Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.
стр. 5251
٣٧٨٤ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٧٨٤ - (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ) ; أَيْ حَكَمَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ) : حِينَ تَوَلَّى وَرَجَعَ مِنْ مَجْلِسِهِ الشَّرِيفِ (حَسْبِيَ اللَّهُ) : أَيْ هُوَ كَافِي فِي أُمُورِي (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) . ; أَيِ الْمَوْكُولُ إِلَيْهِ فِي تَفْوِيضِ الْأُمُورِ، وَقَدْ أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُ بَاطِلًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ: أَيْ عَلَى التَّقْصِيرِ وَالتَّهَاوُنِ فِي الْأُمُورِ (وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ) ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ; أَيْ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْحَزْمِ فِي الْأَسْبَابِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَرْضَى بِالتَّقْصِيرِ، وَلَكِنْ يَحْمَدُ عَلَى التَّيَقُّظِ وَالْحَزْمِ، فَلَا تَكُنْ عَاجِزًا وَتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ، بَلْ كُنْ كَيِّسًا مُتَيَقِّظًا حَازِمًا (فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: أَيْ حِينَئِذٍ (حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) . وَلَعَلَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَدَّاهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَعَاتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى التَّقْصِيرِ فِي الْأَشْهَادِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتِدْرَاكٌ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَيْسِ هُنَا التَّيَقُّظُ فِي الْأَمْرِ وَإِتْيَانُهُ بِحَيْثُ يُرْجَى حُصُولُهُ، فَيُحِبُّ أَنْ يُحْمَلَ الْعَجْزُ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْكَيْسَ، وَمَا هُوَ سَبَبٌ لَهُ مِنَ التَّقْصِيرِ وَالْغَفْلَةِ يَعْنِي: كَانَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَتَيَقَّظَ فِي مُعَامَلَتِكَ وَلَا تُقَصِّرَ فِيهَا. قِيلَ: مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَنَحْوِهَا بِحَيْثُ إِذَا حَضَرْتَ الْقَضَاءَ كُنْتَ قَادِرًا عَلَى الدَّفْعِ، وَحِينَ عَجَزْتَ عَنْ ذَلِكَ قُلْتَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَإِنَّمَا يُقَالُ: حَسْبِيَ اللَّهُ إِذَا بُولِغَ فِي الِاحْتِيَاطِ، وَإِذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى حُصُولِهِ كَانَ مَعْذُورًا فِيهِ، فَلْيَقُلْ حِينَئِذٍ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5252
٣٧٨٥ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: «ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ» .
ــ
٣٧٨٥ - (وَعَنْ بَهْزٍ ﵁ : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ فَسُكُونِ هَاءٍ، ثُمَّ زَايٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: هُوَ بَهْزُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيُّ الْبَصْرِيُّ، قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْهُ شَيْئًا، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَمْ أَرَ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا (ابْنِ حَكِيمٍ) : أَيِ ابْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي صُحْبَتِهِ نَظَرٌ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَخِيهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ، وَقَتَادَةُ، عَنْ جَدِّهِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ. ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ» ) . ; أَيْ فِي أَدَاءِ شَهَادَةٍ بِأَنْ كَذَبَ فِيهَا، أَوْ بِأَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ ذَنْبًا، أَوْ دَيْنًا، فَحَبَسَهُ ﷺ لِيَعْلَمَ صِدْقَ الدَّعْوَى بِالْبَيِّنَةِ، ثُمَّ لَمَّا لَمْ يُقِمِ الْبَيِّنَةَ خَلَّى عَنْهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ) . ; أَيْ: تَرَكَهُ عَنِ الْحَبْسِ بِأَنْ أَخْرَجَهُ مِنْهُ، وَالْمَعْنَى خَلَّى سَبِيلَهُ عَنْهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَبْسَ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ.
стр. 5253
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٧٨٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٧٨٦ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁، قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ حَكَمَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ: أَيْ أَوْجَبَ (أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَيْسَ عَلَى الْقَاضِي أَمْرٌ أَشَقُّ، وَلَا أَخْوَفُ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5254
[كِتَابُ الْجِهَادِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٧٨٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ ; كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا. قَالُوا: أَفَلَا نُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[١٨] كِتَابُ الْجِهَادِ
الْجِهَادُ: بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ لُغَةً الْمَشَقَّةُ، وَشَرْعًا بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ مُبَاشَرَةً، أَوْ مُعَاوَنَةً بِالْمَالِ، أَوْ بِالرَّأْيِ، أَوْ بِتَكْثِيرِ السَّوَادِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَفِي الْمُغْرِبِ: جَهَدَهُ حَمَّلَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، وَالْجِهَادُ مَصْدَرُ جَاهَدْتُ الْعَدُوَّ إِذَا قَابَلْتَهُ فِي تَحَمُّلِ الْجَهْدِ، أَوْ بَذَلَ كُلٌّ مِنْكُمَا جُهْدَهُ ; أَيْ: طَاقَتَهُ فِي دَفْعِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ غَلَبَ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهُوَ دَعْوَتُهُمْ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ وَقِتَالُهُمْ إِنْ لَمْ يَقْبَلُوا، وَفَضْلُ الْجِهَادِ عَظِيمٌ، وَكَيْفَ وَحَاصِلُهُ بَذْلُ أَعَزِّ الْمَحْبُوبَاتِ؟ وَإِدْخَالُ أَعْظَمِ الْمَشَقَّاتِ عَلَيْهِ؟ وَهُوَ نَفْسُ الْإِنْسَانِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَقَرُّبًا بِذَلِكَ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَأَشَقُّ مِنْهُ قَصْرُ النَّفْسِ عَلَى الطَّاعَاتِ فِي النَّشَاطِ، وَدَفْعُ الْكَسَلِ عَلَى الدَّوَامِ، وَمُجَانَبَةُ أَهَوِيَتِهَا. وَلِذَا قَالَ ﷺ وَقَدْ رَجَعَ مِنْ غُزَاةٍ: " «رَجَعْنَا مِنِ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» " وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ ﷺ أَخَّرَهُ فِي الْفَضِيلَةِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى وَقْتِهَا، فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ; أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: " بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ". قُلْتُ: ثُمَّ ; أَيُّ؟ قَالَ: " الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ". وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ جَعَلَهُ أَفْضَلَ بَعْدَ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ; أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " ; إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ " قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: " الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: " حَجٌّ مَبْرُورٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ صُورَةَ مُعَارَضَةٍ، لَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِحَالِ السَّائِلِ، فَإِذَا كَانَ السَّائِلُ يَلِيقُ بِهِ الْجِهَادُ لِمَا عَلِمَهُ مِنْ تَهْيِئَتِهِ لَهُ وَاسْتِعْدَادِهِ زِيَادَةً عَلَى غَيْرِهِ كَانَ الْجِهَادُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أَفْضَلَ مِمَّا لَيْسَ مِثْلِهِ فِي الْجَلَادَةِ وَالْغِنَى، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، وَتِلْكَ هِيَ الْفَرَائِضُ، وَفِي هَذَا لَا يَتَرَدَّدُ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَأَخْذَ النَّفْسِ بِهَا فِي أَوْقَاتِهَا عَلَى مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: «الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا أَفْضَلُ مِنِ الْجِهَادِ» ; لِأَنَّ هَذِهِ فَرْضُ عَيْنٍ وَتَتَكَرَّرُ، وَالْجِهَادُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّ افْتِرَاضَ الْجِهَادِ لَيْسَ إِلَّا لِلْإِيمَانِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، فَكَانَ مَقْصُودًا وَحَسَنًا لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا حَسَنَةٌ لِعَيْنِهَا، وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَفِيهِ طُولٌ إِلَى أَنْ
стр. 5255
قَالَ: " «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا شُجَّتْ وَجْهٌ وَلَا اغْبَرَّتْ قَدَمٌ فِي عَمَلٍ وَيُبْتَغَى بِهِ دَرَجَاتُ الْآخِرَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، كَجِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ". صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، ثُمَّ الْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، أَمَّا الْفَرْضِيَّةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ ﷺ : " «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» " وَبِهَذِهِ يَنْتَفِي مَا نُقِلَ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ. لِلنَّدْبِ، وَكَذَا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَيَجِبُ حَمْلُهُ إِنْ صَحَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : " «الْجِهَادُ مَاضٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". فَدَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُنْسَخُ، وَهَذَا لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدَ لَا يُفِيدُ الِافْتِرَاضَ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْإِيضَاحِ: إِذَا تَأَيَّدَ خَبَرُ الْوَاحِدِ بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ يُفِيدُ الْفَرْضِيَّةَ مَمْنُوعٌ، بَلِ الْمُفِيدُ حِينَئِذٍ الْكِتَابُ وَالْإِجْمَاعُ، وَجَاءَ الْخَبَرُ عَلَى وَفْقِهِمَا، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَدِيثِ، " «وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى أَنْ تُقَاتِلَ آخَرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ. لَا يَطُلْهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ» ". وَلَا شَكَّ أَنَّ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ أَنَّ الْجِهَادَ مَاضٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمْ يُنْسَخْ، فَلَا يُتَصَوَّرُ نَسْخُهُ بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَنَّهُ لَا قَائِلَ أَنَّ بِقِتَالِ آخَرِ الْأُمَّةِ الدَّجَّالَ، يَنْتَهِي وُجُوبُ الْجِهَادِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَيْسَ مُجَرَّدَ ابْتِلَاءِ الْمُكَلَّفِينَ، بَلْ إِغْرَاءُ الْمُكَلَّفِينَ، وَدَفْعُ شَرِّ الْكُفَّارِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ بِالْبُغْضِ سَقَطَ لِحُصُولِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ الْمَقْصُودُ مِنْهَا قَضَاءُ حَقِّ الْمَيِّتِ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِ، وَذَهَبَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِلَى أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ تَمَسُّكًا بِعَيْنِ الْأَدِلَّةِ إِذْ بِمِثْلِهَا تَثْبُتُ فُرُوضُ الْأَعْيَانِ قُلْنَا: نَعَمْ، لَوْلَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] الْآيَةَ، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] ، أَوْ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَيْنًا لَاشْتَغَلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِهِ، فَيَتَعَطَّلَ الْمَعَاشُ عَلَى مَا لَا يَخْفَى بِالزِّرَاعَةِ وَالْجَلْبِ بِالتِّجَارَاتِ، وَيَسْتَلْزِمَ قَطْعَ مَادَّةِ الْجِهَادِ مِنَ الْكُرَاعِ يَعْنِي الْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ وَالْأَقْوَاتَ فَيُؤَدِّي ; إِيجَابُهُ عَلَى الْكُلِّ إِلَى تَرْكِهِ لِلْعَجْزِ، فَلَزِمَ أَنْ يَجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ لُزُومَ مَا ذُكِرَ إِنَّمَا يَثْبُتُ إِذَا لَزِمَ فِي كَوْنِهِ فَرْضَ عَيْنٍ أَنْ يَخْرُجَ الْكُلُّ عَنِ الْأَمْصَارِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَيْسَ ذَلِكَ لَازِمًا بَلْ يَكُونُ كَالْحَجِّ عَلَى الْكُلِّ، بَلْ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ أَنْ يَخْرُجَ، فَفِي مَرَّةٍ طَائِفَةٌ، وَفِي مَرَّةٍ طَائِفَةٌ أُخْرَى، وَهَكَذَا. وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ تَعَطُّلَ الْمَعَاشِ، فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ نَصُّ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] ، ثُمَّ هَذَا إِذَا يَكُنِ النَّفِيرُ عَامًّا، فَإِنْ كَانَ كَأَنْ هَجَمُوا عَلَى بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَصِيرُ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَنْفِرُ عَدْلًا، أَوْ فَاسِقًا، فَيَجِبُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ النَّفَرُ، وَكَذَا مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَهْلِهَا كِفَايَةٌ، أَوْ تَكَاسَلُوا وَعَصَوْا، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَجِبَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ شَرْقًا وَغَرْبًا، كَجِهَازِ الْمَيِّتِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ يَجِبُ أَوَّلًا عَلَى أَهْلِ مَحَلَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا وَعَجَزُوا وَجَبَ عَلَى مَنْ بِبَلَدِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، هَكَذَا ذَكَرُوا، وَكَانَ مَعْنَاهُ إِذَا دَامَ الْحَرْبُ بِقَدْرِ مَا يَصِلُ الْأَبْعَدُونَ وَبَلَغَهُمُ الْخَبَرُ، وَإِلَّا فَهُوَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ رُكْبَانًا وَمُشَاةً، وَقِيلَ شُبَّانًا وَشُيُوخًا، وَقِيلَ عُزَّابًا وَمُتَزَوِّجِينَ، وَقِيلَ أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ ; أَيِ: انْفِرُوا مَعَ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَحَاصِلُهُ إِنْ لَمْ يُعْذَرْ أَحَدٌ فَأَفَادَ الْعَيْنِيَّةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْجِهَادَ عَلَى مَنْ ذَكَرَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَلَا يُفِيدُ تَعْيِينَهَا الْعَيْنِيَّةَ، بَلِ الْحَقُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ كُلِّهَا، لِإِفَادَةِ الْوُجُوبِ، ثُمَّ تُعْرَفُ الْكِفَايَةُ بِالْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَمَّا الْعَيْنِيَّةُ فَالْإِجْمَاعُ، مَعَ أَنَّهُ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ الْمَظْلُومِ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ: الْجِهَادُ وَاجِبٌ وَأَنَّهُمْ فِي سَعَةٍ مِنْ تَرْكِهِ حَتَّى يُحْتَاجَ إِلَيْهِمْ، هَذَا وَلَا بُدَّ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ فَلَا يَخْرُجُ الْمَرِيضُ الْمُذْنِفُ، وَأَمَّا الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ دُونَ الدَّفْعِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ لِتَكْثِيرِ السَّوَادِ فَإِنَّ فِيهِ إِرْهَابًا.
