← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

٣٩٨٨ - وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ، قَالَ: «كَتَبَ نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ يُقَسَمُ لَهُمَا؟ فَقَالَ يَزِيدُ: اكْتُبْ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا سَهْمٌ، إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا. وَفِي رِوَايَةٍ: كَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَسْأَلُنِي: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ ; فَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ يُدَاوِينَ الْمَرْضَى وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا السَّهْمُ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ بِسَهْمٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٩٨٨ - (عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ ﵁ : بِضَمِّ الْهَاءِ وَالْمِيمِ غَيْرُ مَصْرُوفٍ وَقِيلَ: مَصْرُوفٌ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هَمْدَانِيٌّ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ، رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ. (قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ) : بِفَتْحِ نُونٍ وَسُكُونِ جِيمٍ رَئِيسُ الْخَوَارِجِ. وَفِي الْقَامُوسِ: نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ الْحَنَفِيُّ خَارِجِيٌّ (الْحَرُورِيُّ) : بِفَتْحٍ فَضَمٍّ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةٍ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ نِسْبَةُ الْخَوَارِجِ إِلَيْهَا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ مَحَلُّ اجْتِمَاعِهِمْ حِينَ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ ﵁. فِي الْقَامُوسِ: حَرُورَاءُ كَجَلُولَاءِ، وَقَدْ يُقْصَرُ قَرْيَةٌ بِالْكُوفَةِ وَهُوَ حَرُورِيٌّ، وَالْحَرُورِيَّةُ هُمْ نَجْدَةُ وَأَصْحَابُهُ (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ عَنِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ، هَلْ يُقْسَمُ لَهُمَا؟ فَقَالَ) : أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ (لِيَزِيدَ) : أَيِ ابْنِ هُرْمُزَ (اكْتُبْ إِلَيْهِ) : أَيْ إِلَى نَجْدَةَ (أَنَّهُ) : بِالْفَتْحِ وَيَجُوزُ الْكَسْرُ عَلَى الْحِكَايَةِ ; أَيِ: اكْتُبْ هَذَا الْكَلَامَ أَنَّهُ ; أَيِ الشَّأْنَ (لَيْسَ لَهُمَا سَهْمٌ) : أَيْ نَصِيبٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: شَيْءٌ ; أَيْ مِنَ الْغَنِيمَةِ (إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ; أَيْ يُعْطَيَا شَيْئًا قَلِيلًا. قِيلَ: أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ السَّهْمِ، وَقِيلَ: أَقَلَّ مِنَ السَّهْمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَفِي النِّهَايَةِ: فِي الْحَدِيثِ إِنْ لَمْ يُحْذِكَ مِنْ عِطْرِهِ عَلَقَكَ مِنْ رِيحِهِ ; أَيْ إِنْ لَمْ يُعْطِكَ. (وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْهُمَامِ (كَتَبَ إِلَيْهِ) : أَيْ إِلَى نَجْدَةَ (ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّكَ) : بِالْفَتْحِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الْآيَةَ وَيَجُوزُ الْكَسْرُ عَلَى أَنَّ الْمَكْتُوبَ هَذَا اللَّفْظُ. وَقَالَ مِيرَكُ: الظَّاهِرُ فِيهِ الْكَسْرُ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ عَلَى الْمَعْنَى ; أَيْ: كَتَبَ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ (كَتَبْتَ) : أَيْ إِلَيَّ (تَسْأَلُنِي) : اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ، أَوْ حَالٌ (هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ؟ فَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ: أَيْ: يُسَافِرُ بِهِنَّ فِي غَزْوِهِ (يُدَاوِينَ الْمَرْضَى) :

стр. 5532

أَيْ وَيُعَالِجْنَ الْجَرْحَى وَيَسْقِينَ الْغُزَاةَ وَيُهَيِّئْنَ لَهُمْ أُمُورَهُمْ كَمَا سَبَقَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ (وَيُحْذَيْنَ) ; أَيْ يُعْطَيْنَ (مِنَ الْغَنِيمَةِ) : وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَذْهَبِنَا كَمَا سَيَأْتِي (وَأَمَّا السَّهْمُ) : أَيْ سُؤَالُهُ (فَلَمْ يَضْرِبْ) : أَيْ لَمْ يَقْسِمْ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَلَمْ يُبَيِّنْ (لَهُنَّ بِسَهْمٍ) : أَيْ تَامٍّ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْهُمَامِ: فَأَمَّا أَنْ يَضْرِبَ لَهُنَّ بِسَهْمٍ فَلَا، وَقَدْ كَانَ يَرْضَخُ لَهُنَّ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَفِيهِ أَنَّهُ مُوهِمٌ أَنَّ مَرْوِيَّ أَبِي دَاوُدَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ; أَيْضًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْعَبِيدَ وَالصِّبْيَانَ وَالنِّسْوَانَ إِذَا حَضَرُوا الْقِتَالَ يُرْضَخُ لَهُمْ وَلَا يُسْهَمُ اهـ. وَالرُّضْخُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَبِالْمُعْجَمَتَيْنِ إِعْطَاءُ الْقَلِيلِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا يُسْهَمُ لِمَمْلُوكٍ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ وَلَا ذِمِّيٍّ، وَلَكِنْ يُرْضَخُ لَهُمْ وَيُعْطَوْنَ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ، فَإِنَّ الرُّضْخَ فِي الْإِعْطَاءِ كَذَلِكَ وَالْكَثِيرُ السَّهْمِ، فَالرُّضْخُ لَا يَبْلُغُ السَّهْمَ، وَلَكِنْ دُونَهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ، وَسَوَاءٌ قَاتَلَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى أَبِي اللَّحْمِ قَالَ: «شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي إِلَى أَنْ قَالَ: فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ» ، وَأَمَّا مَا فِي أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ، عَنْ جَدَّةِ حَشْرَجِ بْنِ زِيَادٍ أُمِّ أَبِيهِ: «أَنَّهَا خَرَجَتْ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ سَادِسَةَ سِتٍّ مِنَ النِّسْوَةِ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَبَعَثَ إِلَيْنَا فَجِئْنَا فَرَأَيْنَا فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ فَقَالَ: " مَعَ مَنْ خَرَجْتُنَّ وَبِإِذْنِ مَنْ خَرَجْتُنَّ؟ " فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَرَجْنَا نَغْزِلُ الشَّعَرَ، وَنُعِينُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَعَنَا دَوَاءٌ لِلْجَرْحَى، وَنُنَاوِلُ السِّهَامَ، وَنَسَقِي السَّوِيقَ: فَقَالَ: " قُمْنَ " حَتَّى إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْبَرَ أَسْهَمَ لَنَا كَمَا أَسْهَمَ لِلرِّجَالِ» ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ لِجَهَالَةِ رَافِعٍ وَحَسِيرٍ حِينَئِذٍ مِنْ رُوَاتِهِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﵊ اسْتَطَابَ أَهْلَ الْغَنِيمَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُشْبِهُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَعْطَاهُنَّ مِنَ الْخُمُسِ الَّذِي هُوَ حَقُّهُ هَذَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ الْعَطَاءِ وَإِرَادَةً بِالسَّهْمِ مَا خُصِّصْنَ بِهِ، وَالْمَعْنَى خَصَّنَا بِشَيْءٍ كَمَا فَعَلَ بِالرِّجَالِ، ثُمَّ الرُّضْخُ عِنْدَنَا مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ إِخْرَاجِ الْخُمُسِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَفِي قَوْلٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ، وَفِي قَوْلِ لِلشَّافِعِيِّ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَقَالَ مَالِكٌ: مِنَ الْخُمُسِ، ثُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يُرْضَخُ لَهُ إِذَا قَاتَلَ، وَكَذَا الصَّبِيُّ وَالذِّمِّيُّ ; لِأَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْقِتَالِ إِذَا فَرَضَ الصَّبِيُّ قَادِرًا عَلَيْهِ، فَلَا يُقَامُ غَيْرُ الْقِتَالِ فِي حَقِّهِمْ مَقَامَهُ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تُعْطَى بِالْقِتَالِ وَبِالْخِدْمَةِ لِأَهْلِ الْعَسْكَرِ، وَإِنْ لَمْ تُقَاتِلْ ; لِأَنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنْهُ، فَأَقَامَ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ مِنْهَا مَقَامَهُ.

стр. 5533

٣٩٨٩ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: " «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ، فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا: يَا صَبَاحَاهْ، ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ، وَأَرْتَجِزُ وَأَقُولُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعْ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ فَمَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ حَتَّى مَا خَلَقَ لِلَّهِ مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ، حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً وَثَلَاثِينَ رُمْحًا يَسْتَخِفُّونَ، وَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا مِنَ الْحِجَارَةِ، يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَيْرُ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ ". قَالَ، ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَيْنِ: سَهْمَ الْفَارِسِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ، فَجَمَعَهُمَا إِلَيَّ جَمِيعًا، ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ رَاجِعَيْنِ إِلَى الْمَدِينَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٩٨٩ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِظَهْرِهِ) : أَيْ إِبِلِهِ وَمَرْكُوبِهِ. فِي النِّهَايَةِ: الظَّهْرُ الْإِبِلُ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا وَيُرْكَبُ يُقَالُ: عِنْدَ فُلَانٍ ظَهْرٌ ; أَيْ إِبِلٌ (مَعَ رَبَاحٍ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ (غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) : أَيْ مَوْلًى لَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (وَأَنَا مَعَهُ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا) : أَيْ فِي مَنْزِلٍ (إِذَا) : لِلْمُفَاجَأَةِ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالزَّايِ، رُوِيَ بِقَافٍ مَضْمُومَةٍ (قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ) : بِفَتَحَاتٍ ; أَيْ: مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ (فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ فَنَادَيْتُ ثَلَاثًا) : أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (يَا صَبَاحَاهْ) : كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُسْتَغِيثُ، وَأَصْلُهَا إِذَا صَاحُوا لِلْغَارَةِ ; لِأَنَّهُمْ أَكْثَرَ مَا يُغِيرُونَ عِنْدَ الصَّبَاحِ فَكَأَنَّ الْمُسْتَغِيثَ يَقُولُ: قَدْ غَشِيَنَا الْعَدُوُّ، وَقِيلَ: هُوَ نِدَاءُ الْمُقَاتِلِ عِنْدَ الصَّبَاحِ يَعْنِي: قَدْ جَاءَ وَقْتُ الصَّبَاحِ فَتَهَيَّئُوا لِلْقِتَالِ، (ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ) : أَيْ أَعْقَابِهِمْ (أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ) : أَيِ السَّهْمِ (وَأَرْتَجِزُ) : فِي الْقَامُوسِ: الرَّجَزُ مُحَرَّكَةٌ ضَرْبٌ مِنَ الشِّعْرِ وَزَنُهُ مُسْتَفْعِلُنْ سِتَّ مَرَّاتٍ، سُمِّيَ لِتَقَارُبِ أَجْزَائِهِ وَقِلَّةِ حُرُوفِهِ، وَزَعَمَ الْخَلِيلُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَبِهَا هُوَ أَنْصَافُ أَبْيَاتٍ وَأَثْلَاثٌ، وَالْأُرْجُوزَةُ الْقَصِيدَةُ مِنْهُ، وَقَدْ رَجَزَ وَارْتَجَزَ وَرَجَزَ بِهِ وَرَجَّزَهُ أَنْشَدَ أُرْجُوزَةً. (أَقُولُ) : بَدَلٌ، أَوْ حَالٌ ; أَيْ قَائِلًا (أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعْ) : بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا (وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ

стр. 5534

رَاضِعٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ: يَوْمُ هَلَاكِ اللِّئَامِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَئِيمٌ رَاضِعٌ أَيْ: رَضِيعُ اللُّؤْمِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَمُصُّ حَلَمَةَ الشَّاءِ وَالنَّاقَةِ؛ لِئَلَّا يَسْمَعَ السُّؤَّالُ، وَالضِّيفَانُ صَوْتَ الْحِلَابِ فَيَقْصِدُوهُ، وَقِيلَ: الْيَوْمَ يُعْرَفُ مَنْ أَرْضَعَتْهُ كَرِيمَةٌ فَأَشْجَعَتْهُ، أَوْ لَئِيمَةٌ فَهَجَنَتْهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْيَوْمُ يُعْرَفُ مَنْ أَرْضَعَتْهُ الْحَرْبُ مِنْ صِغَرِهِ وَتَدَرَّبَ بِهَا وَيُعْرَفُ غَيْرُهُ اهـ. أَوِ الْمَعْنَى الْيَوْمَ تَهْلَكُونَ أَيُّهَا الْكُفَّارُ بِأَيْدِينَا، فَإِنَّكُمْ عَاجِزُونَ كَالْأَطْفَالِ الَّذِينَ يَرْضَعُونَ عِنْدَنَا، (فَمَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ، وَأَعْقِرُ بِهِمْ) أَيْ: أَقْتُلُ مَرْكُوبَهُمْ وَأَجْعَلُهُمْ رَاجِلِينَ بِعَقْرِ دَوَابِّهِمْ (حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ) : " مَا " نَافِيَةٌ (مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: مِنْ إِبِلِهِ بَيَانُ قَوْلِهِ مِنْ بَعِيرٍ، وَمِنْ فِيهِ زَائِدَةٌ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهَا (إِلَّا خَلَّفْتُهُ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ: تَرَكْتُهُ (وَرَاءَ ظَهْرِي) : فِيهِ تَجْرِيدٌ، أَوْ تَأْكِيدٌ (ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ) : بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْأُولَى (أَرْمِيهِمْ، حَتَّى أَلْقَوْا) أَيْ: طَرَحُوا وَرَمَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً) : وَهِيَ شَمْلَةٌ مُخَطَّطَةٌ، أَوْ كِسَاءٌ أَسْوَدُ مُرَبَّعٌ صَغِيرٌ يَلْبَسُهُ الْأَعْرَابُ (وَثَلَاثِينَ رُمْحًا، يَسْتَخِفُّونَ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: يَطْلُبُونَ الْخِفَّةَ بِإِلْقَائِهَا فِي الْفِرَارِ (وَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا) أَيْ: مِنَ الْبُرُدِ وَالرُّمْحِ وَغَيْرِهِمَا (إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا) : بِمَدٍّ فِي أَوَّلِهِ جَمْعُ إِرَمٍ كَعِنَبٍ وَأَعْنَابٍ وَهُوَ الْعَلَامَةُ فَقَوْلُهُ: (مِنَ الْحِجَارَةِ) : تَجْرِيدٌ، أَوْ تَأْكِيدٌ (إِلَّا يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ) : فِي النِّهَايَةِ: كَانَ مِنْ عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا وَجَدُوا شَيْئًا فِي طَرِيقِهِمْ لَا يُمْكِنُهُمُ اسْتِصْحَابُهُ تَرَكُوا عَلَيْهِ حِجَارَةً يَعْرِفُونَهُ بِهَا، حَتَّى إِذَا عَادُوا أَخَذُوهُ (حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: أَقْبَلُوا (وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: مِنْهُمْ (بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ: الْفَزَارِيِّ (فَقَتَلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " خَيْرُ فُرْسَانِنَا ") جَمْعُ فَارِسٍ رَاكِبُ الْفَرَسِ (الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ وَخَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ جَمْعُ رَاجِلٍ بِمَعْنَى الْمَاشِي عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَنَظِيرُهُ السَّيَّارَةُ جَمْعُ سَائِرٍ، وَالنَّظَّارَةُ جَمْعُ نَاظِرٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ فَضِيلَةُ الشَّهَادَةِ وَمَنْقَبَةٌ لِسَلَمَةَ وَأَبِي قَتَادَةَ، وَجَوَازُ الثَّنَاءِ عَلَى مَنْ فَعَلَ جَمِيلًا، وَاسْتِحْقَاقُ ذَلِكَ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ وَجَوَازُ عَقْرِ خَيْلِ الْعَدُوِّ فِي الْقِتَالِ، وَاسْتِحْبَابُ الرَّجَزِ فِي الْحَرْبِ وَجَوَازُ الْقَوْلِ: بِأَنِّي أَنَا ابْنُ فُلَانٍ وَجَوَازُ الْمُبَارَزَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ وَحَبُّ الشَّهَادَةِ وَالْحِرْصُ عَلَيْهَا، وَإِلْقَاءُ النَّفْسِ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو سَلَمَةَ ( «ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَيْنِ: سَهْمَ الْفَارِسِ» ) : وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، أَوْ سَهْمَانِ عَلَى مَا سَبَقَ، (وَسَهْمَ الرَّاجِلِ) أَيْ: أَعْطَانِي سَهْمَ فَارِسٍ مَعَ سَهْمِ رَاجِلٍ ; لِأَنَّ مُعْظَمَ أَخْذِ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ كَانَتْ بِسَبَبِ سَلَمَةَ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ أَكْثَرَ سَعْيَهُ فِي الْجِهَادِ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى نَصِيبِهِ لِتَرْغِيبِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْطِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَمِيعَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنَفِّلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الْقِتَالِ، وَقِيلَ: إِنَّ مَنْ حَضَرَ الْحَرْبَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا بِنِيَّةِ الْحَرْبِ فَهُوَ شَرِيكٌ فِي الْغَنِيمَةِ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْغَزْوَةُ غَزْوَةَ ذِي قَرَدٍ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَالرَّاءِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ، (فَجَمَعَهُمَا إِلَيَّ جَمِيعًا) أَيْ: هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِي. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَعْطَاهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ سَهْمَ الرَّاجِلِ فَحَسْبُ ; لِأَنَّ سَلَمَةَ كَانَ رَاجِلًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَعْطَاهُ الزِّيَادَةَ نَفَلًا لِمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ بَلَائِهِ. (ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: أَرْكَبَنِي (وَرَاءَهُ) أَيْ: وَرَاءَ ظَهْرِهِ (عَلَى الْعَضْبَاءِ) : نَاقَةٍ لَهُ ﷺ (رَاجِعَيْنِ) : بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ (إِلَى الْمَدِينَةِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا مُسْلِمٌ

стр. 5535

٣٩٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا ; لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوَى قِسْمَةِ عَامَّةِ الْجَيْشِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٩٩٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: يُعْطِيهِمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ زَائِدًا (بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا ; لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوَى قِسْمَةِ عَامَّةِ الْجَيْشِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5536

٣٩٩١ - وَعَنْهُ، قَالَ «نَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ نَفَلًا سِوَى نَصِيبِنَا مِنَ الْخُمُسِ، فَأَصَابَنِي شَارِفٌ، وَالشَّارِفُ: الْمُسِنُّ الْكَبِيرُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٩٩١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (قَالَ: نَفَّلَنَا) أَيْ: أَعْطَانَا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفَلًا) : بِالتَّحْرِيكِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: زِيَادَةً، أَوْ غَنِيمَةً. فَفِي النِّهَايَةِ: النَّفَلُ بِالتَّحْرِيكِ الْغَنِيمَةُ وَجَمْعُهُ الْأَنْفَالُ، وَبِالسُّكُونِ وَقَدْ يُحَرَّكُ الزِّيَادَةُ، وَمِنْهُ نَوَافِلُ الْعِبَادَاتِ ; لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الْفَرَائِضِ (سِوَى نَصِيبِنَا مِنَ الْخُمُسِ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الْمِيمُ (فَأَصَابَنِي شَارِفٌ) أَيْ: نَاقَةٌ مُسِنَّةٌ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. (وَالشَّارِفُ الْمُسِنُّ الْكَبِيرُ) : هَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: النَّفَلُ اسْمٌ لِزِيَادَةٍ يُعْطِيهَا الْإِمَامُ بَعْضَ الْجَيْشِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ النَّافِلَةُ لِمَا زَادَ عَلَى الْفَرَائِضِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي إِعْطَاءِ النَّفَلِ، وَفِي أَنَّهُ مِنْ أَيْنَ يُعْطَى، بِتَمَامِهِ مَذْكُورٌ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ اهـ. وَتَقَدَّمَ حَاصِلُهُ مِمَّا فِي شَرْحِ ابْنِ الْهُمَامِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5537

٣٩٩٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: «ذَهَبَتْ فَرَسٌ لَهُ فَأَخَذَهَا الْعَدُوُّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ فَرُدَّ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَفِي رِوَايَةٍ: أَبَقَ عَبْدٌ لَهُ، فَلَحِقَ بِالرُّومِ فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٣٩٩٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (قَالَ: ذَهَبَتْ فَرَسٌ لَهُ) أَيْ: نَفَرَتْ وَشَرَدَتْ إِلَى الْكُفَّارِ (فَأَخَذَهَا الْعَدُوُّ، فَظَهَرَ) أَيْ: غَلَبَ (عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى الْعَدُوِّ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ (الْمُسْلِمُونَ فَرُدَّ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ: الْفَرَسُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَفِي الصِّحَاحِ: الْفَرَسُ يُؤَنَّثُ وَقَدْ يُذَكَّرُ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْفَرَسُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، لَكِنْ عَدَّهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي رِسَالَتِهِ مِمَّا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَأْنِيثِهِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْجَارُّ نَائِبَ الْفَاعِلِ، وَفِي نُسْخَةٍ: فَرُدَّتْ عَلَيْهِ (فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي رِوَايَةٍ: «أَبَقَ عَبْدٌ لَهُ فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ » . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ عَبْدًا آبِقًا، فَإِذَا أَخَذُوهُ وَجَبَ رَدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا، وَبِهِ قُلْنَا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ إِذَا أَحْرَزُوا أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا لَا يَتَمَلَّكُونَهَا، وَإِذَا اسْتَنْقَذَهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَيْدِيهِمْ تُرَدُّ إِلَى مُلَّاكِهَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، أَوْ بَعْدَهَا خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ إِذَا كَانَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِنْ أَبَقَ عَبْدٌ لِمُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ دَارَ الْحَرْبِ، فَأَخَذُوهُ لَمْ يَمْلِكُوهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: يَمْلِكُونَهُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَأَمَّا لَوِ ارْتَدَّ فَأَبَقَ إِلَيْهِمْ فَأَخَذُوهُ مَلَكُوهُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا إِذَا نَدَّ بِعِيرٌ إِلَيْهِمْ، فَأَخَذُوهُ مَلَكُوهُ فَيَتَفَرَّعُ عَلَى مِلْكِهِمْ إِيَّاهُ أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ وَأَدْخَلَهُ دَارَ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ مَالِكُهُ مِنْهُ بِالثَّمَنِ إِنْ شَاءَ، وَإِذَا غَلَبُوا عَلَى أَمْوَالِنَا وَأَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ مَلَكُوهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، إِلَّا أَنَّ عِنْدَ مَالِكٍ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ يَمْلِكُونَهَا، وَلِأَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ كَقَوْلِنَا وَقَوْلِ مَالِكٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَمْلِكُونَهَا لِمَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ مُسْنَدًا إِلَى عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: «كَانَتِ الْعَضْبَاءُ مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجِّ، فَأَغَارَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهِ الْعَضْبَاءُ، وَأَسَرُوا امْرَأَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا إِذَا نَزَلُوا يُرِيحُونَ إِبِلَهُمْ فِي أَفْنِيَتِهِمْ، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَامَتِ الْمَرْأَةُ وَقَدْ نُوِّمُوا فَجَعَلَتْ لَا تَضَعُ يَدَهَا عَلَى بَعِيرٍ إِلَّا رَغَا حَتَّى أَتَتْ عَلَى الْعَضْبَاءِ فَأَتَتْ عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ، فَرَكِبَتْهَا، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَنَذَرَتْ لَئِنِ اللَّهُ نَجَّاهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتْ عُرِفَتِ النَّاقَةُ، فَأَتَوْا بِهَا النَّبِيَّ

стр. 5538

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَتِ الْمَرْأَةُ بِنَذْرِهَا فَقَالَ: " بِئْسَ مَا جَزَيْتِهَا، أَوْ فَدَيْتِهَا لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» . وَفِي لَفْظٍ: فَأَخَذَ نَاقَتَهُ، وَلِلْجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] سَمَّاهُمْ فُقَرَاءَ، وَالْفَقِيرُ مَنْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مَلَكُوا أَمْوَالَهُمُ الَّتِي خَلَّفُوهَا وَهَاجَرُوا عَنْهَا، وَلَيْسَ مَنْ يَمْلِكُ مَالًا وَهُوَ فِي مَكَانٍ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ فَقِيرًا، بَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِابْنِ السَّبِيلِ، وَلِذَا عُطِفُوا عَلَيْهِمْ فِي نَصِّ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّارِحُونَ مِمَّا فِي الصَّحِيحَيْنِ، «أَنَّهُ قِيلَ لَهُ ﵊ فِي الْفَتْحِ: أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: " هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «أَتَنْزِلُ بِدَارِكَ؟ قَالَ: " فَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ» . وَإِنَّمَا قَالَ ; لِأَنَّ عَقِيلًا كَانَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا هُوَ دَلِيلُ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ، فَإِنَّ عَقِيلًا إِنَّمَا اسْتَوْلَى عَلَى الرِّبَاعِ بِإِرْثِهِ إِيَّاهَا مِنْ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ عَلِيًّا وَجَعْفَرًا مُسْلِمَيْنِ، وَعَقِيلًا وَطَالِبًا كَافِرَيْنِ، فَوَرِثَاهُ ; لِأَنَّ الدِّيَارَ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا هَاجَرُوا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا فَمَلَكُوهَا بِالِاسْتِيلَاءِ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ قَالَ: «وَجَدَ رَجُلٌ مَعَ رَجُلٍ نَاقَةً لَهُ، فَارْتَفَعَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْعَدُوِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْخُذَ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ فَأَنْتَ أَحَقُّ وَإِلَّا فَخَلِّ عَنْ نَاقَتِهِ» ". وَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مُسْنَدًا، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَفِي سَنَدِهِ يَس الزَّيَّاتُ مُضَعَّفٌ، وَأَخْرَجَ الدَّارُقُطْنِيُّ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِمَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْهُ ﵊ قَالَ: «فِيمَا أَحْرَزَ الْعَدُوُّ فَاسْتَنْفَذَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ إِنْ وَجَدَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ قَدْ قُسِّمَ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ» . وَضُعِّفَ بِالْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ. وَأَخْرَجَ الدَّارُقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ وَجَدَ مَالَهُ فِي الْفَيْءِ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ فَهُوَ لَهُ، وَمَنْ وَجَدَهُ بَعْدَ مَا قُسِّمَ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ» " وَضُعِّفَ بِإِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ فِيهِ رَشْدِينُ وَضُعِّفَ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ فِي الْفَيْءِ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ أَدْرَكَ بَعْدَ أَنْ يُقَسَّمَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالثَّمَنِ» " وَفِيهِ يس ضُعِّفَ بِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ مَا أَخَذَ الْعَدُوُّ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ فَهُوَ لَهُ، وَمَا قُسِّمَ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ إِلَّا بِالْقِيمَةِ. قَالَ: وَهَذَا إِنَّمَا رَوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَعَنْ عَمْرٍو، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ عُمَرَ مُرْسَلًا، وَكِلَاهُمَا لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ. وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: فِيمَا أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ فَأَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ فَعَرَفَهَ صَاحِبُهُ إِنْ أَدْرَكَ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ جَرَتْ فِيهِ السِّهَامُ فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مِثْلُ ذَلِكَ، وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِثْلُهُ. وَرُوِيَ أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ إِلَى قَتَادَةَ عَنْ جُلَاسٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: مَنِ اشْتَرَى مَا أَحْرَزَ الْعَدُوُّ فَهُوَ جَائِزٌ، وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَشُكُّ بَعْدَ هَذِهِ الْكَثْرَةِ فِي أَصْلِ هَذَا الْحُكْمِ، وَيَدُورُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ تَضْعِيفٍ بِالْإِرْسَالِ، أَوِ التَّكَلُّمِ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، فَإِنَّ الظَّنَّ بِلَا شَكٍّ يَقَعُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ، وَأَنَّ هَذَا الْجَمْعَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَتَعَمَّدُوا الْكَذِبَ، وَيَبْعُدُ أَنَّهُ وَقَعَ غَلَطٌ لِلْكُلِّ فِي ذَلِكَ، وَتَوَافَقُوا فِي هَذَا الْغَلَطِ، بَلْ لَا شَكَّ أَنَّ الرَّاوِيَ الضَّعِيفَ إِذَا كَثُرَ مَجِيءُ مَعْنَى مَا رَوَاهُ يَكُونُ مِمَّا أَجَادَ فِيهِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ الضَّعِيفَ الْغَلَطُ دَائِمًا، وَلَا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ حَالِهِ السَّهْوَ وَالْغَلَطَ، هَذَا مَعَ اعْتِضَادِهِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآيَةِ، وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَحَدِيثُ الْعَضْبَاءِ كَانَ قَبْلَ إِحْرَازِهِمْ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: وَكَانُوا إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا إِلَخْ. فَإِنَّهُ يُفْهَمُ أَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ وَهُمْ فِي الطَّرِيقِ اهـ. وَبِهِ يُعْلَمُ حُكْمُ الْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي الْأَصْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 5539

٣٩٩٣ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: «مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْنَا: أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْكَ؟ ! فَقَالَ: " إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ " قَالَ جُبَيْرٌ: وَلَمْ يَقْسِمِ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٣٩٩٣ - (عَنْ جُبَيْرٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ مُطْعِمٍ) : ﵁ كَمُحْسِنٍ ابْنِ عَدِيٍّ. مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، ذَكَرَهُ فِي الْقَامُوسِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ النَّوْفَلِيُّ، أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَنَزَلَ الْمَدِينَةَ، مَاتَ بِهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَكَانَ مِنْ أَنْسَبِ قُرَيْشٍ. (قَالَ: مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) : وَهُوَ أُمَوِيٌّ قُرَشِيٌّ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْنَا: أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، وَتَرَكْتَنَا وَنَحْنُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْكَ) أَيْ: مِنْ كَوْنِنَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّ هَاشِمًا وَالْمُطَّلِبَ وَنَوْفَلًا وَعَبْدَ شَمْسٍ، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَعَبْدُ مَنَافٍ هُوَ الْجَدُّ الرَّابِعُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَجُبَيْرٌ مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ، وَعُثْمَانُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. (فَقَالَ: " إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ:) أَيْ: كَشَيْءٍ وَاحِدٍ بِأَنْ كَانُوا مُتَرَافِقَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ مُتَعَاوِنَيْنِ، فَلَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمْ مُخَالَفَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا فِي الْإِسْلَامِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَرَادَ الْحِلْفَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَبِنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِنَّمَا لَمْ تَفْتَرِقْ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا فِي إِسْلَامٍ وَكَانَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يَرْوِيهِ سِيٌّ وَاحِدٌ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ يَعْنِي وَبِالتَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: سَوَاءٌ يُقَالُ: هَذَا سِيُّ هَذَا أَيْ: مِثْلُهُ وَنَظِيرُهُ، وَالْمَعْنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقْتَرِنٌ بِالْآخَرِ مُلَاصِقٌ بِهِ، لَا يُقَالُ لَهُمَا سِيَّانِ بَلْ سِيٌّ وَاحِدٌ، وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى. ( «قَالَ جُبَيْرٌ: وَلَمْ يَقْسِمِ النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا» ) : لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ مُوَافَقَةٌ، بَلْ مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَلِهَذَا أَحْرَمَهُمْ عَنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . وَاعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] لِلتَّبَرُّكِ بِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لَهُ سُبْحَانَهُ سَهْمًا كَمَا لِكُلٍّ مِنَ الْأَصْنَافِ سَهْمٌ، فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ فَسَهْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاحِدٌ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: سَهْمُ اللَّهِ ثَابِتٌ يُصْرَفُ إِلَى بِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِنْ كَانَتْ خَرِبَةً وَإِلَّا فَإِلَى كُلِّ مَسْجِدٍ مِنْ كُلِّ بَلْدَةٍ ثَبَتَ فِيهَا الْخُمُسُ، وَدَفَعَهُ أَنَّ السَّلَفَ فَسَّرُوهُ بِمَا ذُكِرَ أَوَّلًا. رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، وَكَذَا عَنِ ابْنِ عَمَّارٍ ﵄، أَنَّهُ قَرَأَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ مِفْتَاحُ الْكَلَامِ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وَفِي غَيْرِهِ حَدِيثٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمُوا خُمُسَ الْغَنِيمَةِ فَصَرَفَ ذَلِكَ الْخُمُسَ فِي خَمْسَةٍ وَعَلَى قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ تَكُونُ سِتَّةً. وَكَذَا رَوَى الْحَاكِمُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فِيهِ. قَالَ: هَذَا مِفْتَاحُ كَلَامٍ لِلَّهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، وَسَهْمُ النَّبِيِّ ﷺ سَقَطَ بِمَوْتِهِ كَمَا سَقَطَ الصَّفِيُّ ; لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَسْتَحِقُّهُ بِرِسَالَتِهِ وَلَا رَسُولَ بَعْدَهُ، وَالصَّفِيُّ شَيْءٌ كَانَ يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ مِثْلُ دِرْعٍ وَسَيْفٍ وَجَارِيَةٍ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَإِخْرَاجِ الْخُمُسِ، كَمَا اصْطَفَى ذَا الْفَقَارِ، وَهُوَ سَيْفُ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ حِينَ أَتَى بِهِ عَلِيٌّ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ مُنَبِّهًا، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَكَمَا اصْطَفَى صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ مِنْ غَنِيمَةِ خَيْبَرَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، عَنْ عَائِشَةَ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصْرَفُ سَهْمُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى الْخَلِيفَةِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ بِإِمَامَتِهِ لَا بِرِسَالَتِهِ، وَدُفِعَ بِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ إِنَّمَا قَسَّمُوا عَلَى ثَلَاثَةٍ فَلَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرَ لَقَسَّمُوهُ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَرَفَعُوا سَهْمَهُ لَا يُقْسَمُ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ، وَأَيْضًا فَهُوَ حُكْمٌ عُلِّقَ بِمُشْتَقٍّ وَهُوَ الرَّسُولُ، فَيَكُونُ مَبْدَأُ الِاشْتِقَاقِ عِلَّةً وَهُوَ الرِّسَالَةُ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْخُمُسَ يُقْسَمُ عِنْدَنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلْيَتَامَى وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيلِ يَدْخُلُ فُقَرَاءُ ذَوِي الْقُرْبَى فِيهِمْ، فَيُقَدَّمُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ ; لِأَنَّ غَيْرَهُمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ أَخْذِ الصَّدَقَاتِ وَذَوِي الْقُرْبَى لَا يَحِلُّ لَهُمْ، هَذَا رَأْيُ الْكَرْخِيِّ وَرَأْيُ الطَّحَاوِيِّ، أَنَّهُ يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْيَتَامَى مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى فِي سَهْمِ الْيَتَامَى الْمَذْكُورِينَ دُونَ أَغْنِيَائِهِمْ، وَالْيَتِيمُ صَغِيرٌ لَا أَبَ لَهُ، وَالْمَسَاكِينُ مِنْهُمْ فِي سَهْمِ الْمَسَاكِينِ، وَفُقَرَاءُ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى فِي أَبْنَاءِ السَّبِيلِ.

