← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 8176

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

الملا على القاري

Полный текст (8 767 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

٤١٨٠ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: " «أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ فَذَهَبْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءُ وَقَدِيدٌ (قَالَ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) : فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ يَوْمِئِذٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤١٨٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ ﷺ لِطَعَامٍ» ) : أَيْ إِلَى طَعَامٍ أَوْ لِأَجْلِ طَعَامٍ (صَنَعَهُ، فَذَهَبْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ) : أَيْ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ إِمَّا بِطَلَبٍ مَخْصُوصٍ أَوْ بِالتَّبَعِيَّةِ لَهُ ﷺ لِكَوْنِهِ خَادِمًا لَهُ عَمَلًا بِالرِّضَا الْعُرْفِيِّ (فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًا) : بِفَتْحَتَيْنِ (فِيهِ دُبَّاءُ) : بِضَمِّ الدَّالِّ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ، وَقَدْ يُقْصَرُ: الْقَرْعُ وَالْوَاحِدَةُ دُبَّاءَةٌ، (وَقَدِيدٌ) : أَيْ لَحْمٌ مَمْلُوحٌ مُجَفَّفٌ فِي الشَّمْسِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَالْقَدُّ الْقَطْعُ طُولًا. وَفِي السُّنَنِ عَنْ رَجُلٍ: " «دَخَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ وَنَحْنُ مُسَافِرُونَ فَقَالَ: " أَمَالِحٌ لَحْمُهَا "، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ» ". (قَالَ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ» ) : أَيْ يَتَطَلَّبُهُ (مِنْ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْيَاءِ، وَإِنَّمَا كَسْرُهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، يُقَالُ: رَأَيْتُ النَّاسَ حَوْلَهُ وَحَوْلَيْهِ وَحَوَالَيْهِ، وَاللَّامُ مَفْتُوحَةٌ فِي الْجَمِيعِ، وَلَا يَجُوزُ كَسْرُهَا عَلَى مَا فِي الصِّحَاحِ، وَتَقُولُ حَوَالَيِ الدَّارِ. قِيلَ: كَأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ حَوَالَيْنِ كَقَوْلِكَ جَامَيْنِ، فَسَقَطَتِ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا» ". قَالَ الطِّيبِيُّ: كُلُّهُ. بِمَعْنًى وَهُوَ ظَرْفٌ اهـ، وَهُوَ مُفْرَدُ اللَّفْظِ جَمْعُ الْمَعْنَى أَيْ جَوَانِبِ الْقَصْعَةِ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَهِيَ مَا يُشْبِعُ عَشَرَةَ أَنْفُسٍ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ: حَوَالَيِ الصَّحْفَةِ "، وَهِيَ مَا يُشْبِعُ خَمْسَةَ أَنْفُسٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ إِمَّا بِالنِّسْبَةِ لِجَانِبِهِ ﷺ دُونَ جَانِبِ الْبَقِيَّةِ أَوْ مُطْلَقًا، وَلَا يُعَارِضُهُ نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لِلتَّقَذُّرِ وَالْإِيذَاءِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي حَقِّهِ ﷺ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَوَدُّونَ ذَلِكَ مِنْهُ لِتَبَرُّكِهِمْ بِآثَارِهِ، حَتَّى نَحْوَ بُصَاقِهِ وَمُخَاطِهِ يُدَلِّكُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، وَقَدْ شَرِبَ بَعْضُهُمْ بَوْلَهُ وَبَعْضُهُمْ دَمَهُ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّعَامَ إِذَا كَانَ مُخْتَلِفًا يَجُوزُ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى مَا لَا يَلِيهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْ صَاحِبِهِ كَرَاهِيَتَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: " «فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ إِلَيْهِ وَلَا أَطْعَمُهُ وَأَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ» "، (فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ) : أَيْ مَحَبَّةً شَرْعِيَّةً لَا طَبْعِيَّةً شَهْوِيَّةً، أَوِ الْمُرَادُ أُحِبُّهَا مَحَبَّةً زَائِدَةً (بَعْدَ) : بِفَتْحِ دَالِهَا وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا، وَقَوْلُهُ: (يَوْمَئِذٍ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا عَلَى الْأَوَّلِ وَبِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الثَّانِي، وَفِي الشَّمَائِلِ " مِنْ يَوْمِئِذٍ " بِكَسْرِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ مُعْرَبٌ مَجْرُورٌ بِمِنْ أَوْ بِفَتْحِهَا عَلَى اكْتِسَابِ الْبِنَاءِ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ " بَعْدَ " مُضَافًا إِلَى مَا بَعْدَهُ، كَمَا جَاءَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا عَنِ الْإِضَافَةِ، وَقَوْلُهُ: (يَوْمِئِذٍ) بَيَانٌ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفِ فَيَجُوزُ الْوَجْهَانِ حِينَئِذٍ كَمَا قُرِئَ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦] وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ أَكْلِ الشَّرِيفِ طَعَامَ مَنْ دُونَهُ مِنْ مُحْتَرِفٍ وَغَيْرِهِ، وَإِجَابَتُهُ دَعْوَتَهُ، وَمُؤَاكَلَةُ الْخَادِمِ، وَبَيَانُ مَا كَانَ ﷺ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَاللُّطْفِ بِأَصْحَابِهِ، وَأَنَّهُ يُسَنُّ مَحَبَّةُ الدُّبَّاءِ، وَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يُحِبُّهُ، وَأَنَّ كَسْبَ الْخَيَّاطِ لَيْسَ بِدَنِيءٍ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.

стр. 5812

٤١٨١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِي يَحْتَزُّ بِهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤١٨١ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ) : بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الضَّمْرِيُّ بِفَتْحِ الضَّادِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ أَسْلَمَ حِينَ انْصَرَفَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أُحُدٍ، وَكَانَ مِنْ رِجَالِ الْعَرَبِ، وَأَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمُ بِئْرِ مَعُونَةَ، فَأَسَرَهُ عَامِرُ بْنُ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ بَعْدَ أَنْ جَزَّ نَاصِيَتَهُ، بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ -

стр. 5813

" فِي سَنَةِ سِتٍّ إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، فَقَدِمَ عَلَى النَّجَاشِيِّ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ النَّجَاشِيُّ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ. رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ وَابْنُ أَخِيهِ الزِّبْرِقَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مَاتَ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتِّينَ. (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَحْتَزُّ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا، وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي بَابِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ أَيْ يَقْتَطِعُ (مِنْ كَتِفِ شَاةٍ) : وَالْكَتِفُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ التَّاءِ، وَفِي الْقَامُوسِ: كَفَرِحٍ وَمِثْلٍ وَحَبْلٍ (فِي يَدِهِ فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا) : أَيِ الْكَتِفَ (وَالسِّكِّينَ الَّتِي يَحْتَزُّ بِهَا) : فِي الْقَامُوسِ: السِّكِّينُ مَعْرُوفٌ كَالسِّكِّينَةِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) : ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ وُضُوءًا شَرْعِيًّا وَلَا عُرْفِيًّا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5814

٤١٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤١٨٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ» ) : بِالْمَدِّ وَيَجُوزُ قَصْرُهُ، فَفِي الْمُغْرِبِ الْحَلْوَاءُ الَّتِي تُؤْكَلُ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَالْجَمْعُ الْحَلَاوَى نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَنُقِلَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ مَقْصُورٌ يُكْتَبُ بِالْيَاءِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّهُ مَمْدُودٌ وَيُكْتَبُ بِالْأَلِفِ، وَقِيلَ: الْحَلْوَاءُ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ حَلَاوَةٌ، فَقَوْلُهُ: (وَالْعَسَلَ) تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الْمَجِيعُ وَهُوَ تَمْرٌ يُعْجَنُ بِاللَّبَنِ، وَقِيلَ: مَا صُنِعَ وَعُولِجَ مِنَ الطَّعَامِ بِحُلْوٍ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْفَاكِهَةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ مِنْ جُمْلَةِ الطَّيِّبَاتِ وَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِهِ الْمُسْتَلَذَّاتُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَدَخَلَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّ مَا شَابَهَ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَآكِلِ اللَّذِيذَةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَلَمْ يَكُنْ حُبُّهُ ﷺ لَهُمَا عَلَى مَعْنَى كَثْرَةِ التَّشَهِّي وَشِدَّةِ نَزْعِ النَّفْسِ لِأَجْلِهِمَا، وَإِنَّمَا كَانَ يَنَالُ مِنْهُمَا إِذَا حَضَرَا نَيْلًا صَالِحًا فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِيَاضِهِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ خَبَصَ فِي الْإِسْلَامِ عُثْمَانُ، قَدِمَتْ عَلَيْهِ عِيرٌ تَحْمِلُ دَقِيقًا وَعَسَلًا فَخَلَطَهُمَا. «وَصَحَّ أَنَّ عِيرًا قَدِمَتْ فِيهَا جَمَلٌ لَهُ عَلَيْهِ دَقِيقٌ حُوَّارَى وَعَسَلٌ وَسَمْنٌ، فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَا فِيهَا بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ دَعَا بِبُرْمَةٍ فَنُصِبَتْ عَلَى النَّارِ، وَجَعَلَ فِيهَا مِنَ الْعَسَلِ وَالدَّقِيقِ وَالسَّمْنِ، ثُمَّ عَصَدَ حَتَّى نَضِجَ، ثُمَّ أُنْزِلَ فَقَالَ ﷺ : " كُلُوا، هَذَا شَيْءٌ تُسَمِّيهِ فَارِسُ الْخَبِيصَ» ". (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ: رَوَاهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ.

стр. 5815

٤١٨٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَهُ الْأُدْمَ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ وَيَقُولُ: نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ، نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ ــ ٤١٨٣ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَهُ) : أَيْ أَهْلَ بَيْتِهِ وَخَدَمَهُ مِنْ أَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ وَغَيْرِهِنَّ، الْمَعْنَى طَلَبَ مِنْهُمُ (الْأُدُمَ) : بِضَمَّتَيْنِ وَسُكُونِ الثَّانِي مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ جَمْعُ الْإِدَامِ كَكِتَابٍ وَكُتُبٍ. وَفِي الْفَائِقِ: الْأُدُمُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُؤْتَدَمُ وَيُصْطَبَغُ، وَحَقِيقَتُهُ مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ الطَّعَامُ أَيْ يُصْلَحُ، وَهَذَا الْوَزْنُ يَجِيءُ لِمَا يُفْعَلُ بِهِ كَالرِّكَابِ لِمَا يُرْكَبُ بِهِ، وَالْحِزَامِ لِمَا يُحَزَّمُ بِهِ (فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا) أَيْ مِنَ الْإِدَامِ (إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ) : أَيْ طَلَبَهُ (فَجَعَلَ) : أَيْ شَرَعَ (يَأْكُلُ) : أَيِ الْخُبْزَ (بِهِ) : أَيْ بِالْخَلِّ ( «وَيَقُولُ: نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ، نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» ) : كَرَّرَهُ مُبَالَغَةً فِي مَدْحِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ مَدْحُ الِاقْتِصَادِ فِي الْمَأْكَلِ وَمَنْعُ النَّفْسِ عَنْ مَلَاذِّ الْأَطْعِمَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي مَعْنَاهُ مَا يَخِفُّ مُؤْنَتُهُ وَلَا يَعِزُّ وُجُودُهُ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْتَدِمَ فَأْتَدَمَ بِخَلٍّ يَحْنَثُ اهـ. وَهُوَ كَذَلِكَ لِقَضَاءِ الْعُرْفِ أَيْضًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَفِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» "، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُمِّ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي الْخَلِّ» "، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «فَإِنَّهُ كَانَ إِدَامَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي» "، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «لَمْ يَفْتَقِرْ بَيْتٌ فِيهِ خَلٌّ» "، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَدِيثُ: ( «نِعْمَ الْإِدَمُ الْخَلُّ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ عَنْ جَابِرٍ، وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂.

