Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.
стр. 5216
٣٧٥٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٧٥٣ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ : بِالْوَاوِ (قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» ) : أَيْ: مُعْطِي الرِّشْوَةِ وَآخُذَهَا، وَهَى الْوَصْلَةُ إِلَى الْحَاجَةِ بِالْمُصَانَعَةِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الرِّشَاءِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْمَاءِ، قِيلَ: الرِّشْوَةُ مَا يُعْطَى لِإِبْطَالِ حَقٍّ، أَوْ لِإِحْقَاقِ بَاطِلٍ، أَمَّا إِذَا أَعْطَى لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى حَقٍّ، أَوْ لِيدْفَعَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ظُلْمًا فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكَذَا الْآخِذُ إِذَا أَخَذَ لِيَسْعَى فِي إِصَابَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ فَلَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنَّ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ ; لِأَنَّ السَّعْيَ فِي إِصَابَةِ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحَقِّهِ، وَدَفْعِ الظَّالِمِ عَنِ الْمَظْلُومِ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمُ الْأَخْذُ عَلَيْهِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ إِلَّا قَوْلَهُ: وَكَذَا الْآخِذُ، وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يُنَافِيهِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنَ الْفَصْلِ الثَّالِثِ الْآتِي. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أُخِذَ فِي شَيْءٍ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فَأَعْطَى دِينَارَيْنِ حَتَّى خُلِّيَ سَبِيلُهُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 5217
٣٧٥٤ - وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ــ
٣٧٥٤ - (وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 5218
٣٧٥٥ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " عَنْ ثَوْبَانَ، وَزَادَ: " وَالرَّائِشَ. يَعْنِي: الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا.
ــ
٣٧٥٥ - (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، عَنْ ثَوْبَانَ، وَزَادَ) : أَيْ: ثَوْبَانُ، أَوِ الْبَيْهَقِيُّ (وَالرَّائِشَ يَعْنِي: الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَى أَحْمَدُ عَنْ ثَوْبَانَ: «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا» اهـ. وَمَعْنَاهُ الَّذِي يَسْعَى بَيْنَهُمَا يَسْتَزِيدُ لِهَذَا وَيَنْتَقِصُ لِهَذَا، قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ. وَقِيلَ: الْمُصْلِحُ بَيْنَهُمَا.
стр. 5219
٣٧٥٦ - «وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁، قَالَ أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَنِ اجْمَعْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ وَثِيَابَكَ، ثُمَّ ائْتِنِي. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ. فَقَالَ: يَا عَمْرُو! إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ لِأَبْعَثَكَ فِي وُجْةٍ يُسَلِّمُكَ اللَّهُ وَيُغَنِّمُكَ، وَأَزْعَبَ لَكَ زَعْبَةً مِنَ الْمَالِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كَانَتْ هِجْرَتِي لِلْمَالِ، وَمَا كَانَتْ إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: نِعِمَّا بِالْمَالِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» ". رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. وَرَوَى أَحْمَدُ نَحْوَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: " «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» ".
ــ
٣٧٥٦ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ) : أَيْ رَسُولًا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنِ اجْمَعْ) : أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ، أَوْ تَفْسِيرِيَّةٌ لِمَا فِي الْإِرْسَالِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ ; أَيْ قَائِلًا: اجْمَعْ (عَلَيْكَ سِلَاحَكَ وَثِيَابَكَ) : وَقَدَّمَ السِّلَاحَ لِيَشْعُرَ بِالسَّفَرِ وَلِلْاهْتِمَامِ بِأَمْرِهِ (ثُمَّ ائْتِنِي. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ) : أَيْ: مُسْتَعِدًّا (وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: يَا عَمْرُو) : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْكَلَامِ الدِّينِيِّ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ (إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ لِأَبْعَثَكَ) : فِي كَلَامِهِ تَفَنُّنٌ ; أَيْ: لِأَجْلِ بَعْثِي ; إِيَّاكَ (فِي وَجْهٍ) : أَيْ فِي عَمَلٍ وَشُغْلٍ (يُسَلِّمُكَ اللَّهُ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ ; أَيْ: يُؤَدِّيكَ بِالسَّلَامَةِ إِلَيْهِ، وَيُوَصِّلُكَ بِالْكَرَامَةِ لَدَيْهِ (وَيُغَنِّمُكَ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ ; أَيْ: يَرْزُقُكَ غَنِيمَةً (وَأَزْعَبَ) : بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى أَبْعَثَكَ، وَفَى نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ ; أَيْ: وَأَنَا أَزْعَبُ وَهُوَ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ; أَيْ: أَقْطَعُ، أَوْ أَدْفَعُ (لَكَ زَعْبَةً) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَيُضَمُّ ; أَيْ: قِطْعَةً، أَوْ دُفْعَةً (مِنَ الْمَالِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كَانَتْ هِجْرَتِي) : أَيْ: إِيمَانِي وَهِجْرَةُ أَوْطَانِي (لِلْمَالِ، وَمَا كَانَتْ إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ قَالَ: نِعِمَّا) : بِكَسْرِ النُّونِ وَيُفْتَحُ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَيَخْتَلَسُ ; أَيْ نِعْمَ شَيْئًا قَالَ الرِّضَى: اخْتُلِفَ فِي (مَا) هَذِهِ فَقِيلَ: كَافَّةٌ هَيَّأَتْ نِعْمَ لِلدُّخُولِ عَلَى الْجُمْلَةِ كَمَا فِي طَالَمَا وَقَلَّمَا، قِيلَ: وَفِيهِ بُعْدٌ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُكَفُّ
стр. 5220
لِقُوَّتِهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحُرُوفِ، وَ (مَا) فِي طَالَمَا وَقَلَّمَا مَصْدَرِيَّةٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ نِعْمَ لِعَدَمِ تَصَرُّفِهَا شَابَهَتِ الْحُرُوفَ، لَكِنْ يُحْتَاجُ إِلَى تَكَلُّفٍ فِي إِضْمَارِ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ فِي نَحْوِ ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] وَقَالَ الْفَرَّاءُ، وَأَبُو عَلِيٍّ: هِيَ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى الَّذِي، فَاعِلٌ لِ نِعْمَ وَيُضْعِفُهُ قِلَّةُ وُقُوعِ الَّذِي مُصَرَّحًا بِهِ فَاعِلًا لِنِعْمَ، وَلُزُومُ حَذْفِ الصِّلَةِ بِأَجْمَعِهَا فِي (فَنِعِمَّا هِيَ) فَإِنَّ " هِيَ " مَخْصُوصٌ ; أَيْ: نِعْمَ الَّذِي فَعَلَهُ الصَّدَقَاتُ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ، وَالْكَسَائِيُّ. (مَا) مَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ بِمَعْنَى الشَّيْءِ، فَمَعْنَى فَنِعِمَّ هِيَ نِعْمَ الشَّيْءُ هِيَ فَمَا هُوَ الْفَاعِلُ لِكَوْنِهِ بِمَعْنَى الشَّيْءِ ذِي اللَّامِ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ وَيُضْعِفُهُ عَدَمُ مَجِيءِ (مَا) بِمَعْنَى الْمَعْرِفَةِ التَّامَّةِ ; أَيْ: بِمَعْنَى الشَّيْءِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، بَلْ تَجِيءُ (مَا) بِمَعْنَى شَيْءٍ إِمَّا مَوْصُوفَةً، أَوْ غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ. وَقَالَ الزَّمَحْشَرِيُّ، وَالْفَارِسِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: (مَا) نَكِرَةٌ مُمَيَّزَةٌ مَنْصُوبَةُ الْمَحِلَّ إِمَّا مَوْصُوفَةٌ بِالْجُمْلَةِ بِنَحْوِ: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] ، أَوْ غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ نَحْوُ (فَنِعِمَّا هِيَ) : اهـ. (بِالْمَالِ الصَّالِحِ) : قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: (مَا) فِي نِعِمَّا مَنْصُوبَةٌ لَا غَيْرَ، وَالتَّقْدِيرُ نِعْمَ شَيْئًا ; أَيِ: الْمَالُ الصَّالِحُ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ مِثْلُهَا فِي كَفَى بِاللَّهِ اهـ.، أَوْ نِعْمَ الشَّيْءُ الْمَالُ الْحَلَالِ (لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ) : وَهُوَ مَنْ يُرَاعِي حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ عِبَادِهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: (مَا) هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَوْصُولَةٍ وَلَا مَوْصُوفَةٍ لِتَعَيُّنِ الْأَوْلَى بِالصِّلَةِ، وَالثَّانِيَةُ بِالصِّفَةِ، وَالْمُرَادُ الْإِجْمَالُ، ثُمَّ التَّبْيِينُ فَ (مَا) هُنَا بِمَنْزِلَةِ تَعْرِيفِ الْجِنْسِ فِي نِعْمَ الرَّجُلُ، فَإِنَّهُ إِذَا قَرَعَ السَّمْعَ أَوْلًا مُجْمَلًا ذَهَبَ بِالسَّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ، ثُمَّ إِذَا بُيِّنَ تَمَكَّنَ فِي ذِهْنِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، وَأَخَذَ بِمَجَامِعِ الْقَلْبِ، وَفِي هَذَا مَدْحٌ عَظِيمٌ لِلْمَالِ الصَّالِحِ وَالصَّلَاحُ ضِدُّ الْفَسَادِ، وَهُمَا مُخْتَصَّانِ فِي أَكْثَرِ الِاسْتِعْمَالِ بِالْأَفْعَالِ، وَقُوبِلَ فِي الْقُرْآنِ تَارَةً بِالْفَسَادِ وَتَارَةً بِالسَّيِّئَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] قَالَ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦] ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ مُنْتَفَعًا بِهِ كَانَ صَالِحًا، وَالْفَسَادُ بِخِلَافِهِ، وَالرَّجُلُ الصَّالِحُ مَنْ عَلِمَ الْخَيْرَ وَعَمِلَ بِهِ، وَالْمَالُ الصَّالِحُ مَا يُكْسَبُ مِنَ الْحَلَالِ، وَيُنْفَقُ فِي وُجُوهِ الْخَيْرَاتِ (رَوَاهُ) : أَيْ: صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : أَيْ: بِإِسْنَادِهِ (وَرَوَى أَحْمَدُ نَحْوَهُ) : أَيْ: بِمَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ (وَفِي رِوَايَتِهِ) : أَيْ: رِوَايَةِ أَحْمَدَ (قَالَ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﵇ ( «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» ) : قُلْتُ: فِيهِ تَأْيِيدٌ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ (مَا) زَائِدَةٌ كَافَّةٌ.
стр. 5221
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٧٥٧ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَفَعَ لِأَحَدٍ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا، فَقَبِلَهَا ; فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٧٥٧ - (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَفَعَ لِأَحَدٍ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً» ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ وَرَفَعَ هَدِيَّةً (عَلَيْهَا) : أَيْ: عَلَى مُقَابَلَةِ الشَّفَاعَةِ وَلِأَجْلِهَا (فَقَبِلَهَا) : أَيِ: الْمُهْدَى إِلَيْهِ وَهُوَ الشَّافِعُ (فَقَدْ أَتَى) : أَيِ: الْقَابِلُ (بَابًا) : أَيْ: نَوْعًا (عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا) : وَهُوَ فِي الشَّرْعِ فَضْلٌ خَالٍ عَنْ عِوَضٍ شُرِطَ لِأَحَدِ الْعَاقِدِينَ فِي الْمُعَاوَضَةِ، وَفَى نُسْخَةٍ الرِّيَاءِ بِالتَّحْتِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5222
[بَابُ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ]
стр. 5223
[٤] بَابُ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٧٥٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي شَرْحِهِ لِلنَّوَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، أَوْ صَحِيحٍ، زِيَادَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " «لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ".
