← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

مَعْنَاهُمَا فِي بَابِ الزَّكَاةِ، وَيُتَصَوَّرَانِ فِي السِّبَاقِ أَيْضًا (وَلَا يُؤْخَذُ) : بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ (صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُورِهِمْ) : بِضَمِّ دَالٍ وَسُكُونِ وَاوٍ جَمْعُ دَارٍ أَيْ فِي مَنَازِلِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: لَوْ جُعِلَتِ الْوَاوُ كَمَا فِي قَوْلِكَ: جَاءَ زَيْدٌ وَذَهَبَ عَمْرٌو، يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ بِمَا يُغَايِرُهُ مِنَ السِّبَاقِ فِي الْخَيْلِ، فَإِنَّ الْجَلَبَ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى الصَّوْتِ وَالزَّجْرِ لِيَزِيدَ فِي شَأْنِهِ وَالْجَلَبُ يَعْنِي جَلَبَ فَرَسٍ آخَرَ فِي جَنَبِ فَرَسِهِ، وَلَوْ جُعِلَتْ كَمَا فِي قَوْلِكَ: جَاءَ زَيْدٌ وَذَهَبَ عَمْرٌو يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ بِمَا يَقَعُ مُبَيِّنًا لَهُ فَالْجَلَبُ هُوَ أَنْ يَنْزِلَ السَّاعِي مَوْضِعًا وَيَبْعَثَ إِلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي لِيَجْلِبُوا إِلَيْهِ مَوَاشِيَهُمْ فَيَأْخُذَ صَدَقَاتِهِمْ. وَالْجَلَبُ هُوَ أَنْ يَبْعُدَ أَرْبَابُ الْمَوَاشِي عَنْ مَوَاضِعِهِمْ فَيَشُقَّ عَلَى الْمُصَدِّقِ طَلَبُهُمْ وَلَوْ جُعِلَ الْوَاوُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] لَمْ يَبْعُدْ فَيُجْعَلُ قَوْلُهُ: (وَلَا يُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ) مُبَيِّنًا عَنْ قَوْلِهِ (لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ) بِأَنْ يُخْبِرَ عَنِ الْأَمْرَيْنِ وَيُفَوِّضَ التَّرْتِيبَ إِلَى الذِّهْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: (دِيَةُ الْمُعَاهِدِ) : بِكَسْرِ الْهَاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيِ: الذِّمِّيِّ (نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ) : أَيِ: الْمُسْلِمِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ الشَّمَنِيُّ: مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ لِمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «دِيَةُ الْمُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ» ) وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: ( «دِيَةُ عَقْلِ الْكَافِرِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِ» ) . وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ: ( «عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى» ) وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ: ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى أَنَّ عَقْلَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى» ) وَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «إِنَّ دِيَةَ الْمُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ» ) وَفِي كِتَابِ الرَّحْمَةِ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ فِي نَفْسِهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ. وَأَمَّا فِي الْجِرَاحِ، فَعَلَى النِّصْفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا عَلَى التَّسَاوِي وَفِيهِ تَفْصِيلٌ. وَقَالَ الشَّمَنِيُّ: وَالدِّيَةُ لِلْمَرْأَةِ نِصْفُ مَا لِلرَّجُلِ فِي النَّفْسِ أَوْ مَا دُونَهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُخْتَارِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ سِيرِينَ لِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ» ) . وَمَا أَخْرَجَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: عَقْلُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عَقْلِ الرَّجُلِ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا دُونَ الثُّلْثِ لَا يَتَنَصَّفُ وَكَذَا الثُّلْثُ. قَالَ فِي الْقَدِيمِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ، وَالْأَعْرَجِ، وَرَبِيعَةَ وَمَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ الرَّمْلِيِّ، عَنْ ضَمْرَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَقْلُ الثُّلْثَ مِنْ دِيَتِهَا» ) وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: جِرَاحَاتُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَى الثُّلْثِ فَمَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ الْمُسَيَّبِ: كَمْ فِي أُصْبُعِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ. قَالَ: كَمْ فِي الِاثْنَيْنِ. قَالَ: عِشْرُونَ. قَالَ: كَمْ فِي ثَلَاثٍ؟ قَالَ: ثَلَاثُونَ. قَالَ: كَمْ فِي أَرْبَعٍ؟ قَالَ: عِشْرُونَ. فَقَالَ رَبِيعَةُ: حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ عَقْلُهَا. قَالَ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ قَالَ رَبِيعَةُ: عَالِمٌ تُثْبِتُ أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! إِنَّهَا السُّنَّةُ. وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفٌ، وَابْنَ جُرَيْجٍ حِجَازِيٌّ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَعَنِ الثَّالِثِ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: كُنَّا نَقُولُ بِهِ ثُمَّ رَجَعْتُ عَنْهُ، وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ الْخَيْرَ وَإِنَّا لَا نَجِدُ مَنْ يَقُولُ السُّنَّةَ، ثُمَّ لَا نَجِدُ نَفَاذًا بِهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْقِيَاسُ أَوْلَى بِنَافِيهَا.

стр. 4867

٣٤٩٧ - وَعَنْ خِشْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ عِشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرِينَ ابْنَ مَخَاضٍ ذُكُورٍ، وَعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرِينَ جَذَعَةً، وَعِشْرِينَ حِقَّةً» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَخِشْفٌ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَرُوِيَ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَدَى قَتِيلَ خَيْبَرَ بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَلَيْسَ فِي أَسْنَانِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ابْنُ مَخَاضٍ إِنَّمَا فِيهَا ابْنُ لَبُونٍ. ــ ٣٤٩٧ - (وَعَنْ خِشْفٍ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَبِالْفَاءِ (ابْنِ مَالِكٍ) ، أَيِ الطَّائِيِّ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْهُ زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَثَّقَ ذِكْرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَفِي التَّقْرِيبِ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ. (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ عِشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْجِنْسُ، فَيَشْتَمِلُ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَثَانِيهِمَا: الْأُنْثَى مِنْهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ لِعَطْفِ قَوْلِهِ: (وَعِشْرِينَ ابْنَ مَخَاضٍ ذُكُورٌ) بِالْجَرِّ عَلَى الْجَوَازِ كَمَا فِي الْمَثَلِ جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ كَذَا فِي التِّرْمِذِيِّ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَشَرْحِ السُّنَّةِ، وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي بَعْضِهَا ذُكُورًا بِالنَّصْبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَرَادَ تَأْكِيدَهُ بِقَوْلِهِ: ذُكُورٍ. (وَعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرِينَ بِنْتَ جَذَعَةً) بِفَتْحَتَيْنِ (وَعِشْرِينَ حِقَّةً) . بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ) ، قُلْتُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لَا يَضُرُّهُ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَوْقُوفِ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ فَإِنَّ التَّقَادِيرَ لَا تُعْرَفُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ مَعَ أَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا يُعْتَبَرُ الْمَرْفُوعُ. (وَخِشْفٌ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ) . قُلْتُ: يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ رَوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ كَمَا سَبَقَ فَيَكُونُ مَعْرُوفًا ; لِأَنَّ أَقَلَّ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَرْوِيَ عَنِ اثْنَيْنِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَالْعَجَبُ مِنْ مُؤَلِّفِ الْمَصَابِيحِ كَيْفَ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ مَوْقُوفًا، ثُمَّ طَعَنَ فِي الَّذِي يَرْوِيهِ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: خِشْفٌ مَجْهُولٌ لَمْ يَبْتَدِعْهُ هُوَ بَلْ سَبَقَهُ الْأَوَّلُونَ الَّذِينَ خَالَفُوا هَذَا الْحَدِيثَ، وَأَرَاهُ قَدْ نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُبَادِرَ فِيهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ فَقَالَ: خِشْفُ بْنُ مَالِكٍ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ وَأَرَاهُ قَدْ نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ لَيْسَ بِطَعْنٍ، بَلْ قَلَّدَ أَبَا دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيَّ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْقُوفًا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: خِشْفُ بْنُ مَالِكٍ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ: عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ خِشْفًا سَمِعَ عُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ لَا يَجْعَلُهُ مِنَ الْمَشْهُورِينَ. قُلْتُ: لَا يَجْعَلُهُ مِنَ الْمَشْهُورِينَ، لَكِنْ يُخْرِجُهُ مِنَ الْمَجْهُولِينَ قَالَ: وَلَعَلَّ غَرَضَهُ فِي الطَّعْنِ تَقْرِيرُ مَذْهَبِهِ. قُلْتُ: وَجْهُ الطَّعْنِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِطَعْنِ الرَّاوِي بَعْدَ الْحُكْمِ بِأَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ، سَوَاءٌ يَكُونُ مَرْفُوعًا أَوْ مَوْقُوفًا، وَلَعَلَّ الْخَطَّابِيَّ سَبَقَ الْبَغَوِيَّ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْخَطَأُ أَخْمَاسٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْسِيمِهَا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبْدَلَ قَوْمٌ بَنِي اللَّبُونِ بِبَنِي الْمَخَاضِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ خِشْفٍ. قَالَ الشَّمَنِيُّ: لَهُمْ مَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي الَّذِي وَدَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَبَنُو الْمَخَاضِ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الصَّدَقَاتِ، وَلَنَا مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ خِشْفِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فِي دِيَةِ الْخَطَأِ عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ ذَكَرٍ) وَخِشْفٌ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَزَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَهُوَ الْحَسْمِيُّ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَأَخْرَجَا لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. (وَرُوِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَعْلُومِ أَيْ رَوَى صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : أَيْ بِإِسْنَادِهِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَدَى قَتِيلَ خَيْبَرَ) : بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ أَعْطَى دِيَتَهُ (بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ لَيْسَ) : وَفِي نُسْخَةٍ وَلَيْسَ (فِي أَسْنَانِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ابْنُ مَخَاضٍ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَةٌ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَ الْبَغَوِيِّ، وَأَنَّهُ رَدٌّ عَلَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ حَيْثُ أَثْبَتَ فِيهِ ابْنَ مَخَاضٍ (إِنَّمَا فِيهَا) : أَيْ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ (ابْنُ لَبُونٍ) أَقُولُ: هَذَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ابْنَ مَخَاضٍ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ، كَذَا فِي مُوَطَّأِ مُحَمَّدٍ فِي بَابِ الْخَطَأِ.

стр. 4868

قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنِ الَّذِي وَدَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَبَرَّعَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَجْعَلْهُ حُكْمًا. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الْمُخْتَارُ مَا قَالَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ ﵊ اشْتَرَاهَا مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ بَعْدَ أَنْ مَلَكُوهَا، ثُمَّ دَفَعُوهَا تَبَرُّعًا مِنْهُ إِلَى أَهْلِ الْقَتِيلِ اهـ. وَقِيلَ: لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدَّعُوا عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ إِلَّا قَتْلَهُ عَمْدًا فَتَكُونُ دِيَتُهُ دِيَةَ الْعَمْدِ وَهِيَ مِنْ أَسْنَانِ الصَّدَقَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْخَطَأِ.

стр. 4869

٣٤٩٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ، أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ النِّصْفُ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: فَكَانَ كَذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ ﵁ فَقَامَ خَطِيبًا قَالَ: إِنَّ الْإِبِلَ قَدْ غَلَتْ. قَالَ: فَفَرَضَهَا عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ. قَالَ: وَتَرَكَ دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ مِنَ الدِّيَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٤٩٨ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ) : قِيلَ: دَلَّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الدِّيَةِ الْإِبِلُ - وَأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ قِيمَتِهَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ (وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ) : أَيْ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ (النِّصْفُ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ (مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ) . مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنِّصْفِ (قَالَ) : أَيْ جَدُّهُ (فَكَانَ) : أَيِ الْأَمْرُ (كَذَلِكَ) : أَيْ عَلَى ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةِ الشَّمَنِيِّ: فَكَانَ ذَلِكَ (حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ) ، بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ جُعِلَ خَلِيفَةً (فَقَالَ) : وَفِي رِوَايَةِ الشَّمَنِيِّ فَقَامَ (خَطِيبًا، فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الْإِبِلَ غَلَتْ) : وَفِي رِوَايَةٍ: قَدْ غَلَتْ مِنَ الْغَلَاءِ، وَهُوَ ارْتِفَاعُ الثَّمَنِ أَيِ ازْدَادَتْ قِيمَتُهَا (قَالَ) : أَيْ جَدُّهُ (فَفَرَضَهَا) : أَيْ قَدَّرَ الدِّيَةَ (عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ أَهْلِ الْفِضَّةِ (اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) ، أَيْ مِنَ الدَّرَاهِمِ (وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ) : بِالْهَمْزَةِ فِي آخِرِهِ اسْمُ جِنْسٍ (أَلْفَيْ شَاةٍ) . بِالتَّاءِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْجِنْسِ (وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ (مِائَتَيْ حُلَّةٍ) . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهِيَ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الثِّيَابِ، وَقِيلَ: الْحُلَلُ بُرُودُ الْيَمَنِ وَلَا يُسَمَّى حُلَّةً حَتَّى يَكُونَ ثَوْبَيْنِ. (قَالَ) : أَيْ جَدُّهُ (وَتَرَكَ) : أَيْ عُمَرُ (دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ) : عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي عَهْدِهِ ﵊ (لَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ مِنَ الدِّيَةِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي لَمَّا كَانَتْ قِيمَةُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَقَرَّرَ دِيَةَ الذِّمِّيِّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ صَارَ دِيَةُ الذِّمِّيِّ كَثُلْثِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ مُطْلَقًا، وَلَعَلَّ مَنْ أَوْجَبَ الثُّلْثَ نَظَرَ إِلَى هَذَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . قَالَ الشَّمَنِيُّ: الدِّيَةُ مِنَ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَمِنَ الْفِضَّةِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَمِنَ الْإِبِلِ مِائَةٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مِنَ الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لِمَا أَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ قُتِلَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا» ، وَلَنَا وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: بَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ فَرَضَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ فِي الدِّيَةِ أَلْفَ دِينَارٍ وَمِنَ الْوَرِقِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنِ الْهَيْثَمِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُمَرَ قَالَ: فَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: فَرَضَ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: صَدَقُوا وَلَكِنَّهُ فَرَضَهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَزْنَ سِتَّةٍ، وَذَلِكَ عَشَرَةُ آلَافٍ، كَذَا فِي نُسْخَةٍ وَفِي أُخْرَى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: وَأَخْبَرَنِي الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُغِيرَةَ الضَّبِّيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَتِ الدِّيَةُ الْإِبِلَ فَجُعِلَتِ الْإِبِلُ كُلُّ بَعِيرٍ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَزْنَ سِتَّةٍ فَذَلِكَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَفِي التَّجْرِيدِ لِلْقُدُورِيِّ: لَا خِلَافَ أَنَّ الدِّيَةَ أَلْفُ دِينَارٍ، وَكُلُّ دِينَارٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَلِهَذَا جَعَلَ نِصَابَ الذَّهَبِ عِشْرِينَ دِينَارٍ، وَنِصَابَ الْوَرِقِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْأَصْلِ فِي الدِّيَةِ. فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: الْإِبِلُ فَقَطْ فَتَجِبُ قِيمَتُهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي

стр. 4870

بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» ) وَلِأَنَّهُ ﵊ فَرَّقَ بَيْنَ دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ وَدِيَةِ الْخَطَأِ، فَغَلَّظَ بَعْضَهَا وَخَفَّفَ بَعْضَهَا وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ وَلِأَنَّ الْإِبِلَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَمَا عَدَاهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَيُؤْخَذُ بِالْمُتَيَقَّنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْإِبِلُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْقَاتِلَ إِنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالْعَمُودِ فَمِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ وَإِنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الذَّهَبِ كَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْمَغْرِبِ فَأَلْفُ دِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الْوَرِقِ كَأَهْلِ خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَفَارِسَ فَاثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: الْإِبِلُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْبَقَرُ مِائَتَا بَقَرَةٍ وَالْغَنَمُ أَلْفَا شَاةٍ وَالْحُلَّةُ مِائَتَا حُلَّةٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ مَرَّ الْآنَ ثُمَّ فَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي اخْتِيَارِ الْقَاتِلِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ الْخِيَارُ مِنَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فَقَطْ وَعِنْدَهُمَا مِنَ السِّتَّةِ وَتَظْهَرُ فِي الصُّلْحِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ الصُّلْحُ عَنِ الدِّيَةِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ فِي رِوَايَةٍ وَلَا يَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِمَا كَمَا لَوْ صَالَحَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ.

стр. 4871

٣٤٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (أَنَّهُ جَعَلَ الدِّيَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. ــ ٣٤٩٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ جَعَلَ الدِّيَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا» ) : أَيْ: مِنَ الدَّارِهِمْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ.

стр. 4872

٣٥٠٠ - «وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَوِّمُ دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ عِدْلَهَا مِنَ الْوَرِقِ وَيُقَوِّمُهَا عَلَى أَثْمَانِ الْإِبِلِ فَإِذَا غَلَتْ رَفَعَ فِي قِيمَتِهَا وَإِذَا هَاجَتْ رُخْصًا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا وَبَلَغَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ أَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ وَعِدْلُهَا مِنَ الْوَرِقِ ثَمَانِيَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ قَالَ: وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ بَيْنَ عَصَبَتِهَا. وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا» ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٣٥٠٠ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَوِّمُ دِيَةَ الْخَطَأِ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ يَجْعَلُ قِيمَةَ دِيَةِ الْخَطَأِ (عَلَى أَهْلِ الْقُرَى) جَمْعُ قَرْيَةٍ (أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ عَدْلَهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَيُكْسَرُ قِيلَ: الْعَدْلُ بِالْفَتْحِ مِثْلُ الشَّيْءِ فِي الْقِيمَةِ وَبِالْكَسْرِ مِثْلُهُ فِي الْمَنْظَرِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: بِالْفَتْحِ مَا عَدَلَ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَبِالْكَسْرِ مِنْ جِنْسِهِ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِلْأَكْثَرِ بِالْفَتْحِ فَالْمَعْنَى أَوْ مِثْلُهَا فِي الْقِيمَةِ (مِنَ الْوَرِقِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيِ الْفِضَّةِ (وَيُقَوِّمُهَا) أَيْ وَكَانَ يُقَوِّمُ دِيَةَ الْخَطَأِ (عَلَى أَثْمَانِ الْإِبِلِ) جَمْعُ ثَمَنٍ بِفَتْحَتَيْنِ (فَإِذَا غَلَتْ) أَيِ الْإِبِلُ يَعْنِي زَادَ ثَمَنُهَا (رَفَعَ فِي قِيمَتِهَا) أَيْ زَادَ فِي قِيمَةِ الدِّيَةِ (وَإِذَا هَاجَتْ) مِنْ هَاجَ إِذَا ثَارَ أَيْ ظَهَرَتْ (رُخْصًا) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ضِدُّ الْغَلَاءِ وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فَإِنَّ الرُّخْصَ رُخْصُهَا (نَقَصَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (مِنْ قِيمَتِهَا) أَيِ قِيمَةِ الدِّيَةِ (وَبَلَغَتْ) أَيِ قِيمَةُ الدِّيَةِ لِلْخَطَأِ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ فِي زَمَانِهِ (مَا بَيْنَ أَرْبَعِمِائَةٍ إِلَى ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ وَعَدْلُهَا) بِالْوَجْهَيْنِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَيْ وَمِثْلُهَا الْكَائِنُ (مِنَ الْوَرِقِ ثَمَانِيَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ) خَبَرُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدِّيَةِ هُوَ الْإِبِلُ فَإِنْ أَعْوَزَتْ وَجَبَتْ قِيمَتُهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَأَوَّلُ مَا رُوِيَ مِنْ تَقْدِيرِ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ بِأَنَّهُ تَقْوِيمٌ وَتَعْدِيلٌ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ لَا مُطْلَقًا (قَالَ) أَيْ جَدُّهُ (وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ) فِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَذْهَبِ الصَّاحِبَيْنِ (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْعَقْلُ) أَيِ الدِّيَةُ (مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ) أَيِ الدِّيَةَ الَّتِي تَجِبُ بِجِنَايَةِ الْمَرْأَةِ (بَيْنَ عَصَبَتِهَا) أَيْ يَتَحَمَّلُهَا عَنْهَا عَصَبَتُهَا كَمَا فِي الرَّجُلِ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا: يَعْنِي أَنَّ الْعَصَبَةَ يَتَحَمَّلُونَ عَقْلَ الْمَرْأَةِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ جِنَايَتِهَا تَحَمُّلَهُمْ عَنِ الرَّجُلِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالْعَبْدِ فِي جِنَايَتِهِ إِذِ الْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ عَنْهُ بَلْ تَتَعَلَّقُ الْجِنَايَةُ بِرَقَبَتِهِ، وَقَالَ الْأَشْرَفُ: يُمْكِنُ.

стр. 4873

أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمَقْتُولَةَ دِيَتُهَا تَرِكَةٌ بَيْنَ وَرَثَتِهَا كَسَائِرِ مَا تَرَكَتْهُ لَهُمْ وَهَذَا يُنَاسِبُ مَا فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ (وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ) أَيِ الْمَقْتُولَ (شَيْئًا) أَيْ لَا مِنَ الدِّيَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا بَيَّنَ أَنْ دِيَةَ الْمَرْأَةِ الْمَقْتُولَةِ بَيْنَ وَرَثَتِهَا دَخَلَ الْقَاتِلُ فِي عُمُومِهِمْ فَخَصَّهُمْ بِغَيْرِ الْقَاتِلِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى الْحَدِيثُ السَّابِقُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : «إِنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ» ، فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ مِنَ الْمَرْأَةِ هِيَ الْمَقْتُولَةُ وَعَلَى قَوْلِ الشَّارِحِ الْأَوَّلِ الْمُرَادُ بِهَا الْقَاتِلَةُ قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا جَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ» وَقَوْلِهِ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ بَيْنَ عَصَبَتِهَا وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا» حَدِيثَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ بِرَأْسِهِمَا فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا مُبَيَّنًا بِالْآخَرِ وَأَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ حَدِيثٍ وَاحِدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ كَمَا فِي مَتْنِ الْمِشْكَاةِ فَلَا لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْرَارُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: إِنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ لَا بِالثَّانِي وَلِأَنَّ مِيرَاثَ الْقَتِيلِ لَا يَخْتَصُّ بِالْعَصَبَةِ بَلِ الْعَصَبَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْعَقْلِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ. وَقِيلَ يُرَجِّحُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ لَفْظُ الْعَصَبَةِ وَالثَّانِيَ لَفْظُ بَيْنَ فَإِنَّهُ ذُكِرَ قَبْلُ فِيمَا كَانَ الْعَقْلُ مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ بِلَفْظِ عَلَى وَالْأَوْلَى أَنْ يَنْزِلَ عَلَى الْعُمُومِ لِيَتَنَاوَلَ الْمَعْنَيَيْنِ أَيْ أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ قَاتِلَةٌ بَيْنَ عَصَبَتِهَا وَمَقْتُولَةٌ بَيْنَ وَرَثَتِهَا وَمَا كَانَ مِيرَاثًا فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ فَقَطْ وَمَا كَانَ غَيْرُهُ فَهُوَ عَلَى الْعَصَبَةِ فَقَطْ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.

стр. 4874

٣٥٠١ - وَعَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٥٠١ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ( «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ، مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ» ) ، مَضَى بَحْثُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي (وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ) . أَيْ صَاحِبُ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَهُوَ الْقَاتِلُ سَمَّاهُ صَاحِبَهُ لِصُدُورِ الْقَتْلِ عَنْهُ، إِنَّمَا قَالَ ﷺ هَذَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ جَوَازِ الِاقْتِصَاصِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ حَيْثُ جَعَلَهُ كَالْعَمْدِ الْمَحْضِ فِي الْعَقْلِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4875

٣٥٠٢ - وَعَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا بِثُلْثِ الدِّيَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٣٥٠٢ - (وَعَنْهُ: أَيْ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ السَّادَّةِ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (لِمَكَانِهَا) : أَيِ الْبَاقِيَةِ فِي مَكَانِهَا صَحِيحَةً، لَكِنْ ذَهَبَ نَظَرُهَا وَإِبْصَارُهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَرَادَ بِهَا الْعَيْنَ الَّتِي لَمْ تَخْرُجْ مِنَ الْحَدَقَةِ وَلَمْ يَخْلُ مَوْضِعُهَا فَبَقِيَتْ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ عَلَى مَا كَانَتْ لَمْ تُشَوَّهْ خِلْقَتُهَا وَلَمْ يَذْهَبْ بِهَا جَمَالُ الْوَجْهِ. (بِثُلْثِ الدِّيَةِ) : قَالَ: وَالْحَدِيثُ لَوْ صَحَّ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَ فِيهَا ثُلْثَ الدِّيَةِ عَلَى مَعْنَى الْحُكُومَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَمِلَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ إِسْحَاقُ، وَأَوْجَبَ الثُّلْثَ فِي الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ، وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ أَوْجَبُوا حُكُومَةَ الْعَدْلِ ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَمْ تَفُتْ بِكَمَالِهَا، فَصَارَتْ كَالسِّنِّ إِذَا اسْوَدَّتْ بِالضَّرْبِ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى مَعْنَى الْحُكُومَةِ، إِذِ الْحُكُومَةُ بَلَغَتْ ثُلْثَ الدِّيَةِ، وَفِي مُخْتَصَرِ الطِّيبِيِّ: وَكَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْحُكُومَةِ وَإِلَّا فَاللَّازِمُ فِي ذَهَابِ ضَوْئِهَا الدِّيَةُ، وَفِي ذَهَابِ ضَوْءِ إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَعْنَى الْحُكُومَةِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ هَذَا الْمَجْرُوحُ عَبْدًا كَمْ كَانَ يُنْتَقَصُ بِهَذِهِ الْجِرَاحَةِ مِنْ قِيمَتِهِ، فَيَجِبُ مِنْ دِيَّتِهِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَحُكُومَةُ كُلِّ عُضْوٍ لَا تَبْلُغُ فِيهِ الْمَقْدِرَةُ حَتَّى لَوْ جُرِحَ رَأْسُهُ جِرَاحَةً دُونَ الْمُوضِحَةِ لَا تَبْلُغُ حُكُومَتُهَا أَرْشَ الْمُوضِحَةِ وَإِنْ قَبُحَ شَيْنُهَا. قَالَ الشَّمَنِيُّ: حُكُومَةُ الْعَدْلِ هِيَ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْدًا بِلَا هَذَا الْأَثَرِ ثُمَّ يُقَوَّمُ عَبْدًا مَعَ هَذَا الْأَثَرِ، فَقَدْرُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مِنَ الدِّيَةِ هُوَ أَيْ ذَلِكَ الْقَدْرُ هِيَ أَيْ حُكُومَةُ الْعَدْلِ بِهِ يُفْتِي كَذَا. قَالَ قَاضِي خَانَ: وَهَذَا تَفْسِيرُ الْحُكُومَةِ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَبِهِ أَخَذَ الْحُلْوَانِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَكُلِّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ الْعِلْمُ، كَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا: إِنْ نَظَرَ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ الشَّجَّةِ مِنَ الْمُوضِحَةِ، فَيَجِبُّ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ ; لِأَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ يُرَدُّ إِلَى مَا فِيهِ نَصٌّ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَفِي الْمُحِيطِ قَالُوا: مَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 4876

