Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
٤٠١٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَصَابَ غَنِيمَةً، أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ، فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ، فَيُخَمِّسُهُ وَيُقَسِّمُهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَوْمًا بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمَامٍ مِنْ شَعَرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا فِيمَا كُنَّا أَصَبْنَاهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، قَالَ: " أَسْمَعْتَ بِلَالًا نَادَى ثَلَاثًا؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ؟ " فَاعْتَذَرَ. قَالَ: " كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَنْ أَقْبَلَهُ مِنْكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠١٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ ﵄ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَصَابَ غَنِيمَةً) أَيْ: وَأَرَادَ جَمْعَهَا وَتَقْسِيمَهَا (أَمَرَ بِلَالًا:) أَيْ: بِالنِّدَاءِ (فَنَادَى) أَيْ: بِلَالٌ (فِي النَّاسِ) أَيْ: فِي مَحَاضِرِهِمْ (فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: يُحْضِرُونَهَا (فَيُخَمِّسُهُ) أَيْ: مَا يَجِيئُونَ بِهِ، وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَتُخَفَّفُ (وَيُقَسِّمُهُ) : بِفَتْحِ وَكَسْرِ السِّينِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا وَبِتَشْدِيدِ السِّينِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ اسْتِحْضَارًا لِتِلْكَ الْحَالَةِ، وَهِيَ امْتِثَالُهُمْ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَعْنِي حِينَ أَمَرَهُمْ بِإِحْضَارِ الْغَنَائِمِ لَمْ يَمْكُثُوا وَلَمْ يَلْبَثُوا وَلَمَّا مَكَثَ الرَّجُلُ وَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ عَادَ إِلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ، وَقَالَ: (فَجَاءَ رَجُلٌ يَوْمًا بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: بَعْدَ التَّخْمِيسِ (بِزِمَامٍ) : بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ: بِخِطَامٍ (مِنْ شَعَرٍ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُسَكَّنُ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا) أَيِ: الزِّمَامُ (فِيمَا كُنَّا أَصَبْنَاهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ) أَيْ: فِيهَا وَمِنْ جُمْلَتِهَا (قَالَ: أَسْمِعْتَ بِلَالًا، نَادَى ثَلَاثًا "؟) أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي يَوْمٍ، أَوْ أَيَّامٍ (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهَا) أَيْ: أَوَّلًا (فَاعْتَذَرَ) أَيْ: لِلتَّأْخِيرِ اعْتِذَارًا غَيْرَ مَسْمُوعٍ (قَالَ: كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، وَهِيَ تَأْكِيدُ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ، وَبِنَاءُ الْخَبَرِ عَلَيْهِ سَبِيلِ التَّقْوَى وَتَخْصِيصُ الْكَيْنُونَةِ، قُلْتُ: وَكَذَا تَأْكِيدُهُ وَتَأْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: (" فَلَنْ أَقْبَلَهُ مِنْكَ ") : قَالَ: وَالْأَنْسَبُ أَنْ يَكُونَ أَنْتَ مُبْتَدَأً، وَتَجِيءُ خَبَرَهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرَ كَانَ، وَقَدَّمَ الْفَاعِلَ الْمَعْنَوِيَّ لِلتَّخْصِيصِ أَيْ: أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ لَا غَيْرُكَ. قَالَ الرَّاغِبُ ﵀: وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ كَانَ فِي جِنْسِ الشَّيْءِ مُتَعَلِّقًا بِوَصْفٍ لَهُ هُوَ مَوْجُودٌ فِيهِ، فَبَيَّنَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ لَازِمٌ لَهُ قَلِيلُ الِانْفِكَاكِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] قَالَ الْمُظْهِرُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ ; لِأَنَّ جَمِيعَ الْغَانِمِينَ فِيهِ شَرِكَةٌ، وَقَدْ تَفَرَّقُوا، وَتَعَذَّرَ إِيصَالُ نَصِيبِ كَلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَيْهِ فَتَرَكَهُ فِي يَدِهِ لِيَكُونَ إِثْمُهُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْغَاصِبُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ لَا أَنَّ تَوْبَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَلَا أَنَّ رَدَّ الْمَظَالِمِ عَلَى أَصْحَابِهَا، أَوِ الِاسْتِحْلَالَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَفِيهِ أَنَّ رَدَّ الْمَظْلَمَةِ وَحُصُولَ الِاسْتِحْلَالِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ، وَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُتَعَسِّرًا، أَوْ مُتَعَذِّرًا، وَيَتَوَقَّفُ قَبُولُهَا عَلَى حُصُولِهِمَا، فَهُوَ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ وَالتَّأْكِيدِ، لَا عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّهْدِيدِ، فَكَلَامُ الْمُظْهِرِ أَظْهَرُ فَتَدَبَّرْ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5567
٤٠١٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ حَرَّقُوا مَتَاعَ الْغَالِّ وَضَرَبُوهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠١٣ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ حَرَّقُوا) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: أَحْرَقُوا (مَتَاعَ الْغَالِّ وَضَرَبُوهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ يَعْنِي مَتْنًا، قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ. مِنْهُمُ الْحَسَنُ قَالَ: يُحَرَّقُ مَالُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَيَوَانًا، أَوْ مُصْحَفًا، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ قَالُوا: وَلَا يُحَرَّقُ مَا غَلَّ ; لِأَنَّهُ حَقُّ الْغَانِمِينَ يُرَدُّ عَلَيْهَا فَإِنِ اسْتَهْلَكَهُ غَرِمَ قِيمَتَهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُحَرَّقُ مَتَاعُهُ الَّذِي غَزَا بِهِ سَرْجُهُ وَإِكَافُهُ، وَلَا يُحَرَّقُ دَابَّتُهُ وَلَا نَفَقَتُهُ وَلَا سِلَاحُهُ وَلَا ثِيَابُهُ الَّتِي عَلَيْهِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُحَرَّقُ رَحْلُهُ، وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى الزَّجْرِ وَالْوَعِيدِ دُونَ الْإِيجَابِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَدْ رُوِيَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَالِّ وَلَمْ يَأْمُرْ بِحَرْقِ مَتَاعِهِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَرْوِيَّاتِ فِيمَنْ أَتَى بِهِ وَهُوَ تَائِبٌ، وَالْكَلَامُ فِيمَنْ يُؤْخَذُ فِي يَدِهِ.
стр. 5568
٤٠١٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ يَكْتُمُ غَالًّا فَإِنَّهُ مِثْلُهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠١٤ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ : مَرَّ مِرَارًا (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ": مَنْ يَكْتُمُ ") : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ " مَنْ " مَوْصُولَةٌ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّ " مَنْ " شَرْطِيَّةٌ أَيْ: يَسْتُرُ (" غَالًّا ") أَيْ: غُلُولَهُ، وَلَا يُظْهِرُهُ عِنْدَ الْأَمِيرِ (" فَإِنَّهُ ") أَيِ: الْكَاتِمُ (" مِثْلُهُ ") أَيْ: مِثْلُ الْغَالِّ فِي الْإِثْمِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5569
٤٠١٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٠١٥ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ» ) أَيْ: عَنْ بَيْعِهَا (وَاشْتِرَائِهَا حَتَّى تُقْسَمَ) : قَالَ الْقَاضِي: الْمُقْتَضِي لِلنَّهْيِ عَدَمُ الْمِلْكِ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمِلْكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَعِنْدَ مَنْ يَرَى الْقِسْمَةَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ الْمُقْتَضِي لَهُ الْجَهْلُ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ وَصِفَتِهِ إِذَا كَانَ فِي الْمَغْنَمِ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا. قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي: لَوْ بَاعَ أَحَدٌ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ نَصِيبَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ لَا يَجُوزُ ; لَأَنَّ نَصِيبَهُ مَجْهُولٌ، وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ ضَعِيفٌ يَسْقُطُ بِالْإِعْرَاضِ، وَالْمِلْكُ الْمُسْتَقِرُّ لَا يَسْقُطُ بِالْإِعْرَاضِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 5570
٤٠١٦ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّهَامُ حَتَّى تُقْسَمَ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٤٠١٦ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّهَامُ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ السَّهْمِ وَهُوَ النَّصِيبُ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَفِي نُسْخَةٍ الْأَسْهَامُ (حَتَّى تُقْسَمَ، رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
стр. 5571
٤٠١٧ - وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ هَذِهِ الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَصَابَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ فِيمَا شَاءَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا النَّارُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٠١٧ - (وَعَنْ خَوْلَةَ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ (بِنْتِ قَيْسٍ) : صَحَابِيَّةٌ جُهَيْنِيَّةٌ ﵂ (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ هَذِهِ الْمَالَ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَنَّثَ الْمَالَ عَلَى تَأْوِيلِ الْغَنِيمَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ بَعْدَهُ: " مِنْ مَالِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ " اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَالِ الْجِنْسُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: إِنَّ هَذَا الْمَالَ أَيْ: جِنْسَهُ، أَوْ مَالَ الْغَنِيمَةِ، أَوْ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (" خَضِرَةٌ ") : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ: حَسَنَةُ الْمَنْظَرِ (" حُلْوَةٌ ") : بِضَمِّ الْحَاءِ أَيْ: لَذِيذَةُ الْمَذَاقِ، لِحُصُولِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ وَمَشَقَّةِ بَدَنٍ، وَقَالَ ابْنُ
стр. 5572
الْمَلَكِ: وَإِنَّمَا وَصَفَهُ بِالْخَضِرَةِ ; لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي النَّاعِمَ خَضِرًا، أَوْ لِشِبْهِهِ بِالْخَضْرَاوَاتِ فِي سُرْعَةِ الزَّوَالِ، (" فَمَنْ أَصَابَهُ بِحَقِّهِ ") أَيْ: أَخَذَهُ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ (" بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ ") أَيْ: مُتَكَلِّفٌ لِلْخَوْضِ، وَهُوَ الْمَشْيُ فِي الْمَاءِ وَتَحْرِيكُهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي التَّلَبُّسِ وَالتَّصَرُّفِ أَيْ: رُبَّ شَارِعٌ وَمُتَصَرِّفٌ (" فِيمَا شَاءَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ") أَيْ: مِنْ زَكَاةٍ وَغَنِيمَةٍ (" لَيْسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا النَّارُ ") .
قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي فَمَنْ أَصَابَهُ تَفْصِيلِيَّةٌ، وَكَانَ فِي الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: فَمَنْ أَصَابَهُ بِحَقِّهِ، فَلَهُ كَذَا. وَمَنْ لَمْ يُصِبْهُ بِحَقِّهِ لَيْسَ لَهُ إِلَّا النَّارُ، فَعَدَلَ إِلَى قَوْلِهِ: وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ يَأْخُذُهَا بِحَقِّهَا قَلِيلٌ، وَالْأَكْثَرُ مَنْ يَتَخَوَّضُ فِيهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي الْأَوَّلِ: حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ أَيْ: مُشْتَهَاةٌ، وَالنُّفُوسُ إِلَيْهَا مَائِلَةٌ جِدًّا، وَفِي الْقَرِينَةِ الثَّانِيَةِ قِيلَ: فِيمَا شَاءَتْ بِهِ نَفْسُهُ، وَمِنْ مَالِ اللَّهِ مُظْهَرٌ أُقِيمَ مَقَامَ الْمُضْمَرِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي التَّخَوُّضُ فِي مَالِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي، وَقَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا النَّارُ حُكْمٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ وَهُوَ الْخَوْضُ فِي مَالِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونُ مُشْعِرًا بِعِلِّيَّتِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا أَحْمَدُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَلِلشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ بِلَفْظِ: " «إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» ".
стр. 5573
٤٠١٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَفَّلَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ.
ــ
٤٠١٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَفَّلَ سَيْفَهُ) أَيِ: الَّذِي صَارَ لَهُ (ذَا الْفَقَارِ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْعَامَّةُ يَكْسِرُونَهَا، وَكَذَا فِي الْفَائِقِ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ سَيْفِهِ (يَوْمَ بَدْرٍ) أَيِ: اصْطَفَاهُ وَجَعَلَهُ صَفِيَّ الْمَغْنَمِ الَّذِي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ دُونَهُ قَالَهُ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ: أَخَذَهُ زِيَادَةً لِنَفْسِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُ الصَّفِيُّ، وَهُوَ مَا يَتَخَيَّرُهُ مِنَ الْمَغْنَمِ وَلَمْ أَجِدْ تَنَفَّلَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَالرِّوَايَةُ وَجَدْنَاهَا كَذَلِكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدْ وَجَدْنَاهُ فِي الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ﴾ [آل عمران: ٦] حَيْثُ قَالَ، وَقَرَأَ طَاوُسٌ: تَصَوَّرَكُمْ أَيْ: صَوَّرَكُمْ لِنَفْسِهِ وَلِتَعَبُّدِهِ كَقَوْلِكَ: أَثَّلْتُهُ مَالًا إِذَا جَعَلْتُهُ أَثَلَةً أَيْ: أَصْلًا وَتَأَثَّلْتُهُ إِذَا أَثَّلْتَهُ لِنَفْسِكَ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ كَلَامَ الشَّيْخِ فِي عَدَمِ وُجُودِ التَّنَفُّلِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، لَا أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَظَرٌ، بَلْ مُرَادُهُ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى طَلَبِ النَّافِلَةِ، وَهِيَ الْعِبَادَةُ الزَّائِدَةُ عَلَى قَدْرِ الْفَرِيضَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قِيلَ: كَانَ هَذَا السَّيْفُ لِمُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، قُتِلَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَتَنَفَّلَهُ ﷺ ، وَكَانَ يَشْهَدُ بِهِ الْحُرُوبَ دُونَ سَائِرِ سُيُوفِهِ، سُمِّيَ بِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي ظَهْرِهِ حُفَرٌ مُتَسَاوِيَةٌ، وَقِيلَ: كَانَ فِي شَفْرَتَيْهِ خَرَزَاتٌ تُشْبِهُ فَقَرَاتِ الظَّهْرِ، وَفِي الْقَامُوسِ: ذُو الْفَقَارِ سَيْفُ الْعَاصِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا، فَصَارَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ صَارَ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ اهـ.
