← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

٣٤١٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٤١٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْيَمِينُ ") أَيْ: يَمِينُ الْحَالِفِ (" عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ ") أَيْ: إِذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلتَّحْلِيفِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّظَرَ وَالِاعْتِبَارَ فِي الْيَمِينِ عَلَى نِيَّةِ طَالِبِ الْحِنْثِ، فَإِنْ أَضْمَرَ الْحَالِفُ تَأْوِيلًا عَلَى غَيْرِ نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ لَمْ يُسْتَخْلَصْ مِنَ الْحِنْثِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ: وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.

стр. 4762

٣٤١٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ لَفْظُ الْمَصَابِيحِ وَقَالَ: رَفَعَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ ﵂. ــ ٣٤١٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] : بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ وَاوًا أَيْ لَا يُعَاقِبُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ: الْكَشَّافَ: اللَّغْوُ السَّاقِطُ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ كَلَامٍ وَغَيْرِهِ، وَاللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ الَّذِي عُقِدَ مَعَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] (فِي قَوْلِ الرَّجُلِ) أَيْ: نَزَلَتْ فِي قَوْلِ الشَّخْصِ (لَا وَاللَّهِ) أَيْ: فِي يَمِينِ النَّفْيِ (وَبَلَى وَاللَّهِ) : فِي يَمِينِ الْإِثْبَاتِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى الْيَمِينِ بَلِ الْقَصْدُ تَأْكِيدُ الْحُكْمِ الْعَارِي عَنِ الْيَمِينِ الْمُجَرَّدِ عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ فِي اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ بِالْجَنَانِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ لَفْظُ الْمَصَابِيحِ) : مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِلَفْظِ الْمَصَابِيحِ أَيِ: الْحَدِيثُ وَاقِعٌ بِلَفْظِهِ (وَقَالَ) أَيْ: الْبَغَوِيُّ (رَفَعَهُ) أَيْ: الْحَدِيثَ (بَعْضُهُمْ) أَيْ: بَعْضُ الْمُخَرِّجِينَ (عَنْ عَائِشَةَ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: رَفَعَ الْحَدِيثَ بَعْضُهُمْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُتَجَاوِزًا عَنْ عَائِشَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ سَاغَ ذِكْرُ الْمَوْقُوفِ وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ؟ قُلْتُ: مِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِمَوْقُوفٍ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: تَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ مَوْقُوفٌ إِلَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِسَبَبِ نُزُولِ آيَةٍ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ اهـ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ كَوْنَ الْمَوْقُوفِ قَدْ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا، فَإِنَّ مَدَارَ الضَّعْفِ وَضِدِّهِ عَلَى إِسْنَادِ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مَوْقُوفًا حَقِيقِيًّا أَوْ مَرْفُوعًا حُكْمِيًّا، فَحُكْمٌ آخَرُ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ كُلَّ مَوْقُوفٍ غَيْرُ ضَعِيفٍ، كَمَا أَنَّ كُلَّ مَرْفُوعٍ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَدْ كَثُرَ وُجُودُ الْمَوْقُوفِ مُطْلَقًا فِي الصَّحِيحَيْنِ فَتَدَبَّرْ يَظْهَرْ لَكَ الْأَثَرُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَيَمِينُ اللَّغْوِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَمْرٍ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَمَا قَالَ. وَالْأَمْرُ

стр. 4763

بِخِلَافِهِ مِثْلَ: وَاللَّهِ لَقَدْ دَخَلْتُ الدَّارَ وَاللَّهِ مَا كَلَّمْتُ زَيْدًا وَنَحْوَهُ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي تَفْسِيرِ اللَّغْوِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: كُلُّ يَمِينٍ صَدَرَتْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فِي الْمَاضِي وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ مُبَايِنٌ لِلتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ ; لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ كَمَا قَالَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ قَصْدٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ مَعْنَى مَا رَوَى صَاحِبُ السُّنَنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ، كَلَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ وَمَسْرُوقٌ: لَغْوُ الْيَمِينِ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَفِي الْهِدَايَةِ: الْقَاصِدُ فِي الْيَمِينِ وَالْمُكْرَهُ وَالنَّاسِي، وَهُوَ مَنْ تَلَفَّظَ بِالْيَمِينِ ذَاهِلًا عَنْهُ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَلَفَّظَ بِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْخَاطِئُ وَهُوَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ غَيْرِ الْحَلِفِ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ حِنْثٌ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ لِقَوْلِهِ ﵊: " «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْيَمِينُ» . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَبَعْضُهُمْ كَصَاحِبِ الْخُلَاصَةِ جَعَلَ مَكَانَ الْيَمِينِ الْعِتَاقَ، وَالْمَحْفُوظُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ» ". وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثُ الْعِتَاقِ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ طَلَّقَ وَهُوَ لَاعِبٌ فَطَلَاقُهُ جَائِزٌ، وَمَنْ أَعْتَقَ وَهُوَ لَاعِبٌ فَعِتْقُهُ جَائِزٌ» ". وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: " «ثَلَاثٌ لَيْسَ فِيهِنَّ لَعِبٌ، مَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْهُنَّ لَاعِبًا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ: الطَّلَاقُ، وَالْعِتَاقُ، وَالنِّكَاحُ» ". وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَمْرٍو وَعَلِيٍّ مَوْقُوفًا أَنَّهُمَا قَالَا: ثَلَاثٌ لَا لَعِبَ فِيهِنَّ: النِّكَاحُ وَالْعَتَاقُ وَالطَّلَاقُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا: أَرْبَعٌ، وَزَادَ النَّذْرَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْيَمِينَ فِي مَعْنَى النَّذْرِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ اللَّغْوُ بِتَفْسِيرِهِمْ وَهْمًا أَمْ يَقْصِدُ الْيَمِينَ مَعَ ضِدِّ الْبِرِّ لَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْيَمِينِ فَمَا لَنْ يَقْصِدَهُ أَصْلًا بَلْ هُوَ كَالنَّائِمِ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ طَلَاقٌ أَوْ عَتَاقٌ لَا حُكْمَ بِهِ وَأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا حُكْمُ الْيَمِينِ، وَأَيْضًا فَتَفْسِيرُ اللَّغْوِ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ نَفْسَ التَّفْسِيرِ الَّذِي فَسَّرُوا بِهِ النَّاسِيَ، فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ فِي بَيْتِهِ لَا يَقْصِدُ التَّكَلُّمَ بِهِ، بَلْ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ غَيْرُ مُرَادِ لَفْظِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِيَّاهُ كَانَ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْهَازِلِ، فَحَمْلُ النَّاسِي عَلَى اللَّاغِي بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْهَازِلِ، وَهَذَا الَّذِي أَدَّيَّنُهُ، وَتَقَدَّمَ لَنَا فِي الطَّلَاقِ مِثْلُهُ. قَالَ: وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يُخَالِفُنَا فِي ذَلِكَ، فَيَقُولُ. لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ الْمُكْرَهِ وَالنَّاسِي وَالْمُخْطِئِ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ". قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَسَنُبَيِّنُ فِي الْإِكْرَاهِ. قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّفْعِ رَفْعُ الْوِزْرِ لَا الْعَقْدِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵏ فِي التَّحْقِيقِ مِنْ عَدَمِ انْعِقَادِ يَمِينِ الْمُكْرَهِ بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَأَبِي أُمَامَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ» ". ثُمَّ قَالَ عَنْبَسَةُ: ضَعِيفٌ. قَالَ صَاحِبُ تَنْقِيحِ التَّحْقِيقِ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ بَلْ مَوْضُوعٌ، وَفِيهِ جَمَاعَةٌ لَا يَجُوزُ الِاجْتِمَاعُ بِهِمْ، ثُمَّ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ أَيِ الَّتِي تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ ثُمَّ فِي النَّارِ، فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ لِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ هُوَ الْحَالِفُ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ بِهِ لِمَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَدْخَلَهُ النَّارَ ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: " لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ". قُلْتُ: رَوَاهُمَا الْأَرْبَعَةُ وَأَحْمَدُ قَالَ: وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ مَصْبُورَةٍ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ". وَالْمُرَادُ بِالْمَصْبُورَةِ الْمُلْزِمَةُ بِالْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ أَيِ الْمَحْبُوسُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ مَصْبُورٌ عَلَيْهَا وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا إِلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فِيهَا الْكَفَّارَةُ. وَتَمَامُ بَحْثِ الْمَقَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِابْنِ هَمَّامٍ: وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀: الْغَمُوسُ مَكْسُوبَةٌ بِالْقَلْبِ وَالْمَكْسُوبَةُ يُؤْخَذُ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﷻ : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ الْمُرَادَ بِالْمُؤَاخَذَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْكَفَّارَةُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ مُطْلَقًا فِي الْآخِرَةِ، وَهِيَ الْمُرَادُ بِالْمُؤَاخَذَةِ فِي الْغَمُوسِ وَفِي الدُّنْيَا وَهِيَ الْمَكْسُوبَةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمَعْقُودَةُ كَمَا ذُكِرَ، وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ قَالَ فِيهِ: " «خَمْسٌ لَيْسَ فِيهِنَّ كَفَّارَةٌ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَنَهْبُ مُؤْمِنٍ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَيَمِينٌ صَابِرَةٌ يَقْطَعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ» ". اهـ. وَكُلُّ مَنْ قَالَ لَا كَفَّارَةَ فِي الْغَمُوسِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْيَمِينِ الْمَصْبُورَةِ عَلَى مَالٍ كَاذِبًا وَغَيْرِهَا، وَصَابِرَةٌ بِمَعْنَى مَصْبُورَةٍ كَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ.

стр. 4764

الْفَصْلُ الثَّانِي ٣٤١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٣٤١٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ» ") ، أَيْ بِأُصُولِكُمْ فَبِالْفُرُوعِ أَوْلَى (" وَلَا، بِالْأَنْدَادِ ") ، أَيِ الْأَصْنَامِ، وَالْمُرَادُ بِمَا سِوَاهُ. فِي النِّهَايَةِ: الْأَنْدَادُ جَمْعُ نِدٍّ بِالْكَسْرِ وَهُوَ مِثْلُ الشَّيْءِ يُضَادُّهُ فِي أُمُورِهِ، وَيُنَادُّهُ أَيْ يُخَالِفُهُ، وَيُرِيدُ بِهَا مَا كَانُوا يَتَّخِذُونَهُ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى. (" «وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 4765

٣٤١٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٣٤١٩ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ ") : أَيْ مُعْتَقِدًا تَعْظِيمَ ذَلِكَ الْغَيْرِ (" فَقَدْ أَشْرَكَ ") . أَيْ إِشْرَاكًا جَلِيًّا أَوْ خَفِيًّا لِأَنَّهُ أَشْرَكَ الْمَحْلُوفَ بِهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّعْظِيمِ الْمَخْصُوصِ بِهِ، قِيلَ: مَعْنَاهُ مَنْ أَشْرَكَ بِهِ غَيْرَهُ فِي التَّعْظِيمِ الْبَلِيغِ، فَكَأَنَّهُ مُشْرِكٌ إِشْرَاكًا جَلِيًّا فَيَكُونُ زَجْرًا بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ كَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ لَمْ يَكُنْ حَالِفًا لِقَوْلِهِ ﷺ : " «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَكَذَا إِذَا حَلَفَ بِالْقُرْآنِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ يَعْنِي: وَمِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ صِفَةَ اللَّهِ لَا تَكُونُ يَمِينًا إِذَا كَانَ الْحَلِفُ بِهَا مُتَعَارَفًا. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀ الْمَلِكُ الْعَلَّامُ: وَمَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ وَالنَّبِيِّ وَالْقُرْآنِ، أَمَّا إِذَا حَلَفَ بِذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنَ النَّبِيِّ وَالْقُرْآنِ كَانَ يَمِينًا ; لِأَنَّ التَّبَرُّأَ مِنْهُمَا كُفْرٌ، فَيَكُونُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ قَالَ: ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَلِفَ بِالْقُرْآنِ الْآنَ مُتَعَارَفٌ، فَيَكُونُ يَمِينًا كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمَّا الْحَلِفُ بِحَيَاةِ شَرِيفٍ، وَمِثْلُهُ بِحَيَاةِ رَأْسِكَ وَحَيَاةِ رَأْسِ السُّلْطَانِ فَذَلِكَ إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الْبِرَّ وَاجِبٌ يَكْفُرُ، وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى. قَالَ عَلِيٌّ الرَّازِيُّ: أَخَافُ عَلَى مَنْ قَالَ: وَحَيَاتِي وَحَيَاتِكَ أَنَّهُ يَكْفُرُ، وَلَوْلَا أَنَّ الْعَامَّةَ يَقُولُونَهُ وَلَا يَعْلَمُونَهُ لَقُلْتُ: إِنَّهُ شِرْكٌ. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ صَادِقًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ: " «مَنْ حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ» ".

