Полный текст (8 767 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَالسَّلَفُ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَجْمَعِينَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا بَاعَهُ النَّبِيُّ ﵊ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى سَيِّدِهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: (اقْضِ دَيْنَكَ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: التَّدْبِيرُ لُغَةً النَّظَرُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَشَرْعًا الْعِتْقُ الْمُوقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ مُعَلَّقًا بِالْمَوْتِ مُطْلَقًا لَفْظًا أَوْ مَعْنًى. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِمَمْلُوكِهِ: إِذَا مُتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي، أَوْ أَنْتَ مُدَبَّرٌ، أَوْ دَبَّرْتُكَ، فَقَدْ صَارَ مُدَبَّرًا ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ صَرِيحَةٌ فِي التَّدْبِيرِ، فَإِنَّهُ أَيِ التَّدْبِيرَ إِثْبَاتُ الْعِتْقِ عَنْ دُبُرٍ، وَهَذِهِ تُفِيدُ ذَلِكَ بِالْوَضْعِ، ثُمَّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ الْمُدَبَّرَ الْمُطْلَقَ، وَهُوَ الَّذِي عُلِّقَ عِتْقُهُ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى وَلَا هِبَتُهُ وَلَا إِخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِ إِلَّا لِحُرِّيَّةٍ بِلَا بَدَلٍ أَوْ لِكِتَابَةٍ أَوْ عِتْقِ ذَلِكَ عَلَى مَالٍ، وَمَا سِوَاهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَا تُبْطِلُ حَقَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ تَجُوزُ، فَيَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُ وَإِجَارَتُهُ، وَأَخْذُ أُجْرَتِهِ، وَتَزْوِيجُ الْمُدَبَّرَةِ وَوَطْؤُهَا وَأَخْذُ مَهْرِهَا وَأَرْشُ جِنَايَتِهَا ; لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ ثَابِتٌ وَبِهِ يُسْتَفَادُ وَلَايَةُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَاعَهُ النَّبِيُّ ﵊ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِثَمَنِهِ إِلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ غُلَامًا عَنْ دُبُرٍ، وَكَانَ مُحْتَاجًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَبَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ وَقَالَ: (اقْضِ دَيْنَكَ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ، وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِسَنَدِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵊ بَاعَ الْمُدَبَّرَ، وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا مَرِضَتْ فَتَطَاوَلَ مَرَضُهَا، فَذَهَبَ بَنُو أُخْتِهَا فَذَكَرُوا مَرَضَهَا إِلَى طَبِيبٍ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُخْبِرُونِي عَنِ امْرَأَةٍ مَطْبُوبَةٍ. قَالَ: فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ، فَإِذَا جَارِيَةٌ لَهَا سَحَرَتْهَا، وَكَانَتْ قَدْ دَبَّرَتْهَا فَدَعَتْهَا ثُمَّ سَأَلَتْهَا: مَاذَا أَرَدْتِ؟ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ تَمُوتِي حَتَّى أُعْتَقَ.
قَالَتْ: فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ تُبَاعِي مِنْ أَسْوَأِ الْعَرَبِ مَلَكَةً، فَبَاعَتْهَا وَأَمَرَتْ بِثَمَنِهَا، فَجُعِلَ فِي مِثْلِهَا. رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْحُرَّ كَانَ يُبَاعُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ بَاعَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ شَرَفٌ فِي دَيْنِهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ذَكَرَهُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، فَلَمْ تَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ الْآنَ بَعْدَ النَّسْخِ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ اسْتِصْحَابَ مَا كَانَ ثَابِتًا مِنْ جَوَازِ بَيْعِهِ قَبْلَ التَّدْبِيرِ، إِذْ لَمْ يُوجِبَ التَّدْبِيرُ زَوَالَ الرِّقِّ عَنْهُ، ثُمَّ رَأَيْنَا أَنَّهُ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ وَلَا يُوهَبُ وَهُوَ حُرٌّ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ» ، وَقَدْ رَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵊ لَكِنْ ضَعَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ رَفْعَهُ، وَصَحَّحَ وَقْفَهُ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فَعَلَى تَقْدِيرِ الرَّفْعِ لَا إِشْكَالَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْوَقْفِ فَقَوْلُ الصَّحَابَةِ حِينَئِذٍ لَا يُعَارِضُهُ النَّصُّ أَلْبَتَّةَ، لِأَنَّهُ وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا، وَإِنَّمَا يُعَارِضُهُ لَوْ قَالَ يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ، فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ تَقْلِيدِهِ فَظَاهِرٌ، وَعَلَى عَدَمِ تَقْلِيدِهِ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى السَّمَاعِ ; لِأَنَّ مَنْعَ بَيْعِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَبَطَلَ مَا قِيلَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَأَيْضًا: ثَبَتَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ أَنَّ عَطَاءً وَطَاوُسًا يَقُولَانِ عَنْ جَابِرٍ فِي الَّذِي أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ كَانَ عِتْقُهُ عَنْ دُبُرِهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَهُ فَيَقْضِيَ دَيْنَهُ، الْحَدِيثَ.
فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: شَهِدْتُ الْحَدِيثَ مِنْ جَابِرٍ، إِنَّمَا أَذِنَ فِي بَيْعِ خِدْمَتِهِ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ ﵀ الْكُوفِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، وَلَكِنَّ حَدِيثَهُ هَذَا مُرْسَلٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: هُوَ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَوْفِيِّ وَهُوَ ثِقَةٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ اهـ.
стр. 4727
فَلَوْ تَمَّ تَضْعِيفُ عَبْدِ الْغَفَّارِ لَمْ يَضُرَّ لَكِنَّ الْحَقَّ عَدَمُهُ، وَإِنْ كَانَ مُتَشَيِّعًا فَقَدْ صَرَّحَ أَبُو جَعْفَرٍ وَهُوَ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ بْنُ الْإِمَامِ عَلِيٍّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ، بِأَنَّهُ شَهِدَ حَدِيثَ جَابِرٍ وَأَنَّهُ أَجَازَ لَنَا فِي بَيْعِ مَنَافِعِهِ، وَلَا يُمْكِنُ لِثِقَةٍ إِمَامٍ ذَلِكَ إِلَّا لِعِلْمِهِ ذَلِكَ مِنْ جَابِرٍ رَاوِي الْحَدِيثِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: يُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى الْمُدَبَّرِ الْمُقَيَّدِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ بَاعَ خِدْمَةَ الْعَبْدِ مِنْ بَابِ دَفْعِ الصَّائِلِ ; لِأَنَّ النَّصَّ مُطْلَقٌ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا لِمُعَارَضَةِ نَصٍّ آخَرَ يَمْنَعُ مِنَ الْعَمَلِ بِطَلَاقِهِ، فَأَنْتَ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ الْحُرَّ كَانَ يُبَاعُ لِلدَّيْنِ ثُمَّ نُسِخَ، وَأَنَّ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ بَاعَ مُدَبَّرًا لَيْسَ إِلَّا حِكَايَةَ الرَّاوِي نَقْلًا جُزْئِيًّا لَا عُمُومَ لَهَا، وَأَنَّ قَوْلَهُ: عَتَقَ عَنْ دُبُرٍ، أَوْ دَبَّرَ أَعَمُّ مِنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، إِذْ يَصْدُقُ عَلَى الَّذِي دَبَّرَ مُقَيَّدًا أَنَّهُ أَعْتَقَ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ، وَأَنَّ مَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ، وَحَدِيثُ أَبِي جَعْفَرٍ مُرْسَلٌ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، وَقَدْ أَقَمْنَا الدَّلَالَةَ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِ الْمُرْسَلِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْمُسْنَدِ بَعْدُ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، عَلِمْتَ قَطْعًا أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ مُوجِبَةٌ، بَلْ سَالِمَةٌ عَنِ الْمُعَارِضِ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ عِمْرَانَ لَمْ يَصِحَّ رَفْعُهُ بِعَضُدِهِ وَلَا يُعَارِضُهُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ تَدْبِيرُهَا مُقَيَّدًا لِأَنَّهُ أَيْضًا وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا، فَلَمْ يَتَنَاوَلْ حَدِيثُ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ ﵄ مَحَلَّ نِزَاعٍ أَلْبَتَّةَ، فَكَيْفَ وَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى السَّمَاعِ لِمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ عَلَّقَ التَّدْبِيرَ بِمَوْتِهِ عَلَى صِفَةٍ مِثْلِ أَنْ يَقُولَ: إِنْ مُتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أَوْ سَفَرِي هَذَا، أَوْ مَرَضِ كَذَا، أَوْ قُتِلْتُ، أَوْ غَرِقْتُ فَلَيْسَ بِمُدَبَّرٍ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ ; لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَمْ تَنْعَقِدْ فِي الْحَالِ لِلتَّرَدُّدِ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ هَلْ تَقَعُ أَمْ لَا؟ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ الْمُطْلَقِ ; لِأَنَّ تَعَلُّقَ عِتْقِهِ بِمُطْلَقِ الْمَوْتِ وَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، ثُمَّ إِنْ مَاتَ الْمَوْلَى عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَتَقَ كَمَا يُعْتَقُ الْمُدَبَّرُ يَعْنِي مِنَ الثُّلُثِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُ التَّدْبِيرِ لَهُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ بِتَحَقُّقِ تِلْكَ الصِّفَةِ فِيهِ، فَإِذْ ذَلِكَ يَصِيرُ مُدَبَّرًا مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، بَلْ لَا يُمْكِنُ، وَإِنْ بَرِئَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ، أَوْ رَجَعَ مِنْ ذَلِكَ السَّفَرِ، ثُمَّ مَاتَ لَمْ يُعْتَقْ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ قَدِ انْعَدَمَ.
стр. 4728
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٣٩٣ - عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ قَالَ: ( «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ فَهُوَ حُرٌّ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٣٩٣ - (عَنِ الْحَسَنِ) : أَيِ الْبَصْرِيِّ (عَنْ سَمُرَةَ) : أَيِ ابْنِ جُنْدُبٍ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ مَلَكَ) : أَيْ بِنَحْوِ شِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إِرْثٍ (ذَا رَحِمٍ) : أَيْ قَرَابَةٍ (مَحْرَمٍ) : احْتِرَازٌ عَنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ بِالْجَرِّ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ صِفَةُ ذَا رَحِمٍ لَا نَعْتُ رَحِمٍ، وَلَعَلَّهُ مِنْ بَابِ جَرِّ الْجِوَارِ كَقَوْلِهِ: بَيْتُ ضَبٍّ خَرِبٍ، وَمَاءُ شَنٍّ بَارِدٍ، وَلَوْ رُوِيَ مَرْفُوعًا لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، (فَهُوَ) : أَيْ ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (حُرٌّ) : أَيْ عَتَقَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ مِلْكِهِ، وَهُوَ أَصْرَحُ وَأَعَمُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ.
وَفِي النِّهَايَةِ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي عِتْقِ الْأَقَارِبِ إِذَا مَلَكُوا فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: لَا يُعْتَقُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ سَوَاءٌ الْوَلَدُ وَالْوَالِدُ وَغَيْرُهُمَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِنْشَاءِ عِتْقٍ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَقَالَ الْجُمْهُورُ ﵏: يَحْصُلُ الْعِتْقُ فِي الْأُصُولِ وَإِنْ عَلَوْا، وَفِي الْفُرُوعِ وَإِنْ سَفُلُوا بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ سَوَاءٌ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّهُ يُعْتِقُ عَمُودَ النَّسَبِ بِكُلِّ حَالٍ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَائِهِمَا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ: لَا يُعْتَقُ غَيْرُهُمَا بِالْمِلْكِ، وَقَالَ مَالِكٌ: يُعْتَقُ الْأُخْوَةُ أَيْضًا، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يُعْتَقُ جَمِيعُ ذَوِي الْأَرْحَامِ الْمُحَرَّمَةِ، وَرِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: يُعْتَقُ جَمِيعُ ذَوِي الْأَرْحَامِ الْمُحَرَّمَةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مَرْفُوعًا. قَالَ الْقَاضِي: قَالَ
стр. 4729
أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ: لَمْ يُحَدِّثْ هَذَا الْحَدِيثَ مُسْنَدًا إِلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَقَدْ شَكَّ فِيهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَاقْتَصَرَ عَلَى عِتْقِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: حَدِيثُ سَمُرَةَ لَا يُعْرَفُ مُسْنَدًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عَمْرٍو، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا. قُلْتُ: إِذَا كَانَ مُسْنَدًا فَلَا إِشْكَالَ، وَالشَّكُّ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ غَيْرُ مُضِرٍّ، وَالْمَوْقُوفُ عَنْ عُمَرَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ إِذْ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ، وَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَإِذَا اعْتَضَدَ فَعِنْدَ الْكُلِّ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: يُشَمُّ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ، إِذْ جَعَلَ الْجَزَاءَ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى تَحَرِّي الْأَوْلَى، إِذْ لَمْ يَقُلْ: مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَيُعْتِقُهُ أَوْ فَيُحَرِّرُهُ، بَلْ قِيلَ: فَهُوَ حُرٌّ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي الدَّوَامَ وَالثُّبُوتَ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ وَالْآتِيَةِ تُنْبِئُ عَنْ هَذَا لِأَنَّهُ مَا كَانَ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي حُرًّا وَكَذَا فِي الْآتِي اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ شَمَّ رَائِحَةً مِنْ فَهْمِ الْكَلَامِ عَلِمَ أَنَّ الْحِكْمَةَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ أَبْلَغُ فِي تَحْصِيلِ الْحُكْمِ وَالْمَرَامِ مِنَ الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَإِنَّهَا تُفِيدُ بِظَاهِرِهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِنْشَاءِ الْإِعْتَاقِ وَالتَّحْرِيرِ، وَلِذَا تَأَوَّلَ أَهْلُ الظَّاهِرِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى مَا سَبَقَ بِهِ التَّقْرِيرُ، فَالْجُمْلَةُ الْفِعْلِيَّةُ هِيَ الْأَوْلَى بِالدَّلَالَةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. هَذَا وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى النَّسَائِيُّ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊: ( «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرِمٍ عَتَقَ عَلَيْهِ» ) . وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِسَبَبِ أَنَّ ضَمْرَةَ انْفَرَدَ بِهِ عَنْ سُفْيَانَ، وَصَحَّحَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَقَالَ: ضَمْرَةُ ثِقَةٌ، وَإِذَا أَسْنَدَ الْحَدِيثَ ثِقَةٌ فَلَا يَضُرُّ انْفِرَادُهُ بِهِ، وَلَا إِرْسَالُ مَنْ أَرْسَلَهُ، وَلَا وَقْفُ مَنْ وَقَفَهُ، وَصَوَّبَ ابْنُ الْقَطَّانِ كَلَامَهُ، وَمِمَّنْ وَثَّقَ ضَمْرَةَ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﵊: ( «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ» ) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ: انْفَرَدَ بِهِ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنْ حَمَّادٍ، وَقَدْ شَكَّ فِيهِ، فَإِنَّ مُوسَى بْنَ إِسْمَاعِيلَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: عَنْ سَمُرَةَ فِيمَا يَحْسَبُ حَمَّادٌ، وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﵊ وَشُعْبَةُ أَحْفَظُ مِنْ حَمَّادٍ اهـ.
وَفِيهِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ الْحَقِّ وَابْنِ الْقَطَّانِ وَهُوَ: أَنَّ رَفْعَ الثِّقَةِ لَا يَضُرُّهُ إِرْسَالُ غَيْرِهِ، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَمِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ، أَنَّ رَجُلَا زَوَّجَ ابْنَ أَخِيهِ مَمْلُوكَتَهُ، فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَرِقَّ أَوْلَادَهَا، فَأَتَى ابْنُ أَخِيهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: إِنَّ عَمِّي زَوَّجَنِي وَلِيدَتَهُ، وَإِنَّهَا وَلَدَتْ لِي أَوْلَادًا، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَرِقَّ وَلَدِي، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَذَبَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَفِي الْمَبْسُوطِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﵊ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي دَخَلْتُ السُّوقَ، فَوَجَدْتُ أَخِي يُبَاعُ فَاشْتَرَيْتُهُ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَهُ فَقَالَ ﵊: (إِنَّ اللَّهَ أَعْتَقَهُ) .
قَالَ: وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ: رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَالْحَاكِمُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَاللَّيْثُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، وَإِسْحَاقُ. وَفِي الْمَبْسُوطِ قَالَ دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ: إِذَا مَلَكَ قَرِيبَهُ لَا يُعْتَقُ بِدُونِ الْإِعْتَاقِ الظَّاهِرِ لِقَوْلِهِ ﵊: ( «لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» ) . إِذْ لَوْ عَتَقَ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ فَيُعْتِقَهُ فَائِدَةٌ ; لَأَنَّ الْقَرَابَةَ لَا تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ فَلَا يَمْتَنِعُ بَقَاؤُهُ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا - إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٢ - ٩٣]
стр. 4730
أَثْبَتَ بِهِ أَنَّ الِابْنِيَّةَ تُنَافِي الْعَبْدِيَّةَ، فَإِذَا ثَبَتَتِ الِابْنِيَّةُ انْتَفَتِ الْعَبْدِيَّةُ، وَالْمُرَادُ بِالنَّصِّ: (فَيُعْتِقَهُ) بِالشِّرَاءِ، كَمَا تَقُولُ: أَطْعَمَهُ فَأَشْبَعَهُ، وَسَقَاهُ فَأَرْوَاهُ، وَالتَّعْقِيبُ حَاصِلٌ إِذِ الْعِتْقُ يَعْقُبُ الشِّرَاءِ، وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَا لَهُ الْمِلْكَ ابْتِدَاءً ; لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَحْصُلُ قَبْلَهُ بِخِلَافِ مِلْكِ النِّكَاحِ لَمْ يَثْبُتِ ابْتِدَاءً، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إِثْبَاتِهِ لِاسْتِعْقَابِ الْبَيْنُونَةِ.
قَالَ: وَقَوْلُهُمْ إِنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ غَيْرُ صَحِيحٍ لِثِقَةِ الرُّوَاةِ وَلَيْسَ فِيهِ سُمِّيَ الِانْفِرَادُ بِالرَّفْعِ، وَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ ; لِأَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ يَصِلُ، وَكَثِيرًا مَا يُرْسِلُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا أَرْسَلَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ وَاسِطَةٍ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ عَيَّنَ الْوَاسِطَةَ مَرَّةً وَتَرَكَ أُخْرَى، وَلَوْ كَانَ مُرْسَلًا لَكَانَ مِنَ الْمُرْسَلِ الْمَقْبُولِ، إِمَّا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَهُوَ قَوْلُنَا وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، فَيُقْبَلُ بِلَا شَرْطٍ بَعْدَ صِحَّةِ السَّنَدِ وَقَدْ عُلِمَتْ صِحَّتُهُ، وَإِمَّا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَيُقْبَلُ إِذَا عَمِلَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى وَفْقِهِ، وَأَنْتَ عَلِمْتَ أَنَّ الثَّابِتَ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُمْ فَيَثْبُتَ مُشَارَكَةُ هَذِهِ الْقَرَابَةِ لِلْوِلَادِ فِي هَذَا الْحُكْمِ اهـ. كَلَامُ الْمُحَقِّقِ وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
стр. 4731
٣٣٩٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ قَالَ: ( «وَإِذَا وَلَدَتْ أَمَةُ الرَّجُلِ مِنْهُ فَهِيَ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ - أَوْ بَعْدَهُ» -) . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٣٣٩٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﵊ قَالَ: (إِذَا وَلَدَتْ أَمَةُ الرَّجُلِ مِنْهُ) : أَيْ مِنَ الرَّجُلِ (فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ) : بِضَمَّتَيْنِ وَتُسَكَّنُ الْمُوَحَّدَةُ. فِي الْقَامُوسِ: بِضَمٍّ وَضَمَّتَيْنِ أَيْ: عَقِبَ مَوْتٍ (مِنْهُ) : أَيْ مِنَ الرَّجُلِ (أَوْ بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ الرَّجُلِ أَيْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَالشَّكُّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ
) .
стр. 4732
٣٣٩٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «بِعْنَا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ نَهَانَا عَنْهُ، فَانْتَهَيْنَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٣٩٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: بِعْنَا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊) : أَيْ فِي زَمَانِهِ (وَأَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ) : أَيْ وُجِدَ وَصَارَ خَلِيفَةً (نَهَانَا عَنْهُ) : أَيْ عَنْ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ (فَانْتَهَيْنَا) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ النَّسْخَ لَمْ يَبْلُغِ الْعُمُومَ فِي عَهْدِ الرِّسَالَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَيْعَهُمْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﵊ كَانَ قَبْلَ النَّسْخِ، وَهَذَا أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ، وَأَمَّا بَيْعُهُمْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي قَضِيَّةِ فَرْدٍ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَلَا مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَلِمَ بِذَلِكَ، فَحَسِبَ جَابِرٌ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا عَلَى تَجْوِيزِهِ فَحَدَّثَ مَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، فَلَمَّا اشْتُهِرَ نَسْخُهُ فِي زَمَانِ عُمَرَ ﵁ عَادَ إِلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ نَهَانَا عَنْهُ فَانْتَهَيْنَا، وَقَوْلُهُ: هَذَا مِنْ أَقْوَى الدَّلَائِلِ عَلَى بُطْلَانِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَوْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْحَقَّ مَعَ عُمَرَ لَمْ يُتَابِعُوهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَسْكُتُوا عَنْهُ أَيْضًا، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ عَنْ رَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ لَجَوَّزُوا خِلَافَهُ، لَا سِيَّمَا الْفُقَهَاءُ مِنْهُمْ، وَإِنْ وَافَقَهُ بَعْضُهُمْ خَالَفَهُ آخَرُونَ، وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا وَلَدَتْ أَمَةُ الرَّجُلِ مِنْهُ فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: أَوَلَيْسَ عَلِيٌّ ﵁ قَدْ خَالَفَ الْقَائِلِينَ بِبُطْلَانِهِ؟ قِيلَ: لَمْ يُنْقَلْ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ خِلَافُ إِجْمَاعِ آرَاءِ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا قَالَ عُمَرُ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى بِجَوَازِ بَيْعِهِنَّ، أَوْ أَمَرَ بِالْقَضَاءِ بِهِ، بَلِ الَّذِي صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ مُتَرَدِّدًا فِي الْقَوْلِ بِهِ، وَقَدْ سَأَلَ شُرَيْحًا عَنْ قَضَائِهِ فِيهِ أَيَّامَ خِلَافَتِهِ بِالْكُوفَةِ، فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ يَقْضِي فِيهِ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ عِنْدَ نَهْيِ عُمَرَ عَنْ بَيْعِهِنَّ مُنْذُ وَلَّاهُ عُمَرُ الْقَضَاءَ بِهَا فَقَالَ لِشُرَيْحٍ: فَاقْضِ فِيهِ بِمَا كُنْتَ تَقْضِي حِينَ يَكُونُ لِلنَّاسِ جَمَاعَةٌ فَأَرَى فِيهِ مَا
стр. 4733
رَأَى عُمَرُ، وَفَاوَضَ فِيهِ عُلَمَاءَ الصَّحَابَةِ، وَهَذَا الَّذِي نُقِلَ عَنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّسْخَ لَمْ يَبْلُغْهُ أَوْ لَمْ يَحْضُرِ الْمَدِينَةَ يَوْمَ فَاوَضَ عُمَرُ عُلَمَاءَ الصَّحَابَةِ فِيهِ، وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ فِي زَمَانِهِ عَلَى مَا حَكَمَ هُوَ بِهِ لَا يَدْخُلُهُ النَّقْضُ بِأَنْ يَرَى أَحَدُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ خِلَافَهُ اجْتِهَادًا، وَالْقَوْمُ رَأَوْا ذَلِكَ تَوْقِيفًا، لَا سِيَّمَا وَلَا يَقْطَعُ عَلَى الْقَوْلِ بِخِلَافِهِ، وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ فِيهِ تَرَدُّدًا. وَقَالَ الشَّمَنِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَشْعُرْ بِبَيْعِهِمْ إِيَّاهَا، وَلَا يَكُونُ حُجَّةً إِلَّا إِذَا عَلِمَ بِهِ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْأَمْرِ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَبُو بَكْرٍ لِقِصَرِ مُدَّةِ خِلَافَتِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ نَهَى عَنْهُ عُمَرُ لَمَّا بَلَغَهُ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ، كَمَا قِيلَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْمُتْعَةِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: «كُنَّا نَتَمَتَّعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالدَّقِيقِ الْأَيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، حَتَّى نَهَانَا عُمَرُ» .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أُمُّ الْوَلَدِ تَصْدُقُ لُغَةً عَلَى مَا إِذَا ثَبَتَ نَسَبُهُ مَنْ لَهُ وَلَدٌ ثَابِتُ النَّسَبِ. وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ الْأَمَةُ الَّتِي يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْ مَالِكِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا تَمْلِيكُهَا وَلَا هِبَتُهَا، بَلْ إِذَا مَاتَ سَيِّدُهَا وَلَمْ يُنْجِزْ عِتْقَهَا تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَلَا تَسْعَى لِغَرِيمٍ، وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مَدْيُونًا مُسْتَغْرَقًا. وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ إِلَّا مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، كَبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ، فَقَالُوا: يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ، وَنُقِلَ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنِ الصِّدِّيقِ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، لَكِنْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: تُعْتَقُ مِنْ نَصِيبِ وَلَدِهَا. ذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ. فَهَذَا يُصَرِّحُ بِرُجُوعِهِمَا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَنْهُمَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَقَالَ الْحَاكِمُ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: كُنَّا نَبِيعُهُنَّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ الْعُقَيْلِيُّ بِزَيْدٍ الْعَمِّيِّ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: زَيْدٌ الْعَمِّيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ لِلْجُمْهُورِ بِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ خَطَّابِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ سَلَامَةَ بِنْتِ مَعْقِلٍ امْرَأَةٌ مِنْ خَارِجَةَ بْنِ قَيْسِ غَيْلَانَ، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ ﵊ فِي هَذَا الْبَابِ قَالَتْ: قَدِمَ ابْنُ عَمِّي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَبَاعَنِي مِنَ الْحُبَابِ بْنِ عُمَرَ أَخِي أَبِي الْيُسْرِ بْنِ عُمَرَ، فَوَلَدْتُ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحُبَابِ، ثُمَّ هَلَكَ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: الْآنَ وَاللَّهِ تُبَاعِينَ فِي دَيْنِهِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵊ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي امْرَأَةٌ مِنْ خَارِجَةَ بْنِ قَيْسِ غَيْلَانَ قَدِمَ بِي عَمِّي الْمَدِينَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبَاعَنِي مِنَ الْحُبَابِ بْنِ عُمَرَ أَخِي أَبِي الْيُسْرِ بْنِ عُمَرَ، فَوَلَدْتُ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَمَاتَ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: الْآنَ تُبَاعِينَ فِي دَيْنِهِ، فَقَالَ ﵇: مَنْ وَلِيُّ الْحُبَابِ، قِيلَ: أَخُوهُ أَبُو الْيُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو، فَبَعَثَ إِلَيْهِ: أَعْتِقُوهَا، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِرَقِيقٍ قَدِمَ عَلَيَّ فَأْتُوْنِي أُعَوِّضْكُمْ. قَالَتْ: فَأَعْتَقُونِي، وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵊ رَقِيقٌ فَعَوَّضَهُمْ عَنِّي غُلَامًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تُعْتَقُ بِمُجَرَّدِ مَوْتِهِ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ سَأَلَهُمْ أَنْ يُعْتِقُوهَا وَيُعَوِّضَهُمْ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِأَعْتِقُوا خَلُّوا سَبِيلَهَا كَمَا فَسَّرَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَنَّ الْعِوَضَ مِنْ بَابِ الْفَضْلِ مِنْهُ ﵇، لَكِنَّ هَذَا احْتِمَالٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَالْعِبْرَةُ لِلظَّاهِرِ، فَلَا يُصَارُ إِلَى هَذَا إِلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ يُوجِبُهُ وَيُعَيِّنُهُ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ فِي مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ: أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا. وَطَرِيقُهُ مَعْلُولٌ بِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيرِينَ، وَحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَبِسَنَدِ ابْنِ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ، لَكِنْ أَعَلَّهُ ابْنُ سِيرِينَ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يَرْوِي أَنَّ حُسَيْنًا مِمَّنْ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊: " «أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ» ". وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَهَذَا تَوْثِيقٌ لِحُسَيْنٍ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، حَدَّثَنَا زُفَرُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي قُبَيْسٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ ﵇ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ وَلَدَتْ مِنْهُ أَمَةٌ فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ
стр. 4734
مِنْهُ» . وَالطُّرُقُ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَلِذَا قَالَ الْأَصْحَابُ: إِنَّهُ مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَإِذْ قَدْ كَثُرَتْ طُرُقُ هَذَا الْمَعْنَى وَتَعَدَّدَتْ وَاشْتُهِرَتْ فَلَا يَضُرُّهُ وَقُوعُ رَاوٍ ضَعِيفٍ فِيهِ، مَعَ أَنَّ ابْنَ الْقَطَّانِ قَالَ فِي كِتَابِهِ: وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. قَالَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ فِي كِتَابِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ، ثَنَا مُصْعَبُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو خَيْثَمَةَ الْمِصِّيصِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَهُوَ الرَّقِّيُّ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ مَارِيَةُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ﵇: أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَصْبَغَ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ: أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا. مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ثَبَتَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: «إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرَّثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» ، وَلَوْ كَانَتْ مَارِيَةُ جَارِيَةً لَبِيعَتْ وَصَارَ ثَمَنُهَا صَدَقَةً. وَعَنْهُ ﵇ أَنَّهُ نَهَى عَنِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَفِي بَيْعِهِنَّ تَفْرِيقٌ، وَإِذَا ثَبَتَ قَوْلُهُ: أَعْتَقَهَا. . . . إِلَخْ. وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْمَوْتِ إِجْمَاعًا وَجَبَ تَأْوِيلُهُ عَلَى مَجَازِ الْأَوَّلِ، فَيَثْبُتُ فِي الْحَالِ بَعْضُ مُوجِبِ الْعِتْقِ مِنِ امْتِنَاعِ تَمْلِيكِهَا. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ ﵇ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَقَالَ: لَا يُبَعْنَ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: لَا يُسَعَّيْنَ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَا يُجْعَلْنَ مِنَ الثُّلُثِ وَلَا يُوهَبْنَ وَلَا يُورَثْنَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا سَيِّدُهَا مَا دَامَ حَيًّا فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ. أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَأَعَلَّهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيحٍ الْمَدَنِيِّ، وَأَسْنَدَ تَضْعِيفَهُ إِلَى النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلَيَّنَهُ هُوَ وَقَالَ: يَكْتُبُ حَدِيثَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيِّ، عَنْ مُعْتَمِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: رُوَاتُهُمْ ثِقَاتٌ. وَعِنْدِي أَنَّ الَّذِي أَسْنَدَهُ خَيْرٌ مِمَّنْ وَقَفَهُ.
وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: «أَيُّمَا وَلِيدَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهَا وَلَا يَهَبُهَا وَلَا يُوَرِّثُهَا وَهُوَ يَتَمَتَّعُ مِنْهَا، وَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ» . وَهَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا. وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَفْرِيقِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ عُمَرَ أَعْتَقَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَقَالَ: أَعْتَقَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ وَالْأَفْرِيقِيُّ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حُجَّةٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُعَضِّدُ رَفْعَهُ مَعَهُ تَرْجِيحُ ابْنِ الْقَطَّانِ، فَثَبَتَ الرَّفْعُ بِمَا قُلْنَا، وَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِ وَقْفِهِ عَلَى عُمَرَ، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ بِعِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنْ غَيْرِ الثَّلَاثِ وَقَالَ: لَا يُبَعْنَ فِي دَيْنٍ. وَعَدَمُ مُخَالَفَةِ أَحَدٍ لِعُمَرَ حِينَ أَفْتَى بِهِ وَأَخْبَرَ، فَانْعَقَدَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى بَيْعِهِنَّ، فَهَذَا يُوجِبُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا أَنَّ بَيْعَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فِي زَمَنِهِ ﵊ لَمْ يَكُنْ بِعِلْمِهِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَ قَوْلِ الرَّاوِي: كُنَّا نَفْعَلُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ حُكْمُهُ الرَّفْعُ، لَكِنْ ظَاهِرًا لَا قَطْعًا، فَإِذَا قَامَ دَلِيلٌ فِي خُصُوصٍ مِنْهُ وَجَبَ اعْتِبَارُهُ، وَأَمَّا أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُهُ وَيُقِرُّهُ ثُمَّ نُسِخَ وَلَمْ يَظْهَرِ النَّاسِخُ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ مَعَ اشْتِغَالِهِ فِيهَا بِحُرُوبِ مُسَيْلِمَةَ وَأَهْلِ الرِّدَّةِ، وَمَانِعِي الزَّكَاةِ، ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَهُ كَمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ: كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، حَتَّى أَخْبَرَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ فَتَرَكْنَاهَا، وَهَذَا إِذَا قَصَرْنَا النَّظَرَ عَلَى الْمَوْقُوفِ أَمَّا بِمُلَاحَظَةِ الْمَرْفُوعَاتِ الْمُتَعَاضِدَةِ فَلَا شَكَّ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ مَا أَسْنَدَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَنْ لَا يُبَعْنَ. فَقُلْتُ لَهُ: رَأْيُكَ وَرَأْيُ عُمَرَ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَأْيِكَ وَحْدَكَ فِي الْفُرْقَةِ. فَضَحِكَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ رُجُوعَ عَلِيٍّ ﵁ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَرَى اشْتِرَاطَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ فِي تَقَرُّرِ الْإِجْمَاعِ، وَالْمُرَجَّحُ خِلَافُهُ، وَسُئِلَ دَاوُدُ عَنْ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ فَقَالَ: يَجُوزُ لِأَنَّا اتَّفَقْنَا عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ، فَوَجَبَ أَنْ تَبْقَى كَذَلِكَ، إِذِ الْأَصْلُ فِي كُلِّ ثَابِتٍ دَوَامُهُ وَاسْتِمْرَارُهُ، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْذَعِيُّ حَاضِرًا، فَعَارَضَهُ فَقَالَ: قَدْ زَالَتْ تِلْكَ الْحَالَةُ بِالْإِطْلَاقِ، وَامْتَنَعَ بَيْعُهَا لَمَّا حَبِلَتْ بِوَلَدِ سَيِّدِهَا، وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ ثَابِتٍ دَوَامُهُ فَانْقَطَعَ دَاوُدُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يُجِيبَ وَيَقُولَ: الزَّوَالُ كَانَ لِمَانِعٍ عَرَضَ وَهُوَ قِيَامُ الْوَلَدِ فِي بَطْنِهَا وَزَالَ بِانْفِصَالِهِ فَعَادَ مَا كَانَ، فَيَبْقَى إِلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمُزِيلُ اهـ. وَهُوَ نِهَايَةُ التَّحْقِيقِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
стр. 4735
٣٣٩٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ السَّيِّدُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٣٩٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ ") : أَيْ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَوْ حَصَلَ بِكَسْبِهِ (مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ) : قَالَ الْقَاضِي إِضَافَتُهُ إِلَى الْعَبْدِ إِضَافَةُ الِاخْتِصَاصِ دُونَ التَّمْلِيكِ (لَهُ) : أَيْ لِمَنْ أَعْتَقَ (" إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ السَّيِّدُ ") : أَيْ لِلْعَبْدِ فَيَكُونَ مِنْحَةً وَتَصَدُّقًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَفِي الْهِدَايَةِ: لَا مِلْكَ لِلْمَمْلُوكِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَعَلَى هَذَا فَمَالُ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَعِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ لِلْعَبْدِ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ لِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَالْمَالُ لِلْعَبْدِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَكَانَ عُمَرُ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَالِهِ، قِيلَ: الْحَدِيثُ خَطَأٌ، وَفِعْلُ عُمَرَ مِنْ بَابِ الْفَضْلِ، وَلِلْجُمْهُورِ مَا «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِهِ: يَا عُمَيْرُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَكَ عِتْقًا هَنِيًّا، فَأَخْبِرْنِي بِمَالِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ غُلَامَهُ فَلَمْ يُجِزْهُ بِمَالِهِ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ» ". رَوَاهُ الْأَثْرَمُ اهـ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ غُلَامًا وَلَمْ يُسَلِّمْ مَالَهُ فَالْمَالُ لَهُ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
стр. 4736
٣٣٩٧ - وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ ﵁: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ غُلَامٍ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ ". فَأَجَازَ عِتْقَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٣٩٧ - (وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ) : بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَامِرِ بْنِ أُسَامَةَ الْهُذَلِيِّ الْبَصْرِيِّ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (عَنْ أَبِيهِ) : لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ عَلَى حِدَةٍ (أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ سِلَامًا وَنَصِيبًا مُبْهَمًا أَوْ مُعَيَّنًا أَوْ مُشَاعًا (مِنْ غُلَامٍ) : أَيْ عَبْدٍ (لَهُ فَذُكِرَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (ذَلِكَ) : أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ إِعْتَاقِ شِقْصٍ (لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ) : أَيِ الْعِتْقُ لِلَّهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَ كُلُّهُ، وَلَا يَجْعَلَ نَفْسَهُ شَرِيكًا لَهُ تَعَالَى (فَأَجَازَ عِتْقَهُ) : أَيْ حَكَمَ بِعِتْقِهِ كُلِّهِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي الْأَوْلَى أَنْ يُعْتِقَ جَمِيعَ عَبْدِهِ، فَإِنَّ الْعِتْقَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فَإِنْ أَعْتَقَ بَعْضَهُ فَيَكُونُ أَمْرُ سَيِّدِهِ نَافِذًا فِيهِ بَعْدُ فَهُوَ كَشَرِيكٍ لَهُ تَعَالَى صُورَةً. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: قَدْ سَبَقَ أَنَّ السَّيِّدَ وَالْمَمْلُوكَ فِي كَوْنِهِمَا مَخْلُوقَيْنِ سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ وَجَعَلَهُ تَحْتَ تَصَرُّفِهِ تَمْتِيعًا، فَإِذَا رَجَعَ بَعْضُهُ إِلَى الْأَصْلِ سَرَى بِالْغَلَبَةِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ إِذْ لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا أَحْمَدُ، وَزَادَ رَزِينٌ فِي مَالِهِ، وَفِي لَفْظٍ: هُوَ حُرُّ كُلُّهُ لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ. وَقَدْ سَبَقَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْحُكْمِ وَاخْتِلَافِهِ.