وَأَمَّا حَدِيثُ: لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ وَلَا فَتًى إِلَّا عَلِيٌّ، فَيُرْوَى فِي أَثَرٍ وَاهٍ عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ. قَالَ: نَادَى مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ يُقَالُ لَهُ رِضْوَانُ: لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ لَا فَتًى إِلَّا عَلِيٌّ، وَالْمَشْهُورُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ قَلْبُ الْجُمْلَتَيْنِ، وَلَعَلَّهُ مُرَاعَاةٌ لِتَقْدِيمِ عَلِيٍّ، أَوْ لِكَوْنِهِ مَوْزُونًا عَلَى تَخْفِيفِ يَاءِ عَلِيٍّ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: وَهُوَ) أَيْ: ذُو الْفَقَارِ (الَّذِي رَأَى) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَالرُّؤْيَا الَّتِي رَأَى فِيهِ أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ يَوْمَ أُحُدٍ: أَنَّهُ هَزَّ ذَا الْفَقَارِ، فَانْقَطَعَ مِنْ وَسَطِهِ، ثُمَّ هَزَّهُ هَزَّةً أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ، وَقِيلَ: الرُّؤْيَا هِيَ مَا قَالَ فِيهِ: رَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثُلْمًا، فَأَوَّلْتُهُ هَزِيمَةً، وَرَأَيْتُ كَأَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ. الْحَدِيثَ.
стр. 5574
٤٠١٩ - وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠١٩ - (وَعَنْ رُوَيْفِعِ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ تَصْغِيرُ رَافِعٍ (ابْنِ ثَابِتٍ) أَيِ: الْأَنْصَارِيُّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ» ") أَيْ: غَنِيمَتِهِمُ الْمُشْتَرَكَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ (" حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا ") أَيْ: أَضْعَفَهَا (" رَدَّهَا فِيهِ ") أَيْ: فِي الْفَيْءِ بِمَعْنَى الْمَغْنَمِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الرُّكُوبَ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى الْعَجْفِ، فَلَا بَأْسَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (" «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ» ") أَيْ: مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مُلْجِئَةٍ (" حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ ") : بِالْقَافِ أَيْ: أَبْلَاهُ (" رَدَّهُ فِيهِ ") سَبَقَ تَحْقِيقُ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5575
٤٠٢٠ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: قُلْتُ: «هَلْ كُنْتُمْ تُخَمِّسُونَ الطَّعَامَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٢٠ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ كُوفِيٌّ، سَمِعَ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمِنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَشُعْبَةُ وَغَيْرُهُمَا. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْفَى) أَيِ: الْأَنْصَارِيِّ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا، رَوَى عَنْهُ أَبُو أُمَامَةَ وَجَابِرٌ وَغَيْرُهُمَا، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ بِالْمَدِينَةِ (قَالَ: قُلْتُ) أَيْ: لِلصَّحَابَةِ (هَلْ كُنْتُمْ تُخَمِّسُونَ الطَّعَامَ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ مِنَ التَّخْمِيسِ (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: فِي زَمَانِهِ (قَالَ) أَيْ: بَعْضُهُمْ (أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَإِنَّ) : بِالْفَاءِ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ وَكَانَ (الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ) : تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5576
٤٠٢١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ جَيْشًا غَنِمُوا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا وَعَسَلًا، فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْخُمُسُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٢١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ جَيْشًا غَنِمُوا) : بِكَسْرِ النُّونِ (فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا وَعَسَلًا) : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، أَوْ أَرَادَ بِالطَّعَامِ أَنْوَاعَ الْحُبُوبِ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْهَا، (فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْخُمُسُ) أَيْ: فِيمَا أَكَلُوا مِنْهُمَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5577
٤٠٢٢ - وَعَنِ الْقَاسِمِ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُنَّا نَأْكُلُ الْجَزُورَ فِي الْغَزْوِ، لَا نُقَسِّمُهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا لَنَرْجِعُ إِلَى رِحَالِنَا وَأَخْرِجَتُنَا مِنْهُ مَمْلُوَّةٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٢٢ - (وَعَنِ الْقَاسِمِ) أَيْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ الشَّامِيُّ (مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ: ابْنُ خَالِدٍ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ، وَرَوَى عَنْهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ وَغَيْرُهُ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْضَلَ مِنَ الْقَاسِمِ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵁. (عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كُنَّا نَأْكُلُ الْجَزُورَ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيِ: الْبَعِيرَ (فِي الْغَزْوِ، وَلَا نُقَسِّمُهُ) أَيْ: لِإِخْرَاجِ الْخُمُسِ مِنْهُ، أَوْ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، نَأْكُلُ مِنْهُ (حَتَّى إِذَا كُنَّا لَنَرْجِعُ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ الْجَاعِلَةُ لِلْمُضَارِعِ حَالًا أَيْ: لَنَعُودُ (إِلَى رِحَالِنَا) أَيْ: مَنَازِلِنَا (وَأَخْرِجَتُنَا) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى وَزْنِ أَفْعِلَةٍ جَمْعُ خُرْجٍ بِالضَّمِّ، وَهِيَ الْجَوَالِقُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْأَخْرِجَةُ جَمْعُ الْخُرْجِ الَّذِي هُوَ مِنَ الْأَوْعِيَةِ، وَالصَّوَابُ فِيهِ الْخِرَجَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَتَحْرِيكِ الرَّاءِ عَلَى مِثَالِ حِجَرَةٍ. فِي الْقَامُوسِ: الْأَخْرِجَةُ جَمْعُ الْخُرْجِ وَالْخُرْجُ بِالضَّمِّ، وِعَاءٌ مَعْرُوفٌ، وَجَمْعُ أَخْرِجَةٍ، وَالْمَعْنَى نَرْجِعُ حَالَ كَوْنِ أَوْعِيَتِنَا (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ لَحْمِ الْجَزُورِ (مَمْلُوَّةٌ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَيَجُوزُ بِالْهَمْزِ. وَفِي الْمَصَابِيحِ: مُمْلَاةٌ أَيْ: مَلْآنَةٌ، وَالْمُرَادُ مِنَ الرِّحَالِ مَنَازِلُهُمْ فِي سَفَرِ الْغَزْوِ.
стр. 5578
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: فَإِذَا خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْلِفُوا مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَلَا يَأْكُلُوا مِنْهَا ; لِأَنَّ الضَّرُورَةَ انْدَفَعَتْ، وَالْإِبَاحَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِنَّمَا كَانَتْ بِاعْتِبَارِهَا؛ وَلِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ تَأَكَّدَ حَتَّى يُورَثَ نَصِيبُهُ، وَلَا كَذَلِكَ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ، وَمَنْ فَضُلَ مَعَهُ طَعَامٌ، أَوْ عَلَفٌ يَرُدُّهُ إِلَى الْغَنِيمَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَسَمَ الْغَنِيمَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِشَرْطِهِ، وَلَوِ انْتَفَعَ بِهِ قَبْلَ قِسْمَتِهَا بَعْدَ الْإِفْرَازِ يَرُدُّ قِيمَتَهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ، وَعَنْهُ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ اعْتِبَارًا بِالْمُتَلَصِّصِ، وَهُوَ الْوَاحِدُ الدَّاخِلُ وَالِاثْنَانِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ إِذَا أَخَذَ شَيْئًا فَأَخْرَجَهُ يَخْتَصُّ بِهِ. قُلْنَا: مَالٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَانِمِينَ وَالِاخْتِصَاصُ كَانَ لِلْحَاجَةِ، وَقَدْ زَالَتْ بِخِلَافِ الْمُتَلَصِّصِ ; لِأَنَّهُ دَائِمًا أَحَقُّ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ وَبَعْدَهُ، وَأَمَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَيَتَصَدَّقُونَ بِعَيْنِهِ إِنْ كَانَ قَائِمًا، وَبِقِيمَتِهِ إِنْ كَانُوا بَاعُوهُ، هَذَا إِذَا كَانُوا أَغْنِيَاءَ وَانْتَفَعُوا بِهِ إِنْ كَانُوا مَحَاوِيجَ ; لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ اللُّقَطَةِ؛ لِتَعَذُّرِ الرَّدِّ عَلَى الْغَانِمِينَ لِتَفَرُّقِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا تَصَرَّفُوا فِيهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى هَذَا قِيمَةُ مَا انْتَفَعَ بِهِ بَعْدَ الْإِحْرَازِ يَتَصَدَّقُ بِهِ الْغَنِيُّ لَا الْفَقِيرُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5579
٤٠٢٣ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: " «أَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُولَ، فَإِنَّهُ عَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
ــ
٤٠٢٣ - (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: " أَدُّوا الْخِيَاطَ ") بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيِ: الْخَيْطُ، أَوْ جَمْعُهُ (" وَالْمِخْيَطَ ") : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ هُوَ الْإِبْرَةُ (" «وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُولَ» ") : بِالضَّمِّ أَيِ: اتَّقُوا الْخِيَانَةَ فِي الْمَغْنَمِ، أَوْ مُطْلَقًا (" فَإِنَّهُ ") أَيِ: الْغُلُولُ (عَارٌ عَلَى أَهْلِهِ ") أَيْ: عَيْبٌ فِي الدُّنْيَا وَفَضِيحَةٌ وَتَشْوِيهٌ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ فِي الْعُقْبَى (" يَوْمَ الْقِيَامَةِ ") : كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ: " عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ " الْحَدِيثَ. (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) أَيْ: عَنْ عُبَادَةَ.
стр. 5580
٤٠٢٤ - وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ.
ــ
٤٠٢٤ - (وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) .
