Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.
стр. 5636
بَابُ إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٠٥٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ " انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ " فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، اعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
بَابُ إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ
فِي النِّهَايَةِ: الْجَزِيرَةُ اسْمُ مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ حَفْرِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ فِي الطُّولِ، وَمَا بَيْنَ رَمْلِ يَزَنَ إِلَى مُنْقَطَعِ السَّمَاوَةِ فِي الْعَرْضِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: مِنْ أَقْصَى عَدَنَ أَبْيَنَ إِلَى رِيفِ الْعِرَاقِ طُولًا، وَمِنْ جُدَّةَ وَسَاحِلِ الْبَحْرِ إِلَى أَطْرَافِ الشَّامِ عَرْضًا. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: سُمِّيَتْ جَزِيرَةً لِأَنَّ بَحْرَ فَارِسَ وَبَحْرَ السُّودَانِ أَحَاطَ بِجَانِبَيْهَا، وَأَحَاطَ بِالْجَانِبِ الشَّمَالِ دِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ اهـ.
وَعَنْ مَالِكٍ: أَنَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ. وَفِي الْقَامُوسِ: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَا أَحَاطَ بِهِ بَحْرُ الْهِنْدِ وَبَحْرُ الشَّامِ، ثُمَّ دِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٠٥٠ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَا) : وَفِي نُسْخَةٍ بَيْنَمَا بِالْمِيمِ أَيْ: بَيْنَ أَوْقَاتٍ (نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ " انْطَلِقُوا ") أَيِ: اذْهَبُوا مَعِيَ (إِلَى يَهُودَ فَخَرَجْنَا مَعَهُ) أَيْ: مِنَ الْمَسْجِدِ، أَوْ مِنَ الْمَدِينَةِ (حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ) : قَالَ الْقَاضِي مِفْعَالٌ مِنَ الدِّرَاسَةِ إِمَّا لِلْمُبَالَغَةِ كَالْمِكْثَارِ وَالْمِعْطَاءِ وَالْمُرَادُ صَاحِبُ دِرَاسَةِ كُتُبِهِمُ الَّذِي يُدَارِسُهَا لِلنَّاسِ وَإِمَّا بِمَعْنَى الْمَدْرَسَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَقْرَأُ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ كُتُبَهُمْ وَيَدْرُسُونَهَا فِيهِ إِضَافَةَ الْبَيْتِ كَإِضَافَةِ الْمَسْجِدِ إِلَى الْجَامِعِ وَيَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي أَنَّ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ الصِّحَاحِ حَتَّى أَتَى الْمِدْرَاسَ (فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ أَيْ: فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ، وَالْمَعْنَى فَثَبَتَ قَائِمًا وَلَمْ يَجْلِسْ (قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا) أَمْرٌ مِنَ الْإِسْلَامِ (تَسْلَمُوا) جَوَابُ الْأَمْرِ مِنَ السَّلَامَةِ أَيْ: تَنْجُوا مِنَ الذُّلِّ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي الْعُقْبَى قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ تَسْلَمُوا مِنَ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ أَيْ: تَسْلَمُوا مِنَ الْإِجْلَاءِ، وَفَائِدَتُهُ أَنَّ أَوَّلَ مَا يَسْلَمُونَ مِنَ الْآفَاتِ هُوَ الْإِجْلَاءُ، وَمُفَارَقَةُ الْأَوْطَانِ الْمَأْلُوفَةِ الَّتِي هِيَ أَشَدُّ الْبَلَاءِ وَمِنْ ثَمَّ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الْوَطَنِ ; لِأَنَّهُ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] وَأَنْشَدَ:
لَقَتْلٌ بِحَدِّ السَّيْفِ أَهْوَنُ مَوْقِعًا ... عَلَى النَّفْسِ مِنْ قَتْلٍ بِحَدِّ فِرَاقِ
وَقَالَ:
يَقُولُونَ إِنَّ الْمَوْتَ صَعْبٌ وَإِنَّمَا ... مُفَارَقَةُ الْأَوْطَانِ وَاللَّهِ أَصْعَبُ
(اعْلَمُوا) اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ تَوْطِئَةٌ لِمَا بَعْدَهُ بَعْدَ الْيَأْسِ مِمَّا قَبْلَهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ اعْلَمُوا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فَإِنَّهُ ﷺ لَمَّا خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: (أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا) اتَّجَهَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لِمَ إِذًا تُخَاطِبُنَا بِهَذَا وَمَا سَنَحَ لَكَ مِنَ الرَّأْيِ؟ قَالَ: (اعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ) أَيْ: حَقِيقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وَتَبَعًا وَعَاقِبَةً قَالَ الطِّيبِيُّ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:) ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] (أَيْ: أَرْضُكُمْ هَذِهِ قَدْ تَعَلَّقَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ يُورِثَهَا الْمُسْلِمِينَ فَفَارِقُوهَا، وَإِنَّمَا أَسْنَدَ الْجَلَاءَ إِلَى نَفْسِهِ ﷺ ; لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وَأَنَّ إِجْلَاءَهُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ لِلتَّزْيِينِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] . (وَأَنِّي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَطْفًا عَلَى مَا سَبَقَ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْكَسْرِ أَيْ: وَالْحَالُ أَنِّي (أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ) : مِنَ الْإِجْلَاءِ أَيْ: أُبْعِدُكُمْ وَأُخْرِجُكُمْ " مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ ":
стр. 5637
أَيْ: مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَالْخِطَابُ لِمَنْ بَقِيَ فِي الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْيَهُودِ بَعْدَ إِخْرَاجِ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَتْلِ قُرَيْظَةَ كَيَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَإِنَّ إِجْلَاءَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ وَقَتْلَ قُرَيْظَةَ فِي خَامِسِهَا، وَإِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ، فَيَكُونُ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ (فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ) أَيْ: مِنْ مَالِهِ فَالْبَاءُ بِمَعْنَى (مِنْ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] (شَيْئًا) أَيْ: مِمَّا لَا يَتَيَسَّرُ لَهُ نَقْلُهُ كَالْعَقَارِ وَالْأَشْجَارِ، وَقِيلَ الْبَاءُ بِمَعْنَى (فِي) وَقِيلَ الْبَاءُ لِلْبَدَلِيَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ بِعْتُ هَذَا بِهَذَا، وَالْمَعْنَى مَنْ صَادَفَ عِوَضَ مَالِهِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ حَمْلُهُ (فَلْيَبِعْهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ أَشْبَهَ، وَأَمَا الْمَكْرُوهُ عَلَى الْبَيْعِ فَهُوَ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَى بَيْعِ الشَّيْءِ شَاءَ، أَوْ أَبَى، وَالْيَهُودُ لَوْ لَمْ يَبِيعُوا أَرَاضِيَهُمْ لَمْ يُحْمَلُوا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أَشْفَقُوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَاخْتَارُوا بَيْعَهَا، فَصَارُوا كَأَنَّهُمُ اضْطُرُّوا إِلَى بَيْعِهَا كَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى بَيْعِ مَالِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جَائِزًا وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: أَوْجَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ إِخْرَاجَ الْكَافِرِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَقَالُوا لَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُمْ سُكْنَاهَا وَلَكِنَّ الشَّافِعِيَّ خَصَّ هَذَا الْحُكْمَ بِالْحِجَازِ وَهُوَ عِنْدَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَامَةِ وَأَعْمَالِهَا دُونَ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِ وَقَالُوا: لَا يُمْنَعُ الْكُفَّارُ مِنَ التَّرَدُّدِ مُسَافِرِينَ فِي الْحِجَازِ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنَ الْإِقَامَةِ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِلَّا مَكَّةَ وَحَرَمَهَا فَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُ كَافِرٍ مِنْ دُخُولِهَا بِحَالٍ، فَإِنْ دَخَلَهَا بِخُفْيَةٍ وَجَبَ إِخْرَاجُهُ فَإِنْ مَاتَ وَدُفِنَ فِيهَا نُبِشَ، وَأُخْرِجَ مِنْهَا مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ دُخُولَهُمُ الْحَرَمَ، وَحُجَّةُ الْجَمَاهِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] اهـ. وَفِي الْمَعَالِمِ: أَرَادَ مَنْعَهُمْ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ ; لِأَنَّهُمْ إِنْ دَخَلُوا الْحَرَمَ فَقَدْ قَرُبُوا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ وَجَوَّزَ أَهْلُ الْكُوفَةِ لِلْمُعَاهَدِ دُخُولَ الْحَرَمِ، وَفِي الْمَدَارِكِ: فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَلَا يَحُجُّوا وَلَا يَعْتَمِرُوا كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَهُوَ عَامُ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ حَيْثُ أُمِّرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى الْمَوْسِمِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُمْنَعُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً، وَعِنْدَ مَالِكٍ يُمْنَعُونَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5638
٤٠٥١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَقَالَ " «نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ» " وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتُخْرِجُنَا قَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ وَعَامَلَنَا عَلَى الْأَمْوَالِ؟ فَقَالَ عُمَرُ أَظْنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " وَكَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ؟ فَقَالَ هَذِهِ كَانَتْ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ فَقَالَ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ مَالًا وَإِبِلًا وَعُرُوضًا مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤٠٥١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) أَيْ: أَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ وَسَاقَاهُمْ (وَقَالَ) أَيْ: النَّبِيُّ ﷺ حِينَ أَقَرَّهُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ (نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ) أَيْ: مَا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِإِخْرَاجِكُمْ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: نَتْرُكُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ بِإِعْطَائِكُمُ الْجِزْيَةَ أَيْ: مَا دُمْتُمْ تُعْطُونَهَا، وَالْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلُ فَتَأَمَّلْ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ جَوَّزَ الْمُسَاقَاةَ مُدَّةً مَجْهُولَةً، وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى مُدَّةِ الْعَهْدِ ; لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ عَازِمًا عَلَى إِخْرَاجِ الْكُفَّارِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَقِيلَ جَازَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ خَاصَّةً لِلنَّبِيِّ ﷺ (وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ) هَذَا كَلَامُ عُمَرَ ﵁ مِنَ الرَّأْيِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ: وَرَأَيْتُ الْآنَ الْمَصْلَحَةَ فِي إِجْلَائِهِمْ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ بَيَانُ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ قَوْلِهِ (مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ) (فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: صَمَّمَ عَزْمَهُ عَلَى إِجْلَائِهِمْ وَاتَّفَقَ آرَاؤُهُ عَلَى إِخْرَاجِهِمْ (أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ الْأُولَى قَبِيلَةٌ مِنَ الْيَهُودِ أَيْ: جَاءَهُ أَمِيرُهُمْ، أَوْ كَبِيرُهُمْ (فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ أَيْ: عَلَى أَرَاضِي دِيَارِنَا (وَعَامَلَنَا عَلَى الْأُصُولِ) أَيْ: وَجَعَلَنَا عَامِلِينَ عَلَى أَرَاضِي خَيْبَرَ بِالْمُسَاقَاةِ (فَقَالَ عُمَرُ: أَظْنَنْتَ
стр. 5639
أَنِّي نَسِيتُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ (قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: لَكَ كَيْفَ بِكَ أَيْ: كَيْفَ كَوْنُ حَالِكَ (إِذَا أُخْرِجْتَ) أَيْ: وَقْتَ إِخْرَاجِكَ (مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو) أَيْ: حَالَ كَوْنِكَ تُسْرِعُ (بِكَ قَلُوصُكَ) بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ: نَاقَتُكَ الشَّابَّةُ الْقَوِيَّةُ (لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ فَقَالَ هَذِهِ) أَيِ: الْكَلِمَةُ (كَانَتْ هُزَيْلَةً) تَصْغِيرُ هَزْلَةٍ وَهِيَ الْمَرَّةُ مِنَ الْهَزْلِ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ الْجَدِّ وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى طَرِيقَةِ الْمِزَاحِ وَالْمُطَايَبَةِ (مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ) أَيِ: النَّبِيِّ ﷺ (فَقَالَ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ) أَيْ: فِي قَوْلِكَ إِنَّمَا هَزْلٌ بَلْ جَدٌّ وَفَصْلٌ وَإِخْبَارٌ عَنِ الْغَيْبِ الْوَاقِعِ بَعْدَهُ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ (فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَضَمُّ الْأَوَّلِ أَيْ: أَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا ثَبَتَ لَهُمْ بِاعْتِمَالِهِمْ فِي النَّخِيلِ بِالسَّقْيِ وَالتَّأْبِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حِصَّةِ التَّمْرِ فِي سَنَتِهِمْ تِلْكَ (مَالًا) بَدَلٌ مِنْ قِيمَةِ مَا كَانَ لَهُمْ وَكَذَا قَوْلُهُ (وَإِبِلًا، وَعُرُوضًا) بِضَمَّتَيْنِ أَيْ: أَمْتِعَةً بَيَانُهَا قَوْلُهُ (مِنْ أَقْتَابٍ) جَمْعُ قَتَبٍ بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ: رَحْلٌ وَهُوَ لِلْجَمَلِ كَالْإِكَافِ لِغَيْرِهِ (وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ: غَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْعُرُوضِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5640
٤٠٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْصَى بِثَلَاثَةٍ قَالَ: " أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ نَحْوَ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَوْ قَالَ فَأُنْسِيتُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٠٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْصَى بِثَلَاثَةٍ) أَيْ: أَشْيَاءَ (قَالَ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يُرِيدُ بِهِمُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى (مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَجِيزُوا) مِنَ الْإِجَازَةِ بِالزَّايِ إِعْطَاءُ الْأَمِيرِ (الْوَفْدَ) هُمُ الَّذِينَ يَقْصِدُونَ الْأُمَرَاءَ لِزِيَارَةٍ، أَوِ اسْتِرْفَادٍ، أَوْ رِسَالَةٍ وَغَيْرِهَا وَالْمَعْنَى أَعْطُوهُمْ مُدَّةَ إِقَامَتِهِمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ (بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ) فِي التَّعْبِيرِ بِالنَّحْوِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مِقْدَارَ الْعَطَاءِ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِهِمْ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَإِنَّمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ بِالْوَصِيَّةِ عَنْ عُمُومِ الْمَصَالِحِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْعُظْمَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَافِدَ سَفِيرُ قَوْمِهِ، وَإِذَا لَمْ يُكْرَمُ رَجَعَ إِلَيْهِمْ بِمَا يُنَفِّرُ دُونَهُمْ رَغْبَةَ الْقَوْمِ فِي الطَّاعَةِ وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ سَفِيرُهُمْ فَفِي تَرْغِيبِهِ تَرْغِيبُهُمْ وَبِالْعَكْسِ، ثُمَّ إِنَّ الْوَافِدَ إِنَّمَا يَفِدُ عَلَى الْإِمَامِ، فَيَجِبُ رِعَايَتُهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي أُقِيمَ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَإِضَاعَتُهُ تُفْضِي إِلَى الدَّنَاءَةِ الَّتِي أَجَارَ اللَّهُ عَنْهَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ (قَالَ) أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَأَنَّ ضَمِيرَ قَالَ رَاجِعٌ إِلَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ ; لِأَنَّ الْفَاعِلَ فِي قَوْلِهِ (وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ) هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ (أَوْ قَالَ: فَأُنْسِيتُهَا) وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِهِ لِلْمَشَارِقِ حَيْثُ قَالَ: الضَّمِيرُ فِي قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَفِي سَكَتَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: النَّاسِي هُوَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَعَلَى هَذَا ضَمِيرُ قَالَ لِسَعِيدٍ، وَضَمِيرُ سَكَتَ لِابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي مَتْنِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِلَفْظِ: وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ اهـ. وَهَذَا صَحِيحٌ فِي أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُ صَحِيحٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِهِ ﷺ قَطْعًا نَظَرًا إِلَى سَابِقِ الْحَدِيثِ وَلَاحِقِهِ، وَإِلَى اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي الثَّالِثَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ فِي رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ: إِنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ سُلَيْمَانُ الْأَجْوَدُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ لَا أَدْرَى مَا رَأَى سَعِيدٌ مَصْلَحَةً فِي بَيَانِ الثَّالِثَةِ وَسَكَتَ عَنْهَا، أَوْ قَالَهَا وَلِكِنِّي نَسِيتُ، ثُمَّ قِيلَ إِنَّهَا إِنْقَاذُ جَيْشِ أُسَامَةَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَهِدَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَكَذَا نُقِلَ عَنِ الْمُهَلَّبِ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الثَّالِثَةُ قَوْلَهُ ﷺ " «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» " فَذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مَعَ إِجْلَاءِ الْيَهُودِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
стр. 5641
٤٠٥٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَأُخْرِجَّنَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ «لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» .