стр. 4766

٣٤٢٠ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٤٢٠ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ ") : أَيْ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ إِلَى اللَّهِ (" فَلَيْسَ مِنَّا ") . أَيْ مِمَّنِ اقْتَدَى بِطَرِيقَتِنَا. قَالَ الْقَاضِي ﵀: أَيْ مِنْ ذَوِي أُسْوَتِنَا، بَلْ هُوَ مِنَ الْمُتَشَبِّهِينَ بِغَيْرِنَا، فَإِنَّهُ مِنْ دَيْدَنِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ الْوَعِيدَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْكَفَّارَةُ وِفَاقًا، وَاخُتَلِفَ فِيمَا إِذَا قَالَ: وَأَمَانَةِ اللَّهِ، فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: إِنَّهُ يَمِينٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ: بِقُدْرَةِ اللَّهِ أَوْ عِلْمِهِ، لِأَنَّهَا مِنْ صِفَاتِهِ إِذْ جَاءَ فِي الْأَسْمَاءِ الْأَمِينُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: كَرِهَ ﷺ الْحَلِفَ بِالْأَمَانَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهَا فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، وَلِأَنَّهَا مِنْ عِبَارَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقِيلَ أَرَادَ بِالْأَمَانَةِ الْفَرَائِضَ وَلَا تَحْلِفُوا بِالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا كَفَّارَةَ فِي هَذَا الْحَلِفِ اتِّفَاقًا، أَمَّا لَوْ قَالَ:

стр. 4767

وَأَمَانَةِ اللَّهِ كَانَ يَمِينًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَلَعَلَّهُ جَعَلَ الْأَمَانَةَ مِنَ الصِّفَاتِ، فَقَدْ قِيلَ: الْأَمِينُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوِ الْمُرَادُ أَمَانَةُ اللَّهِ كَلِمَتُهُ وَهَى كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: وَأَمَّا الصِّفَةُ فَالْمُرَادُ بِهَا اسْمُ الْمَعْنَى الَّذِي يَتَضَمَّنُ ذَاتًا وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا وَهُوَ كَالْعِزَّةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْعَظِيمِ، فَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِكَوْنِ الْحَلِفِ بِهَا مُتَعَارَفًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ أَوِ الذَّاتِ، وَهُوَ قَوْلُ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ. قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي قَوْلِهِمْ: وَأَمَانَةِ اللَّهِ إِنَّهُ يَمِينٌ ثُمَّ سُئِلَ مَا مَعْنَاهُ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي لِأَنَّهُ رَآهُمْ يَحْلِفُونَ بِهِ، فَحَكَمَ بِأَنَّهُ يَمِينٌ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَرَادَ مَعْنَى وَاللَّهِ الْأَمِينِ، فَالْمُرَادُ بِالْأَمَانَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا لَفْظُ الْيَمِينِ، كَعِزَّةِ اللَّهِ الَّتِي فِي ضِمْنِ الْعَزِيزِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ ; لِأَنَّ الْغَيْرَ هُوَ مَا يَصِحُّ انْفِكَاكُهُ زَمَانًا أَوْ مَكَانًا أَوْ وُجُودًا، وَلَوْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَيْسَ يَمِينًا لِعَدَمِ التَّعَارُفِ، وَفِي الْهِدَايَةِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: إِذَا قَالَ: وَحَقِّ اللَّهِ فَلَيْسَ بِحَالِفٍ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَرِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يَعْنِي إِذَا أُطْلِقَ ; لِأَنَّ الْحَقَّ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ عُدَّ فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْحُسْنَى، وَقَالَ تَعَالَى ﷻ : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٧١] وَهُوَ حَقِيقَةٌ أَيْ كَوْنُهُ تَعَالَى ثَابِتَ الذَّاتِ أَيْ مَوْجُودَهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ الْحَقِّ، وَالْحَلِفُ بِهِ مُتَعَارَفٌ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ يَمِينًا، وَهَذَا قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَلَهُمَا: أَنَّ حَقَّ اللَّهِ يُرَادُ بِهِ طَاعَةُ اللَّهِ، إِذِ الطَّاعَاتُ حُقُوقُهُ وَصَارَ ذَلِكَ مُتَبَادِرًا شَرْعًا وَعُرْفًا، حَتَّى كَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ حَيْثُ لَا يَتَبَادَرُ سِوَاهُ، أَمَّا لَوْ قَالَ: وَالْحَقِّ يَكُونُ يَمِينًا بِالْإِجْمَاعِ، وَعَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ يَمِينٌ إِذَا أُطْلِقَ عِنْدَنَا، وَكَذَا عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَكُونُ يَمِينًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ ; لِأَنَّ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ يَحْتَمِلُ الْعِبَادَاتِ، فَلَا يَكُونُ يَمِينًا بِغَيْرِ النِّيَّةِ، وَكَذَا أَمَانَةُ اللَّهِ. عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، فَعِنْدَنَا وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ ﵏: هُوَ يَمِينٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِالنِّيَّةِ ; لِأَنَّهَا فُسِّرَتْ بِالْعِبَادَاتِ. قُلْنَا: غَلَبَ إِرَادَةُ الْيَمِينِ إِذَا ذُكِرَتْ بَعْدَ حَرْفِ الْقَسَمِ فَوَجَبَ عَدَمُ تَوَقُّفِهَا عَلَى النِّيَّةِ لِلْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ أَيِ الْمَذْكُورَ فِي الْأَصْلِ قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ إِنَّمَا يَقْتَضِي عَدَمَ كَوْنِهِ يَمِينًا، وَالْوَجْهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَقْتَضِي مِنْهُ الْحَلِفَ بِهِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْكَفَّارَةَ عِنْدَنَا، وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ ﵏. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4768

٣٤٢١ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ ; فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٣٤٢١ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ بُرَيْدَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ ") : أَيْ لَوْ فَعَلْتُ كَذَا أَوْ لَمْ أَفْعَلْهُ (" فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا ") : أَيْ فِي حَلِفِهِ عَلَى زَعْمِهِ (" فَهُوَ كَمَا قَالَ ") . فِيهِ مُبَالَغَةُ تَهْدِيدٍ وَزَجْرٍ مَعَ التَّشْدِيدِ عَنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ، فَإِنَّهُ يَمِينٌ غَمُوسٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ عُقُوبَتَهُ فِي دِينِهِ دُونَ مَالِهِ اهـ. وَسَبَقَ تَحْقِيقُهُ فِيمَا مَضَى (وَإِنْ كَانَ صَادِقًا) : أَيْ فِي حَلِفِهِ عَلَى زَعْمِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا فِي الْوَاقِعِ أَمْ لَا (" فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا ") . أَيْ يَكُونُ بِنَفْسِ هَذَا الْحَلِفِ آثِمًا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا أَقْرَبُ مِنَ الْيَمِينِ بِالْأَمَانَةِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ صَادِقٌ وَلَيْسَ بِصَادِقٍ فِي الْحَقِيقَةِ اهـ. فَتَأَمَّلْ فِيمَا مَضَى قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قَوْلُهُ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ إِنْ فَعَلَ كَذَا يَمِينٌ عِنْدَنَا، وَكَذَا إِذَا قَالَ: هُوَ بَرِيءٌ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 4769

٣٤٢٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اجْتَهَدَ فِي الْيَمِينِ قَالَ: " لَا، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٤٢٢ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا اجْتَهَدَ) : أَيْ بَالَغَ فِي الْيَمِينِ (" قَالَ: لَا ") ، أَيْ لَيْسَ غَيْرُ مَا ذُكِرَ فَيَشْمَلُ الْيَمِينَ عَلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ أَوَّلًا عَنِ الشَّيْءِ، وَإِذَا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي الْيَمِينِ قَالَ ذَلِكَ. (" وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ ") : أَيْ رُوحُهُ أَوْ ذَاتُهُ (" بِيَدِهِ ") . أَيْ بِتَصَرُّفِهِ وَتَحْتَ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ. فِي النِّهَايَةِ: الِاجْتِهَادُ بَذْلُ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الْأَمْرِ، وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ الْجُهْدِ وَهُوَ الطَّاقَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الْقَسَمُ بَلِيغًا لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَسْخِيرِهِ لِنَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ الطَّاهِرَةِ عَنْ دَنَسِ الْآثَامِ، وَأَنَّهَا أَعَزُّ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى شَأْنُهُ، فَيَكُونُ أَشْرَفَ أَقْسَامِ الْقَسَمِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا أَحْمَدُ.

стр. 4770

٣٤٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَلَفَ: " لَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٣٤٢٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَلَفَ) : يَعْنِي أَحْيَانًا (" لَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ") . قَالَ الْقَاضِي: أَيْ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا لَكِنْ شَابَهَهُ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ أَكَّدَ الْكَلَامَ وَقَرَّرَهُ، وَأَعْرَبَ عَنْ مَخْرَجِهِ بِالْكَذِبِ فِيهِ وَتَحَرُّزِهِ عَنْهُ، فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ يَمِينًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِلْعَطْفِ، وَهُوَ يَقْتَضِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مَحْذُوفًا وَالْقَرِينَةُ لَفْظَةُ لَا لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ تَوْطِئَةً لِلْقَسَمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: ١] رَدًّا لِلْكَلَامِ السَّابِقِ وَإِنْشَاءَ قَسَمٍ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ الْمَعْنَى لَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُظْهِرُ مِنْ قَوْلِهِ: إِذَا حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمِينَ لَغْوٍ كَانَ يَقُولُ: وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَقِيبَهُ تَدَارُكًا لِمَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَإِنْ كَانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ لِمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ لِيَكُونَ بِهِ دَلِيلًا لِأُمَّتِهِ عَلَى الِاحْتِرَازِ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀ تَبَعًا لِلْمُظْهِرِ: أَيْ إِذَا حَلَفَ فِي أَثْنَاءِ الْمُحَاوَرَاتِ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ اسْتَدْرَكَهُ بِذَلِكَ نَافِيًا كَوْنَهُ يَمِينًا مَعْقُودًا عَلَيْهِ اهـ. وَأَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ حَمْلَ كَلَامِهِ ﷺ عَلَى اللَّغْوِ مُنَافٍ لِمَقَامِ الرِّسَالَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ قَدْ ذُكِرَ سَابِقًا فِي يَمِينِ اللَّغْوِ هَذَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِ إِذَا حَلَفَ مَقْرُونَةً " لَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ". يَعْنِي إِذَا حَلَفَ وَبَالَغَ بِقَوْلِهِ لَا قَالَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ يَعْنِي مِمَّا يَعْلَمُ بِهِ اللَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا وَقَعَ مِنِّي وَصَدَرَ عَنِّي، فَإِنَّهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الْمُؤَاخَذَةُ، لَكِنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، أَوِ التَّقْدِيرُ: وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنَ الْحَلِفِ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ تَرْكُهَا إِلَّا لِمَكَانِ ضَرُورَةٍ بِهَا، فَإِنَّهَا فِي الْأَصْلِ عُرْضَةٌ وَهِيَ مَنْهِيَّةٌ، وَلِذَا امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْحَلِفِ، وَلَوْ كَانَ صَادِقًا، فَمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ إِنَّمَا كَانَ لِلِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ مِنْ تَأْكِيدِ حُكْمٍ أَوْ بَيَانِ جَوَازٍ، وَلِذَا قِيلَ: إِذَا أَرَادَ الْحَلِفَ ذَكَرَ هَذَا بَدَلًا عَنِ الْحَلِفِ وَلَمْ يَحْلِفْ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .

стр. 4771

٣٤٢٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ جَمَاعَةً وَقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. ــ ٣٤٢٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ") : أَيْ عَلَى مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ (" فَقَالَ:: إِنْ شَاءَ اللَّهُ ") : أَيْ مُتَّصِلًا بِيَمِينِهِ (" فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ ") . بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ: فَلَا يَمِينَ لَهُ وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ. قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي مُوَطَّئِهِ: وَبِهِ نَأْخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: إِذَا قَالَ: إِنْ شَاءَ وَوَصَلَهَا بِيَمِينِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قَالَ مُحَمَّدٌ: بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَكَذَا قَالَ مُوسَى ﵊ ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] وَلَمْ يَصِرْ مُخْلِفًا لِوَعْدِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ وَالنَّذْرِ ; لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَتَغَيَّرُ بِذِكْرِهِ حُكْمٌ، وَلِلْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ، وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِذَا كَانَ مَوْصُولًا بِالْيَمِينِ أَوْ مَفْصُولًا عَنْهَا بِسَكْتَةٍ يَسِيرَةٍ كَالسَّكْتَةِ لِلذِّكْرِ أَوْ لِلْعِيِّ أَوْ لِلتَّنَفُّسِ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْيَمِينِ بِاللَّهِ، أَوْ بِالطَّلَاقِ، أَوْ بِالْعِتَاقِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الِاسْتِثْنَاءِ إِذَا كَانَ مُنْفَصِلًا عَنِ الْيَمِينِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِهِ إِنْ طَالَ الْفَصْلُ، أَوِ اشْتَغَلَ بِكَلَامٍ آخَرَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اسْتَثْنَى وَقِيلَ: يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ مَا دَامَ الْحَالِفُ فِي الْمَجْلِسِ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَقِيلَ: مَا دَامَ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ، وَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ: لَهُ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ حِينٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بَعْدَ سِنِينَ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٦٩] يُشْعِرُ بِالِاتِّصَالِ، فَإِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِغَيْرِ التَّرَاخِي، وَأَمَّا إِجْرَاءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ فَعَلَى الْمَجَازِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنِّي أَفْعَلُ كَذَا، وَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ مَانِعٍ إِلَّا مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : لَكِنَّ لَفْظَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنْهُ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدِ اسْتَثْنَى. (وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ جَمَاعَةً وَقَفُوهُ) : أَيِ الْحَدِيثَ (عَلَى ابْنِ عُمَرَ) : لَكِنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَوْقُوفِ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.

стр. 4772

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٣٤٢٥ - وَعَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ ابْنَ عَمٍّ لِي آتِيهِ أَسْأَلُهُ فَلَا يُعْطِينِي وَلَا يَصِلُنِي، ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَيَّ فَيَأْتِينِي فَيَسْأَلُنِي، وَقَدْ حَلَفْتُ أَنْ لَا أُعْطِيَهُ وَلَا أَصِلَهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَأُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِي» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَأْتِينِي ابْنُ عَمِّي فَأَحْلِفُ أَنْ لَا أُعْطِيَهُ وَلَا أَصِلَهُ، قَالَ: كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» ". ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٣٤٢٥ - (عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ) ، أَيِ ابْنِ نَضْرٍ سَمِعَ أَبَاهُ وَابْنَ مَسْعُودٍ وَأَبَا مُوسَى، وَرَوَى عَنْهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو إِسْحَاقَ وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ (عَنْ أَبِيهِ) ، لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ. (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ ابْنَ عَمٍّ لِي آتِيهِ) : مِنَ الْإِتْيَانِ أَيْ أَجِيئُهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لَرَأَيْتَ بِمَعْنَى عَلِمْتَ (أَسْأَلُهُ) : حَالٌ أَوِ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ رَأَيْتَ بِمَعْنَى عَرَفْتَ، وَالْفِعْلَانِ حَالَانِ مُتَرَادِفَانِ أَوْ مُتَدَاخِلَانِ. أَفَلَا يُعْطِينِي) : أَيْ فِي مُقَابَلَةِ سُؤَالِي إِيَّاهُ (وَلَا يَصِلُنِي) ، فِي مُعَاوَضَةِ مَا أَتَانِي إِلَيْهِ (ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَيَّ فَيَأْتِينِي) : أَيْ لِأَصِلَهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَيَسْأَلُنِي، وَقَدْ حَلَفْتُ أَنْ لَا أُعْطِيَهُ وَلَا أَصِلَهُ) ، أَيْ مُجَازَاةً لِفِعْلِهِ وَمُكَافَأَةً لِعَمَلِهِ (فَأَمَرَنِي) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (أَنْ آتِيَهُ) : أَيْ بِأَنْ أَفْعَلَ بِهِ (الَّذِي هُوَ خَيْرٌ) : وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْإِعْطَاءِ وَالصِّلَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ (خَيْرٌ) لِلتَّفْضِيلِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى دَائِرٌ بَيْنَ قَطْعِ الصِّلَةِ وَمَنْعِ الْمَعْرُوفِ وَوَصْلِهَا وَإِعْطَائِهِ، وَقَدْ حَثَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: " «صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ» ". وَنَهَى عَنِ الْخَلَّتَيْنِ أَبْلَغَ نَهْيٍ (وَأُكَفِّرَ) : أَيْ وَبِأَنْ أُكَفِّرَ (عَنْ يَمِينِي) : (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) . وَفِي رِوَايَتِهِ أَيْ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَفِي نُسْخَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أَيْ لِابْنِ مَاجَهْ أَوْ لَهُمَا. ( «قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي ابْنُ عَمِّي فَأَحْلِفُ أَنْ لَا أُعْطِيَهُ وَلَا أَصِلَهُ. قَالَ: " كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» ") . أَيْ بَعْدَ الْحِنْثِ.

стр. 4773

[بَابٌ فِي النُّذُورِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٣٤٢٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ ﵃، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَنْذُرُوا ; فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ [١] بَابٌ فِي النُّذُورِ أَيْ: مُخَصَّصٌ بِهَا، وَالْجَمْعُ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهَا. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٣٤٢٦ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ، ﵃، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تَنْذُرُوا ") ، بِضَمِّ الذَّالِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِهَا، وَكَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَالضِّيَاءِ (" فَإِنَّ النَّذْرَ ") : وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ الْمَصَابِيحِ فَإِنَّهُ أَيِ النَّذْرَ (" لَا يُغْنِي ") : أَيْ لَا يَدْفَعُ أَوْ لَا يَنْفَعُ (" مِنَ الْقَدَرِ ") : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ مِنَ الْقَضَاءِ السَّمَاوِيِّ (" شَيْئًا ") ، فَإِنَّ الْمُقَدَّرَ لَا يَتَغَيَّرُ (" وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ ") : أَيْ بِسَبَبِ النَّذْرِ (" مِنَ الْبَخِيلِ ") . ; لِأَنَّ غَيْرَ الْبَخِيلِ يُعْطِي بِاخْتِيَارِهِ بِلَا وَاسِطَةِ النَّذْرِ. قَالَ الْقَاضِي: عَادَةُ النَّاسِ تَعْلِيقُ النُّذُورِ عَلَى حُصُولِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ فَنَهَى عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الْبُخَلَاءِ إِذِ السَّخِيُّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى اسْتَعْجَلَ فِيهِ وَأَتَى بِهِ فِي الْحَالِ، وَالْبَخِيلُ لَا تُطَاوِعُهُ نَفْسُهُ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْ يَدِهِ إِلَّا فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ يُسْتَوْفَى أَوَّلًا، فَيَلْتَزِمُهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا سَيَحْصُلُ لَهُ، وَيُعَلِّقُهُ عَلَى جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ، وَذَلِكَ لَا يُغْنِي عَنِ الْقَدَرِ شَيْئًا أَيْ نَذْرٌ لَا يَسُوقُ إِلَيْهِ خَيْرًا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ، وَلَا يَرُدُّ عَنْهُ شَرًّا قُضِيَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ النَّذْرَ قَدْ يُوَافِقُ الْقَدَرَ فَيُخْرِجُ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى نَهْيِهِ عَنِ النَّذْرِ إِنَّمَا هُوَ التَّأْكِيدُ لِأَمْرِهِ وَتَحْذِيرُ التَّهَاوُنِ بِهِ بَعْدَ إِيجَابِهِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الزَّجْرَ عَنْهُ

стр. 4774

حَتَّى يَفْعَلَ لَكَانَ فِي ذَلِكَ إِبْطَالُ حُكْمِهِ وَإِسْقَاطُ لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ، إِذْ صَارَ مَعْصِيَةً، وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَا يَجْلِبُ لَهُمْ فِي الْعَاجِلِ نَفْعًا وَلَا يَصْرِفُ عَنْهُمْ ضَرًّا، وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا قَضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِ: " فَلَا تَنْذُرُوا ". عَلَى أَنَّكُمْ تُدْرِكُونَ بِالنَّذْرِ شَيْئًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ لَكُمْ، أَوْ تَصْرِفُونَ عَنْ أَنْفُسِكُمْ شَيْئًا جَرَى الْقَضَاءُ بِهِ عَلَيْكُمْ، إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَاخْرُجُوا عَنْهُ بِالْوَفَاءِ، فَإِنَّ الَّذِي نَذَرْتُمُوهُ لَازِمٌ لَكُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: تَحْرِيرُهُ أَنَّهُ عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ، وَنَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ النَّذْرُ الْمُقَيَّدُ الَّذِي يُعْتَقَدُ أَنَّهُ يُغْنِي عَنِ الْقَدَرِ بِنَفْسِهِ، كَمَا زَعَمُوا، وَكَمَا نَرَى فِي عَهْدِنَا جَمَاعَةً يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ لَمَّا شَاهَدُوا مِنْ غَالِبِ الْأَحْوَالِ حُصُولَ الْمَطَالِبِ بِالنَّذْرِ، وَأَمَّا إِذَا نَذَرَ وَاعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُسَهِّلُ الْأُمُورَ، وَهُوَ الضَّارُّ وَالنَّافِعُ. وَالنُّذُورُ كَالذَّرَائِعِ وَالْوَسَائِلِ، فَيَكُونُ الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ طَاعَةً، وَلَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ، كَيْفَ وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ الْخِيَرَةَ مِنْ عِبَادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] وَ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] قُلْتُ: وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنَّ النَّذْرَ الْمُقَيَّدَ هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ مَعْصِيَةً لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الْقَيْدُ، أَعْنِي الِاعْتِقَادَ الْفَاسِدَ مِنْ أَنَّ النَّذْرَ يُغْنِي عَنِ الْقَدَرِ. قَالَ: وَأَمَّا مَعْنَى " فَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ " فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْبَذْلَ وَالْإِنْفَاقَ، فَمَنْ سَمَحَتْ أَرْيَحِيَّتُهُ فَذَلِكَ، وَإِلَّا فَشَرْعُ النُّذُورِ لِيُسْتَخْرَجَ بِهِ مَالُ الْبَخِيلِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ النَّهْيِ عَنِ النَّذْرِ كَوْنَ النَّاذِرِ يَصِيرُ مُلْتَزِمًا لَهُ، فَيَأْتِي بِهِ تَكَلُّفًا بِغَيْرِ نَشَاطٍ، قُلْتُ: وَهُوَ مُشَاهَدٌ كَثِيرًا فِيمَنْ يَنْذُرُ صِيَامَ الدَّهْرِ. أَوِ الْبِيضَ، أَوْ صَلَاةَ الضُّحَى وَغَيْرَهَا، أَوْ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ كُلَّ يَوْمٍ وَنَحْوَهُ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ كَوْنَهُ يَأْتِي بِالْقُرْبَةِ الَّتِي الْتَزَمَهَا فِي نَذْرِهِ عَلَى صُورَةِ الْمُعَاوَضَةِ لِلْأَمْرِ الَّذِي طَلَبَهُ، فَيَنْقُصُ أَجْرَهُ، وَشَأْنُ الْعِبَادَةِ أَنْ تَكُونَ مُتَمَحِّضَةً لِلَّهِ تَعَالَى اهـ. وَهُوَ تَوْضِيحٌ وَبَيَانٌ لِمَا فِي كَلَامِ الْقَاضِي مِمَّا مَضَى. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِكَوْنِهِ قَدْ يَظُنُّ بَعْضُ الْجَهَلَةِ أَنَّ النَّذْرَ قَدْ يَرُدُّ الْقَدَرَ، وَيَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ الْمُقَدَّرِ، فَنَهَى عَنْهُ خَوْفًا مِنْ جَاهِلٍ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ النَّذْرِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ كَمَا سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4775

٣٤٢٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٣٤٢٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» ") فَإِنَّ إِطَاعَةَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ مِنْ غَيْرِ نَذْرٍ، فَكَيْفَ إِذَا أَكَّدَ بِالنَّذْرِ. (" وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ ") : أَيِ اللَّهَ (" فَلَا يَعْصِهِ ") . بِإِشْبَاعِ هَاءِ الضَّمِيرِ وَيَجُوزُ قَصْرُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِهَاءِ السَّكْتِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ طَاعَةً يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّقًا بِشَيْءٍ، وَأَنَّ مَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، إِذْ لَوْ كَانَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ لَبَيَّنَهُ ﷺ . قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى نَفْيِ الْكَفَّارَةِ وَلَا عَلَى إِثْبَاتِهَا، وَبُيِّنَ الْحُكْمُ بِإِطْلَاقِهِ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: " «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» ". وَبِتَصْرِيحِهِ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ: " «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ". قَالَ: فَعَلَى هَذَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ الْعِيدِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَوْ نَذَرَ نَحْرَ وَلَدِهِ فَبَاطِلٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، فَأَمَّا إِذَا نَذَرَ مُطْلَقًا فَقَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمِّ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» ". قُلْتُ: زِيَادَةُ إِذَا لَمْ يُسَمَّ تَحْتَاجُ إِلَى تَصْحِيحِهَا ثُمَّ الِاعْتِبَارُ بِمَفْهُومِهَا. قَالَ: وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ نَذَرَ وَلَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ شَيْئًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِي اسْتِدْلَالِهِ مِنَ الْخَفَاءِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ.