٣٥٠٣ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ فَرَسٍ، أَوْ بَغْلٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَخَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وَلَمْ يَذْكُرْ: أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ. ــ ٣٥٠٣ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو) : أَيِ ابْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَوَى عَنْ جَابِرٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، رَوَى عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ الْقُرَشِيِّ، أَحَدِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الْمَشْهُورِينَ بِالْفِقْهِ بِالْمَدِينَةِ عَلَى قَوْلٍ، وَمِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَأَعْلَامِهِمْ، وَهُوَ كَثِيرُ الْحَدِيثِ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَابْنَ عُمَرَ، وَغَيْرَهُمْ، رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُمْ. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ) : بِالتَّنْوِينِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ إِلَى قَوْلِهِ: (عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: الْغُرَّةُ عِنْدَ الْعَرَبِ أَنْفَسُ شَيْءٍ وَأُطْلِقَتْ هُنَا عَلَى الْإِنْسَانِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ، فَرِوَايَةٌ بَاطِلَةٌ، وَقَدْ أَحْدَثَهَا بَعْضُ السَّلَفِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ذَكَرَ الْفَرَسَ وَالْبَغْلَ، وَهُمْ مِنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَخَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وَلَمْ يَذْكُرْ) : أَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو فِي رِوَايَتِهِمَا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ حَمَّادٍ وَخَالِدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ وَلَمْ يَذْكُرَا بِالتَّثْنِيَةِ (أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ) : يَعْنِي هَذِهِ الزِّيَادَةَ فَتَصِيرُ شَاذَّةً فَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ.

стр. 4877

٣٥٠٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٣٥٠٤ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ تَطَبَّبَ) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى أَيْ تَعَاطَى عِلْمَ الطِّبِّ وَعَالَجَ مَرِيضًا (وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ) : أَيْ مُعَالَجَةٌ صَحِيحَةٌ غَالِبَةٌ عَلَى الْخَطَأِ فَأَخْطَأَ فِي طِبِّهِ وَأَتْلَفَ شَيْئًا مِنَ الْمَرِيضِ (فَهُوَ ضَامِنٌ) : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشَّرْحِ: لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ فِعْلِهِ الْهَلَاكُ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ، إِذْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ فَتَكُونُ جِنَايَتُهُ مَضْمُونَةً عَلَى عَاقِلَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ قَوْلُهُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ أَيْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِهِ فَمَاتَ الْمَرِيضُ مِنْ فِعْلِهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ أَيْ تَضْمَنُ عَاقِلَتُهُ الدِّيَةَ اتِّفَاقًا وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَبِدُّ بِذَلِكَ دُونَ إِذْنِ الْمَرِيضِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْخَطَأِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُعَالِجَ إِذَا تَعَدَّى فَتَلِفَ الْمَرِيضُ كَانَ ضَامِنًا. وَجِنَايَةُ الطَّبِيبِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْعَاقِلَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.

стр. 4878

٣٥٠٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄: «أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَى أَهْلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّا أُنَاسٌ فُقَرَاءُ، فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٣٥٠٥ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ غُلَامًا) : أَيْ وَلَدًا (لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ) : أَيْ وَلَدٍ (لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ فَأَتَى أَهْلُهُ) : أَيْ أَهْلُ الْقَاطِعِ (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا) : أَيِ اعْتِذَارًا لِلْعَفْوِ (إِنَّا أُنَاسٌ فُقَرَاءُ فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ عَلَيْهِ (شَيْئًا) : لِأَنَّ عَاقِلَتَهُ كَانُوا فُقَرَاءَ وَجِنَايَةُ الصَّبِيِّ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهَا خَطَأٌ إِذْ لَمْ تَصْدُرْ عَنِ اخْتِيَارٍ صَحِيحٍ، وَلِهَذَا لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْقَتْلِ، وَالْفُقَرَاءُ لَا يَتَحَمَّلُونَ الدِّيَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَانِيَ كَانَ صَبِيًّا حُرًّا إِذْ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَتَعَلَّقَتِ الْجِنَايَةُ بِرَقَبَتِهِ، وَفَقْرُ مَوْلَاهُ لَا يَدْفَعُ ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْجَانِي مُدَبَّرًا وَحِينَئِذٍ تُعَلَّقُ الْجِنَايَةُ بِمَوْلَاهُ وَهُوَ كَانَ فَقِيرًا، فَالْتَمَسْنَ ﷺ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ بِأَنْ يُرْضِيَ خَصْمَهُ وَقَدْ فَعَلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 4879

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا الْغُلَامُ كَانَ حُرًّا وَكَانَتْ جِنَايَتُهُ خَطَأً، وَكَانَتْ عَاقِلَتُهُ فُقَرَاءَ فَلَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ إِنَّمَا تُوَاسِي عَنْ وَجْدٍ وَسَعَةٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْفَقِيرِ مِنْهُمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْدًا إِذْ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَمْ يَكُنْ لِاعْتِذَارِ أَهْلِهِ بِالْفَقْرِ مَعْنًى ; لَأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ عَبْدًا كَمَا لَا يَحْمِلُ عَبْدٌ، فَإِنَّ الْغُلَامَ الْمَمْلُوكَ إِنْ جَنَى عَلَى عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ فَجِنَايَتُهُ فِي رَقَبَتِهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ خَطَأٌ وَعَلَى الْعَاقِلَةِ فِي عَمْدِهِمُ الدِّيَةُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ. وَلَنَا: مَا أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ. لَكِنْ قَالَ فِي الْمَعْرِفَةِ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.

стр. 4880

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٣٥٠٦ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ أَثْلَاثًا ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ ثَنِيَّةً إِلَى بَازِلِ عَامِهَا كُلُّهَا خَلِفَاتٌ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: فِي الْخَطَأِ أَرْبَاعًا: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٣٥٠٦ - (عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ: مُبْتَدَأٌ (أَثْلَاثًا) حَالُ الْمُبْتَدَأِ أَوْ نُصِبَ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، خَبَرُهُ (ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً) : وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَعَ التَّمْيِيزُ وَهُوَ قَوْلُهُ أَثْلَاثًا بَيْنَهُمَا، كَمَا يُقَالُ: التَّصْرِيفُ لُغَةً التَّغْيِيرُ مَثَلًا. (وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً) : بِفَتْحَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحِقَّةَ بِكَسْرِ الْحَاءِ مِنَ الْإِبِلِ مَا دَخَلَتْ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتِ الرُّكُوبَ وَالْحَمْلَ، وَالْجَذَعَةَ مِنَ الْإِبِلِ مَا دَخَلَتْ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ، (وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ ثَنِيَّةً) : تَشْدِيدُ التَّحْتِيَّةِ وَهِيَ مَا دَخَلَتْ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ (إِلَى بَازِلِ عَامِهَا) بِإِضَافَةِ الْبَازِلِ إِلَى عَامِهَا، إِلَى مُتَعَلِّقَةٍ بِثَنِيَّةٍ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ الْحَدِيثُ الْآتِي، وَالْمَعْنَى مَا بَيْنَهُمَا فِي الْقَامُوسِ: جَمَلٌ وَنَاقَةٌ، بَازِلٌ وَبَزُولٌ، وَذَلِكَ فِي تَاسِعِ سَنِيَّةٍ، وَلَيْسَ بَعْدَهُ سِنٌّ يُسَمَّى، وَفِي الْمِصْبَاحِ: بَزَلَ الْبَعِيرَ كَنَصَرَ فُطِرْنَا بِهِ بِدُخُولِهِ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ، فَهُوَ بَازِلٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْبَازِلُ مَا تَمَّ لَهُ ثَمَانِ سِنِينَ، وَدَخَلَ فِي التَّاسِعَةِ، وَحِينَئِذٍ يَطْلُعُ نَابُهُ وَتَكْمُلُ قُوَّتُهُ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَازِلُ عَامٍ وَبَازِلُ عَامَيْنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: إِلَّا بَازِلُ عَامَيْنِ حَدِيثُ سِنٍّ أَيْ: مُسْتَجْمِعُ الشَّبَابِ مُسْتَكْمِلُ الْقُوَّةِ. (كُلُّهَا) : أَيْ جَمِيعُ الْأَرْبَعِ وَالثَّلَاثُونَ (خَلِفَاتٌ) : بِفَتْحِ مُعْجَمَةِ وَكَسْرِ لَامٍ أَيْ حَامِلَاتٍ (وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ) : أَيْ عَلِيٌّ (فِي الْخَطَأِ) : أَيْ فِي شَأْنِ الْخَطَأِ كَذَا قِيلَ فَقَوْلُهُ فِي الْخَطَأِ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي وَقَوْلُهُ (أَرْبَاعًا) تَمْيِيزٌ، وَقَوْلُهُ: (خَمْسٌ وَعِشْرُونَ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ أَوْ مَحْذُوفٌ أَيْ دِيَةُ الْخَطَأِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُجْعَلَ فِي الْخَطَأِ مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ، وَيَكُونُ خَبَرًا مُقَدَّمًا مُبْتَدَؤُهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ. (حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ) : وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ وَالِاخْتِلَافُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4881

٣٥٠٧ - وَعَنْ مُجَاهِدٍ ﵁ قَالَ: قَضَى عُمَرُ ﵁ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ ثَلَاثِينَ حِقَّةً، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً، مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِلِ عَامِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٣٥٠٧ - (وَعَنْ مُجَاهِدٍ) : أَيِ ابْنِ جَبْرٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ، مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ تَابِعِي مَكَّةَ وَفُقَهَائِهَا وَقُرَّائِهَا الْمَشْهُورِينَ، وَأَحَدُ الْأَعْلَامِ الْمَعْرُوفِينَ كَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَةِ وَالتَّفْسِيرِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَاتٌ، مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ (قَالَ: قَضَى عُمَرُ ﵁ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ ثَلَاثِينَ حِقَّةً وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِلِ عَامِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 4882

٣٥٠٨ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ. فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ: كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَبَّ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ» ) رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ مُرْسَلًا. ــ ٣٥٠٨ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) : مِنْ أَفَاضِلِ التَّابِعِينَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) : أَيْ وَالِدَتِهِ (بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ) : أَيْ جَارِيَةٍ (فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَقِيلَ: بِالْمَعْرُوفِ وَالْفَاعِلُ مَعْلُومٌ (كَيْفَ أَغْرَمُ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ أَضْمَنُ (مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ) : يُوقَفُ عَلَيْهِ بِالسُّكُونِ مُرَاعَاةً لِلسَّجْعِ الْآتِي (وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ بِمَا هُوَ أَغْرَبُ، أَوْ مَعْنَاهُ مَا صَاحَ وَمَا رَفَعَ صَوْتَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَاعَى فِي تَأْخِيرِ الِاسْتِهْلَالِ عَنِ النُّطْقِ مَعَ الِاتِّفَاقِ فِي السَّجْعِ التَّرَقِّيَ ; لِأَنَّ نَفْيَ الِاسْتِهْلَالِ أَبْلَغُ مَنْ نَفْيِ النُّطْقِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الِاسْتِهْلَالِ نَفْيُ النُّطْقِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِلْقَرِينَةِ السَّابِقَةِ. قُلْتُ: كَانَ عَلَيْهِ فِي الْقَرِينَةِ السَّابِقَةِ أَنْ يُقَدِّمَ الْأَكْلَ عَلَى الشُّرْبِ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَادُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَكِنَّهُ عَكَسَهُ لِمُلَائَمَةِ حَالِ الْجَنِينِ عَلَى فَرْضِ خُرُوجِهِ حَيًّا (وَمِثْلُ ذَلِكَ) : أَيِ الْقَتْلِ (يُطَلُّ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ لَامِهِ مِنْ طَالَ دَمُهُ وَأَطَلَّ: أَيْ هُدِرَ أَوْ يُهْدَرُ، وَفِي نُسْخَةٍ بَطَلَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَهَذَا مِنْهُ كَلَامٌ بَاطِلٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، إِذْ لَا يُعْرَفُ إِهْدَارُ دَمِ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ مَا لَمْ يَنْطِقْ وَمَا لَمْ يَأْكُلْ عَلَى مَا هُوَ مَفْهُومُ كَلَامِهِ، وَإِنَّمَا زَوَّقَ كَلَامَهُ بِالسَّجْعِ الْمُوَافِقِ لِلطَّبْعِ الْمُخَالِفِ لِلشَّرْعِ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا هَذَا) : أَيِ الْقَائِلُ أَوْ قَائِلُ هَذَا (مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ) : بِضَمِّ كَافٍ وَتَشْدِيدِ هَاءٍ جَمْعُ كَاهِنٍ، وَكَانُوا يُرَوِّجُونَ مُزَخْرَفَاتِهِمْ بِالْأَسْجَاعِ، وَيُزَوِّقُونَ أَكَاذِيبَهُمْ بِهَا فِي الْأَسْمَاعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ وَلَمْ يَعِبْهُ بِمُجَرَّدِ السَّجْعِ دُونَ مَا تَضَمَّنَ سَجْعُهُ مِنَ الْبَاطِلِ. أَمَّا إِذْ وُضِعَ السَّجْعُ فِي مَوَاضِعِهِ مِنَ الْكَلَامِ فَلَا ذَمَّ فِيهِ، وَكَيْفَ يُذَمُّ وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا قُلْتُ: وَمِنْهُ مَا وَرَدَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مَنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ مُرْسَلًا: أَيْ بِحَذْفِ الصَّحَابِيِّ.

