Полный текст (8 767 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.
стр. 4831
٣٤٧١ - وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ ﵁ قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَبِي قَالَ: " مَنْ هَذَا الَّذِي مَعَكَ؟ قَالَ: ابْنِي أَشْهَدُ بِهِ. قَالَ: " أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَزَادَ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " فِي أَوَّلِهِ قَالَ: «دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى أَبِي الَّذِي بِظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: دَعْنِي أُعَالِجُ الَّذِي بِظَهْرِكَ فَإِنِّي طَبِيبٌ. قَالَ: " أَنْتَ رَفِيقٌ وَاللَّهُ الطَّبِيبُ» ".
ــ
٣٤٧١ - (وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ فَمُثَلَّثَةٍ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ رِفَاعَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ التَّمِيمِيُّ (قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَبِي، فَقَالَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي (" مَنْ هَذَا الَّذِي مَعَكَ؟ " قَالَ) : أَيْ: أَبِي (ابْنِي) : أَيْ: هُوَ ابْنِي (اشْهَدْ بِهِ) : بِهَمْزِ وَصْلٍ وَفَتْحِ هَاءٍ أَيْ: كُنْ شَاهِدًا بِأَنَّهُ ابْنِي مِنْ صُلْبِي، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَهُوَ تَقْرِيرٌ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَالْمَقْصُودُ الْتِزَامُ ضَمَانِ الْجِنَايَاتِ عَنْهُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ مُؤَاخَذَةِ كُلٍّ مِنَ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ بِجِنَايَةِ الْآخَرِ. (قَالَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ رَدًّا لِزَعْمِهِ (" أَمَا ") : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (" إِنَّهُ ") : لِلشَّأْنِ أَوِ الِابْنِ (" لَا يَجْنِي عَلَيْكَ ") : لَا تُؤَاخَذُ بِذَنْبِهِ (" وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ ") : أَيْ: لَا يُؤَاخَذُ بِذَنْبِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَيْ: إِنَّهُ لَا يَجْنِي جِنَايَةً يَكُونُ الْقِصَاصُ أَوِ الضَّمَانُ فِيهَا عَلَيْكَ، أَوْ أَنَّ لَفْظَهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ نَهْيٌ أَيْ: لَا يَجْنِ عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَاسِبُ مَا قَبْلَهُ وَلَا الْبَابَ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْأَلْبَابِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. وَزَادَ) أَيْ: صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ " فِي أَوَّلِهِ) : أَيْ: فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ (قَالَ) : أَيْ: أَبُو رِمْثَةَ (دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى أَبِي الَّذِي) : أَيْ: ظَاهِرَ اللَّحْمِ الْمُكَبْكَبِ (بِظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيْ: مِنْ خَاتَمِ النُّبُوَّةِ الَّذِي خُلِقَ مَعَ خَلْقِهِ ﷺ بِالْخِلْقَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَظَنَّ أَنَّهُ سِلْعَةٌ وَهِيَ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ: لَحْمَةٌ زَائِدَةٌ تَحْدُثُ فِي الْجَسَدِ كَالْغُدَّةِ تَجِيءُ وَتَذْهَبُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ، (قَالَ: دَعْنِي) : أَيِ: اتْرُكْنِي، وَالْمُرَادُ ائْذَنْ لِي (أُعَالِجُ) : بِالرَّفْعِ، وَقِيلَ: بِالْجَزْمِ وَكَسْرٍ لِلِالْتِقَاءِ، وَتَقْدِيرُ الْأَوَّلِ: أَنَا أُعَالِجُ (الَّذِي بِظَهْرِكِ فَإِنِّي طَبِيبٌ. فَقَالَ: (" أَنْتَ رَفِيقٌ ") : أَيْ: أَنْتَ تَرْفُقُ بِالنَّاسِ فِي الْعِلَاجِ بِلَطَافَةِ الْفِعْلِ فَتَحْمِيهِ بِحِفْظِ مِزَاجِهِ عَمَّا يُخْشَى أَنْ لَا يَحْتَمِلَهُ بَدَنُهُ مِنَ الْأَغْذِيَةِ الرَّدِيئَةِ الْمُرْدِيَةِ، وَتُطْعِمُهُ مَا تَرَى أَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ مِنَ الْأَغْذِيَةِ اللَّطِيفَةِ وَالْأَدْوِيَةِ (" وَاللَّهُ الطَّبِيبُ ") : أَيْ: هُوَ الْعَالِمُ بِحَقِيقَةِ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ، وَالْقَادِرُ عَلَى الصِّحَّةِ وَالشِّفَاءِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْمَوْصُوفِ بِالْبَقَاءِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ: إِنَّمَا الشَّافِي الْمُزِيلُ لِلْأَدْوَاءِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ ﵊: " «فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» ". أَيِ الَّذِي تَنْسُبُونَهُ إِلَى الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ فَاعِلُهُ لَا الدَّهْرُ، فَلَا يُوجِبُ جَوَازَ تَسْمِيَةِ اللَّهِ طَبِيبًا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: رَأَى بِظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ وَكَانَ نَاتِئًا، وَظَنَّ أَنَّهُ سِلْعَةٌ تَوَلَّدَتْ مِنْ فَضَلَاتِ الْبَدَنِ، فَرَدَّ ﷺ كَلَامَهُ بِأَنْ أَخْرَجَهُ مُدَرِّجًا مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، يَعْنِي لَيْسَ هَذَا مِمَّا يُعَالَجُ، بَلْ يَفْتَقِرُ كَلَامُكَ إِلَى الْعِلَاجِ حَيْثُ سَمَّيْتَ نَفْسَكَ بِالطَّبِيبِ، وَاللَّهُ هُوَ الطَّبِيبُ، فَهُوَ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ فِي الصَّنْعَةِ الْبَدِيعِيَّةِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِالطَّبِيبِ أَنْ يُذْكَرَ فِي حَالِ الِاسْتِشْفَاءِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمُصِحُّ وَالْمُمْرِضُ وَالْمُدَاوِي وَالطَّبِيبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلَا يُقَالُ: يَا طَبِيبُ كَمَا يُقَالُ: يَا حَلِيمُ يَا رَحِيمُ، فَإِنَّ ذَلِكَ بَعِيدٌ مِنَ الْأَدَبِ ; وَلِأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] قُلْتُ: وَلَعَلَّ بَعْدَهُ مِنَ الْأَدَبِ لِكَوْنِهِ مُوهِمًا لِلْإِطْلَاقِ الْعُرْفِيِّ عَلَى الْمَخْلُوقِ، كَمَا لَا يُقَالُ لَهُ الْمُعَلِّمُ، مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ [البقرة: ٣١] وَ ﴿الرَّحْمَنُ - عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢] وَأَمَّا تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ: وَلِأَنَّ الْأَسْمَاءَ تَوْقِيفِيَّةٌ فَلَا يَظْهَرُ وَجْهُهُ إِلَّا إِنْ أَرَادَ مِنْ حُصُولِ التَّوْقِيفِ صِحَّةَ الدَّلِيلِ أَوْ حَصْرَهُ بِمَا فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمَشْهُورَةِ الْمَعْدُودَةِ بِالتِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَهَذَا وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: اللَّهُ الطَّبِيبُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي رِمْثَةَ. وَرَوَى الشِّيرَازِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلًا: «الطَّبِيبُ اللَّهُ، وَلَعَلَّكَ تَرْفُقُ بِأَشْيَاءَ يَخْرُقُ بِهَا غَيْرُكَ» .
стр. 4832
٣٤٧٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁، حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقِيدُ الْأَبَ مِنِ ابْنِهِ، وَلَا يُقِيدُ الِابْنَ مِنْ أَبِيهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَضَعَّفَهُ.
ــ
٣٤٧٢ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ) : أَيِ: ابْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيِّ الْكِنَانِيِّ كَانَ يَنْزِلُ قُدَيْدًا وَيُعَدُّ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَكَانَ شَاعِرًا مُجِيدًا، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّحَابَةِ. (قَالَ: حَضَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقِيدُ الْأَبَ) : بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الْأُولَى أَيْ يَقْتَصُّ لَهُ (مِنِ ابْنِهِ) : بِكَسْرِ نُونِ مِنْ لِلِالْتِقَاءِ أَيْ: لِأَجْلِهِ وَبِسَبَبِهِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ. قِيلَ: كَانَ هَذَا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْقَوَدُ الْقِصَاصُ وَقَتْلُ الْقَاتِلِ بَدَلَ الْقَتِيلِ، وَقَدْ أَقَدْتُهُ بِهِ أُقِيدُهُ قَادَةً، وَاسْتَقَدْتُ الْحَاكِمَ سَأَلْتُهُ أَنْ يُقِيدَ بِي. (وَلَا يُقِيدُ الِابْنَ) : بِكَسْرِ اللَّامِ لِلِالْتِقَاءِ (مِنْ أَبِيهِ) : بِتَضْعِيفِ الْعَيْنِ أَيْ: نُسِبَ الْحَدِيثُ إِلَى الضَّعْفِ، وَقَالَ: إِنَّهُ ضَعِيفٌ.
стр. 4833
٣٤٧٣ - وَعَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. وَزَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " «وَمَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ» .
ــ
٣٤٧٣ - (وَعَنِ الْحَسَنِ) : أَيِ: الْبَصْرِيِّ (عَنْ سَمُرَةَ) : أَيِ: ابْنِ جُنْدُبٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ» ") : قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا زَجْرٌ لِيَرْتَدِعُوا فَلَا يُقْدِمُوا عَلَى ذَلِكَ، كَمَا «قَالَ ﷺ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ: " إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ ". ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ أَوِ الْخَامِسَةِ: " فَإِنْ عَادَ فَاقْتُلُوهُ» ". ثُمَّ لَمْ يَقْتُلْهُ حِينَ جِيءَ بِهِ وَقَدْ شَرِبَ رَابِعًا أَوْ خَامِسًا، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ فِي عَبْدٍ كَانَ يَمْلِكُهُ فَزَالَ عَنْهُ مِلْكُهُ فَصَارَ كُفْئًا لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] إِلَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] اهـ. وَمَذْهَبُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِعَبْدِ غَيْرِهِ دُونَ عَبْدِ نَفْسِهِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ: أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ عَبْدَ غَيْرِهِ، وَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدَ نَفْسِهِ (" وَمَنْ جَدَعَ ") : بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (" عَبْدَهُ ") : أَيْ: قَطَعَ أَطْرَافَهُ (" جَدَعْنَاهُ ") : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: ذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ طَرَفَ الْحُرِّ لَا يُقْطَعُ بِطَرَفِ الْعَبْدِ، فَثَبَتَ بِهَذَا الِاتِّفَاقِ أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّجْرِ وَالرَّدْعِ، أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " «وَمَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ» ") .
стр. 4834
٣٤٧٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ ; فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ: وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً. وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٣٤٧٤ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ قَتَلَ ") : أَيْ: شَخْصًا (" مُتَعَمِّدًا ") : أَيْ: لَا خَطَأً (" دُفِعَ ") . بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (" إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ ") : أَيْ: وَرَثَتِهِ (" فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا ") : أَيْ: قَتَلُوهُ بَدَلَ قَتِيلِهِمْ (" وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ ") : أَيْ: دِيَتَهُ (" وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً ") : بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ وَهِيَ مِنَ الْإِبِلِ مَا دَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ (" وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً ") : بِحَرَكَتَيْنِ مَا دَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ (" وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً ") : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ: الْحَامِلُ مِنَ النُّوقِ (" وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ ") : أَيْ: مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ، أَوْ فِي تَعْيِينِ زَمَانِ الْعَطَاءِ وَمَكَانِهِ، (" فَهُوَ ") : أَيِ: الْمُصَالَحُ عَلَيْهِ (" لَهُمْ ") : أَيْ: جَائِزٌ لِلْمُصَالِحِينَ أَوْ ثَابِتٌ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
стр. 4835
وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَّ رَجُلًا حَذَفَ ابْنَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، فَأَخَذَ عُمَرُ مِنْهُ الدِّيَةَ ثَلَاثِينَ حِقَّةً، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً. قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ. قَالَ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَرْبَاعٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَسَكَتَ عَنْهُ. ثُمَّ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَهُ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ قَالَا: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا إِلَّا أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ ; لِأَنَّ الْمَقَادِيرَ لَا تُعْرَفُ بِالرَّأْيِ، وَلِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ «فِي كِتَابِهِ ﷺ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ» . وَالْمُرَادُ أَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْهُ وَمَا قُلْنَاهُ أَدْنَى، وَلِأَنَّ دِيَةَ شِبْهِ الْعَمْدِ أَغْلَظُ مِنْ دِيَةِ الْخَطَأِ الْمَحْضِ، وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا لِأَنَّهَا فِي الْخَطَأِ الْمَحْضِ تَجِبُ أَخْمَاسًا، ثُمَّ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى الْعَاقِلَةِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَالشَّعْبِيِّ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: فِي مَالِ الْقَاتِلِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ; لِأَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْعَمْدِ، وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ. الْحَدِيثَ كَمَا سَيَأْتِي، وَفِيهِ أَنَّ دِيَتَهَا عَلَى عَاقِلَتِهَا.
