Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
٣٩٦٧ - وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فَقَذَفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ وَكَانَ إِذَا أَظْهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهَا، ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ ; أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمَ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَفِي رِوَايَةٍ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَزَادَ الْبُخَارِيُّ قَالَ قَتَادَةُ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنِقْمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا» .
ــ
٣٩٦٧ - (وَعَنْ قَتَادَةَ ﵁ قَالَ ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا) : أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ (مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ) : أَيْ أَشْرَافِهِمْ وَعُظَمَائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمُ الْوَاحِدُ صِنْدِيدٌ وَكُلُّ عَظِيمٍ غَالِبٍ صِنْدِيدٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ الشُّجَاعُ وَالْمُرَادُ هُنَا أَكَابِرُهُمْ (فَقُذِفُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ طُرِحُوا وَرُمُوا (فِي طَوِيٍّ) ; أَيْ بِئْرٍ مَطْوِيَّةٍ بِالْحِجَارَةِ مَحْكَمَةٍ بِهَا (مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ) فِي النِّهَايَةِ هُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَذَلِكَ جَمَعُوهُ عَلَى الْأَطْوَاءِ كَشَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ وَإِنْ كَانَ قَدِ انْتَقَلَ إِلَى الِاسْمِيَّةِ (خَبِيثٍ مُخْبِثٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ; أَيْ فَاسِدٍ مُفْسِدٍ لِمَا يَقَعُ فِيهِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الطَّوِيِّ وَالْقَلِيبِ الْبِئْرِ الَّذِي لَمْ تُطْوَ قُلْتُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّاوِيَ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ حَسِبَ أَنَّ الْبِئْرَ كَانَتْ مَطْوِيَّةً وَكَانَتْ قَلِيبًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَهُمْ أُلْقِيَ فِي طَوِيٍّ وَبَعْضَهُمْ فِي قَلِيبٍ قُلْتُ الْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا أَصِلُهُمَا حَالَةَ الْوَصْفِ، ثُمَّ نَقْلًا إِلَى اسْمِ الْبِئْرِ مُطْلَقًا وَلِذَا قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ الْقَلِيبُ الْبِئْرُ، أَوِ الْعَادِيَّةُ الْقَدِيمَةُ مِنْهَا وَطَوِيٌّ كَغَنِيٍّ بِئْرٌ بِمَكَّةَ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَلَى التَّجْرِيدِ فَإِنَّ الْمَرْسَنَ اسْمٌ لِأَنْفٍ فِيهِ رَسَنٌ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى أَنْفِ الْإِنْسَانِ، وَكَذَا الْمِشْفَرُ وَالْجَحْفَلَةُ اسْمٌ لِشَفْرَةِ الْبَعِيرِ وَالْفَرَسِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِمَا شَفَةُ الْإِنْسَانِ وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي وَجْهٍ ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] (وَكَانَ) ; أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ) ; أَيْ غَلَبَ (أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ) ; أَيْ عَرْصَةِ الْقِتَالِ وَسَاحَتِهِ مِنْ أَرْضِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْعَرْصَةُ كُلُّ مَوْضِعٍ وَاسِعٍ لَا بِنَاءَ فِيهِ (ثَلَاثَ لَيَالٍ فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ) ; أَيْ مُقِيمًا بِهَا (الْيَوْمَ الثَّالِثَ) بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ ; أَيْ فَلَمَّا وَقَعَ، أَوْ مَضَى، أَوْ وُجِدَ، أَوْ تَمَّ بِبَدْرٍ الْيَوْمُ الثَّالِثُ (أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ) ; أَيْ بِشَدِّهَا (فَشَدَّ عَلَيْهَا رَحْلَهَا) ; أَيْ قَتَبَهَا (ثَمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ) بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ ; أَيْ وَتَبِعَهُ وَلَحِقَهُ (أَصْحَابُهُ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَيُكْسَرُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ ; أَيْ حَافَّةِ الْبِئْرِ الَّتِي فِيهَا صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ (فَجَعَلَ) ; أَيْ شَرَعَ وَطَفِقَ (يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ) ; أَيْ لِلتَّمْيِيزِ (يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ) بِفَتْحِ نُونِ فُلَانٍ وَضَمِّهَا وَبِنَصْبِ ابْنٍ كَمَا سَبَقَ (وَيَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ) ; أَيْ نَادَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ قَالَ خِطَابًا لِلْجَمِيعِ (أَيَسُرُّكُمْ) بِضَمِّ السِّينِ ; أَيْ يُوقِعُكُمْ فِي السُّرُورِ وَيُعْجِبُكُمْ (أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا) ; أَيْ ثَابِتًا مِنْ غَلَبَتِنَا عَلَيْكُمْ (فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا) ; أَيْ مِنَ الْعَذَابِ فَهَذَا سُؤَالُ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ لَهُمْ قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ هَلْ تَتَمَنَّوْنَ أَنْ تَكُونُوا مُسْلِمِينَ بَعْدَ مَا وَصَلْتُمْ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ قُلْتُ فَالْهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَتَحْزَنُونَ وَتَتَحَسَّرُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَمْ لَا وَتَذْكُرُونَ قَوْلَنَا لَكُمْ إِنَّ اللَّهَ سَيُظْهِرُ دِينَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَيَنْصُرُ أَوْلِيَاءَهُ وَيَخْذُلُ أَعْدَاءَهُ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا (فَقَالَ عُمَرُ يَا رُسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمَ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا) " مَا " مُبْتَدَأٌ بِمَعْنَى الَّذِينَ وَ " مِنْ " بَيَانُ مَا وَ " لَا أَرْوَاحَ لَهَا " خَبَرُهُ ; أَيْ مَنْ تَكَلَّمُ مَعَهُمْ أَشْبَاحٌ بِلَا أَرْوَاحٍ فَكَيْفَ يُجِيبُونَكَ وَقِيلَ مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَمِنْ زَائِدَةٍ قَالَ الطِّيبِيُّ: عَلَى الثَّانِي فِيهِ مَعْنَى الْإِنْكَارِ ; لِأَنَّ فِي الِاسْتِفْهَامِ مَعْنَى النَّفْيِ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيِ الَّذِينَ تُكَلِّمُهُمْ لَا يَسْمَعُونَ كَلَامَكَ، أَوْ مِنْ زَائِدَةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ وَأَجْسَادٍ خَبَرٌ لَهُ اهـ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تُكَلِّمُ بِمَعْنَى تَسْأَلُ وَمِنْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ كَلِمَةِ مَا اسْتِفْهَامِيَّةً (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ) مُتَعَلِّقٍ بِأَسْمَعَ (وَفِي رِوَايَةٍ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ) وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْمَازِرِيُّ قِيلَ: إِنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ خَاصٌّ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ وَرَدَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي وَقَالَ يُحْمَلُ سَمَاعُهُمْ عَلَى مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ سَمَاعُ الْمَوْتَى فِي أَحَادِيثِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَتِهِ الَّتِي لَا مَدْفَعَ لَهَا وَذَلِكَ بِإِحْيَائِهِمْ، أَوْ إِحْيَاءِ أَجْزَاءٍ مِنْهُمْ يُعَلَّقُونَ بِهِ وَيَسْمَعُونَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ اللَّهُ قَالَ الشَّيْخَ: هَذَا هُوَ
стр. 5497
الْمُخْتَارُ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: أَعْلَمُ أَنَّ أَكْثَرَ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَسْمَعُ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ فَكَلَّمَهُ مَيِّتًا لَا يَحْنَثُ ; لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى مَا يُجِيبُ بِفَهْمِ السَّمَاعِ كَمَا قَالُوا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ فَأَكَلَ السَّمَكَ مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالِي سَمَّاهُ لَحْمًا طَرِيًّا قَالَ: وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَارَةً بِأَنَّهُ مَرْدُودٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَيْفَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ؟ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] ، ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] أَقُولُ: وَالْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَرْدُودًا لَاسِيَّمَا وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُرْآنِ فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْمَوْتَى الْكُفَّارُ وَالنَّفْيُ مُنْصَبٌّ عَلَى نَفْيِ النَّفْعِ لَا عَلَى مُطْلَقِ السَّمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] ، أَوْ عَلَى نَفْيِ الْجَوَابِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى السَّمْعِ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] وَهُمْ مِثْلُهُمْ لَمَّا سَدُّوا عَنِ الْحَقِّ مَشَاعِرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ ; أَيْ هِدَايَتَهُ فَيُوَفِّقُهُ لِفَهْمِ ; آيَاتِهِ وَالِاتِّعَاظِ بِعِظَاتِهِ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] تَرْشِيحٌ لِتَمْثِيلِ الْمُصِرِّينَ عَلَى الْكُفْرِ بِالْأَمْوَاتِ وَمُبَالَغَةٌ فِي إِقْنَاطِهِ عَنْهُمْ اهـ. فَالْآيَةُ مِنْ قَبِيلِ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ، ثُمَّ قَالَ وَتَارَةً بِأَنَّ تِلْكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ ﷺ مُعْجِزَةٌ وَزِيَادَةُ حَسْرَةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ أَقُولُ وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ الْآتِي وَيَرُدُّهُ أَنَّ الِاخْتِصَاصَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا بَلِ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ يُنَافِيَانِهِ قَالَ وَتَارَةً بِأَنَّهُ مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ أَقُولُ وَيَدْفَعُهُ جَوَابُهُ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِمْ خَبَرُ مُسْلِمٍ «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوا» اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَخُصُّوا ذَلِكَ بِأَوَّلِ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ مُقَدِّمَةً لِلسُّؤَالِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآيَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا يُفِيدَانِ تَحَقُّقِ عَدَمِ سَمَاعِهِمْ فَإِنَّهُ تَعَالَى شَبَّهَ الْكُفَّارَ بِالْمَوْتَى لِإِفَادَةِ بُعْدِ سَمَاعِهِمْ وَهُوَ نَوْعُ عَدَمِ سَمَاعِ الْمَوْتَى اهـ. وَهُوَ كَمَا تَرَى فِيهِ نَوْعُ نَقْضٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ جَمْعٌ مَعَ أَنَّ مَا وَرَدَ مِنَ السَّلَامِ عَلَى الْمَوْتَى يُرَدُّ عَلَى التَّخْصِيصِ بِأَوَّلِ أَحْوَالِ الدَّفْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَزَادَ الْبُخَارِيُّ قَالَ قَتَادَةُ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا) ; أَيْ تَحْقِيرًا (وَنِقْمَةً) ; أَيِ انْتِقَامًا (وَحَسْرَةً وَنَدَمًا) ; أَيْ تَحْسِيرًا وَتَنْدِيمًا وَكَانَ الْمَازِرِيُّ أَخَذَ الِاخْتِصَاصَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي شَرْحِ الصُّدُورِ فِي أَحْوَالِ الْقُبُورِ.
стр. 5498
٣٩٦٨ - وَعَنْ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ فَقَالَ فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُوا تَائِبِينَ وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ ; إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَنْ يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٣٩٦٨ - (وَعَنْ مَرْوَانَ ﵁ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ هُوَ ابْنُ الْحَكَمِ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ جَدُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِيلَ سَنَةَ اثْنَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ وَقِيلَ عَامَ الْخَنْدَقِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَبَاهُ إِلَى الطَّائِفِ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى وَلِيَ عُثْمَانُ فَرَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَدِمَهَا وَابْنُهُ مَعَهُ مَاتَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ رَوَى عَنْ نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَعَنْهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (وَالْمِسْوَرِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ (ابْنِ مَخْرَمَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ بَيْنَهُمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ هُوَ زُهْرِيٌّ قُرَشِيٌّ ابْنُ أُخْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وُلِدَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ وَقُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَهُ ثَمَانِ سِنِينَ وَجَمَعَ مِنْهُ وَحَفِظَ عَنْهُ وَكَانَ فَقِيهًا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ لَمْ يَزَلْ بِالْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ فَانْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَكَرِهَ بَيْعَةَ يَزِيدَ فَتَمَّ مُقِيمًا بِمَكَّةَ إِلَى أَنْ بَعَثَ يَزِيدُ عَسْكَرَهُ وَحَاصَرَ مَكَّةَ وَبِهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَأَصَابَ الْمِسْوَرَ حَجَرٌ مِنْ حِجَارَةِ الْمَنْجَنِيقِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْحِجْرِ فَقَتَلَهُ. وَذَلِكَ فِي مُسْتَهَلِّ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ) كَذَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَجَامِعِ الْأُصُولِ وَشَرْحِ السُّنَّةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ فَالْمَعْنَى قَامَ وَاعِظًا وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ قَالَ (حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ) قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ (مُسْلِمِينَ) ; أَيْ بَعْدَ أَنْ أَغَارُوا مَالَهُمْ وَأَسَرُوَا ذُرِّيَّتَهُمْ وَقَسَمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ (فَسَأَلُوهُ) ; أَيْ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ (أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ) قِيلَ كَانَ السَّبْيُ سَبْعَةَ آلَافٍ (فَقَالَ اخْتَارُوا) أَمْرٌ مِنْ الِاخْتِيَارِ وَالْفَاءُ جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ إِذَا جِئْتُمْ مُسْلِمِينَ فَاخْتَارُوا (إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ) قَالَ الطِّيبِيُّ جَعَلَ الْمَالَ طَائِفَةً إِمَّا عَلَى الْمَجَازِ، أَوْ عَلَى التَّغْلِيبِ قُلْتُ، أَوْ عَلَى الْمُشَاكَلَةِ لَكِنْ فِي الْقَامُوسِ الطَّائِفَةُ مِنَ الشَّيْءِ الْقِطْعَةُ مِنْهُ، أَوِ الْوَاحِدُ فَصَاعِدًا، أَوْ إِلَى الْأَلْفِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الطَّائِفَةُ مِنَ الشَّيْءِ قِطْعَةٌ مِنْهُ فَلَا مَجَازَ وَيُؤَيِّدُهُ كَلَامُ الرَّاغِبِ الطَّوَّافِ الْمَشْيُ حَوْلَ الشَّيْءِ وَمِنْهُ الطَّائِفُ لِمَنْ يَدُورُ حَوْلَ الْبَيْتِ وَمِنْهُ اسْتُعِيرَ الطَّائِفُ لِلْخَيَالِ وَالْحَادِثَةِ وَغَيْرِهَا وَالطَّائِفَةُ مِنَ النَّاسِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ وَمِنَ الشَّيْءِ الْقِطْعَةُ مِنْهُ
стр. 5499
(قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا) فَإِنَّهُ أَعَزُّ مِنَ الْمَالِ مَعَ أَنَّ فِي سَبْيِهِمُ الْعَارَ وَمِنْ أَمْثَالِهِمُ النَّارَ وَلَا الْعَارَ (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ; أَيْ خَطِيبًا وَاعِظًا وَلَعَلَّ إِعَادَتَهُ لِطُولِ الْفَصْلِ (فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ) ; أَيْ بِمَا يَلِيقُ لِجَمَالِهِ وَكَمَالِهِ (ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ) ; أَيْ بَعْدَ الثَّنَاءِ الْجَمِيلِ وَالْحَمْدِ الْجَزِيلِ (فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ) ; أَيْ فِي الدِّينِ، أَوْ فِي النَّسَبِ (جَاءُوا تَائِبِينَ) ; أَيْ مِنَ الشِّرْكِ رَاجِعِينَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ مُسْلِمِينَ مُنْقَادِينَ (وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ) مِنَ الرَّأْيِ (أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ) ; أَيْ جَمِيعَهُ إِلَيْهِمْ (فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ) ; أَيِ السَّبْيَ يَعْنِي رَدَّهُ قَالَ مِيرَكُ نَاقِلًا عَنِ الشَّيْخِ هُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ ; أَيْ يُعْطِيَهُ عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ (فَلْيَفْعَلْ) وَقَالَ الطِّيبِيُّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الرَّأْيِ وَهُوَ رَدُّ السَّبْيِ وَالْمَعْنَى مَنْ يُطَيِّبُ عَلَى نَفْسِهِ الرَّدَّ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنْ يَطِيبَ بِالتَّخْفِيفِ (وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ) ; أَيْ نَصِيبِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَدُومَ عَلَى حَظِّهِ لِأَجْلِهِ فَيَتَرَقَّبَ (حَتَّى نُعْطِيَهُ ; إِيَّاهُ) ; أَيْ عِوَضَهُ (مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا) مِنَ الْإِفَاءَةِ (فَلْيَفْعَلْ) وَالْفَيْءُ مَا أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ الْحَرْبِ كَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ (فَقَالَ النَّاسُ) ; أَيْ بَعْضُهُمْ مِمَّا بَيْنَهُمْ، أَوْ كُلُّهُمْ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ (قَدْ طَيَّبْنَا) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْبَاءِ (ذَلِكَ) ; أَيِ الرَّدَّ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّا لَا نَدْرِي) : أَيْ بِطَرِيقِ الِاسْتِغْرَاقِ (مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ) ; أَيْ رَضِيَ ذَلِكَ الرَّدَّ (مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ) ; أَيْ لَمْ يَرْضَ، أَوْ مَنْ أَذِنَ لَنَا مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ قَالَ الْمُظْهِرُ وَإِنَّمَا اسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّحَابَةَ فِي رَدِّ سَبْيِهِمْ ; لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ صَارَ مِلْكًا لِلْمُجَاهِدِينَ وَلَا يَجُوزُ رَدُّ مَا مَلَكُوا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ (فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ عُرَفَاؤُكُمْ) ; أَيْ رُؤَسَاؤُكُمْ وَنُقَبَاؤُكُمْ (أَمْرَكُمْ) ; أَيْ تَفْصِيلَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ حَتَّى هَاهُنَا غَيْرُ حَتَّى السَّابِقَةِ ; لِأَنَّ الْأُولَى مَا بَعْدَهَا الْمُسْتَقْبَلُ وَهِيَ بِمَعْنَى كَيْ وَهَذِهِ مَا بَعْدَهَا فِي مَعْنَى الْحَالِ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا كَقَوْلِهِمْ شَرِبَتِ الْإِبِلُ حَتَّى يَجِيءَ الْبَعِيرُ (فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا) ; أَيْ عُرَفَاؤُهُمْ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ) ; أَيِ النَّاسَ كُلَّهُمْ (قَدْ طَيَّبُوا) ; أَيْ ذَلِكَ الرَّدَّ (وَأَذِنُوا) ; أَيْ بِالرَّدِّ إِلَيْهِمْ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5500