стр. 5540

فَإِنْ قِيلَ: فَلَا فَائِدَةَ حِينَئِذٍ فِي ذِكْرِ سَهْمِ الْيَتِيمِ حَيْثُ كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ بِالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ لَا بِالْيَتِيمِ. أُجِيبَ: بِأَنَّ فَائِدَتَهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ أَنَّ الْيَتِيمَ لَا يَسْتَحِقُّ مِنَ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا بِالْجِهَادِ وَالْيَتِيمُ صَغِيرُ فَلَا يَسْتَحِقُّهَا، وَمِثْلُهُ مَا ذُكِرَ فِي التَّأْوِيلَاتِ لِلشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ: لَمَّا كَانَ فُقَرَاءُ ذَوِي الْقُرْبَى يَسْتَحِقُّونَ بِالْفَقْرِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِمْ فِي الْقُرْآنِ. أَجَابَ: بِأَنَّ أَفْهَامَ بَعْضِ النَّاسِ قَدْ تَقْضِي إِلَى أَنَّ الْفَقِيرَ مِنْهُمْ لَا يَسْتَحِقُّ ; لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الصَّدَقَةِ وَلَا تَحِلُّ لَهُمْ وَفِي التُّحْفَةِ: هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مَصَارِفُ الْخُمُسِ عِنْدَنَا لَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْقَاقِ، حَتَّى لَوْ صُرِفَ إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَازَ كَمَا فِي الصَّدَقَاتِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لِذَوِي الْقُرْبَى خُمُسُ الْخُمُسِ يَسْتَوِي فِيهِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ، وَبِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَحْمَدُ وَعِنْدَ مَالِكٍ: الْأَمْرُ مُفَوَّضٌ إِلَى الْإِمَامِ إِنْ شَاءَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَى بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَى غَيْرَهُمْ إِنْ كَانَ أَمْرُهُمْ أَهَمَّ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَيَقْسِمُ بَيْنَهُمْ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وَيَكُونُ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَرَابَاتِ، وَنَحْنُ نُوَافِقُهُ عَلَى أَنَّ الْقَرَابَةَ الْمُرَادَةَ هُنَا تَخُصُّ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، فَالْخِلَافُ فِي دُخُولِ الْغَنِيِّ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَعَدَمِهِ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَيُدْفَعُ لِلْقَاصِي وَالدَّانِي، وَهُوَ ظَاهِرُ إِطْلَاقِ النَّصِّ لِلشَّافِعِيِّ إِطْلَاقُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] بِلَا فَصْلٍ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ؛ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ مُعَلَّقٌ بِوَصْفٍ يُوجِبُ أَنَّ مَبْدَأَ الِاشْتِقَاقِ عِلَّةٌ لَهُ، وَلَا تَفْصِيلَ فِيهَا بِخِلَافِ الْيَتَامَى، فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ فِيهِمُ الْفَقْرَ مَعَ تَحَقُّقِ الْإِطْلَاقِ كَقَوْلِنَا: وَذَلِكَ لِأَنَّ اسْمَ الْيَتِيمِ يُشْعِرُ بِالْحَاجَةِ، فَكَانَ مُقَيَّدًا مَعْنًى بِهَا بِخِلَافِ ذَوِي الْقُرْبَى، ثُمَّ لَا يَنْتَفِي مُنَاسَبَتُهَا بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ كَوْنُ قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ هَذِهِ الْكَرَامَةِ. وَلَنَا: أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ قَسَّمُوهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ، عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا وَكَفَى بِهِمْ قُدْوَةٌ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أَحَدٌ مَعَ عِلْمِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ وَتَوَافُرِهِمْ فَكَانَ إِجْمَاعًا إِذْ لَا يُظَنُّ بِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْكَلَامُ فِي إِثْبَاتِهِ، فَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃: «أَنَّ الْخُمُسَ كَانَ يُقَسَّمُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ، لِلَّهِ وَالرَّسُولِ سَهْمٌ، وَلِذِي الْقُرْبَى سَهْمٌ وَلِلْيَتَامَى سَهْمٌ وَلِلْمَسَاكِينِ سَهْمٌ، وَلِابْنِ السَّبِيلِ سَهْمٌ، ثُمَّ قَسَّمَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلْيَتَامَى وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ وَسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيلِ» . وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ حَيْثُ وَلِيَ الْعِرَاقَ وَدَعَا مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ، كَيْفَ صَنَعَ فِي سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى؟ قَالَ: سَلَكَ أَبِي وَاللَّهِ سَبِيلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. فَقُلْتُ: وَكَيْفَ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ مَا تَقُولُونَ؟ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا كَانَ أَهْلُهُ يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ. قُلْتُ: فَمَا مَنَعَهُ؟ قَالَ: كَرِهَ وَاللَّهِ أَنْ يُدْعَى بِخِلَافِ سِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ اهـ. وَكَوْنُ الْخُلَفَاءِ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ، وَبِهِ تَصِحُّ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنِ الْكَلْبِيِّ، فَإِنَّ الْكَلْبِيَّ مُضَعَّفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّهُ وَافَقَ النَّاسَ، وَإِنَّمَا الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: لَا إِجْمَاعَ بِمُخَالَفَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَحِينَ ثَبَتَ هَذَا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَهُ لِظُهُورِ أَنَّهُ الصَّوَابُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ اجْتِهَادَهُ لِاجْتِهَادِهِمَا، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ خَالَفَهُمَا فِي أَشْيَاءَ لَمْ تُوَافِقْ رَأْيَهُ، كَبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَحِينَ وَافَقَهُمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى رَأْيِهِمَا إِنْ كَانَ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى خِلَافَهُ، وَكَذَا يَنْدَفِعُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَأْيُ عَلِيٍّ فِي الْخُمُسِ رَأْيَ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُخَالِفَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ قَالَ: وَلَا إِجْمَاعَ دُونَ أَهْلِ الْبَيْتِ ; لِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ فِعْلَهُ كَانَ لِكَرَاهَةِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ خِلَافُهُمَا، وَكَيْفَ وَفِيهِ مَنْعُ الْمُسْتَحِقِّينَ عَنْ حَقِّهِمْ فِي اعْتِقَادِهِ، فَلَمْ يَكُنْ مَنْعُهُ إِلَّا لِرُجُوعِهِ وَظُهُورِ الدَّلِيلِ لَهُ. وَكَذَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْأَوَّلِ كَذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ، وَلَئِنْ لَمْ يَكُنْ رَجَعَ فَالْأَخْذُ بِقَوْلِ الرَّاشِدِينَ مَعَ اقْتِرَانِهِ بِعَدَمِ التَّنْكِيرِ مِنْ أَحَدٍ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمْ لَمْ يَكُنْ سَهْمٌ مُسْتَحَقًّا لِذَوِي الْقُرْبَى أَصْلًا ; لَأَنَّ الْخُلَفَاءَ لَمْ يُعْطُوهُمْ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَلِفِعْلِهِ ﵊ ; لِأَنَّهُ أَعْطَاهُمْ بِلَا شُبْهَةٍ. أُجِيبَ عَلَى قَوْلِ الْكَرْخِيِّ: أَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى أَنَّ السَّهْمَ لِلْفَقِيرِ مِنْهُمْ، لِمَا أَسْنَدَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بَعَثَ نَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ ابْنَيْهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمَا: انْطَلِقَا إِلَى عَمِّكُمَا لَعَلَّهُ يَسْتَعِينُ بِكُمَا عَلَى صَدَقَاتٍ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ بِحَاجَتِهِمَا، فَقَالَ لَهُمَا: لَا

стр. 5541

يَحِلُّ لِأَهْلِ الْبَيْتِ مِنَ الصَّدَقَاتِ شَيْءٌ وَلَا غُسَالَةِ الْأَيْدِي إِنَّ لَكُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا يُغْنِيكُمْ وَيَكْفِيكُمْ» . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِلَفْظِ: رَغِبْتُ عَنْ غُسَالَةِ أَيْدِ النَّاسِ إِنَّ لَكُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا يُغْنِيكُمْ، وَهُوَ إِسْنَادٌ حَسَنٌ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] فُقَرَاءُ ذَوِي الْقُرْبَى، فَيَقْتَضِي اعْتِقَادَ اسْتِحْقَاقِ فُقَرَائِهِمْ وَكَوْنِهِمْ مَصْرَفًا مُسْتَمِرًّا، وَيُنَافِيهِ اعْتِقَادُ حَقِيقَةِ مَنْعِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ إِيَّاهُمْ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَا رَوَيْنَا: أَنَّهُمْ لَمْ يُعْطُوا ذَوِي الْقُرْبَى شَيْئًا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءِ فُقَرَائِهِمْ، وَكَذَا يُنَافِيهِ إِعْطَاؤُهُ ﵊ لِلْأَغْنِيَاءِ مِنْهُمْ كَمَا رُوِيَ: أَنَّهُ أَعْطَى الْعَبَّاسَ، وَكَانَ لَهُ عِشْرُونَ عَبْدًا يَتَّجِرُونَ. وَقَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: وَالنَّبِيُّ ﷺ أَعْطَاهُمْ لِلنُّصْرَةِ يَدْفَعُ السُّؤَالَ الثَّانِيَ، لَكِنْ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْمُنَاقَضَةَ مَعَ مَا قَبْلَهُ ; لِأَنَّ الْحَاصِلَ حِينَئِذٍ أَنَّ الْقَرَابَةَ الْمُسْتَحَقَّةَ هِيَ الَّتِي كَانَتْ نَصَرَتْهُ، وَذَلِكَ لَا يَخُصُّ الْفَقِيرَ مِنْهُمْ، وَمِنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْ تَأَخَّرَ بَعْدَهُ ﵊ كَالْعَبَّاسِ، فَكَانَ يَجِبُ عَلَى الْخُلَفَاءِ أَنْ يُعْطُوهُمْ، وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُعْطُوهُمْ، بَلْ حَصَرُوا الْقِسْمَةَ فِي الثَّلَاثَةِ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا سَيَرْوِيهِ فِي تَصْحِيحِ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ: أَنَّ عُمَرَ أَعْطَى الْفُقَرَاءَ مِنْهُمْ سَهْمًا، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ إِعْطَاءُ عُمَرَ بِقَيْدِ الْفُقَرَاءِ مَرْوِيًّا، بَلِ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ مَا فِي أَبِي دَاوُدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ حَدَّثَنَا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقْسِمْ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَلَا لَبَنِي نَوْفَلٍ مِنَ الْخُمُسِ شَيْئًا كَمَا قَسَمَ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقْسِمُ الْخُمُسَ نَحْوَ قَسْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْطِي قُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَمَا كَانَ يُعْطِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ عُمَرُ يُعْطِيهِمْ وَمَنْ كَانَ بَعْدَهُ مِنْهُ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى سَمِعْتُ عَلِيًّا قَالَ: اجْتَمَعْتُ أَنَا وَالْعَبَّاسُ وَفَاطِمَةُ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ أَنْ تُوَلِّيَنِي حَقَّنَا فِي هَذَا الْخُمُسِ فِي كِتَابِ اللَّهِ أُقَسِّمُهُ فِي حَيَاتِكَ لِئَلَّا يُنَازِعَنِيَ أَحَدٌ بَعْدَكَ فَافْعَلْ. قَالَ: فَفَعَلَ ذَلِكَ فَقَسَمْتُهُ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ وِلَايَةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، حَتَّى كَانَ آخِرَ سَنَةٍ مِنْ سِنِي عُمَرَ أَتَاهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَعَزَلَ حَقَّنَا، ثُمَّ أَرْسَلَهُ إِلَيَّ فَقُلْتُ: بِنَا الْعَامُ غِنًى وَبِالْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ حَاجَةٌ فَارْدُدْهُ عَلَيْهِمْ فَرَدَّهُ، ثُمَّ لَمْ يَدْعُنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ بَعْدَ عُمَرَ، فَلَقِيتُ الْعَبَّاسَ بَعْدَ مَا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! حَرَمْتَنَا الْغَدَاةَ شَيْئًا لَا يُرَدُّ عَلَيْنَا، فَكَانَ رَجُلًا ذَاهِبًا، فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدُ الْإِعْطَاءِ بِفَقْرِ الْمُعْطَى مِنْهُمْ، وَكَيْفَ الْعَبَّاسُ كَانَ مِمَّنْ يُعْطَى وَلَمْ يَتَّصِفْ بِالْفَقْرِ، مَعَ أَنَّ الْحَافِظَ الْمُنْذِرِيَّ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: وَفِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَقْسِمْ لِذَوِي الْقُرْبَى، وَفِي حَدِيثِ: أَنَّهُ قَسَمَ لَهُمْ، وَحَدِيثُ جُبَيْرٍ صَحِيحٌ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ لَا يَصِحُّ اهـ. وَالَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَى اعْتِقَادِهِ أَنَّ الرَّاشِدِينَ لَمْ يُعْطُوا ذَوِي الْقُرْبَى لِبَيَانِ مَصْرِفِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ مَنْعُهُمْ بَعْدَهُ ﵊، وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْبَى وَإِنْ قُيِّدَتْ بِالنُّصْرَةِ وَالْمُؤَازَرَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ بَقُوا بَعْدَهُ ﵊، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُعْطُوهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يُعْطُوهُمْ كَانَ الْمُرَادُ بَيَانُ أَنَّهُمْ مَصَارِفُ حَتَّى جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ كَأَنْ يُعْطَى تَمَامُ الْخُمُسِ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَأَنْ يُعْطَى تَمَامُهُ لِلْمَسَاكِينِ، وَأَنْ يُعْطَى تَمَامُهُ لِلْيَتَامَى، كَمَا ذَكَرْنَا عَنِ التُّحْفَةِ، فَجَازَ لِلرَّاشِدِينَ أَنْ يَصْرِفُوهُ إِلَى غَيْرِهِمْ خُصُوصًا، وَقَدْ رَأَوْهُمْ أَغْنِيَاءَ مُتَمَوِّلِينَ إِذْ ذَاكَ، وَرَأَوْا صَرْفَهُ إِلَى غَيْرِهِمْ أَنْفَعُ، وَنَقُولُ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّ الْفَقِيرَ مِنْهُمْ مَصْرِفٌ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْفُقَرَاءِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا أَنَّهُ يَكُونُ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ دُونَ غَيْرِهِمْ ; لِأَنَّ كَوْنَهُمْ مَصَارِفَ كَانَ لِلنُّصْرَةِ، فَلِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ بِسَنَدِهِ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَالَ: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ وَضَعَ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى فِي بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَتَرَكَ بَنِي نَوْفَلٍ، وَبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ حَتَّى أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلَاءِ بَنُو هَاشِمٍ لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي وُضِعَ فِيهِمْ فَمَا بَالُ إِخْوَانِنَا بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا وَقَرَابَتُنَا وَاحِدَةٌ؟ فَقَالَ ﵊: " إِنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَا نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ» . وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، أَشَارَ بِهَذَا إِلَى نُصْرَتِهِمْ إِيَّاهُ نُصْرَةَ الْمُؤَانَسَةِ وَالْمُوَافَقَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ إِذْ ذَاكَ آخِرَ قِتَالٍ، فَهُوَ يُشِيرُ إِلَى دُخُولِهِمْ مَعَهُ فِي الشِّعْبِ حِينَ تَعَاقَدَتْ قُرَيْشٌ عَلَى هِجْرَانِ بَنِي هَاشِمٍ، وَأَنْ لَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَالْقِصَّةُ فِي السِّيرَةِ شَهِيرَةٌ وَعَنْ هَذَا اسْتَحَقَّتْ ذَرَّارِيهِمْ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي نُصْرَةٌ مِنْهُمْ. وَهَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَرَامِ.