стр. 4836
٣٤٧٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٣٤٧٥ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جُمْلَةِ مَا قَدْ كَانَ فِي الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ، (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ ") : بِالتَّأْنِيثِ وَهَمْزِ آخِرِهِ أَيْ تَتَسَاوَى (" دِمَاؤُهُمْ) : فِي الدِّيَاتِ وَالْقِصَاصِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: يُرِيدُ بِهِ أَنَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْقِصَاصِ، يُقَادُ الشَّرِيفُ مِنْهُمْ بِالْوَضِيعِ، وَالْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ، وَالْعَالِمُ بِالْجَاهِلِ، وَالْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ شَرِيفًا أَوْ عَالِمًا، وَالْقَاتِلُ وَضِيعًا أَوْ جَاهِلًا، وَلَا يُقْتَلُ بِهِ غَيْرُ قَاتِلِهِ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانُوا لَا يَرْضَوْنَ فِي دَمِ الشَّرِيفِ بِالِاسْتِقَادَةِ مِنْ قَاتِلِهِ الْوَضِيعِ، حَتَّى يَقْتُلُوا عِدَّةً مِنْ قَبِيلَةِ الْقَاتِلِ. (" وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ ") : أَيْ بِأَمَانِهِمْ (" أَدْنَاهُمْ ") : فِي الْفَائِقِ: الذِّمَّةُ الْأَمَانُ، وَمِنْهَا سُمِّيَ الْمُعَاهَدُ ذِمِّيًّا ; لِأَنَّهُ أُومِنَ عَلَى مَالِهِ وَدَمِهِ لِلْجِزْيَةِ، وَالْمَعْنَى إِذَا أَعْطَى أَدْنَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَمَانًا فَلَيْسَ لِلْبَاقِينَ إِخْفَارُهُ أَيْ نَقْضُ عَهْدِهِ وَأَمَانِهِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَيْ إِنَّ وَاحِدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا أَمَّنَ كَافِرًا حَرُمَ عَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ دَمُهُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُجِيرُ أَدْنَاهُمْ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا أَوِ امْرَأَةً أَوْ عَسِيفًا تَابِعًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَلَا يَخْفِرُ ذِمَّتَهُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «سَيُجِيرُ عَلَى أُمَّتِي أَدْنَاهُمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (" وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ ") : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ قَاصِيَ الدَّارِ عَنْ بِلَادِ الْكُفْرِ إِذَا عَقَدَ لِلْكَافِرِ عَقْدًا فِي الْأَمَانِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ نَقْضُهُ، وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ دَارًا مِنَ الْمَعْقُودِ لَهُ، وَثَانِيهِمَا: إِذَا دَخَلَ الْعَسْكَرُ دَارَ الْحَرْبِ، فَوَجَّهَ الْإِمَامُ سَرِيَّةً مِنْهُمْ، فَمَا غَنِمَتْ مِنْ شَيْءٍ أَخَذَتْ مِنْهُ مَا سَمَّى لَهَا، وَيَرُدُّ عَلَى الْعَسْكَرِ الَّذِينَ خَلَّفَهُمْ، لِأَنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا الْغَنِيمَةَ كَانُوا رِدْءًا لِلسَّرَايَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ لِمَا يَلْزَمُ مِنَ الثَّانِي التَّعْمِيَةُ وَالْإِلْغَازُ ; لِأَنَّ مَفْعُولَ يَرُدُّ غَيْرُ مَذْكُورٍ، وَلَيْسَ فِي الْكَّلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَرِينَتَيْنِ تَكْرَارٌ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يُجِيرُ بِعَهْدِهِمْ أَدْنَاهُمْ مَنْزِلَةً وَأَبْعَدَهُمْ مَنْزِلًا، وَيَنْصُرُ الْوَجْهَ الثَّانِي الْحَدِيثُ السَّادِسُ مِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي فِي بَابِ الدِّيَاتِ وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ. (" وَهُمْ) : أَيِ الْمُسْلِمُونَ (يَدٌ ") : أَيْ كَأَنَّهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ فِي التَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ. (" عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) : قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيِ الْمُسْلِمُونَ لَا يَسَعُهُمُ التَّخَاذُلُ، بَلْ يُعَاوِنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ هَذَا التَّرْكِيبِ وَبَيَانُ مَجَازِهِ (" أَلَا ") : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (" «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» ") : أَيْ بِحَرْبِيٍّ بِدَلِيلِ عَطْفِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ، فَلَا يُنَافِيهِ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهُ يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ مُطْلَقًا (" وَلَا ذُو عَهْدٍ ") : أَيْ لَا يُقْتَلُ (" فِي عَهْدِهِ ") : أَيْ فِي زَمَانِهِ وَحَالِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ ابْتِدَاءً مَا دَامَ فِي الْعَهْدِ. قَالَ الْقَاضِي: أَيْ لَا يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ مَا دَامَ مُعَاهِدًا غَيْرَ نَاقِضٍ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: مَعْنَاهُ لَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ قِصَاصًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُعَاهِدُ هُوَ الْحَرْبِيُّ دُونَ الذِّمِّيِّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْكَافِرِ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ هُوَ الْحَرْبِيُّ تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
стр. 4837
قُلْتُ: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي. قَالَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّهُ إِضْمَارٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَا دَلِيلَ يَقْتَضِيهِ، وَأَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ غَيْرُ لَازِمٍ. قُلْتُ: عَدَمُ لُزُومِهِ مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ مُسْتَحْسَنٌ، فَالْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ أَحْسَنُ، وَهُوَ الدَّلِيلُ الْمُقْتَضِي لِلْإِضْمَارِ، فَضَعُفَ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنْ يُؤَوَّلَ قَوْلُهُ: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِحَرْبِيٍّ، فَيَكُونُ لَغْوًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ. قُلْتُ: بَلِ الْفَائِدَةُ فِيهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِذِمِّيٍّ عِنْدَنَا، فَيَتَعَيَّنُ هَذَا التَّأْوِيلُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَوْلَا أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَصْحَابُ لَكَانَ الْكَلَامُ خَالِيًا عَنِ الْفَائِدَةِ لِحُصُولِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُعَاهِدَ لَا يُقْتَلُ فِي عَهْدِهِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فَائِدَتُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَسْقَطَ الْقَوَدَ عَنِ الْمُسْلِمِ إِذَا قَتَلَ الْكَافِرَ أَوْجَبَ ذَلِكَ تَوْهِينَ حُرْمَةِ دِمَاءِ الْكُفَّارِ، فَلَمْ يُؤْمَنْ مِنْ وُقُوعِ شُبْهَةٍ لِبَعْضِ السَّامِعِينَ فِي حُرْمَةِ دِمَائِهِمْ وَإِقْدَامِ الْمُسْرِعِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَتْلِهِمْ، فَأَعَادَ الْقَوْلَ فِي حَظْرِ دِمَائِهِمْ دَفْعًا لِلشُّبْهَةِ، وَقَطْعًا لِتَأْوِيلِ الْمُتَأَوِّلِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ وَإِنْ قَوَّاهُ الطِّيبِيُّ مِمَّا تَكَلَّفَهُ. قَالَ الْأَشْرَفُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى: يَحْتَمِلُ هَذَا الْحَدِيثُ وَجْهًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِأَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلَا مُعَاهِدٌ بِبَعْضِ الْكُفَّارِ وَهُوَ الْحَرْبِيُّ، وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ لَفْظَةُ وَاحِدَةٌ يُعْطَفُ عَلَيْهَا سِيمَاءَانِ يَكُونُ أَحَدُهُمَا رَاجِعًا إِلَى جَمِيعِهَا، وَالْآخَرُ إِلَى بَعْضِهَا. قُلْتُ: لَا شَكَّ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يُحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ فِي الْكَلَامِ لِيَظْهَرَ بِهِ الْمَرَامُ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ عُلَمَائِنَا فِي شَرْحِهِ: قَوْلُهُ: ذُو عَهْدٍ. عَطْفٌ عَلَى مُسْلِمٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ: ذُو أَمَانٍ لَا ذُو إِيمَانٍ ; لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، وَإِلَّا يَصِيرُ مَعْنَاهُ: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ وَلَا مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ إِلَّا أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ، وَالْمُرَادُ بِالْكَافِرِ الْحَرْبِيُّ دُونَ الذِّمِّيِّ ; لِأَنَّهُ يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِمِثْلِهِ إِجْمَاعًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) : أَيْ كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيٍّ.
стр. 4838
٣٤٧٦ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
ــ
٣٤٧٦ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) .
стр. 4839
٣٤٧٧ - وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ خَبْلٍ - وَالْخَبْلُ: الْجُرْحُ - فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ، فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ: بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ أَوْ يَأْخُذَ الْعَقْلَ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ عَدَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ النَّارُ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا أَبَدًا» " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٣٤٧٧ - (وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (الْخُزَاعِيِّ) : بِضَمِّ أُولَى الْمُعْجَمَتَيْنِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو الْكَعْبِيُّ الْعَدَوِيُّ الْخُزَاعِيُّ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ. (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ ") : أَيِ: ابْتُلِيَ بِقَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ مِمَّنْ يَرِثُهُ (" أَوْ خَبْلٍ ") : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَالْخَبْلُ: الْجُرْحُ بِضَمِّ الْجِيمِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْخَبْلُ بِسُكُونِ الْبَاءِ فَسَادُ الْأَعْضَاءِ، فَالْمَعْنَى مَنْ أُصِيبَ بِقَتْلِ نَفْسٍ أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ (" فَهُوَ ") : أَيِ الْمُصَابُ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْمُصِيبَةُ وَهُوَ الْوَارِثُ (" بِالْخِيَارِ بَيْنَ ") : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ لِلْخِيَارِ بِمَعْنَى الِاخْتِيَارِ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ بَيْنِ (" إِحْدَى ثَلَاثٍ ") : أَيْ خِصَالٍ (" فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ ") : أَيِ الزَّائِدَةَ عَلَى الثَّلَاثِ (" فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ ") : أَيِ امْنَعُوهُ عَنْهَا (" بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ ") : بَدَلٌ مِنْ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَبَيَانٌ لَهُ أَيْ يَقْتَادُ مِنْ خَصْمِهِ (" أَوْ يَعْفُوَ ") : أَيْ عَنْهُ (" أَوْ يَأْخُذَ الْعَقْلَ ") : أَيِ الدِّيَةَ (" فَإِنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ ") : أَيْ مِنَ الْمَذْكُورِ (" شَيْئًا ") : أَيْ وَاحِدًا ثُمَّ عَدَا ") : أَيْ تَجَاوَزَ الثَّلَاثَ وَطَلَبَ شَيْئًا آخَرَ بِأَنْ قَتَلَ الْقَاتِلَ (" بَعْدَ ذَلِكَ ") : أَيْ بَعْدَ الْعَفْوِ أَوْ أَخْذِ الدِّيَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِأَنْ عَفَا ثُمَّ طَلَبَ الدِّيَةَ (" فَلَهُ النَّارُ خَالِدًا ") : أَيْ حَالَ كَوْنِهِ دَائِمًا (" فِيهَا مُخَلَّدًا ") : أَيْ مُؤَبَّدًا (" أَبَدًا ") : تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ لِلزَّجْرِ وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ قَالَ الطِّيبِيُّ: بَيِّنٌ أَنْ يَقْتَصَّ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ، وَتَوْضِيحٌ لِمَا أُرِيدَ مِنْهُ مِنَ التَّقْسِيمِ الْحَاضِرِ. وَقَوْلُهُ فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَإِنْ أَخَذَ. . . إِلَخْ. أَيْضًا كَالتَّوْضِيحِ لِقَوْلِهِ: فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ، فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ يَعْنِي: مَنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَهُوَ مُتَعَدٍّ مُتَجَاوِزٌ طَوْرَهُ فَيَسْتَحِقُّ النَّارَ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وَبَيَانُ الْخُلُودِ وَالتَّأْبِيدِ قَدْ سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
стр. 4840
٣٤٧٨ - وَعَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَّةٍ فِي رَمْيٍ يَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالْحِجَارَةِ، أَوْ جَلْدٍ بِالسِّيَاطِ أَوْ ضَرْبٍ بِعَصًا، فَهُوَ خَطَأٌ ; وَعَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطَأِ، وَمَنْ قَتَلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
٣٤٧٨ - (وَعَنْ طَاوُسٍ) : أَيِ ابْنِ كَيْسَانَ الْخَوْلَانِيِّ الْهَمْدَانِيِّ الْيَمَانِيِّ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَرَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَخَلْقٌ سِوَاهُ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِثْلَ طَاوُسٍ كَانَ رَأْسًا فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، مَاتَ بِمَكَّةَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي التَّابِعِينَ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ قُتِلَ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (" فِي عِمِّيَّةٍ ") : بِكَسْرِ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَبِضَمٍّ وَبِفَتْحٍ وَتَشْدِيدِ مِيمٍ مَكْسُورَةٍ وَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ فِعْلِيَّةٍ مِنَ الْعَمَى وَمَعْنَاهُ الضَّلَالَةُ، وَقِيلَ: الْفِتْنَةُ، وَقِيلَ: الْأَمْرُ الَّذِي لَا يَسْتَبِينُ وَجْهُهُ وَلَا يُعْرَفُ أَمْرُهُ (" فِي رَمْيٍ ") : بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ (" يَكُونُ ") : أَيِ الرَّمْيُ بِمَعْنَى الْحَذْفِ (" بَيْنَهُمْ ") : أَيْ بَيْنَ الْقَوْمِ (" بِالْحِجَارَةِ، أَوْ جَلْدٍ ") : عَطْفٌ عَلَى رَمْيٍ أَيْ ضَرْبٌ (" بِالسِّيَاطِ ") : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ سَوْطٍ (" أَوْ ضَرْبٍ بِعَصًا ") : قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: فِي رَمْيٍ إِلَخْ كَالْبَيَانِ لِقَوْلِهِ: (" فِي عِمِّيَّةٍ ") . قَالَ الْقَاضِي: أَيْ فِي حَالٍ يَعْمَى أَمْرُهُ فَلَا يَتَبَيَّنُ قَاتِلُهُ وَلَا حَالُ قَتْلِهِ، يُقَالُ: فُلَانٌ فِي عِمِّيَّةٍ أَيْ جَهَالَةٍ، وَقِيلَ: الْعِمِّيَّةُ أَنْ يُضْرَبَ الْإِنْسَانُ بِمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ كَحَجَرٍ صَغِيرٍ وَعَصًا خَفِيفَةٍ، فَأَفْضَى إِلَى الْقَتْلِ مِنَ التَّعْمِيَةِ وَهُوَ التَّلْبِيسُ، وَالْقَتْلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ تُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ شِبْهَ الْعَمْدِ. (" فَهُوَ خَطَأٌ ") : أَيْ قَتْلُهُ مِثْلُ قَتْلِ الْخَطَأِ فِي عَدَمِ الْإِثْمِ (" وَعَقْلُهُ ") : أَيْ دِيَتُهُ (" عَقْلُ الْخَطَأِ ") : لِعَدَمِ الِاحْتِيَاطِ وَوُجُودِ التَّقْصِيرِ (" وَمَنْ قَتَلَ ") : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (" عَمْدًا ") : مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَوْ حَالٌ أَيْ قَتَلَ عَمْدًا أَوْ مُتَعَمِّدًا (" فَهُوَ ") : أَيِ الْقَاتِلُ (" قَوَدٌ ") : أَيْ بِصَدَدِ الْقَوَدِ أَوْ قَتْلُهُ سَبَبُ قَوَدٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ فَيَتَعَيَّنُ التَّقْدِيرُ الثَّانِي، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُ الطِّيبِيِّ: مَنْ: مُبْتَدَأٌ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنَى الشَّرْطِ، وَلِذَا جَاءَ الْفَاءُ فِي خَبَرِهِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ رَاجِعٌ إِلَى (" مَنْ ") . وَقَوَدٌ: خَبَرُهُ أَيْ بِصَدَدِ أَنْ يُقَادَ مِنْهُ وَيَسْتَوْجِبَ لَهُ، أَطْلَقَ الْمَصْدَرَ عَلَى الْمَفْعُولِ وَاسْتَعْمَلَهُ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ لِلْمُبَالَغَةِ. (" وَمَنْ حَالَ دُونَهُ ") : أَيْ دُونَ الْقَاتِلِ بِأَنْ مَنَعَ الْوَلِيَّ عَنِ الْقِصَاصِ مِنْهُ، أَوْ مَنْ حَالَ دُونَ الْقِصَاصِ أَيْ مَنَعَ الْمُسْتَحِقَّ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ (" فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ ") : أَيْ إِبْعَادُهُ عَنْ رَحْمَتِهِ (" وَغَضَبُهُ ") : أَيْ سَخَطُهُ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ وَإِيمَاءٌ إِلَى تَأْبِيدٍ، وَالْمُرَادُ زَجْرٌ شَدِيدٌ وَتَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (" لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ") : أَيْ نَفْلٌ أَوْ تَوْبَةٌ (" وَلَا عَدْلٌ ") : أَيْ فَرْضٌ أَوْ فِدْيَةٌ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 4841
٣٤٧٩ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا أُعْفِي مَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٤٧٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا أُعْفِي ") : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْإِعْفَاءِ لُغَةٌ فِي الْعَفْوِ (" عَمَّنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ ") : أَيْ لَا أَدَعُ الْقَاتِلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ فَيُعْفَى عَنْهُ، وَيُرْضَى مِنْهُ بِالدِّيَةِ لِعِظَمِ جُرْمِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ التَّغْلِيظُ عَلَيْهِ وَالتَّفْظِيعُ بِمَا ارْتَكَبَهُ، فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وَالْمَعْنَى مَنْ تَجَاوَزَ عَنِ الْحَدِّ بِالْقَتْلِ بَعْدَ الْعَفْوِ وَأَخَذَ الدِّيَةَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَيْ: فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي: وَقِيلَ: فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يُقْتَلَ لَا مَحَالَةَ لِقَوْلِهِ ﵊: " «لَا أُعَافِي أَحَدًا قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ» ". قَالَ السَّيِّدُ مُعِينُ الدِّينِ الصَّفَوِيُّ: وَهَذَا مَذْهَبُ بَعْضِ السَّلَفِ، وَكَانَ الْوَلِيُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُؤَمِّنُ الْقَاتِلَ بِقَبُولِ الدِّيَةِ، ثُمَّ يَظْفَرُ بِهِ فَيَقْتُلُهُ فَيَرُدُّ الدِّيَةَ. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: لَا يُعْفَى عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا يُتْرَكُ، وَلَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ، وَهُوَ حَسَنٌ دِرَايَةً إِنْ صَحَّ رِوَايَةً، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: لَا أُعْفِيَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ فَهُوَ دُعَاءٌ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَرَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ بِلَفْظِ: " «لَا أُعَافِي أَحَدًا قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ» ".