٣٩٦٩ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «كَانَ ثَقِيفٌ حَلِيفًا لِبَنِي عُقَيْلٍ فَأَسَرَتْ ثَقِيفٌ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ فَأَوْثَقُوهُ فَطَرَحُوهُ فِي الْحَرَّةِ فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَادَاهُ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ أُخِذْتُ قَالَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكُمْ ثَقِيفٍ فَتَرَكَهُ وَمَضَى فَنَادَاهُ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ فَرَحِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعَ وَقَالَ مَا شَأْنُكَ قَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ فَقَالَ لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ قَالَ فَفَدَاهُ رَسُولُ ﷺ بِالرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسَرَتْهُمَا ثَقِيفٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٩٦٩ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ بِالتَّصْغِيرِ (قَالَ كَانَ ثَقِيفٌ) بِالتَّنْوِينِ وَفِي نُسْخَةٍ بِتَرْكِهِ وَهُوَ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ كَأَمِيرٍ، أَوْ قَبِيلَةٌ مِنْ هَوَازِنَ (حَلِيفًا لِبَنِي عُقَيْلٍ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ عَلَى صِيغَةِ الْمُصَغَّرِ قَبِيلَةٌ كَانُوا حُلَفَاءَ ثَقِيفٍ (فَأَسَرَتْ ثَقِيفٌ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ( ﷺ وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ) ; أَيْ عِوَضًا مِنَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَخَذَهُمَا ثَقِيفٌ وَكَانَ عَادَتُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الْحَلِيفَ بِجُرْمِ حَلِيفِهِ فَفَعَلَ ﷺ هَذَا الصَّنِيعَ عَلَى عَادَتِهِمْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ (فَأَوْثَقُوهُ) ; أَيْ شَدُّوهُ بِالْوِثَاقِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْوَاوِ مَا يَشُدُّ بِهِ وَيُوثَقُ (فَطَرَحُوهُ فِي الْحَرَّةِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَرْضٌ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ بِهَا حِجَارَةٌ سُودٌ (فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَادَاهُ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ) بِالْيَاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُوَحَّدَةِ وَحُذِفَتْ أَلِفُ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ بَعْدَ دُخُولِ حَرْفِ الْجَرِّ ; أَيْ لِأَيِّ شَيْءٍ (أُخِذْتُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ أُسِرْتُ وَأُوثِقْتُ (قَالَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكُمْ ثَقِيفٍ) بَدَلٌ وَالْجَرِيرَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى الْجِنَايَةُ وَالذَّنْبُ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ ثَقِيفٍ مُوَادَعَةٌ فَلَمَّا نَقَضُوهَا وَلَمْ تُنْكِرْ عَلَيْهِمْ بَنُو عُقَيْلٍ وَكَانُوا مَعَهُمْ فِي الْعَهْدِ صَارُوا مِثْلَهُمْ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ فَأَخَذُوهُ بِجَرِيرَتِهِمْ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أُخِذْتَ لِنَدْفَعَ بِكَ جَرِيرَةَ حُلَفَائِكُمْ مِنْ ثَقِيفٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَدَى بَعْدُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسَرَتْهُمَا ثَقِيفٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (فَتَرَكَهُ وَمَضَى فَنَادَاهُ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ) مَرَّتَيْنِ (فَرَحِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (فَرَجَعَ) ; أَيْ إِلَيْهِ
стр. 5501
(فَقَالَ مَا شَأْنُكَ قَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ) ; أَيِ الْآنَ، أَوْ مِنْ قَبْلِ هَذَا الزَّمَانِ (فَقَالَ لَوْ قُلْتَهَا) ; أَيْ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ، أَوْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ (وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ) ; أَيْ فِي حَالِ اخْتِيَارِكَ، وَقِيلَ كَوْنِكَ أَسِيرًا (أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ) ; أَيْ نَجَوْتَ فِي الدُّنْيَا بِالْخَلَاصِ مِنَ الرِّقِّ وَفِي الْعُقْبَى بِالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا وَقَعَ فِي الْأَسْرِ فَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَهُ حَرُمَ قَتْلُهُ وَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُ وَإِنْ قَبِلَ الْجِزْيَةَ قَبْلَهُ بَعْدَ الْأَسْرِ فَفِي حُرْمَةِ قَتْلِهِ خِلَافٌ زَادَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْفِدَاءِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعْدَ الْأَسْرِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُجِيبُ إِطْلَاقَهُ وَفِي الْهِدَايَةِ وَلَوْ أَسْلَمَ الْأَسِيرُ وَهُوَ فِي أَيْدِينَا لَا يُفَادَى بِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا إِذَا طَالَبَ نَفْسَهُ وَهُوَ مَأْمُونٌ عَلَى إِسْلَامِهِ فَيَحُوزُ ; لِأَنَّهُ يُفِيدُ تَخْلِيصَ مُسْلِمٍ مِنْ غَيْرِ أَضْرَارٍ لِمُسْلِمٍ آخَرَ اهـ. فَقِيلَ إِنَّمَا رَدَّهُ ﷺ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ إِظْهَارِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ صَادِقٍ فَهَذَا خَاصَّةً بِهِ ﷺ وَقِيلَ رَدُّهُ وَأَخْذُ الرَّجُلَيْنِ بَدَلَهُ لَا يُنَافِي إِسْلَامَهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الرَّدُّ شَرْطًا بَيْنَهُمْ فِي الْمُعَاهَدَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ) ; أَيْ عِمْرَانُ (فَفَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) ; أَيْ أَبْدَلَهُ (بِالرَّجُلَيْنِ الَّذِينَ أَسَرَتْهُمَا ثَقِيفٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَلَا يُفَادَى بِالْأُسَارَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذِهِ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَعَلَيْهَا مَشَى الْقُدُورِيُّ وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُفَادَى بِهِمْ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ إِلَّا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهِنَّ عِنْدَهُمْ وَمَنَعَ أَحْمَدُ الْمُفَادَاةَ بِصِبْيَانِهِمْ وَهَذِهِ رِوَايَةُ السِّيَرِ الْكَبِيرِ قِيلَ وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِالْأُسَارَى قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَا بَعْدَهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجُوزُ بِكُلِّ حَالٍ وَجْهُ رِوَايَةِ الْكِتَابِ يَعْنِي الْهِدَايَةَ مَا ذُكِرَ أَنَّ فِيهِ مَعُونَةَ الْكُفْرِ ; لِأَنَّهُ يَعُودُ حَرْبًا عَلَيْنَا وَدَفْعُ شَرِّ حِرَابَتِهِ خَيْرٌ مِنِ اسْتِنْقَاذِ الْمُسْلِمِ ; لِأَنَّهُ إِذَا بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ كَانَ ; إِيذَاءً فِي حَقِّهِ فَقَطْ وَالضَّرَرُ بِدَفْعِ أَسِيرِهِمْ إِلَيْهِمْ يَعُودُ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْمُوَافِقَةِ لِقَوْلِ الْعَامَّةِ أَنَّ تَخْلِيصَ الْمُسْلِمِ أَوْلَى مِنْ كَسْبِ الْكَافِرِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ وَلِأَنَّ حُرْمَتَهُ عَظِيمَةٌ وَمَا ذُكِرَ مِنَ الضَّرَرِ الَّذِي يَعُودُ إِلَيْنَا بِدَفْعِهِ إِلَيْهِمْ يَدْفَعُهُ نَفْعُ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَتَخَلَّصُ مِنْهُمْ ; لِأَنَّهُ ضَرَرُ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَيَقُومُ بِدَفْعِهِ وَاحِدٌ مِثْلُهُ ظَاهِرًا فَيَتَكَافَأُ، ثُمَّ تَبْقَى فَضِيلَةُ تَخْلِيصِ الْمُسْلِمِ وَتَمْكِينِهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ كَمَا يَنْبَغِي زِيَادَةُ تَرْجِيحٍ، ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحَهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ «خَرَجْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ أَمَّرَهُ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَنْ قَالَ فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي السُّوقِ فَقَالَ يَا سَلَمَةُ هَبْ لِيَ الْمَرْأَةَ لِلَّهِ أَبُوكَ أَعْنِي الَّتِي كَانَ أَبُو بَكْرٍ نَفَّلَهُ إِيَّاهَا فَقُلْتُ هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا فَفَدَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أُسِرُوا بِمَكَّةَ» إِلَّا أَنَّ هَذَا يُخَالِفُ رَأْيَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُفَادُونَ بِالنِّسَاءِ قُلْتُ لَعَلَّ كَلَامَهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى وَاحِدَةٍ بِوَاحِدَةٍ وَالْمَوْرِدُ بِخِلَافِهِ.
стр. 5502
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٩٧٠ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أُسَرَائِهِمْ بَعَثَتْ زَيْنَبُ فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ بِمَالٍ وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ عِنْدَ خَدِيجَةَ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً وَقَالَ إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا فَقَالُوا نَعَمْ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَخَذَ عَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ كُونَا بِبَطْنِ يَأْجَجَ حَتَّى تَمُرَّ بِكُمَا زَيْنَبُ فَتَصْحَبَاهَا حَتَّى تَأْتِيَا بِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٩٧٠ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أُسَرَائِهِمْ) ; أَيْ حِينَ غَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ وَأَسَرَ بَعْضَهُمْ وَطَلَبَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ (بَعَثَتْ زَيْنَبُ) ; أَيْ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ (فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ) ; أَيْ زَوْجِهَا حِينَئِذٍ (بِمَالٍ وَبَعَثَتْ فِيهِ) ; أَيْ فِي جُمْلَةِ الْمَالِ، أَوْ لِأَجْلِ خَلَاصِهِ ; أَيْضًا (بِقِلَادَةٍ لَهَا) وَهِيَ بِكَسْرِ الْقَافِ مَا جُعِلَ فِي الْعُنُقِ (كَانَتْ) ; أَيْ تِلْكَ الْقِلَادَةُ أَوَّلًا (عِنْدَ خَدِيجَةَ أَدْخَلَتْهَا) ; أَيْ أَدْخَلَتْ خَدِيجَةُ الْقِلَادَةَ (بِهَا) ; أَيْ مَعَ زَيْنَبَ (عَلَى أَبِي الْعَاصِ) وَالْمَعْنَى دَفَعَتْهَا إِلَيْهَا حِينَ دَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو الْعَاصِ زُفَّتْ إِلَيْهِ فَعَرَفَهَا النَّبِيُّ ﷺ (فَلَمَّا رَآهَا) ; أَيْ تِلْكَ الْقِلَادَةِ (رَسُولُ اللَّهِ رَقَّ لَهَا) ; أَيْ لِزَيْنَبَ (رِقَّةً شَدِيدَةً) ; أَيْ لِغُرْبَتِهَا وَوَحْدَتِهَا وَتَذَكَّرَ عَهْدَ خَدِيجَةَ
стр. 5503
وَصُحْبَتِهَا فَإِنَّ الْقِلَادَةَ كَانَتْ لَهَا وَفِي عُنُقِهَا (وَقَالَ إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَفْعُولُ الثَّانِي لَرَأَيْتُمْ وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفَانِ ; أَيْ إِنْ رَأَيْتُمُ الْإِطْلَاقَ وَالرَّدَّ حَسَنًا فَافْعَلُوهُمَا (قَالُوا نَعَمْ) ; أَيْ رَأَيْنَا ذَلِكَ (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَخَذَ عَلَيْهِ) ; أَيْ عَلَى أَبِي الْعَاصِ عَهْدًا عِنْدَ إِطْلَاقِهِ (أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ) ; أَيْ يُرْسِلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَأْذَنَ لَهَا بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ الْقَاضِي وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي الْعَاصِ زَوْجِهَا مِنْهُ قَبْلَ الْمَبْعَثِ (وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ كُونَا بِبَطْنِ يَأْجِجَ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَجِيمٍ مَكْسُورَةٍ، ثُمَّ جِيمٍ مُنَوَّنَةٍ وَفِي نُسْخَةٍ مَفْتُوحَةً عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ التَّنْعِيمِ وَقِيلَ مَوْضِعُ إِمَامٍ بِمَسْجِدِ عَائِشَةَ وَقَالَ الْقَاضِي بَطْنُ يَأْجِجَ مِنْ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ الَّتِي حَوْلَ الْحَرَمِ وَالْبَطْنُ الْمُنْخَفِضُ مِنَ الْأَرْضِ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ هُوَ بِالنُّونِ وَالْجِيمِ وَالْخَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَ الْجِيمِ اهـ. وَفِي الْقَامُوسِ فِي فَصْلِ الْيَاءِ مِنْ بَابِ الْجِيمِ يَأْجَجُ بِالْأَلِفِ كَيَمْنَعُ وَيَضْرِبُ مَوْضِعٌ وَذُكِرَ فِي أَحَاجٍ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ مُلْحَقٌ بِجَعْفَرٍ وَذُكِرَ فِي فَصْلِ الْهَمْزَةِ مِنْ بَابِ الْجِيمِ كَيَسْمَعُ وَيَنْصُرُ مَوْضِعٌ بِمَكَّةَ اهـ. وَفِي فَصْلِ النُّونِ مِنْ بَابِ الْحَاءِ لَمْ يَعْتَرِضْ لَهُ ذِكْرٌ وَذُكِرَ فِي الْمُغْنِي فِي حَرْفِ الْيَاءِ بَطْنُ يَأْجِجَ بِجِيمٍ فَحَاءٍ مَوْضِعٌ (حَتَّى تَمُرَّ بِكُمَا زَيْنَبُ) ; أَيْ مَعَ مَنْ يَصْحَبُهَا (فَتَصْحَبَاهَا حَتَّى تَأْتِيَا بِهَا) ; أَيْ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ الْأَشْرَافُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمَنِّ عَلَى الْأَسِيرِ مِنْ غَيْرِ أَخْذِ فِدَاءٍ وَعَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَنْ يُرْسِلَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنَ الرِّجَالِ مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فِي طَرِيقٍ عِنْدَ الْأَمْنِ مِنَ الْفِتْنَةِ قُلْتُ الِاسْتِدْلَالُ الثَّانِي فِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا مَحْرَمٌ، أَوْ نِسَاءٌ ثِقَاتٌ وَكَانَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنِ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ فَتَذَكَّرْ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَأَمَّا الْمُفَادَاةُ بِالْمَالِ بِأَخْذِهِ مِنْهُمْ فَلَا يَجُوزُ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ لِمَا بَيَّنَّا فِي الْمُفَادَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ رَدِّهِ حَرْبًا عَلَيْنَا وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ اسْتِدْلَالًا بِأُسَارَى بَدْرٍ إِذْ لَا شَكَّ فِي احْتِيَاجِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ فِي شِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إِذْ ذَاكَ فَلْيَكُنْ مَحْمَلُ الْمُفَادَاةِ الْكَائِنَةِ فِي بَدْرٍ بِالْمَالِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ تِلْكَ الْمُفَادَاةِ مِنَ الْعَتْبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] ; أَيْ حَتَّى يَقْتُلَ أَعْدَاءَ اللَّهِ فَيَنْفِيَهِمْ عَنْهَا ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] وَقَوْلِهِ ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] وَهُوَ أَنْ لَا يُعَذِّبَ أَحَدًا قَبْلَ النَّهْيِ، وَلَمْ يَكُنْ نَهَاهُمْ، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] مِنَ الْغَنَائِمِ وَالْأُسَارَى عَذَابٌ عَامٌّ، ثُمَّ أَحَلَّهَا لَهُ وَلَهُمْ رَحْمَةً مِنْهُ تَعَالَى فَقَالَ ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] هِيَ الْمَجْمُوعُ مِنَ الْفِدَاءِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ لِلْغَنِيمَةِ فَإِنْ قِيلَ لَا شَكَّ أَنَّهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ قُلْنَا لَوْ سُلِّمَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُسَلَّمُ تَقْيِيدُهُ مَا إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ حَاجَّةٍ، وَفِي رَدِّ تَكْبِيرِ الْمُحَارِبِينَ لِأَجْلِ غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ وَفِي الْكَشَّافِ وَغَيْرِهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ أَشَارَ بِقَتْلِهِمْ وَأَبَا بَكْرٍ بَأَخْذِ الْفِدَاءِ تَقَوِّيًا وَرَجَاءَ أَنْ يُسْلِمُوا، قَالَ وَرُوِيَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَخَذُوا الْفِدَاءَ أُنْزِلَتِ الْآيَةُ فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَإِذَا هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ يَبْكِيَانِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ ابْكِ عَلَى أَصْحَابِكَ فِي أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنَ الشَّجَرَةِ قَالَ وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ مَا نَجَا مِنْهُ إِلَّا عُمَرُ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِقَوْلِهِ الْإِثْخَانَ فِي الْقَتْلِ أَحَبُّ إِلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) فِي الْإِصَابَةِ أَنَّ أَبَا الْعَاصِ هُوَ الرَّبِيعُ ابْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أُمُّهُ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ «وَكَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ فَهَاجَرَتْ وَأَبُو الْعَاصِ عَلَى دِينِهِ وَاتَّفَقَ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فِي تِجَارَةٍ فَلَمَّا كَانَ قُرَيْبَ الْمَدِينَةِ أَرَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَيْهِ فَيَأْخُذُوا مَا مَعَهُ وَيَقْتُلُوهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ زَيْنَبَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ عَهْدُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدًا قَالَ: نَعَمْ قَالَتْ: فَأَشْهَدْتُ أَنِّي أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَرَجُوا عُزْلًا بِغَيْرِ سِلَاحٍ فَقَالُوا يَا أَبَا الْعَاصِ إِنَّكَ فِي شَرَفٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَنْتَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَلْ لَكَ أَنْ تُسْلِمَ فَتَغْتَنِمَ مَا مَعَكَ مِنَ أَمْوَالِ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَ بِئْسَ مَا أَمَرْتُمُونِي بِهِ أَنْ أَنْسَخَ دِينِي بِعُذْرَةٍ فَمَضَى حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَرَفَعَ إِلَى كُلِّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَوْفَيْتُ ذِمَّتِي قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ قَالَ إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا فَدَفَعَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ زَيْنَبَ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ.»