стр. 4776

٣٤٢٨ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: " لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ". ــ ٣٤٢٨ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) : بِالتَّصْغِيرِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُمَا صَحَابِيَّانِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا وَفَاءَ ") : أَيْ جَائِزٌ أَوْ صَحِيحٌ (" بِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا ") ؟ أَيْ لَا وَفَاءَ أَيْ لَا يُوجَدُ الْوَفَاءُ لِكَوْنِهِ لَا يَنْعَقِدُ (" فِيمَا ") : أَيْ فِي نَذْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِشَيْءٍ (" لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ ") . أَيْ لَا يَمْلِكُهُ حِينَ النَّذْرِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ لِمُسْلِمٍ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ (" «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» ") . فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ: (" «وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.

стр. 4777

٣٤٢٩ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٤٢٩ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) أَيِ الْجُهَنِيِّ كَانَ وَالِيًا عَلَى مِصْرَ لِمُعَاوِيَةَ بَعْدَ أَخِيهِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ثُمَّ عَزَلَهُ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

стр. 4778

٣٤٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بَرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٣٤٣٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ ) : بِإِشْبَاعِ فَتْحَةِ نُونِ بَيْنَ أَيْ فِيمَا بَيْنَ أَوْقَاتٍ لَهُ ﷺ (يَخْطُبُ فَإِذَا) : وَفِي نُسْخَةٍ إِذْ وَهِيَ لِلْمُفَاجَأَةِ (هُوَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (بِرَجُلٍ قَائِمٍ) ، يُجَرُّ عَلَى الصِّفَةِ وَالتَّقْدِيرُ: عِنْدَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ (فَسَأَلَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (أَصْحَابَهُ عَنْهُ) : أَيْ عَنْ قِيَامِهِ أَوْ عَنِ اسْمِهِ أَوْ رَسْمِهِ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ: أَيْ هُوَ مُلَقَّبٌ بِذَلِكَ، وَأَبُو إِسْرَائِيلَ هَذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ، قَالَ الْقَاضِي: الظَّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ أَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ هُوَ اسْمُهُ، وَلِذَا أُجِيبَ بِذِكْرِ اسْمِهِ، وَأَنَّ مَا بَعْدَهُ زِيَادَةٌ فِي الْجَوَابِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ حَالَهُ، فَيَكُونَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ، وَلَعَلَّ السُّؤَالَ لَمَّا كَانَ مُحْتَمِلًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ أَجَابُوا بِهِمَا جَمِيعًا (نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ) : أَيْ مُطْلَقًا (وَيَصُومَ) ، أَيْ دَائِمًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مُرُوهُ ") : أَيْ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ: مُرْهُ بِصِيغَةِ الْمُفْرَدِ لِرَئِيسِ الْقَائِلِينَ، وَالْجَمْعُ أُطْلِقَ لِقَالُوا، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْقَوْلَ وَقَعَ مِنْهُمْ جَمِيعًا فَقَالَ: مُرُوهُ أَيْ كُلُّكُمْ لِزِيَادَةِ التَّأْثِيرِ فِي نَفْسِهِ (" فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ ") : بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا فِي الْجَمِيعِ (" صَوْمَهُ ") . أَيْ لِيُكْمِلْ صَوْمَهُ وَلْيُتِمَّ عَلَى دَوَامِ صِيَامِهِ، فَإِنَّ النَّذْرَ عَلَى الطَّاعَةِ لَازِمٌ، وَصِيَامُ الدَّهْرِ مَحْمُودٌ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْأَيَّامُ الْخَمْسَةُ الْمَنْهِيُّ شَرْعًا وَعُرْفًا وَإِنْ نَوَاهَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِفْطَارُهَا وَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِهَا عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالتَّكَلُّمِ فَإِنَّهُ قَدْ يَجِبُ كَالْقِرَاءَةِ وَرَدِّ السَّلَامِ فَتَرْكُهُ مَعْصِيَةٌ، وَأَمَّا عَدَمُ الْقُعُودِ وَتَرْكُ الِاسْتِظْلَالِ فِيمَا لَا تُطِيقُهُ قُوَّةُ الْبَشَرِ، فَأَمَرَهُ بِالْحِنْثِ قَبْلَ أَنْ يَضُرَّهُ بَعْضُ الْوَفَاءِ بِهِ حَيْثُ لَنْ يَتِمَّ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: أَمَرَهُ ﷺ بِالْوَفَاءِ بِالصَّوْمِ وَالْمُخَالَفَةِ فِيمَا عَدَاهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِيمَا فِيهِ قُرْبَةٌ. قُلْتُ: لَا دَلَالَةَ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ عُمُومِ النَّذْرِ. قَالَ: وَمَا لَا قُرْبَةَ فِيهِ فَنَذْرُهُ لَغْوٌ لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمَنْذُورُ مُبَاحًا يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ. قَالَ: " أَوْفِي بِنَذْرِكِ» ". وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا تَجِبُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» ". وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: " «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» ". وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا لَمَّا قَصَدَتْ بِذَلِكَ إِظْهَارَ الْفَرَحِ بِمَقْدِمِ الرَّسُولِ ﷺ وَالْمَسَرَّةِ بِنُصْرَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَتْ فِيهِ مَسَاءَةُ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ الْتَحَقَ بِالْقُرُبَاتِ، مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ فِي أَمْثَالِ هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِذْنُ دُونَ الْوُجُوبِ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الثِّقَاتِ. قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ إِذِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنْهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» ". وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا. قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ فَتَدَبَّرْ. قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: لَوْ نَذَرَ صَوْمَ الْعِيدِ لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمٍ آخَرَ، وَلَوْ نَذَرَ نَحْرَ وَلَدِهِ لَزِمَهُ ذَبْحُ شَاةٍ، وَلَوْ نَذَرَ ذَبْحَ وَالِدِهِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ ذَبْحَ الْوَلَدِ كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ يَنْذُرُونَهُ وَيَعُدُّونَهُ قُرْبَةً بِخِلَافِ ذَبْحِ الْوَالِدِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 4779

٣٤٣١ - وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ، فَقَالَ: " مَا بَالُ هَذَا؟ " قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ ". وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٤٣١ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْخًا) أَيْ: رَجُلًا كَبِيرًا (يُهَادَى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بَيْنَ ابْنَيْهِ) قَالَ: يَمْشِي بَيْنَ وَلَدَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا مِنْ ضَعْفٍ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التُّورِبِشْتِيُّ وَغَيْرُهُ، (فَقَالَ: " مَا بَالُ هَذَا؟ ") أَيْ: حَالُ هَذَا الشَّيْخِ (قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ) أَيْ: إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ (قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ) : نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (" لَغَنِيٌّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ) أَيْ: لِعَجْزِهِ عَنِ الْمَشْيِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَمِلَ بِظَاهِرِهِ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ: عَلَيْهِ دَمٌ ; لِأَنَّهُ أَدْخَلَ نَقْصًا بَعْدَ الْتِزَامِهِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: اخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَذَرَ بِأَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَمْشِي إِنْ أَطَاقَ الْمَشْيَ، فَإِنْ عَجَزَ أَرَاقَ دَمًا وَرَكِبَ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمْ تَعَالَى: يَرْكَبُ وَيُرِيقُ دَمًا سَوَاءٌ أَطَاقَ الْمَشْيَ أَوْ لَمْ يُطِقْهُ اهـ. وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ مَاشِيًا وَالْبَيَانُ إِلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى الْحَرَمِ أَوْ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ وَقِيلَ فِي زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ لَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِلَفْظِ الْمَشْيِ إِلَى الْحَرَمِ وَالْمَسْجِدِ، بِخِلَافِ زَمَانِهِمَا، فَيَكُونَ اخْتِلَافَ زَمَانٍ لَا اخْتِلَافَ بُرْهَانٍ، وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ الذَّهَابُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَإِنَّهُ لَا يَرْكَبُ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، وَإِنْ جَعَلَ عُمْرَةً حَتَّى يَحْلِقَ، وَفِي الْأَصْلِ خُيِّرَ بَيْنَ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَشَارَ إِلَى وُجُوبِ الْمَشْيِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالصَّحِيحُ، وَحَمَلُوا رِوَايَةَ الْأَصْلِ عَلَى مَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الْمَشْيُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ ابْتِدَاءِ الْمَشْيِ فَقِيلَ: يَبْتَدِئُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَقِيلَ: حَيْثُ أَحْرَمَ، وَعَلَيْهِ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ﵀ وَالْعَتَّابِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقِيلَ مِنْ بَيْتِهِ، وَعَلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ، وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَصَحَّحَهُ قَاضِيخَانُ، وَالزَّيْلَعِيُّ، وَابْنُ الْهُمَامِ ; لِأَنَّهُ الْمُرَادُ عُرْفًا، وَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِهِ فَبِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ يَمْشِي مِنْ بَيْتِهِ، ثُمَّ لَوْ رَكِبَ فِي كُلِّ الطَّرِيقِ أَوْ أَكْثَرَ بِعُذْرٍ أَوْ بِلَا عُذْرٍ لَزِمَهُ دَمٌ ; لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا يَخْرُجُ عَنِ الْعَهْدِ، وَإِنْ رَكِبَ فِي الْأَقَلِّ تَصَدَّقَ بِقَدْرِهِ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4780

٣٤٣٢ - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " ارْكَبْ أَيُّهَا الشَّيْخُ ; فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكَ وَعَنْ نَذْرِكَ ". ــ ٣٤٣٢ - (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " ارْكَبْ أَيُّهَا الشَّيْخُ ; فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكَ وَعَنْ نَذْرِكَ ")

стр. 4781

٣٤٣٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ «اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٤٣٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) : وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْأَنْصَارِ كَمَا تَقَدَّمَ (" اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ ) أَيْ: سَأَلَهُ (فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ فَأَفْتَاهُ) أَيْ: أَجَابَ عَنْ سُؤَالِهِ (أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا) : فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ ﵀، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا فِي نَذْرِ أُمِّ سَعْدٍ هَذَا، فَقِيلَ: كَانَ نَذْرًا مُطْلَقًا، وَقِيلَ: كَانَ صَوْمًا، وَقِيلَ عِتْقًا، وَقِيلَ صَدَقَةً. وَاسْتَدَلَّ كُلُّ قَائِلٍ بِأَحَادِيثَ جَاءَتْ فِي قِصَّةِ أُمِّ سَعْدٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ نَذْرًا فِي الْمَالِ، أَوْ نَذْرًا مُبْهَمًا، وَيُعَضِّدُهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، فَقَالَ لَهُ: يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ : " اسْقِ عَنْهَا الْمَاءَ ". وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَارِثَ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ النَّذْرِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمَيِّتِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مَالِيٍّ وَإِذَا كَانَ مَالِيًّا كَكَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ زَكَاةٍ وَلَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً لَا يَلْزَمُهُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: يَلْزَمُهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا، وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْوَارِثَ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَحَدِيثُ سَعْدٍ يُحْتَمَلُ، أَنَّهُ قَضَى مِنْ تَرِكَتِهَا أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِإِلْزَامِهِ ذَلِكَ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَالِ فَقَدْ سَبَقَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4782

٣٤٣٤ - «وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ". قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ. ــ ٣٤٣٤ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: كَانَ أَحَدَ شُعَرَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ اهـ. وَيَجْمَعُ أَوَائِلَ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ لَفْظُ مَكَّةَ (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي) أَيْ: عَنِ التَّخَلُّفِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِلَا عُذْرٍ، وَالتَّوْبَةُ هِيَ النَّدَامَةُ وَالْعَزْمُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، فَالْمَعْنَى مِنْ تَمَامِهَا (أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي) أَيْ: أَتَجَرَّدَ عَنْهُ كَمَا يَتَجَرَّدُ