стр. 4842
٣٤٨٠ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً» ") . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٤٨٠ - (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ، فَتَصَدَّقَ بِهِ ") : بِصِيغَةِ الْمَاضِي، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَيَتَصَدَّقُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ: يُصَابُ، وَمُخَصِّصٌ لَهُ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمَاوِيًّا وَأَنْ يَكُونَ مِنَ الْعِبَادِ، فَخُصَّ بِالثَّانِي لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَهُوَ الْعَفْوُ عَنِ الْجَانِي (" إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ ") : أَيْ بِذَلِكَ الْعَفْوِ (" دَرَجَةً وَحَطَّ ") : أَيْ وَضَعَ (" عَنْهُ ") : وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ " بِهِ " أَيْ بِذَلِكَ (" خَطِيئَةً) : أَيْ إِثْمَهَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ عَنْهُ، وَرَوَى وَهُوَ وَالضِّيَاءُ عَنْ عُبَادَةَ: " «مَا مِنْ رَجُلٍ يُجْرَحُ فِي جَسَدِهِ جِرَاحَةً فَيَتَصَدَّقُ بِهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلَ مَا تَصَدَّقَ» ".
стр. 4843
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٤٨١ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَتَلَ نَفَرًا خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً بِرَجُلٍ وَاحِدٍ قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَةٍ، وَقَالَ عُمَرُ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا. رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٤٨١ - (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَتَلَ نَفَرًا خَمْسَةً) : بَيَانٌ لِـ نَفَرًا (أَوْ سَبْعَةً) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (بِرَجُلٍ وَاحِدٍ) : بِسَبَبِ قَتْلِهِ (قَتَلُوهُ) : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ قَتَلَهُ الْخَمْسَةُ أَوِ السَّبْعَةُ (قَتْلَ غِيلَةٍ) : بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِفَتْحٍ وَنَصْبِ قَتْلٍ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ. فِي النِّهَايَةِ: أَيْ فِي خُفْيَةٍ وَاغْتِيَالٍ، وَهُوَ أَنْ يُخْدَعَ وَيُقْتَلَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَرَاهُ فِيهِ أَحَدٌ، وَالْغِيلَةُ فِعْلَةٌ مِنَ الِاغْتِيَالِ. وَفِي الْمُغْرِبِ: الْغِيلَةُ الْقَتْلُ خُفْيَةً، وَفِي الْقَامُوسِ: الْغِيلَةُ بِالْكَسْرِ الْخَدِيعَةُ وَالِاغْتِيَالُ، وَقَتَلَهُ غِيلَةً أَيْ خِدْعَةً فَذَهَبَ بِهِ إِلَى مَوْضِعٍ فَقَتَلَهُ. (وَقَالَ عُمَرُ: لَوْ تَمَالَأَ) : تَفَاعَلَ مِنَ الْمَلَأِ (عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى قَتْلِهِ (أَهْلُ صَنْعَاءَ) : أَيْ لَوْ تَسَاعَدُوا وَاجْتَمَعُوا وَتَعَاوَنُوا بِالْمُبَاشَرَةِ (لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا) : وَتَخْصِيصُ ذِكْرِ صَنْعَاءَ إِمَّا لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ مِنْهَا، أَوْ هُوَ مَثَلٌ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي الْكَثْرَةِ، وَصَنْعَاءُ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ) .
стр. 4844
٣٤٨٢ - وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
ــ
٣٤٨٢ - (وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْ بِمَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ.
стр. 4845
٣٤٨٣ - وَعَنْ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِقَاتِلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي. فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ عَلَى مُلْكِ فُلَانٍ ". قَالَ جُنْدُبٌ: فَاتَّقِهَا» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
٣٤٨٣ - (وَعَنْ جُنْدُبٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَالدَّالِ وَيُفْتَحُ (قَالَ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ) : يَعْنِي صَحَابِيًّا مَعْرُوفًا، فَالْجَهَالَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا لَا تَضُرُّ إِذِ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ وَثِقَاتٌ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِقَاتِلِهِ ") : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ يَأْتِي بِهِ أَوْ يُحْضِرُهُ، أَوْ لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ يَجِيءُ مَعَهُ (" يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ ") : أَيِ الْمَقْتُولُ (" سَلْ ") : أَيْ رَبِّي (" هَذَا فِيمَ ") : فِي تَعْلِيلِيَّةٌ دَخَلَتْ عَلَى مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةِ حُذِفَتْ أَلِفُهَا وُجُوبًا بِالتَّخْفِيفِ أَيْ بِأَيِّ سَبَبٍ وَلِأَيِّ غَرَضٍ (" قَتَلَنِي ") : أَيْ حِينَ قَتَلَنِي (" فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ عَلَى مُلْكِ فُلَانٍ ") : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ طَابَقَ هَذَا قَوْلَهُ فِيمَ قَتَلَنِي لِأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ قَتْلِهِ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ عَلَى مُلْكِ فُلَانٍ مَعْنَاهُ عَلَى عَهْدِ مَلِكٍ مِنَ السَّلَاطِينِ وَزَمَانِهِ، أَيْ فِي نُصْرَتِهِ. هَذَا إِذَا كَانَتِ الرِّوَايَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ فِي الْمُلْكِ، وَإِذَا رُوِيَ بِالْكَسْرِ كَانَ الْمَعْنَى قَتَلْتُهُ عَلَى مُشَاجَرَةٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي مِلْكِ زَيْدٍ مَثَلًا. (قَالَ جُنْدُبٌ: فَاتَّقِهَا) : أَيِ اجْتَنِبِ الْقِتْلَةَ أَوِ احْتَرِزِ النُّصْرَةَ أَوِ الْمُشَاجَرَةَ، وَهِيَ الْمُخَالَفَةُ وَالْمُنَازَعَةُ الْمُفْضِيَةُ إِلَى الْقَتَلَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَكَانَ جُنْدُبٌ يَنْصَحُ رَجُلًا أَرَادَ هَذِهِ الْفَعْلَةَ، وَاسْتَشْهَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا سَمِعْتَ بِذَلِكَ فَاتَّقِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
стр. 4846
٣٤٨٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ شَطْرَ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آئِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٤٨٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ شَطْرَ كَلِمَةٍ ") : بِنَصْبِ شَطْرٍ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ. وَهُوَ الظَّافِرُ. وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ شَقِيقٌ: هُوَ أَنْ يَقُولَ فِي اقْتُلْ " اقْ " ذَكَرَهُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَفِي النِّهَايَةِ نَظِيرُ قَوْلِهِ
стр. 4847
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: " كَفَى بِالسَّيْفِ شَا ". أَيْ شَاهِدًا (" لَقِيَ اللَّهَ ") : أَيْ مَاتَ أَوْ بُعِثَ (" مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آئِسٌ) : بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ فَهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْإِيَاسِ. بِمَعْنَى الْيَأْسِ أَيْ قَانِطٍ (" مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ") : فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْكُفْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] وَالْمَعْنَى يُفْضَحُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ بِهَذِهِ السِّمَةِ بَيْنَ كَرِيمَتِهِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيظِ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: " آيِسٌ " إِلَخْ بِتَقْدِيرِ هَذَا اللَّفْظِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ لَقِيَ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 4848
٣٤٨٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِذْ أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الْآخَرُ، يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ» ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
٣٤٨٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ ") : أَيِ الرَّجُلَ الْمَمْسُوكَ (" الْآخَرُ ") : بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيِ الثَّالِثُ (" يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ) : أَيْ بَاشَرَ قَتْلَهُ بِطَرِيقِ الْقِصَاصِ (" وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ ") : أَيْ بِطَرِيقِ التَّعْزِيرِ، وَمِقْدَارُ الْحَبْسِ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَفِيهِ الْمُمَاثَلَةُ اللُّغَوِيَّةُ وَهِيَ الْإِمْسَاكُ بِالْإِمْسَاكِ، وَظَاهِرُ الْمُمَاثَلَةِ أَنْ يَكُونَ إِلَى الْمَوْتِ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَوْ أَمْسَكَ أَحَدٌ رَجُلًا حَتَّى قَتَلَهُ آخَرُ، فَلَا قَوَدَ عَلَى الْمُمْسِكِ، كَمَا لَوْ أَمْسَكَ امْرَأَةً حَتَّى زَنَى بِهَا آخَرُ لَا حَدَّ عَلَى الْمُمْسِكِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ أَمْسَكَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ قُتِلَا جَمِيعًا، وَإِنْ أَمْسَكَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ الضَّرْبَ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الضَّارِبُ، وَيُعَاقَبُ الْمُمْسِكُ أَشَدَّ الْعُقُوبَةِ وَيُسْجَنُ سَنَةً اهـ. وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي النُّهَى. قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَفِي الْمُنْتَقَى: لَوْ طَرَحَ رَجُلٌ رَجُلًا قُدَّامَ أَسَدٍ أَوْ سَبُعٍ، فَقَتَلَهُ لَيْسَ عَلَى الطَّارِحِ قَوَدٌ وَلَا دِيَةٌ، وَلَكِنْ يُعَزَّرُ وَيُضْرَبُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَيُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: حَتَّى يَمُوتَ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: إِنْ كَانَ الْغَالِبُ الْقَتْلَ يَجِبُ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَدَمَهُ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: أَحَدُهَا: يَجِبُ الْقَوَدُ، وَالْآخَرُ لَا يَجِبُ، وَلَكِنْ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَقِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ: يَجِبُ الْقَوَدُ. (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) .
стр. 4849
[كِتَابُ الدِّيَاتِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٤٨٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ " يَعْنِي: الْخِنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
كِتَابُ الدِّيَاتِ فِي الْمُغْرِبِ: الدِّيَةُ مَصْدَرُ وَدَى الْقَاتِلُ الْمَقْتُولَ، إِذَا أَعْطَى وَلِيَّهُ الْمَالَ الَّذِي هُوَ بَدَلُ النَّفْسِ، ثُمَّ قِيلَ لِذَلِكَ الْمَالِ: الدِّيَةُ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ، وَلِذَا جُمِعَتْ وَهِيَ مِثْلُ عِدَةٍ فِي حَذْفِ الْفَاءِ قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى الْجَرْيِ، وَمِنْهُ الْوَادِي ; لِأَنَّ الْمَاءَ يَدِي فِيهِ أَيْ يَجْرِي، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وَبِالسُّنَّةِ وَهِيَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَبِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْجُمْلَةِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٤٨٦ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ يَعْنِي) : أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: " هَذِهِ وَهَذِهِ " (" الْخِنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ ") : أَيْ هُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ الْإِبْهَامُ أَقَلَّ مَفْصِلًا مِنَ الْخِنْصَرِ، إِذْ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ، وَهِيَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: يَجِبُ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ يَقْطَعُهَا عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَإِذَا قَطَعَ أُنْمُلَةً مِنْ أَنَامِلِهِ فَفِيهَا ثُلُثُ دِيَةِ أُصْبُعٍ، إِلَّا أُنْمُلَةَ الْإِبْهَامِ فَإِنَّ فِيهَا نِصْفَ دِيَةِ أُصْبُعٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا أَنْمُلَتَانِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنَامِلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَذَا الْأَرْبَعَةُ.
