Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.
стр. 5671
٤٠٧٠ - وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ ﵁: هَلْ خَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: مَا خَصَّنَا بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ إِلَّا مَا فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا، فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً فِيهَا: " لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الْأَرْضِ " ـ وَفِي رِوَايَةٍ: " مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٠٧٠ - (وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ) : بِالتَّصْغِيرِ ﵁. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيُّ الْكِنَانِيُّ، غَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ، أَدْرَكَ مِنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِي سِنِينَ، وَمَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ وَاثْنَتَيْنِ بِمَكَّةَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ ﵁: هَلْ خَصَّكُمْ) أَيْ: أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ) أَيْ: مِنْ آيَةٍ، أَوْ سُنَّةٍ (فَقَالَ: مَا خَصَّنَا بِشَيْءٍ) أَيْ: بِتَحْدِيثِ شَيْءٍ (لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ إِلَّا مَا فِي قِرَابِ سَيْفِي) : بِكَسْرِ الْقَافِ، وَهُوَ وِعَاءٌ يَكُونُ فِيهِ السَّيْفُ بِغِمْدِهِ أَيْ: مَا هُوَ مَدْسُوسٌ فِي غِلَافِ سَيْفِي (هَذَا) : وَلَعَلَّهُ ذُو الْفَقَارِ الَّذِي وَهَبَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ إِمَّا مُتَّصِلٌ مَبْنِيًّا عَلَى ظَنِّهِ، أَوْ مُنْقَطِعٌ، وَالْمَعْنَى لَكِنْ مَا فِي قِرَابِ سَيْفِي مَا أَدْرِي هَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِنَا، أَوْ يَعُمُّ النَّاسَ أَيْضًا؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِهِ: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ
стр. 5672
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ وَفِي بَيَانِ التَّخْصِيصِ (فَأَخْرَجَ) أَيْ: عَلِيٌّ مَنِ الْقِرَابِ (صَحِيفَةً) أَيْ: كِتَابًا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ وَالْقَامُوسِ (فِيهَا: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الْأَرْضِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ مَنَارَةٍ، وَهَى عَلَامَةُ الْأَرَاضِي الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا حُدُودُهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: يُرِيدُ اسْتِبَاحَةَ مَا لَيْسَ لَهُ مِنْ حَقِّ الْجَارِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَغَيْرُهُ: الْمَنَارُ الْعَلَمُ وَالْحَدُّ بَيْنَ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُسَوِّيَهُ، أَوْ يُغَيِّرَهُ لِيَسْتَبِيحَ بِذَلِكَ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ مِنْ مِلْكٍ، أَوْ طَرِيقٍ. (وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ) أَيْ: رَفَعَهَا وَجَعَلَهَا فِي أَرْضِهِ وَرَفَعَهَا لِيَقْتَطِعَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِ الْجَارِ إِلَى جَارِهِ. (وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ) أَيْ: صَرِيحًا، أَوْ تَسَبُّبًا بِأَنْ لَعَنَ وَالِدَ أَحَدٍ فَيَسُبُّ وَالِدَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فَالنَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ احْتِرَازٌ عَنِ التَّسَبُّبِ. (وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى) : بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى، ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ. وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمُ الْقَصْرَ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هِيَ فَصِيحَةٌ، كَذَا ذَكَرَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ. (مُحْدِثًا) : بِكَسْرِ الدَّالِ وَهُوَ مَنْ جَنَى عَلَى غَيْرِهِ جِنَايَةً وَإِيوَاؤُهُ إِجَارَتُهُ مِنْ خَصْمِهِ وَحِمَايَتِهِ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ، وَالْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَحِقُّ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ قِصَاصٍ، أَوْ عِقَابٍ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْجَانِي عَلَى الْإِسْلَامِ بِإِحْدَاثِ بِدْعَةٍ إِذَا حَمَاهُ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ، وَالْأَخْذِ عَلَى يَدِهِ لِدَفْعِ عَادِيَتِهِ، كَذَا ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ وَغَيْرُهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 5673
٤٠٧١ - «وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا لَاقُوا الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: " مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ، فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْهُ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشِ " وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ فَنَدَّ مِنْهَا بِعِيرٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٠٧١ - (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) : مَرَّ ذِكْرُهُ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا لَاقُو الْعَدُوَّ) : بِضَمِّ الْقَافِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ لَقِيَ وَحُذِفَ النُّونُ بِالْإِضَافَةِ أَيْ: نَحْنُ مُلَاقُو الْكُفَّارِ (كَذَا) : يُحْتَمَلُ حَقِيقَةً، أَوْ مَجَازًا أَيْ: فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ، وَالْمُرَادُ إِنَّا نَكُونُ فِي حَالَةِ ضِيقٍ (وَلَيْسَتْ مَعَنَا) أَيْ: مَعَ جَمِيعِنَا، وَفِي رِوَايَةٍ: لَنَا (مُدًى) : بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ جَمْعُ مُدْيَةٍ وَهِيَ السِّكِّينُ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟) : بِفَتْحَتَيْنِ فِي النِّهَايَةِ: الْقَصَبُ مِنَ الْعِظَامِ كُلُّ عَظِيمٍ عَرِيضٍ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْقَصَبُ مُحَرَّكَةٌ كُلُّ نَبَاتٍ ذِي أَنَابِيبَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُرَادُ هُنَا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ الشُّمُنِّيُّ، وَهُوَ الذَّبْحُ بِكُلِّ مَا فِيهِ حَدٌّ وَلَوْ كَانَ لِيفَةً وَهُوَ الْقَصَبُ، أَوْ مَرْوَةً وَهِيَ الْحَجَرُ. (قَالَ: مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْإِنْهَارُ الْإِسَالَةُ، وَالصَّبُّ بَكَثْرَةٍ وَهُوَ مُشَبَّهٌ بِجَرْيِ الْمَاءِ فِي النَّهْرِ، فَالْمَعْنَى مَا أَسَالَ الدَّمَ. (وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ) أَيْ: عَلَيْهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ وَرِوَايَةٍ. (فَكُلْ) أَيْ: فَكُلْهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مَا) شَرْطِيَّةً وَمَوْصُولَةً. وَقَوْلُهُ فَكُلْ جَزَاءٌ، أَوْ خَبَرٌ وَاللَّامُ فِي الدَّمِ بَدَلٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَيْ: دَمُ صَيْدٍ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ حَالٌ مِنْهُ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ أَعَمُّ مِنَ الصَّيْدِ لِيَشْمَلَ كُلَّ ذَبِيحَةٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السُّؤَالُ بِقَوْلِهِمْ: أَفَنَذْبَحُ؟ وَإِنَّ قَوْلَهُ: ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَطْفٌ عَلَى أَنْهَرَ الدَّمَ، سَوَاءٌ تَكُونُ (مَا) شَرْطِيَّةً، أَوْ مَوْصُولَةً. فَالْحُكْمُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْمُرَكَّبِ. (لَيْسَ) أَيِ: الْمُنْهِرُ (السِّنَّ وَالظُّفُرَ) : بِضَمَّتَيْنِ وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْقُرَّاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] وَيَجُوزُ إِسْكَانُ الثَّانِي وَبِكَسْرِ أَوَّلِهِ شَاذٌّ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْمَعْنَى إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ، فَإِنَّ الذَّبْحَ لَا يَحْصُلُ بِهِمَا، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَفَى الْفَائِقِ: لَيْسَ تَقَعُ فِي كَلِمَاتِ الِاسْتِثْنَاءِ يَقُولُونَ: جَاءَ الْقَوْمُ لَيْسَ زَيْدًا. بِمَعْنَى إِلَّا زَيْدًا، وَتَقْدِيرُهُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ لَيْسَ بَعْضُهُمْ زَيْدًا، أَوْ لَا يَكُونُ بَعْضُهُمْ زَيْدًا وَمُؤَدَّاهُ مُؤَدَّى إِلَّا (وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْهُ) أَيْ: عَنِ الْمُسْتَثْنَى، وَالسِّينُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، وَالْمَعْنَى أُخْبِرُكَ عَنْ سَبَبِ اسْتِثْنَائِهِمَا مُفَصَّلًا وَإِنْ أَجْمَلْتُهُمَا فِي حُكْمِ عَدَمِ الْجَوَازِ الْمَفْهُومِ مِنَ اسْتِثْنَائِهِمَا (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) أَيْ: وَكُلُّ عَظْمٍ لَا يَحِلُّ بِهِ الذَّبْحُ، وَطَوَى النَّتِيجَةَ لِدَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهَا.
стр. 5674
ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ. وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسٌ حُذِفَ مِنْهُ الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ لِتَقَرُّرِهَا وَظُهُورِهَا عِنْدَهُمْ، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ عَظْمٍ لَا يَحِلُّ الذَّبْحُ بِهِ، وَذَكَرَهُ دَلِيلًا " عَلَى اسْتِثْنَاءِ السِّنِّ. أَقُولُ: وَلَا يُحْتَاجُ أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةً وَمُقَرَّرَةً عِنْدَهُمْ بَلْ نَأْخُذُ مِنْ تَعْلِيلِهِ ﷺ أَنَّهُ عَظْمٌ أَنَّ كُلَّ عَظْمٍ يَكُونُ حُكْمُهُ كَذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَمْ أَرَ بَعْدَ الْبَحْثِ مَنْ نَقَلَ لِلْمَنْعِ مِنَ الذَّبْحِ بِالْعَظْمِ مَعْنًى يُعْقَلُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَعَلَّلَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْعَظْمَ يَنْجُسُ بِالدَّمِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ تَنْجِيسِهِ ; لِأَنَّهُ زَادُ الْجِنِّ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ أَصْحَابُنَا: فَهِمْنَا أَنَّ الْعِظَامَ لَا يَحِلُّ الذَّبْحُ بِهَا لِتَعْلِيلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْعِلَّةَ كَوْنُهُ عَظْمًا، وَكُلُّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَظْمِ لَا تَجُوزُ الذَّكَاةُ بِهِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ بِالسِّنِّ وَالْعَظْمِ الْمُتَّصِلَيْنِ، وَيَجُوزُ بِالْمُنْفَصِلَيْنِ. وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَاتٌ أَشْهَرُهَا جَوَازُهُ بِالْعَظْمِ دُونَ السِّنِّ كَيْفَ كَانَ اهـ. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.
(وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشِ) : بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَعَلَيْهِ صَحَّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِمَا وَهُوَ الصَّوَابُ، فَفِي الْقَامُوسِ: الْحُبَشُ وَالْحَبَشُ مُحَرَّكَتَيْنِ وَالْأَحْبُشُ بِضَمِّ الْبَاءِ جِنْسٌ مِنَ السُّودَانِ جَمْعُهُ حُبْشَانُ، أَوْ أَحَابِشُ، وَكَذَا فِي الصِّحَاحِ وَشَمْسِ الْعُلُومِ وَالْمِصْبَاحِ، بَلْ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ كَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، الْحَبَشَةُ بِالتَّاءِ وَالْحُبْشُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ إِنَّمَا هُوَ بَطْنٌ، أَوْ جَدٌّ كَمَا فِي كُتُبِ الْأَنْسَابِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَظْفَارَ سَكَاكِينُهُمْ فَإِنَّهُمْ يَذْبَحُونَ بِهَا مَا يُمْكِنُ ذَبْحُهُ، وَلَا يَجُوزُ التَّشَبُّهُ بِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ، وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنِ التَّشْبِيهِ بِهِمْ وَبِشِعَارِهِمْ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ: وَإِنَّمَا اسْتَثْنَاهُمَا وَمَنَعَ الذَّبْحَ بِهِمَا ; لِأَنَّهُمَا تَوْقِيذٌ وَتَخْنِيقٌ وَلَيْسَ بِذَبْحٍ، فَفِي الذَّبْحِ الِانْقِطَاعُ بِقُوَّتِهِ لَا بِحِدَّةِ الْآلَةِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَنْزُوعِ، أَمَّا فِي الْمَنْزُوعِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَحْرُمُ أَكْلُهُ. قَالَ الشُّمُنِّيُّ: لَهُ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ حَيْثُ لَمْ يَفْصِلْ ﷺ بَيْنَ الْقِيَامِ وَغَيْرِهِ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الذَّبْحِ بِهِمَا مُطْلَقًا، وَلَنَا مَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا «عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ جَارِيَةً لَهُمْ كَانَتْ تُرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا فَقَالَ لِأَهْلِهِ: لَا تَأْكُلُوا حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ، أَوْ حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، أَوْ بَعَثَ إِلَيْهِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَكْلِهِ» ، وَإِذَا صَلُحَ الْحَجَرُ آلَةً لِلذَّبْحِ بِمَعْنَى الْجُرْحِ، فَكَذَا الظُّفُرُ الْمَنْزُوعُ وَالسِّنُّ الْمَنْزُوعُ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَنْزُوعِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْمَوْتَ بِالثِّقَلِ مَعَ الْحِدَّةِ فَتَصِيرُ الذَّبِيحَةُ فِي مَعْنَى الْمُنْخَنِقَةِ. نَعَمْ يُكْرَهُ الذَّبْحُ بِالْمَنْزُوعِ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ بِالْحَيَوَانِ كَمَا لَوْ ذَبَحَ بِشَفْرَةٍ كَلَيْلَةٍ. وَحَدِيثُ رَافِعٍ يُحْمَلُ عَلَى الْقَائِمَتَيْنِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ؛ وَلِأَنَّ الْحَبَشَةَ يُحَدِّدُونَ أَسْنَانَهُمْ وَلَا يُقَلِّمُونَ أَظْفَارَهُمْ، وَيُقَاتِلُونَ بِالْخَدْشِ وَالْعَضِّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: إِنْ كَانَ الذَّبْحُ بِالظُّفُرِ مُحَرَّمًا لِكَوْنِهِ تَشْبِيهًا بِالْكَفَّارِ لَكَانَ يَنْبَغِي تَحْرِيمُهُ بِالسِّكِّينِ أَيْضًا. قُلْتُ: إِنْهَارُ الدَّمِ بِالسِّكِّينِ هُوَ الْأَصْلُ، وَأَمَّا الْمُلْحَقَاتُ الْمُتَفَرِّعَةُ عَلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا التَّشَبُّهُ لِضَعْفِهَا اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّشَبُّهَ الْمَمْنُوعَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَكُونُ شَعَارًا لَهُمْ مُخْتَصًّا بِهِمْ، فَالسُّؤَالُ سَاقِطٌ مِنْ أَصِلِهِ. (وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ) أَيْ: غَارَتَهُمَا، وَالْمَعْنَى أَغَرْنَا عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْكُفَّارِ فَوَجَدْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا (فَنَدَّ) أَيْ: شَرَدَ وَفَرَّ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهَا الصَّادِقَةِ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا (بِعِيرٌ) : وَاسْتَعْصَى (فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ) أَيْ: مَنَعَهُ مِنَ التَّوَحُّشِ وَأَمَاتَهُ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ حَبَسَهُ مِنَ الشِّرَادِ بِأَنْ أَثَّرَ فِيهِ السَّهْمُ فَمَاتَ بِهِ، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى جِنْسِ الْإِبِلِ وَاللَّامُ فِيهِ بِمَعْنَى (مِنْ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَمَلَ اللَّامُ عَلَى مَعْنَاهُ، وَالْبَعْضِيَّةُ تُسْتَفَادُ مِنَ اسْمِ إِنَّ ; لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] أَيْ: بَعْضَ اللَّيْلِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا غَفْلَةٌ مِنْهُ عَنْ عَدَمِ صِحَّةِ الْحَمْلِ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْخَبَرِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ اللَّامِ عَلَى بَابِهَا، وَالْأَوَابِدُ: جَمْعُ آبِدَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَوَحَّشَتْ وَنَفَرَتْ (كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ) أَيْ: حَيَوَانُ الْبَرِّ (فَإِذَا غَلَبَكُمْ فِيهَا) أَيْ: مِنْ أَوَابِدِ الْإِبِلِ (شَيْءٌ) أَيْ: وَاحِدٌ (فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا) أَيْ: فَارْمُوهُ بِسَهْمٍ وَنَحْوِهِ، وَالْمَعْنَى مَا نَفَرَ مِنَ الْحَيَوَانِ الْأَهْلِيِّ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالدَّجَاجِ وَكَالصَّيْدِ الْوَحْشِيِّ فِي حُكْمِ الذَّبْحِ، فَإِنَّ ذَكَاتَهُ اضْطِرَارِيَّةٌ، فَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ مَحَلُّ الذَّبْحِ، وَلَعَلَّ تَخْصِيصَ الْإِبِلِ لِأَنَّ التَّوَحُّشَ فِيهِ أَكْثَرُ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ الْإِنْسِيَّ إِذَا تَوَحَّشَ وَنَفَرَ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى قَطْعِ مَذْبَحِهِ يَصِيرُ جَمِيعُ بَدَنِهِ فِي حُكْمِ الْمَذْبَحِ كَالصَّيْدِ الَّذِي لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ بَعِيرٌ فِي بِئْرٍ مَنْكُوسًا، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى قَطْعِ حُلْقُومِهِ فَطُعِنَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ فَمَاتَ كَانَ حَلَالًا؛ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي الْعُشَرَاءِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّانِي مِنْ أَحَادِيثِ حِسَانِ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لَأَجْزَأَ عَنْكَ، وَأَرَادَ بِهِ غَيْرَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَعَلَى عَكْسِهِ لَوِ اسْتَأْنَسَ الصَّيْدَ وَصَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِقَطْعِ مَذْبَحِهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5675
٤٠٧٢ - «وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ تُرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
٤٠٧٢ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) أَيِ: الْأَنْصَارِيِّ ﵁، أَنَّهُ كَانَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: كَانَتْ (لَهُ غَنَمٌ) أَيْ: قِطْعَةٌ مِنَ الْغَنَمِ (تُرْعَى) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: يُرْعِيهَا الرَّاعِي (بِسَلْعٍ) : بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ فَعَيْنٌ مُهْمَلَةٌ اسْمُ جَبَلٍ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ شِعْبٌ (فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ) أَيْ: بِنْتٌ، أَوْ مَمْلُوكَةٌ (لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا) أَيْ: أَثَرُ مَوْتٍ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ (فَكَسَرَتْ حَجَرًا) : لِتَحْصِيلِ الْحِدَّةِ (فَذَبَحَتْهَا) أَيْ: هِيَ (بِهِ) أَيْ: بِالْحَجَرِ الْمَكْسُورِ (فَسَأَلَ) أَيْ: كَعْبٌ (النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا) أَيْ: فَأَجَازَ لَهُ أَكْلَهَا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .
стр. 5676
٤٠٧٣ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﵎ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٠٧٣ - (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ) أَيِ: الْأَنْصَارِيِّ (رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ) أَيْ: تَكَاثَرَ خَيْرُهُ وَبِرُّهُ (وَتَعَالَى) أَيْ: تَعَظَّمُ شَأْنُهُ وَبُرْهَانُهُ (كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) : إِلَى كُلِّ شَيْءٍ، أَوْ عَلَى بِمَعْنَى فِي أَيْ: أَمَرَكُمْ بِالْإِحْسَانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ [القصص: ١٥] وَقَدْ قَالَ شَارِحٌ أَيْ: كَتَبَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ اهـ. وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْعُمُومُ الشَّامِلُ لِلْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ ﷺ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ وَأَنَّهُ بُعِثَ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَأَنَّ لِأُمَّتِهِ نَصِيبًا وَحَظًّا مِنْ هَذَا الْوَصْفِ بِمُتَابَعَتِهِ، وَلِذَا أَتَى بِالِاسْمِ الْجَامِعِ، وَلَمْ يَقُلْ أَنَّهُ الرَّحْمَنَ مَعَ أَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ رَحْمَتِهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: أَوْجَبَ مُبَالَغَةً ; لِأَنَّ الْإِحْسَانَ هُنَا مُسْتَحَبٌّ وَضَمَّنَ الْإِحْسَانَ مَعْنَى التَّفْضِيلِ وَعَدَّاهُ بِعَلَى، وَالْمُرَادُ بِالتَّفَضُّلِ إِرَاحَةُ الذَّبِيحَةِ بِتَحْدِيدِ الشَّفْرَةِ وَتَعْجِيلِ إِمْرَارِهَا وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الشُّمُنِّيُّ: عَلَى هُنَا بِمَعْنَى اللَّامِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِحْسَانِ، أَوْ بِكَتَبَ، وَلَا بُدَّ مِنْ عَلَى أُخْرَى مَحْذُوفَةٍ. بِمَعْنَى الِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَتَبَ، وَالتَّقْدِيرُ كَتَبَ عَلَى النَّاسِ الْإِحْسَانَ لِكُلِّ شَيْءٍ، (فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ) : بِكَسْرِ الْقَافِ الْحَالَةُ الَّتِي عَلَيْهَا الْقَاتِلُ فِي قَتْلِهِ كَالْجِلْسَةِ وَالرِّكْبَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمُسْتَحِقَّةُ قِصَاصًا، أَوْ حَدًّا، وَالْإِحْسَانُ فِيهَا اخْتِيَارُ أَسْهَلِ الطُّرُقِ وَأَظُنُّهَا أَقَلَّهَا إِيلَامًا (وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: يُرْوَى بِفَتْحِ الذَّالِ وَبِغَيْرِ هَاءٍ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بِكَسْرِ الذَّالِ وَبِالْهَاءِ كَالْقِتْلَةِ (وَلْيُحِدَّ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا (أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ) : بِفَتْحِ الشِّينِ أَيْ: سِكِّينَتَهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُحِدَّ بِحَضْرَةِ الذَّبِيحَةِ وَلَا يَذْبَحَ وَاحِدَةً بِحَضْرَةِ الْأُخْرَى وَلَا يَجُرَّهَا إِلَى مَذْبَحِهَا (وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) : بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَسْتَرِيحَ وَتَبْرُدَ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَرَاحَ الرَّجُلُ إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ بَعْدَ الْإِعْيَاءِ، وَالِاسْمُ الرَّاحَةُ، وَهَذَانِ الْفِعْلَانِ كَالْبَيَانِ لِلْإِحْسَانِ فِي الذَّبْحِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الْحَدِيثُ عَامٌّ فِي كُلِّ قَتْلٍ مِنَ الذَّبَائِحِ وَالْقَتْلِ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْجَوَامِعِ اهـ.
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَكُرِهَ السَّلْخُ قَبْلَ أَنْ تَبْرُدَ وَكُلُّ تَعْذِيبٍ بِلَا فَائِدَةٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلِمَا أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ رَجُلًا أَضْجَعَ شَاةً يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَهَا وَهُوَ يُحِدُّ شَفْرَتَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَتَيْنِ؟ هَلَّا حَدَدْتَ شَفْرَتَكَ قَبْلَ أَنْ تُضْجِعَهَا؟» . قَالُوا: وَكُرِهَ النَّخْعُ بِنُونٍ فَمُعْجَمَةٍ فَمُهْمَلَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَبْلُغَ السِّكِّينُ النُّخَاعَ وَهُوَ عِرْقٌ أَبْيَضُ فِي جَوْفِ عَظْمِ الرَّقَبَةِ، لِمَا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الذَّبِيحَةِ أَنْ تُفْرَسَ» . وَفِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ: الْفَرْسُ أَنْ تُذْبَحَ الشَّاةُ فَتُنْخَعَ، وَقِيلَ مَعْنَى النَّخْعِ أَنْ يَمُدَّ رَأْسَهُ حَتَّى يَظْهَرَ مَذْبَحُهُ، وَقِيلَ أَنْ يَكْسِرَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْكُنَ الِاضْطِرَابُ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ بِلَا فَائِدَةٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ الشُّمُنِّيُّ: أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ.
стр. 5677
٤٠٧٤ - «وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . يَنْهَى أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ، أَوْ غَيْرُهَا لِلْقَتْلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٠٧٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى أَنْ تُصْبَرَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ: تُحْبَسُ (بَهِيمَةٌ، أَوْ غَيْرُهَا) أَيْ: مِنْ ذَوَاتِ الرُّوحِ بِلَا أَكْلٍ وَشُرْبٍ حَتَّى تَمُوتَ فَقَوْلُهُ: (لِلْقَتْلِ) أَيْ: لِأَجْلِ قَتْلِهِ بِالْحَبْسِ الْمَوْصُوفِ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَرَادَ بِهِ أَنْ يُحْبَسَ الْحَيَوَانُ فَيُرْمَى إِلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَى أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْرًا» أَيْ: حَبْسًا، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَلَفْظُهُ: «نَهَى عَنْ قَتْلِ الصَّبْرِ» ، وَمِنْ غَرِيبِ مَا ذُكِرَ فِي التَّوَارِيخِ أَنَّ الْحَجَّاجَ قَتَلَ مِائَةً وَعِشْرِينَ وَأَلْفًا صَبْرًا أَيْ: غَيْرُ مَنْ قَتَلَهُ عَسْكَرُهُ فِي الْحَرْبِ مَا بَيْنَ صَحَابِيٍّ وَتَابِعِيٍّ وَشَرِيفٍ وَضَعِيفٍ.