стр. 5581
٤٠٢٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «دَنَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَعِيرٍ فَأَخَذَ وَبَرَةً مِنْ سَنَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنْ هَذَا الْفَيْءِ شَيْءٌ وَلَا هَذَا وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ إِلَّا الْخُمُسَ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، فَأَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ " فَقَامَ رَجُلٌ فِي يَدِهِ كُبَّةٌ مِنْ شَعَرٍ، فَقَالَ: أَخَذْتُ هَذِهِ لِأُصْلِحَ بِهَا بَرْدَعَةً. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطِّلِبِ فَهُوَ لَكَ " فَقَالَ: أَمَّا إِذْ بَلَغَتْ مَا أَرَى فَلَا أَرَبَ لِي فِيهَا، وَنَبَذَهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٢٥ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: دَنَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَعِيرٍ فَأَخَذَ وَبَرَةً) : بِفَتَحَاتٍ أَيْ: شَعْرَةٌ (مِنْ سَنَامِهِ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ (ثُمَّ قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ ") أَيِ: الشَّأْنُ (" لَيْسَ لِي مِنْ هَذَا الْفَيْءِ شَيْءٌ وَلَا هَذَا ") : يُشِيرُ إِلَى مَا أَخَذَ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَا هَذَا تَأْكِيدٌ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْوَبَرَةِ عَلَى تَأْوِيلِ شَيْءٍ (وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ) أَيْ: وَقَدْ رَفَعَ إِصْبَعَهُ الَّتِي أَخَذَ بِهَا الْوَبَرَةَ لِإِطْلَاعِ النَّاسِ عَلَيْهَا (" إِلَّا الْخُمُسَ ") : بِضَمِّ الْمِيمِ وَيُسَكَّنُ وَهُوَ بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمُسْتَثْنَى بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِ، وَهُوَ الْأَفْصَحُ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ (" وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ ") أَيْ: مَصْرُوفٌ فِي مَصَالِحِكُمْ مِنَ السِّلَاحِ وَالْخَيْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، (" فَأَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ ") : أُعِيدَ لِلتَّأْكِيدِ (فَقَامَ رَجُلٌ فِي يَدِهِ كُبَّةٌ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: قِطْعَةٌ مُكَبْكَبَةٌ مِنْ غَزْلِ شَعَرٍ فَقَوْلُهُ: (مِنْ شَعَرٍ) : فِيهِ تَجْرِيدٌ أَيْ: قِطْعَةٌ مِنْ شَعَرٍ (فَقَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ (أَخَذْتُ هَذِهِ) أَيِ: الْكُبَّةَ (لِأُصْلِحَ بِهَا بَرْدَعَةً) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَقِيلَ بِالْمُعْجَمَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: إِهْمَالُ الدَّالِ أَكْثَرُ، وَفِي الْمُغْرِبِ: هِيَ الْحِلْسُ الَّذِي تَحْتَ رَحْلِ الْبَعِيرِ، (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكَ ") أَيْ: أَمَّا مَا كَانَ نَصِيبِي وَنَصِيبُهُمْ فَأَحْلَلْنَاهُ لَكَ، وَأَمَّا مَا بَقِيَ مِنْ أَنْصِبَاءِ
стр. 5582
الْغَانِمِينَ، فَاسْتِحْلَالُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَمَّا لِلتَّفْصِيلِ وَقَرِينَتُهَا مَحْذُوفَةٌ أَيْ: أَمَّا مَا كَانَ لِي فَهُوَ لَكَ، وَأَمَّا مَا كَانَ لِلْغَانِمِينَ فَعَلَيْكَ بِالِاسْتِحْلَالِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ. (فَقَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ (أَمَّا إِذْ بَلَغَتْ) أَيْ: وَصَلَتْ (هَذِهِ) أَيِ: الْكُبَّةُ، أَوِ الْقَصَّةُ (مَا أَرَى) أَيْ: إِلَى مَا أَرَى مِنَ التَّبِعَةِ وَالْمُضَايَقَةِ، أَوْ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ (فَلَا أَرَبَ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ أَيْ: لَا حَاجَةَ (لِي فِيهَا) أَيْ: إِلَيْهَا (وَنَبَذَهَا) أَيْ: أَلْقَاهَا مِنْ يَدِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5583
٤٠٢٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﵁، قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَعِيرٍ مِنَ الْمَغْنَمِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ الْبَعِيرِ، ثُمَّ قَالَ: " وَلَا يَحِلُّ لِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ مِثْلُ هَذَا إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٢٦ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ) : بِفَتَحَاتٍ (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَعِيرٍ مِنَ الْمَغْنَمِ) أَيْ: مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِ، وَالْمَعْنَى اسْتَقْبَلَ فِي صَلَاتِهِ إِلَى جِهَةِ بَعِيرٍ وَجَعَلَهُ سُتْرَةً لَهُ، (فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ الْبَعِيرِ) أَيْ: مِنْ طَرَفِهِ الصَّادِقِ عَلَى السَّنَامِ، فَتَكُونُ الْقِصَّةُ مُتَّحِدَةً، أَوْ مِنْ ضِلْعِهِ فَتَكُونُ الْقَضِيَّةُ مُتَعَدِّدَةً. (ثُمَّ قَالَ: " وَلَا يَحِلُّ ") : عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ هُوَ مَقُولُ الْقَوْلِ أَيْ: لَا أَتَصَرَّفُ وَلَا يَحِلُّ (" لِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ مِثْلُ هَذَا إِلَّا الْخُمُسُ ") : بِالرَّفْعِ لَا غَيْرُ (" وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ ") أَيْ: فِي مَصَالِحِكُمْ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5584
٤٠٢٧ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁، قَالَ: «لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَتَيْتُهُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَؤُلَاءِ إِخْوَانُنَا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِمَكَانِكَ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ أَرَأَيْتَ إِخْوَانَنَا مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا، وَإِنَّمَا قَرَابَتُنَا وَقَرَابَتُهُمْ وَاحِدَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ هَكَذَا " وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ وَفِيهِ: " «إِنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَا نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ» ". وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
ــ
٤٠٢٧ - (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) : مَرَّ مِرَارًا (قَالَ: لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَتَيْتُهُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ : بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَلَى الْمَفْعُولِ مَعَهُ (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَؤُلَاءِ إِخْوَانُنَا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) : مِنْ بَيَانِيَّةٌ (لَا نُنْكِرُ) أَيْ: نَحْنُ (فَضْلَهُمْ) أَيْ: وَإِنْ كُنَّا مُتَسَاوِينَ فِي النَّسَبِ (لِمَكَانِكَ) أَيْ: لِأَجْلِ مَوْضِعِكَ (الَّذِي وَضَعَكَ اللَّهُ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ بَنِي هَاشِمٍ خَاصَّةً مِنْ بَيْنِنَا، فَإِنَّهُمْ صَارُوا أَفْضَلَ مِنَّا لِكَوْنِهِمْ أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنَّا ; لِأَنَّ جَدَّكَ وَجَدَّهُمْ وَاحِدٌ، وَهُوَ هَاشِمٌ، وَإِنْ كَانَ جَدُّهُمْ وَجَدُّنَا وَاحِدًا، وَهُوَ عَبْدُ مَنَافٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كُنِّيَ بِمَكَانِكَ عَنْ ذَاتِهِ الذَّكِيَّةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] عَلَى قَوْلٍ، " وَكَمَا تَقُولُ: أَخَافَ جَانِبَ فُلَانٍ، وَفَعَلْتُ هَذَا لِمَكَانِكَ، فَإِنْ قُلْتَ: مِنْ أَيِّ قَبِيلٍ هُوَ مِنْ فَنِّ الْبَيَانِ؟ قُلْتُ: مِنْ فَنِّ التَّعْرِيضِ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ يُعَبِّرُونَ عَنِ الْمُسَمَّى بِالْمَجْلِسِ وَالْجَانِبِ وَالْمَكَانِ إِجْلَالًا لَهُ، وَتَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ وَأَنْشَدَ فِي مَعْنَاهُ زُهَيْرٌ: فَعَرِّضْ إِذَا مَا جِئْتَ بِالْبَابِ وَالْحِمَى وَإِيَّاكَ أَنْ تَنْسَى فَتَذْكُرَ زَيْنَبَا سَيَكْفِيكَ مِنْ ذَاكَ الْمُسَمَّى إِشَارَةٌ فَدَعْهُ مَصُونًا بِالْجَلَالِ مُحْجَبَا وَنَظِيرُهُ مِثْلُكَ يَجُودُ بِمَعْنَى أَنْتَ تَجُودُ، وَلَا يُرِيدُونَ بِالْمِثْلِ الشَّبِيهُ وَالنَّظِيرُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَنْ هُوَ بِمَنْزِلِكَ مِنَ الْأَرْيَحِيَّةِ وَالسَّمَاحَةِ يَجُودُ وَحَقُّ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: الَّذِي وَضَعَهُ لِيَرْجِعَ إِلَى الْمَوْصُولِ، وَقَامَ ضَمِيرُ الْخِطَابِ مَقَامَ ضَمِيرِ الْغَائِبِ نَظَرًا إِلَى لَفْظَةِ مَكَانِكَ وَقَرِيبٌ مِنْهُ.
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَةَ
стр. 5585
" وَمِنْ " فِي مِنْهُمُ ابْتِدَائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَضَعَ أَيْ: أَنْشَأَ وَأَصْدَرَ وَضْعَكَ مِنْهُمْ أَيْ: لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْشَأَكَ مِنْهُمْ لَا مِنَّا. (أَرَأَيْتَ) أَيْ: أَخْبِرْنَا (إِخْوَانَنَا) : بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ (مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ) : بَيَانٌ لِإِخْوَانِنَا (أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا) عَطْفٌ، أَوْ حَالٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: يَجُوزُ نَصْبُ إِخْوَانِنَا عَلَى شَرِيطَةِ النَّفْسِ، يَعْنِي أَعْطَيْتَ، وَقَوْلُهُ: مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ حَالٌ وَالرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ،. وَمِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ خَبَرُهُ أَعْطَيْتَهُمْ وَهُوَ الْمُسْتَخْبَرُ عَنْهُ، وَالْجُمْلَةُ مُوَطِّئَةٌ (وَإِنَّمَا قَرَابَتُنَا) أَيْ: بَنُو نَوْفَلٍ، وَمِنْهُمْ جُبَيْرٌ، وَبَنُو عَبْدِ شَمْسٍ، وَمِنْهُمْ عُثْمَانُ (وَقَرَابَتُهُمْ) : يَعْنِي بَنِي الْمُطَّلِبِ (وَاحِدَةٌ) أَيْ: مُتَّحِدَةٌ ; لِأَنَّ أَبَاهُمْ أَخُو هَاشِمٍ وَآبَاؤُنَا كَذَلِكَ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ هَكَذَا (وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) : تَفْسِيرٌ لِهَذَا، وَالتَّشْبِيكُ إِدْخَالُ شَيْءٍ فِي شَيْءٍ أَيْ: أَدْخَلَ أَصَابِعَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْأُخْرَى، وَالْمَعْنَى كَمَا أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَصَابِعِ دَاخِلَةٌ فِي بَعْضٍ، كَذَلِكَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، كَانُوا مُتَرَافِقِينَ مُخْتَلِطِينَ فِي الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ أَقَارِبِنَا، فَلَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِبَنِي هَاشِمٍ، قِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْمُخَالَطَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قُرَيْشًا وَبِنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ) عَلَى أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ، حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمُ النَّبِيَّ ﷺ . (رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ) أَيْ: مِثْلُهُ فِي الْمَعْنَى مَعَ اخْتِلَافٍ فِي الْمَبْنَى (وَفِيهِ) أَيْ: فِي مَرْوِيِّهِمَا (" أَنَا ") : بِالتَّخْفِيفِ (" وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ") : بِالْوَاوِ وَفِي نُسْخَةٍ إِنَّا بِالتَّشْدِيدِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ بِالْيَاءِ (" «لَا نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ» ") : بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسَبَقَ مَا فِيهِ مِنَ الْخِلَافِ اللَّفْظِيِّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْحُكْمِ الْفِقْهِيِّ (وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) .
