Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.
стр. 5461
٣٩٤٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ: وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥] » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٩٤٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ» ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ ; أَيْ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخِلِيهِمْ وَتَحْرِيقِهَا، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ وَقِصَّتُهُمْ مَشْهُورَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ السِّيَرِ كَالْمَوَاهِبِ، وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَشْرِ كَالْبَغَوِيِّ (وَلَهَا) : أَيْ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ، أَوِ الْحَادِثَةِ، أَوْ لِهَذِهِ النَّخْلَةِ (يَقُولُ حَسَّانُ) : بِتَشْدِيدِ السِّينِ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ وَعَدَمُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحُسْنِ، أَوِ الْحِسِّ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ، وَهُوَ ابْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ ابْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيُّ، شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، صَحَابِيٌّ مُخَضْرَمٌ، عَاشَ هُوَ أَبُوهُ وَجَدُّهُ وَجَدُّ أَبِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مُجْتَمِعًا لِغَيْرِهِمْ. كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْقَامُوسِ (وَهَانَ) : أَيْ سَهُلَ (عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ) : بِفَتْحِ السِّينِ جَمْعِ سَرَى، وَبَنُو لُؤَيٍّ بِضَمِّ اللَّامِ وَهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ وَيُبْدَلُ وَيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ ; أَيْ: أَشْرَافُ قُرَيْشٍ وَرُؤَسَاؤُهُمْ (حَرِيقٌ) : أَيُّ مَحْرُوقٌ فَاعِلُ هَانَ (بِالْبُوَيْرَةِ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ مَوْضِعُ نَخْلٍ لِبَنِي النَّضِيرِ (مُسْتَطِيرٌ) : صِفَةٌ لِحَرِيقٍ ; أَيْ مُنْتَشِرٌ.
(وَفِي ذَلِكَ) : أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنَ الْقَطْعِ وَالتَّحْرِيقِ (نَزَلَتْ) : أَيْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] : أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ قَطَعْتُمْ مِنْ نَخْلَةٍ ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ [الحشر: ٥] : الضَّمِيرُ لِمَا وَتَأْنِيثُهُ ; لِأَنَّهُ مُفَسَّرٌ بِاللَّيِّنَةِ ﴿قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ [الحشر: ٥] ; أَيْ لَمْ تَقْطَعُوهَا ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥] : أَيْ فَبِأَمْرِهِ وَحُكْمِهِ الْمُقْتَضِي لِلْمَصْلَحَةِ وَالْحِكْمَةِ، وَتَمَامُ الْآيَةِ: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] أَيْ وَفَعَلْتُمْ، أَوْ أَذِنَ لَكُمْ فِي الْقَطْعِ بِهِمْ لِيَجْزِيَهُمْ عَلَى فِسْقِهِمْ بِمَا ظَنَّهُمْ فِيهِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵇ لَمَّا أَمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ فَمَا بَالُ قَطْعِ النَّخْلِ وَتَحْرِيقِهَا؟ فَنَزَلَتْ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ هَدْمِ دِيَارِ الْكُفَّارِ وَقَطْعِ أَشْجَارِهِمْ زِيَادَةً لِغَيْظِهِمْ ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اللِّينَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآنِ هِيَ أَنْوَاعُ التَّمْرِ كُلُّهَا إِلَّا الْعَجْوَةَ،
стр. 5462
وَقِيلَ: كِرَامَ النَّخْلِ، وَقِيلَ: كُلَّ النَّخْلِ، وَقِيلَ: كُلَّ الْأَشْجَارِ، وَقِيلَ إِنَّ أَنْوَاعَ نَخْلِ الْمَدِينَةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ نَوْعًا، وَفِيهِ جَوَازُ قَطْعِ شَجَرِ الْكُفَّارِ وَإِحْرَاقِهِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يَجُوزُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ كَبْتُ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَكَسْرُ شَوْكَتِهِمْ، وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ ذَلِكَ، فَيَفْعَلُونَ مَا يُمَكِّنُهُمْ مِنَ التَّحْرِيقِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ، وَإِفْسَادِ الزَّرْعِ لَكِنَّ هَذَا إِذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ مَأْخُوذُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مَغْلُوبُونَ وَأَنَّ الْفَتْحَ بَادٍ كُرِهَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ إِفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَاجَةِ وَمَا أُبِيحَ إِلَّا لَهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ.
стр. 5463
٣٩٤٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ: أَنَّ نَافِعًا كَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ غَارِّينِ فِي نَعَمِهِمْ بِالْمُرَيْسِيعِ فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٩٤٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ) : بِالنُّونِ فِي آخِرِهِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَاءِ ﵁ (أَنَّ نَافِعًا) : أَيْ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (يَهَبُ إِلَيْهِ) : أَيْ إِلَى ابْنِ عَوْنٍ (يُخْبِرُهُ) : أَيْ نَافِعٌ (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ) : أَيْ نَافِعًا (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ) : بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ فَقَافٍ بَطْنٌ مِنْ خُزَاعَةَ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ (غَارِّينَ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ ; أَيْ غَافِلِينَ حَالٌ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ (فِي نَعَمِهِمْ) : بِفَتْحَتَيْنِ ; أَيْ: كَائِنِينَ فِي مَوَاشِيهِمْ (بِالْمُرَيْسِيعِ) : بِالتَّصْغِيرِ اسْمُ مَاءٍ لِبَنِي الْمُصْطَلِقِ بِالْعَصَبِ، وَهُوَ مِنْ نَوَاحِي قَدِيدٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (فَقَتَلَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (الْمُقَاتِلَةَ) : بِكَسْرِ التَّاءِ جَمْعُ مُقَاتِلٍ وَالتَّاءُ بِاعْتِبَارِ الْجَمَاعَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقَاتِلَةَ صِيغَةُ الْوَاحِدَةِ أُطْلِقَ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا مَنْ يَصْلُحُ لِلْقِتَالِ وَهُوَ الرَّجُلُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ (وَسَبَى) : أَيِ النَّبِيُّ ﵊ (الذُّرِّيَّةَ) : أَيِ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِيهِ جَوَازُ قَتْلِ الْكُفَّارِ وَأَخْذُ أَمْوَالِهِمْ حَالَ كَوْنِهِمْ غَافِلِينَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، «عَنِ ابْنِ عَوْنٍ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ.»
стр. 5464
٣٩٤٦ - وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَنَا يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفَنَا لِقُرَيْشٍ وَصَفُّوا لَنَا: " إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَحَدِيثُ سَعْدٍ: " هَلْ تُنْصَرُونَ "، سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ " فَضْلِ الْفُقَرَاءِ ".
وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا فِي بَابِ " الْمُعْجِزَاتِ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ــ
٣٩٤٦ - (وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ ﵁ : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الرَّاوِي هُوَ أَبُو أُسَيْدٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَتَحَ الْهَمْزَةَ وَكَسَرَ السِّينَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَبُو أُسَيْدٍ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ الْأَنْصَارِيُّ السَّاعِدِيُّ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَلَهُ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ سَنَةً بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ، وَأُسِيدٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ اهـ. وَزَادَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَنَا يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفَنَا لِقُرَيْشٍ) : أَيْ لِقِتَالِهِمْ (وَصَفُّوا لَنَا: إِذَا أَكْثَبُوكُمْ) : بِالْهَمْزِ ; أَيْ قَارَبُوكُمْ بِحَيْثُ يَصِلُ إِلَيْهِمْ سِهَامُكُمْ (عَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ; أَيْ بِالسَّهْمِ الْعَرَبِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِطَوِيلٍ كَالنُّشَّابِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا كَثَبُوكُمْ) : وَالْكَثَبُ: الْقُرْبُ وَالْهَمْزَةُ فِي أَكْثَبُوكُمْ لِلتَّعْدِيَةِ فَذَلِكَ عَدَّاهَا إِلَى ضَمِيرِ " كُمْ " وَفِي الْقَامُوسِ الْكَثَبُ بِالتَّحْرِيكِ الْقُرْبُ وَكَثَبَ عَلَيْهِ حَمَلَ وَكَثَبَهُ دَنَا مِنْهُ. (وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ لِلْبُخَارِيِّ وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهُ (إِذَا أَكْثَبُوكُمْ) : بِالْهَمْزِ (فَارْمُوهُمْ) : وَالْمَعْنَى: لَا تَسْتَعْجِلُوا فِي الرَّمْيِ وَلَا تَرْمُوهُمْ مِنْ بُعْدٍ، فَإِنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ (وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ) : بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فِيهِمَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْبَقَاءِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] فَإِنَّهُ افْتِعَالٌ مِنَ السَّبْقِ وَقَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ لَا تَرْمُوا كُلَّهَا فَإِنَّكُمْ إِنْ رَمَيْتُمُوهَا بَقِيتُمْ بِلَا نِبَالٍ اهـ. وَالْمَعْنَى مَا قَدَّمْنَاهُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . (وَحَدِيثُ سَعْدٍ) : أَيْ هُنَا (هَلْ تُنْصَرُونَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ وَآخِرُهُ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ (سَنَذْكُرُهُ) : أَيْ نَحْنُ (فِي بَابِ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ) : يَعْنِي أَنَّهُ بِهِ أَنْسَبُ.
(وَحَدِيثَ الْبَرَاءِ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا فِي بَابِ الْمُعْجِزَاتِ) : أَيْ سَنَذْكُرُهُ فِيهِ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) .
стр. 5465
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٩٤٧ - عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁، قَالَ: «عَبَّأَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِبَدْرٍ لَيْلًا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٩٤٧ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ : أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ وَمَرَّ ذِكْرُهُ (قَالَ: عَبَّأَنَا) : بِالْأَلِفِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْهَمْزَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ، يُقَالُ: عَبَّأْتُ الْجَيْشَ وَعَبَّيْتُهُمْ تَعْبِيَةً وَتَعْبِئَةً ; أَيْ هَيَّأْتُهُمْ فِي مَوَاضِعِهِمْ، وَأَلْبَسَتْهُمُ السِّلَاحَ ; أَيْ رَتَّبَنَا وَهَيَّأَنَا لِلْحَرْبِ (النَّبِيُّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ ( ﷺ بِبَدْرٍ لَيْلًا) : يَعْنِي سَوَّى الصُّفُوفَ، وَأَقَامَ كُلًّا مِنَّا مَقَامًا يَصْلُحُ لَهُ فِي اللَّيْلِ، لِيَكُونَ عَلَى طِبْقِهِ وَوَفْقِهِ فِي النَّهَارِ، هَذَا وَفِي الْقَامُوسِ: عَبَأَ الْمَتَاعَ وَالْأَمْرَ كَمَنَعَ هَيَّأَهُ، وَالْجَيْشَ جَهَّزَهُ كَعَبَّاهُ تَعْبِئَةً فِيهِمَا هَذَا فِي الْمَهْمُوزِ، وَأَمَّا فِي الْمُعْتَلِّ فَقَالَ: تَعْبِيَةُ الْجَيْشِ تَهْيِئَتُهُ فِي مَوَاضِعِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَادَّةَ الثَّانِيَةَ هِيَ أَنْسَبُ بِالْمَقَامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 5466
٣٩٤٨ - وَعَنِ الْمُهَلَّبِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنْ بَيَّتَكُمُ الْعَدُوُّ فَلْيَكُنْ شِعَارُكُمْ حم لَا يُنْصَرُونَ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٩٤٨ - (وَعَنِ الْمُهَلَّبِ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ الْأَزْدِيُّ، صَاحِبُ الْمَقَامَاتِ الْمَأْثُورَةِ وَالْحُرُوبِ الْمَشْهُورَةِ مَعَ الْخَوَارِجِ، سَمِعَ سَمُرَةَ وَابْنَ عُمَرَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ بِمَرْوِ الرُّوذِ مِنْ أَرْضِ خُرَاسَانَ فِي أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَهُوَ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ تَابِعِيِّ الْبَصْرَةِ اهـ. فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ فَكَانَ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ) : أَيْ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ (إِنْ بَيَّتَكُمُ الْعَدُوُّ: بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ ; أَيْ: إِنْ قَصَدَكُمْ بِالْقَتْلِ لَيْلًا وَاخْتَلَطْتُمْ مَعَهُمْ (فَلْيَكُنْ شِعَارُكُمْ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَيُفْتَحُ فَفِي الْقَامُوسِ: الشِّعَارُ كَكِتَابٍ عَلَامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا فِي الْحُرُوبِ، وَيُفْتَحُ وَهُوَ مَرْفُوعٌ، وَفِي نُسْخَةٍ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ قَوْلُهُ: (حم) : بِالْفَتْحِ وَالْإِمَالَةِ (لَا يُنْصَرُونَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ وَهُوَ دُعَاءٌ، أَوْ إِخْبَارٌ قَالَ الْقَاضِي: أَيْ عَلَامَتُكُمُ الَّتِي تَعْرِفُونَ بِهَا أَصْحَابَكُمْ هَذَا الْكَلَامَ، وَالشِّعَارُ فِي الْأَصْلِ الْعَلَامَةُ الَّتِي تُنْصَبُ لِيَعْرِفَ بِهَا الرَّجُلُ رُفْقَتَهُ، وَحم لَا يُنْصَرُونَ مَعْنَاهُ بِفَضْلِ السُّوَرِ الْمُفْتَتَحَةِ بِحم وَمَنْزِلَتِهَا مِنَ اللَّهِ لَا يُنْصَرُونَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْحَوَامِيمَ السَّبْعَ سُوَرٌ لَهَا شَأْنٌ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا وَقَعْتَ فِي آلِـ " حم " وَقَعْتَ فِي رِيَاضَاتِ دَفَعَاتٍ، فَنَبَّهَ ﷺ عَلَى أَنَّ ذِكْرَهَا لِعِظَمِ شَأْنِهَا، وَشَرَفِ مَنْزِلَتِهَا عِنْدَ اللَّهِ مِمَّا يَسْتَظْهِرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اسْتِنْزَالِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، وَالْخِذْلَانِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا حم، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ. وَقَالَ: لَا يُنْصَرُونَ جَوَابًا لِسَائِلٍ عَسَى أَنْ يَقُولَ: مَاذَا يَكُونُ إِذَا قُلْتُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ؟ فَقَالَ: لَا يُنْصَرُونَ، وَقِيلَ: حم مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ الْمَعْنَى اللَّهُمَّ لَا يُنْصَرُونَ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ حم لَمْ يَثْبُتْ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ جَمِيعَ أَسْمَائِهِ مُفْصِحَةٌ عَنْ ثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ، وَحم لَيْسَ إِلَّا اسْمَيْ حَرْفَيْنِ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَا مَعَنًى تَحْتَهُ يَصْلُحُ ; لِأَنْ يَكُونَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ.
قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْقَائِلِ أَنَّ حم مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّ حُرُوفَهَا دَالَّةٌ عَلَى أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ كَالْحَمِيدِ وَالْحَيِّ وَالْمَلِكِ وَالْمُقْتَدِرِ وَالْمُنْتَقِمِ وَأَمْثَالِهِمَا، مِمَّا كُلُّ حَرْفٍ مِنْهُ يُفْتَتَحُ بِهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا ذُكِرَ ذَلِكَ الْحَرْفُ، فَكَأَنَّمَا ذُكِرَ ذَلِكَ الِاسْمُ، هَذَا وَفِي الْمَعَالِمِ قَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حم اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: الْحَاءُ افْتِتَاحُ أَسْمَائِهِ: حَلِيمٍ، حَمِيدٍ، حَيٍّ، حَكِيمٍ، حَنَّانٍ. وَالْمِيمُ افْتِتَاحٌ أَسْمَائِهِ: مَلِكٍ، مَجِيدٍ، مَنَّانٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَالْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهُ قَضَى مَا هُوَ كَائِنٌ كَأَنَّهُمَا أَشَارَا إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ حم بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ اهـ. قَالَ: وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ اسْمًا كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ لَأُعْرِبَ كَمَا أَعْرَبَهُ الشَّاعِرُ حَيْثُ جَعَلَهُ اسْمًا لِلسُّورَةِ فَقَالَ: يَذْكُرُ لِي حم وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ فَهَلَّا تَلَا حاميم قَبْلَ التَّقَدُّمِ وَمَنْعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعِلْمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الشَّاعِرَ إِنَّمَا أَعْرَبَهُ لِضَرُورَةِ إِقَامَةِ الْوَزْنِ، مَعَ أَنَّهُ قُرِئَ حم فِي الْقُرْآنِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا عَلَى الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَالنَّصْبِ بِإِضْمَارِ اقْرَأْ، وَمَنْعُ صَرْفِهِ لِلتَّرْكِيبِ، أَوْ لِلتَّعْرِيفِ وَالتَّأْنِيثِ، أَوْ ; لِأَنَّهَا عَلَى زِنَةِ أَعْجَمِيٍّ كَقَابِيلَ وَهَابِيلَ. قَالَ: وَقَدْ نُسِبَ هَذَا الْقَوْلُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَإِنْ صَحَّ عَنْهُ تَوْجِيهُهُ أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ
стр. 5467
بِحاميم مُنْزِلَ حاميم، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَمَّا حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامُهُ وَأَجْرَى عَلَى الْحِكَايَةِ صَارَ حم كَالْمُطْلَقِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ فَعُدَّ مِنْ أَسْمَائِهِ بِهَذَا التَّأْوِيلِ اهـ. وَتَصْرِيحُهُ بِأَنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ يَأَبَى عَنْ هَذَا التَّأْوِيلِ فَتَأَمَّلْ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ كَيْسَانَ النَّحْوِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى عَنْهُ فَقَالَ: مَعْنَاهُ الْخَبَرُ، وَلَوْ كَانَ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ لَكَانَ لَا يُنْصَرُونَ مَجْزُومًا كَأَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَا يُنْصَرُونَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَنْ وَقُوعِهِ كَمَا تَقُولُ: رَحِمَكَ اللَّهُ وَيَهْدِيكَ وَنَحْوَهُ، لَكِنَّ فِي مَعْنَى النَّهْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] الْكَشَّافَ: لَا تَعْبُدُونَ إِخْبَارٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ النَّهْيِ ; لِأَنَّهُ كَانَ سُورِعَ إِلَى الِانْتِهَاءِ فَهُوَ يُخْبِرُ عَنْهُ اهـ. وَقَدْ ذَكَرَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ فِي رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ أَنَّ شِعَارَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ " يَا خَيْلَ اللَّهِ " فَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنْ يَكُونَ شِعَارُ حم لَا يُنْصَرُونَ مُخْتَصًّا بِالْأَنْصَارِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5468
٣٩٤٩ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁، قَالَ: كَانَ شِعَارُ الْمُهَاجِرِينَ: عَبْدَ اللَّهِ، وَشِعَارُ الْأَنْصَارِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٩٤٩ - (وَعَنْ سَمُرَةَ) : بِفَتْحٍ فَضَمٍّ (بْنِ جُنْدَبٍ) : بِضَمِّهِمَا وَبِفَتْحِ الدَّالِ ﵁، قَالَ: كَانَ شِعَارُ الْمُهَاجِرِينَ: عَبْدَ اللَّهِ، وَشِعَارُ الْأَنْصَارِ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ) : وَفِي شِعَارَيْهِمَا إِشْعَارٌ بِتَفَاوُتِ مَنْزِلَتِهِمَا وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5469
٣٩٥٠ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ فَبَيَّتْنَاهُمْ نَقْتُلُهُمْ، وَكَانَ شِعَارُنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ: أَمِتْ أَمِتْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٩٥٠ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ) : وَلَيْسَ ﵁ فِي الْأَصْلِ (فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَيَّتْنَاهُمْ نَقْتُلُهُمْ) : اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ، أَوْ حَالٌ (وَكَانَ شِعَارُنَا) : بِالرَّفْعِ لَا غَيْرَ (تِلْكَ اللَّيْلَةَ: أَمِتْ أَمِتِ) : التَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ كَانَ مِمَّا يَتَكَرَّرُ، قِيلَ: الْمُخَاطَبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ الْمُمِيتُ، فَالْمَعْنَى يَا نَاصِرَ أَمِتِ الْعَدُوَّ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: يَا مَنْصُورُ أَمِتْ فَالْمُخَاطِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُقَاتِلِينَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5470
٣٩٥١ - وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ﵁، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ عِنْدَ الْقِتَالِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٩٥١ - (وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ) : بِضَمِّ مُهْمِلَةٍ وَتَخْفِيفِ مُوَحَّدَةٍ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: بَصْرِيٌّ مِنَ الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ تَابِعِيِّ الْبَصْرَةِ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. (قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ رَسُولِ اللَّهِ ( ﷺ يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ) : أَيْ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ (عِنْدَ الْقِتَالِ) : قَالَ الْمُظْهِرُ: عَادَةُ الْمُحَارِبِينَ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ إِمَّا لِتَعْظِيمِ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ لِإِظْهَارِ كَثْرَتِهِمْ بِتَكْثِيرِ أَصْوَاتِهِمْ، أَوْ لِتَخْوِيفِ أَعْدَائِهِمْ، أَوْ لِإِظْهَارِ الشَّجَاعَةِ بِأَنْ يَقُولَ: أَنَا الشُّجَاعُ الطَّالِبُ لِلْحَرْبِ، وَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ بِشَيْءٍ مِنْهَا إِذْ لَا يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ يَرْفَعُونَ الْأَصْوَاتَ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ فِيهِ فَوْزَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5471
٣٩٥٢ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ، وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ " ; أَيْ صِبْيَانَهُمْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٩٥٢ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ» ) : أَرَادَ مَا يُقَابِلُ الصِّبْيَانَ، وَأَمَّا الشَّيْخُ الْفَانِي فَلَا يُقْتَلُ إِلَّا إِذَا كَانَ ذَا رَأْيٍ (وَاسْتَحْيُوا) : أَيِ اسْتَبْقُوا (شَرْخَهُمْ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (أَيْ صِبْيَانَهُمْ) : تَفْسِيرٌ مِنَ الصَّحَابِيِّ، أَوْ أَحَدِ الرُّوَاةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي النِّهَايَةِ: الشَّرْخُ الصِّغَارُ الَّذِينَ لَمْ
стр. 5472
يُدْرِكُوا، وَأَمَّا تَفْسِيرُ الِاسْتِحْيَاءِ بِالِاسْتِرْقَاقِ فَتَوَسُّعٌ وَمَجَازٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغَرَضَ مِنِ اسْتِبْقَائِهِمْ إِحْيَاءُ اسْتِرْقَاقِهِمْ وَاسْتِخْدَامِهِمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَرَادَ بِالشُّيُوخِ الرِّجَالَ وَالشُّبَّانَ أَهْلَ الْجَلَدِ مِنْهُمْ وَالْقُوَّةِ عَلَى الْقِتَالِ، وَلَمْ يُرِدِ الْهَرْمَى الَّذِينَ إِذَا سُبُوا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِمْ لِلْخِدْمَةِ وَأَرَادَ بِالشَّرْخِ الشُّبَّانَ أَهْلَ الْجَلَدِ يَصْلُحُونَ لِلْمِلْكِ وَالْخِدْمَةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الشَّرْخُ أَوَّلُ الشَّبَابِ فَهُوَ وَاحِدٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ، قَالَ: رَجُلٌ صَوْمٌ رَجُلَانِ صَوْمٌ، وَرِجَالُ صَوْمٌ، وَامْرَأَةُ صَوْمٌ وَامْرَأَتَانِ صَوْمٌ وَنِسْوَةٌ صَوْمٌ، قِيلَ: إِنَّ الشُّيُوخَ جَمْعٌ كَصَاحِبٍ وَصَحْبٍ وَرَاكِبٍ وَرَكْبٍ. قُلْتُ: وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَفِي الشُّيُوخِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ تَقُولَ لَمْ يُرِدِ اسْتِبْقَاءَ هَؤُلَاءِ لِلْمِلْكِ وَالْخِدْمَةِ لِمَا فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ وَلِاسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ طُولَ الْعُمْرِ، ثُمَّ لِمَا فِيهِمْ مِنَ الْمَكْرِ وَالدَّهَاءِ فَلَا يُؤْمَنُ إِذًا غَائِلَتُهُمْ وَدَخْلَتُهُمْ وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمْ مِنَ الْفَسَادِ فِي الدِّينِ، أَوْ ثُلْمَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَهَؤُلَاءِ غَيْرُ الْفَتَاةِ الَّذِينَ لَا يُعْبَأُ بِهِمْ وَلَا يُكْتَرَثُ لَهُمْ، وَهَذَا أَوْلَى مَا يُؤَوَّلُ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ، لِئَلَّا يُخَالِفَ حَدِيثَ أَنَسٍ الَّذِي فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا. وَقَالَ ; أَيْضًا قَوْلُهُ: أَيْ صِبْيَانَهُمْ لَيْسَ مِنْ مَتْنِ الْحَدِيثِ، وَلَا مِنْ كَلَامِ الصَّحَابِيِّ، فَلَعَلَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيثِ، فَوَجَدَهُ الْمُؤَلِّفُ فِيمَا بَلَغَهُ فَذَكَرَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ الْمُؤَلِّفِ. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِهِ كَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ: (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) : لَكِنْ يُرِيدُ كَلَامَ الشَّيْخِ أَنَّ السُّيُوطِيَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ مِنْ غَيْرِ التَّفْسِيرِ، وَقَالَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا فَسَّرَ الشَّرْخَ بِالصِّبْيَانِ لِيُقَابِلَ الشُّيُوخَ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالشُّيُوخِ الشُّبَّانَ وَأَهْلَ الْجَلَدِ فَيَصِحُّ التَّقَابُلُ.
стр. 5473
٣٩٥٣ - وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: «حَدَّثَنِي أُسَامَةُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إِلَيْهِ قَالَ: " أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا وَحَرِّقْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٩٥٣ - (وَعَنْ عُرْوَةَ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ تَابِعِيٍّ مَشْهُورٍ سَبَقَ ذِكْرَهُ. (قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ) : أَيِ ابْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِ) : أَيْ أَوْصَاهُ حِينَ بَعَثَهُ أَمِيرًا (قَالَ) : تَفْسِيرًا لِعَهِدَ (أَغِرْ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَمْرٌ مِنَ الْإِغَارَةِ، وَقِيلَ: أَمْرٌ مِنَ الْغَزْوِ فَيَكُونُ بِضَمِّ الْهَمْزِ وَالزَّايِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ لَفْظُ: " عَلَى " وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنَ الْغِرَّةِ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ فَإِنَّهُ تَصْحِيفٌ (عَلَى أُبْنَى) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْقَصْرِ اسْمُ مَوْضِعٍ مِنْ فِلَسْطِينَ بَيْنَ عَسْقَلَانَ وَالرَّمْلَةِ، وَيُقَالُ لَهَا: يُبْنَى بِالْيَاءِ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَوْضِعٌ مِنْ بِلَادِ جُهَيْنَةَ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ بَدَلَ الْهَمْزَةِ لَامًا وَلَا عِبْرَةَ بِهِ اهـ. وَتَوْضِيحُهُ أَنَّهُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ وَنُونٍ بَعْدَهُ أَلِفٌ ; أَيْ عَلَى أَهْلِهِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: قِيلَ إِنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ (صَبَاحًا) : أَيْ حَالَ غَفْلَتِهِمْ وَفُجَاءَةِ نَبْهَتِهِمْ وَعَدَمِ أُهْبَتِهِمْ (وَحَرِّقْ) : بِصِيغَةِ الْأَمْرِ. وَفِي رِوَايَةٍ، ثُمَّ حَرِّقْ ; أَيْ زُرُوعَهُمْ وَأَشْجَارَهُمْ وَدِيَارَهُمْ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ الْعَوْدَ وَمَعَهُ مَوَاشٍ مِنْ مَوَاشِي أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى نَقْلِهَا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ذَبَحَهَا، ثُمَّ حَرَّقَهَا وَلَا يَعْقِرُهَا، كَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُثْلَةِ بِالْحَيَوَانِ، وَعَقَرَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَرَسَهُ رُبَّمَا كَانَ لِظَنِّهِ عَدَمَ الْفَتْحِ فِي تِلْكَ الْوَقْعَةِ، فَخَشِيَ أَنْ يَنَالَ الْمُشْرِكُونَ فَرَسَهُ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الذَّبْحِ لِضِيقِ الْحَالِ عَنْهُ بِالشُّغْلِ بِالْقَتْلِ، أَوْ كَانَ قَبْلَ نَسْخِ الْمُثْلَةِ، أَوْ عِلْمَهَ بِهَا وَلَا يَتْرُكُهَا لَهُمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يَتْرُكُهَا ; لِأَنَّهُ ﵇ نَهَى عَنْ ذَبْحِ الشَّاةِ إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ. قُلْنَا: هَذَا غَرِيبٌ عَنْهُ ﵇، نَعَمْ رُوِيَ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ نَفْسِهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا أَيْقَنَ الْفَتْحَ وَصَيْرُورَةَ الْبِلَادِ دَارَ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمُسْتَمِرَّ فِي بُعُوثِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَاعْتِبَارُهُ كَانَ ذَلِكَ، وَقَدْ قُلْنَا بِذَلِكَ وَذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ، أَنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُحَرِّقْ وَلَا يُخَرِّبْ ; لِأَنَّهُ إِتْلَافُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَلَا تُحَرِّقْ وَهُوَ قَدْ قَدْ عَلِمَ قَوْلَهُ ﵊: أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا، ثُمَّ حَرِّقْ بَقِيَ مُجَرَّدُ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ، وَأَنَّهُ لِغَرَضِ الْأَكْلِ ; لِأَنَّهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَلَا غَرَضَ أَصَحُّ مِنْ كَسْرِ شَوْكَتِهِمْ وَتَعْرِيضِهِمْ عَلَى الْمَهْلَكَةِ وَالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا يُحَرِّقُ لِقَطْعِ مَنْفَعَةٍ عَنِ الْكُفَّارِ وَصَارَ كَتَخْرِيبِ الْبُنْيَانِ، وَالتَّحْرِيقُ لِهَذَا الْغَرَضِ الْكَرِيمِ بِخِلَافِ التَّحْرِيقِ قَبْلَ الذَّبْحِ ; لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
стр. 5474
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْثٍ فَقَالَ لَنَا: " إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَاحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ " فَلَمَّا خَرَجْنَا دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: " إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَاقْتُلُوهُمَا وَلَا تَحْرِقُوهُمَا فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ» . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَسَمَّاهُمَا هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ، وَنَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَطَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَذَكَرَ أَنَّ السَّبَبَ أَنَّهُمَا كَانَا رَوَّعَا زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَرَجَتْ لَاحِقَةً بِهِ ﷺ حَتَّى أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، وَالْقِصَّةُ مُفَصَّلَةٌ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ مَعْرُوفَةٌ لِأَهْلِ السِّيَرِ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ ; أَيْضًا تَحْرِيقَ عَلِيٍّ الزَّنَادِقَةَ الَّذِينَ أَتَى بِهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: «لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أَحْرِقْهُمْ لِنُهَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ، وَلِقَتَلَتِهِمْ لِقَوْلِهِ ﷺ : " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» .