стр. 5504
٣٩٧١ - وَعَنْهَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَسَرَ أَهْلَ بَدْرٍ قَتَلَ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَمَنَّ عَلَى أَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ.» رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٣٩٧١ - (وَعَنْهَا) ; أَيْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَسَرَ أَهْلَ بَدْرٍ) وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَتَلَ عُقْبَةَ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ (ابْنَ أَبِي مُعَيْطٍ) بِالتَّصْغِيرِ (وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ) فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ فِي الْأُسَارَى بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: يَعْنِي إِذَا لَمْ يُسْلِمُوا ; لِأَنَّهُ ﷺ قَدْ قَتَلَ مِنَ الْأَسْرَى إِذْ لَا شَكَّ فِي قَتْلِهِ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَغَيْرَهُ ; لِأَنَّ فِي قَتْلِهِمْ حَسْمَ مَادَّةِ الْفَسَادِ الْكَائِنِ مِنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَقَّهُمْ ; لِأَنَّ فِيهِ دَفْعَ شَرِّهِمْ مَعَ وُفُورِ الْمَصْلَحَةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَلِهَذَا قُلْنَا لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنَ الْغُزَاةِ أَنْ يَقْتُلَ أَسِيرًا بِنَفْسِهِ ; لِأَنَّ الرَّأْيَ فِيهِ إِلَى الْإِمَامِ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمْ أَحْرَارًا ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ فِي أَهْلِ السَّوَادِ إِلَّا مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ إِذَا أُسِرُوا فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ بَلْ إِمَّا الْإِسْلَامَ وَإِمَّا السَّيْفَ فَإِنْ أَسْلَمَ الْأُسَارَى بَعْدَ الْأَسْرِ لَا نَقْتُلُهُمْ وَلَكِنْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُنَافِي الرِّقَّ جَزَاءً عَلَى الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ وَقَدْ وُجِدَ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِ الْمِلْكِ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْحَرْبِيِّ غَيْرِ الْمُشْرِكِ مِنَ الْعَرَبِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْأَخْذِ فَإِنَّهُمْ لَا يُسْتَرَقُّونَ وَيَكُونُونَ أَحْرَارًا ; لِأَنَّهُ إِسْلَامٌ قَبْلَ انْعِقَادِ سَبَبِ الْمِلْكِ فِيهِمْ (وَمَنَّ) ; أَيْ بِالتَّخْلِيصِ (عَلَى أَبِي عَزَّةَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ (الْجُمَحِيِّ) بِمَضْمُومِهِ وَفَتْحِ مِيمٍ وَإِهْمَالِ حَاءٍ، مَنْسُوبٍ إِلَى جُمَحِ بْنِ عَمْرٍو كَذَا فِي الْمُغْنِي وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) كَذَا فِي أَصَحِّ النُّسَخِ وَفِي نُسْخَةٍ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ إِسْحَاقَ فِي سِيرَتِهِ وَفِي نُسْخَةٍ وَعَنْ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ مَعَ بَيَاضٍ وَفِي آخِرِهِ رَوَاهُ وَبَيَاضٌ بَعْدَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5505
٣٩٧٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَرَادَ قَتْلَ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ قَالَ مَنْ لِلصِّبْيَةِ قَالَ النَّارُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٩٧٢ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَرَادَ قَتْلَ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ قَالَ مَنْ لِلصِّبْيَةِ» ) بِكَسْرِ الصَّادِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ صَبِيٍّ كَفِتْيَةٍ وَالْقِيَاسُ صِبْوَةٌ وَالْمَعْنَى مَنْ يَكْفُلُ بِصِبْيَا لِي وَيَتَصَدَّى لِتَرْبِيَتِهِمْ وَمُؤْنَتِهِمْ وَأَنْتَ تَقْتُلُ كَافِلَهُمْ (قَالَ) ; أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (النَّارُ) يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ النَّارُ عِبَارَةٌ عَنِ الضَّيَاعِ يَعْنِي إِنْ صَلَحَتِ النَّارُ أَنْ تَكُونَ كَافِلَةً فَهِيَ هِيَ وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْجَوَابَ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ ; أَيْ لَكَ النَّارُ وَالْمَعْنَى اهْتَمَّ بِشَأْنِ نَفْسِكَ وَمَا هُيِّئَ لَكَ مِنَ النَّارِ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الصِّبْيَةِ فَإِنَّ كَافِلَهُمْ هُوَ اللَّهُ الَّذِي مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَيْهِ رِزْقُهَا وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ ذِكْرَهُ الطِّيبِيُّ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْوَجْهُ فَإِنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ اللَّهُ بَدَلَ النَّارِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5506
٣٩٧٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ هَبَطَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ خَيِّرْهُمْ يَعْنِي أَصْحَابَكَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ الْقَتْلَ، أَوِ الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ قَابِلًا مِثْلُهُمْ قَالُوا الْفِدَاءَ وَيُقْتَلَ مِنَّا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
٣٩٧٣ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ هَبَطَ عَلَيْهِ) ; أَيْ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (فَقَالَ لَهُ خَيِّرْهُمْ يَعْنِي) ; أَيْ يُرِيدُ بِالضَّمِيرِ (أَصْحَابَكَ) وَإِنَّمَا قَالَ أَصْحَابَكَ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى وَهَذَا التَّفْسِيرُ إِمَّا مِنْ عَلِيٌّ، أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُ مِنَ الرُّوَاةِ وَالْمَعْنَى قُلْ لَهُمْ أَنْتُمْ مُخَيَّرُونَ (فِي أُسَارَى بَدْرٍ الْقَتْلَ، أَوِ الْفِدَاءَ) بِالنَّصْبِ فِيهِمَا ; أَيْ فَاخْتَارُوا الْقَتْلَ، أَوِ الْفِدَاءَ وَالْمَعْنَى أَنَّكُمْ تُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ تُقْتَلُوا أُسَارَى وَلَا يَلْحَقُكُمْ ضَرَرٌ مِنَ الْعَدُوِّ وَبَيْنَ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْهُمُ الْفِدَاءَ (عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ) ; أَيْ مِنَ الصَّحَابَةِ (قَابِلًا) ; أَيْ فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ الْآتِيَةِ وَالْمُرَادُ بِهَا السَّنَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا غَزْوَةُ أُحُدٍ (مِثْلُهُمْ) يَعْنِي بِعَدَدِ مَنْ يُطْلِقُونَ مِنْهُمْ يَكُونُ الظَّفَرُ لِلْكُفَّارِ فِيهَا وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْكُفَّارِ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ وَأُسِرَ سَبْعُونَ (قَالُوا) ; أَيِ الصَّحَابَةُ (الْفِدَاءَ) ; أَيِ اخْتَرْنَا الْفِدَاءَ (وَيُقْتُلَ مِنَّا) بِالنَّصْبِ بِإِضْمَارِ أَنْ بَعْدَ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ عَلَى الْفِدَاءِ ; أَيْ وَأَنْ يُقْتَلَ مِنَّا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ مِثْلُهُمْ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا ; أَيِ اخْتِيَارُنَا فَدَاؤُهُمْ وَقَتْلُ بَعْضِنَا فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أُحُدٍ مِثْلُ مَا افْتَدَى الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْكَافِرِينَ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ وَأُسِرَ
стр. 5507
سَبْعُونَ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] وَإِنَّمَا اخْتَارُوا ذَلِكَ رَغْبَةً مِنْهُمْ فِي إِسْلَامِ أُسَارَى بَدْرٍ فِي نَيْلِهِمْ دَرَجَةَ الشَّهَادَةِ فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ وَشَفَقَةً مِنْهُمْ عَلَى الْأُسَارَى بِمَكَانِ قَرَابَتِهِمْ مِنْهُمْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ مُشْكِلٌ جِدًّا لِمُخَالَفَتِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ وَلِمَا صَحَّ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي أَمْرِ أُسَارَى بَدْرٍ أَنَّ أَخْذَ الْفِدَاءِ كَانَ رَأْيًا رَأَوْهُ فَعُوتِبُوا عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ تَخْيِيرٌ بِوَحْيٍ سَمَاوِيٍّ لَمْ تَتَوَجَّهِ الْمُعَاتَبَةُ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] وَأَظْهَرَ لَهُمْ شَأْنَ الْعَاقِبَةِ بِقَتْلِ سَبْعِينَ مِنْهُمْ بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ عَنْ نُزُولِ قَوْلِهِ ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] وَمِمَّنْ نَقَلَ عَنْهُ هَذَا التَّأْوِيلَ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلِيٌّ ﵁ فَلَعَلَّ عَلِيًّا ذَكَرَ هُبُوطَ جِبْرِيلَ فِي شَأْنِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيَانِهَا فَاشْتَبَهَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ وَمِمَّا جَرَّأَنَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ سِوَى مَا ذَكَرْنَا هُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ تَفَرَّدَ بِهِ يَحْيَى بْنُ ذَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ سُفْيَانَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ فَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ، وَالسَّمْعُ قَدْ يُخْطِئُ وَالنِّسْيَانُ كَثِيرًا قَدْ يَطْرَأْ عَلَى الْإِنْسَانِ، ثُمَّ إِنَّ الْحَدِيثَ رُوِيَ عَنْهُ مُتَّصِلًا وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ مُرْسَلًا فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الْقَوْلَ لِظَاهِرِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ التَّخْيِيرَ فِي الْحَدِيثِ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِبَارِ وَالِامْتِحَانِ وَلِلَّهِ أَنْ يَمْتَحِنَ عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ امْتَحَنَ اللَّهُ تَعَالَى أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] الْآيَتَيْنِ وَامْتَحَنَ النَّاسَ بِتَعْلِيمِ السِّحْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٢] وَامْتَحَنَ النَّاسَ بِالْمَلَكَيْنِ وَجَعَلَ الْمِحْنَةَ فِي الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ بِأَنْ يَقْبَلَ الْعَامِلُ تَعَلُّمَ السِّحْرِ فَيَكْفُرَ، وَيُؤْمِنَ بِتَرْكِ تَعَلُّمِهِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَحَنَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ الْقَتْلِ وَالْفِدَاءِ وَأَنْزَلَ جِبْرِيلَ ﵇ بِذَلِكَ هَلْ هُمْ يَخْتَارُونَ مَا فِيهِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَتْلِ أَعْدَائِهِ أَمْ يُؤْثِرُونَ الْعَاجِلَةَ مِنْ قَبُولِ الْفِدَاءِ فَلَمَّا اخْتَارُوا الثَّانِيَ عُوقِبُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] قُلْتُ بِعَوْنِ اللَّهِ: إِنَّ هَذَا الْجَوَابَ غَيْرُ مَقْبُولٍ ; لِأَنَّهُ مَعْلُولٌ وَمَدْخُولٌ فَإِنَّهُ إِذَا صَحَّ التَّخْيِيرُ لَمْ يُجْزِ الْعِتَابُ وَالتَّعْيِيرُ فَضْلًا عَنِ التَّعْذِيبِ وَالتَّعْزِيزِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَخْيِيرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُنَّ لَوِ اخْتَرْنَ الدُّنْيَا لَعُذِّبْنَ فِي الْعُقْبَى وَلَا فِي الْأُولَى وَغَايَتُهُ أَنَّهُنَّ يُحْرَمْنَ مِنْ مُصَاحَبَةِ الْمُصْطَفَى لِفَسَادِ اخْتِيَارِهِنَّ الْأَدْنَى بِالْأَعْلَى، وَأَمَّا قَضِيَّةُ الْمَلَكَيْنِ وَقَضِيَّةُ تَعْلِيمِ السِّحْرِ فَنَعَمِ امْتِحَانٌ مِنَ اللَّهِ وَابْتِلَاءٌ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَخْيِيرٌ لِأَحَدٍ وَلِهَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] أَنَّهُ أَمْرُ تَهْدِيدٍ لَا تَخْيِيرٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّهُمْ يُؤَثِرُونَ الْأَعْرَاضَ الْعَاجِلَةَ مِنْ قَبُولِ الْفِدْيَةِ فَلَمَّا اخْتَارُوهُ عُوقِبُوا بِقَوْلِهِ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ [الأنفال: ٦٧] الْآيَةَ فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْجَرَاءَةِ الْعَظِيمَةِ وَالْجِنَايَةِ الْجَسِيمَةِ فَإِنَّهُمْ مَا اخْتَارُوا الْفِدْيَةَ إِلَّا لِلتَّقْوِيَةِ عَلَى الْكُفَّارِ وَلِلشَّفَقَةِ عَلَى الرَّحِمِ وَلِرَجَاءِ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ، أَوْ فِي أَصْلَابِهِمْ مَنْ يُؤْمَنُ وَلَا شَكَّ أَنْ هَذَا وَقَعَ مِنْهُمُ اجْتِهَادًا وَافَقَ رَأْيَهُ ﷺ غَايَتُهُ أَنَّ اجْتِهَادَ عُمَرَ وَقَعَ أَصْوَبَ عِنْدَهُ تَعَالَى فَيَكُونُ مِنْ مُوَافِقَاتِ عُمَرَ ﵁، وَيُسَاعِدُنَا مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ أَنَّهُ يُعَضِّدُهُ سَبَبُ الزَّوَالِ رَوَى مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ ﵃ أَنَّهُمْ لَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونَ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ ﷺ مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ قُلْتُ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَنَا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهُ فَهَوَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَانِ يَبْكِيَانِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي وَصَاحِبُكَ فَقَالَ أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ اهـ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَالْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مُجْتَهِدُونَ وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ خَطَأً وَلَكِنْ لَا يُقِرُّونَ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] ; أَيْ لَوْلَا حُكْمٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ إِثْبَاتُهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَهُوَ أَنْ لَا يُعَاقِبَ الْمُخْطِئَ فِي اجْتِهَادِهِ، أَوْ أَنْ لَا يُعَذِّبَ أَهْلَ بَدْرٍ، أَوْ قَوْمًا لَمْ يُصَرِّحْ لَهُمْ بِالنَّهْيِ عَنْهُ، أَوْ أَنَّ الْفِدْيَةَ الَّتِي أَخَذُوهَا سَتَحُلُّ لَهُمْ لَمَسَّكُمْ ; أَيْ لَنَالَكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ مِنَ الْفِدَاءِ عَذَابٌ عَظِيمٌ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ جَمْعًا بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّ اخْتِيَارَ الْفِدَاءِ مِنْهُمْ أَوَّلًا كَانَ بِالْإِطْلَاقِ، ثُمَّ وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَعْدَهُ بِالتَّقْيِيدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ، ثُمَّ إِنَّ الْحَدِيثَ رُوِيَ عَنْهُ مُتَّصِلًا وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ مُرْسَلًا فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الْقَوْلَ بِظَاهِرَهِ فَفِيهِ بَحْثٌ فَإِنَّ الْمُرْسَلَ إِذَا اعْتَضَدَ بِضَعِيفٍ مُتَّصِلٍ يَحْصُلُ فِيهِ نَوْعُ قُوَّةٍ فَيَدْخُلُ فِي جِنْسِ الْحَسَنِ، فَكَيْفَ يُقَالُ عِنْدَ ذَلِكَ فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الْقَوْلَ بِظَاهِرِهِ، قُلْتُ لَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ اضْطِرَابٌ فِي إِسْنَادِهِ وَالْمُضْطَرِبُ ضَعِيفٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّ السَّهْوَ وَقَعَ مِنَ الْمُرْسِلِ أَوْ مِنَ الْمُوَصِّلِ، فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَدْخُلُ الضَّعْفُ فِي سَنَدِهِ، وَإِلَّا فَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَمِنْهُمْ إِمَامُ الشَّيْخِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَكَانَ ذَلِكَ فَالْإِشَارَةُ إِلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ مُخَالَفَتِهِ لِلْآيَةِ وَانْفِرَادِ إِسْنَادِهِ وَإِرْسَالِهِ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا يُشْعِرُ بِالطَّعْنِ فِيهِ ; لِأَنَّ الْغَرِيبَ قَدْ يَكُونُ صَحِيحًا قُلْتُ وَقَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا فَيَصْلُحُ لِلطَّعْنِ فِي الْجُمْلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5508
٣٩٧٤ - «وَعَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ كُنْتُ فِي سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ، عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَانُوا يَنْظُرُونَ فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعَرَ قُتِلَ وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ فَكَشَفُوا عَانَتِي فَوَجَدُوهَا لَمْ تُنْبِتْ فَجَعَلُونِي فِي السَّبْيِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٣٩٧٤ - (وَعَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ ﵁ قَالَ كُنْتُ فِي سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ) ; أَيْ وَقَعْتُ فِي أُسَرَائِهِمْ (عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَانُوا) ; أَيِ الصَّحَابَةُ (يَنْظُرُونَ) ; أَيْ فِي صِبْيَانِ السَّبْيِ (بِكَشْفِ عَانَتِهِمْ لِمَنْ أَنْبَتَ الشَّعَرَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُسَكَّنُ (قُتِلَ) فَإِنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ الْبُلُوغِ فَيَكُونُ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ (وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ) ; أَيِ الشِّعَرَ (فَلَمْ يُقْتَلْ) ; لِأَنَّهُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ ( «فَكَشَفُوا عَانَتِي فَوَجَدُوهَا لَمْ تُنْبِتْ فَجَعَلُونِي فِي السَّبْيِ» ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَإِنَّمَا اعْتُبِرَ الْإِنْبَاتُ فِي حَقِّهِمْ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ إِذْ لَوْ سُئِلُوا عَنْ الِاحْتِلَامِ، أَوْ مَبْلِغِ سِنِّهِمْ لَمْ يَكُونُوا يَتَحَدَّثُوا بِالصِّدْقِ إِذْ رَأَوْا فِيهِ الْهَلَاكَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) .