стр. 4883

٣٥٠٩ - وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَّصِلًا. ــ ٣٥٠٩ - (وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ) : أَيْ عَنْ سَعِيدٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَّصِلًا) : قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَمَنْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ تَجِبُ غُرَّةُ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ إِنْ أَلْقَتْ مَيِّتًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبُ فِي الْجَنِينِ السَّاقِطِ مَيِّتًا شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَيَقَّنْ بِحَيَاتِهِ، فَإِنْ قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ حَيٌّ. أُجِيبَ: بِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ» ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا الْغُرَّةَ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ لِمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَوَّمَ الْغُرَّةَ بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَكُلُّ دِينَارٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً حَذَفَتِ امْرَأَةً، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَلَدِهَا بِخَمْسِمِائَةٍ يَعْنِي دِرْهَمًا» . وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هِيَ خَمْسُونَ دِينَارًا. وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي كِتَابِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الْغُرَّةُ خَمْسُونَ دِينَارًا، وَهِيَ عِنْدَنَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى عَاقِلَةِ الضَّارِبِ، وَقَالَ مَالِكٌ: فِي مَالِهِ لِأَنَّهَا بَدَلُ الْجُزْءِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، إِذَا كَانَ ضَرَبَ الْأُمَّ عَمْدًا، وَمَاتَ الْجَنِينُ وَحْدَهُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ فَقَالَ: إِنَّهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ. وَلَنَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ «عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ هُزَيْلٍ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِعَمُودٍ فَقَتَلَتْهَا فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: كَيْفَ نَدِي مَنْ لَا صَاحَ وَلَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ وَلَا اسْتَهَلَّ؟ فَقَالَ: (أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ، فَقَضَى فِيهِ غُرَّةً، وَجَعَلَهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَرْأَةِ» . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَتَجِبُ فِي سَنَةٍ عِنْدَنَا، وَفِي ثَلَاثِ سِنِينَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِ الْخَمْسِمِائَةِ فِي الْجَنِينِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَتَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ إِنْ أَلْقَتْ

стр. 4884

الْمَرْأَةُ حَيًّا فَمَاتَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ حَيَاتَهُ تَثْبُتُ بِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ مِنَ الِاسْتِهْلَالِ وَالرَّضَاعِ وَالنَّفَسِ وَالْعُطَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ: أَلَّا يَثْبُتَ إِلَّا بِالِاسْتِهْلَالِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ، وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَإِسْحَاقَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ عُمَرَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ إِرْثَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَإِرْثَ غَيْرِهِ مِنْهُ مُرَتَّبًا عَلَى الِاسْتِهْلَالِ وَلَنَا أَنَّ كُلَّ مَا عُلِمَتْ بِهِ حَيَاتُهُ مِنْ شُرْبِ اللَّبَنِ وَالْعُطَاسِ وَالتَّنَفُّسِ يَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ كَالِاسْتِهْلَالِ، أَمَّا لَوْ تَحَرَّكَ عُضْوٌ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى حَيَاتِهِ ; لَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِنِ اخْتِلَاجٍ، أَوْ خُرُوجٍ مِنْ مَضِيقٍ، وَيَجِبُ غُرَّةٌ وَدِيَةٌ إِنْ أَلْقَتِ الْمَرْأَةُ مَيِّتًا فَمَاتَتِ الْأُمُّ ; لِأَنَّ الْعَقْلَ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أَثَرِهِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا رَمَى شَخْصًا فَنَفَذَ السَّهْمُ مِنْهُ إِلَى آخَرَ وَمَاتَا حَيْثُ يَجِبُ دِيَتَانِ إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ خَطَأً وَقِصَاصًا، وَدِيَةٌ إِنْ كَانَ عَمْدًا وَتَجِبُ دِيَةُ الْأُمِّ فَقَطْ، وَلَا يَجِبُ فِي الْجَنِينِ شَيْءٌ إِنْ مَاتَتِ الْأُمُّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَجِبُ الْغُرَّةُ فِي الْجَنِينِ يَجِبُ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ مَعَ دِيَةِ الْأُمِّ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَنْفَصِلَ مِنْهَا وَهِيَ حَيَّةٌ أَوْ مَيِّتَةٌ، وَتَجِبُ دِيَتَانِ إِنْ مَاتَتِ الْأُمُّ فَأَلْقَتْ جَنِينًا حَيًّا وَمَاتَ ; لِأَنَّ الضَّارِبَ قَتَلَهُمَا بِضَرْبِهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَلْقَتْهُ حَيًّا وَمَاتَ، وَمَا يَجِبُ فِي الْجَنِينِ لِوَرَثَتِهِ سِوَى ضَارِبِهِ، وَيَجِبُ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا مِنْ زَوْجِهَا نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ فِي الذَّكَرِ قِيمَتُهُ فِي الْأُنْثَى بِأَنْ يُقَوَّمَ الْجَنِينُ بَعْدَ انْفِصَالِهِ مَيِّتًا عَلَى لَوْنِهِ وَهَيْئَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا فَيُنْظَرُ كَمْ قِيمَتُهُ بِهَذَا الْمَكَانِ، فَإِذَا ظَهَرَتْ فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا يَجِبُ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى يَجِبُ عُشْرُ قِيمَتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي جَنِينِ الْأَمَةِ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَإِسْحَاقَ ; لِأَنَّهُ جَنِينٌ مَاتَ بِالْجِنَايَةِ فِي بَطْنِ الْأُمِّ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ ضَمَانُهُ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ كَجَنِينِ الْحُرَّةِ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ: لَا يَجِبُ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يَجِبُ نُقْصَانُ الْأُمِّ إِنْ تَمَكَّنَ فِيهَا نُقْصَانٌ، وَمَا اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ كَالْجَنِينِ التَّامِّ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَضُمِّنَ الْغُرَّةَ فِي سَنَةٍ عَاقِلَةُ امْرَأَةٍ حَامِلٍ أَسْقَطَتْ مَيِّتًا عَمْدًا بِدَوَاءٍ شَرِبَتْهُ، أَوْ فِعْلٍ فَعَلَتْهُ، بِأَنْ حَمَلَتْ حَمْلًا ثَقِيلًا، أَوْ وَضَعَتْ شَيْئًا فِي قُبُلِهَا بِلَا إِذْنِ زَوْجِهَا.

стр. 4885

[بَابُ مَا لَا يُضَمَّنُ مِنَ الْجِنَايَاتِ] الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٣٥١٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «وَالْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ بَابُ مَا لَا يُضَمَّنُ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مِنَ الْجِنَايَاتِ) : بَيَانٌ لِمَا، وَالْجِنَايَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ مَا يَجْنِيهِ مِنْ شَرٍّ أَيْ: يُحْدِثُهُ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ مِنْ جَنَى عَلَيْهِ شَرًّا وَهُوَ عَامٌّ، إِلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِمَا يَحْرُمُ مِنَ الْفِعْلِ، وَأَصْلُهُ مِنْ جَنَى الثَّمَرَ وَهُوَ أَخْذُهُ مِنَ الشَّجَرِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ٣٥١٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الْعَجْمَاءُ) : أَيِ: الْبَهِيمَةُ وَالدَّابَّةُ وَسُمِّيَتْ بِهَا لِعُجْمَتِهَا، وَكُلُّ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَلَامِ فَهُوَ أَعْجَمِيٌّ (جَرْحُهَا) : بِفَتْحِ الْجِيمِ عَلَى الْمَصْدَرِ لَا غَيْرُ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَهُوَ الِاسْمُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْقَامُوسِ، وَقِيلَ: مَا لُغَتَانِ وَفِي الْحَدِيثِ نُسْخَتَانِ (جُبَارٌ) : بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ: هَدَرٌ قَالَ الْمُظْهِرُ: وَإِنَّمَا يَكُونُ جَرْحُهَا هَدَرًا إِذَا كَانَتْ مُتَفَلِّتَةً عَاثِرَةً عَلَى وَجْهِهَا لَيْسَ لَهَا قَائِدٌ وَلَا سَائِقٌ، وَقَدْ سَبَقَ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَتَفَاصِيلِهِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: إِنَّمَا عَبَّرَ بِالْجَرْحِ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ، أَوْ هُوَ مِثَالٌ نُبِّهَ بِهِ عَلَى مَا عَدَاهُ، نَقَلَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ. (وَالْمَعْدِنُ) : بِكَسْرِ الدَّالِ (جُبَارٌ وَالْبِئْرُ) : بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ (جُبَارٌ) : فَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي أَرْضِهِ أَوْ فِي أَرْضِ الْمُبَاحِ وَسَقَطَ فِيهِ رَجُلٌ لَا قَوَدَ وَلَا عَقْلَ عَلَى الْحَافِرِ، وَالْمَعْدِنُ كَذَلِكَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِي الشَّمَنِيِّ، فِي الدَّابَّةِ الْمُتَفَلِّتَةِ إِذَا أَصَابَتْ مَالًا أَوْ آدَمِيًّا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لَا تُضَمَّنُ، لِمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ( «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ) (وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، فِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ» ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ فِي الدِّيَاتِ. وَمُسْلِمٌ فِي الْحُدُودِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْأَحْكَامِ وَالنَّسَائِيُّ فِي الزَّكَاةِ. قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: الْعَجْمَاءُ هِيَ الْمُتَفَلِّتَةُ. وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: الْجُبَارُ الْهَدَرُ الَّذِي لَا يُغَرَّمُ،

стр. 4886

وَفِي الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ: جُبَارٌ أَيْ: لَا دِيَةَ فِيهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْحِجَازِ: يُضَمَّنُ صَاحِبُ الْمُتَفَلِّتَةِ مَا أَفْسَدَتْ لَيْلًا لَا نَهَارًا، لِمَا رَوَى مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ، فَأَفْسَدَتْ فَقَضَى ﵊ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَمَا أَفْسَدَتِ الْمَاشِيَةُ بِاللَّيْلِ فَهُوَ مَضْمُونٌ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ مَا رَوَيَاهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَشْهُورٌ وَمَا رَوَاهُ مُرْسَلٌ، وَهُوَ لَيْسَ حُجَّةً عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ ﵊ أَوْجَبَ الضَّمَانَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ، إِذْ كَانَ أَرْسَلَهَا صَاحِبُهَا وَيَكُونُ فَائِدَةُ الْخَبَرِ إِيجَابَ الضَّمَانِ بِسَوْقِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِإِفْسَادِهِ، فَبَيَّنَ تَسَاوِيَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ فِيهِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْعُودِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ:) أَقْبَلَ رَجُلٌ بِجَارِيَةٍ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ، فَمَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَاقِفٍ عَلَى دَابَّةٍ، فَنَخَسَ رِجْلَ الدَّابَّةِ فَرَفَعَتْ رِجْلَهَا فَلَمْ تُخْطِئْ عَيْنَ الْجَارِيَةِ، فَرُفِعَ إِلَى سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيِّ فَضَمَّنَ الرَّاكِبَ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: عَلَى الرَّجُلِ إِنَّمَا يُضَمَّنُ النَّاخِسُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَحْوَهُ عَنْ شُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ.