ــ
[٤]- بَابُ الْأَقْضِيَةِ
أَيِ: الْحُكُومَاتِ (وَالشَّهَادَاتِ) : أَيْ: أَنْوَاعِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَقْضِيَةُ هِيَ مَا تُرْفَعُ إِلَى الْحَاكِمِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْقَضَاءُ فِي الْأَصْلِ إِحْكَامُ الشَّيْءِ وَالْفَرَاغُ مِنْهُ، فَيَكُونُ الْقَضَاءُ إِمْضَاءُ الْحُكْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤] وَسُمِّيَ الْحَاكِمُ قَاضِيًا ; لِأَنَّهُ يَقْضِي الْأَحْكَامَ وَيَحْكُمُهَا، وَيَكُونُ قَضَى بِمَعْنَى أَوْجَبَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ قَاضِيًا، لِإِيجَابِهِ الْحُكْمَ عَلَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَيُسَمَّى حَاكِمًا لِمَنْعِهِ الظَّالِمَ مِنَ الظُّلْمِ، وَمِنْهُ حَكَمَةُ الدَّابَّةِ لِمَنْعِهَا الدَّابَّةَ مِنْ رُكُونِهَا رَأْسَهَا، وَسُمِّيَتِ الْحِكْمَةُ حِكْمَةً لِمَنْعِهَا النَّفْسَ مِنْ هَوَاهَا. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الشُّهُودُ وَالشَّهَادَةُ وَالْمُشَاهَدَةُ الْحُضُورُ مَعَ الْمُشَاهَدَةِ إِمَّا بِالْبَصَرِ وَإِمَّا بِالْبَصِيرَةِ، وَشَهِدْتُ جَارٍ مَجْرَى الْعِلْمِ وَبِلَفْظِهِ: تُقَامُ الشَّهَادَةُ، يُقَالُ: أَشْهَدُ بِكَذَا، وَلَا يُرْضَى مِنَ الشَّاهِدِ أَنْ يَقُولَ: أَعْلَمُ، بَلْ يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ، وَفَى الْمُغْرِبِ: الشَّهَادَةُ الْإِخْبَارُ بِصِحَّةِ الشَّيْءِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ وَعِيَانٍ، وَيُقَالُ: عِنْدَ الْحَاكِمِ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا شَهَادَةٍ فَهُوَ شَاهِدٌ وَهُمْ شُهُودٌ وَأَشْهَادٌ وَهُوَ شَهِيدٌ وَهُمْ شُهَدَاءُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٧٥٨ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ: لَوْ فُرِضَ أَنْ يُعْطَوْا مُدَّعَاهُمْ مِنْ مَالِهِمْ وَدِمَائِهِمْ (بِدَعْوَاهُمْ: أَيْ: بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمْ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ لِلْمُدَّعِي، أَوْ تَصْدِيقٍ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لَادَّعَى نَاسٌ) : أَيْ: قَوْمٌ فِي الْحَقِيقَةِ نَسْنَاسٌ بِطَرِيقِ الْبُطْلَانِ عَلَى نَاسٍ (دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ) : قِيلَ: أَيْ لَأَخَذَ رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ، وَسَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، فَوَضَعَ الدَّعْوَى مَوْضِعَ الْأَخْذِ ; لِأَنَّهَا سَبَبُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَخْذَ مَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُمْتَنِعٌ لِامْتِنَاعِ إِعْطَاءِ الْمُدَّعِي بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، فَصَحَّ مَعْنَى لَوْ كَمَا لَا يَخْفَى، هَذَا وَلَمَّا كَانَتِ الْجُمْلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ نَفَتِ اعْتِبَارَ الْإِعْطَاءِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَأَفَادَتْ أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَكَانَتْ مُوهِمَةً لِعَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ مُطْلَقًا اسْتَدْرَكَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَكِنَّ الْيَمِينَ) : بِتَشْدِيدِ لَكِنَّ وَنَصْبِ الْيَمِينِ، وَفَى نُسْخَةٍ بِالتَّخْفِيفِ وَالرَّفْعِ ; أَيِ: الْحَلِفَ (عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) : أَيِ: الْمُنْكِرِ إِنْ طَلَبَ الْمُدَّعِي تَحْلِيفَهُ، فَلَوْ حَلَّفَهُ الْقَاضِي بِغَيْرِ طَلَبِ الْمُدَّعِي، ثُمَّ طَلَبَ الْمُدَّعِي التَّحْلِيفَ، فَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ، كَذَا فِي الْأُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ، وَهَذَا عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ الْحُدُودُ وَاللِّعَانُ وَنَحْوُهُمَا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَفِي شَرْحِهِ) : أَيْ: شَرْحِ مُسْلِمٍ (لِلنَّوَوِيِّ) : يَجُوزُ قَصْرُهُ وَمَدُّهُ (أَنَّهُ قَالَ: وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، أَوْ صَحِيحٍ، زِيَادَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا) : الظَّاهِرُ مَرْفُوعَةٌ (لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ) : بِالْوَجْهَيْنِ (عَلَى الْمُدَّعِي) : فِي الْمُغِرِبِ: الْبَيِّنَةُ الْحُجَّةُ فَيْعِلَةٌ مِنَ الْبَيْنُونَةِ، أَوِ الْبَيَانِ (وَالْيَمِينَ) : بِالْوَجْهَيْنِ (عَلَى مَنْ أَنْكَرَ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ قَاعِدَةٌ شَرِيفَةٌ كُلِّيَّةٌ مِنْ قَوَاعِدِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْإِنْسَانِ فِيمَا يَدَّعِيهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ، أَوْ تَصْدِيقِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ طَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ الْحِكْمَةَ فِي كَوْنِهِ لَا يُعْطَى بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ بِمَجَرَّدِهَا لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَاسْتُبِيحَ، وَلَا يَتَمَكَّنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ صَوْنِ مَالِهِ وَدَمِهِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ، عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ مُتَوَجِّهَةٌ عَلَى كُلِّ مُدَّعَى عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي اخْتِلَاطٌ أَمْ لَا. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابِهِ، وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ: إِنَّ الْيَمِينَ لَا تَتَوَجَّهُ إِلَّا عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ خِلْطَةٌ لِئَلَّا يَبْتَذِلَ السُّفَهَاءُ أَهْلَ الْفَضْلِ بِتَحْلِيفِهِمْ مِرَارًا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ، فَاشْتَرَطَتَ الْخِلْطَةَ دَفْعًا لِهَذِهِ الْمَفْسَدَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْخِلْطَةِ، فَقِيلَ: هِيَ مَعْرِفَتُهُ بِمُعَامَلَتِهِ وَمُدَايَنَتِهِ بِشَاهِدٍ، أَوْ بِشَاهِدَيْنِ، وَقِيلَ: تَكْفِي الشُّبْهَةُ، وَقِيلَ: هِيَ أَنْ يَلِيقَ بِهِ الدَّعْوَى بِمِثْلِهَا عَلَى مَثْلِهِ، وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ، وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ الشَّرْطِ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ.
стр. 5224
٣٧٥٩ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» " فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٥٩ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ» ) : فِي النِّهَايَةِ: الْحَلِفُ هُوَ الْيَمِينُ فَخَالَفَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ تَأْكِيدًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: يَمِينِ صَبْرٍ بِالْإِضَافَةِ ; أَيْ: أُلْزِمَ بِهَا وَحُبِسَ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ لَازِمَةً لِصَاحِبِهَا مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، وَقِيلَ لَهَا مَصْبُورَةً، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْمَصْبُورَ ; لِأَنَّهُ صُبِرَ مِنْ أَجْلِهَا ; أَيْ: حُبِسَ، فَوُصِفَتْ بِالصَّبْرِ وَأُضِيفَ إِلَيْهِ مَجَازًا اهـ. وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ: الصَّبْرُ الْحَبْسُ وَالْمُرَادُ بِيَمِينِ الصَّبْرِ أَنْ يَحْبِسَ السُّلْطَانُ الرَّجُلَ حَتَّى يَحْلِفَ بِهَا، وَهَى لَازِمَةٌ لِصَاحِبِهَا مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ، وَعَلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ، وَالْمُرَادُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ تَنْزِيلًا لِلْحَلِفِ مَنْزِلَةَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا قِيلَ لَهَا مَصْبُورَةٌ مَجَازًا، وَقِيلَ: يَمِينُ الصَّبْرِ هِيَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ قَاصِدًا لِإِذْهَابِ مَالِ الْمُسْلِمِ، كَأَنَّهُ يَصْبِرُ النَّفْسَ عَلَى تِلْكَ الْيَمِينِ ; أَيْ يَحْبِسُهَا عَلَيْهَا، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: (وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ) : أَيْ: كَاذِبٌ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَفَى رِوَايَةٍ بِتَرْكِ الْوَاوِ (يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) : أَيْ: يَفْصِلُ قِطْعَةً مِنْ مَالِهِ وَيَأْخُذُهَا بِذَلِكَ الْيَمِينِ، وَفَى مَعْنَى مَالِ الْمُسْلِمِ مَالُ الذِّمِّيِّ، فَلَا مَفْهُومَ مُعْتَبَرٌ لَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْكَذِبَ فِي الشَّهَادَةِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْفُجُورِ، وَ (يُقْتَطَعُ بِهَا) حَالٌ مِنَ الرَّاجِعِ إِلَى الْمُبْتَدَأِ فِي (فَاجِرٌ) ، فَهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ تَصْوِيرًا لِشَنَاعَتِهَا، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِالْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَذَلِكَ ; لِأَنَّ مُرْتَكِبَ هَذِهِ الْجَرِيمَةِ قَدْ بَلَغَ فِي الِاعْتِدَاءِ الْغَايَةَ الْقُصْوَى، حَيْثُ انْتَهَكَ حُرْمَةً بَعْدَ حُرْمَةٍ إِحْدَاهَا: اقْتِطَاعُ مَالٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ: اسْتِحْقَاقُ حُرْمَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ رِعَايَتُهَا، وَهَى حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ، وَحَقُّ الْآخِرَةِ وَالثَّالِثَةُ: الْإِقْدَامُ عَلَى الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ (لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : وَفِي رِوَايَةٍ: لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، أَيْ: يُعْرِضُ عَنْهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ وَالْعِنَايَةِ، وَ (غَضْبَانُ) غَيْرُ مُنْصَرِفٍ وَهُوَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ. وَلِذَا قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: يَنْتَقِمُ مِنْهُ ; لِأَنَّ الْغَضَبَ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْغَايَةِ (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ) : أَيْ: مُوَافَقَةً لِمَا ذَكَرَ مِنَ الْحَدِيثِ فَهُوَ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٧٧] : أَيْ: يَسْتَبْدِلُونَ (بِعَهْدِ اللَّهِ) : أَيْ: بِمَا عُهِدَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] : أَيِ: الْكَاذِبَةِ ثَمَنًا قَلِيلًا: شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا مَعَ أَنَّ مَتَاعَهَا كُلِّهَا قَلِيلٌ (إِلَى آخَرِ الْآيَةِ) : يَعْنِي ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] ; أَيْ: لَا نَصِيبَ لَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: بِمَا يَسُرُّهُمْ وَيُفْرِحُهُمْ ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] ; أَيْ: نَظَرَ رَحْمَةٍ تَنْفَعُهُمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ ; أَيْ: يُطَهِّرُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ بِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ مَوْقِفِ الْحِسَابِ وَلِذَا قَالَ: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَفِي الْآيَةِ تَهْدِيدٌ جَسِيمٌ وَتَشْدِيدٌ عَظِيمٌ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ.