стр. 4737
٣٣٩٨ - وَعَنْ سَفِينَةَ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: أُعْتِقُكَ وَأَشْتَرِطُ عَلَيْكَ أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا عِشْتَ فَقُلْتُ: إِنْ لَمْ تَشْتَرِطِي عَلَيَّ مَا فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا عِشْتُ. فَأَعْتَقَتْنِي وَاشْتَرَطَتْ عَلَيَّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٣٩٨ - (وَعَنْ سَفِينَةَ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقِيلَ: مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَعْتَقَتْهُ وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ خِدْمَةَ النَّبِيِّ ﷺ مَا عَاشَ، وَيُقَالُ: إِنَّ سَفِينَةَ لَقَبُهُ، وَاسْمُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَقِيلَ: رَبَاحٌ، وَقِيلَ: مِهْرَانُ، وَقِيلَ: رُومَانُ، وَهُوَ مِنْ مُوَلَّدِي الْأَعْرَابِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ، وَيُقَالُ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ فِي سَفَرٍ وَهُوَ مَعَهُ فَأَعْيَا رَجُلٌ فَأَلْقَى عَلَيْهِ سَيْفَهُ وَتُرْسَهُ وَرُمْحَهُ، فَحَمَلَ شَيْئًا كَثِيرًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَنْتَ سَفِينَةُ» ". رَوَى عَنْهُ بَنُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدٌ وَزِيَادَةُ وَكَثِيرٌ. قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ) : أَيِ ابْتِدَاءٍ (فَقَالَتْ: أُعْتِقُكَ) : أَيْ أُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَكَ (وَأَشْتَرِطُ عَلَيْكَ أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) : بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، وَفِي الْقَامُوسِ: خَدَمَهُ يَخْدُمُهُ وَيَخْدِمُهُ خِدْمَةً وَيُفْتَحُ (مَا عِشْتَ) : أَيْ مَا دُمْتَ تَعِيشُ فِي الدُّنْيَا (فَقُلْتُ: إِنْ لَمْ تَشْتَرِطِي عَلَيَّ مَا فَارَقْتُ) : أَيْ لَمْ أُفَارِقْ (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا عِشْتُ) : أَيْ مُدَّةَ حَيَاتِي أَيْضًا (فَأَعْتَقَتْنِي وَاشْتَرَطَتْ عَلَيَّ)
стр. 4738
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا وَعْدٌ عَنْهُ بِاسْمِ الشَّرْطِ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يُصَحِّحُونَ إِبْقَاءَ الشَّرْطِ بَعْدَ الْعِتْقِ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُلَاقِي مِلْكًا، وَمَنَافِعُ الْحُرِّ لَا يَمْلِكُهَا غَيْرُهُ إِلَّا بِإِجَازَةٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدِهِ. أُعْتِقُكَ عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي شَهْرًا فَقَبِلَ، عَتَقَ فِي الْحَالِ وَعَلَيْهِ خِدْمَةُ شَهْرٍ، وَقَالَ: عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي شَهْرًا أَوْ مُطْلَقًا فَقَبِلَ عَتَقَ فِي الْحَالِ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ رَقَبَتِهِ لِلْمَوْلَى، وَهَذَا الشَّرْطُ إِنْ كَانَ مَقْرُونًا بِالْعِتْقِ فَعَلَى الْعَبْدِ الْقِيمَةُ وَلَا خِدْمَةَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعِتْقِ فَلَا يَلْزَمُ الشَّرْطُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَفِي الْهِدَايَةِ: وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى خِدْمَتِهِ أَرْبَعَ سِنِينَ مَثَلًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَقَبِلَ الْعَبْدُ فَعَتَقَ ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى مِنْ سَاعَتِهِ، فَعَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْعَبْدِ قِيمَتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀: عَلَيْهِ قِيمَةُ خِدْمَتِهِ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَتَحْقِيقُ الْمَقَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْهُمَامِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4739
٣٣٩٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٣٩٩ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ» ") : أَيْ بَدَلَ كِتَابَتِهِ (دِرْهَمٌ) : أَيْ مَثَلًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : أَيْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.
стр. 4740
٣٤٠٠ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا كَانَ عِنْدَ مُكَاتَبِ إِحْدَاكُنَّ وَفَاءٌ فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٤٠٠ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا كَانَ عِنْدَ مُكَاتَبِ إِحْدَاكُنَّ وَفَاءٌ: أَيْ قُدْرَةٌ عَلَى نُجُومِ كِتَابَتِهِ (" فَلْتَحْتَجِبْ ") : أَيْ إِحْدَاكُنَّ وَهَى سَيِّدَتُهُ (مِنْهُ) : أَيْ مِنَ الْمُكَاتَبِ، فَإِنَّ مِلْكَهُ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ وَمَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا أَمْرٌ مَحْمُولٌ عَلَى التَّوَرُّعِ وَالِاحْتِيَاطِ ; لِأَنَّهُ بِصَدَدِ أَنْ يُعْتَقَ بِالْأَدَاءِ، لَا أَنَّهُ يُعْتَقُ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَكُونَ وَاجِدًا لِلنَّجْمِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ مَا لَمْ يُؤَدِّ الْجَمِيعَ لِقَوْلِهِ ﷺ : " «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» ". وَلَعَلَّهُ قَصَدَ بِهِ مَنْعَ الْمُكَاتَبِ عَنْ تَأْخِيرِ الْأَدَاءِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ لِيَسْتَرِيحَ بِهِ النَّظَرُ إِلَى سَيِّدِهِ، وَسَدَّ هَذَا الْبَابِ عَلَيْهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: «قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِنَبْهَانَ: مَاذَا بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ كِتَابَتِكَ؟ قَالَ: أَلْفَا دِرْهَمٍ. قَالَتْ: فَهُمَا عِنْدَكَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: ادْفَعْ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ثُمَّ أَلْقَتْ دُونَهُ الْحِجَابَ فَبَكَى وَقَالَ: لَا أُعْطِيهِ أَبَدًا. قَالَتْ: إِنَّكَ وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ لَنْ تَرَانِي أَبَدًا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيْنَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِعَبْدِ إِحْدَاكُنَّ وَفَاءٌ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ فَاضْرِبْنَ دُونَهُ الْحِجَابَ» . اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ خَاصٌّ بِأَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; لِأَنَّ حِجَابَهُنَّ مَنِيعٌ. قَالَ تَعَالَى ﷻ : ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4741
٣٤٠١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ فَأَدَّاهَا إِلَّا عَشْرَ أَوَاقٍ - أَوْ قَالَ: عَشْرَةَ دَنَانِيرَ - ثُمَّ عَجَزَ فَهُوَ رَقِيقٌ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٤٠١ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ ") : بِضَمِّ هَمْزَةٍ وَتَخْفِيفِ تَحْتِيَّةٍ وَقَدْ تُشَدَّدُ (" فَأَدَّاهَا ") : أَيْ فَقَضَى الْمِائَةَ وَدَفَعَهَا (" إِلَّا عَشْرَ أَوَاقٍ ") : بِسُكُونِ الشِّينِ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِفَتْحِهَا وَزِيَادَةِ تَاءٍ، وَأَوَاقٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَنْوِينِ الْقَافِ جَمْعُ أُوقِيَّةٍ (أَوْ قَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ فَالشَّكُّ مِنَ الصَّحَابِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ بَعْدَهُ (عَشْرَةَ دَنَانِيرَ) : بِالتَّاءِ لَا غَيْرُ (ثُمَّ عَجَزَ) : أَيْ عَنْ أَدَاءِ نُجُومِ الْكِتَابَةِ (" فَهُوَ ") : أَيْ فَعَبْدُهُ الْمُكَاتَبُ الْعَاجِزُ (" رَقِيقٌ ") : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَجْزَ الْمُكَاتَبِ عَنْ أَدَاءِ الْبَعْضِ كَعَجْزِهِ عَنِ الْكُلِّ، فَلِلسَّيِّدِ فَسْخُ كِتَابَتِهِ، فَيَكُونُ رَقِيقًا كَمَا كَانَ، وَيَدُلُّ مَفْهُومُ قَوْلِهِ: فَهُوَ رَقِيقٌ عَلَى أَنَّ مَا أَدَّاهُ يَصِيرُ لِسَيِّدِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4742
٣٤٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا أَصَابَ الْمُكَاتَبُ حَدًّا أَوْ مِيرَاثًا وَرِثَ بِحِسَابِ مَا عَتَقَ مِنْهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: " «يُودَى الْمُكَاتَبُ بِحِصَّةِ مَا أَدَّى دِيَةَ حُرٍّ، وَمَا بَقِيَ دِيَةَ عَبْدٍ» ". وَضَعَّفَهُ.
ــ
٣٤٠٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا أَصَابَ ") : أَيِ اسْتَحَقَّ (" الْمُكَاتَبُ حَدًّا ") : أَيْ دِيَةً (" أَوْ مِيرَاثًا وَرِثَ ") : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُخَفَّفٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمٍّ فَتَشْدِيدِ رَاءٍ (" بِحِسَابِ مَا عَتَقَ مِنْهُ ") : أَيْ بِحَسَبَهِ وَمِقْدَارِهِ، وَالْمَعْنَى إِذَا ثَبَتَ لِلْمُكَاتَبِ دِيَةٌ أَوْ مِيرَاثٌ ثَبَتَ لَهُ مِنَ الدِّيَةِ وَالْمِيرَاثِ بِحَسَبِ مَا عَتَقَ مِنْ نِصْفِهِ، كَمَا لَوْ أَدَّى نِصْفَ الْكِتَابَةِ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ حُرٌّ وَلَمْ يُخَلِّفْ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ يَرِثُ مِنْهُ نِصْفَ مَالِهِ، كَمَا إِذَا جُنِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ جِنَايَةٌ، وَقَدْ أَدَّى بَعْضَ كِتَابَتِهِ فَإِنَّ الْجَانِيَ عَلَيْهِ يَدْفَعُ إِلَى وَرَثَتِهِ بِقَدْرِ مَا أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ دِيَةَ حُرٍّ، وَيَدْفَعُ إِلَى مَوْلَاهُ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ دِيَةَ عَبْدٍ، مَثَلًا إِذَا كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ فَأَدَّى خَمْسَمِائَةٍ ثُمَّ قُتِلَ، فَلِوَرَثَةِ الْعَبْدِ خَمْسُمِائَةٍ مِنْ أَلْفٍ نِصْفُهُ دِيَةُ حُرٍّ، وَلِمَوْلَاهُ خَمْسُونَ نِصْفُ قِيمَتِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) : أَيْ لِلتِّرْمِذِيِّ (قَالَ) : عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (" يُودَى الْمُكَاتَبُ ") : بِضَمِّ يَاءٍ وَسُكُونِ وَاوٍ وَفَتْحِ دَالٍ مُخَفَّفَةٍ أَيْ يُعْطَى دِيَةً الْمُكَاتَبُ (" بِحِصَّةِ مَا أَدَّى ") : بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ قَضَى وَوَفَّى، وَفِي نُسْخَةٍ بِحَسَبِ مَا أَدَّى أَيْ مِنَ النُّجُومِ (" دِيَةَ حُرٍّ ") : بِالنَّصْبِ، قَالَ الْأَشْرَفُ: قَوْلُهُ: يُودَى بِتَخْفِيفِ الدَّالِ مَجْهُولًا مِنْ وَدَى يَدِي دِيَةً أَيْ: أَعْطَى الدِّيَةَ وَانْتَصَبَ (دِيَةَ حُرٍّ) مَفْعُولًا بِهِ، وَمَفْعُولُ مَا أَدَّى مِنَ النُّجُومِ مَحْذُوفٌ عَائِدٌ إِلَى الْمَوْصُولِ أَيْ بِحِصَّةِ مَا أَدَّاهُ مِنَ النُّجُومِ يُعْطَى دِيَةَ حُرٍّ، وَبِحِصَّةِ مَا بَقِيَ دِيَةَ عَبْدٍ (وَضَعَّفَهُ) : أَيِ التِّرْمِذِيُّ الْحَدِيثَ. قَالَ الْقَاضِي ﵀: وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ يُعْتَقُ بِقَدْرِ مَا يُؤَدِّيهِ مِنَ النَّجْمِ وَكَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ قَبْلَهُ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَحْدَهُ، وَمَعَ مَا فِيهِمَا مِنَ الطَّعْنِ مُعَارَضٌ بِحَدِيثَيْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. قُلْتُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ تَقْوِيَةً لِقَوْلِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ يُعْتَقُ عِتْقًا مَوْقُوفًا عَلَى تَكْمِيلِ تَأْدِيَةِ النُّجُومِ، لَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَجْزِيءِ الْعِتْقِ.
стр. 4743
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٤٠٣ - «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ أُمَّهُ أَرَادَتْ أَنْ تَعْتِقَ، فَأَخَّرَتْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ تُصْبِحَ، فَمَاتَتْ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَيَنْفَعُهَا أَنْ أَعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ: أَتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ، فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نَعَمْ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٤٠٣ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَرَاءٍ (الْأَنْصَارِيِّ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الْمَدَنِيُّ، وَقِيلَ: الْقُرَشِيُّ، مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ لَا يُثْبَتُ فِي الصَّحَابَةِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ شَامِيٌّ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ. (أَنَّ أُمَّهُ) : لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ (أَرَادَتْ أَنْ تَعْتِقَ) : أَيْ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً (فَأَخَّرَتْ) : أَيْ هِيَ (ذَلِكَ) : أَيِ الْإِعْتَاقَ (إِلَى أَنْ تُصْبِحَ، فَمَاتَتْ) : وَلِذَا قِيلَ فِي التَّأْخِيرِ آفَاتٌ فَإِنَّ الْعَجَلَةَ مَحْمُودَةٌ فِي الطَّاعَاتِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] (قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) : أَيِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ أَحَدِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ بِالْمَدِينَةِ الْمُعَطَّرَةِ، (أَيَنْفَعُهَا أَنْ أَعْتِقَ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ إِعْتَاقِي (عَنْهَا؟) : أَيْ عَنْ جِهَةِ أُمِّي وَقِبَلِهَا (فَقَالَ الْقَاسِمُ) : أَيْ فَذَكَرَ دَلِيلَ الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ (أَتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) : وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ، فَالْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِهِ مُرْسَلٌ. (فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ) : أَيْ مَاتَتْ بَغْتَةً كَمَا فِي رِوَايَةٍ (فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نَعَمْ ". رَوَاهُ مَالِكٌ) .