стр. 5586
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٠٢٨ - «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: إِنِّي وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَإِذَا بِغُلَامَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا، فَقَالَ أَيْ عَمِّ! هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، قَالَ: وَغَمَزَنِي الْآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ أَلَا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِي عَنْهُ. قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَاهُ، قَالَ: " أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ " فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ: " هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَكُمَا؟ " فَقَالَا: لَا فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى السَّيْفَيْنِ، فَقَالَ: " كِلَاكُمَا قَتَلَهُ ". وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو الْجَمُوحِ وَالرَّجُلَانِ: مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٠٢٨ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ : هُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (قَالَ: إِنِّي لَوَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ) : رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفَرًا، وَمَا كَانَ مَعَهُ إِلَّا فَرَسٌ وَاحِدٌ وَقِيلَ فَرَسَانِ وَكَانَ الْكُفَّارُ قَرِيبَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ وَمَعَهُمْ مِائَةُ فَرَسٍ (فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي) أَيْ: مَرَّةً (وَعَنْ شِمَالِي) أَيْ: أُخْرَى، وَهَذِهِ نُكْتَةُ إِعَادَةِ الْجَارِ (فَإِذَا) : لِلْمُفَاجَأَةِ (أَنَا) أَيْ: حَاضِرٌ مَحْفُوفٌ (بِغُلَامَيْنِ) أَيْ: شَابَّيْنِ (مِنَ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ) : بِالْجَرِّ أَيْ: جَدِيدَةٌ (أَسْنَانُهُمَا) أَيْ: أَعْمَارُهُمَا (فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ) أَيْ: وَاقِفًا أَيْ: وَاقِعًا (بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا) : فِي النِّهَايَةِ أَيْ: بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَقْوَى مِنَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ كُنْتُ بَيْنَهُمَا، وَالْمَعْنَى أَنِّي حَقَّرْتُ أَمْرَهُمَا فِي الشَّجَاعَةِ، لِكَوْنِهِمَا شَابَّيْنِ، وَمَا مِنَ الْأَنْصَارِ وَالشُّيُوخِ، لَا سِيَّمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَقْوَى فِي النَّجْدَةِ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ، وَلِذَا قَالَ أَبُو جَهْلٍ: فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ كَانَا شُجَاعَيْنِ، وَبِالْمُهِمَّةِ قَوِيَّيْنِ (فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَشَارَ إِلَيَّ بِالْعَيْنِ، أَوْ بِالْمَدِّ وَقَالَ: الْغَمْزُ الْعَصْرُ وَالْكَيْسُ بِالْيَدِ (فَقَالَ أَيْ: عَمِّ!) أَيْ: يَا عَمِّي (هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ:
стр. 5587
أُخْبِرْتُ) أَيْ: أُنْبِئْتُ (أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ﷺ أَيْ: يَشْتُمُهُ وَيَذُمُّهُ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ) أَيْ: أَبْصَرْتُهُ وَعَرَفْتُهُ (لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ) أَيْ: شَخْصِي شَخْصَهُ، وَفِيهِ اسْتِهَانَةٌ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ يُقَرِّبُهَا لِلَّهِ، وَفِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ) أَيِ: الْأَقْرَبُ أَجَلًا (مِنَّا) أَيْ: مِنِّي وَمِنْهُ (قَالَ) أَيْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ (فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ) : يَعْنِي لِمَا كُنْتُ لَمْ أَظُنَّ بِهِ ذَلِكَ (قَالَ) أَيْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ (وَغَمَزَنِي الْآخَرُ) : عَطْفٌ عَلَى فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا (فَقَالَ لِي مِثْلَهَا) أَيْ: مِثْلُ تِلْكَ الْمَقَالَةِ (فَلَمْ أَنْشَبْ) : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: لَمْ أَلْبَثْ وَلَمْ أَمْكُثْ (أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ) : بِالْجِيمِ أَيْ: يَدُورُ (فِي النَّاسِ) أَيْ: فِيمَا بَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ الْكُفَّارِ (قُلْتُ) أَيْ: لَهُمَا (أَلَا تَرَيَانِ؟) أَيْ: أَلَا تُبْصِرَانِ وَالْهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ (هَذَا صَاحِبُكُمَا) : بِالرَّفْعِ أَيْ: مَطْلُوبُكُمَا (الَّذِي تَسْأَلَانِّي) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَيُخَفَّفُ أَيْ: يَسْأَلُنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا (عَنْهُ) : فِي نُسْخَةٍ بِنَصْبِ صَاحِبِكُمَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بَدَلًا مِنْ هَذَا، وَمَرْفُوعًا عَلَى أَنَّ هَذَا مُبْتَدَأٌ وَهُوَ خَبَرٌ وَتَرَيَانِ مَفْعُولُهُ لَا يُقَدَّرُ، إِذَا الْمُرَادُ إِيجَادُ الرُّؤْيَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يَصْدُرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص: ٢٣] الْكَشَّافُ: تَرْكُ الْمَفْعُولِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ هُوَ الْفِعْلُ لَا الْمَفْعُولُ (قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ) أَيْ: قَارَبَا قَتْلَهُ (ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَاهُ) أَيْ: بِمَا جَرَى لَهُمَا (قَالَ: " أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، قَالَ: " هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَكُمَا؟ ") : بِالتَّثْنِيَةِ (قَالَا: لَا. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى السَّيْفَيْنِ) أَيْ: إِلَى مَحَلِّ الدَّمَّيْنِ مِنْهُمَا (فَقَالَ: " كِلَاكُمَا قَتَلَهُ ") : بِإِفْرَادِ الضَّمِيرِ فِي قَتَلَهُ نَظَرًا إِلَى لَفْظِ كِلَا وَهُوَ أَفْصَحُ مِنَ التَّثْنِيَةِ نَظَرًا إِلَى مَعْنَاهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣] وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمَا مِنْ حَيْثُ الْمُشَارَكَةِ فِي قَتْلِهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ الْكَثِيرِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي السَّبْقِ وَالتَّأْثِيرِ. (وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَلَبِهِ) أَيْ: بِمَسْلُوبِ أَبِي جَهْلٍ (لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ ; لِأَنَّهُ أَثْخَنَهُ بِالْجِرَاحَةِ أَوَّلًا، فَاسْتَحَقَّ السَّلَبَ، ثُمَّ شَارَكَهُ الثَّانِي، ثُمَّ ابْنُ مَسْعُودٍ وَجَدَهُ وَبِهِ رَمَقٌ، فَحَزَّ رَأْسَهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ. (وَالرَّجُلَانِ) أَيِ: الْغُلَامَانِ (مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَمُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ) : هِيَ أُمُّهُ وَهُمَا أَخَوَانِ أُمُّهُمَا وَاحِدٌ وَأَبُوهُمَا مُخْتَلِفٌ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: اشْتَرَكَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ فِي جِرَاحَتِهِ لَكِنَّ مُعَاذَ بْنَ عَمْرٍو أَثْخَنَهُ أَوَّلًا، فَاسْتَحَقَّ السَّلَبَ، وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كِلَاكُمَا قَتَلَهُ " تَطْيِيبًا لِقَلْبِ الْآخَرِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ لَهُ مُشَارَكَةً فِي قَتْلِهِ، وَإِلَّا فَالْقَتْلُ الشَّرْعِيُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ اسْتِحْقَاقُ السَّلَبِ وَهُوَ الْإِثْخَانُ وَإِخْرَاجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُمْتَنِعًا، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْ مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو، فَلِهَذَا قَضَى لَهُ بِالسَّلَبِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ السَّيْفَيْنِ لِيَسْتَدِلَّ بِهِمَا عَلَى حَقِيقَةِ كَيْفِيَّةِ قَتْلِهِمَا، فَعَلِمَ أَنَّ ابْنَ الْجَمُوحِ أَثْخَنَهُ، ثُمَّ شَارَكَهُ الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ، وَبَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ السَّلَبَ. وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ إِنَّمَا أَعْطَاهُ لِأَحَدِهِمَا ; لِأَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي السَّلَبِ يُنَفِّلُ فِيهِ مَا شَاءَ، وَذُكِرَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ الَّذِي ضَرَبَهُ ابْنُ عَفْرَاءَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ ابْنَيْ عَفْرَاءَ ضَرْبَاهُ حَتَّى بَرَدَ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ هُوَ الَّذِي أَجْهَزَ وَأَخَذَ رَأْسَهُ. قَالَ الشَّيْخُ: يُحْمَلُ هَذَا عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِهِ، فَكَانَ إِثْخَانُهُ مِنْ مُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَجَاءَ ابْنُ مَسْعُودٍ بَعْدَ ذَلِكَ وَفِيهِ رَمَقٌ فَحَزَّ رَأْسَهُ، وَفِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى الْحَرْبِ وَالْغَضَبُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَقِرَ أَحَدًا لِصِغَرِهِ وَنَحَافَةِ جِسْمِهِ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ أَمْرٌ خَطِيرٌ، وَاحْتَجَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْقَاتِلِ السَّلَبَ بِقَوْلِهِ: بِلَا بَيِّنَةٍ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ ﷺ لَعَلَّهُ عَرِفَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا تَنْفِيلٌ مِنْهُ ﷺ وَلِذَا أَعْطَى سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يُعْطِ لِابْنِ عَفْرَاءَ شَيْئًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5588
٤٠٢٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: " «مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟ " فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ. قَالَ: " فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقَالَ: أَنْتَ أَبُو جَهْلٍ؟ . فَقَالَ: " وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ؟ . وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٠٢٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: " مَنْ يَنْظُرُ ") أَيْ: يُبْصِرُ وَيَتَحَقَّقُ (" لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ ") : بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ أَيْ: مِنَ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ وَالْهَلَاكِ وَالْخَلَاصِ، وَلَوْ رُوِيَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ أَيْ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: " مَا " اسْتِفْهَامِيَّةٌ عُلِّقَ لِمَعْنَى يَنْظُرُ أَيْ: مَنْ يَتَأَمَّلُ لِأَجْلِنَا مَا حَالُ أَبِي جَهْلٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَسَبَبُ السُّؤَالِ أَنْ يُسَرَّ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، (فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ) أَيْ: قَرُبَ مِنَ الْمَوْتِ، وَفِي الْقَامُوسِ: بَرَدَ مَاتَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مَحْمُولٌ عَلَى الْمُشَارَفَةِ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَبِدَلِيلِ رِوَايَةٍ أُخْرَى: حَتَّى بَرَكَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْكَافِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: بَرَكَ بِالْكَافِ، وَالْمُرَادُ بِهِ سَقَطَ يَعْنِي أَنَّ ابْنَ عَفْرَاءَ بَرَكَاهُ عَقِيرًا (قَالَ) أَيْ: أَنَسٌ ﵁ (فَأَخَذَ) أَيِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (بِلِحْيَتِهِ) : الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ أَيْ: تَنَاوَلَهَا (فَقَالَ: أَنْتَ أَبُو جَهْلٍ. فَقَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ) أَيْ: مِنِّي (قَتَلْتُمُوهُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا بَالَغَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي إِهَانَتِهِ وَتَحْقِيرِهِ بِأَخْذِ لِحْيَتِهِ وَنَبْزِهِ بِأَبِي جَهْلٍ أَجَابَهُ بِهَذَا الْجَوَابِ اهـ. وَالْأَزْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ تَعْظِيمَ شَأْنِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَيْضًا، فَإِنَّ الشَّخْصَ كَمَا يَعِيشُ يَمُوتُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ وَاحِدٍ قَتَلْتُمُوهُ لِعَدَمِ إِطْلَاعِهِ عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ (وَفِي رِوَايَةٍ. قَالَ فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ) : بِتَشْدِيدِ الْكَافِ، وَالْمَعْنَى لَا عَارَ عَلَيَّ مِنْ قَتْلِكُمْ إِيَّايَ فَلَوْ غَيْرُ زَرَّاعٍ (قَتَلَنِي) : لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ وَأَعْظَمَ لِشَأْنِي فِي النِّهَايَةِ: الْأَكَّارُ الزَّرَّاعُ أَرَادَ بِهِ احْتِقَارَهُ وَانْتِقَاصَهُ كَيْفَ مِثْلُهُ لِقَتْلِ مِثْلِهِ؟ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَشَارَ أَبُو جَهْلٍ بِهِ إِلَى ابْنَيْ عَفْرَاءَ اللَّذَيْنِ قَتَلَاهُ وَهُمَا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ وَنَخْلٍ، وَمَعْنَاهُ لَوْ كَانَ الَّذِي قَتَلَنِي غَيْرُ أَكَّارٍ لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ وَأَعْظَمَ لِشَأْنِي. قَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُمَا: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ ; لِأَنَّ مَدْخُولَ لَوْ فَعَلَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٠] يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ لَوْ عَلَى التَّمَنِّي فَلَا يَقْتَضِي جَوَابًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5589
٤٠٣٠ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: «أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ رَجُلًا وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "، أَوْ مُسْلِمًا " ذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ ثَلَاثًا وَأَجَابَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: " إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ فَنَرَى أَنَّ الْإِسْلَامَ الْكَلِمَةُ، وَالْإِيمَانَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ.