стр. 5678
٤٠٧٥ - وَعَنْهُ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٠٧٥ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: ( «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا لَهُ الرُّوحُ غَرَضًا» ) : بِمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ أَيْ: هَدَفًا زِنَةً وَمَعْنًى، وَهُوَ مَا يَنْصِبُهُ الرُّمَاةُ وَيَقْصِدُونَ إِصَابَتَهُ مِنْ قِرْطَاسٍ وَغَيْرِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: ( «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ مَثَّلَ بِالْحَيَوَانِ» ) أَيْ: قَطَعَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ كَالْأُذُنِ وَالذَّنَبِ وَغَيْرِهِمَا، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 5679
٤٠٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٠٧٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا) : قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ ﷺ : (لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا) وَلِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ وَإِتْلَافٌ لِنَفْسِهِ وَتَضْيِيعٌ لِمَالِيَّتِهِ، وَتَفْوِيتٌ لِذَكَاتِهِ إِنْ كَانَ مُذَكًّى، وَلِمَنْفَعَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُذَكًّى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «نَهَى أَنْ يُتَّخَذَ شَيْءٌ فِيهِ الرُّوحٌ غَرَضًا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 5680
٤٠٧٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ، وَعَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٠٧٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ» ) أَيْ: فِي وَجْهِ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْكَافِرَ حَالَ الْقِتَالِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَلْجَأُ الْمُسْلِمُ إِلَى هَذِهِ الْحَالِ (وَعَنِ الْوَسْمِ) أَيِ: الْكَيِّ (فِي الْوَجْهِ) : سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَحُكْمُهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «نَهَى عَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ وَالضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ» . وَقَالَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ جَابِرٍ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يَسِمُ فِي الْوَجْهِ» . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ عِمْرَانَ ﵁ بِلَفْظِ: نَهَى عَنِ الْكَيِّ.
стр. 5681
٤٠٧٨ - وَعَنْهُ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ وَقَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ، قَالَ: " لَعَنَ اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤٠٧٨ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ) أَيْ: مَرَّ بِهِ (وَقَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ) أَيْ: وَسْمًا فَاحِشًا وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ) أَيْ: كَوَاهُ هَذَا الْكَيَّ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ لُعِنَ الْوَاسِمُ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ لَعْنِ الْمُسْلِمِ؟ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْوَاسِمَ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا، أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى الِانْزِجَارِ عَمَّا زَجَرَ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ دُعَاءً بَلْ إِخْبَارٌ عَنِ الْغَيْبِ، وَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ عَلِمَ بِالنَّهْيِ فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ مُسْتَهِينًا بِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَنْزُوعَ الرَّحْمَةِ، وَقَدْ صَحَّ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» . وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوَاسِمُ كَافِرًا وَأَنْ يَكُونَ لِلتَّغْلِيظِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : ( «لَعَنَ اللَّهُ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» ) قَالَ النَّوَوِيُّ: الْوَسْمُ فِي الْوَجْهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالْإِجْمَاعِ، فَأَمَّا وَسْمُ الْآدَمِيِّ فَحَرَامٌ لِكَرَامَتِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ تَعْذِيبُهُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُكْرَهُ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: لَا يَجُوزُ فَأَشَارَ إِلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِهَذَا الْحَدِيثِ إِذِ اللَّعْنُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَأَمَّا غَيْرُ الْوَجْهِ فَمُسْتَحَبٌّ فِي نَعَمِ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ وَجَائِزٌ فِي غَيْرِهَا، وَإِذَا وَسَمَ فَمُسْتَحَبٌّ أَنْ يَسِمَ الْغَنَمَ فِي آذَانِهَا وَالْإِبِلَ وَالْبَقَرَ فِي أُصُولِ أَفْخَاذِهَا، وَفَائِدَةُ الْوَسْمِ التَّمْيِيزُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5682
٤٠٧٩ - «وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ، فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٠٧٩ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: غَدَوْتُ) أَيْ: ذَهَبْتُ غَدْوَةً (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) أَيْ: مَصْحُوبًا مَعَهُ وَهُوَ أَخُوهُ مِنْ أُمِّهِ (لِيُحَنِّكَهُ) : بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وَفِي الْفَائِقِ يُقَالُ: حَكَنَهُ مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا أَيْ: لِيَمْضُغَ النَّبِيُّ ﷺ تَمْرًا، أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْحُلْوِ وَيُدَلِّكَ دَاخِلَ حَنَكِهِ، وَهُوَ أَقْصَى الْفَمِ، وَهَذَا سُنَّةٌ فِي الصِّغَارِ لِوُصُولِ الْبَرَكَةِ. (فَوَافَيْتُهُ) أَيْ: صَادَفْتُهُ حَالَ كَوْنِهِ (فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ آلَةٌ مِنْ حَدِيدٍ يُكْوَى بِهَا (يَسِمُ) : مُضَارِعُ وَسَمَ كَيَعِدُ أَيْ: يَكْوِي (إِبِلَ الصَّدَقَةِ) : لِلْعَلَامَةِ الْمُمَيِّزَةِ لَهَا عَنْ غَيْرِهَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ وَالنَّهْيُ خَاصٌّ بِهِ، أَوْ بِلَا ضَرُورَةٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5683
٤٠٨٠ - وَعَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي مِرْبَدٍ فَرَأَيْتُهُ يَسِمُ شَاءً، حَسِبْتُهُ قَالَ: فِي آذَانِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٠٨٠ - (وَعَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ) أَيِ: ابْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، رَوَى عَنْ جَدِّهِ أَنَسٍ. وَسَمِعَ مِنْهُ جَمَاعَةٌ، يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي مِرْبَدٍ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، مَوْضِعٌ يُحْبَسُ فِيهِ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَالرَّبْدُ: الْحَبْسُ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُحْبَسُ فِيهِ الْإِبِلُ، وَهُوَ مِثْلُ الْحَظِيرَةِ لِلْغَنَمِ، وَالْمِرْبَدُ، هُنَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَظِيرَةُ الْغَنَمِ مَجَازًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُ أَدْخَلَ الْغَنَمَ فِي مِرْبَدِ الْإِبِلِ لِيَسِمَهَا اهـ. وَفِي النِّهَايَةِ الْمِرْبَدُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُحْبَسُ فِيهِ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ، وَأَطْلَقَ فِي الْقَامُوسِ وَقَالَ: الْمِرْبَدُ كَمِنْبَرٍ الْمَحْبَسُ (فَرَأَيْتُهُ يَسِمُ شَاءً) : بِشِينٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ فَهَمْزَةٌ جَمْعُ شَاةٍ. وَفِي نُسْخَةٍ شِيَاهٌ بِكَسْرِ الشِّينِ بَعْدَهَا يَاءٌ فَفِي الْقَامُوسِ: الشَّاةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الْغَنَمِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى جَمْعُهُ شَاءٌ أَصْلُهُ شَاءٌ وَشَاهٌ اهـ. وَهُوَ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَسِمَ، وَفِي آذَانِهَا مَفْعُولٌ فِيهِ، وَتَبْيِينٌ لِلْإِجْمَالِ وَتَصَحَّفَ عَلَى الطِّيبِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَشَيْئًا ظَرْفٌ بِمَعْنَى يَسِمُ فِي شَيْءٍ، وَفِي آذَانِهَا بَدَلٌ مِنْ مَحَلِّهِ انْتَهَى. وَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ ; لِأَنَّهُ يَبْقَى مَرْجِعًا حِينَئِذٍ لِضَمِيرِ آذَانِهَا، وَلَا مَعْنَى بِدُونِهِ لَا سِيَّمَا مَعَ إِبْهَامِ شَيْئًا مُنَكَّرًا (حَسِبْتُهُ) أَيْ: أَنَسًا (قَالَ) أَيْ: زِيَادَةٌ عَلَى مَا سَبَقَ (فِي آذَانِهَا) : بِالْمَدِّ جَمْعُ الْأُذُنِ أَيْ: يَسِمُ شَيْئًا فِي آذَانِهَا لِمَا سَبَقَ مِنَ اسْتِحْبَابِ وَسْمِ الْغَنَمِ فِي الْأُذُنِ، وَقَالَ شَارِحٌ، قَالَ فِي آذَانِهَا أَيْ: يَسِمُوهَا فِي آذَانِهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأُذُنَ لَيْسَ مِنَ الْوَجْهِ ; لِأَنْكَارِهِ عَلَى مَا رَأَى مِنْ وَسْمِ وَجْهِ الْحِمَارِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
стр. 5684
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٠٨١ - «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ أَحَدُنَا أَصَابَ صَيْدًا وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ أَيَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَشِقَّةِ الْعَصَا؟ فَقَالَ: " أَمْرِرِ الدَّمَ بِمَ شِئْتَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
٤٠٨١ - (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ) أَيْ: أَخْبِرْنِي (أَحَدُنَا) : بِالرَّفْعِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ (أَصَابَ صَيْدًا وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ ضَمِيرِ أَصَابَ، وَالْجُمْلَةُ الْأُولَى فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِأَرَأَيْتَ، وَمَحَطُّ الِاسْتِخْبَارِ قَوْلُهُ: (أَيَذْبَحُ) أَيْ: أَحَدُنَا الْمَذْكُورَ (بِالْمَرْوَةِ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِنَصْبِ أَحَدِنَا، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِ الطِّيبِيِّ أَيْ: أَخْبِرْ أَحَدَنَا، وَالْمُسْتَخْبَرُ عَنْهُ قَوْلُهُ: أَيَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْبَيْضَاءُ، وَبِهِ سُمِّيَتْ مَرْوَةُ مَكَّةَ اهـ. وَفِي الْمُغْرِبِ: الْمَرْوَةُ حَجَرٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ، وَقَدْ يُسَمَّى بِهَا الْجَبَلُ الْمَعْرُوفُ. وَقَالَ شَارِحٌ: هِيَ حَجَرٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ يُجْعَلُ مِنْهُ كَالسِّكِّينِ وَيُذْبَحُ بِهَا. (وَشِقَّةِ الْعَصَا؟) : بِكَسْرِ الشِّينِ أَيْ: شَظِيَّةٌ تَتَشَظَّى مِنْهَا، وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ الطِّيبِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْكَشَّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩] أَنَّ الْمَوْصُولَ مَعَ الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ هُمَا فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ شَرْطٌ وَجَزَاءٌ. وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ: وَمَا قَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ أَنَّ جُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةِ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الْوَاحِدِ، وَالْمَوْصُولُ هُوَ الْآخَرُ لَيْسَ بِجَارٍ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ وَعِنْدَنَا أَنَّ الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ لِأَرَأَيْتَ لَا يَكُونُ إِلَّا جُمْلَةً اسْتِفْهَامِيَّةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ [النجم: ٣٣] أَعْنَدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ؟ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] أَطَّلَعَ الْغَيْبَ. وَقَوْلِهِ : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ - أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩] وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، فَتُخَرَّجُ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى ذَلِكَ الْقَانُونِ اهـ. فَكَذَلِكَ نَحْنُ نُخَرِّجُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى قَانُونِ تِلْكَ الْآيَاتِ مُوَافَقَةً بَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَفْظًا وَمَعْنًى وَإِعْرَابًا وَبَيَانًا. (فَقَالَ) أَيِ: النَّبِيُّ: ﷺ (أَمْرِرِ الدَّمَ) : أَمْرٌ مِنَ
стр. 5685
الْإِمْرَارِ بِالْفَكِّ، وَفَى نُسْخَةٍ أَمِرَّ بِالْإِدْغَامِ وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَمْرٌ مِنْ مَرَى يَمْرِي إِذَا مَسَحَ الضَّرْعَ، وَالْمَعْنَى سَيْلُهُ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ شَارِحٌ وَقَالَ: وَتَشْدِيدُ الرَّاءِ مِنَ الْإِمْرَارِ لَحْنٌ، ثُمَّ قَالَ: وَيُرْوَى أَمِرِ بِفَتْحِ هَمْزَةِ الْقَطْعِ يَعْنِي وَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ مَنْ أَمَارَ الدَّمَ أَيْ: أَجْرَاهُ وَمَارَ بِنَفْسِهِ أَيْ: جَرَى اهـ. وَهُوَ كَذَا فِي نُسْخَةٍ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَ هَذَا الْحَدِيثَ أَمِرَّ الدَّمَ شَدَّدَ الرَّاءَ وَهُوَ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ مِنْ مَرَى يَمْرِي، وَرَوَى بَعْضُهُمْ بِتَحْرِيكِ الْمِيمِ وَقَطْعِ الْأَلِفِ مِنْ أَمَارَ الَّذِي هُوَ أَفْعَلَ مِنْ مَارَ الدَّمَ مَوْرًا إِذَا جَرَى. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يَلْحَنُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ فِي هَذَا اللَّفْظِ، وَيُشَدِّدُونَ الرَّاءَ وَيُحَرِّكُونَ الْمِيمَ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ مِنَ الْإِمْرَارِ، وَلَيْسَ بِقَوِيمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ مِنْ مَرَى يَمْرِي إِذَا مَسَحَ الضَّرْعَ لِيَدِرَّ، وَالْمَعْنَى اسْتِخْرَاجُ الدَّمِ وَسَيْلُهُ وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ. قَالَ صَاحِبُ الْجَامِعِ: وَالَّذِي قَرَأْتُهُ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ بَرَّاءَيْنِ مُظْهَرَتَيْنِ بِغَيْرِ إِدْغَامٍ، وَفِي إِحْدَى رِوَايَاتِ النَّسَائِيِّ كَذَلِكَ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ كَإِمْرَارِ الْحَدِيدِ عَلَى الطَّسْتِ الْجَدِيدِ أَمْرَرْتُ الشَّيْءَ أَمُرُّهُ إِمْرَارًا إِذَا جَعَلْتُهُ بِمَرْأَى لِيَذْهَبَ يُرِيدُ كَجَرِّ الْحَدِيدِ عَلَى الطَّسْتِ اهـ. كَلَامُهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الدَّمُ عِبَارَةً عَنْ سَيَلَانِهِ ; لِأَنَّ سَيَلَانَهُ مُسْتَلْزِمٌ لِإِمْرَارِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْقَامُوسِ: مَرَّ الشَّيْءَ اسْتَخْرَجَهُ، وَأَمَارَهُ أَيْ: أَسَالَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ أَنْسَبُ بِالْمَقَامِ، وَقَوْلُهُ: (بِمَ شِئْتَ) أَيْ: بِمَا شِئْتَ، حُذِفَ الْأَلِفُ مِنْ (مَا) الِاسْتِفْهَامِيَّةِ أَيْ: أَنْهِرِ الدَّمَ بِأَيِّ شَيْءٍ شِئْتَ مَا عَدَا السِّنَّ وَالظُّفُرَ. (وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ) أَيْ: عَلَيْهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) .