стр. 4783

الْإِنْسَانُ وَيَنْخَلِعُ مِنْ ثِيَابِهِ (صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ) : فِي النِّهَايَةِ أَيْ: أَخْرُجَ عَنْهُ جَمِيعِهِ وَأَتَصَدَّقَ بِهِ، وَأَعْرَى مِنْهُ كَمَا يَعْرَى الْإِنْسَانُ إِذَا خَلَعَ ثَوْبَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هَذَا الِانْخِلَاعُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي مَعْنَى النَّذْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَفَّارَةٌ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُظْهِرُ كَأَنَّهُ قَالَ: مَا أَنَا فِيهِ يَقْتَضِي خَلْعَ مَالِي صَدَقَةً مُكَفِّرَةً، وَإِمَّا شُكْرًا كَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ اسْتِصْحَابُ الصَّدَقَةِ شُكْرًا لِلنِّعَمِ الْمُتَجَدِّدَةِ، لَا سِيَّمَا مَا عَظُمَ مِنْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، وَمُرَارَةَ بْنَ الرَّبِيعِ، وَهِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي خُرُوجِهِ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثُمَّ نَدِمُوا مِنْ سُوءِ صَنِيعِهِمْ ذَلِكَ، فَتَابُوا إِلَى اللَّهِ، فَقَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَأَنْزَلَ فِيهِمْ ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ﴾ [التوبة: ١١٨] أَيْ: وَتَابَ بِمَعْنَى أَوْقَعَ قَبُولَ التَّوْبَةِ عَلَى ﴿الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] أَيْ: تَخَلَّفُوا عَنِ الْغَزْوِ بِمَعْنَى خَلَّفَهُمُ الشَّيْطَانُ، أَوْ خَلَّفَ أَمْرَهُمْ، فَإِنَّهُمُ الْمُرْجَوْنَ، ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨] أَيْ: بِرُحْبِهَا بِمَعْنَى مَعَ سَعَتِهَا، فَأَرَادَ كَعْبٌ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى لِقَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَلَعَلَّ ذِكْرَهُ فِي بَابِ النَّذْرِ لِشَبَهِهِ النَّذْرَ فِي أَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِحُدُوثِ أَمْرٍ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ ") : الظَّاهِرُ أَنَّهُ الثُّلُثَانِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ (" فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ") : قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: إِنَّمَا أَمَرَهُ ﷺ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الصَّدَقَةِ بِبَعْضِهِ خَوْفًا مِنْ تَضَرُّرِهِ، وَأَنْ لَا يَتَصَبَّرَ عَلَى الْفَاقَةِ، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا صَدَقَةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِجَمِيعِ مَالِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ صَابِرًا رَاضِيًا (قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ) أَيْ: مِنَ الْعَقَارِ أَوْ غَيْرِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيِ: الْمَذْكُورُ هُنَا (طَرَفٌ) أَيْ: بَعْضٌ (مِنْ حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ) أَيْ: ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ كَالشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي كُتُبِهِمْ بِطُولِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ، لِأَنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ مُتَعَلِّقُ الْبَابِ، وَذُكِرَ مُطَوَّلًا فِي تَفْسِيرِهِ مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَّصِلِ إِلَى الْبُخَارِيِّ.

стр. 4784

الْفَصْلُ الثَّانِي ٣٤٣٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٣٤٣٥ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» ") : وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: لَا وَفَاءَ فِي نَذْرِ مَعْصِيَةٍ وَإِنْ نَذَرَ أَحَدٌ فِيهَا، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَكَفَّارَتُهُ الْيَمِينُ، وَإِنَّمَا قَدَّرَ الْوَفَاءَ ; لِأَنَّ " لَا " لِنَفْيِ الْجِنْسِ تَقْتَضِي نَفْيَ الْمَاهِيَّةِ، فَإِذَا نُفِيَتْ يَنْتَفِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، فَإِذًا يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ الْوَفَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ: وَمَنْ كَانَ نَذَرَ فِي مَعْصِيَةٍ فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ وَلَا وَفَاءَ فِيهِ، وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ اهـ. وَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَنْصَفَ فِي طَرِيقِ الْهُدَى، وَلَمْ يَتَعَسَّفْ إِلَى طَرِيقِ الْهَوَى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ) : وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَالصَّحِيحُ وُجُودُهُ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِهَذَا اللَّفْظِ. وَقَالَ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.

стр. 4785

٣٤٣٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ ; فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ ". مَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. ــ ٣٤٣٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ ") أَيِ: النَّاذِرُ بِأَنْ قَالَ: نَذَرْتُ نَذْرًا أَوْ عَلَيَّ نَذْرٌ وَلَمْ يُعَيِّنِ النَّذْرَ أَنَّهُ صَوْمٌ أَوْ غَيْرُهُ. (" فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ") : قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ: كَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَحَمَلَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا عَلَى نَذْرِ اللَّجَاجِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ

стр. 4786

مُرِيدًا الِامْتِنَاعَ مِنْ كَلَامِ زَيْدٍ مَثَلًا إِنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا، فَكَلَّمَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَبَيْنَ مَا الْتَزَمَهُ. قُلْتُ: وَلَا يَظْهَرُ حَمْلُ مَا لَمْ يُسَمِّهِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، مَعَ أَنَّ التَّخْيِيرَ خِلَافُ الْمَفْهُومِ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَسْطُورِ قَالَ: وَحَمَلَهُ مَالِكٌ وَكَثِيرُونَ عَلَى النَّذْرِ الْمُطْلَقِ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ نَذْرٌ. قُلْتُ: هَذَا الْقَوْلُ حَقٌّ، وَسَيَأْتِي تَوْجِيهُهُ الْمُحَقَّقُ قَالَ: وَحَمَلَهُ أَحْمَدُ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ. قُلْتُ: مَعَ بُعْدِهِ يَرُدُّهُ الْعَطْفُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (" «وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ") : فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَطْفِ الْمُغَايَرَةُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا فِي الْجُمْلَتَيْنِ. قَالَ: وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّذْرِ، وَقَالُوا: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْوَفَاءِ لِمَا الْتَزَمَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ قُلْتُ: يَلْزَمُ مِنْهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ إِتْيَانِ الْمَعْصِيَةِ وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا قَالَ بِهِ لِقَوْلِهِ: " لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ". أَيْ: لَا وَفَاءَ بِهِ كَمَا سَبَقَ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ أَنَّ ارْتِكَابَ الْمَعْصِيَةِ حَرَامٌ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَوْ فَعَلَ خَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، هَذَا وَقَدْ قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ عَلَيَّ نَذْرًا لِلَّهِ يَكُونُ يَمِينًا إِذَا نَكَّرَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرًا لِلَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ لَا أَفْعَلَنَّ كَذَا حَتَّى إِذَا لَمْ يَفِ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، هَذَا إِذَا لَمْ يَنْوِ بِهَا النَّذْرَ الْمُطْلَقَ شَيْئًا مِنَ الْقُرَبِ كَحَجٍّ أَوْ صَوْمٍ فَإِنْ كَانَ نَوَى بِقَوْلِهِ: عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ يَصِحُّ النَّذْرُ بِهَا، فَفَعَلَ لَزِمَتْهُ تِلْكَ الْقُرْبَةُ، قَالَ الْحَاكِمُ: وَإِنْ حَلَفَ بِالنَّذْرِ فَإِنْ نَوَى شَيْئًا مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَعَلَيْهِ مَا نَوَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ ﵊: " «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا وَلَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يُوجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةَ مُطْلَقًا، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا نَوَى بِالْمُطْلَقِ فِي اللَّفِّ قُرْبَةً مُعَيَّنَةً كَانَتْ كَالْمُسَمَّاةِ لِأَنَّهَا مُسَمَّاةٌ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، فَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ الْحَدِيثُ إِلَى مَا لَا نِيَّةَ مَعَهُ مِنْ لَفْظِ النَّذْرِ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ نَذْرًا لِلَّهِ، وَلَمْ يُرِدْ عَلَيَّ ذَلِكَ، فَهَذَا لَمْ نَجْعَلْهُ يَمِينًا ; لِأَنَّ الْيَمِينَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِمَحْلُوفٍ عَلَيْهِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ تَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةُ ابْتِدَاءً بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، فَأَمَّا إِذَا ذَكَرَ صِيغَةَ النَّذْرِ بِأَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا، أَوْ صَوْمُ يَوْمٍ مُطْلَقًا عَنِ الشَّرْطِ، أَوْ مُعَلَّقًا بِهِ، وَذَكَرَ لَفْظَ النَّذْرِ مُسَمًّى مَعَهُ الْمَنْذُورُ، مِثْلَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرُ صَوْمِ يَوْمَيْنِ مُعَلَّقًا أَوْ مُنْجَزًا، فَسَيَأْتِي فِي فَصْلِ الْكَفَّارَةِ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ صِيغَةِ النَّذْرِ وَلَفْظِ النَّذْرِ اهـ. بَلَّغَهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْأَقْصَى فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، ثُمَّ قَالَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ: وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا مُطْلَقًا أَيْ: غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ كَأَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ أَوْ حَجَّةٌ أَوْ صَدَقَةٌ أَوْ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ وَنَحْوُهُ مِمَّا هُوَ طَاعَةٌ مَقْصُودَةٌ لِنَفْسِهَا، وَمِنْ جِنْسِهَا وَاجِبٌ، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهَا، وَهَذِهِ شُرُوطُ لُزُومِ النَّذْرِ فَالنَّذْرُ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِنَفْسِهِ، وَكَذَا النَّذْرُ لِعِيَادَةٍ لِمَرِيضٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ، وَأَمَّا كَوْنُ الْمَنْذُورِ مَعْصِيَةً يَمْنَعُ اعْتِقَادَ النَّذْرِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِذَا كَانَ حَرَامًا لِعَيْنِهِ أَوْ لَيْسَ فِيهِ جِهَةُ الْقُرْبَةِ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ نَذْرَ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ يَنْعَقِدُ، وَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِصَوْمِ يَوْمٍ غَيْرِهِ، وَلَوْ صَامَهُ خَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ، وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: " «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ قَالَ فِيهِ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَالْحَدِيثُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَبَيَّنَ عِلَّتَهُ، وَكَذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ، وَقَوْلُنَا: فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ أَيْ: مِنْ حَيْثُ هُوَ قُرْبَةٌ لَا بِكُلِّ وَصْفٍ الْتُزِمَ بِهِ أَوْ عُيِّنَ وَهُوَ خِلَافِيَّةُ زُفَرَ، فَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَذَا الدِّرْهَمِ فَتَصَدَّقَ بِغَيْرِهِ عَنْ نَذْرِهِ أَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَتَصَدَّقَ فِي غَدٍ أَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى هَذَا الْفَقِيرِ فَتَصَدَّقَ بِغَيْرِهِ عَنْ نَذْرِهِ أَجْزَأَهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ، خِلَافًا لِزُفَرَ لَهُ: أَنَّهُ يَأْتِي بِغَيْرِ مَا نَذَرَهُ، وَلَنَا: إِنَّ لُزُومَ مَا الْمُلْتَزَمَةِ. (" وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ ") : كَحَمْلِ جَبَلٍ أَوْ رَفْعِ حِمْلٍ أَوِ الْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَنَحْوِهِ (" فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ ") : أَمْرُ غَائِبٍ مِنْ وَفَى يَفِي، وَالْمَعْنَى فَلْيَفِ بِهِ أَوْ لِيُكَفِّرْ، وَبِهَا اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ الْبِرَّ فِي الْيَمِينِ أَوْلَى إِلَّا إِذَا كَانَ مَعْصِيَةً. قَالَ الطِّيِبِيُّ قَوْلُهُ: وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ، وَيُقَوِّي مَذْهَبَ الْأَصْحَابِ. قُلْتُ: لَا يَظْهَرُ وَجْهُهُ عِنْدَ أُولِي الْأَلْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَوَقَفَهُ) أَيِ: الْحَدِيثَ (بَعْضُهُمْ) أَيْ: أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى. (عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) .