стр. 5256
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٧٨٧ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، يَعْنِي وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِمَا مُجْمَلًا وَمُفَصَّلًا (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ) : أَيْ فِي مَوَاقِيتِهَا (وَصَامَ رَمَضَانَ) ; خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ تَنْبِيهًا عَلَى عِظَمِ شَأْنِهِمَا وَتَحْرِيضًا عَلَيْهِمَا لِصُعُوبَةِ مَوْقِعِهِمَا عَلَى الطِّبَاعِ، وَمَنْ رَاعَاهُمَا مَعَ كَوْنِهِمَا أَشَقَّ لَا يَتْرُكُ غَيْرَهُمَا غَالِبًا، وَيُمْكِنُ أَنَّ وُرُودَ هَذَا الْحَدِيثِ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، أَوْ عَدَمَ ذِكْرِهِمَا لِاخْتِصَاصِهِمَا بِالْأَغْنِيَاءِ (كَانَ حَقًّا) : أَيْ: ثَابِتًا بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ (عَلَى اللَّهِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) : أَيْ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْإِيمَانِ كَافٍ لِمُطْلَقِ الدُّخُولِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ رَفْعُ الدَّرَجَاتِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ اللَّازِمِ، وَإِرَادَةِ الْمَلْزُومِ ; لِأَنَّ رَفْعَهَا يَسْتَلْزِمُ الدُّخُولَ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ الدُّخُولَ بِالْفَضْلِ وَالرَّفْعَ بِالْأَعْمَالِ (جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، وَرُوِيَ: هَاجَرَ (أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا) أَيْ وَلَمْ يُجَاهِدْ وَلَمْ يُهَاجِرْ، وَالتَّسْوِيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ صَدَرَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ; لِأَنَّ الْهِجْرَةَ قَبْلَهُ كَانَتْ فَرِيضَةً لِكُلِّ مُؤْمِنٍ فِي الِابْتِدَاءِ. (قَالُوا: أَفَلَا نُبَشِّرُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بِهِ (النَّاسَ؟ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ: الْقَائِلُ فِي قَالُوا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ، وَزَادَ بَعْدَهُ قَالَ: " ذَرِ النَّاسَ يَعْمَلُونَ فَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ " (مِائَةَ دَرَجَةٍ) : زَادَ التِّرْمِذِيُّ: لَوْ أَنَّ الْعَالَمِينَ اجْتَمَعُوا فِي إِحْدَاهُنَّ لَوَسِعَتْهُمْ (أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، هُمُ الْغُزَاةُ، أَوِ الْحُجَّاجُ، أَوِ الَّذِينَ جَاهَدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ (مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ، وَرَدَ فِي حَدِيثٍ: إِنَّ مَا بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ) : أَيْ عَلَى الْجِهَادِ دَرَجَةً عَالِيَةً (فَسَلُوهُ) : بِالتَّخْفِيفِ وَالنَّقْلِ ; أَيْ: فَاطْلُبُوا مِنْهُ (الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ) : أَيِ الْفِرْدَوْسَ (أَوْسَطُ الْجَنَّةِ) : أَيْ أَعْدَلُهَا وَأَفْضَلُهَا وَأَوْسَعُهَا وَخَيْرُهَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ (وَأَعْلَى الْجَنَّةِ) ، قِيلَ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السَّمَاوَاتِ كُرِّيَّةٌ، فَإِنَّ الْوَسَطَ لَا يَكُونُ أَعْلَى إِلَّا إِذَا كَانَ كُرِّيًّا. قَالَ الطِّيبِيُّ: النُّكْتَةُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَعْلَى وَالْأَوْسَطِ أَنَّهُ أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا الْحِسِّيَّ وَبِالْآخَرِ الْمَعْنَوِيَّ، فَإِنَّ وَسَطَ الشَّيْءِ أَفْضَلُهُ وَخِيَارُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يَتَسَارَعُ إِلَيْهَا الْخَلَلُ، وَالْأَوْسَاطَ مَحْمِيَّةٌ مَحْفُوظَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَانَتْ هِيَ الْوَسَطَ الْمَحْمِيَّ، فَاكْتَنَفَتْ بِهَا الْحَوَادِثُ حَتَّى أَصْبَحَتْ طَرْفًا. (وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ) ، فَهُوَ سَقْفُ الْجَنَّةِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَفَوْقَ بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَيَّدَهُ الْأَصِيلِيُّ بِضَمِّ الْقَافِ ; أَيْ أَعْلَاهُ، وَالْجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِ. (وَمِنْهُ) : أَيْ مِنَ الْفِرْدَوْسِ (تُفَجَّرُ) : أَيْ تَتَفَجَّرُ (أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) . ; أَيْ أُصُولُ الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ مِنَ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَالْخَمْرِ وَالْعَسَلِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا وَرَدَ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَاهَا؟ قُلْتُ: هُوَ مُطْلَقٌ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ، أَوْ تَفْسِيرٌ لِلْمُجَاهِدِينَ بِالْعُمُومِ دَرَجَةً وَالدَّرَجَاتُ بِحَسَبِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الْجِهَادِ، فَيَكُونُ الْفِرْدَوْسُ لِمَنْ جَاهَدَ حَقَّ جِهَادِهِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ تُجْرَى الدَّرَجَاتُ عَلَى ظَاهِرِهِ مَحْسُوسًا كَمَا جَاءَ فِي أَهْلِ الْغُرَفِ أَنَّهُمْ يُتَرَاءَوْنَ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ وَأَنْ تُجْرَى عَلَى الْمَعْنَى، وَالْمُرَادُ كَثْرَةُ النَّعِيمِ وَعَظِيمُ الْإِحْسَانِ مِمَّا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5257
٣٧٨٨ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ، لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٨٨ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» ) : أَيْ بِالصَّلَاةِ وَالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الْوَاقِفُ فِي الصَّلَاةِ دُونَ الْقَاعِدِ (الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ) ; أَيِ الْقَارِئِ بِهَا. وَقَالَ شَارِحٌ: الْمُرَادُ بِهِ الْقَارِئُ لِلْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: الْقُنُوتُ فِي الْحَدِيثِ يَرِدُ لِمَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَالطَّاعَةِ وَالْخُشُوعِ وَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالْعِبَادَةِ وَالْقِيَامِ وَطُولِ الْقِيَامِ وَالسُّكُوتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ هُنَا بِالْقَانِتِ الْقَائِمُ، فَيَكُونُ تَعَلُّقُ الْبَاءِ بِهِ كَتَعَلُّقِهِ فِي قَوْلِكَ: قَامَ بِالْأَمْرِ إِذَا جَدَّ فِيهِ وَتَجَلَّدَ لَهُ، فَالْمَعْنَى الْقَائِمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ اسْتِفْرَاغِ الْجُهْدِ فِي مَعْرِفَةِ كِتَابِ اللَّهِ، وَالِامْتِثَالِ بِمَا أَمَرَ بِهِ، وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ طُولُ الْقِيَامِ فَيَكُونُ تَابِعًا لِلْقَائِمِ ; أَيِ الْمُصَلِّي الَّذِي يَطُولُ قِيَامُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَكْثُرُ قِرَاءَتُهُ فِيهَا، وَيُؤَيِّدُ الْوَجْهَ الثَّانِي قَوْلُهُ: (لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ) . وَيَفْتُرُ كَيَنْصُرُ ; أَيْ: لَا يَسْأَمُ وَلَا يَمَلُّ مِنَ الْعِبَادَةِ (حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . أَيْ: إِلَى بَيْتِهِ، أَوْ حَتَّى يَنْصَرِفَ عَنْ جِهَادِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فِيمَا شُبِّهَتْ حَالُ الْمُجَاهِدِ بِحَالِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ؟ قُلْتُ: فِي نَيْلِ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ بِكُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ فِي كُلِّ حِينٍ وَأَوَانٍ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ مَنْ لَا يَفْتُرُ سَاعَةً مِنْ سَاعَاتِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ مِنْ صِيَامِهِ وَصَلَاتِهِ، شَبَّهَ الْمُجَاهِدَ الَّذِي لَا يُضَيِّعُ لَمْحَةً مِنْ لَمَحَاتِهِ مِنْ أَجْرٍ وَثَوَابٍ، سَوَاءٌ كَانَ قَائِمًا، أَوْ نَائِمًا يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ أَمْ لَا. بِالصَّائِمِ الْقَائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ عَمَّا هُوَ فِيهِ، فَهُوَ مِنَ التَّشْبِيهِ الَّذِي الْمُشَبَّهُ بِهِ مَفْرُوضٌ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] الْآيَتَيْنِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قِيلَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ " لَا تَسْتَطِيعُونَهُ ". فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: " لَا تَسْتَطِيعُونَهُ ".، ثُمَّ قَالَ: " مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ، لَا يَفْتُرُ عَنْ صَلَاتِهِ، وَلَا صِيَامِهِ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ - كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ إِنْ تَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ» ". رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
стр. 5258
٣٧٨٩ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي ; أَنْ أَرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٨٩ - (وَعَنْهُ) ; أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْتَدَبَ اللَّهُ) : أَيْ ضَمِنَ (لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ) : أَيِ الْجِهَادِ (لَا يُخْرِجُهُ) : أَيْ حَالَ كَوْنِهِ لَا يَكُونُ بَاعِثُ خُرُوجِهِ (إِلَّا ; إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي) ، فِيهِ الْتِفَاتٌ وَفِي جَمْعِ الرُّسُلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تَصْدِيقَ وَاحِدٍ تَصْدِيقٌ لِلْكُلِّ، أَوْ إِيمَاءٌ إِلَى تَعْظِيمِهِ فَإِنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْكُلِّ (أَنْ أَرْجِعَهُ) : بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَكَسْرِ جِيمٍ ; أَيْ أَرُدَّهُ (بِمَا نَالَ) : أَيْ أَدْرَكَ (مَنْ أَجْرٍ) : أَيْ فَقَطْ إِنْ لَمْ يَغْنَمْ شَيْئًا (أَوْ غَنِيمَةٍ) ; أَيْ مَعَهَا أَجْرٌ فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: (أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) ، عَطْفًا عَلَى أَرْجِعَهُ ; أَيْ دُخُولًا أَوَّلِيًّا. وَفِي النِّهَايَةِ: انْتَدَبَ اللَّهُ ; أَيْ أَجَابَهُ إِلَى غُفْرَانِهِ، يُقَالُ: نَدَبْتُهُ فَانْتَدَبَ ; أَيْ بَغَيْتُهُ وَدَعَوْتُهُ، فَأَجَابَ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ تَضَمَّنَ اللَّهُ، وَفِي بَعْضِهَا تَكَفَّلَ اللَّهُ، وَكِلَاهَا أَشْبَهُ بِنَسَقِ الْكَلَامِ مِنْ قَوْلِهِ: انْتَدَبَ اللَّهُ وَكُلُّ ذَلِكَ صِحَاحٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: أَنْ أَرْجِعَ مُتَعَلِّقٌ بِانْتَدَبَ بِحِرَفِ الْجَارِّ عَلَى تَضْمِينِ تَكَفَّلَ ; أَيْ: تَكَفَّلَ اللَّهُ بِأَنْ يَرْجِعَهُ، فَأَرْجِعَهُ حِكَايَةُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَعَلَّ انْتَدَبَ اشْبَهُ وَأَبْلَغُ، وَلِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِدَعْوَةِ الدَّاعِي مِثْلَ صُورَةِ خُرُوجِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالدَّاعِي الَّذِي يَدْعُو لِلَّهِ، وَيَنْدِبُهُ لِنُصْرَتِهِ عَلَى أَعْدَاءِ الدِّينِ وَقَهْرِهِ أَحْزَابَ الشَّيَاطِينِ، وَنَيْلِ أُجُورِهِ وَالْفَوْزِ بِالْغَنِيمَةِ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، وَكَانَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي لَا غَرَضَ لَهُ فِي جِهَادِهِ سِوَى التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَوَصْلَةٍ يَنَالُ
стр. 5259
بِهَا الدَّرَجَاتِ الْعُلَى تَعَرَّضَ بِجِهَادِهِ لِطَلَبِ النَّصْرِ وَالْمَغْفِرَةِ، فَأَجَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِبُغْيَتِهِ وَوَعَدَ لَهُ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، إِمَّا السَّلَامَةَ وَالرُّجُوعَ بِالْأَجْرِ وَالْغَنِيمَةِ. وَإِمَّا الْوَصْلَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْفَوْزَ بِمَرْتَبَةِ الشَّهَادَةِ، وَقَوْلُهُ: (بِمَا نَالَ) عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي ; وَارِدٌ عَلَى تَحَقُّقِ وَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُصُولِهِ، وَقَوْلُهُ: (إِلَّا ; إِيمَانٌ بِي) بِالرَّفْعِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: (إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا) بِالنَّصْبِ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ; أَيْ: لَا يُخْرِجُهُ مُخْرِجٌ وَلَا يُحَرِّكُهُ مُحَرِّكٌ إِلَّا إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: عَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَعَمَّ عَامَّ الْفَاعِلِ ; أَيْ لَا يُخْرِجُهُ مُخْرِجٌ وَلَا يُحَرِّكُهُ مُحَرِّكٌ إِلَّا إِيمَانٌ وَتَصْدِيقٌ، وَعَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَعَمَّ عَامَّ الْمَفْعُولِ لَهُ ; أَيْ: لَا يُخْرِجُهُ الْمُخْرِجُ وَلَا يُحَرِّكُهُ الْمُحَرِّكُ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا لِلْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ. وَقَالَ الْأَشْرَفُ: فِي الْكَلَامِ إِضْمَارٌ ; أَيِ انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ قَائِلًا لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي. قُلْتُ: فَالْجُمْلَةُ مَقُولُ الْقَوْلِ، وَهُوَ حَالٌ عَنِ اللَّهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ ﷺ نَقَلَ كَلَامَهُ تَعَالَى أَوَّلًا بِالْمَعْنَى، ثُمَّ عَادَ إِلَى نَقْلِ نَظْمِهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: انْتَدَبْتُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِي إِلَخْ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْأَوْفَقُ أَنْ يَكُونَ الْتِفَاتًا إِذْ لَوْ قِيلَ لَا إِيمَانَ بِهِ لَكَانَ مُجْرًى عَلَى الظَّاهِرِ، وَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى الْإِضْمَارِ، فَعُدِلَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِ الْمُخْرِجِ وَمَزِيدًا لِاخْتِصَاصِهِ وَقُرْبِهِ، وَالْجَارُّ مِنْ أَنْ أَرْجِعَهُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ أَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ بِأَنْ قَالَ: إِمَّا أَنْ أَرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرْوَى، أَوْ غَنِيمَةٍ وَهُوَ لَفْظُ الْكِتَابِ، وَيُرْوَى بِالْوَاوِ وَهُوَ أَوْجَهُ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَسَدُّهُمَا مَعْنًى. قُلْتُ: فِيهِ بَحَثٌ إِذْ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ إِلَّا بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْأَجْرِ وَالْغَنِيمَةِ وَهِيَ قَدْ تَحْصُلُ وَقَدْ لَا تَحْصُلُ، فَالرِّوَايَةُ بَأَوْ هِيَ الْأَصْلُ وَالْأَوْلَى، وَتُحْمَلُ الْوَاوُ عَلَى مَعْنَاهَا لِيَتِمَّ الْمَعْنَى عَلَى الْمَبْنَى، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالُوا: مَعْنَاهُ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ مَعَ مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ بِلَا غَنِيمَةٍ إِنْ لَمْ يَغْنَمُوا، أَوْ مَعَ الْأَجْرِ وَالْغَنِيمَةِ مَعًا إِنْ غَنِمُوا، وَقِيلَ: إِنَّ (أَوْ) هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ ; أَيْ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ إِذْ وَقَعَ بِالْوَاوِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى.