ــ
٤٠٥٣ - (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ « (لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ) أَيْ: لَا أَتْرُكُ (فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا) » (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لِلتِّرْمِذِيِّ « (لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَيْدٌ لِقَوْلِهِ (لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) »
стр. 5642
الْفَصْلُ الثَّانِي
لَيْسَ فِيهِ إِلَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ " «لَا تَكُونُ قِبْلَتَانِ» وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ الْجِزْيَةِ
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
(لَيْسَ فِيهِ) أَيْ: فِي حِسَانِ الْمَصَابِيحِ (إِلَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ( «لَا تَكُونُ قِبْلَتَانِ» ) أَيْ: فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ (وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ الْجِزْيَةِ) يَعْنِي لِتَكْرَارِهِ أَسْقَطْتُهُ فَهُوَ اعْتِرَاضٌ وَاعْتِذَارٌ.
стр. 5643
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٠٥٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ الْيَهُودَ مِنْهَا وَكَانَتِ الْأَرْضُ لَمَّا ظُهِرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، فَسَأَلَ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتْرُكَهُمْ عَلَى أَنْ يَكْفُوا الْعَمَلَ وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «نُقِرُّكُمْ عَلَى مَا شِئْنَا» " فَأُقِرُّوا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ فِي إِمَارَتِهِ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٠٥٤ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ) أَيْ: مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؛ لِيُوَافِقَ سَائِرَ الرِّوَايَاتِ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ظَهَرَ) أَيْ: غَلَبَ (عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ أَرَادَ) أَنْ يُخْرِجَ الْيَهُودَ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ خَيْبَرَ (وَكَانَتِ الْأَرْضُ) أَيْ: جِنْسُهَا (لَمَّا ظُهِرَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: غَلَبَ (عَلَيْهَا) وَالْجَارُّ هُوَ النَّائِبُ وَقَوْلُهُ (لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِكَانَتْ (فَسَأَلَ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتْرُكَهُمْ) أَيْ: فِي أَرَاضِيهِمْ (عَلَى أَنْ يَكْفُوا) بِسُكُونِ الْكَافِ وَضَمِّ الْفَاءِ (الْعَمَلَ) أَيْ: يَكْفُوا مُؤْنَتَهُ بِأَنْ يَقُومُوا بِسَقْيِ الْأَرْضِ وَتَأْبِيرِ الْأَشْجَارِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِعَمَلِ الزَّرْعِ (وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ) بِالْمُثَلَّثَةِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا) أَيْ: مَعَاشِرَ الْإِسْلَامِ (فَأُقِرُّوا) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيْ: فَأَقَرَّهُمُ الصَّحَابَةُ بَعْدَهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ (حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ فِي إِمَارَتِهِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ: خِلَافَتِهِ (إِلَى تَيْمَاءَ) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ (وَأَرِيحَاءَ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَهُمَا مَمْدُودَتَانِ قَرْيَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فَتَيْمَاءُ عَلَى مَا فِي الْمُغْرِبِ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَرِيحَاءَ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقِيلَ هُمَا مَوْضِعَانِ بِالشَّامِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ إِخْرَاجُهُمْ مِنْ بَعْضِهَا، وَهُوَ الْحِجَازُ خَاصَّةً ; لِأَنَّ تَيْمَاءَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْحِجَازِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
стр. 5644
[بَابُ الْفَيْءِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٠٥٥ - عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ﵁، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ﵁: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: ٦] إِلَى قَوْلِهِ (قَدِيرٌ) فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
بَابُ الْفَيْءِ
فِي الْمُغْرِبِ: الْفَيْءُ مَا نِيلَ مِنَ الْكُفَّارِ بَعْدَ مَا تَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَتَصِيرُ الدَّارُ دَارَ الْإِسْلَامِ وَحُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُخَمَّسُ، وَفِي الْمَفَاتِيحِ الْفَيْءُ الْمَالُ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنَ الْكُفَّارِ بِلَا قِتَالٍ، أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ خَاصَّةً يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْ عِيَالِهِ وَيُجَهِّزُ الْجَيْشَ وَيُطْعِمُ الْأَضْيَافَ وَمَنْ جَاءَهُ
стр. 5645
بِرِسَالَةٍ، أَوْ حَاجَةٍ وَيُقْسَمُ الْخُمُسُ مِنْهُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: مَا أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ قِتَالٍ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا يُصْرَفُ الْخَرَاجُ، وَكَذَا الْجِزْيَةُ مِنْ عِمَارَةِ الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ وَسَدِّ الثُّغُورِ وَكِرَى الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ الَّتِي لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهَا كَسَيْحُونَ وَجَيْحُونَ وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ وَإِلَى أَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْمُحْتَسِبِينَ وَالْمُعَلِّمِينَ وَالْمُقَاتِلَةِ وَحِفْظِ الطَّرِيقِ مِنَ اللُّصُوصِ، فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ أَحَدٌ قَالُوا: وَهِيَ مِثْلُ الْأَرَاضِي الَّتِي أَجْلَوْا أَهْلَهَا عَنْهَا وَالْجِزْيَةُ وَلَا خُمُسَ فِي ذَلِكَ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كُلَّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ بِلَا قِتَالٍ عَنْ خَوْفٍ، أَوْ أُخِذَ مِنْهُمْ لِلْكَفِّ عَنْهُمْ يُخَمَّسُ، وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ كَالْجِزْيَةِ وَعُشْرِ التِّجَارَةِ وَمَالِ مَنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَفِي الْقَدِيمِ لَا يُخَمَّسُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَفِي الْحَدِيثِ يُخَمَّسُ، وَلِأَحْمَدَ فِي الْفَيْءِ رِوَايَتَانِ الظَّاهِرُ مِنْهَا لَا يُخَمَّسُ هَذَا الْخُمُسُ بَلْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُصْرَفُ إِلَى مَنْ لَا يُصْرَفُ إِلَيْهِ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ عِنْدَهُ عَلَى مَا مَرَّ، وَذَكَرُوا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْجِزْيَةِ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ. قَالَ الْكَرْخِيُّ: مَا قَالَ بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَلَا فِي عَصْرِهِ، وَجْهُ قَوْلِهِ الْقِيَاسُ عَلَى الْغَنِيمَةِ بِجَامِعِ أَنَّهُ مَالٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْكُفَّارِ عَنْ قُوَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِعَمَلِهِ ﵇ فَإِنَّهُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ وَفَرَضَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا وَلَمْ يُنْقَلْ قَطُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ خَمَّسَهُ، بَلْ كَانَ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَلَوْ بِطَرِيقٍ ضَعِيفٍ عَلَى مَا قَضَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَمُخَالَفَةُ مَا قَضَتْ بِهِ الْعَادَةُ بَاطِلٌ فَوُقُوعُهُ بَاطِلٌ، بَلْ وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ خِلَافُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنِ ابْن الْعَدِيِّ بْنِ الْعَدِيِّ الْكِنْدِيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى مَنْ سَأَلَهُ عَنْ مَوَاضِعِ الْفَيْءِ أَنَّهُ مَا حَكَمَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَرَآهُ الْمُؤْمِنُونَ عَدْلًا مُوَافِقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ، فَرَضَ الْأُعْطِيَّةَ وَعَقَدَ لِأَهْلِ الْأَدْيَانِ ذِمَّةً بِمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجِزْيَةِ لَمْ يَضْرِبْ فِيهَا بِخُمُسٍ وَلَا مَغْنَمٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٠٥٥ - (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ﵁ : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَقَالَ هُوَ بَصْرِيٌّ، وَاخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَالْأَكْثَرُ عَلَى إِثْبَاتِهَا وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: لَا تَثْبُتُ، وَرِوَايَتُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَلِيلَةٌ، وَأَمَّا رِوَايَتُهُ عَنِ الصَّحَابَةِ فَكَثِيرَةٌ رَوَى عَنِ الْعَشَرَةِ، وَأَكْثَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: الزُّهْرِيُّ وَعِكْرِمَةُ مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ (قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁ إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْفَيْءِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] (بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ) قَالَ شَارِحٌ مِنْ عُلَمَائِنَا: الضَّمِيرُ الْمَفْعُولُ فِي لَمْ يُعْطِهِ يَرْجِعُ إِلَى شَيْءٍ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا اخْتُصَّ بِهِ مِنَ الْفَيْءِ، وَهُوَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا اهـ. وَهُوَ غَرِيبٌ حَيْثُ خَالَفَ مَذْهَبَهُ عَلَى مَا سَبَقَ، مَعَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ الْمَذْكُورِ، بَلْ خُصَّ بِعُمُومِ الْفَيْءِ بِأَنَّهُ يَفْعَلُ فِيهِ وَيَتَصَرَّفُ كَيْفَ يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ تَخْمِيسٍ وَتَقْسِيمٍ لِلْغَانِمِينَ، كَمَا عُلِمَ مَنْ فِعْلِهِ ﷺ وَعَمَلِ أَصْحَابِهِ بَعْدَهُ (ثُمَّ قَرَأَ) أَيْ: عُمَرُ ﵁ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ [الحشر: ٧] وَفِي نُسْخَةٍ بِالْوَاوِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْقُرْآنِ (عَلَى رَسُولِهِ) أَيْ: مَا جَعَلَهُ فَيْئًا لَهُ خَالِصَةً وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ خَاصَّةً (مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ إِلَى قَوْلِهِ: (قَدِيرٌ) هَذَا اخْتِصَارٌ مَنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ وَتَمَامُهُ مَشْرُوحًا هَذَا فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مَنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ مِنَ الْوَجِيفِ وَهُوَ سُرْعَةُ السَّيْرِ أَيْ: مَا أَسْرَعْتُمْ، وَمَا نَافِيَةٌ، وَالْمَعْنَى فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِإِيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ مِنْكُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَالرِّكَابُ: الْإِبِلُ وَحَاصِلُهُ فَمَا أَجْرَيْتُمْ عَلَى تَحْصِيلِهِ وَتَغْنِيمِهِ
стр. 5646
خَيْلًا وَلَا رِكَابًا وَلَا تَعِبْتُمْ فِي الْقِتَالِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا مَشَيْتُمْ إِلَيْهِ عَلَى أَرْجُلِكُمْ ; لِأَنَّهُ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَكَانَ ﵇ عَلَى حِمَارٍ فَحَسْبُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ أَيْ: يَقْذِفُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِكُمْ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا خَوَّلَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ شَيْءٌ لَمْ تُحَصِّلُوهُ بِالْقِتَالِ وَالْغَلَبَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ، كَمَا كَانَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، فَالْأَمْرُ مُفَوَّضٌ إِلَيْهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ وَلَا يَقْسِمُهُ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ الَّتِي قُوتِلَ عَلَيْهَا وَأُخِذَتْ عَنْوَةً وَقَهْرًا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا إِلَّا ثَلَاثَةً مِنْهُمْ لِفَقْرِهِمْ ذَكَرَهُ فِي الْمَدَارِكِ وَغَيْرِهِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ تَارَةً بِالْوَسَائِطِ الظَّاهِرَةِ، وَتَارَةً بِمُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ، وَمَرَّةً يَحْكُمُ عَامًّا وَأُخْرَى خَاصًّا عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ الْحِكْمَةُ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ الْمَشِيئَةُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْآيَةُ عَلَى هَذَا مُجْمَلَةٌ بَيَّنَتْهَا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَهَى ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى نَزَلَتْ فِي أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَدْ جَعَلَهَا لِرَسُولِهِ ﷺ خَاصَّةً، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي غَنَائِمِ كُلِّ قَرْيَةٍ تُؤْخَذُ بِقُوَّةِ الْغُزَاةِ، وَفِي الْآيَةِ بَيَانُ مَصْرِفِ خُمُسِهَا فَهِيَ مُبْتَدَأٌ لَا بَيَانِيَّةٌ (فَكَانَتْ هَذِهِ) أَيِ: الْأَمْوَالُ الْحَاصِلَةُ مِنَ الْفَيْءِ (خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ: لَيْسَ لِلْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِيهَا تَصَرُّفًا بَلْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَضَعُوهَا فِي فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَفِيمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ (يُنْفِقُ) (سَنَتِهِمْ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ: لَا يُعَارِضُهُ خَبَرُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ ; لِأَنَّ الِادِّخَارَ لِنَفْسِهِ وَهَذَا لِغَيْرِهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِي جَوَازِ ادِّخَارِ قُوتِ سَنَةٍ وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الِادِّخَارِ فِيمَا يَحْصُلُ مِنْ قَرْيَتِهِ وَأَمَّا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنَ السُّوقِ وَيَدَّخِرَ لِعِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ ضِيقِ الطَّعَامِ لَمْ يَجُزْ بَلْ يَشْتَرِي قُوتَ أَيَّامٍ، أَوْ أَشْهُرَ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ قَدْرَ كِفَايَتِهِ إِلَى حُصُولِ الزَّرْعِ قِيَاسًا عَلَى الِادِّخَارِ سَنَةً (مِنْ هَذَا الْمَالِ) قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: فَكَانَتْ هَذِهِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ الْفَيْءَ بِاعْتِبَارِ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنَّمَا كَرَّرَ قَوْلَهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ لِبَيَانِ أَنَّ نَفَقَتَهُ كَانَتْ مِنْهُ فَقَوْلُهُ: يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ اسْتِئْنَافٌ بَيَانًا لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ تَفْصِيلًا لِلْإِجْمَالِ، كَمَا فِي الْآيَةِ (ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ) أَيْ: يَصْرِفُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ السِّلَاحِ وَالْخَيْلِ وَغَيْرِهِمَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: يَقْسِمُ مِنْهُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ ﷺ وَسَهْمٌ لِأَقْرِبَائِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى، وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيلِ. وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ لَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِهِ، وَإِنَّمَا تَبِعَ النَّوَوِيَّ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ لَهُ فِي الْفَيْءِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ وَخُمُسُ خُمُسِ الْبَاقِي، وَكَانَ لَهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَالْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ لِذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَفِي الْمَعَالِمِ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَصْرِفِ الْفَيْءِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا هُوَ لِلْمُقَاتِلَةِ وَالثَّانِي لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَيُبْدَأُ بِالْمُقَاتِلَةِ، ثُمَّ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْمِيسِ مَالِ الْفَيْءِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُخَمَّسُ فَخُمُسُهُ لِأَهْلِ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ وَأَرْبَعُ أَخْمَاسِهِ لِلْمُقَاتِلَةِ، أَوْ لِلْمَصَالِحِ وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ لَا يُخَمُّسُ، بَلْ مَصْرِفُ جَمِيعِهِ وَاحِدٌ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ حَقٌّ. قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] حَتَّى بَلَغَ ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمُهَاجِرِينَ - الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠] ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ اسْتَوْعَبَتِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً وَقَالَ: مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُسْلِمٌ إِلَّا لَهُ فِي هَذَا الْفَيْءِ حَقٌّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
وَفِي الْمَعَالِمِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يَعْنِي: الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ الْبَصْرِيُّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ دَعَاهُ إِذْ جَاءَ حَاجِبُهُ يَرْفَأُ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ يَسْتَأْذِنُونَ؟ قَالَ نَعَمْ، فَأَدْخِلْهُمْ فَلَبِثَ قَلِيلًا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَلَمَّا دَخَلَا قَالَ عَبَّاسٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا وَمَا يَخْتَصِمَانِ فِي الْفَيْءِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ فَقَالَ الرَّهْطُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الْآخَرِ. قَالَ اهْدَءُوا أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ.