стр. 4787

٣٤٣٧ - وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ قَالَ: «نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: " فَهَلْ كَانَ فِيهِ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ " قَالُوا: لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ بِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٤٣٧ - (وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) : وَهُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: فِي زَمَانِهِ (أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ الثَّانِيَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، اسْمُ مَوْضِعٍ فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ دُونَ يَلَمْلَمَ، وَقَدْ جَاءَ بِحَذْفِ التَّاءِ أَيْضًا. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: بِبُوَانَةَ بِالضَّمِّ اسْمُ مَوْضِعٍ، وَأَمَّا الَّذِي بِبِلَادِ فَارِسَ هُوَ شِعْبُ بَوَّانَ فَبِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ، (فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: فَجَاءَهُ الرَّجُلُ (فَأَخْبَرَهُ) أَيْ: فَأَعْلَمَهُ بِنَذْرِهِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: لِأَصْحَابِهِ (" هَلْ كَانَ فِيهَا ") أَيْ: فِي بُوَانَةَ (" وَثَنٌ ") : بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: صَنَمٌ (" مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ ") أَيْ: بِالْأُلُوهِيَّةِ (فَقَالُوا: لَا. قَالَ: " فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ ") أَيْ: إِظْهَارُ سُرُورٍ (" مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ ") : وَهَذَا كُلُّهُ احْتِرَازٌ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالْكُفَّارِ فِي أَفْعَالِهِمْ (قَالُوا: لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ مُلْتَفِتًا إِلَى الرَّجُلِ (أَوْفِ بِنَذْرِكَ) : الطِّيبِيُّ ﵀: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُضَحِّيَ فِي مَكَانٍ، أَوْ يَتَصَدَّقَ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ. (" «فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» ") : تَعْلِيلٌ لِتَفْصِيلِ مَا تَحَقَّقَ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُفْرَدٌ مُسْتَقِلٌّ، رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرٍ كَمَا سَبَقَ. (" وَلَا ") أَيْ: وَلَا نَذْرَ صَحِيحٌ أَوْ مُنْعَقِدٌ (" فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ") أَيْ: فِيمَا لَا يَمْلِكُ عِنْدَ النَّذْرِ حَتَّى لَوْ مَلَكَهُ بَعْدَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَفَاءُ بِهِ وَلَا الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4788

٣٤٣٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ. قَالَ: " أَوْفِي بِنَذْرِكِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ رَزِينٌ: قَالَتْ: «وَنَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، مَكَانٌ يَذْبَحُ فِيهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: " هَلْ كَانَ بِذَلِكِ الْمَكَانِ وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ " قَالَتْ: لَا. قَالَ: " هَلْ كَانَ فِيهِ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ " قَالَتْ: لَا. قَالَ: " أَوْفِي بِنَذْرِكِ» ". ــ ٣٤٣٨ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ) أَيْ: قُدَّامَكَ أَوْ عِنْدَ قُدُومِكَ (بِالدُّفِّ) : بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ: قَالَ الْأَكْمَلُ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ: الدُّفُّ بِالضَّمِّ أَشْهَرُ وَأَفْصَحُ، وَرُوِيَ بِالْفَتْحِ أَيْضًا (قَالَ: " أَوْفِ بِنَذْرِكَ ") : قَالَ الْخَطَّابِيُّ ﵀: ضَرْبُ الدُّفِّ لَيْسَ مِمَّا يُعَدُّ فِي بَابِ الطَّاعَاتِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا النُّذُورُ، وَأَحْسَنُ حَالِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا اتَّصَلَ بِإِظْهَارِ الْفَرَحِ لِسَلَامَةِ مَقْدِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مِنْ بَعْضِ غَزَوَاتِهِ، وَكَانَتْ فِيهِ مَسَاءَةُ الْكُفَّارِ وَإِرْغَامُ الْمُنَافِقِينَ صَارَ فِعْلُهُ كَبَعْضِ الْقُرَبِ، وَلِهَذَا اسْتُحِبَّ ضَرْبُ الدُّفِّ فِي النِّكَاحِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِهِ، وَالْخُرُوجِ بِهِ عَنْ مَعْنَى السِّفَاحِ الَّذِي لَا يُظْهَرُ، وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هِجَاءِ الْكُفَّارِ: " «اهْجُوا قُرَيْشًا ; فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ» ". (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ رَزِينٌ) أَيْ: فِي جَامِعِهِ (قَالَتْ: وَنَذَرْتُ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ عَطْفًا عَلَى الْأَوَّلِ (أَنْ أَذْبَحَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا) : كِنَايَاتٌ عَنِ التَّعْيِينِ (مَكَانٌ) : بِالرَّفْعِ أَيْ: هُوَ أَيِ الْمَكَانُ الْمُعَيَّنُ مَكَانٌ (يَذْبَحُ فِيهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ) وَفِي نُسْخَةٍ بِجَرِّ مَكَانٍ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْأَوَّلِ (فَقَالَ: " هَلْ كَانَ بِذَلِكِ الْمَكَانِ ") : بِكَسْرِ الْكَافِ خِطَابُ الْمُؤَنَّثِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا خِطَابُ الْعَامِّ (" وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَالَتْ: لَا. قَالَ: " هَلْ كَانَ فِيهِ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: " أَوْفِي بِنَذْرِكِ ") .

стр. 4789

٣٤٣٩ - «وَعَنْ أَبِي لُبَابَةَ ﵁: أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً قَالَ: " يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ» ". رَوَاهُ رَزِينٌ. ــ ٣٤٣٩ - (وَعَنْ أَبِي لُبَابَةَ) : بِضَمِّ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَتَيْنِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ رِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ غَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ كَانَ مِنَ النُّقَبَاءِ، وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا، وَقِيلَ: لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، بَلْ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمٍ مَعَ أَصْحَابِ بَدْرٍ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ وَنَافِعٌ وَغَيْرُهُمَا. (أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي) أَيْ: مِنْ تَمَامِهَا (أَنْ أَهْجُرَ) : بِفَتْحِ هَمْزٍ وَضَمِّ جِيمٍ أَيْ: أَتْرُكَ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ) : وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا فِرَارًا عَنْ مَوْضِعٍ غَلَبَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ بِالذَّنْبِ فِيهِ، وَذَنْبُهُ كَانَ مَحَبَّتَهُ لِيَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ لِمَا أَنَّ عِيَالَهُ وَأَمْوَالَهُ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَمَّا حَاصَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَخَافُوا قَالُوا: ابْعَثْ لَنَا أَبَا لُبَابَةَ نَسْتَشِيرُهُ، فَبَعَثَهُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ وَهُمْ يَبْكُونَ: أَتُرَى نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ أَيِ الذَّبْحُ ثُمَّ نَدِمَ، وَقَالَ: قَدْ خُنْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَنَزَلَ فِيهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] فَشَدَّ نَفْسَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ وَقَالَ: لَا أَذُوقُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا حَتَّى أَتُوبَ أَوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ تِيبَ عَلَيْكَ فَحُلَّ نَفْسَكَ قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَحُلُّهَا حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الَّذِي يَحُلُّنِي، فَجَاءَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَلَّهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي إِلَخْ (وَأَنْ أَنْخَلِعَ) أَيْ: أَخْرُجَ بِالتَّجَرُّدِ (عَنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً) أَيْ: شُكْرًا لِقَبُولِ التَّوْبَةِ (قَالَ: يُجْزِئُ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَوْ يَكْفِي (" عَنْكَ الثُّلُثُ ") : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي أَيْ: ثُلُثُ مَالِكَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ لِلصُّوفِيَّةِ عَلَى ثُبُوتِ الْغَرَامَةِ الْمَالِيَّةِ عَلَى مَنْ يُذْنِبُ ذَنْبًا فِي الطَّرِيقَةِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ (رَوَاهُ رَزِينٌ) أَيْ: فِي جَامِعِهِ.

стр. 4790

٣٤٤٠ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: «أَنَّ رَجُلًا قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ: " صَلِّ هَاهُنَا ". ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: " صَلِّ هَاهُنَا ". ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: " شَأْنَكَ إِذًا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٣٤٤٠ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) : صَحَابِيَّانِ جَلِيلَانِ (أَنَّ رَجُلًا قَامَ) أَيْ: وَقَفَ لِلسُّؤَالِ (يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ) : بِفَتْحِ مِيمٍ وَكَسْرِ دَالٍ وَهُوَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى (رَكْعَتَيْنِ) : وَلَعَلَّهُ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ. (قَالَ: " صَلِّ هَاهُنَا ") أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مَعَ كَوْنِهِ أَسْهَلَ (ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ) أَيِ: السُّؤَالَ (فَقَالَ: " صَلِّ هَاهُنَا ") : أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ (ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ) أَيِ: الْكَلَامَ (فَقَالَ: " شَأْنَكَ ") : بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ أَيِ: الْزَمْ شَأْنَكَ، وَالْمُعَيَّنُ أَنْتَ تَعْلَمُ (" إِذًا ") : بِالتَّنْوِينِ جَوَابٌ وَجَزَاءٌ أَيْ: إِذَا أَبَيْتَ أَنْ تُصَلِّيَ هَاهُنَا فَافْعَلْ مَا نَذَرْتَ بِهِ مِنْ صَلَاتِكَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ يَخْرُجُ عَنْ نَذْرِهِ إِذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَا يَخْرُجُ إِذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لِقَوْلِهِ ﷺ : " «وَصَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» ". وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ نَذْرِهِ بِالصَّلَاةِ فِي غَيْرِهِ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَفِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ يَخْرُجُ عَنِ النَّذْرِ لِهَذَا الْحَدِيثِ اهـ. وَقَالَ عُلَمَاءُنَا: الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَكَانٍ فَصَلَّى فِي غَيْرِهِ دُونَهُ أَجْزَأَهُ، وَفِي الْمُصَفَّى: اعْلَمْ أَنَّ أَقْوَى الْأَمَاكِنِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ثُمَّ مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ الْجَامِعُ، ثُمَّ مَسْجِدُ الْحَيِّ، ثُمَّ الْبَيْتُ. فَلَوْ نَذَرَ إِنْسَانٌ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا يَجُوزُ أَدَاؤُهَا إِلَّا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، عِنْدَ زُفَرَ خِلَافًا لِأَصْحَابِنَا: وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَجُوزُ أَدَاؤُهُمَا إِلَّا فِي مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَجُوزُ أَدَاؤُهُمَا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ: الْجَامِعُ وَمَسْجِدُ الْحَيِّ وَالْبَيْتُ، وَقِيلَ: أَبُو يُوسُفَ أَيْضًا مَعَ زُفَرَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 4791

قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا نَذَرَ رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَأَدَّاهَا فِي أَقَلَّ شَرَفًا مِنْهُ أَوْ فِيمَا لَا شَرَفَ لَهُ أَجْزَأَهُ خِلَافًا لِزُفَرَ. لَهُ: أَنَّهُ نَذْرٌ بِزِيَادَةِ قُرْبَةٍ فَيَلْزَمُهُ. قُلْنَا: عُرِفَ مِنَ الشَّرْعِ أَنَّ الْتِزَامَهُ مَا هُوَ قُرْبَةٌ مُوجَبٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنِ الشَّرْعِ اعْتِبَارُ تَخْصِيصِ الْعَبْدِ الْعِبَادَةَ بِمَكَانٍ، بَلْ إِنَّمَا عَرَّفَ ذَلِكَ تَعَالَى فَلَا يَتَعَدَّى لُزُومُ أَصْلِ الْقُرْبَةِ بِالْتِزَامِهِ إِلَى الْتِزَامِ التَّخْصِيصِ بِمَكَانٍ، فَكَانَ مُلْغًى، وَبَقِيَ لَازِمًا بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ. فَإِنْ قُلْتَ: مِنْ شُرُوطِ النَّذْرِ كَوْنُهُ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ، فَكَيْفَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: إِذَا نَذَرَ رَكْعَتَيْنِ بِلَا وُضُوءٍ يَصِحُّ نَذْرُهُ خِلَافًا لِزُفَرَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ مُحَمَّدًا ﵀ أَهْدَرَهُ لِذَلِكَ، وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ، فَإِنَّمَا صَحَّحَهُ بِوُضُوءٍ نَظَرًا إِلَى الْتِزَامِ الشَّرْطِ فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ لَغْوٌ لَا يُؤَثِّرُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 4792