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مَسْنَدِهِ «عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حِبَّانَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، فَأَخَذْتُ بُرْغُوثًا فَرَمَيْتُهُ فِي النَّارِ فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» ". وَأَمَّا مَا فِي فَتَاوَى الْوَالِجِيِّ بِتَرْكِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي أَرْضٍ غَامِرَةٍ ; أَيْ خَرِبَةٍ حَتَّى يَمُوتُوا جُوعًا كَيْلَا يَعُودُوا حَرْبًا عَلَيْنَا ; لِأَنَّ النِّسَاءَ بِهِنَّ النَّسْلُ وَالصِّبْيَانُ يَبْلُغُونَ فَيَصِيرُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا فَبَعِيدٌ ; لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْذِيبِ، ثُمَّ هُمْ قَدْ صَارُوا أُسَارَى بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ، وَقَدْ أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْأَسْرَى خَيْرًا حَدَّثَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ نَبِيهِ بْنِ وَهْبٍ أَخِي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَقْبَلَ بِالْأُسَارَى فَرَّقَهُمْ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَقَالَ: اسْتَوْصُوا بِالْأُسَارَى خَيْرًا، فَقَالَ أَبُو عَزِيزٍ مَوْلَى أَخِي مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَسَرَنِي فَقَالَ لَهُ: شُدَّ يَدَيْكَ بِهِ، فَإِنَّ أُمَّهُ ذَاتُ مَتَاعٍ. قَالَ: وَكُنْتُ فِي رَهْطٍ مِنَ الْأَنْصَارِ حِينَ أَقْبَلُوا مِنْ بَدْرٍ، فَكَانُوا إِذَا قَدَّمُوا غَدَاءَهُمْ وَعَشَاءَهُمْ خَصُّونِي بِالْخُبْزِ وَأَكَلُوا التَّمْرَ بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; إِيَّاهُمْ بِنَا مَا يَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةٌ مِنَ الْخُبْزِ إِلَّا نَفَحَنِي بِهَا. قَالَ: فَأَسْتَحْيِي فَأَرُدُّهَا عَلَى أَحَدِهِمْ فَيَرُدُّهَا عَلَى مَنْ يُمْسِكُهَا» ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلُوا جُوعًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُضْطَرُّوا إِلَى ذَلِكَ بِسَبَبِ عَدَمِ الْحَمْلِ وَالْمِيرَةِ فَيُتْرَكُوا ضَرُورَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَالْغَارَةُ لَا تَكُونُ مَعَ دَعْوَةٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ أَوَّلًا فَاكْتَفَى بِهَا.
стр. 5475
٣٩٥٤ - وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: " إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ، وَلَا تَسُلُّوا السُّيُوفَ حَتَّى يَغْشَوْكُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٩٥٤ - (وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ) : مَرَّ ذِكْرُهُ قَرِيبًا ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ، وَلَا تَسُلُّوا» ) : بِضَمِّ السِّينِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ ; أَيْ: لَا تُخْرِجُوا (السُّيُوفَ) : أَيْ مِنْ غِلَافِهَا (حَتَّى يَغْشَوْكُمْ) : بِفَتْحِ الشِّينِ ; أَيْ: حَتَّى يَقْرَبُوكُمْ قَرِيبًا يَصِلُ سَيْفُكُمْ إِلَيْهِمْ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5476
٣٩٥٥ - وَعَنْ رَبَاحِ بْنِ الرَّبِيعِ ﵁، قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسُ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ، فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: " انْظُرُوا عَلَى مَا اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ؟ " فَجَاءَ فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ فَقَالَ: " مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ " وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: " قُلْ لِخَالِدٍ: لَا تَقْتُلِ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٩٥٥ - (وَعَنْ رَبَاحٍ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالتَّحْتِيَّةِ (ابْنِ الرَّبِيعِ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَذَا ضَبْطَهُ الْمُغْنِي بِالْوَجْهَيْنِ، وَفِي التَّقْرِيبِ رَبَاحُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأُسَيْدِيُّ ﵁، أَخُو حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ، وَيُقَالُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَبِالتَّحْتَانِيَّةِ صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثٌ، وَفِي الْمَنْقَبَةِ لِتَحْرِيرِ الْمُشْتَبَهِ لِلْعَسْقَلَانِيِّ: رَبَاحٌ بِالْمُوَحَّدَةِ عِدَّةٌ وَبِيَاءٍ وَكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمَاعَةٌ، وَاخْتُلِفَ فِي رَبَاحِ بْنِ الرَّبِيعِ الصَّحَابِيِّ أَخُو حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ رَبَاحُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأُسَيْدِيُّ الْكَاتِبُ حَدِيثَهُ فِي الْبَصْرِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ الْأُسَيِّدِيُّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ. (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ، فَبَعَثَ رَجُلًا، فَقَالَ) : أَيْ لَهُ (انْظُرُ عَلَى مَا اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ؟ فَجَاءَ) : أَيِ الرَّجُلُ (فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ) : أَيْ: مَقْتُولَةٍ، وَإِذَا ذُكِرَ الْمَوْصُوفُ يَسْتَوِي فِي الْفَعِيلِ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ. (فَقَالَ: مَا كَانَتْ هَذِهِ) : أَيِ الْمَرْأَةُ (لِتُقَاتِلَ) : اللَّامُ هِيَ الدَّاخِلَةُ فِي خَبَرِ كَانَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] .
стр. 5477
(وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ) : بِكَسْرِ الدَّالِ وَيُفْتَحُ (خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَبَعَثَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (رَجُلًا) : أَيْ إِلَى خَالِدٍ (فَقَالَ: قُلْ لِخَالِدٍ: لَا تَقْتُلِ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا: أَيْ أَجِيرًا وَتَابِعًا لِلْخِدْمَةِ، وَلَعَلَّ عَلَامَتَهُ أَنْ يَكُونَ بِلَا سِلَاحٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا النَّسَائِيُّ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ; أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ، وَكَذَا أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَفِي لَفْظٍ فَقَالَ: هَاهْ مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ، ثُمَّ قَالَ وَهَكَذَا رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ، وَابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، فَصَارَ الْحَدِيثُ صَحِيحًا عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَهَاهْ كَلِمَةُ زَجْرٍ وَالْهَاءُ الثَّانِيَةُ لِلسَّكْتِ، كَذَا حَقَّقَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَقَدْ سَبَقَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَخْرَجَ السِّتَّةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقْتُولَةً فَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
стр. 5478
٣٩٥٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ، وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، لَا تُصِيبُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا صَغِيرًا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَغُلُّوا، وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ، وَأَصْلِحُوا، وَأَحْسِنُوا فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٩٥٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: انْطَلِقُوا) : أَيِ اذْهَبُوا وَسِيرُوا مُتَبَرِّكِينَ (بَاسِمِ اللَّهِ) : مُسْتَعِينِينَ (وَبِاللَّهِ) : ثَابِتِينَ (وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) : وَالْأَحْوَالُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَرَادِفَاتٍ، أَوْ مُتَدَاخِلَاتٍ (لَا تَقْتُلُوا) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَلَا تَقْتُلُوا (شَيْخًا فَانِيًا) : أَيْ إِلَّا إِذَا كَانَ مُقَاتِلًا، أَوْ ذَا رَأْيٍ، وَقَدْ صَحَّ أَمْرُهُ ﵇ بِقَتْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ، وَكَانَ عُمُرُهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ عَامًا أَوْ أَكْثَرَ، وَقَدْ جِيءَ بِهِ فِي جَيْشِ هَوَازِنَ لِلرَّأْيِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ. (وَلَا طِفْلًا صَغِيرًا) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ بَدَلٌ، أَوْ بَيَانٌ ; أَيْ صَبِيًّا دُونَ الْبُلُوغِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا كَانَ مَلِكًا، أَوْ مُبَاشِرًا لِلْقِتَالِ (وَلَا امْرَأَةً) : أَيْ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُقَاتَلَةً، وَلَمْ تَكُنْ مَلِكَةً، وَلَا ذَاتَ رَأَيٍ فِي الْمُحَارِبَةِ (وَلَا تَغُلُّوا، وَضُمُّوا) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ ; أَيِ اجْمَعُوا (غَنَائِمَكُمْ، وَأَصْلِحُوا) : أَيْ أُمُورَكُمْ (وَأَحْسِنُوا) : أَيْ فِيمَا بَيْنَكُمْ (فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) : أَيْ يُثِيبُهُمْ وَيُكْرِمُهُمْ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِيهِ خَالِدُ بْنُ الْفِرْزِ. قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِذَاكَ، وَأَمَّا مُعَارَضَتُهُ. مِمَّا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ فَأَضْعَفُ مِنْهُ، ثُمَّ عَلَى أُصُولِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ لَا مُعَارَضَةَ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَخُصَّ الشُّيُوخَ بِغَيْرِ الْفَانِي، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالشَّيْخِ الْفَانِي الَّذِي لَا يَقْتُلُ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ وَلَا الصِّيَاحِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ، وَلَا عَلَى الْإِحْبَالِ ; لِأَنَّهُ يَجِيءُ مِنْهُ الْوَلَدُ فَيُكْثِرُ مُحَارِبَ الْمُسْلِمِينَ، ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَزَادَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِ الْمُرْتَدِّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ كَامِلَ الْعَقْلِ نَقْتُلُهُ، وَمِثْلُهُ نَقَتُلُهُ إِذَا ارْتَدَّ، وَالَّذِي لَا نَقْتُلُهُ الشَّيْخُ الْفَانِي الَّذِي خَرِفَ وَزَالَ عَنْ حُدُودِ الْعُقَلَاءِ الْمُمَيَّزِينَ، فَهَذَا حِينَئِذٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْنُونِ فَلَا نَقْتُلُهُ، وَلَا إِذَا ارْتَدَّ اهـ. وَلَا نَقْتُلُ مَقْطُوعَ الْيَدِ الْيُمْنَى وَالْمَقْطُوعَ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ، وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ: لَا يُقْتَلُ الرَّاهِبُ فِي صَوْمَعَتِهِ، وَلَا أَهْلُ الْكَنَائِسِ الَّذِينَ لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ، فَإِنْ خَالَطُوا قُتِلُوا كَالْقِسِّيسِ، وَرَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئَهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَثَ جُيُوشًا إِلَى الشَّامِ، فَخَرَجَ يُشَيِّعُ زَيْدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ: إِنِّي أُوصِيكَ بِعَشْرٍ: لَا تَقْتُلَنَّ صَبِيًّا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا كَبِيرًا هَرِمًا، وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلَا تَعْقِرَنَّ شَاةً، وَلَا بَقَرَةً إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ، وَلَا تَحْرِقَنَّ وَلَا تُخْرِبَنَّ عَامِرًا. وَلَا تُغْرِقَنَّ، وَلَا تُجْبُنْ، وَلَا تَغُلَّ.
стр. 5479
٣٩٥٧ - «وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ تَقَدَّمَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَتَبِعَهُ ابْنُهُ وَأَخُوهُ، فَنَادَى: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَانْتُدِبَ لَهُ شَابٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيكُمْ، إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمِّنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قُمْ يَا حَمْزَةُ! قُمْ يَا عَلِيُّ! قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ! " فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُقْبَةَ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ، وَاخْتَلَفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَلِيدِ ضَرْبَتَانِ، فَأَثْخَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلْنَاهُ، وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَةَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٩٥٧ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ) : أَيْ وُجِدَ (يَوْمُ بَدْرٍ تَقَدَّمَ) : أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ لِلْقِتَالِ (عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَتَبِعَهُ ابْنُهُ) : أَيِ الْوَلِيدُ (وَأَخُوهُ) : أَيْ شَيْبَةُ (فَنَادَى) : أَيْ عُتْبَةُ (مَنْ يُبَارِزُ؟) : فِي الْقَامُوسِ:
стр. 5480
بَرَزَ بُرُوزًا خَرَجَ إِلَى الْبِرَازِ ; أَيِ الْفَضَاءِ، وَبَارَزَ الْقِرْنَ مُبَارَزَةً وَبِرَازًا بَرَزَ إِلَيْهِ، وَالْمَعْنَى مَنْ يَبْرُزُ إِلَيَّ فَيُقَاتِلَنِي (فَانْتُدِبَ) : يُقَالُ: نَدَبْتُهُ فَانْتُدِبَ ; أَيْ دَعْوَتُهُ فَأَجَابَ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَقَوْلُهُ: (لَهُ) : أَيْ لِعُتْبَةَ وَالْمَعْنَى بَرَزَ لِمُقَاتَلَتِهِ وَمُقَاتَلَةِ مَنْ مَعَهُ (شَابٌّ) : جَمْعُ شَابٍّ، وَفِي نُسْخَةٍ شُبَّانٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيكُمْ) : أَيْ مَا نُرِيدُكُمْ (إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمِّنَا) : أَيِ الْقُرَشِيِّينَ مِنْ أَكْفَائِنَا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُمْ يَا حَمْزَةُ! قُمْ يَا عَلِيُّ! قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّهَا فَفِي الْكَافِيَةِ: الْعَلَمُ الْمَوْصُوفُ بِابْنِ مُضَافًا إِلَى عَلَمٍ آخَرَ يُخْتَارُ فَتْحُهُ، وَأَمَّا ابْنُ فَمَنْصُوبٌ لَا غَيْرَ (فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ) : أَيْ تَوَجَّهَ (إِلَى عُتْبَةَ) : أَيْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ فَقَتَلَهُ (وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ) : أَيْ فَقَتَلْتُهُ، كَذَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَشَرْحِ السُّنَّةِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: إِلَى عُتْبَةَ فَقَتَلَهُ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ فَقَتَلْتُهُ. (وَاخْتَلَفَ) : وَفِي نُسْخَةٍ فَاخْتَلَفَ وَهُوَ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَلِيدِ ضَرْبَتَانِ) : أَيْ ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ تَعَاقُبًا (فَأَثْخَنَ) : أَيْ جَرَحَ وَأَضْعَفَ (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ) : أَيْ قِرْنَهُ (ثُمَّ مِلْنَا) : بِكَسْرِ الْمِيمِ مِنَ الْمَيْلِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الصَّادِ مِنَ الصَّوْلَةِ ; أَيْ حَمَلْنَا (عَلَى الْوَلِيدِ) : أَوْ مِلْنَا حَامِلِينَ عَلَيْهِ (فَقَتَلْنَاهُ، وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَةَ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ إِبَاحَةُ الْمُبَادَرَةِ فِي جِهَادِ الْكُفَّارِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي جَوَازِهَا إِذَا أَذِنَ الْإِمَامُ، وَاخْتَلَفُوا فِيهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ عَنْ إِذْنِ الْإِمَامِ فَجَوَّزَهُمَا جَمَاعَةٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ; لِأَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَدْ خَرَجُوا، وَأَقْبَلَ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ وَعُبَيْدَةُ ﵃. إِذَا عَجَزَ وَاحِدٌ عَنْ قِرْنِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يُعِينُونَهُ ; لِأَنَّهُ الْمُبَارَزَةُ إِنَّمَا تَكُونُ هَكَذَا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) : قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ، لَكِنَّ الَّذِي فِي السِّيَرِ مِنْ أَنَّ الَّذِي بَارَزَ الْوَلِيدَ عَلِيٌّ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ اللَّائِقُ، بِالْمَقَامِ ; لِأَنَّ عُبَيْدَةَ وَشَيْبَةَ كَانَا شَيْخَيْنِ كَعُتْبَةَ وَحَمْزَةَ بِخِلَافِ عَلِيٍّ وَالْوَلِيدِ، فَكَانَا شَابَّيْنِ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَعَنْتُ أَنَا وَحَمْزَةُ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، فَلَمْ يَعِبِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا ذَلِكَ» ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبَقِيَّةُ الْقَضِيَّةِ فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ.