стр. 5816

٤١٨٤ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " «مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مُوسَى ﵇» - ". ــ ٤١٨٤ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) : أَيِ الْعَدَوِيِّ " أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ " ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الْكَمْأَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ، نَبْتٌ بِالْبَرِّيَّةِ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ لَهُ أَصْلٌ يُؤْكَلُ. وَقَالَ شَارِحٌ: هِيَ شَيْءٌ أَبْيَضُ مِثْلُ الشَّحْمِ يَنْبُتُ مِنَ الْأَرْضِ يُقَالُ لَهَا: سَمَارُوعٌ (مِنَ الْمَنِّ) : أَيْ مِمَّا مَنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الْمَنِّ النِّعْمَةَ، وَقِيلَ: هُوَ التَّرَنْجَبِينُ، وَقِيلَ: شَيْءٌ، يُشْبِهُهُ، الْمَعْنَى أَنَّهَا مِمَّا يُشَابِهُهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَحْصُلُ بِغَيْرِ تَعَبٍ أَوْ فِي الطَّبْعِ وَالنَّفْعِ (وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ) : قِيلَ: مَخْلُوطًا بِالْأَدْوِيَةِ، وَقِيلَ: مُنْفَرِدًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَسَيَجِيءُ بِحْثُهُ فِي الْحَدِيثِ الرَّابِعِ مِنَ الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ كِتَابِ الطِّبِّ وَالرُّقَى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ عَائِشَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: " «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَالْمَنُّ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» ". (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تُعَالَى عَلَى - مُوسَى ﵇» -) .

стр. 5817

٤١٨٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵄ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤١٨٥ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ) : أَيِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: ( «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ» ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ مَمْدُودًا. وَفِي الْمِصْبَاحِ: هُوَ فِعَّالٌ وَكَسْرُ الْقَافِ أَكْثَرُ مِنْ ضَمِّهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ،: فِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ وَلَفْظُهُ: " «يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ» "، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَوِ الْمُقَدَّمُ أَصْلٌ فِي الْمَأْكُولِ كَالْخُبْزِ وَالْمُؤَخَّرُ كَالْإِدَامِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قَالَ: " «رَأَيْتُ فِي يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ قِثَّاءً، وَفِي شِمَالِهِ رُطَبًا، وَهُوَ يَأْكُلُ مِنْ ذَا مَرَّةً وَمِنْ ذَا مَرَّةً» " اهـ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى تَبْدِيلِ مَا فِي يَدِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْأَكْلُ بِالشِّمَالِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ أَكْلِ الطَّعَامَيْنِ مَعًا وَالتَّوَسُّعُ فِي الْأَطْعِمَةِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهِ وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ خِلَافِ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ اعْتِيَادِ هَذَا التَّوَسُّعِ وَالتَّرْفِيهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ بِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ.: قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ مُرَاعَاةِ صِفَاتِ الْأَطْعِمَةِ وَطَبَائِعِهَا، وَاسْتِعْمَالِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَلْيَقِ بِهَا عَلَى قَاعِدَةِ الطِّبِّ؛ لِأَنَّ فِي الرُّطَبِ حَرَارَةً، وَفِي الْقِثَّاءِ بُرُودَةً، فَإِذَا أُكِلَا مَعًا اعْتَدَلَا، وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الْمُرَكَّبَاتِ مِنَ الْأَدْوِيَةِ. وَمِنْ فَوَائِدِ أَكْلِ هَذَا الْمُرَكَّبِ الْمُعْتَدِلِ تَعْدِيلُ الْمَزَاجِ، وَتَسْمِينُ الْبَدَنِ، كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ صَحَّ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: " «أَرَادَتْ أُمِّي أَنْ تُهَيِّئَنِي لِلسِّمَنِ لِتُدْخِلَنِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَمَا اسْتَقَامَ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى أَكَلْتُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ فَسَمِنْتُ كَأَحْسَنِ السِّمَنِ» " اهـ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ وَيَقُولُ: " يُكْسَرُ حَرُّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا وَبَرْدُ هَذَا بِحَرِّ هَذَا» ". وَفِي الْقَامُوسِ: الْبِطِّيخُ كَسِكِّينٍ. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ الطِّبِّ لَهُ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَأْخُذُ الرُّطَبَ بِيَمِينِهِ وَالْبِطِّيخَ بِشِمَالِهِ، فَكَانَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْبِطِّيخِ، وَكَانَ أَحَبَّ الْفَاكِهَةِ إِلَيْهِ» . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الْخِرْبِزِ وَالرُّطَبِ» وَهُوَ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ آخِرُهَا زَايٌ، وَهُوَ الْبِطِّيخُ بِالْفَارِسِيَّةِ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ. وَقِيلَ: هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْبِطِّيخِ وَهُوَ الْأَصْفَرُ، وَقِيلَ: هُوَ الْأَخْضَرُ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ لِأَنَّ الْأَصْفَرَ فِيهِ حَرَارَةٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِلرُّطَبِ بُرُودَةٌ ; وَإِنْ كَانَ فِيهِ لِحَلَاوَتِهِ طَرَفُ حَرَارَةٍ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى نَوْعٍ مِنْهُ لَمْ يَتِمَّ نُضْجُهُ، فَإِنَّ فِيهِ بُرُودَةً يَعْدِلُهَا الرُّطَبُ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ، وَيَقُولُ: " يَدْفَعُ حَرُّ هَذَا بَرْدَ هَذَا وَبَرْدُ هَذَا حَرَّ هَذَا» ". وَفِي الْبِطِّيخِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَخْضَرُ، وَهُوَ بَارِدٌ رَطْبٌ فِيهِ حَلَاوَةٌ، وَهُوَ أَسْرَعُ انْحِدَارًا مِنَ الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ.

стр. 5818

٤١٨٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ نَجْنِي الْكَبَاثَ، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ، لِأَنَّهُ أَطْيَبُ "، فَقِيلَ: أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟ ، قَالَ: نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَاهَا؟» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤١٨٦ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، ثُمَّ بِفَتْحِ الظَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ اسْمُ مَوْضِعٍ قُرْبَ مَكَّةَ، (نَجْنِي الْكَبَاثَ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَمُوَحَّدَةٍ مُخَفَّفَةٍ، ثُمَّ أَلِفٍ، ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ، النَّضِيجُ مِنْ تَمْرِ الْأَرَاكِ (فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ) : أَيِ اقْصُدُوا مَا كَانَ أَسْوَدَ مِنْهُ (فَإِنَّهُ أَطْيَبُ) : أَيْ أَكْثَرُ لَذَّةً وَأَزْيَدُ مَنْفَعَةً (فَقِيلَ: أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟) : أَيْ حَتَّى تَعْرِفَ الْأَطْيَبَ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الرَّاعِيَ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِهِ فِي الصَّحْرَاءِ تَحْتَ الْأَشْجَارِ يَكُونُ أَعْرَفَ مِنْ غَيْرِهِ. (قَالَ: نَعَمْ، وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَاهَا؟) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَضَعِ النُّبُوَّةَ فِي أَبْنَاءِ الدُّنْيَا وَمُلُوكِهَا، وَلَكِنْ فِي رِعَاءِ الشَّاءِ، وَأَهْلِ التَّوَاضُعِ مِنْ أَصْحَابِ الْحِرَفِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ أَيُّوبَ كَانَ خَيَّاطًا، وَزَكَرِيَّا كَانَ نَجَّارًا، وَقَدْ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَكَوْنِهِ أَجِيرًا لِشُعَيْبٍ فِي رَعْيِ الْغَنَمِ مَا قَصَّ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ أَنَّهُمْ غُذُّوا بِالْحَلَالِ وَعَمِلُوا بِالصَّالِحِ مِنَ الْأَعْمَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] ثُمَّ فِي رَعْيِ الْغَنَمِ زِيَادَةً عَلَى الْكَسْبِ الطَّيِّبِ التَّفَرُّدُ وَالْعُزْلَةُ عَنِ النَّاسِ، وَالْخَلْوَةُ، وَالْجَلْوَةُ مَعَ الرَّبِّ وَالِاسْتِئْنَاسُ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالُوا: وَالْحِكْمَةُ فِي رَعْيِ الْأَنْبِيَاءِ لِلْغَنَمِ أَنْ يَأْخُذُوا أَنْفُسَهُمْ بِالتَّوَاضُعِ. بِمُؤَانَسَةِ الضُّعَفَاءِ، وَتَصْفَى قُلُوبُهُمْ بِالْخَلْوَةِ، وَيَتَرَقَّوْا مِنْ سِيَاسَتِهَا بِالنَّصِيحَةِ إِلَى سِيَاسَةِ أُمَمِهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالشَّفَقَةِ. وَرَوَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي التَّجَبُّرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى مُوسَى ﵇ فَقَالَ لَهُ. أَتَدْرِي لِمَ رَزَقْتُكَ النُّبُوَّةَ؟ ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، فَقَالَ: تَذْكُرُ الْيَوْمَ الَّذِي كُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ بِالْمَوْضِعِ الْفُلَانِيِّ، فَهَرَبَتْ شَاةٌ فَغَدَوْتَ خَلْفَهَا، فَلَمَّا لَحِقْتَهَا لَمْ تَضُرَّهَا، وَقُلْتَ: أَتْعَبْتِنِي وَأَتْعَبْتِ نَفْسَكِ، فَحِينَ رَأَيْتُ مِنْكَ تِلْكَ الشَّفَقَةَ عَلَى ذَلِكَ الْحَيَوَانِ رَزَقْتُكَ النُّبُوَّةَ اهـ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ حَمَلَهَا عَلَى كَتِفِهِ وَرَدَّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا، «فَالرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» ، «وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ» . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5819

٤١٨٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُقْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا» . وَفِي رِوَايَةٍ: «يَأْكُلُ مِنْهُ أَكْلًا ذَرِيعًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤١٨٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُقْعِيًا» ) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْإِقْعَاءِ (يَأْكُلُ تَمْرًا) : حَالٌ أَوْ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَمُقْعِيًا حَالٌ أَيْ: جَالِسًا عَلَى وَرِكَيْهِ رَافِعًا رُكْبَتَهُ وَهِيَ الْجِلْسَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا فِي الصَّلَاةِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا، وَقِيلَ: الْإِقْعَاءُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ، هُوَ أَنْ يَجْلِسَ وَاضِعًا إِلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ كِلَيْهِمَا مَكْرُوهٌ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ هُنَا لِأَنَّ ثَمَّ فِيهِ تَشْبِيهٌ بِالْكِلَابِ، وَهُنَا تَشْبِيهٌ بِالْأَرِقَّاءِ، فَفِيهِ غَايَةُ التَّوَاضُعِ أَوْ مَبْنَى الصَّلَاةِ عَلَى التَّأَنِّي فَلَا يُنَاسِبُهُ الْإِقْعَاءُ، بِخِلَافِ حَالِ الْأَكْلِ، فَإِنَّهُ يُلَائِمُهُ الْعَجَلَةُ لِيَفْرُغَ لِلْعِبَادِةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَالِسًا عَلَى إِلْيَتَيْهِ نَاصِبًا سَاقَيْهِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: " «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» " عَلَى مَا فَسَّرَهُ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ يَعْنِي: لَا آكُلُ أَكْلَ مَنْ يُرِيدُ الِاسْتِكْثَارَ مِنَ الطَّعَامِ، وَيَقْعُدُ لَهُ مُتَمَكِّنًا، بَلْ أَقْعُدُ مُسْتَوْفِزًا وَآكُلُ قَلِيلًا، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ: " «آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ» ". (وَفِي رِوَايَةٍ) : أَيْ: لِمُسْلِمٍ (يَأْكُلُ مِنْهُ) : أَيْ مِنَ التَّمْرِ (أَكْلًا ذَرِيعًا) : أَيْ مُسْتَعْجِلًا سَرِيعًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَكَانَ اسْتِعْجَالُهُ لِاسْتِيفَازِهِ لِأَمْرٍ أَهَمَّ مِنْ ذَلِكَ، فَأَسْرَعَ فِي الْأَكْلِ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ وَيَرُدَّ الْجَوْعَةَ، ثُمَّ يَذْهَبَ فِي ذَلِكَ الشُّغْلِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَفِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرٍ فَرَأَيْتُهُ يَأْكُلُ وَهُوَ مُقْعٍ مِنَ الْجُوعِ» أَيْ: لِأَجْلِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ إِقْعَاءَهُ وَإِسْرَاعَهُ كَانَ لِأَجْلِ جُوعِهِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: " وَهُوَ مُحْتَفِزٌ ". قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْإِقْعَاءُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ يُلْصِقَ الرَّجُلُ إِلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ،: وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ، وَيَتَسَانَدَ ظَهْرَهُ، وَقَالَ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِقْعَاءِ الْمَنْهِيِّ لِلصَّلَاةِ هُوَ أَنْ يَضَعَ إِلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ

стр. 5820

السَّجْدَتَيْنِ. قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ: وَمِنَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ مُقْعِيًا أَيْ: يَجْلِسُ عِنْدَ الْأَكْلِ عَلَى وَرِكَيْهِ مُسْتَوْفِزًا غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، وَتَبِعَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَفِي الْقَامُوسِ: أَقْعَى فِي جُلُوسِهِ أَيْ: تَسَانَدَ إِلَى مَا وَرَاءَهُ، وَحِينَئِذٍ فَيُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهِ وَنَقْلِ الْجَوْهَرِيِّ عَنِ اللُّغَوِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ هَيْئَةِ الِاحْتِبَاءِ وَالتَّسَانُدِ إِلَى الْوَرَاءِ، فَمَعْنَى " وَهُوَ مُقْعٍ مِنَ الْجُوعِ " مُحْتَبِيًا مُسْتَنِدًا لِمَا وَرَاءَهُ مِنَ الضَّعْفِ الْحَاصِلِ لَهُ بِسَبَبِ الْجُوعِ، وَبِمَا تَحَرَّرَ تَقَرَّرَ أَنَّ الِاسْتِنَادَ لَيْسَ مِنْ مَنْدُوبَاتِ الْأَكْلِ، بَلْ مِنْ ضَرُورَاتِهِ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهُ إِلَّا لِذَلِكَ الضَّعْفِ الْحَاصِلِ لَهُ الْحَامِلِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 5821

٤١٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤١٨٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْرُنَ» ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا، فَفِي الْمِصْبَاحِ: قَرَنَ مِنْ بَابِ نَصَرَ، وَفِي لُغَةٍ مِنْ بَابِ ضَرَبَ. وَفِي الْقَامُوسِ: قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ قَرْنًا جَمَعَ كَأَقْرَنَ فِي لُغَةٍ، وَالْقِرَانُ كَكِتَابٍ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ فِي الْأَكْلِ أَيْ: يَجْمَعَ (الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ) : أَيْ: بِأَنْ يَأْكُلَهُمَا دُفْعَةً (حَتَّى يَسْتَأْذِنَ) : أَيِ الرَّجُلُ (أَصْحَابَهُ) : أَيْ رُفَقَاءَهُ أَوْ أَصْحَابَ الطَّعَامِ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: هَذَا إِذَا أَضَافَهُمْ أَحَدٌ، فَإِنْ خَلَطُوا طَعَامَهُمْ وَأَكَلُوا مَعًا يَجُوزُ أَمْ لَا؟ قَالَ الْأَئِمَّةُ: يَجُوزُ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لُقْمَةً مِنْ لُقْمَةِ صَاحِبِهِ، فَإِنِ اتَّفَقَ أَكْلُ أَحَدِهِمْ أَكْثَرَ بِلَا قَصْدٍ جَازَ اهـ. وَقِيلَ: هَذَا إِذَا كَانَ زَمَانُ قَحْطٍ، أَوْ كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا وَالْآكِلُونَ كَثِيرًا، فَإِنَّهُ إِذْ ذَاكَ يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: فِي الْحَدِيثِ نَهْيٌ عَنِ الْقِرَانِ، وَسَبَبُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ضِيقٍ مِنَ الْعَيْشِ ثُمَّ نُسِخَ لَمَّا حَصَلَتِ التَّوْسِعَةُ لِخَبَرِ: " «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ وَإِنَّ اللَّهَ وَسَّعَ عَلَيْكُمْ فَقَارِنُوا» " أَيْ: إِنْ شِئْتُمْ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُنَاهَدَةِ، وَهِيَ أَنْ يُخْرِجُوا نَفَقَاتِهِمْ عَلَى قَدْرِ عَدَدِ الرُّفْقَةِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَرَوْا بِهَا بَأْسًا وَإِنْ تَفَاوَتُوا فِي الْأَكْلِ عَادَةً إِذَا لَمْ يَقْصِدْ مُغَالَبَةَ صَاحِبِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا جَاءَ النَّهْيُ عَنِ الْقِرَانِ لِعِلَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَهِيَ مَا كَانَ الْقَوْمُ فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْعَيْشِ وَضِيقِ الطَّعَامِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ مَعَ اتِّسَاعِ الْحَالِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِذْنِ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ، بَلِ الصَّوَابُ التَّفْصِيلُ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ لَوْ ثَبَتَ، فَكَيْفَ وَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّعَامَ إِذَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ، فَالْإِقْرَانُ حَرَامٌ إِلَّا بِرِضَاهُمْ إِمَّا تَصْرِيحًا مِنْهُمْ أَوْ ظَنًّا قَوِيًّا مِنْهُ، وَإِنْ شُكَّ فِيهِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لِنَفْسِهِ وَقَدْ ضَيَّفَهُمْ بِهِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقِرَانُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ فِي الطَّعَامِ قِلَّةٌ فَلَا يَحْسُنُ الْقِرَانُ، بَلْ يُسَاوِيهِمْ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، بِحَيْثُ يَفْضُلُ عَنْهُمْ فَلَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنَّ الْأَدَبَ مُطْلَقًا التَّأْدِيبُ فِي الْأَكْلِ وَتَرْكُ الشَّرَهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْجِلًا كَمَا سَبَقَ، وَفِيهِ أَنَّ الْخَطَّابِيَّ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِالْمُؤْمِنِينَ وَعَلَى الِاتِّسَاعِ الْأَغْلَبِيِّ، فَمَا خَرَجَ عَنْ حَيِّزِ الصَّوَابِ إِلَى صَوْبِ الْخَطَأِ، مَعَ أَنَّ الْخَطَّابِيَّ ثَبْتٌ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ، وَيُؤَيِّدُهُ نَقْلُ السُّيُوطِيِّ مَعَ تَصْرِيحِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، فَتَأَمَّلْ وَأَنْصِفْ إِنْ كُنْتَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ التَّقْلِيدِ وَتُرِيدُ طَرِيقَ التَّحْقِيقِ وَالتَّأْيِيدِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «نَهَى عَنِ الْإِقْرَانِ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْهُ، نَهَى أَنْ يُلْقِيَ النَّوَاةَ عَلَى الطَّبَقِ الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْهُ الرُّطَبُ وَالتَّمْرُ. رَوَاهُ الشِّيرَازِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ -.

стр. 5822

٤١٨٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: " «يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ، جِيَاعٌ أَهْلُهُ " قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤١٨٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: «يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ، جِيَاعٌ» ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ جَمْعُ جَائِعٍ (أَهْلُهُ) : قِيلَ: أَرَادَ بِهِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَمَنْ كَانَ قُوتُهُمُ التَّمْرَ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ تَعْظِيمُ شَأْنِ التَّمْرِ (قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) : قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ فَضِيلَةُ التَّمْرِ وَجَوَازُ الِادِّخَارِ لِلْأَهْلِ وَالْحَثُّ عَلَيْهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحَثِّ عَلَى الْقَنَاعَةِ فِي بَلَدٍ يَكْثُرُ فِيهِ التَّمْرُ، يَعْنِي بَيْتًا فِيهِ تَمْرٌ وَقَنِعُوا بِهِ لَا يَجُوعُ أَهْلُهُ، وَإِنَّمَا الْجَائِعُ مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ تَمْرٌ، وَيَنْصُرُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي: كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ ". (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَى الْفَصْلَ الْأَوَّلَ مِنَ الْحَدِيثِ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَالْفَصْلُ الثَّانِي مِنْهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

стр. 5823

٤١٩٠ - وَعَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤١٩٠ - (وَعَنْ سَعْدٍ) : أَيِ: ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَحَدِ الْعَشَرَةِ (﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ تَصَبَّحَ) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ (بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: يَأْكُلُهَا فِي الصَّبَاحِ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ شَيْئًا، وَقَوْلُهُ: (عَجْوَةٍ) : بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ لِتَمَرَاتٍ، وَهُوَ نَوْعٌ جَيِّدٌ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ، لَوْنُهُ أَسْوَدُ كَذَا فِي رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَجْوَةً نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ. (لَمْ يَضُرَّهُ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّهَا، وَأَمَّا كَسْرُهَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ مَعَ الضَّمِيرِ (ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَيَجُوزُ تَثْلِيثُهَا (وَلَا سِحْرٌ) : فِي النِّهَايَةِ: الْعَجْوَةُ نَوْعٌ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ أَكْبَرُ مِنَ الصَّبْحَانِيِّ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ مِنْ غَرْسِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ الْمُظْهِرُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ التَّمْرِ مَا يَدْفَعُ السَّمَّ وَالسِّحْرَ، وَأَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ دَعَا لِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ التَّمْرِ بِالْبَرَكَةِ وَبِمَا كُوِّنَ فِيهِ مِنَ الشِّفَاءِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ فَضِيلَةُ تَمْرِ الْمَدِينَةِ وَعَجْوَتِهَا، وَفَضِيلَةُ التَّصَبُّحِ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْهُ، وَتَخْصِيصُ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ، وَعَدَدِ التَّسْبِيعِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي عَلِمَهَا الشَّارِعُ لَا نَعْلَمُ نَحْنُ حِكْمَتَهَا، فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا وَاعْتِقَادُ فَضْلِهَا وَالْحِكْمَةِ فِيهَا، وَهَذَا كَأَعْدَادِ الصَّلَاةِ وَنُصُبِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.

стр. 5824

٤١٩١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً، وَإِنَّهَا تِرْيَاقٌ أَوَّلَ الْبُكْرَةِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤١٩١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ) : اسْمُ مَوْضِعٍ بِالْمَدِينَةِ (شِفَاءً) : أَيْ شِفَاءً زَائِدًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَجْوَةِ غَيْرِهَا، أَوْ تَقْيِيدٌ لِلْإِطْلَاقِ السَّابِقِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: الْعَالِيَةُ مَا كَانَ مِنَ الْحَوَائِطِ وَالْقُرَى وَالْعُمْرَانِ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ الْعَلْيَاءِ مِمَّا يَلِي نَجْدًا، وَالسَّافِلَةُ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى مِمَّا يَلِي تِهَامَةَ، وَأَدْنَى الْعَالِيَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، وَأَبْعَدُهَا ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْمَدِينَةِ (وَإِنَّهَا) : أَيْ: عَجْوَةُ الْعَالِيَةِ (تِرْيَاقٌ) : بِكَسْرِ التَّاءِ وَيُضَمُّ مَعْجُونٌ مَعْرُوفٌ يَنْفَعُ لِأَنْوَاعِ السَّمِّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِكَسْرِ التَّاءِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ، وَيُقَالُ دِرْيَاقٌ أَيْضًا وَقَوْلُهُ: (أَوَّلَ الْبُكْرَةِ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ ظَرْفٌ أَيْ: أَكْلُهَا فِي أَوَّلِ الصُّبْحِ يُفِيدُ كَالتِّرْيَاقِ: وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّهَا نَافِعَةٌ لِلسَّمِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنعام: ٣] أَيْ: مَعْبُودٌ فِيهَا، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْأُولَى إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤] أَوْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ خَاصٍّ عَلَى الْعَامِّ اخْتِصَاصًا وَمَزِيَّةً، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ «وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا تُصِيبُهُ أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا» ". (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 5825

٤١٩٢ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنْ يُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤١٩٢ - (وَعَنْهَا) : أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا (قَالَتْ: كَانَ يَأْتِي) : أَيْ يَمُرُّ وَيَمْضِي (عَلَيْنَا) : أَيْ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ (الشَّهْرُ) : أَيْ شَهْرٌ مِنَ الْأَشْهُرِ (مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا) : أَيْ لَا نَخْبِزُ وَلَا نَطْبُخُ فِيهِ شَيْئًا (إِنَّمَا هُوَ) : أَيِ الْمَأْكُولُ وَالْمُتَنَاوَلُ (التَّمْرُ وَالْمَاءُ) : وَفِي عَطْفِ الْمَاءِ مُبَالَغَةٌ لَا تَخْفَى (إِلَّا أَنْ نُؤْتَى) : أَيْ نَحْنُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْيَاءِ أَيِ: الْمَأْكُولُ (بِاللُّحَيْمِ) : تَصْغِيرُ اللَّحْمِ، مُشْعِرٌ بِأَنَّ مَا يُؤْتَى إِلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا، وَقِيلَ الْمَعْنَى لَا نُوقِدُ النَّارَ لِلطَّبْخِ، وَنَكْتَفِي بِالتَّمْرِ بَدَلَ الطَّعَامِ إِلَى أَنْ يُرْسَلَ إِلَيْنَا قِطْعَةُ لَحْمٍ، فَالتَّصْغِيرُ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ لِلْمَحَبَّةِ النَّاشِئَةِ مِنَ الِاشْتِهَاءِ لِكَوْنِهِ سَيِّدَ الْإِدَامِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ لَا نَطْبُخُ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُؤْتَى بِاللَّحْمِ، فَحِينَئِذٍ نُوقِدُ النَّارَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: ظَاهِرٌ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا لِأَنَّ (أَنْ يُؤْتَى) مَصْدَرٌ وَالْوَقْتُ مُقَدَّرٌ، فَيَكُونُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَجْرُورَ فِي (فِيهِ) الْعَائِدَ إِلَى الشَّهْرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِمَّا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهَا: (إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ) ، وَالْمَعْنَى مَا الْمَأْكُولُ إِلَّا تَمْرٌ وَمَاءٌ، إِلَّا أَنْ يُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَأْكُولُ لَحْمًا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5826