٣٤٤١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵃ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، وَأَنَّهَا لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِ أُخْتِكَ، فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِيَ هَدْيًا. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، فَلْتَرْكَبْ وَلْتَحُجَّ رَاكِبَةً وَتُكَفِّرْ يَمِينَهَا» ". ــ ٣٤٤١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) : أَيِ الْجُهَنِيِّ، وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ (نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، وَأَنَّهَا) : أَيْ أُخْتَهُ (لَا تُطِيقُ ذَلِكَ) : أَيِ الْحَجَّ مَاشِيَةً وَفِي نُسْخَةٍ لِلْمَصَابِيحِ: فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ وَقِيلَ: إِنَّهَا لَا تُطِيقُ. (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِ أُخْتِكَ، فَلْتَرْكَبْ ") : أَيْ إِذَا لَمْ تُطِقْ فَلْتَرْكَبْ (" وَلْتُهْدِ ") : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ لِتَنْحَرْ (" بَدَنَةً ") : أَيْ بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً عِنْدَنَا وَإِبِلًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أَيْ: لِأَبِي دَاوُدَ (فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَرْكَبَ) : أَيْ لِلْعَجْزِ (وَتُهْدِيَ هَدْيًا) : وَأَقَلُّهُ شَاةٌ وَأَعْلَاهُ بَدَنَةٌ فَالشَّاةُ كَافِيَةٌ، وَالْأَمْرُ بِالْبَدَنَةِ لِلنَّدْبِ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: لَمَّا كَانَ الْمَشْيُ فِي الْحَجِّ مِنْ عِدَادِ الْقُرُبَاتِ وَجَبَ النَّذْرُ، وَالْتَحَقَ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ الَّتِي لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا إِلَّا لِمَنْ عَجَزَ، وَيَتَعَلَّقُ بِتَرْكِهِ الْفِدْيَةُ، وَاخْتُلِفَ فِي الْوَاجِبِ فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: تَجِبُ بَدَنَةٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَلْتُهْدِ بَدَنَةً ". وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ دَمُ شَاةٍ كَمَا فِي مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ، وَحَمَلُوا الْأَمْرَ بِالْبَدَنَةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ وَإِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَدْيِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ. (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) : أَيْ لِأَبِي دَاوُدَ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ ": بِفَتْحِ الشِّينِ أَيْ بِتَعَبِهَا وَمَشَقَّتِهَا (" شَيْئًا ") : أَيْ مِنَ الصُّنْعِ فَإِنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ دَفْعِ الضَّرَرِ وَجَلْبِ النَّفْعِ (" فَلْتَحُجَّ ") : بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَضَمُّهَا أَيْ: إِذَا عَجَزَتْ عَنِ الْمَشْيِ فَلْتَحُجَّ (" رَاكِبَةً ") : بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَلْتَرْكَبْ وَلْتَحُجَّ بِالْوَاوِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَاءِ. (" وَتُكَفِّرْ ") : بِالْجَزْمِ أَيْ فَلْتُكَفِّرْ هِيَ (" يَمِينَهَا ") : بِالنَّصْبِ أَيْ عَنْ حِنْثِ يَمِينِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْفِيرِ كَفَّارَةُ الْجِنَايَةِ وَهِيَ الْهَدْيُ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ الصَّوْمِ عَلَى مَا سَيَأْتِي لِيُطَابِقَ الرِّوَايَاتِ لَا كَفَّارَةَ الْيَمِينِ، وَإِنَّمَا نُسِبَتِ الْجِنَايَةُ إِلَى الْيَمِينِ، لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِوُجُوبِهَا عِنْدَ حِنْثِهَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 4793

٣٤٤٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ ﵁ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أُخْتٍ لَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ. فَقَالَ: " مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٣٤٤٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيَّ، سَمِعَ عُمَرَ وَأَبَا ذَرٍّ وَغَيْرَهُمَا ﵃ يُعَدُّ فِي تَابِعِي الْمِصْرِيِّينَ وَحَدِيثُهُ عِنْدَ أَهْلِ مِصْرَ (أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ) : أَيِ الْجُهَنِيَّ (سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أُخْتٍ لَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ حَافِيَةً) : أَيْ مَاشِيَةً غَيْرَ لَابِسَةٍ فِي رِجْلِهَا شَيْئًا (غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ) : بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ أَيْ غَيْرَ مُغَطِّيَةٍ رَأْسَهَا بِخِمَارِهَا. فِي الْمُغْرِبِ: الْخِمَارُ مَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا، وَقَدِ اخْتَمَرَتْ وَتَخَمَّرَتْ إِذَا لَبِسَتِ الْخِمَارَ. (فَقَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (مُرُوهَا ") : الْأَمْرُ لِعُقَبَةَ وَمَنْ مَعَهُ (" فَلْتَخْتَمِرْ ") : لِأَنَّ كَشْفَ رَأْسِهَا عَوْرَةٌ وَهِيَ مَعْصِيَةٌ (" وَلْتَرْكَبْ ") : لِعَجْزِهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ إِطَاقَتِهَا، لَا سِيَّمَا مَعَ الْحَفَاءِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الْجَفَاءُ

стр. 4794

(" وَلْتَصُمْ ") : أَيْ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْهَدْيِ. أَوْ عَنْ أَنْوَاعِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ") : أَيْ مُتَوَالِيَةً إِنْ كَانَ عَنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ شَاءَتْ وَقَالَ الْمُظْهِرُ: أَمَّا أَمْرُهُ إِيَّاهَا بِالِاخْتِمَارِ وَالِاسْتِتَارِ، فَلِأَنَّ النَّذْرَ لَمْ يَنْعَقِدْ فِيهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ، وَالنِّسَاءُ مَأْمُورَاتٌ بِالِاخْتِمَارِ وَالِاسْتِتَارِ. قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّذْرَ يَنْعَقِدُ فِي الْمَعْصِيَةِ، لَكِنْ لَا وَفَاءَ بِهِ أَيْ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ هَذَا النَّذْرُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَحْنَثَ وَيُكَفِّرَ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْأَحَادِيثِ. قَالَ: وَأَمَّا نَذْرُهَا الْمَشْيَ حَافِيَةً، فَالْمَشْيُ قَدْ صَحَّ فِيهِ النَّذْرُ، وَعَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يَمْشِيَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِذَا عَجَزَ رَكِبَ وَأَهْدَى هَدْيًا، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أُخْتُ عُقْبَةَ كَانَتْ عَاجِزَةً عَنِ الْمَشْيِ، بَلْ قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) .

стр. 4795

٣٤٤٣ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ﵁: «أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ، فَقَالَ: إِنْ عُدْتَ تَسْأَلُنِي الْقِسْمَةَ فَكُلُّ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَكَلِّمْ أَخَاكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَا يَمِينَ عَلَيْكَ وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٤٤٣ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) : مِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ (أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ) : أَيْ أَخَاهُ الْمُصَاحِبَ الْمُشَارِكَ فِي الْمِيرَاثِ (الْقِسْمَةَ) : أَيْ فِي النَّخِيلِ وَالْعَقَارِ، أَوِ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ (فَقَالَ) : أَيِ الْآخَرُ (إِنْ عُدْتَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: رَجَعْتَ تَسْأَلُنِي الْقِسْمَةَ فَكُلُّ مَالِي) : بِإِضَافَةِ الْمَالِ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، وَمَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ أَيْ: فَكُلُّ شَيْءٍ لِي مِنَ الْمِلْكِ (فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ مَصَالِحِهَا أَوْ زِينَتِهَا. قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: الرَّتَجُ مُحَرَّكَةً الْبَابُ الْعَظِيمُ كَالرِّتَاجِ كَكِتَابٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: الرِّتَاجُ الْبَابُ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَعْبَةُ، لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ مَالَهُ هَدْيٌ إِلَى الْكَعْبَةِ لَا إِلَى بَابِهَا، فَكَنَّى بِالْبَابِ لِأَنَّهُ مِنْهُ يُدْخَلُ (فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ) : بِكَسْرِ اللَّامِ (كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَكَلِّمْ أَخَاكَ) : أَيْ فِي عَوْدِهِ إِلَى سُؤَالِ الْقِسْمَةِ (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَا يَمِينَ عَلَيْكَ ") : أَيْ عَلَى مِثْلِكَ، وَالْمَعْنَى لَا يَجِبُ إِلْزَامُ هَذِهِ الْيَمِينِ عَلَيْكَ، وَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْكَفَّارَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ سَمِعْتُ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ إِلَى قَوْلِي لَكَ: لَا يَمِينَ عَلَيْكَ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرْتَ، وَسَمَّى النَّذْرَ يَمِينًا لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَا يَلْزَمُ مِنَ الْيَمِينِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي النَّذْرِ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ مِثْلَ إِنْ قَالَ: إِنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَإِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ صَلَاةٌ، فَهَذَا نَذْرٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ، لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ مَنْعَ نَفْسِهِ عَنِ الْفِعْلِ كَالْحَالِفِ يَقْصِدُ بِيَمِينِهِ مَنْعَ نَفْسِهِ عَنِ الْفِعْلِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، كَمَا لَوْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْوَفَاءُ

стр. 4796

بِمَا الْتَزَمَهُ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ النُّذُورِ اهـ الْكَلَامُ، وَقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ ابْنِ الْهُمَامِ مِمَّا يَنْفَعُكَ فِي هَذَا الْمَقَامِ. (" «وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ» ") : أَيْ لَا وَفَاءَ فِي هَذَا النَّذْرِ (" وَلَا فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ ") : وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ لِمُنَاسَبَةِ الْمَقَامِ مِنْ مَنْعِ الْكَلَامِ مَعَ أَخِيهِ فِي تَحْصِيلِ الْمَرَامِ (وَلَا فِيمَا لَا يُمْلَكُ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَعْلُومِ أَيْ فِيمَا لَا يَمْلِكُ النَّاذِرُ حِينَ نَذَرَهُ وَلَوْ مَلَكَ بَعْدَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4797

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٣٤٤٤ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «النَّذْرُ نَذْرَانِ: فَمَنْ كَانَ نَذَرَ فِي طَاعَةٍ فَذَلِكَ لِلَّهِ فِيهِ الْوَفَاءُ، وَمَنْ كَانَ نَذَرَ فِي مَعْصِيَةٍ فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ وَلَا فَاءَ فِيهِ. وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ» ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٣٤٤٤ - (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " النَّذْرُ ") : أَيْ جِنْسُهُ (" نَذْرَانِ ") : أَيْ نَوْعَانِ يَنْذِرُهُمَا شَخْصَانِ (" فَمَنْ كَانَ نَذْرُهُ فِي طَاعَةٍ ") : وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَشْمَلُ الْمُبَاحَ (" فَذَلِكَ ") : أَيْ نَذْرُهُ (" لِلَّهِ ") : أَيْ يُرْضِي اللَّهَ (" فِيهِ الْوَفَاءُ ") : أَيْ يَجِبُ فِي حَقِّهِ، وَفِي نَذْرِهِ الْوَفَاءُ بِهِ (" وَمَنْ كَانَ نَذْرُهُ فِي مَعْصِيَةٍ فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ وَلَا وَفَاءَ فِيهِ ") أَيْ: لَا يَنْبَغِي الْوَفَاءُ فِيهِ، بَلْ يَجِبُ الْحِنْثُ وَأَدَاءُ الْكَفَّارَةِ (" وَيُكَفِّرُهُ ") : أَيِ النَّذْرَ (" مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا حَلَفَ الْكَافِرُ ثُمَّ حَنِثَ فِي حَالِ الْكُفْرِ أَوْ بَعْدَ إِسْلَامِهِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِذَا نَذَرَ الْكَافِرُ مَا هُوَ قُرْبَةٌ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ صَوْمٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عِنْدَنَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَلَا قَبْلَهُ، وَبِقَوْلِنَا قَالَ مَالِكٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: يَلْزَمُهُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَفِي رِوَايَةٍ يَوْمًا، فَقَالَ: " أَوْفِ بِنَذْرِكَ» ". وَفِي حَدِيثِ الْقَسَامَةِ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ: " «تُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا» ". وَلَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﷻ : ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] فَيَعْنِي صُوَرَ الْأَيْمَانِ الَّتِي أَظْهَرُوهَا، وَالْحَاصِلُ لُزُومُ تَأْوِيلٍ إِمَّا فِي لَا أَيْمَانَ لَهُمْ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَرَادَ لَا إِيفَاءَ لَهُمْ بِهَا أَوْ فِي نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْمُرَادَ مَا هُوَ صُوَرُ الْأَيْمَانِ دُونَ حَقِيقَتِهَا الشَّرْعِيَّةِ، وَتَرْجِيحُ التَّأْيِيدِ بِالْفِقْهِ، وَهُوَ إِنَّمَا نَعْلَمُ أَنَّ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْيَمِينِ يَكُونُ أَهْلًا لِلْكَفَّارَةِ، وَلَيْسَ الْكَافِرُ أَهْلًا لَهَا لِأَنَّهَا لَمَّا شُرِعَتْ عِبَادَةٌ يُجْبَرُ بِهَا مَا ثَبَتَ مِنْ إِثْمِ الْحِنْثِ إِنْ كَانَ، أَوْ مَا وَقَعَ مِنْ إِخْلَافِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى إِقَامَةً لِوَاجِبِهِ، وَلَيْسَ الْكَافِرُ أَهْلًا لِفِعْلِ عِبَادَةٍ، وَإِمَّا تَحْلِيفُ الْقَاضِي، وَقَوْلُهُ ﵊: " «تُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا» ". فَالْمُرَادُ كَمَا قُلْنَا صُوَرُ الْأَيْمَانِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا رَجَاءُ النُّكُولِ، وَالْكَافِرُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِ شَرْعًا الْيَمِينُ الشَّرْعِيُّ الْمُسْتَعْقِبُ لِحُكْمِهِ، لَكِنَّهُ يَعْتَقِدُ فِي نَفْسِهِ تَعْظِيمَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُرْمَةَ الْيَمِينِ بِهِ كَاذِبًا فَيَمْتَنِعُ عَنْهُ، فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ ظُهُورِ الْحَقِّ فَشُرِعَ الْتِزَامُهُ بِصُورَتِهَا لِهَذِهِ الْفَائِدَةِ.