стр. 4850
٣٤٨٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مَنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةِ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا وَالْعَقْلُ عَلَى عَصَبَتِهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٤٨٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيْ حَكَمَ (فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ) : فِي الْقَامُوسِ: الْجَنِينُ الْوَلَدُ فِي الْبَدَنِ وَالْجَمْعُ أَجِنَّةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] الْآيَةَ: (مِنْ بَنِي لِحْيَانَ) : بِكَسْرِ لَامٍ وَسُكُونِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَجُوِّزَ فَتْحُ أَوَّلِهِ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ هُذَيْلٍ (سَقَطَ) : أَيْ وَقَعَ الْجَنِينُ (مَيِّتًا) : حَالٌ مُقَيِّدَةٌ، لِأَنَّهُ إِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا فَمَاتَ فَيَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَمَاتَتِ الْأُمُّ فَدِيَةٌ وَغُرَّةٌ، وَإِنْ مَاتَتْ فَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَدِيَةٌ فَقَطْ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ الْمَسْأَلَةِ فِي آخِرِ الْبَابِ (بِغُرَّةٍ) : بِالتَّنْوِينِ وَهُوَ مُتَعَلِّقُ قُضِيَ (عَبْدٌ) : بَيَانٌ لَهُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِذَا رُفِعَ فَخَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هِيَ عَبْدٌ (أَوْ أَمَةٌ) : (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِإِضَافَتِهَا إِلَى عَبْدٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الرِّوَايَةُ فِي غُرَّةٍ بِالتَّنْوِينِ وَمَا بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنْهُ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْإِضَافَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ وَ (أَوْ) فِي قَوْلِهِ: أَوْ أَمَةٌ لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلشَّكِّ وَفِي النِّهَايَةِ: الْغُرَّةُ الْعَبْدُ نَفْسُهُ أَوِ الْأَمَةُ، وَأَصْلُ الْغُرَّةِ الْبَيَاضُ الَّذِي يَكُونُ فِي وَجْهِ الْفَرَسِ، وَكَانَ أَبُو عُمَرَ بْنُ الْعَلَاءِ يَقُولُ: الْغُرَّةُ عَبْدٌ أَبْيَضُ أَوْ أَمَةٌ بَيْضَاءُ، فَلَا يُقْبَلُ فِي الْجَنِينِ عَبْدٌ أَسْوَدُ وَلَا جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ شَرْطًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْغُرَّةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْعَبْدِ مَنْ يَكُونُ ثَمَنُهُ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: الْغُرَّةُ الْخِيَارُ وَغُرَّةُ الْمَالِ خِيَارُهُ كَالْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ وَالنَّجِيبِ وَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ الْفَارِهَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ لَوْ كَانَ الْجَنِينُ ذَكَرًا، وَفِي الْأُنْثَى عُشْرُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَفِي جَنِينِ الْأَمَةِ لَوْ ذَكَرًا نِصْفُهُ عُشْرُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا وَعُشْرُ قِيمَتِهِ لَوْ أُنْثَى. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ، ثُمَّ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ فِي الْجَنِينِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَيَقَّنْ بِحَيَاتِهِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ هَذَا الْحَدِيثُ: وَيَسْتَوِي فِي الْجَنِينِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ. وَلِأَنَّهُ قَدْ لَا يُعْرَفُ الذَّكَرُ مِنَ الْأُنْثَى، فَيُقَدَّرُ الْكُلُّ بِمِقْدَارٍ وَاحِدٍ تَيْسِيرًا. (ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: حُكِمَ عَلَيْهَا: وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ: حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ) : أَيِ الْجَانِيَةُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ عَلَى عَاقِلَتِهَا ; لِأَنَّ الْغُرَّةَ عَلَى عَاقِلَتِهَا بِكُلِّ حَالٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْجَانِيَةَ عَلَى الْجَنِينِ مَاتَتْ. (فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا) : أَيْ تَرِكَةَ الْجَانِيَةِ (لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَالْعَقْلَ) : بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ وَلَا مَعْنَى لَهُ أَيْ: وَقَضَى بِأَنَّ دِيَةَ الْجَنِينِ (عَلَى عَصَبَتِهَا) : أَيْ عَاقِلَتِهَا. قِيلَ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَصَبَةِ دُونَ الْأَبْنَاءِ وَالْآبَاءِ لَكِنَّ هَذَا إِذَا كَانَتِ الْقِصَّةُ فِي الْحَدِيثَيْنِ. أَعْنِي: هَذَا وَالْآتِي مُخْتَلِفَةً مُتَعَدِّدَةً لَا مُتَّفِقَةً مُتَّحِدَةً عَاقِلَتُهَا.
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ الْعَقْلُ هُوَ الدِّيَةُ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنَ الْعَقْلِ وَهُوَ الشَّدُّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاتِلَ كَانَ يَأْتِي بِالْإِبِلِ فَيَعْقِلُهَا فِي فَنَاءِ الْمَقْتُولِ، وَبِهِ سُمِّيَتِ الْعَصَبَةُ الَّتِي تَحْمِلُ الْعَقْلَ عَاقِلَةً. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهِ عَاقِلَةً لِأَنَّهُ مِنَ الْمَنْعِ، وَالْعَقْلُ هُوَ الْمَنْعُ، وَبِهِ سُمِّيَ الْعَقْلُ الْمُرَكَّبُ فِي الْإِنْسَانِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ عَمَّا لَا يَحْسُنُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْجَنِينِ هِيَ الْغُرَّةُ سَوَاءٌ كَانَ الْجَنِينُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَسَوَاءٌ كَانَ كَامِلَ الْخِلْقَةِ أَوْ نَاقَصَهَا إِذَا تَصَوَّرَ فِيهَا خَلْقًا آدَمِيًّا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْجَنِينَ قَدْ يَخْفَى، فَيَكْثُرُ فِيهِ النِّزَاعُ فَضَبَطَهُ الشَّرْعُ بِمَا يَقْطَعُ النِّزَاعَ، ثُمَّ الْغُرَّةُ تَكُونُ لِوَرَثَةِ الْجَنِينِ جَمِيعِهِمْ، وَهَذَا شَخْصٌ يُورَثُ وَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ إِلَّا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ، فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ عِنْدَنَا، وَلَكِنْ يُورَثُ عَلَى الْأَصَحِّ، هَذَا إِذَا انْفَصَلَ الْجَنِينُ مَيِّتًا فَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَيُحَبُّ فِيهِ كَمَالُ دِيَةِ الْكَبِيرِ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَجَبَ مِائَةُ بَعِيرٍ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى خَمْسُونَ، وَسَوَاءٌ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَمَتَى وَجَبَتِ الْغُرَّةُ وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَا عَلَى الْجَانِي قَالَ الْعُلَمَاءُ: قَوْلُهُ ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِلَخْ قَدْ يُوهِمُ خِلَافَ مُرَادِهِ، فَالصَّوَابُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي مَاتَتْ هِيَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا أُمُّ الْجَنِينِ لَا الْجَانِيَةُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ يَعْنِي بِهِ الْآتِي، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ أَيِ الَّتِي قَضَى لَهَا بِالْغُرَّةِ، فَعَبَّرَ بِعَلَيْهَا عَنْ لَهَا، وَالْحَرَجُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى حَجَرٍ صَغِيرٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ غَالِبًا، فَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ يَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجَمَاهِيرِ اهـ.
стр. 4851
وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَذَاهِبِ غَيْرِهِ، وَمُجْمَلُهُ أَنَّ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ عِنْدَنَا سَوَاءٌ فِي الْكُبْرَى ضَرَبَ رَجُلًا بِصَخْرَةٍ فَمَاتَ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، قِيلَ لِأَبِي حَنِيفَةَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَتْ صَخْرَةً عَظِيمَةً؟ فَقَالَ: وَإِنْ ضَرَبَهُ بِجَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ، وَقِيلَ: لَفْظُ أَبِي حَنِيفَةَ بِجَبَلِ أَبَا قُبَيْسٍ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ، وَهَذَا اللَّفْظُ مِمَّا أَخَذَهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي عِلْمِ الْإِعْرَابِ، فَقَالَ: الصَّوَابُ بِجَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ. قَالَ الْقُدُورِي ﵀: لَمْ يَثْبُتْ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي كِتَابِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ لُغَةُ بَعْضِ الْعَرَبِ ; لِأَنَّ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ يَقُولُونَ بِهَا. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] . وَقَالَ الْقَائِلُ:
إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا ... قَدْ بَلَغَ فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا
وَلِأَنَّ اللَّفْظَ إِذَا تَعَارَفَهُ الْعَامُّ صَحَّ لِلْمُتَكَلِّمِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ خَلَلٍ إِذَا كَانَ قَصْدُهُ تَفْهِيمَ الْعَامَّةِ أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ فِي مَوَاضِعَ لَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ اهـ. وَنَظِيرُهُ مَا اشْتُهِرَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَتَبَ اسْمَهُ عَلِيَّ بْنَ أَبُو طَالِبٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَقَاصِدِ وَالْمَطَالِبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَنَظِيرُ التَّعْبِيرِ بِعَلَيْهَا عَنْ لَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ لَكُمْ بِتَضْمِينِ مَعْنَى الرَّقِيبِ، فَالْمَعْنَى فَحَفِظَ عَلَيْهَا حَقَّهَا قَاضِيًا لَهَا بِالْغُرَّةِ، فَعَلَى هَذَا الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ يَعْنِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي. عَلَى عَاقِلَتِهَا لِلْجَانِيَةِ، وَفِي وَرَثَتِهَا لِلدِّيَةِ، وَفِي وَلَدِهَا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا، وَجُمِعَ الضَّمِيرُ فِي مَعَهُمْ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ وَمَنْ مَعَهُمْ هُوَ الزَّوْجُ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، هَذَا إِذَا كَانَ الْحَدِيثَانِ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِي قَضِيَّتَيْنِ فَالْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: قَضَى عَلَيْهَا هِيَ الْجَانِيَةُ، فَيَكُونُ مِيرَاثُهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَالدِّيَةُ عَلَى عَصَبَتِهَا اهـ. وَالْأَخِيرُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنْ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 4852
٣٤٨٨ - وَعَنْهُ قَالَ: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرِثَهَا وَلَدُهَا وَمَنْ مَعَهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٤٨٨ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ) : قِيلَ: كَانَتَا ضَرَّتَيْنِ (فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ) : أَيْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ كَمَا سَبَقَ (فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا) : وَفِي نُسْخَةٍ الْجَنِينِ (غُرَّةٌ) : بِالتَّنْوِينِ (عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ) : أَيْ جَارِيَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ (وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ) : أَيِ الْمَقْتُولَةِ (عَلَى عَاقِلَتِهَا) : أَيِ الْقَاتِلَةِ (وَوَرِثَهَا) : أَيِ الدِّيَةَ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي وَرِثَهَا لِلْجَانِيَةِ الَّتِي مَاتَتْ بَعْدَ الْجِنَايَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَهْوٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِحَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ أَمْوَالِهَا، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنِ الْمَرَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. (وَلَدُهَا) : أَيْ أَوْلَادُ الْمَقْتُولَةِ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجَانِيَةِ أَيْ أَوْلَادِهَا، وَسَاغَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ أُضِيفَ إِلَى الضَّمِيرِ فَعَمَّ (وَمَنْ مَعَهُمْ) : أَيْ مَعَ الْأَوْلَادِ يَعْنِي الزَّوْجَ وَجَمَعَ الضَّمِيرَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجَمْعُ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ قَبْلَهُ قَضَى بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: وَمَنْ مَعَهُمْ أَيْ مِنَ الْوَرَثَةِ، وَالضَّمِيرُ لِجِنْسِ الْوَلَدِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَوْلَادُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَاقِلَةَ جَمْعٌ يُغَرَّمُ الدِّيَةَ مِمَّنْ يَقَعُ بَيْنَهُمُ الْمُمَانَعَةُ وَالْمُعَاوَنَةُ، وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي وَأَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ مُؤَجَّلَةً فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَدْخُلُ الْجَانِي مَعَ الْعَاقِلَةِ فَيُؤَدِّي مَعَهُمْ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ كَأَحَدِ الْعَاقِلَةِ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمْ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَدْخُلُ الْجَانِي مَعَ الْعَاقِلَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنِ اتَّسَعَتِ الْعَاقِلَةُ لِلدِّيَةِ لَمْ يَلْزَمِ الْجَانِيَ شَيْءٌ وَإِنْ لَمْ تَتَّسِعْ لَزِمَهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إِنِ اتَّسَعَتْ أَوْ لَمْ تَتَّسِعْ، وَعَلَى هَذَا مَنْ لَمْ تَتَّسِعِ الْعَاقِلَةُ لِتَحَمُّلِ جَمِيعِ الدِّيَةِ انْتَقَلَ بَاقِي ذَلِكَ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَإِذَا كَانَ الْجَانِي مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: دِيوَانُهُ عَاقِلَتُهُ وَيُقَدَّمُونَ عَلَى الْعَصَبَةِ فِي التَّحَمُّلِ، فَإِنْ عُدِمُوا فَحِينَئِذٍ تَتَحَمَّلُ الْعَصَبَةُ، وَكَذَلِكَ عَاقِلَةُ السُّوقِيِّ أَهْلُ سُوقِهِ ثُمَّ قَرَابَتُهُ، فَإِنْ عَجَزُوا فَأَهْلُ مَحَلَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ فَأَهْلُ بَلْدَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْجَانِي
стр. 4853
مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وَلَمْ يَتَّسِعْ فَالْمِصْرُ إِلَى تِلْكَ الْقُرَى مِنْ سَوَادِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: لَا مَدْخَلَ لَهُمْ فِي تَحَمُّلِ الدِّيَةِ إِذَا لَمْ يَكُونُوا أَقَارِبَ الْجَانِي، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ مِنَ الدِّيَةِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ وَالِاجْتِهَادِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: يُسَوَّى بَيْنَ جَمِيعِهِمْ فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ إِلَى أَرْبَعَةٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مَا يَسْهُلُ وَلَا يَضُرُّ بِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مُقَدَّرٌ بِوَضْعٍ عَلَى الْغَنِيِّ نِصْفُ دِينَارٍ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبْعُ دِينَارٍ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ ذَلِكَ، وَهَلْ يَسْتَوِي الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ مِنَ الْعَاقِلَةِ فِي تَحَمُّلِ الدِّيَةِ ; فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْتَوِيَانِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يَتَحَمَّلُ الْغَنِيُّ زِيَادَةً عَلَى الْمُتَوَسِّطِ. وَالْغَائِبُ مِنَ الْعَاقِلَةِ هَلْ يَتَحَمَّلُ شَيْئًا مِنَ الدِّيَاتِ كَالْحَاضِرِ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَتَحَمَّلُ الْغَائِبُ مَعَ الْحَاضِرِ شَيْئًا إِذَا كَانَ فِي إِقْلِيمٍ آخَرَ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَرْتِيبِ التَّحَمُّلِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يَتَرَتَّبُ التَّحَمُّلُ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنَ الْعَصَبَاتِ، فَإِنِ اسْتَغْرَقُوهُ لَمْ يُقْسَمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعِ الْأَقْرَبُ لِتَحَمُّلِهِ دَخَلَ الْأَبْعَدُ، وَهَكَذَا حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِمْ أَبْعَدُهُمْ دَرَجَةً عَلَى حَسَبِ الْمِيرَاثِ، وَابْتِدَاءُ حَوْلِ الْعَقْلِ هَلْ يُعْتَبَرُ بِالْمَوْتِ أَوْ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مِنْ حِينِ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: مِنْ حِينِ الْمَوْتِ، وَمَنْ مَاتَ مِنَ الْعَاقِلَةِ بَعْدَ الْحَوْلِ فَهَلْ يَسْقُطُ مَا كَانَ يَلْزَمُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُسْقَطُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجِبُ فِي مَالِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ: يَنْتَقِلُ مَا عَلَيْهِ إِلَى تَرِكَتِهِ، كَذَا فِي كِتَابِ الرَّحْمَةِ فِي اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ، وَفِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ قِيلَ: مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يُدْرَكُ مَعْنَاهُ كَوُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَقِيلَ: يُدْرَكُ وَهُوَ إِعَانَةُ الْجَانِي فِيمَا هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ، كَمَا يُعَانُ الْغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ بِمَا يُصْرَفُ إِلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ اهـ. وَفِي نَظِيرِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.