стр. 5542

٣٩٩٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا وَأَقَمْتُمْ بِهَا، فَسَهْمُكُمْ فِيهَا وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ; فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٣٩٩٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا ") أَيْ: بِلَا قِتَالٍ بِأَنْ خَلَا أَهْلُهَا، أَوْ صَالَحُوا عَلَيْهَا، (" وَأَقَمْتُمْ فِيهَا، فَسَهْمُكُمْ فِيهَا ") أَيْ: لَا يَخْتَصُّ بِكُمْ بَلْ تَكُونُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْكُمْ مِنْ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَالِ يَكُونُ فَيْئًا، وَالْفَيْءُ لَا يَخْتَصُّ بِالْخَارِجِينَ لِلْمُحَارَبَةِ. (" وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ") أَيْ: فَأَخَذْتُمْ مِنْهُمْ مَالًا بِإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ (" فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ ") أَيْ: بَقِيَّةُ أَمْوَالِهِمْ وَأَرَاضِيهَا (" لَكُمْ ") : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: ذَلِكَ الْمَالُ يَكُونُ غَنِيمَةً وَيُؤْخَذُ خُمُسُهَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَيُقْسَمُ الْبَاقِي مِنْهَا، وَفِيهِ أَنَّ مَالَ الْفَيْءِ لَا يُخَمَّسُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ يُخَمَّسُ كَمَالِ الْغَنِيمَةِ، فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ: الْمُرَادُ بِالْأُولَى مَا فَتَحَهُ الْعَسْكَرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَهِيَ لِلْعَسْكَرِ، وَبِالثَّانِيَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِمْ فَيَأْخُذُ الْخُمُسَ وَالْبَاقِي لَهُمْ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأُولَى الْفَيْءَ الَّذِي يُوجِفُ الْمُسْلِمُونَ بَخِيلٍ وَلَا رِكَابٍ، بَلْ خَلَا عَنْهُ أَهْلُهُ وَصَالَحُوا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ سَهْمُهُمْ فِيهَا أَيْ: حَقُّهُمْ مِنَ الْعَطَاءِ كَمَا يُصْرَفُ الْفَيْءُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالثَّانِيَةِ مَا أَخَذَهُ عَنْوَةً فَيَكُونُ غَنِيمَةً يَخْرُجُ مِنْهَا الْخُمُسُ، وَقَدْ أَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ الْخُمُسَ فِي الْفَيْءِ كَمَا أَوْجَبُوهُ كُلُّهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ. وَقَالَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ سَوَاءً: لَا خُمُسَ فِي الْفَيْءِ. قَالَ الْأَشْرَفُ أَيْ: كُلُّ قَرْيَةٍ غَزَوْتُمُوهَا وَاسْتَوْلَيْتُمْ عَلَيْهَا، أَوْ لَمْ أَكُنْ أَنَا فِيكُمْ وَقَسَمْتُمُ الْغَنَائِمَ بِأَنْفُسِكُمْ، فَسَهْمُكُمْ فِي تِلْكَ الْغَنَائِمِ، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ أَيْ: وَأَنَا قَدْ حَضَرْتُ قِتَالَهَا بِنَفْسِي، فَأَنَا أُخَمِّسُ الْغَنَائِمَ، ثُمَّ أُقَسِّمُ عَلَيْكُمْ بِنَفْسِي. قَالَ الطِّيبِيُّ: ثُمَّ فِي قَوْلِهِ: "، ثُمَّ " هِيَ لَكُمْ لِلتَّرَاخِي فِي الْإِخْبَارِ، وَالضَّمِيرُ فِي فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلْقَرْيَةِ، وَالْمُرَادُ هِيَ وَمَا فِيهَا، وَلِذَلِكَ هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْقَرْيَةِ أَيِ: الْقَرْيَةُ مَعَ مَا فِيهَا بَعْدَ إِخْرَاجِ الْخُمُسِ لَكُمْ، وَكَنَّى عَنْ مُقَاتَلَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ الْمُخَاطَبِينَ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُقَاتِلُونَ فِي اللَّهِ وَيُجَاهِدُونَ لِلَّهِ، فَمَنْ قَاتَلَهُمْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا فَتَحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً عَنْوَةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ قَسَمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ مَعَ رُءُوسِ أَهْلِهَا اسْتِرْقَاقًا وَأَمْوَالِهِمْ بَعْدَ إِخْرَاجِ الْخُمُسِ لِجِهَاتِهِ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَقَسَمَ مَا سِوَاهُمْ مِنَ الْأَرَاضِي وَالْأَمْوَالِ وَالذَّرَارِي، وَيَضَعُ عَلَى الْأَرَاضِي الْمَقْسُومَةِ الْعُشُرَ ; لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ التَّوْظِيفِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَإِنْ شَاءَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِرِقَابِهِمْ وَأَرْضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَوَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى الرُّءُوسِ وَالْخَرَاجَ عَلَى أَرْضِهِمْ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْمَاءِ الَّذِي يُسْقَى بِهِ أَهُوَ مَاءُ الْعُشُرِ، كَمَاءِ السَّمَاءِ وَالْعُيُونِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالْآبَارِ، أَوْ مَاءُ الْخَرَاجِ كَالْآبَارِ الَّتِي شَقَّتْهَا الْأَعَاجِمُ ; لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ التَّوْظِيفِ عَلَى الْكَافِرِ، وَأَمَّا الْمَنُّ عَلَيْهِمْ بِرِقَابِهِمْ وَأَرْضِهِمْ فَقَطْ فَمَكْرُوهٌ، إِلَّا أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَالِ مَا يَتَمَكَّنُونَ بِهِ مِنْ إِقَامَةِ الْعَمَلِ وَالنَّفَقَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى الْأَرَاضِي إِلَى أَنْ يَخْرُجَ الْعِلَاقُ، وَإِلَّا فَهُوَ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَأَمَّا الْمَنُّ عَلَيْهِمْ بِرِقَابِهِمْ مَعَ الْمَالِ دُونَ الْأَرْضِ، أَوْ بِرِقَابِهِمْ فَقَطْ، فَلَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ إِضْرَارٌ بِالْمُسْلِمِينَ بِرَدِّهِمْ حَرْبًا عَلَيْنَا إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، نَعَمْ لَهُ أَنْ يُبْقِيَهُمْ أَحْرَارَ ذِمَّةٍ بِوَضْعِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ بِلَا مَالٍ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِمْ، فَيَكُونُونَ فُقَرَاءَ يَكْتَسِبُونَ بِالسَّعْيِ وَالْأَعْمَالِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَرِقَّهُمْ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ قِسْمَةِ الْأَرْضِ بِقِسْمَتِهِ ﵊ خَيْبَرَ مِمَّا فِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قَالَ عُمَرُ: لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ بَلْدَةً وَلَا قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا، كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ:

стр. 5543

لَوْلَا أَنْ يُتْرَكَ آخِرُ النَّاسِ لَا شَيْءَ لَهُمْ مَا فُتِحَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا سُهْمَانًا، كَمَا قَسَمَ ﷺ سُهْمَانًا، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ قَسَّمَهَا كُلَّهَا، فِي أَبِي دَاوُدَ: بِسَنَدٍ جَيِّدٍ أَنَّهُ قَسَمَ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ لِنَوَائِبِهِ وَنِصْفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَسْمًا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا جَمَعَ كَلُّ سَهْمٍ مِائَةً. يَعْنِي أَعْطَى لِكُلِّ مِائَةِ رَجُلٍ سَهْمًا، وَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا كَذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ: وَكَانَ النِّصْفُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلِلْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ مِنْ ذَلِكَ أَيْ: لِمَنْ يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الْوُفُودِ وَالْأُمُورِ وَنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ نِصْفُ النِّصْفِ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَعْنَى مَالِ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ النِّصْفَ كَانَ الْوَطِيخُ وَالْكَثِيبَةُ وَالسَّلَالِمُ وَتَوَابِعُهَا، فَلَمَّا صَارَتِ الْأَمْوَالُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُمَّالٌ يَكْفُونَهُمْ عَمَلَهَا، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْيَهُودَ فَعَامَلَهُمْ. زَادَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ: فَعَامَلَهُمْ بِنِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَلَمْ يَزَلْ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ ﵁ حَتَّى كَانَ عُمَرُ، فَكَثُرَ الْعُمَّالُ فِي الْمُسْلِمِينَ وُقُوفًا عَلَى الْعَمَلِ، فَأَجْلَى عُمَرُ الْيَهُودَ إِلَى الشَّامِ وَقَسَمَ الْأَمْوَالَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْيَوْمِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي فِي أَنَّ خَيْبَرَ فُتِحَتْ كُلُّهَا عَنْوَةً، أَوْ بَعْضُهَا صُلْحًا، وَصَحَّحَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْأَوَّلَ وَرَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ الثَّانِيَ، وَغَلَّطَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: فَإِنَّمَا دَخَلَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْحِصْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسْلَمَهُمَا أَهْلُهُمَا فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَهُمَا الْوَطِيخُ وَالسَّلَالِمُ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا حَصَرَهُمْ فِيهِمَا حَتَّى أَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ سَأَلُوهُ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ، وَأَنْ يَحْقِنَ لَهُمْ دِمَاءَهُمْ، فَفَعَلَ فَحَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَمْوَالَ وَجَمِيعَ الْحُصُونِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَيْنَكَ الْحِصْنَيْنِ إِلَى أَنْ قَالَ: فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلُ ذَيْنَكَ الْحِصْنَيْنِ مَغْنُومِينَ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ صُلْحٌ، وَلَعَمْرِي أَنَّهُ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ لَضَرْبٌ مِنَ الصُّلْحِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا أَرْضَهُمْ إِلَّا بِالْحِصَارِ وَالْقِتَالِ فَكَانَ حُكْمُهَا كَحُكْمِ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ، فَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مِنْ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً دُونَ مَا قَالَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْهُ اهـ. وَلَا شَكَّ فِي إِقْرَارِ عُمَرَ أَهْلَ السَّوَادِ وَوَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَى أَرَاضِيهِمْ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ عَامِرٍ، أَوْ غَامِرٍ عَمَلَهُ صَاحِبُهُ، أَوْ لَمْ يَعْمَلْهُ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا، وَفَرَضَ عَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةً، وَعَلَى الرِّطَابِ خَمْسَةً، وَفَرَضَ عَلَى رِقَابِ الْمُوسِرِينَ فِي الْعَامِ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ، وَعَلَى مَنْ دُونَهُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَعَلَى مَنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَحُمِلَ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ إِلَى عُمَرَ ثَمَانُونَ أَلْفَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، إِلَّا أَنَّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقُسِّمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَجُعِلَتْ لِأَهْلِ الْخُمُسِ، وَالْمَنْقُولَاتُ لِلْغَانِمِينَ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّهَا بِأَهْلِ الْخُمُسِ، لَكِنَّهُ اسْتَطَابَ قُلُوبَ الْغَانِمِينَ وَاسْتَرَدَّهَا وَرَدَّهَا عَلَى أَهْلِهَا بِخَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ كُلَّ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ: بَاعَهَا مِنْ أَهْلِهَا بِثَمَنٍ مُنَجَّمٍ، وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْمَغَازِي أَنَّ السَّوَادَ فُتِحَ عَنْوَةً وَأَنَّ عُمَرَ وَظَّفَ مَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يُقَسِّمْهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] أَيِ: الْغَنِيمَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَصْحَابِهِ، وَلِلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ، وَإِنَّمَا تَكُونُ لَهُمْ بِالْمَنِّ وَبِوَضْعِ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ، وَتَلَا عُمَرُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ كَبِلَالٍ وَسَلْمَانَ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فَدَعَا عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا وَأَصْحَابَهُ. قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: فَلَمْ يُحْمَدُوا وَنَدِمُوا وَرَجَعُوا إِلَى رَأْيِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِسْمَةَ الْأَرَاضِي لَيْسَ حَتْمًا أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَلَمْ يَقْسِمِ النَّبِيُّ ﷺ أَرْضَهَا، وَلِذَا ذَهَبَ مَالِكٌ أَنَّ بِمُجَرَّدِ الْفَتْحِ تَصِيرُ الْأَرْضُ وَقْفًا لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ أَدْعَى بِالْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ اهـ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ دَعْوَى الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ صُلْحًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، بَلْ عَلَى نَقِيضِهَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 5544

٣٩٩٥ - وَعَنْ خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٣٩٩٥ - (وَعَنْ خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ﵂ : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هِيَ صَحَابِيَّةٌ بِنْتُ تَامِرٍ، حَدِيثُهَا عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ ") : بِالْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ: يُسْرِعُونَ وَيَدْخُلُونَ وَيَتَصَرَّفُونَ (" فِي مَالِ اللَّهِ ") أَيْ: فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ وَالزَّكَاةِ (" بِغَيْرِ حَقٍّ ") أَيْ: بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ (" فَلَهُمُ النَّارُ ") أَيْ: أَبَدًا إِنِ اسْتَحَلُّوا وَإِلَّا فَمُدَّةٌ شَاءَهَا اللَّهُ تَعَالَى (" يَوْمَ الْقِيَامَةِ ") : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى سُرْعَةِ دُخُولِهِمُ النَّارَ قَبْلَ انْقِضَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 5545

٣٩٩٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: " لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فُرْسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفُقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَهُوَ أَتَمُّ. ــ ٣٩٩٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ) أَيْ: يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ. وَذَاتُ مُقْحَمَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ كَوْنِ الْيَوْمِ بِمَعْنَى الْوَقْتِ الْمُطْلَقِ (فَذَكَرَ الْغُلُولَ) : بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ الْخِيَانَةُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ أَعَمُّ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ (فَعَظَّمَهُ) أَيْ: شَأْنَهُ عُطِفَ عَلَى فَذَكَرَ تَفْسِيرًا لَهُ (وَعَظَّمَ أَمْرَهُ) : عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِمَا قَبْلَهُ أَيْضًا، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ وَقَالَ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى فَعَظَّمَهُ عَلَى طَرِيقَةِ: أَعْجَبَنِي زَيْدٌ وَكَرْمُهُ أَيْ: كَرَمُ زَيْدٍ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] وَقَوْلُهُ فَعَظَّمَهُ عُطِفَ عَلَى فَذَكَرَ الْغُلُولَ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ اهـ. وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى (ثُمَّ قَالَ: " لَا أُلْفِيَنَّ ") : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ لَا أَجِدَنَّ (" أَحَدَكُمْ ") : كَقَوْلِهِمْ: لَا أَرَيَنَّكَ هَاهُنَا نَهَى نَفْسَهُ عَنْ أَنْ يَجِدَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَالْمُرَادُ نَهْيُهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَبْلَغُ وَقَوْلُهُ: (" يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ") : حَالٌ مِنْ أَحَدِكُمْ وَقَوْلُهُ: (" عَلَى رَقَبَتِهِ ") : مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَجِيءُ وَقَوْلُهُ: (" بَعِيرٌ ") : فَاعِلُ الظَّرْفِ لِاعْتِمَادِهِ أَيْ: هَذِهِ حَالَةٌ فَظِيعَةٌ شَنِيعَةٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ أَرَاكُمْ عَلَيْهَا لِفَضِيحَتِكُمْ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنَّهُ عَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (" لَهُ ") أَيْ: لِلْبَعِيرِ (رُغَاءٌ) بِضَمِّ الرَّاءِ صَوْتُ الْإِبِلِ يُقَالُ: رَغَا يَرْغُو رُغَاءً ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ (يَقُولُ) أَيْ: أَحَدُكُمْ (" يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي ") : أَمْرٌ مِنَ الْإِغَاثَةِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الشَّفَاعَةُ (" فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ ") أَيْ: مِنَ اللَّهِ (" لَكَ ") أَيْ: لِأَجْلِكَ (" شَيْئًا ") أَيْ: مِنَ الدَّفْعِ وَالنَّفْعِ، وَالْمَعْنَى لَا أَدْفَعُ عَنْكَ شَيْئًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ (" قَدْ أَبْلَغْتُكَ ") أَيْ: وَثَبَتَتْ عَلَيْكَ الْحُجَّةُ فِيمَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] (" «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فُرْسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ» ") : بِالْحَاءَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ صَوْتُ الْفَرَسِ دُونَ الصَّهِيلِ، ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَرَّدَ وَيُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ صَوْتِهِ، وَسَبَقَ عَنِ الْقَامُوسِ أَنَّ الْفَرَسَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. ( «فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ» ") : بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ صَوْتُ الشَّاءِ (" «يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ» ") : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرِيدُ بِالنَّفْسِ

стр. 5546

الْمَمْلُوكَ الَّذِي يَكُونُ قَدْ غَلَّهُ مِنَ السَّبْيِ وَقِيلَ: الْمَقْتُولُ بِغَيْرِ حَقٍّ (" «فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ» ") : بِكَسْرِ الرَّاءِ جَمْعُ رُقْعَةٍ. وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنَ الثَّوْبِ أَيْ: ثِيَابٌ يَغُلُّهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ، أَوْ يَأْخُذُهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ يَلْبَسُهَا بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ كَمُرَقَّعَاتِ الصُّوفِيَّةِ الْجَهَلَةِ. (" تَخْفِقُ ") : بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ: تَضْطَرِبُ وَتَتَحَرَّكُ اضْطِرَابَ الرَّايَةِ (" «فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ» ") : خِلَافُ نَاطِقٍ. أَيْ: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا (" فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ: مَعْنًى (وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَهُوَ) أَيْ: لَفْظُ مُسْلِمٍ (أَتَمُّ) أَيْ: أَتَمُّ تَفْصِيلًا مِنْ لَفْظِ الْبُخَارِيِّ، وَلِذَا اخْتِيرَ.