стр. 5481
٣٩٥٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي سَرِيَّةٍ، فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً فَأَتَيْنَا الْمَدِينَةَ، فَاخْتَفَيْنَا بِهَا، وَقُلْنَا: هَلَكْنَا "، ثُمَّ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَحْنُ الْفَرَّارُونَ. قَالَ: " بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ نَحْوَهُ وَقَالَ: " «لَا، بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ " قَالَ: فَدَنَوْنَا فَقَبَّلْنَا يَدَهُ فَقَالَ: " أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ» ".
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ يَسْتَفْتِحُ. وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ " ابْغُونِي فِي ضُعَفَائِكُمْ " فِي بَابِ " فَضْلِ الْفُقَرَاءِ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ــ
٣٩٥٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ، فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً) : قَالَ الْقَاضِي: أَيْ فَمَالُوا مَيْلَةً مِنَ الْحَيْصِ وَهُوَ الْمَيْلُ، فَإِنْ أَرَادَ بِالنَّاسِ أَعْدَاءَهُمْ، فَالْمُرَادُ بِهَا الْحَمْلَةُ ; أَيْ حَمَلُوا عَلَيْنَا حَمْلَةً وَجَالُوا جَوْلَةً فَانْهَزَمْنَا عَنْهُمْ، (فَأَتَيْنَا الْمَدِينَةَ) : وَإِنْ أَرَادَ بِهِ السَّرِيَّةَ فَمَعْنَاهَا الْفِرَارُ وَالرَّجْعَةُ ; أَيْ: مَالُوا عَنِ الْعَدُوِّ مُلْتَجِئِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: ١٢١] ; أَيْ مَهْرَبًا، وَيُؤَيِّدُ الْمَعْنَى الثَّانِيَ قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ حَاصَ عَنْهُ عَدَلَ وَحَادَ، يُقَالُ لِلْأَوْبِيَاءِ: حَاصُوا عَنِ الْأَعْدَاءِ وَلِلْأَعْدَاءِ انْهَزَمُوا. وَفِي الْفَائِقِ: فَحَاصَ حَيْصَةً ; أَيِ انْحَرَفَ وَانْهَزَمَ، وَرَوَى: فَجَاضَ جَيْضَةً بِالْجِيمِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ الْحَيْدُودَةُ حَذَرًا. وَفِي النِّهَايَةِ: فَحَاصَ الْمُسْلِمُونَ حَيْصَةً ; أَيْ جَالُوا جَوْلَةً يَطْلُبُونَ الْفِرَارَ. (فَاخْتَفَيْنَا بِهَا) : أَيْ فِي الْمَدِينَةِ حَيَاءً (وَقُلْنَا) : أَيْ فِي أَنْفُسِنَا، أَوْ لِبَعْضِنَا (هَلَكْنَا) : أَيْ عَصَيْنَا بِالْفِرَارِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ مُطْلَقَ الْفِرَارِ مِنَ الْكَبَائِرِ، ( «ثُمَّ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 5482
فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَحْنُ الْفَرَّارُونَ. قَالَ: " أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ» ) : أَيِ الْكَرَّارُونَ إِلَى الْحَرْبِ وَالْعَطَّافُونَ نَحْوَهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَمَعْنَاهُ الرَّجَّاعُونَ إِلَى الْقِتَالِ (وَأَنَا فِئَتُكُمْ) : فِي النِّهَايَةِ: الْفِئَةُ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ فِي الْأَصْلِ، وَالطَّائِفَةُ الَّتِي تَقُومُ وَرَاءَ الْجَيْشِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ خَوْفٌ، أَوْ هَزِيمَةٌ الْتَجَئُوا إِلَيْهِ، وَفِي الْفَائِقِ: ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: أَنَا فِئَتُكُمْ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦] يُمَهِّدُ بِذَلِكَ عُذْرَهُمْ فِي الْفِرَارِ ; أَيْ تَحَيَّزْتُمْ إِلَيَّ فَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ، وَمَنْ فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَمَنْ فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ فِي الْفِرَارِ ; لِأَنَّهُ عَاصٍ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ اهـ. وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ نَحْوَهُ وَقَالَ: " لَا بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ " قَالَ) : أَيِ ابْنُ عُمَرَ ( «فَدَنَوْنَا فَقَبَّلْنَا يَدَهُ فَقَالَ: أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ» ) .
(وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أُمَيَّةَ) : بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ يَسْتَفْتِحُ) : أَيْ يَطْلُبُ الْفَتْحَ وَالنُّصْرَةَ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ (وَحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: ابْغُونِي) : أَيِ اطْلُبُوا رِضَايَ (فِي ضُعَفَائِكُمْ) : تَمَامُهُ: فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ، أَوْ تُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ (فِي بَابِ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) .
стр. 5483
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٩٥٩ - عَنْ ثَوْبَانَ بْنِ يَزِيدَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٩٥٩ - (عَنْ ثَوْبَانَ بْنِ يَزِيدَ ﵁ : صَوَابُهُ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، فَإِنَّهُ كَذَا فِي شَرْحِ ابْنِ الْهُمَامِ، وَكَذَا فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لِلْمُغْنِي، وَكَذَا فِي تَحْرِيرِ الْمُشْتَبَهِ لِلْعَسْقَلَانِيِّ، وَكَذَا فِي أَصْلِ الْجَامِعِ لِلتِّرْمِذِيِّ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنَ التَّقْرِيبِ وَالْكَشْفِ، بَلْ ثَوْبَانُ بْنُ يَزِيدَ لَا يُوجَدُ ذِكْرُهُ فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ: ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ كَلَاعِيٌّ شَامِيٌّ حِمْصِيٌّ، سَمِعَ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ، رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ لَهُ ذِكْرٌ فِي بَابِ الْمَلَاحِمِ لَكِنْ مَا وَجَدْنَاهُ فِي بَابِ الْمَلَاحِمِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ فِي بَابِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَلَفْظُهُ: عَنْ ثَوْبَانَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ ابْنِ يَزِيدَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلِذَا لَمْ يَقُلْ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مُرْسَلًا. (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِكَسْرِ وَفَتْحِ الْجِيمِ آلَةٌ يُرْمَى بِهَا الْحِجَارَةُ مُعَرَّبَةٌ، وَقَدْ تُذَكَّرُ، فَارِسِيَّتُهَا مِنْ جَهْ نِيكَ ; أَيْ مَا أَجْوَدَنِي كَذَا فِي الْقَامُوسِ. (عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ) : أَيْ بِلَادِ ثَقِيفٍ فِي وَادٍ، أَوَّلُ قُرَاهَا لُقَيْمُ، وَآخِرُهَا الْوَهْطُ سُمِّيَتْ بِهِ ; لِأَنَّهَا طَافَتْ عَلَى الْمَاءِ فِي الطُّوفَانِ، أَوْ لِأَنَّ جِبْرِيلَ طَافَ بِهَا عَلَى الْبَيْتِ، أَوْ لِأَنَّهَا كَانَتْ بِالشَّامِ، فَنَقَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْحِجَازِ بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، كَذَا فِي الْقَامُوسِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا) : قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُعْضَلًا، فَإِنَّهُ قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ الْحَدِيثَ. قُلْتُ لِوَكِيعٍ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: صَاحِبُكُمْ عُمَرُ بْنُ هَارُونَ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ، عَنْ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ، وَزَادَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَشَارَ بِهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ.
стр. 5484
[بَابُ حُكْمِ الْأُسَرَاءِ]
стр. 5485
[٥] بَابُ حُكْمِ الْأُسَرَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٩٦٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يُدْخَلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ» وَفِي رِوَايَةٍ: " «يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِالسَّلَاسِلِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
[٥] بَابُ حُكْمِ الْأُسَرَاءِ
بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ السِّينِ، جَمْعُ أَسِيرٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٩٦٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: عَجِبَ اللَّهُ) : أَيْ رَضِيَ (مِنْ قَوْمٍ يُدْخَلُونَ الْجَنَّةَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْمَقَامِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (فِي السَّلَاسِلِ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَدْخُلُونَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُؤْخَذُونَ أُسَارَى قَهْرًا وَكَرْهًا فِي السَّلَاسِلِ وَالْقُيُودِ، فَيَدْخُلُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ الْإِيمَانَ فَيَدْخُلُونَ بِهِ الْجَنَّةَ، فَأَحَلَّ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ مَحَلَّ دُخُولِ الْجَنَّةِ لِإِفْضَائِهِ إِلَيْهِ. (وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ لِلْبُخَارِيِّ، أَوْ لِغَيْرِهِ (يُقَادُونَ) : أَيْ يُجَرُّونَ (إِلَى الْجَنَّةِ بِالسَّلَاسِلِ) : فَقَالَ الْقَاضِي: قَدْ سَبَقَ غَيْرُهُ مَرَّةً أَنَّ صِفَاتِ الْعِبَادِ إِذَا أُطْلِقَتْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أُرِيدَ بِهَا غَايَاتُهَا، فَغَايَةُ التَّعَجُّبِ وَالِاسْتِبْشَارِ بِالشَّيْءِ الرِّضَا بِهِ وَاسْتِعْظَامُ شَأْنِهِ، فَالْمَعْنَى عَظَّمَ اللَّهُ شَأْنَ قَوْمٍ يُؤْخَذُونَ عَنْوَةً فِي السَّلَاسِلِ، فَيَدْخُلُونَ فِي الْإِسْلَامِ فَيَصِيرُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَرَضِيَ عَنْهُمْ، وَأَحَلَّهُمْ مَحَلَّ مَا يَتَعَجَّبُ مِنْهُ، وَقِيلَ. أَرَادَ بِالسَّلَاسِلِ مَا يَرِدُونَ بِهِ مِنْ قَتْلِ الْأَنْفُسِ وَسَبْيِ دُخُولِ الْأَزْوَاجِ وَالْأَوْلَادِ، وَتَخْرِيبِ الدِّيَارِ وَسَائِرِ مَا يُلْجِئُهُمْ إِلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ الَّذِي سَبَّبَ دُخُولَ الْجَنَّةِ، فَأَقَامَ الْمُسَبَّبَ مَقَامَ السَّبَبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا جَذَبَاتِ الْحَقِّ الَّتِي يَجْذِبُ بِهَا خَاصَّةَ عِبَادِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْهُدَى، وَمِنَ الْهُبُوطِ فِي مَهَاوِي الطَّبِيعَةِ إِلَى الْعُرُوجِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى إِلَى جَنَّةِ الْمَأْوَى. قُلْتُ: وَكَذَا فِي مَعْنَى السَّلَاسِلِ مَكْرُوهَاتُ النَّفْسِ مِنَ الْفَقْرِ وَالْمَرَضِ وَالْخُمُولِ، وَسَائِرِ الْمُصِيبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَفَوَاتِ اللَّذَّاتِ النَّفْسِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَجُرُّ إِلَى الْحَالَاتِ السَّنِيَّةِ الرُّوحِيَّةِ وَالْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَرَاهَةُ الْأَوْلَادِ لِلْكِتَابَةِ وَالْقِرَاءَةِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَجِبْتُ لِأَقْوَامٍ يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ وَهُمْ كَارِهُونَ.