стр. 5509
٣٩٧٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ «خَرَجَ عِبْدَانٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةَ قَبْلَ الصُّلْحِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَوَالِيهِمْ قَالُوا يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا خَرَجُوا إِلَيْكَ رَغْبَةً فِي دِينِكَ وَإِنَّمَا خَرَجُوا هَرَبًا مِنَ الرِّقِّ فَقَالَ نَاسٌ صَدَقُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رُدَّهُمْ إِلَيْهِ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ مَا أُرَاكُمْ تَنْتَهُونَ يَا مَشْعَرَ قُرَيْشٍ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مَنْ يَضْرِبُ رِقَابَكُمْ عَلَى هَذَا وَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُمْ وَقَالَ هُمْ عُتَقَاءَ اللَّهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٩٧٥ - (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ خَرَجَ عِبْدَانٌ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِضَمٍّ وَبِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَفِي نُسْخَةٍ " عِبِدَّانٌ " بِكَسْرِهِمَا وَتَشْدِيدِ الدَّالِ جَمْعُ عَبْدٍ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِالصِّيغَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ وَيُشَدَّدُ (قَبْلَ الصُّلْحِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ) ; أَيْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (مُوَالِيهِمْ) ; أَيْ سِيَادُهُمْ، أَوْ مُعْتِقُوهُمْ (قَالُوا؟ يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا خَرَجُوا إِلَيْكَ رَغْبَةً فِي دِينِكَ وَإِنَّمَا خَرَجُوا هَرَبًا) بِفَتْحَتَيْنِ ; أَيْ خَلَاصًا (مِنَ الرِّقِّ) ; أَيْ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، أَوْ أَثَرِهَا وَهُوَ الْوَلَاءُ (فَقَالَ نَاسٌ) ; أَيْ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ (صَدَقُوا) ; أَيِ الْكُفَّارُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ رُدَّهُمْ) ; أَيْ عَبِيدَهُمْ (إِلَيْهِمْ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَإِنَّمَا غَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ; لِأَنَّهُمْ عَارَضُوا حُكْمَ الشَّرْعِ فِيهِمْ بِالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ وَشَهِدُوا لِأَوْلِيَائِهِمُ الْمُشْرِكِينَ بِمَا ادَّعَوْهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا هَرَبًا مِنَ الرِّقِّ لَا رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ وَكَانَ حُكْمُ الشَّرْعِ فِيهِمْ أَنَّهُ صَارُوا بِخُرُوجِهِمْ مِنْ دِيَارِ الْحَرْبِ مُسْتَعْصِمِينَ بِعُرْوَةِ الْإِسْلَامِ أَحْرَارًا لَا يَجُوزُ رَدُّهُمْ إِلَيْهِمْ فَكَانَ مُعَاوَنَتُهُمْ لِأَوْلِيَائِهِمْ تَعَاوُنًا عَلَى الْعُدْوَانِ (وَقَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ فَقَالَ (مَا أُرِيكُمْ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ; أَيْ مَا أَظُنُّكُمْ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا ; أَيْ مَا أَعْلَمُكُمْ (تَنْتَهُونَ) ; أَيْ عَنِ الْعَصَبِيَّةِ، أَوْ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ وَهُوَ الرَّدُّ (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مَنْ يَضْرِبُ رِقَابَكُمْ عَلَى هَذَا) ; أَيْ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ التَّعَصُّبِ، أَوِ الْحُكْمِ بِالرَّدِّ قَالَ فِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ حَيْثُ نَفَى الْعِلْمَ بِانْتِهَائِهِمْ وَأَرَادَ مَلْزُومَهُ وَهُوَ انْتِهَاؤُهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ [يونس: ١٨] ; أَيْ بِمَا لَا ثُبُوتَ لَهُ وَلَا عِلْمَ لِلَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ (وَأَبَى أَنَّ يَرُدَّهُمْ وَقَالَ هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَقَالَ مَا أُرِيكُمْ وَمَا بَيْنَهُمَا قَوْلُ الرَّاوِي مُعْتَرِضٌ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5510
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٩٧٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا فَجَعَلُوا يَقُولُونَ صَبَأْنَا صَبَأْنَا فَجَعَلَ خَالِدٌ يَأْسِرُ وَيَقْتُلُ وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرْنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٩٧٦ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ» ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَبِيلَةٍ (فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا) ; أَيْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَدَاءِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ
стр. 5511
عَلَى مَا هُوَ حَقُّهَا (فَيَقُولُونَ صَبَأْنَا صَبَأْنَا) ; أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ صَبَأْنَا ; أَيْ خَرَجْنَا مِنْ دِينِنَا إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ (فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ) ; أَيْ بَعْضَهُمْ (وَيَأْسِرُ) ; أَيْ آخَرِينَ (وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ) ; أَيْ أَبْقَى أَسِيرَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا بِيَدِهِ (حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ) ; أَيْ مِنَ الْأَيَّامِ قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَاهُ مَحْذُوفٌ فَكَانَ تَامَّةٌ ; أَيْ دَفَعَ إِلَيْنَا الْأَسِيرَ وَأَمَرَنَا بِحِفْظِهِ إِلَى يَوْمِ يَأْمُرُنَا بِقَتْلِهِ فَلَمَّا وَجَدَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَمَرَنَا بِقَتْلِهِمْ (أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي) ; أَيْ رُفَقَائِي (أَسِيرَهُ) ; أَيْ فَأَبْقَيْنَاهُمْ (حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) قَالَ الطِّيبِيُّ: مُغَيَّاهُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنَّا أَسِيرَهُ بَلْ يَحْفَظُهُ حَتَّى نَقْدَمَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَفِظْنَا حَتَّى قَدِمْنَا (فَذَكَرْنَاهُ) ; أَيِ الْأَمْرَ لَهُ (فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ) ; أَيْ أَتَبَرَّأُ (إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: ضُمِّنَ أَبْرَأُ مَعْنَى أَنْهَى فَعُدِّي بَإِلَى ; أَيْ أُنْهِي إِلَيْكَ بَرَاءَاتِي وَعَدَمَ رِضَائِي مِنْ فِعْلِ خَالِدٍ، نَحْوُ قَوْلِكَ أَحْمَدُ إِلَيْكَ فُلَانًا، قُلْتُ وَمِنْهُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ ; أَيْ أَشْكُرُهُ مُنْهِيًا إِلَيْكَ وَمُعْلِمًا لَدَيْكَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا نَقِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَالِدٍ مَوْضِعَ الْعَجَلَةِ وَتَرْكَ التَّثَبُّتِ فِي أَمْرِهِمْ إِلَى أَنْ يَسْتَبِينَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ صَبَأْنَا ; لِأَنَّ الصَّبَأَ مَعْنَاهُ الْخُرُوجُ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ وَلِذَلِكَ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَدْعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الصَّابِئَ وَذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ دِينَ قَوْمِهِ فَقَوْلُهُمْ صَبَأْنَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ خَرَجْنَا مِنْ دِينِنَا إِلَى دِينٍ آخَرَ غَيْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ يَهُودِيَّةٍ، أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَوْلُ صَرِيحًا فِي الِانْتِقَالِ إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ نَفَّذَ خَالِدٌ فِيهِمُ الْقَتْلَ إِذْ لَمْ تُوجَدْ شَرَائِطُ حَقْنِ الدَّمِ بِصَرِيحِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُمْ إِنَّمَا عَدَلُوا عَنِ اسْمِ الْإِسْلَامِ إِلَيْهِ أَنَفَةً مِنْ الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5512
[بَابُ الْأَمَانِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٩٧٧ - «عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ فَسَلَّمْتُ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقُلْتُ أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ، وَذَلِكَ ضُحًى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ قَالَتْ: أَجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ.
ــ
بَابُ الْأَمَانِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٩٧٧ - (عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ﵂ بِكَسْرِ نُونٍ وَهَمْزَةٍ اسْمُهَا فَاخِتَةُ وَقِيلَ عَاتِكَةُ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ أَسْلَمَتْ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ ( «قَالَتْ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ» ) ; أَيْ عَنْهَا وَعَنْ غَيْرِهَا (بِثَوْبٍ فَسَلَّمْتُ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ، فَقُلْتُ أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ) الْبَاءُ إِمَّا زَائِدَةٌ فِي الْفَاعِلِ ; أَيْ أَتَتْ أُمُّ هَانِئٍ مَرْحَبًا ; أَيْ مَوْضِعًا رَحْبًا ; أَيْ وَاسِعًا لَا ضَيِّقًا، أَوْ لِلتَّعْدِيَةِ ; أَيْ أَتَى اللَّهُ بِأُمِّ هَانِئٍ مَرْحَبًا فَمَرْحَبًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، وَهَذِهِ كَلِمَةُ إِكْرَامٍ وَالتَّكَلُّمُ بِهَا سُنَّةٌ (فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِ (قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ) ; أَيْ صَلَاةَ الضُّحَى كَمَا بَيَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ (مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ) ; أَيْ عَنِ الصَّلَاةِ (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي) ; أَيْ وَأَبِي وَإِنَّمَا اقْتَصَرَتْ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الرَّحْمَةَ وَالشَّفَقَةَ أَكْثَرَ وَكَذَا قَالَ هَارُونُ يَا ابْنَ أُمَّ (عَلِيٌّ) بَدَلٌ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَرْتُهُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَصْرِهَا صِفَةُ " رَجُلًا " ; أَيْ أَمَّنْتُهُ مِنَ الْإِجَارَةِ بِمَعْنَى الْأَمْنِ أَصْلُهُ أَجْوَرْتُهُ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ إِلَى الْجِيمِ فَانْقَلَبَتْ أَلِفًا وَحُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ (فُلَانَ) بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ (ابْنَ هُبَيْرَةَ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدِ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ كَذَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالْمُوَطَّأِ وَلَمْ يُسَمِّهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
стр. 5513
مَخْزُومٍ وَقِيلَ إِنَّهُ بَعْضُ بَنِي زَوْجِهَا مِنْهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا وَزَوْجُهَا كَانَ هُبَيْرَةَ بْنَ وَهْبِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ وَهُوَ الْأَشْبَهُ ; لِأَنَّهَا قَالَتْ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ وَذَلِكَ) ; أَيْ مَا ذُكِرَ (ضُحًى) ; أَيْ وَقْتُهُ فَتَكُونُ تِلْكَ الصَّلَاةُ صَلَاةَ الضُّحَى وَقَدْ ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: مَا أَخْبَرَنِي أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا أُمَّ هَانِئٍ فَإِنَّهَا حَدَّثَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ فَسَبَّحَ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مَا رَأَيْتُهُ ﷺ صَلَّى صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ» اهـ. وَلَا تَخْفَى الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ حَيْثُ يَدُلُّ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ كَانَ الِاغْتِسَالُ فِي بَيْتِهِ ﷺ أَوْ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ ﵂ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ التَّقْدِيرُ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ فِي بَيْتِي، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ قَالَتْ أَجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِي) جَمْعُ حَمْوٍ، قَرِيبُ الزَّوْجِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَّنَّا) ; أَيْ أَعْطَيْنَا الْأَمَانَ (مَنْ أَمَّنْتِ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ «عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجَرْتُ حَمْوَيْنِ لِي مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَرَادَ هَذَا أَنْ يَقْتُلَهُمَا فَقَالَ ﷺ : " مَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ» " الْحَدِيثَ، وَكَانَ اللَّذَانِ أَجَارَتْ أُمُّ هَانِئٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ كِلَاهُمَا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ.
стр. 5514
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٩٧٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إِنَّ الْمَرْأَةَ لَتَأْخُذُ لِلْقَوْمِ يَعْنِي تُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٣٩٧٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ لَتَأْخُذُ) ; أَيِ الْأَمَانَ (لِلْقَوْمِ يَعْنِي تُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) ; أَيْ جَازَ أَنْ تَأْخُذَ الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ الْأَمَانَ لِلْقَوْمِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لَتُجِيرُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَتَرْجَمَ التِّرْمِذِيُّ بَابَ أَمَانِ الْمَرْأَةِ ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ لَتَأْخُذُ لِلْقَوْمِ يَعْنِي تُجِيرُ الْقَوْمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ» وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَالَ فِي عِلَلِهِ الْكُبْرَى سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ إِجَارَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبَا الْعَاصِ فَقَالَ ﷺ : أَلَا وَإِنَّهُ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِطُولِهِ.
стр. 5515
٣٩٧٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ أُعْطِيَ لِوَاءَ الْغَدْرِ يَوْمَ الْقَيَامَةِ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.
ــ
٣٩٧٩ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ ﵁ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: خُزَاعِيٌّ لَهُ صُحْبَةٌ رَوَى عَنْهُ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ وَرِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ وَغَيْرُهُمَا قُتِلَ بِالْمَوْصِلِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ) ; أَيْ أَعْطَاهُ الْأَمَانَ، وَالْضَمِيرُ فِي نَفْسِهِ إِلَى الرَّجُلِ (فَقَتَلَهُ أُعْطِيَ لِوَاءَ الْغَدْرِ) فِيهِ اسْتِعَارَةٌ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) كِنَايَةَ فَضِيحَتِهِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ (رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) وَفِي شَرْحِ ابْنِ الْهُمَامِ، وَالْغَدْرُ مُحَرَّمٌ بِالْعُمُومَاتِ نَحْوُ مَا صَحَّ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْهُ ﵊ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «أَرْبَعُ خِصَالٍ مَنْ كَانَتْ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» .
стр. 5516
٣٩٨٠ - وَعَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ «كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ وَكَانَ يَسِيرُ نَحْوَ بِلَادِهِمْ حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ، أَوْ بِرْذَوْنٍ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ فَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عَهْدًا وَلَا يَشُدَّنَّهُ حَتَّى يُمْضِيَ أَمَدَهُ، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ قَالَ فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاسِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٩٨٠ - (وَعَنْ سُلَيْمِ ﵁ بِالتَّصْغِيرِ (بْنِ عَامِرٍ) تَابِعِيٍّ (قَالَ كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ) ; أَيْ إِلَى وَقْتٍ مَعْهُودٍ (وَكَانَ يَسِيرُ نَحْوَ بِلَادِهِمْ) ; أَيْ يَذْهَبُ مُعَاوِيَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعَهْدِ لِيَقْرُبَ مِنْ بِلَادِهِمْ حِينَ انْقِضَاءِ الْعَهْدِ (حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ) ; أَيْ زَمَانُهُ (أَغَارَ عَلَيْهِمْ) وَفِي رِوَايَةٍ غَزَاهُمْ (وَفِي رِوَايَةٍ فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ، أَوْ بِرْذَوْنٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالْفَرَسِ هُنَا الْعَرَبِيُّ، بِالْبِرْذَوْنِ التُّرْكِيُّ مِنَ الْخَيْلِ (وَهُوَ) ; أَيِ الرَّجُلُ (يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ) تَعَجُّبًا وَاسْتِبْعَادًا (اللَّهُ أَكْبَرُ) تَأْكِيدًا (وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ لَا لِلْعَطْفِ ; أَيِ الْوَاجِبُ عَلَيْكَ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّ لَا لِنَفْيِ الْجِنْسِ فَيَكُونُ خَبَرًا مَعْنَاهُ النَّهْيُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ اخْتِصَارٌ حُذِفَ لِضِيقِ الْمَقَامِ ; أَيْ لِيَكُنْ مِنْكُمْ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ يَعْنِي بَعِيدٌ مِنْ أَهْلِ اللَّهِ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ارْتِكَابُ الْغَدْرِ وَلِلِاسْتِبْعَادِ صَدَّرَ الْجُمْلَةَ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَكَرَّرَهُ (فَنَظَرُوا) ; أَيْ فَرَأَى النَّاسُ فِي مَكَانِ مَجِيءِ الرَّجُلِ (فَإِذَا هُوَ) ; أَيِ الرَّجُلُ (عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ كُنْيَتُهُ أَبُو نَجِيحٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَبِالْحَاءِ سُلَمِيٌّ أَسْلَمَ قَدِيمًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قِيلَ كَانَ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ عِدَادُهُ فِي الشَّامِيِّينَ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَإِنَّمَا كَرِهَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ إِذَا هَادَنَهُمْ إِلَى مُدَّةٍ وَهُوَ مُقِيمٌ فِي وَطَنِهِ فَقَدْ صَارَتْ مُدَّةُ مَسِيرِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ كَالْمَشْرُوطِ مَعَ الْمُدَّةِ فِي أَنْ يَغْزُوَهُمْ فِيهَا فَإِذَا سَارَ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْهُدْنَةِ كَانَ إِيقَاعُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي يَتَوَقَّعُونَهُ فَعَدَّ ذَلِكَ عَمْرٌو غَدْرًا وَأَمَّا إِنْ نَقَضَ أَهْلُ الْهُدْنَةِ بِأَنْ ظَهَرَتْ مِنْهُمْ خِيَانَةٌ فَلَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِمْ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْهُمْ (فَسَأَلَ مُعَاوِيَةُ عَنْ ذَلِكَ) ; أَيْ عَنْ دَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ ( «فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عَهْدًا» ) ; أَيْ عَقْدَ عَهْدٍ (وَلَا يَشُدَّنَّهُ) أَرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةَ عَنْ عَدَمِ التَّغَيُّرِ وَإِلَّا فَلَا مَانِعَ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الْعَهْدِ وَالتَّأْكِيدِ، وَالْمَعْنَى لَا يُغَيِّرِنَّ عَهْدًا وَلَا يَنْقُضْهُ بِوَجْهٍ وَفِي رِوَايَةٍ فَيَشُدُّهُ وَلَا يَحُلُّهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَكَذَا جُمْلَتُهُ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّغْيِيرِ فِي الْعَدِّ فَلَا يَذْهَبُ عَلَى اعْتِبَارِ مَعَانِي مُفْرَدَاتِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ ; أَيْ لَا يَجُوزُ نَقْضُ الْعَهْدِ وَلَا الزِّيَادَةُ عَلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَفِيهِ نَصٌّ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَتْرُكُ الْمُعَاهِدُ الْعَهْدَ مِنْ غَيْرِ نَقْضٍ (حَتَّى يُمْضِيَ أَمَدَهُ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ تَنْقَضِيَ غَايَتُهُ (أَوْ يَنْبِذَ) بِكَسْرِ الْبَاءِ ; أَيْ يَرْمِيَ عَهْدَهُمْ (إِلَيْهِمْ) ، بِأَنْ يُخْبِرَهُمْ بِأَنَّهُ نَقَضَ الْعَهْدَ عَلَى تَقْدِيرِ خَوْفِ الْخِيَانَةِ مِنْهُمْ (عَلَى سَوَاءٍ) ; أَيْ لِيَكُونَ خَصْمُهُ مُسَاوِيًا مَعَهُ فِي النَّقْضِ كَيْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ غَدْرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ عَلَى سَوَاءٍ حَالٌ قَالَ الْمُظْهِرُ ; أَيْ يُعْلِمُهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَغْزُوَهُمْ وَأَنَّ الصُّلْحَ قَدِ ارْتَفَعَ فَيَكُونُ الْفَرِيقَانِ فِي عِلْمِ ذَلِكَ سَوَاءً (قَالَ) ; أَيْ سُلَيْمٌ (فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاسِ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ فَإِنَّ " رَجَعَ " لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣] ; أَيْ فَذَهَبَ بِهِمْ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْبَاءَ لِلْمُصَاحَبَةِ ; أَيْ فَرَجَعَ مَعَهُمْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُمْ.