стр. 4887

٣٥١١ - «وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَيْشَ الْعُسْرَةِ وَكَانَ لِي أَجِيرٌ فَقَاتَلَ إِنْسَانًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الْآخَرِ، فَانْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِي الْعَاضِّ، فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ فَسَقَطَتْ فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، وَقَالَ: (أَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضِمُهَا كَالْفَحْلِ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٥١١ - (وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) : أَيِ: التَّمِيمِيِّ الْحَنْظَلِيِّ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَشَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَتَبُوكَ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ صَفْوَانُ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ قُتِلَ بِصِفِّينَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (قَالَ: غَزَوْتُ) : أَيِ: الْكُفَّارَ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَيْشَ الْعُسْرَةِ) : أَيْ: فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَسُمِّيَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ كَثْرَةِ الْحَرِّ وَقِلَّةِ الزَّادِ وَالظَّهْرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: غَزَوْتَ الْعَدُوَّ قَصَدْتَهُ لِلْقِتَالِ غَزْوًا وَقَوْلُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ، وَجَيْشُ الْعُسْرَةِ حَالٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمَعْنَى قَصَدْتُ مُصَاحِبًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَالَ كَوْنِهِ مُجَهِّزًا جَيْشَ الْعُسْرَةِ، وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ: أَنَّهُ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ وَهُوَ جَيْشُ غَزْوَةِ تَبُوكَ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ نَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْغَزْوِ فِي شِدَّةِ الْقَيْظِ، وَكَانَتْ وَقْتَ إِينَاعِ الثَّمَرَةِ وَطِيبِ الظِّلَالِ، فَعَسُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَشَقَّ وَالْعُسْرُ ضِدُّ الْيُسْرِ وَهُوَ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ وَالصُّعُوبَةُ. (وَكَانَ لِي أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَانًا) : أَيْ: خَاصَمَهُ (فَعَضَّ أَحَدُهُمْ يَدَ الْآخَرِ، فَانْتَزَعَ) : وَفِي نُسْخَةٍ. فَنَزَعَ أَيْ: جَذَبَ (الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِي الْعَاضِّ) أَيْ: مِنْ فَمِهِ (قَالَ أَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ) : أَيْ: أَسْقَطَهُ الْمَعْضُوضُ (فَسَقَطَتْ) : أَيْ: ثَنِيَّةُ الْعَاضِّ (فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَيْ فَذَهَبَ الْعَاضُّ إِلَيْهِ رَافِعًا لِقَضِيَّتِهِ، طَالِبًا قِصَاصَ ثَنِيَّتِهِ (فَأَهْدَرَ) : أَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ ثَنِيَّتَهُ) : أَيْ: مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَالْمَعْنَى لَمْ يُلْزِمْهُ شَيْئًا (قَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ : (أَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ) : أَيْ: أَيَتْرُكُهَا فِي فَمِكَ (تَقْضَمُهَا) : فَتْحُ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَيُكْسَرُ مِنْ قَضِمَ كَفَرِحَ أَكَلَ بِأَطْرَافِ أَسْنَانِهِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمُغْرِبِ وَالْمِصْبَاحِ إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْمِصْبَاحِ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ لُغَةٌ (كَالْفَحْلِ) أَيْ: كَقَضْمِ الْفَحْلِ مِنَ الْإِبِلِ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ شَفَقَةٍ وَرَوِيَّةٍ. قَالَ الْقَاضِي قَوْلُهُ: أَيَدَعُ يَدَهُ. . . إِلَخْ إِشَارَةٌ إِلَى عِلَّةِ الْإِهْدَارِ، وَهُوَ أَنَّ مَا يُدْفَعُ بِهِ الصَّائِلُ الْمُخْتَارُ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا أَيْ دَفْعُهُ مُهْدَرٌ ; لِأَنَّ الدَّافِعَ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ أَلْجَأَهُ الصَّائِلُ إِلَى دَفْعِهِ بِهِ وَهُوَ نَتِيجَةُ فِعْلِهِ وَمُسَبَّبٌ عَنْ جِنَايَتِهِ، وَكَأَنَّهُ الَّذِي فَعَلَهُ وَجَنَى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَصَدَ رَجُلٌ الْفُجُورَ بِامْرَأَةٍ فَدَفَعَتْهُ عَنْ نَفْسِهَا فَقَتَلَتْهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا، رُفِعَ لِعُمَرَ ﵁ جَارِيَةٌ كَانَتْ تَحْتَطِبُ فَأَتْبَعَهَا رَجُلٌ فَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَرَمَتْهُ بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهُ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: هَذَا قَتِيلُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَا يُودَى أَبَدًا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَا مَنْ قَصَدَ مَالَهُ وَدَمَهُ وَأَهْلَهُ فَلَهُ دَفْعُ الْقَاصِدِ وَمُقَاتَلَتُهُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْفَعَ بِالْأَحْسَنِ فَالْأَحْسَنِ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ إِلَّا بِالْمُقَاتَلَةِ وَقَتَلَهُ فَدَمُهُ هَدَرٌ وَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَسْلِمَ؟ نَظَرٌ إِنْ أُرِيدَ مَالُهُ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أُرِيدَ دَمُهُ وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ إِلَّا بِالْقَتْلِ، فَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ لَهُ الِاسْتِسْلَامَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاصِدُ كَافِرًا أَوْ بَهِيمَةً، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ الِاسْتِسْلَامُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4888

٣٥١٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٣٥١٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: (فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: (قَاتِلْهُ) . قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: (فَأَنْتَ شَهِيدٌ) . قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: (هُوَ فِي النَّارِ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٥١٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ، (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ قُتِلَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (دُونَ مَالِهِ) : أَيْ: عِنْدَهُ لِلدَّفْعِ (فَهُوَ شَهِيدٌ) (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ وَابْنَ حِبَّانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ.

стр. 4889

٣٥١٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ) : أَيْ: أَخْبِرْنِي (إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟) : أَيْ: غَصْبًا (قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ) : بِإِشْبَاعِ الْهَاءِ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لِلرَّجُلِ وَفِي نُسْخَةٍ بِإِسْكَانِ الْهَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: فَلَا تُعْطِهِ جَوَابٌ لِلسُّؤَالِ وَجَزَاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السُّؤَالُ، كَمَا أَنَّ السُّؤَالَ شَرْطُ جَزَائِهِ مَحْذُوفٌ يَعْنِي: إِنْ جَاءَ رَجُلٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَأُعْطِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ. يَعْنِي إِنْ كَانَ كَمَا وَصَفْتَهُ وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: (قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي: قَالَ: قَاتِلْهُ) . قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ) : وَأَمَّا مَا جَاءَ بِلَا فَاءٍ مِنْ قَوْلِهِ: (قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ . قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ) : فَعَلَى الِاسْتِئْنَافِ بَعْدَ تَقْدِيرِ جَوَابِ الشَّرْطِ كَأَنَّ قَائِلًا سَأَلَ فَمَاذَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جَوَابِهِ، فَأُجِيبَ قَالَ كَذَا اهـ. وَمَعْنَى هُوَ فِي النَّارِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْكَ، وَفِيهِ أَنْ دَفْعَ الْقَاتِلِ وَهُلْكَهُ فِي الدَّفْعِ مُبَاحٌ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 4890

٣٥١٤ - وَعَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «لَوِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِكَ أَحَدٌ، وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٥١٤ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (لَوِ اطَّلَعَ) : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ أَيْ: أَشْرَفَ وَنَظَرَ مِنْ شِقِّ بَابٍ أَوْ كُوَّةٍ، وَكَانَ الْبَابُ غَيْرَ مَفْتُوحٍ (فِي بَيْتِكَ أَحَدٌ، وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ) : أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ مَا وَقَعَ مِنْكَ إِذْنٌ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِالدُّخُولِ (فَخَذَفْتَهُ) : بِالْمُعْجَمَتَيْنِ مِنَ الْخَذْفِ وَهُوَ الرَّمْيُ بِالْأُصْبُعَيْنِ أَيْ: رَمَيْتَهُ (بِحَصَاةٍ) : أَيْ مَثَلًا، فَإِنَّ الْخَذْفَ أَنْ تَرْمِيَ بِحَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا بِأَنْ تَأْخُذَ بَيْنَ سَبَّابَتَيْكَ، وَقِيلَ: أَنْ تَضُمَّ طَرَفَ الْإِبْهَامِ عَلَى طَرَفِ السَّبَّابَةِ وَفِعْلُهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَالْمِصْبَاحِ (فَفَقَأْتَ) : بِالْهَمْزِ أَيْ قَلَعْتَ (عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ) : أَيْ: عَيْبٍ وَتَعْبِيرُ وَزِيَادَةُ (مِنْ) لِإِفَادَةِ التَّأْكِيدِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: إِثْمٍ، عَمِلَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَأَسْقَطَ عَنْهُ ضَمَانَ الْعَيْنِ، قِيلَ: هَذَا بَعْدَ أَنْ زَجَرَهُ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، وَأَصَحُّ قَوْلَيْهِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ مُطْلَقًا لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ الضَّمَانُ، فَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَفْظُهُ: «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ» .

стр. 4891

٣٥١٥ - «وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: (لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ عَيْنَيْكَ إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٥١٥ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَيِ السَّاعِدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ) وَكَانَ اسْمُهُ حَزَنًا، فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَهْلًا (أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ) : بِضَمِّ جِيمٍ أَيْ خَرْقٍ كَائِنٍ (فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: فِي نَفْسِ الْبَابِ أَوْ فِيمَا حَوْلَهُ (وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِدْرًى) : بِكَسْرِ مِيمٍ وَسُكُونِ دَالٍ مُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ مُنَوَّنٌ: شَيْءٌ يُعْمَلُ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَدِيدٍ عَلَى شَكْلِ سِنٍّ مِنْ أَسْنَانِ الْمُشْطِ وَأَطْوَلُ مِنْهُ، يُسَوَّى بِهِ الشَّعْرُ الْمُتَبَلِّدُ، وَيَسْتَعْمِلُهُ مَنْ لَا مُشْطَ لَهُ. كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَقِيلَ: هُوَ عُودٌ يُدْخِلُهُ مِنْ لَهُ شَعْرٌ فِي رَأْسِهِ لِيَضُمَّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ وَهُوَ يُشْبِهُ الْمِسَلَّةَ، وَقِيلَ هُوَ حَدِيدَةٌ كَالْخِلَالِ لَهَا رَأْسٌ مُحَدَّدٌ مِنْ عَادَةِ الْكَبِيرِ أَنْ يَحُكَّ بِهَا مَا لَا تَصِلُ إِلَيْهِ يَدُهُ مِنْ جَسَدِهِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَخِيرَ قَوْلُهُ: (يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ أَعْلَمُ) أَيْ: يَقِينًا (أَنَّكَ تَنْظُرُنِي) : أَيْ: تُطَالِعُ فِيَّ قَصْدًا أَوْ عَمْدًا (لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ عَلَى أَنَّ الِاطِّلَاعَ مَعَ غَيْرِ قَصْدِ النَّظَرِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ كَالْمَارِّ (إِنَّمَا جُعِلَ) : أَيْ: شُرِعَ (الِاسْتِئْذَانُ) : بِالْهَمْزِ وَيُبْدَلُ (مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ) : أَيْ: مِنَ النَّظَرِ إِلَى غَيْرِ الْمُحَرَّمِ وَلَوْلَاهُ لَمَا شُرِعَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: إِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ فِي الدُّخُولِ لِئَلَّا يَقَعُ النَّظَرُ مَنْ هُوَ خَارِجٌ إِلَى دَاخِلِ الْبَيْتِ، فَيَكُونُ بِلَا اسْتِئْذَانٍ كَالدُّخُولِ بِلَا اسْتِئْذَانٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ رَمْيِ عَيْنِ الْمُتَطَلِّعِ بِشَيْءٍ خَفِيفٍ، وَلَوْ فُقِئَتْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا نَظَرَ فِي بَيْتٍ لَيْسَ فِيهِ مَحْرَمٌ لَهُ، كَذَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ هُنَا، لَكِنَّ قَوْلَهُ بِشَيْءٍ خَفِيفٍ إِنَّمَا يُلَائِمُ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ فَتَأَمَّلْ، وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى إِرَادَةِ الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْحَدِيثَيْنِ، وَالْفَرْقُ عِنْدَهُ بَيْنَهُمَا عَلَى فَرْضِ الْوُقُوعِ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ الدِّيَةَ. وَفِي الثَّانِي الْقِصَاصَ، هَذَا هُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4892

٣٥١٦ - «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَخْذِفُ، فَقَالَ: لَا تَخْذِفْ ; فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: (إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ، وَلَا يُنْكَأُ بِهِ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٥١٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) : بِفَتْحِ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَتَشْدِيدِ فَاءٍ مَفْتُوحَةٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: مُزَنِيٌّ، كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ. وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، (أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَخْذِفُ) : بِمُعْجَمَتَيْنِ ثَانِيهِمَا مَكْسُورَةٌ (فَقَالَ: لَا تَخْذِفْ ; فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ ، أَوْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِشَارَةً إِلَى عِلَّةِ النَّهْيِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ قَلِيلُ الْمَنْفَعَةِ كَثِيرُ الْمَضَرَّةِ (إِنَّهُ) : أَيِ: الشَّأْنُ أَوِ الْخَذْفُ (لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ، وَلَا يُنْكَأُ) : بِتَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ فَنُونٍ سَاكِنَةٍ فَكَافٍ مَفْتُوحَةٍ فَهَمْزَةٍ مَرْفُوعَةٍ، كَذَا فِي النُّسَخِ أَيْ: لَا يُجْرَحُ (بِهِ عَدُوٌّ) : فِي النِّهَايَةِ: يُقَالُ نَكَيْتَ الْعَدُوَّ نِكَايَةً إِذَا كَثَّرْتَ فِيهِمُ الْجِرَاحَ وَالْقَتْلَ وَقَدْ يُهْمَزُ اهـ. وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنَ الْقَامُوسِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُضْبَطَ الْحَدِيثُ بِالْوَجْهَيْنِ، بَلِ الْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ الْأَصْلُ لَا يَنْكِي بِالْيَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَلَكِنَّهَا) : أَيِ: الْحَصَاةَ الْمَفْهُومَةَ مِنَ الْخَذْفِ أَوِ الرَّمْيَةِ أَوِ الْفَعْلَةِ (قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ) : أَيْ: وَقَدْ تَفْقَؤُهَا أَيْ تَقْلَعُهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَجُلٌ يَعْبَثُ بِالْخَذْفِ فَنَهَاهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجْلِبُ نَفْعًا وَلَا يَدْفَعُ ضَرًّا بَلْ هُوَ شَرٌّ كُلُّهُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا نَهَى عَنِ الْخَذْفِ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ، وَيُخَافُ مِنْ فَسَادِهِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ كُلُّ مَا شَارَكَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ اهـ. وَهُوَ يُؤَيِّدُ أَنَّ فَاعِلَ قَالَ، إِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 4893