стр. 5547

٣٩٩٧ - (وَعَنْهُ) قَالَ: «أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلَامًا يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ فَبَيْنَمَا مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَصَابَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَلَّا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا ". فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ النَّاسُ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ، أَوْ شِرَاكَيْنِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٣٩٩٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (قَالَ: أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلَامًا) أَيْ: مَمْلُوكًا (يُقَالُ لَهُ) أَيْ: لِلْغُلَامِ (مِدْعَمٌ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: مِدْعَمٌ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ عَبْدٌ أَسْوَدُ كَانَ عَبْدًا لِرِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَأَهْدَاهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْغُلُولِ (فَبَيْنَمَا) : بِالْمِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ فَبَيْنَا (مِدْعَمٌ يَحُطُّ) أَيْ: يَضَعُ (رَحْلًا) أَيْ: عَنْ ظَهْرِ مَرْكُوبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ) : بِسُكُونِ الذَّالِ لِلْمُفَاجَأَةِ وَفِي نُسْخَةٍ إِذَا (أَصَابَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ الْمُبْدَلَةِ أَيْ: لَا يُدْرَى مَنْ رَمَاهُ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هُوَ الْعَائِدُ عَنْ قَصْدِهِ، وَمِنْهُ عَارَ الْفَرَسُ إِذَا ذَهَبَ عَلَى وَجْهِهِ كَأَنَّهُ مُنْفَلِتٌ (قَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ) أَيْ: لِمِدْعَمٍ (الْجَنَّةُ) ; لِأَنَّهُ مَاتَ فِي خِدْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَلَّا ") : لِلرَّدْعِ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَظُنُّونَ (" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ ") : وَهِيَ كِسَاءٌ يَشْتَمِلُ بِهِ الرَّجُلُ (" الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ ") : وَفِي نُسْخَةٍ مِنَ الْغَنَائِمِ (" لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ ") : الضَّمِيرُ لِلشَّمْلَةِ، أَوْ لِلْغَنَائِمِ، وَالْمَعْنَى أَخَذَهَا قَبْلَ قِسْمَتِهَا، أَوْ قَبْلَ إِدْخَالِهَا فِي الْقِسْمَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ مَنْصُوبِ أَخَذَهَا أَيْ: غَيْرُ مَقْسُومَةٍ أَيْ: أَخَذَهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَكَانَ غُلُولًا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَلَمْ يُفِدِ الرَّدُّ شَيْئًا (" لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا ") أَيْ: إِنْ لَمْ يَعْفُ اللَّهُ فَفِيهِ رَدٌّ لِكَلَامِهِمُ الْمَفْهُومِ مِنْهُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِغَيْرِ سَابِقَةِ عُقُوبَةٍ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: إِنَّ الشَّمْلَةَ إِلَخْ. جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُمْ قَطَعُوا عَلَى أَنَّهُ الْآنَ فِي الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُ فِيهَا، وَأَدْخَلَ كَلَّا لِيَكُونَ رَدْعًا لِحُكْمِهِمْ وَإِثْبَاتًا لِمَا بَعْدَهُ، وَيَنْصُرُهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ، وَقَوْلُهُ: نَارًا تَمْيِيزٌ، وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ أَيِ: الشَّمْلَةُ اشْتَعَلَتْ وَصَارَتْ بِجُمْلَتِهَا نَارًا. كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] () (فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ) أَيِ: الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ (النَّاسُ) أَيِ: الَّذِينَ تَهَاوَنُوا فِي أَمْرِ خِيَانَةِ الْمَغْنَمِ، وَظَنُّوا أَنَّ مُحَقَّرَاتِهَا مِمَّا يُتَسَامَحُ فِيهَا (جَاءَ رَجُلٌ بِشَرَاكٍ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى وَجْهِهِ، ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ (أَوْ بِشِرَاكَيْنِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : بِالشَّكِّ (قَالَ: شِرَاكٌ مِنَ النَّارِ ") أَيْ: إِنْ لَمْ يُرَدَّ، أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ ("، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ ") أَيْ: يُعَذَّبُ بِهِمَا حَالَ كَوْنِهِمَا مَجْعُولَيْنِ مِنَ النَّارِ، أَوْ بِمِقْدَارِهِمَا مِنْهَا، وَفِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ وَوَعِيدٌ جَسِيمٌ فِي حَقِّ مَنْ يَأْكُلُ مِنَ الْمَالِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ جَمْعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَالِ الْأَوْقَافِ وَكَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنَّ التَّوْبَةَ مَعَ الِاسْتِحْلَالِ، أَوْ رَدَّ حُقُوقِ الْعَامَّةِ مُتَعَذِّرٌ، أَوْ مُتَعَسِّرٌ.

стр. 5548

قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمُعَاقَبَةِ بِهِمَا إِمَّا بِنَفْسِهِمَا أَيْ: يُغْلَى بِهِمَا وَهُمَا مِنْ نَارٍ، أَوْ هُمَا سَبَبَانِ لِعَذَابِ النَّارِ، وَفِيهِ غِلَظُ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فِي التَّحْرِيمِ حَتَّى الشِّرَاكِ، وَأَنَّ الْغُلُولَ يَمْنَعُ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ غَلَّ. قُلْتُ: وَفِيهِ بَحْثٌ؛ إِذْ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى نَفْيِ شَهَادَتِهِ، كَيْفَ وَقَدْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَخِدْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهِيدِ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ ذَنَبٌ، أَوْ دَيْنٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَجَوَازُ الْحَلِفِ بِاللَّهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ قَالَتْ بَلْ هُوَ لِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ، فَلَيْسَ بِلَا فَائِدَةٍ وَأَنَّ مَنْ رَدَّ شَيْئًا مِمَّا غَلَّ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَا يُحْرَقُ مَتَاعُهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ: «مَنْ غَلَّ فَاحْرِقُوا مَتَاعَهُ» ، فَضَعِيفٌ بَيَّنَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ ضَعْفَهُ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ مَنْسُوخًا اهـ. وَفِيهِ: أَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى رَدِّهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ بَعْدَهَا حَيْثُ يُتَعَذَّرُ وُصُولُهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ رَدَّهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَلَمْ يَقْبَلْهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5549

٣٩٩٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: «كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كَرْكَرَةُ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هُوَ فِي النَّارِ " فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٣٩٩٨ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) ، بِالْوَاوِ (قَالَ: كَانَ) أَيْ: فِي بَعْضِ الْمَغَازِي (عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْ: رَحْلِهِ وَمَتَاعِهِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْقَافِ الْمَتَاعُ الْمَحْمُولُ عَلَى الدَّابَّةِ عَلَى مَا فِي الْفَائِقِ. وَفِي الْمُغْرِبِ: يُقَالُ لِكُلِّ خَطِيرٍ نَفِيسٍ ثَقَلٌ، وَقَالَ عِيَاضٌ: وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ: هُوَ الْمَتَاعُ وَنَحْوُهُ، وَفِي الْقَامُوسِ: الثِّقَلُ كَعِنَبٍ ضِدَّ الْخِفَّةِ، وَالثَّقَلُ مُحَرَّكَةٌ مَتَاعُ الْمُسَافِرِ وَالْأَثْقَالُ كُنُوزُ الْأَرْضِ وَمَوْتَاهَا، وَالذُّنُوبُ وَالْأَحْمَالُ الثَّقِيلَةُ وَاحِدَةُ الْكُلِّ ثِقَلٌ بِالْكَسْرِ (رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كَرْكَرَةُ) ، بِفَتْحِ الْكَافَيْنِ وَكَسْرِهِمَا، كَذَا فِي الْمُغْنِي، وَجَامِعِ الْأُصُولِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ الْأُولَى وَكَسْرِهَا وَالثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ فِيهِمَا. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِكَسْرِهِمَا اسْمُ ذَلِكَ الرَّجُلِ كَانَ يَحْمِلُ أَمْتِعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَنْقُلُهَا مِنْ مَنْزِلٍ إِلَى مَنْزِلٍ اهـ. وَأَكْثَرُ الْأُصُولِ بِفَتْحِ الْكَافَيْنِ (فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هُوَ فِي النَّارِ فَذَهَبُوا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ: سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ ﷺ وَحَقَّقُوا أَنَّ سَبَبَ وُرُودِهِ النَّارَ هُوَ الْغُلُولُ مَعَ كَوْنِهِ عَلَى ثَقَلِهِ فَذَهَبُوا (يَنْظُرُونَ) أَيْ: يَتَأَمَّلُونَ، أَوْ يُبْصِرُونَ فِي مَتَاعِهِ (فَوَجَدُوا عَبَاءَةً) : بِالْمَدِّ مَعَ فَتْحِ أَوَّلِهِ كِسَاءٌ وَاسِعٌ مُخَطَّطٌ. قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: هِيَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَبِالْيَاءِ الْمَنْقُوطَةِ مِنْ تَحْتٍ بِنُقْطَتَيْنِ بَعْدَ الْأَلِفِ وَالْعَبَاءَةُ لُغَةٌ فِيهَا وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْعَبَاةُ وَالْعَبَاءَةُ ضَرْبٌ مِنَ الْأَكْسِيَةِ وَفِي بَابِ الْهَمْزِ مِنَ الْقَامُوسِ وَالْعَبَاءُ كِسَاءٌ مَعْرُوفٌ كَالْعَبَاءَةِ، وَفِي بَابِ الْيَاءِ ضَرْبٌ مِنَ الْأَكْسِيَةِ كَالْعَبَاءَةِ (قَدْ غَلَّهَا) . أَيْ: خَانَهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

стр. 5550

٣٩٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٣٩٩٩ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا) : جَمْعُ الْمَغْزَى وَهُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أَوِ اسْمُ زَمَانٍ، أَوْ مَكَانٍ مِنْ غَزَا يَغْزُو فَأَصْلُ مَغَازِينَا أُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً لِسُكُونِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَالْمَعْنَى نَلْقَى فِيهَا (الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ فَنَأْكُلُهُ) أَيْ: كُلًّا مِنْهُمَا وَنَحْوَهُمَا (وَلَا نَرْفَعُهُ) . أَيْ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَجْلِ الْقِسْمَةِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْغُزَاةِ طَعَامَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ وَغَيْرُهُمَا سَوَاءٌ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ إِنَّا لَا نَرْفَعُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَسْتَأْذِنُهُ فِي أَكْلِهِ لِمَا سَبَقَ مِنْهُ مِنَ الْإِذْنِ وَأَنْ يُرِيدَ وَلَا نَدَّخِرُهُ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ، عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْلِفَ الْعَسْكَرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَيَأْكُلُوا مَا وَجُدُوهُ مِنَ الطَّعَامِ، حَاصِلُ مَا هُنَا أَنَّ الْمَوْجُودَ إِمَّا مَا يُؤْكَلُ أَوَّلًا وَمَا يُؤْكَلُ إِمَّا يُتَدَاوَى بِهِ كَالْهَلِيلِجِ أَوَّلًا. فَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُمُ اسْتِعْمَالُهُ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ السِّلَاحِ وَالْكَرْعِ كَالْفَرَسِ، فَيَحُوزُ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ بِأَنْ مَاتَ فَرَسُهُ، أَوِ انْكَسَرَ سَيْفُهُ، أَمَّا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُوَفِّرَ سَيْفَهُ وَفَرَسَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ فَعَلَ أَثِمَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَوْ أُتْلِفَ نَحْوَ الْحَطَبِ، بِخِلَافِ الْخَشَبِ الْمَنْحُوتِ ; لَأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ عَلَى الشَّرِكَةِ فَلَا يُخْتَصُّ بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ أَثَرُ الْمِلْكِ فَضْلًا عَنِ الِاسْتِحْقَاقِ بِخِلَافِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ، فَإِنَّهَا سَبَبُ الرُّخْصَةِ فَيَسْتَعْمِلُهُ، نَعَمْ يَرُدُّهُ إِلَى الْغَنِيمَةِ إِذَا انْقَضَى الْحَرْبُ، وَكَذَا الثَّوْبُ إِذَا ضَرَّهُ الْبَرْدُ يَسْتَعْمِلُهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُ

стр. 5551

إِذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ، وَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ الرَّدِّ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَوِ احْتَاجَ الْكُلُّ إِلَى الثِّيَابِ وَالسِّلَاحِ قَسَمَهَا حِينَئِذٍ بِخِلَافِ السَّبْيِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْسَمُ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ فُضُولِ الْحَوَائِجِ لَا أُصُولِهَا، وَأَمَّا مَا يُتَدَاوَى بِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ تَنَاوُلُهُ، وَكَذَا الطِّيبُ وَالْأَدْهَانُ الَّتِي لَا تُؤْكَلُ كَدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ إِلَى الْفُضُولِ، وَقَالَ ﵊: " «رُدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ» " وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ بِأَحَدِهِمْ مَرَضٌ يُحْوِجُهُ إِلَى اسْتِعْمَالِهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ كَلُبْسِ الثَّوْبِ، فَالْمُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الْحَاجَةِ، وَأَمَّا مَا يُوكَلُ لَا لِلتَّدَاوِي سَوَاءً كَانَ مُهَيَّئًا لِلْإِبِلِ كَاللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ وَالْخُبْزِ وَالزَّيْتِ وَالْعَسَلِ وَالسُّكَّرِ وَالْفَاكِهَةِ الْيَابِسَةِ وَالرَّطْبَةِ وَالْبَصَلِ وَالشَّعِيرِ وَالتِّبْنِ وَالْأَدْهَانِ الْمَأْكُولَةِ كَالزَّيْتِ، فَلَهُمُ الْأَكْلُ وَالِادِّهَانُ بِتِلْكَ الْأَدْهَانِ ; لِأَنَّ الِادِّهَانَ انْتِفَاعٌ فِي الْبَدَنِ كَالْأَكْلِ، وَكَذَا تَرْقِيحُ الدَّابَّةِ وَهُوَ تَصْلِيبُ حَافِرِهَا بِالدُّهْنِ، وَكَذَا كُلُّ مَا لَا يَكُونُ مُهَيَّئًا كَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ، فَلَهُمْ ذَبْحُهَا وَأَكْلُهَا، وَيَرُدُّونَ الْجِلْدَ إِلَى الْغَنِيمَةِ، ثُمَّ شَرَطَ فِي السَّيْرِ الصَّغِيرِ الْحَاجَةَ إِلَى التَّنَاوُلِ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْهَا فِي السَّيْرِ الْكَبِيرِ وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ، وَبِهِ قَالَتِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، فَيَجُوزُ لِكُلٍّ مِنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ تَنَاوُلُهُ إِلَّا لِتَاجِرٍ، وَالرَّاجِلُ وَالْجُنْدِيُّ بِأَجْرٍ لَا يَحِلُّ لَهُمْ، وَلَوْ فَعَلُوا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ، وَيَأْخُذُ مَا يَكْفِيهِمْ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ عَبِيدِهِ وَنِسَائِهِ وَصِبْيَانِهِ الَّذِينَ دَخَلُوا مَعَهُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ: " «كُلُوا وَاعْلِفُوا وَلَا تَحْمِلُوا» ". وَأَخْرَجَهُ الْوَاقِدِيُّ فِي مَغَازِيهِ بِغَيْرِ هَذَا السَّنَدِ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ هَانِئِ بْنِ كُلْثُومٍ، أَنَّ صَاحِبَ جَيْشِ الشَّامِ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنَّا فَتَحْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَقَدَّمَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِأَمْرِكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: دَعْ يَأْكُلُونَ وَيَعْلِفُونَ، فَمَنْ بَاعَ شَيْئًا بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ فَفِيهِ خُمُسٌ لِلَّهِ وَسِهَامٌ لِلْمُسْلِمِينَ.