стр. 4798

٣٤٤٥ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ نَفْسَهُ إِنْ نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْ عَدُوِّهِ. فَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ: سَلْ مَسْرُوقًا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَنْحَرْ نَفْسَكَ ; فَإِنَّكَ إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا قَتَلْتَ نَفْسًا مُؤْمِنَةً، وَإِنْ كُنْتَ كَافِرًا تَعَجَّلْتَ إِلَى النَّارِ، وَاشْتَرِ كَبْشًا فَاذْبَحْهُ لِلْمَسَاكِينِ ; فَإِنَّ إِسْحَاقَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَفُدِيَ بِكَبْشٍ. فَأَخْبَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ هَكَذَا كُنْتُ أَرَدْتُ أَنْ أُفْتِيَكَ. رَوَاهُ رَزِينٌ. ــ ٣٤٤٥ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الِافْتِعَالِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ هَمْدَانِيٌّ ابْنُ أَخِي مَسْرُوقٍ، رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَغَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: إِنَّ رَجُلًا نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ نَفْسَهُ إِنْ نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْ عَدُوِّهِ) : فَإِنَّ النَّجَاةَ مِنَ الْعَدُوِّ مَعَ تَصَوُّرِ أَنْوَاعِ الْهَلَاكِ عِنْدَهُ أَصْعَبُ مِنْ قَتْلِ الْوَاحِدِ نَفْسَهُ بِيَدِهِ إِمَّا نَظَرًا إِلَى الْفَضِيحَةِ وَالتَّعْيِيبِ، وَإِمَّا نَظَرًا إِلَى قِلَّةِ التَّعْذِيبِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ يَقَعُ كَثِيرًا مِنَ الْجَهَلَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ غَالِبٌ عَلَيْهِ لَذَّةُ الْخَلَاصِ مِنْ عَدُوِّهِ حَتَّى ذُهِلَ عَنْ فَقْدِ نَفْسِهِ وَهَلَاكِهِ بِيَدِهِ، وَنَظِيرُهُ أَنَّهُ قَالَ أَعْرَابِيٌّ فَقَدَ إِبِلًا لَهُ: مَنْ أَتَانِي بِهِ فَهُوَ لَهُ، فَقِيلَ لَهُ: فَمَا فَائِدَتُكَ؟ فَقَالَ: أَنْتُمْ مَا تَعْرِفُونَ لَذَّةَ الْوِجْدَانِ. (فَسَأَلَ) : أَيِ الرَّجُلُ (ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: سَلْ مَسْرُوقًا) . قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ، أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَدْرَكَ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَكَانَ أَحَدَ الْأَعْلَامِ وَالْفُقَهَاءِ الْكِرَامِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنْ كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ خُلِقُوا لِلْجَنَّةِ فَهُمْ هَؤُلَاءِ: الْأَسْوَدُ وَعَلْقَمَةُ وَمَسْرُوقٌ ﵁، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَشِرِ: كَانَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَامِلًا عَلَى الْبَصْرَةِ أَهْدَى إِلَى مَسْرُوقٍ ﵁ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُحْتَاجٌ فَلَمْ يَقْبَلْهَا، يُقَالُ: إِنَّهُ سُرِقَ صَغِيرًا ثُمَّ وُجِدَ مَسْرُوقًا، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ. (فَسَأَلَهُ، فَقَالَ) : أَيْ لَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (لَا تَنْحَرْ نَفْسَكَ ; فَإِنَّكَ إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا، قَتَلْتَ نَفْسًا مُؤْمِنَةً) : يَعْنِي وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﷻ : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ - وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٢٩ - ٩٣] الْآيَةَ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْقِصَاصِ مَا وَرَدَ مِنَ الْوَعِيدِ فِيمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ. (وَإِنْ كُنْتَ كَافِرًا تَعَجَّلْتَ إِلَى النَّارِ، وَاشْتَرِ كَبْشًا فَاذْبَحْهُ لِلْمَسَاكِينِ، فَإِنَّ إِسْحَاقَ) : أَيْ أَوْ إِسْمَاعِيلَ عَلَى خِلَافٍ فِي الذَّبِيحِ، تَوَقَّفَ السُّيُوطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ التَّصْحِيحِ. (خَيْرٌ مِنْكَ، وَفُدِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِكَبْشٍ) : إِيمَاءً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ عَظِيمُ شَأْنِهِ: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] (فَأَخْبَرَهُ) : أَيِ الرَّجُلُ (ابْنَ عَبَّاسٍ، ﵁ : أَيْ بِمَقُولِ مَسْرُوقٍ (فَقَالَ) : أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (هَكَذَا كُنْتُ أَرَدْتُ أَنْ أُفْتِيَكَ) أَيْ: أَفْتَاكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَعَلَّهُ إِنَّمَا بَعَثَهُ إِلَى مَسْرُوقٍ احْتِيَاطًا لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ لَا يَسْتَعْجِلَ فِي الْفَتْوَى، بَلْ يَسْتَشِيرُ أَوْ يَرْجِعُ إِلَى النَّقْلِ. (رَوَاهُ رَزِينٌ) : أَيْ فِي جَامِعِهِ.

стр. 4799

[كِتَابُ الْقِصَاصِ]

стр. 4800

كِتَابُ الْقِصَاصِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٣٤٤٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ» " " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ كِتَابُ الْقِصَاصِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَصْدَرٌ مِنَ الْمُقَاصَّةِ، وَهِيَ الْمُمَاثَلَةُ، أَوْ فِعَالٌ مِنْ قَصَّ الْأَثَرَ أَيْ تَبِعَهُ، وَالْوَالِي يَتْبَعُ الْقَاتِلَ فِي فِعْلِهِ. الْمُغْرِبُ: الْقَصُّ الْقَطْعُ وَقُصَاصُ الشَّعْرِ مَقْطَعُهُ وَمُنْتَهَى مَنْبَتِهِ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إِلَى حَوَالَيْهِ، وَمِنْهُ الْقِصَاصُ وَهُوَ مُقَاصَّةُ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ الْقَاتِلَ، وَالْمَجْرُوحِ الْجَارِحَ وَهِيَ مُسَاوَاتُهُ إِيَّاهُ فِي قَتْلٍ أَوْ جَرْحٍ ثُمَّ عُمَّ فِي كُلِّ مُسَاوَاةٍ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٣٤٤٦ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ) : أَيْ إِرَاقَتُهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُتَّضِحٌ عُرْفًا فَلَا إِجْمَالَ فِيهِ، وَلَا فِي كُلِّ تَحْرِيمٍ مُضَافٍ إِلَى الْأَعْيَانِ كَمَا ظُنَّ، وَالْمُرَادُ بِامْرِئٍ: الْإِنْسَانُ، فَإِنَّ الْحُكْمَ شَامِلٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسْوَانِ إِلَّا فِي جَانِبِ الْمُرْتَدَّةِ فَسَيَأْتِي الْبَيَانُ (" مُسْلِمٍ ") ، هُوَ صِفَةٌ مُقَيَّدَةٌ لِامْرِئٍ (" يَشْهَدُ ") : أَيْ يَعْلَمُ وَيَتَيَقَّنُ وَيَعْتَقِدُ (" أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ") : أَيْ بِوُجُودِهِ وَوُجُوبُ وُجُودِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَتَمْجِيدِهِ (" وَأَنِّي رَسُولُ ") : أَيْ إِلَى كَافَّةِ خَلْقِهِ. قَالَ الْقَاضِي: يَشْهَدُ مَعَ مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ جَاءَتْ لِلتَّوْضِيحِ وَالْبَيَانِ، لِيَعْلَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسْلِمِ هُوَ الْآتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَأَنَّ الْإِتْيَانَ بِهِمَا كَافٍ لِلْعِصْمَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الظَّاهِرُ أَنَّ يَشْهَدُ حَالٌ جِيءَ بِهَا مُقَيِّدَةً لِلْمَوْصُوفِ مَعَ صِفَتِهِ إِشْعَارًا بِأَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ بِهِمَا الْعُمْدَةُ فِي حَقْنِ الدَّمِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. (" إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ") : أَيْ خِصَالٍ ثَلَاثٍ: قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَزِنًا لِمُحْصَنٍ، وَالِارْتِدَادُ، فَفَصَّلَ ذَلِكَ بِتَعْدَادِ الْمُتَّصِفِينَ بِهِ الْمُسْتَوْجِبِينَ الْقَتْلَ لِأَجْلِهِ فَقَالَ: (" النَّفْسِ ") : بِالْجَرِّ وَجُوِّزَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ فِيهَا وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا، كَذَلِكَ قَالَ الْكَازَرُونِيُّ بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ وَبِالْجَرِّ بَدَلٌ، وَبِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ عَلَى الْأَوَّلِ اهـ. وَلَعَلَّهُ رِوَايَتُهُ وَإِلَّا فَالْمَشْهُورُ الْجَرُّ فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ لِابْنِ حَجَرٍ أَيْ قَاتِلِ النَّفْسِ. (" بِالنَّفْسِ ") ، لِيُلَائِمَهُ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ: (" وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ ") . أَوْ تَقْدِيرُهُ قَتْلُ النَّفْسِ وَزِنَا الثَّيِّبِ وَمُرُوقُ الْمَارِقِ، لِيَكُونَ بَيَانًا لِلْخِصَالِ الثَّلَاثِ، وَبِالنَّفْسِ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أَيْ قَتْلٍ مُلْتَبِسٍ بِالنَّفْسِ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْبَاءَ لِلْمُقَابَلَةِ أَيْ قَتْلُ النَّفْسِ الْمُقْتَصِّ بِالنَّفْسِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ إِخْرَاجًا لِلْقَتْلِ الْمُسْتَحَقِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ يَحِلُّ قَتْلُ النَّفْسِ قِصَاصًا بِالنَّفْسِ الَّتِي قَتَلَهَا عُدْوَانًا وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِوَلِيِّ الدَّمِ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ لِأَحَدٍ سِوَاهُ، حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُرَفَاءِ: كَمَا كَتَبَ الْقِصَاصَ فِي الْقَتْلَى كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ فِي قَتْلَاهُ الَّذِينَ بَذَلُوا الرُّوحَ الْإِنْسَانِيَّ عِنْدَ شُهُودِ الْجَلَالِ الصَّمَدَانِيِّ، كَمَا قَالَ: مَنْ أَحَبَّنِي قَتَلْتُهُ، وَمَنْ قَتَلْتُهُ فَأَنَا دِيَتُهُ، الْحُرُّ بِالْحُرِّ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى. أَيْ مَنْ كَانَ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ كَانَ فَيْضُهُ مُتَّصِلًا بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَنْ كَانَ فِي رِقِّ غَيْرِهِ مِنَ الْمُكَوِّنَاتِ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ غَايَةَ الِاتِّصَالِ، وَمَنْ كَانَ نَاقِصًا فِي دَعْوَى مَحَبَّتِهِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِكَمَالِ مَحَبَّتِهِ، وَمَنْ كَانَ اللَّهُ دِيَتَهُ فَلَهُ حَيَاةُ الدَّارَيْنِ وَالْبَقَاءُ بِرَبِّ الثَّقَلَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالثَّيِّبِ الْمُحْصَنُ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ الَّذِي أَصَابَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ثُمَّ زَنَى، فَإِنَّ لِلْإِمَامِ رَجْمَهُ وَلَيْسَ لِآحَادِ النَّاسِ ذَلِكَ، لَكِنْ لَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ خِلَافٌ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ ; لِأَنَّ إِبَاحَةَ دَمِهِ لِمُحَافَظَةِ أَنْسَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ لَهُ حَقًّا فِيهِ، أَمَّا لَوْ قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ اقْتُصَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَفِي التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ إِبَاحَةَ دَمِ الْقَاتِلِ أَيْضًا لِمُحَافَظَةِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ قَتْلُهُ اتِّفَاقًا، ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى الرَّجْمِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا نَبِيًّا وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا وَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا [أَلْبَتَّةَ] نَكَالًا مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا، وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا الْحَدِيثَ. وَكَانَ ذَلِكَ بِمَشْهَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ فِي الزِّنَا مَفَاسِدَ مِنِ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ وَتَضْيِيعِ الْأَوْلَادِ، وَيَثِبُ كُلُّ رَجُلٍ عَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ بِمُقْتَضَى طَبْعِهِ فَتَهِيجُ الْفِتَنُ وَالْحُرُوبُ بَعْدَ التَّشَبُّهِ بِالْبَهَائِمِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْبِكْرُ وَالْمُكَلَّفُ غَيْرُ الْمُحْصَنِ فَإِنْ كَانَ حُرًّا فَيُجْلَدُ مِائَةً، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا فَيُجْلَدُ خَمْسِينَ،
следующие страницы →