стр. 5647
الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» " يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ. قَالُوا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ فَقَالَ، ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] إِلَى قَوْلِهِ: (قَدِيرٌ) فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ وَاللَّهِ مَا اخْتَارَهَا دُونَكُمْ، وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَقَسَمَهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ هَذَا الْمَالُ مِنْهَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ فَعَمِلَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيَاتَهُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَضَهُ فَعَمِلَ فِيهِ بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ، وَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ وَقَالَ: تَذْكُرَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ فِيهِ كَمَا تَقُولَانِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي فِيهِ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فَقُلْتُ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ فَقَبَضْتُهُ سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي أَعْمَلُ فِيهِ بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي صَادِقٌ بَارٌّ رَادٌّ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي كِلَاكُمَا وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ، وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ، فَقَلْتُ لَكُمَا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " «لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» " فَمَا بَدَا لِي أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهِ بِمَا عَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَمَا عَمِلْتُ فِيهِ مُنْذُ وُلِّيتُ وَإِلَّا فَلَا تُكَلِّمَانِي. فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهُ إِلَيْنَا بِذَلِكَ، فَدَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي أَنْ أَقْضِيَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَوَاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهِ بِقَضَاءٍ غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهُ فَادْفَعَاهُ إِلَيَّ، وَإِنِّي أَكْفِيكُمَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5648
٤٠٥٦ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٠٥٦ - (وَعَنْ عُمَرَ) وَفِي نُسْخَةٍ عَنْهُ ﵁ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى مَالِكٍ، لَكِنَّ صِحَّتَهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عُمَرَ ﵁ (قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) مِنْ بَيَانِيَّةٌ، أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ أَيْ: أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَقَوْلُهُ: (مِمَّا لَمْ يُوجِفْ) : خَبَرُ كَانَتْ أَيْ: مِمَّا لَمْ يُسْرِعِ (الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ) : وَهِيَ الْإِبِلُ الَّتِي يُسَافَرُ عَلَيْهَا لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا، وَاحِدُهُ رَاحِلَةٌ بَلْ حَصَلَ بِغَيْرِ قِتَالٍ مِنْهُمْ (فَكَانَتْ) أَيْ: تِلْكَ الْأَمْوَالُ (لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً) أَيْ: فِي حَيَاتِهِ ﷺ (يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ) أَيْ: نِسَائِهِ وَبَنَاتِهِ وَخَدَمِهِ (نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ) وَفِي نُسْخَةٍ: سَنَتِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْكِيرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْهُمَامِ: قُوتَ سَنَةٍ (ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَا بَقِيَ جَعَلَهُ (فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ) بِضَمِّ الْكَافِ اسْمٌ لِجَمِيعِ الْخَيْلِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِي الْمُغْرِبِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: الْكُرَاعُ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ لَكِنَّ قَوْلَهُ (عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وَهِيَ مَا أُعِدَّ لِلْحَوَادِثِ أُهْبَةً وَجِهَازًا لِلْغَزْوِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُرَاعِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْحَرْبِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: مَعْنَاهُ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِيهَا كَانَ إِلَيْهِ كَيْفَ شَاءَ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا فَإِنَّ مَصَالِحَ بَيْتِ الْمَالِ إِذْ ذَاكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ نَفَقَةِ الْأَئِمَّةِ وَآلَاتِ الْجِهَادِ مِنَ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَنَفَقَتِهِ ﵇ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ قُضَاةٌ وَلَا جُسُورٌ وَلَا قَنَاطِرُ، وَأَمَّا نَفَقَةُ الْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ فَنَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ مَا تَحَقَّقَتْ لَهُ أَدْنَى قُدْرَةٍ عَلَيْهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 5649
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٠٥٧ - عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَتَاهُ الْفَيْءُ قَسَمَهُ فِي يَوْمِهِ، فَأَعْطَى الْآهِلَ حَظَّيْنِ، وَأَعْطَى الْأَعْزَبَ حَظًّا، فَدُعِيتُ فَأَعْطَانِي حَظَّيْنِ وَكَانَ لِي أَهْلٌ، ثُمَّ دُعِيَ بَعْدِي عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَأُعْطِيَ حَظًّا وَاحِدًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٠٥٧ - (عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَيِ: الْأَشْجَعِيِّ: أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ خَيْبَرُ وَكَانَ مَعَ رَايَةِ أَشْجَعَ يَوْمَ الْفَتْحِ، سَكَنَ الشَّامَ وَمَاتَ بِهَا رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَتَاهُ الْفَيْءُ قَسَمَهُ فِي يَوْمِهِ) أَيْ: بَعْدَ مَا فَضُلَ عَنْ نَفَقَتِهِ وَضَرُورِيَّاتِهِ (فَأَعْطَى الْآهِلَ) : بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْهَاءِ أَيِ: الْمُتَأَهِّلَ الَّذِي لَهُ
стр. 5650
زَوْجَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَهِلَ يَأْهِلُ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا أُهُولًا إِذَا تَزَوَّجَ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي مَعْنَاهُ مَنْ لَهُ أَحَدٌ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ (حَظَّيْنِ) أَيْ: نَصِيبَيْنِ (وَأَعْطَى الْأَعْزَبَ) أَيِ: الَّذِي لَا زَوْجَةَ لَهُ (حَظًّا، فَدُعِيتُ فَأَعْطَانِي حَظَّيْنِ، وَكَانَ لِي أَهْلٌ، ثُمَّ دُعِيَ بَعْدِي عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَأُعْطِيَ حَظًّا وَاحِدًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5651
٤٠٥٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ مَا جَاءَهُ شَيْءٌ بَدَأَ بِالْمُحَرَّرِينَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٥٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵂ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ مَا جَاءَهُ شَيْءٌ مِنَ الْفَيْءِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: أَوَّلَ مَنْصُوبٌ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: (بَدَأَ) وَهُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لَرَأَيْتُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالْمُرَادُ. بِالْمُحَرَّرِينَ) : الْمُعْتَقُونَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا دِيوَانَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُونَ فِي جُمْلَةِ مَوَالِيهِمْ. اهـ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَيْ: بَدَأَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ مَجِيءِ الْفَيْءِ بِإِعْطَائِهِ نَصِيبَ الْمُكَاتِبِينَ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَقِيلَ أَيِ: الْمُنْفَرِدِينَ لِطَاعَةِ اللَّهِ خُلُوصًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)
стр. 5652
٤٠٥٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِظَبْيَةٍ فِيهِ خَرَزٌ، فَقَسَمَهَا لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ أَبِي يَقْسِمُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٥٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: قَالَتْ: كَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ: جِيءَ (بِظَبْيَةٍ) : بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فِي النِّهَايَةِ: هِيَ جِرَابٌ صَغِيرٌ عَلَيْهِ شَعْرٌ، وَقِيلَ: هِيَ شِبْهُ الْخَرِيطَةِ وَالْكِيسِ (فِيهَا خَرَزٌ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ فَزَايٌ. فِي الْقَامُوسِ: الْخَرَزَةُ مُحَرَّكَةٌ الْجَوْهَرُ وَمَا يَنْتَظِمُ (فَقَسَمَهَا لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ) أَيْ: لِلْجِنْسَيْنِ مِنْهُمَا مِمَّنْ حَضَرَ عِنْدَهُ، أَوْ مِمَّنْ عَرَفَهُ (قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ أَبِي يَقْسِمُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ) أَيْ: يُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ مِنَ الْفَيْءِ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ الْمَعْتُوقَيْنِ، أَوِ الْمُكَاتَبَيْنِ؛ إِذِ الْمَمْلُوكُ لَا يَمْلِكُ وَنَفَقَتُهُ عَلَى مَالِكِهِ لَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5653
٤٠٦٠ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ﵁ قَالَ ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَوْمًا الْفَيْءَ فَقَالَ مَا أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْفَيْءِ مِنْكُمْ، وَمَا أَحَدٌ مِنَّا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا أَنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ
«وَقَسْمِ رَسُولِهِ ﷺ فَالرَّجُلُ وَقِدَمُهُ، وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ، وَالرَّجُلُ وَعِيَالُهُ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٦٠ - (وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ﵁، قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَوْمًا الْفَيْءَ فَقَالَ: مَا أَنَا أَحَقُّ) : بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ أَيْ: لَسْتُ أَوْلَى (بِهَذَا الْفَيْءِ مِنْكُمْ) : قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: أَحَقُّ رُوِيَ مَرْفُوعًا وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ تَمِيمٍ وَالنَّصْبُ أَوْجَهُ بِدَلِيلِ إِعْمَالِ مَا فِي قَوْلِهِ: (وَمَا أَحَدٌ مِنَّا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ) : أَقُولُ فِيهِ بَحْثٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْجَارِّ مَرْفُوعًا، أَوْ مَنْصُوبًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الرَّفْعُ هُنَا أَوْجَهُ لِيَكُونَ عَمَلًا بِاللُّغَتَيْنِ وَتَفَنُّنًا فِي الْعِبَارَتَيْنِ، ثُمَّ فِي أَحَقَّ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ ﵁ لَيْسَ أَحَقَّ بِهِ كَمَا كَانَ ﵊ أَحَقَّ بِهِ (إِلَّا أَنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُسْتَثْنًى مِنْ أَعَمِّ عَامِّ الْمَفْعُولِ لَهُ أَيِ: الشَّيْءُ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا لِأَنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا وَقَوْلُهُ: (مِنْ كِتَابِ اللَّهِ : حَالٌ مِنْ مَنَازِلِنَا أَيْ: حَاصِلَةٌ مِنْهُ اهـ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ أَيْ: لَكِنْ نَحْنُ عَلَى مَنَازِلِنَا وَمَرَاتِبِنَا الْمُبَيَّنَةِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] الْآيَاتِ الثَّلَاثَ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] الْآيَةَ. وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْآيَاتِ
стр. 5654