стр. 5517
٣٩٨١ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ «بَعَثَتْنِي قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُلْقِيَ فِي قَلْبِيَ الْإِسْلَامُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَاللَّهِ أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَبَدًا قَالَ، إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ وَلَكِنِ ارْجِعْ فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ الَّذِي فِي نَفْسِكَ الْآنَ فَارْجِعْ قَالَ فَذَهَبْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْلَمْتُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٩٨١ - (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَسْلَمَ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ غَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ كَانَ قِبْطِيًّا وَكَانَ لِلْعَبَّاسِ فَوَهَبَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا بُشِّرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِسْلَامِ الْعَبَّاسِ أَعْتَقَهُ وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ بَدْرٍ اهـ. فَلَعَلَّهُ هُوَ لَكِنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَأْبَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ بَعَثَتْنِي قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُلْقِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ أُوقِعَ (فِي قَلْبِي الْإِسْلَامُ) ; أَيْ نَفْسُهُ وَهُوَ التَّصْدِيقُ، أَوْ مَحَبَّتُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: فِيهِ أَنَّ إِلْقَاءَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وَأَنْشَدَ:
لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ ... كَانَتْ بَدَاهَتُهُ تُنْبِيكَ عَنْ خَبَرِهْ
فَدَلَّ عَلَى فِرَاسَتِهِ وَدَهَائِهِ وَنَظَرِهِ الصَّائِبِ وَأَنَّ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِوَى الْمُعْجِزَاتِ مَا لَوْ نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاظِرُ الثَّابِتُ النَّظَرِ لَآمَنَ (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ) وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ تَمَكُّنِ الْإِسْلَامِ مِنْ قَلْبِهِ وَلِذَلِكَ
стр. 5518
أَكَّدَهُ بِالْقَسَمِ وَذَيَّلَهُ بِقَوْلِ (أَبَدًا قَالَ) ; أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (إِنِّي لَا أَخِيسُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ لَا أَغْدِرُ (بِالْعَهْدِ) وَلَا أَنْقُضُهُ وَفِيهِ أَنَّ الْعَهْدَ يُرَاعَى مَعَ الْكُفَّارِ كَمَا يُرَاعَى مَعَ الْمُسْلِمِينَ (وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ) بِضَمَّتَيْنِ وَقِيلَ بِسُكُونِ الرَّاءِ جَمْعُ بَرِيدٍ وَهُوَ الرَّسُولُ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْبِسْهُ الرَّسُولُ ﷺ لِاقْتِضَاءِ الرِّسَالَةِ جَوَابًا عَلَى وَفْقِ مُدَّعَاهُمْ بِلِسَانِ مَنِ اسْتَأْمَنُوهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِالْعَهْدِ هَاهُنَا الْعَادَةُ الْجَارِيَةُ الْمُتَعَارَفَةُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الرُّسُلَ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ بِمَكْرُوهٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي بَعْدَهُ أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ الْحَدِيثَ، أَلَا تَرَى كَيْفَ صَدَّرَ الْجُمْلَةَ بِلَفْظِ " أَمَا " الَّتِي هِيَ مِنْ طَلَائِعِ الْقَسَمِ، ثُمَّ عَقَّبَهَا بِهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ ارْتِكَابَ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْتَكَبَ، وَقَوْلُهُ (وَلَكِنِ ارْجِعْ) اسْتِدْرَاكٌ عَنْ مُقَدَّرٍ ; أَيْ لَا تُقِمْ هَاهُنَا وَتُظْهِرِ الْإِسْلَامَ وَلَكِنِ ارْجِعْ (فَإِنْ كَانَ) ; أَيْ ثَبَتَ (فِي نَفْسِكَ) ; أَيْ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ (الَّذِي فِي نَفْسِكَ الْآنَ فَارْجِعْ) ; أَيْ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَيْنَا، ثُمَّ أَسْلِمْ لِأَنِّي لَوْ قَبِلْتُ مِنْكَ الْإِسْلَامَ الْآنَ وَمَا أَرُدُّكَ عَلَيْهِمْ لَغَدَرْتُ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِيهِ أَنَّ قَبُولَ الْإِسْلَامِ مِنْهُ لَا يَكُونُ غَدْرًا وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ حَبْسِهِ لَهُ غَدْرًا بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُظْهِرِ الْإِسْلَامَ وَيَرْجِعْ إِلَيْهِمْ حَيْثُ يَتَعَذَّرُ حَبْسُهُ فَإِنَّهُ أَرْفَقُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الْحَقِّ عَلَى الطَّرِيقِ الْحَقِّ. (قَالَ) ; أَيْ أَبُو رَافِعٍ ﵁ فَذَهَبْتُ) ; أَيْ إِلَيْهِمْ (ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْلَمْتُ) ; أَيْ أَظْهَرْتُ الْإِسْلَامَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5519
٣٩٨٢ - وَعَنْ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلَيْنِ جَاءَا مِنْ عِنْدِ مُسَيْلِمَةَ أَمَّا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٣٩٨٢ - (وَعَنْ نُعَيْمِ) بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ مَسْعُودٍ) ; أَيِ الْأَشْجَعِيِّ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَسْلَمَ بِالْخَنْدَقِ وَهُوَ الَّذِي سَعَى بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ يَوْمَئِذٍ رَأْسُ الْأَحْزَابِ، وَخَذَّلَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحِكَايَتُهُ مَعْرُوفَةٌ، سَكَنَ الْمَدِينَةَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ سَلَمَةُ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَقِيلَ بَلْ قُتِلَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ قَبْلَ قُدُومِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلَيْنِ) أَحَدُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النَّوَّاحَةِ وَالثَّانِي ابْنُ أُثَالٍ كَمَا سَيَأْتِي (جَاءَا) بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ ; أَيْ كِلَاهُمَا (مِنْ عِنْدِ مُسَيْلِمَةَ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَهُوَ الْكَذَّابُ الْمَشْهُورُ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ (أَمَا) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ لِلتَّنْبِيهِ (وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ كَمَا حُمِّلُوا تَبْلِيغَ الرِّسَالَةِ حُمِّلُوا تَبْلِيغَ الْجَوَابِ فَلَزِمَهُمُ الْقِيَامُ بِكِلَا الْأَمْرَيْنِ فَيُصَيِّرُونِي بِرَفْضِ مَآرِبِهِمْ مَوْسُومِينَ بِسِمَةِ الْغَدْرِ، وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ فِي تَرَدُّدِ الرُّسُلِ الْمَصْلَحَةَ الْكُلِّيَّةَ وَمَهْمَا جَوَّزَ حَبْسَهُمْ، أَوِ التَّعَرُّضَ لَهُمْ بِمَكْرُوهٍ صَارَ ذَلِكَ سَبَبًا ; لِانْقِطَاعِ السُّبُلِ مِنَ الْفِئَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي اللُّبِّ مَوْقِعُهُ، وَقَوْلُهُ (لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمْ) إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لَهُمَا ; لِأَنَّهُمَا قَالَا بِحَضْرَتِهِ نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ اهـ، وَقِيلَ عَدَمُ جَوَازِ قَتْلِ الرُّسُلِ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦] وَالْوَافِدُ فِي حُكْمِ الْمُسْتَجِيرِ، قُلْتُ: وَهُوَ مَا يُنَافِي كَلَامَ الشَّيْخِ مِنَ الْحِكْمَةِ الْجَلِيَّةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5520
٣٩٨٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ أَوْفُوا بِحَلِفِ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ يَعْنِي الْإِسْلَامَ إِلَّا شِدَّةً وَلَا تُحْدِثُوا حَلِفًا فِي الْإِسْلَامِ» . رَوَاهُ وَذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ: " الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ " فِي كِتَابِ الْقِصَاصِ.
ــ
٣٩٨٣ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ) ; أَيْ عَلَى مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ فِي (أَوْفُوا بِحَلِفِ الْجَاهِلِيَّةِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ ; أَيْ بِالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ وَالْأَيْمَانِ الْوَاقِعَةِ فِي زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى التَّعَاوُنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] (فَإِنَّهُ) ; أَيِ الشَّأْنَ (لَا يَزِيدُهُ) ; أَيِ الْعَهْدُ وَفِعْلُ " يَزِيدُ " مُضْمَرٌ فَسَّرَهُ الرَّاوِي بِالْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ (يَعْنِي الْإِسْلَامَ) ; أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ بِفَاعِلِ " يَزِيدُ " الْمُسْتَتِرِ فِيهِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ ; أَيْ لَا يَزِيدُ الْإِسْلَامُ الْحَلِفَ (إِلَّا شِدَّةً) فَإِنَّ الْإِسْلَامَ أَقْوَى مِنَ الْحَلِفِ فَمَنِ اسْتَمْسَكَ بِالْعَاصِمِ الْقَوِيِّ اسْتَغْنَى عَنِ الْعَاصِمِ الضَّعِيفِ، فِي النِّهَايَةِ أَصْلُ الْحَلِفِ الْمُعَاقَدَةُ عَلَى التَّعَاضُدِ وَالتَّسَاعُدِ وَالِاتِّفَاقِ فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِتَنِ وَالْقِتَالِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ فَذَلِكَ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ ﷺ لَا حَلِفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى نُصْرَةِ الْمَظْلُومِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَنَحْوِهِمَا فَذَلِكَ الَّذِي قَالَ فِيهِ ﷺ ; أَيُّمَا حَلِفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً (وَلَا تُحْدِثُوا) ; أَيْ لَا تُبَدِّلُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا (حَلِفًا فِي الْإِسْلَامِ) ; أَيْ ; لِأَنَّهُ كَافٍ فِي وُجُوبِ التَّعَاوُنِ قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّنْكِيرُ فِيهِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ لِلْجِنْسِ ; أَيْ لَا تُحْدِثُوا حَلِفًا مَا وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّوْعِ، قُلْتُ: الظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمُظْهِرِ: يَعْنِي إِنْ كُنْتُمْ حَلَفْتُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِأَنْ يُعِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَيَرِثَ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا أَسْلَمْتُمْ فَأَوْفُوا بِهِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يُحَرِّضُكُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ وَلَكِنْ لَا تُحْدِثُوا مُحَالَفَةً فِي الْإِسْلَامِ بِأَنْ يَرِثَ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ (رَوَاهُ. . .) هُنَا بَيَاضٌ فِي الْأَصْلِ وَأَلْحَقَ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ حَيْثُ قَالَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنْ عَمْرٍو،
стр. 5521
وَقَالَ حَسَنٌ (وَذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ ﵁ الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ) بِالتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ ; أَيْ دِمَاؤُهُمْ (وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ. . .) الْحَدِيثَ بِطُولِهِ (فِي كِتَابِ الْقِصَاصِ) يَعْنِي فَأَسْقَطْنَاهُ مِنْ هَاهُنَا لِلتَّكْرَارِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا أَمَّنَ رَجُلٌ حُرٌّ، أَوِ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ كَافِرًا، أَوْ جَمَاعَةً، أَوْ أَهْلَ حِصْنٍ، أَوْ مَدِينَةً صَحَّ أَمَانُهُمْ عَلَى إِسْنَادِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَفْعُولِ وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ، وَالْأَصْلُ فِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» ; أَيْ لَا تَزِيدُ دِيَةُ الشَّرِيفِ عَلَى دِيَةِ الْوَضِيعِ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ أَيْ كَأَنَّهُمْ آلَةٌ وَاحِدَةٌ مَعَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْمِلَلِ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ بِاعْتِبَارِ تَعَاوُنِهِمْ عَلَيْهِ، قَالَ: وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ مَوْلَاهُ فِي الْقِتَالِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَلِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ قَرْيَةً مِنْ قُرَى فَارِسَ يُقَالُ لَهَا شَاهَرْتَا فَحَاصَرْنَاهَا شَهْرًا حَتَّى إِذَا كُنَّا ذَاتَ يَوْمٍ وَطَمِعْنَا أَنْ نُصَبِّحَهُمُ انْصَرَفْنَا عَنْهُمْ عِنْدَ الْمَقِيلِ خَلْفَ عَبْدٍ مِنَّا فَاسْتَأْمَنُوهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَمَانًا، ثُمَّ رَمَى بِهِ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا رَجَعْنَا إِلَيْهِمْ خَرَجُوا إِلَيْنَا فِي ثِيَابِهِمْ وَوَضَعُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَقُلْنَا مَا شَأْنُكُمْ فَقَالُوا أَمَّنْتُمُونَا وَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا السَّهْمَ فِيهَا كِتَابٌ بِأَمَانِهِمْ فَقُلْنَا هَذَا عَبْدٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، قَالُوا: لَا نَدْرِي عَبْدَكُمْ مِنْ حُرِّكُمْ قَدْ خَرَجْنَا بِأَمَانٍ فَكَتَبْنَا إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَانُهُ أَمَانُهُمْ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزَادَ فَأَجَازَ عُمَرُ أَمَانَهُ، وَالْحَدِيثُ جَيِّدٌ وَفُضَيْلُ بْنُ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا " «أَمَانُ الْعَبْدِ أَمَانٌ» " فَحَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ اهـ. وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِي رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْهُ مَذْكُورَةٌ فِي شَرْحِ ابْنِ الْهُمَامِ مَبْسُوطَةٌ قَالَ وَإِنْ آمَنَ الصَّبِيُّ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَصِفُهُ لَا يَصِحُّ بِإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ كَالْمَجْنُونِ وَإِنْ كَانَ يَعْقِلُ وَهُوَ مَحْجُورٌ عَنِ الْقِتَالِ فَعَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَصِحُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَبِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي وَجْهٍ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ كَطَلَاقِهِ وَعَتَاقِهِ، وَبِقَوْلِ مُحَمَّدٍ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ.