ــ
٤٠٣٠ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) : أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: شَيْئًا مِنَ الْعَطَاءِ (رَهْطًا) أَيْ: جَمَاعَةً (وَأَنَا جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنَ الرَّهْطِ (رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمُ إِلَيَّ) أَيْ: أَرْضَاهُمْ دِينًا عِنْدِي (فَقُمْتُ) أَيْ: لِيَتَوَجَّهَ إِلَيَّ وَهَذَا مَسْلَكُ أَدَبٍ (فَقُلْتُ: مَا لَكَ) أَيْ: مَا شَأْنُكَ (عَنْ فُلَانٍ؟ : حَالٌ أَيْ: مُتَجَاوِزًا عَنْهُ (وَاللَّهِ إِنِّي لَأُرَاهُ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ: لَأَظُنُّهُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ أَيْ: لَأَعْلَمُهُ (مُؤْمِنًا) أَيْ: مُصَدِّقًا بَاطِنًا وَمُنْقَادًا ظَاهِرًا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "، أَوْ ") : بِسُكُونِ الْوَاوِ أَيْ: بَلْ (" مُسْلِمًا ") أَيْ: أَظُنُّهُ مُسْلِمًا، أَوْ ظُنَّهُ أَنْتَ مُسْلِمًا وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا وَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ، بَلْ هُوَ إِضْرَابٌ عَنْ قَوْلِ سَعْدٍ، وَلَيْسَ الْإِضْرَابُ هُنَا بِمَعْنَى إِنْكَارِ كَوْنِ الرَّجُلِ مُؤْمِنًا، بَلْ مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنِ الْقَطْعِ بِإِيمَانِ مَنْ لَمْ يُخْتَبَرْ حَالُهُ بِالْخَبَرِ الْبَاطِنِ ; لِأَنَّ الْبَاطِنَ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ، فَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْإِسْلَامِ الظَّاهِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ، أَوْ بِمَعْنَى " بَلْ " كَمَا فِي قَوْلِهِ: أَوْ أَنْتَ فِي الْعَيْنِ أَمْلَحُ أَضْرَبَ عَنْ كَلَامِهِ وَتَرَقَّى أَيْ: أَنَا أَعْلَمُهُ فَوْقَ مَا تَعْلَمُ، قَالَ الرَّاغِبُ: الْإِسْلَامُ فِي الشَّرْعِ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا: دُونَ الْإِيمَانِ وَهُوَ الِاعْتِرَافُ بِاللِّسَانِ، بِهِ يُحْصَنُ الدَّمُ حَصَلَ مَعَهُ الِاعْتِقَادُ، أَوْ لَمْ يَحْصُلْ وَإِيَّاهُ قَصَدَ بِقَوْلِهِ
стр. 5590
تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وَالثَّانِي فَوْقَ الْإِيمَانِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الِاعْتِرَافِ اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ، وَوَفَاءٌ بِالْفِعْلِ، وَاسْتِسْلَامٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِي جَمِيعِ مَا قَضَى وَقَدَّرَ، كَمَا ذُكِرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] (ذَكَرَ ذَلِكَ) أَيِ: الْقَوْلَ (سَعْدٌ ثَلَاثًا وَأَجَابَهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فَأَجَابَهُ (بِمِثْلِ ذَلِكَ) أَيْ: فِي كُلِّ مَرَّةٍ (ثُمَّ قَالَ: " إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ ") : أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ أَيْ: رَجُلًا مِنَ الرِّجَالِ (" وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ ") : الْجُمْلَةُ حَالٌ (" خَشْيَةَ ") : بِالتَّنْوِينِ وَتَرْكِهِ وَهُوَ أَصَحُّ أَيْ: مَخَافَةَ (" أَنْ يُكَبَّ ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُوقَعُ (" فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ ") : لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، أَوْ ; لِأَنَّهُ مِنْ ضُعَفَاءِ الْيَقِينِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ سَعْدًا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُعْطِي نَاسًا وَيَتْرُكُ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ فِي الدِّينِ، فَظَنَّ أَنَّ الْعَطَاءَ بِحَسَبِ الْفَضَائِلِ فِي الدِّينِ، وَظَنَّ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَعْلَمْ حَالَ هَذَا الْإِنْسَانِ، فَأَعْلَمَهُ بِهِ، وَلَمْ يَفْهَمْ سَعْدٌ مِنْ قَوْلِهِ مُسْلِمًا فِيهِ عَنِ الشَّفَاعَةِ مُكَرَّرًا، فَأَعْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْعَطَاءَ لَيْسَ عَلَى حَسَبِ الْفَضَائِلِ فِي الدِّينِ، وَقَالَ: " إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ " إِلَخْ وَالْمَعْنَى إِنِّي أُعْطِي أُنَاسًا مُؤَلَّفَةً فِي إِيمَانِهِمْ ضَعْفٌ لَوْ لَمْ أُعْطِهِمْ لَكَفَرُوا، وَأَتْرُكُ قَوْمًا هُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِينَ أُعْطِيهِمْ وَلَا أَتْرُكُهُمُ احْتِقَارًا لَهُمْ وَلَا لِنَقْصِ دِينِهِمْ، بَلْ أَكِلُهُمْ إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ النُّورِ وَالْإِيمَانِ التَّامِّ. قُلْتُ: وَهَذَا تَخَلُّقٌ بِأَخْلَاقِ اللَّهِ تَعَالَى، حَيْثُ هَكَذَا فَعَلَ بِأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ مِنْ حُسْنِ بَلَائِهِ، وَأَعْطَى الدُّنْيَا لِأَعْدَائِهِ.
قَالَ مَوْلَانَا الْقُطْبُ الرَّبَّانِيُّ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيُّ فِي كِتَابِهِ فُتُوحِ الْغَيْبِ: لَا تَقُولَنَّ يَا فَقِيرَ الْيَدِ، يَا عُرْيَانَ الْجَسَدِ، يَا ظَمْآنَ الْكَبِدِ، يَا مُوَلًّى عَنْهُ الدُّنْيَا بِأَصْحَابِهَا، يَا خَامِلَ الذِّكْرِ بَيْنَ مُلُوكِ الدُّنْيَا وَأَرْبَابِهَا، يَا جَائِعَ يَا نَائِعَ يَا مُشَتَّتًا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ أَرْضٍ وَبِقَاعٍ خَرَابٍ، وَمَرْدُودًا مِنْ كُلِّ بَابٍ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَفْقَرَنِي وَزَوَى عَنِّي الدُّنْيَا، وَتَرَكَنِي وَقَلَانِي وَلَمْ يَرْفَعْ ذِكْرِي بَيْنَ إِخْوَانِي، وَأَسْبَلَ عَلَى غَيْرِي نِعَمَهُ سَابِغَةً يَتَقَلَّبُ بِهَا فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، وَيَتَنَعَّمُ بِهَا فِي دَارِهِ وَدِيَارِهِ وَكِلَانَا مُسْلِمَانِ وَمُؤْمِنَانِ، سَوَاءً، وَأَبُونَا آدَمُ وَأُمُّنَا حَوَّاءُ، وَأَمَّا أَنْتَ فَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِكَ ; لِأَنَّ طِينَتَكَ حُرَّةٌ، وَنَدِيُّ رَحْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ مُتَقَاطِرَةٌ، وَأَنْوَاعٌ مِنَ الصَّبْرِ وَالرِّضَا وَالْيَقِينِ وَالْمُوَافَقَةِ، وَأَنْوَارِ الْمَعْرِفَةِ لَدَيْكَ مُتَوَاتِرَةٌ، فَشَجَرَةُ إِيمَانِكَ وَغَرْسُهَا وَبَذْرُهَا ثَابِتَةٌ مَكِينَةٌ مُورِقَةٌ مُسْتَزِيدَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ مُطِلَّةٌ مُتَفَرِّعَةٌ، فَهِيَ كُلُّ يَوْمٍ فِي نُمُوٍّ وَزِيَادَةٍ فَلَا حَاجَةَ لَهَا إِلَى عِلَقٍ وَسُبَاطَةٍ لِتُنَمَّى وَتُرَبَّى وَتُزَكَّى، وَقَدْ فَرَغَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَمْرِكَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْطَاكَ فِي الْآخِرَةِ فِي دَارِ الْبِقَاءِ دُخُولَكَ فِيهَا، وَأَجْزَلَ عَطَاءَكَ فِي الْعُقْبَى مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] أَيْ: مِنْ أَدَاءِ الْأَوَامِرِ وَتَرْكِ الْمَنَاكِرِ وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيضِ إِلَيْهِ فِي الْمَقْدُورِ، وَالِاعْتِمَادِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَأَمَّا الْغَيْرُ الَّذِي أَعْطَاهُ مِنَ الدُّنْيَا وَنَعِيمِهَا وَخَوَّلَهُ نِعَمَهُ فِيهَا فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَحَلَّ إِيمَانِهِ أَرْضٌ سَبِخَةٌ وَصَخْرٌ لَا يَكَادُ يَثْبُتُ فِيهَا الْمَاءُ، وَتَنْبُتُ فِيهَا الْأَشْجَارُ وَتَتَرَبَّى فِيهَا الزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ، فَصَبَّ عَلَيْهَا أَنْوَاعَ سِبَاطٍ، وَغَيْرَهَا مِمَّا يُرَبَّى بِهِ النَّبَاتُ وَهِيَ الدُّنْيَا وَحُطَامُهَا لِيَسْتَحْفِظَ بِذَلِكَ مَا أَنْبَتَ فِيهَا مِنْ شَجَرَةِ الْإِيمَانِ، وَغَرْسِ الْأَعْمَالِ، فَلَوْ قَطَعَ ذَلِكَ عَنْهَا لَجَفَّ النَّبَاتُ وَالْأَشْجَارُ، وَانْقَطَعَتِ الثِّمَارُ، وَخَرِبَتِ الدِّيَارُ، وَهُوَ يُرِيدُ عِمَارَتَهَا، فَشَجَرَةُ إِيمَانِ الْغَنِيِّ ضَعِيفَةُ الْمَنْبَتِ خَالٍ عَمَّا هُوَ مَشْحُونٌ بِهِ مَنْبَتُ شَجَرَةِ إِيمَانِكَ يَا فَقِيرُ فَقُوَّتُهَا وَبَقَاؤُهَا بِمَا تَرَى عِنْدَهُ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْوَاعِ نَعِيمِهَا، فَلَوْ قَطَعَهَا مَعَ ضَعْفِ الشَّجَرَةِ جَفَّتِ الشَّجَرَةُ، فَكَانَ كُفْرًا وَجُحُودًا وَلَحَاقًا بِالْمُنَافِقِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ وَالْكُفَّارِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ
стр. 5591
عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الْغَنِيِّ عَسَاكِرَ مِنَ الصَّبْرِ وَالرِّضَا وَالْيَقِينِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْعِلْمِ وَأَنْوَارِ الْمَعَارِفِ، فَيُقَوِّيَ الْإِيمَانَ بِهَا حِينَئِذٍ حَتَّى لَا يُبَالِيَ بِانْقِطَاعِ الْغِنَى وَالنَّعِيمِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَنُرَى: بِضَمِّ النُّونِ وَيُفْتَحُ (أَنَّ الْإِسْلَامَ الْكَلِمَةُ) أَيْ: كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ (وَالْإِيمَانَ) : بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ (الْعَمَلُ الصَّالِحُ) أَيِ: الشَّامِلُ لِلْعَمَلِ الْقَلْبِيِّ وَهُوَ التَّصْدِيقُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: أَمَّا عَلَى تَأْوِيلِ الزُّهْرِيِّ، فَيَجِبُ حَمْلُ "، أَوْ " عَلَى التَّنْوِيعِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦] أَيْ: مُؤْمِنٌ وَمُسْلِمٌ جَمَعَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ ظَاهِرًا بَاطِنًا
стр. 5592
٤٠٣١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ: " إِنَّ عُثْمَانَ انْطَلَقَ فِي حَاجَةِ اللَّهِ، وَحَاجَةِ رَسُولِهِ، وَإِنِّي أُبَايِعُ لَهُ " فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَهْمٍ، وَلَمْ يَضْرِبْ بِشَيْءٍ لِأَحَدٍ غَابَ غَيْرَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٣١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ) : تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ (فَقَالَ: " إِنَّ عُثْمَانَ انْطَلَقَ فِي حَاجَةِ اللَّهِ ") أَيْ: خِدْمَتِهِ وَفِي سَبِيلِهِ وَرِضَاهُ وَأَمْرِ دِينِهِ (" وَحَاجَةِ رَسُولِهِ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَكَرَ حَاجَةَ اللَّهِ تَوْطِئَةً لِقَوْلِ حَاجَةِ رَسُولِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وَكَرَّرَ الْحَاجَّةَ لِزِيَادَةِ تَأْكِيدٍ، وَعُثْمَانُ ﵁ تَخَلَّفَ فِي الْمَدِينَةِ لِتَمْرِيضِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ زَوْجَتُهُ اهـ. وَهِيَ رُقَيَّةُ فَإِنَّهَا مَاتَتْ وَدُفِنَتْ وَهُوَ ﷺ بِبَدْرٍ، (" وَإِنِّي أُبَايِعُ لَهُ ") أَيْ: لِأَجْلِهِ وَبَدَلِهِ، فَضَرَبَ بِيَمِينِهِ ﷺ عَلَى شِمَالِهِ وَقَالَ: هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ. (فَضَرَبَ) أَيْ: جَعَلَ وَبَيَّنَ (لَهُ) أَيْ: لِعُثْمَانَ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَهْمٍ، وَلَمْ يَضْرِبْ لِأَحَدٍ غَابَ غَيْرَهُ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، أَوِ الْوَصْفِيَّةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5593
٤٠٣٢ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْعَلُ فِي قَسْمِ الْمَغَانِمِ عَشْرًا مِنَ الشَّاءِ بِبَعِيرٍ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
ــ
٤٠٣٢ - (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ : سَبَقَ ذِكْرُهُ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْعَلُ فِي قَسْمِ الْمَغَانِمِ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ السِّينِ مَصْدَرٌ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ جَمْعُ قِسْمَةٍ وَفِي نُسْخَةٍ الْغَنَائِمُ (عَشْرًا مِنَ الشَّاءِ) : بِالْهَمْزِ اسْمُ جِنْسٍ مُفْرَدُهُ الشَّاةُ بِالتَّاءِ (بِبَعِيرٍ) أَيْ: بَلْ بَعِيرٌ وَفِي مُقَابَلَتِهِ (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .
стр. 5594
٤٠٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعُنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلَا رَجُلٌ، اشْتَرَى غَنَمًا، أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا، فَغَزَا، فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ، احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ يَعْنِي النَّارَ لِتَأْكُلَهَا، فَلَمْ تَطْعَمْهَا، فَقَالَ إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا، فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَجَاءُوا، بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَوَضَعَهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا ". زَادَ فِي رِوَايَةٍ: " فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ قَبْلَنَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ، رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٠٣٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ النَّبِيُّ ﷺ " غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ") : هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ أَيْ: أَرَادَ الْغَزْوَ (" فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتَّبِعُنِي ") : بِتَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّخْفِيفِ وَكَسْرِهَا أَيْ: لَا يُرَافِقُنِي (" رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ ") : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: فَرْجَهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبُضْعُ يُطْلَقُ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْجِمَاعِ مَعًا، وَعَلَى الْفَرْجِ، وَالْمَعْنَى نَكَحَ امْرَأَةً وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا. (" وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا ") أَيْ: يَدْخُلُ عَلَيْهَا (" وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا ") أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا بَعْدُ (" وَلَا أَحَدٌ ") أَيْ: وَلَا يَتَّبِعُنِي أَحَدٌ (" بَنَى بُيُوتًا ") : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا (" وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا ") أَيْ:
стр. 5595
وَلَمْ يُكْمِلْ مَا يَتَعَلَّقُ بِضَرُورَةِ عِمَارَتِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَيْدَ الْجَمْعِ اتِّفَاقِيٌّ، أَوْ عَادِيٌّ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ مُتَابَعَةِ هَذِهِ الْأَشْخَاصِ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ ; لِأَنَّ تَعَلُّقَ النَّفْسِ يُوهِنُ عَزْمَ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ فَتَفُوتُ الْمَصْلَحَةُ: قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ الْأُمُورَ الْمُهِمَّةَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُفَوَّضَ إِلَّا إِلَى أُولِي الْحَزْمِ وَفَرَاغِ الْبَالِ لَهَا، وَلَا تُفَوَّضَ إِلَى مُتَعَلِّقِي الْقَلْبِ بِغَيْرِهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُضْعِفُ عَزْمَهُ. (" وَلَا رَجُلٌ اشْتَرَى غَنَمًا ") : جِنْسٌ ("، أَوْ خَلِفَاتٍ ") : جَمْعُ الْخَلِفَةِ بِفَتْحٍ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْحَامِلُ مِنَ النُّوقِ وَ (أَوْ) : لِلتَّنْوِيعِ (" وَهُوَ يَنْتِظَرُ وِلَادَهَا ") : بِكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ: نِتَاجَهَا، وَالضَّمِيرُ إِلَى الْخَلِفَاتِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ ; لِأَنَّهُ يُعْلَمُ مِنْهَا حُكْمُ الْأُخْرَى؛ إِذِ التَّقْدِيرُ: وِلَادَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، أَوْ وِلَادَ الْمَذْكُورَاتِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ عَلَى التَّغْلِيبِ، (" فَغَزَا ") أَيْ: قَصَدَ الْغَزْوَ وَشَرَعَ فِي سَفَرِهِ (" فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي الْبُخَارِيِّ وَفِي مُسْلِمٍ: فَأَدْنَى. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِهَمْزِ الْقَطْعِ، وَكَذَا عَنِ الْقَاضِي عِيَاضٍ أَيْضًا، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَعْدِيَةً لَدَنَا. بِمَعْنَى قَرُبَ أَيْ: أَدْنَى جُيُوشَهُ إِلَى الْقَرْيَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى حَانَ أَيْ: حَانَ فَتْحُهَا مِنْ قَوْلِهِمْ: أَدْنَتِ النَّاقَةُ إِذَا حَانَ وَقْتُ نِتَاجِهَا، وَلَمْ يَقُلْ فِي غَيْرِ النَّاقَةِ. فِي النِّهَايَةِ: فَأَدْنَى بِالْقَرْيَةِ هَكَذَا جَاءَ فِي مُسْلِمٍ، وَهُوَ افْتَعَلَ مِنَ الدُّنُوِّ وَأَصْلُهُ أَدْتَنَى فَأُدْغِمَ التَّاءُ فِي الدَّالِ اهـ. فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ: أَدَانَ مِنَ الدَّيْنِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ قَرُبَ مِنَ الْقَرْيَةِ (" صَلَاةَ الْعَصْرِ ") أَيْ: وَقْتَهَا، وَالْمُرَادُ آخِرُ أَجْزَائِهِ لِقَوْلِهِ: ("، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ") أَيْ: مِنْ آخِرِ الْعَصْرِ، فَأَوْ لِلتَّرْدِيدِ احْتِيَاطًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي (" فَقَالَ ") أَيْ: ذَلِكَ النَّبِيُّ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ) أَيْ: بِالسَّيْرِ (وَأَنَا مَأْمُورٌ) أَيْ: بِفَتْحِ الْقَرْيَةِ فِي النَّهَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَاتَلَ الْجَبَّارِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا أَدْبَرَتِ الشَّمْسُ خَافَ أَنْ تَغِيبَ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْهُمْ، وَيَدْخُلَ السَّبْتُ فَلَا يُحِلُّ لَهُ قِتَالُهُمْ فِيهِ فَدَعَا اللَّهَ. (" وَقَالَ: اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَتْ ") أَيِ: الشَّمْسُ (" حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ ") .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا فِي حَبْسِ الشَّمْسِ، فَقِيلَ رُدَّتْ عَلَى أَدْرَاجِهَا، وَقِيلَ: وَقَفَتْ بِلَا رَدٍّ، وَقِيلَ: بَطَأَ تَحَرُّكُهَا. قُلْتُ: أَوْسَطُهَا ; لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ فِي مَعْنَى الْحَبْسِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ حُبِسَتْ لَهُ الشَّمْسُ مَرَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ حِينَ شُغِلُوا عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَرَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ» قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَقَالَ: رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَالثَّانِيَةُ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ حِينَ انْتَظَرَ الْعِيرَ الَّتِي أَخْبَرَ بِوُصُولِهَا مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ. وَفِي الْمَوَاهِبِ: وَأَمَّا رَدُّ الشَّمْسِ لِحُكْمِهِ ﷺ ، فَرُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ، وَرَأَسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ ﵁، فَلَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَصْلَيْتَ يَا عَلِيُّ "؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ فِي طَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ فَارْدُدْ عَلَيْهِ الشَّمْسَ، ". قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَرَأَيْتُهَا غَرَبَتْ، ثُمَّ رَأَيْتُهَا طَلَعَتْ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ، وَوَقَعَتْ عَلَى الْجِبَالِ وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ بِالصَّهْبَاءِ فِي خَيْبَرَ» ، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي مُشْكِلِ الْحَدِيثِ كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي فِي الشِّفَاءِ، وَقَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْعَسْقَلَانِيَّ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَصْلَ لَهُ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَأَوْرَدَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَلَكِنْ قَدْ صَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ وَابْنُ شَاهِينَ وَغَيْرُهُمْ فِي الشِّفَاءِ: «لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَأَخْبَرَ قَوْمَهُ بِالرُّفْقَةِ وَالْعَلَامَةِ الَّتِي فِي الْعِيرِ قَالُوا: مَتَى تَجِيءُ، قَالَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءَ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَشْرَفَتْ قُرَيْشٌ يَنْظُرُونَ وَقَدْ وَلَّى النَّهَارُ، وَلِمَ تَجِئْ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزِيدَ لَهُ فِي النَّهَارِ سَاعَةً وَحُبِسَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَمَرَ الشَّمْسَ فَتَأَخَّرَتْ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ» اهـ.
стр. 5596
وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ رَدَّ الشَّمْسِ بِمَعْنَى تَأْخِيرِهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا كَادَتْ أَنْ تَغْرُبَ فَحَبَسَهَا فَيَنْدَفِعُ بِذَلِكَ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَمِنْ تَغَفُّلِ وَاضِعِهِ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى صُورَةِ فَضِيلَةٍ، وَلَمْ يَلْمَحْ إِلَى عَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهَا، فَإِنَّ صَلَاةَ الْعَصْرِ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ تَصِيرُ قَضَاءً، وَرُجُوعَ الشَّمْسِ لَا يُعِيدُهَا أَدَاءً اهـ. مَعَ إِنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْخُصُومَاتِ وَهُوَ أَبْلَغُ فِي بَابِ الْمُعْجِزَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِتَحْقِيقِ الْحَالَاتِ. قِيلَ: يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «لَمْ تُحْبَسِ الشَّمْسُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ» " وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَعْنَى لَمْ تُحْبَسْ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرِي إِلَّا لِيُوشِعَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ يَعْنِي النَّارَ ") : تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (" لِتَأْكُلَهَا ") : مُتَعَلِّقٌ بِجَمَعَ (" فَلَمْ تَطْعَمْهَا ") أَيْ: لَمْ تَأْكُلْهَا فَفِيهِ تَفَنُّنٌ فِي الْعِبَارَةِ وَالْمَعْنَى فَلَمْ تَحْرِقْهَا وَلَمْ تَعْدِمْهَا؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَكَانَتْ عَادَةُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ أَنْ يَجْمَعُوا الْغَنَائِمَ فَتَجِيءَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلَهَا عَلَامَةً لِقَبُولِهَا وَعَدَمِ الْغُلُولِ فِيهَا (" فَقَالَ ") أَيْ: ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لِقَوْمِهِ: (" إِنَّ فِيكُمْ ") أَيْ: فِيمَا بَيْنَكُمْ إِجْمَالًا (" غُلُولًا ") : بِالضَّمِّ، وَيُحْتَمَلُ الْفَتْحُ بِمَعْنَى غَالٍّ (" فَلْيُبَايِعْنِي ") : بِسُكُونِ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ (" مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ. فَلَزِقَتْ ") : بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ: فَفَعَلُوا فَلَصِقَتْ (" يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمْ ") أَيْ: عَلَى الْخُصُوصِ (" الْغُلُولُ، فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ ") : بِجَرِّ مِثْلِ عَلَى الْوَصْفِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ أَيْ: مُمَاثِلًا لِرَأْسِ بَقَرَةٍ وَقَوْلُهُ: " مِنَ الذَّهَبِ ") : بَيَانٌ لِرَأْسٍ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ (" فَوَضَعَهَا ") أَيِ: النَّبِيُّ الرَّأْسَ وَأَنَّثَ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْغَنِيمَةُ (" فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا ". زَادَ) أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ (فِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا، أَوْ لِغَيْرِهِمَا (" فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ قَبْلَنَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ الْغَنَائِمَ ") أَيْ: سَتْرًا عَلَيْنَا وَتَوْسِعَةً لِلدُّنْيَا وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا (وَرَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا) اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (" فَأَحَلَّهَا لَنَا ") : إِعَادَةٌ لِتَرَتُّبِ الْحُكْمِ وَالْأَوَّلُ لِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5597
٤٠٣٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ ﵁ قَالَ: " «لَمَّا كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، وَفُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَلَّا إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا، أَوْ عَبَاءَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا ابْنَ الْخَطَّابِ اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ " ثَلَاثًا. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ: أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ، ثَلَاثًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٠٣٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ) : لَيْسَ ﵁ فِي الْأُصُولِ (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ) : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ (أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ : بِالْفَتْحِ جَمْعُ صَاحِبٍ وَلَمْ يُجْمَعْ فَاعِلٌ عَلَى فَعَالَةٍ إِلَّا هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ (فَقَالُوا) أَيْ: بَعْضُهُمْ (فُلَانٌ) أَيْ: مِمَّنْ قُتِلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ (شَهِيدٌ، وَفُلَانٌ شَهِيدٌ) أَيْ: وَهَكَذَا (حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ) أَيِ: الْمَمْرُورُ عَلَيْهِ (شَهِيدٌ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَلَّا ") : رَدْعٌ لِمَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ شَهِيدٌ أَنَّ رُوحَهُ فِي الْجَنَّةِ (" إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ ") أَيْ: لِأَجْلِ قِطْعَةِ ثَوْبٍ مُخَطَّطٍ (غَلَّهَا ") أَيْ: خَانَهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ ("، أَوْ عَبَاءَةٍ ") : بِفَتْحِ أَوَّلِهَا مَمْدُودًا وَيُقْصَرُ كِسَاءٌ لَبِسَهَا الْأَعْرَابُ وَهِيَ ذَاتُ خُطُوطٍ أَيْ:، أَوْ فِي عَبَاءَةٍ غَلَّهَا وَالشَّكُّ لِأَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: أَنَّهُ ") : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيُكْسَرُ وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (" لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ") أَيِ: ابْتِدَاءً (" إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ ") أَيِ: الْكَامِلُونَ (ثَلَاثًا) : مُتَعَلِّقٌ بِنَادِ (وَقَالَ) أَيْ: عُمَرُ (فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ: أَلَا إِنَّهُ) : لِلتَّنْبِيهِ (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ، ثَلَاثًا) .
стр. 5598
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُؤْمِنُ فِي الْعُرْفِ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَمَنْ غَلَّ كَأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلَى مُوجِبِ تَصْدِيقِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ زَجْرًا لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقُونَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَبِالدُّخُولِ بِلَا عَذَابٍ، وَقَوْلُهُ: " إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ مَنْ يُعَذَّبُ فِي النَّارِ يَدْخُلُهَا، وَيُعَذَّبُ فِيهَا قَبْلَ الْقِيَامَةِ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ ; لِأَنَّ النُّصُوصَ شَاهِدَةٌ عَلَى أَنَّ دُخُولَ النَّارِ حَقِيقَةً يَكُونُ بَعْدَ الْحَشْرِ، فَتُحْمَلُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ عَلَى وَجْهِ التَّمْثِيلِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ سَيَكُونُ كَذَلِكَ، كَمَا مُثِّلَ لَهُ ﷺ دُخُولُ بِلَالٍ فِي الْجَنَّةِ قَبْلَ مَوْتِهِ، نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ، لَكِنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ لَا بِهَذَا الْوَجْهِ.
قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ مَجَازٌ أَيْ: عَلِمْتُهُ فِي الْمَعْصِيَةِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ - وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ - يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٥] وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالنَّارِ نَارُ الْبَرْزَخِ، كَمَا فِي حَدِيثِ: " «الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ» "، أَوِ الرُّؤْيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْكَشْفِ وَالْمُشَاهَدَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَآلَهُ إِلَى النَّارِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: الْكَلَامُ فِي الشَّهَادَةِ لَا فِي الْإِيمَانِ فَمَا مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ؟ قُلْتُ: هُوَ تَغْلِيظٌ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ يَعْنِي جَزَمْتُمْ أَنَّهُ مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فَدَعُوا هَذَا الْكَلَامَ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي إِيمَانِهِ زَجْرًا وَرَدْعًا عَنِ الْغُلُولِ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنَّهُ انْكَشَفَ لَهُ ﷺ أَنَّهُ فِي النَّارِ، وَمَا انْكَشَفَ لَهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَحَقِيقَةُ الشَّهَادَةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْإِيمَانِ، كَمَا أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِالشَّهَادَةِ. لَا سِيَّمَا وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ بَعْضُ أَسْبَابِ الشَّقَاوَةِ، وَإِنْ كَانَ حَصَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَحْوَالِ السَّعَادَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5599
[بَابُ الْجِزْيَةِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٠٣٥ - عَنْ بَجَالَةَ ﵁، قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ، فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁، قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ. وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ ﵁، إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ فِي " بَابِ الْكِتَابِ إِلَى الْكُفَّارِ ".
ــ
بَابُ الْجِزْيَةِ
قَالَ الرَّاغِبُ: الْجِزْيَةُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَتَسْمِيَتُهَا بِذَلِكَ لِلِاجْتِزَاءِ بِهَا فِي حَقْنِ دَمِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] أَيْ: ذَلِيلُونَ حَقِيرُونَ مُنْقَادُونَ. وَفِي الْهِدَايَةِ: لَوْ بَعَثَ بِهَا عَلَى يَدِ نَائِبِهِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ، بَلْ يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا نَفْسُهُ فَيُعْطِيَ قَائِمًا، وَالْقَابِضُ جَالِسٌ وَفِي رِوَايَةٍ: يَأْخُذُهُ بِتَلَابِيبِهِ وَهُوَ مَا يَلِي صَدْرَهُ مِنْ ثِيَابِهِ، وَيَقُولُ: أَعْطِ الْجِزْيَةَ يَا ذِمِّيُّ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْجِزْيَةُ فِي اللُّغَةِ الْجَزَاءُ وَإِنَّمَا بُنِيَتْ عَلَى فِعْلَةٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى هَيْئَةِ الْإِذْلَالِ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: جِزْيَةٌ تُوضَعُ بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْحِ عَلَيْهَا فَتَتَقَدَّرُ بِحَسَبِ مَا عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ، فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ تَحَرُّزًا عَنِ الْغَدْرِ، وَأَصْلُهُ صُلْحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ نَجْرَانَ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ نَصَارَى بِقُرْبِ الْيَمَنِ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ فِي الْعَامِ، عَلَى مَا فِي أَبِي دَاوُدَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ. النِّصْفُ فِي صِفْرٍ، وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ» اهـ.
وَالْحُلَّةُ: ثَوْبَانِ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ وَفِي رِوَايَةٍ: كُلُّ حُلَّةٍ أُوقِيَةٌ بِمَعْنَى قِيمَتُهَا أُوقِيَةٌ. وَصَالَحَ عُمَرُ ﵁ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ مُسْلِمٍ مِنَ الْمَالِ الْوَاجِبِ، وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ جِزْيَةٌ يَبْتَدِئُ الْإِمَامُ بِتَوْظِيفِهَا إِذَا غَالَبَ عَلَى الْكُفَّارِ، فَفَتَحَ بِلَادَهُمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ، فَهَذِهِ مُقَدَّرَةٌ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ شَاءُوا، أَوْ أَبَوْا، رَضُوا، أَوْ لَمْ يَرْضَوْا، فَيَضَعُ عَلَى الْغَنِيِّ فِي سَنَةٍ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَيْنِ، وَعَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهْمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمٍا وَاحِدًا، وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُمَاكِسَهُمْ حَتَّى يَأْخُذَ مِنَ الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَيْنِ، وَمِنَ الْغَنِيِّ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُوضَعُ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ أَيْ: بَالِغٍ دِينَارًا، أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَقَالَ
стр. 5600
مَالِكٌ: يَأْخُذُ مِنَ الْغَنِيِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، أَوْ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَمِنَ الْفَقِيرِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ دِينَارًا. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ هِيَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ، بَلْ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ ; لِأَنَّهُ ﵇ أَمَرَ مُعَاذًا يَأْخُذُ الدِّينَارَ، وَصَالَحَ هُوَ ﵇ نَصَارَى نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٠٣٥ - (عَنْ بَجَالَةَ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ابْنُ عَبْدٍ التَّمِيمِيُّ مَكِّيٌّ ثِقَةٌ، وَيُعَدُّ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ، سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، وَعَنْهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَبِهَمْزَةٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَكَذَا يَرْوِيهِ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ، وَيَقُولُونَهُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَقَالَ عَبْدُ الْغَنِيِّ: بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ أَيْ: مِمَّا ذُكِرَ فِي اسْمِهِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، وَقِيلَ: بِكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهَا يَاءٌ مُشَدَّدَةٌ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَهُوَ تَمِيمِيٌّ تَابِعِيٌّ، وَكَانَ وَالِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِالْأَهْوَازِ (عَمِّ الْأَحْنَفِ) أَيِ: ابْنِ قَيْسٍ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ جَزْءٍ (فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: فَرِّقُوا) أَيْ: فِي النِّكَاحِ (بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ) : أَمَرَهُمْ بِمَنْعِ الْمَجُوسِيِّ الذِّمِّيِّ عَنْ نِكَاحِ الْمَحْرَمِ كَالْأُخْتِ وَالْأُمِّ وَالْبِنْتِ ; لِأَنَّهُ شِعَارٌ مُخَالِفٌ لِلْإِسْلَامِ، فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنْ دِينِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَحْرَمُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، وَمَعْنَاهُ الَّذِي يَحْرُمُ أَذَاكَ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ: مُسْلِمٌ مَحْرَمٌ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يَرْفَعُ بِهِ قِيلَ: مَعْنَاهُ بَعِّدُوا أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْمَجُوسِ (وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ) أَيْ: عَبَدَةِ النَّارِ (حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَهَا) أَيِ: الْجِزْيَةَ (مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ) : بِفَتْحِ هَاءٍ وَجِيمٍ قَاعِدَةُ أَرْضِ الْبَحْرِينِ كَذَا فِي الْمُغْنِي، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَجَرُ بَلْدَةٌ فِي الْبَحْرِينِ اهـ. وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْمُ بَلَدٍ بِالْيَمَنِ يَلِي الْبَحْرِينِ وَاسْتِعْمَالُهُ عَلَى التَّذْكِيرِ وَالصَّرْفِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَجَرُ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا وَبِفَتْحِ الْجِيمِ اسْمُ بَلَدٍ فِي الْيَمَنِ، وَقِيلَ: اسْمُ قَرْيَةٍ بِالْمَدِينَةِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَسْرَ الْهَاءِ سَهْوُ قَلَمٍ لِمُخَالَفَتِهِ أَرْبَابَ اللُّغَةِ وَأَصْحَابَ الْحَدِيثِ، فَفِي الْقَامُوسِ: هَجَرُ مُحَرَّكَةٌ بَلَدٌ بِالْيَمَنِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَثَرَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مَذْكُورٌ مَصْرُوفٌ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ وَيُمْنَعُ، وَاسْمٌ لِجَمِيعِ أَرْضِ الْبَحْرِينِ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ: كَمُبَضِّعِ تَمْرٍ إِلَى هَجَرَ، وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁: عَجِبْتُ لِتَاجِرِ هَجَرَ كَأَنَّهُ أَرَادَ لِكَثْرَةِ مَائِهِ، أَوْ لِرُكُوبِ الْبَحْرِ، وَقَرْيَةٌ كَانَتْ قُرْبَ الْمَدِينَةِ يُنْسَبُ إِلَيْهَا الْقِلَالُ، أَوْ تُنْسَبُ إِلَى هَجَرِ الْيَمَنِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا أُخِذَتِ الْجِزْيَةُ مِنْهُمْ بِالسُّنَّةِ، كَمَا أُخِذَتْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْكِتَابِ، وَقِيلَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ يَدْرُسُونَهُ، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ أُسْرِيَ عَلَى كِتَابِهِمْ فَرُفِعَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.
стр. 5601
(وَذَكَرَ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ، إِذَا أَمَّرَ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ: عَيَّنَ (أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى جَيْشِهِ، الْحَدِيثُ بِطُولِهِ (فِي بَابِ: الْكِتَابِ) أَيِ: الْكِتَابَةُ (إِلَى الْكُفَّارِ) .
стр. 5602
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٠٣٦ - عَنْ مُعَاذٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ ـ يَعْنِي: مُحْتَلِمٍ ـ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِيِّ: ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٠٣٦ - (عَنْ مُعَاذٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا وَجَّهَهُ) أَيْ: أَرْسَلَهُ (إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ) أَيْ: بَالِغٍ (يَعْنِي: مُحْتَلِمٍ) : تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ بِمَعْنَى أَيْ: وَلِذَا جَرَّ مُحْتَلِمٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَدُلُّ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا مِنَ الرَّجُلِ الْبَالِغِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَا جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ، وَكَذَا عَلَى مَجْنُونٍ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ الْجِزْيَةَ بَدَلٌ عَنْ قَتْلِهِمْ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، أَوْ عَنْ قِتَالِهِمْ نُصْرَةً لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى قَوْلِنَا، وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وَلَا عَلَى أَعْمَى وَزَمِنٍ وَمَفْلُوجٍ، وَلَا مِنَ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى قِتَالٍ وَلَا كَسْبٍ، وَلَا عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ يَعْنِي الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ فِي ذِمَّتِهِ لَهُ إِطْلَاقُ حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: " خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ " وَلَنَا: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ بَعَثَهُ عُمَرُ لَمْ يُوَظِّفِ الْجِزْيَةَ عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ، وَرَوَى ابْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ بِسَنَدِهِ قَالَ: أَبْصَرَ عُمَرُ شَيْخًا كَبِيرًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَسْأَلُ فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي مَالٌ وَإِنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنِّي فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَنْصَفْنَاكَ أَكَلْنَا شَبِيبَتَكَ، ثُمَّ نَأْخُذُ مِنْكَ الْجِزْيَةَ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ لَا تَأْخُذُوا الْجِزْيَةَ مِنْ شَيْخٍ كَبِيرٍ، وَلَا يُوضَعُ عَلَى الْمَمْلُوكِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ اتِّفَاقًا، وَلَا يُوضَعُ عَلَى الرُّهْبَانِ جَمْعُ رَاهِبٍ، وَقَدْ يُقَالُ: لِلْوَاحِدِ رُهْبَانٌ أَيْضًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخَالِطَ النَّاسَ، وَمَنْ خَالَطَ مِنْهُمْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ. (دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ مَا يُسَاوِي الشَّيْءَ مِنْ جِنْسِهِ، وَبِالْكَسْرِ هُوَ الْمِثْلُ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ: مَا يُسَاوِيهِ، وَهُوَ مَا يُعَادِلُ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَتَحُوا عَيْنَهُ لِلتَّفَرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ الْمِثْلُ اهـ. فَيَنْبَغِي أَنْ يُضْبَطَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ لَا غَيْرُ، لَكِنَّهُ فِي النُّسَخِ مَضْبُوطًا بِالْوَجْهَيْنِ، فَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَفِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: الْعَدْلُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ الْمِثْلُ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ مَا عَادَلَهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَبِالْكَسْرِ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ. (مِنَ الْمَعَافِرِيِّ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: مَعَافِرُ عَلَمُ قَبِيلَةٍ مِنْ هَمْدَانَ لَا يَنْصَرِفُ فِي مَعْرِفَةٍ وَلَا نَكِرَةٍ ; لِأَنَّهُ جَاءَ عَلَى مِثَالِ مَا لَا يَنْصَرِفُ مِنَ الْجَمْعِ، وَإِلَيْهِمْ تُنْسَبُ الثِّيَابُ الْمَعَافِرِيَّةُ تَقُولُ: ثَوْبٌ مَعَافِرِيٌّ فَتَصْرِفُهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: مَعَافِرُ كَذَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ مِنَ الْمَعَافِرِيِّ كَمَا فِي الْمَتْنِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْمَعَافِرِيُّ ثَوْبٌ مَنْسُوبٌ إِلَى مَعَافِرَ بْنِ مُرَّةَ، ثُمَّ صَارَ اسْمًا لِلثَّوْبِ بِلَا نِسْبَةٍ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْرِبِ. وَفِي الْجَمْهَرَةِ لِابْنِ دُرَيْدٍ: مَعَافِرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ الثِّيَابُ الْمَعَافِرِيَّةُ، وَفِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلْقُتَيْبِيِّ: الْبُرُدُ الْمَعَافِرِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى مَعَافِرَ مِنَ الْيَمَنِ، وَفِي الْجَمْهَرَةِ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَوْبٌ مَعَافِرُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، فَمَنْ نَسَبَ فَقَدْ أَخْطَأَ عِنْدَهُ اهـ.