الدَّالَّةَ عَلَى تَفَاوُتِ مَنَازِلِ الْمُسْلِمِينَ (وَقَسْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَيْ: وَمِنْ قَسْمِهِ مِمَّا كَانَ يَسْلُكُهُ ﷺ مِنْ مُرَاعَاةِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ أَهْلِ بَدْرٍ وَأَصْحَابِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَذَوِي الْمَشَاهِدِ الَّذِينَ شَهِدُوا الْحُرُوبَ وَبَيْنَ الْمُعِيلِ وَغَيْرِهِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَالرَّجُلُ) : بِالرَّفْعِ وَكَذَا قَوْلُهُ (وَقِدَمُهُ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ: سَبَقُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا أَيْ: ثَبَاتُ قَدَمِهِ فِي الدِّينِ، قِيلَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ فَالرَّجُلُ يُقْسَمُ لَهُ وَيُرَاعَى قِدَمُهُ فِي الْقَسْمِ، أَوِ الرَّجُلِ وَنُصِيبُهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ قِدَمُهُ، أَوِ الرَّجُلُ وَقِدَمُهُ يُعْتَبَرَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَقَبُولُ التَّفَاضُلِ كَقَوْلِهِمْ: الرَّجُلُ وَضَيْعَتُهُ وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ) أَيْ: شَجَاعَتُهُ وَجَبَانُهُ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ مَشَقَّتُهُ وَسَعْيُهُ، (وَالرَّجُلُ وَعِيَالُهُ) أَيْ: مِمَّنْ يُمَوِّنُهُ (وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ) أَيْ: مِقْدَارُ حَاجَتِهِ. قَالَ شَارِحٌ: وَفِي كِتَابِ الْمَصَابِيحِ: وَالرَّجُلُ بِالْوَاوِ وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْفَاءِ التَّفْصِيلِيَّةِ، فَالرَّجُلُ وَقِدَمُهُ عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: إِلَّا أَنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا إِلَخْ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَانَ رَأْيُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ الْفَيْءَ لَا يُخَمَّسُ، وَأَنَّ جُمْلَتَهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِمْ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى آخَرَ فِي أَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ فِي التَّفَاضُلِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَرَاتِبِ وَالْمَنَازِلِ، وَذَلِكَ إِمَّا بِتَنْصِيصِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمْ كَالْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ، خُصُوصًا مِنْهُمْ مَنْ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] ، أَوْ بِتَقْدِيمِ الرَّسُولِ ﷺ وَتَفْضِيلِهِ إِمَّا لِسَبْقِ إِسْلَامِهِ، وَإِمَّا بِحَسَبِ بَلَائِهِ وَإِمَّا لِشِدَّةِ احْتِيَاجِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5655
٤٠٦١ - وَعَنْهُ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] ، حَتَّى بَلَغَ (عَلِيمٌ حَكِيمٌ) فَقَالَ هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤٠] حَتَّى بَلَغَ (ابْنِ السَّبِيلِ) ، ثُمَّ قَالَ هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] ٤) حَتَّى بَلَغَ (لِلْفُقَرَاءِ) ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] . ثُمَّ قَالَ هَذِهِ اسْتَوْعَبَتِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، فَلَئِنْ عِشْتُ فَلَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ وَهُوَ بِسَرْوِ حِمْيَرَ نَصِيبُهُ مِنْهَا، لَمْ يَعْرَقْ فِيهَا جَبِينُهُ. رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
٤٠٦١ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ (قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] حَتَّى بَلَغَ (عَلِيمٌ حَكِيمٌ) يَعْنِي: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] (فَقَالَ: هَذِهِ) أَيِ الْآيَةُ (لِهَؤُلَاءِ) أَيْ: لِأَهْلِ الزَّكَاةِ وَهُمْ مَصَارِفُهَا، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] حَتَّى بَلَغَ (وَابْنِ السَّبِيلِ) : يَعْنِي ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] (ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ) أَيْ: لِأَهْلِ الْخُمُسِ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] " حَتَّى بَلَغَ (لِلْفُقَرَاءِ) : كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقْرَأُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ [الحشر: ٦] الْآيَةَ فَإِنَّهَا نَصٌّ فِي الْفَيْءِ الَّذِي لَا يُقْسَمُ، وَأَمَّا هَذِهِ الْآيَةُ فَتَمَامُهَا ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي التَّخْمِيسِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهَا أَنَّهُ لِلَّهِ حَقِيقَةً وَلِلرَّسُولِ خَاصَّةً يُصْرَفُ فِي الْمَذْكُورِينَ، ثُمَّ أُبْدِلَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: (لِلْفُقَرَاءِ) الْآيَاتِ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ [الحشر: ١٠] : كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالَّذِينَ جَاءُوا) فَطَوَى الْأَنْصَارَ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَفِي نُسْخَةٍ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ [الحشر: ١٠] فَالتَّقْدِيرُ حَتَّى بَلَغَ " لِلْفُقَرَاءِ " الْآيَتَيْنِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ [الحشر: ١٠] ، (مِنْ بَعْدِهِمْ) أَيْ: بَعْدِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا أَيْ: فِي الْإِسْلَامِ الَّذِينَ سَبَقُونَا فِي الْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا أَيْ: حِقْدًا وَعَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيْ: لَهُمْ وَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ إِشَارَةً إِلَى الْعِلَّةِ لِتَسْرِيَ فِي غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحْتِرَازًا عَنِ الْمُرْتَدِّينَ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْخَوَارِجَ وَالرَّوَافِضَ مَحْرُومُونَ عَنِ الدُّخُولِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ حَظٌّ فِي الْفَيْءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5656
(ثُمَّ قَالَ) أَيْ: عُمَرُ ﵁ (هَذِهِ) أَيِ: الْآيَاتُ (اسْتَوْعَبَتِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً) : يَعْنِي بِخِلَافِ الْآيَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ حَيْثُ خُصَّتْ إِحْدَاهُمَا بِأَهْلِ الزَّكَاةِ وَالْأُخْرَى بِأَهْلِ الْخُمُسِ، وَقِيلَ: الْإِشَارَةُ إِلَى أَمْوَالِ الْفَيْءِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِمَا الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] أَيْ: هِيَ مُعَدَّةٌ لِمَصَالِحِهِمْ وَنَوَائِبِهِمْ، وَكَانَ رَأْيُ عُمَرَ أَنَّ الْفَيْءَ لَا يُخَمَّسُ كَمَا تُخَمَّسُ الْغَنِيمَةُ، بَلْ تَكُونُ بِجُمْلَتِهِ مُعَدَّةً لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَمَجْعُولَةً لِنَوَائِبِهِمْ عَلَى تَفَاوُتِ دَرَجَاتِهِمْ وَتَفَاوُتِ طَبَقَاتِهِمْ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْفَتْوَى، غَيْرَ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ يُخَمَّسَ الْفَيْءُ وَيُصْرَفَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ إِلَى الْمُقَاتِلَةِ وَالْمَصَالِحِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ ذَهَبَ عُمَرُ ﵁ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مَنْسُوخٌ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ، وَأَنَّ جُلَّةَ الْفَيْءِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ يَصْرِفُهَا الْإِمَامُ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ التَّرْتِيبِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَامَّةُ أَهْلِ الْفَتْوَى وَاخْتَلَفُوا فِي التَّفْصِيلِ عَلَى السَّابِقَةِ وَالنَّسَبِ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَمْ يُفَضِّلْ بِالسَّابِقَةِ حَتَّى قَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: أَتَجْعَلُ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَهَاجَرُوا مِنْ دِيَارِهِمْ كَمَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ كُرْهًا؟ فَقَالَ: إِنَّمَا عَمِلُوا لِلَّهِ وَإِنَّمَا أُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغٌ، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يُفَضِّلُ بِالسَّابِقَةِ وَالنَّسَبِ، فَكَانَ يُفَضِّلُ عَائِشَةَ عَلَى حَفْصَةَ وَيَقُولُ: إِنَّهَا كَانَتْ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكِ وَأَبُوهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَبِيكِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: فَرَضَ عُمَرُ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَكْثَرَ مِمَّا فَرَضَ لِي، فَقُلْتُ: إِنَّمَا هِجْرَتِي وَهِجْرَتُهُ وَاحِدَةٌ. قَالَ إِنَّ أَبَاهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَبِيكَ، وَإِنَّهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكَ وَإِنَّمَا هَاجَرَ بِكَ أَبُوكَ. وَمَالَ الشَّافِعِيُّ إِلَى التَّسْوِيَةِ وَشَبَّهَهُ بِالْمِيرَاثِ يُسَوَّى فِيهِ بَيْنَ الْوَلَدِ الْبَارِّ وَالْعَاقِّ، وَسَهْمُ الْغَنِيمَةِ يُسَوَّى فِيهِ بَيْنَ الشُّجَاعِ الَّذِي حَصَلَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ، وَبَيْنَ الْجَبَانِ إِذَا شَهِدَا جَمِيعًا الْوَاقِعَةَ (فَلَئِنْ عِشْتُ) أَيْ: حَيِيتُ إِلَى فَتْحِ بِلَادِ الْكُفْرِ وَكَثْرَةِ الْفَيْءِ لَأُوصِلَنَّ جَمِيعَ الْمُحْتَاجِينَ إِلَى مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ (فَلَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (وَهُوَ بِسَرْوِ حِمْيَرَ) بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ اسْمُ مَوْضِعٍ بِنَاحِيَةِ الْيَمَنِ وَحِمْيَرُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ، وَهُوَ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ أُضِيفَتْ إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ مَحَلَّتُهُمْ، وَقِيلَ: سَرْوُ حِمْيَرَ مَوْضِعٌ مِنْ بِلَادِ الْيَمَنِ وَأَصْلُ السَّرْوِ مَا ارْتَفَعَ مِنْ مُنْحَدَرٍ، أَوْ مَا انْحَدَرَ مِنْ مُرْتَفَعٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ سَرْوَ حِمْيَرَ لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَسَافَةِ الشَّاقَّةِ وَذَاكَ الرَّاعِي مُبَالَغَةً فِي الْأَمْرِ الَّذِي أَرَادَهُ مِنْ مَعْنَى التَّعْمِيمِ فِي إِيصَالِ الْقَسْمِ إِلَى الطَّالِبِ وَغَيْرِهِ وَالْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَالْفَقِيرِ وَالْحَقِيرِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّاعِيَ يَشْغَلُهُ عَنْ طَلَبِ حَقِّهِ، أَوْ لِحَقَارَتِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُعْطَى لَهُ شَيْءٌ، بَلْ قَلَّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَهُ حَقًّا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَاعِلِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ (نَصِيبُهُ) أَيْ: حِصَّتُهُ، أَوِ الْمِقْدَارُ الْمُقَدَّرُ لَهُ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ أَمْوَالِ الْفَيْءِ (لَمْ يَعْرَقْ فِيهَا) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ لَمْ يَتْعَبْ فِي تَحْصِيلِهَا وَأَخْذِهَا (جَبِينُهُ. رَوَاهُ) أَيْ: صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ: بِإِسْنَادِهِ.
стр. 5657
٤٠٦٢ - وَعَنْهُ قَالَ كَانَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ عُمَرُ أَنْ قَالَ «كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثُ صَفَايَا
بَنُو النَّضِيرِ، وَخَيْبَرُ وَفَدَكُ أَفَاءَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَكَانَتْ حَبْسًا لِنَوَائِبِهِ وَأَمَّا فَدَكُ فَكَانَتْ حَبْسًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْءَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَجُزْءًا نَفَقَةً لِأَهْلِهِ فَمَا فَضُلَ عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَعَلَهُ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٦٢ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ أَوْسٍ ﵁ (قَالَ: كَانَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ عُمَرُ ﵁ أَيِ: اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفَيْءَ لَا يُقْسَمُ وَذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ (أَنْ قَالَ) : اسْمُ كَانَ (كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثُ صَفَايَا) : بِالْإِضَافَةِ وَهِيَ جَمْعُ صَفِيَّةٍ وَهِيَ مَا يُصْطَفَى وَيُخْتَارُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الصَّفِيُّ مَا يَصْطَفِيهِ الْإِمَامُ عَنْ عُرْضِ الْغَنِيمَةِ مِنْ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ مِنْ عَبْدٍ، أَوْ جَارِيَةٍ، أَوْ فَرَسٍ، أَوْ سَيْفٍ، أَوْ غَيْرِهَا وَكَانَ
стр. 5658
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ مَعَ الْخُمُسِ لَهُ خَاصَّةً وَلَيْسَ ذَلِكَ لِوَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنَ الصَّفِيِّ أَيْ: كَانَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ صَفِيِّ الْمَغْنَمِ (بَنُو النَّضِيرِ) أَيْ: أَرَاضِيهِمْ (وَخَيْبَرُ وَفَدَكُ) : بِفَتْحَتَيْنِ قَرْيَةٌ بِنَاحِيَةِ الْحِجَازِ (أَفَاءَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَقَدْ تَنَازَعَ فِيهَا عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ فَدَفَعَهَا عُمَرُ ﵁ إِلَيْهِمَا كَذَا قِيلَ وَفِي الْقَامُوسِ وَفَدَكُ مُحَرَّكَةٌ قَرْيَةٌ بِخَيْبَرَ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ الثَّلَاثَةَ وَفِي نُسْخَةٍ بِتَنْوِينِ ثَلَاثٍ وَصَفَايَا بْنِ النَّضِيرِ بِالْيَاءِ عَلَى أَنَّهُ مَجْرُورٌ بِإِضَافَةِ صَفَايَا إِلَيْهِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ خَيْبَرَ وَفَدَكَ بِفَتْحِ آخِرِهِمَا وَالنُّسَخُ الْمُصَحَّحَةُ وَالْأُصُولُ الْمُعْتَمَدَةُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ الدِّرَايَةِ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ.
(فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ) أَيِ: الْأَمْوَالُ الْحَاصِلَةُ مِنْ عَقَارِهِمْ (فَكَانَتْ حُبُسًا) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: مَحْبُوسَةٌ (لِنَوَائِبِهِ) أَيْ: لِحَوَائِجِهِ وَحَوَادِثِهِ مِنَ الضِّيفَانِ وَالرُّسُلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ قَالَ الطِّيبِيُّ: هِيَ جَمْعُ نَائِبَةٍ وَهِيَ مَا يَنُوبُ الْإِنْسَانَ أَيْ: يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الْمُهِمَّاتِ وَالْحَوَائِجِ، (وَأَمَّا فَدَكُ فَكَانَتْ حَبْسًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا كَانَتْ مَوْقُوفَةً لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، أَوْ مُعَدَّةً لِوَقْتِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا وَقْفًا شَرْعِيًّا (وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا) : بِتَشْدِيدِ الزَّايِ بَعْدَهَا هَمْزٌ أَيْ: قَسَمَهَا وَجَعَلَهَا (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْأَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَجُزْءًا نَفَقَةً لِأَهْلِهِ) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: إِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ لِأَنَّ خَيْبَرَ كَانَتْ لَهَا قُرًى كَثِيرَةٌ فُتِحَ بَعْضُهَا عَنْوَةً، وَكَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْهَا خُمُسُ الْخُمُسِ وَفُتِحَ بَعْضُهَا صُلْحًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ وَإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ، كَانَ فَيْئًا خَالِصًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضَعُهُ حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حَاجَتِهِ وَنَوَائِبِهِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَاقْتَضَتِ الْقِسْمَةُ وَالتَّعْدِيلُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَيْشِ أَثْلَاثًا اهـ. وَقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ هَذَا الْمَبْحَثِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْهُمَامِ (فَمَا فَضُلَ عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَعَلَهُ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5659
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٠٦٣ - عَنِ الْمُغِيرَةِ ﵁ قَالَ: «إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁
جَمَعَ بَنِي مَرْوَانَ حِينَ اسْتُخْلِفَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ لَهُ فَدَكُ، فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا، وَيَعُودُ مِنْهَا عَلَى صَغِيرِ بَنِي هَاشِمٍ، وَيُزَوِّجُ مِنْهَا أَيِّمَهُمْ، وَإِنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتْهُ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهَا فَأَبَى فَكَانَتْ كَذَلِكَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ فَلَمَّا (أَنْ) وُلِّيَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ فَلَمَّا أَنْ وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَمِلَ فِيهَا بِمِثْلِ مَا عَمِلَا حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، ثُمَّ اقْتَطَعَهَا مَرْوَانُ، ثُمَّ صَارَتْ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَرَأَيْتُ أَمْرًا مَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاطِمَةَ ﵂ لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي رَدَدْتُهَا عَلَى مَا كَانَتْ. يَعْنِي: عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٠٦٣ - (عَنِ الْمُغِيرَةِ) : اعْلَمْ أَنَّ الْمُغِيرَةَ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِ الْمُصَنِّفِ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهُمْ: ابْنُ شُعْبَةَ وَتَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهُ وَهُوَ صَحَابِيٌّ، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْإِطْلَاقِ أَنَّهُ الْمُرَادُ. وَثَانِيهِمْ: الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ الْمَوْصِلِيُّ رَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ وَمَكْحُولٍ، وَعَنْهُ وَكِيعٌ وَعَاصِمٌ وَجَمَاعَةٌ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَثَالِثُهُمْ: الْمُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ الْكُوفِيُّ الْفَقِيهُ الْأَعْمَى رَوَى عَنْ أَبِي وَائِلٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَالْفُضَيْلُ وَرَوَى جَرِيرٌ عَنْهُ قَالَ: مَا وَقَعَ فِي مَسَامِعِي شَيْءٌ فَنَسِيتُهُ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَهُمَا تَابِعِيَّانِ لَكِنْ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ وَلِيَ الْخِلَافَةَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ فَلَا يَثْبُتُ اجْتِمَاعُهُمَا حِينَئِذٍ وَيَتَعَيَّنُ أَحَدُ الْأَخِيرَيْنِ وَالثَّالِثُ أَوْلَى وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ أَيْ: ابْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الْأُمَوِيُّ الْقُرَشِيُّ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا حَفْصٍ أُمُّهُ بِنْتُ عَاصِمِ بْنِ الْخَطَّابِ وَاسْمُهَا لَيْلَى، رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْمٍ وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، وَمَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ فِي رَجَبٍ بِدَيْرِ سَمْعَانَ مِنْ أَرْضِ حِمْصٍ، وَكَانَتْ مُدَّةُ وَلَايَتِهِ سَنَتَيْنِ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَقِيلَ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا وَكَانَ
стр. 5660
عَلَى صِفَةٍ مِنَ الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَالتُّقَى وَالْعِفَّةِ وَحُسْنِ السِّيرَةِ لَا سِيَّمَا أَيَّامَ وِلَايَتِهِ قِيلَ لَمَّا أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ سُمِعَ مِنْ مَنْزِلِهِ بُكَاءٌ عَالٍ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا: إِنَّ عُمَرَ خَيَّرَ جَوَارِيهِ فَقَالَ: نَزَلَ بِي مَا شَغَلَنِي عَنْكُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ أُعْتِقَهُ أَعْتَقْتُ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ أُمْسِكَهُ أَمْسَكْتُ وَلَمْ يَكُنْ لِي إِلَيْهَا شَيْءٌ وَسَأَلَ عُقْبَةُ بْنُ نَافِعٍ زَوْجَتَهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ أَلَا تُخْبِرِينِي عَنْ عُمَرَ؟ فَقَالَتْ مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ اغْتَسَلَ لَا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَا مِنَ احْتِلَامٍ مُنْذُ اسْتَخْلَفَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ وَقَالَتْ قَدْ يَكُونُ فِي الرِّجَالِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ صَلَاةً وَصِيَامًا مِنْ عُمَرَ وَلَكِنِّي لَمْ أَرَ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا قَطُّ أَشَدَّ خَوْفًا مِنْ رَبِّهِ مِنْهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي مَسْجِدِهِ فَلَا يَزَالُ يَبْكِي وَيَدْعُو حَتَّى تَغْلِبَهُ عَيْنَاهُ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ وَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لَيْلَهُ أَجْمَعَ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ ظَاهِرَةٌ وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ (جَمَعَ بَنِي مَرْوَانَ حِينَ اسْتُخْلِفَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: جُعِلَ خَلِيفَةً (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ لَهُ فَدَكُ) أَيْ: خَاصَّةً (فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا) أَيْ: عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ (وَيَعُودُ مِنْهَا عَلَى صَغِيرِ بَنِي هَاشِمٍ) أَيْ: يُحْسِنُ مِنْهَا عَلَى صِغَارِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كُلَّمَا فَرَغَ نَفَقَتُهُمْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ وَعَادَ إِلَيْهِمْ بِنَفَقَةٍ أُخْرَى فَالْعَائِدَةُ أَخَصُّ مِنَ الْفَائِدَةِ فِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ يُقَالُ عَادَ فُلَانٌ بِمَعْرُوفِهِ وَهَذَا الْأَمْرُ أَعْوَدُ عَلَيْكَ أَيْ: أَرْفَقُ بِكَ مِنْ غَيْرِهِ وَمَا أَكْثَرُ عَائِدَةُ فُلَانٍ عَلَى قَوْمِهِ وَإِنَّهُ لِكَثِيرُ الْعَوَائِدِ عَلَيْهِمْ (وَيُزَوِّجُ مِنْهَا أَيِّمَهُمْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: عُزَّابُهُمْ فِي الْقَامُوسِ: الْأَيِّمُ كَكَيِّسُ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا بِكْرًا، أَوْ ثَيِّبًا وَمَنْ لَا امْرَأَةَ لَهُ. (وَإِنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتْهُ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهَا فَأَبَى فَكَانَتْ كَذَلِكَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ) أَيْ: لِمَا هَيَّأَهُ اللَّهُ مِنَ النَّعِيمِ وَالْكَرَامَةِ وَالْوُصُولِ إِلَى لِقَائِهِ تَعَالَى ذَكَرُهُ الطِّيبِيُّ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ مَوْتِهِ ﷺ فَكَأَنَّهُ قَالَ حَتَّى ذَهَبَ الرَّسُولُ بَعْدَ تَبْلِيغِ كَمَالِ الرِّسَالَةِ لِسَبِيلِهِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ إِلَى رَبِّهِ وَمُرْسِلِهِ (فَلَمَّا أَنْ وُلِّيَ) بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ مَكْسُورٍ أَيْ: تَوَلَّى (أَبُو بَكْرٍ، عَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِهِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ) أَيْ: مَاتَ وَرَجَعَ إِلَى حُكْمِ رَبِّهِ (فَلَمَّا أَنْ وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَمِلَ فِيهِ بِمِثْلِ مَا عَمِلَا حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، ثُمَّ اقْتَطَعَهَا مَرْوَانُ) أَيْ: فِي زَمَنِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَالْمَعْنَى جَعَلَهَا قَطِيعَةً لِنَفْسِهِ وَتَوَابِعِهِ، وَالْقَطِيعَةُ الطَّائِفَةُ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ يُقْطِعُهَا السُّلْطَانُ مَنْ يُرِيدُ، وَمَرْوَانُ هُوَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ جَدُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفَى أَبَاهُ إِلَى الطَّائِفِ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى وُلِّيَ عُثْمَانُ ﵁، فَرَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَدِمَهَا وَابْنُهُ مَعَهُ (ثُمَّ صَارَتْ) أَيِ: الْوَلَايَةُ، أَوْ فَدَكُ (لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) : وُضِعَ مَوْضِعَ إِلَيَّ مُلْتَفِتًا لِيُشْعِرَ بِأَنَّ نَفْسَهُ غَيْرُ رَاضِيَةٍ بِهَذَا (فَرَأَيْتُ أَمْرًا مَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاطِمَةَ ﵂ لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) أَيْ: لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا اسْتِحْقَاقٌ وَلَوْ كَانَ خَلِيفَةً فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ (وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي رَدَدْتُهَا) أَيْ: فَدَكَ عَلَى مَا كَانَتْ (يَعْنِي) أَيْ: يُرِيدُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ (عَلَى مَا كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5661
[كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ]
стр. 5662
[١٩] كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٠٦٤ - «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَ. وَإِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[١٩] كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ
الصَّيْدُ: مَصْدَرٌ. بِمَعْنَى الِاصْطِيَادِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الصَّيْدِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ هُنَا لِمُقَابَلَةِ الذَّبَائِحِ، فَإِنَّهَا جَمْعُ الذَّبِيحَةِ. بِمَعْنَى الْمَذْبُوحِ، ثُمَّ الِاصْطِيَادُ يَحِلُّ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ، وَالصَّيْدُ يَحِلُّ إِنْ كَانَ مَأْكُولًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّهُ نَوْعُ اكْتِسَابٍ وَانْتِفَاعٍ. بِمَا هُوَ مَخْلُوقٌ لِذَلِكَ فَكَانَ مُبَاحًا كَالِاحْتِطَابِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] بِالْعَطْفِ عَلَى الطَّيِّبَاتِ أَيْ: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ مَا عَلَّمْتُمْ، أَوْ مَا شُرْطِيَّةٌ وَجَوَابُهُ: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وَالْجَوَارِحُ: الْكَوَاسِبُ مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالْعُقَّابِ وَالصَّقْرِ وَالْبَازِي، وَالْكِلْبُ بِكَسْرِ الْكَافِ مُؤَدِّبُ الْجَوَارِحِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْكَلْبِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي الْكِلَابِ، أَوْ لِأَنَّ السَّبُعَ يُسَمَّى كَلْبًا، ثُمَّ يُعْلَمُ الْمُعَلَّمُ بِتَرْكِ أَكْلِ الْكَلْبِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَرُجُوعِ الْبَازِي بِدُعَائِهِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
٤٠٦٤ - (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ أَيِ: الطَّائِيِّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَنَزَلَ الْكُوفَةَ، وَسَكَنَ بِهَا، وَفُقِئَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ الْجَمَلِ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَشَهِدَ صِفِّينَ وَالنَّهْرَوَانَ، وَمَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ مَاتَ بِقَرْقِلِيسَا، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَرْسَلْتَ) أَيْ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُرْسِلَ (كَلْبَكَ) أَيِ: الْمُعَلَّمُ (فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ) أَيْ: حَالَةَ إِرْسَالِهِ إِذِ الْإِرْسَالُ بِمَنْزِلَةِ الرَّمْيِ وَإِمْرَارِ السِّكِّينِ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّسْمِيَةِ عِنْدَهُ، أَمَّا لَوْ تَرَكَهُ نَاسِيًا فَيَحِلُّ، وَلَوْ تَرَكَهَا عَامِدًا عِنْدَ الْإِرْسَالِ، ثُمَّ زَجَرَ الْكَلْبَ فَانْزَجَرَ وَسَمَّى بَعْدَ الزَّجْرِ وَأَخَذَ الصَّيْدَ وَقَتَلَ لَا يَحِلُّ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَلَعَلَّهُ ﷺ لَمْ يَقُلْ: (فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ يَكُونُ رَاجِعًا إِلَى الْإِرْسَالِ الْمَفْهُومِ مِنَ الْمَصْدَرِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ حَالَ إِرْسَالِهِ؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رَجْعُ الضَّمِيرِ إِلَى الْكَلْبِ، فَإِنَّهُ الْمُتَبَادَرُ الْأَقْرَبُ، (فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ) : فِي الْأَسَاسِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَمْسَكَ عَلَيْهِ مَالَهُ حَبَسَهُ أَيْ: إِنْ حَبَسَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ لَكَ (فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ) : فَلَوْ تَرَكَ الذَّكَاةَ عَمْدًا حَرُمَ ; لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ (وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ) أَيِ: الصَّيْدَ (قَدْ قَتَلَ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ: قَتَلَهُ الْكَلْبُ، وَفِي نُسْخَةٍ قُتِلَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ (وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ) : أَمْرُ إِبَاحَةٍ (وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ) : نَهْيُ تَحْرِيمٍ (فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ) أَيِ: أَمْسَكَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ لِنَفْسِهِ لَا لَكَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ الْكَلْبُ بَعْدَ تَرْكِهِ ثَلَاثًا تَبَيَّنَ جَهْلُهُ، (فَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ غَيْرَهُ) أَيْ: كَلْبًا لَمْ يُرْسِلْهُ أَحَدٌ، أَوْ أَرْسَلَهُ مَنْ لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ كَالْمَجُوسِيِّ (وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ) : وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ، وَأَصَحُّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِرْسَالَ شَرْطٌ حَتَّى إِنَّ الْكَلْبَ إِذَا انْفَلَتَ مِنْ صَاحَبِهِ وَأَخَذَ صَيْدًا وَقَتَلَهُ لَا يُؤْكَلُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْبُرْجَنْدِيُّ. (فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: قَتَلَ بِلَا ضَمِيرٍ، ثُمَّ أَيُّهُمَا مُبْتَدَأٌ وَقَتَلَهُ خَبَرٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَدْرِي، وَهِيَ مُعَلَّقَةٌ عَنِ الْعَمَلِ لَفْظًا ; لِأَنَّهَا مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْبَقَاءِ فِي إِعْرَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١] .