стр. 5522
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٩٨٤ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «جَاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ وَابْنُ أُثَالٍ رَسُولَا مُسَيْلِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُمَا أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَا نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَوْ كُنْتُ قَاتِلًا رَسُولًا لَقَتَلْتُكُمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُقْتَلُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٣٩٨٤ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ (وَابْنُ أُثَالٍ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ (رَسُولَا مُسَيْلِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) مُتَعَلِّقٌ بِجَاءَ، أَوْ بِرَسُولَا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَيَحْتَمِلُ التَّنَازُعَ (فَقَالَ لَهُمَا أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) فَكَأَنَّهُ ﷺ أَرَادَ بِذَلِكَ دَعْوَتَهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِمَا مُسْلِمَيْنِ (فَقَالَا) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَا وَفِي نُسْخَةٍ بِزِيَادَةِ لَا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَا بِقَوْلِهِمَا (نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ) أَرَادَا بِذَلِكَ أَنَّهُمَا مِنْ أَتْبَاعِ مُسَيْلِمَةَ لَا غَيْرَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: جَوَابٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلسُّؤَالِ وَلَا لِنَفْسِ الْأَمْرِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَدِ ادَّعَيْتُ الرِّسَالَةَ وَصَدَّقْتُهَا بِمُعْجِزَةٍ فَأَقِرَّا بِذَلِكَ، فَقَوْلُهُمَا نَشْهَدُ إِلَخْ رَدٌّ لِهَذَا الْمَعْنَى كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا أَنَّ الرِّسَالَةَ تَثْبُتُ بِالْمُعْجِزَاتِ فَكَانَ جَوَابُهُمْ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْأَحْمَقِ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْمُضَافِ الْجِنْسُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ وَرُسُلِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَعْنَى السَّابِقِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِي بَلْ قَالَ وَرَسُولِهِ ; أَيْ مَنِ ادَّعَى الرِّسَالَةَ وَأَثْبَتَهَا بِالْمُعْجِزَةِ كَائِنًا مَنْ كَانَ وَهُوَ كَلَامُ الْمُنْصِفِ يَعْنِي وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ وَلَا بَعْدَهُ ﷺ مَنْ يَدَّعِي الرِّسَالَةَ وَلِذَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مَنْ قَالَ لِمُدَّعِي الرِّسَالَةِ أَظْهِرِ الْمُعْجِزَةَ كَفَرَ، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَكَأَنَّهُمْ تَرَقَّبُوا أَنْ يُشْرِكَ ﷺ مُسَيْلِمَةَ فِي الرِّسَالَةِ فَنَفَاهُ بِقَوْلِهِ وَرَسُولِهِ ; أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَعْنَى الرِّسَالَةِ فِي شَيْءٍ فَيَكُونُ كَلَامُهُ ﷺ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ اهـ. وَفِي كَوْنِهِمْ مُرَاقِبِينَ لِشِرْكِهِ مَحَلُّ بَحْثٍ ; لِأَنَّهُمْ لَوْ أَرَادُوا ذَلِكَ لَأَقَرَّا بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا أَيْضًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ (لَوْ كُنْتُ) وَفِي نُسْخَةٍ وَلَوْ كُنْتُ (قَاتِلًا رَسُولًا) ; أَيْ قَادِمًا بِالْخَبَرِ مِنْ عِنْدِ أَحَدٍ بِأَمَانٍ (لَقَتَلْتُكُمَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) ; أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ الرَّاوِي بَلْ هُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُقْتَلُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَاهُ جَرَتِ السُّنَّةُ عَلَى الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ فَجَعَلَتْهَا سُنَّةً (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
стр. 5523
[بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَالْغُلُولِ فِيهَا]
стр. 5524
بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَالْغُلُولِ فِيهَا
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٩٨٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ " «فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٣٩٨٥ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: " فَلَمْ ") : وَفِي نُسْخَةٍ لَمْ (تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ قَبَلْنَا) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَى كَلَامٍ سَابِقٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذَا وَلَفْظِهِ، قَالَ الرَّاوِي يُوَضِّحُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا) : أَيْ: أَحَلَّهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ. قَالَ الْمُظْهِرُ: الْإِشَارَةُ إِلَى تَحْلِيلِ اللَّهِ الْغَنَائِمَ لَنَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ مَا فِي الذِّهْنِ بَيَّنَهُ الْخَبَرُ وَهُوَ اسْتِقْرَارُ حِلٍّ يُوجِبُهُ الضَّعْفُ وَالْعَجْزُ اهـ. وَكَلَامُ الْمُظْهِرِ أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى، قِيلَ: كَانَتِ الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ إِذَا غَزَوْا كَانُوا يَجْمَعُونَ الْغَنَائِمَ، فَإِنْ نَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَأَحْرَقَتْهَا عَلِمُوا أَنَّ غَزْوَتَهُمْ مَقْبُولَةٌ وَإِلَّا فَلَا اهـ. فَعَلَى هَذَا تَسْتَمِرُّ أَيْضًا لِحَالِ غُزَاةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5525
٣٩٨٦ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَضَرَبْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ بِالسَّيْفِ، فَقَطَعْتُ الدِّرْعَ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعُوا وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ " فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ، ثُمَّ جَلَسْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَهُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ، ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَهُ، فَقُمْتُ، فَقَالَ: " مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ " فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: صَدَقَ، وَسَلَبُهُ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنِّي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَاهَا اللَّهِ، إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " صَدَقَ فَأَعْطِهِ " فَأَعْطَانِيهِ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ ; فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٩٨٦ - (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ) : وَفِي نُسْخَةٍ: مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ( ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ) : فِي الْقَامُوسِ: هُوَ كَزُبَيْرٍ مَوْضِعٌ بَيْنَ الطَّائِفِ وَمَكَّةَ (فَلَمَّا الْتَقَيْنَا) : أَيْ نَحْنُ وَالْمُشْرِكُونَ (كَانَتْ) : أَيْ: صَارَتْ (لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ مِنَ الْجَوَلَانِ ; أَيْ: هَزِيمَةٌ قَلِيلَةٌ كَأَنَّهَا جَوَلَانٌ وَاحِدٌ، يُقَالُ: جَالَ فِي الْحَرْبِ جَوْلَةً ; أَيْ دَارَ، وَقَدْ فُسِّرَتْ فِي الْحَدِيثِ بِالْهَزِيمَةِ، وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْجَوْلَةِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاضْطِرَابِ وَعَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ، فَفِي النِّهَايَةِ: جَالَ وَاجْتَالَ إِذَا ذَهَبَ وَجَاءَ، وَمِنْهُ الْجَوَلَانُ فِي الْحَرْبِ، وَالْجَائِلُ الزَّائِلُ عَنْ مَكَانِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَرَى الصَّحَابِيَّ كَرِهَ لَهُمْ لَفْظَ الْهَزِيمَةِ فَكَنَى عَنْهَا بِالْجَوْلَةِ وَلَمَّا كَانَتِ الْجَوْلَةُ مِمَّا لَا اسْتِقْرَارَ عَلَيْهِ اسْتَعْمَلَهَا فِي الْهَزِيمَةِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا اسْتَقَرُّوا عَلَيْهَا، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَتِ الْهَزِيمَةُ مِنْ بَعْضِ الْجَيْشِ. وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَطَائِفَةٌ مَعَهُ فَلَمْ يَزَالُوا. وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ، وَلَمْ يَرَ وَاحِدٌ قَطُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْهَزَمَ فِي مَوْطِنٍ مِنَ الْمَوَاطِنِ، بَلْ يَثْبُتُ فِيهَا بِإِقْدَامِهِ وَثَبَاتِهِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاطِنِ. (فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا) : أَيْ: غَلَبَ (رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَضَرَبْتُهُ) : أَيِ: الْمُشْرِكَ (مِنْ وَرَائِهِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ) : بِكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعُنُقِ وَالْكَتِفِ (بِالسَّيْفِ، فَقَطَعْتُ الدِّرْعَ) : أَيْ: دِرْعَهُ وَأَوْصَلْتُ الْجِرَاحَةَ إِلَى بَدَنِهِ (وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي) : أَيْ: ضَغَطَنِي وَعَصَرَنِي (ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ) : اسْتِعَارَةٌ عَنْ أَثَرِهِ ; أَيْ: وَجَدْتُ مِنْهُ شِدَّةً كَشِدَّةِ الْمَوْتِ، وَالْمَعْنَى قَدْ قَارَبْتُ الْمَوْتَ (ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي) : أَيْ: فَخَلَّى سَبِيلِي فَخَلَّيْتُهُ (فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، قُلْتُ: مَا بَالُ النَّاسِ) : أَيْ: مُنْهَزِمِينَ (قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ) : أَيْ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، أَوْ مَا حَالُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الِانْهِزَامِ؟ فَقَالَ: أَمْرُ اللَّهِ غَالِبٌ وَالنُّصْرَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ (ثُمَّ رَجَعُوا) : أَيِ: الْمُسْلِمُونَ (وَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ") : أَوْقَعَ الْقَتْلَ عَلَى الْمَقْتُولِ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] (لَهُ) : أَيْ: لِلْقَاتِلِ (عَلَيْهِ) : أَيْ: عَلَى قَتْلِهِ لِلْمَقْتُولِ (بَيِّنَةٌ) : أَيْ: شَاهِدٌ وَلَوْ وَاحِدًا (فَلَهُ سَلَبُهُ) : بِفَتْحَتَيْنِ فَعَلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ ; أَيْ مَا عَلَى الْقَتِيلِ وَمَعَهُ مِنْ ثِيَابٍ وَسِلَاحٍ وَمَرْكَبٍ وَجَنِيبٍ يُقَادُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
стр. 5526
قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ: أَنَّ السَّلَبَ لَا يُعْطَى إِلَّا لِمَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ قَتَلَ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ ﷺ أَعْطَاهُ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يُحَلِّفْهُ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُ الْقَاتِلُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، وَقَدْ صَرَّحَ ﷺ بِالْبَيِّنَةِ، فَلَا يَكْفِي الْوَاحِدُ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ بِإِقْرَارِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إِنَّمَا يَنْفَعُ إِذَا كَانَ الْمَالُ مَنْسُوبًا إِلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ، وَهُنَا مَنْسُوبٌ إِلَى جَمِيعِ الْجَيْشِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: السَّلَبُ لَا يَكُونُ لِلْقَاتِلِ إِذَا لَمْ يُنَفِّلُ الْإِمَامُ بِهِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْفِيلِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثٍ آخَرَ «لَيْسَ لَكَ مِنْ سَلَبِ قَتِيلِكَ إِلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِكَ» . وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ: يَسْتَحِقُّ الْقَاتِلُ السَّلَبَ، سَوَاءٌ قَالَ أَمِيرُ الْجَيْشِ قَبْلَ ذَلِكَ هَذَا الْقَوْلَ أَمْ لَا. قَالُوا: وَهَذَا فَتْوَى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِخْبَارٌ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُمَا: لَا يَسْتَحِقُّ بِمُجَرَّدِ الْقَتْلِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ قَبْلَ الْقِتَالِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَجَعَلُوا هَذَا إِطْلَاقًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيْسَ بِفَتْوَى مِنْهُ وَلَا إِخْبَارٍ عَامٍّ. وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي ; لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ، قُلْتُ: لَا شَكَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ الْفَرَاغِ، لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِعَادَةً لِمَا قَالَهُ قَبْلَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَوْفٍ: قَضَى فِي السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ فَقَبْلَ التَّقْيِيدِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ يَعْنِي يَوْمَ حُنَيْنٍ: " «مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ» " فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ فَصَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَتْلَ وَقَعَ بَعْدَ الْقَوْلِ فَيُقَيَّدُ الْمُطْلَقُ بِهِ، وَفِي التَّكْرَارِ الْآتِي دَلِيلٌ ; أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِفْتَاءٍ وَإِخْبَارٍ، بَلْ لِإِجْرَاءِ الْحُكْمِ الْمُقَرَّرِ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَإِذَا لَمْ يُجْعَلِ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ، فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ وَالْقَاتِلُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يُسْهَمَ لَهُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. (فَقُلْتُ) : أَيْ: فِي نَفْسِي، أَوْ جِهَارًا وَفِي رِوَايَةٍ: فَقُمْتُ فَقُلْتُ (مَنْ يَشْهَدُ لِي؟) : أَيْ: بِأَنِّي قَتَلْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَيَكُونُ سَلَبُهُ لِي (ثُمَّ جَلَسْتُ فَقَالَ ﷺ مِثْلَهُ) : أَيْ: مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ (فَقُلْتُ) : أَيْ: فَقُمْتُ فَقُلْتُ (مَنْ يَشْهَدُ لِي، ثُمَّ جَلَسْتُ قَالَ ﷺ مِثْلَهُ، ثُمَّ قُمْتُ فَقَالَ: " مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟) ; أَيْ تَقُومُ وَتَجْلِسُ عَلَى هَيْئَةِ طَالِبٍ لِغَرَضٍ، أَوْ صَاحِبِ غَرَضٍ (فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ رَجُلٌ صَدَقَ) ; أَيْ: أَبُو قَتَادَةَ (وَسَلَبُهُ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنِّي) : مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ، وَالْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; أَيْ: فَأَعْطِهِ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ السَّلَبِ لِيَكُونَ لِي، أَوْ أَرْضِهِ بِالْمُصَالَحَةِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: " مَنْ " فِيهِ ابْتِدَائِيَّةٌ ; أَيْ: أَرْضِ أَبَا قَتَادَةَ لِأَجْلِي وَمِنْ جِهَتِي، وَذَلِكَ إِمَّا بِالْهِبَةِ، أَوْ بِأَخْذِهِ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ بَدَلِهِ. (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَاهَا اللَّهِ) : بِالْجَرِّ ; أَيْ: لَا وَاللَّهِ (إِذًا) : بِالتَّنْوِينِ ; أَيْ: إِذَا صَدَقَ أَبُو قَتَادَةَ (لَا يَعْمِدُ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَرَفْعِ الدَّالِ (إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ السِّينِ، وَقِيلَ بِضَمِّهِمَا جَمْعُ أَسَدٍ، وَالْجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى لَا يَقْصِدُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى إِبْطَالِ حَقِّهِ وَإِعْطَاءِ سَلَبِهِ إِيَّاكَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الْمُحَدِّثِينَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا إِذًا بِالْأَلِفِ قَبْلَ الذَّالِ، وَأَنْكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ اهـ كَلَامُهُ.
وَلَقَدْ أَطَالَ الطِّيبِيُّ مِنْ مَقَالِ النَّحْوِيِّينَ وَالْمُعْرِبِينَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مَعَ تَعَارُضِ تَقْدِيرَاتِهِمْ وَتَنَاقُضِ تَقْدِيرَاتِهِمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَكُونُ يَمِينًا. قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ نَوَى الْيَمِينَ كَانَتْ يَمِينًا وَإِلَّا فَلَا ; لِأَنَّهَا لَيْسَ مُتَعَارَفَةً فِي الْأَيْمَانِ (يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) : أَيْ: لِرِضَاهُمَا وَنُصْرَةِ دِينِهِمَا (فَيُعْطِيكَ) : أَيْ: هُوَ، أَوِ النَّبِيُّ ﷺ (سَلَبَهُ) : أَيْ جَمِيعَهُ، أَوْ بَعْضَهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ:، قَوْلُهُ: عَنِ اللَّهِ فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ
стр. 5527
يَكُونَ عَيْنَ صِلَةٍ فَيَكُونُ الْمَعْنَى يَصْدُرُ قِتَالُهُ عَنْ رِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ ; أَيْ: بِسَبَبِهِمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] وَثَانِيهِمَا أَنْ يَكُونَ حَالًا ; أَيْ: يُقَاتِلُ ذَابًّا عَنْ دِينِ اللَّهِ أَعْدَاءَ اللَّهِ نَاصِرًا لِأَوْلِيَائِهِ. (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " صَدَقَ ": أَيِ: الصِّدِّيقُ (فَأَعْطِهِ) : أَيْ: أَبَا قَتَادَةَ سَلَبَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَعْنَى يُقَاتِلُ لِنُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ وَشَرِيعَةِ رَسُولِهِ، لِتَكُونَ كَلِمَتُهُ هِيَ الْعُلْيَا، وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى فَضْلِ الصِّدِّيقِ ﵁ وَمَكَانَتِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِإِفْتَائِهِ بِحَضْرَتِهِ وَتَصْدِيقِهِ لَهُ، وَعَلَى مَنْقَبَةِ أَبِي قَتَادَةَ، فَإِنَّهُ سَمَّاهُ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ (فَأَعْطَانِيهِ، فَابْتَعْتُ) : أَيِ: اشْتَرَيْتُ (بِهِ) : أَيْ: بِذَلِكَ السَّلَبِ (مَخْرَفًا) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الشَّيْخِ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: الْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَرُوِيَ بِالْكَسْرِ ; أَيْ: بُسْتَانًا (فِي بَنِي سَلِمَةَ) : بِكَسْرِ اللَّامِ (فَإِنَّهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ وَإِنَّهُ (لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ) : أَيِ: اقْتَنَيْتُهُ وَتَأَصَّلْتُهُ يَعْنِي جَمَعْتُهُ وَجَعَلْتُهُ أَصْلَ مَالِي (فِي الْإِسْلَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ ﵇ قَالَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ أَنَّ هَذَا مِنْهُ نَصْبُ الشَّرْعِ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ، أَوْ كَانَ تَحْرِيضًا بِالتَّنْفِيلِ قَالَهُ فِي تِلْكَ الْوَقْعَةِ وَغَيْرِهَا يَخُصُّهَا، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ نَصْبُ الشَّرْعِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ فِي قَوْلِهِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا بُعِثَ لِذَلِكَ، وَقُلْنَا: كَوْنُهُ تَنْفِيلًا هُوَ أَيْضًا مِنْ نَصْبِ الشَّرْعِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْخُصُوصِ، وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُ قَالَ ﷺ لِحَبِيبِ بْنِ سَلَمَةَ: " «لَيْسَ لَكَ مِلْكٌ مِنْ سَلَبِ قَتِيلِكَ إِلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِكَ» " فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَيْ قَوْلِهِ: " «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» " وَهُوَ أَنَّهُ تَنْفِيلٌ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ لَا نَصْبٌ عَامٌّ لِلشَّرْعِ، وَهُوَ حَسَنٌ لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ، أَوْ حَسَنٌ لَكِنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ، «بَلَغَ حَبِيبَ بْنَ سَلَمَةَ أَنَّ صَاحِبَ قُبْرُصَ خَرَجَ يُرِيدُ طَرِيقَ أَذْرَبِيجَانَ وَمَعَهُ زُمُرُّدٌ وَيَاقُوتٌ وَلُؤْلُؤٌ وَغَيْرُهَا فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ فَجَاءَ بِمَا مَعَهُ، وَأَرَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْ يُخَمِّسَ فَقَالَ لَهُ حَبِيبُ بْنُ سَلَمَةَ: لَا تَحْرِمْنِي رِزْقًا رَزَقَنِيهِ اللَّهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ يَا حَبِيبُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّمَا لِلْمَرْءِ مَا طَابَتْ نَفْسُ إِمَامِهِ» ، وَهُنَا مَعْلُولٌ بِعَمْرِو بْنِ وَاقِدٍ وَقَدْ رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، ثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: «كُنَّا مُعَسْكِرِينَ بِدَانِفَاءَ، وَذَكَرَ لِحَبِيبِ بْنِ سَلَمَةَ الْفِهْرِيِّ إِلَى أَنْ قَالَ: فَجَاءَ بِسَلَبِهِ عَلَى خَمْسَةِ أَبْغَالٍ مِنَ الدِّيبَاجِ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ، فَأَرَادَ حَبِيبٌ أَنْ يَأْخُذَهُ كُلَّهُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ بَعْضَهُ، فَقَالَ حَبِيبٌ لِأَبِي عُبَيْدَةَ: قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ " قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِلْأَبَدِ، فَسَمِعَ مُعَاذٌ ذَلِكَ، فَأَتَى أَبَا عُبَيْدَةَ وَحَبِيبٌ يُخَاصِمُهُ فَقَالَ مُعَاذٌ: أَلَا تَتَّقِي وَتَأْخُذْ مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِكَ، فَإِنَّ مَا لَكَ مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إِمَامِكَ، فَحَدَّثَهُمْ بِذَلِكَ مُعَاذٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَأَعْطَوْهُ مِنَ الْخُمُسِ، فَبَاعَهُ حَبِيبٌ بِأَلْفِ دِينَارٍ» ، وَفِيهِ كَمَا تَرَى مَجْهُولٌ وَلَكِنْ قَدْ لَا يَضُرُّ ضَعْفُهُ فَإِنَّا إِنَّمَا نَسْتَأْنِسُ لِأَحَدِ مُحْتَمَلَيْ لَفْظٍ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ يَتَأَيَّدُ بِمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي مَقْتَلِ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَمُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ بَعْدَمَا رَأَى سَيْفَهُمَا: " كِلَاكُمَا قَتَلَهُ "، ثُمَّ قَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَحْدَهُ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَقًّا لِلْقَاتِلِ لَقَضَى بِهِ لَهُمَا إِلَّا أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَفَعَهُ: بِأَنَّ غَنِيمَةَ بَدْرٍ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِنَصِّ الْكِتَابِ مَنْ يَشَاءُ، وَقَدْ قَسَمَ لِجَمَاعَةٍ لَمْ يَحْضُرُوا، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ بَدْرٍ، فَقَضَى ﵊ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ اهـ.