стр. 5486
٣٩٦١ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ " فَقَتَلْتُهُ فَنَفَّلَنِي سَلَبَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٩٦١ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) : قَالَ الْقَاضِي: الْعَيْنُ الْجَاسُوسُ سُمِّيَ بِهِ ; لِأَنَّ عَمَلَهُ بِالْعَيْنِ، أَوْ لِشِدَّةِ اهْتِمَامِهِ بِالرُّؤْيَةِ وَاسْتِغْرَاقِهِ فِيهَا كَأَنَّ جَمِيعَ بَدَنِهِ صَارَ عَيْنًا. (وَهُوَ) : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ) : أَيِ الْجَاسُوسُ (عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ) : أَيِ انْصَرَفَ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ فَقَتَلْتُهُ) : أَيْ: فَطَلَبْتُهُ فَوَجَدْتُهُ فَقَتَلْتُهُ (فَنَفَّلَنِي) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهُ ; أَيْ أَعْطَانِي (سَلَبَهُ) : بِفَتْحَتَيْنِ ; أَيْ: مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ وَالسِّلَاحِ سُمِّيَ بِهِ ; لِأَنَّهُ يُسْلَبُ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَكَذَا مَرْكَبُهُ وَمَا عَلَيْهِ مِنَ السَّرْجِ وَالْآلَةِ، وَمَا مَعَهُ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ مَالٍ، وَمَا عَلَى وَسَطِهِ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَنَفَّلَنِي ; أَيْ أَعْطَانِي نَفْلًا، وَهُوَ مَا يُخَصُّ بِهِ الرَّجُلُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَيُزَادُ عَلَى سَهْمِهِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ أَمَانٍ حَلَّ قَتْلُهُ، وَمَنْ تَجَسَّسَ لِلْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، وَإِنْ فَعَلَهُ مُسْلِمٌ فَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ، بَلْ يُعَزَّرُ، فَإِنِ ادَّعَى جَهَالَةً بِالْحَالِ، وَلَمْ يَكُنْ مِمَّا يُتَجَافَى عَنْهُ ; أَيْ: يُتَجَاوَزُ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: التَّنْفِيلُ إِعْطَاءُ الْإِمَامِ الْفَارِسَ فَوْقَ سَهْمِهِ وَهُوَ مِنَ النَّفْلِ، وَهُوَ الزَّائِدُ. وَمِنْهُ النَّافِلَةُ لِلزَّائِدِ عَلَى الْفَرْضِ، وَيُقَالُ لِوَلَدِ الْوَلَدِ كَذَلِكَ ; أَيْضًا، وَيُقَالُ نَفَّلَهُ تَنْفِيلًا وَنَفَلَهُ بِالتَّخْفِيفِ نَفْلًا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ بِالتَّنْفِيلِ، فَيَقُولُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، أَوْ يَقُولُ لِلسَّرِيَّةِ: قَدْ جَعَلْتُ لَكُمُ النِّصْفَ، أَوِ الرُّبُعَ بَعْدِ الْخُمُسِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5487
٣٩٦٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، فَأَنَاخَهُ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ، وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ مِنَ الظَّهْرِ، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ فَأَتَى جَمَلَهُ، فَأَثَارَهُ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ، فَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ، فَأَنَخْتُهُ، ثُمَّ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي، فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ، ثُمَّ جِئْتُ بِالْجَمَلِ أَقُودُهُ وَعَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ. فَقَالَ: " مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ " قَالُوا: ابْنُ الْأَكْوَعِ فَقَالَ: " لَهُ سَلَبَهُ أَجْمَعُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٩٦٢ - (وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ سَلَمَةَ ﵁ (قَالَ. غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَوَازِنَ) : قَبِيلَةً مُشْتَهَرَةً بِالرَّمْيِ لَا يُخْطِئُ سَهْمُهُمْ، وَكَانُوا فِي حُنَيْنٍ وَهُوَ وَادٍ وَرَاءَ عَرَفَةَ دُونَ الطَّائِفِ، وَقِيلَ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثُ لَيَالٍ، وَكَانَ مَسِيرُهُ إِلَيْهَا يَوْمَ السَّبْتِ لِسِتِّ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوَّالٍ لَمَّا فَرَغَ مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ. (فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى) : أَيْ نَتَغَدَّى، مَأْخُوذٌ مِنَ الضَّحَاءِ بِالْمَدِّ وَفَتْحِ الضَّادِ وَهُوَ بَعْدَ امْتِدَادِ النَّهَارِ وَفَوْقَ الضُّحَى بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَسِيرُونَ فِي ظَعْنِهِمْ، فَإِذَا مَرُّوا بِبُقْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ فِيهَا كَلَأٌ وَعُشْبٌ قَالَ قَائِلُهُمْ: أَلَا ضَحْوًا رُوَيْدًا ; أَيِ: ارْفُقُوا بِالْإِبِلِ حَتَّى تَنْضَحِي ; أَيْ تَنَالَ مِنْ هَذَا الْمَرْعَى، ثُمَّ وُضِعَتِ التَّضْحِيَةُ مَكَانَ الرِّفْقِ لِيَصِلَ الْإِبِلُ إِلَى الْمَنْزِلِ، وَقَدْ شَبِعَتْ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ حَتَّى قِيلَ لِكُلِّ مَنْ يَأْكُلُ فِي وَقْتِ الضُّحَى: هُوَ يَتَضَحَّى ; أَيْ يَأْكُلُ فِي هَذَا الْوَقْتِ، كَمَا يَتَغَدَّى وَيَتَعَشَّى، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ نُصَلِّي الضُّحَى. (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، فَأَنَاخَهُ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ) : أَيْ يُطَالِعُ (وَفِينَا ضَعْفَةٌ) : بِسُكُونِ الْعَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِفَتْحِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطُوهُ عَلَى وَجْهَيْنِ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ ; أَيْ حَالَةُ ضَعْفٍ وَهُزَالٍ، وَالثَّانِي بِفَتْحِ الْعَيْنِ جَمْعُ ضَعِيفٍ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِحَذْفِ الْهَاءِ. قُلْتُ: فَيَقْوَى الْقَوْلُ الْأَوَّلُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُؤَيِّدُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ عَطْفُ قَوْلِهِ: (وَرِقَّةٌ عَلَيْهِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ، وَقَوْلُهُ: (مِنَ الظَّهْرِ) : بِفَتْحِ الظَّاءِ صِفَةٌ لَهَا ; أَيْ رِقَّةٌ حَاصِلَةٌ مِنْ قِلَّةِ الْمَرْكُوبِ (وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ) : جَمْعُ مَاشٍ وَكَأَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ (إِذْ خَرَجَ) : أَيِ الرَّجُلُ مِنْ بَيْنِنَا (يَشْتَدُّ) : أَيْ يَعْدُو (فَأَتَى جَمَلَهُ، فَأَثَارَهُ) : أَيْ أَقَامَهُ بَعْدَ رُكُوبِهِ (فَاشْتَدَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْوَاوِ ; أَيْ: أَسْرَعَ بِهِ (الْجَمَلُ، فَخَرَجْتُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَخَرَجْتُ (أَشْتَدُّ) : أَيْ فِي عَقِبِهِ (حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ; أَيْ بِزِمَامِهِ (فَأَنَخْتُهُ، ثُمَّ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي) : أَيْ سَلَلْتُهُ مِنْ غِمْدِهِ (فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ، ثُمَّ جِئْتُ بِالْجَمَلِ أَقُودُهُ) : أَيْ أَجُرُّهُ (عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الْجَمَلِ (رَحْلُهُ) : أَيْ مَتَاعُ الرَّجُلِ (وَسِلَاحُهُ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ) : بِالرَّفْعِ ( «فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ قَالُوا: ابْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ: لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5488
٣٩٦٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ ". فَجَاءَ فَجَلَسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ ". قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تَقْتُلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ. قَالَ: " لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ. وَفِي رِوَايَةٍ: " بِحُكْمِ اللَّهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٩٦٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ) : بِالتَّصْغِيرِ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ (عَلَى حُكْمِ سَعِيدِ بْنِ مُعَاذٍ) . قَالَ الْقَاضِي: إِنَّمَا نَزَلُوا بِحُكْمِهِ بَعْدَمَا حَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَجَهَدَهُمُ الْحِصَارُ، وَتَمَكَّنَ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا حُلَفَاءَ الْأَوْسِ، فَحَسِبُوا أَنَّهُ يُرَاقِبُهُمْ وَيَتَعَصَّبُ لَهُمْ، فَأَبَى إِسْلَامُهُ وَقُوَّةُ دِينِهِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ بِغَيْرِ مَا حَكَمَ اللَّهُ فِيهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ فِي شَوَّالِهَا حِينَ نَقَضُوا عَهْدًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَوَافَقُوا الْأَحْزَابَ، رُوِيَ أَنَّهُمْ لَمَّا انْكَشَفُوا عَنِ الْمَدِينَةِ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ شَرَّهُمْ أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فِي ظُهْرِ الْيَوْمِ الَّذِي تَفَرَّقُوا فِي لَيْلَتِهِ فَقَالَ: وَضَعْتُمُ السِّلَاحَ وَالْمَلَائِكَةُ لَمْ يَضَعُوهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَكُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَائْتِهِمْ عَصْرَهُمْ (بَعَثَ) : جَوَابُ لَمَّا ; أَيْ أَرْسَلَ وَفِي نُسْخَةٍ، إِلَيْهِ ; أَيْ إِلَى سَعْدٍ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ) ; أَيْ شَاكِيًا وَجَعَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ أُصِيبَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ (فَلَمَّا دَنَا) : أَيْ قَرُبَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ إِكْرَامُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَتَلَقِّيهِمْ وَالْقِيَامُ لَهُمْ إِذَا أَقْبَلُوا وَاحْتَجَّ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَيْسَ هَذَا مِنَ الْقِيَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا ذَاكَ فِيمَنْ يَقُومُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ، وَيَتَمَثَّلُونَ قِيَامًا طُولَ جُلُوسِهِ، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقِيَامُ لِلتَّعْظِيمِ، بَلْ كَانَ لِلْإِعَانَةِ عَلَى نُزُولِهِ لِكَوْنِهِ وَجِعًا، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ قِيَامَ التَّوْقِيرِ لَقَالَ: قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ قُومُوا مُتَوَجِّهِينَ إِلَى سَيِّدِكُمْ، لَكِنَّ
стр. 5489
الْأَوَّلَ أَظْهَرُ ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ مَا كَانُوا يَقُومُونَ لَهُ ﷺ لِكَرَاهِيَتِهِ لِلْقِيَامِ. (فَجَاءَ فَجَلَسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ هَؤُلَاءِ) : أَيْ بَنِي قُرَيْظَةَ (نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ) . قَالَ النَّوَوِيُّ: وَإِنَّمَا فَوَّضَ الْحُكْمَ إِلَى سَعْدٍ ; لِأَنَّ الْأَوْسَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَفْوَ عَنْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا حُلَفَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : " أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ) فَرَضُوا بِهِ. (قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ) : بِكَسْرِ التَّاءِ ; أَيْ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُمُ الْقِتَالُ وَلَوْ بِالرَّأْيِ. (وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ) ; أَيِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ (قَالَ) : أَيِ النَّبِيُّ ﵊ (لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ) . بِكَسْرِ اللَّامِ وَهُوَ اللَّهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَفِي رِوَايَةٍ: بِحُكْمِ اللَّهِ) : أَيْ أَصَبْتَ بِهِمْ وَقَضَيْتَ بِقَضَاءٍ ارْتَضَى اللَّهُ بِهِ، وَيُرْوَى بِفَتْحِهَا ; أَيِ الْمَلَكِ النَّازِلِ بِالْوَحْيِ وَهُوَ جِبْرِيلُ، أَوِ الَّذِي أَلْقَى الصَّوَابَ فِي الْقَلْبِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ الْمَلِكُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى. قَالَ الْقَاضِي: وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا، فَإِنْ صَحَّ الْفَتْحُ، فَالْمُرَادُ بِهِ جِبْرِيلُ ; أَيِ الْحُكْمِ الَّذِي جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ. وَفِيهِ جَوَازُ التَّحْكِيمِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَمُهِمَّاتِهِمُ الْعِظَامِ، وَلَا يُخَالِفُ فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ إِلَّا الْخَوَارِجُ، فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا عَلَى عَلِيٍّ ﵁ التَّحْكِيمَ، وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ الْعَادِلُ فِي شَيْءٍ لَزِمَهُ حُكْمُهُ، وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَلَا لَهُمُ الرُّجُوعُ عَنْهُ بَعْدَ الْحُكْمِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5490
٣٩٦٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " فَقَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ! خَيْرٌ ; إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتُ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ الْغَدُ، فَقَالَ لَهُ: " مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ لَهُ: " مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَطْلَقُوا ثُمَامَةَ " فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ! وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَوَاللَّهِ مَا كَانَ بَلَدٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ. وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدَ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ، أَصَبَوْتَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنَّى أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَاخْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٩٦٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ (خَيْلًا: هُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ ; أَيْ فُرْسَانَ الْخَيْلِ، وَفِي الْحَدِيثِ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي ; أَيْ يَا فُرْسَانَ خَيْلِ اللَّهِ، أَوْ سُمِّيَتِ الْجَمَاعَةُ خَيْلًا ; لِأَنَّهُمْ تَجَرَّدُوا لِمَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهَا كَمَا سُمِّيَتِ الرَّبِيئَةُ عَيْنًا (قِبَلَ نَجْدٍ) ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ; أَيْ: حِذَاءَهُ وَجَانِبَهُ. فِي الْقَامُوسِ: النَّجْدُ وَبِضَمِّ جِيمِهِ مُذَكَّرٌ وَهُوَ مَا خَالَفَ الْغَوْرَ ; أَيْ تِهَامَةَ، أَعْلَاهُ تِهَامَةُ وَالْيَمَنُ، وَأَسْفَلُهُ الْعِرَاقُ وَالشَّامُ أَوَّلُهُ مِنْ جِهَةِ الْحِجَازِ ذَاتُ عِرْقٍ، (فَجَاءَتْ) : أَيِ الْخَيْلُ (بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ، لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا (سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ) : فِي الْقَامُوسِ: هِيَ بِلَادُ الْجَوِّ مَنْسُوبَةٌ إِلَى جَارِيَةٍ زَرْقَاءَ كَانَتْ تُبْصِرُ الرَّاكِبَ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَسُمِّيَتْ بِاسْمِهَا، أَكْثَرُ نَخِيلًا مِنْ سَائِرِ الْحِجَازِ، وَبِهَا تَنَبَّأَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، وَهِيَ دُونَ الْمَدِينَةِ فِي وَسَطِ الشَّرْقِ عَنْ مَكَّةَ عَلَى سِتَّ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً مِنَ الْبَصْرَةِ، وَعَنِ الْكُوفَةِ نَحْوُهَا وَالنِّسْبَةُ يَمَامِيٌّ. (فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ) : أَيْ أُسْطُوَانَةٍ (مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ) ; أَيِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ (فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَاذَا عِنْدَكَ) ؟ أَيْ مِنَ الظَّنِّ فِي أَنْ أَفْعَلَ بِكَ (يَا ثُمَامَةُ) ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ أَنْ تَكُونَ مَا اسْتِفْهَامِيَّةً، وَذَا مَوْصُولًا وَعِنْدَكَ صِلَتَهُ ; أَيْ: مَا الَّذِي اسْتَقَرَّ عِنْدَكَ مِنَ الظَّنِّ فِيمَا أَفْعَلُ بِكَ (قَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ! خَيْرٌ) ; لِأَنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ تَظْلِمُ بَلْ مِمَّنْ تُحْسِنُ وَتُنْعِمُ، وَأَنْ يَكُونَ مَاذَا بِمَعْنَى " أَيُّ شَيْءٍ " مُبْتَدَأً وَعِنْدَكَ خَبَرَهُ، وَقَوْلُهُ: (إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ) ، تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ: خَيْرٌ ; لِأَنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ إِذَا كُرِّرَ فِي الْجَزَاءِ دَلَّ عَلَى فَخَامَةِ الْأَمْرِ. قَالَ النَّوَوِيُّ، قَوْلُهُ ذَا دَمٍ فِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: مَعْنَاهُ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ صَاحِبَ الدَّمِ، لِدَمِهِ مَوْقِعٌ يَشْتَفِي بِقَتْلِهِ قَاتِلُهُ، وَيُدْرِكُ قَاتِلَهُ بِثَأْرِهِ ; أَيْ لِرِيَاسَتِهِ وَفَضْلِهِ، وَحُذِفَ هَذَا ; لِأَنَّهُمْ يَفْهَمُونَهُ فِي عُرْفِهِمْ، وَثَانِيهَا: إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ مَنْ عَلَيْهِ دَمٌ مَطْلُوبٌ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَلَا عَتْبَ عَلَيْكَ، وَثَالِثُهَا ذَا ذَمٍّ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ ; أَيْ: ذَا ذِمَامٍ وَحُرْمَةٍ فِي قَوْمِهِ، وَرَوَاهَا بَعْضُهُمْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ كَذَلِكَ: قَالَ الْقَاضِي: وَهِيَ ضَعِيفَةٌ ; لِأَنَّهَا تَقْلِبُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ احْتِرَامَهُ يَمْنَعُ الْقَتْلَ. قَالَ الشَّيْخُ: وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ; أَيْ تَقْتُلْ رَجُلًا جَلِيلًا يَحْتَفِلُ قَاتِلُهُ بِقَتْلِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَتَلَ حَقِيرًا مَهِينًا، فَإِنَّهُ لَا فَضِيلَةَ وَلَا يُدْرِكُ بِهِ قَاتِلُهُ ثَأْرَهُ.