стр. 5603
وَقَالَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ قَوْلُهُ: مَعَافِرُ أَيْ: ثِيَابٌ مَعَافِرُ بِحَذْفِ الْمُضَافِ. (ثِيَابٌ) : بِالرَّفْعِ أَيْ: هِيَ ثِيَابٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ (تَكُونُ بِالْيَمَنِ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِالْيَمَنِ، قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ ; لِأَنَّهُ ﷺ عَمَّمَ الْحُكْمَ وَلَمْ يُفَصِّلْ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُؤْخَذُ مِنَ الْمُوسِرِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَانِ، وَمِنَ الْمُعْسِرِ دِينَارٌ اهـ.
وَسَبَقَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، بَلِ الْمُسْتَحَبُّ، ثُمَّ مَذْهَبُنَا مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي كُتُبِهِمْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَجَّهَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إِلَى السَّوَادِ، فَمَسَحَا أَرْضَهَا وَوَضَعَا عَلَيْهِ الْخَرَاجَ، وَجَعَلَا النَّاسَ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ عَلَى مَا قُلْنَا، فَلَمَّا رَجَعَا أَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ عَمِلَ عُثْمَانُ كَذَلِكَ ﵁، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: وَضَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي الْجِزْيَةِ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَهُوَ مُرْسَلٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مَعْدِلٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ عُمَرَ وَضَعَ إِلَى آخِرِهِ، وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ إِلَى أَبِي نُصْرَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، فِيمَا فُتِحَ مِنَ الْبِلَادِ، وَوَضَعَ عَلَى الْغَنِيِّ إِلَخْ. وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَسْنَدَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ إِلَى حَارِثَةَ بْنِ مَضْرِبٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَوَضَعَ عَلَيْهِمْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ، وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَاثْنَيْ عَشَرَ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِلَا نَكِيرٍ، فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ. قَالَ: وَمَا رُوِيَ مِنْ وَضْعِ الدِّينَارِ عَلَى الْكُلِّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صُلْحًا، فَإِنَّ الْيَمَنَ لَمْ يُفْتَحْ عَنْوَةً، بَلْ صُلْحًا، فَوَضَعَ عَلَى ذَلِكَ، وَبِهِ قُلْنَا، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ كَانُوا أَهْلَ فَاقَةٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَعْلَمُ، فَفَرَضَ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْفُقَرَاءِ. يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ؟ قَالَ: جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ، قَالَ: ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِنَ الْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقِيرِ، فَقِيلَ: إِنْ كَانَ لَهُ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَهُوَ مُوسِرٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِائَتَانِ فَصَاعِدًا مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْعَشَرَةَ فَمُتَوَسِّطٌ فَمَنْ كَانَ مُعْتَمِلًا أَيْ: مُكْتَسِبًا فَهُوَ مُعْسِرٌ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: وَيُنْظَرُ إِلَى عَادَةِ كُلِّ بَلَدٍ فِي ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ صَاحِبَ خَمْسِينَ أَلْفًا بِبَلْخٍ يُعَدُّ مِنَ الْمُكْثِرِينَ، وَفِي الْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ لَا يُعَدُّ مُكْثِرًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَرْبَعَةِ ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.
وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مَنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، أَوْ تَبِيعَةً، وَمَنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمَنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ» . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا، قَالَ: وَهُوَ أَصَحُّ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَهَذَا كَمَا تَرَى لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْحَالِمِ، وَفِي مُسْنَدِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذٍ ﵃: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى أَنْ قَالَ: " وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ، أَوْ حَالِمَةٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ ". وَكَانَ مَعْمَرٌ يَقُولُ: هَذَا غَلَطٌ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ شَيْءٌ، وَفِيهِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ فِيهَا ذِكْرُ الْحَالِمَةِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَا نَرَى مَنْسُوخٌ إِذْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَوِلْدَانُهُمْ يُقْتَلُونَ مَعَ رِجَالِهِمْ، وَيُسْتَضَاءُ لِذَلِكَ بِمَا رَوَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ: «أَنَّ خَيْلًا أَصَابَتْ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ ﵇: " هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ» . ثُمَّ أَسْنَدَ أَبُو عُبَيْدٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ أَنَقْتُلُهُمْ مَعَهُمْ؟ قَالَ: " نَعَمْ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ» ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِمْ يَوْمَ خَيْبَرَ.
стр. 5604
٤٠٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٣٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ ") أَيْ: أَهْلُهُمَا يَعْنِي دِينَيْنِ (" فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ ") : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ: لَا يَسْتَقِيمُ دِينَانِ بِأَرْضٍ عَلَى سَبِيلِ الْمُظَاهَرَةِ وَالْمُعَادَلَةِ فَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْإِقَامَةَ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ قَوْمٍ كُفَّارٍ ; لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا صَنَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَحَلَّ نَفْسَهُ فِيهِمْ مَحَلَّ الذِّمِّيِّ فِينَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ الصَّغَارَ وَيَتَوَسَّمَ بِسِمَةٍ مَنْ ضُرِبَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَأَنَّى لَهُ الصَّغَارُ وَالذِّلَّةُ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا الَّذِي يُخَالِفُ دِينُهُ دِينَ الْإِسْلَامِ، فَلَا يُمَكَّنُ مِنَ الْإِقَامَةِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ، ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لَهُ فِي الْإِشَاعَةِ بِدِينِهِ، وَوَجْهُ التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ أَنَّ الذِّمِّيَّ إِنَّمَا أُقِرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ، وَالذِّمِّيُّ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ، فَصَارَ ذَلِكَ رَافِعًا لِإِحْدَى الْقِبْلَتَيْنِ وَاضِعًا لِإِحْدَاهُمَا. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مَعْنَى: وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ الْخَرَاجُ الَّذِي وُضِعَ عَلَى الْأَرَاضِي الَّتِي تُرِكَتْ فِي أَيْدِي أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَبْلَ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِزْيَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ ; لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ، وَهَذَا قَوْلٌ سَدِيدٌ لَوْ صَحَّ لَنَا وَجْهُ التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ وَجْهَ التَّنَاسُبِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّاوِيَ سَمِعَ الْفَصْلَيْنِ فِي مَحَلَّيْنِ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَتِهِ، وَأَظْهَرَ الْحُكْمَيْنِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُفْرِدًا قَوْلَهُ: لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ. وَقَالَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ قَطَعَهُ عَنِ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ إِشَارَةٌ إِلَى إِجْلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْكُنَ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ فِي بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ. فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الْخَرَاجُ الَّذِي وُضِعَ عَلَى أَرَاضِي بَلَدٍ فُتِحَ صُلْحًا عَلَى أَنْ يَكُونَ أَرَاضِيهِ لِأَهْلِهَا بِخَرَاجٍ مَضْرُوبٍ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَسْلَمُوا سَقَطَ الْخَرَاجُ عَنْ أَرَاضِيهِمْ، وَتَسْقُطُ الْجِزْيَةُ عَنْ رُءُوسِهِمْ حَتَّى يَجُوزَ لَهُمْ بَيْعُهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ صُولِحُوا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأَرَاضِي لَأَهِلَ الْإِسْلَامِ، وَهُمْ يَسْكُنُونَ فِيهَا بِخَرَاجٍ وُضِعَ عَلَيْهِمْ، أَوْ فُتِحَ عَنْوَةً، وَأُسْكِنَ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِخَرَاجٍ، أَوْ دُونَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ وَلَا بِالْمَوْتِ. (رَوَاهُ أَحَمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: مَنْ أَسْلَمَ وَعَلَيْهِ جِزْيَةٌ بِأَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ كَمَالِ السَّنَةِ سَقَطَتْ عَنْهُ، وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَائِهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيهِمَا، وَلَنَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبُو ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ» ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسُئِلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: يَعْنِي إِذَا أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، وَبِاللَّفْظِ الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ» ". وَضَعَّفَ ابْنُ الْقَطَّانِ قَابُوسًا، وَلَيْسَ قَابُوسٌ فِي مُسْنَدِ الطَّبَرَانِيِّ، فَهَذَا بِعُمُومِهِ يُوجِبُ سُقُوطَ مَا كَانَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، بَلْ هُوَ الْمُرَادُ بِخُصُوصِهِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْفَائِدَةِ إِذْ عَدَمُ الْجِزْيَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ، فَالْإِخْبَارُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْفَائِدَةِ لَيْسَ كَالْإِخْبَارِ بِسُقُوطِهَا فِي حَالِ الْبَقَاءِ، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى سُقُوطِ الْجِزْيَةِ بِالْإِسْلَامِ، فَلَا يَرِدُ طَلَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْجِزْيَةِ وَبَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ إِذْ كَلٌّ مِنْهُمَا عُقُوبَةٌ عَلَى الْكُفْرِ، ثُمَّ لَا يَرْتَفِعُ الِاسْتِرْقَاقُ بِالْإِسْلَامِ، وَكَذَا خَرَاجُ الْأَرْضِ، وَتَرْتَفِعُ الْجِزْيَةُ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَحَلُّ الْإِجْمَاعِ، فَإِنْ عُقِلَتْ حِكْمَتُهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا وَجَبَ الِاتِّبَاعُ عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ خَرَاجِ الْأَرْضِ وَالْجِزْيَةِ وَاضِحٌ؛ إِذْ لَا إِذْلَالَ فِي خَرَاجِ الْأَرْضِ ; لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ كَيْ تَبْقَى فِي أَيْدِينَا، وَالْمُسْلِمُ مِمَّنْ يَسْعَى فِي بَقَائِهَا لِلْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ ; لِأَنَّهَا ذُلٌّ ظَاهِرٌ وَشِعَارٌ، وَأَمَّا الِاسْتِرْقَاقُ فَلِأَنَّ إِسْلَامَهُ بَعْدَ تَعَلُّقِ مِلْكِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، بَلِ اسْتِحْقَاقٌ لِلْعُمُومِ، وَالْحَقُّ الْخَاصُّ فَضْلًا عَنِ الْعَامِّ لَيْسَ كَالْمِلْكِ الْخَاصِّ.
стр. 5605
٤٠٣٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ فَأَخَذُوهُ، فَأَتَوْا بِهِ، فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ» .
ــ
٤٠٣٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَدَالٌ مُهْمِلَةٌ مَكْسُورَةٌ فَرَاءٌ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْكِنْدِيُّ اسْمُ مَلِكِ دُومَةَ بِضَمِّ الدَّالِ، وَقَدْ يُفْتَحُ بَلَدٌ، أَوْ قَلْعَةٌ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ قَرِيبُ تَبُوكَ، أُضِيفَ إِلَيْهَا كَمَا أُضِيفَ زِيدٌ إِلَى الْخَيْلِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَأَعْرَابٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَخَالِدًا عَلَى الْأَعْرَابِ، وَقَالَ لِخَالِدٍ: إِنَّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ، فَانْتَهَتِ السَّرِيَّةُ إِلَى الْحِصْنِ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ وَهُوَ عَلَى السَّطْحِ مَعَ امْرَأَتِهِ، فَجَاءَتْ بَقَرَةٌ وَجَعَلَتْ تَحُكُّ بَابَ قَصْرِهِ بِقَرْنَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ لَا وَاللَّهِ. قَالَ: أَفَنَتْرُكُ مِثْلَ هَذِهِ، فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ وَسُرِجَ وَرَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَعَهُمْ أَخُوهُ، يُقَالُ لَهُ: حَسَّانُ فَتَلَقَّاهُمْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، (فَأَخَذُوهُ) أَيْ: أُكَيْدِرُ وَقَتَلُوا حَسَّانَ، وَكَانَ ﷺ وَصَّاهُمْ أَنْ لَا يَقْتُلُوهُ، وَكَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ ﷺ ، وَهُوَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (فَأَتَوْا بِهِ، فَحَقَنَ) أَيْ: وَهَبَ (لَهُ دَمَهُ) : فِي الْمُغْرِبِ: حَقَنَ دَمَهُ إِذَا مَنَعَهُ أَنْ يُسْفَكَ، وَذَلِكَ إِذَا حَلَّ بِهِ الْقَتْلُ فَأَنْقَذَهُ (وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ) : ثُمَّ إِنَّهُ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
следующие страницы →