قَالَ الطِّيبِيُّ: (أَوْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ وَرَدَ فِي التَّنْزِيلِ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦] كَذَا ذَكَرَهُ الْقُتَيْبِيُّ. قُلْتُ: لَا مَانِعَ مِنْ وُرُودِ (أَوْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي صِحَّةِ إِيرَادِهِ هَاهُنَا عَلَى مَا سَبَقَ فِي تَحْقِيقِ الْمَعْنَى، مَعَ أَنَّ الْمِثَالَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ أَنَّ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ (أَوْ) فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ ; أَيْضًا إِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُلْقِيَاتِ، أَوْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُكَلَّفِينَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: أَوْ غَنِيمَةٍ عَطْفٌ عَلَى أَجْرٍ، وَأَدْخَلَهُ عَلَى أَرْجِعَهُ فَيَكُونُ صِلَةَ أَنْ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَابَ الْخَارِجَ فِي سَبِيلِهِ إِمَّا بِأَنْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ مَعَ أَجْرٍ بِلَا غَنِيمَةٍ، أَوْ أَجْرٍ مَعَ غَنِيمَةٍ، وَإِمَّا أَنْ يُسْتَشْهَدَ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُدْخِلَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فِي الشُّهَدَاءِ: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وَأَنْ يُرَادَ دُخُولُهُ الْجَنَّةَ مَعَ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، وَتَكُونُ الشَّهَادَةُ مُكَفِّرَةً لِذُنُوبِهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 5260
٣٧٩٠ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ ; مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٩٠ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا) : أَيْ فُقَرَاءَ (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ) : أَيْ لَا تَرْضَى (أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي) ، لِعَدَمِ مَرْكُوبِهِمْ (وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ) : أَيْ جَمَاعَةٍ قَلِيلَةٍ (تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ) ، بِكَسْرِ الدَّالِ ; أَيْ تَمَنَّيْتُ (أَنْ أُقْتَلَ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ; أَيْ أُسْتَشْهَدَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ مِنَ الْإِحْيَاءِ (ثُمَّ أُقْتَلَ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ، ثُمَّ أُحْيَا) ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (ثُمَّ أُقْتَلَ) . وَفِي تَرْكِهِ، ثُمَّ أُحْيَا مُبَالَغَةٌ بَلِيغَةٌ لَا تَخْفَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ فَضِيلَةُ الْغَزْوِ وَالشَّهَادَةِ وَتَمَنِّي الشَّهَادَةِ وَالْخَيْرِ، وَمَا لَا يُمْكِنُ فِي الْعَادَةِ مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَفِيهِ أَنَّ الْجِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ لَا مِنَ الْعَيْنِ. قُلْتُ: وَفِيهِ بَحْثٌ إِذْ قَدْ يَصِيرُ عَيْنًا، وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالرَّأْفَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ مَا يَخْتَارُهُ لِلرِّفْقِ بِالْمُسْلِمِينَ يَعْنِي الَّذِينَ لَا مَرْكُوبَ لَهُمْ، فَإِنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتِ الْمَصَالِحُ يُؤْثَرُ أَهَمُّهَا اه. فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَدَرَ مِنْهُ هَذَا التَّمَنِّي مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ التَّمَنِّيَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5261
٣٧٩١ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٩١ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ ﵁ ; أَيِ السَّاعِدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» ) . وَفِي نُسْخَةٍ وَمَا فِيهَا ; أَيْ مِنَ الْمَالِ الْمُنْفَقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَزَاؤُهُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَ (لَرِبَاطٌ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ هُوَ الْإِقَامَةُ فِي مَكَانٍ يُتَوَقَّعُ هُجُومُ الْعَدُوِّ فِيهِ لِقَصْدِ دَفْعِهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَسَيَأْتِي زِيَادَةً فِي تَحْقِيقِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَزَادَ الْبُخَارِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُ: " «وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ، أَوِ الْغَدْوَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» ". وَرَوَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ: " «رِبَاطُ يَوْمٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ» ". وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عُثْمَانَ وَلَفْظُهُ: " «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ» ". وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ " «رِبَاطُ شَهْرٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ دَهْرٍ، وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمِنَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَغُدِيَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ وَرِيحٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَيُجْرَى عَلَيْهِ أَجْرُ الْمُرَابِطِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ» ".
стр. 5262
٣٧٩٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٩٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَغَدْوَةٌ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ ; أَيْ ذَهَابٌ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ النَّهَارِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ رَوْحَةٌ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ; أَيْ: ذَهَابٌ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْهُ، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ (خَيْرٌ) : أَيْ: كُلٌّ مِنْهُمَا (مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) . وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّامَ لِلِابْتِدَاءِ، أَوِ الْقَسَمِ، وَالْمَعْنَى فَضْلُ الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا كُلِّهَا ; لِأَنَّهَا زَائِلَةٌ فَانِيَةٌ وَنِعَمُ الْآخِرَةُ كَامِلَةٌ بَاقِيَةٌ، وَمُحْتَمَلٌ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الثَّوَابِ خَيْرٌ مِنَ الثَّوَابِ الَّذِي يَحْصُلُ لِمَنْ لَوْ حَصَلَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَأَنْفَقَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَزَادَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ، أَوْ مَوْضِعُ قِدِّهِ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوِ اطَّلَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ لَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا وَلَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ، وَالْقِدُّ بِالْكَسْرِ وَتَرُ الْقَوْسِ، وَالنَّصِيفُ الْخِمَارُ نِصْفَ الْمُقَنَّعَةِ.
стр. 5263
٣٧٩٣ - وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧٩٣ - (وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ : بِكَسْرِ الرَّاءِ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ» ) ، فِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: الرِّبَاطُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ مُلَازَمَةُ الْمَكَانِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لِحِرَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: الرِّبَاطُ الْمُرَابَطَةُ، وَهُوَ أَنْ يَرْبِطَ هَؤُلَاءِ خُيُولَهُمْ فِي ثَغْرِهِمْ وَهَؤُلَاءِ خُيُولَهُمْ فِي ثَغْرِهِمْ، وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمْ مُعِدًّا لِصَاحِبِهِ مُتَرَصِّدًا لِمَقْصِدِهِ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهَا، فَأُطْلِقَتْ عَلَى رَبْطِ الْخَيْلِ وَالِاسْتِعْدَادِ بِغَزْوِ الْعَدُوِّ، وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ اه. وَكَأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] الْآيَةَ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إِطْلَاقُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] الْآيَةَ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْهُ ﷺ : " «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ; إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوَثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". وَفِي النِّهَايَةِ: الرِّبَاطُ فِي الْأَصْلِ الْإِقَامَةُ عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ بِالْحَرْبِ وَارْتِبَاطُ الْخَيْلِ وَإِعْدَادُهَا، وَالْمُرَابَطَةُ أَنْ يَرْبِطَ الْفَرِيقَانِ خُيُولَهُمْ فِي ثَغْرِ كُلٍّ مِنْهُمَا مُعِدًّا لِصَاحِبِهِ، وَسُمِّيَ الْمَقَامُ فِي الثُّغُورِ رِبَاطًا، فَيَكُونُ الرِّبَاطُ مَصْدَرَ رَابَطْتُ ; أَيْ لَازَمْتُ، وَفِي الْمُقَدِّمَةِ: الرِّبَاطُ مُلَازَمَةُ الثَّغْرِ لِلْجِهَادِ، وَأَصْلُهُ الْحَبْسُ ; كَأَنَّ الْمُرَابِطَ حَبَسَ نَفْسَهُ
стр. 5264
فِيهِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَالثَّغْرُ مَا يَلِي دَارَ الْعَدُوِّ. (وَإِنْ مَاتَ) : أَيِ الْمُرَابِطُ بِدَلَالَةِ الرِّبَاطِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، أَوْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ (جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ) : أَيْ ثَوَابُ عَمَلِهِ (الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ) : أَيْ فِي حَيَاتِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَصِلُ إِلَيْهِ ثَوَابُ عَمَلِهِ أَبَدًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذِهِ فَضِيلَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُرَابِطِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الْمُرَابِطَ فَإِنَّهُ يُنَمَّى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . (وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ أُوصِلَ إِلَيْهِ (رِزْقُهُ) ; أَيْ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَعْنَى جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ كَقَوْلِهِ جَرَى عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ; أَيْ: يُقَدَّرُ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَا جَرَى مِنْهُ قَبْلَ الْمَمَاتِ، فَجَرَى هُنَا. بِمَعْنَى قُدِّرَ، وَنَحْوُهُ فِي الْمَرِيضِ قَوْلُهُ ﷺ : " «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ مِنَ الْعِبَادَةِ، ثُمَّ مَرِضَ قِيلَ لِلْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِهِ اكْتُبْ لَهُ مِثْلَ عَمَلِهِ إِذَا كَانَ طَلِيقًا» ". قُلْتُ: وَكَذَا وَرَدَ فِي الْمُسَافِرِ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ. قَالَ: وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ ﷺ : " وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ " تَلْمِيحًا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (يُرْزَقُونَ) أُجْرِيَ مَجْرَاهُ فِي الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (وَأَمِنَ الْفَتَّانَ) . بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ ; أَيْ عَذَابَ الْقَبْرِ وَفِتْنَتَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، أَوِ الَّذِي يَفْتِنُ الْمَقْبُورَ بِالسُّؤَالِ فَيُعَذِّبُهُ، وَقِيلَ: أَرَادَ الدَّجَّالَ، وَقِيلَ: الشَّيْطَانَ فَإِنَّهُ يَفْتِنُ النَّاسَ بِخَدْعِهِ إِيَّاهُمْ وَبِتَزْيِينِ الْمَعَاصِي لَهُمْ. وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ الْفَاءِ.
وَقَالَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: وَيُرْوَى الْفُتَّانُ جَمْعُ فَاتِنٍ ; أَيْ نَارٌ مُحْرِقَةٌ، أَوِ الزَّبَانِيَةُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ الْكُفَّارَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطُوهُ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَالثَّانِي أُومِنَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِثْبَاتِ الْوَاوِ، وَالْفُتَّانُ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ بِضَمِّ الْفَاءِ جَمْعُ فَاتِنٍ، وَرِوَايَةُ الطَّبَرَانِيِّ بِالْفَتْحِ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَأُمِنَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِذَا رُوِيَ بِالْفَتْحِ فَالْوَجْهُ مَا قِيلَ: مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الَّذِي يَفْتِنُ الْمَقْبُورَ بِالسُّؤَالِ فَيُعَذِّبُهُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " فَيُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَصَمُّ " وَإِنْ رُوِيَ بِالضَّمِّ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْفِتَنِ بَعْدَ الْإِقْبَارِ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ وَالسُّؤَالِ وَالتَّعْذِيبِ فِي الْقَبْرِ، وَبَعْدَهُ مِنْ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: زَادَ الطَّبَرَانِيُّ: وَبُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَهِيدًا، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدِ ثِقَاتٍ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ " «مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا أَمِنَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ» " وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: " وَبَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا مِنَ الْفَزَعِ " وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ صَلَاةَ الْمُرَابِطِ تَعْدِلُ خَمْسَمِائَةِ صَلَاةٍ، وَنَفَقَتُهُ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِمِائَةِ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِهِ» ". وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ كَثِيرَةٌ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ الرِّبَاطُ، فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَفِي النَّوَازِلِ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكُونُ وَرَاءَهُ إِسْلَامٌ ; لِأَنَّ مَا دُونَهُ لَوْ كَانَ رِبَاطًا، فَكُلُّ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِهِمْ مُرَابِطُونَ، وَيُؤَيِّدُهَا فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ﵄، عَنْهُ ﵊: " «مَنْ حَرَسَ مِنْ وَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﵎ مُتَطَوِّعًا لَا يَأْخُذُهُ سُلْطَانٌ لَمْ يَرَ النَّارَ بِعَيْنِهِ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] » . رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، لَكِنْ لَيْسَ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ، فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ لَيْسَ فِيهَا سِوَى الْحِرَاسَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَلِتُخْتَمَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ بِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﷺ قَالَ: ( «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ» " زَادَ فِي رِوَايَةٍ: " «وَعَبْدُ الْقَطِيفَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَعَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثُ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٌ قَدَمَاهُ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ» ) .
стр. 5265
٣٧٩٤ - وَعَنْ أَبِي عَبْسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٧٩٤ - (وَعَنْ أَبِي عَبْسٍ ﵁ : بِفَتْحٍ فَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ. هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ الْحَارِثِيُّ غَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ) : وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ: اغْبَرَّتَا، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ، وَالْمَعْنَى صَارَتَا ذَاتَيْ غُبَارٍ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ; هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ كُلُّ سَبِيلٍ يُطْلَبُ فِيهِ رِضَاهُ،
стр. 5266
فَيَتَنَاوَلُ سَبِيلَ طَلَبِ الْعِلْمِ وَحُضُورِ صَلَاةِ جَمَاعَةٍ وَعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَشُهُودِ جِنَازَةٍ وَنَحْوِهَا، وَلَكِنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى سَبِيلِ الْجِهَادِ، وَقِيلَ: يُحْمَلُ عَلَى سَبِيلِ الْحَجِّ لِخَبَرِ: إِنَّ رَجُلًا جَعَلَ بَعِيرًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَمَرَهُ ﷺ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ الْحَاجَّ، وَمِنْ هُنَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي مَصْرُوفِ الزَّكَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] هَلْ هُوَ مُنْقَطِعُ الْغُزَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، أَوْ مُنْقَطِعُ الْحَاجِّ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ. (فَتَمَسَّهُ النَّارُ) : بِنَصْبِ تَمَسَّهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ السُّيُوطِيُّ وَغَيْرُهُ ; أَيْ: إِنَّ الْمَسَّ مُنْتَفٍ بِوُجُودِ الْغُبَارِ الْمَذْكُورِ قَبْلَ عَدَمِ الِاغْبِرَارِ ; أَيْ عَدَمِ الْجِهَادِ فِيمَا إِذَا كَانَ فَرْضُ عَيْنٍ سَبَبٌ لِلْمَسِّ ; لِأَنَّ سَبَبِيَّةَ الْكُلِّ تَسْتَلْزِمُ سَبَبِيَّةَ الْجُزْءِ، وَقِيلَ هُوَ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ بِالْمُحَالِ ; أَيْ لَيْسَ فِي شَأْنِ الْمُجَاهِدِ سَبَبٌ لِلْمَسِّ إِلَّا أَنْ يُفْرَضَ أَنَّ جِهَادَهُ سَبَبٌ لَهُ، وَهُوَ لَيْسَ بِسَبَبٍ لَهُ، فَالِاغْبِرَارُ لَيْسَ سَبَبًا لَهُ. قَالَ الْبَرْمَاوِيُّ: أَيْ أَنَّ الِاغْبِرَارَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ الْمَسُّ مُنْتَفٍ بِانْتِفَاءِ الْمَسِّ فَقَطْ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: فَتَمَسَّهُ النَّارُ مُسَبَّبٌ عَنْ قَوْلِهِ: اغْبَرَّتْ، وَالنَّفْيُ مُنْصَبٌّ عَلَى الْقَبِيلَيْنِ مَعًا، وَفَائِدَتُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمَذْكُورِ مُحَالٌ حُصُولُهُ، فَإِذَا كَانَ مَسُّ الْغُبَارِ قَدَمَيْهِ دَافِعًا لِمَسِّ النَّارِ إِيَّاهُ، فَكَيْفَ إِذَا سَعَى فِيهَا وَاسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ، وَأَلْقَى النَّفْسَ النَّفِيسَ عَلَيْهَا بِشَرَاشِرِهِ فَقَتَلَ وَقُتِلَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 5267
٣٧٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أَبَدًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧٩٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ» ) : فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. قَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِمَنْ قَتَلَ كَافِرًا فِي الْجِهَادِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُكَفِّرًا لِذُنُوبِهِ حَتَّى لَا يُعَاقَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ يَكُونَ عِقَابُهُ بِغَيْرِ النَّارِ، أَوْ يُعَاقَبَ فِي غَيْرِ مَكَانِ عِقَابِ الْكُفَّارِ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي إِدْرَاكِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَجْهُ وَهُوَ مِنَ الْكِنَايَةِ التَّلْوِيحِيَّةِ نَفَى الِاجْتِمَاعَ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمُجَاهِدُ النَّارَ أَبَدًا، فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَهَا لَسَاوَاهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، وَلَا يَجْتَمِعُ عَلَى عَبْدٍ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ. وَفِي رِوَايَةٍ: فِي مَنْخِرَيْ مُسْلِمٍ، وَقَوْلُهُ: أَبَدًا بِمَعْنَى قَطُّ فِي الْمَاضِي، وَعِوَضٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ تَنْزِيلًا لِلْمُسْتَقْبَلِ مَنْزِلَةَ الْمَاضِي. الْجَوْهَرِيُّ، يُقَالُ: لَا أَفْعَلُهُ أَبَدَ الْأَبَدِ وَأَبَدَ الْآبِدِينَ كَمَا يُقَالُ: دَهْرَ الدَّاهِرِينَ وَعِوَضَ الْعَائِضِينَ، وَالْمَقَامُ يَقْتَضِيهِ ; لِأَنَّهُ تَرْغِيبٌ فِي الْجِهَادِ وَحَثٌّ عَلَيْهِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ: «مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ» . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ.
стр. 5268
٣٧٩٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ، رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً، أَوْ فَزْعَةً، طَارَ عَلَيْهِ يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ ; لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧٩٦ - (وَعَنْهُ) : أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ) : قَالَ الْقَاضِي: الْمَعَاشُ الْمُتَعَيَّشُ بِهِ يُقَالُ: عَاشَ الرَّجُلُ مَعَاشًا وَمَعِيشًا وَمَا يُعَاشُ بِهِ، فَيُقَالُ لَهُ مَعَاشٌ وَمُعِيشٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِهِمَا ; أَيْ بِالْمَعْنَيَيْنِ وَرَجُلٌ بِالِابْتِدَاءِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ ; أَيْ مَعَاشِ رَجُلٍ هَذَا شَأْنُهُ مِنْ خَيْرِ مَعَاشِهِمُ النَّافِعِ لَهُمْ. (يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ) : أَيْ يُسْرِعُ رَاكِبًا عَلَى ظَهْرِهِ مُسْتَعَارٌ مِنْ طَيَرَانِ الطَّائِرِ (كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً) : بِفَتْحِ هَاءٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ ; أَيْ صَيْحَةً يَفْزَعُ مِنْهَا وَيَجْبُنُ، مِنْ: هَاعَ يَهِيعُ إِذَا جَبُنَ (أَوْ فَزْعَةً) : أَيْ مَرَّةً مِنَ الِاسْتِغَاثَةِ وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَزْعَةُ فُسِّرَ هُنَا بِالِاسْتِغَاثَةِ مِنْ فَزِعَ إِذَا اسْتَغَاثَ، وَأَصْلُ الْفَزَعِ شِدَّةُ الْخَوْفِ (وَطَارَ عَلَيْهِ) : أَيْ أَسْرَعَ رَاكِبًا عَلَى فَرَسِهِ طَائِرًا إِلَى الْهَيْعَةِ، أَوِ الْفَزْعَةِ (يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ) ، بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنَ الْمَوْتِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفُ يَبْتَغِي وَهُوَ اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِحَالِهِ، أَوْ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ طَارَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَا يُبَالِي وَلَا يَحْتَرِزُ مِنْهُ، بَلْ يَطْلُبُهُ حَيْثُ يَظُنُّ أَنَّهُ يَكُونُ فِي مَظَانِّهِ جَمْعُ مَظِنَّةٍ، وَهِيَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُعْهَدُ فِيهِ الشَّيْءُ، وَيُظَنُّ أَنَّهُ فِيهِ، وَوَحَّدَ الضَّمِيرَ فِي مَظَانِّهِ إِمَّا لِأَنَّهُ الْحَاصِلُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا وَاحِدٌ، أَوْ لِأَنَّهُ اكْتَفَى بِإِعَادَةِ الضَّمِيرِ إِلَى الْأَقْرَبِ، كَمَا اكْتَفَى بِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (
стр. 5269
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] قُلْتُ: وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ بَأَوْ فَإِفْرَادُهُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَيُمْكِنُ جَعْلُ الْوَاوِ بِمَعْنَى أَوْ لِتَجْتَمِعَ الرِّوَايَاتُ. (أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ) : أَيْ فِي مَعَاشِهِ، وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ إِنْ جُعِلَ مَصْدَرًا، أَوْ بِمَحْذُوفٍ هُوَ صِفَةٌ لِرَجُلٍ، وَغُنَيْمَةٌ تَصْغِيرُ غُنْمٍ، وَهُوَ مُؤَنَّثٌ سَمَاعِيُّ، وَلِذَلِكَ صُغِّرَتْ بِالتَّاءِ، وَالْمُرَادُ قِطْعَةُ غُنْمٍ (فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ) . بِفَتْحَتَيْنِ ; أَيْ رَأْسِ جَبَلٍ (مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ) ، يُرِيدُ بِهِ الْجَنْيَ لَا الْعَهْدَ (أَوْ بَطْنِ وَادٍ) : أَيْ فِي بَطْنِ وَادٍ (مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ) : أَيْ إِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ (وَيَعْبُدُ رَبَّهُ) : تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ) ; أَيِ الْمَوْتُ سُمِّيَ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: الْمَوْتُ يَقِينٌ يُشْبِهُ الشَّكَّ (لَيْسَ) : أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ، أَوِ الثَّانِي، وَهُوَ أَقْرَبُ (مِنَ النَّاسِ) : أَيْ مِنْ أُمُورِهِمْ (إِلَّا فِي خَيْرٍ) ; أَيْ فِي أَمْرِ خَيْرٍ.
قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: هَذِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلتَّحْقِيرِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٦٤] وَمِنْ ثَمَّ صَغَّرَ غُنَيْمَةً وَصْفًا لِقَنَاعَةِ هَذَا الرَّجُلِ بِأَنَّهُ يَسْكُنُ فِي أَحْقَرِ مَكَانٍ، وَيَجْتَزِئُ بِأَدْنَى قُوتٍ وَيَعْتَزِلُ النَّاسُ شَرَّهُ، وَيَسْتَكْفِي شَرَّهُمْ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَشْتَغِلُ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ حَتَّى يَجِيئَهُ الْمَوْتُ، وَعَبَّرَ عَنِ الْمَوْتِ بِالْيَقِينِ لِيَكُونَ نَصْبَ عَيْنِهِ مَزِيدًا لِلتَّسَلِّي، فَإِنَّ فِي ذِكْرِهَا ذَمَّ اللَّذَّاتِ مَا يُعْرِضُهُ عَنْ أَغْرَاضِ الدُّنْيَا وَيَشْغَلُهُ مِنْ مَلَاذِّهَا بِعِبَادَةِ رَبِّهِ، أَلَا تَرَى كَيْفَ سَلَّى حَبِيبَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ حِينَ لَقِيَ مَا لَقِيَ عَنْ أَذَى الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِ الْعُزْلَةِ عَلَى الْخُلْطَةِ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَشْهُورٌ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الِاخْتِلَاطَ أَفْضَلُ بِشَرْطِ رَجَاءِ السَّلَامَةِ مِنِ الْفِتَنِ، وَمَذْهَبُ طَوَائِفَ مِنَ الزُّهَّادِ أَنَّ الِاعْتِزَالَ أَفْضَلُ، وَاسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيثِ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى زَمَانِ الْفِتَنِ وَالْحُرُوبِ، أَوْ فِيمَنْ لَا يَسْلَمُ النَّاسُ مِنْهُ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، وَقَدْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَجَمَاهِيرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ مُخْتَلِطِينَ، وَيُحَصِّلُونَ مَنَافِعَ الِاخْتِلَاطِ بِشُهُودِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْجَنَائِزِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَحِلَقِ الذَّكَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي تَخْصِيصِ ذِكْرِ الْمَعَاشِ تَلْمِيحٌ، فَإِنَّ الْعَيْشَ الْمُتَعَارَفَ مِنْ أَنْبَاءِ الدَّهْرِ هُوَ اسْتِيفَاءُ اللَّذَّاتِ وَالِانْهِمَاكُ فِي الشَّهَوَاتِ، كَمَا سُمِّيَتِ الْبَيْدَاءُ الْمُهْلِكَةَ بِالْمَفَازَةِ وَالْمَنْجَاةِ وَاللَّدِيغُ بِالسَّلِيمِ، وَتَلْمِيحٌ إِلَى قَوْلِهِ ﷺ : " «اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ» " وَفِيهِ أَنْ لَا عَيْشَ أَلَذُّ وَأَمَرُّ، أَوْ أَشْهَى وَأَهْنَأُ مِمَّا يَجِدُ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِ، وَيَسْتَرْوِحُ إِلَيْهَا حَتَّى يَرْفَعَ تَكَالِيفَهَا وَمَشَاقَّهَا عَنْهُ، بَلْ إِذَا فَقَدَ مَا كَانَ أَصْعَبَ عَلَيْهِ مِمَّا إِذَا وَتَرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَإِلَيْهِ يُنْظَرُ قَوْلُهُ ﷺ : " أَرِحْنَا يَا بِلَالُ " وَقَوْلُهُ: " «وَجَعَلَ قُرَّةَ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» " وَتَعْرِيضٌ بِذَمِّ عَيْشِ الدُّنْيَا، وَجِمَاعُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى مُجَاهَدَةِ أَعْدَاءِ الدِّينِ، وَعَلَى مُخَالَفَةِ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ اسْتِيفَاءِ اللَّذَّاتِ الْعَاجِلَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5270
٣٧٩٧ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ; فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ ; فَقَدْ غَزَا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٩٧ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ ، لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ جَهَّزَ) : بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ (غَازِيًا) ; أَيْ هَيَّأَ أَسْبَابَ سَفَرِهِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ; أَيْ فِي الْجِهَادِ (فَقَدْ غَزَا) ; أَيْ حُكْمًا وَحَصَلَ لَهُ ثَوَابُ الْغَزَاةِ (وَمَنْ خَلَفَ) : بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ (غَازِيًا) : أَيْ قَامَ مَقَامَهُ بَعْدَهُ وَصَارَ خَلَفًا لَهُ بِرِعَايَةِ أُمُورِهِ (فِي أَهْلِهِ ; فَقَدْ غَزَا) . قَالَ الْقَاضِي: يُقَالُ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ إِذَا قَامَ مَقَامَهُ فِي إِصْلَاحِ حَالِهِمْ وَمُحَافَظَةِ أَمْرِهِمْ ; أَيْ: مَنْ تَوَلَّى أَمْرَ الْغَازِي.
стр. 5271
وَنَابَ مَنَابَهُ فِي مُرَاعَاةِ أَهْلِهِ زَمَانَ غَيْبَتِهِ شَارَكَهُ فِي الثَّوَابِ ; لِأَنَّ فَرَاغَ الْغَازِي لَهُ وَاشْتِغَالَهُ بِهِ بِسَبَبِ قِيَامِهِ بِأَمْرِ عِيَالِهِ، فَكَأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ فِعْلِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ عُمَرَ ﵁ مَرْفُوعًا: " «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا حَتَّى يَسْتَقِلَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ يَرْجِعَ» ".
стр. 5272
٣٧٩٨ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ فِيهِمْ ; إِلَّا وُقِفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَخَذَ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ، فَمَا ظَنُّكُمْ؟» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧٩٨ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ : بِالتَّصْغِيرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ» ) ، مُبَالَغَةٌ فِي اجْتِنَابِ نِسَائِهِمْ وَمُرَاعَاةِ حُقُوقِهِنَّ (وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ) : بِضَمِّ اللَّامِ ; أَيْ يَعْقُبُ (رَجُلًا مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ) : أَيِ امْرَأَتِهِ، أَوْ جَارِيَتِهِ، أَوْ قَرَابَتِهِ فِي بَيْتِهِ (فَيَخُونُهُ فَهُمْ) ; أَيْ فَيَخُونُ الرَّجُلَ فِيهِنَّ وَأَهْلِهِنَّ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ الْمَفْعُولُ عَائِدٌ إِلَى (رَجُلًا) ، وَفِي (فِيهِمْ) إِلَى الْأَهْلِ تَعْظِيمًا وَتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِنَّ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمَتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ
وَإِنَّهُنَّ مِمَّنْ يَجِبُ مُرَاعَاتُهُنَّ وَتَوْقِيرُهُنَّ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ ﷺ بِقَوْلِهِ: " كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ " (إِلَّا وُقِفَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ مِنَ الْوُقُوفِ ; أَيْ جُعِلَ الْخَائِنُ (وَاقِفًا لَهُ) : أَيْ لِلرَّجُلِ، وَلِأَجْلِ مَا فَعَلَ مِنْ سُوءِ الْخِلَافَةِ لِلْغَازِي (فِي أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، وَزَادَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: قِيلَ لَهُ قَدْ خَلَفَكَ فِي أَهْلِكَ فَخُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ (فَيَأْخُذُ) : أَيِ الرَّجُلُ (مِنْ عَمَلِهِ) : أَيِ أَعْمَالِ الْخَائِنِ (مَا شَاءَ) ; أَيْ فِي مُقَابَلَةِ مَا شَاءَ مِنْ عَمَلِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ الْغَازِي (فَمَا ظَنُّكُمْ) ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ فَمَا تَظُنُّونَ فِي رَغْبَةِ الْمُجَاهِدِ فِي أَخْذِ حَسَنَاتِهِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ؟ ; أَيْ لَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا أَخَذَهُ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ ; أَيْ: مَا ظَنُّكُمْ بِاللَّهِ مَعَ هَذِهِ الْخِيَانَةِ؟ هَلْ تَشُكُّونَ فِي هَذِهِ الْمُجَازَاةِ أَمْ لَا؟ يَعْنِي فَإِذَا عَلِمْتُمْ صِدْقَ مَا أَقُولُ فَاحْذَرُوا مِنَ الْخِيَانَةِ فِي نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ فَمَا ظَنُّكُمْ بِمَنْ أَحَلَّهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، وَخَصَّهُ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ، فَرُبَّمَا يَكُونُ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْكَرَامَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 5273
٣٧٩٩ - وَعَنِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُمِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧٩٩ - (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ : مَرُّ ذِكْرُهُ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ) : أَيْ فِيهَا خِطَامٌ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الزِّمَامِ، كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: خِطَامُ الْبَعِيرِ أَنْ يُؤْخَذَ حَبْلٌ مِنْ لِيفٍ، أَوْ شَعْرٍ، أَوْ كَتَّانٍ، فَيُجْعَلَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ حَلْقَهٌ، ثُمَّ يُشَدُّ بِهِ الطَّرَفُ الْآخَرُ حَتَّى يَصِيرَ كَالْحَلْقَةِ، ثُمَّ يُقَلَّدُ الْبَعِيرُ، ثُمَّ يُثْنِي عَلَى مَخْطِمِهِ، وَأَمَّا الَّذِي يُجْعَلُ فِي الْأَنْفِ دَقِيقًا فَهُوَ الزِّمَامُ. وَفِي الْحَدِيثِ: لَا زِمَامَ أَرَادَ بِهِ مَا كَانَ عُبَّادُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَفْعَلُونَهُ مِنْ زَمِّ الْأُنُوفِ، وَهُوَ أَنْ يُخْرَقَ الْأَنْفُ وَيُعْمَلَ فِيهِ زِمَامٌ كَزِمَامِ النَّاقَةِ لِتُقَادَ بِهِ، وَالْخَطْمُ الْأَنْفُ وَالْخِطَامُ كَكِتَابٍ الَّذِي يُقَادُ بِهِ الْبَعِيرُ، وَخَطَمَ الْبَعِيرَ وَضَعَ الْخِطَامَ فِي رَأْسِهِ. (فَقَالَ: هَذِهِ) : أَيْ صَدَقَةٌ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُمِائَةِ نَاقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ) . قَالَ النَّوَوِيُّ: قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ لَهُ سَبْعَمِائَةِ نَاقَةٍ فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنَّ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَكُونَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ بِهَا سَبْعُمِائَةِ نَاقَةٍ يَرْكَبُهَا حَيْثُ شَاءَ لِلتَّنَزُّهِ، كَمَا جَاءَ فِي خَيْلِ الْجَنَّةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا النَّسَائِيُّ.