стр. 5686
٤٠٨٢ - «وَعَنْ أَبِي الْعُشَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟ فَقَالَ: " لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لَأَجْزَأَ عَنْكَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذِهِ ذَكَاةُ الْمُتَرَدِّي. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا فِي الضَّرُورَةِ.
ــ
٤٠٨٢ - (وَعَنْ أَبِي الْعُشَرَاءِ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمَدِّ (عَنْ أَبِيهِ ﵁ : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أُسَامَةُ بْنُ مَالِكٍ الدَّارِمِيُّ تَابِعِيٌّ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ، وَفِي اسْمِهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ وَهَذَا أَشْهَرُ مَا قِيلَ فِيهِ. (أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَا يَكُونُ) : الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَ (مَا) نَافِيَةٌ وَالْمُرَادُ التَّقْرِيرُ أَيْ: أَمَا تَحْصُلُ (الذَّكَاةُ) : الذَّالُ الْمُعْجَمَةُ أَيِ: الذَّبْحُ الشَّرْعِيُّ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَلَيْسَتْ أَمَا لِلتَّنْبِيهِ وَإِنْ كَانَتْ حَرْفَ التَّنْبِيهِ. فَأُجِيبَ: لَا إِلَّا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ. أَقُولُ: لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ التَّنْبِيهُ فِي كَلَامِ السَّائِلِ مَعَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ (مَا) لِلنَّفْيِ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، بَلْ يَفْسُدُ الْمَعْنَى إِذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ تَنَبَّهْ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الذَّبْحُ (إِلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهِيَ الْهَزْمَةُ الَّتِي فَوْقَ الصَّدْرِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ قِيلَ: وَهِيَ آخِرُ الْحَلْقِ (فَقَالَ: لَوْ طَعَنْتَ) أَيْ: أَنْتَ (فِي فَخِذِهَا) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَيَجُوزُ الْكَسْرُ فَالسُّكُونُ أَيْ: فِي فَخِذِ الْمُذَكَّاةِ لِمَفْهُومِهِ مِنَ الذَّكَاةِ وَجَرَحْتَ (لَأَجْزَأَ عَنْكَ) أَيْ: لَكَفَى طَعْنُ فَخِذِهَا عَنْ ذَبْحِكَ إِيَّاهَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، (وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا) : وَفِي نُسْخَةٍ وَهَذَا أَيْ: هَذَا الْحَدِيثُ، أَوْ قَوْلُهُ: لَوْ طَعَنْتَ إِلَخْ (ذَكَاةُ الْمُتَرَدِّي) أَيِ: السَّاقِطُ فِي الْبِئْرِ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا فِي الضَّرُورَةِ) : وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَعَمُّ مِنْ تَفْسِيرِ أَبِي دَاوُدَ لِشُمُولِهِ الْبَعِيرَ النَّادَّ عَلَى مَا سَبَقَ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ أَبُو عِيسَى: لَا نَعْرِفُ لِأَبِي الْعُشَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ اهـ.
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: حَرُمَ ذَبِيحَةٌ لَمْ تُذَكَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَذَكَاةُ الضَّرُورَةِ جَرْحٌ أَيْنَ كَانَ مِنَ الْبَدَنِ، وَذَكَاةُ الِاخْتِيَارِ ذَبْحٌ بَيْنَ الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَعُرُوقُ الذَّبْحِ الْحُلْقُومُ، وَهُوَ مَجْرَى النَّفَسِ وَالْمَرِيءُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْوَدَجَانِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُمَا مَجْرَى الدَّمِ وَحِلُّ الذَّبْحِ يَقْطَعُ أَيْ: ثَلَاثٌ مِنْهَا.
стр. 5687
٤٠٨٣ - وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ، أَوْ بَازٍ، ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ ". قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلَ؟ قَالَ: إِذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٨٣ - (وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا عَلَّمْتَ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَمَا شَرْطِيَّةٌ، أَوْ مَوْصُولَةٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَيْ: مَا عَلَّمْتَهُ (مِنْ كَلْبِ، وَبَازٍ) أَيْ: أَحَدٌ مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَالطُّيُورِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهِمَا إِمَّا مَثَلًا، أَوْ بِنَاءً عَلَى الْأَغْلَبِ (ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ) أَيْ: أَحَدُهُمَا إِلَى الصَّيْدِ (وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ) أَيْ: عِنْدَ إِرْسَالِهِ (فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ) أَيْ: بِأَنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا.
(قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلَ؟) : وَصْلِيَّةٌ أَيْ: آكُلُهُ وَلَوْ قَتَلَهُ أَحَدُهُمَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِنْ شَرْطِيَّةٌ وَالْجَزَاءُ مُقَدَّرٌ أَيْ: فَمَا حُكْمُهُ؟ (قَالَ: إِذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: جِيءَ بِإِذَا الشَّرْطِيَّةِ جَوَابًا عَنْ قَوْلِهِ وَإِنْ قَتَلَ ; لِأَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنْ تَرَدُّدٍ ; لِأَنَّ إِنِ الشَّرْطِيَّةَ تَقْتَضِي عَدَمَ الْجَزْمِ. وَأَجَابَ بِإِذَا الَّتِي تَقْتَضِي الْجَزْمَ وَالتَّحْقِيقَ، وَأَعَادَ قَوْلَهُ: فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ دَلَالَةً عَلَى تَحَقُّقِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ مِمَّا لَا يَحُومُ الشَّكُّ حَوْلَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5688
٤٠٨٤ - وَعَنْهُ، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرْمِي الصَّيْدَ فَأَجِدُ فِيهِ مِنَ الْغَدِ سَهْمِي. قَالَ: " إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ فَكُلْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٨٤ - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ عَدِيٍّ ﵁ (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرْمِي الصَّيْدَ فَأَجِدُ فِيهِ مِنَ الْغَدِ) أَيْ: فِي بَعْضِ زَمَنِ الِاسْتِقْبَالِ (سَهْمِي) : فَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ، أَوْ بِمَعْنَى (فِي) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: (مِنْ) فِيهِ زَائِدَةٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] الْكَشَّافُ: قُرِئَ مِنْ قَبْلِ وَمِنْ بَعْدِ عَلَى الْجَرِّ كَأَنَّهُ قِيلَ قَبْلًا وَبَعْدًا. (قَالَ: إِذَا عَلِمَتْ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ) أَيْ: بِأَنْ أَصَابَهُ بِهَذِهِ وَجَرَحَهُ (وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ) أَيْ: آخَرُ مِمَّا سَبَقَ ذِكْرُهُ (فَكُلْ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِنْ رَأَيْتَ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ فَلَا تَأْكُلْ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ سَبَبُ قَتْلِهِ يَقِينًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5689
٤٠٨٥ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: «نُهِينَا عَنْ صَيْدِ كَلْبِ الْمَجُوسِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٠٨٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نُهِينَا عَنْ صَيْدِ كَلْبِ الْمَجُوسِ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ مِنَ الْكَفَرَةِ لَا يَحِلُّ صَيْدُ جَارِحَةٍ أَرْسَلَهَا هُوَ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: يَحِلُّ مَا اصْطَادَ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ، وَلَا يَحِلُّ مَا اصْطَادَهُ الْمَجُوسِيُّ بِكَلْبِ الْمُسْلِمِ إِلَّا أَنْ يُدْرِكَهُ الْمُسْلِمُ حَيًّا فَيَذْبَحُهُ، وَإِنِ اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ فِي إِرْسَالِ كَلْبٍ، أَوْ سَهْمٍ عَلَى صَيْدٍ فَأَصَابَهُ وَقَتَلَهُ فَهُوَ حَرَامٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفَيْهِمَا، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمِ الْإِسْلَامَ، فَمَنْ أَسْلَمَ قُبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ ضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» . وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: شَرْطُ كَوْنِ الذَّابِحِ مُسْلِمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، أَوْ كِتَابِيًّا وَلَوْ كَانَ الْكِتَابِيُّ حَرْبِيًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وَالْمُرَادُ بِهِ مُذَكَّاتُهُمْ ; لِأَنَّ مُطْلَقَ الطَّعَامِ غَيْرُ الْمُذَكِّي يَحِلُّ مِنْ أَيِّ كَافِرٍ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَذْكُرَ الْكِتَابِيُّ غَيْرَ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ حَتَّى لَوْ ذَبَحَ بِذِكْرِ الْمَسِيحِ، أَوْ عُزَيْرٍ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] لَا مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ، مَجُوسِيًّا لِمَا سَبَقَ، أَوْ وَثَنِيًّا مِثْلُ الْمَجُوسِيِّ فِي عَدَمِ التَّوْحِيدِ.