стр. 4854
٣٤٨٩ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁: «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا ضَرَّتَيْنِ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ أَوْ عَمُودِ فُسْطَاطٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، وَجَعَلَهُ عَلَى عَصَبَةِ الْمَرْأَةِ» . هَذِهِ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: «قَالَ ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ وَهِيَ حُبْلَى، فَقَتَلَتْهَا. قَالَ: وَإِحْدَاهُمَا لِحْيَانَيَّةٌ. قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا» .
ــ
٣٤٨٩ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا ضَرَّتَيْنِ) : أَيْ زَوْجَتَيْنِ لِوَاحِدٍ إِذْ كَلُّ ضَرَّةٍ لِلْأُخْرَى (فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ) : أَيْ صَغِيرٍ (أَوْ عَمُودِ فُسْطَاطٍ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الْفَاءِ. فِي النِّهَايَةِ: هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْأَبْنِيَةِ فِي السَّفَرِ دُونَ السُّرَادِقِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَمُودٌ صَغِيرٌ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ غَالِبًا كَمَا مَرَّ فِي الْحَجَرِ. (فَأَلْقَتْ) : أَيِ الْأُخْرَى (جَنِينَهَا) : أَيْ مَيِّتًا (فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ) : بِالتَّنْوِينِ هُنَا لَا غَيْرُ (عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، وَجَعَلَهُ) : أَيِ الْمَقْضِيَّ، وَفِي نُسْخَةٍ وَجَعَلَهَا وَهِيَ الظَّاهِرُ أَيِ الْغُرَّةَ (عَلَى عَصَبَةِ الْمَرْأَةِ) : أَيْ عَاقِلَتِهَا (هَذِهِ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ) : فِيهِ اعْتِرَاضٌ لِصَاحِبِ الْمِشْكَاةِ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ حَيْثُ ذَكَرَ رِوَايَةَ التِّرْمِذِيِّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. (وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ) : أَيْ مَعْنَاهُ لَكِنَّ لَفْظَهُ (قَالَ) : أَيِ الْمُغِيرَةُ (ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ وَهِيَ حُبْلَى فَقَتَلَتْهَا قَالَ: وَإِحْدَاهُمَا لَحْيَانِيَّةٌ) : بِفَتْحٍ فِي أَوَّلِهِ وَيُكْسَرُ وَبِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ لِلنِّسْبَةِ (قَالَ) : أَيِ الْمُغِيرَةُ (فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ وَغُرَّةً لِمَا) : أَيْ لِمَا كَانَ (فِي بَطْنِهِ) .
стр. 4855
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٤٩٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ: مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٤٩٠ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ) أَيْ دِيَةَ قَتْلِ الْخَطَأِ (شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ الْإِعْرَابِ. أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ شِبْهُ الْعَمْدِ صِفَةَ الْخَطَأِ، وَهُوَ مَعْرِفَةٌ وَجَازَ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ شِبْهَ الْعَمْدِ وَقَعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَثَانِيهَا: أَنْ يُرَادَ بِالْخَطَأِ الْجِنْسُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّكِرَةِ وَمَا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ إِمَّا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ بَدَلًا أَوْ بَيَانًا، وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ شِبْهُ الْعَمْدِ بَدَلًا مِنْ
стр. 4856
الْخَطَأِ، وَمَا كَانَ بَدَلٌ مِنَ الْبَدَلِ، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّابِعُ وَالْمَتْبُوعُ مَعْرِفَتَيْنِ أَوْ نَكِرَتَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: (مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ) : خَبَرُ إِنَّ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فِي الْقَتْلِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَمْدًا مَحْضًا أَوْ خَطَأً مَحْضًا فَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ فَلَا يُعْرَفُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ بِالْمُثَقَّلِ شِبْهُ عَمْدٍ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي السَّوْطِ وَالْعَصَا الْخَفِيفَةِ، وَالْقَتْلُ الْحَاصِلُ بِهِمَا يَكُونُ قَتْلًا بِطَرِيقِ شِبْهِ الْعَمْدِ، فَأَمَّا الْمُثَقَّلُ الْكَبِيرُ فَمُلْحَقٌ بِالْمُحَدَّدِ الَّذِي هُوَ مُعَدٌّ لِلْقَتْلِ اهـ. وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الْعَصَا بِإِطْلَاقِهَا تَشْمَلُ الثَّقِيلَةَ وَالْخَفِيفَةَ، فَتَخْصِيصُهَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مِثْلِهِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْمِائَةِ (أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ هِيَ فِي الْعَمْدِ الْمَحْضِ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِ الْقَاتِلِ حَالَّةٌ، وَفِي شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ، وَفِي الْخَطَأِ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ، وَالتَّغْلِيظُ وَالتَّخْفِيفُ يَكُونُ فِي أَسْنَانِ الْإِبِلِ إِلَى آخِرِ مَا قَالَ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَفِي كِتَابِ الرَّحْمَةِ: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ لِلْمُسْلِمِ الْحُرِّ الذَّكَرِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ الْعَامِدِ إِذَا عَدَلَ إِلَى الدِّيَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ حَالَّةٌ أَوْ مُؤَجَّلَةٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: حَالَّةٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِيَةِ الْعَمْدِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ: هِيَ أَرْبَاعٌ لِكُلِّ سِنٍّ مِنْ أَسْنَانِ الْإِبِلِ مِنْهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَمِثْلُهَا بِنْتُ لَبُونٍ، وَمِثْلُهَا حِقَاقٌ، وَمِثْلُهَا جِذَاعٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُؤْخَذُ مُثَلَّثَةً ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً وَهِيَ حَوَامِلُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ الْأُخْرَى، وَأَمَّا دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ فَهِيَ مِثْلُ دِيَةِ الْعَمْدِ الْمَحْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا دِيَةُ الْخَطَأِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: هِيَ مُخَمَّسَةٌ عِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ اهـ. وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ هَذَا أَحَقُّ، وَكَانَ أَلْيَقَ بِالْخَطَأِ فَإِنَّ الْخَاطِئَ مَعْذُورٌ فِي الْجُمْلَةِ وَقَالَ الشَّمَنِيُّ: وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، إِلَّا أَنَّهُمَا جَعَلَا مَكَانَ ابْنِ مَخَاضٍ ابْنَ لَبُونٍ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو وَحْدَهُ.
стр. 4857
٣٤٩١ - وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو. وَفِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) لَفْظُ (الْمَصَابِيحِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ
ــ
٣٤٩١ - (وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) : أَيْ عَنْ كِلَيْهِمَا. (وَفِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) لَفْظُ (الْمَصَابِيحِ) : أَيْ إِلَّا أَنَّ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْخَطَأِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مُغْلَّظَةٌ مِنْهَا إِلَخْ. (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) : أَيْ: لَفْظُ الْمَصَابِيحِ مَرْوِيٌّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
стр. 4858
٣٤٩٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵃، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، وَكَانَ فِي كِتَابِهِ: (أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا فَإِنَّهُ قَوَدُ يَدِهِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ) وَفِيهِ: (أَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ) وَفِيهِ: (فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَسْنَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ» ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: ( «وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ» ".
ــ
٣٤٩٢ - (وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ، سَمِعَ أَبَاهُ. وَفِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ يُكَنَّى أَبَا الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيَّ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ، وَلَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَجْرَانَ سَنَةَ عَشْرٍ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ اهـ. وَفِيهِ إِشْكَالٌ لَا يَخْفَى. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ وَكَانَ فِي كِتَابِهِ: (أَنَّ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا (مَنِ اعْتَبَطَ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَفَتَحَاتٍ يُقَالُ: عَبَطْتَ النَّاقَةَ وَاعْتَبَطْتَهَا إِذَا ذَبَحْتَهَا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ أَيْ: مِنْ قَتْلٍ بِلَا جِنَايَةٍ. (مُؤْمِنًا قَتْلًا) : مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهُ أَيْ مُتَعَمِّدًا. (فَإِنَّهُ قَوَدُ يَدِهِ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: مَوْقُودٌ مَا جَنَتْهُ يَدُهُ (إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ) : أَخْذَ الدِّيَةِ أَوْ يَعْفُونَ فَلَا يُقْتَلُ، وَأَصْلُ الْقَوَدِ الِانْقِيَادُ سُمِّيَ الْقِصَاصُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنِ انْقِيَادِ الْجَانِي لَهُ بِمَا جَنَاهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنَّهُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: يُقْتَصُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ فَأُقِيمَ السَّبَبُ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْمُسَبَّبِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِلَى هَذَا لَمَّحَ الْقَاضِي بِقَوْلِهِ أَنْ يُقْتَلَ
стр. 4859
قِصَاصًا بِمَا جَنَتْهُ يَدُهُ فَكَأَنَّهُ مَقْتُولُ يَدِهِ قِصَاصًا إِذْ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَمَا اقْتُصَّ مِنْهُ (وَفِيهِ) : أَيْ: فِي الْكِتَابِ (إِنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ) وَهِيَ مَسْأَلَةٌ إِجْمَاعِيَّةٌ وَعَكْسُهَا بِالْأَوْلَى (وَفِي النَّفْسِ) أَيْ: فِي قَتْلِهَا مُطْلَقًا (الدِّيَةُ) : أَيْ: عِنْدَ الْعُدُولِ عَنِ الْقِصَاصِ إِلَيْهَا فِي الْعَمْدِ وَهِيَ مُتَعَيِّنَةٌ لَهَا فِي الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ (مِائَةٌ) : بَدَلٌ عَنِ الدِّيَةِ (مِنَ الْإِبِلِ) : أَيْ: عَلَى تَفْصِيلٍ سَبَقَ فِي تَقْسِيمِ أَنْوَاعِهَا (وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ) : اخْتَلَفُوا فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّارَهِمِ هَلْ تُؤْخَذُ فِي الدِّيَاتِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: يَجُوزُ أَخْذُهَا فِي الدِّيَاتِ مَعَ وُجُودِ الْإِبِلِ، ثُمَّ عَنْهُمَا رِوَايَتَانِ: هَلْ هِيَ أَصْلٌ بِنَفْسِهَا أَمِ الْأَصْلُ الْإِبِلُ وَالذَّهَبُ وَالدَّرَاهِمُ بَدَلٌ عَنْهَا؟ وَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ الْأَصْلُ بِنَفْسِهَا مَقَدَّرَةٌ بِالشَّرْعِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهَا بِالْإِبِلِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُعْدَلُ عَنِ الْإِبِلِ إِذَا وُجِدَتْ إِلَّا بِالتَّرَاضِي، فَإِنْ أَعْوَزَتْ فَعَنْهُ قَوْلَانِ. الْجَدِيدُ الرَّاجِحُ أَنَّهُ يُعْدَلُ إِلَى قِيمَتِهِ حِينَ الْقَبْضِ زَائِدَةً أَوْ نَاقِصَةً، وَالْقَدِيمُ الْمَعْمُولُ بِهِ ضَرُورَةُ أَنَّهُ يُعْدَلُ إِلَى أَلْفِ دِينَارٍ، أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِ الدِّيَةِ مِنَ الدَّرَاهِمِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، كَذَا فِي اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُؤَيِّدُ أَبَا حَنِيفَةَ حَيْثُ قَالَ: وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ فَالتَّقْدِيرُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ، وَأَلْفُ دِينَارٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا وَهُوَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ. (وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ) : بِرَفْعِهِ عَلَى أَنَّهُ نَائِبُ الْفَاعِلِ أَيِ: اسْتُؤْصِلَ قَطْعُهُ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مِنْهُ (الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ) قَالَ الشَّمَنِيُّ: فِي الْأَنْفِ سَوَاءٌ قَطْعُ الْأَرْنَبَةِ أَوِ الْمَارِنِ كُلُّ الدِّيَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجِنَايَةَ إِذَا فَوَّتَتْ مَنْفَعَةً عَلَى الْكَمَالِ أَوْ أَزَالَتْ جَمَالًا مَقْصُودًا فِي الْآدَمِيِّ عَلَى الْكَمَالِ تَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِتْلَافٌ لِلنَّفْسِ مِنْ وَجْهٍ، وَإِتْلَافُ النَّفْسِ مِنْ وَجْهٍ مُلْحَقٌ بِإِتْلَافِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَمَّا الْأَنْفُ فَمَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي عِنْدَهُمْ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْأَنْفِ: (إِذَا قُطِعَ مَارِنُهُ الدِّيَةُ) وَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ: عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ) عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَنْفِ: (إِذَا اسْتُؤْصِلَ مَارِنُهُ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ أَزَالَ بِقَطْعِ الْأَرْنَبَةِ جَمَالًا عَلَى الْكَمَالِ مَقْصُودًا، وَبِقَطْعِ الْمَارِنِ مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَنْفِ أَنْ تَجْتَمِعَ الرَّوَائِحُ فِي قَصَبَتِهِ لِتَعْلُوَ إِلَى الدِّمَاغِ، وَذَلِكَ يَفُوتُ بِقَطْعِ الْمَارِنِ، وَلَوْ قُطِعَ الْمَارِنُ مَعَ قَصَبَةِ الْأَنْفِ وَهِيَ عَظْمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُزَادُ عَلَى دِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الْمَارِنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْقَصَبَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ ; لِأَنَّ الْمَارِنَ وَحْدَهُ مُوجِبٌ لِلدِّيَةِ فَتَجِبُ الْحُكُومَةُ فِي الزَّائِدِ كَمَا لَوْ قُطِعَ وَحْدَهُ وَقُطِعَ لِسَانُهُ، وَلَنَا: مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فِي الْأَنْفِ إِذَا اسْتُوْعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ وَلَوْ قَطَعَ أَنْفَهُ فَذَهَبَ شَمُّهُ فَعَلَيْهِ دِيَتَانِ ; لِأَنَّ الشَّمَّ فِي غَيْرِ الْأَنْفِ، فَلَا يَدْخُلُ دِيَةُ إِحْدَهُمَا فِي الْأُخْرَى) (وَفِي الْأَسْنَانِ) : أَيْ: جَمِيعِهَا (الدِّيَةُ وَنِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ) : وَهُوَ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ (فِي قَلْعِ كُلِّ سِنٍّ) : إِذَا كَانَ خَطَأً سَوَاءٌ كَانَ ضِرْسًا أَوْ ثَنِيَّةً لِمَا فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَوْ فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَلِمَا سَيَأْتِي، وَلِأَنَّ الْكُلَّ فِي أَصْلِ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ الْمَضْغُ سَوَاءٌ، وَبَعْضُهَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةُ مَنْفَعَةٍ، لَكِنَّ الْبَعْضَ الْآخَرَ جَمَالٌ وَهُوَ كَالْمَنْفَعَةِ فِي الْآدَمِيِّ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْخَطَأِ ; لِأَنَّ الْعَمْدَ فِيهِ الْقِصَاصُ، وَلَوْ قَلَعَ جَمِيعَ أَسْنَانِهِ تَجِبُ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ عُضْوٌ دِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ سِوَى الْأَسْنَانِ. وَفِي الْكَوْسَجِ: تَجِبُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا ; لِأَنَّ أَسْنَانَهُ تَكُونُ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ، وَحُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِزَوْجِهَا: يَا كَوْسَجُ. فَقَالَ لَهَا: إِنْ كُنْتُ كَوْسَجًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: تُعَدُّ أَسْنَانُهُ إِنْ كَانَتْ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ فَهُوَ كَوْسَجٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي وَجْهٍ لَوْ قَلَعَ زِيَادَةً عَلَى عِشْرِينَ سِنًّا تَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فِي الْعِشْرِينَ وَلَا يَجِبُ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ، قُلْتُ: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. (وَفِي الشَّفَتَيْنِ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَيُكْسَرُ (الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ) : أَيِ: الْخُصْيَتَيْنِ (الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ) : قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَفِي الْحَشَفَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الذَّكَرِ كُلُّ الدِّيَةِ لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، إِذَا اسْتُؤْصِلَ أَوْ قُطِعَتْ حَشَفَتُهُ» ، أَخَرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ
стр. 4860
قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي الذَّكَرِ الدِّيَةَ، وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةَ، (وَفِي الصُّلْبِ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيِ الظَّهْرِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: فِي ضَرْبِهِ بِحَيْثُ انْقَطَعَ مَاؤُهُ (الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ) : أَيْ: جَمِيعًا (الدِّيَةُ) قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَأَمَّا إِحْدَى الْحَوَاسِّ فَفِيهَا الدِّيَةُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ، رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنِ ابْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا فِي زَمَانِ الْجَمَاجِمِ، فَنَعَتَ نَفْسَهُ فَقِيلَ: ذَلِكَ أَبُو لَهَبٍ عَمُّ أَبِي قِلَابَةَ. قَالَ: رَمَى رَجُلٌ رَجُلًا بِحَجَرٍ فِي رَأْسِهِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ وَلِسَانُهُ، وَذَكَرُهُ، فَلَمْ يَقْرَبِ النِّسَاءَ فَقَضَى عُمَرُ فِيهَا بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ وَهُوَ حَيٌّ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَوْفٍ بِهِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ: وَيُعْرَفُ فَوَاتُ هَذِهِ الْمَعَانِي بِتَصْدِيقِ الْجَانِي، أَوْ نُكُولِهِ إِذَا اسْتُحْلِفَ وَيُعْرَفُ فَوَاتُ الْبَصَرِ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنَ الْأَطِبَّاءِ. (وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ) : قَالَ الشَّمَنِيُّ: تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً فِي اثْنَيْنِ مِمَّا فِي الْبَدَنِ مِنْهُ اثْنَانِ كَالْعَيْنَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالشَّفَتَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَفِي أَحَدِ اثْنَيْنِ مِمَّا فِي الْبَدَنِ مِنْهُ اثْنَانِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ كِتَابًا إِلَى الْيَمَنِ فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالْآيَاتُ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَكَانَ فِيهِ. وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي الْيَدِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ. (وَفِي الْمَأْمُومَةِ) : أَيِ: الَّتِي تَصِلُ إِلَى جِلْدَةٍ فَوْقَ الدِّمَاغِ تُسَمَّى أُمَّ الدِّمَاغِ، وَاشْتِقَاقُ الْمَأْمُومَةِ مِنْهُ (ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ) : أَيِ: الطَّعْنَةِ الَّتِي تَصِلُ إِلَى جَوْفِ الرَّأْسِ، أَوِ الْبَطْنِ، أَوِ الظَّهْرِ، أَوِ الْجَفْنَيْنِ وَالِاسْمُ دَلِيلٌ عَلَى (ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ) : بِكَسْرِ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ وَهِيَ الَّتِي تَنْقُلُ الْعَظْمَ بَعْدَ الشَّجَّةِ أَيْ: تُحَوِّلُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ (خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: وَأَمْثَالُ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ تَعَبُّدٌ مَحْضٌ لَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ (فِي كُلِّ أُصْبُعٍ) بِتَثْلِيثِ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ (وَمِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ) أَيْ: أَوِ الرِّجْلِ (عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ) : وَهُوَ عُشْرُ الدِّيَةِ قَالَ الشَّمَنِيُّ لِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ: رِجَالُ إِسْنَادِهِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «دِيَةُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ عَشَرَةٌ مِنَ الْإِبِلِ لِكُلِّ أُصْبُعٍ (وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ» ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: (وَفِي الْعَيْنِ) : أَيِ: الْوَاحِدَةِ. (خَمْسُونَ) : أَيْ: مِنَ الْإِبِلِ (وَفِي الْيَدِ) : أَيِ: الْوَاحِدَةِ (خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ) : أَيِ: الْوَاحِدَةِ (خَمْسُونَ) : أَيْ: نِصْفُ الدِّيَةِ (وَفِي الْمُوضِحَةِ) : بِكَسْرِ الضَّادِ أَيِ: الْجِرَاحَةِ الَّتِي تَرْفَعُ اللَّحْمَ مِنَ الْعَظْمِ وَتُوضِحُهُ (خَمْسٌ) : أَيْ: مِنَ الْإِبِلِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ ﵁ وَلَفْظُهُ: فِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ إِذَا اسْتُوْعِبَ جَدْعُهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ وَفِي الْأَمَّةِ ثُلُثُ النَّفْسِ وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ النَّفْسِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ خَمْسٌ، وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ فِي اللِّسَانِ: الدِّيَةُ إِذَا مَنَعَ الْكَلَامَ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ إِذَا قُطِعَتِ الْحَشَفَةُ وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ.
стр. 4861
٣٤٩٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوَاضِحِ خَمْسًا خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَسْنَانِ خَمْسًا خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهِ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ.
ــ
٣٤٩٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوَاضِحِ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ جَمْعُ مُوضِحَةٍ (خَمْسًا خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَسْنَانِ خَمْسًا خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ) : فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا خَمْسٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُوَافِقُ هَذَا قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَفِي الْأَسْنَانِ الدِّيَةُ. قُلْتُ: اعْتُبِرَ فِي الْجَمْعِ هُنَا إِفْرَادُهُ وَهُنَاكَ حَقِيقَتُهُ مِثَالُهُ فِي التَّعْرِيفِ حَقِيقَةُ الْجِنْسِ وَاسْتِغْرَاقُهُ، وَلِذَلِكَ كَرَّرَ خَمْسًا لِيَسْتَوْعِبَ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ لِاعْتِبَارِ أَخْمَاسِهَا. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْعَرَبُ تُكَرِّرُ الشَّيْءَ مَرَّتَيْنِ لِيَسْتَوْعِبَ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ بِاعْتِبَارِ أَخْمَاسِهَا. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْعَرَبُ تُكَرِّرُ الشَّيْءَ مَرَّتَيْنِ لِتَسْتَوْعِبَ تَفْصِيلَ جَمِيعِ جِنْسِهِ بِاعْتِبَارِ الْمَوْتِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْمُكَرَّرُ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَخْمَاسَ هُنَا زِيَادَةٌ عَلَى الدِّيَةِ كَمَا سَبَقَ تَحْرِيرُهَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : أَيْ: فِي الْفَصْلَيْنِ مِنَ الْحَدِيثِ (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، الْفَصْلَ الْأَوَّلَ) : أَيْ: وَلَمْ يَذْكُرَا قَوْلَهُ: فِي الْأَسْنَانِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الشَّمَنِيُّ حَيْثُ قَالَ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَسْنَانِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ فِي كُلِّ سِنٍّ. قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَلَا قَوَدَ فِي الشِّجَاجِ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مَا يَكُونُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَأَمَّا مَا يَكُونُ فِي غَيْرِهِمَا فَيُسَمَّى جِرَاحَةً إِلَّا فِي الْمُوضِحَةِ عَمْدًا، وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ أَيْ: تُبِينُهُ لِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مُرْسَلًا، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «وَلَا طَلَاقَ قَبْلَ مِلْكٍ وَلَا قِصَاصَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ» ) وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْضِ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ بِشَيْءٍ» ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنِ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِي غَيْرِ الْمُوضِحَةِ، وَيُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا فِيهَا ; لِأَنَّ لَهَا حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ السِّكِّينُ وَهُوَ الْعَظْمُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنَ الشِّجَاجِ ; لِأَنَّ فِيمَا فَوْقَ الْمُوضِحَةِ كَسْرَ الْعَظْمِ وَلَا قِصَاصَ فِيهَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ: فِي الْأَصْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَقَوْلُ مَالِكٌ: يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَسْرِ عَظْمٍ وَلَا خَوْفِ هَلَاكٍ غَالِبٍ وَيُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ بِأَنْ يُشْبَهَ غَوْرُهَا بِمِسْمَارٍ ثُمَّ تُتَّخَذُ حَدِيدَةٌ بِقَدْرِ ذَلِكَ الْمِسْمَارِ فَيُقْطَعُ بِهَا مِقْدَارُ مَا قُطِعَ وَفِي شَرْحِ الْوَافِي وَهُوَ الصَّحِيحُ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] مَعَ إِمْكَانِ الْمُسَاوَاةِ بِمَا ذَكَرْنَا وَرَوَى - الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ; لِأَنَّ جِرَاحَتَهُ لَا تَنْتَهِي إِلَى الْعَظْمِ فَصَارَ كَالْمَأْمُومَةِ. قَالَ: وَفِي الْمُوضِحَةِ خَطَأٌ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ وَفِي الْهَاشِمَةِ وَهِيَ الَّتِي تَكْسِرُ الْعَظْمَ عُشْرُهَا لِقَوْلِهِ ﷺ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ: (وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ) وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْهَاشِمَةِ لَكِنْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: فِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ وَفِي الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْجَائِفَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْجَوْفِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَفِي جَائِفَةٍ نَفَذَتْ ثُلُثَاهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا جَائِفَةٌ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّ الْجَائِفَةَ تَنْفُذُ مِنْ ظَاهِرِ الْبَدَنِ إِلَى الْجَوْفِ، وَالثَّانِيَةُ هُنَا تَنْفُذُ مِنَ الْبَاطِنِ إِلَى الظَّاهِرِ، وَلِلْجُمْهُورِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَضَى أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَائِفَةِ تَكُونُ نَافِذَةً بِثُلُثَيِ الدِّيَةِ وَقَالَ: هُمَا جَائِفَتَانِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: وَلَا تَكُونُ الْجَائِفَةُ إِلَّا فِي الْجَوْفِ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا يَرْمُونَ فَرَمَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ خَطَأٍ فَأَصَابَ بَطْنَ رَجُلٍ فَأَنْفَذَهُ إِلَى ظَهْرِهِ فَدَوَوْهُ فَرُفِعَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَضَى فِيهِ بِجَائِفَتَيْنِ قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَلَا يُقَادُ حِينَئِذٍ بِجُرْحٍ إِلَّا بَعْدَ بُرْءٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُقَادَ قَبْلَ الْبُرْءِ وَيُسْتَحَبَّ الِانْتِظَارُ اعْتِبَارًا بِالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَلَنَا مَا رَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِدْنِي، فَقَالَ لَهُ ﵊: (لَا تَعْجَلْ حَتَّى يَبْرَأَ جُرْحُكَ) قَالَ: فَأَبَى الرَّجُلُ إِلَّا أَنْ يَسْتَقِيدَهُ فَأَقَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: فَعَرِجَ الرَّجُلُ الْمُسْتَقِيدُ وَبَرَأَ الْمُسْتَقَادُ مِنْهُ، فَأَتَى الْمُسْتَقِيدُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرِجْتُ مِنْهُ وَبَرَأَ صَاحِبِي، فَقَالَ لَهُ ﵊: (أَلَمْ آمُرْكَ أَنْ لَا تَسْتَقِيدَ حَتَّى يَبْرَأَ جُرْحُكَ فَعَصَيْتَنِي» ) أَنْ لَا يَسْتَقِيدَ حَتَّى تَبْرَأَ جِرَاحَتُهُ، فَإِذَا بَرَأَ اسْتَقَادَ، وَلِأَنَّ الْجِرَاحَاتِ يُعْتَبَرُ مَآلُهَا لَا حَالُهَا ; لِأَنَّ حُكْمَهَا فِي الْحَالِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلَعَلَّهَا تَسْرِي إِلَى النَّفْسِ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ قَتْلٌ.