٤١٩٣ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ إِلَّا وَأَحَدُهُمَا تَمْرٌ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . ــ ٤١٩٣ - (وَعَنْهَا) : أَيْ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا (قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ) : أَيْ أَهْلُ بَيْتِهِ (يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ) : أَيْ: حِنْطَةٍ (إِلَّا وَأَحَدُهُمَا) : أَيْ أَحَدُ الْيَوْمَيْنِ (تَمْرٌ) : أَيْ وَالْآخَرُ خُبْزٌ فَلَمْ يَتَوَالَ الْخُبْزُ وَلَا الشِّبَعُ مِنْهُ فِي يَوْمَيْنِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُسْتَثْنَى مِنْ أَعَمِّ عَامِّ الْأَحْوَالِ أَوِ الْأَوْصَافِ عَلَى مَذْهَبِ الْكَشَّافِ: يَعْنِي اسْتَقْرَيْتُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ يَوْمَيْنِ يَوْمَيْنِ، فَلَمْ أَجِدْ يَوْمَيْنِ مَوْصُوفَيْنِ بِصِفَةٍ مِنَ الْأَوْصَافِ إِلَّا بِأَنَّ أَحَدَ الْيَوْمَيْنِ يَوْمُ تَمْرٍ وَالْآخَرُ يَوْمُ خُبْزٍ، وَقَدْ عُرِفَ عُرْفًا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِبَعٍ، فَلَا يَكُونُ ثَمَّةَ شِبَعٌ، وَيَنْصُرُهُ قَوْلُهَا: مَا شَبِعْنَا مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ ". قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ وَقَعَ الشِّبَعُ فِي أَحَدِ الْيَوْمَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا فِي الشَّمَائِلِ مِنْ قَوْلِهَا: " «مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ ﷺ » - وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهَا: " مَا شَبِعْنَا مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ " مَعَ إِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى الدَّوَامِ أَوِ التَّتَابُعِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

стр. 5827

٤١٩٤ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا شَبِعْنَا مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ــ ٤١٩٤ - (وَعَنْهَا) : أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (قَالَتْ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا شَبِعْنَا» ) : أَيْ: حَيَاتَهُ تَنَزُّهًا عَنِ الدُّنْيَا، وَتَقَوًى عَنِ الْهَوَى وَإِيثَارًا لِلْفَقْرِ لَا مِنَ الْعَوَزِ وَالْحَاجَةِ إِلَى الْأَغْنِيَاءِ (مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ) : أَيِ: التَّمْرِ وَالْمَاءِ، فَفِيهِ تَغْلِيبٌ كَالْقَمَرَيْنِ وَالْعُمَرَيْنِ تَغْلِيبًا لِلْمَأْكُولِ عَلَى الْمَشْرُوبِ، فَإِنَّهُ الْأَصْلُ الْمَطْلُوبُ، كَمَا غُلِّبَ الشِّبَعُ عَلَى الرِّيِّ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، وَالسَّوَادُ لِلتَّمْرِ دُونَ الْمَاءِ، فَنُعِتَا بِنَعْتٍ وَاحِدٍ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الشَّيْئَيْنِ يَصْطَحِبَانِ وَيُسَمَّيَانِ مَعًا لِاسْمِ الْأَشْهَرِ مِنْهُمَا، هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الْغَرِيبِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ يُغَلِّبُونَ الْمُذَكَّرَ تَارَةً كَالْقَمَرَيْنِ وَالْأَخَفَّ أُخْرَى كَالْعُمَرَيْنِ، وَأَيَّهُمَا أَحْرَى كَالْوَالِدَيْنِ، وَهُوَ يَعُمُّ الْعَلَمَ وَالْوَصْفَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِمْ بَقِيَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُثْبِتُوا وَجْهَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتَّمْرِ فِي الْعَوَزِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي سِعَةٍ مِنَ الْمَاءِ، إِنَّمَا قَالَتْ ذَلِكَ لِأَنَّ الرِّيَّ مِنَ الْمَاءِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ دُونِ الشِّبَعِ مِنَ الطَّعَامِ - فَإِنَّ أَكْثَرَ الْأُمَمِ لَا سِيَّمَا الْعَرَبُ يَرَوْنَ شُرْبَ الْمَاءِ عَلَى الرِّيقِ بَالِغًا فِي الْمَضَرَّةِ فَقَرَنَتْ بَيْنَهُمَا لِعَوَزِ التَّمَتُّعِ بِأَحَدِهَا بِدُونِ الْإِصَابَةِ مِنَ الْآخَرِ، وَعَبَّرَتْ عَنِ الْأَمْرَيْنِ - أَعْنِي الشِّبَعَ وَالرِّيَّ لِفِعْلٍ وَاحِدٍ، كَمَا عَبَّرَتْ عَنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

стр. 5828

٤١٩٥ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: «أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بَطْنَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ ٤١٩٥ - (وَعَنِ النُّعْمَانِ ﵁) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (ابْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أَلَسْتُمْ) : الْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ بَعْدَهُ ﷺ أَوْ لِلتَّابِعِينَ (فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟) : قَالَ الطِّيبِيُّ: صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: أَلَسْتُمْ مُنْغَمِسِينَ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مِقْدَارَ مَا شِئْتُمْ مِنَ التَّوْسِعَةِ وَالْإِفْرَاطِ. فِيهِ، فَمَا مَوْصُولَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ " مَا " اسْتِفْهَامِيَّةً بَدَلًا مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ، أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ شِئْتُمْ مِنْهُمَا؟ ، وَالْكَلَامُ فِيهِ تَعْيِيرٌ وَتَوْبِيخٌ، وَلِذَلِكَ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: (لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ ) : وَأَضَافَهُ لِإِلْزَامٍ حِينَ لَمْ يَقْتَدُوا بِهِ ﵇ فِي الْإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيَا وَمُسْتَلَذَّاتِهَا وَفِي التَّقَلُّلِ لِمُشْتَهَيَاتِهَا مِنْ مَأْكُولَاتِهَا وَمَشْرُوبَاتِهَا، وَأَمَّا قَتْلُ خَالِدٍ ﵁ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ لَمَّا قَالَ لَهُ: كَانَ صَاحِبُكُمْ يَقُولُ كَذَا، فَقَالَ خَالِدٌ: هُوَ صَاحِبُنَا وَلَيْسَ بِصَاحِبِكُمْ فَقَتَلَهُ، فَهُوَ لَمْ يَكُنْ لِمُجَرَّدِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، بَلْ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُ الرِّدَّةُ، وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ. بِمَا أَبَاحَ لَهُ بِهِ الْإِقْدَامَ عَلَى قَتْلِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى النَّظَرِ فَقَوْلُهُ: (وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ) : حَالٌ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، فَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَأَدْخَلَ الْوَاوَ تَشْبِيهًا لَهُ بِخَبَرِ كَانَ وَأَخَوَاتِهَا عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ وَالْكُوفِيِّينَ، كَذَا حَقَّقَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ، وَالدَّقَلُ: بِفُتْحَتَيْنِ التَّمْرُ الرَّدِيءُ وَيَابِسُهُ، وَمَا لَيْسَ لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ فَتَرَاهُ لِيُبْسِهِ وَرَدَاءَتِهِ لَا يَجْتَمِعُ، وَيَكُونُ مَنْثُورًا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (مَا يَمْلَأُ بَطْنَهُ) : مَفْعُولُ " يَجِدُ، وَمَا: مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ، وَمِنَ الدَّقَلِ بَيَانٌ لِمَا قُدِّمَ عَلَيْهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.

стр. 5829

٤١٩٦ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ أَكَلَ مِنْهُ وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَيَّ، وَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيَّ يَوْمًا بِقَصْعَةٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا لِأَنَّ فِيهِ ثُومًا، فَسَأَلْتُهُ: أَحْرَامٌ هُوَ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ "، قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ» . رَوَاهُ، مُسْلِمٌ. ــ ٤١٩٦ - (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ) : أَيِ الْأَنْصَارِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﵁ (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ) : أَيْ أُحْضِرَ طَعَامٌ لَهُ (أَكَلَ مِنْهُ، وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَيَّ) : وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ فِي أَيَّامِ نُزُولِهِ ﷺ بَعْدَ الْهِجْرَةِ عِنْدَهُ، وَقِيلَ: كَانَ هُوَ مِنْ أَفْقَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (وَإِنَّهُ) : أَيِ الشَّأْنُ أَوِ النَّبِيُّ ﷺ (بَعَثَ إِلَيَّ) : وَفِي نُسْخَةٍ (إِلَيْهِ) وَهُوَ ضَعِيفٌ رِوَايَةً وَدِرَايَةً (يَوْمًا بِقَصْعَةٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي سَائِرِهَا لَفْظَةُ " قَصْعَةٌ " وَ " مِنْهَا " سَاقِطَتَانِ (لِأَنَّ فِيهَا) : أَيْ فِي طَعَامِ الْقَصْعَةِ (ثُومًا، فَسَأَلَهُ: أَحْرَامٌ هُوَ؟) : أَيِ الثُّومُ أَوِ الطَّعَامُ الَّذِي هُوَ فِيهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: السُّؤَالُ رَاجِعٌ إِلَيْهِ ﷺ لِأَنَّهُ إِنَّمَا بَعَثَهُ إِلَيْهِ لِيَأْكُلَهُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ حَرَامًا؟ وَلِذَلِكَ (قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ) : وَهَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ لِلطَّعَامِ، بَلْ بَيَانٌ لِلْمَانِعِ مِنَ الْحُضُورِ مِنَ الْمَسْجِدِ وَمُخَاطَبَةِ الْكِبَارِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ تَصْرِيحٌ بِإِبَاحَةِ الثُّومِ، لَكِنْ يَكُونُ لِمَنْ أَرَادَ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ وَيُلْحَقُ بِهِ كُلُّ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتْرُكُ الثُّومَ دَائِمًا» ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّعُ مَجِيءَ الْوَحْيِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ فِي حَقِّهِ ﷺ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هِيَ مُحَرَّمَةٌ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: أَحْرَامٌ هُوَ؟ ، وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ يَقُولُ: مَعْنَاهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ فِي حَقِّكُمْ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْآكِلِ وَالشَّارِبِ أَنْ يُفَضِّلَ مِمَّا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، أَيْ: وَيَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ جِيرَانِهِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ (قَالَ) : أَيْ: أَبُو أَيُّوبَ (فَإِنِّي) : وَفِي نُسْخَةٍ (إِنِّي) ، (أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْمُتَابَعَةِ، أَوْ أَرَادَ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