стр. 5225
٣٧٦٠ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : " «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ ; فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧٦٠ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ» ) : أَيْ: ذَهَبَ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِهِ وَفَصَلَهَا عَنْهُ يُقَالُ: اقْتَطَعْتُ مِنَ الشَّيْءِ قِطْعَةً، ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ وَفِيهِ أَنَّ الْحَقَّ أَعَمُّ مِنَ الْمَالِ، وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ (حَقَّ امْرِئٍ) مَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِ مَالٍ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَالسِّرْجِينِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَّجَاسَاتِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا، وَكَذَا سَائِرُ الْحُقُوقِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَالٍ كَحَقِّ الْقَذْفِ وَنَصِيبِ الزَّوْجَةِ مِنَ الْقَسْمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ( «فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَدُلُّ عَلَى التَّأْبِيدِ بَعْدَ احْتِمَالِ الْخُرُوجِ ; مِنْ قَوْلِهِ: أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ، وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ لِذَلِكَ إِذَا مَاتَ عَلَيْهِ، وَثَانِيهُمَا: أَنَّهُ قَدِ اسْتَحَقَّ النَّارَ، وَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَقَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِ دُخُولُ الْجَنَّةِ أَوَّلَ وَهْلَةٍ مَعَ الْفَائِزِينَ، وَأَمَّا تَقْيِيدُهُ ﷺ بِالْمُسْلِمِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَحْرِيمِ حَقِّ الذِّمِّيِّ لِتَفْظِيعِ شَأْنِ مُرْتَكِبِ هَذِهِ الْعَظِيمَةِ كَمَا مَرَّ ; لِأَنَّ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ تَقْتَضِي الْقِيَامَ بِحَقِّهِ وَمُرَاعَاةَ جَانِبِهِ فِي سَائِرِ مَا لَهُ وَعَلَيْهِ، وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ كَامِنَةٌ فِي التَّقْيِيدِ فَلَا يُذْهَبُ إِلَى الْعَمَلِ بِالْمَفْهُومِ. (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) : أَيْ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَإِنْ كَانَ) : أَيِ: الْحَقُّ (شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ; أَيْ: خَشَبِ سِوَاكٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5226
٣٧٦١ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَخِيهِ ; فَلَا يَأْخُذَنَّهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٦١ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ) : أَيْ: تَرْفَعُونَ الْمُخَاصَمَةَ إِلَيَّ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَبِهَا ابْتَدَأَ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ السَّهْوَ وَالنِّسْيَانَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَأَنَّ الْوَضْعَ الْبَشَرِيَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُدْرَكَ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا ظَوَاهِرُهَا، فَإِنَّهُ خَلَقَ خَلْقًا لَا يَسْلَمُ مِنْ قَضَايَا تَحْجُبُهُ عَنْ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ، وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَسْمَعَ الشَّيْءَ فَيَسْبِقُ إِلَى وَهْمِهِ أَنَّهُ صِدْقٌ وَيَكُونُ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، يَعْنِي أَنِّي إِنْ تَرَكْتُ عَلَى مَا جُبِلْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْقَضَايَا الْبَشَرِيَّةِ، وَلَمْ أُؤَيَّدْ بِالْوَحْيِ السَّمَاوِيِّ طَرَأَ عَلَيَّ مِنْهَا مَا يَطْرَأُ عَلَى سَائِرِ الْبَشَرِ، فَإِنْ قِيلَ: أَوَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ مَصُونًا فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَمَعْصُومًا عَلَى سَائِرِ أَحْوَالِهِ؟ قُلْنَا: إِنَّ الْعِصْمَةَ تَتَحَقَّقُ فِيمَا يُعَدُّ عَلَيْهِ ذَنْبًا وَيَقْصِدُهُ قَصْدًا، وَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي جُمْلَتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْهُ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ إِلَّا مَا كَلَّفَ غَيْرَهُ، وَهُوَ الِاجْتِهَادُ فِي الْإِصَابَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي تَرْوِيهِ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ فِي حِسَانِ هَذَا الْبَابِ: " «أَنَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِرَأْيِي فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ» ") (وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: زِيدَ لَفْظَةُ (أَنْ) فِي خَبَرِ لَعَلَّ تَشْبِيهًا لَهُ بِعَسَى، وَقَوْلُهُ: (أَلْحَنَ) أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنْ لَحِنَ كَفَرِحَ إِذَا فَطِنَ بِمَا لَا يَفْطِنُ بِهِ غَيْرُهُ ; أَيْ: أَفْصَحَ وَأَفْطَنَ (بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ) : فَيُزَيِّنُ كَلَامَهُ بِحَيْثُ أَظُنُّهُ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ (فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ) : قَالَ الرَّاغِبُ: اللَّحْنُ صَرْفُ الْكَلَامِ عَنْ سُنَنِهِ الْجَارِي عَلَيْهِ إِمَّا بِإِزَالَةِ الْعَرَبِ، أَوِ التَّصْحِيفِ وَهُوَ مَذْمُومٌ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا، وَإِمَّا بِإِزَالَتِهِ عَنِ التَّصْرِيحِ وَصَرْفِهِ بِمَعْنَاهُ إِلَى تَعْرِيضٍ وَفَحْوَى، وَهُوَ مَحْمُودٌ مِنْ حَيْثُ الْبَلَاغَةِ، وَإِيَّاهُ قَصَدَ الشَّارِعُ بِقَوْلِهِ: وَخَيْرُ الْأَحَادِيثِ مَا كَانَ لَحْنًا، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وَمِنْهُ قِيلَ لِلَّفْظِ لَمَّا يَقْتَضِي فَحْوَى الْكَلَامِ: لَحْنٌ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ. " أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ " ; أَيْ: أَلْسَنَ وَأَفْصَحَ وَأَبْيَنَ كَلَامًا، وَأَقْدَرَ عَلَى الْحُجَّةِ (فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ) : أَيْ: مِنَ الْمَالِ وَغَيْرِهِ (فَلَا يَأْخُذَنَّهُ) : أَيْ: إِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِهِ (فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ) : أَيْ: أُعَيِّنُ لَهُ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْأَمْرِ (قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْخَطَأِ فِي الْأَحْكَامِ الْجُزْئِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فِي الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْحَالَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَنَّ الْبَشَرَ لَا يَعْلَمُ مِنَ الْغَيْبِ وَبَوَاطِنِ الْأُمُورِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُطْلِعَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِ الْأَحْكَامِ مَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالظَّاهِرِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ، فَيَحْكُمُ بِالْبَيِّنَةِ، أَوِ الْيَمِينِ مَعَ إِمْكَانِ خِلَافِ الظَّاهِرِ، وَهَذَا نَحْوَ قَوْلِهِ ﷺ : " «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» ) إِلَى قَوْلِهِ: " وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ". وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَأَطْلَعَ ﷺ عَلَى بَاطِنِ أَمْرِ الْخَصْمَيْنِ، فَحَكَمَ بِيَقِينِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى شَهَادَةٍ، أَوْ يَمِينٍ، وَلَكِنْ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أُمَّتَهُ بِاتِّبَاعِهِ وَالْاقْتِدَاءِ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ، أَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَهُمْ مِنْ عَدَمِ الْإِطْلَاعِ عَلَى بَاطِنِ الْأُمُورِ، لِيَكُونَ لِلْأُمَّةِ أُسْوَةٌ بِهِ فِي ذَلِكَ وَتَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ مِنَ الِانْقِيَادِ لِلْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْبَاطِنِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقَعَ مِنْهُ ﷺ حُكْمٌ فِي الظَّاهِرِ مُخَالِفٌ لِلْبَاطِنِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ ; لَا يُقِرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي الْأَحْكَامِ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَقَاعِدَةِ الْأُصُولِ ; لِأَنَّ مُرَادَهُمْ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ خَطَأٌ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِهِ؟ وَأَمَّا الَّذِي فِي الْحَدِيثِ فَلَيْسَ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي شَيْءٍ ; لِأَنَّهُ حَكَمَ بِالْبَيِّنَةِ، أَوِ الْيَمِينِ، فَلَوْ وَقَعَ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ الْبَاطِنَ لَا يُسَمَّى الْحُكْمُ خَطَأً، بَلِ الْحُكْمُ صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى مَا اسْتَقَرَّ بِهِ التَّكْلِيفُ، وَهُوَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِشَاهِدَيْنِ مَثَلًا، فَإِنْ كَانَا شَاهِدَيْ زُورٍ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَالتَّقْصِيرُ مِنْهُمَا. وَأَمَّا الْحَاكِمُ، فَلَا حِيلَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا عَتْبَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَخْطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَمْ يُحِلَّ حَرَامًا، فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدُ زُورٍ لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ، فَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ لَمْ يَحِلَّ لِلْمَحْكُومِ لَهُ ذَلِكَ الْمَالُ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِقَتْلٍ لَمْ يَحِلَّ لِلْوَلِيِّ قَتْلُهُ مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا، وَإِنْ شَهِدَا عَلَى أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَحِلَّ لِمَنْ عَلِمَ كَذِبَهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: فَمَنْ قَضَيْتُ إِلَخْ يَعْنِي إِنْ قَضَيْتُ لَهُ بِظَاهِرٍ يُخَالِفُ الْبَاطِنَ فَهُوَ حَرَامٌ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مَا قَضَيْتُ لَهُ ; لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا يَئُولُ بِهِ إِلَى قِطْعَةٍ مِنَ النَّارِ، فَوَضَعَ الْمُسَبَّبَ وَهُوَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ مَوْضِعَ السَّبَبِ، وَهُوَ مَا حَكَمَ بِهِ لَهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5227
وَفَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ إِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا، أَوْ لِيَتْرُكْهَا» ". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالسِّتَّةُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَلَفْظُهُ: " «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» " وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ طَلْحَةَ وَلَفْظُهُ: " «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَإِنَّ الظَّنَّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَلَكِنْ مَا قُلْتُ لَكُمْ: قَالَ اللَّهُ، فَلَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ» ".
стр. 5228
٣٧٦٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٦٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ) : وَفِي رِوَايَةٍ: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ (إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ) » : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيِ الشَّدِيدُ الْخُصُومَةِ مِنَ اللَّدِيدِ، وَهُوَ صَفْحَةُ الْعُنُقِ، وَذَلِكَ لِمَا لَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ عَمَّا يُرِيدُهُ الْخَصِمُ بِكَسْرِ الصَّادِ ; أَيِ: الْمُولَعُ بِالْخُصُومَةِ بِحَيْثُ تَصِيرُ الْخُصُومَةُ عَادَتَهُ، فَالْأَوَّلُ يُنْبِئُ عَنِ الشِّدَّةِ، وَالثَّانِي عَنِ الْكَثْرَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا إِذَا قُيِّدَ الْأَلَدُّ بِالْخُصُومَةِ فِرَارًا عَنِ التَّكْرَارِ، وَإِذَا تُرِكَ عَلَى أَصْلِهِ يَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ شَدِيدٌ فِي نَفْسِهِ بَلِيغٌ فِي خُصُومَتِهِ، فَلَا يَلْزَمُ التَّكْرَارُ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] الْكَشَّافُ: أَيْ شَدِيدُ الْجِدَالِ، وَإِضَافَةُ الْأَلَدِّ بِمَعْنَى فِي، أَوْ جَعَلَ الْخِصَامَ أَلَدَّ مُبَالَغَةً. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ: وَفِي رِوَايَةِ: تَمَّامٍ عَنْ مُعَاذٍ: " «أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ آمَنَ، ثُمَّ كَفَرَ» ". وَفِي رِوَايَةِ الْعُقَيْلِيِّ، وَالدَّيْلَمِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ: " «أَبْغَضُ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ مَنْ كَانَ ثَوْبَاهُ خَيْرًا مِنْ عَمَلِهِ أَنْ تَكُونَ ثِيَابُهُ ثِيَابَ الْأَنْبِيَاءِ وَعَمَلُهُ عَمَلَ الْجَبَّارِينَ» ".
стр. 5229
٣٧٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهَدٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧٦٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَضَى بِيَمِينٍ) : أَيْ: لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَشَاهِدٍ) : أَيْ: وَبِبَيِّنَةٍ لِلْمُدَّعِي، وَلَعَلَّ الْقَضِيَّةَ فِيمَا يَكْتَفِي بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَالْوَاوُ بِمَعْنَى (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي كَانَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ بَدَلًا مِنَ الشَّاهِدِ الْآخَرِ، فَلَمَّا حَلَفَ قَضَى لَهُ ﷺ بِمَا ادَّعَاهُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ، وَخِلَافُهُمْ فِي الْأَمْوَالِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الدَّعْوَى فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ فَلَا يُقْبَلُ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ بِالْاتِّفَاقِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَضَى بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا، أَوْ عَجَزَ أَنْ يُتِمَّ الْبَيِّنَةَ، وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ تُبَيِّنْ فِي حَدِيثِهِ صِفَةَ الْقَضَاءِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِطُرُقٍ مَرْضِيَّةٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُقَوِّي ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ، فَلَا يُتْرَكُ بَعْدَ وُجُودِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ مَا وَرَدَ بِهِ التَّنْزِيلُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَلَمَّا وَرَدَ التَّوْفِيقُ بِذَلِكَ لَمْ يَرَوْا أَنْ يَحْكُمُوا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَاسْتَدَلُّوا ; أَيْضًا بِحَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الَّذِي يَتْلُو حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ هَذَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ " فَلَكَ يَمِينُهُ " فَلَمَّا أَعَادَ إِلَيْهِ الْقَوْلَ قَالَ: " لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ» .
قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: إِلَّا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ يُقَالُ لَهُ: هَلْ يُجَاءُ بِأَقْطَعَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ صِحَّةً وَنَصًّا؟ أَمَّا الصِّحَّةُ، فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ فِي إِسْنَادِهِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِي صِحَّتِهِ. قُلْتُ: الشَّيْخُ عَارِفٌ بِصِحَّتِهِ غَيْرُ طَاعِنٍ فِي إِسْنَادِهِ، وَإِنَّمَا كَلَامُهُ أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ لَا يُعَارِضُ الدَّلِيلَ الْقَطْعِيَّ، لَا سِيَّمَا مَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ لَا يَصْلُحُ لِلْاسْتِدْلَالِ. وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعِمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَالْمُغِيرَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَهُوَ حُجَّةُ جُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ اهـ.
стр. 5230
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنْ كَلَامِ الشَّيْخِ التُّورِبِشْتِيِّ، لِاخْتِلَافِ النُّقُولِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ غَيْرِ الْمَذْكُورِينَ، وَهُوَ يُفِيدُ نَفْيَ الْقَطْعِ قَطْعًا، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُعَارِضَ الْكِتَابَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. قَالَ: وَأَمَّا ظَاهِرُ النَّصِّ، فَإِنَّ " قَضَى " يُسْتَعْمَلُ بِالْبَاءِ وَاللَّامِ وَعَلَى وَالْبَاءِ لِلسَّبَبِيَّةِ. فَإِنْ قُلْتَ: قَضَى لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ اسْتَقَامَ وَصَحَّ، وَلَوْ قُلْتَ: قَضَى لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِسَبَبِ يَمِينِهِ وَشَاهِدِ الْمُدَّعِي أَبْعَدْتَ الْمَرْمَى. قُلْتُ: الشَّيْخُ عَارِفٌ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَقَائِلٌ بِهَذَا الْمَبْنَى، لَكِنَّهُ يَنْفِي النَّصَّ فِي الْمُدَّعِي فَلَا يُعَدَّى عَنِ الْمَرْمَى، ثُمَّ قَالَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: " أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " التَّنْكِيرُ فِيهِ لِلشُّيُوعِ ; أَيْ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ مَا؟ فَقَوْلُهُ: لَا يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ أَصْلًا، فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، إِذْ لَوْ كَانَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ لَمْ يَقُلْ لِلْمُدَّعِي: فَلَكَ يَمِينُهُ، بَلْ فَعَلَيْكَ الْيَمِينُ. قُلْتُ هَذَا غَفْلَةٌ لَهُ مِنْ أَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُطْلَقُ شَرْعًا عَلَى شَاهِدٍ وَاحِدٍ ; إِذْ لَوْ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَيْهِ لَقَالَ: أَلَكَ شَاهِدٌ؟ ، وَلِأَنَّ (أَلْ) فِي الْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ لِلْاسْتِغْرَاقِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : ( «الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ) . ; أَيْ: جَمِيعُ الْبَيِّنَاتِ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي، وَجَمِيعُ الْأَيْمَانِ فِي جَانِبِ الْمُنْكِرِ، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ وَاللَّهُ وَلِيُ التَّوْفِيقِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5231
٣٧٦٤ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي. فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي وَفِي يَدِي، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: " أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: " فَلَكَ يَمِينُهُ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ، لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: " لَيْسَ لَكَ فِيهِ إِلَّا ذَلِكَ ". فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَدْبَرَ: " لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ» . ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧٦٤ - (وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ ﵁ : أَيِ: ابْنِ حُجْرٍ (الْحَضْرَمِيِّ) : وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ) : بِسُكُونِ الضَّادِ وَالْوَاوِ بَيْنَ فَتَحَاتٍ، وَمَرَّ تَحْقِيقُهُ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ أَقْصَى الْيَمَنِ (وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي) : أَيْ: بِالْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي (قَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي) : أَيْ: مِلْكٌ لِي (وَفِي يَدِي) : أَيْ وَتَحْتَ تَصَرُّفِي (فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ) : أَيْ: مِنَ الْحُقُوقِ (فَقَالَ لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ. قَالَ) : أَيِ: الْحَضْرَمِيُّ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الرَّجُلَ) : أَيِ: الْكِنْدِيَّ (فَاجِرٌ) : أَيْ: كَاذِبٌ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ) : صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِفَاجِرٍ (وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ) : أَيْ: مَعَ هَذَا (قَالَ: لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: إِلَّا ذَاكَ ; أَيْ: مَا ذَكَرَ مِنَ الْيَمِينِ (فَانْطَلَقَ) : أَيْ: فَذَهَبَ الْكِنْدِيُّ (لِيَحْلِفَ) : أَيْ: عَلَى قَصْدِ أَنْ يَحْلِفَ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَدْبَرَ) : أَيْ: حِينَ وَلَّى عَلَى هَذَا الْقَصْدِ (لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ) : أَيْ: مَالِ الْحَضْرَمِيِّ (لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مَجَازٌ عَنِ الِاسْتِهَانَةِ بِهِ، وَالسُّخْطِ عَلَيْهِ، وَالْإِبْعَادِ عَنْ رَحْمَتِهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] وَغَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي ; أَيْ غَصْبًا مِنِّي قَهْرًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى أَرْضٍ لِي، وَفِيهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْفَوَائِدِ. مِنْهَا: أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ أَوْلَى مِنْ أَجْنَبِيٍّ يَدَّعِي عَلَيْهِ. وَمِنْهَا أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ إِذَا لَمْ يُقِرَّ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُقَدَّمَ عَلَى الْيَدِ، وَيُقْضَى لِصَاحِبِهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ وَمِنْهَا: أَنْ يَمِينَ الْفَاجِرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُقْبَلُ كَيَمِينِ الْعَدْلِ وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا. وَمِنْهَا: أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ: أَنَّهُ ظَالِمٌ، أَوْ فَاجِرٌ، أَوْ نَحْوُهُ فِي حَالِ الْمُخَاصَمَةِ يُحْتَمَلُ ذَلِكَ مِنْهُ. وَمِنْهَا أَنَّ الْوَارِثَ إِذَا ادَّعَى شَيْئًا لِمُوَرِّثِهِ، وَعَلِمَ الْحَاكِمُ أَنَّ مُوَرِّثَهُ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ، جَازَ الْحُكْمُ لَهُ بِهِ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُ حَالَ الدَّعْوَى بِبَيِّنَةٍ عَلَى ذَلِكَ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ قَالَ: غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لِأَبِي، فَقَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهَا لِأَبِيهِ، فَلَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ بِأَنَّهُ وَرِثَهَا وَحْدَهُ لِطَالَبَهُ بِبَيِّنَةٍ عَلَى كَوْنِهِ وَارِثًا، وَبِبَيِّنَةٍ أُخْرَى عَلَى كَوْنِهِ مُحِقًّا فِي دَعْوَاهُ عَلَى خَصْمِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَسَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ.
стр. 5232
٣٧٦٥ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ ; فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧٦٥ - (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ) ; أَيْ: مُتَعَمِّدًا (فَلَيْسَ مِنَّا) ; أَيْ: مَعْشَرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) : قِيلَ: أَمْرٌ مَعْنَاهُ الْخَبَرُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
стр. 5233
٣٧٦٦ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٧٦٦ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁) : أَيِ الْجُهَنِيِّ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟) جَمْعُ شَاهِدٍ (الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ: قَبْلَ أَنْ تُطْلَبُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَأْوِيلَانِ. أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا تَأْوِيلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ ; لِإِنْسَانٍ بِحَقٍّ، وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ شَاهِدٌ، فَيَأْتِي إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ بِأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهُ ; لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ لَهُ عِنْدَهُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى شَهَادَةِ الْحِسْبَةِ فِي غَيْرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصَايَا الْعَامَّةِ وَالْحُدُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَفْعُهُ إِلَى الْقَاضِي وَإِعْلَامُهُ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] . وَحُكِيَ تَأْوِيلٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ طَلَبِهَا، كَمَا يُقَالُ: الْجَوَادُ يُعْطِي قَبْلَ السُّؤَالِ ; أَيْ: يُعْطِي سَرِيعًا عَقِيبَ السُّؤَالِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُنَاقِضَةٌ لِلْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : " يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ ". قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ مَعَهُ شَهَادَةٌ لَا يُسْأَلُ، وَهُوَ عَالِمٌ بِهَا، فَيَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ تُطْلَبَ مِنْهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ شَاهِدُ زُورٍ فَيَشْهَدُ بِمَا لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ يُسْتَشْهَدْ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي انْتَصَبَ شَاهِدًا وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «خَيْرُ الشَّهَادَةِ مَا شَهِدَ بِهَا صَاحِبُهَا قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» ".
стр. 5234
٣٧٦٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٧٦٧ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» ) : أَيْ: أَصْحَابِي، وَقِيلَ: كُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا فِي زَمَانِهِ ﷺ . وَفِي النِّهَايَةِ: الْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ مِقْدَارُ التَّوَسُّطِ فِي أَعْمَارِ كُلِّ زَمَانٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاقْتِرَانِ، وَكَأَنَّهُ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَقْتَرِنُ فِيهِ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي أَعْمَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ اهـ. وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَقِيلَ أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ سِتُّونَ، وَقِيلَ سَبْعُونَ، وَقِيلَ ثَمَانُونَ، وَقِيلَ مِائَةٌ، رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ رَأْسَ غُلَامٍ وَقَالَ: " عِشْ قَرْنًا " فَعَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ» . ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) : أَيْ: يَقْرُبُونَهُمْ فِي الْخَيْرِ كَالتَّابِعِينَ (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) : كَأَتْبَاعِ التَّابِعِينَ (ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ) وَفِي رِوَايَةٍ: أَقْوَامٌ (تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ) : بِالرَّفْعِ ; أَيْ: وَتَسْبِقُ يَمِينُهُ (شَهَادَتَهُ) : قِيلَ: ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ شَهَادَةِ الزُّورِ وَالْيَمِينِ فَتَارَةً يَحْلِفُونَ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ، وَتَارَةً يَعْكِسُونَ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَثَلًا فِي سُرْعَةِ الشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ، وَحِرْصِ الرَّجُلِ عَلَيْهِمَا، وَالْإِسْرَاعِ فِيهِمَا، حَتَّى لَا يَدْرِيَ أَنَّهُ بِأَيِّهِمَا يَبْتَدِئُ، وَكَأَنَّهُ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ مِنْ قِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالدِّينِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاحْتَجَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ فِي رَدِّ شَهَادَةِ مَنْ حَلَفَ مَعَهَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَا تُرَدُّ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي الَّذِي أَنَا فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَالْآخِرُونَ أَرَاذِلُ» ". وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي الَّذِي أَنَا فِيهِ، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِثُ» ".
стр. 5235
٣٧٦٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمْرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ ; أَيُّهُمْ يَحْلِفُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٧٦٨ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ، فَأَسْرَعُوا) : أَيْ: فَبَادَرُوا إِلَى الْيَمِينِ (فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ) : أَيْ: يُقْرَعَ (بَيْنَهُمُ فِي الْيَمِينِ ; أَيُّهُمْ) : بِالرَّفْعِ (يَحْلِفُ) : قَالَ الْمُظْهِرُ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ رَجُلَيْنِ إِذَا تَدَاعَيَا مَتَاعًا فِي يَدِ الثَّالِثِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ. وَقَالَ الثَّالِثُ: لَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ يَعْنِي أَنَّهُ لَكُمَا، أَوْ لِغَيْرِكُمَا، فَحُكْمُهَا أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ يَحْلِفُ مَعَهَا، وَيُقْضَى لَهُ بِذَلِكَ الْمَتَاعِ، وَبِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: يُتْرَكُ فِي يَدِ الثَّالِثِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُجْعَلُ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ نِصْفَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَبِقَوْلِ عَلِيٍّ قَالَ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ، وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ; أَيضًا أَنَّهُ يُجْعَلُ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ نِصْفَيْنِ مَعَ يَمِينِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ يُتْرَكُ فِي يَدِ الثَّالِثِ. قُلْتُ: وَحَدِيثُ أَمِّ سَلَمَةَ الْآتِي يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5236
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٧٦٩ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٧٦٩ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵃ ; أَيِ: ابْنِ عَمْرٍو (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْهُ بِلَفْظِ: " «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ» ".