стр. 5552

٤٠٠٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁، قَالَ: «أَصَبْتُ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَبَسَّمُ إِلَيَّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ " مَا أُعْطِيكُمْ " فِي بَابِ " رِزْقِ الْوُلَاةِ " ــ ٤٠٠٠ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) ، بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ ﵁. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، مُزَنِيٌّ، سَكَنَ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، وَكَانَ أَحَدَ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ عُمَرُ إِلَى الْبَصْرَةِ يُفَقِّهُونَ النَّاسَ، وَمَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ سِتِّينَ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ " وَقَالَ: مَا نَزَلَ الْبَصْرَةَ أَشْرَفَ مِنْهُ اهـ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: هُوَ بِمُعْجَمَةٍ وَفَاءٍ كَمُحَمَّدٍ فَرْدٌ، وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ. (قَالَ: أَصَبْتُ جِرَابًا) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وِعَاءٌ مَعْرُوفٌ، وَمِنَ اللَّطَائِفِ: لَا يُفْتَحُ الْجِرَابُ وَلَا يُكْسَرُ الْقَنْدِيلُ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْجِرَابُ بِالْكَسْرِ وَلَا يُفْتَحُ، أَوْ لُغَيَّةٌ فِيمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ (مِنْ شَحْمٍ) أَيْ: فِيهِ بَعْضٌ مِنْهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: مِنْ بَيَانٌ وَهُوَ صِفَةُ جِرَابًا أَيْ: جِرَابًا مَمْلُوءًا مِنْ شَحْمٍ (يَوْمَ خَيْبَرَ فَالْتَزَمْتُهُ) أَنْ عَانَقْتُهُ وَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ (قُلْتُ) أَيْ: سِرًّا، أَوْ جَهْرًا (لَا أُعْطِي أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا) قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي قَوْلِهِ: الْيَوْمَ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ مُضْطَرًا إِلَيْهِ، وَبَلَغَ الِاضْطِرَارُ إِلَى أَنْ يَسْتَأْثِرَ نَفْسَهُ عَلَى الْغَيْرِ، وَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ قِيلَ فِيهِ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وَمِنْ ثَمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فَالْتَفَتُّ) أَيْ: فَنَظَرْتُ إِلَى أَحَدِ جَوَانِبِي (فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَبَسَّمُ إِلَيَّ) . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الْمُجَاهِدِينَ مِنْ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ قَدْرَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ اهـ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْأَدْهَانِ فِي الْبَدَنِ لَهُ حُكْمُ أَكْلِ الطَّعَامِ، وَقَدْ يُحْتَاجُ أَيْضًا إِلَى الشَّحْمِ لِلسِّرَاجِ وَنَحْوِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ إِبَاحَةُ أَكْلِ الطَّعَامِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ طَعَامِ الْحَرْبِيِّينَ مَا دَامَ الْمُسْلِمُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ اسْتِئْذَانَ الْإِمَامِ إِلَّا الزُّهْرِيَّ، وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَى عِمَارَةِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ إِلَى الْمَغْنَمِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْكَبَ دَوَابَّهُمْ، وَيَلْبَسَ ثِيَابَهُمْ، وَيَسْتَعْمِلَ سِلَاحَهُمْ فِي حَالِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ الِاسْتِئْذَانِ وَشَرَطَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ شُحُومِ ذَبَائِحِ الْيَهُودِ، وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ. (وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ " مَا أُعْطِيكُمْ ") أَيْ: وَلَا أَمْنَعُكُمْ أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ. (فِي بَابِ " رِزْقِ الْوُلَاةِ ") : يَعْنِي فَلِتَكْرَارِهِ أُسْقِطُهُ هُنَا.

стр. 5553

الْفَصْلُ الثَّانِي ٤٠٠١ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ فَضَّلَنِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ قَالَ فَضَّلَ أُمَّتِي عَلَى الْأُمَمِ وَأَحَلَّ لَنَا الْغَنَائِمَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ الْفَصْلُ الثانِي ٤٠٠١ - (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ فَضَّلَنِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ") أَيْ: سَائِرِهِمْ، وَمِنْهُمُ الرُّسُلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ : " «آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". (أَوْ قَالَ فَضَّلَ أُمَّتِي عَلَى الْأُمَمِ ") : لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُمْ خَيْرَ الرُّسُلِ، وَقَدْ يُقَالُ: خَيْرِيَّةُ أُمَّتِهِ إِنَّمَا هِيَ لِخَيْرِيَّةِ رَسُولِهِمْ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ صَاحِبُ الْبُرْدَةِ: لَمَّا دَعَا اللَّهُ دَاعِيَنَا لِدَعْوَتِهِ ... بِأَفْضَلِ الرُّسُلِ كُنَّا أَفْضَلَ الْأُمَمِ (" وَأَحَلَّ لَنَا الْغَنَائِمَ ") : يَعْنِي أَنَّ هَذَا مِنْ خَصَائِصِنَا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ الِاخْتِصَاصِ هِيَ الْأَفْضَلِيَّةُ، وَهِيَ لَا تُنَافِي عِلَّةً أُخْرَى حَيْثُ وَرَدَ: إِنَّهُ أَحَلَّهَا لَنَا لِعَجْزِنَا وَضَعْفِنَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: عُطِفَ أَحَلَّ عَلَى فَضَّلَ عَلَى طَرِيقَةِ الْحُصُولِ وَالْوُجُودِ، وَفَوَّضَ تَرَتُّبَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ إِلَى ذِهْنِ السَّامِعِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ١٥] وَفِي " لَنَا " عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ تَعْظِيمٌ، وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَظَهَرَ ; لِأَنَّ الْعُدُولَ إِلَى ضَمِيرِ الْجَمْعِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْظِيمِ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَإِنَّهُ ﷺ أَدْخَلَ نَفْسَهُ الزَّكِيَّةَ فِي غِمَارِ الْأُمَّةِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْبَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا أَنَّ الْفَضِيلَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ إِظْهَارُ الضَّعْفِ وَالْعَجْزِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى. قُلْتُ: أَوْ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْفَضْلَ وَهْبِيٌّ لَا كَسْبِيٌّ وَأَنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ الضَّعِيفَ بِحَيْثُ يَسْتَعْجِبُ الْقَوِيُّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْ بَابِ ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 5554

٤٠٠٢ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ يَعْنِي: يَوْمَ حُنَيْنٍ: " مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ ". فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا، وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٤٠٠٢ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ يَعْنِي يَوْمَ حُنَيْنٍ) : تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (" «مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ» ") . فِيهِ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ، سَوَاءً كَانَ لَهُ سَهْمٌ فِي الْغَنِيمَةِ أَمْ لَا. كَذَا قِيلَ، وَهَذَا بِطَرِيقٍ التَّنْفِيلِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ فَاءُ التَّعْقِيبِ فِي قَوْلِهِ: (فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ) : يَعْنِي زَوْجَ أُمِّ أَنَسٍ (يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا، وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.

стр. 5555

٤٠٠٣ - وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ. وَلَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٠٠٣ - (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ﵁ ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَكَانَ مَعَ رَايَةِ أَشْجَعَ يَوْمَ الْفَتْحِ، سَكَنَ الشَّامَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) : أَحَدُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَأَحَدُ شُجْعَانِ هَذِهِ الْأُمَّةِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى) أَيْ: حَكَمَ وَأَمَرَ (فِي السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ) أَيْ: تَنْفِيلًا، أَوْ تَشْرِيعًا عَلَى مَا سَبَقَ (وَلَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ) أَيْ: الْمَعْهُودَ، أَوِ الْجِنْسَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ دَفَعَ السَّلَبَ كُلَّهُ إِلَى الْقَاتِلِ وَلَمْ يُقَسِّمْهُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ بِخِلَافِ الْغَنِيمَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: تَكَلَّمَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ فِيهِ وَأَطَالَ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الِاخْتِلَافُ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ اهـ. وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي مَقَامِ الْمَرَامِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 5556

٤٠٠٤ - وَعَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: نَفَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ، وَكَانَ قَتَلَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٠٠٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: نَفَّلَنِي) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجِيءُ بَحْثُهُ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ اهـ. وَالْمَعْنَى أَعْطَانِي نَفَلًا زَائِدًا عَلَى سَهْمِ الْغَنِيمَةِ (يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ، وَكَانَ) أَيْ: ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ (قَتَلَهُ) . أَيْ: أَبَا جَهْلٍ يَعْنِي حَزَّ رَأْسَهُ وَبِهِ رَمَقٌ، وَإِلَّا فَقَدَ قَتَلَهُ الْأَنْصَارِيَّانِ كَمَا سَيَأْتِي، وَهَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِهِ عَلَى التَّجْرِيدِ، أَوِ الِالْتِفَاتِ، وَأَغْرَبَ شَارِحٌ فِي قَوْلِهِ: وَقَدْ كَانَ قَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا جَهْلٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 5557

٤٠٠٥ - وَعَنْ «عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ، قَالَ: شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي، فَكَلَّمُوا فِيَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمُوهُ أَنِّي مَمْلُوكٌ فَأَمَرَنِي فَقُلِّدْتُ سَيْفًا، فَإِذَا أَنَا أَجُرُّهُ فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ خُرْثِيِّ الْمَتَاعِ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِ رُقْيَةً كَنْتُ أَرْقِي بِهَا الْمَجَانِينَ، فَأَمَرَنِي بِطَرْحِ بَعْضِهَا وَحَبْسِ بَعْضِهَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ إِلَّا أَنَّ رِوَايَتَهُ انْتَهَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: الْمَتَاعِ. ــ ٤٠٠٥ - (وَعَنْ عُمَيْرٍ) : بِالتَّصْغِيرِ (مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ) أَيْ: مَمْلُوكِهِ لِمَا سَيَأْتِي، أَوْ مَعْتُوقِهِ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ، وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَبَى يَأْبَى، وَكُنِّيَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: مَوْلَاهُ غِفَارِيٌّ حِجَازِيٌّ، وَهُوَ شَهِدَ فَتْحَ خَيْبَرَ مَعَ مَوْلَاهُ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَسَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَحَفِظَ عَنْهُ (قَالَ: شَهِدْتُ) أَيْ: حَضَرْتُ (خَيْبَرَ) أَيْ: غَزْوَتَهُ (مَعَ سَادَتِي) أَيْ: كِبَارِ أَهْلِي (فَكَلَّمُوا فِيَّ) أَيْ: فِي حَقِّي وَشَأْنِي (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : بِمَا هُوَ مَدْحٌ لِي، أَوْ بِأَنْ يَأْخُذَنِي لِلْغَزْوِ (وَكَلَّمُوهُ) أَيْ: وَأَعْلَمُوهُ (أَنِّي مَمْلُوكٌ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: فَكَلَّمُوا فِيَّ أَيْ: كَلَّمُوا فِي حَقِّي وَشَأْنِي أَوَّلًا بِمَا هُوَ مَدْحٌ لِي، ثُمَّ أَتْبَعُوهُ بِقَوْلِهِمْ: أَنِّي مَمْلُوكٌ (فَأَمَرَنِي) أَيْ: بِأَنْ أَحْمِلَ السِّلَاحَ، وَأَكُونَ مَعَ الْمُجَاهِدِينَ لِأَتَعَلَّمَ الْمُحَارَبَةَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا، أَوْ لِأُقَاتِلَ مَعَهُمْ (فَقُلِّدْتُ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ (سَيْفًا) أَيْ: جَعَلُونِي مُقَلَّدًا بِسَيْفٍ (فَإِذَا) : لِلْمُفَاجَأَةِ (أَنَا أَجُرُّهُ) أَيْ: أَسْحَبُ السَّيْفَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ صِغَرِ سِنِّي، أَوْ قِصَرِ قَامَتِي (فَأَمَرَ لِي) أَيْ: عِنْدِ تَقْسِيمِ الْغَنَائِمِ (بِشَيْءٍ) أَيْ: قَلِيلٌ دُونَ السَّهْمِ (مِنْ خُرْثِيِّ الْمَتَاعِ) ، بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ: أَثَاثُ الْبَيْتِ وَإِسْقَاطُهُ كَالْقِدْرِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا رَضَخَهُ بِهَذَا ; لِأَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا (وَعَرَضْتُ عَلَيْهِ رُقْيَةً) . بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ: تَعْوِيذًا (كُنْتُ أَرَقِي) : بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ: أُعِيذُ (بِهَا الْمَجَانِينَ فَأَمَرَنِي بِطَرْحِ بَعْضِهَا) أَيْ: بِتَرْكِهِ (وَحَبْسِ بَعْضِهَا) . أَيْ: إِبْقَائِهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ إِلَّا أَنَّ رِوَايَتَهُ) أَيْ: أَبُو دَاوُدَ (انْتَهَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: الْمَتَاعِ) .

стр. 5558

٤٠٠٦ - وَعَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ ﵁، قَالَ: «قُسِمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَكَانَ الْجَيْشُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ فِيهِمْ ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ، فَأُعْطِيَ الْفَارِسُ سَهْمَيْنِ، وَالرَّاجِلُ سَهْمًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَأَتَى الْوَهْمُ فِي حَدِيثِ مُجَمِّعٍ أَنَّهُ قَالَ: " ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ، وَإِنَّمَا كَانُوا مِائَتَيْ فَارِسٍ. ــ ٤٠٠٦ - (وَعَنْ مَجَمِّعِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (ابْنِ جَارِيَةَ) ، بِالْجِيمِ وَالتَّحْتِيَّةِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْحَاءِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، أَوْ ضَعِيفٌ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مَدَنِيٌّ، وَكَانَ أَبُوهُ مُنَافِقًا مِنْ أَهْلِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ، وَكَانَ مُجَمِّعٌ مُسْتَقِيمًا، وَكَانَ قَارِئًا يُقَالُ: أَخَذَ مِنْهُ ابْنُ مَسْعُودٍ نِصْفَ الْقُرْآنِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ أَخِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُ، مَاتَ فِي آخِرِ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ. (قَالَ: قُسِّمَتْ خَيْبَرُ) أَيْ: غَنَائِمُهَا وَأَرَاضِيهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِصْفَ أَرَاضِي خَيْبَرَ، وَحَفِظَ نِصْفَ أَرْضِهَا لِنَفْسِهِ، وَلِمَا عَلَيْهِ مِنْ أَسْبَابِ أَهْلِهِ وَأَضْيَافِهِ اهـ. وَسَبَقَ تَحْقِيقُهُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ. (عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ) ، بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ (فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَكَانَ الْجَيْشُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ

стр. 5559

فِيهِمْ ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ، فَأُعْطِيَ الْفَارِسُ) أَيْ: صَاحِبُ الْفَرَسِ مَعَ فَرَسِهِ (سَهْمَيْنِ، وَالرَّاجِلُ) بِالْأَلِفِ أَيْ: الْمَاشِي (سَهْمًا) وَالْمَعْنَى أَعْطَى لِكُلِّ مِائَةٍ مِنَ الْفَوَارِسِ سَهْمَيْنِ، فَبَقِيَ اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا، فَيَكُونُ لِكُلِّ مِائَةٍ مِنَ الرَّجَّالَةِ سَهْمٌ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَيُرِيدُهُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ» ". قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: لِكُلِّ فَارِسٍ سَهْمَانِ ; لِأَنَّ الرَّجَّالَةَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَكُونُ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ، وَلَهُمُ اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا الْكُلُّ مِائَةُ سَهْمٍ وَلِلْفُرْسَانِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ، لِكُلِّ مِائَةٍ سَهْمَانِ، فَالْمَجْمُوعُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، فَمُشْكِلٌ ; لِأَنَّ سِهَامَ الْفُرْسَانِ تِسْعَةٌ، وَسِهَامَ الرِّجَالِ اثْنَا عَشَرَ، فَالْمَجْمُوعُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ) : تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَهُمَا مُتَعَارِضَانِ وَالْأَخْذُ بِالْأَحْوَطِ وَهُوَ الْأَقَلُّ أَوْلَى (وَالْعَمَلُ) : أَنَّ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (وَأَتَى الْوَهْمُ فِي حَدِيثِ مُجَمِّعٍ أَنَّهُ) أَيْ: مِنْ أَنَّهُ (قَالَ: ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ، وَإِنَّمَا كَانُوا مِائَتَيْ فَارِسٍ) . فَعَلَى هَذَا كَانَ نَصِيبُ الْفُرْسَانِ سِتَّةً، وَنُصِيبُ الرَّجَّالَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، لِمَا ذُكِرَ أَنَّ الْجَيْشَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، فَصَارَ الْمَجْمُوعُ تِسْعَةَ عَشَرَ لَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَإِذًا هَذِهِ الْقِسْمَةُ تَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ، فَقِيلَ: كَانَ فِيهِمْ مِائَةُ عَبْدٍ وَلَمْ يُقْسَمْ لَهُمْ سَهْمٌ، إِذْ لَا سَهْمَ لِلْعَبْدِ، بَلْ يُعْطَى رَضْخًا كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الْحَدِيثُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ قَسَمَهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، فَأَعْطَى سِتَّةَ أَسْهُمٍ مِنْهَا الْفُرْسَانَ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ مِائَةٍ مِنْهُمْ سَهْمَانِ، وَأَعْطَى الْبَاقِيَ وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا الرَّجَّالَةَ، وَهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ مِائَةِ سَهْمٌ، فَيَكُونُ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁، وَلَمْ يُسَاعِدْهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ مَشَاهِيرِ الْأَئِمَّةِ حَتَّى الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ; لِأَنَّهُ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ ﷺ أَسْهَمَ لِلرَّجُلِ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ سَهْمًا لَهُ وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ أَسْهَمَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ صَرِيحًا، بَلْ ظَاهِرًا عَلَى أَنَّ لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ، فَإِنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ شَيْءٌ يَقْتَضِي الْحِسَابَ وَالتَّخْمِينَ، مَعَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيَّ هُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِهِ، وَأَثْبَتَهُ فِي دِيوَانِهِ وَهُوَ قَالَ: وَهَذَا وَهْمٌ وَإِنَّمَا كَانُوا مِائَتَيْ فَارِسٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَجْمُوعُ الْغَانِمِينَ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةِ نَفَرٍ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: قُسِّمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ عَلَى مَا صَحَّ عَنْ جَابِرٍ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَغَيْرِهِمْ، فَيَكُونُ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحِسَابُ، فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ» " فَلَا يُعَارِضُ مَا رَوَيْنَاهُ، فَإِنَّهُ يَرْوِيهِ أَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهُوَ أَحْفَظُ وَأَثْبَتُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ كُلِّهِمْ، وَلِذَلِكَ أَثْبَتَهُ الشَّيْخَانِ فِي جَامِعَيْهِمَا، وَرَوَيَا عَنْهُ وَلَمْ يَلْتَفِتَا إِلَى رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ اهـ. وَقَدْ أَسْمَعْنَاكَ فِيمَا أَسْلَفْنَا لَكَ تَحْقِيقَ هَذَا الْمَرَامِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ.

стр. 5560

٤٠٠٧ - وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيِّ ﵁، قَالَ: «شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ فِي الْبَدْأَةِ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٠٠٧ - (وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ (الْفِهْرِيِّ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: هُوَ قُرَشِيٌّ فِهْرِيٌّ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ حَبِيبُ الرُّومِ لِكَثْرَةِ مُجَاهَدَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَكَانَ فَاضِلًا مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَمَاتَ بِالشَّامِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ مُلَيْكَةَ وَغَيْرُهُ (قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَيُسَكَّنُ وَالتَّنْفِيلُ إِعْطَاءُ شَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى سَهْمِ الْغَنِيمَةِ (فِي الْبَدْأَةِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: ابْتِدَاءُ سَفَرِ الْغَزْوِ (وَالثُّلُثَ) بِضَمِّ اللَّامِ وَيُسَكَّنُ أَيْ: وَنَفَّلَ الثُّلُثَ (فِي الرَّجْعَةِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: فِي الرُّجُوعِ عَنِ الْغَزْوِ، وَهُمْ فِي السَّفَرِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: إِذَا نَهَضَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَسْكَرِ فَوَقَعَتْ بِطَائِفَةٍ مِنَ الْعَدُوِّ قَبْلَ وُصُولِ الْجَيْشِ كَانَ لَهُمُ الرُّبُعُ مِمَّا غَنِمُوا، وَيُشَارِكُهُمْ سَائِرُ الْعَسْكَرِ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ، وَإِنْ رَجَعُوا مِنَ الْغَزْوِ، ثُمَّ وَقَعَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعَسْكَرِ بِالْعَدُوِّ كَانَ لَهُمُ الثُّلُثُ مِمَّا غَنِمُوا لِزِيَادَةِ مَشَقَّتِهِمْ وَخَطَرِهِمْ، وَيُشَارِكُهُمْ سَائِرُهُمْ فِي الثُّلُثَيْنِ ; لِأَنَّ وُجْهَةَ السَّرِيَّةِ وَالْجَيْشِ فِي الْبَدْأَةِ وَاحِدَةٌ، فَيَصِلُ مَدَدُهُمْ إِلَيْهِمْ بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 5561

٤٠٠٨ - وَعَنْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ وَالثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ» . إِذَا قَفَلَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٠٠٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ حَبِيبٍ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ الرُّبُعَ) أَيْ: فِي الْبَدْأَةِ (بَعْدَ الْخُمُسِ) أَيْ: بَعْدَ أَنْ يُخْرِجَ الْخُمُسَ (وَالثُّلُثَ) أَيْ: وَيُنَفِّلُ الثُّلُثَ (بَعْدَ الْخُمُسِ إِذَا قَفَلَ) . قَيْدٌ لِلْمَعْطُوفِ أَيْ: إِذَا رَجَعَ مِنَ الْغَزْوِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا الْحَدِيثُ كَالَّذِي قَبْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ فِي الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ إِعْطَاءَهُ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ إِخْرَاجِ الْخُمُسِ، أَوْ بَعْدَهُ، وَبَيَّنَ هَاهُنَا أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ أَوَّلًا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ وَيَصْرِفُهُ إِلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ يُعْطِي رُبُعَ، أَوْ ثُلُثَ مَا بَقِيَ لِأَهْلِ الْبَدْأَةِ وَالرَّجْعَةِ. قَالَ الْقَاضِي: النَّفَلَ اسْمٌ لِزِيَادَةٍ يَخُصُّ بِهَا الْإِمَامُ بَعْضَ الْجَيْشِ عَلَى مَا يُعَايِنُهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ لِمَزِيدِ سَعْيٍ وَاقْتِحَامِ خَطَرٍ، وَالتَّنْفِيلُ إِعْطَاءُ النَّفَلِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَفِّلُ الرُّبُعَ أَيْ: فِي الْبَدْأَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، وَهِيَ ابْتِدَاءُ سَفَرِ الْغَزْوِ، وَكَانَ إِذَا نَهَضَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ جُمْلَةِ الْعَسْكَرِ وَابْتَدَرُوا إِلَى الْعَدُوِّ، وَأَوْقَعُوا بِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ، فَمَا غَنِمُوا كَانَ يُعْطِيهِمْ مِنْهَا الرُّبُعَ، وَيُشْرِكُهُمْ سَائِرَ الْعَسْكَرِ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ، وَكَانَ يُنَفِّلُ الثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ وَهِيَ قُفُولُ الْجَيْشِ مِنَ الْغَزْوِ، فَإِذَا قَفَلُوا وَرَجَعَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَوْقَعُوا بِالْعَدُوِّ مَرَّةً ثَانِيَةً كَانَ يُعْطِيهِمْ مِمَّا غَنِمُوا الثُّلُثَ ; لِأَنَّ نُهُوضَهُمْ بَعْدَ الْقَفْلِ أَشَقُّ وَالْخَطَرَ فِيهِ أَعْظَمُ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّنْفِيلَ. وَقَوْلُهُ: بَعْدَ الْخُمُسِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُعْطِي مِنَ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ لِلْغَانِمِينَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّمَا يُعْطِي النَّفَلَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ بَعْدَ الْخُمُسِ وَهْمٌ مِنَ الرَّاوِي، أَوْ زِيَادَةٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ عَدَمُهَا فِي حَدِيثِهِ الْآخَرِ الْمُسَاوِي لَهُ فِي الْمَعْنَى. قُلْتُ: فَتْحُ هَذَا الْبَابِ يَسُدُّ اسْتِنْبَاطَ الْحُكْمِ مِنَ الْمَبْنِيِّ وَعَدَمِهَا فِي حَدِيثِ: كَيْفَ يَدُلُّ عَلَى وَهْمِ وُجُودِهَا فِي آخَرَ، مَعَ أَنَّ الْإِثْبَاتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ وَالْقَيْدَ وَالتَّبْيِينَ حُكْمٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْإِجْمَالِ بِالِاتِّفَاقِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُعْطَى النَّفَلُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ كَالسَّلَبِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 5562

٤٠٠٩ - وَعَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَّةِ الْجَرْمِيِّ، قَالَ: أَصَبْتُ بِأَرْضِ الرُّومِ جَرَّةً حَمْرَاءَ فِيهَا دَنَانِيرُ فِي إِمْرَةِ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، يُقَالُ لَهُ: مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْطَانِي مِنْهَا مِثْلَ مَا أَعْطَى رَجُلًا مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «لَا نَفَلَ إِلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ لَأَعْطَيْتُكَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٠٠٩ - (وَعَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَّةِ) : تَصْغِيرُ الْجَارِيَةِ (الْجَرْمِيِّ) ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ﵁، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ حِطَّانُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالنُّونِ ابْنُ خُفَافٍ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ الْأُولَى تَابِعِيٌّ، مَشْهُورٌ، سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَمَعْنَ بْنَ يَزِيدَ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ (قَالَ: أَصَبْتُ بِأَرْضِ الرُّومِ جَرَّةً) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ظَرْفٌ مَعْرُوفٌ مِنَ الْخَزَفِ (حَمْرَاءَ فِيهَا دَنَانِيرُ فِي إِمْرَةِ مُعَاوِيَةَ) ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ فِي الْقَامُوسِ: الْإِمْرُ مَصْدَرُ أُمِّرَ عَلَيْنَا مُثَلَّثَةٌ إِذَا وُلِّيَ، وَالِاسْمُ الْإِمْرَةُ بِالْكَسْرِ، وَقَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ مَصْدَرٌ وَهْمٌ، وَالْمَعْنَى فِي زَمَانِ إِمَارَتِهِ، أَوْ خِلَافَتِهِ عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ (وَعَلَيْنَا رَجُلٌ) أَيْ: أَمِيرٌ (مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَمَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ) ، بِالتَّصْغِيرِ (يُقَالُ لَهُ: مَعْنُ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (ابْنُ يَزِيدَ) أَيْ: ابْنُ الْأَخْنَسِ السُّلَمِيُّ، لَهُ وَلِأَبِيهِ وَلِجَدِّهِ صُحْبَةٌ، شَهِدُوا بَدْرًا فِيمَا قِيلَ، يُعَدُّ فِي الْكُوفِيِّينَ، رَوَى عَنْهُ وَائِلُ بْنُ كُلَيْبٍ وَغَيْرُهُ، وَذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (فَأَتَيْتُهُ بِهَا) أَيْ: فَجِئْتُ إِلَى مَعْنٍ بِالْجَرَّةِ (فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ: مِنَ الْغُزَاةِ (وَأَعْطَانِي مِنْهَا) أَيْ: مِنَ الْجَرَّةِ (مِثْلَ مَا أَعْطَى رَجُلًا مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَا نَفَلَ ") : بِفَتْحَتَيْنِ (" إِلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ لَأَعْطَيْتُكَ ") . أَيْ: بَعْضُهَا (" نَفَلًا ") . قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنَفِّلْ أَبَا الْجُوَيْرِيَّةِ مِنَ الدَّنَانِيرِ الَّتِي وَجَدَهَا لِسَمَاعِهِ قَوْلَهُ ﷺ : " «لَا نَفَلَ إِلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ» " وَأَنَّهُ الْمَانِعُ لِتَنْفِيلِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفَلَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ لِلْغَانِمِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ السَّابِقُ، وَلَعَلَّ الَّتِي وَجَدَهَا كَانَتْ مِنْ عِدَادِ الْفَيْءِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُعْطَ النَّفَلَ مِنْهُ. قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: إِنَّ الرَّاوِيَ كَانَ يَرَى النَّفَلَ بَعْدَ التَّخْمِيسِ، وَرَآهُ مِنَ الْخُمُسِ، وَيَرَى ذَلِكَ مَوْكُولًا إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَلَمَّا كَانَ هُوَ أَمِيرًا عَلَى الْجَيْشِ لَمْ يَرَ لِنَفْسِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْخُمُسِ دُونَ الْإِمَامِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يُرْوَ عَلَى وَجْهِهِ، وَوَقَعَ السَّهْوُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِنَّمَا الصَّوَابُ فِيهِ: لَا نَفَلَ بَعْدَ الْخُمُسِ أَيْ: لَا نَفَلَ بَعْدَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ وَوُجُوبِ الْخُمُسِ فِيهِ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَالْأَمْثَلُ اهـ. وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 5563

٤٠١٠ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: «قَدِمْنَا فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَأَسْهَمَ لَنَا، أَوْ قَالَ: فَأَعْطَانَا مِنْهَا وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا، إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا جَعْفَرًا وَأَصْحَابَهُ، أَسْهَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٠١٠ - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَدِمْنَا) أَيْ: مِنَ الْحَبَشَةِ (فَوَافَقْنَا) : بِالْفَاءِ وَالْقَافِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالتَّحْتِيَّةِ أَيْ: صَادَفْنَا. (رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ) ، تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ السَّابِقَانِ عَلَيْهِ (فَأَسْهَمَ لَنَا، أَوْ قَالَ: فَأَعْطَانَا مِنْهَا) أَيْ: مِنْ غَنَائِمِ خَيْبَرَ (وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ) ، اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِلتَّأْكِيدِ وَقَوْلُهُ: (إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا) : اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ مِنْ قَوْلِهِ لِأَحَدٍ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: جَعْلُهُ بَدَلًا أَظْهَرُ، وَيَرُدُّهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالنَّصْبِ، وَوَهِمَ بَعْضُهُمْ وَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ أَصْحَابُ الْحُدَيْبِيَةِ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا، وَلَيْسَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ مَنْ حَضَرَ فَتْحَ خَيْبَرَ هُمْ أَصْحَابُ الْحُدَيْبِيَةِ لَا غَيْرُ (جَعْفَرًا وَأَصْحَابَهُ) ، عَطْفُ بَيَانٍ لِأَصْحَابِ السَّفِينَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا هَاجَرُوا إِلَى الْحَبَشَةِ حِينَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ فَلَمَّا عَلِمُوا بِهِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَقُوَّةِ دِينِهِ رَجَعُوا، وَكَانُوا رَاكِبِينَ فِي السَّفِينَةِ، فَلَمَّا وَافَقَ قُدُومُهُمْ فَتَحَ خَيْبَرَ، وَفَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُدُومِهِمْ (أَسْهَمَ لَهُمْ) أَيْ: لِجَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ (مَعَهُمْ) . أَيْ: مَعَ مَنْ شَهِدُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَحَضَرُوا مَعَهُ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ. قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا أَسْهَمَ لَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ وَرَدُوا عَلَيْهِ قَبْلَ حِيَازَةِ الْغَنِيمَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: مَنْ حَضَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ وَقَبْلَ حِيَازَةِ الْغَنِيمَةِ شَارَكَ فِيهَا الْغَانِمِينَ، وَمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ أَسْهَمَ لَهُمْ بَعْدَ اسْتِئْذَانِ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ وَرِضَاهُمْ بِهِ.