стр. 5830

٤١٩٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: ﷺ قَالَ «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا. أَوْ لِيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ» ". «وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَقَالَ: " قَرِّبُوهَا إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ - وَقَالَ: " كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ــ ٤١٩٧ - (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا) : أَيْ: غَيْرَ مَطْبُوخَيْنِ، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ، وَفِي مَعْنَاهَا كُلُّ مَا فِيهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَالْفِجْلِ وَالْكُرَّاثِ. (فَلْيَعْتَزِلْنَا) : أَيْ: لِيَبْعُدْ عَنَّا وَلَا يَحْضُرْ مَجَالِسَنَا، قَالَ: (أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا) : فَإِنَّهُ مَعَ أَنَّهُ مَجْمَعُ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مَهْبِطُ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: النَّهْيُ عَنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ رِوَايَةُ: فَلَا يَقْرَبْنَ مَسَاجِدَنَا "، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْعُمُومِ (أَوْ لِيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ) : قِيلَ: " أَوْ " لِلشَّكِّ وَقِيلَ لِلتَّنْوِيعِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِالْوَاوِ فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ لِلتَّوْكِيدِ، (وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ) : بِكَسْرِ إِنَّ عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ حَالٌ وَبِفَتْحِهَا عَطْفًا عَلَى " أَنْ " الْأُولَى وَهُوَ الْأَوْلَى (أُتِيَ) : أَيْ: جِيءَ (بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ) : وَهُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ جَمْعُ خَضِرَةٍ أَيْ: بِقَوْلٌ خَضِرَاتٌ، وَيُرْوَى بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ جَمْعُ خُضْرَةٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَوْلُهُ: " بِقَدْرٍ " كَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ بِالْقَافِ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الصَّوَابَ فِيهِ " أُتِيَ بِبَدْرٍ " بِالْبَاءِ أَيْ: بِطَبَقٍ وَهُوَ طَبَقٌ يُتَّخَذُ مِنَ الْخُوصِ وَهُوَ وَرَقُ النَّخْلِ، وَلَعَلَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِدَارَتِهِ اسْتِدَارَةَ الْبَدْرِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: " أُتِيَ بِقِدْرٍ " هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ بِبَدْرٍ بِبَاءَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَفَسَّرَ الرُّوَاةُ وَأَهْلُ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ الْبَدْرَ بِالطَّبَقِ انْتَهَى. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ نُسَخَ الْبُخَارِيِّ مُخْتَلِفَةٌ، وَقَدْ رَجَّحَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ رِوَايَةَ الْبَدْرِ بِالْبَاءِ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ بِأَنَّ رِوَايَةَ الْقِدْرِ تُشْعِرُ بِالطَّبْخِ، وَقَدْ وَرَدَ الْإِذْنُ بِأَكْلِ الْبُقُولِ الْمَطْبُوخَةِ. وَذَكَرَ الْعَسْقَلَانِيُّ أَنَّ رِوَايَةَ الْقِدْرِ بِالْقَافِ أَصَحُّ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ امْتِنَاعِهِ مِنْ أَكْلِ الثُّومِ مَطْبُوخًا وَإِذْنِهِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: " «فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي» ". قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَطْبُوخًا وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ فِي الْقِدْرِ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَسْتَوِي فِيهِ الطَّعَامُ فَضْلًا عَنْ أَمْثَالِ الثُّومِ، وَرُبَّمَا رُمِيَ فِي آخِرِ الطَّبْخِ فَبَقِيَ الرِّيحُ فَائِحًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَقَالَ) : أَيْ لِبَعْضِ خُدَّامِهِ (قَرِّبُوهُمَا) : أَيِ: الْخَضِرَاتِ مَغْرُوفَةً (إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ) : أَبْهَمَهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِاسْمِهِ (وَقَالَ) : أَيْ لَهُ مُلْتَفِتًا إِلَيْهِ (كُلْ) : وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ لَفْظَ الرَّسُولِ ﷺ : (قَرِّبُوهَا إِلَى فُلَانٍ) بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ:

стр. 5831

" كُلْ " فَأَتَى الرَّاوِي مَعْنَى مَا تَلَفَّظَ بِهِ ﵇ لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَذَكَّرِ التَّصْرِيحَ بِاسْمِهِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ ( «فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي» ) : أَيْ: مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوْ أَرَادَ بِهِ جِبْرِيلَ، وَالْمَعْنَى أَنَا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، وَأَنْتَ لَا تَتَكَلَّمُ مَعَهُ، فَيَجُوزُ لَكَ مَا لَا يَجُوزُ لِي، فَلَا تَقِسِ الْمُلُوكَ بِالْحَدَّادِينَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.

стр. 5832

٤١٩٨ - وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «كَيِّلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ــ ٤١٩٨ - (وَعَنِ الْمِقْدَامِ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁) : سَبَقَ ذِكْرُهُ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «كَيَّلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ» ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ بِزِيَادَةِ " فِيهِ ". قَالَ الْمُظْهِرُ: الْغَرَضُ مِنْ كَيْلِ الطَّعَامِ مَعْرِفَةُ مِقْدَارِ مَا يَسْتَقْرِضُ الرَّجُلُ وَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكِلْ لَكَانَ مَا يَبِيعُهُ وَيَشْتَرِيهِ مَجْهُولًا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكِلْ مَا يُنْفِقُ عَلَى عِيَالِهِ رُبَّمَا يَكُونُ نَاقِصًا عَنْ قَدْرِ كِفَايَتِهِمْ، فَيَكُونُ النُّقْصَانُ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ، وَقَدْ يَكُونُ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهِمْ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَا يَدَّخِرُ لِتَمَامِ السَّنَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْكَيْلِ لِيَكُونُوا عَلَى عِلْمٍ وَيَقِينٍ فِيمَا يَعْمَلُونَ، فَمَنْ رَاعَى سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجِدْ بَرَكَةً عَظِيمَةً فِي الدُّنْيَا وَأَجْرًا عَظِيمًا فِي الْآخِرَةِ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا لِيَ شَيْءٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَطْرَ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ، وَكُنْتُ آكُلُ مِنْهُ مُدَّةً، فَكِلْتُهُ فَذَهَبَتْ بَرَكَتُهُ؟ ، قُلْتُ: الْكَيْلُ عِنْدَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَأْمُورٌ بِهِ لِإِقَامَةِ الْقِسْطِ وَالْعَدْلِ، وَفِيهِ الْبَرَكَةُ وَالْخَيْرُ، وَعِنْدَ الْإِنْفَاقِ إِحْصَاؤُهُ وَضَبْطُهُ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، قَالَ ﷺ : " «أَنْفِقْ بِلَالًا وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا» ". (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَرَوَاهُ ابْنُ النَّجَّارِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَلَفْظُهُ: " «كِيلُوا طَعَامَكُمْ، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ فِي الطَّعَامِ الْمَكِيلِ» ".

стр. 5833

٤١٩٩ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبُّنَا» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ــ ٤١٩٩ - (وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا رَفَعَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا رُفِعَتْ " (مَائِدَتَهُ) : أَيْ: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ ; لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْمَائِدَةَ بِأَنَّهَا خِوَانٌ عَلَيْهِ طَعَامٌ، وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِرِوَايَةِ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْكُلْ عَلَى خِوَانٍ» كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكِتَابِ، فَقِيلَ فِي الْجَوَابِ: بِأَنَّهُ أَكَلَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَبِأَنَّ أَنَسًا مَا رَأَى وَرَآهُ غَيْرُهُ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. وَيُقَالُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْخِوَانِ مَا يَكُونُ بِخُصُوصِهِ، وَالْمَائِدَةُ تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ؛ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ مَادَ يَمِيدُ إِذَا تَحَرَّكَ أَوْ أَطْعَمَ، وَلَا يَخْتَصُّ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَقَدْ تُطْلَقُ الْمَائِدَةُ وَيُرَادُ بِمَا نَفْسُ الطَّعَامِ أَوْ بَقِيَّتُهُ أَوْ آثَارُهُ، فَيَكُونُ مُرَادُ أَبِي أُمَامَةَ إِذَا رُفِعَ مِنْ عِنْدِهِ ﷺ مَا وُضِعَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ أَوْ بَقِيَّتُهُ. (قَالَ) : وَفِي رِوَايَةٍ " يَقُولُ: أَيْ رَافِعًا صَوْتَهُ، فَإِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْحَمْدِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْأَكْلِ إِذَا لَمْ يَفْرَغْ جُلَسَاؤُهُ كَيْلَا يَكُونَ مَنْعًا لَهُمْ. (الْحَمْدُ لِلَّهِ) : أَيِ الثَّنَاءِ بِالْجَمِيلِ عَلَى ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْإِنْعَامُ بِالْإِطْعَامِ (حَمْدًا) : مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِلْحَمْدِ إِمَّا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ تَضْمِينِهِ مَعْنَى الْفِعْلِ أَوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ (كَثِيرًا) : أَيْ لَا نَاهِيَةَ لِحَمْدِهِ كَمَا لَا غَايَةَ لِنِعَمِهِ، (طَيِّبًا) : أَيْ خَالِصًا مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، (مُبَارَكًا) : هُوَ وَمَا قَبْلُهُ صِفَاتٌ لِـ " حَمْدًا "، وَقَوْلُهُ: (فِيهِ) : ضَمِيرُهُ رَاجِعٌ إِلَى الْحَمْدِ أَيْ: حَمْدًا ذَا بَرَكَةٍ دَائِمًا لَا يَنْقَطِعُ؟ لِأَنَّ نِعَمَهُ لَا تَنْقَطِعُ عَنَّا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَمْدُنَا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ أَيْضًا. وَلَوْ نِيَّةً وَاعْتِقَادًا، (غَيْرَ مَكْفِيٍّ) : بِنَصْبِ " غَيْرَ " فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ مِنَ الْحَمْدِ وَهُوَ أَقْرَبُ، وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِهِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ هُوَ، وَالْمَرْجِعُ هُوَ هُوَ، وَمَكْفِيٌّ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْكِفَايَةِ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْحَمْدِ أَيْ: لَا يَكْتَفِي بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْحَمْدِ، فَإِنَّ كُلَّ حَمْدٍ يَحْمَدُ بِهِ الْحَامِدُونَ فَهُمْ فِيهِ مُقَصِّرُونَ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَى أَحَدٍ فَيَكْفِي، لَكِنَّهُ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ، وَيَكْفِي وَلَا يُكْفَى، وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ

стр. 5834

كِفَاتِ الْإِنَاءِ أَيْ: غَيْرُ مَرْدُودٍ عَلَيْهِ إِنْعَامُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلطَّعَامِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَكْفِيٍّ مِنْ عِنْدِنَا، بَلْ هُوَ الْكَافِي وَالرَّازِقُ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ الْجَوَالِقِيِّ أَنَّ الصَّوَابَ غَيْرُ مُكَافَأٍ بِالْهَمْزِ أَيْ نِعْمَةُ اللَّهِ لَا تُكَافَأُ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَثَبَتَ هَذَا اللَّفْظُ هَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بِالْيَاءِ، وَلِكُلٍّ مَعْنًى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَلَا مُوَدَّعٍ) : بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: غَيْرُ مَتْرُوكِ الطَّلَبِ وَالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُ فَيُعْرَضُ عَنْهُ، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِكَسْرِ الدَّالِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْقَائِلِ أَيْ: غَيْرُ تَارِكٍ الْحَمْدَ، أَوْ تَارِكُ الطَّلَبِ وَالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مَعَ بُعْدِهِ لَا يُلَائِمُهُ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ) : إِذِ الرِّوَايَةُ فِيهِ لَيْسَتْ إِلَّا عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الرَّسْمِ، وَمَعْنَاهُ غَيْرُ مَطْرُوحٍ وَلَا مُعْرَضٍ عَنْهُ، بَلْ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ فَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ بِدَلِيلِ " لَا " لَا عَطْفُ تَفْسِيرٍ كَمَا قِيلَ وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّهُ، بَلْ فِيهِ فَائِدَةٌ تُسْتَمَدُّ مِنْ سَابِقِهِ نَصًّا وَهِيَ أَنَّهُ لَا اسْتِغْنَاءَ لِأَحَدٍ عَنِ الْحَمْدِ لِوُجُوبِهِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ إِذْ لَا يَخْلُو أَحَدٌ مِنْ نِعْمَةٍ، بَلْ نِعَمُهُ لَا تُحْصَى، وَهُوَ فِي مُقَابَلَةِ النِّعَمِ وَاجِبٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، لَكِنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِوُجُوبِهِ أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ لَفْظًا يَأْثَمُ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ أَتَى بِهِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ فِي مُقَابَلَةِ النِّعَمِ أُثِيبَ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ، وَمَنْ أَتَى بِهِ لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ أُثِيبَ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ، أَمَّا شُكْرُ الْمُنْعِمِ بِمَعْنَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ زَوَاجِرِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ شَرْعًا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ إِجْمَاعًا. وَقَوْلُهُ: (رَبُّنَا) : رُوِيَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ، فَالرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ هُوَ رَبُّنَا أَوْ أَنْتَ رَبُّنَا اسْمَعْ حَمْدَنَا وَدُعَاءَنَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ " غَيْرُ " بِالرَّفْعِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ فِي شَرْحِ شَمَائِلِهِ حَيْثُ قَالَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: رَبُّنَا هَذَا، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مُنَادًى حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ، أَوْ عَلَى الْمَدْحِ أَوِ الِاخْتِصَاصِ أَوْ إِضْمَارِ أَعْنِي، وَالْجَرُّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ شَمَائِلِهِ: وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي " عَنْهُ " وَاضِحُ الْفَسَادِ، إِذْ ضَمِيرُ عَنْهُ لِلْحَمْدِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ ذَوْقٌ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ " عَنْهُ " لِلَّهِ تَعَالَى، بَلْ هُوَ الْأَظْهَرُ، فَلَا فَسَادَ فِيهِ حِينَئِذٍ أَصْلًا. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - بِلَفْظِ: " «كَانَ إِذَا رُفِعَتْ مَائِدَتُهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا، فِيهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَوَانَا غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مَكْفُورٍ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبُّنَا» ".