стр. 4744
٣٤٠٤ - وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي نَوْمٍ نَامَهُ، فَأَعْتَقَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ أُخْتُهُ رِقَابًا كَثِيرَةً. رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
٣٤٠٤ - (وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) : أَيِ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدِينِيِّ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَالسَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ وَخَلْقًا سِوَاهُمَا، رَوَى عَنْهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَشُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُمْ ﵀. كَانَ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ عَالِمًا وَرِعًا صَالِحًا زَاهِدًا مَشْهُورًا بِالثِّقَةِ وَالدِّينِ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ. (قَالَ: تُوِفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) : أَيِ الصِّدِّيقِ (فِي نَوْمٍ) : أَيْ فِي وَقْتِ نَوْمٍ (نَامَهُ) : أَيْ نَامَ فِيهِ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِنَوْمٍ، وَالْغَرَضُ بَيَانُ أَنَّهُ مَاتَ فَجْأَةً، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ عِتْقٌ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْوَصِيَّةِ لِمَا فَاجَأَهُ (فَأَعْتَقَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ ﵂ أُخْتُهُ رِقَابًا كَثِيرَةً) : وَأَنْ تَكُونَ فُجِعَتْ عَلَيْهِ وَحَزِنَتْ ; لِأَنَّ مَوْتَ الْفَجْأَةِ أَسَفٌ مِنَ اللَّهِ فَفَدَتْ عَنْهُ رِقَابًا كَثِيرَةً (رَوَاهُ مَالِكٌ) .
стр. 4745
٣٤٠٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَلَمْ يَشْتَرِطْ مَالَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ» ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٣٤٠٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) : بِلَا وَاوٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَلَمْ يَشْتَرِطْ مَالَهُ ") : أَيْ مَالَ الْعَبْدِ وَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، وَهِيَ كَوْنُهُ فِي يَدِهِ وَتَصَرُّفِهِ وَمَا لِلْعَبْدِ مِنَ الْمَالِ. (" فَلَا شَيْءَ ") : أَيْ مِنْ مَالِ الْعَبْدِ (" لَهُ ") : أَيْ لِلْمُشْتَرِي (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
стр. 4746
[بَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٤٠٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ: " لَا، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[١٤] بَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ إِنَّمَا أُلْحِقَ النَّذْرُ بِالْيَمِينِ ; لِأَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ. قَالَ ﵊: وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا وَلَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَالْأَيْمَانُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ يَمِينٍ وَهِيَ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ خِلَافُ الْيَسَارِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْقَسَمُ يَمِينًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَمَاسَحُونَ بِأَيْمَانِهِمْ حَالَةَ التَّحَالُفِ، وَقَدْ يُسَمَّى الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَمِينًا لِتَلَبُّسِهِ بِهَا. وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ فِي جَمِيعِ الْمَعَانِي، وَيُجْمَعُ عَلَى أَيْمُنٍ كَرَغِيفٍ وَأَرْغُفٍ، وَأَيْمٌ مَحْذُوفٌ مِنْهُ وَالْهَمْزَةُ لِلْقَطْعِ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجَّاجُ، وَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ هِيَ كَلِمَةٌ بِنَفْسِهَا وُضِعَتْ لِلْقَسَمِ لَيْسَتْ جَمْعًا لِشَيْءٍ وَالْهَمْزَةُ فِيهَا لِلْوَصْلِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْيَمِينُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْجَارِحَةِ وَالْقَسَمِ، وَالْقُوَّةُ لُغَةٌ وَالْأَوَّلَانِ ظَاهِرَانِ وَشَاهِدُ الْقُوَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ثُمَّ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْقَسَمُ يَمِينًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْيَمِينَ هُوَ الْقُوَّةُ وَالْحَالِفُ يَتَقَوَّى بِالْأَقْسَامِ عَلَى الْحَمْلِ أَوِ الْمَنْعِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَمَاسَكُونَ بِأَيْمَانِهِمْ عِنْدَ قَسَمِهِمْ، فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ بَعْدُ. إِذْ فِيهِ لَفْظٌ مَنْقُولٌ عَنْ مَفْهُومِهِ اللُّغَوِيِّ، وَسَبَبُهَا الْعَادِيُّ تَارَةً إِيقَاعُ صِدْقِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ، وَتَارَةً حَمْلُ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ، فَبَيْنَ الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ لِتَصَادُقِهِمَا فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ، ثُمَّ قِيلَ: يُكْرَهُ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ لِقَوْلِهِ ﵊: " «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ» ". الْحَدِيثَ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ، وَحَلُّ الْحَدِيثِ غَيْرُ التَّعْلِيقِ مِمَّا هُوَ بِحُرُوفِ الْقَسَمِ، وَرُكْنُهَا اللَّفْظُ الْخَاصُّ، وَشَرْطُهَا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ، وَحُكْمُهَا الَّذِي يَلْزَمُ وُجُودُهَا وُجُوبُ الْبِرِّ فِيمَا إِذَا عُقِدَتْ عَلَى طَاعَةٍ أَوْ تَرْكِ مَعْصِيَةٍ، فَيَثْبُتُ وُجُوبًا لِأَمْرَيْنِ: الْفِعْلُ وَالْبِرُّ، وَوُجُوبُ الْحِنْثِ فِي الْحَلِفِ عَلَى ضِدِّهِمَا وَنَدْبُهُ فِيمَا إِذَا كَانَ عَدَمُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ جَائِزًا، وَإِذَا حَنِثَ إِذْ يَحْرُمُ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، ثُمَّ الْحَلِفُ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَقَيَّدُ بِالْعُرْفِ، بَلْ هُوَ يَمِينٌ تَعَارَفُوهُ أَوْ يَتَعَارَفُوهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ قَوْلُ
стр. 4747
مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ: وَالنَّذْرُ عَلَى مَا فِي الرَّاغِبِ أَنْ تُوجِبَ عَلَى نَفْسِكَ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِحُدُوثِ أَمْرٍ يُقَالُ: نَذَرْتُ لِلَّهِ نَذْرًا، وَفِي التَّنْزِيلِ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] قَالَ بَعْضُهُمْ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّةِ النَّذْرِ وَوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهِ إِذَا كَانَ الْمَنْذُورُ طَاعَةً، فَإِنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً أَوْ مُبَاحًا كَدُخُولِ السُّوقِ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: وَقَالَ أَحْمَدُ وَطَائِفَةٌ: فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ اهـ. وَمَذْهَبُنَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ لِقَوْلِهِ ﷺ : " «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٤٠٦ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَكْثَرُ مَا) : أَيْ أَكْثَرُ يَمِينٍ أَوِ الْيَمِينِ الَّذِي (مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ) : أَيْ يُقْسِمُ بِهَا فِي النَّفْيِ عَنِ الْكَلَامِ السَّابِقِ قَوْلُهُ: (" لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ") : دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْحَلِفِ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَكْثَرُ: مُبْتَدَأٌ، وَمَا: مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْوَقْتُ مُقَدَّرٌ، وَكَانَ: تَامَّةٌ، وَيَحْلِفُ: حَالٌ سَدَّ مَسَدَّ الْخَبَرِ، وَقَوْلُهُ: " وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ " مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ يَحْلِفُ أَيْ يَحْلِفُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَ " لَا " نَفْيٌ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ " مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ " الْقُلُوبُ إِنْشَاءُ قَسَمٍ وَنَظِيرُهُ.
وَأَخْطَبُ مَا يَكُونُ الْأَمِيرُ قَائِمًا وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِي تَخْصِيصِ هَذَا الْقَوْلِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 4748
٣٤٠٧ - وَعَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٤٠٧ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» ") : أَيْ مَثَلًا، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْمَنْهِيِّ غَيْرُ اللَّهِ، وَخُصَّ بِالْآبَاءِ ; لِأَنَّهُ كَانَ عَادَةَ الْأَبْنَاءِ (" مَنْ كَانَ حَالِفًا ") : أَيْ مُرِيدًا لِلْحَلِفِ (" فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ ") : أَيْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ (" أَوْ لِيَصْمُتْ ") : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ عَيْنِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ، قَالُوا: الْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الْحَلِفَ يَقْتَضِي تَعْظِيمَ الْمَحْلُوفِ بِهِ، وَحَقِيقَةُ الْعَظَمَةِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ تَعَالَى فَلَا يُضَاهِي بِهِ غَيْرَهُ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ مِائَةَ مَرَّةٍ فَآثَمُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ فَأَبَرَّ. وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْكَعْبَةُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْأَمَانَةُ وَالْحَيَاةُ وَالرُّوحُ وَغَيْرُهَا، وَمِنْ أَشَدِّهَا كَرَاهَةً الْحَلِفُ بِالْأَمَانَةِ، وَأَمَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ، فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ بِمَا شَاءَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفِهِ، وَأُنْشِدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
وَيَقْبُحُ مِنْ سِوَاكَ الشَّيْءُ عِنْدِي ... وَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَا
قَالَ الْقَاضِي: فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : " أَفْلَحَ وَأَبِيهِ " فَجَوَابُهُ أَنَّ هَذِهِ كَلِمَةٌ تَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْيَمِينُ، بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُزَادُ الْكَلَامُ لِمُجَرَّدِ التَّقْرِيرِ وَالتَّأْكِيدِ، وَلَا يُرَادُ بِهِ الْقَسَمُ كَمَا يُرَادُ بِصِيغَةِ النِّدَاءِ مُجَرَّدُ الِاخْتِصَاصِ دُونَ الْقَصْدِ إِلَى النِّدَاءِ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا وَقَعَ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ أَوْ بَعْدَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ.
стр. 4749
٣٤٠٨ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي وَلَا بِآبَائِكُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٤٠٨ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) : أَيِ الْقُرَشِيِّ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَخَلْقٌ سِوَاهُمَا. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي» ") : جَمْعُ طَاغِيَةٍ فَاعِلَةٌ مِنَ الطُّغْيَانِ، وَالْمُرَادُ الْأَصْنَامُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا سَبَبُ الطُّغْيَانِ، فَهِيَ كَالْفَاعِلَةِ لَهُ، وَقِيلَ: الطَّاغِيَةُ مَصْدَرٌ كَالْعَافِيَةِ سُمِّيَ بِهَا الصَّنَمُ لِلْمُبَالَغَةِ ثُمَّ جُمِعَتْ عَلَى طَوَاغٍ (" وَلَا بِآبَائِكُمْ ") : كَانَتِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ يَحْلِفُونَ بِهَا وَبِآبَائِهِمْ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِيَكُونُوا عَلَى تَيَقُّظٍ فِي مُحَاوَرَتِهِمْ، حَتَّى لَا يَسْبِقَ بِهِ لِسَانُهُمْ جَرْيًا عَلَى مَا تَعَوَّدُوهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 4750
٣٤٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى ; فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ ; فَلْيَتَصَدَّقْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٤٠٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتَ وَالْعُزَّى ") : صَنَمَانِ مَعْرُوفَانِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (" فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ") : أَيْ فَلْيَتُبْ إِلَى اللَّهِ وَلَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ سَهْوًا جَرْيًا عَلَى الْمُعْتَادِ السَّابِقِ لِلْمُؤْمِنِ الْمُتَجَدِّدِ (" فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ") ، أَيْ: فَلْيَتُبْ كَفَارَّةً لِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ، فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ فَهَذَا تَوْبَةٌ مِنَ الْغَفْلَةِ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَقْصِدَ تَعْظِيمَ اللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَجْدِيدًا لِإِيمَانِهِ. فَهَذَا تَوْبَةٌ مِنَ الْمَعْصِيَةِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الْإِسْلَامِ، بَلْ يَأْثَمُ بِهِ وَيَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ لِأَنَّهُ ﷺ جَعَلَ عُقُوبَتَهُ فِي دِينِهِ، وَلَمْ يُوجِبْ فِي مَالِهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْمَعْقُودِ، وَإِذَا حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَدْ ضَاهَى الْكُفَّارَ فِي ذَلِكَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَدَارَكَهُ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَلِفَ بِالصَّنَمِ مَذْمُومٌ، فَيَنْبَغِي أَنَّ يُتَدَارَكَ بِأَمْرٍ مَعْلُومٍ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى غَيْرِ هَذَا، وَسَيَأْتِي دَلِيلُ مَذْهَبِنَا. (" وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ ") : بِفَتْحِ اللَّامِ أَمْرٌ مِنْ تَعَالَى يَتَعَالَى، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْعَالِيَ يَطْلُبُ السَّافِلَ ثُمَّ تَوَسَّعَ أَيِ ائْتِ (" أُقَامِرْكَ ") : بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ أَيْ: أَفْعَلِ الْقِمَارَ مَعَكَ (" فَلْيَتَصَدَّقْ ") : أَيْ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ كَفَّارَةً لِمَقَالِهِ، وَقِيلَ: يَتَصَدَّقُ وَبِقَدْرِ مَا يُرِيدُ أَنْ يُقَامِرَ بِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا قَرَنَ الْقِمَارَ بِذِكْرِ الْأَصْنَامِ تَأَسِّيًا بِالتَّنْزِيلِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ [المائدة: ٩٠] فَمَنْ حَلَفَ بِالْأَصْنَامِ فَقَدْ أَشْرَكَهَا بِاللَّهِ فِي التَّعْظِيمِ، فَوَجَبَ تَدَارُكُهَا بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَمَنْ دُعِيَ إِلَى الْمُقَامَرَةِ، فَوَافَقَ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ فِي تَصْدِيقِهِ بِالْمَيْسِرِ فَكَفَّارَتُهُ التَّصَدُّقُ بِقَدْرِ مَا جَعَلَهُ خَطَرًا، أَوْ بِمَا تَيَسَّرَ، فَكَفَّارَتُهُ التَّصَدُّقُ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّدَقَةِ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ دُعِيَ إِلَى اللَّعِبِ فَكَفَّارَتُهُ التَّصَدُّقُ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَعِبَ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ، قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ. عَلَى أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ إِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ، أَوْ تُكُلِّمَ بِاللِّسَانِ يُكْتَبُ عَلَيْهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4751