стр. 5528
يَعْنِي مَا كَانَ إِذْ ذَاكَ قَالَ: السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ حَتَّى يَصِحَّ الِاسْتِدْلَالُ، وَقَدْ يَدَّعِي أَنَّهُ قَالَ فِي بَدْرٍ ; أَيْضًا عَلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقٍ فِيهِ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَجْمَعِينَ قَالَ: «قَالَ ﵊ يَوْمَ بَدْرٍ: " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ " فَجَاءَ أَبُو الْيُسْرِ بِأَسِيرَيْنِ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا كَانَ يَظُنُّ بِنَا جُبْنًا عَنِ الْعَدُوِّ، وَلَا ضَنًّا بِالْحَيَاةِ أَنْ نَصْنَعَ مَا صَنَعَ إِخْوَانُنَا، وَلَكِنْ رَأَيْنَاكَ قَدْ أَفْرَدْتَ فَكَرِهْنَا نَدْعُوكَ بِضَيْعَةٍ. قَالَ: فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُوَزِّعُوا تِلْكَ الْغَنَائِمَ بَيْنَهُمْ» ، فَظَهَرَ أَنَّهُ حَيْثُ قَالَهُ لَيْسَ نَصْبَ الشَّرْعِ لِلْأَبَدِ، وَهُوَ - وَإِنْ ضَعُفَ سَنَدُهُ - فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا " فِي أَبِي دَاوُدَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ كَذَا كَذَا، فَإِنَّمَا كَنَى بِهِ الرَّاوِي عَنْ خُصُوصِ مَا قَالَهُ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَا دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ. فَإِنَّ الْحَالَ بِذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَلَا الْحَالُ تَقْتَضِي ذَلِكَ لِقِلَّتِهَا، أَوْ عَدَمِهَا، فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ ذَلِكَ الْمُكْنَى عَنْهُ لِلرَّاوِي هُوَ السَّلَبُ وَمَا أُخِذَ ; لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ أَنْ يُجْعَلَ فِي الْحَرْبِ لِلْقَاتِلِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا رُوِيَ بِطَرِيقٍ ضَعِيفَةٍ بَاطِلًا، فَيَقَعُ الظَّنُّ بِصِحَّةِ جَعْلِهِ فِي بَدْرٍ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ وَالْمَأْخُوذَ لِلْآخِذِ، فَيَجِبُ قَبُولُهُ، غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّهُ تَظَافَرَتْ بِهِ أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ عَلَى مَا يُفِيدُ أَنَّ الْمَذْكُورَ مِنْ قَوْلِهِ: " «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» " لَيْسَ نَصْبًا عَامًّا مُسْتَمِرًّا وَالضَّعِيفُ إِذَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ ارْتَقَى إِلَى الْحَسَنِ، فَيَغْلِبُ الظَّنُّ أَنَّهُ تَنْفِيلٌ فِي تِلْكَ الْوَقَائِعِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ بَقِيَّةُ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: كَذَا وَكَذَا فَتَقَدَّمَ الْفِتْيَانُ وَلَزِمَ الْمَشْيَخَةُ الرَّايَاتِ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَالَ الْمَشْيَخَةُ: كُنَّا رَدًّا لَكُمْ لَوِ انْهَزَمْتُمْ فِئْتُمْ إِلَيْنَا فَلَا تَذْهَبُوا بِالْمَغْنَمِ وَنَبْقَى، فَأَبَى الْفِتْيَانُ ذَلِكَ وَقَالُوا: جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَنَا، الْحَدِيثَ فَقَوْلُهُ جَعَلَهُ يُبَيِّنُ أَنَّ كَذَا وَكَذَا هُوَ جَعْلُهُ السَّلْبَ لِلْقَاتِلِينَ وَالْمَأْخُوذَ لِلْآخِذِينَ وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ أَنَّهُ كَمَا قُلْنَا.
قَالَ: «خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ مَؤْتَةَ وَرَافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَشْقَرَ عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذْهَبٌ وَسِلَاحٌ مُذْهَبٌ، فَجَعَلَ يُغْرِي بِالْمُسْلِمِينَ، وَقَعَدَ لَهُ الْمَدَدِيُّ خَلْفَ شَجَرَةٍ فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ، فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ فَخَرَّ فَعَلَاهُ فَقَتَلَهُ، فَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعَثَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَأَخَذَ مِنْهُ سَلَبَ الرُّومِيِّ. قَالَ عَوْفٌ: فَأَتَيْتُ خَالِدًا فَقُلْتُ لَهُ: يَا خَالِدُ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ. قُلْتُ: أَتَرُدَّنَّهُ، أَوْ لَأُعَرِّفَنَّكُمَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَأَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ. قَالَ عَوْفٌ: فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ الْمَدَدِيِّ، وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ، فَقَالَ ﵊ لِخَالِدٍ: " رُدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ ". قَالَ عَوْفٌ: دُونَكَ يَا خَالِدُ لَمْ أُوَفِّ لَكَ فَقَالَ ﷺ : " وَمَا ذَاكَ؟ " فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: " يَا خَالِدُ لَا تَرُدَّ عَلَيْهِ هَلْ أَنْتُمْ تَارَكُو لِي أُمَرَائِي، لَكُمْ صَفْوَةُ أَمْرِهِمْ وَعَلَيْهِمْ كَدَرُهُ» فَفِيهِ أَمْرَانِ. الْأَوَّلُ: رَدَّ قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ ﵊ لَمْ يَقُلْ: " «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» " إِلَّا فِي حُنَيْنٍ، فَإِنَّ مَوْتَهُ كَانَتْ قَبْلَ حُنَيْنٍ، وَقَدِ اتَّفَقَ عَوْفٌ وَخَالِدٌ أَنَّهُ ﵊ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْآخَرُ: أَنَّهُ مَنَعَ خَالِدًا مِنْ رَدِّهِ بَعْدَ مَا أَمَرَ بِهِ، فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ ﵊ كَانَ تَنْفِيلًا، وَأَنَّ أَمْرَهُ ; إِيَّاهُ بِذَلِكَ كَانَ تَنْفِيلًا طَابَتْ نَفْسُ الْإِمَامِ لَهُ وَلَوْ كَانَ شَرْعًا لَازِمًا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ مُسْتَحِقِّهِ، وَقَوْلُ الْخَطَّابِيِّ: إِنَّمَا مَنَعُهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى عَوْفٍ سَلَبَهُ زَجْرًا لِعَوْفٍ لِئَلَّا يَتَجَرَّأَ النَّاسُ عَلَى الْأَئِمَّةِ، وَخَالِدٌ كَانَ مُجْتَهِدًا فَأَمْضَاهُ ﵊، وَالْيَسِيرُ مِنَ الضَّرَرِ يُتَحَمَّلُ لِلْكَثِيرِ مِنَ النَّفْعِ غَلَطٌ، وَذَلِكَ ; لِأَنَّ السَّلَبَ لَمْ يَكُنْ لِلَّذِي تَجَرَّأَ، وَهُوَ عَوْفٌ، وَإِنَّمَا كَانَ لِلْمَدَدِيِّ فَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَغَضَبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِذَلِكَ كَانَ أَشَدَّ عَلَى عَوْفٍ مِنْ مَنْعِ السَّلَبِ وَأَزْجَرَ لَهُ مِنْهُ، فَالْوَجْهُ أَنَّهُ ﵇ أَحَبَّ أَوَّلًا أَنْ يُمْضِيَ شَفَاعَتَهُ لِلْمَدَدِيِّ فِي التَّنْفِيلِ، فَلَمَّا غَضِبَ مِنْهُ رَدَّ شَفَاعَتَهُ، وَذَلِكَ بِمَنْعِ السَّلَبِ، لَا أَنَّهُ لِغَضَبِهِ وَسِيَاسَتِهِ يَزْجُرُ بِمَنْعِ حَقِّ آخَرَ لَمْ يَقَعْ لَهُ جِنَايَةٌ، وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ شَرْعًا عَامًّا لَازِمًا.
стр. 5529
٣٩٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْهَمَ لِلرَّجُلِ وَلِفَرَئسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمًا لَهُ وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٩٨٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْهَمَ لِلرَّجُلِ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمًا لَهُ وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ» ) : قَالَ الْمُظْهِرُ: اللَّامُ فِي لَهُ لِلتَّمْلِيكِ، وَفِي لِفَرَسِهِ لِلتَّسَبُّبِ ; أَيْ: لِأَجْلِ فَرَسِهِ، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: لِفَنَائِهِ فِي الْحَرْبِ، إِذْ مُؤْنَةُ فَرَسِهِ إِذَا كَانَ مَعْلُوفًا تُضَاعَفُ عَلَى مُؤْنَةِ صَاحِبِهِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَقِيلَ: لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ، وَعَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ أَخْذًا بِمَا سَيَأْتِي فِي الْحِسَانِ مِنْ أَنَّهُ ﷺ أَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ اهـ. فَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْمُتَيَقَّنِ وَتَرَكَ الْمَشْكُوكَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَا يَرْوُونَ خِلَافَهُ، وَإِنَّمَا تَرَكَ أَبُو حَنِيفَةَ الْعَمَلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَا لِرَأْيِهِ، بَلْ لِمَا يُعَارِضُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ» ". وَأَبُو حَنِيفَةَ أَخَذَ بِحَدِيثِ مَجْمَعِ بْنِ حَارِثَةَ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْحِسَانِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَآخَرُونَ: لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ فَقَطْ سَهْمٌ لَهُ وَسَهْمٌ لَهَا، وَلَمْ يَقُلْ بِقَوْلِهِ هَذَا أَحَدٌ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي يُوسُفَ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ وَهُوَ صَرِيحٌ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ، فِيهِ قَسَمَ فِي النَّفْلِ: «لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّجُلِ سَهْمًا» هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي بَعْضِهَا: «لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا» بِالْأَلِفِ، وَفِي بَعْضِهَا لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْلِ هُنَا الْغَنِيمَةُ لُغَةً، فَإِنَّ النَّفْلَ فِي اللُّغَةِ الزِّيَادَةُ وَالْعَطِيَّةُ وَالْغَنِيمَةُ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ رَوَى الرَّاجِلَ بِالْأَلِفِ، فَرِوَايَةٌ مُحْتَمَلَةٌ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهَا عَلَى مُوَافَقَةِ الْأَوَّلِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: يُرِيدُ أَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ الرِّوَايَتَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَعْنِي فَارِسًا وَفَرَسًا وَرَاجِلًا وَرَجُلًا، فَيَنْبَغِي أَنْ تُرَجَّحَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الْأُخْرَى، فَرَجَّحْنَا الْأُولَى لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى أَنَّ رُوَاةَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَكْثَرُ مِنَ الْأُخْرَى، وَأَنْ تُؤَوَّلَ الْأُخْرَى بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّهْمِ النَّصِيبُ عَلَى الْإِجْمَالِ ; أَيْ: لِلْفَارِسِ نَصِيبَانِ نَصِيبٌ لَهُ وَنَصِيبٌ لِفَرَسِهِ، فَيَكُونُ الْمُبَيِّنَ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ يُبَيِّنُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يَتْلُوهُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْأَكْوَعِ: أَعْطَانِي ﷺ سَهْمَيْنِ، إِذْ لَمْ يَرِدْ بِهِ الْمُسَاوَاةَ لِقَوْلِهِ: " «سَهْمٌ لِلْفَارِسِ وَسَهْمٌ لِلرَّاجِلِ» ".
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَعِنْدَهُمَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ: لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، لَهُمْ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ ﵊ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهَا سَهْمًا» هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَأَخْرَجَهُ السِّتَّةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْهُ: «قَسَمَ النَّفْلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا» ، وَفِي رِوَايَةٍ بِإِسْقَاطٍ لَفْظِ النَّفْلِ، وَفِي رِوَايَةٍ «أَسْهَمَ لِلرَّجُلِ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ» ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا تُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ أَوَّلَ مِنَ الشُّرَّاحِ كَوْنَ الْمُرَادِ مِنَ الرَّاجِلِ الرَّجَّالَةَ، وَمِنَ الْخَيْلِ الْفُرْسَانَ، بَلْ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ الْقَابِلَةِ: قَسَمَ خَيْبَرَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَكَانَ الرَّجَّالَةُ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَالْخَيْلُ مِائَتَيْنِ، وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّهُ ﵊ أَعْطَى لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمَيْنِ» ، وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بَلِ الَّذِي رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مَسْنَدِهِ عَنْهُ قَالَ: «أَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا» ، لَكِنْ فِي هَذَا أَحَادِيثُ مِنْهَا. مَا فِي أَبِي دَاوُدَ، عَنْ مُجَمِّعٍ يَعْنِي مَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، وَمِنْهَا: مَا فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو، «أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى فَرَسٍ يُقَالُ لَهُ سَبْحَةٌ، فَأَسْهَمَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ سَهْمَيْنِ: لِفَرَسِهِ سَهْمٌ وَاحِدٌ وَلَهُ سَهْمٌ وَاحِدٌ» ، وَكَذَا فِي مُسْنَدِ الْوَاقِدِيِّ، وَأَخْرَجَ الْوَاقِدِيُّ ; أَيْضًا فِي الْمَغَازِي عَنْ جَعْفَرِ بْنِ خَارِجَةَ قَالَ: قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: «شَهِدْتُ بَنِي قُرَيْظَةَ فَارِسًا فَضَرَبَ لِي بِسَهْمٍ» ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدِهِ إِلَى عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَأَخْرَجَ الْخُمُسَ مِنْهَا، ثُمَّ قَسَمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ وَالرَّاجِلَ سَهْمًا» ، وَمِنْهَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي عَارَضَ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، جَعَلَ لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا» اهـ.
стр. 5530
وَمِنْ طَرِيقِهِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ بِالشَّكِّ، فِي الْفَارِسِ، أَوِ الْفَرَسِ، وَمِنْ طَرِيقٍ جَزَمَ بِالْفَارِسِ. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ; أَيْضًا فِي كِتَابِهِ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ، وَإِذَا ثَبَتَ التَّعَارُضُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، بَلْ فِي فِعْلِهِ ﵊ مُطْلَقًا نَظَرًا إِلَى تَعَارُضِ رِوَايَةِ غَيْرِ ابْنِ عُمَرَ ; أَيْضًا تُرَجِّحُ النَّفْيَ بِالْأَصْلِ، وَهُوَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَبِالْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ الْكَرَّ وَالْفَرَّ وَاحِدٌ وَالثَّبَاتَ جِنْسٌ، فَهُمَا اثْنَانِ لِلْفَارِسِ وَلِلرَّاجِلِ أَحَدُهُمَا وَلَهُ ضِعْفُ مَا لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُعَارَضَةُ الْمُوجِبَةُ لِلتَّرْكِ فَرْعُ الْمُسَاوَاةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبُخَارِيِّ فَهُوَ أَصَحُّ. قُلْنَا: قَدَّمْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ كَوْنَ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ أَصَحَّ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ فِي غَيْرِهِ، مَعَ فَرْضِ أَنَّ رِجَالَهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، أَوْ رِجَالٌ رَوَى عَنْهُمُ الْبُخَارِيُّ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ لَا نَقُولُ بِهِ، مَعَ أَنَّ الْجَمْعَ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَقْوَى مِنَ الْآخَرِ أَوْلَى مِنْ إِبْطَالِ أَحَدِهِمَا، وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا بِحَمْلِ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى التَّنْفِيلِ، وَكَذَا حَدِيثُ أَحْمَدَ أَنَّهُ ﵊ أَعْطَى الزُّبَيْرَ سَهْمًا وَفَرَسَهُ سَهْمَيْنِ، وَكَذَا حَدِيثُ جَابِرٍ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزَاةً، فَأَعْطَى الْفَارِسَ مِنَّا ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، وَأَعْطَى الرَّاجِلَ سَهْمًا» ، بَلْ هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَيْسَ أَمْرَهُ الْمُسْتَمِرَّ، وَإِلَّا لَقَالَ: كَانَ ﵊ وَنَحْوَهُ، فَلَمَّا قَالَ غَزَاةً، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزَوَاتٍ، ثُمَّ خَصَّ هَذَا الْفِعْلَ بِغَزَاةٍ مِنْهَا، كَانَ ظَاهِرًا فِي أَنَّ غَيْرَهَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَمَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، «أَنَّهُ شَهِدَ حُنَيْنًا فَأَسْهَمَ لِفَرَسِهِ سَهْمَيْنِ وَلَهُ سَهْمًا» ، لَا يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ عَنْهُ ﵊، أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنِّي جَعَلْتُ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلْفَارِسِ سَهْمًا فَمَنْ نَقَصَهُمَا نَقْصَهُ اللَّهُ» ". فَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الْقَيْسِيِّ أَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى تَضْعِيفِهِ وَتَوْهِينِهِ اهـ. وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يَحْتَمِلُ التَّنْفِيلَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إِنِّي جَعَلْتُ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ.