стр. 5663
قَالَ الشُّمُنِّيُّ: وَفِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَهُ. فَقَالَ: لَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ» . وَلِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُشَارِكَ الْمُعَلَّمَ مَا لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ، وَهُوَ كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ، أَوْ كَلْبُ مَجُوسِيٍّ، أَوْ كَلْبٌ لَمْ يُرْسَلْ لِلصَّيْدِ، أَوْ كَلْبٌ أُرْسِلَ لَهُ، وَتُرِكَ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ عَمْدًا، وَاجْتَمَعَ الْحُرْمَةُ وَالْإِبَاحَةُ فَغُلِّبَتِ الْحُرْمَةُ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عُلَمَاؤُنَا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ فِي الذَّابِحِ أَنْ لَا يَكُونَ تَارِكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا، وَمُسْلِمًا كَانَ، أَوْ كِتَابِيًّا، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ عَلَّلَ الْحُرْمَةَ بِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا، وَأَمَّا نَسْيُ التَّسْمِيَةِ صَحَّ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ مَرْفُوعُ الْحُكْمِ عَنِ الْأُمَّةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ ثَوْبَانَ؛ وَلِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهِ حَرَجًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ كَثِيرُ النِّسْيَانِ، وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ فِي الشَّرْعِ. (وَإِذَا رَمَيْتَ) أَيْ: أَرَدْتَ أَنْ تَرْمِيَ (بِسَهْمِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا) أَيِ: الصَّيْدُ (فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ) : وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالْمَشِيئَةِ هُنَا وَأَطْلَقَهُ هُنَاكَ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِيهِمَا لِلْإِبَاحَةِ إِيمَاءً إِلَى الشُّبْهَةِ هُنَا، فَإِنَّ فِي غَيْبَتِهِ مُدَّةً مَدِيدَةً احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ مَوْتُ الصَّيْدِ بِسَبَبٍ آخَرَ غَيْرِ مَعْلُومٍ لَنَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: شَرْطُ الْحِلِّ بِالرَّمْيِ التَّسْمِيَةُ وَالْجَرْحُ، وَأَنْ لَا يَقْعُدَ عَنْ طَلَبِهِ إِنْ غَابَ الصَّيْدُ حَالَ كَوْنِهِ مُتَحَامِلًا سَهْمَهُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّيْدِ يَتَوَارَى عَنْ صَاحِبِهِ قَالَ: لَعَلَّ هَوَامَّ الْأَرْضِ قَتَلَتْهُ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ نَحْوَهُ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. (وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ) أَيْ: لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ بِسَبَبِ الْمَاءِ لَا بِسَبَبِ رَمْيِكَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: هَذَا الْحَدِيثُ يَتَضَمَّنُ فَوَائِدَ مِنْ أَحْكَامِ الصَّيْدِ: مِنْهَا: أَنَّ مَنْ أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ يَكُونُ حَلَالًا، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ مِنَ الْفَهْدِ وَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَنَحْوِهَا، وَالشَّرْطُ أَنْ تَكُونَ الْجَارِحَةُ مُعَلَّمَةً، وَلَا يَحِلُّ قَتِيلُ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ، وَالتَّعْلِيمُ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ ثَلَاثُ شَرَائِطَ: إِذَا أُشْلِيَ اسْتَشْلَى، وَإِذَا زُجِرَ انْزَجَرَ، وَإِذَا أَخَذَ الصَّيْدَ أَمْسَكَ وَلَمْ يَأْكُلْ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ كَانَ مُعَلَّمًا يَحِلُّ بَعْدَ ذَلِكَ قَتْلُهُ، وَقَوْلُهُ: إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِرْسَالَ مِنْ جِهَةِ الصَّائِدِ شَرْطٌ حَتَّى لَوْ خَرَجَ الْكَلْبُ بِنَفْسِهِ فَأَخَذَ صَيْدًا، وَقَتَلَهُ لَا يَكُونُ حَلَالًا، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ شَرْطٌ فِي الذَّبِيحَةِ حَالَةَ مَا تُذْبَحُ، وَفَى الصَّيْدِ حَالَةَ مَا يُرْسِلُ الْجَارِحَةَ، أَوِ السَّهْمَ، فَلَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ حَلَالٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَقَالُوا: الْمُرَادُ مِنْ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ ذِكْرُ الْقَلْبِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ إِرْسَالُهُ الْكَلْبَ عَلَى قَصْدِ الِاصْطِيَادِ بِهِ لَا عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ سَوَاءٌ تُرِكَ عَامِدًا، أَوْ نَاسِيًا، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا لَا يَحِلُّ، وَإِنْ تَرَكَ نَاسِيًا يَحِلُّ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقَ.
стр. 5664
٤٠٦٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ، قَالَ: " كُلْ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ " قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: " وَإِنْ قَتَلْنَ " قُلْتُ: إِنَّا نَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ. قَالَ: " كُلُّ مَا خَزَقَ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٠٦٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ عَدِيٍّ (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ) : بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: فَبَيِّنْ مَا يَجُوزُ لَنَا أَكْلُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ. (قَالَ: كُلْ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ) : فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ الْمُطَابِقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِالْجَرْحِ تَأْيِيدٌ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْجُرْحُ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ جُرْحُ ذِي النَّابِ وَذِي الْمِخْلَبِ لِلصَّيْدِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ لِتُحَقُّقِ الذَّكَاةِ الِاضْطِرَارِيَّةِ، قَالُوا: وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ إِخْرَاجُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَهُوَ بِالْجُرْحِ عَادَةً فَأُقِيمَ الْجُرْحُ مَقَامَهُ، كَمَا فِي
стр. 5665
الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَالرَّمْيِ بِالسَّهْمِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجْرَحْهُ صَارَ مَوْقُوذَةً. وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ بِالنَّصِّ. (قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟) أَيِ: الصَّيْدُ، وَإِنْ وَصْلِيَّةٌ (قَالَ: وَإِنْ قَتَلْنَ قُلْتُ: إِنَّا نَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ هُوَ السَّهْمُ الثَّقِيلُ الَّذِي لَا رِيشَ لَهُ وَلَا نَصْلَ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَهُوَ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَفِي الْمُغْرِبِ: سَهْمٌ لَا رِيشَ عَلَيْهِ يُمْضَى عَرْضًا فَيُصِيبُ بِعَرْضِ الْعُودِ لَا بِحَدِّهِ، وَفِي الْقَامُوسِ: كَمِحْرَابٍ سَهْمٌ بِلَا رِيشٍ رَقِيقُ الطَّرَفَيْنِ غَلِيظُ الْوَسَطِ يُصِيبُ بِعَرْضِهِ دُونَ حَدِّهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: بِكَسْرِ الْمِيمِ خَشَبَةٌ ثَقِيلَةٌ، أَوْ عَصًا فِي طَرَفِهَا حَدِيدَةٌ، وَقَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ حَدِيدَةٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي تَفْسِيرِهِ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: هُوَ سَهْمٌ لَا رِيشَ فِيهِ وَلَا نَصْلَ، وَقِيلَ سَهْمٌ طَوِيلٌ لَهُ أَرْبَعُ قِدَدٍ رِقَاقٍ، فَإِذَا رُمِيَ بِهِ اعْتَرَضَ، وَقِيلَ هُوَ رَقِيقُ الطَّرَفَيْنِ غَلِيظُ الْوَسَطِ إِذَا رَمَى بِهِ ذَهَبَ مُسْتَوِيًا اهـ. وَيَصِحُّ إِرَادَةُ الْكُلِّ كَمَا لَا يَخْفَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْجَوَابُ (قَالَ: كُلْ مَا خَزَقَ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا قَافٌ أَيْ: نَفَذَ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ. وَفِي النِّهَايَةِ: خَزَقَ السَّهْمُ أَصَابَ الرَّمِيَّةَ وَنَفَذَ فِيهَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ: خَزَقَ بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ مَعْنَاهُ نَفَذَ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: الْخَزْقُ الطَّعْنُ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْقَامُوسِ خَزَقَهُ، طَعَنَهُ، وَالْخَازِقُ السِّنَانُ، وَمِنَ السِّهَامِ الْمُقَرْطَسُ، وَفِيهِ رَمَى فَقَرْطَسَ أَيْ: أَصَابَ الْقِرْطَاسَ، فَالْمَعْنَى كُلْ مَا جَرَحَ وَقَتَلَ وَهُوَ مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ لِقَوْلِهِ: (وَمَا أَصَابَ) أَيِ: الْمِعْرَاضُ وَغَيْرُهُ (بِعَرْضِهِ) أَيْ: بِحَيْثُ مَا جَرَحَهُ (فَقَتَلَ) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ: فَقَتَلَهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ يَعْنِي بِثِقْلِهِ (فَإِنَّهُ وَقِيذٌ) : بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَيْ: مَوْقُوذٌ مَضْرُوبٌ ضَرْبًا شَدِيدًا بِعَصًا، أَوْ حَجَرٍ حَتَّى مَاتَ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: الْوَقِيذُ مَا قُتِلَ بِعَصًا، أَوْ حَجَرٍ، أَوْ مَا لَا حَدَّ لَهُ. (فَلَا تَأْكُلْ) : جَوَابُ الشَّرْطِ، أَوْ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهُ وَقِيذٌ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ هِيَ الْجَزَاءَ، وَالنَّهْيُ فَرْعٌ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣] قَالَ النَّوَوِيُّ: الْوَقِيذُ وَالْمَوْقُوذُ هُوَ الَّذِي يُقْتَلُ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ مِنْ عَصًا، أَوْ حَجَرٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا اصْطَادَ بِالْمِعْرَاضِ فَقَتَلَ الصَّيْدَ بِحَدِّهِ حَلَّ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلَّ. وَقَالُوا: لَا يَحِلُّ مَا قَتَلَهُ بِالْبُنْدُقَةِ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ الْمِعْرَاضِ. وَقَالَ مَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ: يَحِلُّ مَا قُتِلَ بِالْمِعْرَاضِ وَالْبُنْدُقَةِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
وَفَى الشُّمُنِّيِّ: رَوَى أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَرَمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأَصِيدُ. قَالَ: إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ» قَالَ: وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْجُرْحِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الذَّكَاةِ وَعَرْضُ الْمِعْرَاضِ لَا يَجْرَحُ، وَلِذَا لَوْ قَتَلَهُ بِبُنْدُقَةٍ ثَقِيلَةٍ ذَاتِ حِدَّةِ حَرُمَ الصَّيْدُ ; لَأَنَّ الْبُنْدُقَةَ تَكْسِرُ وَلَا تَجْرَحُ، فَكَانَتْ كَالْمِعْرَاضِ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ خَفِيفَةً ذَاتَ حِدَّةٍ لَمْ يَحْرُمْ لِتَيَقُّنِ الْمَوْتِ بِالْجُرْحِ، فَلَوْ رَمَى صَيْدًا بِسِكِّينٍ، أَوْ بِسَيْفٍ إِنْ أَصَابَهُ بِحَدِّهِ أَكَلَ، وَإِلَّا لَا. وَلَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ إِنْ كَانَ ثَقِيلًا لَا يُؤْكَلُ، وَإِنْ جَرَحَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَتَلَ بِثِقْلِهِ وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا، وَبِهِ حِدَّةٌ وَجَرَحَ، يُؤْكَلُ لِتَيَقُّنِ الْمَوْتِ بِالْجَرْحِ، وَالْأَصْلُ هُنَا أَنَّ الْمَوْتَ إِنْ حَصَلَ بِالْجُرْحِ بِيَقِينٍ يُؤْكَلُ، وَإِنْ حَصَلَ بِالثِّقَلِ أَوْ شُكَّ فِيهِ لَا يُؤْكَلُ حَتْمًا، أَوِ احْتِيَاطًا.