стр. 5491
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاخْتَارَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ، الْوَجْهَ الثَّانِيَ، حَيْثُ قَالَ: الْمَعْنَى إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِمَا أَصَابَهُ مِنْ دَمٍ، وَرَآهُ أَوْجَهَ لِلْمُشَاكَلَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، (وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ) : بِالْهَمْزِ وَالنَّقْلِ (تُعْطَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ (مِنْهُ) : أَيْ مِنَ الْمَالِ وَهُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: (مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ عَلَى حَالِهِ (حَتَّى كَانَ) : أَوْ وَقَعَ (الْغَدُ) ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ ; أَيْ كَانَ الزَّمَانُ الْغَدَ ( «فَقَالَ لَهُ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْمُ كَانَ ضَمِيرٌ عَائِدٌ إِلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ حُكْمًا ; أَيْ: حَتَّى كَانَ مَا هُوَ عَلَيْهِ ثُمَامَةُ بَعْدَ الْغَدِ ( «قَالَ لَهُ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ» ) : قَالَ الْأَشْرَفُ: فِي تَقْدِيمِ قَوْلِهِ: إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ عَلَى قِسْمَيْهِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَتَوْسِيطِهِ بَيْنَهُمَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ مَا يُرْشِدُ إِلَى حَذَاقَتِهِ وَحَدْسِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى غَضَبَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ قَدَّمَ فِيهِ الْقَتْلَ تَسْلِيَةً، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ رَجَا أَنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ فَقَدَّمَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ قَوْلَهُ: إِنْ تُنْعِمْ: قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَمَّا نَفَى الظُّلْمَ عَنْ سَاحَتِهِ ﷺ وَنَظَرَ إِلَى اسْتِحْقَاقِهِ الْقَتْلَ قَدَّمَهُ، وَحِينَ نَظَرَ إِلَى لُطْفِهِ وَإِحْسَانِهِ ﵊ أَخَّرَ الْقَتْلَ، وَهَذَا أَدْعَى لِلِاسْتِعْطَافِ وَالْعَفْوِ كَمَا قَالَ عِيسَى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُنَاسِبُ لِلْمُجْرِمِ أَنْ يَعْتَرِفَ بِذَنْبِهِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرَ أَوَّلًا، فَلِذَا قَدَّمَ الْقَتْلَ، ثُمَّ يَطْلُبُ الْعَفْوَ وَلَا يَنْسَى الذَّنْبَ، وَلِذَا أَخَّرَهُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَحَاصِلُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ أَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ كَانَ الْخَوْفُ غَالِبًا عَلَيْهِ، وَفِي الْيَوْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ كَانَ الْغَالِبَ عَلَيْهِ الرَّجَاءُ، وَالْإِنَاءُ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ، وَهَذَا يُظْهِرُ وَجْهَ التَّنْظِيرِ بِقَوْلِ عِيسَى ﵇، فَإِنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ غَلَبَةِ الْخَوْفِ أَوَّلًا. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] حَتَّى تَقُولَ الْأَنْبِيَاءُ: نَفْسِي نَفْسِي، ثُمَّ لَهُمْ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَطْلِقُوا) : أَيْ حُلُّوا (ثُمَامَةَ) : وَخَلُّوا سَبِيلَهُ (فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ) : بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجِيمِ ; أَيْ مَاءٍ قَلِيلِ النَّبْعِ (قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ) . قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ: نَخْلٍ هَكَذَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَقْدِيرُهُ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ فِيهِ مَاءٌ فَاغْتَسَلَ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَوَابُهُ نَجْلٍ بِالْجِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ الْمُنْبَعِثُ، وَقِيلَ الْجَارِي. قُلْتُ: بَلِ الصَّوَابُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ صَحَّتْ بِهِ وَلَمْ تُرْوَ إِلَّا هَكَذَا. وَهُوَ صَحِيحٌ فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ، (ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ! مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ) : بِالنَّصْبِ ; أَيْ أَكْثَرَ مَبْغُوضًا (مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ) .
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَجْهٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ وَجْهٍ وَهُوَ اسْمُ كَانَ، عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ خَبَرُهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَحَبَّ الْوُجُوهِ خَبَرُ أَصْبَحَ قَطْعًا، وَقَدْ قُوبِلَ بِهِ، وَلِأَنَّ أَبْغَضَ فِي الْقَرِينَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَقَعَ خَبَرًا لِكَانَ،
стр. 5492
وَلِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنِ الْوَجْهِ بِالْأَبْغَضِيَّةِ لَا أَنَّ وَجْهَهُ أَبْغَضُ كَائِنًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَإِذَا قُلْنَا: بِجَوَازِ وُقُوعِ الْحَالِ مِنِ اسْمِ كَانَ، فَقَوْلُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَانَ صِفَةً لِقَوْلِهِ وَجْهٌ، فَقُدِّمَ فَصَارَ حَالًا، وَإِذَا مَنَعْنَاهُ قُلْنَا إِنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ قُدِّمَ لِلِاهْتِمَامِ لِيُؤْذِنَ فِي بَدْءِ الْحَالِ بِاهْتِمَامٍ فَصَارَ الْعُمُومُ وَالشُّمُولُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: ٦٧] ( «وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَوَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ» ) . يَعْنِي الْمَدِينَةَ (فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدَ الْعُمْرَةَ) ، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَمَاذَا تَرَى) ؟ أَيْ مِنَ الرَّأْيِ فِي حَقِّي (فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ; أَيْ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ بِالْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْآثَامِ (وَأَمْرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ، أَصَبَوْتَ؟) : مِنَ الصَّبْوَةِ وَالصَّبْوُ الْمَيْلُ إِلَى الْجَهْلِ. كَذَا فِي تَاجِ الْمَصَادِرِ لِلْبَيْهَقِيِّ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَصَبَأْتَ وَهُوَ مَهْمُوزٌ فَفِي النِّهَايَةِ: صَبَأَ فُلَانٌ إِذَا خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينِ غَيْرِهِ، وَكَذَا فِي الْفَائِقِ. وَفِي الْمَشَارِقِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ. قَوْلُهُ: أَصَبَوْتَ هَكَذَا الرِّوَايَةُ ; أَيْ أَصَبَأْتَ، وَقُرَيْشٌ كَانَتْ لَا تَهْمِزُ وَتُسَهِّلُ الْهَمْزَةَ ; أَيْ أَخْرَجْتَ عَنْ دِينِكَ؟ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَصَبَوْتَ هَكَذَا فِي الْأُصُولِ أَصَبَوْتَ، وَهِيَ لُغَةٌ وَالْمَشْهُورُ أَصَبَأْتَ بِالْهَمْزِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْأُصُولِ لَا وَجْهَ مَعَ ثُبُوتِهَا إِلَى الْعُدُولِ، ثُمَّ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ " وَهِيَ لُغَةٌ " أَنَّهُ لُغَةٌ فِي صَبَأْتَ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ مَادَّةً وَمَعْنًى، وَالْعَجَبُ مِنَ الطِّيبِي أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى صَبَأْتَ بِالْهَمْزِ (فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ قَالَ: لَا، وَهُوَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ؟ قُلْتُ: هُوَ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ كَأَنَّهُ قَالَ: مَا خَرَجْتُ مِنَ الدِّينِ ; لِأَنَّكُمْ لَسْتُمْ عَلَى دِينٍ فَأَخْرُجَ مِنْهُ، بَلِ اسْتَحْدَثْتُ دِينَ اللَّهِ، وَأَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَإِنْ قُلْتَ: مَعَ يَقْتَضِي إِحْدَاثَ الْمُصَاحَبَةِ ; لِأَنَّ مَعْنَى الْمَعِيَّةِ الْمُصَاحَبَةُ وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ، وَقَدْ قِيلَ: الْفِعْلُ بِهَا فَيَجِبُ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ، كَذَا نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي الصَّافَّاتِ. قُلْتُ: لَا يَبْعُدُ ذَلِكَ، فَلَعَلَّهُ ﷺ وَافَقَهُ، فَيَكُونُ مِنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةً وَمِنْهُ اسْتِحْدَاثًا: أَقُولُ: هَذَا لَا يَبْعُدُ عَقْلًا، لَكِنْ يُسْتَبْعَدُ نَقْلًا، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَنُقِلَ فِيهِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ إِلَيْنَا، وَفِي الْمَعِيَّةِ يُكْتَفَى بِالْمُشَارَكَةِ الْفِعْلِيَّةِ، كَمَا فِي قَوْلِ بِلْقِيسَ: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] ، ثُمَّ جَوَابُ سُؤَالِهِ الْأَوَّلِ مَبْنِيٌّ عَلَى نُسْخَةِ " صَبَأْتَ " لَا عَلَى " صَبَوْتَ " كَمَا لَا يَخْفَى، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ مِنْ صَبَأْتَ ; أَيْ مِنْ دِينِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، فَجَوَابُهُ بِلَا مُطَابِقٌ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَحَقِيقَةِ الْحَقِّ. (وَلَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: لَا يَقْتَضِي مَنْفِيًّا وَالْوَاوُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ ; أَيْ لَا أُوَافِقُكُمْ فِي دِينِكُمْ. وَلَا أَرْفُقُ بِكُمْ فِي هَذِهِ السِّنِينَ الْمُجْدِبَةِ، ثُمَّ أَقْسَمَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ( «وَاللَّهِ لَا تَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَاخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيُّ) . فِي الْهِدَايَةِ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ السِّلَاحُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إِذَا حَضَرُوا مُسْتَأْمَنِينَ، وَلَا يُجَهَّزَ إِلَيْهِمْ مَعَ التُّجَّارِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ ; لِأَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَحَمَلِهِ إِلَيْهِمْ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْمَعْرُوفُ مَا فِي سِيَرِ الْبَيْهَقِيِّ، وَمُسْنَدِ الْبَزَّارِ، وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الطَّعَامِ ; أَيِ الْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ حَمْلِهِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ ; لِأَنَّهُ بِهِ التَّقَوِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَالْمَقْصُودُ إِضْعَافُهُمْ إِلَّا أَنَّا عَرَفْنَا نَقْلَ الطَّعَامِ إِلَيْهِمْ بِالنَّصِّ يَعْنِي حَدِيثَ ثُمَامَةَ، وَحَدِيثَ أُسَامَةَ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَ قِصَّةَ إِسْلَامِ ثُمَامَةَ. وَفِي آخِرِهِ قَوْلُهُ لِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ. فَقَالَ: «إِنِّي وَاللَّهِ مَا صَبَوْتُ، وَلَكِنِّي أَسَلَّمْتُ وَصَدَّقْتُ مُحَمَّدًا وَآمَنْتُ بِهِ، وَايْمُ اللَّهِ الَّذِي نَفْسُ ثُمَامَةَ بِيَدِهِ لَا تَأْتِيكُمْ
стр. 5493
حَبَّةٌ مِنَ الْيَمَامَةِ، وَكَانَتْ قَرِيبَ مَكَّةَ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا مُحَمَّدٌ، فَانْصَرَفَ إِلَى بَلَدِهِ، وَمَنَعَ الْحَمْلَ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى جَهَدَتْ قُرَيْشٌ، فَكَتَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ بِأَرْحَامِهِمْ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى ثُمَامَةَ يَحْمِلُ إِلَيْهِمُ الطَّعَامَ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » -. وَذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي آخِرِ السِّيَرِ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ قَالُوا: «أَصَبَأْتَ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُ خَيْرَ الدِّينِ دِينِ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَا تَصِلُ إِلَيْكُمْ حَبَّةٌ مِنَ الْيَمَامَةِ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » - إِلَى أَنْ قَالَ: «فَكَتَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّكَ قَدْ قَطَعْتَ أَرْحَامَنَا، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَمْلِ» . وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمَنِّ عَلَى الْكَافِرِ وَإِطْلَاقِهِ بِغَيْرِ مَالٍ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا يَجُوزُ الْمَنُّ عَلَى الْأُسَارَى، وَهُوَ أَنْ يُطْلِقَهُمْ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ شَيْءٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ إِذَا رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ، وَبِقَوْلِنَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] وَلِأَنَّهُ ﵊ مَنَّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ مِنْهُمُ الْعَاصِ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَأَجَابَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ سُورَةِ " بَرَاءَةٌ " فَإِنَّهَا تَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِ الْمَنِّ وَهِيَ آخَرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ فِي هَذَا الشَّأْنِ، وَقِصَّةُ بَدْرٍ كَانَتْ سَابِقَةً عَلَيْهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ رَبْطِ الْأَسِيرِ وَحَبْسِهِ وَإِدْخَالِ الْكَافِرِ الْمَسْجِدَ، وَفِيهِ إِذَا أَرَادَ الْكَافِرُ الْإِسْلَامَ يُبَادِرُ بِهِ، وَلَا يُؤَخِّرْهُ لِلِاغْتِسَالِ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي تَأْخِيرِهِ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّ اغْتِسَالَهُ وَاجِبٌ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ فِي الشِّرْكِ، سَوَاءٌ كَانَ اغْتَسِلْ مِنْهَا أَمْ لَا. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنِ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ فَالْغَسْلُ مُسْتَحَبٌّ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَآخَرُونَ: يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ، وَفِي تَكْرِيرِ سُؤَالِهِ ﵊ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تَأْلِيفٌ لِقَلْبِهِ، وَمُلَاطَفَةٌ لِمَنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ مِنَ الْأُسَارَى الَّذِينَ يَتْبَعُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ.
стр. 5494
٣٩٦٥ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ " لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٩٦٥ - (وَعَنْ جُبَيْرِ) : بِالتَّصْغِيرِ (بْنِ مُطْعِمٍ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ) : أَيْ فِي شَأْنِهِمْ لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي) : أَيْ شَفَاعَةً إِلَى (هَؤُلَاءِ النَّتْنَى) : جَمْعِ نَتِنٍ بِالتَّحْرِيكِ بِمَعْنَى مُنْتِنٍ؛ كَزَمِنٍ وَزَمْنَى، وَإِنَّمَا سَمَّاهُمْ نَتْنَى إِمَّا لِرِجْسِهِمُ الْحَاصِلِ مِنْ كُفْرِهِمْ عَلَى التَّمْثِيلِ، أَوْ لِأَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ أَبْدَانُهُمْ وَجِيَفُهُمُ الْمُلْقَاةُ فِي قَلِيبِ بَدْرٍ (لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ) ; أَيْ لِأَجْلِهِ. قَالَ الْقَاضِي: هُوَ مُطْعِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَابْنُ عَمِّ جَدِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ لَهُ يَدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ جَارَهُ حِينَ رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ وَذَبَّ الْمُشْرِكِينَ عَنْهُ، فَأَحَبَّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ حَيًّا فَكَافَأَهُ عَلَيْهَا بِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَرَادَ بِهِ تَطْيِيبَ قَلْبِ ابْنِهِ جُبَيْرٍ وَتَأْلِيفَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، تَعْرِيضٌ بِالتَّعْظِيمِ لِشَأْنِ الرَّسُولِ وَتَحْقِيرِ حَالِ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يُبَالِي بِهِمْ وَبِتَرْكِهِمْ لِمُشْرِكٍ كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ يَدٌ اهـ.