٣٥١٧ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا وَفِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٥١٧ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا وَفِي سُوقِنَا) : أَيْ: مَسْجِدِ الْمُسْلِمِينَ وَسُوقِهِمْ، فَأَضَافَ إِلَى الضَّمِيرِ الْمُفَخَّمِ إِيذَانًا بِالشَّرَفِ (وَمَعَهُ نَبْلٌ) : بِفَتْحِ نُونٍ وَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ السِّهَامُ الْعَرَبِيَّةُ، لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، فَلَا يُقَالُ نَبْلَةٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ سَهْمٌ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَةٌ (فَلْيُمْسِكْ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ: فَلْيَأْخُذْ (عَلَى نِصَالِهَا) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ النَّصْلِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَدِيدَةُ الَّتِي فِي آخِرِ السَّهْمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: عُدِّيَ أَمْسَكَ بِعَلَى مُبَالَغَةً فِي الْمُحَافَظَةِ وَالْقَبْضِ عَلَيْهَا. وَقَوْلُهُ: (أَنْ يُصِيبَ) : مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، أَيْ: كَرَاهَةَ أَنْ يُصِيبَ أَحَدَكُمْ أَوِ الْمَارَّ (أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا) : أَيْ: مِنَ النِّصَالِ (بِشَيْءٍ) : أَيْ: مِنَ الْأَذَى، وَقِيلَ الْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي الْفَاعِلِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أَيْ كَرَاهَةَ أَنْ تَضِلُّوا اهـ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ لِئَلَّا تَضِلُّوا ثُمَّ فِي مَعْنَى النِّصَالِ بَلْ أَقْوَى مِنْهَا حَدِيدَاتُ الْجَنْبِيَّاتِ الَّتِي يَلْبَسُهَا الْأَحْلَافُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ - وَيُؤْذُونَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا فِي الطَّوَافِ، بَلْ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ مُزَاحَمَتِهِمْ لِلصَّفِّ الْأَوَّلِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهِ بِكَفِّهِ لَا يَعْقِرُ مُسْلِمًا.

стр. 4894

٣٥١٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ ; فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٥١٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ) : نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ (عَلَى أَخِيهِ) : أَيِ الْمُسْلِمِ وَيَلْحَقُ بِهِ الذِّمِّيُّ (بِالسِّلَاحِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ مَا أُعِدَّ لِلْحَرْبِ مِنْ آلَةِ الْحَدِيدِ (فَإِنَّهُ) : أَيْ: أَحَدَكُمْ أَوِ الشَّأْنَ (لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ) : مَفْعُولُ يَدْرِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَدْرِي نَازِلًا مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ

стр. 4895

فَنَفَى الدِّرَايَةِ عَنْهُ رَأْسًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّ الشَّيْطَانَ (يَنْزِعُ فِي يَدِهِ) : بِكَسْرِ الزَّايِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: يَجْذِبُهُ حَالَ كَوْنِ السِّلَاحِ فِي يَدِهِ، وَإِسْنَادُ الْفِعْلِ إِلَى الشَّيْطَانِ مِنْ بَابِ الْإِسْنَادِ إِلَى السَّبَبِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ: يَرْمِي بِهِ كَأَنَّهُ يُوقِعُ يَدَهُ لِتَحَقُّقِ إِشَارَتِهِ وَيُرْوَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ يَعْنِي مَعَ فَتْحِ الزَّايِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ وَمَعْنَاهُ يُغْرِيهِ فَيَحْمِلُهُ عَلَى تَحْقِيقِ الضَّرْبِ حِينَ يُشِيرُ بِهِ عِنْدَ اللَّعِبِ وَالْهَزْلِ وَنَزْغُ الشَّيْطَانِ إِغْرَاؤُهُ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى يَطْعَنُ فِي يَدِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ نَزَعَهُ بِكَلِمَةٍ أَيْ: طَعَنَ فِيهِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: نَزَعَ فِي الْقَوْسِ مَدَّهَا. قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَرْمِي بِهِ كَائِنًا فِي يَدِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا فِي يَدِهِ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ الْمُقَدَّرِ وَعَلَى تَقْدِيرِ الْجَوْهَرِيِّ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ عَلَى مِنْوَالِ قَوْلِ الشَّاعِرِ: [ يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي ] أَيْ: يُوقِعُ نَزْعَةً فِي يَدِ الْمُشِيرِ فَيَسْتَوْفِيهِ بِمَا أَمْكَنَ مَعَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١] الْكَشَّافِ: النَّازِعَاتُ أَيْدِي الْغُزَاةِ تَنْزِعُ الْقِسِيَّ بِإِغْرَاقِ السِّهَامِ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: (فَيَقَعُ) : فَصِيحَةٌ أَيْ: يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقْتُلُهُ فَيَسْتَوْجِبُ النَّارَ فَيَقَعُ (فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) : قَالَ الْقَاضِي: يُرِيدُ بِهِ النَّهْيَ عَنِ الْمُلَاعَبَةِ بِالسِّلَاحِ، فَلَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِبَيْنِ فَيَصِيرُ الْهَزْلُ جَدًّا وَاللِّعَابُ حَرْبًا، فَيَضْرِبُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَيَقْتُلُهُ فَيَدْخُلُ النَّارَ بِقَتْلِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4896

٣٥١٩ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَضَعَهَا وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ــ ٣٥١٩ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ) : أَيِ الْمُسْلِمِ (بِحَدِيدَةٍ) أَيْ: بِمَا هُوَ آلَةُ الْقَتْلِ (فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ) : أَيْ: تَدْعُوهُ بِالْبُعْدِ عَنِ الْجَنَّةِ أَوَّلَ الْأَمْرِ (حَتَّى يَضَعَهَا) : أَيِ: الْحَدِيدَةَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ حِينَئِذٍ تَرْكُ الْإِشَارَةِ بِهَا مَعَ كَوْنِهَا فِي يَدِهِ (وَإِنْ كَانَ) : أَيِ: الْمُشِيرُ (أَخَاهُ) : أَيْ: أَخَا الْمُشَارِ إِلَيْهِ (لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ) : أَيْ مَعًا وَإِنْ وَصْلِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ هَازِلًا وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ ضَرْبَهُ، كَنَّى بِهِ عَنْهُ ; لِأَنَّ الْأَخَ الشَّقِيقَ لَا يَقْصِدُ قَتْلَ أَخِيهِ غَالِبًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ تَتْمِيمٌ لِمَعْنَى الْمُلَاعَبَةِ وَعَدَمِ الْقَصْدِ فِي الْإِشَارَةِ، فَبَدَأَ بِمُطْلَقِ الْأُخُوَّةِ ثُمَّ قَيَّدَهُ بِالْأُخُوَّةِ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ اللَّعِبَ الْمَحْضَ الْمُعَرَّى عَنْ شَائِبَةِ الْقَصْدِ، إِذَا كَانَ حُكْمُهُ كَذَا، فَمَا ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ؟ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَفِي هَامِشِ نُسْخَةِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَلَيْهِ (خ ظ) ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَالَ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ قَالَ: وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: ( «مَنْ أَشَارَ بِحَدِيدَةٍ إِلَى أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ قَتْلَهُ قَدْ وَجَبَ دَمُهُ» ) .

стр. 4897

٣٥٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ( «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَزَادَ: ( «وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ) . ــ ٣٥٢٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) : بِلَا وَاوٍ (وَأَبِي هُرَيْرَةَ) : أَيْ: مَعًا (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : (مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ) : أَيْ: سَلَّهُ لِلَّعِبِ وَالْهَزْلِ أَوْ لِإِدْخَالِ الرَّوْعِ وَالْخَوْفِ، وَإِنَّمَا جُمِعَ الضَّمِيرُ لِيَتَنَاوَلَ الْأُمَّةَ أَيْضًا عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ قَوْلِهِ: لِمَنْ سَلَّ السَّيْفَ عَلَى أُمَّتِي (فَلَيْسَ مِنَّا) : أَيْ: مِنْ أَهْلِ طَرِيقَتِنَا وَسُنَّتِنَا أَوْ مِنْ أَهْلِ مَلَّتِنَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ يَعْنِي عَلَيْنَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ، وَالسِّلَاحُ نُصِبَ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، يُقَالُ: حَمَلَ عَلَيْهِ فِي الْحَرْبِ حَمْلَةً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَالسِّلَاحُ مَفْعُولٌ، يُقَالُ: حَمَلْتُ الشَّيْءَ أَحْمِلُهُ حَمْلًا: أَيْ حَمَلَ السِّلَاحَ عَلَيْنَا لَا لَنَا. وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ وَأَلْيَقُ بِبَابِ مَا لَا يُضَمَّنُ مِنَ الْجِنَايَاتِ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: فَلَيْسَ مِنَّا جَزَاءُ الشَّرْطِ، وَعَلَى الثَّانِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ عَدُوَّ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ مِنْهُمْ، قُلْتُ: يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَفَادَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ هَذَا الْفِعْلُ فَلَيْسَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ، فَيَجُوزُ قَتْلُهُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، (وَزَادَ مُسْلِمٌ: مَنْ غَشَّنَا) : أَيْ: خَانَنَا وَتَرَكَ النَّصِيحَةَ لَنَا كَأَنْ سَتَرَ الْعَيْبَ فِي السِّلْعَةِ (لَيْسَ مِنَّا) : قَالَ السُّيُوطِيُّ: رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: ( «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» ) . قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي لَفْظٍ: ( «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ) . وَفِي أَكْثَرِ طُرُقِهِ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ طَعَامٍ رَآهُ فِي السُّوقِ مُبْتَلًّا دَاخِلُهُ، أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: ( «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَالْمَكْرُ وَالْخِدَاعُ فِي النَّارِ» ". رَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ: ( «مَنْ غَشَّ الْعَرَبَ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَفَاعَتِي وَلَمْ تَنَلْهُ مَوَدَّتِي» ) .

стр. 4898

٣٥٢١ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ فَلَيْسَ مِنَّا» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٥٢١ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ) : أَيْ: وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ أَحَدٍ (فَلَيْسَ مِنَّا) . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ سَلَّ سَيْفَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ بَايَعَ اللَّهَ» .

стр. 4899

٣٥٢٢ - وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ ﵁ مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْبَاطِ وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ الزَّيْتُ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ. قَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ( «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٥٢٢ - (وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) : أَيِ: ابْنِ الزُّبَيْرِ يُكَنَّى أَبَا الْمُنْذِرِ الْقُرَشِيَّ الْمَدَنِيَّ، أَحَدَ تَابِعِي الْمَدِينَةِ الْمَشْهُورِينَ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَعْدُودِ فِي أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ وَأَجِلَّةِ التَّابِعِينَ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَابْنَ عُمَرَ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمُ: الثَّوْرِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ. (أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ) : أَيِ: ابْنَ الْحِزَامِ الْقُرَشِيَّ الْأَسَدِيَّ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَخِيَارِهِمْ مِمَّنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ مِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، مَاتَ قَبْلَ أَبِيهِ وَأَبُوهُ يُكَنَّى أَبَا خَالِدٍ الْقُرَشِيَّ الْأَسَدِيَّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وُلِدَ فِي الْكَعْبَةِ قَبْلَ الْفِيلِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ وَوُجُوهِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى عَامِ الْفَتْحِ وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي دَارِهِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، سِتُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَسِتُّونَ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَانَ عَامِلًا فَاضِلًا تَقِيًّا، حَسُنَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، رَوَى عَنْهُ نَفَرٌ ذَكَرُهُ الْمُؤَلِّفُ (مَرَّ) : أَيِ: ابْنُ حَكِيمٍ (بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ) : جَمَاعَةٍ (مِنَ الْأَنْبَاطِ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ. فِي النِّهَايَةِ: النَّبَطُ وَالنَّبِيطُ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ، كَانُوا يَنْزِلُونَ بِالْبَطَائِحِ بَيْنَ الْعِرَاقَيْنِ أَيْ: بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَنْبَاطُ فَلَّاحَةُ الْأَعَاجِمِ. (وَقَدْ أُقِيمُوا) : أَيْ: أُوقِفُوا (فِي الشَّمْسِ وَصُبَّ) : أَيْ: كُبَّ (عَلَى رُءُوسِهِمُ) : أَيْ: فَوْقَهَا (الزَّيْتُ) : أَيِ: الْحَارُّ (فَقَالَ) : أَيِ: ابْنُ حَكِيمٍ (مَا هَذَا؟) : أَيْ: مَا سَبَبُ هَذَا الْأَمْرِ؟ (قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ) : أَيْ: فِي تَحْصِيلِهِ وَأَدَائِهِ مِمَّا بَقِيَ عِنْدَهُمْ (فَقَالَ هِشَامٌ) : أَيِ: ابْنُ حَكِيمٍ (أَشْهَدُ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ) : اللَّامُ جَوَابُ الْقَسَمِ لِمَا فِي أَشْهَدُ مِنْ مَعْنَاهُ ( «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ» ) : أَيْ: بِمَا يُعَذِّبُ اللَّهُ بِهِ فِي الْعُقْبَى (فِي الدُّنْيَا) : أَيْ: بِغَيْرِ حَقٍّ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» ".