стр. 5531
٣٩٨٨ - وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ، قَالَ: «كَتَبَ نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ يُقَسَمُ لَهُمَا؟ فَقَالَ يَزِيدُ: اكْتُبْ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا سَهْمٌ، إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا. وَفِي رِوَايَةٍ: كَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُنِي: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ ; فَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ يُدَاوِينَ الْمَرْضَى وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا السَّهْمُ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ بِسَهْمٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٩٨٨ - (عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ ﵁ : بِضَمِّ الْهَاءِ وَالْمِيمِ غَيْرُ مَصْرُوفٍ وَقِيلَ: مَصْرُوفٌ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هَمْدَانِيٌّ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ، رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ. (قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ) : بِفَتْحِ نُونٍ وَسُكُونِ جِيمٍ رَئِيسُ الْخَوَارِجِ. وَفِي الْقَامُوسِ: نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ الْحَنَفِيُّ خَارِجِيٌّ (الْحَرُورِيُّ) : بِفَتْحٍ فَضَمٍّ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ نِسْبَةُ الْخَوَارِجِ إِلَيْهَا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ مَحَلُّ اجْتِمَاعِهِمْ حِينَ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ ﵁. فِي الْقَامُوسِ: حَرُورَاءُ كَجَلُولَاءِ، وَقَدْ يُقْصَرُ قَرْيَةٌ بِالْكُوفَةِ وَهُوَ حَرُورِيٌّ، وَالْحَرُورِيَّةُ هُمْ نَجْدَةُ وَأَصْحَابُهُ (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ عَنِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ يُقْسَمُ لَهُمَا؟ فَقَالَ) : أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (لِيَزِيدَ) : أَيِ ابْنِ هُرْمُزَ (اكْتُبْ إِلَيْهِ) : أَيْ إِلَى نَجْدَةَ (أَنَّهُ) : بِالْفَتْحِ وَيَجُوزُ الْكَسْرُ عَلَى الْحِكَايَةِ ; أَيِ: اكْتُبْ هَذَا الْكَلَامَ أَنَّهُ ; أَيِ الشَّأْنَ (لَيْسَ لَهُمَا سَهْمٌ) : أَيْ نَصِيبٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: شَيْءٌ ; أَيْ مِنَ الْغَنِيمَةِ (إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ يُعْطَيَا شَيْئًا قَلِيلًا. قِيلَ: أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ السَّهْمِ، وَقِيلَ: أَقَلَّ مِنَ السَّهْمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَفِي النِّهَايَةِ: فِي الْحَدِيثِ إِنْ لَمْ يُحْذِكَ مِنْ عِطْرِهِ عَلَقَكَ مِنْ رِيحِهِ ; أَيْ إِنْ لَمْ يُعْطِكَ.
(وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْهُمَامِ (كَتَبَ إِلَيْهِ) : أَيْ إِلَى نَجْدَةَ (ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّكَ) : بِالْفَتْحِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الْآيَةَ وَيَجُوزُ الْكَسْرُ عَلَى أَنَّ الْمَكْتُوبَ هَذَا اللَّفْظُ. وَقَالَ مِيرَكُ: الظَّاهِرُ فِيهِ الْكَسْرُ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ عَلَى الْمَعْنَى ; أَيْ: كَتَبَ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ (كَتَبْتَ) : أَيْ إِلَيَّ (تَسْأَلُنِي) : اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ، أَوْ حَالٌ (هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ؟ فَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ: أَيْ: يُسَافِرُ بِهِنَّ فِي غَزْوِهِ (يُدَاوِينَ الْمَرْضَى) :
стр. 5532
أَيْ وَيُعَالِجْنَ الْجَرْحَى وَيَسْقِينَ الْغُزَاةَ وَيُهَيِّئْنَ لَهُمْ أُمُورَهُمْ كَمَا سَبَقَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ (وَيُحْذَيْنَ) ; أَيْ يُعْطَيْنَ (مِنَ الْغَنِيمَةِ) : وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَذْهَبِنَا كَمَا سَيَأْتِي (وَأَمَّا السَّهْمُ) : أَيْ سُؤَالُهُ (فَلَمْ يَضْرِبْ) : أَيْ لَمْ يَقْسِمْ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَلَمْ يُبَيِّنْ (لَهُنَّ بِسَهْمٍ) : أَيْ تَامٍّ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْهُمَامِ: فَأَمَّا أَنْ يَضْرِبَ لَهُنَّ بِسَهْمٍ فَلَا، وَقَدْ كَانَ يَرْضَخُ لَهُنَّ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَفِيهِ أَنَّهُ مُوهِمٌ أَنَّ مَرْوِيَّ أَبِي دَاوُدَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ; أَيْضًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْعَبِيدَ وَالصِّبْيَانَ وَالنِّسْوَانَ إِذَا حَضَرُوا الْقِتَالَ يُرْضَخُ لَهُمْ وَلَا يُسْهَمُ اهـ. وَالرُّضْخُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَبِالْمُعْجَمَتَيْنِ إِعْطَاءُ الْقَلِيلِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا يُسْهَمُ لِمَمْلُوكٍ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ وَلَا ذِمِّيٍّ، وَلَكِنْ يُرْضَخُ لَهُمْ وَيُعْطَوْنَ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ، فَإِنَّ الرُّضْخَ فِي الْإِعْطَاءِ كَذَلِكَ وَالْكَثِيرُ السَّهْمِ، فَالرُّضْخُ لَا يَبْلُغُ السَّهْمَ، وَلَكِنْ دُونَهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ، وَسَوَاءٌ قَاتَلَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى أَبِي اللَّحْمِ قَالَ: «شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي إِلَى أَنْ قَالَ: فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ» ، وَأَمَّا مَا فِي أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ، عَنْ جَدَّةِ حَشْرَجِ بْنِ زِيَادٍ أُمِّ أَبِيهِ: «أَنَّهَا خَرَجَتْ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ سَادِسَةَ سِتٍّ مِنَ النِّسْوَةِ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَبَعَثَ إِلَيْنَا فَجِئْنَا فَرَأَيْنَا فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ فَقَالَ: " مَعَ مَنْ خَرَجْتُنَّ وَبِإِذْنِ مَنْ خَرَجْتُنَّ؟ " فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَرَجْنَا نَغْزِلُ الشَّعَرَ، وَنُعِينُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَعَنَا دَوَاءٌ لِلْجَرْحَى، وَنُنَاوِلُ السِّهَامَ، وَنَسَقِي السَّوِيقَ: فَقَالَ: " قُمْنَ " حَتَّى إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْبَرَ أَسْهَمَ لَنَا كَمَا أَسْهَمَ لِلرِّجَالِ» ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ لِجَهَالَةِ رَافِعٍ وَحَسِيرٍ حِينَئِذٍ مِنْ رُوَاتِهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﵊ اسْتَطَابَ أَهْلَ الْغَنِيمَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُشْبِهُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَعْطَاهُنَّ مِنَ الْخُمُسِ الَّذِي هُوَ حَقُّهُ هَذَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ الْعَطَاءِ وَإِرَادَةً بِالسَّهْمِ مَا خُصِّصْنَ بِهِ، وَالْمَعْنَى خَصَّنَا بِشَيْءٍ كَمَا فَعَلَ بِالرِّجَالِ، ثُمَّ الرُّضْخُ عِنْدَنَا مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ إِخْرَاجِ الْخُمُسِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَفِي قَوْلٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ، وَفِي قَوْلِ لِلشَّافِعِيِّ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَقَالَ مَالِكٌ: مِنَ الْخُمُسِ، ثُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يُرْضَخُ لَهُ إِذَا قَاتَلَ، وَكَذَا الصَّبِيُّ وَالذِّمِّيُّ ; لِأَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْقِتَالِ إِذَا فَرَضَ الصَّبِيُّ قَادِرًا عَلَيْهِ، فَلَا يُقَامُ غَيْرُ الْقِتَالِ فِي حَقِّهِمْ مَقَامَهُ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تُعْطَى بِالْقِتَالِ وَبِالْخِدْمَةِ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ، وَإِنْ لَمْ تُقَاتِلْ ; لِأَنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنْهُ، فَأَقَامَ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ مِنْهَا مَقَامَهُ.
стр. 5533
٣٩٨٩ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: " «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ، فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا: يَا صَبَاحَاهْ، ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ، وَأَرْتَجِزُ وَأَقُولُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعْ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ فَمَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ حَتَّى مَا خَلَقَ لِلَّهِ مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ، حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ رُمْحًا يَسْتَخِفُّونَ، وَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا مِنَ الْحِجَارَةِ، يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَيْرُ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ ". قَالَ، ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَيْنِ: سَهْمَ الْفَارِسِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ، فَجَمَعَهُمَا إِلَيَّ جَمِيعًا، ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ رَاجِعَيْنِ إِلَى الْمَدِينَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٣٩٨٩ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِظَهْرِهِ) : أَيْ إِبِلِهِ وَمَرْكُوبِهِ. فِي النِّهَايَةِ: الظَّهْرُ الْإِبِلُ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا وَيُرْكَبُ يُقَالُ: عِنْدَ فُلَانٍ ظَهْرٌ ; أَيْ إِبِلٌ (مَعَ رَبَاحٍ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ (غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ مَوْلًى لَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (وَأَنَا مَعَهُ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا) : أَيْ فِي مَنْزِلٍ (إِذَا) : لِلْمُفَاجَأَةِ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالزَّايِ، رُوِيَ بِقَافٍ مَضْمُومَةٍ (قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ) : بِفَتَحَاتٍ ; أَيْ: مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ (فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا) : أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (يَا صَبَاحَاهْ) : كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُسْتَغِيثُ، وَأَصْلُهَا إِذَا صَاحُوا لِلْغَارَةِ ; لِأَنَّهُمْ أَكْثَرَ مَا يُغِيرُونَ عِنْدَ الصَّبَاحِ فَكَأَنَّ الْمُسْتَغِيثَ يَقُولُ: قَدْ غَشِيَنَا الْعَدُوُّ، وَقِيلَ: هُوَ نِدَاءُ الْمُقَاتِلِ عِنْدَ الصَّبَاحِ يَعْنِي: قَدْ جَاءَ وَقْتُ الصَّبَاحِ فَتَهَيَّئُوا لِلْقِتَالِ، (ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ) : أَيْ أَعْقَابِهِمْ (أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ) : أَيِ السَّهْمِ (وَأَرْتَجِزُ) : فِي الْقَامُوسِ: الرَّجَزُ مُحَرَّكَةٌ ضَرْبٌ مِنَ الشِّعْرِ وَزَنُهُ مُسْتَفْعِلُنْ سِتَّ مَرَّاتٍ، سُمِّيَ لِتَقَارُبِ أَجْزَائِهِ وَقِلَّةِ حُرُوفِهِ، وَزَعَمَ الْخَلِيلُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَبِهَا هُوَ أَنْصَافُ أَبْيَاتٍ وَأَثْلَاثٌ، وَالْأُرْجُوزَةُ الْقَصِيدَةُ مِنْهُ، وَقَدْ رَجَزَ وَارْتَجَزَ وَرَجَزَ بِهِ وَرَجَّزَهُ أَنْشَدَ أُرْجُوزَةً. (أَقُولُ) : بَدَلٌ، أَوْ حَالٌ ; أَيْ قَائِلًا (أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعْ) : بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا (وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ
стр. 5534
رَاضِعٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ: يَوْمُ هَلَاكِ اللِّئَامِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَئِيمٌ رَاضِعٌ أَيْ: رَضِيعُ اللُّؤْمِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَمُصُّ حَلَمَةَ الشَّاءِ وَالنَّاقَةِ؛ لِئَلَّا يَسْمَعَ السُّؤَّالُ، وَالضِّيفَانُ صَوْتَ الْحِلَابِ فَيَقْصِدُوهُ، وَقِيلَ: الْيَوْمَ يُعْرَفُ مَنْ أَرْضَعَتْهُ كَرِيمَةٌ فَأَشْجَعَتْهُ، أَوْ لَئِيمَةٌ فَهَجَنَتْهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْيَوْمُ يُعْرَفُ مَنْ أَرْضَعَتْهُ الْحَرْبُ مِنْ صِغَرِهِ وَتَدَرَّبَ بِهَا وَيُعْرَفُ غَيْرُهُ اهـ. أَوِ الْمَعْنَى الْيَوْمَ تَهْلَكُونَ أَيُّهَا الْكُفَّارُ بِأَيْدِينَا، فَإِنَّكُمْ عَاجِزُونَ كَالْأَطْفَالِ الَّذِينَ يَرْضَعُونَ عِنْدَنَا، (فَمَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ، وَأَعْقِرُ بِهِمْ) أَيْ: أَقْتُلُ مَرْكُوبَهُمْ وَأَجْعَلُهُمْ رَاجِلِينَ بِعَقْرِ دَوَابِّهِمْ (حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ) : " مَا " نَافِيَةٌ (مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: مِنْ إِبِلِهِ بَيَانُ قَوْلِهِ مِنْ بَعِيرٍ، وَمِنْ فِيهِ زَائِدَةٌ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهَا (إِلَّا خَلَّفْتُهُ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: تَرَكْتُهُ (وَرَاءَ ظَهْرِي) : فِيهِ تَجْرِيدٌ، أَوْ تَأْكِيدٌ (ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ) : بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْأُولَى (أَرْمِيهِمْ، حَتَّى أَلْقَوْا) أَيْ: طَرَحُوا وَرَمَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً) : وَهِيَ شَمْلَةٌ مُخَطَّطَةٌ، أَوْ كِسَاءٌ أَسْوَدُ مُرَبَّعٌ صَغِيرٌ يَلْبَسُهُ الْأَعْرَابُ (وَثَلَاثِينَ رُمْحًا، يَسْتَخِفُّونَ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: يَطْلُبُونَ الْخِفَّةَ بِإِلْقَائِهَا فِي الْفِرَارِ (وَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا) أَيْ: مِنَ الْبُرُدِ وَالرُّمْحِ وَغَيْرِهِمَا (إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا) : بِمَدٍّ فِي أَوَّلِهِ جَمْعُ إِرَمٍ كَعِنَبٍ وَأَعْنَابٍ وَهُوَ الْعَلَامَةُ فَقَوْلُهُ: (مِنَ الْحِجَارَةِ) : تَجْرِيدٌ، أَوْ تَأْكِيدٌ (إِلَّا يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ) : فِي النِّهَايَةِ: كَانَ مِنْ عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا وَجَدُوا شَيْئًا فِي طَرِيقِهِمْ لَا يُمْكِنُهُمُ اسْتِصْحَابُهُ تَرَكُوا عَلَيْهِ حِجَارَةً يَعْرِفُونَهُ بِهَا، حَتَّى إِذَا عَادُوا أَخَذُوهُ (حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: أَقْبَلُوا (وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: مِنْهُمْ (بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ: الْفَزَارِيِّ (فَقَتَلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَيْرُ فُرْسَانِنَا ") جَمْعُ فَارِسٍ رَاكِبُ الْفَرَسِ (الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ وَخَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ جَمْعُ رَاجِلٍ بِمَعْنَى الْمَاشِي عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَنَظِيرُهُ السَّيَّارَةُ جَمْعُ سَائِرٍ، وَالنَّظَّارَةُ جَمْعُ نَاظِرٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ فَضِيلَةُ الشَّهَادَةِ وَمَنْقَبَةٌ لِسَلَمَةَ وَأَبِي قَتَادَةَ، وَجَوَازُ الثَّنَاءِ عَلَى مَنْ فَعَلَ جَمِيلًا، وَاسْتِحْقَاقُ ذَلِكَ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ وَجَوَازُ عَقْرِ خَيْلِ الْعَدُوِّ فِي الْقِتَالِ، وَاسْتِحْبَابُ الرَّجَزِ فِي الْحَرْبِ وَجَوَازُ الْقَوْلِ: بِأَنِّي أَنَا ابْنُ فُلَانٍ وَجَوَازُ الْمُبَارَزَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ وَحَبُّ الشَّهَادَةِ وَالْحِرْصُ عَلَيْهَا، وَإِلْقَاءُ النَّفْسِ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ.
(قَالَ) أَيْ: أَبُو سَلَمَةَ ( «ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَيْنِ: سَهْمَ الْفَارِسِ» ) : وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، أَوْ سَهْمَانِ عَلَى مَا سَبَقَ، (وَسَهْمَ الرَّاجِلِ) أَيْ: أَعْطَانِي سَهْمَ فَارِسٍ مَعَ سَهْمِ رَاجِلٍ ; لِأَنَّ مُعْظَمَ أَخْذِ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ كَانَتْ بِسَبَبِ سَلَمَةَ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ أَكْثَرَ سَعْيَهُ فِي الْجِهَادِ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى نَصِيبِهِ لِتَرْغِيبِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْطِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَمِيعَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنَفِّلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الْقِتَالِ، وَقِيلَ: إِنَّ مَنْ حَضَرَ الْحَرْبَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا بِنِيَّةِ الْحَرْبِ فَهُوَ شَرِيكٌ فِي الْغَنِيمَةِ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْغَزْوَةُ غَزْوَةَ ذِي قَرَدٍ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَالرَّاءِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ، (فَجَمَعَهُمَا إِلَيَّ جَمِيعًا) أَيْ: هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِي. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَعْطَاهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ سَهْمَ الرَّاجِلِ فَحَسْبُ ; لِأَنَّ سَلَمَةَ كَانَ رَاجِلًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَعْطَاهُ الزِّيَادَةَ نَفَلًا لِمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ بَلَائِهِ. (ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: أَرْكَبَنِي (وَرَاءَهُ) أَيْ: وَرَاءَ ظَهْرِهِ (عَلَى الْعَضْبَاءِ) : نَاقَةٍ لَهُ ﷺ (رَاجِعَيْنِ) : بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ (إِلَى الْمَدِينَةِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا مُسْلِمٌ
стр. 5535
٣٩٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا ; لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوَى قِسْمَةِ عَامَّةِ الْجَيْشِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٣٩٩٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: يُعْطِيهِمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ زَائِدًا (بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا ; لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوَى قِسْمَةِ عَامَّةِ الْجَيْشِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
следующие страницы →