стр. 5564

قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَظْهَرُ مِمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ إِنَّمَا أَعْطَاهُمْ ﷺ مِنَ الْخُمُسِ الَّذِي هُوَ حَقُّهُ دُونَ حُقُوقِ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ ; لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: فَأَسْهَمَ يَقْتَضِي الْقِسْمَةَ مِنْ نَفْسِ الْغَنِيمَةِ، وَمَا يُعْطَى مِنَ الْخُمُسِ لَيْسَ بِسَهْمٍ. قُلْتُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِالسَّهْمِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ وَهُوَ النَّصِيبُ فَيُطَابِقُ قَوْلَهُ: أَوْ قَالَ: فَأَعْطَانَا مِنْهَا أَيْ: مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَهِيَ شَامِلَةٌ لِلْخُمُسِ وَغَيْرِهِ، وَ (أَوْ) لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي، وَلَوْ أَعْطَاهُمْ بِرِضَا الْغُزَاةِ لَشَاعَ فِيهِمْ، وَنُقِلَ إِلَيْنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: وَأَيْضًا الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا يَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْقِسْمَةِ لَهُمْ، وَالْقِسْمَةُ لَا تَكُونُ مِنَ الْخُمُسِ. قُلْتُ: الْقِسْمَةُ لُغَوِيَّةٌ بِمَعْنَى إِعْطَاءِ شَيْءٍ فِي الْجُمْلَةِ. قَالَ: وَلِأَنَّ سِيَاقَ كَلَامِ أَبِي مُوسَى وَارِدٌ عَلَى الِافْتِخَارِ وَالْمُبَاهَاةِ، فَيُسْتَدْعَى اخْتِصَاصُهُمْ بِمَا لَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمْ. قُلْتُ: الْمُبَاهَاةُ إِذَا كَانَتْ مِنْ خُمُسِ خُمُسِهِ أَظْهَرُ وَأَطْهَرُ. قَالَ: وَالرَّضْخُ وَالْخُمُسُ مُشْتَرِكٌ فِيهِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ وَغَيْرُهُمَا، فَلَا مَزِيَّةَ لَهُمْ فِيهِ. قُلْتُ: هَؤُلَاءِ مِنَ الْحَاضِرِينَ، وَالْكَلَامُ فِي الْغَائِبِينَ، فَحَصَلَ اخْتِصَاصُهُمْ لَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمْ. قَالَ: وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ قِسْمَةَ خَيْبَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا. قُلْتُ: وَكَذَا نَزِيدُ عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ سَهْمًا عَلَى مَا سَبَقَ. قَالَ: وَهَذَا وَهْمٌ آخَرُ فِي حَدِيثِ مُجَمِّعٍ. قُلْتُ: ثَبِّتِ الْعَرْشَ، ثُمَّ انْقُشْ. قَالَ: فَلَا يَنْتَهِي دَلِيلًا عَلَى أَنَّ سَهْمَا الْفَارِسِ سَهْمَانِ. قُلْتُ: سَبَقَ إِثْبَاتُهُ بِهِ وَبِأَدِلَّةٍ أُخْرَى مَبْسُوطَةٍ فَتَدَبَّرْ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَإِذَا لَحِقَهُ الْمَدَدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجُوا الْغَنِيمَةَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ شَارَكَهُمُ الْمَدَدُ فِيهَا. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ: فِيهِ قَوْلَانِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ بِنَاءً عَلَى مَا مَهَّدْنَا مِنْ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَتِمُّ لِلْغَانِمِينَ قَبْلَ إِحْرَازِ الْغَنِيمَةِ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَجَازَ أَنْ يُشَارِكَهُمُ الْمَدَدُ إِذَا قَامَ بِهِ الدَّلِيلُ، وَلَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَدَدِ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: الْإِحْرَازُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْقِسْمَةُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَبَيْعُ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ لِحَاقِ الْمَدَدِ، هَذَا وَعَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ الْمَبْنِيَّ تَأَكُّدُ الْحَقِّ وَعَدَمُهُ، وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «بَعَثَ ﵊ أَبَانًا عَلَى سَرِيَّةٍ قِبَلَ نَجْدٍ، فَقَدِمَ أَبَانٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ بَعْدَمَا افْتَتَحَهَا إِلَى أَنْ قَالَ: وَلَمْ يَقَسِمْ لَهُمْ» لَا دَلِيلَ فِيهِ ; لِأَنَّ وُصُولَ الْمَدَدِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يُوجِبُ شَرِكَةً، وَخَيْبَرُ صَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ بِمُجَرَّدِ فَتْحِهَا، فَكَانَ قُدُومُهُمْ وَالْغَنِيمَةُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا إِسْهَامُهُ لِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ قَالَ: «بَلَغَنَا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ، فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغُرُهُمْ أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ وَالْآخَرُ أَبُو رُهْمٍ أَكْبُرُهُمْ فِي بِضْعٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي، فَرَكِبْنَا سَفِينَةً، فَأَلْقَتْنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنَا هَاهُنَا، وَأَمَرَنَا بِالْإِقَامَةِ فَأَقِيمُوا مَعَنَا فَأَقَمْنَا حَتَّى قَدِمَا، فَوَافَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَأَسْهَمَ لَنَا وَلَمْ يُسْهِمْ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ خَيْبَرَ إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا» . قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: إِنَّمَا أَعْطَاهُمْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ لِيَسْتَمِيلَ قُلُوبَهُمْ، لَا مِنَ الْغَنِيمَةِ فَهُوَ حَسَنٌ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُعْطِ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْهَا، وَحَمَلَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُمْ شَهِدُوا قَبْلَ حَوْزِ الْغَنَائِمِ خِلَافَ مَذْهَبِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ فِي عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ بَيْنَ كَوْنِ الْوُصُولِ قَبْلَ الْحَوْزِ وَبَعْدَ كَوْنِهِ بَعْدَ الْفَتْحِ، ثُمَّ لَا حَقَّ لِأَهْلِ سُوقِ الْعَسْكَرِ فِي الْغَنِيمَةِ لَا سَهْمَ وَلَا رَضْخَ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا، فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّونَ السَّهْمَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: كَقَوْلِنَا، وَالْآخَرُ يُسْهَمُ لَهُ، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: " «الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ» ". وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عُمَرَ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ غَزَوْا نَهَاوَنْدَ، فَأَمَدَّهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَعَلَيْهِمْ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَظَهَرُوا، فَأَرَادَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ أَنْ لَا يَقْسِمُوا لِأَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الْأَجْدَعُ! تُرِيدُ أَنْ تُشَارِكَنَا مِنْ غَنَائِمِنَا، وَكَانَتْ أُذُنُهُ جُدِعَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: خَيْرَ أُذُنٍ سَبَبْتَ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ الْغَنِيمَةَ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ: وَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ عَلِيٍّ: الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ، وَهَذَا قَوْلُ صَحَابِيٍّ، وَهُوَ لَا يَرَى تَقْلِيدَ الْمُجْتَهِدِ إِيَّاهُ، وَكَذَا عِنْدَ الْكَرْخِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَعَلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ، تَأْوِيلُهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ، وَالْوَقْعَةُ هِيَ الْقِتَالُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ الْمُجْمَلِ: الْوَقْعَةُ صَدْمَةُ الْحَرْبِ وَشُهُودُهُ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: بِإِظْهَارِ خُرُوجِهِ لِلْجِهَادِ، وَالتَّجْهِيزِ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ الْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ الظَّاهِرِ، وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ الَّذِي يُبْتَنَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَأَمَّا تَحْقِيقُهُ قِتَالَهُ بِأَنْ كَانَ خُرُوجُهُ ظَاهِرًا لِغَيْرِهِ، كَالسُّوقِيِّ وَسَائِسِ الدَّوَابِّ، فَإِنَّ خُرُوجَهُ ظَاهِرٌ لِغَيْرِهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ بِمُجَرَّدِ شُهُودِهِ، إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ، فَإِذَا قَاتَلَ ظَهَرَ أَنَّهُ قَصَدَهُ غَيْرَ أَنَّهُ ضَمَّ إِلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ كَالتِّجَارَةِ فِي الْحَجِّ لَا يَنْقُصُ بِهِ ثَوَابُ حَجِّهِ.

стр. 5565

٤٠١١ - وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ: «أَنِّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ " فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ. فَقَالَ: " إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ لَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٤٠١١ - (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ ﵁ . لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، وَهُوَ فِي النُّسَخِ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْأَوَّلِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُغْنِي بِتَحْتِيَّةٍ وَزَايٍ وَلَدُ خَالِدٍ، وَقِيلَ: الصَّوَابُ حَذْفُهَا إِذْ لَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ إِنَّمَا فِيهَا زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ، وَوَقَعَ فِي الْمَصَابِيحِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذَكَرُوا) أَيْ: خَبَرَ مَوْتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ") : وَالْمَعْنَى أَنَا لَا أُصَلِّي عَلَيْهِ (فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ) أَيْ: لِامْتِنَاعِهِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَعْرِفُوا سَبَبَهُ، (فَقَالَ: " إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزًا) : بِفَتْحَتَيْنِ مَا يَنْتَظِمُ مِنْ جَوْهَرٍ وَلُؤْلُؤٍ وَغَيْرِهِمَا (مِنْ خَرَزِ يَهُودَ لَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) .

стр. 5566

٤٠١٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَصَابَ غَنِيمَةً، أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ، فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ، فَيُخَمِّسُهُ وَيُقَسِّمُهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَوْمًا بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمَامٍ مِنْ شَعَرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا فِيمَا كُنَّا أَصَبْنَاهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، قَالَ: " أَسْمَعْتَ بِلَالًا نَادَى ثَلَاثًا؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ؟ " فَاعْتَذَرَ. قَالَ: " كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَنْ أَقْبَلَهُ مِنْكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٠١٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ ﵄ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَصَابَ غَنِيمَةً) أَيْ: وَأَرَادَ جَمْعَهَا وَتَقْسِيمَهَا (أَمَرَ بِلَالًا:) أَيْ: بِالنِّدَاءِ (فَنَادَى) أَيْ: بِلَالٌ (فِي النَّاسِ) أَيْ: فِي مَحَاضِرِهِمْ (فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: يُحْضِرُونَهَا (فَيُخَمِّسُهُ) أَيْ: مَا يَجِيئُونَ بِهِ، وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَتُخَفَّفُ (وَيُقَسِّمُهُ) : بِفَتْحِ وَكَسْرِ السِّينِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا وَبِتَشْدِيدِ السِّينِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ اسْتِحْضَارًا لِتِلْكَ الْحَالَةِ، وَهِيَ امْتِثَالُهُمْ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَعْنِي حِينَ أَمَرَهُمْ بِإِحْضَارِ الْغَنَائِمِ لَمْ يَمْكُثُوا وَلَمْ يَلْبَثُوا وَلَمَّا مَكَثَ الرَّجُلُ وَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ عَادَ إِلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ، وَقَالَ: (فَجَاءَ رَجُلٌ يَوْمًا بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: بَعْدَ التَّخْمِيسِ (بِزِمَامٍ) : بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ: بِخِطَامٍ (مِنْ شَعَرٍ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُسَكَّنُ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا) أَيِ: الزِّمَامُ (فِيمَا كُنَّا أَصَبْنَاهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ) أَيْ: فِيهَا وَمِنْ جُمْلَتِهَا (قَالَ: أَسْمِعْتَ بِلَالًا، نَادَى ثَلَاثًا "؟) أَيْ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي يَوْمٍ، أَوْ أَيَّامٍ (قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهَا) أَيْ: أَوَّلًا (فَاعْتَذَرَ) أَيْ: لِلتَّأْخِيرِ اعْتِذَارًا غَيْرَ مَسْمُوعٍ (قَالَ: كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، وَهِيَ تَأْكِيدُ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ، وَبِنَاءُ الْخَبَرِ عَلَيْهِ سَبِيلِ التَّقْوَى وَتَخْصِيصُ الْكَيْنُونَةِ، قُلْتُ: وَكَذَا تَأْكِيدُهُ وَتَأْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: (" فَلَنْ أَقْبَلَهُ مِنْكَ ") : قَالَ: وَالْأَنْسَبُ أَنْ يَكُونَ أَنْتَ مُبْتَدَأً، وَتَجِيءُ خَبَرَهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرَ كَانَ، وَقَدَّمَ الْفَاعِلَ الْمَعْنَوِيَّ لِلتَّخْصِيصِ أَيْ: أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ لَا غَيْرُكَ. قَالَ الرَّاغِبُ ﵀: وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ كَانَ فِي جِنْسِ الشَّيْءِ مُتَعَلِّقًا بِوَصْفٍ لَهُ هُوَ مَوْجُودٌ فِيهِ، فَبَيَّنَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ لَازِمٌ لَهُ قَلِيلُ الِانْفِكَاكِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] قَالَ الْمُظْهِرُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ ; لِأَنَّ جَمِيعَ الْغَانِمِينَ فِيهِ شَرِكَةٌ، وَقَدْ تَفَرَّقُوا، وَتَعَذَّرَ إِيصَالُ نَصِيبِ كَلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَيْهِ فَتَرَكَهُ فِي يَدِهِ لِيَكُونَ إِثْمُهُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْغَاصِبُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ لَا أَنَّ تَوْبَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَلَا أَنَّ رَدَّ الْمَظَالِمِ عَلَى أَصْحَابِهَا، أَوِ الِاسْتِحْلَالَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَفِيهِ أَنَّ رَدَّ الْمَظْلَمَةِ وَحُصُولَ الِاسْتِحْلَالِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ، وَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُتَعَسِّرًا، أَوْ مُتَعَذِّرًا، وَيَتَوَقَّفُ قَبُولُهَا عَلَى حُصُولِهِمَا، فَهُوَ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ وَالتَّأْكِيدِ، لَا عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّهْدِيدِ، فَكَلَامُ الْمُظْهِرِ أَظْهَرُ فَتَدَبَّرْ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 5567

٤٠١٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ حَرَّقُوا مَتَاعَ الْغَالِّ وَضَرَبُوهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٠١٣ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ حَرَّقُوا) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: أَحْرَقُوا (مَتَاعَ الْغَالِّ وَضَرَبُوهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ يَعْنِي مَتْنًا، قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ. مِنْهُمُ الْحَسَنُ قَالَ: يُحَرَّقُ مَالُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَيَوَانًا، أَوْ مُصْحَفًا، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ قَالُوا: وَلَا يُحَرَّقُ مَا غَلَّ ; لِأَنَّهُ حَقُّ الْغَانِمِينَ يُرَدُّ عَلَيْهَا فَإِنِ اسْتَهْلَكَهُ غَرِمَ قِيمَتَهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُحَرَّقُ مَتَاعُهُ الَّذِي غَزَا بِهِ سَرْجُهُ وَإِكَافُهُ، وَلَا يُحَرَّقُ دَابَّتُهُ وَلَا نَفَقَتُهُ وَلَا سِلَاحُهُ وَلَا ثِيَابُهُ الَّتِي عَلَيْهِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُحَرَّقُ رَحْلُهُ، وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى الزَّجْرِ وَالْوَعِيدِ دُونَ الْإِيجَابِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَدْ رُوِيَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَالِّ وَلَمْ يَأْمُرْ بِحَرْقِ مَتَاعِهِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَرْوِيَّاتِ فِيمَنْ أَتَى بِهِ وَهُوَ تَائِبٌ، وَالْكَلَامُ فِيمَنْ يُؤْخَذُ فِي يَدِهِ.

стр. 5568

٤٠١٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ يَكْتُمُ غَالًّا فَإِنَّهُ مِثْلُهُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٠١٤ - (وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ : مَرَّ مِرَارًا (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ": مَنْ يَكْتُمُ ") : بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ " مَنْ " مَوْصُولَةٌ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّ " مَنْ " شَرْطِيَّةٌ أَيْ: يَسْتُرُ (" غَالًّا ") أَيْ: غُلُولَهُ، وَلَا يُظْهِرُهُ عِنْدَ الْأَمِيرِ (" فَإِنَّهُ ") أَيِ: الْكَاتِمُ (" مِثْلُهُ ") أَيْ: مِثْلُ الْغَالِّ فِي الْإِثْمِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 5569

٤٠١٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٠١٥ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ» ) أَيْ: عَنْ بَيْعِهَا (وَاشْتِرَائِهَا حَتَّى تُقْسَمَ) : قَالَ الْقَاضِي: الْمُقْتَضِي لِلنَّهْيِ عَدَمُ الْمِلْكِ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمِلْكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَعِنْدَ مَنْ يَرَى الْقِسْمَةَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ الْمُقْتَضِي لَهُ الْجَهْلُ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ وَصِفَتِهِ إِذَا كَانَ فِي الْمَغْنَمِ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا. قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي: لَوْ بَاعَ أَحَدٌ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ نَصِيبَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ لَا يَجُوزُ ; لَأَنَّ نَصِيبَهُ مَجْهُولٌ، وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ ضَعِيفٌ يَسْقُطُ بِالْإِعْرَاضِ، وَالْمِلْكُ الْمُسْتَقِرُّ لَا يَسْقُطُ بِالْإِعْرَاضِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

стр. 5570

٤٠١٦ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّهَامُ حَتَّى تُقْسَمَ» . رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. ــ ٤٠١٦ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّهَامُ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ جَمْعُ السَّهْمِ وَهُوَ النَّصِيبُ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَفِي نُسْخَةٍ الْأَسْهَامُ (حَتَّى تُقْسَمَ، رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) .
следующие страницы →