٣٤١٠ - وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ. وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٤١٠ - (وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَهُوَ صَغِيرٌ، وَمَاتَ فِي فِتْنَةِ الزُّبَيْرِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ ") : صِفَةٌ لِمِلَّةٍ. كَإِنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ بَرِئٌ مِنَ الْإِسْلَامِ (" كَاذِبًا ") : أَيْ فِي حَلِفِهِ (" فَهُوَ كَمَا قَالَ ") : قَالَ الْقَاضِي ﵀: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَخْتَلُّ بِهَذَا الْحَلِفِ إِسْلَامُهُ وَيَصِيرُ كَمَا قَالَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعَلَّقَ ذَلِكَ بِالْحِنْثِ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا» ". وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّهْدِيدُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْوَعِيدِ، لَا الْحُكْمُ بِأَنَّهُ صَارَ يَهُودِيًّا أَوْ بَرِيئًا مِنَ الْإِسْلَامِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ كَالْيَهُودِيِّ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﵊: " «مَنْ تَرَكَ صَلَاةً فَقَدْ كَفَرَ» ". أَيِ اسْتَوْجَبَ عُقُوبَةَ مَنْ كَفَرَ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْكَلَامِ هَلْ يُسَمَّى فِي عُرْفِ الشَّرْعِ يَمِينًا، وَهَلْ تَتَعَلَّقُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهِ، فَذَهَبَ النَّخَعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ
стр. 4752
إِلَى أَنَّهُ يَمِينٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهَا. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: إِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ، لَكِنَّ الْقَائِلَ بِهِ آثِمٌ صَدَقَ فِيهِ أَوْ كَذَبَ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ ﷺ رَتَّبَ عَلَيْهِ الْإِثْمَ مُطْلَقًا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْكَفَّارَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَلَوْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَهُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ كَافِرٌ يَكُونُ يَمِينًا، فَإِذَا فَعَلَهُ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ قِيَاسًا عَلَى تَحْرِيمِ الْمُبَاحِ، فَإِنَّهُ يَمِينٌ بِالنَّصِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ﵊ حَرَّمَ مَارِيَةَ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ثُمَّ قَالَ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَجْهُ الْحَلِفِ أَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الشَّرْطَ وَهُوَ فِعْلُ كَذَا عَلَمًا عَلَى كُفْرِهِ، وَمُعْتَقَدُهُ حُرْمَتُهُ، فَقَدِ اعْتَقَدَهُ أَيِ الشَّرْطَ وَاجِبَ الِامْتِنَاعِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِي فِعْلَ كَذَا، كَدُخُولِ الدَّارِ مَثَلًا. وَلَوْ قَالَ: دُخُولُ الدَّارِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَانَ يَمِينًا، فَكَانَ تَعْلِيقُ الْكُفْرِ وَنَحْوِهِ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ يَمِينًا إِذَا عَرَفْتَ هَذَا، فَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لِشَيْءٍ قَدْ فَعَلَهُ فَهُوَ يَمِينٌ كَأَنْ قَالَ: إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ فَهُوَ يَمِينٌ غَمُوسٌ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا إِلَّا التَّوْبَةُ، وَهَلْ يَكْفُرُ حَتَّى تَكُونَ التَّوْبَةُ اللَّازِمَةُ عَلَيْهِ التَّوْبَةَ مِنَ الْكُفْرِ وَتَجْدِيدَ الْإِسْلَامِ؟ قِيلَ: نَعَمْ ; لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَهُ بِأَمْرٍ كَائِنٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ ابْتِدَاءً هُوَ كَافِرٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَمِينٌ فِيهِ الْكَفَّارَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ غَمُوسًا لَا يَكْفُرْ، وَإِنْ كَانَ فِي اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ يَكْفُرُ فَيَكْفُرْ فِيهَا بِفِعْلِهِ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْكُفْرِ حَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ كُفْرَهُ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَكْفُرُ إِذَا فَعَلَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ مِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ» ". فَهَذَا يُتَرَاءَى أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَعْتَقِدَ يَمِينًا أَوْ كُفْرًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أُخْرِجَ مُخْرَجَ الْغَالِبِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ فِيمَنْ يَحْلِفُ مِثْلَ هَذِهِ الْأَيْمَانِ أَنْ يَكُونَ أَهْلَ الْجَهْلِ وَالشَّرِّ، لَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ، وَهَؤُلَاءِ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا لُزُومَ الْكُفْرِ عَلَى تَقْدِيرِ الْحِنْثِ، فَإِنْ تَمَّ هَذَا فَالْحَدِيثُ شَاهِدٌ لِمَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِكُفْرِهِ. (" وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ ") : أَيْ لَا يَلْزَمُهُ (" نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ") : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ﵀: كَأَنْ يَقُولَ إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَفُلَانٌ حُرٌّ وَهُوَ لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ لَا يَمْلِكُهُ أَوِ التَّضَحِّيَ بِشَاةِ غَيْرِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنْ دَخَلَ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ. أَيْ: لَا صِحَّةَ لَهُ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ. قُلْتُ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الطَّلَاقِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ. (" «وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ» ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: عُوقِبَ بِمِثْلِهِ أَوْ بِهِ حَقِيقَةً (" يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ ") أَيْ: لَعْنُهُ (" كَقَتْلِهِ ") : أَيْ فِي أَصْلِ الْإِثْمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ فِي التَّحْرِيمِ أَوْ فِي الْعِقَابِ، وَالضَّمِيرُ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ أَيْ فَلَعْنُهُ كَقَتْلِهِ، وَكَذَا الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (" وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ ") : أَيْ قَذْفُهُ (" كَقَتْلِهِ ") : لِأَنَّ الرَّمْيَ بِالْكُفْرِ مِنْ أَسْبَابِ الْقَتْلِ، فَكَانَ الرَّمْيُ بِهِ كَالْقَتْلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَجْهُ التَّشْبِيهِ هُنَا أَظْهَرُ ; لِأَنَّ النِّسْبَةَ إِلَى الْكُفْرِ الْمُوجِبُ لِلْقَتْلِ، فَالْقَاذِفُ بِالْكُفْرِ تَسَبَّبَ إِلَيْهِ وَالْمُتَسَبِّبُ إِلَى الشَّيْءِ كَفَاعِلِهِ، وَالْقَذْفُ فِي الْأَصْلِ الرَّمْيُ، ثُمَّ شَاعَ عُرْفًا فِي الرَّمْيِ بِالزِّنَا، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَا يُعَابُ بِهِ الْإِنْسَانُ وَيَحِيقُ بِهِ ضَرَرُهُ، (" وَمَنِ ادَّعَى ") : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ أَظْهَرَ (" دَعْوَى ") : بِغَيْرِ تَنْوِينٍ (" كَاذِبَةً ") : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِدَعْوَى، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ عَلَى الْإِضَافَةِ (" لِيَتَكَثَّرَ بِهَا ") : مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ لِيَسْتَكْثِرَ مِنْ بَابِ الِاسْتِفْعَالِ، وَاللَّامُ لِلْعِلَّةِ. وَفِي نُسْخَةٍ يَسْتَكْثِرُ بِحَذْفِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ، وَالْمَعْنَى لِيُحَصِّلَ بِتِلْكَ الدَّعْوَى مَالًا كَثِيرًا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: هُوَ قَيْدٌ لِلدَّعْوَى الْكَاذِبَةِ. فَإِنْ قُلْتَ: مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْغَرَضُ اسْتِكْثَارَ الْمَالِ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ هَذَا الْحُكْمُ قُلْتُ لِلْقَيْدِ فَائِدَةٌ سِوَى الْمَفْهُومِ وَهُوَ
стр. 4753
مَزِيدُ الشَّفَاعَةِ عَلَى الدَّعْوَى الْكَاذِبَةِ وَاسْتِهْجَانُ الْعَرْضِ فِيهَا يَعْنِي: ارْتِكَابُ هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ لِهَذَا الْغَرَضِ الْحَقِيرِ غَيْرُ مُبَارَكٍ. (" لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً ") : أَيْ عَكْسَ مَا يُرِيدُهُ مِنَ الزِّيَادَةِ بِاسْتِكْثَارِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٣٥] يَعْنِي إِنْ كَانَتِ الْقِلَّةُ زِيَادَةً فَهُوَ يَزِيدُهُ، وَالْحَالُ أَنَّ الْقِلَّةَ لَيْسَتْ بِزِيَادَةٍ فَلَا يَزِيدُ أَلْبَتَّةَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَةُ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ.
стр. 4754
٣٤١١ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ; إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٤١١ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ ") : هَذَا قَسَمٌ وَشَرْطٌ (" لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ") : جَوَابُ الْقَسَمِ، وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ مُعْتَرِضَةٌ، وَالْقَسَمِيَّةُ خَبَرُ إِنَّ، الْكَشَّافَ: سُمِّيَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَمِينًا لِتَلَبُّسِهِ بِالْيَمِينِ. ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀، قَالَ الشَّمَنِيُّ، قَوْلُهُ: عَلَى يَمِينٍ أَيْ مُقْسَمٍ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْيَمِينِ جُمْلَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: مُقْسَمٌ بِهِ وَالْأُخْرَى مُقْسَمٌ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ الْكُلُّ، وَأُرِيدَ الْبَعْضُ، وَقِيلَ: ذُكِرَ اسْمُ الْحَالِ، وَأُرِيدَ الْمَحَلُّ ; لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مَحَلُّ الْيَمِينِ (" فَأُرَى ") : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ: فَأَظُنُّ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ فَأَعْلَمُ (غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ ") : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: أَعْطَيْتُ الْكَفَّارَةَ بَعْدَ حِنْثِهَا أَوْ نَوَيْتُ دَفْعَ الْكَفَّارَةِ (" عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ ") أَيْ فَعَلْتُ (" الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ") : وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ عَلَى الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ، وَفِيهِ نَدْبُ الْحِنْثِ إِذَا كَانَ خَيْرًا كَمَا إِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ وَالِدَهُ أَوْ وَلَدَهُ، فَإِنَّ فِيهِ قَطْعَ الرَّحِمِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَلَى الْحِنْثِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُهُمْ إِلَى جَوَازِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ يَقُولُ: إِنْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْعِتْقُ أَوِ الْإِطْعَامُ أَوِ الْكُسْوَةُ، كَمَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْلِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ صَوْمِ رَمَضَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀ الْمَنَّانُ فِي تَحْقِيقِ الْمَقَامِ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: إِنْ قَدَّمَ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْحِنْثِ لَمْ يُجْزِئْهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْزِئُهُ بِالْمَالِ دُونَ الصَّوْمِ ; لِأَنَّهُ أَدَّى بَعْدَ السَّبَبِ وَهُوَ الْيَمِينُ، وَإِنَّمَا كَانَ سَبَبُ الْكَفَّارَةِ هُوَ الْيَمِينَ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إِلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي النَّصِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﷻ : ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وَأَهْلُ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ يَقُولُونَ: كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَلَا يَقُولُونَ كَفَّارَةُ الْحِنْثِ، فَالْإِضَافَةُ دَلِيلُ سَبَبِيَّةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ لِلْمُضَافِ الْوَاقِعِ حُكْمًا شَرْعِيًّا، أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْوُجُوبُ، وَإِذَا ثَبَتَ سَبَبِيَّتُهُ جَازَ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ شَرْطٌ، وَالتَّقْدِيمُ عَلَى الشَّرْطِ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ ثَابِتٌ شَرْعًا كَمَا جَازَ فِي الزَّكَاةِ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحَوْلِ بَعْدَ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ مِلْكُ النَّصَّابِ، وَكَمَا فِي تَقْدِيمِ التَّكْفِيرِ بَعْدَ الْجَرْحِ عَلَى الْمَوْتِ بِالسِّرَايَةِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا يَفْتَرِقَ الْمَالُ وَالصَّوْمُ، وَهُوَ قَوْلُهُ الْقَدِيمُ، وَفِي الْجَدِيدِ: لَا يُقَدَّمُ الصَّوْمُ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةَ لَا تُقَدَّمُ عَلَى الْوَقْتِ يَعْنِي أَنَّ تَقَدُّمَ الْوَاجِبِ بَعْدَ السَّبَبِ قَبْلَ الْوُجُوبِ لَمْ يُعْرَفْ شَرْعًا إِلَّا فِي الْمَالِيَّةِ كَالزَّكَاةِ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى التَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحِنْثِ مُطْلَقًا صَوْمًا كَانَ أَوْ مَالًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى التَّقْدِيمِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَلَنَا: أَنَّ الْكَفَّارَةَ لِسَتْرِ الْجِنَايَةِ مِنَ الْكُفْرِ وَهُوَ السَّتْرُ قَالَ الْقَائِلُ:
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ ظَلَامُهَا ... وَبِهِ سُمِّيَ الزَّارِعُ كَافِرًا
لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْبَذْرَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا جِنَايَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ ; لِأَنَّهَا مَنُوطَةٌ بِهِ لَا بِالْأَيْمَانِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ اللَّهَ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ، وَلِذَا قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَالصَّحَابَةُ عَلَى الْأَيْمَانِ، وَكَوْنُ الْحِنْثِ جِنَايَةً مُطْلَقًا لَيْسَ وَاقِعًا، إِذْ قَدْ يَكُونُ فَرْضًا، وَإِنَّمَا أُخْرِجَ الْكَلَامُ مُخْرَجَ الظَّاهِرِ الْمُتَبَادِرِ مِنْ إِحْلَافِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا سَبَبُ الْحِنْثِ، سَوَاءٌ كَانَ مَعْصِيَةً أَوْ لَا. وَالْمَدَارُ تَوْقِيرُ مَا يَجِبُ لِاسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4755
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَرَدَ السَّمْعُ بِتَقْدِيمِ التَّكْفِيرِ عَلَى الْحِنْثِ فِي قَوْلِهِ ﵊: " فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ لْيَأْتِ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ". قُلْنَا: الْمَعْرُوفُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: " «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» ". وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْهُ ﵊: " «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلِيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» ". وَكَذَا فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ: وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ لَفْظُ ثُمَّ، إِلَّا وَهُوَ مُقَابَلٌ بِرِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ بِالْوَاوِ، فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ فِي أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ فِيهِ: " «فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» ". وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُقَابَلَةٌ بِرِوَايَاتٍ عَدِيدَةٍ، كَحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ بِالْوَاوِ، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الشَّاذِّ مِنْهَا، فَيُحْمَلُ عَلَى مَعْنَى الْوَاوِ حَمْلًا لِلْقَلِيلِ الْأَقْرَبِ إِلَى الْغَلَطِ عَلَى الْكَثِيرِ، وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْمُسْتَدْرَكِ «كَانَ ﵊ إِذَا حَلَفَ لَا يَحْنَثُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ فَقَالَ: " لَا أَحْلِفُ ". إِلَى أَنْ قَالَ: " إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي ثُمَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . وَهَذَا فِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ إِلَى آخِرِ مَا فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَفِيهِ الْعَطْفُ بِالْوَاوِ، وَهُوَ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ، وَقَدْ شَذَّتْ لِمُخَالَفَتِهَا رِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ، فَصَدَقَ عَلَيْهَا تَعْرِيفُ الْمُنْكَرِ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَا خَالَفَ الْحَافِظُ فِيهَا الْأَكْثَرَ، يَعْنِي مَنْ سِوَاهُ مِنْهُ مِمَّنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، فَلَا يُعْمَلُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَيَكُونُ التَّعْقِيبُ الْمُسْتَفَادُ بِالْفَاءِ فِي الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ، كَمَا فِي: ادْخُلِ السُّوقَ فَاشْتَرِ لَحْمًا وَفَاكِهَةً، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ تَعْقِيبُ دُخُولِ السُّوقِ بِشِرَاءِ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَهَكَذَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ عَظِيمُ الْبُرْهَانِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ. وَهَكَذَا ; لِأَنَّ الْوَاوَ لَمَّا لَمْ تَقْتَضِ التَّعْقِيبَ كَانَ قَوْلُهُ: " فَلْيُكَفِّرْ ". لَا يَلْزَمُ تَعْقِيبُهُ لِلْحِنْثِ، بَلْ جَازَ كَوْنُهُ قَبْلَهُ كَمَا بَعْدَهُ، فَلَزِمَ مِنْ هَذَا كَوْنُ الْحَاصِلِ فَلْيَفْعَلِ الْأَمْرَيْنِ، فَيَكُونُ الْمُعَقَّبُ الْأَمْرَيْنِ ثُمَّ وَرَدَتْ رِوَايَاتٌ بِعَكْسِهِ، مِنْهَا مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنْهُ ﵊: " «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» ". وَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ ﵊: «وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» ". وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزَّعْرَاءِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ ابْنَ عَمٍّ لِي آتِيهِ أَسْأَلُهُ فَلَا يُعْطِينِي وَلَا يَسْأَلُنِي ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَيَّ فَيَأْتِينِي وَيَسْأَلُنِي، وَقَدْ حَلَفْتُ أَنْ لَا أُعْطِيَهُ وَلَا أَصِلَهُ؟ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَأُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِي» . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ، ثُمَّ لَمْ يَفْرِضْ صِحَّةَ رِوَايَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنْ تَغْيِيرِ الرُّوَاةِ، إِذْ قَدْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ بِالْوَاوِ، وَلَوْ سَلِمَ فَالْوَاجِبُ كَمَا قَدَّمْنَا حَمْلُ الْقَلِيلِ عَلَى الْكَثِيرِ الشَّهِرِ لَا عَكْسُهُ، فَيُحْمَلُ ثُمَّ عَلَى الْوَاوِ الَّتِي امْتَلَأَتْ كُتُبُ الْحَدِيثِ مِنْهَا دُونَ ثُمَّ اهـ. وَفِي الْمُغْنِي: خَالَفَ قَوْمٌ فِي اقْتِضَاءِ ثُمَّ التَّرْتِيبَ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا - وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ١٨٩ - ٧] ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] ، ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] .
стр. 4756
٣٤١٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ! لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ ; فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ". وَفِي رِوَايَةٍ: " فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٤١٢ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ) : تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَرِيبًا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلِ ") : بِصِيغَةِ النَّهْيِ وَرُوِيَ بِالنَّفْيِ أَيْ: لَا تَطْلُبِ (" الْإِمَارَةَ ") : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيِ: الْحُكُومَةَ (" فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا ") : أَوْ أُعْطِيتَهَا (" عَنْ مَسْأَلَةٍ ") أَيْ: بَعْدَ سُؤَالِكَ إِيَّاهَا أَوْ إِعْطَاءً صَادِرًا عَنْ مَسْأَلَةٍ (" وُكِلْتَ إِلَيْهَا ") : بِضَمِّ وَاوٍ وَكَسْرِ كَافٍ مُخَفَّفَةٍ وَفَتْحِ تَاءٍ أَيْ: خُلِّيتَ إِلَيْهَا وَتُرِكْتَ مَعَهَا مِنْ غَيْرِ إِعَانَةٍ فِيهَا (" وَإِنْ أُوتِيتَهَا
стр. 4757
عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: أَعَانَكَ اللَّهُ عَلَى تِلْكَ الْإِمَارَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِمَارَةَ أَمْرٌ شَاقٌّ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهَا إِلَّا الْأَفْرَادُ مِنْهُ الرِّجَالُ، فَلَا تَسْأَلْهَا مِنْ تَشَرُّفِ نَفْسٍ ; فَإِنَّكَ إِنْ سَأَلْتَهَا تُرِكْتَ مَعَهَا فَلَا يُعِينُكَ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أَعَانَكَ اللَّهُ عَلَيْهَا. (" «فَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» ") : قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ مِثْلِ: لَا يُصَلِّي أَوْ لَا يُكَلِّمُ أَبَاهُ أَوْ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀ أَيْ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ أَنْوَاعٌ: فِعْلُ مَعْصِيَةٍ، أَوْ تَرْكُ فَرْضٍ، فَالْحِنْثُ وَاجِبٌ أَوْ أَيٌّ غَيْرُهُ أَيْ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ كَالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ شَهْرًا أَوْ نَحْوَهُ، فَإِنَّ الْحِنْثَ أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ الرِّفْقُ، وَكَذَا الْحِنْثُ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ، وَهُوَ يَسْتَأْهِلُ ذَلِكَ، أَوْ لَيَشْكُوَنَّ مَدْيُونَهُ إِنْ لَمْ يُوَافِهِ غَدًا ; لِأَنَّ الْعَفْوَ أَفْضَلُ، وَكَذَا تَيْسِيرُ الْمُطَالَبَةِ أَوْ عَلَى شَيْءٍ وَضِدُّهُ مِثْلُهُ، كَالْحَلِفِ لَا يَأْكُلُ هَذَا الْخُبْزَ وَلَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ، فَالْبِرُّ فِي هَذَا وَحِفْظُ الْيَمِينِ أَوْلَى، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهُ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﷻ : ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي تَأْوِيلِهَا أَنَّهُ فِيمَا أَمْكَنَ لَا يَبْعُدُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4758
٣٤١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٤١٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ") أَيْ: مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ (" فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ") أَيْ: فَيَلْتَزِمْ كَفَّارَةَ يَمِينِهِ (" وَلْيَفْعَلْ ") أَيِ: الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 4759
٣٤١٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَاللَّهِ لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٤١٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَاللَّهِ ; لَأَنْ يَلَجَّ ") : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَاللَّامِ وَبِكَسْرٍ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ، قَالَ الْقَاضِي ﵀: لَجِجْتُ أَلَجُّ بِكَسْرِ الْمَاضِي وَفَتْحِ الْمُضَارِعِ وَبِالْعَكْسِ لَجَاءً وَلَجَاجَةً اهـ. وَوَافَقَ الْقَامُوسَ، وَاقْتَصَرَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ عَلَى فَتْحِ الْمُضَارِعِ أَيْ: يُصِرَّ وَيُقِيمَ (" أَحَدُكُمْ ") أَيْ: عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (" بِيَمِينِهِ ") أَيْ: بِسَبَبِهَا (" فِي أَهْلِهِ ") : وَلَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ بِالْكَفَّارَةِ (" آثَمُ ") : بِمَدِّ أَوَّلِهِ أَيْ: أَكْثَرُ إِثْمًا (" لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ ") أَيْ: بَعْدَ الْحَلِفِ (" كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ ") : وَفِي نُسْخَةٍ فَرَضَ (" اللَّهُ عَلَيْهِ ") : قَالَ الْقَاضِي ﵀: يُرِيدُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ لَجَاجًا مَعَ أَهْلِهِ كَانَ ذَلِكَ أَدْخَلَ فِي الْوِزْرِ، وَأَفْضَى إِلَى الْإِثْمِ مِنْ أَنْ يَحْنَثَ فِي يَمِينِهِ وَيُكَفِّرَ عَنْهَا، لِأَنَّهُ جَعَلَ اللَّهَ تَعَالَى بِذَلِكَ عُرْضَةَ الِامْتِنَاعِ عَنِ الْبِرِّ وَالْمُوَاسَاةِ مَعَ الْأَهْلِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الْإِلْجَاجِ، وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤] أَيْ: لِأَقْوَالِكُمْ عَلِيمٌ أَيْ: بِنِيَّاتِكُمْ، وَآثَمُ: اسْمُ تَفْضِيلٍ أَصْلُهُ أَنْ يُطْلَقَ لِلَاجِّ الْإِثْمِ، فَأَطْلَقَهُ لِلَّجَاجِ الْمُوجِبِ لِلْإِثْمِ عَلَى سَبِيلِ الِاتِّسَاعِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ يَجِبُ مَزِيدًا ثُمَّ مُطْلَقًا لَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا نُسِبَ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ مَنْدُوبٌ عَلَى مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَلَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِمُ: الصَّيْفُ أَحَرُّ مِنَ الشِّتَاءِ، يَعْنِي: إِثْمُ اللَّجَاجِ فِي بَابِهِ أَبْلَغُ مِنْ ثَوَابِ إِعْطَاءِ الْكَفَّارَةِ فِي بَابِهِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى أَنَّ اسْتِمْرَارَهُ عَلَى عِلْمِ الْحِنْثِ وَإِدَامَةِ الضَّرَرِ عَلَى أَهْلِهِ أَكْثَرُ إِثْمًا مِنَ الْحِنْثِ الْمُطْلَقِ. قَالَ الْبَرَمَاوِيُّ: آثَمُ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ، فَيُشْعِرُ بِأَنَّ إِعْطَاءَ الْكَفَّارَةِ فِيهِ إِثْمٌ لِمَا فِي الْحِنْثِ مِنْ عَدَمِ تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ مُلَازَمَةُ عَادَةٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: بَنَى الْكَلَامَ عَلَى تَوَهُّمِ الْحَالِفِ، فَإِنَّهُ يَتَوَهَّمُ أَنَّ عَلَيْهِ إِثْمًا، وَلِهَذَا يَلَجُّ فِي عَدَمِ التَّحَلُّلِ بِالْكَفَّارَةِ فَقَالَ ﷺ فِي اللَّجَاجِ الْإِثْمُ أَكْثَرُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَهْلَ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِلْمُبَالَغَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4760
٣٤١٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٤١٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَمِينُكَ ") أَيْ: حَلِفُكَ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: (عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ ") أَيْ: خَصْمُكَ وَمُدَّعِيكَ وَمُحَاوِرُكَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ وَاقِعٌ عَلَيْهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ التَّوْرِيَةُ. فَإِنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْيَمِينِ بِقَصْدِ الْمُسْتَحْلِفِ إِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهَا، فَالْعِبْرَةُ بِقَصْدِ الْحَالِفِ، فَلَهُ التَّوْرِيَةُ. هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ ﵏.
وَفِي النِّهَايَةِ: أَيْ: يَجِبُ عَلَيْكَ لَهُ أَنْ تَحْلِفَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ إِذَا حَلَفْتَ لَهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى اسْتِحْلَافِ الْقَاضِي أَوْ نَائِبِهِ فِي دَعْوَةٍ أُوجِبَتْ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إِذَا حَلَفَ عِنْدَ الْقَاضِي وَلَمْ يَسْتَحْلِفْهُ، فَالِاعْتِبَارُ بِنِيَّةِ الْحَالِفِ، وَأَمَّا إِذَا اسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي بِالطَّلَاقِ فَيَنْفَعُهُ التَّوْرِيَةُ ; لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ التَّحْلِيفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحْلَفُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّوْرِيَةَ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْنَثُ بِهَا، فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهَا حَيْثُ يَبْطُلُ بِهَا حَقُّ مُسْتَحِقٍّ، وَهَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَيُحْكَى عَنْ مَالِكٍ ﵀: أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ فَهُوَ فِيهِ حَانِثٌ آثِمٌ، وَمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعُذْرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ اهـ. كَلَامُهُ.