стр. 5835

٤٢٠٠ - وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَيِ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄: " مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الدُّنْيَا فِي " بَابُ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ "، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ــ ٤٢٠٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ) : اللَّامُ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلِاسْتِغْرَاقِ (أَنْ يَأْكُلَ) : أَيْ بِسَبَبِ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ لِأَجْلِ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ وَقْتَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِيَرْضَى يَعْنِي يُحِبُّ مِنْهُ أَنْ يَأْكُلَ (الْأَكْلَةَ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيِ: الْمَرَّةَ مِنَ الْأَكْلِ حَتَّى يَشْبَعَ وَيُرْوَى بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيِ: اللُّقْمَةُ وَهِيَ أَبْلَغُ فِي بَيَانِ اهْتِمَامِ أَدَاءِ الْحَمْدِ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْفَقُ مَعَ قَوْلِهِ: أَوْ يَشْرَبُ الشَّرْبَةَ، فَإِنَّهَا بِالْفَتْحِ لَا غَيْرَ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلِهِ (فَيَحْمَدُهُ) : بِالنَّصْبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ أَيْ: فَهُوَ - أَيِ الْعَبْدُ - يَحْمَدُهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: " فَيَحْمَدُ اللَّهَ "، (عَلَيْهَا) : أَيْ عَلَى الْأَكْلَةِ (أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا) : أَيْ عَلَى الشَّرْبَةِ، وَ " أَوْ ": لِلتَّنْوِيعِ، وَأَغْرَبَ الْحَنَفِيُّ وَقَالَ: لَعَلَّ هَذَا شَكُّ رَاوٍ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ) : أَيِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ هُنَا أَوَّلُهُمَا: (مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ) : أَيْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ (وَخَرَجَ) : أَيْ وَثَانِيهِمَا: خَرَجَ (النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الدُّنْيَا) : أَيْ وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ (فِي بَابِ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ) : أَيْ لِكَوْنِهِمَا أَنْسَبَ لَهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) : مُتَعَلِّقٌ بِسَنَذْكُرُ.

стр. 5836

الْفَصْلُ الثَّانِي. ٤٢٠١ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقُرِّبَ طَعَامٌ، فَلَمْ أَرَ طَعَامًا كَانَ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْهُ أَوَّلَ مَا أَكَلْنَا، وَلَا أَقَلَّ بَرَكَةً فِي آخِرِهِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ هَذَا؟ قَالَ: " إِنَّا ذَكَرْنَا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ أَكَلْنَا، ثُمَّ قَعَدَ مَنْ أَكَلَ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ فَأَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ» ". رَوَاهُ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ". ــ الْفَصْلُ الثَّانِي. ٤٢٠١ - (عَنْ أَبِي أَيُّوبَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقُرِّبَ طَعَامٌ) : أَيْ: إِلَيْهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (فَلَمْ أَرَ طَعَامًا كَانَ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْهُ أَوَّلَ مَا أَكَلْنَا) : أَيْ أَوَّلَ وَقْتِ أَكْلِنَا، فَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَأَوَّلَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَلَا أَقَلَّ بَرَكَةً) : أَيْ مِنْهُ (فِي آخِرِهِ) : أَيْ فِي آخِرِ وَقْتٍ أَكَلْنَا إِيَّاهُ (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ هَذَا؟) : أَيْ بَيِّنْ لَنَا الْحِكْمَةَ وَالسَّبَبَ فِي حُصُولِ عَظَمَةِ الْبَرَكَةِ وَكَثْرَتِهَا فِي أَوَّلِ أَكْلِنَا هَذَا الطَّعَامَ، وَقِلَّتِهَا فِي آخِرِهِ وَانْعِدَامِ الْبَرَكَةِ مِنْهُ. (قَالَ: " إِنَّا ") : أَيْ جَمِيعُنَا عَلَى مُقْتَضَى السُّنَّةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعَلَى مُوجِبِ دَأْبِهِ الْمُسْتَمِرِّ مَعَ أَصْحَابِهِ (ذَكَرْنَا اسْمَ اللَّهِ حِينَ أَكَلْنَا) : وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ سُنَّةَ التَّسْمِيَةِ تَحْصُلُ بِسْمِ اللَّهِ، وَأَمَّا زِيَادَةُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهِيَ أَكْمَلُ، كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَإِذَا اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ لِأَفْضَلِيَّةِ ذَلِكَ دَلِيلًا خَاصًّا، وَتُنْدَبُ الْبَسْمَلَةُ حَتَّى لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ إِنْ لَمْ يَقْصِدُوا بِهَا قُرْآنًا: وَإِلَّا حَرُمَتْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: لَا تُنْدَبُ فِي مَكْرُوهٍ وَلَا حَرَامٍ، بَلْ لَوْ سَمَّى عَلَى خَمْرٍ كَفَرَ عَلَى مَا فِيهِ مَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَحَلِّهِ. ( «ثُمَّ قَعَدَ مَنْ أَكَلَ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ، فَأَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ» ) : أَيْ فَانْعَدَمَ بَرَكَتُهُ بِسُرْعَةٍ وَلَمْ يَمْتَنِعْ شَيْطَانُهُ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَتِنَا، وَأَكْلُ الشَّيْطَانِ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا لِإِمْكَانِهِ عَقْلًا وَإِثْبَاتِهِ شَرْعًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ سَبَقَ عَنِ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا رَوَاهُ النَّوَوِيُّ أَنَّ وَاحِدًا لَوْ سَمَّى فِي جَمَاعَةٍ يَأْكُلُونَ لَكَفَى ذَلِكَ، وَسَقَطَ عَنِ الْكُلِّ، فَتَنْزِيلُهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : (ثُمَّ قَعَدَ) أَيْ: بَعْدَ فَرَاغِنَا مِنَ الطَّعَامِ وَلَمْ يُسَمِّ، أَوْ يُقَالُ: إِنَّ شَيْطَانَ هَذَا الرَّجُلِ جَاءَ مَعَهُ، فَلَمْ تَكُنْ تَسْمِيَتُنَا مُؤَثِّرَةً فِيهِ وَلَا هُوَ سَمَّى، يَعْنِي لِتَكُونَ تَسْمِيَتُهُ مَانِعَةً مِنْ أَكْلِ شَيْطَانِهِ مَعَهُ، وَتَعَقَّبَهُ مِيرَكُ شَاهْ بِقَوْلِهِ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ التَّوْجِيهَ الْأَوَّلَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ; إِنَّ كَلِمَةَ " ثُمَّ " لَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَى تَرَاخِي قُعُودِ الرَّجُلِ عَنْ أَوَّلِ اشْتِغَالِهِمْ بِالْأَكْلِ، وَأَمَّا عَلَى تَرَاخِيهِ عَنْ فَرَاغِهِمْ مِنَ الْأَكْلِ كَمَا ادَّعَاهُ فَلَا، وَأَمَّا التَّوْجِيهُ الثَّانِي فَحَسَنٌ، لَكِنْ لَيْسَ صَرِيحًا فِي رَفْعِ التَّنَاقُضِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَبَيْنَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا اشْتَغَلَ جَمَاعَةٌ بِالْأَكْلِ مَعًا وَسَمَّى وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ تَسْمِيَةُ هَذَا الْوَاحِدِ تُجْزِئُ عَنِ الْبَوَاقِي مِنَ الْحَاضِرِينَ لَا عَنْ شَخْصٍ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا مَعَهُمْ وَقْتَ التَّسْمِيَةِ، إِذِ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّسْمِيَةِ عَدَمُ تَمَكُّنِ الشَّيْطَانِ مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ مَعَ الْأَكْلِ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَإِذَا لَمْ يَحْضُرْ إِنْسَانٌ فِي وَقْتِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ لَمْ تُؤَثِّرْ تِلْكَ التَّسْمِيَةُ فِي عَدَمِ تَمَكُّنِ شَيْطَانِ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَكْلِ مَعَهُ، تَأَمَّلْ. (رَوَاهُ) : أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.

стр. 5837

٤٢٠٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَنَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ عَلَى طَعَامِهِ ; فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٢٠٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَنَسِيَ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُخَفَّفَةِ، فَفِيهِ بَيَانُ الْجَوَازِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ - عَنْ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ نَسِيتُ، وَإِنَّمَا يَقُولُ: أُنْسِيتُ أَوْ نُسِّيتُ بِالتَّشْدِيدِ إِذِ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْسَاهُ - تَنْزِيهِيٌّ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ.