стр. 5237
٣٧٧٠ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ فِي مَوَارِيثَ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ إِلَّا دَعْوَاهُمَا. فَقَالَ: " مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَخِيهِ ; فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ. فَقَالَ الرَّجُلَانِ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! حَقِّي هَذَا لِصَاحِبِي، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ اذْهَبَا، فَاقْتَسِمَا، وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ لْيُحَلِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: " «إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِرَأْيِي فِيمَا يَنْزِلُ عَلَيَّ فِيهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٧٧٠ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَوَارِيثَ) : جَمْعُ مَوْرُوثٍ ; أَيْ: تَدَاعَيَا فِي أَمْتِعَةٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هَذِهِ لِي وَرِثْتُهَا مِنْ مُوَرِّثِي، وَقَالَ الْآخَرُ: كَذَلِكَ (لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ) : صِفَةٌ أُخْرَى لِرَجُلَيْنِ (إِلَّا دَعْوَاهُمَا) : إِلَّا هُنَا بِمَعْنَى غَيْرِ، أَوِ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ بِالْمُحَالِ مُبَالَغَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] ; أَيْ: لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ إِلَّا الدَّعْوَى، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الدَّعْوَى لَيْسَتْ بِبَيِّنَةٍ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمَا بَيِّنَةٌ قَطُّ. (قَالَ: مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ ; فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ. قَالَ الرَّجُلَانِ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) : بَدَلٌ مِنَ الرَّجُلَيْنِ ; أَيْ قَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ (يَا رَسُولَ اللَّهِ! حَقِّي هَذَا لِصَاحِبِي، فَقَالَ: لَا) : أَيْ: لَا يُتَصَوَّرُ هَذَا إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لِشَخْصَيْنِ اسْتِقْلَالًا (وَلَكِنِ اذْهَبَا، فَاقْتَسِمَا) : أَيْ: نِصْفَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ (وَتَوَخَّيَا) : بِتَشْدِيدِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ; أَيِ: اطْلُبَا (الْحَقَّ) : أَيِ: الْعَدْلَ فِي الْقِسْمَةِ، وَاجْعَلَا الْمُتَنَازَعَ فِيهِ نِصْفَيْنِ (ثُمَّ اسْتَهِمَا) : أَيِ اقْتَرِعَا لِتَبْيِينِ الْحِصَّتَيْنِ إِنْ وَقَعَ التَّنَازُعُ بَيْنَكُمَا لِيَظْهَرَ ; أَيُّ الْقِسْمَيْنِ وَقَعَ فِي نَصِيبِ كَلٍّ مِنْكُمَا وَلْيَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا مَا تُخْرِجُهُ الْقُرْعَةُ مِنَ الْقِسْمَةِ، (ثُمَّ لْيُحَلِّلْ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ ; أَيْ: لِيَجْعَلْ حَلَالًا (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ) : أَيْ: فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى، لَا مِنْ بَابِ الْحُكُومَةِ وَالْفَتْوَى، وَقِيلَ: تَوَخِّيًا فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الْحَقِّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصُّلْحَ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي شَيْءٍ مَعْلُومٍ، وَالتَّوَخِّي إِنَّمَا يُفِيدُ ظَنًّا فَضَمَّ إِلَيْهِ الْقُرْعَةَ، وَهَى نَوْعٌ مِنَ الْبَيِّنَةِ، لِيَكُونَ أَقْوَى، وَأَمَرَ بِالتَّحْلِيلِ لِيَكُونَ افْتِرَاقُهُمَا عَنْ تَعَيُّنٍ بَرَاءَةً وَطِيبَ نَفْسٍ اه. وَفِيهِ أَنَّ الْبَرَاءَةَ الْمَجْهُولَةَ تَصِحُّ عِنْدَنَا، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى سُلُوكِ سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِرَأْيِي فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِنْزَالِ، وَيَجُوزُ وَجْهَانِ آخَرَانِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَدْ تَقَدَّمَ مَا يُؤَيِّدُهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُقُوعِ اجْتِهَادِهِ ﷺ .
стр. 5238
٣٧٧١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁،: «أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا دَابَّةً، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَابَّتُهُ نَتَجَهَا، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلَّذِي فِي يَدِهِ» . رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
٣٧٧١ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا دَابَّةً) : أَيِ: اخْتَصَمَا فِيهَا (فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَابَّةٌ نَتَجَهَا) : بِالتَّخْفِيفِ وَمَصْدَرُهُ النَّتْجُ ; أَيْ: أَرْسَلَ عَلَيْهَا الْفَحْلَ وَوَلَّدَهَا وَوَلِيَ نِتَاجَهَا (فَقَضَى بِهَا) : أَيْ: فَحَكَمَ بِالدَّابَّةِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلَّذِي فِي يَدِهِ) : قِيلَ: دَلَّ عَلَى أَنَّ بَيِّنَةَ ذِي الْيَدِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ غَيْرِهَا مُطْلَقًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي صُورَةِ النِّتَاجِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَالُوا: إِذَا تَدَاعَى رَجُلَانِ دَابَّةً، أَوْ شَيْئًا وَهُوَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهُوَ لِصَاحِبِ الْيَدِ، وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْآخَرُ بَيِّنَةً فَيُحْكَمُ لَهُ بِهِ، فَلَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ بَيِّنَةَ ذِي الْيَدِ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، وَهُوَ لِلْخَارِجِيِّ إِلَّا فِي دَعْوَى النِّتَاجِ إِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّ هَذِهِ الدَّابَّةَ مِلْكُهُ نَتَجَهَا، وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ يُقْضَى بِهَا لِصَاحِبِ الْيَدِ، وَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ فِي أَيْدِيهِمَا فَتَدَاعَيَا حَلَفَا، وَكَانَ بَيْنَهُمَا مَقْسُومًا بِحُكْمِ الْيَدِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً. (رَوَاهُ) : أَيْ: صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : أَيْ: بِإِسْنَادِهِ. وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ.
стр. 5239
٣٧٧٢ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁: «أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنَ، فَقَسَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِلنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ: " «أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا لَيْسَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا» .
ــ
٣٧٧٢ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁: أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ) : أَيْ: أَقَامَ (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنَ) : أَيْ: عَلَى طِبْقِ مُدَّعَاهُ وَوِفْقِ دَعْوَاهُ (فَقَسَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْبَعِيرُ فِي أَيْدِيهِمَا. قُلْتُ: أَوْ فِي يَدِ ثَالِثٍ غَيْرِ مُنَازِعٍ لَهُمَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِلنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ) : أَيْ: مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ; أَيْضًا (أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا لَيْسَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ مُتَّحِدَةً، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَعَدِّدَةً إِلَّا أَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ لَمَّا تَعَارَضَتَا تَسَاقَطَتَا، فَصَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، فَالْمَعْنَى لَيْسَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ مُرَحَّجَةٌ عَلَى الْأُخْرَى (فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَدَاعَى اثْنَانِ شَيْئًا وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، وَكَانَ الْمُدَّعَى بِهِ فِي أَيْدِيهِمَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا يُنَصَّفُ الْمُدَّعَى بِهِ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا مُطْلَقٌ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ الَّذِي يَلِيهِ فِي قَوْلِهِ: اسْتَهَمَا عَلَى الْيَمِينِ.
стр. 5240
٣٧٧٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي دَابَّةِ، وَلَيْسَ لَهُمَا بَيِّنَةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " اسْتَهِمَا الْيَمِينَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٧٧٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي دَابَّةٍ، وَلَيْسَ لَهُمَا بَيِّنَةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ» ) : أَيِ: اقْتَرِعَا، وَهَذَا مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ اسْتَهِمَا نِصْفَيْنِ عَلَى يَمِينِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : كَذَا النَّسَائِيُّ.
стр. 5241
٣٧٧٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ حَلَّفَهُ: " احْلِفْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا لَهُ عِنْدَكَ شَيْءٌ. يُعْنَى لِلْمُدَّعِي» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٧٧٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ حَلَّفَهُ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ ; أَيْ: أَرَادَ النَّبِيُّ تَحْلِيفَهُ (احْلِفْ) : بِصِيغَةِ الْأَمْرِ (بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا لَهُ) : أَيْ: لَيْسَ لَهُ (عِنْدَكَ شَيْءٌ. يَعْنِي) ; أَيْ: يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ بِقَوْلِهِ لَهُ فِي مَالِهِ (لِلْمُدَّعِي، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5242
٣٧٧٥ - وَعَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَرْضٌ، فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " قُلْتُ: لَا. قَالَ لِلْيَهُودِيِّ: " احْلِفْ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذَنْ يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] الْآيَةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٧٧٥ - (وَعَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ : أَيِ: ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ، كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيِّ، قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ، وَكَانَ رَئِيسَهُمْ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ، وَكَانَ رَئِيسًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، وَكَانَ وَجِيهًا فِي الْإِسْلَامِ، وَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَنَزَلَ الْكُوفَةَ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَيٍّ ﵄، رَوَاهُ عَنْهُ نَفَرٌ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، فَهُوَ صَحَابِيٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، تَابِعِيٌّ عِنْدَنَا لِبُطْلَانِ صُحْبَتِهِ بِالرِّدَّةِ. (قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَرْضٌ) : أَيْ: مُتَنَازَعٌ فِيهَا (فَجَحَدَنِي) : أَيْ: أَنْكَرَ عَلَيَّ (فَقَدَّمْتُهُ) : بِالتَّشْدِيدِ ; أَيْ: جِئْتُ بِهِ وَرَفَعْتُ أَمْرَهُ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ يَحْلِفُ فِي الْخُصُومَاتِ كَمَا يَحْلِفُ الْمُسْلِمُ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذَنْ) : بِالنُّونِ (وَيَحْلِفَ) : بِالنَّصْبِ (وَيَذْهَبَ بِمَالِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى) : أَيْ: فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ لِمَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] الْآيَةَ) ; أَيْ: إِلَى آخِرِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُطَابِقُ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَهُ: إِذَنْ يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي؟ قُلْتُ: فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: كَأَنَّهُ قِيلَ لِلْأَشْعَثِ: لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِ إِلَّا الْحَلِفُ، فَإِنْ كَذَبَ فَعَلَيْهِ وَبَالُهُ. وَثَانِيهِمَا: لَعَلَّ الْآيَةَ تَذْكَارٌ لِلْيَهُودِيِّ بِمِثْلِهَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْوَعِيدِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: أَصْلُ الْحَدِيثِ إِلَى قَوْلِهِ: وَيَذْهَبُ بِمَالِي عِنْدَ الْجَمَاعَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ جَاءَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ صَحَّ، أَوْ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَشَرْحِ السُّنَّةِ ذَلِكَ.