стр. 5666
٤٠٦٦ - «وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ. أَفَنَأْكَلُ فِي آنِيَتِهِمْ: وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٠٦٦ - (وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ، بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى قَوْمِهِ فَأَسْلَمُوا، نَزَلَ الشَّامَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ. (قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ!) : وَفِي نُسْخَةٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (إِنَّا) أَيْ: نَحْنُ (بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ) : بَدَلٌ، أَوْ بَيَانٌ (أَفَنَأْكَلُ فِي آنِيِتِهِمْ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْهَمْزَةُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُقْحَمَةً ; لِأَنَّ الْكَلَامَ سِيقَ لِلِاسْتِخْبَارِ، وَقَوْلُهُ: فَنَأْكُلُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَ الْهَمْزَةِ يَعْنِي فَالتَّقْدِيرُ: إِنَّا نَكُونُ بِأَرْضِ قَوْمٍ فَنَأْكُلُ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَاهَا فَيُقَدَّرُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ بَعْدَهَا أَيْ: أَتَأْذَنُ لَنَا فَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ (وَبِأَرْضِ صَيْدٍ) : الْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ أَيْ: بِأَرْضٍ يُوجَدُ فِيهَا الصَّيْدُ، أَوْ يَصِيدُ أَهْلُهَا حَالَ كَوْنِي (أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي
стр. 5667
الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟) أَيْ: وَمَا لَا يَصْلُحُ لِي أَكْلُهُ وَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ مُرَكَّبًا مِنْ مَسْأَلَتَيْنِ قَالَ) : مُفَصِّلًا فِي الْجَوَابِ (أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ) أَيْ: وَمِنَ الْأَكْلِ فِيهَا (فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا) أَيِ: احْتِيَاطًا لِقَوْلِهِ ﷺ : دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ. وَتَنَزُّهًا عَنِ اسْتِعْمَالِ ظُرُوفِهِمُ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي أَيْدِيهِمْ وَلَوْ بَعْدَ الْغَسْلِ، وَتَنْفِيرًا عَنْ مُخَالَطَتِهِمْ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ، وَهَذَا هُوَ التَّقْوَى وَمَا بَعْدَهُ حُكْمُ الْفَتْوَى، وَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ الْآتِي ذِكْرُهُ، (وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا) أَيْ: غَيْرَهَا (فَاغْسِلُوهَا) : أَمْرُ وُجُوبٍ إِذَا كَانَ هُنَاكَ غَلَبَةُ الظَّنِّ عَلَى نَجَاسَتِهَا وَأَمْرُ نَدْبٍ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. أَمَرَهُ ﷺ يَغْسِلُ إِنَاءَ الْكُفَّارِ فِيمَا إِذَا تُيُقِّنَ نَجَاسَتُهُ وَمَا لَا فَكَرَاهَتُهُ تَنْزِيهِيَّةٌ (وَكُلُوا فِيهَا) : قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَعْمِلُ آنِيَتَهُمْ بَعْدَ الْغَسْلِ إِذَا وَجَدَ غَيْرَهَا، وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ: يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ آنِيَتِهِمْ بَعْدَ الْغَسْلِ بِلَا كَرَاهِيَّةٍ سَوَاءً وَجَدَ غَيْرَهَا، أَوْ لَا، فَتُحْمَلُ الْكَرَاهِيَّةُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْآنِيَةُ الَّتِي كَانُوا يَطْبُخُونَ فِيهَا لُحُومَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ فِيهَا الْخَمْرَ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا بَعْدَ الْغَسْلِ لِلِاسْتِقْذَارِ وَكَوْنِهَا مُعْتَادَةَ النَّجَاسَةِ، وَمُرَادُ الْفُقَهَاءِ الْأَوَانِي الَّتِي لَيْسَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِي النَّجَاسَاتِ غَالِبًا، وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ صَرِيحًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُطْلَقًا، وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ مُقَيَّدًا. قَالَ: إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الْخِنْزِيرَ، وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الْخَمْرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا الْحَدِيثَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْبِرْمَاوِيِّ وَقَالَ: فَالنَّهْيُ بَعْدَ الْغَسْلِ لِلِاسْتِقْذَارِ كَمَا يُكْرَهُ الْأَكْلُ فِي الْمِحْجَمَةِ الْمَغْسُولَةِ (وَمَا صِدْتَ) : بِكَسْرِ الصَّادِ أَيْ: وَأَمَّا مَا صِدْتَهُ (بِقَوْسِكَ) : أَوْ بِرَمْيِكَ السَّهْمَ بِمَعُونَةِ قَوْسِكَ (فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ) أَيْ: فِي أَوَّلِ رَمْيِكَ (فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ) أَيْ: حِينَ إِرْسَالِكَ إِيَّاهُ (فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ) : بِجَرِّ غَيْرِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ. وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَفَى نُسْخَةٍ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ بِالتَّعْرِيفِ (فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ) : بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: ذَبْحَهُ، وَالْمَعْنَى أَدْرَكْتَهُ حَيًّا وَذَبَحْتَهُ (فَكُلْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5668
٤٠٦٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَغَابَ عَنْكَ فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْ مَا لَمْ يُنْتِنْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٠٦٧ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمٍ) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِسَهْمِكَ، وَفِي أُخْرَى سَهْمَكَ بِالنَّصْبِ، فَفِي الْقَامُوسِ: رَمَى الشَّيْءَ وَبِهِ، فَالتَّقْدِيرُ إِذَا رَمَيْتَ السَّهْمَ عَلَى صَيْدٍ، أَوْ إِذَا رَمَيْتَ الصَّيْدَ بِسَهْمٍ (فَغَابَ عَنْكَ) أَيْ: يَوْمًا، أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ (فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْ) أَيْ: إِنْ شِئْتَ لِمَا سَبَقَ فِي نُسْخَةٍ فَكُلْ أَيْ: مِنْهُ (مَا لَمْ يُنْتِنْ) . بِضَمِّ الْيَاءِ وَيُفْتَحُ وَكَسْرِ التَّاءِ مِنْ نَتُنَ الشَّيْءُ وَأَنْتَنَ إِذَا صَارَ ذَا نَتَنٍ وَفِي الصِّحَاحِ: وَنَتُنَ الشَّيْءُ كَكَرُمَ فَهُوَ نَتِينٌ كَقَرِيبٍ وَنَتَنَ كَضَرَبَ وَفَرِحَ وَأَنْتَنَ انْتَانًا اهـ. فَيَجُوزُ فِي الْمُجَرَّدِ تَثْلِيثُ الْعَيْنِ مَاضِيًا وَمُضَارِعًا. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ وَإِلَّا فَالنَّتَنُ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْحُرْمَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ أَكَلَ مُتَغَيِّرَ الرِّيحِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ الْمُنْتِنِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَطْعِمَةِ الْمُنْتِنَةِ إِلَّا أَنْ يُخَافَ فِيهَا ضَرَرٌ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5669
٤٠٦٨ - وَعَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ: " فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٠٦٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ: أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ: فَكُلْهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ فَكُلْ بِحَذْفِ الضَّمِيرِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ جَزَاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: قَالَ ﷺ فِي شَأْنِ الْمُدْرَكِ: إِذَا أَدْرَكْتَهُ فَكُلْهُ، (مَا لَمْ يُنْتِنْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5670
٤٠٦٩ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هُنَا أَقْوَامًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِشِرْكٍ يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِي أَيَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: " اذْكُرُوا أَنْتُمُ اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤٠٦٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ: بَعْضُ الصَّحَابَةِ (إِنَّ هُنَا) أَيْ: فِي الْمَدِينَةِ، أَوْ غَيْرِهَا (أَقْوَامًا) : جَمْعُ قَوْمٍ أَيْ: جَمَاعَةً كَثِيرِينَ إِشَارَةً إِلَى عُمُومِ الْبَلْوَى الْمَانِعِ مِنْ مُرَاعَاةِ الِاحْتِيَاطِ وَالتَّقْوَى الْمُحْتَاجِ إِلَى الرُّجُوعِ لِلْفَتْوَى (حَدِيثٌ) : بِالتَّنْوِينِ أَيْ: جَدِيدٌ (عَهْدُهُمْ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ إِمَّا جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ قُدِّمَ خَبَرُهَا عَلَى اسْمِهَا وَوَقَعَتْ صِفَةً (لِأَقْوَامًا) ، أَوْ يَكُونُ حَدِيثٌ: خَبَرًا ثَانِيًا لِأَنَّ، وَعَهْدُهُمْ: فَاعِلًا لَهُ. (بِشِرْكٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِحَدِيثٍ أَيْ: بِكُفْرٍ (يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ) : بِضَمِّ اللَّامِ جَمْعُ لَحْمٍ (لَا نَدْرِي أَيَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى ذَوَاتِ اللُّحُومِ عِنْدَ ذَبْحِهَا (أَمْ لَا؟ قَالَ: اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: اذْكُرُوا أَنْتُمُ اسْمَ اللَّهِ (وَكُلُوا) . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ تَسْمِيَتَكُمُ الْآنَ تَنُوبُ عَنْ تَسْمِيَةِ الْمُذَكِّي، بَلْ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ التَّسْمِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَأَنَّ مَا لَمْ تَعْرِفُوا أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَبْحِهِ يَصِحُّ أَكْلُهُ إِذَا كَانَ الذَّابِحُ مِمَّنْ يَصِحُّ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ حَمْلًا لِحَالِ الْمُسْلِمِ عَلَى الصَّلَاحِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: احْتَجَّ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ التَّسْمِيَةَ شَرْطًا بِهَذَا الْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتِ التَّسْمِيَةُ شَرْطَ الْإِبَاحَةِ كَانَ الشَّكُّ فِي وُجُودِهَا مَانِعًا مَنْ أَكْلِهَا كَالشَّكِّ فِي أَصْلِ الذَّبْحِ، وَاحْتَجَّ مَنْ شَرَطَ التَّسْمِيَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَتَأَوَّلَهُ مَنْ لَمْ يَرَهَا شَرْطًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَالْفِسْقُ فِي ذِكْرِ غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ كَمَا قَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] إِلَى قَوْلِهِ: (، ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وَفِي الْمَدَارِكِ الْآيَةُ تُحَرِّمُ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ. وَخُصَّتْ حَالَةُ النِّسْيَانِ بِالْحَدِيثِ، أَوْ يُجْعَلُ النَّاسِي ذَاكِرًا تَقْدِيرًا، وَمِنْ حَقِّ الْمُتَدَيِّنِ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِمَا فِي الْآيَةِ مِنَ التَّشْدِيدِ الْعَظِيمِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَهُوَ وَإِنْ نَزَلَ فِي الْمَيْتَةِ لَكِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. قَالَ: وَمَنْ أَوَّلَ الْآيَةَ بِالْمَيْتَةِ وَبِمَا ذُكِرَ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: (، ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَقَدْ عَدَلَ عَنِ الظَّاهِرِ اهـ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ حُرْمَةَ الْمَيْتَةِ لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُذَكَّاةٍ بِالتَّسْمِيَةِ، فَالْعِلَّةُ مُرَكَّبَةٌ، وَلِهَذَا ذَبِيحَةُ الْمَجُوسِيِّ حَرَامٌ وَذَبِيحَةُ الذِّمِّيِّ حَلَالٌ لِكَوْنِهِمْ مِمَّنْ يُسَمُّونَ عَلَى الذَّبِيحَةِ، ثُمَّ التَّسْمِيَةُ الْقَلْبِيَّةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ شَرْعًا، فَإِنَّ كُلَّ ذِكْرٍ مَشْرُوعٍ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا لَا يُعْتَدُّ بِهِ مَا لَمْ يُتَلَفَّظْ لَهُ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَحَادِيثُ الْبَابِ حَيْثُ شَرَطَ التَّسْمِيَةَ فِي حَالَةِ الْإِرْسَالِ وَالرَّمْيِ اللَّذَيْنِ قَامَا مَقَامَ الذَّبْحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5671
٤٠٧٠ - وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ ﵁: هَلْ خَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: مَا خَصَّنَا بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ إِلَّا مَا فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا، فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً فِيهَا: " لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الْأَرْضِ " ـ وَفِي رِوَايَةٍ: " مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٠٧٠ - (وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ) : بِالتَّصْغِيرِ ﵁. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيُّ الْكِنَانِيُّ، غَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ، أَدْرَكَ مِنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِي سِنِينَ، وَمَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ وَاثْنَتَيْنِ بِمَكَّةَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ ﵁: هَلْ خَصَّكُمْ) أَيْ: أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ) أَيْ: مِنْ آيَةٍ، أَوْ سُنَّةٍ (فَقَالَ: مَا خَصَّنَا بِشَيْءٍ) أَيْ: بِتَحْدِيثِ شَيْءٍ (لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ إِلَّا مَا فِي قِرَابِ سَيْفِي) : بِكَسْرِ الْقَافِ، وَهُوَ وِعَاءٌ يَكُونُ فِيهِ السَّيْفُ بِغِمْدِهِ أَيْ: مَا هُوَ مَدْسُوسٌ فِي غِلَافِ سَيْفِي (هَذَا) : وَلَعَلَّهُ ذُو الْفَقَارِ الَّذِي وَهَبَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ إِمَّا مُتَّصِلٌ مَبْنِيًّا عَلَى ظَنِّهِ، أَوْ مُنْقَطِعٌ، وَالْمَعْنَى لَكِنْ مَا فِي قِرَابِ سَيْفِي مَا أَدْرِي هَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِنَا، أَوْ يَعُمُّ النَّاسَ أَيْضًا؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِهِ: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ
стр. 5672
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ وَفِي بَيَانِ التَّخْصِيصِ (فَأَخْرَجَ) أَيْ: عَلِيٌّ مَنِ الْقِرَابِ (صَحِيفَةً) أَيْ: كِتَابًا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ وَالْقَامُوسِ (فِيهَا: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الْأَرْضِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ مَنَارَةٍ، وَهَى عَلَامَةُ الْأَرَاضِي الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا حُدُودُهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: يُرِيدُ اسْتِبَاحَةَ مَا لَيْسَ لَهُ مِنْ حَقِّ الْجَارِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَغَيْرُهُ: الْمَنَارُ الْعَلَمُ وَالْحَدُّ بَيْنَ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُسَوِّيَهُ، أَوْ يُغَيِّرَهُ لِيَسْتَبِيحَ بِذَلِكَ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ مِنْ مِلْكٍ، أَوْ طَرِيقٍ. (وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ) أَيْ: رَفَعَهَا وَجَعَلَهَا فِي أَرْضِهِ وَرَفَعَهَا لِيَقْتَطِعَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِ الْجَارِ إِلَى جَارِهِ. (وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ) أَيْ: صَرِيحًا، أَوْ تَسَبُّبًا بِأَنْ لَعَنَ وَالِدَ أَحَدٍ فَيَسُبُّ وَالِدَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فَالنَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ احْتِرَازٌ عَنِ التَّسَبُّبِ. (وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى) : بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى، ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ. وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمُ الْقَصْرَ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هِيَ فَصِيحَةٌ، كَذَا ذَكَرَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ. (مُحْدِثًا) : بِكَسْرِ الدَّالِ وَهُوَ مَنْ جَنَى عَلَى غَيْرِهِ جِنَايَةً وَإِيوَاؤُهُ إِجَارَتُهُ مِنْ خَصْمِهِ وَحِمَايَتِهِ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ، وَالْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَحِقُّ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ قِصَاصٍ، أَوْ عِقَابٍ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْجَانِي عَلَى الْإِسْلَامِ بِإِحْدَاثِ بِدْعَةٍ إِذَا حَمَاهُ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ، وَالْأَخْذِ عَلَى يَدِهِ لِدَفْعِ عَادِيَتِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ وَغَيْرُهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 5673
٤٠٧١ - «وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا لَاقُوا الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: " مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ، فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْهُ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشِ " وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ فَنَدَّ مِنْهَا بِعِيرٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٠٧١ - (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) : مَرَّ ذِكْرُهُ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا لَاقُو الْعَدُوَّ) : بِضَمِّ الْقَافِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ لَقِيَ وَحُذِفَ النُّونُ بِالْإِضَافَةِ أَيْ: نَحْنُ مُلَاقُو الْكُفَّارِ (كَذَا) : يُحْتَمَلُ حَقِيقَةً، أَوْ مَجَازًا أَيْ: فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ، وَالْمُرَادُ إِنَّا نَكُونُ فِي حَالَةِ ضِيقٍ (وَلَيْسَتْ مَعَنَا) أَيْ: مَعَ جَمِيعِنَا، وَفِي رِوَايَةٍ: لَنَا (مُدًى) : بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ جَمْعُ مُدْيَةٍ وَهِيَ السِّكِّينُ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟) : بِفَتْحَتَيْنِ فِي النِّهَايَةِ: الْقَصَبُ مِنَ الْعِظَامِ كُلُّ عَظِيمٍ عَرِيضٍ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْقَصَبُ مُحَرَّكَةٌ كُلُّ نَبَاتٍ ذِي أَنَابِيبَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُرَادُ هُنَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ الشُّمُنِّيُّ، وَهُوَ الذَّبْحُ بِكُلِّ مَا فِيهِ حَدٌّ وَلَوْ كَانَ لِيفَةً وَهُوَ الْقَصَبُ، أَوْ مَرْوَةً وَهِيَ الْحَجَرُ. (قَالَ: مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِنْهَارُ الْإِسَالَةُ، وَالصَّبُّ بَكَثْرَةٍ وَهُوَ مُشَبَّهٌ بِجَرْيِ الْمَاءِ فِي النَّهْرِ، فَالْمَعْنَى مَا أَسَالَ الدَّمَ. (وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ) أَيْ: عَلَيْهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ وَرِوَايَةٍ. (فَكُلْ) أَيْ: فَكُلْهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مَا) شَرْطِيَّةً وَمَوْصُولَةً. وَقَوْلُهُ فَكُلْ جَزَاءٌ، أَوْ خَبَرٌ وَاللَّامُ فِي الدَّمِ بَدَلٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَيْ: دَمُ صَيْدٍ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ حَالٌ مِنْهُ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ أَعَمُّ مِنَ الصَّيْدِ لِيَشْمَلَ كُلَّ ذَبِيحَةٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السُّؤَالُ بِقَوْلِهِمْ: أَفَنَذْبَحُ؟ وَإِنَّ قَوْلَهُ: ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَطْفٌ عَلَى أَنْهَرَ الدَّمَ، سَوَاءٌ تَكُونُ (مَا) شَرْطِيَّةً، أَوْ مَوْصُولَةً. فَالْحُكْمُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْمُرَكَّبِ. (لَيْسَ) أَيِ: الْمُنْهِرُ (السِّنَّ وَالظُّفُرَ) : بِضَمَّتَيْنِ وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْقُرَّاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] وَيَجُوزُ إِسْكَانُ الثَّانِي وَبِكَسْرِ أَوَّلِهِ شَاذٌّ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْمَعْنَى إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ، فَإِنَّ الذَّبْحَ لَا يَحْصُلُ بِهِمَا، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَفَى الْفَائِقِ: لَيْسَ تَقَعُ فِي كَلِمَاتِ الِاسْتِثْنَاءِ يَقُولُونَ: جَاءَ الْقَوْمُ لَيْسَ زَيْدًا. بِمَعْنَى إِلَّا زَيْدًا، وَتَقْدِيرُهُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ لَيْسَ بَعْضُهُمْ زَيْدًا، أَوْ لَا يَكُونُ بَعْضُهُمْ زَيْدًا وَمُؤَدَّاهُ مُؤَدَّى إِلَّا (وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الْمُسْتَثْنَى، وَالسِّينُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، وَالْمَعْنَى أُخْبِرُكَ عَنْ سَبَبِ اسْتِثْنَائِهِمَا مُفَصَّلًا وَإِنْ أَجْمَلْتُهُمَا فِي حُكْمِ عَدَمِ الْجَوَازِ الْمَفْهُومِ مِنَ اسْتِثْنَائِهِمَا (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) أَيْ: وَكُلُّ عَظْمٍ لَا يَحِلُّ بِهِ الذَّبْحُ، وَطَوَى النَّتِيجَةَ لِدَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهَا.