стр. 5274
٣٨٠٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي لِحْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ. فَقَالَ: " لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا، وَالْأَخَرُ بَيْنَهُمَا» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٨٠٠ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ) : أَيِ الْخُدْرِيِّ ﵁ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَعْثًا) : أَيْ أَرَادَ أَنْ يُرْسِلَ جَيْشًا (إِلَى بَنِي لِحْيَانَ) : بِكَسْرِ اللَّامِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا (مِنْ هُذَيْلٍ) : بِالتَّصْغِيرِ ; أَيْ لِيَغْزُوَهُمْ (فَقَالَ: لِيَنْبَعِثْ) : أَيْ لِيَنْتَهِضْ إِلَى الْعَدُوِّ (مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا) : بِأَنْ يَتَخَلَّفَ الْآخَرُ عَنْ صَاحِبِهِ لِمَصَالِحِهِ (وَالْأَجْرُ) : أَيْ ثَوَابُ الْغَزْوِ (بَيْنَهُمَا) : أَيْ بَيْنَ الْغَازِي وَالْقَاعِدِ الْمُقِيمِ الْقَائِمِ فِي أَهْلِ الْغَازِي بِأُمُورِهِمْ، وَالْمَعْنَى: لِيَخْرُجْ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ نِصْفُ عَدَدِهَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5275
٣٨٠١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا، يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٨٠١ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ : بِفَتْحٍ فَضَمٍّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَنْ يَبْرَحَ) : أَيْ لَا يَزَالُ (هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ) : بِالتَّذْكِيرِ وَيَجُوزُ تَأْنِيثُهُ ; أَيْ يُجَاهِدُ (عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الدِّينِ (عِصَابَةٌ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ; أَيْ جَمَاعَةٌ (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) : وَالْمَعْنَى لَا يَخْلُو وَجْهُ الْأَرْضِ مِنَ الْجِهَادِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَاحِيَةٍ يَكُونُ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) : يَقْرُبَ قِيَامُهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: جُمْلَةُ يُقَاتِلُ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيَانٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَعَدَّاهُ بِعَلَى لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى يُظَاهِرُ ; أَيْ يُظَاهِرُونَ بِالْمُقَاتَلَةِ عَلَى أَعْدَاءِ الدِّينِ يَعْنِي: إِنَّ هَذَا الدِّينَ لَمْ يَزَلْ قَائِمًا بِسَبَبِ مُقَاتَلَةِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ، وَمَا أَظُنُّ هَذِهِ الْعِصَابَةَ إِلَّا الْفِئَةَ الْمَنْصُورَةَ بِالشَّامِ، وَفِي نُسَخِهٍ زِيَادَةُ بِالْمَغْرِبِ قُلْتُ: وَالْأَغْلَبُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِالرُّومِ نَصَرَهُمُ اللَّهُ وَخَذَلَ أَعْدَاءَهُمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. قِيلَ: هُمْ أَهْلُ الشَّامِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ. قُلْتُ: فِيهِ بَحَثٌ فَإِنَّ أَهْلَ الْمَغْرِبِ ; أَيْضًا وَغَيْرَهُمْ يُحَارِبُونَ الْكُفَّارَ ; أَيَّدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّائِفَةِ الْجَمَاعَةُ الْمُجَاهِدَةُ لَا عَلَى التَّعْيِينِ، فَإِنَّ فِيمَا وَرَاءَ النَّهْرِ ; أَيْضًا طَائِفَةٌ يُقَاتِلُونَ الْكَفَرَةَ قَوَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَجَزَى الْمُجَاهِدِينَ عَنَّا خَيْرًا حَيْثُ قَامُوا بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ وَأُعْطُوا التَّوْفِيقَ وَالْعِنَايَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ فَإِنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَمْ يَزَلْ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْآنَ، وَلَا يَزَالُ حَتَّى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى اه. وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مَعْنَاهُ الْأَمْرُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فَإِنَّا مَأْمُورُونَ وُجُوبًا أَنْ نَحْفَظَ الْقُرْآنَ بِالْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : كَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ: " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» ". رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَحَدِيثُ: " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَوَّامَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَهَا» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. وَحَدِيثُ: " «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ عُمَرَ، نَعَمْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ شَامِلَةٌ لِلْعُلَمَاءِ أَيْضًا حَتَّى قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمْ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5276
٣٨٠٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يُكَلَّمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكَلَّمُ فِي سَبِيلِهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٨٠٢ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يُكَلَّمُ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ مِنَ الْكَلِمِ وَهُوَ الْجُرْحُ ; أَيْ يُجْرَحُ (أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ: أَيْ سَوَاءٌ مَاتَ صَاحِبُهُ مِنْهُ أَمْ لَا. كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ( «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكَلَّمُ فِي سَبِيلِهِ» ) : جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُؤَكِّدَةً مُقَرِّرَةً لِمَعْنَى الْمُعْتَرَضِ فِيهِ، وَتَفْخِيمِ شَأْنِ مَنْ يُكَلَّمُ فِي سَبِيلِهِ، وَمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِعِظَمِ شَأْنِ مَنْ يُكَلَّمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] مُعْتَرِضٌ بَيْنَ كَلَامَيْ أَمِّ مَرْيَمَ تَعْظِيمًا لِمَوْضُوعِهَا وَتَجْهِيلًا لَهَا بِقَدْرِ مَا وُهِبَ لَهَا، وَالْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالشَّيْءِ الَّذِي وَضَعَتْ، وَمَا عَلَّقَ بِهِ مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَتْمِيمًا لِلصِّيَانَةِ مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ.
стр. 5277
قُلْتُ: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، ثُمَّ الْأَوَّلُ إِنَّمَا يَتَمَشَّى كَوْنُهُ تَنْظِيرًا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ وُضِعَتْ بِصِيغَةِ الْغَائِبَةِ لَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي الْغَزْوِ، وَأَنَّ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ أَخْلَصَ فِيهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَهَذَا الْفَضْلُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ لَكِنْ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ جُرِحَ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ، وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَإِقَامَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ (يَثْعَبُ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ: بِسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَةٍ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ; أَيْ يَجْرِي مُنْفَجِرًا ; أَيْ كَثِيرًا، وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَتَفَجَّرُ (دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ) : وَفِي نُسْخَةٍ لِمُسْلِمٍ: لَوْنُ دَمٍ (وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي مَجِيئِهِ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَاهِدٌ فِي فَضِيلَتِهِ وَبَذَلِ نَفْسِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: ثَعَبْتُ الْمَاءَ فَجَّرَتُهُ فَانْثَعَبَ، إِضَافَةُ الْفِعْلِ إِلَى الْجُرْحِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِي فَجْرِ الدَّمِ وَدَمًا يَكُونُ مَفْعُولًا، وَلَوْ أَرَادَ بِهِ التَّمْيِيزَ لَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ: يَنْثَعِبُ دَمًا، أَوْ يُثْعَبُ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ وَلَمْ أَجِدْهُ رِوَايَةً. قَالَ الطِّيبِيُّ: مَجِيئُهُ مُتَعَدِّيًا نُقِلَ عَنِ الْجَوْهَرِيِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ أَنَّهُ لَازِمٌ حَيْثُ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ يَجْرِي، وَلِأَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ وَجُرْحُهُ يَشْخُبُ دَمًا، وَالشَّخْبُ السَّيَلَانُ، وَقَدْ شَخَبَ يَشْخُبُ وَيَشْخَبُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢] فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الدَّمْعَ يَفِيضُ مِنَ الْعَيْنِ، فَجَعَلَ الْعَيْنَ فَائِضَةً مُبَالَغَةً، وَكَذَلِكَ الدَّمُ السَّائِلُ مِنَ الْجُرْحِ لَا الْجُرْحُ سَائِلٌ اه. وَيُؤَيِّدُ الشَّيْخَ مَا فِي الْقَامُوسِ: ثَعَبَ الْمَاءَ وَالدَّمَ ; أَيْ كَمَنَعَ فَجَّرَهُ فَانْثَعَبَ، لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ التَّاجِ أَنَّهُ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، كَذَا فِي دُسْتُورِ اللُّغَةِ: ثَعَبَ الدَّمُ ; أَيْ سَالَ وَأَسَالَ، وَفِي الْمَشَارِقِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ: ثَعَبَ تَفَجَّرَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَثْعَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ، وَكَأَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَجِيئِهِ لَازِمًا، وَأَمَّا حَدِيثُ يَشْخَبُ فَغَيْرُ حُجَّةٍ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 5278
٣٨٠٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، يُحِبُّ أَنْ يُرْجَعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، إِلَّا الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يُرْجَعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٨٠٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (يُحِبُّ أَنْ يُرْجَعَ) : أَيْ يَصِيرَ (إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ) : فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَأَنَّ لَهُ (مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: جَازَ كَوْنُهُ عَظِيمًا عَلَى أَنْ يُرْجَعَ ; أَيْ مَا يُحِبُّ أَنْ يُرْجَعَ، وَلَا أَنْ يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا، وَكَوْنُهُ حَالًا ; أَيْ: لَا يُحِبُّ الرُّجُوعَ حَالَ كَوْنِهِ مَالِكًا لِكَثِيرٍ مِنْ أَمْتِعَةِ الدُّنْيَا وَالْبَسَاتِينِ وَالْأَمْلَاكِ وَالرِّقَابِ اه. وَالظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي، وَأَنَّ لَهُ جَمِيعَ مَا فِي الْأَرْضِ ; لِأَنَّ مِنْ شَيْءٍ بَيَانٌ لِمَا فَيُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ (إِلَّا الشَّهِيدُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ بَدَّلٌ مِنْ أَحَدٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ (يَتَمَنَّى) : أَيْ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى (أَنْ يُرْجَعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَثْرَةُ (لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ) : أَيْ كَرَامَةَ الشَّهَادَةِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَتَمَنَّى شَيْئًا مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا إِلَّا الشَّهَادَةَ، وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْهَا فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
стр. 5279
٣٨٠٤ - وَعَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: «سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] الْآيَةَ. قَالَ: إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ فَفَعَلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا قَالُوا: يَا رَبُّ! نُرِيدُ أَنْ تُرَدَّ أَرْوَاحُنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٨٠٤ - (وَعَنْ مَسْرُوقٍ ﵁ : تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ (قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ) بِالْخِطَابِ وَفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا وَفِي رِوَايَةٍ بِالْغَيْبَةِ وَفَتَحِ السِّينِ (الَّذِينَ قُتِلُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْقَتْلِ وَفِي قِرَاءَةٍ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]
стр. 5280
وَفِي نُسْخَةٍ: (الْآيَةَ، قَالَ) : أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ (إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا) : أَيْ رَسُولَ اللَّهِ (عَنْ ذَلِكَ) : أَيْ عَنْ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْحَدِيثُ مَرْفُوعٌ بِقَوْلِهِ: إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ. (فَقَالَ) : يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَسْئُولُ وَالْمُجِيبُ هُوَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، وَفِي فَقَالَ ضَمِيرٌ لَهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَةُ الْحَالِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ حَالُ الصَّحَابِيِّ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُ وَاسْتِكْشَافُهُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ لَا سِيَّمَا فِي تَأْوِيلِ آيَةٍ هِيَ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَمَا هِيَ مِنْ أَحْوَالِ الْمَعَادِ، فَإِنَّهُ غَيْبٌ صِرْفٌ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إِلَّا بِالْوَحْيِ، وَلِكَوْنِهِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنَ التَّعْيِينِ أُضْمِرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَ ذِكْرُهُ.