стр. 5690
٤٠٨٦ - «وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا أَهْلُ سَفَرٍ، نَمُرُّ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، فَلَا نَجِدُ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ. قَالَ: " فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ، ثُمَّ كُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٠٨٦ - (وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا أَهْلُ سَفَرٍ) : بِالرَّفْعِ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ إِنَّ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَالْخَبَرُ (نَمَرُّ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، فَلَا نَجِدُ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ، ثُمَّ كُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا) أَيْ: فِيهَا وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 5691
٤٠٨٧ - وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، ﵁، قَالَ: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ طَعَامِ النَّصَارَى وَفِي رِوَايَةٍ: سَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّ مِنَ الطَّعَامِ طَعَامًا أَتَحَرَّجُ مِنْهُ فَقَالَ: " لَا يَتَخَلَّجَنَّ فِي صَدْرِكَ شَيْءٌ ضَارَعْتَ فِيهِ النَّصْرَانِيَّةَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٨٧ - (وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ) : بِضَمِّ هَاءٍ وَسُكُونِ لَامٍ (عَنْ أَبِيهِ ﵁ : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، رَوَى عَنْهُ سِمَاكٌ وَهُلْبٌ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. قَالُوا: وَالصَّوَابُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ اهـ. وَفِي الْمُغْنِي: قَبِيصَةُ بْنُ هُلْبٍ بِمَضْمُومَةٍ وَسُكُونِ لَامٍ وَبِمُوَحَّدَةٍ، كَذَا يَرْوِيهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَالصَّوَابُ بِفَتْحِ هَاءٍ وَكَسْرِ لَامٍ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْهُلْبُ لَقَبُ أَبِي قَبِيصَة يَزِيدَ بْنِ قُنَافَةَ الطَّائِيِّ يَضُمُّهُ الْمُحَدِّثُونَ، وَصَوَابُهُ كَكَتِفٍ. قُلْتُ: سُنَّةُ الْمُحَدِّثِينَ أَصَحُّ مِنْ طَرِيقِ اللُّغَوِيِّينَ. (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ طَعَامِ النَّصَارَى وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لِلتِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا، أَوْ لِغَيْرِهِمَا (سَأَلَهُ) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ (رَجُلٌ) : يَعْنِي بِهِ نَفْسَهُ، أَوْ غَيْرَهُ (فَقَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ (إِنَّ مِنَ الطَّعَامِ) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ الْأَطْعِمَةِ (طَعَامًا) : قِيلَ: أَرَادَ بِهِ طَعَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (أَتَحَرَّجُ) أَيْ: أَتَجَنَّبُ وَأَمْتَنِعُ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ، فِي النِّهَايَةِ: الْحَرَجُ فِي الْأَصْلِ الضِّيقُ، وَيَقَعُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْحَرَامِ، وَقِيلَ: الْحَرَجُ أَضْيَقُ الضِّيقِ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] (فَقَالَ: لَا يَتَخَلَّجَنَّ فِي صَدْرِكَ شَيْءٌ) : بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فِي أَصْلِ السَّيِّدِ وَغَيْرِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِالْمُهْمَلَةِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُرْوَى بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لَا يَتَحَرَّكَنَّ الشَّكُّ فِي قَلْبِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ. قُلْتُ: الْأَبْلَغِيَّةُ إِنْ كَانَتْ مِنْ حَيْثُ عُمُومُ الشَّيْءِ وَخُصُوصُ الشَّكِّ فَشَيْءٌ مَوْجُودٌ فِي الْأَصْلِ، مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِالتَّجْرِيدِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيْثُ مَعْنَى الْفِعْلَيْنِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّقْيِيدِ، فَالتَّحْرِيكُ أَبْلَغُ مِنَ الدُّخُولِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَبْلَغُ مِنْهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعراف: ٢] . (ضَارَعْتَ فِيهِ النَّصْرَانِيَّةَ) أَيْ: شَابَهْتَ لِأَجْلِهِ أَهْلَ الْمِلَّةِ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ حَيْثُ امْتِنَاعِهِمْ إِذَا وَقَعَ فِي قَلْبِ أَحَدِهِمْ أَنَّهُ حَرَامٌ، أَوْ مَكْرُوهٌ، وَهَذَا فِي الْمَعْنَى تَعْلِيلُ النَّهْيِ، وَالْمَعْنَى لَا تَتَحَرَّجْ فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ ضَارَعْتَ فِيهِ النَّصْرَانِيَّةَ، فَإِنَّهُ مِنْ دَأْبِ النَّصَارَى وَتَرْهِيبِهِمْ، وَالرَّجُلُ السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ هُوَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَكَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ نَصْرَانِيًّا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ضَارَعْتَ فِيهِ صِفَةَ شَيْءٍ، وَعَبَّرَ عَنِ الْمُضَارِعِ بِالْمَاضِي مُبَالَغَةً فِي تَحَقُّقِ الْمُضَارَعَةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ الْمُوجِبِ أَيْ: لَا يَدْخُلَنَّ فِي قَلْبِكَ ضِيقٌ وَحَرَجٌ ; لِأَنَّكَ عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ فَإِنَّكَ إِذَا شَدَّدْتَ عَلَى نَفْسِكَ بِمِثْلِ هَذَا شَابَهْتَ فِيهِ الرَّهْبَانِيَّةَ فَإِنَّ ذَلِكَ دَأْبُهُمْ وَعَادَتُهُمْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] الْآيَةَ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5692
٤٠٨٨ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْمُجَثَّمَةِ وَهِيَ الَّتِي تُصْبَرُ بِالنَّبْلِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٠٨٨ - (وَعَنْ) أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْمُجَثَّمَةِ» ) : بِتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَضَبَطَهُ الشُّمُنِّيُّ بِكَسْرِهَا. فِي النِّهَايَةِ: هِيَ كُلُّ حَيَوَانٍ يُنْصَبُ وَيُرْمَى لِيُقْتَلَ إِلَّا أَنَّهُ يَكْثُرُ فِي الطَّيْرِ وَالْأَرْنَبِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا يَجْثُمُ بِالْأَرْضِ أَيْ: يَلْزَمُهَا وَيَلْتَصِقُ بِهَا (وَهِيَ الَّتِي تُصْبَرُ) أَيْ: تُحْبَسُ وَيُرْمَى إِلَيْهَا (بِالنَّبْلِ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: بِالسَّهْمِ حَتَّى تَمُوتَ وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ وَالنَّهْيُ لِأَنَّ هَذَا الْقَتْلَ لَيْسَ بِذَبْحٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 5693
٤٠٨٩ - وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَعَنِ الْمُجَثَّمَةِ، وَعَنِ الْخَلِيسَةِ، وَأَنْ تُوطَأَ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ» . قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: سُئِلَ أَبُو عَاصِمٍ عَنِ الْمُجَثَّمَةِ، فَقَالَ: أَنْ يُنْصَبَ الطَّيْرُ، أَوِ الشَّيْءُ فَيُرْمَى وَسُئِلَ عَنِ الْخَلِيسَةِ، فَقَالَ: الذِّئْبُ، أَوِ السَّبُعُ يُدْرِكُهُ الرَّجُلُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ، فَيَمُوتُ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
٤٠٨٩ - (وَعَنِ الْعِرْبَاضِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (ابْنِ سَارِيَةَ) : مَرَّ ذِكْرُهُ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ) أَيْ: عَامَهُ، أَوْ وَقْتَ فَتْحِهِ، أَوْ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ غَزْوَةٍ (عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ) أَيْ: أَكْلِهِ (مِنَ السِّبَاعِ) أَيْ: سِبَاعِ الْبَهَائِمِ كَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَالدُّبِّ وَالْقِرَدَةِ وَالْخِنْزِيرِ (وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ) : بِكَسْرِ مِيمٍ وَفَتْحِ لَامٍ (مِنَ الطَّيْرِ) أَيْ: مِنْ أَكْلِ سِبَاعِهِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَرَادَ بِكُلِّ ذِي نَابٍ مَا يَعْدُو بِنَابِهِ عَلَى النَّاسِ وَأَمْوَالِهِمْ، كَالذِّئْبِ وَالْأَسَدِ وَالْكَلْبِ وَنَحْوِهَا، وَأَرَادَ بِذِي مِخْلَبٍ مَا يَقْطَعُ وَيَشُقُّ بِمِخْلَبِهِ كَالنَّسْرِ وَالصَّقْرِ وَالْبَازِي وَنَحْوِهَا. (وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ) : بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حِمَارٍ (الْأَهْلِيَّةِ) أَيِ: الْإِنْسِيَّةِ ضِدَّ الْوَحْشِيَّةِ (وَعَنِ الْمُجَثَّمَةِ) : سَبَقَ ذِكْرُهَا وَسَيَأْتِي أَيْضًا (وَعَنِ الْخَلِيسَةِ) أَيِ: الْمَأْخُوذَةُ مِنْ فَمِ السِّبَاعِ فَتَمُوتُ قَبْلَ أَنْ تُذَكَّى، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا مَخْلُوسَةً مِنَ السَّبُعِ أَيْ: مَسْلُوبَةٌ مِنْ خَلَسَ الشَّيْءَ إِذَا سَلَبَهُ، وَسَيَأْتِي مَعْنَاهَا فِي الْأَصْلِ (وَأَنْ تُوطَأَ) أَيْ: وَعَنْ أَنْ تُجَامَعَ (الْحَبَالَى) : بِفَتْحِ الْحَاءِ جَمْعُ الْحُبْلَى بِالضَّمِّ (حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ) : يَعْنِي إِذَا حَصَلَتْ لِشَخْصٍ جَارِيَةٌ حُبْلَى لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، وَكَذَا إِذَا تَزَوَّجَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: إِذَا حَصَلَتْ جَارِيَةٌ لِرَجُلٍ فِي السَّبْيِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَامِعَهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا، وَحَتَّى تَحِيضَ وَيَنْقَطِعَ دَمُهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا.
(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) : شَيْخُ التِّرْمِذِيِّ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ (سُئِلَ أَبُو عَاصِمٍ) : يَعْنِي شَيْخَهُ (عَنِ الْمُجَثَّمَةِ) أَيْ: عَنْ تَصْوِيرِهَا (فَقَالَ: أَنْ يُنْصَبَ الطَّيْرُ، أَوِ الشَّيْءُ) أَيْ: مِنْ ذِي الرُّوحِ وَغَيْرِهِ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّكِّ فَالْمُرَادُ بِالطَّيْرِ مَثَلًا (فَيُرْمَى) أَيِ: الْمَنْصُوبُ حَتَّى يَمُوتَ (وَسُئِلَ) أَيْ: أَبُو عَاصِمٍ (عَنِ الْخَلِيسَةِ، فَقَالَ: الذِّئْبُ) : بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ يَاؤُهُ أَيْ: خَلِيسَتُهُ (أَوِ السَّبُعُ) : بِفَتْحٍ فَضَمٍّ وَفِيهِ مَا سَبَقَ (يُدْرِكُهُ) أَيِ: السَّبُعَ (رَجُلٌ فَيَأْخُذُ) أَيِ: الْخَلِيسَةَ (مِنْهُ) أَيْ: مِنَ السَّبُعِ (فَتَمُوتُ) أَيِ: الْخَلِيسَةُ (فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهَا) أَيْ: يَذْبَحُهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ أَيِ: الْخَلِيسَةُ هِيَ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنَ الذِّئْبِ، أَوِ السُّبُعِ فَتَمُوتُ، وَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ أَيْ: فَتُؤْخَذُ الْمُخْتَلَسَةُ مِنْهُ، وَالضَّمِيرُ فِي تَمُوتُ وَيُذَكِّيهَا رَاجِعٌ إِلَيْهَا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
стр. 5694
٤٠٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، ﵃، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ: زَادَ ابْنُ عِيسَى: هِيَ الذَّبِيحَةُ يُقْطَعُ مِنْهَا الْجِلْدُ وَلَا تُفْرَى الْأَوْدَاجُ، ثُمَّ تُتْرَكُ حَتَّى تَمُوتَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٩٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ» ) أَيِ: الذَّبِيحَةُ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ أَوْدَاجُهَا وَلَا يُسْتَقْصَى ذَبْحُهَا، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ شَرْطِ الْحَجَّامِ. وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقْطَعُونَ بَعْضَ حَلْقِهَا وَيَتْرُكُونَهَا حَتَّى تَمُوتَ، وَإِنَّمَا أَضَافَهَا إِلَى الشَّيْطَانِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَحَسَّنَ هَذَا الْفِعْلَ لِيَدِهِمْ وَسَوَّلَهُ لَهُمْ ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنَ الشَّرْطِ الذى هُوَ الْعَلَامَةُ أَيْ: شَارَطَهُمُ الشَّيْطَانُ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ. (زَادَ ابْنُ عِيسَى) أَيْ: أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ هَذَا التَّفْسِيرَ وَهُوَ قَوْلُهُ: (هِيَ) أَيْ: شَرِيطَةُ الشَّيْطَانِ هِيَ (الذَّبِيحَةُ) أَيِ: الْمَذْبُوحَةُ مَآلًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] (يُقْطَعُ مِنْهَا الْجِلْدُ) أَيْ: يُشَقُّ مِنْهَا جِلْدُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ (وَلَا تُفْرَى الْأَوْدَاجُ) : بِالتَّأْنِيثِ وَتُذَكَّرُ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْفَرْيِ وَهُوَ الْقَطْعُ، وَفِي طِلْبَةِ الطَّلَبَةِ الْفَرْيُ: مِنْ حَدِّ ضَرَبَ هُوَ الْقَطْعُ عَلَى وَجْهِ الِاصْطِلَاحِ، وَالْإِفْرَاءُ الْقَطْعُ عَلَى وَجْهِ الْإِفْسَادِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَوْدَاجِ الْعُرُوقُ الْمُحِيطَةُ بِالْعُنُقِ الَّتِي تُقْطَعُ حَالَةَ الذَّبْحِ، وَاحِدُهَا وَدَجٌ مُحَرَّكَةٌ، وَالْمَعْنَى يُشَقُّ مِنْهَا جِلْدُهَا وَلَا يُقْطَعُ أَوْدَاجُهَا حَتَّى يَخْرُجَ مَا فِيهَا مِنَ الدَّمِ وَيُكْتَفَى بِذَلِكَ. (ثُمَّ تُتْرَكُ) أَيِ: الذَّبِيحَةُ (حَتَّى تَمُوتَ) : وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقْطَعُونَ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ حَلْقِ الْبَهِيمَةِ وَيَرَوْنَ ذَلِكَ ذَكَاتَهَا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
стр. 5695