стр. 4862
٣٤٩٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
٣٤٩٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابِعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءً» ) : أَيْ: حَتَّى الْإِبْهَامَ وَالْخِنْصَرَ وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْمَفَاصِلِ كَمَا سَبَقَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) .
стр. 4863
٣٤٩٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْأَصَابِعُ سَوَاءٌ، وَالْأَسْنَانُ سَوَاءٌ، وَالثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ، هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٤٩٥ - وَعَنْهُ (: أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (الْأَصَابِعُ سَوَاءٌ، وَالْأَسْنَانُ سَوَاءٌ، وَالثَّنِيَّةُ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (وَالضِّرْسُ) : بِالْكَسْرِ (سَوَاءٌ) : فِي الْمُغْرِبِ: الثَّنِيَّةُ وَاحِدَةُ الثَّنَايَا، وَهِيَ الْأَسْنَانُ الْمُتَقَدِّمَةُ اثْنَتَانِ فَوْقُ وَاثْنَتَانِ أَسْفَلُ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَضْمُومَةٌ إِلَى صَاحِبَتِهَا وَالْأَضْرَاسُ مَا سِوَى الثَّنَايَا مِنَ الْأَسْنَانِ الْوَاحِدُ ضِرْسٌ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، ذَكَرَهُمَا تَقْرِيرًا لِمَعْنَى قَوْلِهِ: الْأَسْنَانُ سَوَاءٌ أَيْ لَا تَفَاوُتَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَمَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا كُلَّ الِافْتِقَارِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ وَهَذِهِ (سَوَاءٌ) : الْخِنْصَرُ وَالْإِبْهَامُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إِلَى إِحْدَى الثَّنَايَا وَإِحْدَى الْأَضْرَاسِ تَأْكِيدًا لِمَا قَبْلَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: وَفِي الْأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ.
стр. 4864
٣٤٩٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ ثُمَّ قَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا شِدَّةً، الْمُؤْمِنُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ يَرُدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعِيدَتِهِمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، دِيَةُ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ، وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُورِهِمْ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: دِيَةُ الْمُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٤٩٦ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ) : أَيْ: سَنَةَ فَتْحِ مَكَّةَ (ثُمَّ قَالَ) : أَيْ: بَعْدَ خُطْبَتِهِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَرْتَبَةِ الْجَمْعِ بِالْحُضُورِ مَعَ رَبِّ السَّمَاءِ وَهُوَ الْكَمَالُ الْإِنْسَانِيُّ بِالْفَضْلِ الرَّبَّانِيِّ انْتَقَلَ إِلَى تَنَزُّلِ مَرْتَبَةِ التَّفْرِقَةِ تَكْمِيلًا لِلنَّاقِصِينَ، وَتَحْمِيلًا لِلْكَامِلِينَ عَامِلًا بِقَضِيَّةِ كَلِمِ النَّاسِ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ فِي طَلَبِ أُصُولِهِمْ وَفُصُولِهِمْ، فَقَالَ (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ) : أَيِ: الشَّأْنَ (لَا حِلْفَ) : بِكَسْرِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَسُكُونِ لَامٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ: لَا إِحْدَاثَ لِلْمُعَاهَدَةِ بَيْنَ قَوْمٍ (فِي الْإِسْلَامِ وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا شِدَّةً) : قَالَ بَعْضُهُمْ: الْحِلْفُ الْعَهْدُ، وَمِنْهُ حَالَفَهُ عَاهَدَهُ، وَتَحَالَفُوا تَعَاهَدُوا، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَعَاهَدُونَ عَلَى التَّوَارُثِ وَالتَّنَاصُرِ فِي الْحُرُوبِ، وَأَدَاءِ الضَّمَانَاتِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ إِحْدَاثِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَقَرَّ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفَاءً بِالْعُهُودِ وَحِفْظًا لِلْحُقُوقِ وَالذِّمَامِ، وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَلَخَّصَهُ الْقَاضِي: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَعَاهَدُونَ فَيَتَعَاقَدُ الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ وَيَقُولُ لَهُ: دَمِي دَمُكَ وَهَدْمِي هَدْمُكَ وَثَأْرِي ثَأْرُكَ وَحَرْبِي حَرْبُكَ، وَسِلْمِي سِلْمُكَ تَرِثُنِي وَأَرِثُكَ، وَتُطْلَبُ بِي وَأُطْلَبُ بِكَ، وَتَعْقِلُ عَنِّي وَأَعْقِلُ عَنْكَ، فَيَعُدُّونَ الْحَلِيفَ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ دَخَلَ فِي حِلْفِهِمْ، وَيُقَرِّرُونَ لَهُ وَعَلَيْهِ مُقْتَضَى الْحَلِفِ وَالْمُعَاقَدَةِ غُنْمًا وَغُرْمًا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ قَرَّرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَصَالِحَ مِنْ حَقْنِ الدِّمَاءِ وَالنَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَحِفْظِ الْعُهُودِ وَالتَّأْلِيفِ بَيْنَ النَّاسِ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ فَنَفَى مَا أُحْدِثَ فِي الْإِسْلَامِ لِمَا فِي رَابِطَةِ الدِّينِ مِنَ الْحَثِّ عَلَى التَّعَاضُدِ وَالتَّعَاوُنِ مَا نَعَتَهُمْ مِنَ الْمُخَالَفَةِ، وَقَرَّرَ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَاءً بِالْعُهُودِ وَحِفْظًا لِلْحُقُوقِ وَلَكِنْ نُسِخَ مِنْ أَحْكَامِهِ التَّوَارُثُ وَتَحَمُّلُ الْجِنَايَاتِ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِأَشْخَاصٍ مَخْصُوصَةٍ، وَارْتِبَاطِهِ بِأَسْبَابٍ مُعَيَّنَةٍ مَعْدُودَةٍ، وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ وَجْهًا آخَرَ حَيْثُ قَالَ: أَصْلُ الْحِلْفِ الْمُعَاقَدَةُ وَالْمُعَاضَدَةُ عَلَى التَّعَاهُدِ وَالتَّسَاعُدِ وَالْإِنْفَاقِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِتَنِ وَالْقِتَالِ وَالْغَارَاتِ، فَذَلِكَ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ: (لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ) وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى نُصْرَةِ الْمَظْلُومِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَنَحْوِهَا فَذَلِكَ الَّذِي قَالَ فِيهِ وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً.
стр. 4865
قَالَ الطِّيبِيُّ وَقَوْلُهُ: (الْمُؤْمِنُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) : يُؤَيِّدُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِنَفْيِ الْحِلْفِ الْمَخْصُوصِ فِي الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ جَمَعَتْهُمْ وَجَعَلَتْهُمْ يَدًا وَاحِدَةً لَا يَسَعُهُمُ التَّخَاذُلُ، بَلْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نُصْرَةُ أَخِيهِ. قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وَقَوْلُهُ: (يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ) : كَالْبَيَانِ لِلسَّابِقِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ بِالْعَاطِفِ يَعْنِي إِذَا كَانُوا فِي حُكْمِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ فَهُمْ سَوَاءٌ فَالْأَدْنَى كَالْأَعْلَى يُعْطِي الْأَمَانَ لِمَنْ شَاءَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَيَرُدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعِيدَتِهِمْ) : جِيءَ بِلَا وَاوٍ بَيَانًا وَهُوَ يَنْصُرُ الْوَجْهَ الثَّانِيَ مِنْ كِتَابِ الْقِصَاصِ، وَإِنْ رُوِيَ بِالْوَاوِ كَمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ فَبِالْعَكْسِ لِاقْتِضَاءِ الْعَطْفِ الْمُغَايَرَةَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَرَادَ بِالْقَعِيدَةِ الْجُيُوشَ النَّازِلَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَبْعَثُونَ سَرَايَاهُمْ إِلَى الْعَدُوِّ، فَمَا غَنِمَتْ يُرَدُّ مِنْهُ عَلَى الْقَاعِدِينَ حِصَّتَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا رِدَاءً لَهُمْ (لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ) : أَيْ: حَرْبِيٍّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: وَلَوْ ذِمِّيًّا (دِيَةُ الْكَافِرِ) : أَيِ: الذِّمِّيِّ (نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ) .
قَالَ الْمُظْهِرُ: ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّ دِيَتَهُ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، غَيْرَ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إِذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً وَإِنْ كَانَ عَمْدًا لَمْ يُقَدْ بِهِ، وَيُضَاعَفُ عَلَيْهِ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: دِيَتُهُ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: دِيَتُهُ ثُلْثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ. مِنْ شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ الشَّمَنِيُّ لِلشَّافِعِيِّ: مَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ فِي كِتَابِ الْعُقُولِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ» ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ قَضَى فِي الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَفِي الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ. وَرَوَى أَيْضًا فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَضَى عُثْمَانُ فِي دِيَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَلَنَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «دِيَةُ كُلِّ ذِي عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ أَلْفُ دِينَارٍ» ) . وَوَقَفَهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَلَى سَعِيدٍ، وَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَقَّالِ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَدَى الْعَامِرِيَّيْنِ بِدِيَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ لَهُمَا عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَبُو سَعِيدٍ الْبَقَّالُ اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي عِلَلِهِ الْكَبِيرِ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كَانَ عَقْلُ الذِّمِّيِّ مِثْلَ عَقْلِ الْمُسْلِمِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَزَمَنِ أَبِي بَكْرٍ، وَزَمَنِ عُمَرَ، وَزَمَنِ عُثْمَانَ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، حَتَّى كَانَ صَدْرٌ مِنْ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنْ كَانَ أَهْلُهُ أُصِيبُوا بِهِ فَقَدْ أُصِيبَ بِهِ بَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَاجْعَلُوا لِبَيْتِ الْمَالِ النِّصْفَ، وَلِأَهْلِهِ النِّصْفَ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، ثُمَّ قُتِلَ آخَرُ مَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْ أَنَّا نَظَرْنَا إِلَى هَذَا الَّذِي يَدْخُلُ بَيْتَ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَجَعَلَهُ وَضْعًا عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَوْنًا لَهُمْ. قَالَ: فَمِنْ هُنَالِكَ وَضَعَ عَلَيْهِمْ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: دِيَةُ الْمُعَاهِدِ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ. وَرَوَى أَيْضًا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَرُفِعَ إِلَى عُثْمَانَ فَلَمْ يَقْتُلْهُ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ رَحْمَوَيْهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ كَانَا يَجْعَلَانِ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ الْمُعَاهِدَيْنِ دِيَةَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَحْوَهُ عَنْ عَلْقَمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنِ الْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: دِيَةُ كُلِّ ذِمِّيٍّ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَهُوَ قَوْلِي وَلِأَنَّهُ حُرٌّ مَعْصُومُ الدَّمِ، فَتَكْمُلُ دِيَتُهُ كَالْمُسْلِمِ، (لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ) بِفَتْحَتَيْنِ فِيهِمَا. وَقَدْ سَبَقَ
стр. 4866
مَعْنَاهُمَا فِي بَابِ الزَّكَاةِ، وَيُتَصَوَّرَانِ فِي السِّبَاقِ أَيْضًا (وَلَا يُؤْخَذُ) : بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ (صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُورِهِمْ) : بِضَمِّ دَالٍ وَسُكُونِ وَاوٍ جَمْعُ دَارٍ أَيْ فِي مَنَازِلِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَوْ جُعِلَتِ الْوَاوُ كَمَا فِي قَوْلِكَ: جَاءَ زَيْدٌ وَذَهَبَ عَمْرٌو، يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ بِمَا يُغَايِرُهُ مِنَ السِّبَاقِ فِي الْخَيْلِ، فَإِنَّ الْجَلَبَ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى الصَّوْتِ وَالزَّجْرِ لِيَزِيدَ فِي شَأْنِهِ وَالْجَلَبُ يَعْنِي جَلَبَ فَرَسٍ آخَرَ فِي جَنَبِ فَرَسِهِ، وَلَوْ جُعِلَتْ كَمَا فِي قَوْلِكَ: جَاءَ زَيْدٌ وَذَهَبَ عَمْرٌو يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ بِمَا يَقَعُ مُبَيِّنًا لَهُ فَالْجَلَبُ هُوَ أَنْ يَنْزِلَ السَّاعِي مَوْضِعًا وَيَبْعَثَ إِلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي لِيَجْلِبُوا إِلَيْهِ مَوَاشِيَهُمْ فَيَأْخُذَ صَدَقَاتِهِمْ. وَالْجَلَبُ هُوَ أَنْ يَبْعُدَ أَرْبَابُ الْمَوَاشِي عَنْ مَوَاضِعِهِمْ فَيَشُقَّ عَلَى الْمُصَدِّقِ طَلَبُهُمْ وَلَوْ جُعِلَ الْوَاوُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] لَمْ يَبْعُدْ فَيُجْعَلُ قَوْلُهُ: (وَلَا يُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ) مُبَيِّنًا عَنْ قَوْلِهِ (لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ) بِأَنْ يُخْبِرَ عَنِ الْأَمْرَيْنِ وَيُفَوِّضَ التَّرْتِيبَ إِلَى الذِّهْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: (دِيَةُ الْمُعَاهِدِ) : بِكَسْرِ الْهَاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيِ: الذِّمِّيِّ (نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ) : أَيِ: الْمُسْلِمِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ الشَّمَنِيُّ: مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ لِمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «دِيَةُ الْمُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ» ) وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: ( «دِيَةُ عَقْلِ الْكَافِرِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِ» ) . وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ: ( «عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى» ) وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ: ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى أَنَّ عَقْلَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى» ) وَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «إِنَّ دِيَةَ الْمُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ» ) وَفِي كِتَابِ الرَّحْمَةِ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ فِي نَفْسِهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ. وَأَمَّا فِي الْجِرَاحِ، فَعَلَى النِّصْفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا عَلَى التَّسَاوِي وَفِيهِ تَفْصِيلٌ. وَقَالَ الشَّمَنِيُّ: وَالدِّيَةُ لِلْمَرْأَةِ نِصْفُ مَا لِلرَّجُلِ فِي النَّفْسِ أَوْ مَا دُونَهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُخْتَارِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ سِيرِينَ لِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ» ) . وَمَا أَخْرَجَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: عَقْلُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عَقْلِ الرَّجُلِ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا دُونَ الثُّلْثِ لَا يَتَنَصَّفُ وَكَذَا الثُّلْثُ. قَالَ فِي الْقَدِيمِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ، وَالْأَعْرَجِ، وَرَبِيعَةَ وَمَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ الرَّمْلِيِّ، عَنْ ضَمْرَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَقْلُ الثُّلْثَ مِنْ دِيَتِهَا» ) وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: جِرَاحَاتُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَى الثُّلْثِ فَمَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ الْمُسَيَّبِ: كَمْ فِي أُصْبُعِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ. قَالَ: كَمْ فِي الِاثْنَيْنِ. قَالَ: عِشْرُونَ. قَالَ: كَمْ فِي ثَلَاثٍ؟ قَالَ: ثَلَاثُونَ. قَالَ: كَمْ فِي أَرْبَعٍ؟ قَالَ: عِشْرُونَ. فَقَالَ رَبِيعَةُ: حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ عَقْلُهَا. قَالَ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ قَالَ رَبِيعَةُ: عَالِمٌ تُثْبِتُ أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! إِنَّهَا السُّنَّةُ. وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفٌ، وَابْنَ جُرَيْجٍ حِجَازِيٌّ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَعَنِ الثَّالِثِ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: كُنَّا نَقُولُ بِهِ ثُمَّ رَجَعْتُ عَنْهُ، وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ الْخَيْرَ وَإِنَّا لَا نَجِدُ مَنْ يَقُولُ السُّنَّةَ، ثُمَّ لَا نَجِدُ نَفَاذًا بِهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْقِيَاسُ أَوْلَى بِنَافِيهَا.
