وَإِنْ سَفُلُوا بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ سَوَاءٌ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّهُ يُعْتِقُ عَمُودَ النَّسَبِ بِكُلِّ حَالٍ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَائِهِمَا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ: لَا يُعْتَقُ غَيْرُهُمَا بِالْمِلْكِ، وَقَالَ مَالِكٌ: يُعْتَقُ الْأُخْوَةُ أَيْضًا، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يُعْتَقُ جَمِيعُ ذَوِي الْأَرْحَامِ الْمُحَرَّمَةِ، وَرِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: يُعْتَقُ جَمِيعُ ذَوِي الْأَرْحَامِ الْمُحَرَّمَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مَرْفُوعًا. قَالَ الْقَاضِي: قَالَ
стр. 4729
أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ: لَمْ يُحَدِّثْ هَذَا الْحَدِيثَ مُسْنَدًا إِلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَقَدْ شَكَّ فِيهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَاقْتَصَرَ عَلَى عِتْقِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: حَدِيثُ سَمُرَةَ لَا يُعْرَفُ مُسْنَدًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عَمْرٍو، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا. قُلْتُ: إِذَا كَانَ مُسْنَدًا فَلَا إِشْكَالَ، وَالشَّكُّ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ غَيْرُ مُضِرٍّ، وَالْمَوْقُوفُ عَنْ عُمَرَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ إِذْ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ، وَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَإِذَا اعْتَضَدَ فَعِنْدَ الْكُلِّ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: يُشَمُّ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ، إِذْ جَعَلَ الْجَزَاءَ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى تَحَرِّي الْأَوْلَى، إِذْ لَمْ يَقُلْ: مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَيُعْتِقُهُ أَوْ فَيُحَرِّرُهُ، بَلْ قِيلَ: فَهُوَ حُرٌّ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي الدَّوَامَ وَالثُّبُوتَ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ وَالْآتِيَةِ تُنْبِئُ عَنْ هَذَا لِأَنَّهُ مَا كَانَ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي حُرًّا وَكَذَا فِي الْآتِي اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ شَمَّ رَائِحَةً مِنْ فَهْمِ الْكَلَامِ عَلِمَ أَنَّ الْحِكْمَةَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ أَبْلَغُ فِي تَحْصِيلِ الْحُكْمِ وَالْمَرَامِ مِنَ الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَإِنَّهَا تُفِيدُ بِظَاهِرِهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِنْشَاءِ الْإِعْتَاقِ وَالتَّحْرِيرِ، وَلِذَا تَأَوَّلَ أَهْلُ الظَّاهِرِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى مَا سَبَقَ بِهِ التَّقْرِيرُ، فَالْجُمْلَةُ الْفِعْلِيَّةُ هِيَ الْأَوْلَى بِالدَّلَالَةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. هَذَا وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى النَّسَائِيُّ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊: ( «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرِمٍ عَتَقَ عَلَيْهِ» ) . وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِسَبَبِ أَنَّ ضَمْرَةَ انْفَرَدَ بِهِ عَنْ سُفْيَانَ، وَصَحَّحَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَقَالَ: ضَمْرَةُ ثِقَةٌ، وَإِذَا أَسْنَدَ الْحَدِيثَ ثِقَةٌ فَلَا يَضُرُّ انْفِرَادُهُ بِهِ، وَلَا إِرْسَالُ مَنْ أَرْسَلَهُ، وَلَا وَقْفُ مَنْ وَقَفَهُ، وَصَوَّبَ ابْنُ الْقَطَّانِ كَلَامَهُ، وَمِمَّنْ وَثَّقَ ضَمْرَةَ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﵊: ( «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ» ) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ: انْفَرَدَ بِهِ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنْ حَمَّادٍ، وَقَدْ شَكَّ فِيهِ، فَإِنَّ مُوسَى بْنَ إِسْمَاعِيلَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: عَنْ سَمُرَةَ فِيمَا يَحْسَبُ حَمَّادٌ، وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﵊ وَشُعْبَةُ أَحْفَظُ مِنْ حَمَّادٍ اهـ.
وَفِيهِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ الْحَقِّ وَابْنِ الْقَطَّانِ وَهُوَ: أَنَّ رَفْعَ الثِّقَةِ لَا يَضُرُّهُ إِرْسَالُ غَيْرِهِ، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَمِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ، أَنَّ رَجُلَا زَوَّجَ ابْنَ أَخِيهِ مَمْلُوكَتَهُ، فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَرِقَّ أَوْلَادَهَا، فَأَتَى ابْنُ أَخِيهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: إِنَّ عَمِّي زَوَّجَنِي وَلِيدَتَهُ، وَإِنَّهَا وَلَدَتْ لِي أَوْلَادًا، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَرِقَّ وَلَدِي، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَذَبَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَفِي الْمَبْسُوطِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﵊ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي دَخَلْتُ السُّوقَ، فَوَجَدْتُ أَخِي يُبَاعُ فَاشْتَرَيْتُهُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَهُ فَقَالَ ﵊: (إِنَّ اللَّهَ أَعْتَقَهُ) .
قَالَ: وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ: رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَالْحَاكِمُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَاللَّيْثُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، وَإِسْحَاقُ. وَفِي الْمَبْسُوطِ قَالَ دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ: إِذَا مَلَكَ قَرِيبَهُ لَا يُعْتَقُ بِدُونِ الْإِعْتَاقِ الظَّاهِرِ لِقَوْلِهِ ﵊: ( «لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» ) . إِذْ لَوْ عَتَقَ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ فَيُعْتِقَهُ فَائِدَةٌ ; لَأَنَّ الْقَرَابَةَ لَا تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ فَلَا يَمْتَنِعُ بَقَاؤُهُ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا - إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٢ - ٩٣]
стр. 4730
أَثْبَتَ بِهِ أَنَّ الِابْنِيَّةَ تُنَافِي الْعَبْدِيَّةَ، فَإِذَا ثَبَتَتِ الِابْنِيَّةُ انْتَفَتِ الْعَبْدِيَّةُ، وَالْمُرَادُ بِالنَّصِّ: (فَيُعْتِقَهُ) بِالشِّرَاءِ، كَمَا تَقُولُ: أَطْعَمَهُ فَأَشْبَعَهُ، وَسَقَاهُ فَأَرْوَاهُ، وَالتَّعْقِيبُ حَاصِلٌ إِذِ الْعِتْقُ يَعْقُبُ الشِّرَاءِ، وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَا لَهُ الْمِلْكَ ابْتِدَاءً ; لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَحْصُلُ قَبْلَهُ بِخِلَافِ مِلْكِ النِّكَاحِ لَمْ يَثْبُتِ ابْتِدَاءً، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إِثْبَاتِهِ لِاسْتِعْقَابِ الْبَيْنُونَةِ.
قَالَ: وَقَوْلُهُمْ إِنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ غَيْرُ صَحِيحٍ لِثِقَةِ الرُّوَاةِ وَلَيْسَ فِيهِ سُمِّيَ الِانْفِرَادُ بِالرَّفْعِ، وَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ ; لِأَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ يَصِلُ، وَكَثِيرًا مَا يُرْسِلُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا أَرْسَلَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ وَاسِطَةٍ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ عَيَّنَ الْوَاسِطَةَ مَرَّةً وَتَرَكَ أُخْرَى، وَلَوْ كَانَ مُرْسَلًا لَكَانَ مِنَ الْمُرْسَلِ الْمَقْبُولِ، إِمَّا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَهُوَ قَوْلُنَا وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، فَيُقْبَلُ بِلَا شَرْطٍ بَعْدَ صِحَّةِ السَّنَدِ وَقَدْ عُلِمَتْ صِحَّتُهُ، وَإِمَّا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَيُقْبَلُ إِذَا عَمِلَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى وَفْقِهِ، وَأَنْتَ عَلِمْتَ أَنَّ الثَّابِتَ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُمْ فَيَثْبُتَ مُشَارَكَةُ هَذِهِ الْقَرَابَةِ لِلْوِلَادِ فِي هَذَا الْحُكْمِ اهـ. كَلَامُ الْمُحَقِّقِ وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
следующие страницы →