стр. 4900

٣٥٢٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «يُوشِكُ إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَنْ تَرَى قَوْمًا فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ، يَغْدُونَ فِي غَضَبِ اللَّهِ، وَيَرُوحُونَ فِي سَخَطِ اللَّهِ) وَفِي رِوَايَةٍ: (وَيَرُوحُونَ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٥٢٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (يُوشِكُ) : أَيْ: يَقْرُبُ (إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ) : أَيْ: حَيَاةٌ (أَنْ تَرَى) : اسْمُ يُوشِكُ أَيْ تُبْصِرُ (قَوْمًا فِي أَيْدِيهِمْ) : خَبَرٌ مُقَدَّمٌ مُبْتَدَؤُهُ (مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ) : أَيْ: سِيَاطٌ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ قَوْمًا، وَتُسَمَّى تِلْكَ السِّيَاطُ فِي دِيَارِ الْعَرَبِ بِالْمَقَارِعِ جَمْعُ مَقْرَعَةٍ، وَهِيَ جِلْدَةٌ طَرَفُهَا مَشْدُودٌ عَرْضُهُ كَعَرْضِ الْأُصْبُعِ الْوُسْطَى يَضْرِبُونَ السَّارِقِينَ عُرَاةً، وَقِيلَ: هُمُ الطَّوَّافُونَ عَلَى أَبْوَابِ الظَّلَمَةِ السَّاعُونَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَيَطْرُدُونَ النَّاسَ عَنْهَا بِالضَّرْبِ (يَغْدُونَ) : أَيْ: يُصْبِحُونَ (فِي غَضَبِ اللَّهِ وَيَرُوحُونَ) : أَيْ: يُمْسُونَ (فِي سَخَطِ اللَّهِ) : أَيِ: الَّذِي هُوَ أَشَدُّ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ لِتَكْرَارِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْهُ، وَاسْتِمْرَارِ صُدُورِ هَذَا الْفِعْلِ عَنْهُ. (وَفِي رِوَايَةٍ: وَيَرُوحُونَ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ) : أَيْ: إِبْعَادِهِ عَنْ رَحْمَتِهِ فَإِنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ أَمْرَ أَمِيرِهِمْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (يَغْدُونَ وَيَرُوحُونَ) إِمَّا الدَّوَامُ وَالِاسْتِمْرَارُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] يَعْنِي هُمْ أَبَدًا فِي غَضَبِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ لَا يَحْلُمُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَرْضَى عَنْهُمْ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِمَا الْوَقْتَانِ الْمَخْصُوصَانِ، فَالْمَعْنَى يُصْبِحُونَ يُؤْذُونَ النَّاسَ وَيُرَوِّعُونَهُمْ وَلَا يَرْحَمُونَ عَلَيْهِمْ، فَغَضِبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَيُمْسُونَ يَتَفَكَّرُونَ فِيمَا لَا يُرْضِي عَنْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْإِيذَاءِ وَالرَّوْعِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَنَسٍ: «مَنْ رَوَّعَ مُؤْمِنًا لَمْ يُؤَمِّنِ اللَّهُ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَعَى بِمُؤْمِنٍ أَقَامَهُ اللَّهُ مَقَامَ ذُلٍّ وَخِزْيٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

стр. 4901

٣٥٢٤ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٥٢٤ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صِنْفَانِ) : هُوَ مُبْتَدَأٌ (مِنْ أَهْلِ النَّارِ) : صِفَةٌ (لَمْ أَرَهُمَا) : خَبَرٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: لَمْ أَرَهُمَا بَعْدُ، الْمُرَادُ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَرَهُمَا فِي عَصْرِهِ لِطَهَارَةِ ذَلِكَ الْعَصْرِ بَلْ حَدَثَا بَعْدَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، وَفِيهِ ذَمُّ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ (قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ) : جَمْعُ سَوْطٍ فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً لِتَحَرُّكِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا (كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ) : أَيْ: بِغَيْرِ حَقٍّ (وَنِسَاءٌ) : هُوَ وَقَوْمٌ بَيَانٌ أَوْ بَدَلٌ لِقَوْلِهِ: صِنْفَانِ وَمَا بَعْدَهَا صِفَاتٌ لَهُمَا (كَاسِيَاتٌ) : أَيْ: فِي نِعْمَةِ اللَّهِ (عَارِيَاتٌ) : مِنْ شُكْرِهَا، وَقِيلَ: يَسْتُرْنَ بَعْضَ بَدَنِهِنَّ وَيَكْشِفْنَ بَعْضَهُ إِظْهَارًا لِجَمَالِهِنَّ وَإِبْرَازًا لِكَمَالِهِنَّ، وَقِيلَ: يَلْبَسْنَ ثَوْبًا رَقِيقًا يَصِفُ بَدَنَهُنَّ وَإِنْ كُنَّ كَاسِيَاتٍ لِلثِّيَابِ عَارِيَاتٍ فِي الْحَقِيقَةِ، أَوْ كَاسِيَاتٍ بِالْحُلَى وَالْحُلِيِّ، عَارِيَاتٍ مِنْ لِبَاسِ التَّقْوَى وَمِنْهُ حَدِيثُ: ( «رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْعُقْبَى» ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَثْبَتَ لَهُنَّ الْكُسْوَةَ ثُمَّ نَفَاهَا ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاكْتِسَاءِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقِ السَّتْرُ فَكَأَنَّهُ لَا اكْتِسَاءَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: خُلِقُوا وَمَا خُلِقُوا لِمَكْرُمَةٍ ... فَكَأَنَّهُمْ خُلِقُوا وَمَا خُلِقُوا رُزِقُوا وَمَا رُزِقُوا سَمَاحَ يَدٍ ... فَكَأَنَّهُمْ رُزِقُوا وَمَا رُزِقُوا (مُمِيلَاتٌ) : أَيْ: قُلُوبَ الرِّجَالِ إِلَيْهِنَّ، أَوِ الْمَقَانِعَ عَنْ رُءُوسِهِنَّ لِيَظْهَرَ وُجُوهُهُنَّ، وَقِيلَ: مُمِيلَاتٌ بِأَكْتَافِهِنَّ، وَقِيلَ: يُمِلْنَ غَيْرَهُنَّ إِلَى فِعْلِهِنَّ الْمَذْمُومِ (مَائِلَاتٌ) : أَيْ: إِلَى الرِّجَالِ بِقُلُوبِهِنَّ أَوْ بِقَوَالِبِهِنَّ، أَوْ مُتَبَخْتِرَاتٌ فِي مَشْيِهِنَّ، أَوْ زَائِغَاتٌ عَنِ الْعَفَافِ، أَوْ مَائِلَاتٌ إِلَى الْفُجُورِ وَالْهَوَى، وَقِيلَ: مَائِلَاتٌ يَمْتَشِطْنَ مِشْطَةَ الْمَيْلَاءِ، وَقِيلَ: مِشْطَةَ الْبَغَايَا مُمِيلَاتٌ يُمَشِّطْنَ غَيْرَهُنَّ بِتِلْكَ الْمِشْطَةِ. (رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ) : بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ. فِي النِّهَايَةِ: الْبُخْتِيُّ مِنَ الْجِمَالِ، وَالْأُنْثَى بُخْتِيَّةٌ جَمْعُ بُخْتٍ وَبَخَاتِيٍّ جِمَالٌ طِوَالُ الْأَعْنَاقِ، وَاللَّفْظَةُ مُعْرَبَةٌ أَيْ: يُعَظِّمْنَهَا وَيُكَبِّرْنَهَا بِلَفِّ عِصَابَةٍ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ: يَطْمَحْنَ إِلَى الرِّجَالِ لَا يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ، وَلَا يُنَكِّسْنَ رُءُوسَهُنَّ (الْمَائِلَةُ) : صِفَةٌ لِلْأَسْنِمَةِ، وَهِيَ جَمْعُ السَّنَامِ، وَالْمَائِلَةُ مِنَ الْمَيْلِ ; لِأَنَّ أَعْلَى السَّنَامِ يَمِيلُ لِكَثْرَةِ شَحْمِهِ، وَهَذَا مِنْ صِفَاتِ نِسَاءِ مِصْرَ (لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ) : صِفَةٌ لِلنِّسَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِلرِّجَالِ مِثْلَهَا اخْتِصَارًا وَإِيجَازًا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ) : جُمْلَةٌ حَالِيَةٌ (مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا) : أَيْ: مِائَةِ عَامٍ مَثَلًا قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنَّهُنَّ لَا يَدْخُلْنَهَا وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا حِينَ مَا يَدْخُلُهَا وَيَجِدُ رِيحَهَا الْعَفَائِفُ الْمُتَوَرِّعَاتُ، لَا أَنَّهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ أَبَدًا لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: ( «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» ) ثَلَاثًا. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى الِاسْتِحْلَالِ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ الزَّجْرُ وَالتَّغْلِيظُ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُنَّ لَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنْ دَخَلْنَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ.

стр. 4902

٣٥٢٥ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٥٢٥ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ) : أَيْ: ضَارَبَ غَيْرَهُ (فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ) : أَيْ: فَلْيَحْتَرِزْ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ، قِيلَ: الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ قِتَالُهُ مَعَ الْكُفَّارِ، وَالضَّرْبُ فِي وُجُوهِهِمْ أَنْجَحُ لِلْمَقْصُودِ وَأَرْجَحُ لِلْمَرْدُودِ. (فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) : أَيْ: صُورَةِ الْوَجْهِ، لِأَنَّهُ أَشْرَفُ أَعْضَائِهِ وَمَعْدِنُ جَمَالِهِ وَمَنْبَعُ حَوَاسِّهِ، فَلَا تُغَيِّرُوهُ أَوْ عَلَى صُورَةِ آدَمَ أَيْ عَلَى صُورَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِهِ لَمْ يَخْلُقْ عَلَيْهَا غَيْرَهُ أَيِ اللَّهُ، وَالْإِضَافَةُ لِلتَّكْرِيمِ كَمَا فِي: بَيْتِ اللَّهِ وَنَاقَةِ اللَّهِ أَيْ: إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ هَذِهِ الصُّورَةَ لِأَنَّهُ خَلَقَهَا بِيَدِهِ، وَأَمَرَ مَلَائِكَتَهُ بِالسُّجُودِ لَهَا، فَأَكْرِمُوهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ: عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَضْرُوبِ هَذَا مُجْمَلُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَأَمَّا تَفْصِيلُ الْمَرَامِ فَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَقْوَالٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى آدَمَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَفِيهِ وُجُوهٌ