стр. 5243
٣٧٧٦ - وَعَنْهُ، «أَنْ رَجُلًا مَنْ كِنْدَةَ، وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ، اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَرْضٍ مِنَ الْيَمَنِ. فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَرْضِي اغْتَصَبَهَا أَبُو هَذَا، وَهَى فِي يَدِهِ. قَالَ: هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ، وَاللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُوهُ؟ فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ لِلْيَمِينِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَقْطَعُ أَحَدٌ مَالًا بِيَمِينٍ، إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ. فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضُهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٧٧٦ - (وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنِ الْأَشْعَثِ (أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ، اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَرْضٍ مِنَ الْيَمَنِ. فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! (إِنَّ أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُو هَذَا) : وَفَى نُسْخَةٍ اغْتَصَبَهَا أَبُوهُ (وَهَى فِي يَدِهِ) : أَيِ: الْآنَ (قَالَ) : وَفَى نُسْخَةٍ فَقَالَ: (هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا. وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ (وَاللَّهِ مَا يَعْلَمُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ اللَّفْظُ الْمَحْلُوفُ بِهِ ; أَيْ: أُحَلِّفُهُ بِهَذَا وَالْوَجْهُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ الْقَسَمِيَّةُ مَنْصُوبَةَ الْمَحَلِّ عَلَى الْمَصْدَرِ ; أَيْ: أُحَلِّفُهُ هَذَا الْحَلِفَ (أَنَّهَا أَرْضِي) : بِفَتْحِ أَنَّهَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ بِكَسْرِ إِنَّهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَهْوُ قَلَمٍ مِنَ النَّاسِخِ (وَاغْتَصَبَهَا) : وَفَى نُسْخَةٍ (اغْتَصَبَهَا أَبُوهُ، فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ لِلْيَمِينِ) : أَيْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَقْطَعُ أَحَدٌ مَالًا) : أَيْ: عَنْ أَحَدٍ (بِيَمِينٍ) : أَيْ: بِسَبَبِ يَمِينٍ فَاجِرَةٍ (إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ) : أَيْ: مَقْطُوعُ الْيَدِ، أَوِ الْبَرَكَةِ، أَوِ الْحَرَكَةِ، أَوِ الْحُجَّةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: أَجْذَمُ الْحُجَّةِ لَا لِسَانَ لَهُ يَتَكَلَّمُ، وَلَا حُجَّةَ فِي يَدِهِ يَعْنِي لِيَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فِي أَخْذِ مَالِ مُسْلِمٍ ظُلْمًا وَفَى حِلْفِهِ كَاذِبًا (قَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5244
٣٧٧٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، وَالْيَمِينَ الْغَمُوسَ، وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ بِاللَّهِ يَمِينَ صَبْرٍ، فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ، إِلَّا جُعِلَتْ نُكْتَةً فِي قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٣٧٧٧ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ) : بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الْجُهَنِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا، رَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ وَجَابِرٌ وَغَيْرُهُمَا، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ بِالْمَدِينَةِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ الشِّرْكَ» ) : بِالنَّصْبِ فَنَفْيُ الصَّانِعِ أَوْلَى، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْكُفْرِ، إِلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِهِ ; لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِي الْكَفَرَةِ، وَمِنْ زَائِدَةٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُهُ فِي الْإِثْبَاتِ كَالْأَخْفَشِ، أَوْ دُخُولُ مِنْ بِاعْتِبَارِ مَجْمُوعِ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَالشِّرْكُ هُوَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ لَا مِنْ جُمْلَتِهِ. (وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ) : عَطَفٌ عَلَى الشِّرْكِ وَالْمُرَادُ بِهِ مُخَالَفَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى نَهْجٍ لَا يُحْتَمَلُ مِثْلُهُ مِنْ مَثَلِ الْوَلَدِ عَادَةً (وَالْيَمِينَ الْغَمُوسَ) : أَيِ: الْحَلِفَ عَلَى مَاضٍ كَذِبًا مُتَعَمِّدًا، سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ، ثُمَّ فِي النَّارِ وَفَعُولُ لِلْمُبَالَغَةِ وَفَى النِّهَايَةِ: هِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ الْفَاجِرَةُ كَالَّتِي يَقْطَعُ بِهَا الْحَالِفُ مَالَ غَيْرِهِ. (وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ بِاللَّهِ يَمِينَ صَبْرٍ فَأَدْخَلَ) : أَيِ: الْحَالِفُ (فِيهَا) : أَيْ: فِي تِلْكَ الْيَمِينِ (مِثْلَ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ ; أَيْ: رِيشِهَا، وَالْمُرَادُ أَقَلُّ قَلِيلٍ، وَالْمَعْنَى شَيْئًا يَسِيرًا مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، وَمِمَّا يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ (إِلَّا جُعِلَتْ) : أَيْ: تِلْكَ الْيَمِينُ (نُكْتَةً) : أَيْ: سَوْدَاءَ ; أَيْ: أَثَرًا قَلِيلًا (فِي قَلْبِهِ) : كَالنُّقْطَةِ تُشْبِهُ الْوَسَخَ فِي نَحْوِ الْمِرْآةِ وَالسَّيْفِ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى الِانْتِهَاءِ أَنَّ أَثَرَ تِلْكَ النُّكْتَةِ الَّتِي هِيَ مِنَ الرَّيْنِ يَبْقَى أَثَرُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا وَبَالُهَا وَالْعِقَابُ عَلَيْهَا، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ كَذِبًا مُخْلَصًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ ﷺ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، وَخَصَّ الْأَخِيرَةَ مِنْهَا بِالْوَعِيدِ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّهَا مِنْهَا وَدَاخِلَةٌ فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ حَذَرًا مِنِ احْتِقَارِ النَّاسِ بِهَا زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْكَبَائِرِ مِثْلَهَا، وَنَحْوُهُ فِي الْإِلْحَاقِ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ: " «عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ» " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
стр. 5245
٣٧٧٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ، وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ إِلَّا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ» ". رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٧٧٨ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا) : لَعَلَّهُ احْتِرَازٌ مِنْ مِنْبَرِ مَكَّةَ (عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ) : أَيْ: كَاذِبَةٍ سُمِّيَتْ بِهَا كَتَسْمِيَتِهَا فَاجِرَةً اتِّسَاعًا حَيْثُ وُصِفَتْ بِوَصْفِ صَاحِبِهَا ; أَيْ: ذَاتِ إِثْمٍ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قَيَّدَ الْحَلِفَ بِكَوْنِهِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ تَغْلِيظًا لِشَأْنِ الْيَمِينِ وَتَعْظِيمِهِ وَشَرَفِهِ، وَإِلَّا فَالْيَمِينُ الْآثِمَةُ مُوجِبَةٌ لِلسُّخْطِ حَيْثُ وَقَعَتْ، لَكِنْ فِي الْمَوْضِعِ الشَّرِيفِ أَكْثَرُ إِثْمًا. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَجْهُ ذِكْرِ الْمِنْبَرِ مِنَ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ، فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا جَرَى ذِكْرُ الْمِنْبَرِ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَاكَمُونَ وَيَتَحَالَفُونَ يَوْمَئِذٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَاتَّخَذُوا الْجَانِبَ الْأَيْمَنَ مِنْهُ، وَهُنَاكَ الْمِنْبَرُ مَحَلًا لِلْأُقْضِيَةِ، فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا كَانَ وَأَرَى هَذَا تَأْوِيلًا حَسَنًا نَرَى الْعُدُولَ عَنْهُ، لِئَلَّا يَفْتَقِرَ أَنْ يَعْدِلَ بِالْحَلِفِ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَالْيَمِينُ الْآثِمَةُ مُوجِبَةٌ لِسُخْطِ اللَّهِ وَنَكَالِهِ عَلَى أَيَّةِ صِفَةٍ كَانَتْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلِنَاصِرٍ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ: وَصَفَ الْمِنْبَرَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ بَعْدَ إِضَافَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ لَيْسَ إِلَّا لِلتَّعْظِيمِ، وَإِنَّ لِلْمَكَانِ مَدْخَلًا فِي تَغْلِيظِ الْيَمِينِ، وَقَوْلِهِ: (وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ) : تَتْمِيمٌ بِمَعْنَى التَّحْقِيرِ فِي السِّوَاكِ ; لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا يَابِسًا (إِلَّا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، أَوْ لِلتَّنْوِيعِ بِأَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ وَعِيدًا لِلْفَاجِرِ، وَالثَّانِي لِلْكَافِرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِلْيَمِينِ، بَلْ يُعَدُّ لَغْوًا بِحَسَبِ الْعُرْفِ، وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ هَذَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِأَجْلِ هَذَا الْمَكَانِ الرَّفِيعِ، فَيَكُفَّ بِمَا هُوَ فَوْقَهُ؟ وَفِيهِ أَنَّ الْأَيْمَانَ إِنَّمَا تَصِيرُ مُغْلَّظَةً بِحَسَبِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، لَا بِحَسَبِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا. (رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 5246
٣٧٧٩ - وَعَنْ خُزَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَامَ قَائِمًا، فَقَالَ: " عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ - حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١] » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
٣٧٨٠ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ لَمْ يَذْكُرِ الْقِرَاءَةَ.
ــ
٣٧٧٩ - (وَعَنْ خُرَيْمٍ ﵁ : بِضَمِّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ رَاءٍ وَسُكُونِ يَاءٍ (ابْنِ فَاتِكٍ) : بِفَاءٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ فَتَاءٌ مُثَنَّاةٌ فَوْقِيَّةٌ مَكْسُورَةٌ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ خُرَيْمُ بْنُ الْأَخْرَمِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ فَاتِكٍ، عِدَادُهُ فِي الشَّامِيِّينَ، وَقِيلَ فِي الْكُوفِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ) : أَيْ: عَنِ الصَّلَاةِ، أَوْ عَنْ مَجْلِسِهِ (قَامَ قَائِمًا) : أَيْ: وَقَفَ حَالَ كَوْنِهِ قَائِمًا، أَوْ قَامَ قِيَامًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ اسْمُ الْفَاعِلِ أُقِيمَ مَقَامَ الْمَصْدَرِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي أَنَّ فِي الْعُدُولِ عَنِ الظَّاهِرِ لَا بُدَّ مِنْ نُكْتَةٍ، فَإِذَا وُضِعَ الْمَصْدَرُ اسْمَ الْفَاعِلِ نُظِرَ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى تَجَسَّمَ وَانْقَلَبَ ذَاتًا وَعَكْسُهُ فِي عَكْسِهِ، وَكَأَنَّ قِيَامَهُ ﷺ صَارَ قَائِمًا عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ، كَقَوْلِهِمْ نَهَارُهُ صَائِمٌ وَلَيْلُهُ قَائِمٌ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ مَا قَامَ لَهُ وَتَجَلَّدَ وَتَشَمَّرَ بِسَبَبِهِ، (قَالَ: عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ ; أَيِ: الْكَذِبِ (بِالْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ) : أَيْ: جُعِلَتِ الشَّهَادَةُ الْكَاذِبَةُ مُمَاثِلَةً لِلْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ فِي الْإِثْمِ ; لِأَنَّ الشِّرْكَ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ بِمَا لَا يَجُوزُ، وَشَهَادَةَ الزُّورِ كَذِبٌ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا لَا يَجُوزُ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الْوَاقِعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالزُّورُ مِنَ الزَّوْرِ وَالِازْوِرَارِ، وَهُوَ الِانْحِرَافُ، وَإِنَّمَا سَاوَى قَوْلُ الزُّورِ الشِّرْكَ ; لِأَنَّ الشِّرْكَ مِنْ بَابِ الزُّورِ، فَإِنَّ الْمُشْرِكَ زَاعِمٌ أَنَّ الْوَثَنَ يَحِقُّ الْعِبَادَةَ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) : أَيْ: قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْوَعِيدِ (ثُمَّ قَرَأَ) : أَيِ: اسْتِشْهَادًا وَاعْتِضَادًا ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] : مِنْ بَيَانِيَّةٌ ; أَيِ: النَّجِسَ الَّذِي هُوَ الْأَصْنَامُ) ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] ; أَيْ: قَوْلَ الْكَذِبِ الشَّامِلِ لِشَهَادَةِ الزُّورِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفَى التَّنْزِيلِ عُطِفَ قَوْلُ الزُّورِ عَلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَكُرِّرَ الْفِعْلُ اسْتِقْلَالًا فِيمَا هُوَ مُجْتَنَبٌ عَنْهُ فِي كَوْنِهِمَا مِنْ وَادِي الرِّجْسِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُجْتَنَبَ عَنْهُ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: فَاجْتَنِبُوا عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ الَّتِي هِيَ رُءُوسُ الرِّجْسِ، وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ كُلَّهُ، وَلَا تَقْرَبُوا شَيْئًا مِنْهُ لِتَمَادِيهِ فِي الْقُبْحِ وَالسَّمَاجَةِ، وَمَا ظَنُّكَ بِشَيْءٍ مِنْ قَبِيلِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَسَمَّى الْأَوْثَانَ رِجْسًا عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ يَعْنِي أَنَّكُمْ كَمَا تَنْفِرُونَ بِطِبَاعِكُمْ عَنِ الرِّجْسِ وَتَجْتَنِبُونَهُ، فَعَلَيْكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا مِنْ شَبِيهِ الرِّجْسِ مِثْلَ تِلْكَ النَّفْرَةِ، وَقَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرًا بَعْدَ تَقْرِيرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ [الحج: ٣١] فَإِنَّهُ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِنَ الْفَاعِلِ وَأَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣١] : دَلَالَةً عَلَى أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِشْرَاكِ بِهِ، وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَنَّهُمَا سِيَّانِ فِي الرِّجْسِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُجْتَنَبَ عَنْهُ، وَفِيهِ أَنَّ مُرَاعَاةَ حَقِّ الْعِبَادِ مُعَادِلَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى اه. وَقَوْلُهُ: حُنَفَاءَ جَمْعُ حَنِيفٍ ; أَيْ: مَائِلِينَ عَنِ الْبَاطِلِ إِلَى الْحَقِّ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ مُسْلِمِينَ فَقَوْلُهُ: غَيْرَ مُشْرِكِينَ بَيَانٌ وَتَأْكِيدٌ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : أَيْ: عَنْ خُرَيْمٍ.