стр. 5674
ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ. وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسٌ حُذِفَ مِنْهُ الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ لِتَقَرُّرِهَا وَظُهُورِهَا عِنْدَهُمْ، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ عَظْمٍ لَا يَحِلُّ الذَّبْحُ بِهِ، وَذَكَرَهُ دَلِيلًا " عَلَى اسْتِثْنَاءِ السِّنِّ. أَقُولُ: وَلَا يُحْتَاجُ أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةً وَمُقَرَّرَةً عِنْدَهُمْ بَلْ نَأْخُذُ مِنْ تَعْلِيلِهِ ﷺ أَنَّهُ عَظْمٌ أَنَّ كُلَّ عَظْمٍ يَكُونُ حُكْمُهُ كَذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَمْ أَرَ بَعْدَ الْبَحْثِ مَنْ نَقَلَ لِلْمَنْعِ مِنَ الذَّبْحِ بِالْعَظْمِ مَعْنًى يُعْقَلُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَعَلَّلَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْعَظْمَ يَنْجُسُ بِالدَّمِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ تَنْجِيسِهِ ; لِأَنَّهُ زَادُ الْجِنِّ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ أَصْحَابُنَا: فَهِمْنَا أَنَّ الْعِظَامَ لَا يَحِلُّ الذَّبْحُ بِهَا لِتَعْلِيلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْعِلَّةَ كَوْنُهُ عَظْمًا، وَكُلُّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَظْمِ لَا تَجُوزُ الذَّكَاةُ بِهِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ بِالسِّنِّ وَالْعَظْمِ الْمُتَّصِلَيْنِ، وَيَجُوزُ بِالْمُنْفَصِلَيْنِ. وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَاتٌ أَشْهَرُهَا جَوَازُهُ بِالْعَظْمِ دُونَ السِّنِّ كَيْفَ كَانَ اهـ. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.
(وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشِ) : بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَعَلَيْهِ صَحَّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِمَا وَهُوَ الصَّوَابُ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْحُبَشُ وَالْحَبَشُ مُحَرَّكَتَيْنِ وَالْأَحْبُشُ بِضَمِّ الْبَاءِ جِنْسٌ مِنَ السُّودَانِ جَمْعُهُ حُبْشَانُ، أَوْ أَحَابِشُ، وَكَذَا فِي الصِّحَاحِ وَشَمْسِ الْعُلُومِ وَالْمِصْبَاحِ، بَلْ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ كَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، الْحَبَشَةُ بِالتَّاءِ وَالْحُبْشُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ إِنَّمَا هُوَ بَطْنٌ، أَوْ جَدٌّ كَمَا فِي كُتُبِ الْأَنْسَابِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَظْفَارَ سَكَاكِينُهُمْ فَإِنَّهُمْ يَذْبَحُونَ بِهَا مَا يُمْكِنُ ذَبْحُهُ، وَلَا يَجُوزُ التَّشَبُّهُ بِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ، وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنِ التَّشْبِيهِ بِهِمْ وَبِشِعَارِهِمْ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ: وَإِنَّمَا اسْتَثْنَاهُمَا وَمَنَعَ الذَّبْحَ بِهِمَا ; لِأَنَّهُمَا تَوْقِيذٌ وَتَخْنِيقٌ وَلَيْسَ بِذَبْحٍ، فَفِي الذَّبْحِ الِانْقِطَاعُ بِقُوَّتِهِ لَا بِحِدَّةِ الْآلَةِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَنْزُوعِ، أَمَّا فِي الْمَنْزُوعِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَحْرُمُ أَكْلُهُ. قَالَ الشُّمُنِّيُّ: لَهُ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ حَيْثُ لَمْ يَفْصِلْ ﷺ بَيْنَ الْقِيَامِ وَغَيْرِهِ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الذَّبْحِ بِهِمَا مُطْلَقًا، وَلَنَا مَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا «عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ جَارِيَةً لَهُمْ كَانَتْ تُرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا فَقَالَ لِأَهْلِهِ: لَا تَأْكُلُوا حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ، أَوْ حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، أَوْ بَعَثَ إِلَيْهِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَكْلِهِ» ، وَإِذَا صَلُحَ الْحَجَرُ آلَةً لِلذَّبْحِ بِمَعْنَى الْجُرْحِ، فَكَذَا الظُّفُرُ الْمَنْزُوعُ وَالسِّنُّ الْمَنْزُوعُ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَنْزُوعِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْمَوْتَ بِالثِّقَلِ مَعَ الْحِدَّةِ فَتَصِيرُ الذَّبِيحَةُ فِي مَعْنَى الْمُنْخَنِقَةِ. نَعَمْ يُكْرَهُ الذَّبْحُ بِالْمَنْزُوعِ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ بِالْحَيَوَانِ كَمَا لَوْ ذَبَحَ بِشَفْرَةٍ كَلَيْلَةٍ. وَحَدِيثُ رَافِعٍ يُحْمَلُ عَلَى الْقَائِمَتَيْنِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ؛ وَلِأَنَّ الْحَبَشَةَ يُحَدِّدُونَ أَسْنَانَهُمْ وَلَا يُقَلِّمُونَ أَظْفَارَهُمْ، وَيُقَاتِلُونَ بِالْخَدْشِ وَالْعَضِّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: إِنْ كَانَ الذَّبْحُ بِالظُّفُرِ مُحَرَّمًا لِكَوْنِهِ تَشْبِيهًا بِالْكَفَّارِ لَكَانَ يَنْبَغِي تَحْرِيمُهُ بِالسِّكِّينِ أَيْضًا. قُلْتُ: إِنْهَارُ الدَّمِ بِالسِّكِّينِ هُوَ الْأَصْلُ، وَأَمَّا الْمُلْحَقَاتُ الْمُتَفَرِّعَةُ عَلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا التَّشَبُّهُ لِضَعْفِهَا اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّشَبُّهَ الْمَمْنُوعَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَكُونُ شَعَارًا لَهُمْ مُخْتَصًّا بِهِمْ، فَالسُّؤَالُ سَاقِطٌ مِنْ أَصِلِهِ. (وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ) أَيْ: غَارَتَهُمَا، وَالْمَعْنَى أَغَرْنَا عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْكُفَّارِ فَوَجَدْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا (فَنَدَّ) أَيْ: شَرَدَ وَفَرَّ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهَا الصَّادِقَةِ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا (بِعِيرٌ) : وَاسْتَعْصَى (فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ) أَيْ: مَنَعَهُ مِنَ التَّوَحُّشِ وَأَمَاتَهُ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ حَبَسَهُ مِنَ الشِّرَادِ بِأَنْ أَثَّرَ فِيهِ السَّهْمُ فَمَاتَ بِهِ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى جِنْسِ الْإِبِلِ وَاللَّامُ فِيهِ بِمَعْنَى (مِنْ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَمَلَ اللَّامُ عَلَى مَعْنَاهُ، وَالْبَعْضِيَّةُ تُسْتَفَادُ مِنَ اسْمِ إِنَّ ; لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] أَيْ: بَعْضَ اللَّيْلِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا غَفْلَةٌ مِنْهُ عَنْ عَدَمِ صِحَّةِ الْحَمْلِ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْخَبَرِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ اللَّامِ عَلَى بَابِهَا، وَالْأَوَابِدُ: جَمْعُ آبِدَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَوَحَّشَتْ وَنَفَرَتْ (كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ) أَيْ: حَيَوَانُ الْبَرِّ (فَإِذَا غَلَبَكُمْ فِيهَا) أَيْ: مِنْ أَوَابِدِ الْإِبِلِ (شَيْءٌ) أَيْ: وَاحِدٌ (فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا) أَيْ: فَارْمُوهُ بِسَهْمٍ وَنَحْوِهِ، وَالْمَعْنَى مَا نَفَرَ مِنَ الْحَيَوَانِ الْأَهْلِيِّ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالدَّجَاجِ وَكَالصَّيْدِ الْوَحْشِيِّ فِي حُكْمِ الذَّبْحِ، فَإِنَّ ذَكَاتَهُ اضْطِرَارِيَّةٌ، فَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ مَحَلُّ الذَّبْحِ، وَلَعَلَّ تَخْصِيصَ الْإِبِلِ لِأَنَّ التَّوَحُّشَ فِيهِ أَكْثَرُ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ الْإِنْسِيَّ إِذَا تَوَحَّشَ وَنَفَرَ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى قَطْعِ مَذْبَحِهِ يَصِيرُ جَمِيعُ بَدَنِهِ فِي حُكْمِ الْمَذْبَحِ كَالصَّيْدِ الَّذِي لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ بَعِيرٌ فِي بِئْرٍ مَنْكُوسًا، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى قَطْعِ حُلْقُومِهِ فَطُعِنَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ فَمَاتَ كَانَ حَلَالًا؛ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي الْعُشَرَاءِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّانِي مِنْ أَحَادِيثِ حِسَانِ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لَأَجْزَأَ عَنْكَ، وَأَرَادَ بِهِ غَيْرَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَعَلَى عَكْسِهِ لَوِ اسْتَأْنَسَ الصَّيْدَ وَصَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِقَطْعِ مَذْبَحِهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5675
٤٠٧٢ - «وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ تُرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤٠٧٢ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) أَيِ: الْأَنْصَارِيِّ ﵁، أَنَّهُ كَانَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: كَانَتْ (لَهُ غَنَمٌ) أَيْ: قِطْعَةٌ مِنَ الْغَنَمِ (تُرْعَى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُرْعِيهَا الرَّاعِي (بِسَلْعٍ) : بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ فَعَيْنٌ مُهْمَلَةٌ اسْمُ جَبَلٍ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ شِعْبٌ (فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ) أَيْ: بِنْتٌ، أَوْ مَمْلُوكَةٌ (لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا) أَيْ: أَثَرُ مَوْتٍ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ (فَكَسَرَتْ حَجَرًا) : لِتَحْصِيلِ الْحِدَّةِ (فَذَبَحَتْهَا) أَيْ: هِيَ (بِهِ) أَيْ: بِالْحَجَرِ الْمَكْسُورِ (فَسَأَلَ) أَيْ: كَعْبٌ (النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا) أَيْ: فَأَجَازَ لَهُ أَكْلَهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
следующие страницы →