وَرُوِيَ «عَنْ سُوَيْدِ بْنِ حَنْظَلَةَ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ الْحَضْرَمِيُّ، فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ لَهُ فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا وَحَلَفْتُ أَنَّهُ أَخِي فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: " صَدَقْتَ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» ". (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 4761
٣٤١٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٤١٦ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " الْيَمِينُ ") أَيْ: يَمِينُ الْحَالِفِ (" عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ ") أَيْ: إِذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلتَّحْلِيفِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّظَرَ وَالِاعْتِبَارَ فِي الْيَمِينِ عَلَى نِيَّةِ طَالِبِ الْحِنْثِ، فَإِنْ أَضْمَرَ الْحَالِفُ تَأْوِيلًا عَلَى غَيْرِ نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ لَمْ يُسْتَخْلَصْ مِنَ الْحِنْثِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ: وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.
стр. 4762
٣٤١٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ لَفْظُ الْمَصَابِيحِ وَقَالَ: رَفَعَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ ﵂.
ــ
٣٤١٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] : بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ وَاوًا أَيْ لَا يُعَاقِبُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ: الْكَشَّافَ: اللَّغْوُ السَّاقِطُ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ كَلَامٍ وَغَيْرِهِ، وَاللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ الَّذِي عُقِدَ مَعَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] (فِي قَوْلِ الرَّجُلِ) أَيْ: نَزَلَتْ فِي قَوْلِ الشَّخْصِ (لَا وَاللَّهِ) أَيْ: فِي يَمِينِ النَّفْيِ (وَبَلَى وَاللَّهِ) : فِي يَمِينِ الْإِثْبَاتِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى الْيَمِينِ بَلِ الْقَصْدُ تَأْكِيدُ الْحُكْمِ الْعَارِي عَنِ الْيَمِينِ الْمُجَرَّدِ عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ فِي اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ بِالْجَنَانِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ لَفْظُ الْمَصَابِيحِ) : مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِلَفْظِ الْمَصَابِيحِ أَيِ: الْحَدِيثُ وَاقِعٌ بِلَفْظِهِ (وَقَالَ) أَيْ: الْبَغَوِيُّ (رَفَعَهُ) أَيْ: الْحَدِيثَ (بَعْضُهُمْ) أَيْ: بَعْضُ الْمُخَرِّجِينَ (عَنْ عَائِشَةَ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَيْ: رَفَعَ الْحَدِيثَ بَعْضُهُمْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُتَجَاوِزًا عَنْ عَائِشَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ سَاغَ ذِكْرُ الْمَوْقُوفِ وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ؟ قُلْتُ: مِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِمَوْقُوفٍ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: تَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ مَوْقُوفٌ إِلَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِسَبَبِ نُزُولِ آيَةٍ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ اهـ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ كَوْنَ الْمَوْقُوفِ قَدْ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا، فَإِنَّ مَدَارَ الضَّعْفِ وَضِدِّهِ عَلَى إِسْنَادِ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مَوْقُوفًا حَقِيقِيًّا أَوْ مَرْفُوعًا حُكْمِيًّا، فَحُكْمٌ آخَرُ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ كُلَّ مَوْقُوفٍ غَيْرُ ضَعِيفٍ، كَمَا أَنَّ كُلَّ مَرْفُوعٍ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَدْ كَثُرَ وُجُودُ الْمَوْقُوفِ مُطْلَقًا فِي الصَّحِيحَيْنِ فَتَدَبَّرْ يَظْهَرْ لَكَ الْأَثَرُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَيَمِينُ اللَّغْوِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَمْرٍ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَمَا قَالَ. وَالْأَمْرُ
стр. 4763
بِخِلَافِهِ مِثْلَ: وَاللَّهِ لَقَدْ دَخَلْتُ الدَّارَ وَاللَّهِ مَا كَلَّمْتُ زَيْدًا وَنَحْوَهُ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي تَفْسِيرِ اللَّغْوِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: كُلُّ يَمِينٍ صَدَرَتْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فِي الْمَاضِي وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ مُبَايِنٌ لِلتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ ; لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ كَمَا قَالَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ قَصْدٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ مَعْنَى مَا رَوَى صَاحِبُ السُّنَنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ، كَلَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ وَمَسْرُوقٌ: لَغْوُ الْيَمِينِ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَفِي الْهِدَايَةِ: الْقَاصِدُ فِي الْيَمِينِ وَالْمُكْرَهُ وَالنَّاسِي، وَهُوَ مَنْ تَلَفَّظَ بِالْيَمِينِ ذَاهِلًا عَنْهُ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَلَفَّظَ بِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْخَاطِئُ وَهُوَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ غَيْرِ الْحَلِفِ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ حِنْثٌ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ لِقَوْلِهِ ﵊: " «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْيَمِينُ» .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَبَعْضُهُمْ كَصَاحِبِ الْخُلَاصَةِ جَعَلَ مَكَانَ الْيَمِينِ الْعِتَاقَ، وَالْمَحْفُوظُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ» ". وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثُ الْعِتَاقِ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ طَلَّقَ وَهُوَ لَاعِبٌ فَطَلَاقُهُ جَائِزٌ، وَمَنْ أَعْتَقَ وَهُوَ لَاعِبٌ فَعِتْقُهُ جَائِزٌ» ". وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: " «ثَلَاثٌ لَيْسَ فِيهِنَّ لَعِبٌ، مَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْهُنَّ لَاعِبًا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ: الطَّلَاقُ، وَالْعِتَاقُ، وَالنِّكَاحُ» ". وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَمْرٍو وَعَلِيٍّ مَوْقُوفًا أَنَّهُمَا قَالَا: ثَلَاثٌ لَا لَعِبَ فِيهِنَّ: النِّكَاحُ وَالْعَتَاقُ وَالطَّلَاقُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا: أَرْبَعٌ، وَزَادَ النَّذْرَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْيَمِينَ فِي مَعْنَى النَّذْرِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ اللَّغْوُ بِتَفْسِيرِهِمْ وَهْمًا أَمْ يَقْصِدُ الْيَمِينَ مَعَ ضِدِّ الْبِرِّ لَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْيَمِينِ فَمَا لَنْ يَقْصِدَهُ أَصْلًا بَلْ هُوَ كَالنَّائِمِ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ طَلَاقٌ أَوْ عَتَاقٌ لَا حُكْمَ بِهِ وَأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا حُكْمُ الْيَمِينِ، وَأَيْضًا فَتَفْسِيرُ اللَّغْوِ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ نَفْسَ التَّفْسِيرِ الَّذِي فَسَّرُوا بِهِ النَّاسِيَ، فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ فِي بَيْتِهِ لَا يَقْصِدُ التَّكَلُّمَ بِهِ، بَلْ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ غَيْرُ مُرَادِ لَفْظِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِيَّاهُ كَانَ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْهَازِلِ، فَحَمْلُ النَّاسِي عَلَى اللَّاغِي بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْهَازِلِ، وَهَذَا الَّذِي أَدَّيَّنُهُ، وَتَقَدَّمَ لَنَا فِي الطَّلَاقِ مِثْلُهُ. قَالَ: وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يُخَالِفُنَا فِي ذَلِكَ، فَيَقُولُ. لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ الْمُكْرَهِ وَالنَّاسِي وَالْمُخْطِئِ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ".
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَسَنُبَيِّنُ فِي الْإِكْرَاهِ. قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّفْعِ رَفْعُ الْوِزْرِ لَا الْعَقْدِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵏ فِي التَّحْقِيقِ مِنْ عَدَمِ انْعِقَادِ يَمِينِ الْمُكْرَهِ بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَأَبِي أُمَامَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ» ". ثُمَّ قَالَ عَنْبَسَةُ: ضَعِيفٌ. قَالَ صَاحِبُ تَنْقِيحِ التَّحْقِيقِ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ بَلْ مَوْضُوعٌ، وَفِيهِ جَمَاعَةٌ لَا يَجُوزُ الِاجْتِمَاعُ بِهِمْ، ثُمَّ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ أَيِ الَّتِي تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ ثُمَّ فِي النَّارِ، فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ لِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ هُوَ الْحَالِفُ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ بِهِ لِمَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَدْخَلَهُ النَّارَ ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: " لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ". قُلْتُ: رَوَاهُمَا الْأَرْبَعَةُ وَأَحْمَدُ قَالَ: وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ مَصْبُورَةٍ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ". وَالْمُرَادُ بِالْمَصْبُورَةِ الْمُلْزِمَةُ بِالْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ أَيِ الْمَحْبُوسُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ مَصْبُورٌ عَلَيْهَا وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا إِلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فِيهَا الْكَفَّارَةُ. وَتَمَامُ بَحْثِ الْمَقَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِابْنِ هَمَّامٍ: وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀: الْغَمُوسُ مَكْسُوبَةٌ بِالْقَلْبِ وَالْمَكْسُوبَةُ يُؤْخَذُ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﷻ : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ الْمُرَادَ بِالْمُؤَاخَذَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْكَفَّارَةُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ مُطْلَقًا فِي الْآخِرَةِ، وَهِيَ الْمُرَادُ بِالْمُؤَاخَذَةِ فِي الْغَمُوسِ وَفِي الدُّنْيَا وَهِيَ الْمَكْسُوبَةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمَعْقُودَةُ كَمَا ذُكِرَ، وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ قَالَ فِيهِ: " «خَمْسٌ لَيْسَ فِيهِنَّ كَفَّارَةٌ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَنَهْبُ مُؤْمِنٍ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَيَمِينٌ صَابِرَةٌ يَقْطَعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ» ". اهـ. وَكُلُّ مَنْ قَالَ لَا كَفَّارَةَ فِي الْغَمُوسِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْيَمِينِ الْمَصْبُورَةِ عَلَى مَالٍ كَاذِبًا وَغَيْرِهَا، وَصَابِرَةٌ بِمَعْنَى مَصْبُورَةٍ كَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ.
стр. 4764
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٤١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٤١٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ» ") ، أَيْ بِأُصُولِكُمْ فَبِالْفُرُوعِ أَوْلَى (" وَلَا، بِالْأَنْدَادِ ") ، أَيِ الْأَصْنَامِ، وَالْمُرَادُ بِمَا سِوَاهُ. فِي النِّهَايَةِ: الْأَنْدَادُ جَمْعُ نِدٍّ بِالْكَسْرِ وَهُوَ مِثْلُ الشَّيْءِ يُضَادُّهُ فِي أُمُورِهِ، وَيُنَادُّهُ أَيْ يُخَالِفُهُ، وَيُرِيدُ بِهَا مَا كَانُوا يَتَّخِذُونَهُ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى. (" «وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 4765
٣٤١٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٣٤١٩ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ ") : أَيْ مُعْتَقِدًا تَعْظِيمَ ذَلِكَ الْغَيْرِ (" فَقَدْ أَشْرَكَ ") . أَيْ إِشْرَاكًا جَلِيًّا أَوْ خَفِيًّا لِأَنَّهُ أَشْرَكَ الْمَحْلُوفَ بِهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّعْظِيمِ الْمَخْصُوصِ بِهِ، قِيلَ: مَعْنَاهُ مَنْ أَشْرَكَ بِهِ غَيْرَهُ فِي التَّعْظِيمِ الْبَلِيغِ، فَكَأَنَّهُ مُشْرِكٌ إِشْرَاكًا جَلِيًّا فَيَكُونُ زَجْرًا بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ كَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ لَمْ يَكُنْ حَالِفًا لِقَوْلِهِ ﷺ : " «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَكَذَا إِذَا حَلَفَ بِالْقُرْآنِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ يَعْنِي: وَمِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ صِفَةَ اللَّهِ لَا تَكُونُ يَمِينًا إِذَا كَانَ الْحَلِفُ بِهَا مُتَعَارَفًا. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ ﵀ الْمَلِكُ الْعَلَّامُ: وَمَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ وَالنَّبِيِّ وَالْقُرْآنِ، أَمَّا إِذَا حَلَفَ بِذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنَ النَّبِيِّ وَالْقُرْآنِ كَانَ يَمِينًا ; لِأَنَّ التَّبَرُّأَ مِنْهُمَا كُفْرٌ، فَيَكُونُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ قَالَ: ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَلِفَ بِالْقُرْآنِ الْآنَ مُتَعَارَفٌ، فَيَكُونُ يَمِينًا كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمَّا الْحَلِفُ بِحَيَاةِ شَرِيفٍ، وَمِثْلُهُ بِحَيَاةِ رَأْسِكَ وَحَيَاةِ رَأْسِ السُّلْطَانِ فَذَلِكَ إِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الْبِرَّ وَاجِبٌ يَكْفُرُ، وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى. قَالَ عَلِيٌّ الرَّازِيُّ: أَخَافُ عَلَى مَنْ قَالَ: وَحَيَاتِي وَحَيَاتِكَ أَنَّهُ يَكْفُرُ، وَلَوْلَا أَنَّ الْعَامَّةَ يَقُولُونَهُ وَلَا يَعْلَمُونَهُ لَقُلْتُ: إِنَّهُ شِرْكٌ. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ صَادِقًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ: " «مَنْ حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ» ".
следующие страницы →