٤٠٩١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٤٠٩١ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» ) : بِالرَّفْعِ فِي الثَّانِي، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالنَّصْبِ، وَحُكِيَ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا. فِي النِّهَايَةِ: التَّذْكِيَةُ الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ، وَيُرْوَى الْحَدِيثُ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، فَمَنْ رَفَعَ جَعَلَهُ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ ذَكَاةُ فَيَكُونُ ذَكَاةُ الْأُمِّ هِيَ ذَكَاةَ الْجَنِينِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَبْحٍ مُسْتَأْنَفٍ، وَمَنْ نَصَبَ كَانَ التَّقْدِيرُ: ذَكَاةُ الْجَنِينِ كَذَكَاةِ أُمِّهِ، فَلَمَّا حُذِفَ الْجَارُّ نُصِبَ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ يُذَكَّى تَذْكِيَةً مِثْلُ ذَكَاةِ أُمِّهِ فَحُذِفَ الْمَصْدَرُ وَصِفَتُهُ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، فَلَا بُدَّ عِنْدَهُ مِنْ ذَبَحِ الْجَنِينِ إِذَا خَرَجَ حَيًّا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي بِنَصْبِ الذَّكَاتَيْنِ اهـ. وَلَعَلَّ نَصْبَهُمَا عَلَى طَرِيقِ الْمُبَادَلَةِ بِأَنْ تَنْصِبَ الْأُولَى وَتَرْفَعَ الثَّانِيَةَ وَتَعْكِسَ، وَيُمْكِنَ أَنْ يَكُونَ نَصْبُهُمَا عَلَى الْإِغْرَاءِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ التَّرْكِيبِ غَيْرَ مُلَائِمٍ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى الْمَحْكُومِ بِهِ وَهُنَا عَكْسٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ أَصْلَ الْكَلَامِ ذَكَاةُ الْأُمِّ بِمَنْزِلَةِ ذَكَاةِ الْجَنِينِ فِي الْحِلِّ أَيْ: مُغْنِيَةٌ عَنْ ذَكَاةِ الْجَنِينِ فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ، كَقَوْلِ الْعَرَبِ: سِلْمِي سِلْمُكَ وَحَرْبِي حَرْبُكَ وَدَمِي دَمُكَ وَهَدْمِي هَدْمُكَ، وَكَقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا يُرِيدُ طِهَارَتَهَا مِنَ النَّجَاسَةِ جَعَلَ يُبْسَهَا مِنَ النَّجَاسَةِ الرَّطْبَةِ فِي التَّطْهِيرِ بِمَنْزِلَةِ تَذْكِيَةِ الشَّاةِ فِي الْإِحْلَالِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ: سِلْمِي سِلْمُكَ مِنْ قَبِيلِ زَيْدٍ الْمَنْطَلِقِ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا صَالِحًا لِأَنْ يَكُونَ مَحْكُومًا بِهِ وَمَحْكُومًا عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: فَلَهُ صَارِفٌ عَقْلِيٌّ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَفَى الْفَائِقِ: الذَّكَاةُ هِيَ التَّذْكِيَةُ، كَمَا أَنَّ الزَّكَاةَ هِيَ التَّزْكِيَةُ أَيْ: ذَكَاةُ الْأُمِّ كَافِيَةٌ فِي حِلِّ الْجَنِينِ. قَالَ الْأَشْرَفُ: وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنِينَ الَّذِي فِي بَطْنِ الْأُمِّ حَالَ ذَكَاةِ الْأُمِّ كَالْعُضْوِ الْمُتَّصِلِ بِالْأُمِّ، فَإِنَّ كُلَّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ يَحِلُّ بِذَكَاتِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَاةٍ كَذَلِكَ الْجَنِينُ الْمُتَّصِلُ بِهِ حَالَةَ الذَّبْحِ إِذَا انْفَصَلَ مَيِّتًا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ ذَبَحَ حَيَوَانًا فَخَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا جَنِينٌ مَيِّتٌ يَكُونُ حَلَالًا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَمَنْ بَعْدَهَمْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ،
стр. 5696
وَشَرَطَ بَعْضُهُمُ الْإِشْعَارَ، فَأَمَّا إِذَا خَرَجَ الْجَنِينُ حَيًّا فَيُذْبَحُ وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَإِنَّمَا يَحِلُّ الْجَنِينُ لَوْ سَكَنَ فِي الْبَطْنِ عَقِيبَ الذَّبْحِ إِذْ لَوْ تَحَرَّكَ زَمَانًا طَوِيلًا، ثُمَّ سَكَنَ حَرُمَ، وَإِنْ خَرَجَ فِي الْحَالِ وَبِهِ حَرَكَةُ الْمَذْبُوحِ حَلَّ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ يُذْبَحُ اتِّفَاقًا لِيَحِلَّ، وَلَوْ خَرَجَ بَعْضُهُ وَذُبِحَتِ الْأُمُّ قَبْلَ انْفِصَالِهِ حَلَّ أَكْلُهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحِلُّ أَكْلُ الْجَنِينِ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا وَيُذْبَحَ. قَالَ الشُّمُنِّيُّ: وَلَا يَحِلُّ جَنِينٌ مَيِّتٌ وُجِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ سَوَاءٌ أَشَعَرَ، أَوْ لَمْ يُشْعِرْ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِذَا تَمَّ خَلْقُهُ حَلَّ لِلْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أُمِّهِ حَقِيقَةً ; لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهَا، وَيَتَغَذَّى بِغِذَائِهَا، وَيَتَنَفَّسُ بِنَفَسِهَا، وَحُكْمًا ; لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْبَيْتِ الْوَارِدِ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ جُرْحُهَا ذَكَاةً لَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ ذَكَاتِهِ كَالصَّيْدِ بِجَامِعِ الْعَجْزِ عَنِ الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجَنِينَ أَصْلٌ فِي حَقِّ الْحَيَاةِ، وَلِهَذَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ فَيَجِبُ إِفْرَادُهُ بِالذَّكَاةِ لِيَخْرُجَ دَمُهُ فَيَطِيبَ لَحْمُهُ، وَلِيُجْعَلَ تَبَعًا لِأُمِّهِ فِيهَا ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَكَاتِهِ وَهُوَ إِخْرَاجُ دَمِهِ لَا يَحْصُلُ بِذَبْحِهَا بِخِلَافِ جَرْحِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ مُخْرِجٌ لِدَمِهِ فَيَقُومُ مَقَامَ ذَبْحِهِ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ كَذَكَاةِ أُمِّهِ، وَالتَّشْبِيهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ رُوِيَ ذَكَاةَ أُمِّهِ بِالنَّصْبِ أَيْ: يُذَكَّى ذَكَاةً مِثْلَ ذَكَاةِ أُمِّهِ اهـ. فَإِطْلَاقُ الْجَنِينِ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ أَوَّلًا. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ) أَيْ: عَنْ جَابِرٍ.
стр. 5697
٤٠٩٢ - وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ.
ــ
٤٠٩٢ - (وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) : وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ ذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ. وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَفْظُهُ: ( «ذَكَاةُ الْجَنِينِ إِذَا أَشْعَرَ ذَكَاةُ أُمِّهِ» ) وَلَكِنَّهُ يُذْبَحُ حَتَّى يَنْصَبَّ مَا فِيهِ مِنَ الدَّمِ.
стр. 5698
٤٠٩٣ - «وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، ﵁، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَنْحَرُ النَّاقَةَ، وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ، فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينَ، أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ؟ قَالَ: " كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ، فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
٤٠٩٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَنْحَرُ) أَيْ: نَحْنُ (النَّاقَةَ، وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ) : فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْإِبِلِ النَّحْرُ وَهُوَ قَطْعُ مَوْضِعِ الْقِلَادَةِ مِنَ الصَّدْرِ وَفِي الْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ الذَّبْحُ وَهُوَ فِي الْحَلْقِ. قَالَ الشُّمُنِّيُّ: نُدِبَ نَحْرُ الْإِبِلِ وَهُوَ قَطْعُ الْعُرُوقِ فِي أَسْفَلِ الْعُنُقِ عِنْدَ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ فِيهَا أَيْسَرُ ; لِأَنَّ الْعُرُوقَ مُجْتَمِعَةٌ لَهَا فِي الْمَنْحَرِ، وَكُرِهَ ذَبْحُهَا ; لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ تَسْيِيلُ الدَّمِ وَالْإِعْجَالُ، وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ عَكْسُهُ فَنُدِبَ ذَبْحُهَا ; لِأَنَّ الذَّبْحَ فِيهَا أَيْسَرُ وَعُرُوقُ الذَّبْحِ فِيهَا مُجْتَمِعَةٌ فِي الْمَذْبَحِ، وَكُرِهَ نَحْرُهَا ; لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ وَحَلَّ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ. (فَنَجِدُ) أَيْ: أَحْيَانًا (فِي بَطْنِهَا) أَيِ: الْمَذْكُورَاتِ (الْجَنِينَ) أَيِ: الْمَيِّتَ، وَيُحْتَمَلُ الْإِطْلَاقُ وَمَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ. (أَنُلْقِيهِ) أَيْ: حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ (أَمْ نَأْكُلُهُ؟) : بِأَنْ نَذْبَحَهُ، أَوْ نَكْتَفِيَ بِذَبْحِ أُمِّهِ؟ (قَالَ: كُلُوهُ) : الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ لِقَوْلِهِ: (إِنْ شِئْتُمْ) : وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَ تَرَدُّدِهِمْ هُوَ أَنَّ الْجَنِينَ هَلْ يَحِلُّ ذَبْحُهُ أَمْ لَا نَظَرًا إِلَى الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ صَغِيرًا؟ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَنِينِ وَأُمِّهِ فِي الذَّكَاةِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ذَاتُ رُوحٍ، وَقَدْ أَحَلَّهُمَا اللَّهُ لَنَا بِالذَّبْحِ، وَإِلَّا فَالْمُتَبَادَرُ مِنْ كَوْنِهِ أَنْ لَا يَحِلَّ أَكْلُهُ لِشُمُولِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] فَلَا وَجْهَ لِسُؤَالِهِمْ حِينَئِذٍ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ حَلَالًا مَا خَيَّرَهُمْ فَإِنَّ فِي عَدَمِ أَكْلِهِ إِضَاعَةَ الْمَالِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ لَمَا حَلَّ ذَبْحُ أُمِّهِ ; لَأَنَّ فِي ذَبْحِهَا إِضَاعَتَهُ أُجِيبَ: بِأَنَّ مَوْتَهُ لَيْسَ بِمُتَيَقَّنٍ، بَلْ يُرْجَى إِدْرَاكُهُ فَيُذْبَحُ فَلَا يَحْرُمُ ذَبْحُ أُمِّهِ. (فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ) : الْكَلَامُ فِيهِ كَمَا سَبَقَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
стр. 5699
٤٠٩٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: " أَنْ يَذْبَحَهَا فَيَأْكُلَهَا، وَلَا يَقْطَعَ رَأْسَهَا فَيَرْمِيَ بِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
٤٠٩٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا) : بِالضَّمِّ وَهُوَ طَائِرٌ صَغِيرٌ مَعْرُوفٌ فِي الْقَامُوسِ: وَهِيَ بِهَاءٍ اهـ. فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَلِذَا أُنِّثَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (فَمَا فَوْقَهَا) أَيْ: فِي الْحَقَارَةِ وَالصِّغَرِ، أَوْ فِي كِبَرِ الْجُثَّةِ وَالْعِظَمِ (بِغَيْرِ حَقِّهَا) : وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِأَكْلِهَا (سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِ) أَيْ: عَاتَبَهُ وَعَذَّبَهُ عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَنَّثَ ضَمِيرُ الْعُصْفُورِ تَارَةً نَظَرًا إِلَى الْجِنْسِ، وَذَكَّرَهُ أُخْرَى بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ. (قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا حَقُّهَا؟) : بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ جَرُّهَا عَلَى الْحِكَايَةِ (قَالَ: أَنْ يَذْبَحَهَا) أَيْ: إِلَّا أَنْ يَقْتُلَهَا بِنَوْعٍ آخَرَ. (فَيَأْكُلَهَا) أَيْ: فَيَنْتَفِعُ بِهَا وَلَا يَرْمِيهَا فَيُضَيِّعُهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ كَرَاهَةُ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ الْأَكْلِ اهـ. وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَلِهَذَا «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا تُؤْكَلُ» كَمَا سَيَأْتِي. قَالَ الطِّيبِيُّ: حَقُّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الِانْتِفَاعِ بِهَا، كَمَا أَنَّ قَطْعَ الرَّأْسِ وَالرَّمْيَ عِبَارَةٌ عَنْ ضَيَاعِ حَقِّهَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْطَعَ رَأْسَهَا فَيَرْمِيَ بِهَا) : كَالتَّأْكِيدِ لِلسَّابِقِ، وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ كُلًّا مِنْ قَطْعِ الرَّأْسِ وَالرَّمْيِ بِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ لَا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ عِبَارَةِ الطِّيبِيِّ ; لِأَنَّ الرَّمْيَ مُتَعَيَّنٌ مَعَ قَطْعِ الرَّأْسِ، وَإِنَّمَا الرَّمْيُ الْمَنْهِيُّ بَعْدَ ذَبْحِهَا. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ كَرَاهَةُ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ عِنْدَ قُدُومِ الْمُلُوكِ وَالرُّؤَسَاءِ، وَأَوَانِ حُدُوثِ نِعْمَةٍ تَتَجَدَّدُ لَهُمْ، وَفِي نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ ذَبْحَهُ وَأَكْلَهُ، أَوْ إِطْعَامَهُ لِلْفُقَرَاءِ لَا وَجْهَ لِكَرَاهَتِهِ، بَلْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَحَرَ جَزُورًا، أَوْ بَقَرَةً» . وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: الضِّيَافَةُ سُنَّةٌ بَعْدَ الْقُدُومِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : وَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: ( «مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقٍّ سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ) رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «مَا مِنْ دَابَّةٍ طَائِرٍ وَلَا غَيْرِهِ يُقْتَلُ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا سَتُخَاصِمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
стр. 5700
٤٠٩٥ - وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁، قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَجُبُّونَ أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ، وَيَقْطَعُونَ أَلْيَاتِ الْغَنَمِ. فَقَالَ: " مَا يُقْطَعُ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ لَا تُؤْكَلُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤٠٩٥ - (وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ أَبُو وَاقِدٍ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ اللَّيْثِيُّ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَجَاوَرَ بِمَكَّةَ سَنَةً وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَدُفِنَ بِفَتْحٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَجُبُّونَ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: يَقْطَعُونَ (أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ) : بِكَسْرِ النُّونِ جَمْعُ سَنَامٍ (وَيَقْطَعُونَ أَلْيَاتِ الْغَنَمِ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِمَا جَمْعُ أَلْيَةٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ طَرَفُ الشَّاةِ (فَقَالَ: مَا يُقْطَعُ) : (مَا) مَوْصُولَةٌ وَمِنْ فِي قَوْلِهِ: (مِنَ الْبَهِيمَةِ) : بَيَانِيَّةٌ (وَهِيَ حَيَّةٌ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَهِيَ) أَيْ: مَا يُقْطَعُ وَأُنِّثَ لِتَأْنِيثِ خَبَرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (مَيْتَةٌ) : وَالْفَاءُ لِتَضَمُّنِ الْمُبْتَدَأِ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَقَوْلُهُ: (لَا تُؤْكَلُ) : صِفَةٌ كَاشِفَةٌ، أَوِ اسْتِئْنَافٌ بَيَانٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ، فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ أَيْ: كَمَيْتَةٍ، وَالْمَعْنَى حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَيْتَةِ فِي أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ، أَوِ الْمَعْنَى فَهِيَ مَيْتَةٌ شَرْعًا، وَإِلَّا فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الشَّيْءِ حَيًّا وَبَعْضُهُ مَيْتًا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: كُلُّ عُضْوٍ قُطِعَ فَذَلِكَ الْعُضْوُ حَرَامٌ ; لِأَنَّهُ مَيِّتٌ بِزَوَالِ الْحَيَاةِ عَنْهُ، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَنُهُوا عَنْهُ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ مَنْشَأُ سُؤَالِ الصَّحَابَةِ عَنِ الْجَنِينِ، فَإِنَّهُ كَالْجُزْءِ الْمُنْفَصِلِ عَنِ الْمَيِّتِ، فَالْقِيَاسُ بِالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمُ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ) : وَلَفْظُ الشُّمُنِّيِّ عَنْهُ مَرْفُوعًا: ( «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَكَذَا لَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَقَالَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي تَمِيمٍ.