٣٧٨٠ - (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ " وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَيْمَنَ) : أَيْ: ضِدُّ أَيْسَرَ (ابْنِ خُرَيْمٍ " إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ لَمْ يَذْكُرِ الْقِرَاءَةَ) : أَيْ: قِرَاءَةَ الْآيَةِ بِخِلَافِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
стр. 5247
٣٧٨١ - وَعَائِشَةُ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَجْلُودٍ حَدًّا، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ، وَلَا الْقَانِعِ مَعَ أَهْلِ الْبَيْتِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَيَزِيدُ ابْنُ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيُّ الرَّاوِي مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
ــ
٣٧٨١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَجُوزُ) : بِالتَّأْنِيثِ، وَيَجُوزُ تَذْكِيرُهُ ; أَيْ: لَا يَصِحُّ (شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ) : أَيِ: الْمَشْهُورُ بِالْخِيَانَةِ فِي أَمَانَاتِ النَّاسِ دُونَ مَا ائْتَمَنَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ. قَالَ الْقَاضِي: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْأَعَمَّ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي يَخُونُ فِيمَا ائْتُمِنَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ مَا ائْتَمَنَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ، أَوِ النَّاسِ مِنَ الْأَمْوَالِ. قَالَ تَعَالَى:
стр. 5248
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] اه. فَالْمُرَادُ بِالْخَائِنِ هُوَ الْفَاسِقُ، وَهُوَ مَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً، أَوْ أَصَرَّ عَلَى الصَّغَائِرِ (وَلَا مَجْلُودٍ حَدًّا) : أَيْ: حَدَّ الْقَذْفِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ مَنْ جُلِدَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الْمَجْلُودَ فِيهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ. وَقَالَ الْقَاضِي: أَفْرَدَ الْمَجْلُودَ حَدًّا وَعَطَفَهُ عَلَيْهِ لِعِظَمِ جِنَايَتِهِ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الزَّانِي غَيْرَ الْمُحْصَنِ وَالْقَاذِفَ وَالشَّارِبَ. قَالَ الْمُظْهِرُ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا جُلِدَ قَاذِفٌ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ، وَأَمَّا قَبْلَ الْجَلْدِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. قُلْتُ: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] قَالَ صَاحِبُ الْمَدَارِكِ: نَكَّرَ شَهَادَةً فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ، فَتَعُمَّ كُلَّ شَهَادَةٍ؛ فَرَدُّ الشَّهَادَةِ مِنَ الْحَدِّ عِنْدَنَا، وَيَتَعَلَّقُ بِاسْتِيفَاءِ الْحَدِّ، أَوْ بَعْضِهِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَتَعَلَّقُ رَدُّ شَهَادَتِهِ بِنَفْسِ الْقَذْفِ فَعِنْدَنَا جَزَاءُ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ الرَّمْيُ الْجَلْدُ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَهُوَ مُدَّةُ حَيَاتِهِمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي حَيِّزِ جَزَاءِ الشَّرْطِ، وَكَأَنَّهُ حِكَايَةُ حَالِ الرَّامِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ انْقِضَاءِ الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٨٩] ; أَيِ: الْقَذْفِ (وَأَصْلَحُوا) ; أَيْ: أَحْوَالَهُمْ؛ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْفَاسِقِينَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ; أَيْ: يَغْفِرُ ذُنُوبَهُمْ وَيَرْحَمُهُمْ قَالَ الْمُظْهِرُ: وَقَالَ غَيْرُهُ ; أَيْ: غَيْرُ أَبِي حَنِيفَةَ: الْقَذْفُ مِنْ جُمْلَةِ الْفُسُوقِ لَا يَتَعَلَّقُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ، بَلْ إِنْ تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، سَوَاءٌ جُلِدَ، أَوْ لَمْ يُجْلَدْ وَإِنْ يَتُبْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ سَوَاءٌ جُلِدَ، أَوْ لَمْ يُجْلَدْ. (وَلَا ذِي غِمْرٍ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ ; أَيْ: حِقْدٍ وَعَدَاوَةٍ (عَلَى أَخِيهِ) : أَيِ الْمُسْلِمِ، يَعْنِي: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ عَدُوٍّ عَلَى عَدُوٍّ، سَوَاءٌ كَانَ أَخَاهُ فِي النَّسَبِ، أَوْ أَجْنَبِيًّا وَعَلَى هَذَا إِنَّمَا قَالَ: عَلَى أَخِيهِ تَلْيِينًا لِقَلْبِهِ وَتَقْبِيحًا لِصَنِيعِهِ (وَلَا ظَنِينٍ) : أَيْ: وَلَا عَلَى مُتَّهَمٍ (فِي وَلَاءٍ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَهُوَ الَّذِي يَنْتَمِي إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ (وَلَا قَرَابَةٍ) : أَيْ: وَلَا عَلَى ظَنِينٍ فِي قَرَابَةٍ، وَهُوَ الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ إِلَى غَيْرِ ذَوِيِهِ، وَإِنَّمَا رَدَّ شَهَادَتَهُ ; لِأَنَّهُ يَنْفِي الْوُثُوقَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي مَنْ قَالَ: أَنَا عَتِيقُ فُلَانٍ وَهُوَ كَاذِبٌ فِيهِ بِحَيْثُ يَتَّهِمُهُ النَّاسُ فِي قَوْلِهِ: وَيُكَذِّبُونَهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ; لِأَنَّهُ فَاسِقٌ ; لِأَنَّ قَطْعَ الْوَلَاءِ عَنِ الْمُعْتِقِ وَإِثْبَاتَهُ لِمَنْ لَيْسَ بِمُعْتِقِهِ كَبِيرَةٌ، وَرَاكِبُهَا فَاسِقٌ. وَكَذَلِكَ الظَّنِينُ فِي الْقَرَابَةِ، وَهُوَ الدَّاعِي الْقَائِلُ: أَنَا ابْنُ فُلَانٍ، أَوْ أَنَا أَخُو فُلَانٍ مِنَ النَّسَبِ، وَالنَّاسُ يُكَذِّبُونَهُ فِيهِ (وَلَا الْقَانِعِ) : كَالْخَادِمِ وَالتَّابِعِ (مَعَ أَهْلِ الْبَيْتِ) : قَالَ الْمُظْهِرُ: الْقَانِعُ السَّائِلُ الْمُقْتَنِعُ الصَّابِرُ بِأَدْنَى قُوتٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا أَنَّ مَنْ كَانَ نَفَقَةَ أَحَدٍ كَالْخَادِمِ وَالتَّابِعِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ ; لِأَنَّهُ يَجُرُّ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ ; لِأَنَّ مَا حَصَلَ مِنَ الْمَالِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ يَعُودُ نَفْعُهُ إِلَى الشَّاهِدِ ; لِأَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ نَفَقَتِهِ، وَلِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ جَرَّ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ كَالْوَالِدِ يَشْهَدُ لِوَلَدِهِ، أَوِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، أَوِ الْغَرِيمِ يَشْهَدُ بِمَالٍ لِلْمُفْلِسِ عَلَى أَحَدٍ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِآخَرَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ خِلَافًا لِمَالِكٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَيَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيُّ) : بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ وَقَدْ يُكْسَرُ ; أَيِ: الشَّامِيُّ (الرَّاوِي) : أَيْ: رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ (مُنْكَرُ الْحَدِيثِ) : بِفَتْحِ الْكَافِ ; أَيْ: مُنْكَرٌ حَدِيثُهُ، فَفِي شَرْحِ النُّخْبَةِ: مَنْ فَحُشَ غَلَطُهُ، أَوْ كَثُرَتْ غَفْلَتُهُ، أَوْ ظَهَرَ فِسْقُهُ، فَحَدِيثُهُ مُنْكَرٌ. وَفَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ ذِي الظِّنَّةِ وَلَا ذِي الْحِنَّةِ» ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالظِّنَّةُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ; أَيِ: التُّهْمَةُ، وَالْحِنَّةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ ; أَيِ: الْعَدَاوَةُ.
стр. 5249
٣٧٨٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ، وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ. وَرَدَّ شَهَادَةَ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيَتْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٧٨٢ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ، وَلَا زَانِيَةٍ» ) : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ إِنْ أُرِيدَ بِالْخِيَانَةِ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ (وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالْعَدَاوَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ دُونَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ (وَرَدَّ) : أَيِ: النَّبِيُّ ﵇ (شَهَادَةَ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى مَعَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ بِمَعْنَى هَذِهِ اللَّامِ، فَيَكُونُ حَالًا مِنَ الْقَانِعِ وَالْعَامِلُ الشَّهَادَةُ ; أَيْ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ مُقَارَنَةً لِأَهْلِ الْبَيْتِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِلَةً لِلْقَانِعِ، وَاللَّامُ مَوْصُولَةٌ، وَصِلَةُ الشَّهَادَةِ مَحْذُوفَةٌ ; أَيْ: لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ الَّذِي يَقْنَعُ مَعَ أَهْلِ الْبَيْتِ لَهُمْ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5250
٣٧٨٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٣٧٨٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ) : أَيْ: لِجَهَالَتِهِ وَضَلَالَتِهِ غَالِبًا، وَقِيلَ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْعَدَاوَةِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ (عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ) : أَيْ: وَتُقْبَلُ لَهُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ لِجَهَالَتِهِمْ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَبِكَيْفِيَّةِ تَحَمُّلِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَغَلَبَةِ النِّسْيَانِ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ عَلِمَ كَيْفِيَّةَ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا بِغَيْرِ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ، وَكَانَ عَدْلًا مِنْ أَهْلِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ خِلَافًا لِمَالِكٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قِيلَ: إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ جَهَالَتَهُمْ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ لِتَخْصِيصِ قَوْلِهِ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ فَائِدَةٌ، فَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَهُوَ قَوْلُهُ لِحُصُولِ التُّهْمَةِ بِبُعْدِ مَا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، وَيُؤَيِّدُهُ تَعْدِيَةُ الشَّهَادَةِ بِعَلَى، وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ لَهُ تُقْبَلُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ يَعْسُرُ طَلَبُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ.
стр. 5251
٣٧٨٤ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٧٨٤ - (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ) ; أَيْ حَكَمَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ) : حِينَ تَوَلَّى وَرَجَعَ مِنْ مَجْلِسِهِ الشَّرِيفِ (حَسْبِيَ اللَّهُ) : أَيْ هُوَ كَافِي فِي أُمُورِي (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) . ; أَيِ الْمَوْكُولُ إِلَيْهِ فِي تَفْوِيضِ الْأُمُورِ، وَقَدْ أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُ بَاطِلًا (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ: أَيْ عَلَى التَّقْصِيرِ وَالتَّهَاوُنِ فِي الْأُمُورِ (وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ) ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ; أَيْ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْحَزْمِ فِي الْأَسْبَابِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَرْضَى بِالتَّقْصِيرِ، وَلَكِنْ يَحْمَدُ عَلَى التَّيَقُّظِ وَالْحَزْمِ، فَلَا تَكُنْ عَاجِزًا وَتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ، بَلْ كُنْ كَيِّسًا مُتَيَقِّظًا حَازِمًا (فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: أَيْ حِينَئِذٍ (حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) . وَلَعَلَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَدَّاهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَعَاتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى التَّقْصِيرِ فِي الْأَشْهَادِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتِدْرَاكٌ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَيْسِ هُنَا التَّيَقُّظُ فِي الْأَمْرِ وَإِتْيَانُهُ بِحَيْثُ يُرْجَى حُصُولُهُ، فَيُحِبُّ أَنْ يُحْمَلَ الْعَجْزُ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْكَيْسَ، وَمَا هُوَ سَبَبٌ لَهُ مِنَ التَّقْصِيرِ وَالْغَفْلَةِ يَعْنِي: كَانَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَتَيَقَّظَ فِي مُعَامَلَتِكَ وَلَا تُقَصِّرَ فِيهَا. قِيلَ: مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَنَحْوِهَا بِحَيْثُ إِذَا حَضَرْتَ الْقَضَاءَ كُنْتَ قَادِرًا عَلَى الدَّفْعِ، وَحِينَ عَجَزْتَ عَنْ ذَلِكَ قُلْتَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَإِنَّمَا يُقَالُ: حَسْبِيَ اللَّهُ إِذَا بُولِغَ فِي الِاحْتِيَاطِ، وَإِذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى حُصُولِهِ كَانَ مَعْذُورًا فِيهِ، فَلْيَقُلْ حِينَئِذٍ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5252
٣٧٨٥ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: «ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ» .