стр. 5838

الْأَدَبُ اللَّفْظِيُّ الَّذِي لَا حُرْمَةَ فِي مُخَالَفَتِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] وَالْمَعْنَى تَرَكَ نِسْيَانًا (أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ عَلَى طَعَامِهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ " عَلَى الطَّعَامِ " أَيِ: الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَهُ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مُطْلَقَ الذِّكْرِ لِلَّهِ كَافٍ فِي ابْتِدَاءِ الْأَكْلِ، وَلَكِنَّ الْبَسْمَلَةَ أَفْضَلُ، فَفِي الْمُحِيطِ: لَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ، فَكَذَا فِي أَوَّلِ الْأَكْلِ ; لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ آكَدُ، بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ بِوُجُوبِهِمَا، وَقِيلَ بِكَوْنِهَا شَرْطًا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا نَسِيَ حِينَ الشُّرُوعِ فِي الْأَكْلِ ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي أَثْنَائِهِ أَنَّهُ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ أَوَّلًا (فَلْيَقُلْ) : أَيْ نَدْبًا (بِسْمِ اللَّهِ) : الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ أَوِ الِاسْتِعَانَةِ (أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) : بِنَصْبِهِمَا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ: فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، وَالْمَعْنَى عَلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، كَمَا يَشْهَدُ لَهُ الْمَعْنَى الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ التَّسْمِيَةُ، فَلَا يُقَالُ ذِكْرُهُمَا يُخْرِجُ الْوَسَطَ. فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] مَعَ قَوْلِهِ : ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِأَوَّلِهِ النِّصْفُ الْأَوَّلُ، وَبِآخِرِهِ النِّصْفُ الثَّانِي، فَيَحْصُلُ الِاسْتِيفَاءُ وَالِاسْتِيعَابُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَقِيلَ: نَصْبُهُمَا عَلَى أَنَّهُمَا مَفْعُولَا فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: أَكَلْتُ أَوَّلَهُ وَآكُلُ آخِرَهُ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الطِّيبِيِّ أَيْ: آكُلُ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ مُسْتَعِينًا بِاسْمِ اللَّهِ، فَيَكُونُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حَالًا مِنْ فَاعِلِ الْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ أَكْلَ أَوَّلِهِ لَيْسَ فِي زَمَانِ الِاسْتِعَانَةِ بِاسْمِ اللَّهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وَقْتِ أَكْلِ أَوَّلِهِ مُسْتَعِينًا بِهِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ فِي وَقْتِ أَكْلِ أَوَّلِهِ مُسْتَعِينٌ بِهِ حُكْمًا ; لِأَنَّ حَالَ الْمُؤْمِنِ وَثَنَاءَهُ هُوَ الِاسْتِعَانَةُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ ; وَإِنْ لَمْ يَجْرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَى لِسَانِهِ لِنِسْيَانِهِ، وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ نِسْيَانَ التَّسْمِيَةِ حَالَ الذَّبْحِ مَعْفُوٌّ مَعَ أَنَّهَا شَرْطٌ، فَكَيْفَ وَالتَّسْمِيَةُ مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْأَكْلِ إِجْمَاعًا، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ فَسَادُ كَلَامِ شَارِحٍ قَالَ: فَنَسِيَ أَوْ تَرَكَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، فَإِنَّ النَّاسِيَ مَعْذُورٌ، فَأَمْكَنَ أَنْ يَتَدَارَكَ مَا فَاتَهُ بِخِلَافِ الْمُتَعَمِّدِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: وَأَلْحَقَ بِهِ أَئِمَّتُنَا مَا إِذَا تَعَمَّدَ أَوْ جَهِلَ أَوْ أُكْرِهَ اهـ. أَمَّا الْعَمْدُ ; فَقَدْ عَرَفْتَهُ، وَأَمَّا الْجَهْلُ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا تَرَكَ ذِكْرَ اللَّهِ أَوَّلَ أَكْلِهِ جَهْلًا تَكُونُ التَّسْمِيَةُ سُنَّةً، فَلْيَقُلْ فِي أَثْنَائِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَ الْمَسْأَلَةَ فِي أَثْنَاءِ أَكْلَتِهِ، وَلَا يَخْفَى نُدْرَتُهُ مَعَ أَنَّا نَقُولُ: إِنَّ الْجَهْلَ عُذْرٌ كَالنِّسْيَانِ بِخِلَافِ الْعَمْدِ فَلَا يَسْتَوِيَانِ، وَأَمَّا الْإِكْرَاهُ فَأَشَدُّ مِنْهُمَا عُذْرًا، مَعَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مَنْعُهُ عَنِ الْبَسْمَلَةِ إِلَّا جَهْرًا أَوْ نِسْيَانًا، فَحِينَئِذٍ يَكْتَفِي بِذِكْرِ اللَّهِ جَنَانًا. فَأَيْنَ هَذَا مِنَ التَّعَمُّدِ؟ وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فَذَكَرَهَا فِي خِلَالِ الْوُضُوءِ فَسَمَّى لَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ بِخِلَافِ نَحْوِهِ فِي الْأَكْلِ، كَذَا فِي الْغَايَةِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْوُضُوءَ عَمَلٌ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَسْتَلْزِمُ فِي الْأَكْلِ تَحْصِيلُ السُّنَّةِ فِي الْبَاقِي لَا اسْتِدْرَاكُ مَا فَاتَ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَوْ سَمَّى بَعْدَ فَرَاغِ الْأَكْلِ لَا يَكُونُ آتِيًا بِالسُّنَّةِ، لَكِنْ لَا يَخْلُو عَنِ الْفَائِدَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَشْمَلُهُ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ، فَقَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: لَا يَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ فَرَاغِ الطَّعَامِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا شُرِعَ لِيُمْنَعَ الشَّيْطَانُ، وَبِالْفَرَاغِ لَا يُمْنَعُ - مَرْدُودٌ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِنَّمَا شُرِعَ لِذَلِكَ فَحَسْبُ، وَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنَّهُ شُرِعَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَيْضًا لِيَقِيءَ الشَّيْطَانُ مَا أَكَلَهُ، وَالْمَقْصُودُ حُصُولُ ضَرُورَةٍ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي الْحَالَيْنِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِهَذَا الْغَرَضِ أَيْضًا لَأَمَرَ مَنْ قَعَدَ لِلْأَكْلِ وَلَمْ يُسَمِّ سَابِقًا بِالتَّسْمِيَةِ لَاحِقًا، وَسَيَأْتِي التَّقْيِيدُ بِاللُّقْمَةِ الْبَاقِيَةِ لِلِاسْتِقْصَاءِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا الْحَاكِمُ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ» ".

стр. 5839

٤٢٠٣ - وَعَنْ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلَّا لُقْمَةٌ، فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: " مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٢٠٣ - (وَعَنْ أُمَيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ) : بِالتَّصْغِيرِ (ابْنِ مَخْشِيٍّ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ: خُزَاعِيٌّ أَسَدِيٌّ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ، حَدِيثُهُ فِي الطَّعَامِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَخِيهِ الْمُثَنَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلَّا لُقْمَةٌ» ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ (فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ) : أَيْ فَمِهِ ( «قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ » -) : أَيْ تَعَجُّبًا لِمَا كُشِفَ لَهُ فِي ذَلِكَ (ثُمَّ قَالَ: «مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ» ) : أَيِ الشَّيْطَانُ (مَا فِي بَطْنِهِ) : أَيِ اسْتَرَدَّ مِنْهُ مَا اسْتَبَاحَهُ، وَالِاسْتِقَاءُ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْقَيْءِ بِمَعْنَى الِاسْتِفْرَاغِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، أَوِ الْمُرَادُ الْبَرَكَةُ الذَّاهِبَةُ بِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ، كَأَنَّهَا كَانَتْ فِي جَوْفِ الشَّيْطَانِ أَمَانَةً فَلَمَّا سَمَّى رَجَعَتْ إِلَى الطَّعَامِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ صَارَ مَا كَانَ لَهُ وَبَالًا عَلَيْهِ مُسْتَلَبًا عَنْهُ بِالتَّسْمِيَةِ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِمَالِ غَيْرُ مَوْثُوقٍ فِيهِ، فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَطَّلِعُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِي بَرِيَّتِهِ عَلَى مَا لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى مَعْرِفَتِهِ إِلَّا بِالتَّوْفِيقِ مِنْ جِهَتِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مِنَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَهُ حَظٌّ مِنْ تَطْيِيرِ الْبَرَكَةِ مِنَ الطَّعَامِ عَلَى تَفْسِيرِهِ، وَعَلَى تَفْسِيرِ النَّوَوِيِّ ﵀ فَهُوَ ظَاهِرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَقُولُ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مَعَ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ، فَيَنْدَفِعُ الْقَوْلُ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ، وَحَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ يَأْكُلُ وَحْدَهُ بِحَضْرَتِهِمْ أَوْ صَارَ مُلْحَقًا بِهِمْ فَبَعِيدٌ جِدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

стр. 5840

٤٢٠٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. ــ ٤٢٠٤ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ» ) : أَيْ مِنْ أَكْلِ مَأْكُولِهِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْهُ فِي بَيْتِهِ مَعَ أَهْلِهِ، أَوْ مَعَ أَضْيَافِهِ، أَوْ فِي مَنْزِلِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ الْآتِي، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ شَارَكَ أُمَّتَهُ الضَّعِيفَةَ مِنْ ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ. (قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» ) : أَيْ مُوَحِّدِينَ مُنْقَادِينَ لِجَمِيعِ أُمُورِ الدِّينِ، ثُمَّ فَائِدَةُ الْحَمْدِ بَعْدَ الطَّعَامِ أَدَاءُ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَطَلَبُ زِيَادَةِ النِّعْمَةِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَجْدِيدِ حَمْدِ اللَّهِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعْمَةِ مِنْ حُصُولِ مَا كَانَ الْإِنْسَانُ يَتَوَقَّعُ حُصُولَهُ، وَانْدِفَاعِ مَا كَانَ يَخَافُ وُقُوعَهُ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْبَاعِثُ هُنَا هُوَ الطَّعَامَ ذَكَرَهُ أَوَّلًا لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ، وَكَانَ السَّقْيُ مَنْ تَتِمَّتِهِ لِكَوْنِهِ مُقَارِبًا لَهُ فِي التَّحْقِيقِ غَالِبًا، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِنْ ذِكْرِ النِّعْمَةِ الظَّاهِرَةِ إِلَى النِّعَمِ الْبَاطِنَةِ، فَذَكَرَ مَا هُوَ أَشْرَفُهَا، وَخَتَمَ بِهِ ; لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى كَمَالِ الِانْقِيَادِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِهِمَا قَدَرًا وَوُصْفًا وَوَقْتًا، احْتِيَاجًا وَاسْتِغْنَاءً بِحَسَبِ مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ السُّنِّيِّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.

стр. 5841

٤٢٠٥ - وَعَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. ــ ٤٢٠٥ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (الطَّاعِمُ) : أَيِ: الْآكِلُ الشَّارِبُ (الشَّاكِرُ) : قِيلَ: أَقَلُّ شُكْرِهِ أَنْ يُسَمِّيَ إِذَا أَكَلَ، وَيَحْمَدَ إِذَا فَرَغَ.

стр. 5842

(كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ) : وَأَقَلُّ صَبْرِهِ أَنْ يَحْبِسَ نَفْسَهُ عَنْ مُفَسِدَاتِ الصَّوْمِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا تَشْبِيهٌ فِي أَصْلِ اسْتِحْقَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْأَجْرَ لَا فِي الْمِقْدَارِ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: زَيْدٌ كَعَمْرٍو، وَمَعْنَاهُ زَيْدٌ يُشْبِهُ عَمْرًا فِي بَعْضِ الْخِصَالِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُمَاثَلَةُ فِي جَمِيعِهَا، فَلَا يَلْزَمُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْأَجْرِ أَيْضًا اهـ. وَمَحْمِلُهُ أَنَّ الْإِيمَانَ نِصْفَانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ وَنِصْفٌ شُكْرٌ عَلَى مَا وَرَدَ مُطَابِقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥] وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ ; لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ يَكُونُ أَقْوَى مِنَ الْمُشَبَّهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.

стр. 5843

٤٢٠٦ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَنَّةَ، عَنْ أَبِيهِ. ــ ٤٢٠٦ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ سِنَانِ) . بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ (ابْنِ سَنَّةَ) : بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ (عَنْ أَبِيهِ) : أَيْ " سَنَّةَ ". وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ، وَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ " بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ سِنَانِ بْنِ سَنَّةَ، وَلَفْظُهُ: " «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ» ".

стр. 5844

٤٢٠٧ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ، وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٢٠٧ - (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ» ) : الظَّاهِرُ أَنَّ " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاوِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، أَيْ: إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا ( «قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى» ) : وَلَعَلَّ حَذْفَ الْمَفْعُولِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ (وَسَوَّغَهُ) : أَيْ سَهَّلَ دُخُولَ كُلٍّ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي الْحَلْقِ (وَجَعَلَ لَهُ) : أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (مَخْرَجًا) : أَيْ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، فَتَخْرُجُ مِنْهُمَا الْفَضْلَةُ ; فَإِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ لِلطَّعَامِ مُقَامًا فِي الْمَعِدَةِ زَمَانًا كَيْ تَنْقَسِمَ مَضَارُّهُ وَمَنَافِعُهُ، فَيَبْقَى مَا يَتَعَلَّقُ بِاللَّحْمِ وَالدَّمِ وَالشَّحْمِ، وَيَنْدَفِعُ بَاقِيهِ، وَذَلِكَ مِنْ عَجَائِبِ مَصْنُوعَاتِهِ، وَمِنْ كَمَالِ فَضْلِهِ وَلُطْفِهِ بِمَخْلُوقَاتِهِ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ! ، قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀: ذَكَرَ هُنَا نِعَمًا أَرْبَعًا: الْإِطْعَامُ، وَالسَّقْيُ، وَالتَّسْوِيغُ وَهُوَ تَسْهِيلُ الدُّخُولِ فِي الْحَلْقِ فَإِنَّهُ خَلَقَ الْأَسْنَانَ لِلْمَضْغِ، وَالرِّيقَ لِلْبَلْعِ، وَجَعَلَ الْمَعِدَةَ مُقَسِّمًا لِلطَّعَامِ لَهَا مَخَارِجُ، فَالصَّالِحُ مِنْهُ يَنْبَعِثُ إِلَى الْكَبِدِ، وَغَيْرُهُ يَنْدَفِعُ مِنْ طَرِيقِ الْأَمْعَاءِ، كُلُّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ، وَنِعْمَةٌ يَجِبُ الْقِيَامُ بِوَاجِبِهَا مِنَ الشُّكْرِ بِالْجَنَانِ وَالْبَثِّ بِاللِّسَانِ وَالْعَمَلِ بِالْأَرْكَانِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.