стр. 4903

أَحَدُهَا: أَنَّهُ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ: وَمَعْنَى الْإِضَافَةِ وَكُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ نَفْسِهِ، بِأَنَّهُ خُلِقَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِنْ مَبْدَأِ فِطْرَتِهِ إِلَى مُنْقَرَضِ عُمْرِهِ وَلَمْ تَتَفَاوَتْ قَامَتُهُ وَلَمْ تَتَغَيَّرْ هَيْئَتُهُ بِخِلَافِ سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَكُونُ أَوَّلًا نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ عِظَامًا وَأَعْصَابًا عَارِيَةً، ثُمَّ عِظَامًا وَأَعْصَابًا مَكْسُوَّةً لَحْمًا، ثُمَّ حَيَوَانًا مُخَبَّيًا فِي الرَّحِمِ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ بَلْ يَتَغَذَّى مِنْ عِرْقٍ كَالنَّبَاتِ، ثُمَّ يَكُونُ مَوْلُودًا رَضِيعًا، ثُمَّ طِفْلًا مُتَرَعْرِعًا ثُمَّ مُرَاهِقًا ثُمَّ شَابًّا ثُمَّ كَهْلًا ثُمَّ شَيْخًا. ثَانِيهَا: أَنَّهُ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ حَالٍ يَخْتَصُّ بِهِ لَا يُشَارِكُهُ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَإِنَّهُ يُوصَفُ مَرَّةً بِالْعِلْمِ، وَأُخْرَى بِالْجَهْلِ وَتَارَةً بِالْغِوَايَةِ وَالْعِصْيَانِ وَأُخْرَى بِالْهِدَايَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ فَلَحْظَةً يُقْرَنُ بِالشَّيْطَانِ فِي اسْتِحْقَاقِ اسْمِ الْعِصْيَانِ وَالْإِخْرَاجِ عَنِ الْجِنَانِ وَلَحْظَةً يَتَّسِمُ بِسِمَةِ الِاجْتِبَاءِ وَيُتَوَّجُ بِتَاجِ الْخِلَافَةِ وَالِاصْطِفَاءِ وَبُرْهَةً يُسْتَعْمَلُ بِتَدْبِيرِ الْأَرَضِينَ وَسَاعَةً يَصْعَدُ بِرُوحِهِ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَطَوْرًا يُشَارِكُ الْبَهَائِمَ فِي مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ وَمَنْكَحِهِ وَطَوْرًا يُسَابِقُ الْكُرُوبِيِّينَ فِي فِكْرِهِ وَذِكْرِهِ وَتَسْبِيحِهِ وَتَهْلِيلِهِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى اخْتَرَعَهَا اخْتِرَاعًا عَظِيمًا فِي خَلْقِهِ، إِذْ كَلُّ مَخْلُوقٍ قَدْ تَقَدَّمَ أَمْثَالٌ لَهُ، فَيُخْلَقُونَ عَلَى صُورَةِ أَمْثَالِهِمُ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَمَّا آدَمُ فَاخْتُرِعَ خَلْقًا جَدِيدًا عَجِيبًا مَلَكِيُّ الرُّوحِ، حَيَوَانِيُّ الْجِسْمِ، مُنْتَصِبُ الْقَامَةِ، فَلَمْ يُوجَدْ عَلَى مِثَالٍ لَهُ تَقَدَّمَ كَأَنَّهُ قَالَ: ارْتَجَلَ صُورَتَهُ اخْتِرَاعًا لَا تَشْبِيهًا بِمُقَدَّمٍ، وَلَا مُحَاذِيًا بِخَلْقٍ آخَرَ، بَلْ تَوَلَّى الْقَدِيمُ بِنَفْسِهِ خَلْقَ هَذِهِ الصُّورَةِ إِبْدَاعًا جَدِيدًا لَمْ يَسْبِقْهُ مَا يُشْبِهُهُ بِصِفَةٍ مَا، وَتَعْظِيمُ وَجْهِ الْإِنْسَانِ إِمَّا لِأَنَّهُ أَشْرَفُ أَجْزَائِهِ مِنَ الْإِنْسَانِ، إِذْ أَكْثَرُ الْحَوَاسِّ فِيهِ، أَوْ لِأَنَّهُ إِذَا عُدِمَ عُدِمَ الْكُلُّ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ وَفِي هَذَا التَّأْوِيلِ إِضْمَارٌ كَأَنَّهُ قِيلَ: هَذَا الْمَضْرُوبُ مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ، فَاجْتَنِبُوا ضَرْبَ الْعُضْوِ الْأَشْرَفِ احْتِرَامًا لَهُ، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ وَجْهَ آدَمَ. وَالثَّانِي: أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَضْرُوبِ قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: وَهُوَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْوَجْهِ يَعْنِي فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ ; فَإِنَّهُ تَعَالَى كَرَّمَهُ وَشَرَّفَهُ بِأَحْسَنِ صُورَةٍ، وَجَمَعَ فِيهِ الْمَحَاسِنَ وَالْحَوَاسَّ وَالْإِدْرَاكَاتِ، وَالضَّرْبُ فِي الْوَجْهِ قَدْ يَنْقُصُهَا وَيُشَوِّهُ الْحُسْنَ وَيُظْهِرُ الشَّيْنَ الْفَاحِشَ وَلَا يُمْكِنُ سَتْرُهُ، وَخُلِقَ آدَمُ ﵊ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ، فَلَا تَضْرِبْهُ تَكْرِيمًا لِصُورَةِ آدَمَ ; فَإِنَّكَ إِنْ ضَرَبْتَ فَقَدْ أَهَنْتَهَا وَنَظِيرُهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: ( «تُسَمُّونَ أَوْلَادَكُمْ مُحَمَّدًا فَتَلْعَنُونَهُ أَنْكَرَ اللَّعِينَ إِجْلَالًا لِاسْمِهِ» ) . كَمَا مَنَعَ الضَّرْبَ عَلَى الْوَجْهِ تَعْظِيمًا لِصُورَةِ آدَمَ ﵊. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ قَالَ: وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا كَالْإِضَافَةِ فِي بَيْتِ اللَّهِ وَنَاقَةِ اللَّهِ، لِمَا صَحَّ مِنْ طُرُقِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ ثَابِتٌ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَكَانَ مَنْ نَقَلَهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ لَهُ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ اهـ كَلَامُهُ. وَفِي هَذَا الْقَوْلِ وُجُوهٌ. أَوَّلُهَا: أَنْ يَجْرِيَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَقَدْ غَلِطَ فِيهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى صُورَةً لَا كَالصُّوَرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ ; لِأَنَّ الصُّورَةَ تُفِيدُ التَّرْكِيبَ وَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُحْدَثٌ، وَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: الْعِلَّةُ وَالْمَعْلُولُ مَدْفُوعَانِ بِقَوْلِهِ: لَا كَالصُّوَرِ، فَهُوَ نَظِيرٌ لِكَلَامِ السَّلَفِ فِي إِثْبَاتِ الْيَدِ وَالْعَيْنِ لَهُ تَعَالَى مَعَ التَّنْزِيهِ عَنِ الْجَارِحَةِ لَهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: وَقَالَتِ الْمُجَسِّمَةُ: جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ لِمَا سَمِعُوا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ تَعَالَى شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ طَرَدُوا هَذَا الِاسْتِعْمَالَ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ. أَقُولُ: إِنَّ الْيَدَ وَالْعَيْنَ وَالشَّيْءَ، وَكَذَا الصُّورَةَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا ثَبَتَ إِطْلَاقُهَا عَلَيْهِ تَعَالَى، فَيُحَبُّ إِثْبَاثُهَا وَتَنْزِيهُهُ تَعَالَى عَمَّا يُرَادِفُهَا بِخِلَافِ الْجِسْمِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِطْلَاقَهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَا فِي كِتَابٍ، وَلَا فِي سُنَّةٍ، فَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ لَهُ سُبْحَانَهُ. قَالَ: الْعَجَبُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ قُتَيْبَةَ فِي صُورَةٍ لَا كَالصُّوَرِ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ عَلَى رَأْيِهِ يَقْتَضِي خَلْقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، فَالصُّورَتَانِ عَلَى رَأْيِهِ سَوَاءٌ، فَإِذَا قَالَ: لَا كَالصُّوَرِ نَاقَضَ كَلَامَهُ. قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ عَدَمِ الْمُنَاقَضَةِ فِي كَلَامِهِ عَلَى مُقْتَضَى مَرَامِهِ فَإِنَّهُ أَرَادَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، صُورَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ حَيْثُ اتَّصَفَ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ، مَعَ أَنَّ الْحَقَائِقَ مُخْتَلِفَةٌ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ مَحَلَّهُ. وَثَانِيهَا: قَوْلُ الْقَاضِي إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَكُونُ الْمَعْنَى خُلِقَ آدَمُ عَلَى صُورَةٍ اجْتَبَاهَا وَجَعَلَهَا نُسْخَةً مِنْ جُمْلَةِ مَخْلُوقَاتِهِ، إِذْ مَا مِنْ مَوْجُودٍ إِلَّا وَلَهُ مِثَالٌ فِي صُورَتِهِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: الْإِنْسَانُ عَالَمٌ صَغِيرٌ أَقُولُ: بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ

стр. 4904

عَالَمٌ كَبِيرٌ لِحَدِيثِ: ( «لَا يَسَعُنِي أَرْضِي وَلَا سَمَائِي وَلَكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ» ) قَالَ: ثُمَّ إِنَّ مَجْمَعَ مَحَاسِنِهِ وَمَظْهَرَ لَطَائِفِ الصُّنْعِ فِيهِ هُوَ الْوَجْهُ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهِ وَيَتَحَرَّزَ عَمَّا يُشَوِّهُهُ فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يُجْرَحَ وَيُقَبَّحَ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ احْتَمَلَ ذَلِكَ. وَثَالِثُهَا. قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّ الصُّورَةَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَالشَّأْنِ أَيْ: خُلِقَ آدَمُ عَلَى حَالِهِ وَشَأْنِهِ فِي كَوْنِهِ مَسْجُودًا لِلْمَلَائِكَةِ، مَالِكًا لِلْحَيَوَانَاتِ فِي كَوْنِهَا مُسَخَّرَاتٍ لَهُ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] تَعْظِيمًا وَاحْتِرَامًا بِشَأْنِهِ كَقَوْلِهِ ﷺ : الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالتَّقْبِيلِ وَالِاسْتِسْلَامِ تَعْظِيمًا، كَيَمِينِ الْمَلِكِ فِي حَقِّ مَنْ يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ، فَإِذَا الْإِضَافَةُ فِيهِ لَيْسَتْ كَإِضَافَةِ بَيْتِ اللَّهِ وَنَاقَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلتَّشْرِيفِ بَلِ الْكَلَامُ وَارِدٌ عَلَى التَّمْثِيلِ وَالِاسْتِعَارَةِ، وَسُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] قَالَ: صُورَةُ الْمَلَكِ الَّذِي تَوَلَّاهَا فَخُلِقَ آدَمُ عَلَيْهَا وَمُلْكُهُ مِنْ مُلْكِهِ مَا تَوَلَّى، وَسُئِلَ عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ؟ فَذَكَرَ خَلْقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، وَهَذَا أَقْصَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذِهِ الْمَقَامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 4905

الْفَصْلُ الثَّانِي ٣٥٢٦ - عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «مَنْ كَشَفَ سِتْرًا فَأَدْخَلَ بَصَرَهُ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَرَأَى عَوْرَةَ أَهْلِهِ فَقَدْ أَتَى حَدًّا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، وَلَوْ أَنَّهُ حِينَ أَدْخَلَ بَصَرَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ فَفَقَأَ عَيْنَهُ، مَا عَيَّرْتُ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَرَّ الرَّجُلُ عَلَى بَابٍ لَا سِتْرَ لَهُ غَيْرِ مُغْلَقٍ، فَنَظَرَ، فَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا الْخَطِيئَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ــ الْفَصْلُ الثَّانِي ٣٥٢٦ - (عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَشَفَ) : أَيْ رَفَعَ وَأَزَالَ (سِتْرًا) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ: سِتَارَةً وَحَاجِزًا (فَأَدْخَلَ بَصَرَهُ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ) : أَيْ: فِي الْكَشْفِ وَالدُّخُولِ (فَرَأَى عَوْرَةَ أَهْلِهِ) : أَيْ خَلَلَ أَهْلِ الْبَيْتِ وَمَا يَسْتُرُونَهُ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، فَإِنَّ الْعَوْرَةَ مَا يُحَاذَرُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ، وَسُمِّيَتْ عَوْرَةً لِاخْتِلَالِ سَتْرِ النَّاسِ وَتَحَفُّظِهِمْ عَنْهَا، وَالْعَوْرَةُ الْخَلَلُ (فَقَدْ أَتَى حَدًّا) : أَيْ: فَعَلَ شَيْئًا يُوجِبُ الْحَدَّ أَيِ التَّعْزِيزَ (لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ) : اسْتِئْنَافٌ مُتَضَمِّنٌ لِلْعِلَّةِ، أَوْ مَعْنَاهُ أَتَى أَمْرًا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ وَإِلَيْهِ يَنْظُرُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَنَّهُ حِينَ أَدْخَلَ بَصَرَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ) : أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ (فَفَقَأَ) : أَيْ: قَلَعَ (عَيْنَهُ، مَا عُيَّرْتُ عَلَيْهِ) : أَيْ: مَا نَسَبْتُهُ إِلَى الْعَيْبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْعُقُوبَةُ الْمَانِعَةُ عَنْ إِعَادَةِ الْجَانِي، فَالْمَعْنَى فَقَدْ أَتَى مُوجِبَ حَدٍّ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَشْرَفُ وَالْمُظْهِرُ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْحَاجِزُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ كَالْحِمَى، فَقَوْلُهُ: لَا يَحِلُّ صِفَةٌ فَارِقَةٌ تُخَصِّصُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ بِالْمُرَادِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إِيقَاعُ قَوْلِهِ: (وَإِنَّ مَرَّ الرَّجُلُ عَلَى بَابٍ لَا سِتْرَ لَهُ) : مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ: مَنْ كَشَفَ سِتْرًا إِلَخْ. (غَيْرِ مُغْلَقٍ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَقِيلَ بِكَسْرِهَا: أَيْ: غَيْرِ مَرْدُودٍ، وَغَيْرُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِيَةِ، وَقِيلَ مَجْرُورٌ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ بَابٍ (فَنَظَرَ) : مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ (فَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا الْخَطِيئَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ) : فِيهِ أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ وَاجِبٌ إِمَّا السِّتْرَ وَإِمَّا الْغَلْقَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ: (أَيُّمَا رَجُلٍ كَشَفَ سِتْرًا فَأَدْخَلَ بَصَرَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَقَدْ أَتَى حَدًّا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فَقَأَ عَيْنَهُ لَهُدِرَتْ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى بَابٍ لَا سُتْرَةَ عَلَيْهِ فَرَأَى عَوْرَةَ أَهْلِهِ فَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْهِ إِنَّمَا الْخَطِيئَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَابِ) .
следующие страницы →