ــ
٣٧٨٥ - (وَعَنْ بَهْزٍ ﵁ : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ فَسُكُونِ هَاءٍ، ثُمَّ زَايٍ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: هُوَ بَهْزُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيُّ الْبَصْرِيُّ، قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْهُ شَيْئًا، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَمْ أَرَ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا (ابْنِ حَكِيمٍ) : أَيِ ابْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي صُحْبَتِهِ نَظَرٌ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَخِيهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ، وَقَتَادَةُ، عَنْ جَدِّهِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ. ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ» ) . ; أَيْ فِي أَدَاءِ شَهَادَةٍ بِأَنْ كَذَبَ فِيهَا، أَوْ بِأَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ ذَنْبًا، أَوْ دَيْنًا، فَحَبَسَهُ ﷺ لِيَعْلَمَ صِدْقَ الدَّعْوَى بِالْبَيِّنَةِ، ثُمَّ لَمَّا لَمْ يُقِمِ الْبَيِّنَةَ خَلَّى عَنْهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ) . ; أَيْ: تَرَكَهُ عَنِ الْحَبْسِ بِأَنْ أَخْرَجَهُ مِنْهُ، وَالْمَعْنَى خَلَّى سَبِيلَهُ عَنْهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَبْسَ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ.
стр. 5253
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٧٨٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٧٨٦ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁، قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ حَكَمَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ: أَيْ أَوْجَبَ (أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَيْسَ عَلَى الْقَاضِي أَمْرٌ أَشَقُّ، وَلَا أَخْوَفُ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5254
[كِتَابُ الْجِهَادِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٧٨٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ ; كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا. قَالُوا: أَفَلَا نُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[١٨] كِتَابُ الْجِهَادِ
الْجِهَادُ: بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَهُوَ لُغَةً الْمَشَقَّةُ، وَشَرْعًا بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ مُبَاشَرَةً، أَوْ مُعَاوَنَةً بِالْمَالِ، أَوْ بِالرَّأْيِ، أَوْ بِتَكْثِيرِ السَّوَادِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَفِي الْمُغْرِبِ: جَهَدَهُ حَمَّلَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، وَالْجِهَادُ مَصْدَرُ جَاهَدْتُ الْعَدُوَّ إِذَا قَابَلْتَهُ فِي تَحَمُّلِ الْجَهْدِ، أَوْ بَذَلَ كُلٌّ مِنْكُمَا جُهْدَهُ ; أَيْ: طَاقَتَهُ فِي دَفْعِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ غَلَبَ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهُوَ دَعْوَتُهُمْ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ وَقِتَالُهُمْ إِنْ لَمْ يَقْبَلُوا، وَفَضْلُ الْجِهَادِ عَظِيمٌ، وَكَيْفَ وَحَاصِلُهُ بَذْلُ أَعَزِّ الْمَحْبُوبَاتِ؟ وَإِدْخَالُ أَعْظَمِ الْمَشَقَّاتِ عَلَيْهِ؟ وَهُوَ نَفْسُ الْإِنْسَانِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَقَرُّبًا بِذَلِكَ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَأَشَقُّ مِنْهُ قَصْرُ النَّفْسِ عَلَى الطَّاعَاتِ فِي النَّشَاطِ، وَدَفْعُ الْكَسَلِ عَلَى الدَّوَامِ، وَمُجَانَبَةُ أَهَوِيَتِهَا. وَلِذَا قَالَ ﷺ وَقَدْ رَجَعَ مِنْ غُزَاةٍ: " «رَجَعْنَا مِنِ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» " وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ ﷺ أَخَّرَهُ فِي الْفَضِيلَةِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى وَقْتِهَا، فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ; أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: " بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ". قُلْتُ: ثُمَّ ; أَيُّ؟ قَالَ: " الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ". وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ جَعَلَهُ أَفْضَلَ بَعْدَ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ; أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " ; إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ " قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: " الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: " حَجٌّ مَبْرُورٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ صُورَةَ مُعَارَضَةٍ، لَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِحَالِ السَّائِلِ، فَإِذَا كَانَ السَّائِلُ يَلِيقُ بِهِ الْجِهَادُ لِمَا عَلِمَهُ مِنْ تَهْيِئَتِهِ لَهُ وَاسْتِعْدَادِهِ زِيَادَةً عَلَى غَيْرِهِ كَانَ الْجِهَادُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أَفْضَلَ مِمَّا لَيْسَ مِثْلِهِ فِي الْجَلَادَةِ وَالْغِنَى، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، وَتِلْكَ هِيَ الْفَرَائِضُ، وَفِي هَذَا لَا يَتَرَدَّدُ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ وَأَخْذَ النَّفْسِ بِهَا فِي أَوْقَاتِهَا عَلَى مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: «الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا أَفْضَلُ مِنِ الْجِهَادِ» ; لِأَنَّ هَذِهِ فَرْضُ عَيْنٍ وَتَتَكَرَّرُ، وَالْجِهَادُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّ افْتِرَاضَ الْجِهَادِ لَيْسَ إِلَّا لِلْإِيمَانِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، فَكَانَ مَقْصُودًا وَحَسَنًا لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا حَسَنَةٌ لِعَيْنِهَا، وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَفِيهِ طُولٌ إِلَى أَنْ
стр. 5255
قَالَ: " «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا شُجَّتْ وَجْهٌ وَلَا اغْبَرَّتْ قَدَمٌ فِي عَمَلٍ وَيُبْتَغَى بِهِ دَرَجَاتُ الْآخِرَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، كَجِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ". صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، ثُمَّ الْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، أَمَّا الْفَرْضِيَّةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ ﷺ : " «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» " وَبِهَذِهِ يَنْتَفِي مَا نُقِلَ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ. لِلنَّدْبِ، وَكَذَا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَيَجِبُ حَمْلُهُ إِنْ صَحَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : " «الْجِهَادُ مَاضٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ". فَدَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُنْسَخُ، وَهَذَا لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدَ لَا يُفِيدُ الِافْتِرَاضَ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْإِيضَاحِ: إِذَا تَأَيَّدَ خَبَرُ الْوَاحِدِ بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ يُفِيدُ الْفَرْضِيَّةَ مَمْنُوعٌ، بَلِ الْمُفِيدُ حِينَئِذٍ الْكِتَابُ وَالْإِجْمَاعُ، وَجَاءَ الْخَبَرُ عَلَى وَفْقِهِمَا، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَدِيثِ، " «وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى أَنْ تُقَاتِلَ آخَرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ. لَا يَطُلْهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ» ". وَلَا شَكَّ أَنَّ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ أَنَّ الْجِهَادَ مَاضٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمْ يُنْسَخْ، فَلَا يُتَصَوَّرُ نَسْخُهُ بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَنَّهُ لَا قَائِلَ أَنَّ بِقِتَالِ آخَرِ الْأُمَّةِ الدَّجَّالَ، يَنْتَهِي وُجُوبُ الْجِهَادِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَيْسَ مُجَرَّدَ ابْتِلَاءِ الْمُكَلَّفِينَ، بَلْ إِغْرَاءُ الْمُكَلَّفِينَ، وَدَفْعُ شَرِّ الْكُفَّارِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ بِالْبُغْضِ سَقَطَ لِحُصُولِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ الْمَقْصُودُ مِنْهَا قَضَاءُ حَقِّ الْمَيِّتِ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِ، وَذَهَبَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ إِلَى أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ تَمَسُّكًا بِعَيْنِ الْأَدِلَّةِ إِذْ بِمِثْلِهَا تَثْبُتُ فُرُوضُ الْأَعْيَانِ قُلْنَا: نَعَمْ، لَوْلَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] الْآيَةَ، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] ، أَوْ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَيْنًا لَاشْتَغَلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِهِ، فَيَتَعَطَّلَ الْمَعَاشُ عَلَى مَا لَا يَخْفَى بِالزِّرَاعَةِ وَالْجَلْبِ بِالتِّجَارَاتِ، وَيَسْتَلْزِمَ قَطْعَ مَادَّةِ الْجِهَادِ مِنَ الْكُرَاعِ يَعْنِي الْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ وَالْأَقْوَاتَ فَيُؤَدِّي ; إِيجَابُهُ عَلَى الْكُلِّ إِلَى تَرْكِهِ لِلْعَجْزِ، فَلَزِمَ أَنْ يَجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ لُزُومَ مَا ذُكِرَ إِنَّمَا يَثْبُتُ إِذَا لَزِمَ فِي كَوْنِهِ فَرْضَ عَيْنٍ أَنْ يَخْرُجَ الْكُلُّ عَنِ الْأَمْصَارِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَيْسَ ذَلِكَ لَازِمًا بَلْ يَكُونُ كَالْحَجِّ عَلَى الْكُلِّ، بَلْ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ أَنْ يَخْرُجَ، فَفِي مَرَّةٍ طَائِفَةٌ، وَفِي مَرَّةٍ طَائِفَةٌ أُخْرَى، وَهَكَذَا. وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ تَعَطُّلَ الْمَعَاشِ، فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ نَصُّ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] ، ثُمَّ هَذَا إِذَا يَكُنِ النَّفِيرُ عَامًّا، فَإِنْ كَانَ كَأَنْ هَجَمُوا عَلَى بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَصِيرُ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَنْفِرُ عَدْلًا، أَوْ فَاسِقًا، فَيَجِبُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ النَّفَرُ، وَكَذَا مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَهْلِهَا كِفَايَةٌ، أَوْ تَكَاسَلُوا وَعَصَوْا، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَجِبَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ شَرْقًا وَغَرْبًا، كَجِهَازِ الْمَيِّتِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ يَجِبُ أَوَّلًا عَلَى أَهْلِ مَحَلَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا وَعَجَزُوا وَجَبَ عَلَى مَنْ بِبَلَدِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، هَكَذَا ذَكَرُوا، وَكَانَ مَعْنَاهُ إِذَا دَامَ الْحَرْبُ بِقَدْرِ مَا يَصِلُ الْأَبْعَدُونَ وَبَلَغَهُمُ الْخَبَرُ، وَإِلَّا فَهُوَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ رُكْبَانًا وَمُشَاةً، وَقِيلَ شُبَّانًا وَشُيُوخًا، وَقِيلَ عُزَّابًا وَمُتَزَوِّجِينَ، وَقِيلَ أَغْنِيَاءَ وَفُقَرَاءَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ ; أَيِ: انْفِرُوا مَعَ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَحَاصِلُهُ إِنْ لَمْ يُعْذَرْ أَحَدٌ فَأَفَادَ الْعَيْنِيَّةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْجِهَادَ عَلَى مَنْ ذَكَرَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَلَا يُفِيدُ تَعْيِينَهَا الْعَيْنِيَّةَ، بَلِ الْحَقُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ كُلِّهَا، لِإِفَادَةِ الْوُجُوبِ، ثُمَّ تُعْرَفُ الْكِفَايَةُ بِالْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَمَّا الْعَيْنِيَّةُ فَالْإِجْمَاعُ، مَعَ أَنَّهُ إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ الْمَظْلُومِ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ: الْجِهَادُ وَاجِبٌ وَأَنَّهُمْ فِي سَعَةٍ مِنْ تَرْكِهِ حَتَّى يُحْتَاجَ إِلَيْهِمْ، هَذَا وَلَا بُدَّ مِنَ الِاسْتِطَاعَةِ فَلَا يَخْرُجُ الْمَرِيضُ الْمُذْنِفُ، وَأَمَّا الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ دُونَ الدَّفْعِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ لِتَكْثِيرِ السَّوَادِ فَإِنَّ فِيهِ إِرْهَابًا.
следующие страницы →