قِيلَ: وَفِيهِ بَيَانُ حَسَنِ الْمُكَافَأَةِ وَجَوَازُ فَرْضِ الْمُحَالِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْمَنِّ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ خِلَافًا لِبَاقِي الْأَئِمَّةِ، وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْلِ شَارِحٍ بِهَذَا لَا يُثْبِتُ الْمَنَّ ; لِأَنَّ (لَوْ) لِامْتِنَاعِ الشَّيْءِ لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ يَعْنِي فَيُفِيدُ امْتِنَاعَ الْمَنِّ، وَلَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى بَصَرٍ بِالْكَلَامِ أَنَّ التَّرْكِيبَ إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَلَّمَهُ لَتَرَكَهُمْ وَصِدْقُهُ وَاجِبٌ، وَهُوَ بِأَنْ يَكُونَ الْمَنُّ جَائِزًا، فَقَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ كَانَ يُطْلِقُهُمْ لَوْ سَأَلَهُمْ ; إِيَّاهُ وَالْإِطْلَاقُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لَا يَثْبُتُ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ جَائِزٌ شَرْعًا، وَكَوْنُهُ لَمْ يَقَعْ لِعَدَمِ وُقُوعِ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ لَا يَنْفِي جَوَازَهُ شَرْعًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ اهـ. فَمَا اشْتُهِرَ عَلَى لِسَانِ الْمَنْطِقِيِّينَ أَنَّ " لَوِ " الشَّرْطِيَّةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ لِلْوُقُوعِ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا وَرَدَ عَلَى لِسَانِ غَيْرِ الشَّارِعِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ; أَيْ عَنْ جُبَيْرٍ، وَقَدْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ وَهُوَ كَافِرٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَ بِهِ عَنْهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي فِدَاءِ أُسَارَى بَدْرٍ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، وَلَمْ أُسْلِمْ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: لَوْ كَانَ مُطْعِمٌ حَيًّا إِلَخْ. وَفِي رِوَايَةٍ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ وَالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ - أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ - أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ.
стр. 5495
٣٩٦٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، «أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا، فَاسْتَحْيَاهُمْ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَعْتَقَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٩٦٦ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ) : أَيْ مِنْ كُفَّارِهِمْ (هَبَطُوا) : أَيْ نَزَلُوا (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) ; أَيْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ (مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ) : فِي الْقَامُوسِ: التَّنْعِيمُ مَوْضِعٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ مِنْ مَكَّةَ أَقْرَبَ أَطْرَافِ الْحِلِّ إِلَى الْبَيْتِ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ عَلَى يَمِينِهِ جَبَلَ نُعَيْمٍ، وَعَلَى يَسَارِهِ جَبَلَ نَاعِمٍ، وَالْوَادِي اسْمُهُ نَعْمَانُ (مُتَسَلِّحِينَ) ; أَيْ حَالَ كَوْنِهِمْ لَابِسِينَ السِّلَاحَ مِنَ الدُّرُوعِ وَغَيْرِهَا (يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ) ، بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ; أَيْ غَفْلَتَهُمْ (فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا، بِكَسْرِ سِينٍ وَيُفْتَحُ مَعَ سُكُونِ اللَّامِ وَبِفَتْحِهِمَا وَبِهِنَّ وَرْدَ التَّنْزِيلُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ وَبِإِسْكَانِ اللَّامِ مَعَ كَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: مَعْنَاهُ الصُّلْحُ. قَالَ الْقَاضِي: هَكَذَا ضَبَطَهُ الْأَكْثَرُونَ. قَالَ: وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَظْهَرُ ; أَيْ أَسَرَهُمْ، وَجَزَمَ الْخَطَّابِيُّ عَلَى فَتْحِ اللَّامِ وَالسِّينِ. قَالَ: وَالْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِسْلَامُ وَالْإِذْعَانُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠] ; أَيْ الِانْقِيَادِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: هُنَا هُوَ الْأَشْبَهُ بِالْقَضِيَّةِ إِنَّهُمْ لَمْ يُؤْخَذُوا صُلْحًا، وَإِنَّمَا أُخِذُوا قَهْرًا وَأَسْلَمُوا أَنْفُسَهُمْ عَجْزًا قَالَ: وَلِلْوَجْهِ الْآخَرِ وَجْهٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُجْرِ مَعَهُمُ الْقِتَالَ بَلْ عَجَزُوا عَنْ دَفْعِهِمْ وَالنَّجَاةِ مِنْهُمْ فَرَضُوا بِالْأَسْرِ كَأَنَّهُمْ قَدْ صُولِحُوا عَلَى ذَلِكَ، (فَاسْتَحْيَاهُمْ) ، ; أَيِ اسْتَبْقَاهُمْ وَتَرَكَهُمْ أَحْيَاءً وَلَمْ يَقْتُلْهُمْ. (وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَعْتَقَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] .
قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا كَانَ سَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أُولَئِكَ وَمُجَازَاتُهُمْ بِالْكَفِّ عَنْهُمْ بَعْدَمَا أَرَادُوا الْغِرَّةَ وَالْفَتْكَ بِهِمْ مِنَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْقَى فِي قُلُوبِهِمُ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ بِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَهَرَهُمْ وَذَبَّهُمْ عَنْهُمْ، لَمْ تَحْصُلِ السَّلَامَةُ، أَسْنَدَ الْفِعْلَيْنِ إِلَيْهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] ; أَيِ الْكَفُّ إِنَّمَا صَدَرَ مِنْهُ تَعَالَى لَا مِنْكُمْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] وَإِنَّمَا فَصَلَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٤] وَعْدًا لَهُمْ بِجَزَاءِ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنَ الْعَفْوِ بَعْدَ الظَّفَرِ جُبْرَانًا لِمَا نُفِيَ عَنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ إِثْبَاتًا لِلْكَسْبِ بَعْدَ نَفْيِ الْقُدْرَةِ. قُلْتُ: الْأَنْسَبُ تَنْظِيرُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] هُنَا وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَذَلِكَ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ: خَرَجَ فِي خَمْسِمِائَةٍ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى جُنْدٍ، فَهَزَمَهُمْ حَتَّى أَدْخَلَهُمْ حِيطَانَ مَكَّةَ، ثُمَّ عَادَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي أَبْزَى. قُلْتُ: وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] وَأَمَّا السَّيِّدُ مَعِينُ الدِّينِ الصَّفْوِيُّ قَالَ: فِيهِ شَيْءٌ، وَكَيْفَ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ بَلْ كَانَ طَلِيعَةً لِلْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، بَلْ هُوَ مَنٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِصُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَحَفِظَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ وَعَنِ الْقِتَالِ بِمَكَّةَ وَهَتْكِ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَمَّا ظَفَرُهُمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ أَنَّ سَبْعِينَ، أَوْ ثَمَانِينَ، أَوْ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مُتَسَلِّحِينَ. . . الْحَدِيثَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ حَجُّ مَكَّةَ، وَاسْتَشْهَدَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَهُوَ ضَعِيفٌ إِذِ السُّورَةُ نَزَلَتْ قَبْلَهُ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ عَبَّرَ عَنِ الْمُضَارِعِ بِالْمَاضِي لِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، فَيَكُونُ وَعْدًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالْمَشْهُورُ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي أَنَّ سَوَادَ الْعِرَاقِ فُتِحَ عَنْوَةً، وَأَنَّ عُمَرَ وَظَّفَ مَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يَقْسِمْهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُمْ بِالْمَنِّ بِوَضْعِ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ. وَتَلَا عُمَرُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، كَبِلَالٍ وَسَلْمَانَ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَدَعَا عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا وَأَصْحَابَهُ. قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: وَلَمْ يَحْمَدُوا وَنَدِمُوا وَرَجَعُوا إِلَى رَأْيِهِ، وَيَدْخُلُ عَلَى أَنَّ قِسْمَةَ الْأَرَاضِي لَيْسَ حَتْمًا أَنَّ مَكَّةَ فُتِحْتَ عَنْوَةً، وَلَمْ يَقْسِمِ النَّبِيُّ ﷺ أَرْضَهَا، وَلِهَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ أَنَّ بِمُجَرَّدِ الْفَتْحِ تَصِيرُ الْأَرْضُ وَقْفًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ أَدْرَى بِالْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ، وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ صُلْحًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، بَلْ عَلَى نَقْضِيهَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: " «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ آمِنٌ» ) وَلَوْ كَانَ صُلْحًا لَأَمِنُوا كُلُّهُمْ بِهِ بِلَا حَاجَةٍ إِلَى ذَلِكَ، وَإِلَى مَا ثَبَتَ مِنْ إِجَازَةِ أُمِّ هَانِئٍ مِنْ إِجَارَتِهِ وَمُدَافَعَتِهَا عَلِيًّا عَمَّنْ أَرَادَ قَتْلَهُ، وَأَمْرِهِ ﵊ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ بَعْدَ دُخُولِهِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَأَظْهَرُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ قَوْلُهُ ﵊ فِي الصَّحِيحَيْنِ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يُسْفَكُ بِهَا دَمٌ» " إِلَى أَنْ قَالَ: " «فَإِنْ أَحَدٌ تَرَبَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ» ". فَقَوْلُهُ: بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5496
٣٩٦٧ - وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فَقَذَفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ وَكَانَ إِذَا أَظْهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهَا، ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ ; أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمَ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَفِي رِوَايَةٍ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَزَادَ الْبُخَارِيُّ قَالَ قَتَادَةُ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنِقْمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا» .
ــ
٣٩٦٧ - (وَعَنْ قَتَادَةَ ﵁ قَالَ ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا) : أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ (مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ) : أَيْ أَشْرَافِهِمْ وَعُظَمَائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمُ الْوَاحِدُ صِنْدِيدٌ وَكُلُّ عَظِيمٍ غَالِبٍ صِنْدِيدٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ الشُّجَاعُ وَالْمُرَادُ هُنَا أَكَابِرُهُمْ (فَقُذِفُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ طُرِحُوا وَرُمُوا (فِي طَوِيٍّ) ; أَيْ بِئْرٍ مَطْوِيَّةٍ بِالْحِجَارَةِ مَحْكَمَةٍ بِهَا (مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ) فِي النِّهَايَةِ هُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَذَلِكَ جَمَعُوهُ عَلَى الْأَطْوَاءِ كَشَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ وَإِنْ كَانَ قَدِ انْتَقَلَ إِلَى الِاسْمِيَّةِ (خَبِيثٍ مُخْبِثٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ; أَيْ فَاسِدٍ مُفْسِدٍ لِمَا يَقَعُ فِيهِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الطَّوِيِّ وَالْقَلِيبِ الْبِئْرِ الَّذِي لَمْ تُطْوَ قُلْتُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّاوِيَ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ حَسِبَ أَنَّ الْبِئْرَ كَانَتْ مَطْوِيَّةً وَكَانَتْ قَلِيبًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَهُمْ أُلْقِيَ فِي طَوِيٍّ وَبَعْضَهُمْ فِي قَلِيبٍ قُلْتُ الْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا أَصِلُهُمَا حَالَةَ الْوَصْفِ، ثُمَّ نَقْلًا إِلَى اسْمِ الْبِئْرِ مُطْلَقًا وَلِذَا قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ الْقَلِيبُ الْبِئْرُ، أَوِ الْعَادِيَّةُ الْقَدِيمَةُ مِنْهَا وَطَوِيٌّ كَغَنِيٍّ بِئْرٌ بِمَكَّةَ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَلَى التَّجْرِيدِ فَإِنَّ الْمَرْسَنَ اسْمٌ لِأَنْفٍ فِيهِ رَسَنٌ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى أَنْفِ الْإِنْسَانِ، وَكَذَا الْمِشْفَرُ وَالْجَحْفَلَةُ اسْمٌ لِشَفْرَةِ الْبَعِيرِ وَالْفَرَسِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِمَا شَفَةُ الْإِنْسَانِ وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي وَجْهٍ ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] (وَكَانَ) ; أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ) ; أَيْ غَلَبَ (أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ) ; أَيْ عَرْصَةِ الْقِتَالِ وَسَاحَتِهِ مِنْ أَرْضِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَرْصَةُ كُلُّ مَوْضِعٍ وَاسِعٍ لَا بِنَاءَ فِيهِ (ثَلَاثَ لَيَالٍ فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ) ; أَيْ مُقِيمًا بِهَا (الْيَوْمَ الثَّالِثَ) بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ ; أَيْ فَلَمَّا وَقَعَ، أَوْ مَضَى، أَوْ وُجِدَ، أَوْ تَمَّ بِبَدْرٍ الْيَوْمُ الثَّالِثُ (أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ) ; أَيْ بِشَدِّهَا (فَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهَا) ; أَيْ قَتَبَهَا (ثَمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ) بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ ; أَيْ وَتَبِعَهُ وَلَحِقَهُ (أَصْحَابُهُ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَيُكْسَرُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ ; أَيْ حَافَّةِ الْبِئْرِ الَّتِي فِيهَا صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ (فَجَعَلَ) ; أَيْ شَرَعَ وَطَفِقَ (يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ) ; أَيْ لِلتَّمْيِيزِ (يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ) بِفَتْحِ نُونِ فُلَانٍ وَضَمِّهَا وَبِنَصْبِ ابْنٍ كَمَا سَبَقَ (وَيَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ) ; أَيْ نَادَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ قَالَ خِطَابًا لِلْجَمِيعِ (أَيَسُرُّكُمْ) بِضَمِّ السِّينِ ; أَيْ يُوقِعُكُمْ فِي السُّرُورِ وَيُعْجِبُكُمْ (أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا) ; أَيْ ثَابِتًا مِنْ غَلَبَتِنَا عَلَيْكُمْ (فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا) ; أَيْ مِنَ الْعَذَابِ فَهَذَا سُؤَالُ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ لَهُمْ قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ هَلْ تَتَمَنَّوْنَ أَنْ تَكُونُوا مُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا وَصَلْتُمْ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ قُلْتُ فَالْهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَتَحْزَنُونَ وَتَتَحَسَّرُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَمْ لَا وَتَذْكُرُونَ قَوْلَنَا لَكُمْ إِنَّ اللَّهَ سَيُظْهِرُ دِينَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَيَنْصُرُ أَوْلِيَاءَهُ وَيَخْذُلُ أَعْدَاءَهُ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا (فَقَالَ عُمَرُ يَا رُسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمَ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا) " مَا " مُبْتَدَأٌ بِمَعْنَى الَّذِينَ وَ " مِنْ " بَيَانُ مَا وَ " لَا أَرْوَاحَ لَهَا " خَبَرُهُ ; أَيْ مَنْ تَكَلَّمُ مَعَهُمْ أَشْبَاحٌ بِلَا أَرْوَاحٍ فَكَيْفَ يُجِيبُونَكَ وَقِيلَ مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَمِنْ زَائِدَةٍ قَالَ الطِّيبِيُّ: عَلَى الثَّانِي فِيهِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ ; لِأَنَّ فِي الِاسْتِفْهَامِ مَعْنَى النَّفْيِ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيِ الَّذِينَ تُكَلِّمُهُمْ لَا يَسْمَعُونَ كَلَامَكَ، أَوْ مِنْ زَائِدَةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ وَأَجْسَادٍ خَبَرٌ لَهُ اهـ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تُكَلِّمُ بِمَعْنَى تَسْأَلُ وَمِنْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ كَلِمَةِ مَا اسْتِفْهَامِيَّةً (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ) مُتَعَلِّقٍ بِأَسْمَعَ (وَفِي رِوَايَةٍ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ) وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْمَازِرِيُّ قِيلَ: إِنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ خَاصٌّ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ وَرَدَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي وَقَالَ يُحْمَلُ سَمَاعُهُمْ عَلَى مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ سَمَاعُ الْمَوْتَى فِي أَحَادِيثِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَتِهِ الَّتِي لَا مَدْفَعَ لَهَا وَذَلِكَ بِإِحْيَائِهِمْ، أَوْ إِحْيَاءِ أَجْزَاءٍ مِنْهُمْ يُعَلَّقُونَ بِهِ وَيَسْمَعُونَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ اللَّهُ قَالَ الشَّيْخَ: هَذَا هُوَ
стр. 5497
الْمُخْتَارُ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: أَعْلَمُ أَنَّ أَكْثَرَ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَسْمَعُ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ فَكَلَّمَهُ مَيِّتًا لَا يَحْنَثُ ; لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى مَا يُجِيبُ بِفَهْمِ السَّمَاعِ كَمَا قَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ فَأَكَلَ السَّمَكَ مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالِي سَمَّاهُ لَحْمًا طَرِيًّا قَالَ: وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَارَةً بِأَنَّهُ مَرْدُودٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَيْفَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ؟ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] ، ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] أَقُولُ: وَالْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَرْدُودًا لَاسِيَّمَا وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُرْآنِ فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْمَوْتَى الْكُفَّارُ وَالنَّفْيُ مُنْصَبٌّ عَلَى نَفْيِ النَّفْعِ لَا عَلَى مُطْلَقِ السَّمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] ، أَوْ عَلَى نَفْيِ الْجَوَابِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى السَّمْعِ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] وَهُمْ مِثْلُهُمْ لَمَّا سَدُّوا عَنِ الْحَقِّ مَشَاعِرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ ; أَيْ هِدَايَتَهُ فَيُوَفِّقُهُ لِفَهْمِ ; آيَاتِهِ وَالِاتِّعَاظِ بِعِظَاتِهِ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] تَرْشِيحٌ لِتَمْثِيلِ الْمُصِرِّينَ عَلَى الْكُفْرِ بِالْأَمْوَاتِ وَمُبَالَغَةٌ فِي إِقْنَاطِهِ عَنْهُمْ اهـ. فَالْآيَةُ مِنْ قَبِيلِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ، ثُمَّ قَالَ وَتَارَةً بِأَنَّ تِلْكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ ﷺ مُعْجِزَةٌ وَزِيَادَةُ حَسْرَةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ أَقُولُ وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ الْآتِي وَيَرُدُّهُ أَنَّ الِاخْتِصَاصَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا بَلِ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ يُنَافِيَانِهِ قَالَ وَتَارَةً بِأَنَّهُ مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ أَقُولُ وَيَدْفَعُهُ جَوَابُهُ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِمْ خَبَرُ مُسْلِمٍ «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا» اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَخُصُّوا ذَلِكَ بِأَوَّلِ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ مُقَدِّمَةً لِلسُّؤَالِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآيَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا يُفِيدَانِ تَحَقُّقِ عَدَمِ سَمَاعِهِمْ فَإِنَّهُ تَعَالَى شَبَّهَ الْكُفَّارَ بِالْمَوْتَى لِإِفَادَةِ بُعْدِ سَمَاعِهِمْ وَهُوَ نَوْعُ عَدَمِ سَمَاعِ الْمَوْتَى اهـ. وَهُوَ كَمَا تَرَى فِيهِ نَوْعُ نَقْضٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ جَمْعٌ مَعَ أَنَّ مَا وَرَدَ مِنَ السَّلَامِ عَلَى الْمَوْتَى يُرَدُّ عَلَى التَّخْصِيصِ بِأَوَّلِ أَحْوَالِ الدَّفْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَزَادَ الْبُخَارِيُّ قَالَ قَتَادَةُ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا) ; أَيْ تَحْقِيرًا (وَنِقْمَةً) ; أَيِ انْتِقَامًا (وَحَسْرَةً وَنَدَمًا) ; أَيْ تَحْسِيرًا وَتَنْدِيمًا وَكَانَ الْمَازِرِيُّ أَخَذَ الِاخْتِصَاصَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي شَرْحِ الصُّدُورِ فِي أَحْوَالِ الْقُبُورِ.