стр. 4867
٣٤٩٧ - وَعَنْ خِشْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ عِشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرِينَ ابْنَ مَخَاضٍ ذُكُورٍ، وَعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرِينَ جَذَعَةً، وَعِشْرِينَ حِقَّةً» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَخِشْفٌ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَرُوِيَ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَدَى قَتِيلَ خَيْبَرَ بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَلَيْسَ فِي أَسْنَانِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ابْنُ مَخَاضٍ إِنَّمَا فِيهَا ابْنُ لَبُونٍ.
ــ
٣٤٩٧ - (وَعَنْ خِشْفٍ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَبِالْفَاءِ (ابْنِ مَالِكٍ) ، أَيِ الطَّائِيِّ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْهُ زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَثَّقَ ذِكْرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَفِي التَّقْرِيبِ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ. (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ عِشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْجِنْسُ، فَيَشْتَمِلُ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَثَانِيهِمَا: الْأُنْثَى مِنْهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ لِعَطْفِ قَوْلِهِ: (وَعِشْرِينَ ابْنَ مَخَاضٍ ذُكُورٌ) بِالْجَرِّ عَلَى الْجَوَازِ كَمَا فِي الْمَثَلِ جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ كَذَا فِي التِّرْمِذِيِّ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَشَرْحِ السُّنَّةِ، وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي بَعْضِهَا ذُكُورًا بِالنَّصْبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَرَادَ تَأْكِيدَهُ بِقَوْلِهِ: ذُكُورٍ. (وَعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرِينَ بِنْتَ جَذَعَةً) بِفَتْحَتَيْنِ (وَعِشْرِينَ حِقَّةً) . بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ) ، قُلْتُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لَا يَضُرُّهُ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَوْقُوفِ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ فَإِنَّ التَّقَادِيرَ لَا تُعْرَفُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ مَعَ أَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا يُعْتَبَرُ الْمَرْفُوعُ. (وَخِشْفٌ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ) . قُلْتُ: يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ رَوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ كَمَا سَبَقَ فَيَكُونُ مَعْرُوفًا ; لِأَنَّ أَقَلَّ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَرْوِيَ عَنِ اثْنَيْنِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَالْعَجَبُ مِنْ مُؤَلِّفِ الْمَصَابِيحِ كَيْفَ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ مَوْقُوفًا، ثُمَّ طَعَنَ فِي الَّذِي يَرْوِيهِ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: خِشْفٌ مَجْهُولٌ لَمْ يَبْتَدِعْهُ هُوَ بَلْ سَبَقَهُ الْأَوَّلُونَ الَّذِينَ خَالَفُوا هَذَا الْحَدِيثَ، وَأَرَاهُ قَدْ نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُبَادِرَ فِيهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ فَقَالَ: خِشْفُ بْنُ مَالِكٍ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ وَأَرَاهُ قَدْ نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ لَيْسَ بِطَعْنٍ، بَلْ قَلَّدَ أَبَا دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيَّ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْقُوفًا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: خِشْفُ بْنُ مَالِكٍ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ: عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ خِشْفًا سَمِعَ عُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ لَا يَجْعَلُهُ مِنَ الْمَشْهُورِينَ. قُلْتُ: لَا يَجْعَلُهُ مِنَ الْمَشْهُورِينَ، لَكِنْ يُخْرِجُهُ مِنَ الْمَجْهُولِينَ قَالَ: وَلَعَلَّ غَرَضَهُ فِي الطَّعْنِ تَقْرِيرُ مَذْهَبِهِ. قُلْتُ: وَجْهُ الطَّعْنِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِطَعْنِ الرَّاوِي بَعْدَ الْحُكْمِ بِأَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ، سَوَاءٌ يَكُونُ مَرْفُوعًا أَوْ مَوْقُوفًا، وَلَعَلَّ الْخَطَّابِيَّ سَبَقَ الْبَغَوِيَّ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْخَطَأُ أَخْمَاسٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْسِيمِهَا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبْدَلَ قَوْمٌ بَنِي اللَّبُونِ بِبَنِي الْمَخَاضِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ خِشْفٍ. قَالَ الشَّمَنِيُّ: لَهُمْ مَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي الَّذِي وَدَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَبَنُو الْمَخَاضِ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الصَّدَقَاتِ، وَلَنَا مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ خِشْفِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فِي دِيَةِ الْخَطَأِ عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ ذَكَرٍ) وَخِشْفٌ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَزَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَهُوَ الْحَسْمِيُّ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَأَخْرَجَا لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. (وَرُوِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَعْلُومِ أَيْ رَوَى صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : أَيْ بِإِسْنَادِهِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَدَى قَتِيلَ خَيْبَرَ) : بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ أَعْطَى دِيَتَهُ (بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ لَيْسَ) : وَفِي نُسْخَةٍ وَلَيْسَ (فِي أَسْنَانِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ابْنُ مَخَاضٍ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَةٌ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَ الْبَغَوِيِّ، وَأَنَّهُ رَدٌّ عَلَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ حَيْثُ أَثْبَتَ فِيهِ ابْنَ مَخَاضٍ (إِنَّمَا فِيهَا) : أَيْ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ (ابْنُ لَبُونٍ) أَقُولُ: هَذَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ابْنَ مَخَاضٍ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ، كَذَا فِي مُوَطَّأِ مُحَمَّدٍ فِي بَابِ الْخَطَأِ.
стр. 4868
قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنِ الَّذِي وَدَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَبَرَّعَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَجْعَلْهُ حُكْمًا. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الْمُخْتَارُ مَا قَالَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ﵊ اشْتَرَاهَا مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ بَعْدَ أَنْ مَلَكُوهَا، ثُمَّ دَفَعُوهَا تَبَرُّعًا مِنْهُ إِلَى أَهْلِ الْقَتِيلِ اهـ. وَقِيلَ: لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدَّعُوا عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ إِلَّا قَتْلَهُ عَمْدًا فَتَكُونُ دِيَتُهُ دِيَةَ الْعَمْدِ وَهِيَ مِنْ أَسْنَانِ الصَّدَقَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْخَطَأِ.
стр. 4869
٣٤٩٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ، أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ النِّصْفُ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: فَكَانَ كَذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ ﵁ فَقَامَ خَطِيبًا قَالَ: إِنَّ الْإِبِلَ قَدْ غَلَتْ. قَالَ: فَفَرَضَهَا عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ. قَالَ: وَتَرَكَ دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ مِنَ الدِّيَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٤٩٨ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ) : قِيلَ: دَلَّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الدِّيَةِ الْإِبِلُ - وَأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ قِيمَتِهَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ (وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ) : أَيْ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ (النِّصْفُ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ (مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ) . مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنِّصْفِ (قَالَ) : أَيْ جَدُّهُ (فَكَانَ) : أَيِ الْأَمْرُ (كَذَلِكَ) : أَيْ عَلَى ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةِ الشَّمَنِيِّ: فَكَانَ ذَلِكَ (حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ) ، بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ جُعِلَ خَلِيفَةً (فَقَالَ) : وَفِي رِوَايَةِ الشَّمَنِيِّ فَقَامَ (خَطِيبًا، فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الْإِبِلَ غَلَتْ) : وَفِي رِوَايَةٍ: قَدْ غَلَتْ مِنَ الْغَلَاءِ، وَهُوَ ارْتِفَاعُ الثَّمَنِ أَيِ ازْدَادَتْ قِيمَتُهَا (قَالَ) : أَيْ جَدُّهُ (فَفَرَضَهَا) : أَيْ قَدَّرَ الدِّيَةَ (عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ أَهْلِ الْفِضَّةِ (اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) ، أَيْ مِنَ الدَّرَاهِمِ (وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ) : بِالْهَمْزَةِ فِي آخِرِهِ اسْمُ جِنْسٍ (أَلْفَيْ شَاةٍ) . بِالتَّاءِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْجِنْسِ (وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ (مِائَتَيْ حُلَّةٍ) . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهِيَ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الثِّيَابِ، وَقِيلَ: الْحُلَلُ بُرُودُ الْيَمَنِ وَلَا يُسَمَّى حُلَّةً حَتَّى يَكُونَ ثَوْبَيْنِ. (قَالَ) : أَيْ جَدُّهُ (وَتَرَكَ) : أَيْ عُمَرُ (دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ) : عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي عَهْدِهِ ﵊ (لَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ مِنَ الدِّيَةِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي لَمَّا كَانَتْ قِيمَةُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَقَرَّرَ دِيَةَ الذِّمِّيِّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ صَارَ دِيَةُ الذِّمِّيِّ كَثُلْثِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ مُطْلَقًا، وَلَعَلَّ مَنْ أَوْجَبَ الثُّلْثَ نَظَرَ إِلَى هَذَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
قَالَ الشَّمَنِيُّ: الدِّيَةُ مِنَ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَمِنَ الْفِضَّةِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَمِنَ الْإِبِلِ مِائَةٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مِنَ الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لِمَا أَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ قُتِلَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا» ، وَلَنَا وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: بَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ فَرَضَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ فِي الدِّيَةِ أَلْفَ دِينَارٍ وَمِنَ الْوَرِقِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنِ الْهَيْثَمِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُمَرَ قَالَ: فَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: فَرَضَ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: صَدَقُوا وَلَكِنَّهُ فَرَضَهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَزْنَ سِتَّةٍ، وَذَلِكَ عَشَرَةُ آلَافٍ، كَذَا فِي نُسْخَةٍ وَفِي أُخْرَى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: وَأَخْبَرَنِي الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُغِيرَةَ الضَّبِّيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَتِ الدِّيَةُ الْإِبِلَ فَجُعِلَتِ الْإِبِلُ كُلُّ بَعِيرٍ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَزْنَ سِتَّةٍ فَذَلِكَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَفِي التَّجْرِيدِ لِلْقُدُورِيِّ: لَا خِلَافَ أَنَّ الدِّيَةَ أَلْفُ دِينَارٍ، وَكُلُّ دِينَارٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَلِهَذَا جَعَلَ نِصَابَ الذَّهَبِ عِشْرِينَ دِينَارٍ، وَنِصَابَ الْوَرِقِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْأَصْلِ فِي الدِّيَةِ. فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: الْإِبِلُ فَقَطْ فَتَجِبُ قِيمَتُهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي
стр. 4870
بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» ) وَلِأَنَّهُ ﵊ فَرَّقَ بَيْنَ دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ وَدِيَةِ الْخَطَأِ، فَغَلَّظَ بَعْضَهَا وَخَفَّفَ بَعْضَهَا وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ وَلِأَنَّ الْإِبِلَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَمَا عَدَاهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَيُؤْخَذُ بِالْمُتَيَقَّنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْإِبِلُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْقَاتِلَ إِنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالْعَمُودِ فَمِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ وَإِنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الذَّهَبِ كَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْمَغْرِبِ فَأَلْفُ دِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الْوَرِقِ كَأَهْلِ خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَفَارِسَ فَاثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: الْإِبِلُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْبَقَرُ مِائَتَا بَقَرَةٍ وَالْغَنَمُ أَلْفَا شَاةٍ وَالْحُلَّةُ مِائَتَا حُلَّةٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ مَرَّ الْآنَ ثُمَّ فَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي اخْتِيَارِ الْقَاتِلِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ الْخِيَارُ مِنَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فَقَطْ وَعِنْدَهُمَا مِنَ السِّتَّةِ وَتَظْهَرُ فِي الصُّلْحِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ الصُّلْحُ عَنِ الدِّيَةِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ فِي رِوَايَةٍ وَلَا يَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِمَا كَمَا لَوْ صَالَحَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ.
следующие страницы →