стр. 5701
الْفَصْلُ الثَّالِثُ.
٤٠٩٦ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، «عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَرْعَى لِقْحَةً بِشِعْبٍ مِنْ شِعَابِ أُحُدٍ، فَرَأَى بِهَا الْمَوْتَ، فَلَمْ يَجِدْ مَا يَنْحَرُهَا بِهِ، فَأَخَذَ وَتِدًا فَوَجَأَ بِهِ فِي لَبَّتِهَا حَتَّى أَهْرَاقَ دَمَهَا، ثُمَّ أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَمَالِكٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ فَذَكَّاهَا بِشِظَاظٍ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ.
٤٠٩٦ - (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ﵁) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ التَّابِعِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالْمَدِينَةِ، كَانَ كَثِيرَ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً. (عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ) : يَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَجَهَالَتُهُ لَا تَضُرُّ بِالرِّوَايَةِ (أَنَّهُ) أَيِ: الرَّجُلُ (كَانَ يَرْعَى لَقْحَةً) : بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُفْتَحُ وَبِسُكُونِ الْقَافِ أَيْ: نَاقَةٌ قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالنِّتَاجِ (بِشِعْبٍ مِنْ شِعَابِ أُحُدٍ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا، وَأُحُدٌ بِضَمِّهِمَا جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ. وَالشِّعْبُ هُوَ الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ، وَمَسِيلُ الْمَاءِ فِي بَطْنِ أَرْضٍ، وَمَا انْفَرَجَ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ بِالْفَارِسِيَّةِ دره كَذَا فِي الْقَامُوسِ، (فَرَأَى) أَيِ: الرَّجُلُ (بِهَا) أَيْ: بِاللِّقْحَةِ (الْمَوْتَ) أَيْ: أَثَرَهُ (فَلَمْ يَجِدْ مَا يَنْحَرُهَا بِهِ) أَيْ: مِنْ سِكِّينٍ وَنَحْوِهِ (فَأَخَذَ وَتِدًا) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، وَفِي الْقَامُوسِ بِالْفَتْحِ وَالتَّحْرِيكِ كَكَتِفٍ (فَوَجَأَ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْجِيمِ وَالْهَمْزِ أَيْ: ضَرَبَ (بِهِ) أَيْ: بِالْوَتِدِ يَعْنِي بِحَدِّهِ (فِي لَبَّتِهَا) : مِنْ قَبِيلِ:
يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي
أَيْ: فَأَوْقَعَ الضَّرْبَ بِهِ فِي لَبَّتِهَا (حَتَّى أَهْرَاقَ) : بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ أَيْ: أَرَاقَ وَأَسَالَ (دَمَهَا، ثُمَّ أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ: بِمَا جَرَى لَهُ مَعَهَا (فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَمَالِكٌ) : وَلَعَلَّ تَقَدُّمَ أَبِي دَاوُدَ لِكَوْنِ لَفْظِ الْحَدِيثِ لَهُ أَوْ لِيَصِيرَ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: (وَفِي رُوَاتِهِ: قَالَ) أَيِ: الرَّجُلُ بَدَلَ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: فَأَخَذَ وَتِدًا فَوَجَأَ بِهِ فِي لَبَّتِهَا حَتَّى أَهْرَاقَ دَمَهَا (فَذَكَّاهَا) أَيْ: ذَبَحَهَا (بِشِظَاظٍ) : بِكَسْرِ أَوَّلِ الْمُعْجَمَاتِ، وَهُوَ خَشَبَةٌ مُحَدَّدَةُ الطَّرَفِ تُدْخَلُ فِي عُرْوَتَيِ الْجَوْلَقِيِّ لِيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ حَمْلِهِمَا عَلَى الْبَعِيرِ وَالْجَمْعُ أَشِظَّةٌ.
стр. 5702
٤٠٩٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ إِلَّا وَقَدْ ذَكَّاهَا اللَّهُ لِبَنِي آدَمَ» ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
ــ
٤٠٩٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ إِلَّا وَقَدْ ذَكَّاهَا لِبَنِي آدَمَ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ تَعَالَى أَحَلَّهَا لَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَذْكِيَتِهِمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يُبَاحُ مَيْتَاتُ الْبَحْرِ كُلُّهَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا مَاتَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِاصْطِيَادِهِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى إِبَاحَةِ السَّمَكِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: يَحْرُمُ الضُّفْدَعُ لِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِهَا. قَالُوا: وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا يَحِلُّ جَمِيعُهُ لِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالثَّانِي لَا يَحِلُّ، وَالثَّالِثُ يَحِلُّ مَا لَهُ نَظِيرٌ مَأْكُولٌ فِي الْبَرِّ دُونَ مَا لَا يُؤْكَلُ نَظِيرُهُ، فَعَلَى هَذَا يُؤْكَلُ خَيْلُ الْبَحْرِ وَغَنَمُهُ وَظِبَاؤُهُ دُونَ كَلْبِهِ وَخِنْزِيرِهِ وَحِمَارِهِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، أَبَاحَ مَالِكٌ الضُّفْدَعَ وَالْجَمِيعَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحِلُّ غَيْرُ السَّمَكِ، دَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى: صَيْدُهُ مَا اصْطِيدَ وَطَعَامُهُ مَا رَمَى بِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: طَعَامُهُ إِلَّا مَا قَذِرْتَ مِنْهَا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: رَكِبَ الْحَسَنُ عَلَى سَرْجٍ مِنْ جُلُودِ كِلَابِ الْمَاءِ، وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بِالسُّلْحِفَاةِ بَأْسًا. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِالسَّرَطَانِ بَأْسٌ اهـ.
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَا يَحِلُّ حَيَوَانٌ مَائِيٌّ سِوَى السَّمَكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَمَا سِوَى السَّمَكِ خَبِيثٌ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ الْقُرَشِيِّ: ( «أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الضُّفْدَعِ يَجْعَلُهَا فِي الدَّوَاءِ؟ . فَنَهَى عَنْ قَتْلِهَا» ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مَسَانِيدِهِمْ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ الضُّفْدَعِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ (إِمَّا لِحُرْمَتِهِ كَالْآدَمِيِّ وَإِمَّا لِتَحْرِيمِ أَكْلِهِ كَالصُّرَدِ وَالضُّفْدَعِ لَيْسَ بِمُحْتَرَمٍ، فَكَانَ النَّهْيُ مُنْصَرِفًا إِلَى أَكْلِهِ، ثُمَّ جَوَازُ أَكْلِ السَّمَكِ مُقَيَّدٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَطْفُ أَيْ لَمْ يَعْلُ عَلَى الْمَاءِ، لِأَنَّ السَّمَكَ الطَّافِيَ يُكْرَهُ أَكْلُهُ عِنْدَنَا لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ
стр. 5703
جَابِرٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ( «مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ، وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا فَلَا تَأْكُلُوهُ» ) . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفَيْهِمَا كَرَاهَةَ أَكْلِ الطَّافِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَطَاوُسٍ، وَالزُّهْرِيِّ. (رَوَاهُ الْدَارَقُطْنِيُّ) .
стр. 5704
[بَابُ ذِكْرِ الْكَلْبِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ.
٤٠٩٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
[١]- بَابُ ذِكْرِ الْكَلْبِ.
أَيْ هَذَا بَابٌ ذُكِرَ فِي أَحَادِيثِهِ حُكْمُ الْكَلْبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَقْصُودُ مِنْهُ بَيَانُ مَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ مِنَ الْكِلَابِ وَمَا لَا يَجُوزُ، فَهُوَ كَالتَّتِمَّةِ وَالرَّدِيفِ لِلْبَابِ السَّابِقِ. قُلْتُ: أَوْ كَالتَّوْطِئَةِ وَالْمُقَدِّمَةِ لِلْبَابِ اللَّاحِقِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ.