قُلْتُ: أَيْضًا: جَلَالَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ تَأْبَيْ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ غَيْرَهُ ﷺ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: (أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ) : أَيْ يُخْلَقُ لِأَرْوَاحِهِمْ بَعْدَ مَا فَارَقَتْ أَبْدَانَهُمْ هَيَاكِلُ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ تَتَعَلَّقُ بِهَا، وَتَكُونُ خَلَفًا عَنْ أَبْدَانِهِمْ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩] فَيَتَوَصَّلُونَ بِهَا إِلَى نَيْلِ مَا يَشْتَهُونَ مِنَ اللَّذَائِذِ الْحِسِّيَّةِ، وَإِلَيْهِ يُرْشِدُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠] وَالطَّيْرُ جَمْعُ طَائِرٍ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَخُضْرٌ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَمْعُ أَخْضَرَ (لَهَا) : أَيْ لِلطَّيْرِ، أَوْ لِلْأَرْوَاحِ (قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ) : بِمَنْزِلَةِ أَوْكَارِ الطَّيْرِ (تَسْرَحُ) : أَيْ تَسِيرُ وَتَرْعَى وَتَتَنَاوَلُ (مِنَ الْجَنَّةِ) : أَيْ مِنْ ثَمَرَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا (حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي) : أَيْ تَرْجِعُ (إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ) : أَيْ فَسَتُقِرُّ فِيهَا، ثُمَّ تَسْرَحُ، وَهَكَذَا (فَاطَّلَعَ) : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ ; أَيْ نَظَرَ (إِلَيْهِمْ) : وَتَجَلَّى عَلَيْهِمْ (رَبُّهُمْ) : وَإِنَّمَا قَالَ (اطِّلَاعَةً) : لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَنْ جِنْسِ اطِّلَاعِنَا عَلَى الْأَشْيَاءِ. قَالَ الْقَاضِي: وَعَدَّاهُ بِإِلَى، وَحَقُّهُ أَنْ يُعَدَّى بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الِانْتِهَاءِ. (فَقَالَ) : أَيْ رَبُّهُمْ ( «هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا» : يَعْنِي: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] (فَفَعَلَ) : أَيْ رَبُّهُمْ (ذَلِكَ) : أَيْ مَا ذَكَرَ مِنَ الِاطِّلَاعِ وَالْقَوْلِ لَهُمْ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) : قَالَ الْقَاضِي: اطِّلَاعُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَاسْتِفْهَامُهُ عَمَّا يَشْتَهُونَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى مَجَازٌ عَنْ مَزِيدِ تَلَطُّفِهِ بِهِمْ وَتَضَاعُفِ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: وَلَا مَانِعَ لِلْحَمْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، بَلْ هِيَ أَحَقُّ عِنْدَ عَدَمِ الصَّارِفِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ، (فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ ; أَيْ لَنْ يَخْلُوَا (مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ، وَمِنْ زَائِدَةٌ لِوُقُوعِهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَأَنْ يَسْأَلُوا بَدَلٌ مِنْ نَائِبِ فَاعِلِ يُتْرَكُوا ; أَيْ: لَنْ يُتْرَكَ سُؤَالُهُمْ (قَالُوا «يَا رَبُّ! نُرِيدُ أَنْ تُرَدَّ أَرْوَاحُنَا فِي أَجْسَادِنَا» ) : أَيِ الْأَوَّلِيَّةِ (حَتَّى نُقْتَلَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ نُسْتَشْهَدَ (فِي سَبِيلِكِ مَرَّةً أُخْرَى؟) : قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُمْ مُتَمَنًّى وَلَا مَطْلَبٌ أَصْلًا غَيْرَ أَنْ يُرْجَعُوا إِلَى الدُّنْيَا فَيُسْتَشْهَدُوا ثَانِيًا لِمَا رَأَوْا بِسَبَبِهِ مِنَ الشَّرَفِ وَالْكَرَامَةِ (فَلَمَّا رَأَى) : أَيْ عَلِمَ اللَّهُ عِلْمًا تَنْجِيزِيًّا مُطَابِقًا لِمَا عَلِمَ عِلْمًا غَيْبِيًّا تَعْلِيقِيًّا (أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ) : أَيْ حَاجَةٌ مُعْتَبَرَةٌ ; لِأَنَّهُمْ سَأَلُوا مَا هُوَ خِلَافُ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى (تُرِكُوا) : أَيْ مِنْ سُؤَالِ هَلْ تَشْتَهُونَ؟ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: رُؤْيَةُ اللَّهِ كَانَتْ أَعْظَمَ النِّعَمِ، فَلِمَ لَمْ يَطْلُبُونَهَا؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَوْقُوفَةً فِي ذَلِكَ عَلَى كَمَالِ اسْتِعْدَادٍ يَلِيقُ بِهَا، فَصَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عَنْ ذَلِكَ إِلَى وَقْتِ حُصُولِ الِاسْتِعْدَادِ. فَإِنْ قُلْتَ: إِعَادَةُ الرُّوحِ إِلَى الْجَسَدِ إِنْ كَانَ لِطَلَبِ مَا هُمْ فِيهِ فَلَا فَائِدَةَ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَهَلَّا اشْتَهْواهُ أَوْ لَا؟ قُلْتُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ الْكَلَامِ الْقِيَامَ بِمُوجِبِ الشُّكْرِ فِي مُقَابَلَةِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ الْقَاضِي: الْحَدِيثُ تَمْثِيلٌ لِحَالِهِمْ، وَمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَهْجَةِ وَالسَّعَادَةِ شَبَّهَ لَطَافَتَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ، وَتَمَكُّنَهُمْ مِنَ التَّلَذُّذِ بِأَنْوَاعِ الْمُشْتَهِيَاتِ وَالتَّبَوُّءِ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءُوا، وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَانْخِرَاطِهِمْ فِي غَارِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى الَّذِينَ هُمْ حَوْلَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ بِمَا إِذَا كَانُوا فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ إِلَى الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ، وَشَبَّهَ حَالَهُمْ فِي اسْتِجْمَاعِ اللَّذَائِذِ وَحُصُولِ جَمِيعِ الْمَطَالِبِ بِحَالِ مَنْ يُبَالِغُ وَيَسْرُدُ عَلَيْهِ رَبُّهُ الْمُتَفَضِّلُ الْمُشْفِقُ عَلَيْهِ غَايَةَ التَّفَضُّلِ وَالْإِشْفَاقِ الْقَادِرُ عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ بِأَنْ يُسْأَلَ مِنْهُ مَطْلُوبًا، وَيُكَرِّرَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى بِحَيْثُ لَا يَرَى بُدًّا مِنَ السُّؤَالِ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْأَلَهُ إِلَّا أَنْ يُرَدَّ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 5281
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا فِيهِ قِيلَ: لَيْسَ لِلْأَقْيِسَةِ وَالْعُقُولِ فِي هَذَا حُكْمٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ الرُّوحَ إِذَا خَرَجَتْ مِنَ الْمُؤْمِنِ، أَوِ الشَّهِيدِ فِي قَنَادِيلَ، أَوْ أَجْوَافِ طَيْرٍ، أَوْ حَيْثُ شَاءَ كَانَ ذَلِكَ، وَوَقَعَ وَلَمْ يَبْعُدْ لَا سِيَّمَا مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَرْوَاحَ أَجْسَامٌ، فَغَيْرُ مُسْتَحِيلٍ أَنْ يُصَوَّرَ جُزْءٌ مِنَ الْإِنْسَانِ طَائِرًا، أَوْ يُجْعَلَ فِي جَوْفِ طَائِرٍ فِي قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الرُّوحِ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ الْمَعَانِي، وَعِلْمِ الْبَاطِنِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ: لَا يُعْرَفُ حَقِيقَتُهُ وَلَا يَصِحُّ وَصْفُهُ، وَهُوَ مِمَّا جَهِلَ الْعِبَادُ عِلْمَهُ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] وَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ شُيُوخِنَا: هُوَ الْحَيَاةُ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ مُشَابِكَةٌ لِلْجِسْمِ يَحْيَا بِحَيَاتِهِ، وَأَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى الْعَادَةَ بِمَوْتِ الْجِسْمِ بَعْدَ فِرَاقِهِ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَمْثَالِهِ بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِالتَّنَاسُخِ وَانْتِقَالِ الْأَرْوَاحِ وَتَنْعِيمِهَا فِي الصُّوَرِ الْحِسَانِ الْمُرَفَّهَةِ، وَتَعْذِيبِهَا فِي الصُّوَرِ الْقَبِيحَةِ الْمُسَخَّرَةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا هُوَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، وَهَذَا بَاطِلٌ مَرْدُودٌ لَا يُطَابِقُ مَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرَائِعُ مِنْ إِثَابَةِ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ بَعْثَةِ الْأَجْسَادَ. قُلْتُ: قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: اعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَجَرُّدِ الرُّوحِ يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيثَ، كَمَا أَنَّهُ يُخَالِفُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] اه.
وَفِي بَعْضِ حَوَاشِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ: اعْلَمْ أَنَّ التَّنَاسُخَ عِنْدَ أَهْلِهِ هُوَ رَدُّ الْأَرْوَاحِ إِلَى الْأَبْدَانِ فِي هَذَا الْعَالَمِ لَا فِي الْآخِرَةِ إِذْ هُمْ يُنْكِرُونَ الْآخِرَةَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَلِذَا كَفَرُوا اه. وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ مَوْجُودَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهِيَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنْهَا آدَمُ وَيَتَنَعَّمُ فِيهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي الْآخِرَةِ، وَفِيهِ أَنَّ مُجَازَاةَ الْأَمْوَاتِ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ الْأَرْوَاحَ بَاقِيَةٌ لَا تَفْنَى، فَيَتَنَعَّمُ الْمُحْسِنُ وَيُعَذَّبُ الْمُسِيءُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَبِهِ نَطَقَ التَّنْزِيلُ وَالْآثَارُ خِلَافًا لِطَائِفَةٍ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 5282
٣٨٠٥ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِيهِمْ، فَذَكَرَ لَهُمْ " أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ أَنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يُكَفَّرُ عَنَى خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، إِنْ قُلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌّ غَيْرُ مُدْبِرٍ.، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ قُلْتَ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ; أَيُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ
مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٨٠٥ - (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ : صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ) ; أَيْ وَاعِظًا (فِيهِمْ) : أَيْ فِي أَصْحَابِهِ (فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ) : بِالْوَاوِ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَلَعَلَّ فِيهِ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ الْجِهَادَ مَعَ الْإِيمَانِ أَفْضَلُ أَعْمَالِ الْقَلْبِ وَالْقَالَبِ، وَلَا يُشْكَلُ بِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِاخْتِلَافِ الْحَيْثِيَّتَيْنِ، فَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَتِهَا، وَالْجِهَادُ أَفْضَلُ لِمَشَقَّتِهِ، لَا سِيَّمَا الْجِهَادُ يَسْتَلْزِمُ الصَّلَاةَ، وَإِلَّا فَلَا فَضِيلَةَ لَهُ. (فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ) : أَيْ أَخْبِرْنِي (إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) : أَيْ إِنِ اسْتُشْهِدْتُ (يُكَفَّرُ؟) : بِالتَّذْكِيرِ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ وَيَجُوزُ تَأْنِيثُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّذْكِيرِ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ، وَعَلَى كُلٍّ فَالِاسْتِفْهَامُ مُقَدَّرٌ ; أَيْ يَمْحُو اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ) : أَيْ غَيْرُ جَزِعٍ (مُحْتَسِبٌ) : أَيْ طَالِبٌ لِلْأَجْرِ وَالْمَثُوبَةِ لَا لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ (مُقْبِلٌ) : أَيْ عَلَى الْعَدُوِّ (غَيْرُ مُدْبِرٍ) : أَيْ عَنْهُ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: احْتِرَازٌ مِمَّنْ يُقْبِلُ فِي وَقْتٍ وَيُدْبِرُ فِي وَقْتٍ، وَالْمُحْتَسِبُ هُوَ الْمُخْلِصُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ قَاتَلَ لِعَصَبِيَّةٍ، أَوْ لِأَخْذِ غَنِيمَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ الثَّوَابُ. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: كَيْفَ قُلْتَ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ) : أَيْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ، أَوْ مَعْنَاهُ كَيْفَ قُلْتَ أَعِدِ الْقَوْلَ وَالسُّؤَالَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ (إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ; أَيُكَفَّرُ) : هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ هُنَا ; أَيْ يُمْحَى (عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ) : أَيْ نَعَمْ إِنْ
стр. 5283
قُتِلْتَ وَالْحَالُ أَنَّكَ صَابِرٌ (مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ) : اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَيَحُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا ; أَيِ الدِّينُ الَّذِي لَا يَنْوِي أَدَاءَهُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَرَادَ بِالدَّيْنِ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، إِذْ لَيْسَ الدَّائِنُ أَحَقَّ بِالْوَعِيدِ وَالْمُطَالَبَةِ مِنْهُ مِنَ الْجَانِي وَالْغَاصِبِ وَالْخَائِنِ وَالسَّارِقِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَنْبِيهٍ عَلَى جَمِيعِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَأَنَّ الْجِهَادَ وَالشَّهَادَةَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ لَا يُكَفِّرُ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ، وَإِنَّمَا يُكَفِّرُ حُقُوقَ اللَّهِ قَلْتُ: إِلَّا شَهِيدَ الْبَحْرِ، فَإِنَّهُ يَغْفِرُ لَهُ الذُّنُوبَ كُلَّهَا وَالدَّيْنَ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ. وَوَرَدَ ; أَيْضًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبِضُ أَرْوَاحَ شُهَدَاءِ الْبَحْرِ لَا يَكِلُ ذَلِكَ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ. (فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ) : أَيْ إِلَّا الدَّيْنَ. قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ قَالَ ﷺ : " كَيْفَ قُلْتَ " وَقَدْ أَحَاطَ بِسُؤَالِهِ عِلْمًا، وَأَجَابَهُ بِذَلِكَ الْجَوَابِ؟ قُلْتُ: لِيَسْأَلَ ثَانِيًا وَيُجِيبَهُ بِذَلِكَ الْجَوَابِ، وَيُعَلِّقَ بِهِ إِلَّا الدَّيْنَ اسْتِدْرَاكًا بَعْدَ إِعْلَامِ جِبْرِيلَ ﵇ ; أَيَّاهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5284
٣٨٠٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٨٠٦ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْقَتْلُ) : مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) : يَكُونُ سَبَبًا لِتَكْفِيرِ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْخَطَايَا عَنِ الْمَقْتُولِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: كُلَّ خَطِيئَةٍ (إِلَّا الدَّيْنَ) : أَيْ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَفْظُهُ: " «الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ كُلَّهَا إِلَّا الْأَمَانَةَ» ". وَالْأَمَانَةُ فِي الصَّلَاةِ وَالْأَمَانَةُ فِي الصَّوْمِ وَالْأَمَانَةُ فِي الْحَدِيثِ، وَأَشَدُّ ذَلِكَ الْوَدَائِعُ اه. فَالْمُرَادُ بِالدَّيْنِ الْوَاجِبَاتُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ أُمُورِ الدَّيْنِ.
стр. 5285
٣٨٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «يَضْحَكُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ: يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٨٠٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَضْحَكُ اللَّهُ تَعَالَى) : أَيْ يَرْضَى مُقْبِلًا (إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أُحُدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ) : أَيْ مَعًا (يُقَاتِلُ) : اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ ; أَيْ: يُجَاهِدُ (هَذَا) : أَيْ أَحَدُهُمَا (فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ) : أَيْ: فَيَرْحَمُهُ ; لِأَنَّهُ قُتِلَ شَهِيدًا (ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ) : أَيِ الْكَافِرِ بِأَنْ يُوَفِّقَهُ لِلْإِيمَانِ فَيُؤْمِنَ (فَيُسْتَشْهَدُ) : فَيُقْتَلُ شَهِيدًا فَيَرْحَمُهُ بِفَضْلِهِ ; لِأَنَّهُ مَاتَ سَعِيدًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: عُدِّيَ يَضْحَكُ بِإِلَى لِتَضَمُّنِهُ مَعْنَى الِانْبِسَاطِ وَالْإِقْبَالِ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: ضَحِكْتُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا انْبَسَطْتَ إِلَيْهِ، وَتَوَجَّهْتَ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ طَلِقٍ وَأَنْتَ رَاضٍ عَنْهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ ضَحِكُ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَوَجِّهِينَ لَقَبْضِ رُوحِهِ، كَمَا يُقَالُ: قَتَلَ السُّلْطَانُ فُلَانًا إِذَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ اه. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ يُنَزَّهُ عَنِ التَّشْبِيهِ، وَيُوكَلُ عِلْمُهُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
стр. 5286
٣٨٠٨ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ ; بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٨٠٨ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ : بِضَمِّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَفَتْحِ نُونٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ فَفَاءٍ وَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ) : أَيْ بِإِخْلَاصٍ (بَلَّغَهُ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ ; أَيْ أَوْصَلَهُ (اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ; أَيْ: وَلَوْ مَاتَ غَيْرَ شَهِيدٍ فَهُوَ فِي حُكْمِ الشُّهَدَاءِ وَلَهُ ثَوَابُهُمْ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا الْأَرْبَعَةُ.