стр. 5845

٤٢٠٨ - وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: «قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ بَعْدَهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٢٠٨ - (وَعَنْ سَلْمَانَ) : أَيِ الْفَارِسِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ) : أَيْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ (أَنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ) : بِفَتْحِ أَنَّ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا (الْوُضُوءُ) : أَيْ غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَالْفَمِ مِنَ الزُّهُومَةِ إِطْلَاقًا لِلْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ مَجَازًا أَوْ بِنَاءً عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالْعُرْفِيِّ (بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ أَكْلِ الطَّعَامِ (فَذَكَرْتُ) : أَيْ ذَلِكَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، وَهُوَ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ أَيِ الْمَقْرُوءَ الْمَذْكُورَ (لِلنَّبِيِّ ﷺ ) . وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ بِقَوْلِهِ: " وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ "، وَهُوَ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَذَكَرْتُ، أَيْ سَأَلْتُ هَلْ بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ بَعْدَهُ، وَالْحَالُ أَنِّي أَخْبَرْتُهُ بِمَا قَرَأْتُهُ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الِاخْتِصَارِ عَلَى تَقْيِيدِ الْوُضُوءِ بِمَا بَعْدَهُ، ( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ» ) : تَكْرِيمًا لَهُ (وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ) : إِزَالَةً لِمَا لَصِقَ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ

стр. 5846

مِنْهُ ﷺ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى تَحْرِيفِ مَا فِي التَّوْرَاةِ، وَأَنْ يَكُونَ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ شَرِيعَتَهُ زَادَتِ الْوُضُوءَ قَبْلَهُ أَيْضًا اسْتِقْبَالًا لِلنِّعْمَةِ بِالطَّهَارَةِ الْمُشْعِرَةِ لِلتَّعْظِيمِ عَلَى مَا وَرَدَ: " «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» "، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ أَنَّ الْجَوَابَ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي الْوُضُوءِ أَوَّلًا أَيْضًا أَنَّ الْأَكْلَ بَعْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ يَكُونُ أَهْنَأَ وَأَمْرَأَ؟ وَلِأَنَّ الْيَدَ لَا تَخْلُو عَنْ تَلَوُّثٍ فِي تَعَاطِي الْأَعْمَالِ، فَغَسْلُهَا أَقْرَبُ إِلَى النَّظَافَةِ وَالنَّزَاهَةِ، وَلِأَنَّ الْأَكْلَ يُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِعَانَةُ عَلَى الْعِبَادَةِ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَجْرِيَ مَجْرَى الطَّهَارَةِ مِنَ الصَّلَاةِ. فَيَبْدَأُ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْوُضُوءِ الثَّانِي غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَالْفَمِ مِنَ الدُّسُومَاتِ. قَالَ ﷺ : ( «مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ» ) بِفَتْحَتَيْنِ - وَ «لَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» ". أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي جَامِعِهِ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَوَرَدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: " «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ اللُّحُومِ شَيْئًا فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ مِنْ رِيحٍ وَغَيْرِهِ، وَلَا يُؤْذِي مَنْ حَذَاهُ» ". قِيلَ: وَمَعْنَى بَرَكَةِ الطَّعَامِ مِنَ الْوُضُوءِ قَبْلَهُ النُّمُوُّ وَالزِّيَادَةُ فِيهِ نَفْسِهِ، وَبِعْدَهُ النُّمُوُّ وَالزِّيَادَةُ فِي فَوَائِدِهَا وَآثَارِهَا لِأَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِسُكُونِ النَّفْسِ وَقَرَارِهَا، وَسَبَبًا لِلطَّاعَاتِ، وَتَقْوِيَةً لِلْعِبَادَاتِ فِي الْأَخْلَاقِ الْمَرْضِيَّةِ، وَالْأَفْعَالِ السَّنِيَّةِ، وَجَعْلُهُ مَعْنَى الْبَرَكَةِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَإِلَّا فَالْمُرَادُ أَنَّهَا تَنْشَأُ عَنْهُ، وَأَغْرَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ: الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ هُنَا الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ، وَهُوَ خِلَافُ مَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ مِنْ أَنَّ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ لَيْسَ بِسُنَّةٍ عِنْدَ الْأَكْلِ. وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ: الْإِتْيَانُ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ التَّنَاوُلِ وَالْفَرَاغِ إِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فِي طَعَامٍ تَتَلَوَّثُ عَنْهُ الْيَدُ وَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْوَضَرُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . أَيْ فِي جَامِعِهِ وَشَمَائِلِهِ (وَأَبُو دَاوُدَ) ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إِيرَادِ الْحَدِيثِ فِي جَامِعِهِ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ، ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ - يَعْنِي حَدِيثَ سَلْمَانَ - إِلَّا مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ وَهُوَ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ: وَقَالَ ابْنُ الْمَدَنِيِّ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَكْرَهُ غَسْلَ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُوضَعَ الرَّغِيفُ تَحْتَ الْقَصْعَةِ اهـ. كَلَامُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْكَاشِفِ فِي تَرْجَمَةِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ: كَانَ شُعْبَةُ يُثْنِي عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ، مَحَلُّهُ الصِّدْقُ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عَامَّةُ رِوَايَاتِهِ مُسْتَقِيمَةٌ اهـ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي التَّقْرِيبِ: صَدُوقٌ تَغَيَّرَ بِالْآخِرَةِ لَمَّا كَبِرَ، وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ ابْنُهُ مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِهِ، بَلْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْهُ، وَفِي طَرِيقٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجُرْجَانِيِّ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ، وَالطُّرُقُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا.

стр. 5847

٤٢٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ، فَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالُوا: أَلَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ؟ قَالَ: " إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. ــ ٤٢٠٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ» ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ مَمْدُودًا: الْمَكَانُ الْخَالِي، وَهُوَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (فَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالُوا) : أَيْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ﵃ (أَلَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ مَاءٍ يُتَوَضَّأُ بِهِ، وَمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ عَلَى الْعَرْضِ نَحْوَ: أَلَا تَنْزِلُ عِنْدَنَا؟ ، وَالْمَعْنَى أَلَا نَتَوَضَّأُ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الْوُضُوءَ وَاجِبٌ قَبْلَ الْأَكْلِ. (قَالَ: إِنَّمَا أُمِرْتُ) : أَيْ وُجُوبًا (بِالْوُضُوءِ) : أَيْ بَعْدَ الْحَدَثِ (إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ) : أَيْ أَرَدْتُ الْقِيَامَ لَهَا، وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، وَإِلَّا فَيَجِبُ الْوُضُوءُ عِنْدَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَحَالِ الطَّوَافِ، وَكَأَنَّهُ ﷺ عَلِمَ مِنَ السَّائِلِ أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ قَبْلَ الطَّعَامِ وَاجِبٌ مَأْمُورٌ بِهِ، فَنَفَاهُ عَلَى طَرِيقِ الْأَبْلَغِ حَيْثُ أَتَى بِأَدَاةِ الْحَصْرِ، وَأَسْنَدَ الْأَمْرَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ لَا يُنَافِي جَوَازَهُ، بَلِ اسْتِحْبَابُهُ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ الْعُرْفِيِّ سَوَاءٌ غَسَلَ يَدَيْهِ عِنْدَ شُرُوعِهِ فِي الْأَكْلِ أَمْ لَا. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَا غَسَلَهُمَا لِبَيَانِ الْجَوَازِ مَعَ أَنَّهُ آكَدُ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ الْمَفْهُومِ مِنْ جَوَابِهِ ﷺ وَفِي الْجُمْلَةِ لَا يَتِمُّ اسْتِدْلَالُ مَنِ احْتَجَّ بِهِ عَلَى نَفْيِ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا قَبْلَ الطَّعَامِ، مَعَ أَنَّ فِي نَفْسِ السُّؤَالِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ كَانَ الْوُضُوءُ عِنْدَ الطَّعَامِ مِنْ دَأْبِهِ ﵇، وَإِنَّمَا نَفَى الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ، فَبَقِيَ الْوُضُوءُ الْعُرْفِيُّ عَلَى حَالِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْمَفْهُومُ أَيْضًا، فَمَعَ وُجُودِ الِاحْتِمَالِ سَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.

стр. 5848

٤٢١٠ - وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ــ ٤٢١٠ - (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ .

стр. 5849

٤٢١١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّهُ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ. فَقَالَ: " كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا ; فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ، وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْ أَسْفَلِهَا ; فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا» ". ــ ٤٢١١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا) : لَمْ يَقُلْ عَنْهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْنَوْنُ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ هُوَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄. (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ أَتَى بِقَصْعَةٍ) : أَيْ قَدَحٍ كَبِيرٍ (مِنْ ثَرِيدٍ) : وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ يَثْرُدُ الْخُبْزَ أَيْ يُكَسِّرُ وَيُفَتِّتُ فِي مَرَقِ اللَّحْمِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَهُ اللَّحْمُ، وَوَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ: " «أَثْرِدُوا وَلَوْ بِالْمَاءِ» ". (فَقَالَ: كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا) : فِيهِ مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ: أَيْ لِيَأْكُلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبِهِ (وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا) : بِسُكُونِ السِّينِ وَيُفْتَحُ ( «فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا» ) : وَالْوَسَطُ أَعْدَلُ الْمَوَاضِعِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِنُزُولِ الْبَرَكَةِ فِيهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) ، وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: " «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ، وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْ أَسْفَلِهَا» ) : أَيْ مِنْ جَانِبِهَا الَّذِي يَلِيهِ ( «فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا» ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ مَا يَزِيدُ فِي الطَّعَامِ بِمَا يَنْزِلُ مِنَ الْأَعَالِي مِنَ الْمَائِعِ وَمَا يُشْبِهُهُ، فَهُوَ يَنْصَبُّ إِلَى الْوَسَطِ، ثُمَّ يَنْبَثُّ مِنْهُ إِلَى الْأَطْرَافِ، وَكُلُّ مَا أُخِذَ مِنَ الطَّرَفِ يَجِيءُ مِنَ الْأَعْلَى بَدَلُهُ، فَإِذَا أَخَذَ مِنَ الْأَعْلَى انْقَطَعَ، قُلْتُ: وَلَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ الْأَعْلَى قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَإِذَا حَمَلَهُ الْحِرْصُ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهُ فَيَنْقَطِعُ الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ مِنْ شَآمَتِهِ، فَإِنَّ الْحِرْصَ شُؤْمٌ وَالْحَرِيصُ مَحْرُومٌ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ: " «كُلُوا مِنْ حَوَالَيْهَا وَذَرُوا ذُرْوَتَهَا يُبَارَكُ فِيهَا» "، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ عَنْ وَاثِلَةَ: " «كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ مِنْ حَوَالَيْهَا، وأَعْفُوا رَأْسَهَا ; فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَأْتِيهَا مِنْ فَوْقِهَا» ".

стр. 5850

٤٢١٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: «مَا رُئِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مُتَّكِئًا قَطُّ، وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ رَجُلَانِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ــ ٤٢١٢ - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : بِالْوَاوِ ﵄ (قَالَ: «مَا رُؤِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مُتَّكِئًا» ) : أَيْ مُتَرَبِّعًا أَوْ مَائِلًا إِلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ قَطُّ، (وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ رَجُلَانِ) : أَيْ لَا يَمْشِي قُدَّامَ الْقَوْمِ، بَلْ يَمْشِي فِي وَسَطِ الْجَمْعِ، أَوْ فِي آخِرِهِمْ تَوَاضُعًا، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُظْهِرُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: التَّثْنِيَةُ فِي " رَجُلَانِ " لَا تُسَاعِدُ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَلَعَلَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ تَوَاضُعِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْشِي مَشْيَ الْجَبَابِرَةِ مَعَ الْأَتْبَاعِ وَالْخَدَمِ، وَيُؤَيِّدُهُ اقْتِرَانُهُ بِقَوْلِهِ: " «مَا رُؤِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مُتَّكِئًا» " فَإِنَّهُ كَانَ مَنْ دَأْبِ الْمُتْرَفِينَ، وَدَعَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى رَجُلٍ قَالَ: " «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ كَذَبَ فَاجْعَلْهُ مُوَطَّأَ الْعَقِبِ» " أَيْ كَثِيرَ الْأَتْبَاعِ، دَعَا عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ سُلْطَانًا أَوْ مُقَدَّمًا أَوْ ذَا مَالٍ، فَيَتْبَعُهُ النَّاسُ وَيَمْشُونَ وَرَاءَهُ اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَا يُنَافِي كَلَامَ غَيْرِهِ، وَفَائِدَةُ التَّثْنِيَةِ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَاحِدٌ مِنَ الْخُدَّامِ وَرَاءَهُ كَأَنَسٍ وَغَيْرِهِ لِمَكَانِ الْحَاجَةِ بِهِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي التَّوَاضُعَ مِنْ أَصْلِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
следующие страницы →