٤٠٩٨ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنِ اقْتَنَى) أَيْ: حَفِظَ وَحَبَسَ وَأَمْسَكَ (كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِلَّا هُنَا. بِمَعْنَى غَيْرٍ صِفَةٌ " لِكَلْبًا " لَا لِلِاسْتِثْنَاءِ لِتَعَذُّرِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تُنَزَّلَ النَّكِرَةُ مَنْزِلَةَ الْمَعْرِفَةِ، فَيَكُونَ اسْتِثْنَاءً لَا صِفَةً كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنِ اقْتَنَى الْكَلْبَ إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ (أَوْ ضَارٍ) : بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ الْمُنَوَّنَةِ مِنْ غَيْرِ يَاءٍ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ عَلَى أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مَاشِيَةٍ أَيْ: وَإِلَّا كَلْبٌ مُعَلَّمٌ لِلصَّيْدِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الضَّارِي مِنَ الْكِلَابِ مَا يَهِيجُ بِالصَّيْدِ، يُقَالُ: ضَرَى الْكَلْبُ بِالصَّيْدِ ضَرَاوَةً أَيْ تَعَوَّدَهُ، وَمِنْ حَقِّ اللَّفْظِ أَوْ ضَارِيًا عَطْفًا عَلَى الْمُسْتَثْنَى، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، فَتَحَقَّقَ مِنْ تِلْكَ الرِّوَايَةِ أَنَّ تَرْكَ التَّنْوِينِ فِيهِ خَطَأٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ: ضَارِي بِالْيَاءِ وَفِي بَعْضِهَا ضَارِيًا بِالْأَلِفِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فَأَمَّا ضَارِيًا فَهُوَ ظَاهِرُ الْإِعْرَابِ، وَأَمَا ضَارٍ وَضَارِي فَهُمَا مَجْرُورَانِ بِالْعَطْفِ عَلَى مَاشِيَةٍ، وَيَكُونُ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ كَمَاءِ الْمَاوَرْدِ، وَمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَثُبُوتُ الْيَاءِ فِي ضَارِي عَلَى اللُّغَةِ الْقَلِيلَةِ فِي إِثْبَاتِهَا فِي الْمَنْقُوصِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَإِضَافَةُ الْكَلْبِ إِلَى ضَارٍ عَلَى قَصْدِ الْإِبْهَامِ وَالتَّخْصِيصِ، فَإِنَّ الْكَلْبَ قَدْ يَكُونُ ضَارِيًا وَقَدْ لَا يَكُونُ ضَارِيًا (نُقِصَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَعْلُومِ وَهُوَ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا اللُّزُومُ أَيِ: انْتَقَصَ (مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ (قِيرَاطَانِ) : فَاعِلٌ أَوْ نَائِبُهُ أَيْ: مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ الْمَاضِي، فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مَحْمُولًا عَلَى التَّهْدِيدِ؛ لِأَنَّ حَبْطَ الْحَسَنَةِ بِالسَّيِّئَةِ لَيْسَ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقِيلَ: أَيْ: مِنْ ثَوَابِ عَمَلِ الْمُسْتَقْبَلِ حِينَ يُوجَدُ، وَهَذَا أَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى إِذَا نَقَصَ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهِ، وَلَا يُكْتَبُ لَهُ كَمَا يُكْتَبُ لِغَيْرِهِ مِنْ كَمَالِ فَضْلِهِ لَا يَكُونُ حَبْطًا لِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اقْتَنَى النَّجَاسَةَ مَعَ وُجُوبِ التَّجَنُّبِ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَحَاجَةٍ، وَجَعَلَهَا وَسِيلَةً لِرَدِّ السَّائِلِ وَالضَّعِيفِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُقْصَانِ الْأَجْرِ بِاقْتِنَاءِ الْكَلْبِ، فَقِيلَ: لِامْتِنَاعِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُولِ بَيْتِهِ، وَقِيلَ: لِمَا يَلْحَقُ الْمَارِّينَ مِنَ الْأَذَى مِنْ تَرْوِيعِ الْكَلْبِ لَهُمْ وَقَصْدِهِ إِيَّاهُمْ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهُمْ لِاتِّخَاذِهِمْ مَا نُهِيَ عَنِ اتِّخَاذِهِ وَعِصْيَانِهِمْ فِي ذَلِكَ. وَقِيلَ: لِمَا يُبْتَلَى بِهِ مِنْ وُلُوغِهِ فِي الْأَوَانِي عِنْدَ غَفْلَةِ صَاحِبِهِ وَلَا يَغْسِلُهُ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
стр. 5705
٤٠٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤٠٩٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا) أَيِ: اقْتَنَاهُ وَحَفِظَهُ (إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ، انْتُقِصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ) : التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِاخْتِلَافِ الْمَوَاضِعِ، فَالْقِيرَاطَانِ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِفَضْلِهِمَا، وَالْقِيرَاطُ فِي غَيْرِهِمَا كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَيَّنَهُ الشَّارِعُ، وَقِيلَ بِاعْتِبَارِ الزَّمَانَيْنِ، فَالْقِيرَاطَانِ لِلتَّغْلِيظِ لِكَثْرَةِ إِلْفَتِهِمْ بِالْكِلَابِ، حَتَّى حُكِيَ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ مَعَهَا، بَلْ يَأْكُلُونَهَا، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ مِثْلُ هَذَا فِي زَمَنِهِ ﷺ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي نَوْعَيْنِ مِنَ الْكِلَابِ. أَحَدُهُمَا أَشَدُّ أَذًى مِنَ الْآخَرِ، أَوْ يَخْتَلِفَانِ بِاخْتِلَافِ الْمَوَاضِعِ، فَيَكُونُ الْقِيرَاطَانِ فِي الْمَدِينَةِ خَاصَّةً لِزِيَادَةِ فَضْلِهَا، وَالْقِيرَاطُ فِي غَيْرِهَا. قُلْتُ: لِكَوْنِهَا مَهْبِطَ الْوَحْيِ حِينَئِذٍ، وَهُوَ يَمْنَعُ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْبَيْتِ فَلَا يُرَدُّ أَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَمَا وَجْهُ الْخُصُوصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوِ الْقِيرَاطَانِ فِي الْمَدَائِنِ وَالْقُرَى، وَالْقِيرَاطُ فِي الْبَوَادِي، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي زَمَانَيْنِ، فَذَكَرَ الْقِيرَاطَ أَوَّلًا ثُمَّ زَادَ لِلتَّغْلِيظِ، فَذِكْرُ الْقِيرَاطَيْنِ وَالْقِيرَاطِ هُنَا مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُرَادُ نَقْصُ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ عَمَلِهِ اهـ. وَهُوَ فِي الْأَصْلِ نِصْفُ دَانِقٍ وَهُوَ سُدُسُ الدِّرْهَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5706
٤١٠٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵄ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: " عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
٤١٠٠ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵄ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) أَيْ: كِلَابِ الْمَدِينَةِ (حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ) : بِكَسْرِ إِنَّ، وَالْمُرَادُ بِالْمَرْأَةِ الْجِنْسُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْأَةَ (تَقْدَمُ) : بِفَتْحِ الدَّالِّ أَيْ: تَجِيءُ (مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ) : بِالنُّونِ أَيْ: نَحْنُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّاءِ أَيْ: هِيَ بِنَفْسِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: حَتَّى هِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْجُمْلَةِ وَهِيَ غَايَةُ الْمَحْذُوفِ أَيْ: أَمَرَنَا بِقَتْلِ الْكِلَابِ فَقَتَلْنَا وَلَمْ نَدَعْ فِي الْمَدِينَةِ كَلْبًا إِلَّا قَتَلْنَاهُ، حَتَّى نَقْتُلَ كَلْبَ الْمَرْأَةِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَكَذَا نُصَّ فِي حَدِيثٍ آخَرَ. (ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا) أَيْ: عَنْ قَتْلِ الْكِلَابِ بِعُمُومِهَا (وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ) أَيْ: بِقَتْلِهِ (الْبَهِيمِ) أَيِ: الَّذِي لَا بَيَاضَ فِيهِ (ذِي النُّقْطَتَيْنِ) أَيِ: الَّذِي فَوْقَ عَيْنَيْهِ نُقْطَتَانِ بَيْضَاوَانِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ) : قَالَ الْقَاضِي أَبُو لَيْلَى، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ فِي الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ: (إِنَّهُ شَيْطَانٌ) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنْ كَلْبٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْإِبِلِ إِنَّهَا جِنٌّ وَهُوَ مَوْلُودَةٌ مِنَ النُّوقِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ لَهُمَا بِالشَّيْطَانِ وَالْجِنِّ، لِأَنَّ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ شَرُّ الْكِلَابِ وَأَقَلُّهَا نَفْعًا، وَالْإِبِلُ شِبْهُ الْجِنِّ فِي صُعُوبَتِهَا وَصَاتِهَا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: قِيلَ فِي تَخْصِيصِ كِلَابِ الْمَدِينَةِ بِالْقَتْلِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ مَهْبِطَ الْمَلَائِكَةِ بِالْوَحْيِ، وَهُمْ لَا يَدْخُلُونَ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَجَعَلَ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ شَيْطَانًا لِخُبْثِهِ، فَإِنَّهُ أَضُرُّ الْكِلَابِ وَأَعْقَرُهَا، وَالْكَلْبُ أَسْرَعُ إِلَيْهِ مِنْهُ إِلَى جَمِيعِهَا، وَهِيَ مَعَ هَذَا أَقَلُّهَا نَفْعًا، وَأَسَوَؤُهَا حِرَاسَةً، وَأَبْعَدُهَا مِنَ الصَّيْدِ، وَأَكْثَرُهَا نُعَاسًا، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُمَا قَالَا: يَحِلُّ صَيْدُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ الْعَقُورِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهَا كُلِّهَا، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ إِلَّا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الشَّرْعُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ جَمِيعِ الْكِلَابِ حَيْثُ لَا ضَرَرَ فِيهَا حَتَّى الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ اهـ. وَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةِ بَيَانٍ وَإِفَادَةِ بُرْهَانٍ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
стр. 5707
٤١٠١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ مَاشِيَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
٤١٠١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) أَيْ: كُلِّهَا أَوْ كِلَابِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ (إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ) : تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ كَمَا فِيمَا قَبْلَهَا أَوْ لِلشَّكِّ هُنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مَا جَزَمَ بِهِ الطِّيبِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: أَوِ الْأُولَى لِلتَّنْوِيعِ وَالثَّانِيَةُ لِلتَّرْدِيدِ وَشَكَّ الرَّاوِي فَفِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
стр. 5708
الْفَصْلُ الثَّانِي.
٤١٠٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ، لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا كُلِّهَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ: " «وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَرْتَبِطُونَ كَلْبًا إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ» .
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي.
٤١٠٢ - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵄) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُمَا صَحَابِيَّانِ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ) أَيْ: جِنْسَهَا (أَمَةٌ) أَيْ: جَمَاعَةٌ (مِنَ الْأُمَمِ) : لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] ، فَخَلْقُ كُلِّ جِنْسٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَا يَخْلُو مِنْ حِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ وَمَصْلَحَةٍ تَرْتَضِيهِ، فَلَوْلَا هَذَا (لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا كُلِّهَا، فَاقْتُلُوا) : جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِذَا لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إِلَى قَتْلِ الْكُلِّ لِهَذَا الْمَعْنَى فَاقْتُلُوا (مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ) : وَابْقُوا مَا
стр. 5709
سِوَاهُ لِتَنْتَفِعُوا بِهِ فِي الْحِرَاسَةِ وَغَيْرِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ ﷺ كَرِهَ إِفْنَاءَ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَإِعْدَامَ جِيلٍ مِنَ الْخَلْقِ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ خَلْقٍ لِلَّهِ تَعَالَى إِلَّا وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْحِكْمَةِ وَضَرْبٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، يَقُولُ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا وَلَا سَبِيلَ إِلَى قَتْلِهِنَّ فَاقْتُلُوا شِرَارَهُنَّ وَهِيَ السُّودُ الْبُهْمُ، وَأَبْقُوا مَا سِوَاهَا لِتَنْتَفِعُوا بِهِنَّ فِي الْحِرَاسَةِ. قَالَ الطَّيبِيُّ قَوْلُهُ: أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] أَيْ: أَمْثَالُكُمْ فِي كَوْنِهَا دَالَّةً عَلَى الصَّانِعِ وَمُسَبِّحَةً لَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] " أَيْ: يُسَبِّحُ بِلِسَانِ الْقَالِ أَوِ الْحَالِ، حَيْثُ يَدُلُّ عَلَى الصَّانِعِ وَعَلَى قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهَا بِالْقَتْلِ وَالْإِفْنَاءِ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ كَقَتْلِ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ، أَوْ جَلْبِ مَنْفَعَةٍ كَذَبْحِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَأْكُولَةِ جَازَ ذَلِكَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) أَيْ: مُقْتَصِرِينَ عَلَى ذَلِكَ (وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ: وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَرْتَبِطُونَ كَلْبًا) أَيْ: يَحْبِسُونَهُ وَلَا يَطْرُدُونَهُ (إِلَّا نُقِصَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَعْلُومِ أَيِ: انْتَقَصَ (مِنْ عَمَلِهِمْ) أَيْ: مِنْ أُجُورِ أَعْمَالِهِمْ (كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ) أَيْ: يُصَادُ بِهِ (أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ) أَيْ: زَرْعٍ مِنْ حَبٍّ وَغَيْرِهِ يُحْرَسُ بِهِ (أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ) أَيْ: يَطْرُدُ الذِّئْبَ عَنْهَا، وَفِي مَعْنَاهَا سَائِرُ الْمَوَاشِي.
стр. 5710
٤١٠٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
٤١٠٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ» ) أَيْ: عَنِ الْإِغْرَاءِ بَيْنَهَا بِأَنْ يَنْطِحَ بَعْضُهَا بَعْضًا أَوْ يَدُوسَ أَوْ يَقْتُلَ. فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْإِغْرَاءُ وَتَمْيِيجُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ كَمَا يُفْعَلُ بَيْنَ الْجِمَالِ وَالْكِبَاشِ وَالدُّيُوكِ وَغَيْرِهَا، يَعْنِي كَالْفِيلِ وَالْبَقَرِ وَكَمَا بَيْنَ الْبَقَرِ وَالْأَسَدِ، وَإِذَا كَانَ الْإِغْرَاءُ بَيْنَ الْبَهَائِمِ مَنْهِيًّا، فَبِالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مَنْهِيًّا وَهُوَ كَثِيرٌ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
следующие страницы →