стр. 5287
٣٨٠٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، «أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ الْبَرَاءِ، وَهِيَ أَمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ، أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا تُحَدِّثُنِي عَلَى حَارِثَةَ، وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ. فَقَالَ: يَا أَمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٨٠٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ الرُّبَيِّعَ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةٍ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ، صَحَابِيَّةٌ وَهِيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، (بِنْتَ الْبَرَاءِ) : أَيِ ابْنِ عَازِبٍ صَحَابِيَّانِ مَشْهُورَانِ (وَهِيَ) : أَيِ الرُّبَيِّعَ (أَمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ فِيهَا شَهِيدًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قُتِلَ شَهِيدًا مِنَ الْأَنْصَارِ يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ اسْمَهَا أَمُّ الرَّبِيعِ، وَالَّذِي فِي كُتُبِ أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ أَنَّهَا الرُّبَيِّعُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. ( «أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ» ) : أَيْ عَنْ حَالِهِ وَمَآلِهِ (وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ) : يَجُوزُ بِالْإِضَافَةِ، وَالصِّفَةِ، وَبِسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا ; أَيْ لَا يُدْرَى رَامِيهِ، وَقِيلَ: بِالسُّكُونِ إِذَا أَتَاهُ مِنْ حَيْثُ لَا يُدْرَى رَامِيهِ، وَبِالْفَتْحِ إِذَا رَمَاهُ فَأَصَابَ غَيْرَهُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَقِيلَ: بِالْوَصْفِ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ رَامِيهِ، وَبِالْإِضَافَةِ هُوَ الْمُتَّخَذُ مِنْ شَجَرِ الْغَرْبِ (فَإِنْ كَانَ) : أَيْ حَارِثَةُ (فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ) : أَيْ عَنْ إِظْهَارِ الْبُكَاءِ شُكْرًا لِمَا أُنْعِمَ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ) : بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةً، أَوْ نَاقِصَةً (اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى حَارِثَةَ (فِي الْبُكَاءِ) : أَيْ كَمَا هُوَ دَأْبُ النِّسَاءِ. (فَقَالَ: يَا أَمَّ حَارِثَةَ إِنَّهَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْخَبَرِ كَقَوْلِهِمْ: هِيَ الْعَرَبُ تَقُولُ مَا شَاءَتْ، أَوِ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهَا خَبَرُهَا، أَوْ هِيَ (جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ) : التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ، وَالْمُرَادُ بِهَا دَرَجَاتٌ فِيهَا لِمَا وَرَدَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَاهَا» ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5288
٣٨١٠ - وَعَنْهُ قَالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ " قَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ: بَخْ بَخْ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخْ بَخْ؟ " قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ: " فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا ". قَالَ: فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرْنِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ.، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٨١٠ - (وَعَنْهُ) : أَيْ أَنَسٍ ﵁ (قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ) : أَيْ ذَهَبُوا مِنَ الْمَدِينَةِ (حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ) : وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ نَزَلُوا بَدْرًا قَبْلَ الْكُفَّارِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: بَدْرٌ مَوْضِعٌ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَهُوَ اسْمُ مَاءٍ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: بِئْرُ بَدْرٍ كَانَتْ لِرَجُلٍ يُدْعَى بَدْرًا وَمِنْهُ يَوْمُ بَدْرٍ (وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ) : أَيْ بَعْدَ الْمُسْلِمِينَ وَتَصَافُّوا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ) : أَيْ عَمَلٍ هُوَ سَبَبُ دُخُولِهَا، أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ كَمَا وَرَدَ: " «الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» " رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي مُوسَى. (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) : تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ ; أَيْ كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَمَا فِي أَيَّةٍ أُخْرَى. قَالَ الطِّيبِيُّ: عُدِّيَ الْقِيَامُ بِإِلَى لِإِرَادَةِ مَعْنَى الْمُسَارَعَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وَوَصْفُ الْجَنَّةِ بِالْعَرْضِ مُبَالَغَةٌ عُرْفًا، وَتَخْصِيصُ الْعَرْضِ بِهَا دُونَ الطُّولِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَرْضَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا بَالُ الطُّولِ؟ . (قَالَ عُمَيْرُ) : بِالتَّصْغِيرِ (ابْنُ الْحُمَامِ) : بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَهُوَ ابْنُ الْأَجْدَعِ الْأَنْصَارِيُّ، أَحَدُ بَنِي سَلِمَةَ قِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي الْإِسْلَامِ قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْأَعْلَمِ. (بَخْ بَخْ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ فِي الْكَلِمَتَيْنِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الْمَدْحِ وَالرِّضَا بِالشَّيْءِ وَتُكَرَّرُ لِلْمُبَالَغَةِ، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ فَإِنْ وُصِلَتْ جَرَتْ وَنُوِّنَتْ فَقُلْتَ: بَخٍ بَخٍ، وَرُبَّمَا شُدِّدَتْ. وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَهَا بِالسُّكُونِ وَقْفًا وَوَصْلًا، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَفَى الْقَامُوسُ: بَخْ ; أَيْ عَظُمَ الْأَمْرُ تُقَالُ وَحْدُهَا وَيُكَرَّرُ: بَخٍ بَخْ الْأَوَّلُ مُنَوَّنٌ، وَالثَّانِي مُسَكَّنٌ، وَيُقَالُ: بَخْ بَخْ مُسَكَّنَيْنِ وَمُنَوَّنَيْنِ وَمُشَدَّدَيْنِ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الرِّضَا وَالْإِعْجَابِ بِالشَّيْءِ، أَوِ الْمَدْحِ، أَوِ الْفَخْرِ. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا يَحْمِلُكَ) :
стр. 5289
قَالَ: أَيْ مَا بَاعِثُكَ؟ (عَلَى قَوْلِكَ: بَخْ بَخْ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ!) : قَالَ بَعْضُهُمْ: فَهِمَ عُمَيْرٌ أَنَّهُ ﷺ تَوَهَّمَ أَنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَرَوِيَّةٍ شَبِيهًا بِقَوْلِ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكَ الْهَزْلِ وَالْمِزَاحِ، فَنَفَى عُمَيْرٌ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ (إِلَّا رَجَاءَ) : بِتَرْكِ التَّنْوِينِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ، وَفِي نُسْخَةٍ رَجَاءَةَ بِالتَّاءِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلُهُ: إِلَّا رَجَاءَةَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ بِالْمَدِّ وَنَصْبِ التَّاءِ، وَفِي بَعْضِهَا رَجَاءَ بِلَا تَنْوِينٍ، وَفِي بَعْضِهَا بِالتَّنْوِينِ مَمْدُودَانِ بِحَذْفِ التَّاءِ كُلُّهَا صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ، وَالْمَعْنَى إِلَّا لِطَمَعِ (أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا) : أَيْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ مُقَدَّرٍ، وَقِيلَ الْأَوْلَى أَنَّهُ ﷺ لِمَا قَالَ (قُومُوا إِلَى الْجَنَّةِ بِبَذْلِ الْأَرْوَاحِ) . قَالَ عُمَيْرٌ: بَخْ بَخْ تَعْظِيمًا لِلْأَمْرِ وَتَفْخِيمًا لَهُ، فَقَالَ ﵇: " مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا التَّعْظِيمِ أَخَوْفًا قُلْتَ هَذَا أَمْ رَجَاءً؟ " فَقَالَ: لَا بَلْ رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا. (قَالَ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا) : خَبَّرٌ، أَوْ دُعَاءٌ (قَالَ) : أَيِ الرَّاوِي (فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ) : بِفَتَحَاتٍ وَفِي نُسْخَةٍ تُمَيْرَاتٍ بِالتَّصْغِيرِ لِلتَّقْلِيلِ (مِنْ قَرْنِهِ) : بِقَافٍ وَرَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ جَعْبَةُ النِّشَابِ (فَجَعَلَ) : أَيْ شَرَعَ (يَأْكُلُ مِنْهُنَّ) : تَقْوِيَةً لِلْبَدَنِ عَلَى الْجِهَادِ (ثُمَّ قَالَ) : أَيْ فِي أَثْنَاءِ أَكْلِهَا (لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ ; أَيْ عِشْتُ وَاللَّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وَإِنْ شَرْطِيَّةٌ، وَأَنَا فَاعِلُ فِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ (حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي) : أَيْ جَمِيعَهَا (إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ) : يَعْنِي وَالْأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ شَوْقًا إِلَى الشَّهَادَةِ وَذَوْقًا إِلَى الشُّهُودِ، وَهِيَ جَوَابُ الْقَسَمِ وَاكْتُفِيَ بِهِ عَنْ جَوَابِ الشَّرْطِ (قَالَ) : أَيِ الرَّاوِي (فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ) : الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِتَقْوِيَةِ التَّعْدِيَةِ ; أَيْ طَرَحَ جَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُ (مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى مَذْهَبِ أَصْحَابِ الْمَعَانِي، فَيُقَالُ: إِنَّ الضَّمِيرَ الْمُنْفَصِلَ قُدِّمَ لِلِاخْتِصَاصِ، وَهُوَ عَلَى مِنْوَالِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٠] فَكَأَنَّهُ وَجَدَ نَفْسَهُ مُخْتَارَةً لِلْحَيَاةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهَا ذَلِكَ الْإِنْكَارَ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ اسْتِبْطَاءً لِلِانْتِدَابِ بِمَا نُدِبَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : " قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ ". ; أَيْ سَارِعُوا إِلَيْهَا وَمِمَّا ارْتَجَزَ بِهِ عُمَيْرٌ يَوْمَئِذٍ قَوْلُهُ:
رَكْضًا إِلَى اللَّهِ بِغَيْرِ زَادِ ... إِلَّا التُّقَى وَعَمَلِ الْمَعَادِ
وَالصَّبْرِ فِي اللَّهِ عَلَى الْجِهَادِ ... فَكُلُّ زَادٍ عُرْضَةُ النَّفَادِ
غَيْرَ التُّقَى وَالْبِرِّ وَالرَّشَادِ
أَيِ: ارْكُضْ رَكْضًا وَأَسْرِعْ إِسْرَاعًا مِثْلَ إِسْرَاعِ الْخَيْلِ وَرَكْضِهِ، خَفَّفَ فِي الْقَوْلِ كَمَا خَفَّفَ فِي الْأَكْلِ مُبَادَرَةً إِلَى مَا انْتُدِبَ إِلَيْهِ ﵁، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5290
٣٨١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. قَالَ:
إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لِقَلِيلٌ: مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٨١١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَعُدُّونَ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ ; أَيْ مَا تَحْسَبُونَ (الشَّهِيدَ مِنْكُمْ؟) : قِيلَ: عَدٌّ مُلْحَقٌ بِظَنِّ مَعْنًى وَعَمَلًا عَلَى مَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَالشَّهِيدُ مَفْعُولٌ أَوَّلُ، وَمَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثَانٍ وَالْمُرَادُ السُّؤَالُ عَنِ الْوَصْفِ ; أَيْ بِأَيِّ وَصْفٍ تُنَالُ مَرْتَبَةُ الشَّهَادَةِ؟ وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: (مَا) اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَيُسْأَلُ بِكَلِمَةِ مَا عَنْ جِنْسِ ذَاتِ الشَّيْءِ وَنَوْعِهِ، وَعَنْ صِفَاتِ جِنْسِ الشَّيْءِ وَنَوْعِهِ، وَقَدْ يُسْأَلُ بِهَا عَنِ الْأَشْخَاصِ النَّاطِقِينَ، وَلَمَّا كَانَتْ حَقِيقَةُ الِاسْتِفْهَامِ هُنَا السُّؤَالَ عَنِ الْحَالَةِ الَّتِي يَنَالُ بِهَا الْمُؤْمِنُ رُتْبَةَ الشَّهَادَةِ اسْتُفْهِمَ عَنْهَا بِكَلِمَةِ (مَا) لِتَكُونَ أَدَلَّ عَلَى وَصْفِهَا، وَعَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْهَا، ثُمَّ إِنَّهَا مَعَ ذَلِكَ لَمَّا كَانَتْ تَسُدُّ مَسَدَّ (مَنْ) ( «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: (مَا) هُنَا سُؤَالٌ عَنْ وَصْفِ مَنْ لَهُ كَرَامَةٌ وَقُرْبٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] فَيَشْمَلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ
следующие страницы →