стр. 5498
٣٩٦٨ - وَعَنْ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ فَقَالَ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُوا تَائِبِينَ وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ ; إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَنْ يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٩٦٨ - (وَعَنْ مَرْوَانَ ﵁ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ هُوَ ابْنُ الْحَكَمِ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ جَدُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِيلَ سَنَةَ اثْنَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ وَقِيلَ عَامَ الْخَنْدَقِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَبَاهُ إِلَى الطَّائِفِ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى وَلِيَ عُثْمَانُ فَرَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَدِمَهَا وَابْنُهُ مَعَهُ مَاتَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ رَوَى عَنْ نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَعَنْهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (وَالْمِسْوَرِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ (ابْنِ مَخْرَمَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ بَيْنَهُمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ هُوَ زُهْرِيٌّ قُرَشِيٌّ ابْنُ أُخْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وُلِدَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ وَقُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَهُ ثَمَانِ سِنِينَ وَجَمَعَ مِنْهُ وَحَفِظَ عَنْهُ وَكَانَ فَقِيهًا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ لَمْ يَزَلْ بِالْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ فَانْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَكَرِهَ بَيْعَةَ يَزِيدَ فَتَمَّ مُقِيمًا بِمَكَّةَ إِلَى أَنْ بَعَثَ يَزِيدُ عَسْكَرَهُ وَحَاصَرَ مَكَّةَ وَبِهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَأَصَابَ الْمِسْوَرَ حَجَرٌ مِنْ حِجَارَةِ الْمَنْجَنِيقِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْحِجْرِ فَقَتَلَهُ. وَذَلِكَ فِي مُسْتَهَلِّ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ) كَذَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ وَشَرْحِ السُّنَّةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ فَالْمَعْنَى قَامَ وَاعِظًا وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ قَالَ (حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ) قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ (مُسْلِمِينَ) ; أَيْ بَعْدَ أَنْ أَغَارُوا مَالَهُمْ وَأَسَرُوَا ذُرِّيَّتَهُمْ وَقَسَمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ (فَسَأَلُوهُ) ; أَيْ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ (أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ) قِيلَ كَانَ السَّبْيُ سَبْعَةَ آلَافٍ (فَقَالَ اخْتَارُوا) أَمْرٌ مِنْ الِاخْتِيَارِ وَالْفَاءُ جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ إِذَا جِئْتُمْ مُسْلِمِينَ فَاخْتَارُوا (إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ) قَالَ الطِّيبِيُّ جَعَلَ الْمَالَ طَائِفَةً إِمَّا عَلَى الْمَجَازِ، أَوْ عَلَى التَّغْلِيبِ قُلْتُ، أَوْ عَلَى الْمُشَاكَلَةِ لَكِنْ فِي الْقَامُوسِ الطَّائِفَةُ مِنَ الشَّيْءِ الْقِطْعَةُ مِنْهُ، أَوِ الْوَاحِدُ فَصَاعِدًا، أَوْ إِلَى الْأَلْفِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الطَّائِفَةُ مِنَ الشَّيْءِ قِطْعَةٌ مِنْهُ فَلَا مَجَازَ وَيُؤَيِّدُهُ كَلَامُ الرَّاغِبِ الطَّوَّافِ الْمَشْيُ حَوْلَ الشَّيْءِ وَمِنْهُ الطَّائِفُ لِمَنْ يَدُورُ حَوْلَ الْبَيْتِ وَمِنْهُ اسْتُعِيرَ الطَّائِفُ لِلْخَيَالِ وَالْحَادِثَةِ وَغَيْرِهَا وَالطَّائِفَةُ مِنَ النَّاسِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ وَمِنَ الشَّيْءِ الْقِطْعَةُ مِنْهُ
стр. 5499
(قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا) فَإِنَّهُ أَعَزُّ مِنَ الْمَالِ مَعَ أَنَّ فِي سَبْيِهِمُ الْعَارَ وَمِنْ أَمْثَالِهِمُ النَّارَ وَلَا الْعَارَ (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ; أَيْ خَطِيبًا وَاعِظًا وَلَعَلَّ إِعَادَتَهُ لِطُولِ الْفَصْلِ (فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ) ; أَيْ بِمَا يَلِيقُ لِجَمَالِهِ وَكَمَالِهِ (ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ) ; أَيْ بَعْدَ الثَّنَاءِ الْجَمِيلِ وَالْحَمْدِ الْجَزِيلِ (فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ) ; أَيْ فِي الدِّينِ، أَوْ فِي النَّسَبِ (جَاءُوا تَائِبِينَ) ; أَيْ مِنَ الشِّرْكِ رَاجِعِينَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ مُسْلِمِينَ مُنْقَادِينَ (وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ) مِنَ الرَّأْيِ (أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ) ; أَيْ جَمِيعَهُ إِلَيْهِمْ (فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ) ; أَيِ السَّبْيَ يَعْنِي رَدَّهُ قَالَ مِيرَكُ نَاقِلًا عَنِ الشَّيْخِ هُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ ; أَيْ يُعْطِيَهُ عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ (فَلْيَفْعَلْ) وَقَالَ الطِّيبِيُّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الرَّأْيِ وَهُوَ رَدُّ السَّبْيِ وَالْمَعْنَى مَنْ يُطَيِّبُ عَلَى نَفْسِهِ الرَّدَّ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنْ يَطِيبَ بِالتَّخْفِيفِ (وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ) ; أَيْ نَصِيبِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَدُومَ عَلَى حَظِّهِ لِأَجْلِهِ فَيَتَرَقَّبَ (حَتَّى نُعْطِيَهُ ; إِيَّاهُ) ; أَيْ عِوَضَهُ (مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا) مِنَ الْإِفَاءَةِ (فَلْيَفْعَلْ) وَالْفَيْءُ مَا أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ الْحَرْبِ كَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ (فَقَالَ النَّاسُ) ; أَيْ بَعْضُهُمْ مِمَّا بَيْنَهُمْ، أَوْ كُلُّهُمْ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ (قَدْ طَيَّبْنَا) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْبَاءِ (ذَلِكَ) ; أَيِ الرَّدَّ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّا لَا نَدْرِي) : أَيْ بِطَرِيقِ الِاسْتِغْرَاقِ (مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ) ; أَيْ رَضِيَ ذَلِكَ الرَّدَّ (مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ) ; أَيْ لَمْ يَرْضَ، أَوْ مَنْ أَذِنَ لَنَا مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ قَالَ الْمُظْهِرُ وَإِنَّمَا اسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّحَابَةَ فِي رَدِّ سَبْيِهِمْ ; لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ صَارَ مِلْكًا لِلْمُجَاهِدِينَ وَلَا يَجُوزُ رَدُّ مَا مَلَكُوا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ (فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ عُرَفَاؤُكُمْ) ; أَيْ رُؤَسَاؤُكُمْ وَنُقَبَاؤُكُمْ (أَمْرَكُمْ) ; أَيْ تَفْصِيلَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ حَتَّى هَاهُنَا غَيْرُ حَتَّى السَّابِقَةِ ; لِأَنَّ الْأُولَى مَا بَعْدَهَا الْمُسْتَقْبَلُ وَهِيَ بِمَعْنَى كَيْ وَهَذِهِ مَا بَعْدَهَا فِي مَعْنَى الْحَالِ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا كَقَوْلِهِمْ شَرِبَتِ الْإِبِلُ حَتَّى يَجِيءَ الْبَعِيرُ (فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا) ; أَيْ عُرَفَاؤُهُمْ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ) ; أَيِ النَّاسَ كُلَّهُمْ (قَدْ طَيَّبُوا) ; أَيْ ذَلِكَ الرَّدَّ (وَأَذِنُوا) ; أَيْ بِالرَّدِّ إِلَيْهِمْ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5500
٣٩٦٩ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «كَانَ ثَقِيفٌ حَلِيفًا لِبَنِي عُقَيْلٍ فَأَسَرَتْ ثَقِيفٌ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ فَأَوْثَقُوهُ فَطَرَحُوهُ فِي الْحَرَّةِ فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَادَاهُ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ أُخِذْتُ قَالَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكُمْ ثَقِيفٍ فَتَرَكَهُ وَمَضَى فَنَادَاهُ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ فَرَحِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعَ وَقَالَ مَا شَأْنُكَ قَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ فَقَالَ لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ قَالَ فَفَدَاهُ رَسُولُ ﷺ بِالرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسَرَتْهُمَا ثَقِيفٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٩٦٩ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ بِالتَّصْغِيرِ (قَالَ كَانَ ثَقِيفٌ) بِالتَّنْوِينِ وَفِي نُسْخَةٍ بِتَرْكِهِ وَهُوَ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ كَأَمِيرٍ، أَوْ قَبِيلَةٌ مِنْ هَوَازِنَ (حَلِيفًا لِبَنِي عُقَيْلٍ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ عَلَى صِيغَةِ الْمُصَغَّرِ قَبِيلَةٌ كَانُوا حُلَفَاءَ ثَقِيفٍ (فَأَسَرَتْ ثَقِيفٌ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ( ﷺ وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ) ; أَيْ عِوَضًا مِنَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَخَذَهُمَا ثَقِيفٌ وَكَانَ عَادَتُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الْحَلِيفَ بِجُرْمِ حَلِيفِهِ فَفَعَلَ ﷺ هَذَا الصَّنِيعَ عَلَى عَادَتِهِمْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (فَأَوْثَقُوهُ) ; أَيْ شَدُّوهُ بِالْوِثَاقِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْوَاوِ مَا يَشُدُّ بِهِ وَيُوثَقُ (فَطَرَحُوهُ فِي الْحَرَّةِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَرْضٌ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ بِهَا حِجَارَةٌ سُودٌ (فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَادَاهُ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ) بِالْيَاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُوَحَّدَةِ وَحُذِفَتْ أَلِفُ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ بَعْدَ دُخُولِ حَرْفِ الْجَرِّ ; أَيْ لِأَيِّ شَيْءٍ (أُخِذْتُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ أُسِرْتُ وَأُوثِقْتُ (قَالَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكُمْ ثَقِيفٍ) بَدَلٌ وَالْجَرِيرَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى الْجِنَايَةُ وَالذَّنْبُ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ ثَقِيفٍ مُوَادَعَةٌ فَلَمَّا نَقَضُوهَا وَلَمْ تُنْكِرْ عَلَيْهِمْ بَنُو عُقَيْلٍ وَكَانُوا مَعَهُمْ فِي الْعَهْدِ صَارُوا مِثْلَهُمْ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ فَأَخَذُوهُ بِجَرِيرَتِهِمْ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أُخِذْتَ لِنَدْفَعَ بِكَ جَرِيرَةَ حُلَفَائِكُمْ مِنْ ثَقِيفٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَدَى بَعْدُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسَرَتْهُمَا ثَقِيفٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (فَتَرَكَهُ وَمَضَى فَنَادَاهُ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ) مَرَّتَيْنِ (فَرَحِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (فَرَجَعَ) ; أَيْ إِلَيْهِ
следующие страницы →